تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم HaboOoshy
تأخر الليلة نوعا ما.. رغم أنه ليس تأخيرا بالمعنى الفعلي!!
ولكنها الليلة بالذات تمنت ألا يتأخر..
فجوزاء أخبرتها أنهم سيذهبون للشاليهات وسيباتون هناك ليلتين..
لذا هي تعلم أن الطابق العلوي كاملا لا يوجد به سواها..
وحتى في الأسفل لا يوجد إلا عمها وعمتها وهما بالتأكيد نائمان الآن..
وهي تشعر بخوف طبيعي... رغم أنها في أحيان كثيرة تخاف من فهد شخصيا..
ولكن الخوف من شيء معلوم أهون من الخوف من شيء مجهول!!
" يمه بسم الله الرحمن الرحيم..
كل شيء صار يتهيأ لي.. وصرت من خبالي أسمع أصوات غريبة
والزفت ذا لحد الحين ما جا...
من زين نفعته عاد.. !!
بس يا الله اسمه موجود..
ليت ربي يخلصني بس من وجوده..
ذا الايام ماتبي تخلص عشان يفارق..وأروح لبيت هلي!!"
تهيأ لها أنها سمعت صوت فتح الباب.. مع أنها أغلقته وسحبت مفتاحها..
" أكيد فهد.. هو اللي معه المفتاح!!"
خرجت من غرفتها لغرفة الجلوس.. فلم تجد أحدا فيها..
تزايد الرعب في قلبها وهي ترى باب الغرفة الخالية مفتوح وإضاءتها مشعلة..
عادت للغرفة وتناولت هاتفها.. وهي تعود لتقف في الممر من شدة توترها ورعبها..
اتصلت بفهد.. وللمرة الأولى تفعلها.. منذ أدخل هو رقمه في هاتفها على سبيل الواجب..
أرادت أن تتأكد إن كان هو الموجود في الغرفة!!
وبالفعل سمعت صوت رنين هاتفه يأتيها من الغرفة الخالية.. وضعت هاتفها على طاولة الممر..
وتقدمت بترقب به نوع من الفضول ( وش يسوي هناك؟؟)
حين دخلت كانت الغرفة خالية تماما كما رأتها آخر مرة... إلا من شيء واحد..
كان ملقى بقرب باب الحمام..
في البداية لم تدقق النظر فاقتربت.. لتتعرف فورا على ماهية الموجود.. ورائحته..
ولتصرخ صرخة مبتورة.. ويسقط مغشيا عليها بلا مقدمات!!
كان ثوب فهد غارقا في الدم.. ورائحة الدم بدت فائرة جدا!!
وهي تتعرف على الثوب الأبيض الذي تحول للون الأحمر من أزراره التي أرتداها اليوم عصرا!!
فهد ما أن سمع صوت صرختها حتى خرج من الحمام بجزع..
وهو يلف وسطه بفوطة أخذها من خزائن الصالة العلوية التي يعلم أنها دائما تحتوي مناشف نظيفة..
حتى لا يدخل على جميلة بمظهره هذا ويسبب لها الرعب..
فهو بداية صعد بثقة أن أحدا لن يراه لأن والديه نائمين.. وشقيقيه خارج البيت..
ثم دخل بهدوء حتى لا تنتبه تحسبا أن تكون جميلة لم تنم بعد.. مع أنه تمنى أن تكون نامت..
ولكن حتى في هذه المرة التي كانت نيته صافية.. سار الأمر على غير رغبته..
وهاهي رأت ما خشي أن تراه من أجلها وليس من أجله!!
ولكنه لم يتخيل مطلقا أن تصل ردة فعلها إلى درجة الإغماء من مجرد رؤية بعض الدم !!!!
فهد انحنى عليها ليرفعها.. ولأن شعره كان مبلولا.. فقطرات الماء انحدرت من شعره على وجهها لتقوم بدورها في تفويقها..
وهي تشهق متيقظة من إغمائتها... وحالما رأت وجهه قريبا منها.. انخرطت في بكاء حاد وهي تحسس صدره وكتفيه بكلتا يديه:
أنت طيب؟؟ مافيك شيء؟؟ من وين الدم؟؟
جميلة كانت تتصرف بعفوية تامة وهي حتى لم تنتبه أنها كانت تتحسس جسده العاري..
ورعبها يوقف أي إحساس خاص لديها... سوى الاطمئنان على هذا الذي ظنته مصابا بجروح خطيرة حين رأت كل هذا الدم!!
حتى ولو كان فهد بنفسه لا يهمها بشكل شخصي...
ولكنه يبقى إنسانا أقرب إلى زميل سكن.. حتى لو كنت لا تتقبل زميلك في السكن ..
فيستحيل أن تكون بلا إحساس لو ظننته مصابا بهكذا إصابة!!
هكذا هم البشر!!
وإن كانت لمساتها ورعبها وشفافيتها ودموعها كانت عفوية جدا لديها دون تأثير خاص فيها!!
فهي كانت أبعد ما تكون عن العفوية عنده.. وتأثيرها أكثر من صارخ وحاد وموجع عليه..
فهو رغما عنه انتفض كالمحموم مع كل تربيتة من أناملها على جسده..
وارتعشت روحه مع كل دمعة رآها تتقاطر عبر أهدابها لأنه يعلم أن هذه الدموع مسكوبة من أجله هو!!
فهد حاول أن يبتعد عنها قليلا في رد فعل متأخر لمنع تأثيرها عليه... ولكنه كان فعلا رد فعل متأخر جدا..
لأن التأثير حدث وتعمق في روحه التي -رغما عن كل قساوته وجلافته- مازالت روحا بكرا هي من تطبع خطوطها الأولى عليها!!
هتف بنبرة مموهة وهو يحاول ألا ينظر ناحيتها: مافيني شيء.. بس كنت أنا وربعي نتناصع.. وواحد منهم تصوب تصويبة خفيفة في كتفه..
وأنا اللي شليته.. عشان كذا الدم غرقني!! (نتناصع = نتنافس في استخدام السلاح في إصابة علامات معينة)..
جميلة سألته بعفوية متأثرة: وعساه طيب الحين؟؟
فهد بذات النبرة المموهة : طيب.. ماخليته إلا عقب ما تطمنت عليه!!
جميلة حينها انتبهت أن هذا الجالس جوارها على الأرض عاري الصدر.. ولا يرتدي سوى منشفة..
منظر لم تراه مطلقا من قبل على الطبيعة.. ففهد لم يكن يخرج من غرفة التبديل إلا بعد أن يلبس على الأقل (فنيلته وسرواله)..
وبالطبع لم تراه سابقا أبدا.. فلم يكن لها والد ولا أخوة.. ولم تراه طبعا في خليفة..
ولا حتى في منصور الذي يستحيل أن يغادر غرفته إلا بملابسه الكاملة!!
تراجعت بعنف حقيقي.. ووجهها الخالي تماما من الزينة يتفجر بالاحمرار من شدة الخجل الذي خنقها..
لم تستطع حتى أن تقف وهي تخفض رأسها حتى لا تنظر ناحيته!!
فهد وقف.. وهي مازالت جالسة على الأرض..
مد يده لها لتقف.. لأنه ظن أنها لم تستطع الاستناد لساقها..
لكنها حين رأت يده المدودة.. همست بجزع: لا خلاص.. خلاص.. بأقوم بروحي..
فهد مستغرب منها ( لا تكون صدق مستحية ذي؟؟
وإلا يمكن مهيب متقبلة شوفتي عقب ناس ثانين تعودت عليهم؟؟)
الفكرة الأولى أثارت استيائه لأنها ظنها تتصنع الحياء..
والفكرة الثانية أثارت غيظه وغضبه لسبب يحاول ألا يتذكره ويتمنى لو أستطاع أن ينساه فعلا لشدة مابات يعذبه..
هي فعلا كان الوقوف من جلستها على الأرض صعب عليها.. وخصوصا وهي تشعر بخدر في عظامها من حالة الرعب التي اجتاحتها..
ثم من خجلها من هذا الواقف فوق رأسها بدون خجل!!
فهد حين رآها لم تقف بعد أمسك بعضديها وأوقفها أمامه دون أن يفلت عضديها.. جميلة أشاحت بنظرها عنه بخجل فطري..
وهي تنتظر أن يفلتها كما هو متوقع لتهرب لغرفتها..
لكنه لم يفلتها وهو يقربها منه قليلا دون أن يعرف السبب..
جميلة حين رأته يكاد يلصقها بصدره انتفضت وهي تخلص نفسها منه وتهرب لغرفتها..
لكنها ما كادت تصل وهي تتنتفس الصعداء حتى كان يصل خلفها وهو يشد عضدها ويديرها ناحيته بكل حدة..
ويهتف بذات الحدة كما لو كان يريد تعذيب نفسه بما يقوله: ممكن أعرف الحركة اللي سويتيها وش داعيها؟؟
يعني عشان مسكت عضدش هجيتي.. ماكأنه قد صار بينش وبين رجال ثاني أكثر من مسكة العضد بكثير..
مسوية فيها خجولة وتستحين؟!! وإلا تمنعين؟!!
علميني.. ليش إني الغشيم وأنتي الخبرة!!
( يا الله!! وش جنسك أنت؟؟ ما تشبع تجريح؟؟) جميلة شدت عضدها من يده وهي تهمس بحزم رقيق:
هذا أنت قلتها (عضدي) يعني كيفي لو مابغيتك تمسكه..
أستحي!! أتمنع!! أتدلع!! بكيفي بعد!!
وبعدين ليش ما تقول إني خايفة عليك تمرض لو استخدمت شيء مستخدم..
يمكن يكون مليان جراثيم وانت تمرض ياحرام!!
فهد صرخ فيها بغضب: ومن قال لش إني أتنازل عشان أقرب منش!!
أعتقد إني فهمتش ذا الكلام ألف مرة!!
جميلة ابتعدت عنه وهي تهمس بنبرة مقصودة: أنا فاهمة الكلام عدل..
بس أنت شكلك اللي مافهمته!!
( ياربي.. ولسانها طويل بعد!!
على شينه قوات عينه!!)
فهد لم يرد عليها وهو يتوجه للحمام لاستكمال استحمامه سريعا..
حين خرج.. ذهب ليبحث عن هاتفه في جيب ثوبه فلم يجد الثوب.. ولكنه سمع صوت التقيء الواضح القادم من الحمام..
دخل باستعجال جازع ليجدها تجلس على الأرض وتتقيأ في المرحاض..
رفعها دون أن يشعر وهو يفتح الحنفية ليغسل وجهها.. ليتفاجأ أن ملابسه كلها حتى ملابسه الداخلية التي غرقت بالدم.. موضوعة على المغسلة..
ولأنه قربها منها أفلتت منه وهي تعود للجلوس على الأرض وللتقيء مع أن معدتها أصبحت خالية تماما..
فهد حينها فهم ما سبب تقيئها... كان رائحة الدم ومنظره من هذا القرب..
حملها بغضب رغم أنها لم تكن تحتاج من يحملها.. وهو يهتف بغضب أشد: دامش مقروفة كذا.. وشو له تروحين هناك؟؟
جميلة غطت وجهها بكفيها وهي تشعر بالخجل من نفسها ورائحة القئ فيها وتتمنى لو أنزلها وهي تهمس باختناق:
كنت أبي أغسلهم.. قلت لو نشف الدم ماراح ينظف..
فهد بذات الغضب: ومن قال لش أبيش تنظفينهم؟؟ بأرميهم في الزبالة بأحرقهم.. مالش شغل فيهم!!
حينها كان قد وصل لغرفته وأنزلها قريبا من باب غرفة التبديل..
لتقفز بسرعة للحمام.. ويسمع صوتها تتقيأ للمرة الثالثة.. لأنها عاجزة عن إزالة رائحة الدم عن أنفها...
فهد صرخ عبر باب غرفة التبديل بحزم: تسبحي وأنا بأروح أجيب لش ليمون وملح..
لأنه دام الحالة ذي صابتش.. ماراح تروح إلا لو كلتي شيء طعمه قوي!!
فهد نزل للأسفل وهو يتأفف (ذا الليلة شكلها ماتبي تخلص
أولها مغمى عليها... وعقبه تزوع..
وش تاليها بعد؟؟)
حين وصل للمطبخ الداخلي سارع لسكب بعض الملح في صحن صغير..
ثم فتح الليمونة لنصفين وضعها فوق الملح..
كان قد انتهى ويستعد للخروج حين سمع الصوت الساخر المرح:
أعرف الناس على الأقل يبون شهر.. لكن أنتو وحامكم بادي من أسبوع..
بصراحة غطيت على أبو نظارات!!
وقف خلني أدق التحية العسكرية ياحضرة النقيب!!
فهد يتجاوز هزاع وهو يرد عليه بعدم اهتمام: ماعليك شرهة عشان أرد عليك!!
هزاع حينها ضحك: خلاص واشرايك أقول تسبح عشانك لوعت كبد المسكينة لدرجة إنها تبي ليمون للوعة..
حينها استدار فهد لهزاع بعضب جامح: هزيع لآخر مرة أقول لك.. مرتي لا تجيب طاريها على لسانك!!
هزاع بعدم اهتمام: روح بس أنت وليمونك.. أنت أصلا من يوم خذتها وأنت مستخف..
الله يديم علينا نعمة العقل!!
فهد هتف بصرامة غاضبة: تدري.. أنا الحين ماني بمتفرغ لك.. بس دواك عندي يادلوعة أمك.. على طول ذا اللسان!!
صعد لغرفته..
وانتظرها مطولا قبل أن تخرج من الحمام (شكله مافيه نومة لين أصلي الفجر..
مع إني ميت تعب)
وأخيرا خرجت وعيناها محمرتان لطول ما استحمت.. ترتدي بيجامة قطنية خليط من اللونين الأبيض والأصفر الفاتح!!
لا يعلم كيف يصف رؤيته لها مع أنه لم يدقق في ملامحها ولكن بدا له كما لو أن الشمس أشرقت قبل وقت شروقها..
هكذا كان إحساسه الغريب وغير المفهوم!!
انتفض بغضب من أفكاره وهو يمدها بصمت بصحن الليمون..
هزت كتفيها برقة: وش أسوي فيه؟؟
فهد بنبرته الغاضبة: بعد وش تسوين فيه؟؟ صوري جنبه صورة تذكارية..
جميلة تناولت الصحن منه دون أن ترد عليه (كل شيء لازم يوجعني فيه وإلا ما يستانس ذا المعقد!! )
كل منهما انعزل في زاوية.. مشغولة بجرحها منه !!
ومشغول هو بها.. يحاول إخراج مزيد من العيوب فيها!!
( هذي أشلون يعتمد عليها في بيت!!
من شوي دم سوت لنا فيلم هندي..
يا من شرا له من حلاله علة..
والله إني كنت مبسوط بحياتي عزابي..
من يوم دريت إني بأخذها ماعرفت إلا النكد!!)
.
.
.
لم يناما حتى صليا الفجر..
وهاهو يصحو قبلها..
كعادته التي برزت الأيام الماضية حتى وهو ينكر ذلك على نفسه..
استدار لينظر لها وهو يدعو الله أن تكون توليه وجهها هذه المرة.. فهي تنام دائما وهي توليه ظهرها..
ولكنها مع تقلبها يصحو أحيانا ليجد وجهها ناحيته!!
لا يعلم لماذا يريد أن ينظر لها دون أن تنتبه..
أ هو كما يقول.. لمجرد متعة النظر إلى لوحة فنية بارعة دون التفكير بالتقرب منها؟!!
الغريب أنه هذا الصباح لا ينظر لحسنها الذي أشغله الأيام الماضية.. حين يراقب تفاصيل وجهها المنحوتة بدقة ربانية!!
لكنه اليوم ينظر إلى شيء أعمق وأرق وأدفأ خلف الملامح الخارجية..
يحاول أن ينكر على نفسه ماحدث البارحة ولكنه عاجز عن إزالته من عقله كما لو كان حُفر فيه!!
لمساتها.. دموعها .. شهقاتها من أجله.. جزعها عليه!!
ليجد أن شيئا صغيرا في روحه الغضة يرتعش بلا هوادة!!
( أوووف تمثل عليك يا الغشيم!!
تمثل!!
وأنت خبل.. صدقتها على طول!!)
زفر بغضب ونهض ليبحث عن هاتفه الذي لم يراه منذ البارحة..
وجدها وضعته له التسريحة.. كان هناك اتصال لم يرد عليه..
وتذكر فعلا أنه سمع صوت هاتفه رن رنتين البارحة وهو في الحمام..
اتصل بنفس الرقم.. ليجد الرنين يأتيه من مكان قريب جدا.. هاتفها المجاور لهاتفه..
انهى الاتصال قبل أن تصحو.. وهو يتذكر أنه حفظ رقمه في هاتفها ولكنه لم يأخذ رقمها..
(إذن هي اتصلت بي البارحة)
لا يعلم لِـمَ كل ما تفعله بدأ يؤثر فيه بطريقة ما..!!
كان هاتفها مازال بيده.. لا يعلم كيف تواردت له ظنون السوء التي لابد أن تفسد عليه كل شيء!!
كان ينظر لهاتفها كما لو كان ينظر لعفريت.. أو قنبلة ستنفجر في يده!!
(معقولة ممكن رقمه لين الحين في تلفونها؟؟)
.
( لا .. مستحيل.. وش يخلي رقمه في تلفونها؟؟)
.
(يمكن نسته؟؟ أو مهوب هاين عليها تمسحه؟؟)
كان كل مافيه يصرخ به أن يعيد الهاتف مكانه دون أن يقلب في قائمة الأسماء..
ولكن رغبته في تعذيب نفسه كانت تلح على نفسه أن يفعلها..
(خلاص خلني أشوف وارتاح .. وش أنا خسران؟؟
أكيد مهوب موجود.. لكن لو ما تأكدت الشيطان بيقعد يوسوس لي!!)
فهد فتح بالفعل قائمة الاسماء بحثا بالحرف (خ)..
ليجد ماكان يبحث عنه.. فليهنأ بالاحتراق والغضب وهو ماعاد يبصر شيئا أمامه وهو يرى اسم خليفة متكرر مرتين..
أحدها مع رقمه الفرنسي والآخر مع رقمه القطري..
فهد ألقى بالهاتف ليتجه لجميلة وينتزعها من فراشها انتزاعا وغضبه يتفجر أمواجا تلو أمواج..
جميلة شهقت وهي ترفع عن فراشها عبى حين غرة و تهمس برعب حقيقي:
فهد وش فيك؟؟
فهد مازال يعتصر عضدها الذي انتزعها به ويصرخ بغضب ناري ملتهب:
ولش لسان تسألين بعد وش فيني؟؟
ليش رقمه عندش؟؟ ليش رقمه عندش؟؟
فهد حالما أنهى سؤاله ألقاها بعنف على السرير.. لأنه بقي شيء من تماسك الأعصاب في داخله.. يقول له أنها لو بقيت قريبا من يده هكذا..
فهو لن يتوانى عن ضربها!!
جميلة تأخرت حتى التصقت بظهر سرير وهي تتكور على نفسها وتتهتف بين شهقاتها:
من هو ذا؟؟ والله ما أدري عن ويش تتكلم؟؟
فهد يعتصر قبضته ويتراجع خطوة للخطوة حتى يمنع نفسه من انتزاعها مرة أخرى والاطباق على عنقها..
ويهتف بغضبه الجامح: رجالش الأولي يا اللي ما تستحين ولا احترمتي حتى حرمتي.. ولا احترمتي أي شيء!!
أنتي وش جنسش؟؟
جميلة بدأت تشهق بانهيار: والله العظيم ما انتبهت.. أنا أساسا مامسحت اسمه..
بس والله ماقصدت شيء..
الاسماء عندي وش كثرها.. ولو انتبهت والله لا امسحه..
ثم قفزت وهي تشهق بطريقة طفولية موجعة: الحين بأمسحه.. الحين..
ركضت لهاتفها بسرعة وهي تتناوله وكل مافيها يرتعش.. لم تكن ترى حتى الشاشة لشدة انهمار دموعها..
وهي تبحث عن اسم خليفة حتى تمسحه..
وشعور مر بالمهانة يتصاعد في روحها حتى خنقها!!
حالما مسحت الاسم.. القت بهاتفها أرضا وهي تجلس على مقعد التسريحة وتدفن وجهها بين كفيها.. وتنتحب..
فهد وقف أشبه بتمثال جامد.. رغم أن يديه مازالتا ترتعشان من تأثير غضبه..
كان ينظر لها وهي تبكي بألم حقيقي..
وألمه هو يتسع..
(كم مرة بكيتها من يوم زواجنا لين الحين؟؟
ماعدت قادر أعد من كثرها..
هذا اللي أنت وعدت نفسك إنك بتسويه..
هذا وهي وصاتك!!
لو ما كانت أمانة عندك وش كان سويت فيها أكثر؟؟
أخييه منك رجّال من بين الرياجيل!!)
فهد حاول أن يقترب منها ليهدئها .. ولكنه لم يستطع..
ليس لديه أي شيء ليقوله..
فكل الكلمات هربت من قسوته!!
***************************
" هاحبيبي.. أصب لك فنجان بعد؟؟)
منصور يهز فنجانه هاتفا بمودة: لا ياقلبي.. شكرت..
ثم أردف بإبتسامة: اشرايش دام ماعندي دوام اليوم..
أطلع أنا وأنتي وزايد نتمشى شوي في فيلاجيو وإلا السيتي.. وعقب نتغدى هناك..
خلي زايد يجرب دراجته الجديدة وأنتي صاكة عليه 24 ساعة!!
ابتسمت عفراء: أخاف عليه منصور يتغير عليه الجو.. وإلا يتعب!!
منصور بحزم حان: ماعليه إلا العافية.. خليه يتعود..لكم نص ساعة تتجهزون..
ثم ابتسم وهو يردف: ولو جميلة عندنا كان قلت لكم ساعتين..
عفرا ابتسمت بحنان: ياقلبي يا بنتي.. ماراحت ولا جات جاتها ذا التلزيقة في الحمام.. وحبستها في البيت..
وهذا رجالها بيسافر قريب.. وهم لا طلعوا ولا راحوا مكان..
منصور يبتسم : لا تقولين إنش ما تحسبين لدورة فهد أكثر منه..
تبينه يروح بالسلامة.. عشان تجي عندش جميلة..
ضحكت عفراء برقة: كنك داري.. راح 8 أيام وباقي 6.. يروح ويرجع بالسلامة..
***********************************************
منذ خرج صباحا وهو يتحاشى العودة للبيت حتى لا يراها..
لكنه ختاما.. اضطر للعودة حتى يستبدل ملابسه..
عاد بعد صلاة المغرب..
طرق الباب وهو ينتنحنح.. فردت عليه أمه تعال يأمك مافيه حد؟؟
ولكن كان هناك كل من يخشى مقابلتهم...... هـــي..
كانت تجلس مع أمه وتتولى هي مسئولية سكب القهوة..
لا يعلم لماذا توارد لباله أنها لن تخرج من غرفتها اليوم مطلقا لما رآه من انهيارها في عاصفة من البكاء.. تركها وهي مازالت غارقة فيها!!
(عشان تعرف إنها تمثل!!
دموع التماسيح.. عشان تحسسك بالذنب وتداري على غلطتها!!
خذوهم بالصوت!!
سكتتني وهي الغلطانة!!
لا وبعد قاعدة لي متكشخة كنها بتروح عرس بدون سحا!! )
جلس بجوار والدته بعد أن قبل رأسها وهو ينظر للمقابلة لهما..
كانت متألقة أكثر من المعتاد.. وكأنها كلما ازدادت حزنا.. كلما ازدادت ألقا..
وكأنها تريد أن تغطي على على حزنها بألقها..
كانت ترتدي دراعة مغربية بلون تركوازي بدت فاتنة على لون بشرتها.. وشعرها ملولب ليزداد قصرا وإثارة..
أو ربما كانت كذلك في عينيه!!
همست أم صالح بعفوية: دامك جيت.. اقعد خل مرتك تقهويك.. وأنا بأقوم أسنع لي شيء في مجلس النسوان!!
همست جميلة بعفوية جزعة: تروحين يمه وأنا قاعدة.. قولي لي وش تبين وأنا بأروح؟؟
أم صالح برفض حنون: اقعدي يامش عند رجالش.. منتي بعارفة اللي أنا أبيه!!
حالما غادرت أم صالح كانت جميلة تتحاشى النظر له وهي تنظر للقهوة والشاي أمامها وتهمس بسكون:
أصب لك قهوة؟؟
رد عليها بسخرية: شايفش قبل شوي تعرفين السنع وبتنطين بدال أمي..
الحين ضيعتيه..؟؟
اللي بيصب لحد.. مايقول له أنت تبي..!!
جميلة تنهدت (يالله الصبر) سكبت له فنجانا من القهوة.. وناولته له..
شد على كفها بطريقة غريبة وهي تناوله الفنجان.. وارتعشت جميلة خوفا..(لا يكون يبي يحرقني بالقهوة.. هذا اللي باقي)
وارتعش هو من شيء آخر تماما..رعشة لم تتجاوز داخله!!
وهو يأخذ الفنجان منها.. وينزله أرضا ثم يهتف بعصبية على نفسه وليس عليها:
هذي صبة قهوة.. ؟؟ لو إنش صابتها لأبي كان رش الفنجال على وجهش!!
جميلة تنظر لفنجانه بيأس: ليه وش فيه؟؟
فهد بغضب: بعد تسألين وش فيه؟؟
جميلة تنهدت وهي تهمس بهدوء ولكنه أقرب للعصبية: فهد أنا ببزر ولا غشيمة عشان تعلمني أشلون أصب القهوة..
فنجالك أقل من نصه.. واعتقد إنك تدور لك سبب عشان تعصب..
أنا قبل شوي مقهوية أبيك.. وما أشتكى من فنجاله..
والحين اسمح لي استأذن..
فهد بغضب: وتبين تروحين وأنا أكلمش بعد يا اللي ما تستحين..
جميلة شدت لها نفسا عميقا وهي تقف وتضع جلالها فوق رأسها.. وتهمس بحزم: فهد لو سمحت..
مشتهي تعصب وتصارخ.. لنا مكان يلمنا.. لا تنشر فضايحنا قدام هلك!!
جميلة صعدت بالفعل لجناحها وهي تهمس في داخلها( ماني بباكية ذا المرة..
خله يولي..
والله ما أهتم له هو وكلامه اللي يسم!!)
ما كادت تصل لغرفتها حتى كان يصل خلفها وهو يصرخ بغضبه الذي لا يتوقف:
الحين أنا أسوي فضايح وأبي أعصب بدون سبب؟؟
جميلة لم ترد عليه.. وهي تخلع جلالها وتجلس على طرف السرير وتنظر لشيء غير مرئي أمامها..
قهد يقف أمامها وهو يهتف بذات غضبه الحازم: ومسفهتني بعد؟؟ ( مسفهتني= تتجاهله)
جميلة شدت لها نفسا عميقا للمرة الألف: فهد أنت وش تبي؟؟
تبيني أبكي؟؟.. أنت خلاص ما ترتاح لين تشوف دموعي وتشوفني منهارة..؟؟
دامك تشوفني متماسكة شوي.. بتقعد تضغط وتضغط لين أنهار..
خلاص فهد اعفيني من البكاء الليلة.. لأني بكيت اليوم اللي كفاني..
ارحمني حرام عليك.. والله لو أنا عدوتك ماتسوي فيني كذا؟؟
اعذرني.. ماراح أبكي.. أجلها ليوم ثاني..
فهد تراجع بصدمة ( أ هكذا وصلت نظرتها لي؟؟
أنني أقتات على حزنها ودموعها؟؟
إلى هذه الدرجة صورتي قميئة في عينيها؟؟)
فهد اكتفى بالصمت وهو يرتدي ملابسه ويخرج دون أن ينظر لها حتى.. وهي تجلس صامتة ساكنة في مكانها!!
ليتذكر غهد حين وصل سيارته أنه نسى مفتاحها في جيب ثوبه الذي خلعه.. فعاد لأخذه..
ليتفاجأ أن من لن تبكي اليوم لأنها شبعت بكاء.. منكبة على سريرها وتنتحب بصوت مكتوم وهي تدفن وجهها في المخدة..
انتفض بعنف وهو يعود دون أن يأخذ مفتاحه...
فر من المكان كاملا كما لو كان مجرما يفر من ساحة جريمته!!
فهي هذه المرة لا تمثل عليه ولا من أجله!!
بل تعبر عن حرقة لم ترد له أن يراها.. كرهت أن يرى ضعفها الذي بالغ في امتهانه إلى أقصى حد!!
**************************************
" ياحليلها جوزا.. وينها الليلة تكمل ثلاثي التنافيخ؟؟"
أم عبدالرحمن بمودة: بترجع بكرة إن شاء الله..
عالية بمرح: ياحليلها هي وعبود.. عرسان جدد مع بزر وكرش..
شعاع تضحك برقة: صدق الرازق في السما والحاسد في الأرض.. وش عليش منها؟؟
عالية تنظر لها من تحت أهدابها وتهمس بمبرة مرحة مقصودة:
خلش في حالش مع سي روميو.. تجين عندنا عشان كل شوي تدقين عليه!!
خلش مني أنا وجوزا.. أنا حماتها وهي حماتي... قبل أحول الموجة عليش!!
شعاع بذات الابتسامة: يمه منها.. لا خلش في مرت أخيش مالي شغل بينكم..
كل وحدة منكم لسانها أطول من الثانية!!
عالية تتأفف: على طولة اللسان اللي مامنها فايدة.. أبي أتحرك شوي.. أنفض الدولايب.. وأرتب ملابسي أنا وعبدالرحمن..
شعاع تبتسم: تدرين حتى أنا.. يبي لنا شوي حركة!!
أم عبدالرحمن برفض: والله ما وحدة منكم تسوي شيء... قروا شوي.. توكم على الشغل..
*************************************
هذه المرة عاد مبكرا أكثر..
وجدها تصلي قيامها.. تركها في الغرفة.. وذهب لغرفة الجلوس.. ليصلي هناك ويقرأ ورده..
لا يعلم لِـمَ هو عاجز عن مواجهتها؟؟ أو بمعنى أصح النظر في عينيها!!
بات يكره نظرة الحزن فيهما.. ويتمنى لو رآها تبتسم أمامه ولو لمرة!!
حين انتهى توجه بحذر للغرفة..
وجدها تستعد للنوم..
ألقى السلام.. وردت بسكون..
كان يدور في الغرفة يقوم بأعمال روتينية......يغتسل... يبدل ملابسه..!!
ختاما ماعاد فيه صبر وهو يتوجه للناحية الآخرى من السرير ويجلس جوارها..
كانت قد تمددت وهي توليه ظهرها كالعادة..
انتفضت بجزع حين شعرت بنقراته الهادئة على كتفها.. فهي أصبحت في حالة رعب لأنها عاجزة عن توقع ردات فعله..
استدارت وهي تقفز ثم تنكمش في حركة دفاعية... شعر فعلا بالألم منها..
يا الله كم هو مر هذا الشعور.. أن تكون جارحا.. ومجروحا في ذات الوقت..!!
فهد هتف بسكون: اقعدي بأسولف معش بس..مافيه داعي تسوين ذا الحركة كأني بأسوي فيش شيء..
جميلة بيأس: يعني الحركة مالها مبرر؟؟ الإحساس اللي أنت عطيتيني من أول يوم..
إني يا أخاف من لسانك.. وإلا يدك..
حينها رد عليها فهد بيأس مشابه: جميلة... تكرهيني؟؟
جميلة تعترف أنها بوغتت تماما بالسؤال.. لم تتوقعه مطلقا منه.. (يسألها إن كانت تكرهه .. وهو لم يقدم لها إلا مبررات وأسباب للكراهية!!)
ومع ذلك أجابت بسكون صادق: لا ما أكرهك.. ما تعودت أكره حد.. ولا حتى اللي جرحوني..
تضايق من ردها لسببين.. الأول أنها أشعرته أنه يستحق الكراهية ولكن لأنها لا تستطيع أن تكره.. لم تكرهه..
والثاني أن هذا الرد يحمل معنى ضمنيا أنها لم تكره كذلك زوجها السابق مع إساءتها الكبيرة لها وهو يطلقها في المطار!!
انقطع الحوار.. هو صمت.. وهي صمتت.. ثم عادت لتتمدد.. وهي تشعر بالفعل أنها مستنزفة مما حدث هذين اليومين..
وتتمنى أن تنتهي الأيام القليلة القادمة حتى تتخلص من ثقل وطأته ووجوده..
تخشى أن تنهار منه.. تريد لها إجازة بالفعل حتى تستعيد عافيتها النفسية..
************************************
بعد خمسة أيام
.
.
اليوم هي سعيدة فعلا.. فغدا سيسافر أخيرا..
يا الله كم هي ثقيلة الايام التي مضت.. مع انه خلال الأيام الخمسة الماضية لم يحدث بينهما أي شد..
إلا فلتات لسانه الناتجة عن جلافة لسانه المعتادة.. وهي تحملت كل شيء وهي تعد الأيام.. وتصبر نفسها أنه مابقي شيء..
كانت ترتب حقيبته الختامية.. حين دخل عليها.. جلس على طرف السرير..
بينما همست هي برقة: أنا خلصت شنطتك خلاص.. تبي شيء ثاني؟؟
أجابها بحزم غريب: إيه.. رتبي شنطتش بعد!!
جميلة قفزت بجزع وهي تختنق تماما: نعم؟؟ ليش أرتب شنطتي؟؟
فهد بذات الحزم: سمعتيني.. رتبي شنطتش..
جميلة بذات الاختناق: بس أنت ماقلت لي أبد إني بأسافر ذا الأيام كلها..
وش اللي غير رأيك؟؟
فهد بحزم أكثر صرامة: أنتي ليش ترادين؟؟ رجالش قال لش بتسافرين معه..
تتجهزين بدون كلام.. انتهينا..
جميلة شعرت أنها تريد أن تبكي أكثر من كل مرة..
هي بالكاد تحتمله الساعتين اللتين يقضيهما في البيت.. فكيف في مصر؟؟.. بالتأكيد سيقضي معها وقتا أطول.. لأن التدريب لا يأخذ إلا ساعات معدودة في اليوم..
او الأسوأ أنه سيتركها طوال اليوم وحدها وفي مكان غريب!!
همست بذات الاختناق: زين أنت كنت حاجز السكن مع شباب.. وش بتسوي فيهم؟؟
فهد بنبرة أقرب للغضب: أنتي وش دخلش في ذا الكلام؟؟ مالش إلا تسكنين في أحسن مكان..
جميلة ستبكي فعلا ولكنها مازالت تقاوم حتى لا يظن أنها تستخدم سلاح دموعه لاثنائه..
خصوصا أنها تعلم أن دموعها لا قيمة لها عنده.. فلماذا تقلل من قدر نفسها..؟؟
همست بمخاوفها الطبيعية: بس أنا اخاف أقعد في شقة بروحي وانت منت بموجود..
فهد تنهد: بنسكن في أوتيل.. لا تخافين من شيء!!
جميلة مازال لديها أمل أنه سيتراجع.. لا تتخيل أنها ستسافر معه.. بعد أن قضت الأيام الماضية كلها على أمل أنه سيسافر وسترتاح من وجوده..
همست بضعف: وليش الخساير؟؟ شهر كامل في أوتيل!!
فهد بغضب: أنا اللي بأدفع.. بتدفعين شيء من جيبش.. خلصيني يا بنت الحلال..
أنا رايح الحين.. رتبي أغراضش عشان أوديش تسلمين على أمش..
سفرتنا بكرة الصبح!!
جميلة باختناق أشد: وعرس مزون يعني ما أنا بحاضرته.. ماباقي عليه إلا أسبوع!!
حرام عليك فهد!!
فهد بغضب: أني ملزومة في من؟؟ فيني وإلا في بنت خالتش؟؟
خلصيني بدون كثرة كلام..
قلت لش بتسافرين.. بتسافرين.. انتهينا!!
فهد غادر.. وجميلة انهارت فعلا تبكي ..
(ليش كذا ياربي؟؟ ليش؟؟ اللهم لا اعتراض..
بس ماني بطايقة وجودي معه.. بأموت ياربي.. بأموت!!)
كانت تبكي من عمق روحها المنتهكة...
أن تبني كل شيء على حلم بريء جدا وبسيط.. ثم ينهار بلا مقدمات..
أمر تعجز عن وصف ألمه ووجعه..
كل ما أردته وعاشت على أمله.. أن يسافر.. يسافر فقط..
ولكنه لابد أن يحرمها من كل مايسعدها.. حتى لو كان لا يريدها..
فهو يريدها تعيسة حتى يكون هو سعيدا..
انتحبت أكثر وأكثر.. وهي تتخيل وترسم سيناريوهات لمسار حياتها مع فهد وهما لوحدهما تماما!!..
كل السيناريوهات بدت مرعبة.. مرعبة لأبعد حد!!!
**********************************
" من جدش خالتي جميلة بتسافر؟؟
ماصدقت يوم قلتي لي تعالي.. عشان أسلم عليها..
ولحد الحين ماني بمصدقة!!"
عفراء بحزن شفاف: لا صدقي... رجالها لزّم عليها تسافر معه!!
مزون بحزن عميق: يعني ماراح تحضر عرسي؟؟
عفراء احتضنت كتفي مزون بحنان: ماعليه يامش ظروفها جات كذا..
في تلك اللحظة كانت جميلة تدخل..
تعبت من رسم القوة طوال الأيام الماضية.. تعبت..!!
فهي كانت تحاول التمسك بالقوة على أمل أنها سترتاح منه قريبا..
لكن القوة الآن ماعاد لها معنى ولا داع..
فهو سيأخذها معه ليمارس عليها عقده.. ويجرعها قسوته اللا محدودة..!!
أ لم يكفيه كل مافعله معها وهو يمتهن إنسانيتها بكل الصور حتى يريد إنهائها تماما؟؟
ما أن رأت أمها ومزون متجاورتين حتى رمت نفسها بينهما وانتحبت بطريقة هستيرية..
عفراء بجزع: جميلة يأمش الله يهداش ليش ذا كله..
جميلة بين شهقاتها المتزايدة: ما أبي أسافر معه.. ما أبي!!
عفراء بقلق: ليش يامش؟؟ ليش؟؟
جميلة مازالت تحاول التمسك ببعض الجلد المتهاوي وهي تذكر سببا مهما جدا ولكنه ليس مطلقا السبب الرئيسي: أبي أحضر زواج مزون..
بأموت لو ماحضرته!!
مزون بتأثر متعاظم وهي تحاول ألا تبكي وتحتضن جميلة: جمول ياقلبي أنا عاذرتش..
جميلة تنتحب: أدري إنش منتي بمتشرهة علي.. بس أنا كنت أبي أحضر..
عفراء تشدها لتحتضنها بقوة: خلاص يأمش.. رجالش أبدى..
تكفين لا تبكين..
جميلة احتضنت خصر أمها وهي تنتحب بهستيرية حقيقية...
نثرت كل كبت الأسبوعين الماضيين وهي تعاني لوحدها.. عاجزة حتى عن مجرد الشكوى..
وهاهي تجد لها الغطاء المناسب لسكب وجعها في حضن أمها..
الأمر الذي تمنته في كل مرة رأت فيها أمه.. ومنعت نفسها منه.. حتى لا تثير قلق أمها..
.
.
" هذا فهد؟؟ مسرع يأمش..!!"
جميلة همست بيأس: يمه الوقت صار متاخر.. وطيارتنا بكرة بدري..
ثم أردفت بنبرة مموهة: فهد يبي ينزل يسلم عليش!!
عفراء تنهدت: خله يأتي يا حياه الله..
مزون قومي يأمش داخل..
مزون توجهت للداخل بينما جميلة توجهت للباب المطل على الباحة لتفتحه لفهد حيث أخبرها بوقوفه!!
حين دخل.. أول مالفت انتباهه هو وجهها.. كان ذابلا تماما ومحمرا لكثرة مابكت..
(يا الله الحين وش قالت لعمتي؟؟
يمكن عمتي ماترضى تخليها تسافر!!)
فهد كان يشعر أن هناك مصيبة ستحصل.. لابد أنها أخبرتهم بالوضع المتردي بينهما..
وبالتاكيد لن يسمحوا لها أن تعود معه حتى للبيت..
ومع ذلك تنهد بحزم وهو يخطو للداخل ويقبل رأس عفرا التي همست له برجاء عميق:
يأمك الله الله في جميلة.. المسكينة كانت بتموت تبي تحضر عرس بنت خالتها.. بس بدتك أنت على كل شيء!!
فهد تنهد براحة (هذي السالفة بس!!) لذا ابتسم وهو يهتف باريحية:
وهي مهيب أحسن مني.. دامها بدتني على قولتش..
على خشمي أرجعها عقب أسبوع نحضر العرس ونسافر مرة ثانية!!
جميلة حين سمعته يقول تمنت للمرة الأولى أن تقفز وتحتضنه وتقبل رأسه.. ولولا وجود والدتها وإلا لفعلتها..
كانت تشهق بفرحة: صدق فهد؟؟ صدق؟؟
ابتسم فهد لأنه يراها تضحك أمامه لأول مرة : أكيد صدق!! المهم ذا الدموع ما نشوفها..
جميلة قفزت للداخل لتبشر مزون.. بينما عفرا التفتت لفهد وهي تهمس بعمق:
تكفى يأمك الله الله فيها.. ولا تخليها وقت طويل لحالها.. تراها تخاف من كل شيء..
فهد هز رأسه بثقة: لا تحاتينها..
عفرا همست باختناق: زين يأمك انتظر دقايق بس.. منصور جاي الحين يبي يسلم عليها قبل تروح..
فهد ينظر للساعة ويهتف بثقة: على العموم أبو زايد هو اللي بيودينا للمطار..
لو ما واجهناه اليوم.. واجهناه بكرة!!
.
.
.
( مشكور فهد.. مشكور.. الله يطول في عمرك)
فهد نظر لها بنظرة مثقلة بيأس حزين وهي تشكره بعفوية حالما ركبا السيارة
تشكره على أمر هو قرره منذ قرر أخذ الدورة..
لكنه لم يخبر أحد.. على أمل أن زواجه منها سيفشل.. ولكي يجعل هذا الأمر بمثابة مفاجئة لغانم ونايف من بعده..
يعني القرار كان من أجله هو!!
وهاهي تشكره بعدما سبب لها كل هذا الحزن.. وجعلها تسكب كل هذه الدموع..
كما لو أنك أخذت حلوى من طفل وتركته يبكي..
وحين أرهق من البكاء أعدت له الحلوى بعدما أكلت ثلاث أرباعها..
ثم تنتظر منه أن يقول لك شكرا...
هكذا كان إحساسه.. وكم باتت أحاسيسه تتعقد وتتلون بغرابة جارحة باتت تتخذ من روحه وطنا تسكنه وتعشوشب أوجاعه في ثناياه!!
*********************************
اليوم التالي
.
.
( ممكن أعرف أنت ليش متوترة كذا!!)
جميلة كانت تخلع عباءتها ونقابها وتعلقهما بعد أن استقر وضعهما في غرفتهما في الأوتيل وتهمس بصدق:
أخاف أقول لك تعاقبني على الكلام..
فهد بغضب: جميلة بلا سخافة!!
جميلة تنهدت: شفت هذا أولها..
فهد تنهد وهو يحاول أن يتحدث بهدوء.. فهو أيضا متوتر ولا يعلم السبب:
خلاص ماني بقايل شيء.. وش فيش؟؟
جميلة بعفوية: بصراحة خايفة منك!!
فهد باستنكار: تخافين مني ليه؟؟
جميلة بيأس: إلا قل لي ليش ما أخاف منك..
إذا وإحنا في ديرتنا عند هلي وهلك ماقصرت فيني تجريح..
أشلون وحن بروحنا؟؟
تنهد فهد بعمق: لا تحاتين أنتي الحين عبارة خوي السفر..
واللي مايراعي خويه ماله خانة..
تنهدت جميلة بذات اليأس: يعني بتراعي خوي السفر.. وأنت ماراعيت مرتك؟؟!!
فهد بذات العمق: يمكن إني غريب شوي!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم HaboOoshy
" نطلع نتمشى شوي؟؟"
جميلة تنظر لساعتها وتهمس باستغراب: ذا الحزة؟؟
ابتسم فهد ابتسامة مبتورة: أنتي في مصر.. ماعندهم كلمة (ذا الحزة)!!
حتى لو نزلتي الفجر لقيتي الشوارع مليانة..
جميلة بتردد: ماعليه.. أنا تعبانة شوي.. وأنت بكرة دوامك بدري!!
فهد تسربل بالسكون.. وهو يتجه للحمام ليستبدل ملابسه ويتوضأ..
فهو فعلا مرهق.. ويريد أن يصلي وينام!!
ممزق تماما بين أفكاره.. ومشاعره. ويأسه..
منذ البارحة وقراره المفاجئ بأخذها وتمزقه يزداد..
فهو فعلا كان يريد أن يتركها خلفه.. رغم أن ضيقا غريبا كان يكتم على نفسه كلما تذكر أنه سيتركها...
لكنه كان يريد أن يرتاح من كل هذا الشد والتمزق.. ويريحها أيضا منه ومن قسوته وهو يعلم كم بات يمثل لها كابوسا مرعبا!!
كان يريد أن يهرب إلى صفاء يبتعد فيه عن التشويش الذي باتت تسببه له جميلة وهي تضغط عليه بوجودها الغريب..
وتضطره إلى إخراج أسوأ مافيه وهو يبالغ في تجريحها!!
حتى البارحة..
حين عاد للبيت ووجد خالته نورة في زيارة لأمه..
كان لا يريد الجلوس وهو يقبل رأسها ويريد أن يغادر قبل أن تلقي كلمة ما.. ويرد عليها بأخرى..
وهو لا يريد الرد.. فمهما كان تبقى هي أكبر خالاته.. واحترامها واجب..
ولكنها لم تمهله وهي تهمس بنبرة مقصودة: يقولون إنك بتهج بكرة!!
فهد كان واقفا ومستعدا للمغادرة.. التفت لها باستغراب: أهج؟؟
نورة بحزم: إيه بتهج.. وإلا فيه معرس ماله أسبوعين.. يروح دورة ويخلي مرته وراه إلا لأنه هاج منها..
حينها ابتسم فهد ابتسامة مقصودة تماما: معلوماتش غلط ياخالتي..
الدورة مقررة من أول.. وكنت بأروح فيها بروحي..
بس عقب ماشفت مرتي وعرفتها.. مستحيل أخليها...
ما أقدر أصبر عنها ياخالتي.. ما أقدر..
ليه أنتي مادريتي إنها بتروح معي؟؟
نورة حينها نظرت لأم صالح بغضب: صافية ما أنتي باللي قلتي لي إنه بيروح بروحه..؟؟
فهد نظر لوالدته نظرة رجاء فهمتها هي فورا وهي تهمس بشبح ابتسامة:
قلت لش من زمان.. وأنتي ما سألتيني ذا المرة..
ماشاء الله عليش جايه وحادة سكاكينش يأم سعود.. ماعطيتني ولا عطيتي الصبي مجال...
كان هذا هو الحوار الذي حدث قبل قبل صعوده لجميلة وهو يتصل بمكتب السفريات ليتأكد من وجود حجز لها.. وليحجز أوتيلا لأنه هو نفسه يخشى عليها أن تبقى في شقة لوحدها..
ثم يصعد لها ليأمرها بتجهيز حقيبتها.. مضطرا !!!!
لا يعلم هل هو فعلا اضطر لهذا القرار... أم أن خالته منحته الغطاء النفسي المناسب فقط..؟؟
فهو غير مهتم من كلام الناس.. ولكن هل هو يريد إقناع نفسه فقط أنه أخذها مضطرا..؟؟
لأنه بالفعل مرهق من هذه الحياة المشدودة.. مرهق لأبعد حد.. ويحتاج للراحة من هذا الضغط المتواصل!!
****************************************
" حبيبي أنا جنبك.. قوم.. سم بسم الله الرحمن الرحيم"
زايد شهق وهو ينهض جالسا.. بينما مزنة تربت على ظهره وهي تناوله قنينة ماء ليشرب منها قليلا..
مزنة مسحت وجهه بحنان وهي تهمس بحنان مصفى: وش فيك فديتك؟؟ شيء يوجعك؟؟ تبي شيء؟؟
زايد باستغراب: لا.. ليش تسألين؟؟
مزنة باهتمام: لأنك الليلة دعيتني أكثر من كل من مرة.. وكنت تون كنك موجوع..
زايد تراجع بحرج فيه رائحة حزن عميق: ما أدري.. ماحسيت بروحي..
مزنة همست بذات الاهتمام: زين شيء يوجعك؟؟
زايد بذات الحزن الغريب: لا أبد.. بس أبي أرجع أنام..
عاد للتمدد على يمينه.. بينما هي بقيت جالسة وهي تمسح على شعره.. وتقرأ عليه الرقية الشرعية..
لم يعد للنوم مطلقا.. فهناك حزن في قلبه بدأ ينمو كجذر صغير بدأ يغوص في تربة قلبه ويتجذر...
إن كان لا يشعر بنفسه بهذه الطريقة وهو يناديها..
فربما أنها هي سمعته.. هــــي..... وسمية!!
يشعر أن قلبه مجهد.. مجهد.. مجهد لمجرد الفكرة.. لمجرد الفكرة!!
"يا الله .. رحماك يارب..
قلبي لن يحتمل وجعا كهذا!! "
*************************************
(امشي نروح المستشفى!!)
كاسرة تمسح وجهها وهي تتناول قنينة الماء لتشرب منها قليلا وتهمس بإرهاق:
مافيه داعي!!
كساب بحزم: أشلون مافيه داعي.. هذي ثاني مرة تزوعين الليلة.. ماحتى لحقتي تنامين شوي..
كاسرة بذات الإرهاق وهي تجلس على طرف السرير: صدقني ماراح يسوون شيء.. حبوب اللوعة وعندي..
كساب بغضب: وأنتي وش خسرانة؟؟ خلنا نروح.. وإلا لازم تعاندين وخلاص..
كاسرة تمددت على جنبها وهي تهمس بنبرة مرهقة فعلا:
كساب ارحمني الله يرحم والديك.. بأموت أبي أنام شوي..
ما أبي أروح مكان!!
كساب تأفف وهو يتجه للناحية الأخرى من السرير.. فهو مرهق بسببها أكثر منها!!
فوحامها بدأ يصبح أصعب وأصعب!!
وخلال الأيام الماضية.. أخذها للمستشفى عدات مرات..
وأحد المرات بقيت في المستشفى ليوم كامل لتعليق المحاليل عليها.. لأنها كادت تصاب بالجفاف لكثرة مارجعت..
الآن لديه رحلة عمل لتوقيع عقد مشروع وهو يؤجلها... لأنه لا يريد تركها وهي على هذا الحال..
ومع كل الاهتمام الذي يبذله لها.. إلا أن اهتمامه دائما مغلف بحدته.. وغموضه..!!!
لدرجة أشعرت كاسرة أنه يفعل كل هذا لمجرد القيام بالواجب فقط!!
أو ربما إحساسا بذنب ما لأنه جرحه بكلامه القديم عن عدم رغبته أن يكون أبا!!
كاسرة فتحت عينيها بإرهاق ناعس لتجده جالسا.. همست بخفوت:
كساب نام.. أنا خلاص بأنام.. مافيني شيء!!
حينها تمدد وهو يمد ذراعه ناحيتها..ليجذبها بلطف ويحتضنها وهو يهمس في أذنها بعمق: خلش جنبي عشان أحس فيش..
عشان ما تسوين مثل قبل شوي.. وأنتي تتسحبين للحمام عشان ما أقوم..
كاسرة بيأس: مايصير كل ماجيت أرجّع.. أفزعك من نومك..
وكفاية إنك حتى نومتك مهيب مريحة عشان يدك..فأجي أزاحمك في يدك السليمة!!
كساب بسكون عميق: بلا سخافة.. نامي.. وخليني أنام!!
يا الله.. أي مخلوقان هذان..!!
كل واحد منهما اهتمامه بالآخر أكثر من اهتمامه بنفسه..
ومع وضوح ذلك كالشمس في كبد السماء..
إلا أنهما لا يعلمان مغزى ومعنى هذا الاهتمام ولا بعده وعمقه وحساسيته!!
************************************
" لا تطلعين مكان.. تقعدين في الغرفة لين أرجع!!"
جميلة بيأس: وين بأروح يعني ؟؟
فهد بحزم: يمكن تقولين بانزل أتمشى تحت لا زهقتي!!
جميلة همست بسكون دون أن تنظر إليه: ماني بنازلة ولا حتى لي خلق أنزل..
فهد بحدة: ليش يعني؟؟ لذا الدرجة ضايقة من سفرتش معـ.....
فهد بتر عبارته وهو يتذكر وعده لنفسه شد نفسا عميقا وهو يهتف بحزم: ماني بمتأخر.. حزة الغداء راجع..
وبأطلع أنا وأنتي ..
ما أن خرج حتى تنفست جميلة الصعداء.. يا الله كانت شبه عاجزة عن التنفس في وجوده..
منذ صباح الأمس وهما شبه متلازمان!!
وهي تتحفز بشدة من حدته..
في المطارات بالأمس.. لا يريدها أن تقترب من أحد أو يقترب أحدا منها..
وهو لأول مرة يصر على الإمساك بكفها طوال تحركهما في المطارين..
وكأنه يريد أن يضمن وجودها بجواره..
بالفعل كم تفتقد لمرونة خليفة..!!
فكلما زاد عليها فهد بالضغط.. كلما زادت هي في التهدئة.. وهي ترى أن هذا ناتج طبيعي لكل مافعلته في خليفة..
وهو يعلمها درسها الأعظم في الحياة!! الذي كان يستحيل أن تتعلمه لولاه..
فهي كانت كلما زادت ضغطها عليه.. زاد هو من صبره عليها!!
وكأنك لابد أن تبذل قليلا من المرونة حتى لا تنكسر مثل أشجار الخيزران التي تميل بليونتها مع الريح حتى لا تكسرها!!
.
.
" فهد.. وش فيك؟؟"
فهد يلتفت لزميله الجالس جواره بعد أن مر به ليذهبا للتدريب سويا ويهتف بهدوء: مافيني شيء.. عادني تعبان من رحلة أمس..
زميله بثقة: أنت بعد الله يهداك تأخرت.. كلنا صار لنا يومين هنا.. وأنت آخر واحد وصلت..
ثم أردف بإبتسامة: بس وش نقول؟؟ عريس.... مرفوع عنك القلم...
فهد صمت وهو ينظر لكفيه ويقلبهما..
يشعر أن ملمس أناملها مازال بين أنامله.. بالأمس لم يفلت يدها أبدا..
بداية شعر بالحرج أن يفعل ذلك ولكنه كان مضطرا لأنه خشي عليها أن تصدم بأحد وهي بالكاد تتحرك برقتها التي تثير غيظه..
ثم بعد ذلك شعر أنه عاجز عن افلاتها.. وكأن خشونة أنامله كانت تنتظر نعومة أناملها لتزهر بعد قحط!!
وهو في الطائرة كان ينظر لأناملها الساكنة في حضنها ويتمنى لو عاود إمساكها.. ولكنه الآن لا عذر له ليمسكها..
وكذلك حين وصلا للفندق وهما يقضيان معظم الوقت متقابلين غي غرفتهما..
وهو يتمنى ذات الأمنية الغريبة.. أن يمسك يدها.. يدها فقط!!
*****************************
" ها غنومي.. وش أخبار تجهيزاتك ياعريس؟؟"
غانم يلتفت لنجلاء التي دخلت عليه في غرفته وهو يلبس غترته أمام المرآة استعدادا للخروج.. ويهتف بعتب:
ليش تطلعين لين فوق.. أنا أساسا كنت نازل.. تبين تولدين على الدرج..
نجلاء تجلس على السرير وأنفاسها مقطوعة: يوه كفاية علي صالح.. تجيني أنت بعد..
خلوني أتحرك شوي.. في الحركة بركة!!
المهم شأخبار تجهيزاتك؟؟ صالح قاعد يتمدح لي كنه جاب الذيب من ذيله لا يكون يلعب علي بس!!
غانم يميل ليقبل رأسها ويهتف بإبتسامة: أبو خالد رايته بيضا.. أنا أشهد إنه ماقصر..
وحتى عبدالله وهزاع كلهم قدموا الغانمة وحلفوا علي ما أسوي شيء..
إحساس عريس صدق..
نجلاء تقف لتعدل غترته له وهي تهمس بمودة صافية: وأحلى عريس جعل يومي قبل يومك!!
غانم يعاود تقبيل جبينها ويهتف بحنان خالص: بسم الله عليش.. وجعل عمرش طويل.. ولا أذوق حزنش..
المهم ماتربين قدام عرسي.. حاجز لش يساري عشان الصورة..
نجلاء تضحك: لا ياحبيب قلبي.. اليمين لي واليسار لأختي سمور.. العدل واجب..
ومستحيل حد يزحزني.. فيلة بكرش!!
غانم يضحك: ومرتي وينها؟؟ طيري بس.. شكلي بادعي عليش تولدين قبل عرسي عشان ما تنشبين في حلقي!!
نجلاء وضعت يدها على بطنها بحركة تمثيلية: يوه شكل دعوتك صابت..
غانم يدخل ذراعها في ذراعه ويشد عليه.. لينزلا سويا ويهتف بمرح: طيري مرتين..
تيك سمور اللي تضبط سوالف التمثيل هي وخالها هريدي..
أنتي كومبارس صامت واجد عليش!!
*****************************************
حين عاد من التدريب وجدها جالسة كما تركها..
مع الاختلاف طبعا!!
تنهد وهو يرى أناقتها المثيرة فعلا..
في فستانها القصير بقصة تشبه قصة الخمسينيات بحزام مشدود على الخصر وبدون أكمام..
لا يعلم لِـمَ رؤيتها باتت تسبب له إرهاقا غير مفهوم؟؟
هتف لها بإرهاقه الفعلي وهو يجلس على مقعد منفرد قريبا منها:
أنا أبي أعرف دامش قاعدة بروحش.. وأنا وأنتي –عفوا على الكلمة- مااحنا بأزواج طبيعين..
فليش ذا الكشخة كلها؟؟
قبل كنت أقول في الدوحة عشان فيه ناس يجون ويشوفونش.. بس الحين ليش.. لا وزيادة عن كل مرة؟؟
جميلة بنبرة مقصودة: نفس الجواب اللي جاوبتك في الدوحة.. أنا وحدة أحب أكشخ.. وأنا أكشخ لنفسي ولنفسيتي..
وخصوصا الحين ماعندي شيء أسويه كون مقابلة الطوف..!!
فهد يتنهد: زين اقري قرآن واستغلي وقتش..
جميلة بثقة رقيقة: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت"
وأنا الصبح من يوم طلعت وأنا أقرأ قرآن لله الحمد.. والكشخة اللي مهيب عاجبتك هي الترويح عن النفس..
فهد تأفف (المشكلة إنها عاجبتي وزود.. ليش إني واحد ماشفت خير!!
.
.
إلا والله شفت وشفت.. الدنيا مليانة بنات والتلفزيون.. حتى لو ماكنت أرد عيني لأحد..
بس الشوف شفت.. ليش أكذب على روحي؟؟)
فهد هتف بثقة: خلاص عطيني دقايق أتسبح على السريع وأبدل.. ونطلع نتغدى..
جميلة همست بعفوية: فهد ماله داعي.. انت توك جاي من التدريب.. واكيد تعبان.. خل طلعتنا بعدين..
فهد بذات الثقة : لا تعبان ولا شيء!! بس أنتي بعد قومي بدلي ملابسش..
وجميلة همست بذات العفوية: تدري.. توقعت أشوفك باللبس العسكري.. ولا مرة شفتك فيه!!
كنت أحب أشوف شكل عمي منصور وهو نازل لشغله!!
حينها مد يده قليلا لتصل ليده لأعلى عضدها وهو يمسح عليه بظهر سبابته بلطف ويهتف بنبرة مقصودة:
لو صدق بتحبين شكلي في اللبس العسكري رحت الحين مكان التدريب وجبت لبسي!!
جميلة انكمشت على نفسها لتبتعد عن مدى يده وهي تهمس بارتباك ثم تقف:
بأقوم أبدل على ماتسبح أنت..
حينها شد فهد كفها ليعيدها مكانها وهو يهتف بنبرة أقرب للغضب: ممكن أعرف ليش تسوين كذا؟؟
جميلة بذات الارتباك: وش سويت؟؟
فهد بذات النبرة العصبية: أنتي عارفة وش سويتي.. ليش أحس أحيانا إنش تبين تعذبيني!!
جميلة بصدمة حقيقية: أنا؟!!
فهد وقف وهو يهتف بغضب: ماراح أقول شيء .. لأني ما أبي أقول شيء يضايقش..
خلني اروح أسبح أحسن لي!!
جميلة تنظر لظهره متجها للحمام.. بالفعل لم تفهم شيئا مما حدث أمامها..
ولكن ما يهمها في الموضوع أنها لم تحض بأي تجريح لا معنى له.. والحمدلله!!
هــــو.. في الداخل يسند رأسه للحائط والماء ينسكب على رأسه وكتفيه..
كان يتمنى لو كان الماء أبرد أكثر بكثير من ذلك عله يبرد بعضا من الحرارة التي تجتاح خلاياه..
ألمه بات يتعمق أكثر وأكثر.. بين رغبة ورغبة مضادة.. بين شعور وشعور مضاد..
ولا شيء مؤلم أكثر من التمزق بين المشاعر الداخلية.. كما لو أن كل ذراع من ذراعيك مثبت بطائرة حربية مرعبة في سرعتها..
ثم طارت كل منهما في اتجاه معاكس..
هل تستطيع وصف الألم حينها؟!!
يستحيل...!! لأنه ألم يستحيل على كل الكلمات!!
يشعر أنه سيموت.. وهو يذوي فعلا.. ليقترب منها قليلا.. لا يطمع بالكثير..
يتحسس رقة خديها!!
يتنفس عبير شعرها من قرب!!
يلثم أطراف أناملها.. ربما !!
لكنه ما أن تجتاحه هذا الرغبة.. حتى يشعر أن إحساس القرف يعاود غزوه بقساوة.. كيف يرضى بشيء مستهلك؟؟ لمسته يد قبله!!
والإحساس المتضاد الآخر..
الأول.. أنها لا تشجعه مطلقا.. فالغريب أنه ينتظر إشارة منها..
إشارة فعلية تقنعه داخليا أنه لو تصرف أي تصرف فإنها هي السبب لأنها من قامت بأغوائه..
فالذنب حينها سيكون ذنبها!!
وضد هذا الشعور أنه كلما تهور وقام بخطوة ما.. فاجأته بخجل غير مبرر .. جعل قرفه منها يزداد.. وغضبه يتصاعد..
القرف لأنها تمثل خجلا لا تشعر به.. فهي امرأة كانت متزوجة وتعودت على هذه اللمسات وماهو أكثر منها..
والغضب لأنه يظن أنها لا تتقبله بعد زوجها الأول.. وهذا الشعور أكثر شعور بات يؤذيه.. وفي عمق العمق!!
**********************************
" زايد وش فيك؟؟ منت بعاجبني..
شي مضايقك في الشغل؟؟ "
زايد يتمدد وهو يهتف بهدوء واثق: لا أبد.. كل شيء تمام!!
ابتسمت مزنة: أجل متضايق عشان عرس مزون قرب..
لا تحاتيها.. آل ليث عرب أجواد... عدا إنه راشد آل ليث وهله قصرانا من سنين.. أنا أشهد أنهم نعم الجار..
وأم غانم مرة أجودية!!
وهذا البيت قريب.. وبنتك مهيب رايحة بعيد منك!!
ابتسم زايد بشجن: ما أنكر إن موضوع عرس مزون مضايقني..
مهما كان هذي بنيتي الوحيدة.. والسنين الأخيرة بالذات كنت أنا وهي أقرب اثنين لبعض.. والعيال كل واحد منهم هاج في طريق!!
لولاها بعد الله وإلا كان استخفيت!!
مزنة مالت لتقبل كتفه وهي تهمس بمودة: جعل ربي مايخليها منك.. ولا يخليك منها.. وتفرح بعيالها قريب إن شاء الله..
*************************************
( الواحد عشان يشوفش ش صار لازم يأخذ مواعيد..
يعني عشان عرس أخيش قرب كذا.. مشغولة على طول!!
وعقبه بتنشغلين في عرس وضحى.. وعقبه دوامش على طول
متى بالحق أشبع منش أنا؟؟)
سميرة جلست مقابلا لتميم وهي تشير بإبتسامة مقصودة:
صدق إنك مثل اللي عيرني بعيارته وركبني حمارته..
الحين من اللي يداوم شفتين.. صبح وعصر غيرك..
أنا أصلا اللي صرت أتشفق على قعدتك وأنت مشغول على طول!!
تميم ابتسم: خلاص خلي عرس وضحى يخلص وتروح لبيتها.. وأسافر أنا وأنتي كم يوم.. ويك إند من عندش مع كم يوم إجازة عارضة!!
حينها أشارت سميرة بجدية: تميم أنا أبي أتكلم في الموضوع جد شوي..
الحين وضحى بتروح.. وخلاص البيت مافيه غيري..
يعني أنا ما أستاهل منك شوي وقت!!
تميم شغلك هذا أنت صاحبه.. منت بموظف عندهم.. وعندك بدل الموظف عشرين!!
يعني داوم الصبح وقت ما أكون أنا في المدرسة!!
وخلاص العصر الموظفين موجودين مكانك.. وأنت أساسا عندك مدير عليهم..
وكذا الأشغال ماشية..
متى بنعيش حياتنا مع بعض؟؟.. شوي الظهر والليل اللي ترجع فيهم البيت!!
تميم مستغرب فعلا.. فهي مطلقا لم تظهر أي شكوى من الموضوع قبلا.. فما الجديد.. أشار لها باستغرابه: غريبة عمرش ما اشتكيتي!!
سميرة تنهدت: تميم قبل ماكانت علاقة زينة.. عدا إنه أمك وأختك موجودين..
لكن الحين الحمدلله علاقتنا ممتازة.. والبيت مافيه أحد غيري أنا وإياك..
خاطري تتفرغ شوي.. وأنا ما طلبت شيء يأثر على شغلك..
لأنك انت اللي هالك نفسك في الشغل زيادة عن اللزوم!!
تميم تنهد: بس أنا أحب شغلي ومتعود على ذا النظام!!
سميرة أشارت بعتب: وأنا يعني مالي اعتبار.. أنت قبل كنت عزابي.. بس أنت الحين رجّال متزوج..
تميم وقف لينهي الحوار وهو يشير بحزم: موضوع مثل ذا ما ينوخذ فيه قرار كذا..
الموضوع يبي له دراسة!!
سميرة صمتت عن أي إشارة وهي تثبت يديها في حضنها... لا تنكر أنها تشعر بحزن ما فعلا.. أن يكون قرار مثل هذا يحتاج لدراسة كما يقول دون أن يكون لها اعتبار عنده!!
********************************
" أوووف مافيه فايدة.. مافيه فايدة!! "
عالية تشعر بتأثر متعاظم تخفيه خلف حزم صوتها الواثق:
عبدالرحمن الله يهداك .. ليش تقول كذا؟؟
عبدالرحمن بتأفف وهو يعود لمقعده: شوفت عينش.. على كثر ما أسوي تمرينات.. مافيه أي تحسن!!
ابتسمت عالية وهي تمسح عرق وجهه بمنديل معها: ولا تقنطوا من رحمة الله..
تو الناس..
تنهد عبدالرحمن: والنعم بالله.. وما ييئس من رحمة الله إلا قانط..
بس أنا تعبت من نفسي..
تهقين لازم أخفف وزني شوي؟؟
ضحكت عالية برقة: عبدالرحمن أنت صدقت إنك متين.. ترا كل السالفة إنك مليان شويتين.. وما أعتقد إن ذا الشيء له علاقة بمشيك..
عبدالرحمن تنهد بعمق وهو يتجه للحمام ليستحم.. بينما عالية انطفئت ابتسامتها المرسومة وهي تتنهد بحزن..
فهي فعلا ترى أن عبدالرحمن يبذل جهدا كبيرا في التدريب..
ولكن العائد لا يوازي مطلقا الجهد المبذول..
لا تلومه إن تعبت نفسيته.. فهو هذه المرة يبذل جهدا صادقا..
فأين المشكلة؟؟ أين هي؟؟
************************************
" أنا آسفة حبيبي.. آسفة آسفة أسفة.. تاخرت عليك؟؟"
كانت هذه عبارة شعاع وهي تخلع عباءتها وتميل لتحتضن رأس علي الجالس في صالتهما العلوية يشاهد الأخبار!!
علي ابتسم وهو يشدها لتجلس جواره: لا حبيبتي توني واصل.. مثل ماقلت لش في التلفون!!
شعاع احتضنت خصره وهي تهمس برقة: تدري عن أختك عروس.. ولازم ندلعها.. فماحبينا نعجلها..
ابتسم علي بحنان عميق: ياقلبي يامزون.. والله ماني بمتخيل أشلون بتصير مرة متزوجة!! حاسس قلبي يوجعني كل ماتذكرت..
شعاع ابتسمت بعذوبة: ماشاء الله عليها مزون.. اتخمت من حبكم لها.. أنت وإبيك وكساب..
ما أدري وش بتلقى عند غانم زود..؟؟
ابتسم علي : مهما كان مشاعر زوجها غير... يعني أنا مالقيتي عندي زود عقب إبيش وأخيش..
تنهدت شعاع بشجن عميق وهي تدفن وجهها في صدره:
أنا مالقيت الزود إلا عندك.. عشان كذا تعلقت فيك بسرعة..
صحيح عبدالرحمن حنون واجد.. لكن إبي مع إني أحبه بجنون.. كان واجد قاسي علي..
إبي ماتحسنت معاملته معي إلا بعد حادث عبدالرحمن!!
بس يا أنا فقدته وحتى قسوته فقدتها تيك الأيام الله لا يردها..
علي ابتسم بشجن وهو يرفع وجهها له: وأنا ما أبيش تتعلقين في حد غيري..
ولا حتى إبيش وإخيش..
حبيهم براحتش وكثر ما تبين.. بس المهم إنش لي بروحي!!
************************************
" حبيبتي في من تتصلين وأنتي تروحين وتجين كذا؟!!"
جوزا تلتفت لعبدالله وهي تهمس بقلق: أتصل في نجلا..
عبدالله بعفوية واثقة: أنتي مهوب كنتي أنتي وإياها في السوق قبل شوي؟؟
جوزا بذات القلق: بلى .. بس تعبت وحن في السوق.. وقالت تبي ترجع للبيت..
ونزلتني وراحت لبيتها.. وأتصل فيها ما ترد علي!!
عبدالله بقلق مشابه: تبين أتصل في صالح؟؟
جوزا تنهدت بيأس: لا لا تتصل.. لأنه لو كان اللي في بالي بيكون مشتط وحالته حالة..
***************************************
صالح يدخل البيت كالأعصار وهو يصرخ بأنفاس مقطوعة:
نجلا .. نجلا وينش؟؟
نجلا تخرج من غرفة داخلية وهي تلبس عباءتها وهي بالكاد تتحرك.. صالح ركض لها ليسندها وهو يهتف لها بقلق جازع لأبعد حد:
وش فيش؟؟ روعتيني وانتي تقولين لي تعال الحين!!
نجلا بألم وانفاسها مبتورة تماما: بأولد...
صالح برعب: نعم؟؟ توش دخلتي التاسع!!
نجلا تحاول أن تتجلد: صالح تكفى لا تروع كذا.. يعني مهيب أول مرة نمر بذا الموقف!!
صالح يسندها وهو يكاد يحملها ويهتف بأنفاس مقطوعة:
وأنتي تبين ولادة عزوز اللي قبل خمس سنين.. تدريب أتذكره..
امشي الله يرحم والديش..
ثم اردف بقلق: العيال وينهم؟؟
نجلاء تتعصر من الألم: عند أمي من قبل أروح السوق..
صالح أركبها المقعد المجاور له وأغلق الباب ثم هتف بذات القلق المتفجر:
وش حاسة فيه؟؟
نجلاء بألم: بأولد.. وش أنا حاسة فيه بعد.. تعبانة ياصالح تعبانة..
تكفى خلنا نمر سميرة.. أنا كلمتها بتلقاها جاهزة..
صالح يشد على كفها وهو يحرك سيارته بسرعة ويهتف بأنفاسه المقطوعة:
هدي ياحبيتي.. هدي.. وسمي بسم الله..
نجلاء صرت على أسنانها: هذا أنا هادية.. بس أنت اللي هدي تكفى.. لا توترني!!
شدت على كفه بقوة حين شعرت بالتقلصات ثم أرختها حين ذهبت.. بينما قلبه يتقافز مع حركاتها..
نجلا بدأت دموعها تسيل بصمت وهي تصر على أسنانها.. ثم همست بألم:
صالح أبي أقول لك شيء!!
صالح يشد على كفها ويهتف بقلقه المتزايد: ويش حبيبي؟؟
نجلاء تشهق من شدة الألم: تــرا الــلي في بــطـنــي......
........ولــــــد.....!!
***********************************
" عفراء أبو كساب يبيش تحت!!"
عفراء بعفوية: ياهلا ومرحبا بأبو كساب.. نص دقيقة وجايتكم..
خذ زايد يسلم على سميه!!
منصور حمل زايد الصغير وهو يلفه ويهتف بحزم: ترا والله العالم إن جية زايد مهيب للسلام وبس..
شكله وجهه فيه علوم!!
عفراء بقلق: خير إن شاء الله.. جايه وراك الحين..
عفراء حين وصلت للاسفل كان زايد الصغير في حضن زايد الكبير..
حالما رأى عفراء رحب فيها بعفوية أخوية حميمة..
وحين انتهت السلامات المعتادة..
توجه بوجهه لعفرا وهو يهتف بنبرة مباشرة حازمة.. شديدة الثقة:
أم زايد اسمعيني زين الله يرحم شيبانش ..
أنا بأنشدش من شيء.. بس ما أبيه يطلع من بيننا حن الثلاثة..
شيء ماظنتي إنه حد بيعرفه غيرش!!
عفراء تفجر قلقها: أبو كساب الله يهداك صبيت قلبي.. آمرني..
زايد تنهد بصعوبة وهو يفجر سؤالا وجعه بعمق قرون:
حلفتش بالله ماتدسين علي...
أم كساب الله يرحمها قد قالت لش إنها سمعتني أدعي حد في نومي؟؟؟؟
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم HaboOoshy
صالح يدخل البيت كالأعصار وهو يصرخ بأنفاس مقطوعة:
نجلا .. نجلا وينش؟؟
نجلا تخرج من غرفة داخلية وهي تلبس عباءتها وهي بالكاد تتحرك.. صالح ركض لها ليسندها وهو يهتف لها بقلق جازع لأبعد حد:
وش فيش؟؟ روعتيني وانتي تقولين لي تعال الحين!!
نجلا بألم وانفاسها مبتورة تماما: بأولد...
صالح برعب: نعم؟؟ توش دخلتي التاسع!!
نجلا تحاول أن تتجلد: صالح تكفى لا تروع كذا.. يعني مهيب أول مرة نمر بذا الموقف!!
صالح يسندها وهو يكاد يحملها ويهتف بأنفاس مقطوعة:
وأنتي تبين ولادة عزوز اللي قبل خمس سنين.. تدريب أتذكره..
امشي الله يرحم والديش..
ثم اردف بقلق: العيال وينهم؟؟
نجلاء تتعصر من الألم: عند أمي من قبل أروح السوق..
صالح أركبها المقعد المجاور له وأغلق الباب ثم هتف بذات القلق المتفجر:
وش حاسة فيه؟؟
نجلاء بألم: بأولد.. وش أنا حاسة فيه بعد.. تعبانة ياصالح تعبانة..
تكفى خلنا نمر سميرة.. أنا كلمتها بتلقاها جاهزة..
صالح يشد على كفها وهو يحرك سيارته بسرعة ويهتف بأنفاسه المقطوعة:
هدي ياحبيتي.. هدي.. وسمي بسم الله..
نجلاء صرت على أسنانها: هذا أنا هادية.. بس أنت اللي هدي تكفى.. لا توترني!!
شدت على كفه بقوة حين شعرت بالتقلصات ثم أرختها حين ذهبت.. بينما قلبه يتقافز مع حركاتها..
نجلا بدأت دموعها تسيل بصمت وهي تصر على أسنانها.. ثم همست بألم:
صالح أبي أقول لك شيء!!
صالح يشد على كفها ويهتف بقلقه المتزايد: ويش حبيبي؟؟
نجلاء تشهق من شدة الألم: تــرا الــلي في بــطـنــي......
........ولــــــد.....!!
بس مابغيت أقول قبل.. من كثر ما أنا شايفتك شفقان على بنت..
بس الحين مهوب هاين علي تقعد تنتظر ساعات على باب غرفة العمليات وانت ما تدري!!
صالح يشد على كفها أكثر وهو يهتف باهتمام صادق: لا تصيرين سخيفة ..
المهم سلامتش..
والولد والبنت كلهم نعمة رب العالمين..
الحين بتجيبين الولد.. وعقب بتجيبين لي البنت.. المهم الله يمن علينا بمولود تام وسليم ياقلبي!!
نجلاء شدت على كفه أكثر وهي تهمس بين شهقات الألم:
صالح تكفى لو صار لي شيء الله الله في عيالي.. وصاتك العيال..
صالح زفر بغضب حقيقي: هذا الموال اللي ما أحبه.. واللي ما تنسينه كل ولادة..
يا بنت الحلال مافيش إلا العافية.. وأنتي إللي الله الله في عيالش!!
***********************************
" عفراء أبو كساب يبيش تحت!!"
عفراء بعفوية: ياهلا ومرحبا بأبو كساب.. نص دقيقة وجايتكم..
خذ زايد يسلم على سميه!!
منصور حمل زايد الصغير وهو يلفه ويهتف بحزم: ترا والله العالم إن جية زايد مهيب للسلام وبس..
شكله وجهه فيه علوم!!
عفراء بقلق: خير إن شاء الله.. جايه وراك الحين..
عفراء حين وصلت للاسفل كان زايد الصغير في حضن زايد الكبير..
حالما رأى عفراء رحب فيها بعفوية أخوية حميمة..
وحين انتهت السلامات المعتادة..
توجه بوجهه لعفرا وهو يهتف بنبرة مباشرة حازمة.. شديدة الثقة:
أم زايد اسمعيني زين الله يرحم شيبانش ..
أنا بأنشدش من شيء.. بس ما أبيه يطلع من بيننا حن الثلاثة..
شيء ماظنتي إنه حد بيعرفه غيرش!!
عفراء تفجر قلقها: أبو كساب الله يهداك صبيت قلبي.. آمرني..
زايد تنهد بصعوبة وهو يفجر سؤالا وجعه بعمق قرون:
حلفتش بالله ماتدسين علي...
أم كساب الله يرحمها قد قالت لش إنها سمعتني أدعي حد في نومي؟؟؟؟
عفراء تغير وجهها تماما وهي تشيح بوجهها جانبا.. زايد لاحظ تغيرها.. وليس غبيا ليفهم سبب التغير..
شُعر أن يدا هائلة تعتصر فؤاده بلا رحمة.. حتى كادت حجرات قلبه الأربع تتفجر من بين اعتصار أصابعه الجبارة..
هتف بثقل موجوع أخفاه خلف سكون صوته:
عفراء انا حلفتش بالله اللي أكبر من كل شيء.. وانا لو ما أنا بحاس بشيء ماكان سألت .. فحتى لو أنكرتي تراني ماني بمصدقش!!
عفراء همست باختناق: يأبوكساب.. حكي في الفايت نقصان في العقل..
أنت الحين رجّال متزوج.. ووسمية لين آخر يوم معك أنا أشهد إنها كانت مبسوطة وفي معزة واحترام وكرامة..
وشو له تقلب في حكي مامنه فايدة!!
زايد هتف بثقل حازم أكثر: عفرا ترا الجواب وصلني خلاص.. وأنا ما أني بغشيم..
بس ريحيني بكلام صريح ولا تخليني معلق كذا!!
عفراء أشاحت بوجهها وهي تختنق تماما: ماعندي كلام أقوله.. ولا أعرف شيء عن اللي تقوله..
زايد التفت لمنصور وهو يهتف له برجاء أخوي مثقل بوجعه المتزايد: أبو زايد حلفتك بالله تحاكيها..
رب العالمين ماله حشمة عندكم.. حلفتها بالله وماتبي تقول لي!!
منصور هتف لعفرا بحزم: عفراء إذا عندش شيء قوليه لزايد.. زايد حلفش بالله..
عفرا وقفت وهي تهمس بحزم: هو حلفني بس أنا ماحلفت..
والحين اسمحوا لي أروح..
وترا للميت حرمته.. خلو الميت مرتاح في قبره!!
ووسمية الله يرحمها ماقالت لي شيء .. انتهينا..
عفراء غادرت فعلا..
وزايد وقف دون أن يتكلم... حتى لو لم تخبره بشيء..
فالجواب وصله تماما.. وصله بشكل واضح وصارخ وموغل في الألم..
لأنه لو لم يكن محقا لم تكن عفرا لترتبك وترفض البقاء.. كانت نفت الأمر من بدايته..
ولكنها توترت وارتبكت.. ثم هربت..
وهذا معناه جواب واحد لايخفى على رجل بخبرته ..
أن هذا حدث فعلا... حدث!!
أن وسمية عانت لسنوات وهي تسمعه ينادي سواها طوال ليالي متطاولة مثقلة بالمرارة.. ليلة بعد ليلة!!
فأي امرأة جبارة هذه المرأة!! أي امرأة جبارة من احتملت كل هذا!!
الآن فقط أصبح يعرف سبب هربها لتنام في غرف أبنائها..
الآن أصبح يعرف..
وكم جرحته هذه المعرفة حتى عمق العمق..
بل نحرت روحه الآبية الأصيلة.. نحرتها تماما!!
******************************************
كان يحتضن كفها بين أنامله بقوة تملكية غريبة.. وهما يتمشيان قريبا من الفندق..
وتتمنى هي لو أفلت كفها التي بدأت تتعرق من شدة تمسكه بها..
كل واحد منهما مشغول بأفكاره الخاصة.. والحديث الدائر بينهما في أدنى حدوده..
رغم أنه كان يتمنى أن يسمعها تتكلم.. وتتكلم.. تمنى أن تخبره عن حياتها الماضية.. ذكرياتها..
عدا فترة واحدة فقط.. واحدة فقط.. يؤلمه مجرد التفكير فيها!!
ويخشى أن يجرهما الحديث لها...
حين اقتربتا من الفندق اعترضهما شاب صغير يبيع الورد وهو يهتف بظرف:
الورد للورد يابيه!!
رغم أن فهد لا يهتم بهذه الأمور ولا يفهمها أبدا.. ولكنه التفت لجميلة وسألها: أي لون تبين؟؟
هزت جميلة كتفيها دلالة (أي وحدة ماتفرق!!) لكن فهد أصر.. حينها همست جميلة بخفوت: البيضاء حلوة!!
فهد بعدم فهم: نعم!!
جميلة لم ترفع صوتها لأنها تذكرت تحذيره لها ألا تتكلم في مكان عام.. ولكن حين سألها للمرة الثانية.. همست بصوت أعلى برقتها المعتادة:
أقول البيضاء حلوة!!
حينها هتف بائع الورد على طريقة ظرف المصريين المعتادة العفوية:
يا لهوي !! إنتي بتتكلمي يامدام وإلا بتغردي؟؟
فهد شد جميلة بغضب وهو يهتف للبائع بغضب أشد: توكل على الله.. مانبي ورد!!
الشاب بخيبة أمل: ليه كدا يابيه؟!!
فهد بصوت مرعب: أقول لك توكل!!
الشاب غادر وهو يتأفف.. بينما جميلة همست بعفوية: فهد حرام عليك كان شريت منه..
فهد بغضب أشد وأشد: إيه ياحرام كاسر خاطرش وهو قاعد يتغزل فيش وأنا واقف مثل الطوفة..
أنا والله عشان شفت طوله مايجي نص طولي خفت ربي فيه.. ماراح حتى يتحمل كف مني!!
جميلة باستنكار: فهد عيب عليك ذا الكلام.. الولد كان يجامل بس..
وإلا من اللي بيغازل وحدة وهو يقول لها يامدام وقدام زوجها!!
فهد غضبه متفجر فعلا ويحاول كتمه لأنهما في الشارع: مسكين مهوب في وعيه..
سمع الصوت وخق!!
جميلة بنبرة مقصودة: يعني هو خق من كلمتين.. وغيره صار لي مقابلته أكثر من أسبوعين وهو يسب في صوتي!!
حدث العاقل بما يعقل!!
فهد شعر أنها حصرته في زاوية ضيقة.. حصرته تماما.. وغيظه يتفجر منها!!
بينما جميلة باتت تشعر بالخوف من عودتها معه لغرفتهما.. تخشى أن يجرحها أو حتى يجد سببا ليمد يده عليها..
حينها كانا يعبران باب الفندق للداخل.. جميلة همست برجاء: خلنا نقعد في اللوبي شوي!!
نشرب شاهي مثلا!!
فهد باستغراب: تونا تعشينا.. والساعة صارت 11 وأنا وراي تدريب بكرة بدري!!
جميلة برجاء أشد: تكفى فهد.. تكفى!!
فهد باستغراب أشد: توش قبل شوي.. تقولين تعبتي وتبين ترجعين تنامين!!
وش اللي تغير؟؟
جميلة حينها أجابته بصراحة عفوية مؤلمة: بصراحة فهد.. خايفة أرجع معك الغرفة تسوي لي شيء..
خلنا هنا لين تروق..
فهد بصدمة: أنتي تبين تحامين في الناس مني!! لذا الدرجة شايفتني متوحش؟؟
جميلة بيأس: فهد أنت اللي عطيتيني ذا الإحساس.. حتى يوم وعدتني تراعيني لأني خوي سفر.. أحس إنه صعب عليك توفي!!
فهد شد كفها بحزم وهما متجهان للمصعد: وأنا قلت لش قبل لا تحاتين شيء.. وماراح أضايقش بشيء..
ولا صار لساني الطويل يحكني.. بلعته وسكرت ثمي عليه!!
********************************
" عفراء الله يهداش ليش تبكين كذا؟؟
أدري عندش كلام ماقلتيه زايد.. بس قوليه لي!!
إذا ماشلت حمولش.. وش عازتي؟
ولا تحاتين السر اللي ماتبغين تقولينه زايد.. بيقعد سر عندي بعد"
عفراء لم ترد عليه.. ولم تقل له أي شي.. فمابها من الوجع يكفي ويزيد!!
اكتفت بسكب دموعها على صدره كما اعتادت..
وقرر هو أن يصمت ويتركها على راحتها تسكب حزنها بالطريقة التي تريحها!!
فإذا لم تكن تريد الكلام.. فهو لدموعها المسكن والوعاء!!
مثقلة بحزن شفاف من أجل زايد.. ربما أكثر..
فأختها مضت وارتحلت وارتاحت عن رب رحيم.. رحمته أوسع من كل شيء..
تخلصت من ألم الأرض وقسوتها وأحزانها!!
لكن زايد مازال هنا ينبض حزن الأرض بين جنباته..
كل إنسان يحتوي في جنباته الخير والشر.. ومن نعمة الله عليه أو نقمته أن يجعل أحد الجانبين ينتصران..
ولأن معدن عفرا الخيّر غلب.. لم يهن عليها أن تجرح من كان لها عزوة وسندا..
هذا الرجل العظيم الذي تفرد بعظمته ولا يستحق أن يعيش إلا بسعادة مستحقة له..
حتى لو كان على حساب ضغطها على مشاعرها وحزنها!!
ولكن ما تخشاه أن تظل الهواجس تعذب زايد.. وهي تعلم أي روح أصيلة طاهرة بين جنبات هذا الرجل!!
لم تعلم أن مابداخل زايد لم يعد مطلق هواجس.. بل أصبح يقينا..
يقين مطلق جارح ... جارح.. جــــــــــارح!!
بدأ يغوص في روحه المنحورة بالوجع..
حتى لو كانت أم أولاده مضت.. وأصبحت مجرد ذكرى!!
ولكن روح شفافة كروحه تعرف جيدا كيف يكون ألم الطرف الآخر..
كيف وهو حرص طوال عشرته مع وسمية على أن يدفن مشاعره لمزنة في أعمق نقطة في روحه..
حتى لا يصل أي إشعاع منها لوسمية فيضايقها أدنى مضايقة..
فإذا به كل ليلة كان يصفعها على وجهها صفعا بهذه المشاعر..
وهو يستنزف روحها شيئا فشيئا..
الألم الآن بدا يستنزف روحه هو.. شيئا فشيئا!!
*************************************
كانت أمام المرآة تمسح الكريم على وجهها وآخر على يديها..
تنظر للمرآة وتنتهد..
تصرفات فهد بدأت تقلقها.. ونظراته الفاحصة بدأت تقلقها أكثر..
ليست غبية لتفهم هذه النظرات.. فهي رأتها سابقا في رجل آخر..
وإن كانت تتجاهلها الآن كما تجاهلتها مع خليفة!!
فهي تعلم أن فهدا ليس كخليفة.. وأن فهدا لو أراد شيئا فقد يجبرها عليه..
وهي يستحيل أن تسمح له بذلك بعد آذاها وجرحها بكلماته القاتلة المريعة!!
حتى الله وسبحانه لايرضى بهكذا إذلال.. أن يمتهنها ويمتهن جسدها ثم يريد الاستيلاء عليه!!
ربما فعلا يجب أن تخفف من تأنقها أمامه.. فهي داخليا تعترف أنها بالغت في الأناقة.. لأنها أرادت أن تعاقبه..
فمهما يكن غرورها الأنثوي أراد أن يثبت لثقتها بنفسها قبله حتى..
أنه لا مشكلة فيها بل المشكلة فيه.. ولن تسمح له أن يقلل من ثقتها بنفسها..
لأنه من سينحني وسيرفع رايته البيضاء..
لكنها الآن لا تريده أن يرفع الراية البيضاء لأنها عاجزة عن تقبله فعلا !!
وهاهي فعلا ترتدي بيجامة محايدة تماما وإن كانت تحمل روح أناقتها المعتادة الشفافة..
كانت غارقة في أفكارها حتى رأت الخيال خلفها ينعكس على المرآة..
انتفضت بخفة بينما هتف هو بنبرة مقصودة: خوفتش؟!!
همست بتوتر: لا ماخفت..
كانت تريد أن تقف لولا أنها لم تستطع لأنه وضع كفيه على كتفيها..
توترت أكثر أكثر وأنامله ترتفع لتعبر عنقها ببطء ثم تتخلل شعرها!!
همست باختناق: فهد هدني.. أبي أقوم..
فرد عليها بثقل: وإذا ما أبي أهدش!!
همست بحدة خانقة: لا.. بتهدني.. لأني ما أبيك تلمسني!!
حينها تراجع فهد وهو يصحو من الغيبوبة المغيبة التي شعر فيها منذ خرج من الحمام ورآها تجلس أمام المرآة غارقة في أفكارها..
وصفحة وجهها تنعكس بوداعة مؤلمة على صفحة المرآة.. وهو يتحرك نحوها كالمسحور المغيب!!
هتف بغضب: نعم؟؟ ماتبيني ألمسش؟؟ لو بغيت.. ماتقدرين ترديني لأن هذا حقي..
جميلة استدارت نحوه بغضب لتواجهه: وأنت تنازلت عن ذا الحق وبأبشع طريقة ممكن يسويها رجّال في مرته..
فلا تجي الحين تطالب فيه.. خلك قد كلمتك..
وإلا الحين أنا صرت شيء جديد مهوب مستخدم..؟؟
فهد شد له نفسا عميقا وهو يصر على أسنانه بغيظ لأنها ذكرته بما يريد نسيانه:
وأنا ما أبيش يا بنت الحلال.. فلا تحديني أقول كلام ما أبي أقوله.. وأنا وعدت نفسي ووعدتش ما أضايقش..
جميلة هزت كتفيها بذات غضبها الشفاف: عادي.. شكلي بأتعود إنك ماتعرف من الوعد إلا اسمه!!
فهد ينتفض من الغضب: أنا؟؟ أنا فهد آل ليث ما أعرف من الوعد إلا اسمه!!
جميلة حينها همست بحزن عميق: وأنا وش كنت أبي من فهد آل ليث إلا الاحترام وبس..
الظاهر إنه حتى فهد آل ليث مجرد اسم وبس!!
جرحته..!! بالفعل جرحته..!!
الآن أصبح يعرف كم من الممكن أن تكون الكلمة جارحة.. ومؤلمة..
جارحة كحد السيف.. ومؤلمة كانتثار دمه بعد الجرح !!
كل يوم يتفاجأ من سوء صورته في عينيها.. بل بشاعتها!!
" وماذا تركت لها غير ذلك؟؟
ماذا تركت لها؟؟
وأي مبرر منحتها لتزهر صورتي في عينيها؟؟
لم أمنحها سوى فرشاة ألوان بشعة ترسم بها لوحة أشد بشاعة..
هـــي أنــــا !!"
***********************************
" زايد فديتك.. خلني أتصل في علي يوديك المستشفى
أو أروح أنا وأنت مع السواق؟؟"
زايد همس بإرهاق: مافيني شيء!!
مزنة بقلق متعاظم: أشلون مافيك شيء.. جسمك مولع.. وكل مافيك يرجف!!
زايد بذات الإرهاق: سخونة عادية.. الحين حبتين البنادول بتجيب مفعولها..
وبكرة بأقوم زين!!
مزنة تستعد للوقوف وهي تهمس باستعجال بالغ الاهتمام: زين بأروح أجيب كمادات باردة وبأجي!!
زايد أمسك بمعصمها وشدها وهو يهمس بذات النبرة المرهقة من أثر الحمى:
ما أبي كمادات خلش جنبي..
مزنة عادت للتمدد جواره وهي نصف جالسة وتمسح على جبينه الملتهب بيأس..
همس لها بعمق موجوع غريب: مـزنـة.. ضـمـيـنـي!!
مزنة شعرت بألم عميق غير مفهوم وهي تفتح ذراعيها له ويقترب هو ليدفن وجهه في ثنايا صدرها..
وأنفاسه الملتهبة تحرق صدرها بألم أكثر تجذرا وغرابة!!
ضمته أكثر وهي تهمس في أذنه بوجع: حبيبي طالبتك.. قل لي وش اللي مضايقك؟؟
لم يرد عليها وهو يدفن وجهه أكثر بين عبق رائحتها.. قريبا من دقات قلبها!!
وكأنه يريد أن يتزود منها لرحلة غياب طويلة!!
ولكنه لا يشبع.. لا يشبع!!
************************************
" سميرة يأخيش.. مهوب كنها تأخرت واجد؟!!"
رغم أن سميرة تكاد تذوي من القلق ولكنها تحاول أن تتماسك لأنها ترى أن صالحا يكاد يموت من القلق والتوتر:
أبو خالد الله يهداك.. ترا ممكن تقعد لين أكثر من كذا!!
صالح بقلق: بس ماصار لها كذا في ولاداتها اللي قبل..
سميرة تحاول تهدئته: ولدك هذا هيس!! مهوب مثل خلّود وعزوز فديتهم!!
أنا بأروح أسأل داخل.. لا تحاتي!!
.
.
بعد دقائق..
تعود سميرة بأنفاسها الطائرة.. وعيناها رغم أنهما بالكاد ظاهرتان من فتحتي نقابها إلا أن تفجرهما بالاحمرار كان واضحا..
همست بصوت مختنق بالبكاء تماما: أبو خالد يبونك توقع على عملية قيصرية.. يقولون الولادة تعسرت شوي..
صالح تفجر غضبه تماما: يعني صار لها عندهم ذا الوقت كله تتعذب وتوه يطري عليهم العملية.. من البارحة وحن هنا!!
ليش ماقالوا ذا الكلام من البداية؟؟
سميرة انفجرت في البكاء: لأنهم اكتشفوا إنهم توأم.. واحد كان متخبي ورا واحد..
صالح تراجع بذهول مصدوم: أشلون توهم يكتشفون.. في أي عصر عايشين حن..
زمان جدتي!!
سميرة تشهق: أبو خالد الله يهداك أنت بتقعد تستفسر.. تعال وقع..
نجلاء أصلا ماسوت إلا تلفزيون واحد.. عقب التلفزيون اللي هي سوته معك عقب ما اكتشفوا حملها...
وكانت بعد يومين بتسوي تلفزيون بعد..
صالح وقع الموافقة... وهو مثقل بالمرارة والغضب والتوتر والقلق..
كل المتضادات تصارعت في نفسه..
وأهم رغبة لدية هو أن تخرج نجلاء سالمة له ولأولاده!!
هذا هو كل مايريده..
سيموت لو حدث لنجلا أي شيء.. سيموت..
أي حياة ليست هي فيها..
ليست حياة.. ولن تكون حياة أبدا!!
بل هي مسخ حياة لا معنى لها!!
*********************************
" حبيبي تكفى بلاها الروحة للشغل اليوم..
ارتاح اليوم.."
زايد يثبت ازرار كميه وهو يهتف بحزم: مافيني شيء عشان أقعد.. عندي مواعيد صار لها أسابيع محدد وقتها..
مزنة مازالت تحاول بإصرار: تكفى زايد.. عشان خاطري.. البارحة وأنت تهذي من الحمى..
تبي تطلع اليوم عشان تنكس!!
حينها التفت لها بسخرية مريرة مثقلة بطعم مرارة كمرارة العلقم:
وش كنت أقول وأنا أهذي؟؟ أكيد اسمش!!
مزنة تراجعت خطوة للخلف.. لم تعجبها نبرته.. ومع ذلك هتفت بثقة:
إيه كنت تهذي باسمي!!
أجابها بذات المرارة: أجل خلاص مافيني شيء.. وش الجديد؟؟ كل ليلة وأنا أهذي باسمش..
مزنة منذ أيام وحاستها السادسة تنبئها أن هناك شيئا غير طبيعي في زايد!!
تحاول تكذيب إحساسها .. فيزداد اليقين!!
مزنة صمتت وتركته يكمل لبسه كالمعتاد.. يضع غترته ويرتبها.. وينهي أناقته برشات من عطره الفاخر..
وعيناه لا تنظران إلى نفسه بل إلى الواقفة خلفه.. وعيناها سارحتان في ملكوت آخر!!
يا الله.. ماكل هذا الوجع..!!
لم يشعر يوما أنه يحتاج إليها كما يشعر الآن..
لماذا؟؟ لماذا؟؟
لأنه يشعر أنه سيفقدها.. سيفقدها..
استدار إليها وهو متجه للخارج.. وقف أمامها.. عيناه تبحران في عينيها كمركب يبحر في لجة بحر لا قرار له..
مد سبابتيه ليغلق عينيها..
ثم قبل كل عين على حدة...
برقة غامرة... دفء حان.. ووجع لا حدود له!!
ثم مضى دون أن يقول كلمة واحدة!!!
*********************************
سميرة خرجت ختاما لصالح بعد أن كاد ينهار من القلق.. بل هو شبه منهار فعلا!!
همست باختناق هائل مثقل بحزن شفاف جدا: مبروك يا أبو خالد جالك ولد سليم ولله الحمد..
صالح بصدمة مذهولة: ولد سليم!!!.. والولد الثاني وش أخباره؟؟
والأهم من ذا كله... نجلا أشلونها بشريني منها؟؟
سميرة لا تستطيع حتى أن تبكي لشدة حزنها وقلقها.. لا تريد أن تبكي وكأنها ببكائها (تفاول) على أختها:
نجلاء والبنت تعبانين واجد!!
**************************************
" كاسرة.. كاسرة!!"
كان ينادي ولا مجيب له وهو يعبر أقسام جناحهما حتى رآها تقف أمام مكتبه..
وبيدها ملف أخضر اللون..
كانت تقف مذهولة.. مصدومة.. عيناها متفجرتان بأحمرار دموي ينذر بهطول عاصفة من حزن مطري..
حين رأته واقفا أمامها.. رفعت الملف أمامه وهي تهمس باختناق بالغ متفجر بحزن لا حدود لمجراته :
أشلون تدس علي موضوع مثل هذا؟؟
أشلون؟؟
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم HaboOoshy
" كاسرة.. كاسرة!!"
كان ينادي ولا مجيب له وهو يعبر أقسام جناحهما حتى رآها تقف أمام مكتبه..
وبيدها ملف أخضر اللون..
كانت تقف مذهولة.. مصدومة.. عيناها متفجرتان بإحمرار دموي ينذر بهطول عاصفة من حزن مطري..
حين رأته واقفا أمامها.. رفعت الملف أمامه وهي تهمس باختناق بالغ متفجر بحزن لا حدود لمجراته :
أشلون تدس علي موضوع مثل هذا؟؟
أشلون؟؟
كساب هز كتفيه بثقة: الملف قدامش على المكتب قد له كم يوم..
مادسيته عنش..
ثم أردف وهو يقلد طريقتها حين علم بخبر حملها:
كنت أقول اليوم بتشوفه.. اليوم بتشوفه.. ويمر اليوم وأنتي ماشفتيه..
كاسرة تمسح أنفها وهي تمنع نفسها من الانفجار في البكاء وتهمس باختناق حقيقي:
كساب هذا موضوع تأخذه بمزح؟!!
أو حتى تقارنه بموضوع حملي.. حرام عليك وش جاب لجاب؟؟
كساب بذات الثقة التي ستقتلها: كاسرة الموضوع بسيط .. وعني أنا.. كنت أشوف موضوع حملش أهم بواجد..
كاسرة اتجهت نحوه بعصبية وهي تغالب دموعها التي توشك أن تغمر المكان..
مدت يدها إلى خاصرته اليسار وهي تتحسسها..
وتهذي باختناقها بكلمات متدافعة ماعادت واضحة لشدة ازدحام حنجرتها بالعبرات:
وين؟؟ وين؟؟ هنا؟؟ صح هنا؟؟ صح هذي هي...
ليش يا كساب ماقلت لي؟؟ حرام عليك تسوي فيني كذا !!
حرام عليك..!!
هنا؟؟ صح؟؟ وإلا هنا؟؟ توجعك؟؟ حاس بشيء؟؟.. قل لي .. لا تدس علي شيء!!
أنا كنت حاسة إنه ذا الحادث سوى فيك شيء أكثر من مجرد كسر يدك وشوي ذا الجروح..
كنت حاسة!! قلبي كان ناغزني!! بس كنت أكذب نفسي!! وأقول كفاية علي وجع!!
وين؟؟ قل لي وين يوجعك؟؟
كساب شدها ليحتضنها بيدها السليمة بقوة وهو يهتف بحزم حان:
كاسرة بس.. هدي.. الانفعال مهوب زين لش..
وأنا والله العظيم مافيه شيء يوجعني.. وإلانسان يقدر يعيش بكلية وحدة!! وحتى نص كلية..
وكليتي الثانية مافيها شيء تمام التمام!!
كاسرة حينها انهارت وهي تجلس على الأرض وتنتحب بوجع حقيقي:
حرام عليك تفجعني كذا.. كل شيء عندك بالدس.. وش فيها لو أنت مهدت لي شوي شوي.. بدل ما أنصدم بذا الطريقة..
كساب أنا إنسانة مؤمنة وكان قلت الحمدلله على كل حال..
بس الحين حاسة كل اللي فيني يرجف من الصدمة..
إذا منت بخايف الله فيني.. خافه في اللي في بطني!!
كساب جلس جوارها على الارض بشكل معاكس وهو يمد يدها ليمسح وجهها..
وألم عميق ينتشر في كل نواحي روحه.. أ كل هذا البكاء من أجله؟!! أ هذه كاسرة؟؟ أم هذه هرمونات الحمل؟؟
كساب همس بنبرة الحنان التي تذيب مفاصلها حين تحضر:
كاسرة وش تبين أقول لش؟؟.. أقول لش إنه الحادث سوى إصابة مباشرة لكليتي اليسار وانعطبت وتوقفت على العمل..
ما أنكر إني تضايقت.. بس أنا بعد إنسان مؤمن.. وقلت الله أرحم بعبيده منهم..
ودامه خذ مني شيء أكيد بيعوضني بشيء أحسن!!
ويوم دريت إنش حامل.. حمدت الله إنه عوضني بذا السرعة!!
كان دورها لينتشر الألم في كل نواحي روحها.. أ كل هذه العذوبة من أجلها؟!! أ هذا هو كساب من يتحدث؟؟!
أم هذا مجرد إحساس وقتي بالوجع والذنب؟؟
لم ترد بكلمة وهي تسند جبينها لكتفه.. وتكمل نحيبها الشفاف وهي تتعلق بعنقه بكلتا ذراعيها..
*************************************
" يأمك روح البيت.. هذا حن عند نجلا والمواليد!!
روح تريح شوي!!"
صالح يمسح وجهه بإرهاق مثقل بحزنه: ما أقدر يمه.. ما أقدر..
بأقعد هنا لين نجلا على الأقل تطلع من العناية!!
همست أم صالح بحنان موجوع: زين شفت عيالك.. ؟؟
صالح همس بثقل: عيالي عند جدتهم!!
أم صالح تنهدت: أقصد المواليد!!
صالح بذات الثقل: شفت الولد.. طيب وبخير.. بس البنت مارضوا كلش..
لأنه الولد في الحضانة بس البنت في العناية الفائقة وقالوا ماحد راح يدخل عليها إلا أمها لو بغت!!
أم صالح تسأل باهتمام مهموم: كم أوزانهم؟؟
صالح بسكون: الولد كيلوين و300.. بس البنت كيلو و600..
صالح صمت.. صمتا ثقيلا..
يشعر بذنب شفاف.. يشعر بذنب أنه تمنى بنتا..
بل دعا الله بكل عزم أن يرزقه هذه المولودة..
وهاهي البنت أتت للدنيا.. مثقلة بالأوجاع.. وأثقلت أمها معها..
دائما الإنسان يشعر بالطمع ويريد المزيد.. ويغريه الله بكرمه..
ماذا ستفيده البنت لو رحلت نجلاء؟؟
ووجد نفسه وحيدا في الدنيا مع أيتام بلا أم؟!!
يا الله.. لا يريد أن يفكر في هذه الفكرة البشعة حتى!!
لا يريد..!!
لشدة بشاعتها يشعر بها تحفر روحه بمناجل مسمومة!!
ومافيه من سموم الروح يكفيه وزيادة!!
*************************************
منذ عاد من الخارج وهو صامت..
ما الغريب؟؟ فالصمت بينهما أكثر من الكلام؟؟
ولكن صمته هذه المرة غريب.. كما لو كان يحمل في طياته حزنا غير مفهوم!!
وجدت أن الواجب يستلزم منها أن تسأل من باب اللياقة الإنسانية التي لا يعرفها حتى!!
همست برقة: فهد فيه شيء مضايقك؟؟
أجابها كأنه يكلم نفسه: صالح جا له ولد وبنت!!
ابتسمت جميلة بشفافية: ألف مبروك.. وليش مابشرتني؟؟ وليش أساسا شكلك متضايق؟؟
فهد بذات النبرة الساكنة: بنت عمي أم خالد تعبانة شوي وفي العناية هي والبنية المولودة..
وصالح نفسيته تعبانة كلش!! لو صار لأم خالد شيء بعيد الشر مهوب بعيد بيستخف.. مابعد شفت رجّال متعلق في مرته مثله!!
جميلة انطفئت ابتسامتها تلقائيا.. وهي تقرر أن تقوم لتتصل بسميرة وتطمئن عن حال نجلاء..
ولكن تأثرا شفافا كان يجتاح روحها.. تأثر من أجل صالح!!
أي رجل رقيق هذا الذي يظهر تعلقه بأم أولاده للعيان؟؟
والبعض حتى لو كان مولعا بزوجته أخفى ذلك بينه وبينها..
حتى لا يكون في ذلك انتقاص من رجولته الثمينة التي ستهتز لو اظهر رقة مشاعره خارجا!!!!
سبحان الله..
كيف يُخرج أخوين من بطن واحد.. وطبائعهما متناقضة لهذا الدرجة!!
لا يمكن أن تتخيل فهدا عذبا ورقيقا بأي درجة حتى..
فكيف إلى هذه الدرجة الموغلة في العذوبة؟!!
**************************************
" يمه الله يهداش ارجعي البيت!!
طولتي على أخواني وعيال نجلاء!! "
أم غانم استحال عسل عينيها إلى لون قاتم نتيجة لاحمرار بياضها.. وهي لم تتوقف عن البكاء منذ معرفتها بالخبر.. رغم أنهم حاولوا تأجيل وصول الخبر لها!!
همست بصوت مبحوح تماما: عيالي وعيال نجلاء عند جوزاء وعالية في بيت أبو صالح.. ومهوب جايهم شيء!!
سميرة بإرهاق: زين أنتي الحين وش مستفيدة؟؟ هذا إحنا كلنا قاعدين في الاستراحة.. روحي أول ما تطلع نجلا بأتصل لش..
ودكتور يقول وضعها الحين أحسن.. والضغط بادي ينخفض!!
أم غانم تشهق: ياقلبي يا بنتي.. كان نفسها في بنت.. وحتى البنت ماشافتها..
والله أعلم هي تلحق تشوفها وإلا لأ..
لو شفتيها بس يا سميرة.. أنا عملت لهم مناحة على باب عناية المواليد لحد ماخلوني أدخل!!
حتة قد الكف.. ومش باينة من كثرة الوايرات.. مش هتستحمل..
سميرة بتأثر: يمه.. الله أرحم بعبيده وإن شاء الله إنه مايكتب إلا اللي فيه الخير..
************************************
" ما اتصلت لش سميرة!! أرسل لها وتلفونها مسكر.. ما أدري هي تبيني أجيبها وإلا لا ؟؟ "
وضحى تشير لتميم بهدوء: تلفونها أصلا عندي.. لأني يوم رحت أنا وأمي لهم
كان خالص شحنه فرجعته معي أركبه لها على الشاحن..
تميم أشار بحزم: خلاص عطيني إياه أوديه لها.. وأشوف لو بتجي!!
وضحى ناولته الهاتف ثم أشارت بثقة: ما أعتقد إنها بترجع معك!!
تميم بضيق: من أمس وهي هناك .. ومهوب عاجبني قعدتها مقابلة صالح!!
وضحى بذات الثقة: أولا هي مهيب مقابلة.. صالح في استراحة الرجال وهي في استراحة الحريم..
ثانيا صالح عبارة أخيها الكبير..
ثالثا مافيه حد يقعد عند أختها غيرها.. أمها الله يعينها عندها أربع بزران في رقبتها..
وأخت صالح حامل وأمه عجوز تعبانة!! والسنع ماحد يقابل أختها غيرها!!
تميم أشار بذات الضيق: هاتي التلفون.. وبس!!
.
.
بعد نصف ساعة..
تميم يصل إلى إلى الممر حيث غرفة نجلا.. يشعر بالحرج أن يكون أحد من أهلها موجود..
وهو لم يكن يريد الاقتراب من الغرفة.. لأنها أحيانا قد تكون مكشوفة جزئيا عبر الزجاج..
كان يريد التوجه لاستراحة الرجال ليسأل صالح من الموجود.. ليلمح صالح يقف مع سميرة عند باب غرفة نجلا..
كان صالح يهتف بحزم: والله إن قد تتصلين في رجالش وتسرين..
وإلا اتصلت فيه أنا..
سميرة برجاء: تكفى يا بو خالد استغفر.. مثل مادخلت أنا ونجلا سوا.. بنطلع سوا..
صالح بحزم أشد: أنا حلفت وانتهينا..
ثم أردف وهو يبتسم ابتسامة باهتة: وهذا هو ثلاث أرباع الحلوفة تم.. تميم جا..
سميرة استدارت لتجد تميم قادما من خلفها.. لا تعلم لِـمَ شعرت بالتوتر حين رأت وجهه كان به شيء غير مريح..
علائم غضب ربما!!
تميم وقف بعيدا قليلا لأنه لم يكن يريد الاقتراب من غرفة نجلا.. فتوجه له صالح أولا وهو يشير بالترحيب كما يفهمه..
تميم أشار له بالسلام.. ثم اشار إلى ناحية غرفة نجلا بالسؤال.. ليفهم صالح أنه يسأل عن حالها..
فهز صالح رأسه.. ثم تاخر للخلف عائدا لغرفة نجلاء ليترك الزوجين معا!!
تميم أشار بغضب لم يظهر على وجهه لكن سميرة فهمته: حلوة الوقفة اللي أنتي كنتي واقفتها!!
سميرة أشارت له بثقة غاضبة: وقفتي مافيها شيء.. في ممر مستشفى.. وقدام غرفة أختي.. ومع رجالها اللي هو ولد عمي وعبارت أخي الكبير..
وشوفت عينك قدام كاونتر الممرضات.. وهذا هم خمس ممرضات قاعدين!!
فأكمل تميم بنبرة تهكم غاضبة: والساعة الحين عشر الليل..!!
سميرة تحاول التماسك وهي تشير برزانة: عشر والا 12 الموقف كله مافيه شيء.. إلا إنك مشتهي تعصب وبس!!
صالح مستغرب.. لماذا طال حوار الإشارات الغريب غير المفهوم هكذا؟؟
لماذا لم يذهبا لبيتهما؟؟
تميم أشار بحزم: أنا كنت جاي أجيب تلفونش لش.. بس الأحسن إنش تمشين معي..
سميرة شدت نفسا عميقا: لولا إن صالح قبل جيتك بدقيقة كان يحلف علي أرجع للبيت معك..
وإلا والله ما أرجع معك عقب الكلام البايخ ذا.. لين نعرف تثمن كلمتك!!
تميم أشار لها بعضب: خلينا نمشي.. لنا بيت نتفاهم فيه..
حالما ركبا السيارة.. أشاحت بوجهها للناحية الأخرى.. ألا يكفي أنها ستموت قلقا على أختها ليكملها هو عليها بقلة أحساسه..!!
أدارت وجهها ناحيته حين شعرت بيد تشد طرف عباءتها ومازالت السيارة في المواقف لم تحرك..
مد كفه وهو يبسطها لها.. تنهدت وهي تضع كفها في وسط كفه.. ليحتضنها بكفيه كليهما ثم يفلتها ليشير بشفافية:
آسف حبيبتي.. شكلي زودتها شوي!!
سميرة أشارت بشفافسة مشابهة: زودتها واجد مهوب شوي... تغار من صالح عاد!!
ابتسم تميم: الرجال اللي مايغار على محارمه مافيه خير!!
حينها أشارت سميرة بشجن: بس سالفة الغيرة عندك شايفتها صايرة تتكرر عندك ذا الأيام الأخيرة بزيادة!!
تميم مازالت ابتسامته ماثلة: بتحاسبيني على غلاش يعني؟!!
*********************************
" يأمش عندش بكرة موعد الساعة 9 في الصالون..
اصحي بدري.. لأنش عارفة زحمة الدوحة.. نبي لنا ساعة لين نوصل"
مزون بشفافية: مهوب أحسن نكسله؟؟
مزنة باستغراب: وليش نكنسله؟؟ يا الله لقينا موعد!!
مزون بتردد: يمكن العرس كله يتأجل عشان وضع نجلا.. وماله داعي ذا المواعيد!!
مزنة ابتسمت: لا راح يتكنسل ولا شيء.. أي والد بقيصرية تتعب لها يومين وتقوم..
اليوم أو بكرة بالكثير بتسمعين أخبار زينة عن نجلا إن شاء الله.. أنا جيتها اليوم وبأروح لها بكرة بعد وبأطمنش زيادة!!
حينها ابتسمت مزون وهي تسأل: زين شيبتش وينه اليوم كله غاطس ماشفته؟؟
حتى الغدا ماجاء يتغدى معنا..
أشلون تخلينه (داير على حل شعره) على قولت سميرة.. لازم (تشكميه)..
ابتسمت مزنة وهي تربت على رأس مزون: أبو كساب اليوم عنده شغل بزيادة..
أكيد بيمرش أول ما يرجع!!
مزنة تنهدت بوجع عميق لم يظهر خارجا.. حال زايد غير مطمئن أبدا.. وهناك شيء غريب فيه!!
البارحة طوال الليل وهو يهذي باسمها بين انتفاضات الحمى بشكل غير طبيعي..
قد يكون غالب الليالي يناديها في نومه.. ولكن لدقائق..
ولكنه البارحة لم يتوقف عن النداء وهو يئن بطريقة موجعة ومتمسك بها بشدة لدرجة أن أصابعه تركت أثارا واضحة على جسدها!!
ثم حين صحا من نومه .. ووجد نفسه في حضنها قفز كالمسلوع وهو يبتعد عنها..
ثم ختمها بطريقة سلامه الغريبة عليها وهو يغادر لعمله..
ولم يرد مطلقا على اتصالاتها اليوم.. ولم يتصل بها!!
وقلق شفاف يتعاظم في روحها إلى أعظم مدى.. وحسها الأنثوي ينبئها برائحة مقلقة حقا!!
***************************************
بالفعل اليوم هو غريب..
فهي كانت دائما تشعر أن بين جنباته قوة وطاقة مرعبة تُشعرها أحيانا بالخوف منه..!!
ولكنه اليوم يبدو كما لو كانت هذه الطاقة سُحبت من بين جنباته.. وهو خادر خامل!!
وهاهو يتمدد لأول مرة قبلها وهو من يوليها ظهره!!
جلست على الطرف الثاني دون أن تتمدد ثم همست برقة:
فهد الحين ذا التأثر كله.. خايف على بنت عمك؟؟ وإلا عشان حالة أخيك؟؟
أجابها بسكون ثقيل وهو مازال يوليها ظهره:
عشان خويلد وعزوز..
أم خالد لو الله اختارها عندها.. فهذي قسمته.. وماحد يعترض على عطا رب العالمين!!
وصالح رجّال.. بيعيش وينسى..
بس عيالها....؟؟
اليتم يوجع.. وهم صغار مانبت لهم ريش.. وفوقهم ولد ثالث يبي من يربيه..
جميلة صمتت.. غريب فعلا هذا الرجل..!!
بقدر مابدت لها إجابته قاسية.. بقدر مابدت حنونة وبطريقة موجعة.. في كلا الحالتين!!!!
*********************************
هذه الليلة كان دورها لتسهر فوق رأسه وهي تنظر له وتسكب دموعا صامتة عاجزة عن إيقافها..
" الحمل ذا خربني مرة وحدة.. صايرة حنفية دموع!!"
كالعادة مشاعرها تدور حوله وحدة في إعصار من مشاعر متضادة..
غاضبة منه.. وستموت حزنا من أجله!!
مطلقا ليست معترضة على ما كتبه الله.. فالملايين من البشر يعيشون بكلية واحدة حياة طبيعية...
ولكن ما يحز في روحها في الصميم أنه لم يخبرها.. كان يعاني وحده..!!
وهي مطلقا لا تخفف عنه بحدتها الحاضرة التي هو من يستفزها لتحضر!!
مدت يدها برفق عفوي لتلمس خاصرته.. كانت بالكاد لمسته لتتفاجأ به يقفز واقفا في حركة دفاعية متحفزة..
كاسرة تراجعت بحرج: آسفة ماقصدت..
كساب تنهد وهو يهتف بنبرة حادة أقرب للغضب: كاسرة لو سمحتي.. لو فكرتي تلمسيني مرة ثانية وأنا نايم.. كلميني قبلها..
حينها تحفزت كاسرة بدورها وهي تهتف بغضب : وش تلمسيني ذي؟؟ وش شايفني؟؟
كساب بذات النبرة الحادة: أنتي ما تفهمين يا بنت الناس..
أنتي عارفة إني كان ممكن أكسر يدش اللي مدتيها لولا ستر ربي إنه خلا يدي أنا في الجبس..
كاسرة تنهدت بغيظ وهي تعود للتمدد وتوليه ظهرها..
وهو تنهد بوجع عميق وهو يعود للسرير ويتمدد وهو ينظر لظهرها..
يبدو أنه سيبقى عاجزا دائما عن تجاوز الفترة المقيتة التي قضاها في السجن والتي تعلم فيها أن ينام متحفزا خوفا من هجوم مباغت لأسباب متعددة !!!!
مد يده بخفة ليتحسس فقرات ظهرها.. ارتعشت بعنف وهي تهمس بذات غيظها:
كساب لو سمحت لا تلمسني.. وإلا تدري.. كلمني أول قبل ماتفكر تلمسني!!
ابتسم كساب (والله إنش ظريفة!!) ولكنه همس بحزم: زين التفتي صوبي..
عيب تكلميني وأنتي معطيتني ظهرش!!
كاسرة لم ترد عليه.. حينها همس بخبث طريف: يعني خلاص ماتسمعين كلامي..
عشاني واحد مسكين ماعندي إلا يد وحدة.. وكلية وحدة!!
كاسرة حينها استدارت نحوه بعنف لتضع كفها على فمه وهي تهتف بغضب مجروح:
أص...ما أبي أسمع ولا كلمة..
كساب قبّل أناملها الساكنة على شفتيه ثم تناولها برفق ليحتضنها في كفه وهو يهمس بإبتسامة:
مافيه شيء يستاهل تحرقين أعصابش عشانه.. ولا حتى أنا!!
ثم أردف بجدية: ولا تعيدينها كلمة (أص) ذي.. أعصب أنا عليش!!
كاسرة حينها اقتربت لتدفن وجهها بين عنقه وكتفه وهي تهمس بغيظ مغلف بألم شفاف:
تدري إني عمري ماشفت حد دمه ثقيل وطينته أثقل كثرك!!
*************************************
" زايد الله يهداك.. تعاقبني أنت؟؟"
زايد التفت نحوها بسكون وهو يفتح أزرار ثوبه.. وهتف بذات السكون:
ليه تقولين كذا؟؟
مزنة برقة حازمة: اليوم كله ماترد على تلفوناتي.. وعقبه تأخرت من غير ما تعطيني خبر.. عمرك ماسويتها إلا مرة وحدة..
يوم زعلتنا الأخيرة مع بعض.. عشان كذا أسألك تبي تعاقبني على شيء معين؟!!
زايد تنهد بعمق: السموحة.. بس اليوم كنت مشغول بزيادة!!
مزنة شدت نفسا عميقا: زين تعشيت؟؟
زايد أجابها بذات السكون الغريب: الحمدلله..
مع أنه اليوم بالكاد تناول شيئا.. وشهيته للأكل منعدمة.. قد يبدو الأمر غريبا..
لماذا يعاني هكذا؟؟
أ لأنه قد أذنب دون قصد رغم أن مامضى قد مضى.. مع أن أم أولاده ارتحلت إلى حياة خالية من الأحزان والألم!!
ولكن ألم يكن هو في حياتها سببا لأحزانها وألمها وهي من حرصت طوال السنوات اللي عاشتها معه أن تكون مصدرا للأمل والسعادة والبهجة!!
كلما تذكر ذلك وجد ألما يتسع في ضميره الحي بلا هوادة.. ينتشر كانتشار النار في الهشيم!!
وما يزيده ألما هو تعاظم شعوره عن عجزه عن الاستغناء عن هذه التي يراها الآن تناولت مصحفها وهي تنشر السكينة حولها!!
وفي ذات الوقت يشعر بضرورة إيقاف حد لمشاعره التي بدأت تتدفق نحوها بغرابة..
بعد أن كان طوال الفترة الماضية غارق في مقارنات سخيفة بين مزنة القديمة والجديدة ومشاعره تنحاز للقديمة على حساب الجديدة..
هاهو الآن.. يشعر بفيض مشاعر غريب يحط على جنبات شواطئها..
وهو يشعر بثقل مضني في روحه وهو يتخيل حياته تعود باردة جليدية بعيدا عن دفء أحضانها وأنفاسها!!
***************************************
كانت غارقة في النوم.. حين بدأت تشعر بحركة غريبة على شعرها..
ثم إحساس كأحساس الحلم بين النوم واليقظة.. وهي تشعر بحركات أنامل بين خصلات شعرها..
ثم تزيح شعرها خلف أذنها..
انتفضت بجزع وهي تشعر بحركة أغرب على أذنها وصدغها.. حركة رقيقة شفافة جعلتها تقفز من نومها برعب..
أ هذه قبلات ؟؟
انكمشت وهي تجلس وتشد نفسها مبتعدة عن المتمدد جوارها نصف تمدد وتهمس بجزع حقيقي: فهد ش تسوي؟؟
لم يرد عليها.. ولم يستطع أن يرد.. وهو عاجز عن التنفس وينظر لها كالمبهور..
لم يتخيل أن ملامسة شفتيه الأولى لها سيكون لها هذا التأثير القاتل الشفاف الموجع.. حتى فعلها!!
كان ينظر لها كما لو كانت حلما وهو يراها تشد نفسها بحرج هاربة للحمام..
ودون أن ينطق بكلمة.. كما لو كانت الكلمات ستفسد الغيبوبة اللذيذة التي يغرق فيها الآن..
شد نفسه بثقل ليسند ظهره للخلف وأنفاسه تتثاقل وهو يشعر بما يشبه الدوار..
هذا الصباح لم يكن لديه تدريبا. فتدريبه العصر..
عدا أنه لم ينم جيدا البارحة لكثرة هواجسه.. لذا صحا متأخرا..
وكان أول مافعله أنه أخذ هاتفه ليرى الساعة..
حينها شعر برعبه يتفجر وهو يرى أن صالحا اتصل به عدة مرات..
وكان سيتصل به فورا لولا أنه وجد رسالة منها:
" أبشرك أم خالد طلعت من العناية!!
وصحتها أحسن بواجد!!"
حينها تنهد بارتياح وهو يشعر بخدر ناتج عن سعادته بعد شد الإعصاب المرعب الذي عاناه قبل ثوان...
التفت للمجاورة له حتى يبشرها.. فهو رأى البارحة كم كانت قلقة وهي تتصل بسميرة وهاتفها مغلق!!
كانت غارقة في النوم.. أشبه ما تكون بقطعة حلوى في غلاف فضي..
هكذا كان إحساسه.. مع إنها لبست بيجامة فضية لأنها شعرت أنها تحمل من روح الحياد الكثير..
لم تعلم أن هذا الرجل قرر مغادرة المنطقة المحايدة لمنطقة أكثر خطرا..
لم يستطع أن يقاوم مطلقا رغبته في تحسس شعرها!!
" بس بألمس شعرها.. شعرها بس!!"
في البداية كان مترددا وهو يلمس شعرها بحذر.. لكنه شعر بحذره يتهاوى ويتهاوى.. وأنامله تغوص أكثر بين طيات حرير شعرها..
وهو يزيحه أكثر ليضعه خلف أذنها..
حينها لم يقاوم أن يقترب أكثر ليتنفس عطر شعرها من قرب..
وعبقها الشفاف يصيبه بدوار فعلي..
وهو يقترب بألم غير مفهوم من بشرتها..
يقسم حينها أنه شعر بلسعة كهرباء فعلية ما أن لامست شفتيه أذنها..
كهرباء ضربت جسده بعنف جعلته يرتعش كمحموم وهو يتجاوز أذنها لصدغها..
لا يعلم إلى أين كان سيصل.. لو أن انتفاضتها بجزع لم تقاطعه.. وتبتر ارتعاشته لإحساس خدر بهي وهو يراقبها..
دقائق مرت.. قبل أن يستعيد صفاء ذهنه.. ليتنفض بجزع أكبر..
" انا وش هببت؟؟
أنا أشلون رديت نفسي لها؟؟
وش تقول علي الحين؟؟
ماني بعند كلمتي صدق!!"
جميلة قضت وقتا طويلا قبل أن تخرج من الحمام عاجزة عن السيطرة على نفسها وارتعاشها.. وحرجها..
خائفة منه.. وعاجزة عن النظر إلى عينيه!!
لتحمد الله حين خرجت أن الغرفة كانت خالية من وجوده!!
*********************************
" سميرة... صالح وين راح؟؟ "
سميرة تبتسم : ما ادري وين راح.. من يوم راح لبنته ما رجع..
نجلاء بصوت باهت مبحوح: صار له 3 ساعات من يوم راح.. ما أعتقد إنه عندها..
تكفين سميرة.. كلميه خليه يجيب عزوز وخويلد.. باموت أبي أشوفهم!!
سميرة انحنت لتمسح على شعرها بحنان: عيالش أمي بتجيبهم معها الحين!!
خلي أبو خالد يمكن إنه راح ينام.. صار له يومين مارقد كلش!!
لم يتخيلا كلاهما أنه فعلا كان عند بنته طوال ذلك الوقت..
بعد أن استخرج تصريحا خاصا لزيارتها.. وتعهد أن يعقم نفسه جيدا قبل الدخول لها..
والممرضات يحاولن فيه منذ وقت طويل أن يخرج وهو رافض بتصميم..
شيء كالسحر يحدث.. رابط متين ربطه بالقطعة الزهرية الصغيرة ما أن وقعت عيناه عليها..
حين دخل إلى غرفة المواليد.. كان يشعر بتوتر ما.. وهو يريد أن يطمئن على صغيرته ويغادر فورا..
لأنه يعلم أن الأمهات يحضرن وأنهن سينحرجن من وجوده!!
كانت الممرضة تريد أن تقوده لها من بين عدد من المواليد..
ولكنه لم يحتج أن تخبره.. فقد عرفها بنفسه.. عرفها بنفسه!!
قلبه قاده إليها دون خطأ.. لدرجة أن الممرضة تعجبت!!
بالكاد ملامحها واضحة لشدة صغرها.. ومع ذلك يكاد يقسم أنه لم يرى مخلوقا أجمل!!
شعر أن قلبه سينفجر لشدة تدافع الدم إلى خلايا قلبه التي تهاوت عروقها انفعالا!!
شعر أنه سيموت ليشبع هذه الصغيرة بقبلات لا حصر لها..
كان سيراها ويذهب فورا.. فإذا به يجذب مقعدا ويجلس وعيناه معلقتان بها فقط كما لو كانت بؤرة الضوء الوحيدة في العالم!!
عيناه تمسحان جسدها الصغير.. بقعة بقعة.. وألم جارح يتعمق في روحه..
وهو يرى الازرقاق الناتج عن الإبر التي مزقت جسدا كان يجب أن يكون في حضنه الآن!!
يتمنى لو استطاع تحطيم هذا الزجاج ليأخذها في حضنه فعلا..
همس للمرضة باختناق حقيقي: أقدر ألمسها.
ردت عليه الممرضة بمهنية: تستطيع لمسها عن طريق القفاز داخل جهازها..
حينها رفض أن يدخل يده في القفاز.. فهو يريد أن تكون أول مرة يلمسها.. يلمسها بدون أي حاجز.. يريد أن تشعر أنامله بملمسها وليس ملمس مطاط بارد..!!
الممرضة عادت له وهي تهمس بحرج: أرجوك سيدي أن تخرج.. الأمهات يشتكين من وجودك..
وأرجوك ألا تتكرر هذه الزيارة الطويلة.. لك عشر دقائق فقط المرة القادمة!!
" ماذا تقول هذه المجنونة؟؟
أي عشر دقائق!!
كل سنوات عمري لا تكفي للبقاء جوارها!! لا تكفي"
صالح شد نفسه رغما عنه خارجا.. وهو يشعر كما لو كان ترك قلبه خلفه..
تركه بالمعنى الفعلي لا المجازي!!
****************************************
" يمه وش رأيش في اسم المها ؟؟"
أم صالح التفتت لصالح باستغراب: أي المها؟؟
بينما نجلاء شعرت بالتوتر المخلوط بغصة حزن وهي تضم صغيرها غانم وتحاول ألا تلمس مكان الخياطة!!
فهي علمت أي " المها " يقصد..
تشعر بألم عميق وبإحساس ذنب أنها من قصرت في إجراء الفحوص وإلا كانت علمت بوجود هذه الصغيرة المختبئة..
وبكت مطولا حين أخبرتها الطبيبة أن تتهيأ لأي خبر سيء يخص صغيرتها.. حين طلبت مقابلة الطبيبة لتسأل عن حالتها!!
وهاهي تشعر أن الذنب ذنبها أنها لم تستطع تغذيتها كما يجب!!
وكادت الطبيبة تجن وهي تحاول تهدئتها لأن البكاء والانفعال خطر على الخياطة في بطنها..
صالح أجب أمه بعفوية باسمة: المها بنتي يمه.. من زمان مشتهي ذا الاسم!!
أجابت أمه بعفوية بها رائحة الحزن: يأمك هو قد به مودمي عشان تسميه..
(مودمي= إنسان)..
صالح بنبرة غضب: ليه يمه.. وبنتي وش هي؟؟
أم صالح بنبرة حنونة: ذي يأمك فَرط واحتسبها عند رب العالمين..(فرط= طفل ناقص ميت أو سيموت)
أنت ومرتك عادكم صغار.. ويتجيبون كثر ما تبون عيال وبنات إن شاء الله..
صالح انفجر بغضب فعلي: أنتو ليه كلكم تكلمون عن بنتي كنها ميتة.. حتى إبي يوم كلمته استاذنه في الاسم.. قال لي نفس الكلام!!
أنتو ماعندكم إيمان برب العالمين ورحمته!!
أم صالح بحزن: يأمك وش فيك شبيت.. أنت بروحك شفتها شوف العين..
يأمك مثل ذي أشلون تعيش..
حن يا الله سكتنا نجلاء.. تجي ذا الحين تشفقها في البنية..
نجلا كانت تنتظر عبارة كهذه لتنفجر في البكاء فعلا..
أم صالح قفزت بضعف لتتناول الصغير من يد نجلاء.. بينما نجلاء بدأت تضغط بطنها بألم.. والألم يتفجر في زوايا الخياطة..
صالح قفز جوارها وهو يحتضن رأسها بشكل جانبي.. ويشد على كتفيها ويهمس في أذنها بحنان:
هدي حبيبتي هدي ياقلبي.. هدي تكفين.. البكاء مهوب زين لش..
ماعليش من كلامهم.. ربي أرحم من عبيده.. وبنتنا بتعيش إن شاء الله..
******************************
حين خرج من التدريب.. وجد الكثير من الاتصالات منها..
تنهد بيأس..
فهو فعلا أطال في تركها اليوم!!
فمنذ خرج اليوم قبل الظهر بقليل.. لم يعد ولم يتصل.. انضم لرفاقه في شقتهم..
أراد بالفعل أن ينسى ماحدث اليوم..
فهو رأى الامر جارحا له ولها على السواء..
والغريب أنه منذ خروجه من عندها وهو يحاول إقناع نفسه إن ماحدث سبب له الضيق والقرف لأن شفتيه عبرتا مكانا.. عبرته شفتا رجل قبله..
ولكن الشعور المدمر الذي يشعر به فعلا .. أنه لو تكرر الأمر سيفعله وسيفعل أكثر منه بكثير لو استطاع!!
التضادات تقتله!! تقتله حقا!!
****************************
" مساء الورد يام غنومي..
يعني أنتو تسكتوني عشان ولدتي قبل عرسي وتسمون الولد علي!!"
نجلا تمد يمدها لتمسح خده حينما مال عليها لتقبل خده.. وهي تهمس بصوت مرهق مبحوح تماما من أثر انفعالها قبل قليل:
ماشاء الله دعوتك ماتنزل الأرض.. دعيت علي الصبح جاني الطلق المغرب وأنا في السوق!!
صالح يبتسم بمرح: أنا عني بصراحة كنت أبي أسمي على عمي راشد.. هو اللي سمى علي!!
بس نجلا قالت تبغي غانم.. عشان ولدنا جا في موعد تاريخي.. ينقال له موعد عرسك.. عشان نخلد الموعد صدق..
وأنا واحد عظامي ما تشلني على أم خالد.. لو تقول لي أنام واقف نمت!!
بس شوف ترا بنتك لغنوم ولدي وببلاش بعد.. هذي سماوتنا..
غانم يضحك وهو يميل على على سرير غانم الصغير ويضع فيه ظرفا كان مخبأ في جيبه:
سماوتكم وصلتكم.. وبنتي مالكم شغل فيها..
صالح حينها هتف بغضب وهو يقفز ليتناول الظرف من سرير الصغير:
والله ماتعطيه شيء.. اسمك بروحه بسماوة!!
غانم بحزم شديد: صالح استغفر.. والله ماترجع.. ماتبيها أنت وولدك.. خلاص لأختي والله ماتقول شيء..
صالح بذات الغضب: أنت خبل.. أنت رجال وراك عرس ومصاريف.. وأنا حلفت..
الاثنان بدأ بالتناقر فوق سرير الصغير كالديكة.. ولم يقاطعهما إلا صوت نجلا المرهق: تكفون بس.. روعتوا ولدي خلاص!!
**************************************
جميلة قفزت حين سمعت صوت باب الغرفة يُفتح..
فهد دخل بخطوات أقرب للغضب..
بينما جميلة كانت تنظر له بعتب ووجهها محمر تماما: كان قعدت بعد شوي..
حتى تلفون مادقيت وانت طالع من صبح..
وأنا أفكاري تودي وتجيب..
لذا تفاجأت من رد فهد غير المتوقع وهو يهتف بغضب: ممكن أعرف ليش ماكلتي شيء اليوم؟؟
جميلة تراجعت بحرج: وأنت وش دراك أني ماكلت شيء؟؟
فهد بذات الغضب: لأني مريت اليوم وأنا طالع الريسبشن وقلت لهم.. إذا طلبتي الروم السيرفس مايطلعون لش إلا بنت..
وأنا داخل قال لي الموظف إنش أساسا ماطلبتي شيء!!
جميلة هزت كتفيها بيأس: ومن اللي له نفس يأكل.. وأنا قاعدة بروحي وأهوجس!! وأنت ماحتى تكرمت علي بتلفون!!
فهد بذات الغضب: يعني تبين تقنعيني إنش تحاتيني.. عني طلعت وداستني سيارة.. وش يهمش أنتي؟؟
جميلة نظرت له بعمق: يهمني إني اسمي إنسان.. والإنسان لازم يهتم باللي حواليه.. وخصوصا لو ماكان عنده غيرهم..
ثم أردفت بنبرة سخرية مريرة: ولو داستك سيارة على قولتك.. من اللي بيرجعني الدوحة؟؟
فهد زفر بغيظ وهو يجلس ليخلع حذائه: لا تحاتين.. دقي على أبو زايد.. ساعتين وتلاقينه عندش!!
هاهو يجد له موضوعا يحتد به وعليه حتى لا يفكر فيما يشغل تفكيره فعلا..
يريد أن يبعدها عن تفكيره قدر مايستطيع.. قدر مايستطيع!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم HaboOoshy
" الحين أنتي وإياها مصبحيني من صبح عشان تغثوني..
قوموا فارقوا كل وحدة لبيتها ..
خلو أمي وأمي صافية هم اللي يجوني أبرك من مقابل وجيهكم..
الحين مسوين فيها قاعدين عندي.. وهل واجب..
قوموا فارقوا.. جعل عبدالرحمن وتميم يمسونكم الليلة بكفوف لين تقولون بس!!"
سميرة تهتف بمرح: علوي ظنش عيال أخيش ذولا فيه قرابة بينهم وبين الفيران..؟؟
عالية بمرح مشابه: لا لا حدش.. مهوب عيال أخي.. عيال أختش.. هذي جينات الفيران من عندكم!!
أخواني كلهم طوال..
سميرة وضعت كفها على خاصرتها بطريقة تمثيلية وباللهجة المصرية التي تعلكها بطريقة كوميدية: نعم يا أختشي .. نعم..!!
ما يحكمشي وإن حكم ما يأمرشي.. ئال فيران ئال!!
ثم أردفت بإبتسامة أوسع: ياحبيبة قلبي أمي جايبتنا كلنا حدود الاربعة كيلو..
ومهاوي وصلوح جابتهم 4 ونص.. شوفي الانتاج المتغذي ولا فراخ الجمعية!!
مهوب ذا الكيلو الطالع والنازل اللي عيال أخيش متمسكين فيه!!
وبعدين أنتو اللي تلزقون فينا.. الولد سميتوه على أخي.. والبنت سميتوها على أختي.. أصلا باقي اسم سميرة.. وتصير عايلتنا بالكامل عندكم!!
عالية بتأفف: وعيييييييه.. وش سميرة ذي؟؟ وش ذا الاسم السوفاج؟؟
أما عاد مهاوي لا تنسين إن صالح هو اللي طلب اسمها من عمي راشد..
من زمان خاطره في الاسم!!
سميرة بذات المرح: زين صارت حلاوة.. بيسمي العايلة كلها مها...
وإلا عشان أختي مهاوي شقراء وتختوخة وتجنن تحسبون بنتكم الفارة السوداء بتصير مثلها..
بعيد عن شواربكم يا آل خالد الجياكر..
كان الحوار المرح مستمر بين الاثنتين منذ حضورهما معا.. لتغادر أم صالح التي كانت أصرت أنها من ستبات عند نجلاء..
كانتا تحاولان رسم الابتسامة على وجه نجلا التي كانت تعاني بالفعل من كآبة حادة.. وهما تعلقان على المولودين معا بذات الدرجة..
لكي توحيا لنجلا ان كلاهما سيعيش لها..
كلاهما لا يغادرها مرحها الفطري رغم أن حياة أي منهما لا تخلو من المشاكل..
فعالية بين ضغط عملها.. ووحمها .. وعدم تحسن حالة عبدالرحمن التي هي المؤثر الأكبر على نفسيتها المرهقة..
سميرة أيضا هي حالة خاصة.. زوجها ذكي.. لكنها أيضا ذكية!!
تميم قبلا كان يغار عليها الغيرة المعتادة التي ترضي غرور أي امرأة!!
لكنها ما أن بدأت تشتكي من عمله.. حتى بدأ هو يزيد من عيار الغيرة لدرجة بدأت تضايقها...
وكأنه -بطريقة قد تكون فعلا غير مقصودة- يعطيها مثالا أن هذا ماسيحدث كلما بقي معها وقتا أطول..
لأنه سيزيد من تركيزه عليها..
وكأنه يقول (ارتاحي مني يا بنت الحلال أحسن!!)
بينما سميرة ابتسامتها دائما حاضرة ( خبيث ياتيمو.. بس تراني لو بغيت أصير أخبث!!
وعلى قولت خالي هريدي الفصيح : إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا )
*****************************************
صحا من نومه.. وهو يشعر بشعور أشبه بالصداع..
فهو لم يستطع أن ينام جيدا.. وهي السبب.. دائما هي السبب!!
البارحة أصر أن يأخذها خارجا ليتعشيا لأنها لم تتناول أي شيء طوال اليوم..
شهيتها كانت شبه مسدودة فعلا..
وهو عاني بطريقته العصبية في إقناعها أن تأكل.. فهو يعلم أنها عانت من مرض انسداد الشهية ويخشى أن يعود لها بسببه..
ومنذ عادا لغرفتهما.. وهو عاجز عن رفع عينيه عنها بطريقة مؤذية لمشاعره.. وجارحة لرجولته!!
وهو يحاول أن يكتم رغباته وينحيها في نقطة عميقة في داخله!!
ولكن هذه الرغبات بدأت تتسع في داخله إلى حد العجز عن كتمانها..
وهي تكاد تفيض من جوانحه بقسوة....
أجبر نفسه إجبارا قهريا على التمدد قبلها.. وإغلاق عينيه حتى يتوقف عن مراقبتها..
وهاهو يصحو الآن بعد نومته غير المريحة..
ليتفاجأ بوجود مخددة ممدة بينها وبينه!!!
" نعنبو ذي صاحية وإلا خبلة ؟؟
يعني المخدة بتحميها مني!!"
ألقى المخدة خلفه بعصبية.. ثم نقر كتفها بخفة.. جلست بجزع وهي تتلفت حولها..
هتف بعصبية: سور الصين العظيم اللي حطوه عشان يحمي الصين.. يسلم عليش!!
جميلة تلفتت بحرج للمخدة الساقطة خلفه.. وتهمس بذات الحرج : ماقصدت شيء!!
فهد بغضب يتزايد بغير منطقية ولا سبب: إلا قصدتي ونص.. قصدتي تجرحيني.. وتحرجيني..
وش تقصدين؟؟تبين تبينين إنش خايفة مني أو عايفتني..؟؟
ليش يعني ؟؟.. حلال عليه وحرام عليّ.. ليش يعني هو حق له يقرب.. وأنا تبين تبعديني بأي طريقة..
جميلة بصدمة: فهد أنا الحين اللي أبي أبعدك.. والكلام اللي قلته لي من ثاني يوم عرسنا.. نسيته؟؟
فهد بقسوة: لا تفتحين دفاتر ما أبي أفتحها.. أنا مانسيت.. بس أنتي نسيتي وأنتي تسوين حركات البزارين ذي..
أنتي منتي بمحتاجة شيء يحميش مني.. قلت لش إني أنا نفسي تردني...
وخلصنا جميلة.. ما أبي أقول شيء يضايقش.. لأنه يدي ما تمر على مكان مرت عليه يد غيري..
آلمها حتى عمق العمق.. ألا لأنه بدأ يضعف نحوها يجد ذلك مبررا لطعنها الطعنة تلو الطعنة!!
هذا وهو لا يريد أن يضايقها.. فما معنى المضايقة عنده هذا المخلوق المعدوم الإحساس..؟؟
وهو بالفعل وحقيقة كان يظن أن كلمته غير جارحة...!!
همست حينها جميلة بحزن شفاف: ماتبي تقول شيء يضايقني؟؟
أنت أساسا من يوم تزوجتني ماتعرف إلا الكلام اللي يذبح.. هذي المضايقة مرتبة أنت تعديتها من زمان!!
أنا أبي أعرف وش الدين اللي تعرفه أنت؟؟.. الدين عندك صلاتك ووردك بس..
اللي أعرفه إن الدين المعاملة..
واللي أنا أعرفه إنه زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كلهم مطلقات وأرامل إلا السيدة عائشة..
مرت قبل يده الشريفة أيادي وأيادي.. ولا عمره جرح وحدة منهم بكلمة..
إلا إذا أنت شايف نفسك أحسن من الرسول عليه الصلاة والسلام؟؟
فهد انتفض بجزع وهو يقفز ويستغفر: أعوذ بالله من غضب الله.. فيه حد يتطاول على الرسول كذا.. أنتي صاحية!!
جميلة ماعادت قادرة على الصمت.. مثقلة بالوجيعة حد التخمة..
أ يوقظها من نومها ليتمتع بتجريحها؟!! أي مخلوق وحشي وهذا؟!!
انهمرت بيأس:
الحين أنا اللي تطاولت على الرسول وإلا اللي شايفني زبالة عشاني كنت لرجال قبلك.. ؟؟
الله عز وجل يقول : (عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا)..
وقدم الثيب على البكر.. لكن أنت لا هامك كلام رب العالمين.. ولا رسوله...
أنت واحد معدوم إحساس.. ولا فيك ذرة إنسانية..
وأنا تعبت منك والحياة خلاص مستحيلة بيننا..
وأنا ترا بطبعي ماني بصبورة.. بس صبرت عليك واجد عشان ما اصير مطلقة مرة ثانية..
لكن أكرم لي أصير مطلقة عشرين مرة.. ولا القعدة مع واحد مثلك ذالني على شيء مالي ذنب فيه..
فهد تراجع بصدمة كاسحة.. فهو لم يقل لها ما يستحق أن تقول له من اجله كل هذا؟؟
لم يتخيل أنها قد تصف كل هذا الحديث لتصل في النهاية إلى هذا الطلب الموجع كنتيجة منطقية لكل ما يحدث بينهم!!
رصفت الحديث رصفا.. وهي كل حجر تضيفه تضعه فوق صدره حتى أصبح عاجزا عن التنفس وهي تقيم البناء كاملا على جسده..
أ لم يعلم أن المعول الذي كسرت به الحجارة لتقيم بنائها.. كان هو من غرزه في صدرها..؟؟
قسوته جعلتها تنتزع المعول من صدرها ومكانه ينزف طوفانا من وجع ودم.. لتستخدم ذات المعول لتبتعد عنه!!
***********************************
بعد أربعة أيام
.
.
" صالح الله يهداك ماعاد شفناك.. تقعد في المستشفى أكثر من البيت!!"
صالح يميل ليقبل رأسها ثم يجلس جوارها على السرير ويهمس بحنان:
أنا بعد حبيبتي قلت لش .. خلش عند أمي وإلا أمش
أنتي لزمتي ما تنفسين إلا في بيتش!! عشان كذا صرتي تضيقين من القعدة..
نجلا تزفر: أصلا أنا من البداية قلت لك إني باتنفس في بيتي.. لا هو أول ولا ثاني..
وأمي وأمكم يا الله كل وحدة تقوم بروحها.. وأنا هنا خداماتي عندي..
ومدارس عيالي قربت..
وهذا أساسا مهوب موضوعنا.. يعني أنا هنا من قبل أمس.. كل ماكلمتك لقيت جوالك مسكر دريت إنك عند البنت..
صالح بتأفف حنون: شأسوي ما يخلوني اشوفها إلا شوي.. فاضطر اروح وارجع واروح وارجع..
نجلا تتنهد: زين صالح خلك منطقي.. قعدتك عندها كل ذا وش بتفيدها؟؟
أنا وعيالك اللي محتاجينك أكثر الحين..
صالح زفر بغضب: لا هي محتاجتني أكثر.. أنتو في بيتكم ولا عليكم قاصر..
بس هي محتاجة تحس إنه فيه حد جنبها ويبغيها..
نجلا زفرت بيأس: أشلون بتحس.. من ورا القزاز..؟؟
وعلى العموم دامنا جبنا طاري البنت.. أبي أقول لك.. قبل ما تخلص أوراقها
إني ما أبي اسم المها..
صالح بصدمة: ليش احنا كنا متفقين خلاص..
نجلا بضيق متأفف: مايصير صالح هي بعد مها.. كفاية أختي أنت سميتها وإبي طاعك من غلاك عنده.. وعشانه عارف إنك مشتهي بنية..
بس خلاص هي كفاية.. أبي أدور لبنتي اسم ثاني!!
صالح وقف وهو يهتف بحزم: انتي سميتي غانم وما اعترضت.. والحين اسم البنت لي أنا..
نجلا اعتدلت جالسة وهي تنفث غضبها: والله المعروف إن البنت اسمها عند امها..
وبعدين تعال وش معنى ذا الاصرار على اسم مها..
ليش مها بالذات؟؟
صالح لم يرد عليها وهو يشد أنفاسه ويخرج!!
******************************************
" حبيبي.. وش فيك تاخرت الليلة؟؟ مهوب عوايدك؟؟"
علي يناولها غترته ويبتسم : إيه متعودة أوقع حضور من بدري..
كنت عند مزون.. سهرت شوي عندها أنا وكساب..
ولولا إنه كنا نبيها تنام وإلا كان قعدنا للفجر!!
ابتسمت شعاع برقة وهي تطوي غترته لتضعها في سلة الغسيل:
الله لا يحرمها منكم.. ولا يحرمكم منها.. مابعد شفت أخوان يحبون أختهم مثلكم..
كانت شعاع متجهة لغرفة الملابس وهي ترى عليا متجه للميزان.. ابتسمت وهي ترفع صوتها: لا تحاتي.. نفس وزنك البارحة!!
ضحك حين رآها تخرج عائدة له: كله منش.. طول اليوم تزغطيني أكل..
كساب ومزون استلموني تعليقات.. يقولون ضعيف وطلع لك كرش!!
وكساب لقاها فرصة يبي يسحبني معه للنادي!!
شعاع باستنكار: وين الكرش حسبي الله على أبليسهم..؟؟
ماعليك منهم.. أنت عاجبني على كل حال!!
**********************************
" ها ياعروس كيف استعدادش لبكرة؟؟ "
مزون التفتت لوالدها بخجل لا يخلو من ثقة: عادي.. فديتك!!
مار على رأسي اللي أعسر من سالفة العرس بواجد..
وأنت أدرى!!
زايد يشدها ليحتضنها .. ويطيل في احتضانه لها وهي تستكين بين ذراعيه وعبرة تلقائية تقفز إلى حنجرتها..
لا يتخيل البيت غدا يخلو من وجودها وخطواتها .. يشعر منذ الآن بخواء هائل يخترم روحه إلى أقصاها..
همس في أذنها بحنان: أخوانش جاووش.. أشوفهم الليلة كل واحد منهم يتسحب ورا الثاني..
وكني داري وينهم رايحين.. قلت خلني أنا عقبهم..
مزون باختناق: جاوني فديتهم.. وقعدوا عندي أكثر من ساعتين!!
حتى البنات كانوا يبون يجوني.. تعذرت منهم.. قلت الليلة لاخواني..
قالوا أول مرة نشوف وحدة تسهر الليلة اللي قبل عرسها مع أخوانها..
الله لا يحرمني منكم جميع.. ويديمكم فوق رأسي جميع..
زايد أفلتها ليشدها ويجلسها ويجلس جوارها وهو يهتف بحنان خالص:
مايحتاج أوصيش في رجالش.. وأبيش تبيضين وجهي عند جماعتش..
مزون همست بتأثر: لا تحاتيني يبه فديتك.. بيقولون زايد ربى..
مسح على خدها بتأثر: كان ودي إن أمش تشوفش بكرة..
كانت دايم دعوتها لش من يوم جابتش.. جعلني أشوفش عروس..
الدعوة اللي ماعاد سمعتها منها آخر سنة عاشتها..
مزون عادت لترتمي في حضنه وهي تمنع نفسها من البكاء لأنها لأول مرة ترى والدها بهذا التأثر:
أنت أمي وإبي.. ولا شفتني أنت بعينك كن العالم كلهم معي!!
أبعدها قليلا ليقرص أنفها بمودة وهو يبتسم: حتى كساب يا النصابة؟ !!
ضحكت مزون ضحكة مختنقة بالدموع: لا تمسك على الكلمة.. وخل كساب على صوب!!
.
.
.
هاهو يعود أخيرا إلى غرفته.. بعد أن قضى وقتا طويلا عند ابنته..
مطلقا لم تشعر بأي ضيق.. حين أطلت عليهما لأنها كانت تريد أن ترتب بعض الأغراض لمزون.. وعلمت حينها أنه هناك..
وعادت لجناحها دون أن تزعجهما...
كل ماشعرت به هو تأثر شفاف.. بالغ الشفافية..
فهي أيضا كانت وحيدة والدها.. وتعرف كيف يكون ارتباط الوحيدة بوالدها .. وارتباطه بها !!
ولكن مابات يضايقها هو زايد ذاته.. هل التغيرات التي تنتابه هي لتأثره من زواج مزون؟؟
وماعلاقة زواج مزون بتجاهله المهذب الرسمي لها نهارا... ثم ارتعاشه كالمحموم بين ذراعيها ليلا وهو يهذي باسمها بطريقة موجعة!!
يثقلها ببروده نهارا.. ثم يشعل مشاعرها لهيبا في الليل..
والمؤلم لكبريائها أنها تتمنى من بين شفتيه كلمة واحدة كالتي أغرقها بها في الايام الاولى من زواجها.. ولكنه لم يخطئ ولو لم مرة واحدة في قولها..
ربما لو كان لم يقل لها شيئا إطلاقا.. لقالت هكذا طبعه ولا بأس.. فهناك رجال لا يحبذون قول كلمات الغرام..
ولكنه أغرقها بقاموس من كلمات الغرام لم يخطر يوما حتى على أبعد مخيلاتها..
ثم ...صمت..
صمت كما لو كان نضب.. بئر ونضبت!!
والأعمق والأغرب.. أنها لا مانع لديها من إكمال حياتها كلها دون أن تسمع الكلمة التي تنتظرها..
فوجودها جواره يغنيها عن كل شيء..
ولكن ليتها تفهم فقط ما الذي يمر به الآن.. ليتها تفهم.. حتى ترتاح وتريحه!!
*************************************
" آه..." بالكاد صدرت عنها هذه الآهة الخافتة ليقفز جالسا وهو يتحسسها بقلق: وش فيش؟؟ شيء يوجعش؟؟
جوزا تنقلب على جنبها ناحيته وهي تهمس بعفوية: لا حبيبي بس كنت أبي أنقلب على جنبي الثاني.. وتعرف مع الثقل القلبة هذي صعبة!!
عبدالله يزفر وهو يعود للتمدد: روعتيني الله يهداش.. أنا من عقب اللي صار مع أم خالد.. وأنا صاير معي فوبيا خوف عليش..
جوزاء ابتسمت وهي تمسح على شعره: مافيني إلا الخير.. مسوية عشرين فحص.. هو بيبي واحد وسليم إن شاء الله ووزنه ممتاز...
ابتسم عبدالله بخبث لطيف: وجنسه؟؟
ضحكت جوزا: اللي هو.. أنا وأنت عادي عندنا ولد وبنت.. مهوب مثل أخيك اللي استخف على بنته وقعد..
ثم أردفت بجدية: تصدق حبيبي بديت أحس إن نجلا متضايقة من تعلقه الغريب ببنته...
عبدالله باستنكار: لا لا تقولين كذا.. بس تدرين مهما كان النفاس تتعب نفسيتها... وهي مسكينة والد بعملية وعيالها أوزانهم صغيرة..
وبنتها في الحضانة..
وصالح الله يهداه لازم يعطيها وجه شوي..
جوزا برجاء: زين قل له تكفى.. نجلا كاسرة خاطري..
تنهد عبدالله: أنا قلت له من نفسي.. وصدقيني عشانه موب عشانها هي بس..
البنت قلبها تعبان.. وصالح متعلق فيها بشكل غير طبيعي..
أبيه يفك منها شوي بس هو مايسمع ولا يطيع..
ثم أردف بابتسامة: الله يعين على ذا الأخوان.. واحد كل يوم ساحبني للمستشفى عشان أشوف بنته من ورا القزاز..
ويقول لي قصايد غزل في جمال بنته وهي حتى ملامحها مهيب باينة..
والثاني ساحبني من فجر للمطار.. ما أدري ليه ما يستلمون دلوعة أمي هزيع شوي..
جوزاء بتساؤل: إلا غريبة فهد طلب منك تجيه.. ما طلب من عمه يجيه عشان مرته تاخذ راحتها!!
عبدالله هز كتفيه ببساطة: يمكن استحى يطلب من منصور يجيهم الفجر..
************************************
يجلسان متجاورين في الطائرة..
وشتان بين مشاعر كل منهما.. كما كانا دائما !!
هو يريد أن يقتنص منها نظرة.. وهي لا تريد أن تنظر نحوه حتى!!
فبعد انفجارها فيه قبل عدة أيام.. سكتا كلاهما تماما.. انقطع الحوار تقريبا بينهما إلا في حدوده الدنيا الضرورية..
يذهب لتدريبه.. ثم يعود فورا لها.. يخرجان معا.. يتغديان.. يتعشيان.. كما لو كانا سائحين التقيا دون سابق معرفة..
لم يعودا للتناقش في أي شيء..
فالجرح بينهما بات أكبر من أي نقاش..!!
طوال جولاتهما يمسك بكفها.. وهي لا تعترض على شيء.. فما الفارق الحاصل؟؟
ولكن ما أن يعودا لغرفتهما.. لا يقترب منها إطلاقا.. ولا بأي صورة..
حتى حينما تأخر في الحجز.. وزواج ابنة خالتها أصبح في الغد.. لم تسأله عن شيء.. لم تقل له حتى هل سنعود أو لأ؟؟
وحين فاجأها البارحة بخبر توجهما للمطار.. لم تعلق أيضا..
كانت تريد جمع ملابسها.. لكنه رفض.. طلب منها أن تاخذ أغراضها الثمينة فقط وتترك الملابس حتى يعودا.. لأنه لا وقت لديهما لحزم حقائبها..
مع أنه تقصد تماما أن يخبرها في ذلك الوقت.. حتى لا تجد الوقت لأخذ أغراضها..
وكأنه يخشى حين تأخذ كل شيء أن ترفض العودة معه..!!
ثم طلب من عبدالله أن يستقبلها في المطار.. لم يطلب من منصور..
شعر بألم عميق أن يرى منصور وهي معه.. وكأنه يقول له: أنا لم أستطع المحافظة على أمانتك..
أو ربما كان أكثر ما يخشاه أن تصر على الذهاب مع منصور..أرادها أن تذهب معه إلى بيته أولا.. لتعلم أن هذا مكانها ولا مكان لها سواه..
وبالفعل هاهما الآن في سيارة عبدالله متجهان لبيته مع خيوط الشمس الأولى وهو يشعر بارتياح ما..
لذا كانت صدمته الكاسحة التي فجرت غضبا كتمه في روحه.. حين سمع الصوت الواثق الرقيق القادم من الخلف:
أبو حسن لو سمحت... الظاهر فهد نسى يقول لك إني أبي بيت هلي أول..
لم يفت ذكاء عبدالله ذلك.. لذا هتف بحزم: أبشري.. أصلا فهد قال لي وحن داخل المطار..
جميلة شعرت بحرج كبير.. أن يكون فعلا فهد قد قال ذلك لأخيه بينما هي ظنت فيه ظن السوء.. واضطرت إلى إحراج نفسها أمامه..
ولكن مايهم أنها لن تعود معه..فهي لن تحتمله حتى لدقيقة واحدة!!
الصمت حل في السيارة.. حتى الحوار بين الشقيقين توقف لأن عبدالله كان يعلم أن فهدا يشعر بغضب بدا واضحا في ارتعاش كفيه!!
حين وصلوا إلى بيت منصور.. جميلة نزلت.. وفهد نزل لينزل حقيبتها..
وحملها للداخل..
ما أن فتحا باب الصالة.. حتى خلعت جميلة نقابها وشيلتها وألقتها على المقعد وتريد الركض للاعلى...
ولكن فهد شدها وهو يثبت ظهرها لباب الصالة.. ويهتف بغضب متفجر كتمه بين ارتعاشات صوته: ممكن أعرف أشلون تسوين فيني كذا؟؟
أشلون تصغريني قدام أخي..
جميلة بصدمة: ليه أنت ماقلت له أصلا..؟؟
ثم بترت عبارتها وهي تهمس بمرح ميت: قلت لك إنك غشيم.. حتى تغطية أخيك عليك ماعرفت تستغلها..!!!
أنا كنت حاسة بالذنب إنك فكرت فيني وأنا مافكرت فيك..
بس مشكور جزاك الله خير إنك علمتني.. أنا اساسا استغربت ذا اللطف اللي نزل عليك!!
فهد بغضب حقيقي: وأنا ما أحتاج حد يغطي علي بالكذب..
أنا أساسا كنت بأجيبش هنا بنفسي.. بس كنت أبيش تسلمين علي هلي أول وعقبه اقعدي عند هلش كثر ماتبين..
جميلة تحاول تخليص كتفيها المثبتتين بدون فائدة وهي تهمس بغضب:
أسلم على هلك لو كنت مقررة أكمل حياتي معك.. بس خلاص لين هنا وخلاص انتهينا..
وشو الله أحرج نفسي وأروح أسلم على هل اللي بيطلقني..
فهد تراجع بصدمة: أطلقش!! استخفيتي أنت..
جميلة تشعر بغضب متصاعد.. فهي باتت تكتم طويلا ثم تنفجر مرة واحدة:
استخفيت لو بأكمل معك.. خلنا نتطلق من سكات وبدون فضايح..
قبل ما أقول لعمي منصور كل اللي سويته فيني..
وأظني علاقتك بمنصور أهم من علاقتك مني.. فما في داعي تخرب علاقتك فيه عشاني!!
فهد عاود شدها من معصمها بقوة وعيناه محمرتان لشدة غضبه:
صحيح منصور عزيز وغالي.. بس لا تهدديني فيه.. لأنه مستحيل أطلقش لو مهما صار.. ولا حتى عشان منصور نفسه..
أنا ما تزوجتش عشان أطلقش..
جميلة بغضب مشابه: لا.. تزوجتني عشان تحطني على كفوف الراحة اللي معيشني عليها من يوم تزوجنا..
فهد أفلت معصمها بحدة: الحين خلش عند هلش .. بس حطي في بالش إن طيارتنا بكرة..
جميلة بحزم: سافر بروحك... الله يحفظك..
فهد يفتح الباب وهو يلتفت نحوها ويهتف بحزم: يحفظني أنا وإياش وحن مسافرين سوا..
فهد فور أن ركب السيارة هتف بحزم دون أن ينظر لعبدالله: عبدالله رجاء لا تسألني عن شيء؟؟
عبدالله هتف ببساطة باسمة: لا راح أسأل عن شيء ولا كني عرفت شيء!!
بأقول كلمة وحدة.. عشان ما أغص فيها يأخيك..
بنية في عمر مرتك إذا أنت يالدبش العود ماقدرت تفر مخها في يومين... فهذا من خبالتك!!
*********************************
" كاسرة.. وين بتروحين بدون ما تقولين لي؟؟"
كاسرة التفتت لكساب الذي اعتدل جالسا من نومه وتختلط بوجهه علامات النوم والغضب..
همست بهدوء: خاطري مرة أسوي شيء وأنت نايم ولا تصحا..
رايحة الدوام طال عمرك!!
كساب باستغراب غاضب: دوام يوم عرس أختي.. ماقدرتي تأخذين إجازة اليوم يعني؟؟
كاسرة بذات الهدوء: عندي اجتماع مهم.. بأخلصه وأرجع بدري.. الساعة 10 أنا هنا إن شاء الله..
كساب بذات النبرة المحملة برائحة الغضب: حتى أنا كان عندي اجتماعات مهمة..
فيه اختراع اسمه إلغاء الاجتماع أو الاعتذار عنه...
كاسرة تنهدت: حاولت وما قدرت... فما فيه داعي تسويها سالفة كساب...
كلها ساعتين وراجعة..
كساب ينفض فراشه ويقف وهو يهتف بذات النبرة الحادة:
الحين أنا اللي سويتها سالفة وإلا أنتي ؟!!
اتصلي الحين واعتذري!!
كاسرة بحزم: ما أقدر.. قلت لك ما أقدر.. والموضوع مايستاهل الشد اللي أنت مسويه..
أنت بس تموت لو ماعصبت على كل شيء!!
كساب تنهد وهو يشد نفسه متجها للحمام..
فهو اليوم متوتر فعلا لزواج مزون وإحساسه بإبتعادها عنهم...
وهذه المخلوقة الكاسرة ستبقى عاجزة عن فهمه!!
كان يحتاجها لجواره بشكل عميق غير مفهوم..
لم يكن يريد معاناة كل هذا التوتر وحده..!!
ولكن هاهي تفضل عملها عليه..!!
فماذا يستطيع أن يقول أكثر !!
************************************
" حرام عليش جميلة.. فجعتيني هذي مهيب مفاجأة..
تهزين كتفي وأنا نايمة.. أفتح عيوني ألقاش نايمة جنبي!! "
كانت مزون تهذي بفرح حقيقي رغم مرور أكثر من نصف ساعة على رؤيتها لجميلة..
جميلة تتربع على سرير على مزون وهي تهمس بمرح: تدرين أمي فجعتها نفس الفجعة..
لأن عمي منصور كان طالع الزام بدري على أساس يرجع يرتاح قبل موعد عرسش..
وبعدين ماقعدت معها إلا نص ساعة.. وخليت السواقة تجيبني.. شفتي غلاش بديتش على زيودي..
يا الله قومي يا الكسلانة خل نرتب أغراضش..
مزون تتمدد في حضن جميلة وتضع رأسها على فخذها: أغراضي كلها مرتبة من أمس.. عمتي مزنة وبناتها ماخلوني احط يدي في شيء..
والحين تو الناس... علميني أنتي وش أخبارش..؟؟
جميلة حينها انطفئت ابتسامتها: زين.. ماشي الحال..
مزون اعتدلت جالسة وهي تهمس بقلق وترفع وجه جميلة ناحيتها:
عيونش ماتقول زين..
جميلة بسخرية مرة أقرب للبكاء: خلاص زفت..
حينها جلست مزون وهي تشد كف جميلة وتهمس بقلق متأثر:
ليش كذا جمول؟؟
جميلة حينها انفجرت في البكاء وهي تنكب وتدفن وجهها في حضن مزون وتهمس بصوت غير واضح.. مختنق من الشهقات ومن اختباء وجهها في حضن مزون:
لأني متزوجة رجّال زفت.. زفت.. بس تكفين ما أبي أمي تدري بشيء..
هي وعمي شايفين فهد شيء كبير ما أبي أكسره في عينهم..
عشانهم مهوب عشانه..
لأنه عمي منصور يحبه واجد.. ولو تأثر أمي بتتأثر معه!!
مزون رفعت جميلة من حضنها وهي ترفعها من كتفيها وتهمس بحزم:
قولي اللي وش صار بينش وبينه ولا تدسين علي شيء..
جميلة تمسح وجهها وتهمس بصوتها المختنق تماما: مزون سامحيني.. المفروض ما أخرب مودش وخصوصا اليوم.. خلاص حكي فاضي ماعليش منه..
مزون بحزم أشد : مودي مافيه شيء يخربه.. وخلصيني قولي لي..
لا تشغلين بالي كذا..
جميلة حكت لمزون كل شيء.. فهي كانت محتاجة للبوح ليس إلا..
فقد أرهقت سنوات عمرها القليلة بكتمان هو فوق طاقتها..
مزون كانت تستمع بذهول.. لم تتخيل أن جميلة المدللة قد تصبر على كل هذا.. وعلى أقل منه حتى..
ومع ذلك حين وصلت جميلة لموضوع الطلاق الذي حدث بينها وبينه قبل قليل..
انتفضت مزون بجزع: ومن جدش تبين تتطلقين؟؟
جميلة هزت كتفيها بيأس: تبين الصراحة؟؟ ما أدري... فهد ما ينتعاشر..
بس لو تطلقت للمرة الثانية وأنا ما كملت شهر.. تخيلي الكلام الي بيطلع علي..
وهم يا الله سكتهم زواجي من فهد عقب طلاقي من خليفة..
الحين ماراح يسكتهم شيء.. وتخيلي القصص اللي بتطلع علي.. تخيلي كل ما أروح أي مكان يتكلمون علي..
وإلا رفيقاتي في الجامعة يقولون لهم أهلهم لا تمشون مع ذا البنت.. الله أعلم وش شايفين عليها رياجيلهم..
خلاص مزون ما أقدر استحمل كلام مثل هذا..
وحتى لو ماهمني شيء.. أمي واجد هامتني.. أنا عذبت أمي معي كثير.. وخلاص أبيها ترتاح..
مزون باستغراب: زين ليش تطلبين منه الطلاق؟؟ لو سواها وطلقش؟؟
جميلة بثقة موجوعة: لأني فعلا ما أبيه.. وما أقدر أتخيل أشلون أرجع أعيش معه..
مزون همست حينها بحرج: ودامش شايفة موضوع علاقتش بخليفة شاغله.. ليش ماريحتيه وقلتي له الحقيقة..
يمكن كان تعدل معش..
حينها انتفضت جميلة بغضب: يخسى أقول له.. هذا واحد مريض وأفكاره مريضة مثله..
تبيني عقب اللي سواه فيني كله.. أقول له تعال يا الشيخ فهد.. تراك أول واحد في حياتي.. عقب ما تعامل معي كني زبالة..
خلاص وش يغير ذا في الموضوع..؟؟
أنا فعلا مرة مطلقة.. والمتوقع إنه صار بيني وبين خليفة علاقة مثل أي زوجين... وهو خذني وهو عارف ذا الشيء زين..
ليش الحين صرت كخة في عينه؟؟... كان خلاني من أولها.. كان كملت دراستي..
ويمكن بعدها لقيت الرجال اللي يخاف الله فيني..
لكن هو الحين خرب حياتي كلها.. وماخلا لي أي فرصة..
وأنا صدق عايفته وماني بمتخيلة يصير بيني وبينه شيء.. عقب ماهاني بذا الطريقة!!
***************************************
"جاي تطلعني من الدوام بنفسك.. وجهك وإلا القمر؟؟"
نايف يبتسم : لا طال عمرش.. وجهي.. القمر ماطالني!!
عالية تغلق بابها وتهمس بمرح: أخس يا النويف الدب.. والله الظاهر إنك تتعلم تصفصف حكي.. قرب عرسك..
نايف بمرح: أول شيء (الدب).. أملاك حصرية لرجالش ما نقربها..
ثانيا مافيها شيء نتعلم حكي.. اسمي معرس..
عالية تشعر كالعادة بسعادة لرؤية نايف: وينك تغط ذا الأيام.. اشتقت لك يا الخايس..
نايف بإبتسامة: أول شيء لاا أغط ولا شيء بس أنتي المشغولة.. وأنا مشغول شيء بين شغلي وشوي ترتيبات في بيتي.. وشوي مع نشبة خواتي..
وأنتي توش شفتيني عند أمش البارحة الأولة..
عالية هزت كتفيها بإبتسامة: بس لو مر يوم ماشفتك.. أشتاق لك يا المعفن..
نايف يضحك: أنتي احترمي نفسش... خايس ومعفن.. اللي يسمع يقول جاي لش من بلاعة..
عالية تتنفس رائحة عطره المنتشر في السيارة بطريقة مرحة: وين بلاعة.. إلا جاي من بركة عطور.. ريحة عطرك صكتني بصداع..
وش صاير؟؟ شكلك مغير عطرك؟؟
نايف بثقة مرحة: عريس ولازم أغير..
ها تبين أوديش بيتش وإلا بيت هلش..
عالية بمودة: لا بيت هلي فديتك.. وراي عفسة.. عشان عرس غانم الليلة!!
حوار تلقائي مرح يدور بين الاثنين..
فنايف تجاوز كثيرا من حدته القديمة ناحية موضوع وضحى.. فالأيام تُصغر المواقف..
وخصوصا وهو يرى تعامل تميم الطبيعي جدا معه.. فمادام تميم أخذ الموضوع ببساطة فهو لابد أن يأخذه كذلك..
ولكنه لا ينكر شعوره بالتوجس والحرج من شخصية زوجته..
وهو يقرر في داخله ألا يحاول اتخاذ مواقف مسبقة حتى يراها ويعرفها..
***********************************
" جميلة جات صدق؟؟"
عفراء تتلقى منصور بسعادة محلقة: إيه يا قلبي جات بس راحت لمزون وبترجع بعد شوي..
منصور باستغراب: غريبة إن فهد ما كلمني ولا حتى قال لي استقبلهم في المطار..!!
عفراء بعفوية: يمكن مايبي يشغلك.. وخصوصا هو مشغول الليلة بعرس ولد عمه..
منصور بذات الاستغراب: مشغول يوم كان في مصر يتصل لي ويبلغني بموعد جيتهم..؟!!
بأتصل له أشوف وش سالفته؟؟
#أنفاس_قطر#
.
.
.
تتشرف كل من
عائلة راشد آل ليث............وعائلة زايد آل كساب
بدعوتكن لحضور حفل زفاف
نجل الأولى/ غانم........على........كريمة الثانية/ مزون
وذلك يوم الخميس الساعة الواحدة والنصف ظهرا
في قاعة ***** بين جنبات رواية بين الأمس واليوم
وبحضوركن يتم لنا الأفراح والمسرات
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم HaboOoshy
" مافيه شيء طال عمرك..
ما لقيت حجز إلا متأخر.. ومابغيت أزعجك.. فكلمت عبدالله يجيني!!"
منصور ينظر له نظرة سابرة بعد أن اتصل له.. وأخبره فهد أنه سيحضر بنفسه للسلام عليه..
وهاهما الاثنان يجلسان في مجلس منصور...
حينها سأله منصور بحزم بالغ: وأخبارك مع جميلة؟؟
فهد لا ينكر شعوره بالتوتر.. ولكنه شبه متأكد أن جميلة مازالت لم تخبر منصورا بشيء.. لأنه يعلم كيف يكون منصور حين يغضب..
ومع ذلك هتف بثقة: تقدر تقول نص ونص..
منصور بصدمة غاضبة: نعم؟؟ وليش النص نص ذي؟؟
فهد بذات الثقة: السبب مني مهوب منها .. أنت عارفني.. جفس.. وهي أول تعامل لي مع الحريم..
منصور يحاول السيطرة على أعصابه حتى تكتمل لديه الصورة: ضايقتها بشيء؟؟
فهد بذات الثقة الغريبة وكأنه لا يريد أن يأخذه أحد على حين غرة:
اسألها..
لأني يمكن أكون ضايقتها وأنا مادريت إني ضايقتها!!
منصور شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم بالغ: بأسألها..
والله ثم والله لو أدري إنك ضايقتها بشيء صدق.. لا يصير شيء ما يرضيك..
.
.
.
" عمي منصور اتصل يبيني..
بأروح للبيت وبأجيش للقاعة عقب مع أمي!!"
مزون تشد كف جميلة فقد بدأت حالة التوتر العفوية التي لابد أن تصيب أي عروس:
تكفين جميلة لا تتأخرون علي!!
جميلة تربت على خدها بمرح حنون: ساعة وحدة وتلاقينا عندش!!
.
.
.
" تعالي يأبيش.. تعالي اقعدي جنبي!!"
جميلة جلست جواره وهي تقبل كتفه وتهمس بمودة حميمية: ما تتخيل وش كثر اشتقت لك؟؟
احتضن كتفيها بحنان أبوي خالص: وأنا اشتقت لش أكثر..
صمت لثانية ثم أردف بجدية: قولي لي وش صاير بينش وبين فهد..؟؟
جميلة ارتبكت: بيني وبين فهد..... مافيه شيء!!
منصور بحزم: لا تغطين عليه.. هو بنفسه قال لي إن الجو بينكم مهوب صافي وبسبته هو وجلافته..
بس ماعطاني تفاصيل..
والحين أسألش لو كان ضايقش بشيء.. والله لأوريه شيء مابعد شافه..
أنا مازوجته بنتي عشان يضايقها..
جميلة لا تنكر تأثرها أنه غلّط نفسه أمام منصور.. ورغم ذلك ما ستقوله لمنصور هو من أجلها ليس من أجله وهي تهمس برقة:
ماضايقني.. بس هو مثل ماقلت لي قبل التعامل معه صعب...
وأنا أبي لي وقت لين أتأقلم..يعني هو يحاول وأنا أحاول نوصل لنقطة وسط..
منصور يعيد التأكيد عليها بحزم: أكيد.. مافيه شيء ثاني؟؟
جميلة هزت رأسها دون أن تنظر ناحيته: مافيه..
بس فديتك عمي.. ذا المرة ما أبي أرجع معه.. كلمه يخليني عندكم لين يجي عرس خاله..
*************************************
" انزلي ياقلبي... أنا أنتظرش تحت!!"
مزون بحرج رقيق مغلف بمودة غامرة: كساب فديتك.. أنا حانتك..
بأروح مع عمتي مزنة والسواق..
ابتسم كساب: لا تحنيني إلا من الردى.. (مقولة شائعة تعني لا تشفقي علي إلا من قلة الاهتمام بالواجب.. وهي تقال دائما ردا على كلمة "حنيتك" )
أنا حالف مايوديش غيري..
مزنة طلبت من مزون أن تذهب مع شقيقها وتترك كل شيء وهي ستحضره معها وراءهم فورا.. حتى لا تعطل شقيقها..
مزون كانت تنزل ومشاعر معقدة تماما تحيط بها من كل جانب..
كانت تنظر لكل جنبات البيت.. وهي تعلم أنها لن تعود له الليلة..
شعور خانق.. وغصات متتابعة..
هنا كانت كل السعادة.. وكل الحزن..!! أسوأ الذكريات وأجملها..!!
هنا كانت الحياة كاملة.. الحياة بأقصى معانيها!!
تحاول أن تمنع نفسها من البكاء.. فهي لا تريد أن تجلب الحزن لأحد..
ولكنها رغما عنها حالما رأت كسابا تفجرت عيونها أنهارا من دمع.. سعادة وتأثرا وهي تطوق عنقه:
ليه ماقلت لي.. ليه ماقلت لي؟؟
كساب يحتضنها بذراعيه الاثنتين ويبتسم بحنان: حبيت أسويها لش مفاجأة...
يعني تبين سواق الأميرة مزون بيد وحدة.. مايصير!!
مزون ابتعدت عنه وهي تهمس بقلق عذب مختلط بدموعها:
لا تكون شلت الجبس قبل موعده..!!
ضحك كساب: لا تحاتين.. أصلا موعدي كان عقب بومين.. أنا رحت الدكتور قلت خلاص شيلوه اليوم..
ثم أردف بحنان صاف وهو يحتضن وجهها بين كفيه:
قلت لهم اليوم عرس بنتي.. وأبي أحضنها بأيدي الثنتين!!
مزون عادت للانفجار في البكاء وهي ترتمي في حضنه: الله لا يحرمني منك.. قول آمين!!
كساب احتضنها بتأثر عميق..
يصعب عليه تخيل المكان خاليا من بعدها..!!
يا الله كم هو نادم على كل لحظة مرت من سنوات غضبه منها.. على كل لحظة أضاعها من بين يديه وكان يستطيع قضائها جوارها..
همس لها بحنان: يالله بسش ياعروس.. وش حركات الأفلام الهندية ذي..؟؟
همست مزون باختناق: خلاص بأسكت.. وينها كاسرة مهيب رايحة معنا؟؟
حينها أجابها كساب بحزم: كاسرة في الدوام.. وتقدر تدبر نفسها..
مزون نظرت لساعتها وهمست بتلقائية : خلاص هي قالت لي إنها على وصول..
كساب بحزم أشد: مزون يا الله لا تعطليني.. كاسرة لو بغت بأرجع أجيبها..
أو بتجي على السيارة الثانية مع أمها..
مزون خرجت مع كساب.. وفي ذات اللحظة التي كانت سيارته تخرج من البوابة الضخمة للباحة..
كانت سيارة كاسرة تدخل..
مزون لم تقل شيئا.. فهي علمت أنها أحد تقلباتهما التي باتت تلاحظها لقربها من كساب..
كساب أتقن التوقيت تماما.. أرادها أن تراه خارجا بدونها.. وفعلت!!
مع أنه كان قراره في البداية أنه سيأخذها هي ومزون.. لكنها من بدأت بتجاهله!!
كساب تجاوز كل ذلك.. فما يشغله في هذه اللحظات .... مزون... ولا شيء آخر!!
كساب هتف لمزون بمودة: شوفي العلبة ورا.. هذي هديتش..
مزون التفتت للعلبة الضخمة المغلفة في الخلف وهمست بمودة متأثرة:
هذي كلها؟؟
وش جايب لي؟؟
ابتسم كساب: يعني عليان جايب لش شنطة.. مستكثرة أجيب لش بوكس صغنون..؟؟
ضحكت مزون بعذوبة: لا والله أما صغنون مهوب حوله..
خلاص بس نوصل القاعة بأفتحه..
كساب بحرج: وعادي يخلوني أدخل القاعة معش؟؟
ابتسمت مزون: أكيد عادي.. أنا لي جناح هناك.. واصلا بتلاقيها مليانة عمال الحين يرتبون.. تونا الصبح..
حين وصلا للجناح المخصص لمزون.. الذي ستتزين فيه..
فتحت مزون الصندق بحماس هو من أجل كساب وحده..
همست بتأثر وهي ترى أنه لم يكتفِ بشيء واحد : واجد كلفت على نفسك ياقلبي..
همس بتأثر وهو يحتضنها: لو علي ماكان خليت شيء في السوق.. بس أنا قلت أجيب لش الحين كم شغلة مرتبة على ذوقي..
وعاد باقي السوق لش في ذمتي.. لاحقين خير..
كانت الصندق الكبير يحتوي ثلاث صناديق مختلفة كلها مغلفة بفخامة راقية جدا...
صندق يحتوي مجموعة من العطور والكريمات الفاخرة.. والآخر يحتوي حقيبة يد ثمينة للغاية..
والثالث كان استثنائيا فعلا.. كان طقما ماسيا فاخرا و ناعما آن..
همست مزون بتأثر: هذا بألبسه الليلة!!
هتف كساب بحزم: لا.. خليه بعدين.. البسي اللي جابه لش غانم..
مزون بذات التأثر: لا والله ما ألبس غيره.. سبحان الله أصلا ما تتخيل أشلون لابق على فستاني.. فديتك دايم عارف اللي في خاطري..
كساب بإصرار: استغفري.. قلت لش البسي اللي جابه لش غانم.. هذا السنع..
مزون بإبتسامة: يعني أنت يوم دخلت على كاسرة.. متذكر هي لابسة طقمك اللي جبته لها أو غيره.
كساب ضحك: لا والله ولا طرا على بالي.. بس تدرين بأروح أشوف صورنا لو مالقيتها لابسته.. بأسود عيشتها!!
عشان كذا البسي طقم غانم..
مزون صمتت رغم أنها خططت وانتهت أنها لن تلبس سوى طقم كساب..
(يعني غانم وش دراه وش لبست؟؟
تلاقي أمه وخواته اللي شروه.. وحتى هو ما شافه!!)
كساب حاول جاهدا تجاوز موقفه مع غانم الذي حدث في المستشفى..
وخصوصا أن والده نقل له حرج غانم الشديد منه..
فغانم لم يقصد شيئا مما حدث.. وإن كان سامح كاسرة عليه .. ألا يسامح غانم؟؟
وخصوصا أن غانم هذا سيصبح زوجا للغالية... لا يريد أن يضايقها بأدنى شيء..
ولا حتى أن تشعر أن هناك توترا بينهما!!
ورغم ذلك تبقى في أعمق أعماقه المكتومة حرقة ما أن هناك عينا أبصرتها..
رغما عنه لا يستطيع إزاحة هذه الحرقة..
لكنه يستطيع كتمانها!!
***********************************
" من تكلمين حبيبتي؟؟"
نجلاء تنظر لصالح وتهمس بسكون: هذي مرت فهد.. تسلم علي وتعتذر مني..
إنها ماقدرت تجي تسلم اليوم..
وإنها بتجي بكرة!!
قلت لها تلفونها يكفي.. وهي كلمت أساسا أكثر من مرة!!
ابتسم صالح: ياحليلها متى بتلحق تجيش وهم طيارتهم الصبح؟؟
نجلا هزت كتفيها: ما أدري..
إلا أنت وين رايح الحين؟؟
صالح بثقة: باروح أمر مكان العرس.. أشوف يبون شيء.. وعقب بأروح للمها شوي..
نجلا تشعر اليوم بالذات أن كآبتها تقفز للذروة.. فهي لن تحضر زواج أخيها الذي أعدت له مطولا..
وليس لديها فرصة لحضور زواج شقيق آخر إلا صالح الذي سيتزوج بعد ابنائها حتى بمشيئة الله..
وكل هذا اختلط بكآبة النفاس المعتادة..
نجلا همست برجاء عميق: تكفى صالح.. خلك عندي شوي.. اليوم الناس كلهم لاهين عني.. حتى تلفون ماحد كلمني!!
صالح ربت على خدها بحنان: ما أقدر حبيبتي.. ما أقدر.. بس أوعدش أرجع بدري..
نجلا بحزن: متى بدري؟؟ الساعة 10 الليل؟؟
تكفى صالح.. ترتيب العرس عنده عبدالله وهزاع.. خلك عندي لين المغرب بس..
ذاك الوقت الله يكفيك الضيقة.. تركبني ضيقة غير طبيعية!!
صالح بإصرار: ما أقدر ياقلبي.. مهيب زينة في حقي.. عمي راشد مايشوفني إلا مع المعازيم..
نجلا بحزن: أنا عارفة إنك اللي هامة الروحة لبنتك وبس.. وانا مالي اهتمام عندك!!
صالح جلس جوارها ليحتضن كتفيها بحنان: حبيبتي هي بنتي بروحي؟؟
نجلا بذات الحزن العميق: الظاهر كذا.. حتى اسمها ما أشركتني فيه!!
سميتها غصبا عني ذا الاسم اللي ما أدري ليه أنت مصر عليه!!
ابتسم صالح: نجلا أنتي من جدش.. وإلا الحمل والولادة خلوش تنسين..؟؟
ما تذكرين شيء في السنتين الأولى من زواجنا!!
لو ما تذكرتي بروحش.. قلت لش لا رجعت من العرس..
صالح غادر.. بينما نجلا وجدت لها شيئا تتلهى فيه بالتفكير..
وهي تعصر تفكيرها عصرا..
ماهو هذا اللي حدث بعد سنتين من زواجهما؟؟
ماهو؟؟
****************************************
" هلا والله أشهد أني صادق!!
ماهقيت إنش بتجين ذا الحزة.. الليلة مهوب عرس حماتش؟؟"
كاسرة تميل على رأس جدها للمرة الثانية وتهمس بمودة صافية:
بلى فديتك.. وتو الناس عادنا الظهر..
بغيت أجي أشوفك وأشوف وضحى..
الوضحي ضايقة شوي.. حابسينها في البيت.. قلت أطل عليها وعليك قدام أروح!!
الجد بغضب: ماعاد إلا هو.. لا تكون أختش تبي تروح العرس بعد؟؟
ابتسمت كاسرة: لا فديتك.. هي بروحها مستحية... بس ضايقة..
الضيقة من الله جعلني فداك!!
ها قل لي أرب غداك زين؟؟
ابتسم الجد بشجن: كله حشو بطن يأبيش.. زين وإلا شين..
وماملأ الانسان وعاء أشر من بطنه.. الله يعطينا من خيره ويكفينا شره..
كاسرة تجلس جوارها لتحتضن عضده: جعل مهابيطه مهابيط العافية من رب العالمين..
حين جلست جواره تحسس جدها بطنها وهو يهمس بحنان موجوع: ما أصغر بطنش يأبيش..
ضحكت كاسرة: تو الناس يبه على كبر البطن.. انتظر علي شهرين.. وتقول وش ذا الدبة إن شاء الله..
حينها همس الجد بعمق: ولو ضحكتي.. تراش منتي بخالية.. وش مضيق خاطرش؟؟
ابتسمت كاسرة: مافيه شيء فديتك!!
تنهد الجد: تعودت.. أشم ضيقتش ولا أعرف سببها..
ليت عاد الشوف زين..
والله ماتدسين علي شي..أول كنت لا حطيت عيني في عينش.. دريت وش علتش..
كاسرة بتأثر عادت لاحتضان عضده وتقبيل كتفه: يبه.. مافيه من يخلا من الضيقة... الدنيا كذا..
بس أنت لا تشغل بالك علي طالبتك.. لو فيه شيء يستاهل أنا بأقول لك بروحي!!
" يا الله.. يبه..
الضيقة ماعاد عرفت لها سبب..
اليوم رحت أبي أقدم لي على إجازة جديدة عشان الشيخ كساب
مهوب هاين علي أخليه ..
والمدير رافض لأنه توني رجعت للدوام من كم يوم..
رجعت للبيت ولقيته خلاني مع إنه متفقين نروح سوا..
ما أدري وش الرسالة اللي يبي يوصلها لي...؟؟
الرسالة المعتادة.. إني دايما في مرتبة متأخرة من اهتماماته!!
زين إن المدير مارضى يعطيني إجازة..
خلني ألقى شيء يلهيني!!"
***********************************
فخمة.. فــــخـــمــــة حد تخوم السماء!!
هكذا هو الوصف المناسب لها..!!
كانت تتسربل بالجلال حتى أقصاها.. بأناقتها الاستثنائية.. بحضورها الراقي..
بإطلالتها الفاخرة المتقنة حتى آخر تفصيل..
وكأن كل ظروف حياتها صقلتها لتظهر هكذا... مصقولة تماما !!
جميلة تميل على أذنها بتأثر: ماشاء الله تبارك الله.. تجننين.. تحفة!!
مزون بخفوت: يا بنت الحلال.. ما أبي أكون أجنن.. أبي شكلي مرتب وبس..
ابتسمت جميلة: كل شيء بيرفكت.. وفوق البرفكت.. حتى التسريحة أحاول ألاقي فيها شعرة وحدة ناطة مافيه..
مزون همست بتوتر: جميلة تكفين.. لا تبعدين.. خلش قريب..
جميلة بذات الابتسامة: وين بروح.. هذا أنا جنبش.. حتى العرس برا.. ماطلعت ولا شفت ترتيبه..
بس باروح أسلم على عمتي أم صالح وارجع على طول..
ولو تبيني عقب أروح معش الأوتيل رحت.. ماعندي مانع!!
ثم أردفت بمرح خافت: أنا وحدة مسكينة تزوجت مرتين ولين الحين ما أعرف المعاريس الطبيعين أشلون يتصرفون ليلة عرسهم.. خلني أشوف على الطبيعة!!
.
.
" ماشاء الله العروس كشخة وستايل موت..
على كثر ماشفت عرايس ماشفت فستان كذا!!"
عالية تنظر لفستان مزون بتفاصيله المتقنة الدقيقة بحرفنة مزجت الشيفون والشك والحرير..
وتسريحتها الراقية في تموجاتها المثالية.. وحتى زينة وجهها الاستثنائية باتقانها غير المثقل..
وتبتسم: كل اللي فيها كشخة وستايل.. حتى الكوشة تجنن..
سميرة بعيارة: وش قصدش علوي.. إنها ترتيبها لكوشتها أحسن من ترتيبنا للقاعة!!
عالية بمرح: انا ماقلت شيء أنتي اللي قلتي..
سميرة تضحك: امشي نستقبل المعازيم يأم كرش.. ماعليش شرهة..
بس خل نمر الحمام أرتب شكلي!!
عالية بذات المرح: وشو له ترتبين شكلش.. ترا كاسرة واقفة في الاستقبال.. لابسة ذاك الذهبي اللي يسطل..
عقب ما يشوفونها بيجيهم حول.. ومافيه حتى حد بيلاحظ وجهش المغير..
سميرة بمرح مشابه: المغبر وجهش يا بنت عمي.. مالت عليش من بنت عم..
من صبح تكسرين في مجاديفي..
عالية حينها انتبهت لشيء.. فسألت باهتمام: إلا وضحى وينها؟؟
ضحكت سميرة: من جدش أنتي.. وضحى في البيت تعد الطوف..
عرسها على خالش المبجل عقب 10 أيام وش يجيبها.. خلها تنلم في البيت..
عالية بشجن باسم: فديت قلبه نايف.. ماني بمتخيلة شوفته معرس..
********************************************
" تصدق أنت عريس غريب!!"
ابتسم غانم: وليش إن شاء الله غريب..
هزاع بمرح: أشوفك شاق الابتسامة لين أقصى شدوقك.. مع إن الموضة التكشير والعصبية..
غانم بذات الابتسامة: لا طال عمرك.. الموضة ذي ما أبيها..
( كيف لا أبتسم؟؟ وكيف لا أكون سعيدا وانا أقترب من حلمي..
أقترب..!!
سأراها.. وأضمها لصدري!! يا الله!!
تلك الباهرة البعيدة كشمس معلقة في السماء!!
لن أخدع نفسي وأقول أني مغرم أو عاشق..
لكنني مبهور حتى الثمالة... ومعجب حتى نخاع النخاع!!
مازلت حتى الآن أذكر رؤيتي لها لأول مرة قبل خمس سنوات كما لو كانت قبل لحظات!!
رأيتها في أروقة الكلية تسير وحيدة.. بخطوات واثقة ومع ذلك مثقلة بخفر عفوي آسر حد الوجع..
حين رأيتها استغربت..
ماذا تفعل مثل هذه هنا؟؟ منظر غير معهود هنا مطلقا!!
وحين علمت أنها طالبة جديدة.. استغربت أكثر.. وانا أهز كتفي وأقول:
لننتظر عليها لشهر أو شهرين ونرى كيف ستبدأ بالتحول لصيغة أكثر تحررا..
أما حين علمت أنها ابنة زايد آل كساب لا أنكر أني أصبت بما يشبه الصدمة القوية..
فزايد آل كساب نفسه سمعته ناصعة كالأسطورة.. فكيف يرضى أن تدخل ابنته هذا التخصص؟؟
ولا أنكر حينها كيف تسلل إعجاب خفي في روحي بهذه التي أصرت على اقتحام هكذا مجال ومع ذلك هي بهذا الاحتشام..
وخالط الإعجاب حزن أعمق.. لأني كنت شبه متأكد أنها لن تحتمل ضغط الجو المنفتح حولها.. هكذا كنت أرى الطالبات معنا..
وكما يقول المثل الشعبي ( كثر الدق يفك اللحام!!)
ولكن الشهر تلاه شهر آخر وانا أراها تزداد احتشاما وثقة مغلفة بحزن غريب شفاف ماعرفت له معنى..
وأنا أراقبها من بعد كما لو كنت أحميها دون أن أشعر.. وهي مطلقا لا تشعر بي!!
فهل الشمس تشعر بالنجوم حولها؟؟!!
حتى علمت من أحد الطلاب بتعرض مهاب رحمة الله عليه لها..
تضايقت لأبعد حد.. ولكن الضيق تحول لغضب حين سمعته بنفسي..
لا أعلم أي رجل هذا الذي يرضى أن يجرح امرأة مثقلة بالطهارة وفي العلن!!
كيف يُقال لمثلها هذا الكلام؟؟
لكني لم أستطع التدخل من أجل سمعتها هي!!
فأي كلام سيقال عليها لو علموا بعراك طالبين من أجلها؟!!
ولكني لا أنكر أني كنت أتبعه بغضبي كل مرة.. ولكن كل مرة أجد زملاء لنا متواجدين..
حتى اصطدته في أحد المرات في المواقف الخالية إلا من عمال النظافة..
وحمدت الله حينها كثيرا لأني كنت سأنفجر من شدة غضبي..
فتلك المرة أثقل عليها الكلام كثيرا..
كدت أجن وأنا أعلم أنها تبكي الآن.. حتى لو أظهرت أنها لم تهتز..
فأنا لدي شقيقتان وأعلم حساسية الأناث.. ولو قيل لواحدة منهما ربع ماقاله.. قد تقتل نفسها من البكاء!!
لم تهمني أسناني التي ذهبت.. ما همني أنه توقف عن التعرض لها..
وأعلم أنه ليس خوفا من العراك.. ولكن لأني هددته بإخبار زايد آل كساب..
وهو يعلم جيدا من زايد!!
لا أعلم كيف احتملت هي كل هذا دون إخبار والدها.. أي قوة جبارة تحتويها تلك الصغيرة؟!!
تخرجت أنا.. وهي بقت بعدي 3 سنوات.. وأنا أخشى بحزن غريب أن السنوات ستفت من عزمها..
ستجعلها تقدم التنازلات حتى يمضي مركبها في الكلية..
لكنها مطلقا لم تتنازل.. مطلقا!!
بقي الأمر كما هو إعجاب بها يتزايد من بعيد.. فعلاقتي بآل كساب هي علاقة بعيدة رسمية..
حتى تعرفت بكساب أكثر في إحدى رحلاتي.. في حفل في أحد سفاراتنا في الخارج..
توطدت معرفتي بكساب أكثر وأكثر.. ومعه انتعش أمل ما في روحي..
ولكن بقي عملها معي في ذات المجال حاجزا كبيرا..
خشيت عليها من كلام لا يرحم.. أن يُقال أن هناك علاقة ربطت بيننا لذا تقدمت لها..
حين طلب مني كساب أن أسافر معها.. شعرت كما لو أنه سُكب فوق رأسي ماء مثلجا..
توترا وقلقا وتحفزا..
فأنا مطلقا لم أقترب منها حتى خمسة أمتار..
فكيف أرافقها في رحلة؟؟
قد يحرقني إشعاع قربها!!
وكم كنت محقا في إعجابي بها حين رافقتها من قرب..
ثقة غامرة.. مختلطة باحتشام عميق.. ولسان لا يعرف الخضوع!!
" أخت رجال صدق!!"
وهكذا تكون تربية الرجال!!
إعجابي بها تزايد وتزايد وتزايد إلى أبعد مدى!!
ولكنه كان محض إعجاب لا أمل له!!
حتى قررت هي ترك سلك الطيران.. حينها شعرت أن أحدهم أهداني هدية لا تقدر بثمن..
قررت ألا أترك الفرصة تفوتني..
وكم كان حزني حين رفضتني!!
مرت الأشهر بعدها.. وفكرة الزواج ماعادت تخطر لي ببال..
فكيف يخطر ببالك أن تقترن بالشمس؟؟ ثم بعد ذلك ترضى بأقل من ذلك!!
حتى أهداني كساب الفرحة الأعظم بموافقتها..
وكم أنا ممتن لكساب..!! وسيبقى امتناني له حتى آخر يوم في عمري!!
وكم أشعر بالحزن للموقف السخيف الذي حدث بيننا مؤخرا!!
وأنا أشعر رغم محاولاته للتصرف الطبيعي معي.. أنه مازال يحمل بداخله شيئا من غضب!!
لا ألومه.. فلو حاول أحدهم اقتناص نظرة من شمسي.. التي أصبحت لي وحدي..
قد أصاب بالجنون!!
يا الله.. أ يعقل ذلك؟؟
أنها أصبحت لي.. لي أنا ؟؟!!
******************************************
" أبو جاسم.. وين العيال الكبار؟؟ أشوف ماجاء معك إلا محمد!!"
أحمد بنبرة أقرب للحرج: السموحة يا أخوك..
جاسم مسافر ويا هله.. وخليفة وهله كانوا مسافرين وياهم..
بس يوم درو هناك إن مرته حامل.. ردوا من السفر البارح..
قلت له يي معاي بس ماله ويه يوايهك أنت ومنصور.. سود ويهي لا بارك الله فيه من ولد!!
زايد بحزم: إلا بيض الله وجهه أبو أحمد.. مهما كان اللي صار حن أهل..
وهو ماقصر مع جميلة... وهذي جميلة تزوجت..
وقل له أنا عبارت عمه.. وما أبيه يهجر مجلسي!!
أحمد يهز رأسه بأسى: خير .. خير إن شاء الله..
.
.
.
" فهد وش فيك؟؟ قاعد منت بعلى بعضك!!"
فهد ينظر ناحية محمد ابن أحمد بغيظ متزايد ويتمنى لو انتزعه من مقعده..
ولو كانت النظرات تُحرق.. فلربما كان احترق من نظراته..
ففهد لا يعرف شكل خليفة مطلقا ولم يسبق أن رآه..
لكنه يعرف والده وسبق أن رآه في مجلس زايد عدة مرات...
لذا ما أن رأى الشاب القادم مع أحمد حتى قفز لباله أنه خليفة..
وخصوصا أن محمدا كان شكله محرجا كما لو أنه اُجبر على الحضور..
وهو فعلا كان مجبرا.. فقد حلف عليه والده أن يأتي معه.. بينما هو كان محرجا لأنه كان أحد شهود عقد الطلاق المتهور!!
وبالتأكيد يستحيل أن يسأل فهد إن كان هذا خليفة.. وخصوصا أنه مقتنع أنه هو..
فهد شعر أنه يحترق حتى أقصاه وهو يرى وسامة محمد البالغة ولياقته الجسدية العالية البارزة في طوله المتناسق..
" إيه أكيد عايفتني عقب ذا؟؟
.
ليه هو الرجال زين وبس؟؟
.
ولو جينا للزين والطول.. حتى انا ما علي قاصر!!
.
بس عاد مهوب مثل ذا اللي بيولع كنه لمبة!!
لا وشكله أصغر مني بواجد.. وأنا عبارت شيبة بالنسبة لها!!
.
زين.. وغير الزين اللي مامنه فود.. ولا سنين عمرك اللي مافادتك
وش لقت عندك غير سواد وجهك وشين فعايلك؟!! "
فهد كان سيجن وهو ينظر لمحمد ويتجاوز التفكير بشكله إلى شيء أعمق..
" أشلون كان يلمسها؟؟
كانت تجفل منه مثل ما تجفل مني؟؟!!
يا ترى كان يسرح وهو يشوف شفايفها وتأكله الحسرة مثلي..
وإلا ليه تأكله الحسرة.. الحسرة لي بروحي..
لكن هو ضمها لصدره.. وأنا لحد الحين صدري مهجور..!!
تنفس أنفاسها.. وأنا أختنق في اليوم ألف مرة!!
هو ارتوى.. وأنا ميت ضمأ...."
فهد ما أن وصلت أفكاره لهذه المرحلة حتى كان سيقفز ليغادر الحفل كاملا..
فهو شعر أنه ماعاد قادرا على السيطرة على غضبه..
وخشي أن يتصرف تصرفا يحرجه هو وأهله ويفسد زواج غانم..
ولكن منعه من المغادرة يد قوية على معصمه وسؤال حازم:
" فهد وش فيك؟؟ قاعد منت بعلى بعضك!!"
فهد التفت لمنصور وهو يشد نفسا عميقا ويهتف بحزم يخفي خلفه أمواج غضبه المتلاطمة:
مافيني شيء.. بس تعبان من السفر.. أبيهم يزفون المعرس عشان أروح أرتاح..
وراي بكرة سفر بعد..
حينها هتف منصور بحزم: دامك جبت طاري السفر.. فأنا طالبك.. قل تم!!
فهد ربط فورا بين الطلب والسفر لذا هتف بحزم مشابه:
كل شيء تم.. إلا أنك تطلب مني أخلي جميلة وأسافر من غيرها!!
منصور بعتب: أفا يالغالي.. الظاهر إني ما أنا بغالي..
فهد تنهد: غلاك ما ينحكى به وأنت داري يا ابو زايد..
بس مثل ماقلت لك.. الجو بيني وبين جميلة مهوب صافي...
لو خليتها.. أخاف البعد يزيد الجفا..
ابتسم منصور: ويمكن يزيد الشوق.. خلها يافهد البنية متضايقة وتبي قعدة أمها!!
فهد تنهد في داخله (الشوق من صوبي مهوب من صوبها) ثم هتف برجاء حازم:
تكفى يا أبو زايد.. أنا واجد مقصر في حقها..
خلها تروح معي ذا المرة.. وبنرجع في عرس نايف.. لو اشتكت لك مني المرة الجاية..
وعد من نفسي أخليها لين أخلص دورتي!!
منصور رد عليه بحزم: أنا بأسألها.. وهي توافق من كيفها و خاطرها..
لكن لو ما وافقت.. اسمح لي.. والله ما تطلع من الدوحة وخشمي يشم الهوا..
أنا يافهد عطيتك قطعة من روحي من غلاك.. ووصيتك فيها..
وأدري إنك أخلاقك صعبة.. بس أنا هقيت إنك بتوصى فيها وتراعيها..
مهوب تضغط عليها وتضايقها..
أنا لحد الحين ماقلت شيء.. لأنها ما اشتكت لي بصراحة من شيء..
لكن والله لا تشتكي...........
وإلا أقول لك.. خلها لوقتها!!
****************************************
" سامحيني يمه..
كنت أبي أجيش أول..
بس خبرش اليوم عرس بنت خالتي وانشغلت..
وكنت عارفة إني بأواجهش في العرس.. السموحة فديتش!!"
كانت جميلة تنحني على رأس أم صالح بالسلام وهي تهمس بهذه الكلمات..
وقبل أن تجيبها أم صالح كانت نورة من تجيب بنبرة مقصودة:
والله يأمش السنع سنع..
ذا النص ساعة اللي بتمرين فيها عمتش مهيب اللي بتعطلش عن عرس بنت خالتش..
و اللي أعرفه إن عفراء مرة سنعة..
هي دارية بسواتش..؟؟ وإلا يمكنها ماعلمتش السنع..؟؟
جميلة كانت تشعر أنها ستنفجر.. ومع ذلك ابتسمت برقة: إلا دارية ولاغتني بعد..
بس أنا قلت لها أمي صافية.. غير عن كل العمات.. مستحيل تشيل في خاطرها..
صح يمه؟؟؟
وجهت سؤالها لأم صالح وهي تنحني للمرة الثانية وتقبل رأسها بدلال مقصود..
ابتسمت أم صالح بحنان: أكيد يأمش مافيه شك..
جميلة غادرت بعد السلامات المعهودة... بينما نورة همست كالفحيح بعد مغادرتها:
أنتي وولدش أشلون مستحملين ملاغتها..؟؟ أنا بغت تمخلس جنوبي من الخَمل!!
(تمخلس= شي يُخلع عن شيء كانخلاع اللحم عن العظم
الخَمل= الاستياء من تصرف خارج عن اللياقة المعهودة)
ابتسمت أم صالح بطريقة مقصودة فهي لا تنكر أنها تشعر بالمرح حين ترى نورة ثائرة هكذا:
وين الملاغة؟؟ ماشفت إلا الذرابة والحلا..
نورة بتأفف: ياحر جوفي حراه.. مالكم عيون تشوف!!
ابتسمت أم صالح: لنا عيون.. بس أنتي اللي عيونش ما أدري وش فيها..
لا صارت جايزة لولدي فهي جايزة لي..
نورة بذات نبرة التأفف: والله مافيها زود على النوري بنت سلطانة..
كسرتوا بخاطر سلطانة.. كفاية إن بنتها سميتي.. الحلا والنور..
حينها لم تستطع أم صالح إلا أن تضحك: أكيد مافيه شك...
ثم أردفت بتماسك: النوري توها صغيرة .. توها بتدخل الجامعة ذا السنة..
خلها تدرس..
نورة بعتب: إيه عيالش كلهم وزعتيهم شرق وغرب.. ولا حتى خذتي واحد وإلا وحدة من عيالي أنا وإلا خواتش..
ابتسمت أم صالح: هذا هزيع موجود.. على ما تخلص النوري الجامعة يكون تخرج..
نورة تعود للتأفف: ماعينتي إلا هزيع.. والكوبة.. بسم الله على النوري منه..
كنا نبي فهد.. وماحصل... خلاص غطي هزيع على كبدش..
حينها غضبت أم صالح فعلا: هزاع طير شلوى اللي تقولين عليه والكوبة...
حبوا لي خشمه ما أطوله... بسم الله على ولدي منش ومنها....
في زاوية أخرى.. جوزاء تميل على أذن جميلة وهي تهمس بمرح: خالتنا المبجلة نورة وش لوعت كبدش فيه؟؟
ضحكت جميلة وأنتي وش دراش إنها لوعت كبدي؟؟
جوزاء بذات المرح: لأنها لو مالوعت كبدش بتكون مريضة وإلا فيها شيء..
جميلة ردت عليها بمرح: جوزا أنتي أشلون مستحملتها ؟؟
ضحكت جوزا: احمدي ربش سلطانة ماجات.. إذا جاوو الثنتين هذي تكمل على هذي مايعطونش مجال....
ثم أردفت بابتسامة أقرب للجدية: انا قبل بصراحة كان مستحيل أفوت لهم كلمة..
بس عقب صرت أسمع من هنا وأطلع من هنا عشان خاطر عبدالله.. مهما كان هذولا خالاته..
وعلى العموم هم أصلا يموتون لا حقرتيهم.. الحقران يقطع المصران..
جميلة تنهدت: خلني أروح لمزون.. وعدتها ما أبعد عنها واجد..
***************************************
" خالتي فديتش.. خلش جنبي!!"
عفراء همست بحنان بالغ التأثر وهي تشد على كف مزون بحنان أشد: هذا أنا جنبش يأمش..
ولا تحاتين شيء.. هدي واقري الاذكار في داخلش..
عفراء تنظر لمزون بتأثر متعاظم وعبرة مكتومة تتكوم في حنجرتها وهي تتذكر شقيقتها.. بل أمها..!!
كانت وسمية تحتويها بحماية أمومية بالغة.. قد تكون قدمت مثلها لمزون طوال سنوات..حتى الفترة الأخيرة..
تحاول أن تحمل مزنة الذنب في تقصيرها في حق مزون..كطبع الإنسان في رغبته في تحميل ذنوبه لغيره..
ولكن نفسها النقية تعلم أن التقصير منها.. فهي مشغولة بالفعل في ابنها الذي لا ترضى أن يتولاه أحدا عنها إلا حينما تحتد فعلا!!
لذا كان كثير من تجهيز مزون مزنة هي من تولته.. وما يؤلمها أنها بعد احتدادها على مزنة المرة الأخيرة..
أصبحت مزنة تتصل بها دائما وتخبرها عن خطوت تجهيز مزون وإن كانت تريد أن تذهب معها..
لتشعرها بالحرج.. وأن مزنة ارتقت عليها في تصرفها..
وكل ذلك كان يزيد مشاعرها تعقيدا وتشابكا.. بشكل بالغ!!
ولكن كل ذلك يتنحى في هذه اللحظة.. وهي ترى صغيرتها عروس أمامها..
عيناها تمتلئان بدموع لم تشعر بها..
وهي تشد على كفها وتكثر من الدعاء لها..
حتى سمعتها مزون تهاتف كساب..حينها بدأت ترتعش بعنف.. لأنها عرفت سبب المكالمة..
شدت على كف خالتها أكثر .. وهي لا تريد إفلاتها..
خالتها همست بتأثر وهي تشعر بارتعاش كفها بين يديها: حبيبتي بألبس عباتي ونقابي بس.. ماني برايحة مكان..
عفرا أشارت لجميلة أن تغادر المكان.. وأخبرت المتواجدات عند مزون أن العريس سيدخل حتى يغادرن..
جميلة همست في أذن مزون بمرح: كان خاطري أشوف أبو عيون عسلية على الطبيعة.. بس يا الله حكمت علينا المحكمة نطلع!!
مزون كانت تنظر لجميلة بعينين غائمتين.. فهمست جميلة بتأثر بالغ: الدموع ما تليق عليش يا كابتن..
تليق على الهنود اللي مثلي!!
عانقتها بتأثر قبل أن تغادر للقاعة لتنضم لبقية الحاضرات.. وحينها بدأ هاتفها بالرنين..
نظرت للرقم.. ثم تأففت وهي تضع الرنين على الصامت..
رن للمرة الثانية.. فأسكتته على الصامت..
حينها وصلتها الرسالة:
" اطلعي لي أنا برا..
لا تخلينا نسوي فضايح وأقعد أدق هرن برا
امشي معي خلينا نتفاهم!!"
وبالفعل كانت سيارة فهد تتوقف خلف سيارة العريس التي توقفت للتو ويقودها كساب..
وأمامهما سيارة زايد يقودها علي ومعهما منصور..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم HaboOoshy
شعر بتوتر ما.. وهو يدخل محاطا بأربعة رجال.. اثنان منهم قد يجعلان منه عجينة في لحظات..
تمنى لو دخل وحده.. ليراها وحده.. وليس تحت أعين وحماية أقاربها..
وهو يشعر بحرج أن يتمعن فيها حتى!!
أما حين دخل.. فهم لم يتركوا له المجال حتى..
فهم كالعادة المعروفة صعدوا للسلام عليها وهو بقي واقفا جانبا..
وكل واحد منهم يحتضنها ثم يطيل..
فماذا بقي له من أحضانها؟؟
مزون منذ علمت أن غانما سيدخل تصاعد توترها العفوي للذروة.. وهي تشد بعنف على كف خالتها..
التي بقيت وحدها مع مزون.. مع أم غانم التي وقفت جانبا قريبا من الباب..
وسميرة تقف خارجا تنتظر استدعاء أمها لها..
بينما مزنة قررت أن تخرج.. لأنها رأت أن وجودها قد يكون غير مريح..
عفرا أفلتت يدها برفق من يد مزون وهي تهمس بحنان: هذا ابيش وأخوانش عندش..
مزون حين رأت والدها يتقدم أولا..
شعرت أنها لن تستطيع السيطرة على عبراتها المكتومة..
وخصوصا وهي ترى في عيني والدها تأثرا بالغا.. غاص في أعمق روحها..
وزايد كان فعلا تأثره يقفز للذروة وهو يراها أمامه شفافة مغلفة بالبياض
بطهرها المتبدي كإشراق الشمس كما كانت في عينيه دوما..!!
أ حقا صغيرته ترحل وتتركه؟؟ وكيف تكون الحياة من بعدها؟؟ اعتاد حينما يدخل البيت أن يكون وجهها هو أول وجه يراه!!
ينبئه أن هذه الحياة تنبض بالبهجة مهما قست عليهما!!
احتضنها بقوة مغلفة بالحنان وهو يهتف بنبرة خاصة لها.. الحنان الخالص الذي لا مثيل له:
ألف مبروك يأبيش.. والله الله في رجالش.. ولا تحاتين أبد شيء في ذا الدنيا ورأس أبيش يشم الهوا..
لم تستطع أن ترد سوى بعبراتها المسكوبة.. التي ازدادت انسكابا حين احتضنها كساب وهو يهمس في أذنها بخفوت:
لو قعدت ألف سنة أقول سامحيني.. ماوفيت.. سامحيني يالغالية على كل دقيقة زعلتش فيها..
ثم أردف بما يشبه ابتسامة مغلفة بالحزم وهو يهمس بذات الخفوت:
أنا ما أعرف أقول وصايا ولا أبي أقول.. اللي بأقوله صحيح غانم عزيز وغالي ورجّال مافيه مثله..
لكن والله لا أدري إنه ضايقش بأدنى شيء وماقلتي لي.. لا أعلقش أنتي وإياه من أرجيلكم..
طالبش ما تباتين مضيومة ولا حزينة .. وقتها بتحسسيني إني صدق مالي عازة في ذا الدنيا..
ثم كان دور منصور ليحتضنها وهو يبارك لها بنبرته الفخمة الحانية: مبروك يأبيش.. جعلش تهنين.. وما أوصيش على نفسش ورجالش..
كان كل سلام يزيد تأثرها للذروة حتى وصلت لعلي.. الشفاف العذب الحاني وهو يحتضنها بحنانه الشفاف ويهمس بذات الشفافية:
مبروك ياقلبي.. ألف مبروك.. خلي بالش من نفسش ورجالش..
وتأكدي إنش لو احتجتي أي شيء إني دوم موجود قريب.. أقرب من أنفاسش متى ما بغيتي!!
حينها بالفعل بدأت دموعها تنسكب بغزارة.. وهي تعلم أن سلام علي هو الأخير.. وخلفه سيكون سواهم..
وجاء سواهم ختاما.. وكساب يشير له بمودة باسمة: تعال ياعريس.. شكلنا مسخناها وطولنا عليك..
غانم تقدم والجمع ينزاح ليتيح له رؤية شمسه...
كانت بالفعل شمسا في عينيه..!!
حتى لو بدأ الكحل المضاد للماء يسيل بخفة مع الانسكاب المتزايد لدموعها..
كانت في عينيه حسن لا مزيد عليه.. كانت شمسه وكفى!!
هل رأيتم شمسا تمطر؟؟
يستحيل أن تمطر الشمس.. ولكنها أمطرت أمامه في معجزة لم يسبق لها مثيل..
حزن احتواء شفاف غمر روحه حتى أقصاها..
" جعلها آخر دموع أشوفها في عيونش!! " هكذا هتف في أذنها فعلا وهو يميل عليها ليقبل جبينها..
مزون ارتعشت بعنف مابين دفء كلماته التي هزت أعماقها هزا.. وملامسة شفتيه الرقيقة لجبينها..
ثم وقف جوارها بثقة وهو يشد على كفها ويجلسها..
كساب هتف في أذنه بمودة: أنا بأنتظركم برا في السيارة..
غادر بالفعل زايد وشقيقه وابنيه خارجا.. وكل واحد منهم يثقل على غانم بالوصايا.. وكل واحد منهم كذلك يعصف به تأثر مختلف..
ولكن من تأثره مختلف فعلا هذا الجالس محتضنا كفها في كفه..
كما لو أنه يريد أن يستمتع بكل ثانية من اكتشافه لتضاريس كفها الناعمة وغير مستعجل أبدا على أفلاتها..
مزون شعرت بالفعل أنها ستبكي وهي ترى قوة إمساكه لكفها بعد مفاجأته لها بتقبيل جبينها أمام والدها وعمها وشقيقها..
أما ماجعلها ستنفجر في البكاء هو همسه في أذنها بجرأة:
ليش ما حنيتي إيديش.. أنا أحب الحناء!!
" ياربي .. وش ذا الجرأة اللي عنده؟؟"
لم ترد عليه لكن من ردت هي سميرة وهي تميل على رأسه لتقبله وتهمس بمرح:
ارحم البنية.. من أولها نازل كلام في أذنها.. شفها مستحية وحالتها حالة!!
غانم ابتسم وهو يقف ليحتضنها: ماحد طلب شورش.. أصلا الله رحم تميم من هذرتش..
ثم زادت ابتسامة غانم اتساعا وهو يرى والدته خلفها.. لم يسمح لها أن تصعد له حتى وهو ينزل لها الدرجتين المتبقية.. ويقبل رأسها..
وهي تهمس له بتأثر مختلط بدموعها: مبروك يأمك.. ألف مبروك..
عقبال ما أفرح بعيالك..
غانم بتأثر: يمه أنتي كل شيء عندش دموع..
أم غانم بإبتسامة مبللة بالدموع: فرحانة يامك.. جعلك تتهنا..
غانم عاود تقبيل رأس والدته.. قبل أن يعود لمكانه بجوار مزون.. ثم يشير لسميرة بحزم: جيبي عباتها..
حينها تقدمت امرأة مجللة بالسواد لم ينتبه لوجودها قبلا وعباءة مزون على ذراعها.. وهي تهمس باختناق:
مبروك يأمك ألف مبروك.. والله الله.. في بنتي طالبتك..
لم يعرف من تكون تحديدا لكنه توقع أن تكون خالتها.. هز رأسه بثقة:
ازهليها.. مزون في عيوني وفوق رأسي!!
ثم أردف بإبتسامة: وصيها هي علي!!
عفرا همست بذات الاختناق وهي تلبس مزون عباءتها: يشهد ربي إني وصيتها..
بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير!!
عفراء احتضنت مزون وهمست بذات الاختناق الذي يدل على صوتها المبحوح من البكاء: كلميني بكرة قبل تروحين المطار..
مزون هزت رأسها دون أن تتكلم.. فهي تخشى أن تتكلم حتى لا تنفجر في البكاء..
وغانم يتناول كفها بثقة.. ويقودها خارجا باتجاه مواقف السيارات حيث ينتظرهم كساب...
**********************************
" فهد لو سمحت.. أمش بدون فضايح..
أظني عمي منصور قال لك
إني ما أبي أروح معك.."
فهد حين وصله ردها زاده غيظا على غيظه وهو يلكم مقود سيارته بعنف..
أرسل لها رسالة أخرى:
" الفضايح مهيب الحين..
بأنتظر خمس دقايق... لين يطلع عمش منصور
وزايد وعياله والمعاريس.. وعقب باعلق الهرن..
وبأترك لش تخيل الأحداث اللي بتصير!!
وأظنش عرفتيني.. واحد متنح ولا أعرف ذوق ولا لياقة!!"
جميلة زفرت بيأس وهي تكاد تبكي.. تتخيل فعلا سيناريوهات مرعبة لما سيحدث..
شجار بين أبناء خالتها وفهد.. أو على الأقل تلاسن سيؤدي لفضيحة يراها كل داخل وخارج..
وهي تعبت من كلام الناس.. تعبت!!
وأهم من كل ذلك الآن.. أنها ستفسد فرحة مزون الغالية!!
الخبيث عرف كيف يمسكها من يدها اللي تؤلمها.. فعلا..
أرسلت بدموع عينيها:
" بأطلع لك..
عشان خاطر مزون بس..
ما أبي أخرب عرسها عشان واحد مثلك!! "
فهد كان يزفر بتوتر انتظارا لردها.. فهي لو رفضت الذهاب معه..
لا يستطيع فعل شيء أبدا..
بل سيرحل مدحورا.. ليس من باب اللياقة..
ولكن لأنه يستحيل أن يحرج نفسه وزوجته أمام هذا الجمع!!
أو يصغرها وهو يريد إخراجها رغما عنها وأمام أهلها!!
هكذا هي نفسه المستقيمة بحدة جارحة له قبل غيره!!
لكنه اعتمد على أنها مازالت لا تعرفه جيدا.. وأنها تظنه سيفعل ذلك..
لذا ابتسم بانتصار وهو يقرأ بداية رسالتها..
ثم كشر وهو يقرأ آخرها ( واحد مثلي؟؟ ليه وش فيني؟؟)
انتظر لدقائق وهو يرى عدة نساء يخرجن.. لم يعرف هي أيهن حتى سمع صوت فتح الباب.. ثم ركوبها جواره..
نظر لها بصدمة لثوان ثم هتف بغضب: باقي زري في الدوحة ماحطيتيه في عباتش!!
جميلة ردت ببرود ودون أن تنظر ناحيته: الزري هذا زمان جدتك الله يرحمها.. هذا اسمه شوارفسكي..
فهد تزايد غضبه: الحين مسكتي في الاسم وخليتي الأساس.. هذي عباة تطلعين فيها قدام العالم..!!
جميلة بذات النبرة الباردة المتماسكة: عباة عرس بعد.. أشلون تبينها؟؟ وماطلعت فيها السوق.. كل السالفة المسافة من باب القاعة لين السيارة..
فهد يشعر أنه يريد أن يصفعها فعلا وهو يحاول أن يتماسك:
هذا أنتي قلتيها من الباب لين السيارة.. يعني وش فايدتها دامش بتحطينها داخل القاعة!!
تفرجين عليها سواقين السيارات؟؟
جميلة تنهدت: خلاص فهد انتهينا.. قل لي لا تلبسينها مرة ثانية..
وبأقول لك حاضر وتم... شيء ثاني بعد؟؟
فهد يشد له نفسا عميقا وهو يهتف بحزم: لا.. خلاص..
تحركت السيارة قليلا قبل أن يهتف بنبرة أقرب للغموض:
ليش ما تبين ترجعين معي مصر؟؟
جميلة بذات النبرة الباردة التي قررت أن تغلف نفسها بها:
من كثر ما أنا مبسوطة معك أخاف قلبي يوقف.. أبي أخذ لي راحة من السعادة اللي أنت معيشني فيها..
فهد بذات النبرة الغامضة: وتمسخرين بعد؟؟
جميلة هزت كتفيها: لأنه شر البلية مايضحك..
فهد أنا مابغيت أصغرك في عين عمي منصور لأني شايفة وش كثر هو يعزك..
ماهان علي أكسر صورتك في عينه..
فأرجوك لا تضغط علي أكثر من كذا.. ولا تختبر صبري.. لأنه صبري خلص!!
وعقبه مهوب هامني صورتك ولا غيرها..
لأنه صورتك أنت المسئول عنها مهوب أنا...
فهد يتنهد بصمت (هذي متى تعلمت تصف حكي كذا؟؟ )
لكنها لم تصمت وهي تهمس بسكون: ممكن أعرف ليش تبيني أرجع معك؟؟
تنهد فهد وهو يهتف بحزم: ارجعي معي ذا المرة بس.. دامش على قولتش ماتبين تكسرين صورتي عشان عمش..
استحمليني شوي... لين عرس خالي نايف.. إن شاء الله ماتشوفين مني ذا المرة إلا اللي يرضيش..
جميلة هزت كتفيها بيأس: ماعاد أصدق كلامك.. اعذرني..
فهد تنهد وهو يقف في باحة بيتهم ويهتف بحزم: يمكن فيه سوء فهم شوي في طريقة التعامل..
أنا أقط الكلمة وانا أحسبها عادية عشان كذا كنت أظن إني عند وعدي..
مادريت إني ضايقتش..
لأني ترا لو فكرت آجعش مثل ما أعرف الوجع أنا... يمكن الكلمة اللي أقولها تذبحش..
الحين عرفت حدود كلامي زين..
جميلة بذات اليأس: فهد أنا ماعاد أقدر أتحمل أكثر.. تعبت.. وبصراحة ما أقدر أتخيل أني بارجع معك بكرة..
فهد يفتح الباب ويشير لها أن تنزل وهو يهتف بذات حزمه: تحملتيني شهر.. صعب عليش تحمليني أسبوع بعد؟!!
جميلة لم ترد عليه وهي تنزل وتتبعه عبر ردهات البيت الفارغ تماما.. فالجميع مازال في حفل الزفاف..
وهي من تضطر لترك حفل زفاف ابنة خالتها مبكرا...!!
تنهدت بهذا اليأس الهادر الذي بات لا يفارق روحها..
وهي تدخل عبر باب جناحهما وتخلع عباءتها لتعلقها بينما صوته الحازم يأتيها من خلفها: قطي العباة ذي في ذا الزبالة الحين.. لا تعلقينها..
جميلة استدارت نحوه بصدمة: نعم أرميها؟؟.. وعدتك ما ألبسها.. بس أرميها حرام..
حينها كانت الصدمة الشفافة من نصيبه..
قد يكون اعتادها متأنقة على الدوام.. ولكن أناقتها دائما كانت له..
ولكن هذه الأناقة اللافتة لم تكن اليوم له.. فستانها الماروني من الدانتيل والشيفون (هاي نك) بدون أكمام.. وبحزام ذهبي عريض..
بدت تفاصيل جسدها مرسومة فيه بدقة مثيرة وهو يتسع بأناقة من أسفل وركيها بعد أن رسم كل تفاصيلها..
فهد هتف بصدمة غاضبة: أنتي أشلون لابسة كذا؟؟
جميلة بتأفف يائس: بعد وش فيه؟؟ لا قصير ولا صدره مفتوح.. (ياربي هذا لازم يجيب آخري اليوم!!)
فهد بغضب حقيقي: وش فيه؟؟ إلا وش مافيه؟؟ ما كأنش لبستي شيء من كثر ماهو مفصل جسمش..
جميلة تكاد تبكي منه.. فهي مرهقة بالفعل وهو يتفلسف كما لو كان يشعر بالغيرة فعلا..
همست بإرهاق ساخر: ترا العرس عرس نسوان.. ماكان فيه رياجيل ترا..
فهد اقترب ليشدها من معصمها وهو يهتف بذات غضبه:
لا تستخفين دمش.. أدري إنه عرس نسوان.. وأنا ما أرضى العيون تشوف شيء هو حقي بروحي!!
جميلة تراجعت بجزع.. لكنها لم تستطع التراجع لأن يده تمسك معصمها بقوة..
همست باختناق أقرب للخوف: خلاص فكني.. أوعدك ما ألبس ضيق كذا مرة ثانية..
مد يده الحرة ليمسح على ذراعها وهو يهتف بنبرة مقصودة: ولا كم قصير..
جميلة بذات النبرة المختنقة: إن شاء الله.. ولا كم قصير..
حينها شد معصمها نحوه أكثر ليقربها منه وهو يهمس بخفوت ونبرة مقصودة:
جميلة أنتي ليش تسوين فيني كذا؟؟
جميلة بتوتر: وش سويت؟؟
حينها شد كفها ليرفعها إلى شفتيه ويغمرها بقبلاته.. قبلات والهة عميقة ملتهبة..أشبه بالأنين الموجوع!!
جميلة شدت كفها بعنف..
لتكسر إحساسه الخاص بها وهو يهتف بذات النبرة المقصودة:
هذا اللي أنت سويتيه...كلش منتي بمقبلة قربي!!
جميلة بنبرة حازمة مقصودة.. فهي علمت أنها توشك أن تصبح في موقع المنتصر:
الحين أنا اللي ما أنا بمتقبلة قربك..؟؟
عقب ما تعاملت معي كني زبالة... تبي قربي..؟؟
فهد حينها هتف بيأس حقيقي فهو متعب فعلا من تصارع الرغبات في داخله:
جميلة ترا مهوب صعب علي أغصبش على اللي أبيه..
بس أنا مستحيل أسويها.. أبيها من خاطرش.. أنا استحملت واجد.. وأنا رجال ماني بطوفة!! وأنتي مني براضية تحسين فيني!!
حين قال أنه يستحيل أن يجبرها منحها سلاحا آخر لتأديبه.. همست بذات النبرة الحازمة:
والكلام اللي قلته لي.. وإنك ماتبي فضلة غيرك.. وش صار فيه؟؟
فهد حينها هتف بغضب: أنتي ليه ما تبين تنسين.. ليه قلبش أسود كذا؟؟
هذا كله عشانش عايفتني.. وما تبيني عقب رجالش الأولي..
جميلة لم تسمح له أن يقلب الطاولة عليها وهي تهمس بذات الحزم الرقيق:
لا لا.. لا تحملني أغلاطك..
جاوبني بصراحة فهد.. لو أنا طلعت عادية أو ماني بحلوة وربي رماني بين إيديك.. وأنا مطلقة مثل ما أنا الحين..
كان تنازلت تنزل من برجك العاجي عندي!!
حينها أجابها بثقة متجبرة.. والغريب أنها صادقة: أساسا أنا كنت أتمنى مرتي تكون عادية..
أنتي الحين ظنش إنه اللي خلاني أنزل من برجي العاجي على قولتش هو زينش اللي ماقدرت أقاومه..
بالعكس.. هذا اللي أخر نزولي.. وإلا كان نزلت من زمان!!
لأنه هذي سنة الحياة.. وأنتي حلالي.. إلا عندش مانع؟؟
جميلة تزايد غيظها منه.. ومع همست حينها بثقة:
خلاص اعتذر لي أول.. وانا أشوف أقبل اعتذارك وإلا لأ..
فهد تراجع بصدمة غاضبة: نعم أعتذر؟؟ أنتي بتذليني على كلام قلته وهذا أنا قدامش تراجعت عنه..
جميلة بذات الثقة: دامك على قولتك تراجعت عنه.. وش يضرك تعتذر..
يعني حلال عليك تجرح.. وحرام تداوي..
فهد بثقة أقرب للغطرسة: آسف لأني ماراح أقول آسف... اسمحي لي يامدام..
وأنتي دامش تبين تعصيني.. خلش منش لرب العالمين..
جميلة بثقة أكبر: لا يافهد العب غيرها.. أنا ماعصيتك.. قلت لك اعتذر.. وهذا أبسط حق من حقوقي..
ودامك مارضيت تعتذر.. فأفكارك ما تغيرت.. كل اللي صار إنك قررت تغير الاستراتيجية شوي.. عشان توصل أهدافك..
فهد زفر بغضب وهو يتجه للحمام ليستحم ويبرد ناره..
فمشاعره ملتهبة تماما.. وسيموت من رغبته في هذه الماكرة الصغيرة... وغاضب لأبعد حد..
وسيجن من الغيرة كلما تذكر رؤيته لغريمه الليلة...
كل هذه الأفكار والمشاعر غاصت في عمق روحه كجرح ماكن يزداد تمكنا..
" إيه.. تدور لها أسباب.. لأنها عايفتني..
خلها تولي..
بأموت من غيرها يعني؟!!"
*******************************************
حين وصلا للسيارة.. تمنى أن يركب جوارها.. لم يكن يريدها أن تبتعد عنه شبرا..
لكنه رأى أنه من غير اللائق أن يترك كسابا في الأمام كما لو كان سائقا لهما..
لذا أركب مزون في الخلف.. ثم أغلق الباب..
ليفتح الباب المجاور لكساب..
هتف كساب بمرح: وش جابك يا كابتن؟؟
ارجع اقعد مع عروسك ورا..
أنا أصلا حالف إني سواقها اليوم..
غانم أصر وكساب أصر أكثر.. حينها ابتسم غانم وهو يعود ليجلس بجوار مزون وهو يهتف لكساب بمرح:
كنك داري باللي في خاطري!!
ويمسك بكفها بين كفيه الاثنتين.. مزون شعرت أنه سيغمى عليها من الحرج.. وهي تسمع تبادل التعليقات المرحة بين الاثنين..
وكساب يهتف بذات المرح: أصلا أشوفك جاي تقعد جنبي وعينك ورا..
وغانم يهتف بمرح مشابه: الله يحزاك خير كان أحولت عيني..
كان يتبادل الحوار مع كساب بينما هو مشغول تماما بمن أناملها ترتجف بين كفيه..
وهو يتحسس أناملها وباطن كفها بحنو رقيق..
همست مزون باختناق بصوت خافت جدا حتى لا يسمعها كساب:
تكفى بس..
ابتسم غانم وهو يهمس بخفوت مشابه: أخيرا سمعتينا صوتش..
مزون اختنقت أكثر وهي ترى إصراره على الإمساك بكفها بطريقته الغريبة.. وكلامها لم يؤدي لنتيجة سوى إحراجها أكثر..
وكساب يهتف بإبتسامة: سامع وشوشة ورا.. احترموا إن معكم عزول..
ضحك غانم: توك تقول إنك سواقها.. السواويق يسمعون ويسكتون..
كساب ضحك: تحشم ياغنوم.. قبل أوقف السيارة.. وأخليك أنت تسوق وأركب مع أختي وأخلي كبدك تطبخ شوي!!
غانم برجاء بمرح: لا طالبك تكفى.. خلاص سكتنا..
مزون حرجها يتزايد.. وشعور آخر أعمق يتزايد...
أنها كلما ازدادت قربا من الفندق.. كلما ازدادت توترا وشوقا جارحا لهذا المازح في الأمام..
الذي تعلم أنه يخفي خلف مزحه ومرحه مشاعر هادرة من الافتقاد تشبه ما تشعر به هذه اللحظات!!
حتى وصلا لباب الفندق.. حينها تزايد ارتعاشها وغانم يشد كفها لينزلها..
كساب نزل ودار ليستقبلها وهو يقبل رأسها ويهمس لها بخفوت:
بكرة الصبح بأجي أوديكم للمطار.. فلا تخربين ليلة المسكين بالدموع..
مزون هزت رأسها وهي تريد التعلق به وتمنع نفسها حتى لا تحرج نفسها وتحرجه..
بينما كساب يهمس لغانم بحزم متأثر: غانم تراني عطيتك عيوني الثنتين..
قبل ماتقول لها أي شيء.. تذكر إن أي شيء تقوله لها هو شوكة تغزها في عيني!!
ولو زعلتها كنك فقعت عيني.. وماعقب العين شيء!!
غانم بشفافية صادقة: ازهلها .. ثم رفع صوته لتسمعه مزون: وهذا أنا أقول لك قدامها..
لو أنا ضايقتها بأقل شيء مرخوصة إنها تشتكيني عندكم.. وحقكم كلكم في رقبتي..
كساب غادر.. العريسان توجها للداخل!!
حين وصلا لجناحهما.. بقيت واقفة بخجل دون حراك.. همس لها غانم بمودة باسمة:
حطي عباتش واقعدي..أو تبين مساعدة.. ماعندي مانع..
مزون خلعت عباءتها ووجهها يزداد احمراره وأنزلتها على طرف المقعد
وبقيت واقفة.. حينها شدها برفق ليجلسها على الأريكة ويجلس جوارها..
مزون أنزلت عينيها في حضنها وهي تمسك بكفيها متشابكتين..
ودقات قلبها تتصاعد بعنف.. فغانم بدا لها جريئا لأبعد حد.. وبدأت تتوتر من هذه الجرأة.. وتتحفز ماهي ردة فعله القادمة..
وردة فعله لم تتأخر مطلقا وهو يمد يده ليرفع وجهها ويديره ناحيته..
مد سبابته ليمسح دمعة مازالت معلقة على طرف رموشها..
ويهمس بحنان غريب دافئ: قلت لش ما ابي أشوف دموع في عينش..
اظني بكيتي اللي يكفيش!!
ثم أنزل سبابته من وجهها إلى نحرها ليلمس العقد الذي ترتديه بتقصد:
قلت ما تحنيتي يمكن ما تحبين الحنا.. بس ليش مالبستي الطقم اللي جبته لش؟؟..
ما تتخيلين وش كثر لفيت محلات لين لقيت شيء عجبني..؟؟
ووش كثر تخيلت أشوفه عليش..؟؟
مزون شعرت باختناق فعلي من الحرج.. وتمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها..
وهي تفكر في عذر تقوله.. لتجد لها عذرا.. أو بالأصح كذبة اضطرت لها.. وهي تهمس بحرج خجول:
طقمك كان في الخزنة ونسوا يجيبونه لي.. اضطريت ألبس هذا..
ابتسم غانم وهو مازال يتحسس الطقم ومعه يتحسس عنقها بدفء:
ماعليه.. أشوفه عليش بعدين.. حتى هذا بيضوي عشانه لامس رقبتش!!
مزون لم تستطع أن ترد بشيء وهذا يلجمها بجرأة غير متوقعة..
ابتسم غانم: قولي شيء..
مزون بحرج: وش أقول؟؟
غانم بدفء عميق: قولي غانم.. خاطري اسمع اسمي من بين شفايفش كذا وأنتي قريب مني كذا ومستحية.. ومذوبتني بسحاش..
مهوب وأنا أتذكر أول مرة سمعت صوتش...وأنتي تصيحين علي وتقولين ياكابتن غانم.. أنا كابتن مزون..
كن حن في ثكنة عسكرية وأنتي القائد..
مزون اختنقت أكثر بخجلها.. وهي تعلم أنه يقصد المرة التي سافرا فيها معا..
هل كان يفكر فيها منذ تلك الأيام؟؟
لا يعقل.. !!
لا يعقل !!!!
همس بذات النبرة الدافئة: تدرين إنش أحلى حتى من أحلى أحلامي..
مزون شعرت أن وجهها اشتعل احمرارا (بدينا في المجاملات!!)
تزايدت نبرة غانم دفئا وعمقا وهو يمد ظهر أنامله ليمسح على خدها:
يعني مافيه أمل تحنين علي بحرفين..
مزون تراجعت وهي تقفز وتهمس بذات الاختناق: أبي أروح الحمام..
حينها ضحك غانم: ماعليه المهم تكلمتي..
ثم أردف بحنان: خلاص توضي.. عشان نصلي.. أنا بأقوم أتسبح في الحمام الثاني..
خذي راحتش.. بس موب واجد عاد..
مزون قفزت للحمام.. وهي تشد أنفاسها الذاهبة: يمه وش ذا الجرأة اللي عنده..
أكيد ملفلف الدنيا.. ومتعود يحاكي النسوان..
ماخلا شيء مالاحظه.. ليش ما تحنيتي؟؟.. ليش مالبستي طقمي؟؟؟..
باقي يقول لي ليش حطيتي روج وردي وماحطيتي أزرق؟؟.. وليه الفستان أوف وايت موب ذهبي..؟؟
ثم أردفت بصدمة وهي تنظر لوجهها في المرآة: وليش ماقال لي إن الكحل ساح كذا..
يمه قاعدة عنده وأنا شكلي يروع كذا وواثقة من نفسي بعد..
وهو يتغزل هو وجهه.. تلاقينه يتمسخر علي!!
مزون مسحت وجهها بعناية.. وخلعت فستانها.. وهي تحاول إعادة بث الثقة في روحها..
ابتسمت بشفافية حانية وهي تتذكر كسابا وتعليقاته..
ربما لو كانت تزوجت قبل عودة علاقة كساب بها كما كانت.. لكان استعادتها لثقتها أمراً صعبا عليها..
لكن الآن الثقة مغروسة في ذاتها..
"حتى لو كنت عادية.. يكفيني ويكفيه إني مزون بنت زايد وأخت كساب!!"
البارحة كانت خالتها هي من رتبت أغراضها في الجناح هنا..
وأخبرتها بتفاصيل الترتيب..
وهاهو قميص نومها الأبيض الفخم معلق في الحمام.. توترت للحظات.. ألبسه؟؟ أو لا ألبسه؟؟
لكنها قررت ختاما أن تلبسه.. فهو بالفعل يليق بها بفخامته واحتشامه..
وهي لن تفسد ترتيبها من أجل توتر تعلم أنه وقتي..
*****************************************
صالح حاول أن يعود مبكرا..
وفعلا فور أن زُف العريس.. توجه لبيته..
ليتفاجأ بمناحة في بيته.. فنجلا كان وجهها متفجرا بالاحمرار الدال على أنها بكت لساعات..
وحالما رأته انفجرت في البكاء مرة أخرى..
صالح اقترب منها بجزع: وش فيش؟؟ عسى ماشر؟؟
نجلاء بين شهقاتها: أنت تفاول على بنتي تموت.. مهوب كفاية إن قلبها تعبان.. تبي تسميها على بنية ماتت بالقلب!!
صالح يتتهد: صبيتي قلبي..
ثم أردف بحنان: أفا عليش وش ذا الأفكار؟؟ أنتي عارفة إني وعدت سلطان أسمي بنتي لو جاني بنت علي بنته الله يرحمها..
المسكين ماكان عنده غيرها.. أمها ماتت في ولادتها.. وعقبه بكم سنة البنية ماتت.... عقب عرسنا بسنتين الله يرحمها..
نجلاء بين شهقاتها الناتجة عن تأثر نفسيتها بكثير من الأمور:
أوعد صديقك بعيد عني أنا وبنتي.. أصلا والله لو تذكرت ذا السالفة ما أخليك تسمي أختي عليها..
صالح يتنهد: نجلا الله يهديش وش فيش سويتيها سالفة؟؟.. عمي راشد أصلا داري بالسالفة وبالعكس كان مبسوط بالاسم..
وسلطان لمعلوماتش جاب لاختش سماوة وش كبر.. بس أبيش سبق عليه بالحلوفة...
نجلاء بين شهقاتها المتزايدة: مالي شغل... تغير اسم بنتي تغيره... وش ذا الفال الشين من أولها..
صالح يتنهد للمرة الألف: الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الفال الله يهداش..
ثم تنهد بحزم:والاسم ماني بمغيره.. تبيني أصغر نفسي قدام الرجّال.. سلطان مسافر وبلغته بالاسم خلاص..
كل يوم يقول لي صورها وأرسل لي الصورة...
تبين أقول له.. لا والله غيرنا الاسم... مهوب حولي..
نجلاء تزايدت شهقاتها في محاولة منها للضغط على صالح...
بينما صالح رمى غترته على الأريكة وهو يميل على سرير غانم الصغير ويحمله بين ذراعيه..
ويجلس على الأريكة قريبا من نجلا وهو يناغيه..
دون ان يوجه كلمة لنجلاء.......
************************************
كساب حين أوصل مزون اتصل بكاسرة.. وسألها إن كانت تريد أن تذهب ليأتيها..
لكنها أخبرته أنه لا داعي ليتعب نفسه.. ستعود مع والدتها وسميرة.. وسيعيدهم تميم..
لذا حينما عادت للبيت كانت تتوقع أنها ستجده في البيت.. لأنه مرهق اليوم من كثرة (المشاوير) التي قام بها.. وهو يجهد نفسه في السواقة!!
ولكنها لم تجده.. كانت هي ذاتها مرهقة وتريد تغيير ملابسها.. ولكنها لم تفعل..
فهي ختاما تعلم.. أنها لا تهمها مئات العيون التي رأت حسنها بانبهار الليلة..
وهذه الزينة لا قيمة لها إن كان هو لن يراها..
جلست في صالة جلوسهما في انتظاره.. لم يطل انتظارها.. إذ دخل بعد دقائق..
والصدمة أنه دخل بروب الاستحمام الطويل الذي تعلم أنه لا يستخدمه إلا حين يخرج من بركة السباحة..
" كيف يسبح هذا المجنون بيد واحدة؟؟"
لتجد أن الصدمة الحقيقية أنه كان بيدين ليس بيد واحدة..
همست بصدمتها: متى شلت الجبس؟؟
أجاب ببرود وهو يجلس : اليوم يوم رحتي الشغل وخلتيني.. وأنا أقول لش اقعدي ومارضيتي...
كاسرة صمتت.. أسكتها عن العتاب قبل أن تبدأ به.. وهي بالفعل لا مزاج لها لتعاتب .. فهي تشعر بسعادة شفافة لسلامته..
فما رآه في هذا الحادث يكفي وزيادة.. لذا مالت على شعره المبلول وهي تقبل رأسه وتهمس برقة: الحمدلله على سلامتك..
ولو أنه المفروض ماترهق يدك وأنت توك فاك الجبس..
حينها كانت الصدمة من نصيبه.. فهو كان مستعدا لعتاب لا يريده..
فهو مرهق ومستنزف من ضغط مشاعره لغياب مزون عنه..
كان يريد أن يشد كفها ليجلسها جواره.. لولا أنها ابتعدت عنه قبلا.. وهي تتجه لتغلق نقطة التحكم بالتبريد في الجناح..
لأنها تخشى عليه أن يمرض..
ثم تعود له لتجلس جواره .. دون أن تقول شيئا.. استدار ناحيتها وهو يمسح تفاصيلها بعينيه ثم يهتف بإبتسامة:
كان فيه الليلة حد أحلى منش؟؟
ابتسمت: أنت وش رأيك؟؟
ابتسم بتقصد: رأيي إني توني دريت ليش ارتفع سعر الذهب لمستويات ماعمره وصلها..
لا تنكر أن داخلها ارتعش بشفافية..
فهذا الرجل شحيح جدا بغزله... فكيف بهكذا غزل راقي وخاص ومصاغ من أجلها!!
كساب مد ذراعه التي أزال جبسها اليوم ليحتضن كتفيها بها.. أسندت رأسها لكتفه وهي تحتضن خصره بولع حقيقي عاجزة عن التعبير عنه..
هتف كساب وكأنه يحادث نفسه: ظنش إنها مبسوطة؟؟
كاسرة علمت عمن يتحدث.. تعلم قربه من شقيقته وقربها منه.. وتعلم أنه باله مشغول.. همست برقة:
إن شاء الله إنها مبسوطة.. سميرة تقول إن غانم طاير فيها بشكل..
المهم إنه يعرف قيمتها..
" المهم إنه يعرف قيمتها!!
المهم إنه يعرف قيمتها!!"
تفكيره محصور بشقيقته وهو يقول لنفسه (إن شاء الله يعرف قيمتها..!!)
لم يفكر أن هناك أمور أخرى يحتاج لمعرفة قيمتها!!
همس بسكون: إبي أحط رأسي في حضنش..
كاسرة تأخرت لآخر الأريكة لتسمح له بذلك.. انخلع على روبه عن جسده وهو يضع رأسه على فخذها..
كاسرة مررت أناملها بحنان عبر خصلاته المبلولة وهي تهمس برقة: ماتبي أجيب لك فوطة أنشف شعرك..؟؟
همس بذات السكون : لا خلش جنبي..
هذه المرة بقيت جواره.. فهي أكثر احتياجا لهذا الجوار منه.. بقيا على هذا الوضع لدقائق..
وأناملها تعبر شعره ذهابا وإيابا.. حتى لمحت عيناها ما يكره أن تلمحه.. لم تنتبه حتى تحسست أعلى كتفه من الخلف..
حينها رفعت يدها بجزع وهي تسب نفسها أنه سيثور الآن ليفسد هذا الجو الرائق بينهما..
لذا كانت صدمتها أنه باقيا ساكنا وهمس بذات السكون: أفكر أسأل شيخ إذا كان ممكن أسوي وسم ثاني يغطي الوسم هذا بالكامل..؟؟
كاسرة بجزع مرتعب: تبي تحرق نفسك؟؟ هذا ما يغطيه إلا حرق ماكن؟؟
أجابها بذات السكون كما لو كان يحادث نفسه: ما أبي شيء يذكرني فيه.. أبي أمسحه من حياتي!!
حينها تجرأت كاسرة أن تعاود تحسس الوسم بأناملها وهي تهمس بحذر:
حطوه لك في السجن صح؟؟ ليش حطوه؟؟
أجابها بنبرة أقرب للسخرية المريرة: ليش حطوه؟؟.. عشان لو واحد منا يا المساجين قطّع الثاني.. يعرفون من المتقطع بدون مايجرون فحص طبي..
يعرفونه من الرقم المتسلسل..
ولو مابين في الكتف.. يبين اللي في الفخذ!!
كاسرة كفت يدها برعب: نعم؟؟ ليه وحوش؟؟
كساب هتف بذات النبرة الساخرة المريرة: والله الوحوش أرحم.. هذولا كان أقل واحد فيهم محكوم 70 سنة.. هذا الملاك فيهم..
فيه ناس محكومين 500 سنة..
يعني عارفين إنهم مستحيل يطلعون من السجن.. وش يضر لو ذبح كل يوم واحد من المساجين؟؟
هذا سجن كان فيه سفاحين أمريكا اللي تسمعين عنهم يقتلون 20 واحد ويسلخون جلودهم بدون مايرمش لهم جفن..
وخلاص الوحشية في دمهم..!!
كاسرة لم تحتمل.. وهي تدفع رأس كساب عنها.. لتقفز للحمام وتتقيأ كل مافي معدتها..
كساب قفز خلفها وهو يشعر بندم عميق أنه أخبرها.. وهو مازال لم يخبرها بأي تفاصيل حتى ...من التفاصيل المروعة في انعدام الآدمية..!!
أراد أن يريحها قليلا.. وهي من كانت تعاتبه دوما على غموضه!!
لم يتخيل أن كاسرة القوية ستهتز من مجرد خبر كهذا..
كساب دخل خلفها وهو يمدها بالمنشفة ويهتف لها بعمق:
شفتي إن الجهل أحسن أحيانا من المعرفة..
حين رفعت وجهها إليه وهي تمسح فمها.. فوجئ بامتلاء عينيها بالدموع وهي تهمس باختناق:
وسجن مثل هذا ليش أنت تدخله.. وأنت تقول إنك ماسويت شيء..؟؟
كساب تنهد وهو يشدها خارج الحمام ويهتف بعمق:
بتظل مشكلتي أنا وإياش إني كل ماقلت لش شيء ما كفاش..
وتبين زيادة..
*********************************
إذا كانت كاسرة دخلت جناحها ولم تجد كسابا فإن والدتها دخلت لتجد زايد ممدا على سريره..
همست بلياقة جزعة: ليش ماقلت لي إنك رجعت.. كان رجعت من بدري..
أجابها بسكون وهو يتمدد على جنبه: مابغيت أعجلش.. وأنا أساسا توني انسدحت..
لهيت أسبح وأصلي وأقرأ وردي..
مزنة خلعت عباءتها وهي تهمس باحترام عذب: عطني شوي وقت وأجيك.. ماني بمتاخرة..
استحمت على عجالة.. وقررت تأجيل قيامها حتى ينام..
فهو بدا لها مثقلا بالإرهاق.. وهي تطيل دائما في صلاتها..
وحق الزوج مقدم شرعا على النوافل..
لذا قررت أن ترى مابه أولا.. وخصوصا أنها تعلم أنه الليلة مثقل بحزن شفاف لا يشبه سواه.. لغياب صغيرته عن عينيه وحضنه!!
جلست في ناحيتها.. بينما كان هو متمدد ناحيته ويوليها ظهره..
مالت عليه وهي تمسح على شعره وتهمس قريبا من أذنه:
لا تحاتي مزون.. صدقني بترتاح مع غانم..
غانم أعرفه من وهو بزر.. ماشفت مثل حنانه على أمه وخواته.. قلبه صافي كنه ذهب..
استدار ناحيتها ليمسك بكفها ويحتضنها بين ضلوعه وهو يهمس بعمق:
أنا ما أحاتيها.. أحاتي نفسي عقبها..
همست مزنة بحنان: هذي سنة الحياة.. وبكرة بتجيب لك هي بعد أحفاد تستانس فيهم..
وتلهى فيهم عن كل شيء...
همس بعمق لا يخلو من رائحة الحزن: الله يجيب الخير من عنده..
كانت مزنة تريد أن تقول شيئا ولكنها قررت أن تصمت وهي تراه يقترب منها ليدفن وجهه في صدرها..
احتضنته بدفء حان.. وهي تمسح على شعره.. وتقرأ عليه الأذكار..
كما لو كان طفلا صغيرا يستكين بين ذراعيها.. ويستمد الحنان من دفء صوتها وأحضانها..
يزداد الحزن في قلبه بصورة غريبة..
يشعر كما لو كان يستغلها..
فهاهي تهديء جزع روحه كالسحر الحاني.. بينما هو يبتعد بأفكاره عنها إلى موانئ بعيدة موحشة.. تنعق الغربان المشؤومة في جنباتها!!
بقدر ما يكره هذه الموانئ.. بقدر مايجد نفسه يقترب منها!!!
********************************
" تعالي مزون.. مطولة وأنتي واقفة!!"
مزون اقتربت منه بتوتر.. وخصوصا وهي تراه بثوبه المفتوح الجيب.. بدون رسمية الغترة والبشت الأسود..
للتو تنتبه أن شعره ليس داكنا بل لونه يقترب من البني..
حتى حينما سافرت معه.. لم تنتبه لهذا الشيء.. لأنها تخجل من التمعن بأي رجل..
لكنها تتذكر جيدا لون عينيه الغريب.. الذي مازالت لم تركز فيه للآن..
هتف غانم بأريحية: تعالي نصلي!!
مزون فتحت الخزانة لتستخرج سجادتها وجلال الصلاة وترتديه فوق قميصها..
وقفت خلفه ليصليا..
وحين انتهيا التفت لها.. ليضع كفه على رأسها ويدعو..
ارتعش داخلها بخفة شفافة مع تمتمته بالدعاء حتى انتهى..
مد يده حينها ليرفع ذقنها للأعلى.. وهو يهمس بعمق: تدرين إنش لحد الحين ماحطيتي عينش في عيني..
ثم أردف بإبتسامة: صحيح عيوني عسلية.. بس لا تصدقين سميرة لا قالت لش إنها تروع.. عشانها كانت بتموت تبي عيونها عسلية..
مزون همست باختناقها الخجول الملازم لها: أبي أقوم أصلي قيامي..
غانم ابتسم: كلنا بنصلي.. ولا يهمش.. وش ورانا... الليل طويل!!
حينما أنهيا كلاهما صلاتهما ووردهما وكل منهما يدعو بدعاء خاص به..
في هذه الليلة التي لن تتكرر أبدا!!
مزون خلعت جلالها وهي تنظر للمرآة حتى ترتب شكلها..
ابتسم غانم بشفافية وهو يقف خلفها: حلوة وتجننين وتأخذين العقل.. بدون شيء..
مزون توترت أكثر(شكله حافظ كم كلمة مجاملة بيقولها ورا بعض!!)
غانم شدها من كفها برفق وهو يجلسها على الأريكة ويجلس جوارها..
وهو يهمس بحنان: يا الله الحين بتسولفين علي..
ميت أبي أسمع من بين شفايفش سالفة وحدة طويلة..
وأبيش تقولين اسمي بين كل سطر وسطر..!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم HaboOoshy
مزون خلعت جلالها وهي تنظر للمرآة حتى ترتب شكلها..
ابتسم غانم بشفافية وهو يقف خلفها: حلوة وتجننين وتأخذين العقل.. بدون شيء..
مزون توترت أكثر(شكله حافظ كم كلمة مجاملة بيقولها ورا بعض!!)
غانم شدها من كفها برفق وهو يجلسها على الأريكة ويجلس جوارها..
وهو يهمس بحنان: يا الله الحين بتسولفين علي..
ميت أبي أسمع من بين شفايفش سالفة وحدة طويلة..
وأبيش تقولين اسمي بين كل سطر وسطر..!!
مزون حينها همست برقة خجولة وهي تدعك أناملها: أي سالفة؟؟
ابتسم غانم (ماعليه تشجعت شوي!!) : أي سالفة تبينها.. حتى لو بتقولين لي أشلون يسلقون البيض..
حينها ابتسمت مزون بعذوبة.. فهي مهما كان لديها حياؤها الفطري ..فروحها اعتادت على خوض المواقف الصعبة والثقة فيها ..
ولا تريد أن تبدو أمام غانم متصلبة أكثر من ذلك وهي تراه يبذل جهده ..
وخصوصا أنها تشعر بالحرج من حكاية الطقم الذي لم ترتديه.. وهو تقبل العذر بأريحية رغم أنه كان يحق له أن يغضب..
لذا أجابت بذات الابتسامة العذبة الخجولة برقي غير مصطنع:
وإذا كنت ما أعرف أسلق بيض؟؟
ابتسم غانم: تسوقين طيارة وماتعرفين تسلقين بيضة؟!!
ابتسمت وهي تراه يتحدث عن سياقتها للطائرات بعفوية حميمة..
فهذا الموضوع بات من المحضور الحديث عنه في منزلها..
لأن الحديث عنه يستدعي الظروف القاسية التي رافقته.. ولكنه مهما كان يبقى جزءا كبيرا من حياتها!!
ردت عليه بعفوية باسمة: أنت تسوق طيارات من قبلي.. تعرف تسلق بيض؟؟
ضحك غانم: أفا عليش.. حن وصلنا لمرتبة طبخ الكبسة..
لو كان عندنا مطبخ.. كنت وريتش!!
حينها تجرأت أن ترفع عينيها له.. لفت نظرها فيه شيئين.. لون عينيه غير المعتاد لرجل بدوي..وابتسامته..
كانت ابتسامته رائعة بالفعل..
همس لها بدفء: أخيرا تكرمتي تطلين في وجهي.. لذا الدرجة وجهي ما ينتشاهد يعني!!
عادت لإخفاض نظرها بعفوية خجولة.. مد سبابته ليرفع ذقنها بحنان وهو يهمس بدفء عميق:
تكفين مزون.. موب كل شوي تبعدين عيونش عني.. أحس إني تشتت..
مزون اختنقت بالصمت.. كلما حاولت أن تتجرأ قليلا.. وجدت أن جرأته المتزايدة تلجمها..
مد كفه وهو يهمس لها بإبتسامة: زين عطيني يدش.. خلني أركز في شيء..
حاس وأنتي جنبي كني طاير وأرجيلي ماتلمس الأرض حتى!!
مزون منحته كفها ودقات قلبها تتزايد بعنف.. فتح كفها في كفه..
وهو يمرر سبابته عبر خطوط يدها كانت كف مزون ترتعش بينما هو يهمس بعمق:
تهقين لو دورت بين خطوط يدش.. بألقى اسمي..؟؟
لأني كل ما أطل في خطوط يدي يتهيأ لي إني ما أشوف شيء غير اسمش..
مزون همست باختناق: غانم.. بس.. فك يدي الله يرحم والديك..
همس بابتسامة شاسعة مغلفة بعمق عذب: ياحلوه اسمي من بين شفايفش.. وأخيرا حنيتي علي..
حاضر أفك يدش..
وبالفعل أفلت كفها.. ولكنه نقل كفيه إلى شعرها وهو يدخلهما بين خصلاتها ثم يسندهما خلف رأسها ليقربها منه أكثر..
مزون تزايد ارتعاشها وتحجرت الكلمات في حنجرتها..
وهي تراه يقربها حتى وضع أذنها على صدره تماما واحتضنها بحنو وهو يهمس بعمق حاني:
تكفين ما تجفلين.. اسمعي دقات قلبي بس.. خافي الله فيني.. قلبي بيطلع من مكانه.. خلش قريب منه!!
********************************
كان منبه هاتفها يرن لصلاة الفجر بعد أن نامت البارحة مبكرا..
ففهد بعد أن استحم مطولا البارحة.. خرج من غرفة التبديل مرتديا ملابسه وخرج دون أن يقول لها كلمة..
حمدت الله على التخلص منه وهي تأخذ راحتها في الاستحمام والصلاة ثم تنام بكل راحة بعيدا عن ثقل ظله.. وهي فعلا كانت متعبة من يوم أمس المنهك من أوله..
لذا تناولت لها كعادتها الرديئة قرصين من بنادول نايت..
كانت تسمع صوت المنبه يرن.. وهي كما لو كانت تحلم .. وإحساس غريب يحيط بها..
ورائحة عطر فخم اعتادت عليه من بُعد.. تشعر به قريبا.. بل أقرب من قريب!!
عبقه الفاخر اخترق أقصى حويصلاتها الهوائية بدفء خاص..
كانت مازالت تشعر بعدم التركيز.. لتفتح عينيها بصدمة شاسعة حين شعرت بقساوة المخدة التي كانت تنام عليها وعرفت ماهي هذه المخدة..
حاولت أن تقفز.. لتمنعها يد امتدت فوق صدرها لتتناول هاتفها وتغلق المنبه..
وصوته الناعس يهمس: وش ذا النوم كله.. البيت كله سمع صوت المنبه وأنتي ماقمتي!!
جميلة تخلصت من ذراعيه بجزع.. كيف كانت تنام على عضده دون أن تشعر؟؟
" لا بارك الله في ذا البنادول!!"
ثم قفزت بجزع أكبر وهي تتحسس جسدها.. وتتأكد من إغلاق ازرار بيجامتها..
فهد نظر لها باستغراب: أنتي خبلة؟؟ شتسوين؟؟
فهد احتاج له دقيقة ليستوعب ماذا كانت تظن.. رغما عنه انفجر ضاحكا:
صدق إنش خبلة.. أنتي كنتي راقدة بس ماكنتي مخدرة..
يعني خذتش في حضني.. ماعليه.. بس لو صار أكثر من كذا.. كان حسيتي فيه!!
جميلة تشعر أنها ستبكي من ظهورها بمظهر البلهاء أمامه.. وهي من كانت تشعره دائما أنه (الغشيم!!)
جميلة دعت الله بعمق أن يظنها بلهاء... ولا يُرجع بلاهتها إلى انعدام معرفتها!!
حاولت أن تلهيه عن التفكير بسؤالها الغاضب وهي تقفز عن السرير بعيدا عنه:
وأنت أشلون تسمح لنفسك تاخذني في حضنك..؟؟
أجابها ببرود واثق: كيفي.. عندش اعتراض؟؟؟ اشتكيني للأمم المتحدة!!
جميلة تشعر أنها ستبكي منه: احنا مهوب اتفقنا إنك تعتذر لي قبل ما تتجاوز حدودك معي!!
هز كتفيه بثقة: وأنا ما تجاوزت حدودي.. وإذا فكرت أتجاوزها.. لا تخافين بأعتذر لجنابش يا سمو الأميرة...
ثم أردف بثقة أكبر: صلي وجهزي نفسش.. أرجع من الصلاة نطلع المطار!!
جميلة اختنقت تماما: ما أبي أسافر معك الله يرحم والديك.. ارحمني!!
حينها عاد لها لينظر لها نظرة مباشرة ويهتف بمباشرة صادقة:
تكفين جميلة لا تخلينا مسخرة للناس.. وكل لسان يطلع علينا سالفة..
امشي معي ذا المرة.. لو أنا ضايقتش في شيء... أنا بنفسي بأتصل بمنصور وبأقول له تعال خذ جميلة..
**************************************
" يمه.. يمه.. يمه وينش؟؟
.
وين راحت؟؟ نزلت تحت مالقيتها.. والخدامات يقولون إنها نزلت مع عمي زايد لين راح.. وعقبه طلعت..
تكون راحت عند جدي!!"
كاسرة كانت تقترب أكثر لداخل الجناح.. فهي كانت محتاجة لشدة لرؤية والدتها..
فبعد الحكاية المبتورة التي أخبرها بها كساب البارحة ثم صمت كعادته وهي متوترة.. وخصوصا أن الحمل زادها حساسية..
كانت تريد أن ترى والدتها تستمد قوة من قوتها.. فالموضوع أرهقها تماما..
حتى لو كان يستحيل أن تخبر والدتها بشيء!! ولكن رؤيتها داعم معنوي لها..!!
تقدمت بثقة لأنها تعلم أن عمها غير موجود فهو خرج مبكرا جدا مثله مثل كساب!!
لتتفاجأ بصوت التقيء القادم من داخل الحمام المفتوح..
كاسرة اقتحمت الحمام بجزع.. لتجد والدتها تتقيأ والغريب أنها لم تتناول طعاما حتى تتقيأه.. بل كانت تتقيأ عصارة المعدة..
بدا ذلك واضحا لكاسرة التي وقفت خلف والدتها وهي تحاول إيقافها..
أشارت لها والدتها أن تفلتها خوفا عليها من أن تثقل على نفسها وهي تهمس بحزم: بأقوم بروحي.. اطلعي.. بأغسل وأجيش!!
كاسرة خرجت وأخذت قنينة ماء وفتحتها وهي تقف بقلق عند باب الحمام..
حين خرجت والدتها.. همست لها بهذا القلق: يمه وش فيش؟؟
مزنة بثقة غامرة: مافيني شيء.. بس الظاهر البارحة العشاء كان ثقيل علي..
ولحد الحين بطني يوجعني منه!!
كاسرة باستغراب: يمه أنتي ما تعشيتي البارحة في العرس!!
مزنة بذات الثقة: تعشيت عقب مارجعت البيت..
كاسرة بقلق حاني: يمه خلنا نروح المستشفى.. لا يكون معش تسمم..
مزنة بتصميم: مافيني شيء عشان أروح المستشفى..
كاسرة حينها أجابت بتصميم أكبر: خلاص ماتبين تسمعين كلامي.. بأقول لعمي زايد وتفاهمي معه..
حينها تفاجأت كاسرة أن والدتها انفجرت بغضب: كاسرة لو سمحتي.. اسمعي الكلام.. ولا ترادين!!
وزايد يا ويلش تقولين له شيء !! والله العظيم لأزعل عليش!!!
كاسرة تراجعت بصدمة.. وعقلها الذكي يجري بعض الربط والحسابات.. رغم صعوبة التوقع..
حينها همست لوالدتها بنبرة مقصودة:
يمه مهوب المفروض ذا الأيام دورتش الشهرية.. أنا شايفتش أمس تصلين وحن في القاعة..
مزنة زفرت بغضب.. آخر ماكان ينقصها أن تُعمل كاسرة عقلها الذكي..
ومع ذلك همست بثقة متحكمة: دورتي صايرة مهيب مضبوطة.. تدرين السن له أحكام..
كاسرة لم تستطع أن تمنع ابتسامة ما من التسلل لشفتيها:
يمه دورتش طول عمرها مضبوطة مثل الساعة.. وأنتي تدرين زين إنه تو الناس على سالفة.. السن له أحكام..!!!!
مزنة زفرت بإرهاق غاضب وهي تجلس على الأريكة: كاسرة خلصيني وين تبين توصلين؟؟
كاسرة قفزت جوار والدتها.. وهي تقبل كتفها ورأسها وكفيها بسعادة شفافة:
أبيش تعترفين.. كم صار لش؟؟ يا الله اعترفي!!
مزنة زفرت بتأفف حتى تخلص من إلحاحها: بداية الثالث الحين!!
كاسرة حينها تراجعت بصدمة: قبلي حتى.. وماقلتي لي.. ليه يمه؟؟
مزنة ضغطت رأسها بإرهاق: ماقلت لأحد.. أصلا توني تأكدت يمكن من أسبوع بس..
أول شيء تاخرت الدورة.. قلت عادي وحدة في عمري لازم تبدأ هرموناتها تختبص ويمكن الدورة بتوقف..
بديت أحس بأعراض الوحم.. رجعتها لنفس السبب..
مع إنه شيء في داخلي يقول لي (يا الخبلة أنتي جاهلة في أعراض الحمل )..
بس أنا استبعدت السالفة.. كنت لاهية في تجهيز البنات.. وآخر شيء ناقصني أطلع حامل.. والبنات يبتلشون فيني..
ويقولون اقعدي ارتاحي!!
كاسرة بنبرة أقرب للغضب: وهذا صحيح يمه.. توش في شهورش الأولى.. وماحتى ترتاحين دقيقة!!
مزنة زفرت بذات الإرهاق المحرج: كاسرة .. أنا بروحي ميتة من الفشيلة.. لا تزودينها علي.. وش أرتاح بعد؟؟
حينها ضحكت كاسرة وهي تختضن كتفي والدتها وتقبل رأس كتفها وتهمس بسعادة:
حلوة فشيلة ذي يمه.. أنتي جايبته من الشارع.. ؟؟!
طالبتش يمه.. طالبتش... أنا بأبشر عمي زايد.. طالبتش!!
مزنة بجزع: إلا أنا اللي طالبتش ما تقولين لأحد.. لين عرس وضحى على الأقل..
ما أبي أوترها قبل عرسها وهي محتاجتني طول الوقت..
كاسرة باستغراب: زين عمي زايد وش دخله في عرس وضحى.. قولي له وخلي الموضوع بينكم..
صدقيني بيزعل وأنتي مأخره عليه الخبر ذا كله.. متى تقولين له؟؟ وأنتي خلاص بتدخلين الرابع..
مزنة بحزم: خلاص كاسرة.. لا تتدخلين في موضوع ما يخصش..
يعني أمش ما تقدر تأمنش على سالفة؟؟... قلت لش الوقت الحين مهوب مناسب.. انتهينا..
كاسرة ابتسمت وهي تقف : خلاص مثل ماتبين..
كاسرة غادرت وهي تشعر بسعادة حقيقية جعلتها تنسى جزئيا توترها من كساب..
" بيبي يصير أخي أنا وكساب.. ويصير خال ولدي وعمه في نفس الوقت..
أحلى شيء!!"
بينما مزنة تنهدت بعمق وهي تُرجع ظهرها للخلف..
لم تكن تريد فعلا أن تخبر أحدا.. فهي تشعر بحرج عميق.. عميق..!!
ماذا سيقول الناس.. الرجل وابناؤه كلهم نسائهم حوامل؟؟
ويأتي ابنها مع حفيدها!!!
ما كل هذا الإحراج!! حامل وهي تستعد لتكون جدة!!
هي مطلقا لم تكن تخشى اخبار كاسرة.. ولا حتى وضحى..
لكنها تشعر أنها ستموت من الحرج.. حين يعلم تميم..
أ تقول له: أمك حامل؟؟
يا الله .. ماكل هذا الحرج!!!
وبعيدا عن حرجها.. لا تنكر سعادتها.. فمها يكن هذه نعمة من رب العالمين لا ينكر فضلها إلا جاحد ..
بداخلها إحساس شفاف كان ينبئها دوما أن مهابا سيعود لحضنها.. كانت تظنه سيكون حفيدها.. ولكن إحساسها كان أعمق من ذلك بكثير!!
سيكون ابنا.. هي فقط من ستكون أمه..!!
ولكن تبقى المعضلة هي زايد.. تشعر بالحرج من إخباره..
وعلى الجانب الآخر ترى أن الوقت غير مناسب إطلاقا..
البارحة كانت تريد إخباره.. لكنها خشيت أن يظن كما لو أنها تريد أن تقدم له البديل عن ابنته التي ذهبت..
شعرت أنه من حقه أن يعبر عن حزنه لفراق مزون.. لأنها كأنه بإخبارها له في ذلك التوقيت تحرمه من حزنه لتهديه سعادة مبتورة..!!
والسبب الأهم من كل سبب.. هو مشاعر زايد المتقلبة مؤخرا..
تشعر به غير مرتاح.. قلق.. متوتر.. وتخشى ألا يكون استقباله للخبر جيدا..
حينها سيزداد حرجها.. وستتحول فرحتها لمشاعر أخرى ملتبسة تخشى على جنينها من سلبيتها!!
**************************************
مازالا لم يناما منذ البارحة..
أو بالأصح هو من لم يسمح لها أن تنام.. يشعر أنه يريد قرونا يُشبع فيها رغبته في رؤيتها أمامه وسماعه لأحاديثها... ولا تكفيه..
تحدث وتحدث وتحدث وجعلها تتحدث أكثر منه!!
هل تصدق أن الشمس.. تجالسك وتتحدث إليك؟!!
هل تصدق أنك تنفست رائحة الشمس وشعرت بأضلاعها ترتعش بين أضلاعك.. ومازلت لم تحترق!!
أو ربما احترقت.. وما بقي منك هو الرماد!!
كان غانم بارعا تماما في تفكيك حصون خجلها منه..
يتقدم خطوة.. ولا يتراجع أبدا عنها مهما كانت صدمتها منه.. لكي لا يسمح لها بإعادة رصف حصونها..
كان قد انتهى من ارتداء ملابسه.. وينتظرها أن تنتهي لينزلا لكساب الذي أخبره قبل دقائق أنه قادم في الطريق..
وأنه سيشرب بعض القهوة في (لوبي) الفندق حتى ينزلا له إن كانا سيتأخران!!
حين أخبره غانم أن شقيقته هي التي مازالت لم تنتهِ!!
غانم استخرج هدية (صباحيتها) لها من حقيبته..
مثل الطقم الذي تعب في اختياره - ولم ترتديه- تعب كثيرا في اختيار هذه الساعة..
ويريد أن يلبسها إياها بنفسه!!
كان يقف قريبا من التسريحة لتلفت نظره ساعتها التي خلعتها البارحة ووضعتها هناك..
رفعها لينظر لها..
لا يعلم لِـمَ شعر بحزن غريب ما.. أن تقارن بين هديته وهذه الساعة التي يعلم أن سعرها لا يقل عن عشرة أضعاف ساعته وربما أكثر بكثير!!
فاسم ماركة الساعة كان يخشى من مجرد الاقتراب له وهو يبحث عن ساعة لها..
قد تكون حالته المادية جيدة جدا.. ولكن ليس إلى درجة التفكير حتى من الاقتراب من أبعد حدود هذه الماركة المرعبة..
" هذي هدية عرسي من إبي !!"
كانت تهمس له برقة وهي تراه ينظر لساعتها وهي مازالت تقف عند باب الحمام ملتفة بروبها..
ابتسم لها بشفافية: كنت أقول لنفسي يمكن صباحيتش ماتعجبش عقب ذا الساعة!!
مزون اقتربت وهي تهمس بلباقة رقيقة: أولا ماكان فيه داعي تكلف على نفسك بهدية..
ثانيا دامك جبتها.. أكيد بتعجبني.. كفاية إنها منك!!
ابتسم غانم وهو يمدها بالكيس.. فتحت العلبة الأنيقة لتكشف عن محتواها.. ابتسمت برقة: تجنن وبدون مجاملة.. وبألبسها الحين وراح أحطها أبد!!
ابتسم غانم بسعادة (والله إنها تاخذ العقل.. الله لا يحرمني منها) هتف بمودة غامرة:
عطيني يدش..
مدت يدها ليلبسها الساعة.. ثم رفع يدها لشفتيه ليغمرها بقبلاته الوالهة وهو يهتف بولع: الحين أصلا زاد حلاها..
ثم هتف وهو مازال يمسك بكفها بين كفيه: يا الله استعجلي في اللبس..
عشان كساب ينتظرنا تحت..
حينها شدت يدها برقة من بين يديه وهي تهمس بعتب رقيق:
وليش مادقيت علي الحمام تقول لي..؟؟
وكم صار له ينتظر.؟؟ ياقلبي ياكساب أكثر شيء يكرهه ينتظر حد..
ضحك غانم: هذا كله تحاتين أخيش..
أنتي اللي أخرتيه.. أنا خالص من زمان..
مزون ياستعجال: خمس دقايق وأخلص.. تكفى غانم انزل له.. لا تخليه قاعد بروحه..
لا خلصت دقيت عليك!!
غانم بمرح: والله مهوب شغلي.. أنا عريس وبأقعد مع مرتي..
خله ينقع تحت ويعصب..
مزون حينها همست برقة أقرب للبكاء: تكفى غانم عشان خاطري..
ابتسم غانم بمودة: دام قلتي عشان خاطري.. تراني رحت في خرايطها..
حاضر.. أبشري.. ننزل لأخيش عشان ما نخرب مزاجه!!
**********************************
" ها عبدالرحمن وش رأيك؟؟"
عبدالرحمن ينظر للعصا المربعة التي يتم الاستناد عليها من الناحيتين والتي أحضرتها له عالية ويهتف بضيق:
ياقلبي تعبين نفسش على غير فايدة ..
عالية بابتسامة مرحة: بلاها حركات الكسلانين.. أنت الحين وش كثر تتحرك بين الحواجز الثابتة وتعودت عليها..
بنسوي تغيير بسيط وتصير الحواجز متحركة شوي.. استخدمها داخل البيت على الأقل بدل الكرسي..
ابتسم عبدالرحمن: حاضر يادكتورة عالية.. مع إني ما أشوف نفسي استفدت شيء إلا إن ذرعاني عضلت.. من كثر ما أشيل عليها ثقل جسمي كله....
وأرجيلي معطيها إجازة..
ضحكت عالية وهي تتحسس ذراعيه: ذرعان باباي عقب السبانخ.. ماعليه اسمها فايدة..
هاهما كعادتهما يتبادلان المرح والنكات.. ويحاولان ألا يشغلان بالهما كثيرا بما يشغلهما فعلا..
لماذا لم يمشِ عبدالرحمن حتى الآن؟؟؟
**********************************
" وضحى وش مقعدش هنا بدري كذا؟؟
أنا الله يعيني قايمة مع (بيل غيتس) لا يغيب يوم عن الشغل اعتفس سوق الكومبيوترات.. وانهارت الميكروسوفت..
أنتي وش مقومش؟؟"
وضحى تنظر لسميرة باختناق.. فهي بعد زواج مزون بدأت العد العكسي لزواجها..
همست بذات النبرة المختنقة: أرسلت مسج لمزون عشان أكلمها.. أدري إن طيارتها بدري.. وأبي أسلم عليها قبل تروح!!
ابتسمت سميرة وهي تجلس جوار وضحى: حتى أنا أرسلت رسالة للكابتن.. ولحد الحين ماعبرني.. أبي أكلمه أرجع انخمد..
سبحان الله يا وضحى لو شفتي بس أشلون كان يطالعها البارحة.. كأنه مهوب مصدق إنها قدامه..
عقبالش يوم تطير عيون نويف فيش..
وضحى بذات الاختناق: تكفين سميرة بلاه ذا الطاري.. بروحي من البارحة متوترة..
كنت حاسة إنه عرس مزون مسوي حاجز قدامي.. والتركيز كله عليها..
الحين مزون عرست وخلصت.. وماعاد فيه حاجز قدامي..
متوترة بشكل..
سميرة ببساطة: وليش ذا التوتر؟؟ مافيه شيء يستاهل..
وضحى بذات توترها المتزايد: إلا وش اللي يستاهل..
نايف وأكيد ماخذ مني موقف عقب الموقف السخيف اللي سويته فيه..
وحتى لو ماكان ماخذ موقف.. ماشاء الله سمعة خواته القشرات ضاربة التوب..
وش كثر كانت شعاع تسولف وش كانوا يسوون في جوزا..
أشلون الحين في مرت أخيهم الوحيد..؟؟
ليتني سمعت شور أمي وكاسرة يوم قالوا لي فكري بعد..!!
سميرة شدت كف وضحى بحنان ومؤازرة: بلا سخافة... ترا أي عروس عرسها يقرب.. تطري عليها ذا الطواري..
تعوذي من أبليس ولا تكبرين سالفة ما تستاهل..
*************************************
" مابغيتي تفكين أخيش..
خايفة أخطفش وإلا أكلش يعني؟؟"
مزون ترد على مزاح غانم باختناق متزايد: تكفى غانم.. لا تزيدها علي..
تراني على طريف.. وأبي لي سبب عشان أبكي..
غانم يشد كفها ليحتضنها بحنو: فدوة لدموعش أنا.. خلاص باسكت..
مزون بحرج: غانم فك يدي.. احنا في قاعة الانتظار.. وأنت معروف هنا في المطار..
غانم يتلفت حوله في صالة انتظار الدرجة الأولى الخالية في هذا الوقت المبكر من الصباح ويهمس بابتسامة:
من اللي بيشوفنا؟؟ الطوف وإلا الطاولات..؟؟
ولو حد شافنا.. ماعلي من حد.. اللي عنده ريال يقطعه.. مرتي وكيفي..
مزون صمتت وهي تحاول إبعاد تفكيرها عن أهلها واشتياقها المتزايد لهم منذ الآن..
ولكن غانم لم يسمح لها بالابتعاد عن أجواءه وهو يهمس لها بدفء:
يعني ما سألتيني وين بنروح للحين؟؟
حاولت مزون أن تبتسم: أنت قلت مفاجأة..
ابتسم غانم: وماصار عندش فضول تعرفين المفاجأة؟؟
حينها ابتسمت مزون بشفافية: بنروح هولندا.. صح؟؟
ضحك غانم: يالنصابة.. شفتي التذاكر وإلا البوردنغ؟؟
ضحكت مزون برقة: لا هذا ولا هذا.. بس شكلك نسيت إني كابتن سابق أو بمعنى أصح كابتن مع وقف التنفيذ..
حسبة بسيطة لمواعيد الرحلات اللي شفتها.. وعرفت وين بنروح..
بس وش معنى هولندا..؟؟
غانم بأريحية حميمة: وش أسوي؟؟ كل ماسألت أخوانش عن مكان.. قالوا لي رحتي له..
وأنا أبي أوديش مكان تشوفينه معي للمرة الأولى..
وهولندا فعلا جمالها فوق الوصف.. بتعجبش وعلى ضمانتي!!
*************************************
رحلة أخرى تحط ركابها..
وهاهما يعودان إلى غرفتهما في ذات الفندق..
حين دخلتها شعرت بأنفاسها تضيق وتضيق لدرجة العجز عن التنفس..
" آخر مرة أحكم عقلي على حساب نفسيتي..
حتى لو ولع لي أصابعه العشر شمع..
ماراح أرجع معه عقب عرس خاله!!"
فهد هتف لجميلة بسكون: وش فيش؟؟
جميلة خلعت عباءتها وهمست باختناق: مافيني شيء.. بس تعبانة أبي أنام..
أجابها بحزم: سكري الباب على نفسش.. ونامي على كيفش.. أنا طالع التدريب..
جميلة بصدمة: فهد أنت لك عبارت 3 أيام ما نمت حتى ساعتين ورا بعض..
فهد بذات الحزم: لا رجعت ارتحت!!
فهد توجه للباب.. وهي تبعته حتى تغلقه بالقفل خلفه..
قبل أن يفتح الباب.. نظر لها نظرة غريبة مثقلة بالمعاني.. وقبل أن تستوعب أي شيء.. كان يشدها ليحتضنها بكل قوته..
جميلة لشدة صدمتها لم تستوعب أي شيء حتى بدأت أضلاعها تؤلمها..
همست حينها بألم: فهد فكني تكفى.. آجعتني..
أفلتها بحدة أقرب للجزع.. فهو لم يتوقع أنها آلمها حتى صدرت آهة الألم عنها..
حالته باتت مزرية فعلا..
فهو بات كالعطشان الذي أمامه نبع الماء الصافي العذب.. ومع ذلك يرضى بقطرات شحيحة..
والمأساة أن القطرات لا ترويه مطلقا بل تزيده عطشا!!
خرج من فوره دون أن ينطق بكلمة.. وجميلة أغلقت الباب بخوف ثم جلست على الأريكة وهي تحتضن نفسها وترتعش بعنف!!
متوترة وخائفة.. وقبل ذلك كله.. مجروحة.. وجرحه في داخلها ليس بالجرح البسيط ولا الهين!!
**************************************
بعد 5 أيام
.
.
.
" حبيبتي ركزي معي شوي..
من كساب لعلي لأبيش.. والحين عمش منصور وخالتش..
وكل واحد منهم تقعدين معه ساعة..
وأنا قاعد أعد الذبان!!"
مزون ابتسمت وهي تعيد هاتفها لحقيبتها: يا النصاب وين الذبان؟؟
لو قلت النحل صدقتك..
صدق صدق الحدايق هنا خيال..
ابتسم غانم وهو يشد على ذراعها: كان خاطري تشوفين حدائق الكينوكهوف..
شيء فوق الخيال.. بس ماتفتح للزوار إلا في شهور الربيع..
أنا صدفتها مرة وحدة في رحلة من رحلاتي... حسبت نفسي رحت في عالم ثاني..
جنة الله في الأرض صدق..
ابتسمت مزون وهي تحتضن عضده: خلاص باقي لي قي ذمتك زيارة لهولندا في الربيع..
مهوب تشوقني بدون ماأشوف..
غانم يهتف بأريحية: أبشري.. من عيوني الثنتين.. نبي الرضا بس..
ثم أردف بابتسامة: ونبي بعد تنسين تلفونش شوية!!
*************************************
دخلت عليه لتجده أمام دولابه الذي بات يمثل لها حكاية رعب تكرهها..
وجدته يستخرج ملابسه وهذه المرة وضعها على السرير دون أن يخبئها في أكياس قاتمة تخفي محتواها..
اقتربت وهي تشعر باختناق كاتم.. لأنه لا يفتح هذه الخزانة إلا لأنه سيسافر..
همست بسكون: بتسافر.. صح؟؟
همس لها بسكون: بسافر بس مهوب السفر اللي في بالش..
عندي توقيع عقد صار لي فترة مأجله.. ولازم أروح..
يوم يومين وراجع..
همست بتوتر لا تعلم سببه: زين ليش مطلع الملابس هذي..
أجابها ببساطة: لأنها تبي غسيل.. المرة اللي فاتت مالحقت أغسلهم..
حينها تجرأت أكثر : تبيني أغسلهم؟؟
أجابها بذات البساطة: لا تعبين نفسش.. لهم مغسلة خاصة..
باتت تستغرب منه.. ما الذي حدث ليبدأ بتفكيك بوابات غموضه هكذا..
نظرت للملابس العسكرية المتعددة الألوان خلفه.. والتي تحمل كلها شعار الصاعقة القطرية ولكن دون اسم أو رتبة..
وهي مستغربة تماما.. إن كان منضما للجيش.. فلماذا يخفي هذا الأمر؟؟
أمر لا يستحق أن يُحاط بهكذا سرية!!
وهمست بجرأة أكبر: ليش ماعليهم رتبة ولا اسم؟؟
أجابها بذات البساطة: اسم وإلا رتبة لو كنت عسكري.. بس أنا ماني بعسكري..
حينها تراجعت بجزع: وليش تستخدم لبس الصاعقة دامك منت بعسكري..؟؟
لا تكون........
ابتسم: قبل ماتسوين تأليفات وأفلام.. ماحد يقدر يلبس لبس الصاعقة من وراهم.. لا تحاتين ذا النقطة!!
كاسرة شعرت بالتشوش: مافهمت صراحة..
كساب مازال محافظا على ابتسامته المتكمنة: خليني أضرب لش مثل..
لو أنتي الحين كرئيسة قسم.. جابوا لش وحدة ماعندها ثانوية حتى..
بس عبقرية إدارة..ومستواها في العمل أحسن من مستواش
ويبون يحطونها رئيسة عليش... توافقين؟؟
كاسرة لا تعلم ماذا يريد من هذا المثل ومع ذلك أجابته بثقة: لا طبعا..
لأنه فيه شيء اسمه السلم الوظيفي .. وإلا بتصير الدنيا فوضى!!
ابتسم كساب ابتسامة أوسع: شاطرة.. وصلنا خير..
الحين البنت هذي ممكن الإدارة عندكم يجيبونها كخبير خارجي بدون ما يعطونكم أي خبر عن مؤهلاتها.. لأنها أساسا مالها ملف عندكم..
وتجي وتسوي تغيرات عندكم.. بدون ماحد يفتح ثمه.. لأنها خبير وأنتم تتوقعون إنها أكيد الحين معها دكتوراة إدارة.. ولها خبرة 20 سنة..
كاسرة حينها بدأت تفهم ما يقصد وهي تهمس كأنها تحادث نفسها:
وأنت الصاعقة تبي تستفيد من خبرتك اللي ما أدري من وين جبتها.. بس أنت ماعندك شهادة عسكرية..
ولا مريت بمراتب السلم العسكري..
وكون إنك تدرب مثلا معناها إنك بتتجاوز رتب كبيرة.. ولو ذا الرتب عرفوا من أنت فعلا بيسوي هذا شوي بلبلة!!
كساب مال ليقبل أرنبة أنفها وهو يهمس بمرح: مهوب خسارة فيش رئيسة قسم.. مخش نظيف!!
وما يحتاج أقول لمخش النظيف إن هذا توب سيكرت..
كاسرة شعرت أن قدميها لا تحملانها حتى وهي تجلس على طرف السرير..
وتراه يجمع ملابسه ويضعها كلها في حقيبة رياضية تعلق على الكتف..
مازالت عشرات علامات الاستفهام تدور بين جنبات رأسها كالمطارق وهي تشعر بصداع فعلي مؤلم..
لكنها قررت ألا تسأل عن شيء.. فهي حفظت الدرس..
لا تستعجله لإخبارها بشيء.. فالمعرفة ستأتيها لوحدها..
وكم باتت تخشى انكشاف الحقيقة كاملة!!
وكل جزء منها يبدو مرعبا لأبعد حد.. فكيف ستبدو عند اكتمال الصورة؟؟
**************************************
" والله إنش مزودتها نجلا
صالح متضايق.. عبدالله يقول لي"
نجلا بضيق: يعني هو متضايق وهو سوا اللي في رأسه .. وأنا ما يبيني أتضايق..
جوزاء بتردد: نجلا لا تزعلين مني.. بس أظني أنا وأنتي علاقتنا مافيها مجاملات..
بصراحة أحيانا أحس إنش تدورين على اللي يضايق صالح لأنش عارفة وش كثر هو يحبش!!
كأنش تبين دوم إثبات على حبه لش.. وإنش مهما وصلتيه أخره بيظل يداري خاطرش..
وعشان كذا أنتي متضايقة إنه مامشى شورش في اسم البنت.. مع أنه الاسم مافيه شيء.. بس أنتي كنتي تبين تفرضين رأيش وبس!!
ويوم شفتيه لزم عليه... تبين تحسسينه بالذنب!!
نجلا بصدمة: لذا الدرجة أنا شينة في عينش يأم حسن؟!!
جوزا بمودة: لا تحورين السالفة.. تدرين بغلاش.. بس مشكلتنا يا الحريم لا درينا بغلانا.. ماكفانا.. دايما نبي زود..
تنهدت نجلا: السالفة مهيب كذا.. أنا بصراحة اللي مضايقني اهتمامه الزايد بالبنت..
قلت يمكن مغليها من غلا الاسم.. خلني ألزم أغيره.. يمكن يتعدل بس مافيه فايدة..
صالح أهملني وأنا محتاجته.. قلت الشكوى لله..
بس أهمل عياله بعد.. يعني الحين حن في إجازة والعيال مقبلين على مدارس..
لا عاد طلعهم مثل باقي بزارين خلق الله وأنا نفاس وبيدي بزر وما أقدر أطلعهم.. وماتوا من الضيقة في البيت..
الحين صار لي فترة أقول له خذهم فصل لهم ثياب.. كل يوم يقول لي بكرة..
خذهم جيب لهم أغراض المدرسة.. يقول لي بكرة..
وبكرة هذا ما يأتي!!
وأنتي تظنيني ميتة على الغلا.. الله يرحم أيام الغلا..
جوزا شعرت بحرج شديد.. بالفعل من يده في الماء ليس كمن يده في النار.. ومن يعطي نصايح من رخاء ليس كمن يعاني الشدة..
همست جوزا بذات الحرج: وليش ماقلت لي.. عبدالله حاضر يوديهم وين ما يبون!!
نجلا تنهدت بحزم: عبدالله عمهم وعلى رأسهم..بس مهوب ملزوم فيهم... إبيهم موجود وهو المفروض اللي يلتفت لعياله..
وخصوصا وهو شايف وضعي مايسمح لي!!
**********************************
بات لا يحب مطلقا أن يبقى هو وإياها في غرفتهما في الفندق..
وجميلة سعيدة أنها تخرج خارج أسوار هذا السجن الذي تمل منه حين يكون هو في التدريب..
وتخشى مثله من البقاء فيه لأنها باتت تعلم أنه يتحرق للمسها بأي طريقة..
حينا لمسات عفوية وأحيانا كثيرة أبعد ما تكون عن العفوية!!
ولكن إن كانت هي تقضي معظم وقتها وهو غائب في الراحة لذا تكون مستعدة للخروج حين يعود..
فهو على عكسها.. مستنزف من التعب على الدوام!!
ولكن هذا هو ما يريده.. وجودهما خارجا وبين الناس يحميها منه.. ويحمي كبريائه الذي يرفض الاعتذار..
فهو يشعر كما لو كانت تريد أن تذله وتمتهن كرامته لتعاقبه!!
سبحان الله.. كم يتمنى لو تعود الأيام قليلا ليمسك بلسانه قليلا!!
وكم يصبح اللسان عدو صاحبه!!
لو أنه أمسك بلسانه قليلا لم يكن ليعاني الآن ما يعانيه!!
وهاهو اليوم مشنوق على مشانق كلماته بالأمس.. والمآساة أنها كلماته هو.. ولا يستطيع التبرؤ من وزرها..
بشكل عام...
باتا يتحدثان كثيرا.. بحكم الزمالة ليس إلا.. فليس أمام كل منهما إلا الآخر.. والاعتياد يدفع الإنسان دائما للبوح!!
كانا يجلسان على الطاولات المحاذية تماما للنيل في مقهى قصر النيل..
الجو صاخب تماما بركض الأطفال بين الطاولات رغم تأخر الوقت!!
همست بجميلة برقة : ماتبي نرجع؟؟ عندك تدريب بكرة بدري؟؟
أجابها بسكون: شوي.. نص ساعة ونمشي..
جميلة بذات الرقة: فهد ترا لو بغيت تسهر مرة مع ربعك اللي هنا.. عادي..
نظر لها نظرة مباشرة: مليتي مني؟؟
جميلة تنهدت: أنا ما أدري من وين تجيب أفكارك..؟؟
كل السالفة إني حاسة إني رابطتك معي بزيادة..
هتف بنبرة مقصودة: اللي أشوفه إنش مبعدتني..
ردت عليه بذات النبرة: أنا ما أبعدتك.. أنت أبعدت نفسك بنفسك..
حينها وقف وهو يهتف بنبرة حازمة: قومي نمشي!!
جميلة باستغراب: توك تقول بنقعد شوي!!
فهد بذات الحزم: غيرت رأيي.. بأوصلش الفندق.. وبأروح أسهر عند ربعي..
مهوب أنتي تبين كذا؟؟
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم HaboOoshy
" شأخبار مزون؟؟ كلمتها اليوم؟؟"
ابتسم زايد حين ورد اسم مزون: كلمتها... بترجع بعد 3 أيام لأنها تبي تحضر عرس وضحى..
ابتسمت مزنة: الله يونسك يالعافية.. بتستانس وضحى واجد لأنها كانت تحاتي إن مزون ما تحضر عرسها..
سأل زايد باهتمام: وضحى عسى مافيه شيء قاصرها؟؟
ابتسمت مزنة: جعلك سالم.. مهوب قاصرها شيء..
هتف زايد بأريحية: أبي أجيب لها هدية بس ما أدري وش اللي في خاطرها..
مزنة بمودة: لا تجيب لها شيء.. كل شيء عندها وما تبي إلا سلامتك!!
هتف بإصرار: هديتها بتجيها وكيفها فيها..
مزنة مالت لتقبل جبينه وهي تهمس بمودة صافية: الله لا يحرمنا منك!!
تنهد بعمق وهو يرى مزنة تعود لتتحرك في أرجاء الجناح.. ترتب ملابسه التي قاطع عملها فيها دخوله عليها قبل دقائق..
يعد الأيام المتبقية على زواج وضحى.. ويراها تركض كلمح البصر لأنه يعلق قرارا ما على موعد الزواج..
قرار يؤخره..
ويتمنى لو لا يصل وقته أبدا.. وكلما مضى يوم.. شعر أن الشمعة التي تدفئ حياته تذوي أكثر!!
وهي كذلك تعد الأيام المتبقية على زواج وضحى بتوتر لأنه تريد إخباره بما لديها وتخشى ردة فعله..
تعلم أن من هو في تدين زايد ورجولته لن يظهر مطلقا امتعاضه من حملها وهو ختاما نعمة من رب العالمين!!
لكنها تخشى من مشاعر سيخفيها في أعماقه..
مشاعر تخشاها بعمق وتوجس غامرين...
تعلم منذ بداية زواجها أن زايد مازال يحلم بمزنة قديمة وقفت حاجزا بينها وبين زايد الآن..
فهو أغرقها بفيض مشاعره في أيامهما الأولى..
لأنه مازال يتخيل شبح مزنة القديمة.. واراد أن يرتاح من وطأة مشاعره المتجذرة منذ سنوات..
لكنه اكتشف سريعا مزنة جديدة شح عليها بمشاعره!!
وهي بذكائها وحساسيتها فهمت ذلك كله... وتقبلته كله..؟؟
فلطف تعامله... ورقة تصرفاته الممزوجة برجولة صميمة جعلها تتقبل كل شيء منه!!
ولكن هل سيقبل زايد الآن بطفل يربطه أكثر بمزنة اليوم؟؟!!
********************************
أوصلها للفندق وغادرها فعلا..
تشعر بالندم على اقتراحها.. لأنها تشعر الآن بالخوف.. والوقت تأخر كثيرا..
هاهي تجلس على سريرها متوترة.. وخائفة.. بعد أن أنهت صلاتها ووردها وهو مازال لم يحضر..
كانت تريد أن تتصل به ولكنها ترددت حتى لا تحرجه بين أصدقائه فيجد ذلك عذرا ليصب جام غضبه عليها...
أرسلت له رسالة:
" فهد انا أبي أنام.. بتتأخر أكثر؟؟"
جاءها رده سريعا:
" نامي.. أنا بتأخر شوي!!"
جميلة زفرت بغيظ وهي تتمدد على يمينها وتكثر من قراءة الأذكار حتى غفت من التعب دون أن تشعر..
لتصحو بجزع حقيقي على رفرفة قبلاته الملتهبة تغمر وجهها وعنقها وأذنها وهو يهمس بصوت كالأنين المحترق في عمق أذنها:
آسف وآسف وآسف..
قلبها قفز لحنجرتها رعبا..وهي تعتدل جالسة وتحاول إبعاده عنها وتهمس باختناق مرعوب:
فهد الله يهداك.. اصبر شوي.. خل نتكلم..
هتف بذات النبرة الموجوعة المثقلة بالأنين.. وهو يشد كفيها ليلصقها بصدره بعد أن غمرها بلهيب قبلاته :
ما أبي أتكلم.. اعتذار واعتذرت.. وش تبين أكثر؟؟
حرام عليش ذليتي طوايفي كلها..
وش تبين أقول بعد..؟؟
أقول إني غبي وما أفهم شيء؟؟.. هذا أنا قلتها..
أقول إن حكي الواحد على البر غير لما تحرقه النار؟؟.. هذا أنا قلته!!
خلاص ارحميني..
أنتي وش جنسش؟؟.. ما حسيتي حتى بربع اللي أنا حاس فيه؟؟
جميلة بدأت تبكي وترتعش بعنف: وأنت وش حاس فيه؟؟
مجرد رغبة في جسد.. عقب ما نحرت الروح..
فهد بأسى: جميلة ليش تقولين كذا؟؟
كني حيوان قدامش.. هذا الجسد له شهر قدامي ليش الحين بس بغيته؟؟
جميلة تنهمر بغضب وخوف وأسى أعمق وأعمق:
قبل كنت قرفان منه.. شايف نفسك عليه..
أجابها بتثاقل.. وهو يبتعد عنها ليقف : وليش الحين ماصرت قرفان..؟؟
وش اللي تغير؟؟
ما سألتي روحش؟؟
ليش الحين أبي الجسد اللي كنت مقروف منه على قولتش؟؟
صمت لثانية ثم أردف بتثاقل أشد: لأني خلاص ماعاد لي صبر على الروح...
روحش خلت كل شيء منش في عيني حلو وطاهر ونقي..
بس أنتي لا عطيتيني روح ولا جسد..
كل شيء بخلتي به..!!
أجابته بين شهقاتها التي تزايدت بهستيرية: بخلي رد على بخلك... وأنت راعي الأولة..
ابتعد عنها أكثر..
ليجلس على الأريكة ويدفن رأسه بين كفيه بأسى عميق..
حتى متى هذا الألم؟؟ حتى متى؟؟
كل واحد منهما معتصم بمكانه يجتر حزنه الخاص الذي تراكم وتراكم حتى خنق الروح وسربلها بالسواد!!
حتى ماعادت تجد منفذا !!
***************************************
" حبيبتي جهزي شنطتي .. بكرة باسافر!!"
شعاع استدارت بجزع وهي تضع المشط الذي كانت تمشط به شعرها على التسريحة.. لتقف متوجهة نحوه وهي تهمس بذات الجزع:
ليه حبيبي؟؟
ضحك علي ضحكة قصيرة: السؤال يكون وين؟؟ مهوب ليه؟؟
شعاع بتأثر: مايهمتي وين بتسافر.. أنا ما أبيك تسافر عشان كذا أسألك ليه؟؟
ضروري هو ذا السفر يعني؟؟
علي شدها من كفها ليجلسها على قدميه بشكل مائل وهو يحتضن خصرها.. ويهمس بحنان: مامليتي مني شهرين وأنا مقابلش..؟؟
شعاع طوقت عنفه وهي تسند رأسها لرأسه وتهمس برقة متاثرة: لو قابلتك عشرين سنة مامليت..
تبيني أمل من شهرين؟؟..
علي بحنان غامر: حبيبتي هي بس يومين.. بأروح مع كساب للندن...
كساب يبي يوقع عقد..
وأنا أبي أسوي شوي فحوص.. أشيك على وضع الكبد عندي عقب العلاج..
شعاع بخجل: زين ما يصير أنا أسافر معك.. ؟؟
علي ابتسم: لا طبعا ما يصير.. رحلة طويلة وأنتي توش في شهورش الأولى..
ثم أردف بذات الابتسامة وهو يتحسس بطنها: خايفين على زايد الصغير!!
تحاول أن تجاريه في مرحه فتجد نفسها عاجزة حتى من مجرد الابتسام..
حينها أردف هو بذات المرح الشفاف: خلاص فاضل الصغير ولا يهمش..
ولا تزعلين!!
شددت احتضانها لعنقه وهي تهمس في أذنه بدفء: يومين بس.. بدون زيادة..
وإلا والله لأطلع لك أنا لندن..
******************************
هل هو الآن يحاول إشعارها بالذنب..؟؟
غادر لتدريبه صباحا ثم عاد.. دون أن يوجه لها كلمة واحدة طوال اليوم..
بل حتى دون أن ينظر لها!!
وكأنها غير موجودة معه في الغرفة!!
تزفر وهي تنظر له وهو مستغرق في النوم منذ ساعات كما لو كان قتيلا!!
لا تنكر أنها تفتقد نظراته اللاهبة لها طوال الأيام الماضية..
وهي تشعرها بإحساس أنثوي يقفز بها إلى الذروة!!
ولا تنكر أيضا أنها تشعر بشيء من الذنب.. فهي طلبت منه اعتذارا فقط..
وهو قدم الاعتذار.. ولكنها تجاوزت الرغبة في الاعتذار.. إلى الرغبة في الانتقام..
بالفعل أرادت أن تنتقم منه على كل كلمة جرحها بها..
وهو لم يقصر مطلقا في الكلمات الجارحة!!
ولكنه هذه المرة كان صادقا في وعده.. وهي لم تكن صادقة..
وعدها أنه لن يضايقها إن عادت معه.. وبالفعل لم يضايقها!!
وهي وعدته أن تمنحه ما يريد إن اعتذر.. ولم تمنحه شيئا مع انه اعتذر!!
تنهدت بشجن وهي تكثر من الاستغفار..
" سامحني ياربي.. أدري ذنبي كبير إني رديته!!
بس القهر مايرضيك..و إني أعطيه نفسي وأنا مقهورة ومذلولة منه!!"
تحاول إبعاد فكرة الذنب عن رأسها لتجدها تتعاظم وتتعاظم..
حتى تكاد تصبح هي كل تفكيرها!!
وكم يقودنا الإحساس بالذنب للقيام بتصرفات نكون غير مقتنعين بها!!!
**************************************
" قلت يومين بس؟؟"
ابتسم كساب وهو يميل ليقبل جبينها: يومين بس!!
أصلا مزون بترجع بعد يومين.. ولازم أكون موجود!!
تراجعت كاسرة وهي تهمس بنبرة ساكنة تخفي خلفها انكسارا ما: إيه؟؟ مزون؟؟ الله يردكم كلكم بالسلامة...
كساب عاود شدها قريبا منه.. ليحتضنها بعمق وهو يهمس في أذنها بذات العمق:
أنا وصيت إبي يخلي تلفونه على طول مفتوح..
حلفتش بالله إنش لو تعبتي في الليل تتصلين له!!
همست كاسرة بسكون: لا تحاتيني.. إن شاء الله كل شيء زين..
شدها بين أضلاعه بشكل أقوى وهتف بحزم: لا.. احلفي تتصلين له تعبتي!!
حينها لم تستطع أن تهمس إلا بتأثر وهي تنسى تفضيله لمزون الذي جرحها:
كساب لا تكون سفرتك أكثر من يومين.. ليش ذا الوصايا كلها؟؟
ابتسم وهو يفلتها: يومين بس بمشيئة الله.. بس أنا أحاتيش..
لأنش أكثر الليالي تتعبين!!
مدت أناملها لتمسح على عارضه برقة: لا تحاتيني.. ولو تعبت. والله لأتصل في عمي زايد!!
***********************************
هذه المرة ذهبت معه إلى المستشفى لزيارة ابنتها.. بعد أن كانت تتعمد أن تذهب في وقت ذهابه لعمله!!
تشعر أن وجوده يشكل حاجزا بينها وبين الإحساس بابنتها كما هي تحس بها فعلا..
ولكنها حاولت هذه المرة أن تتقرب منه باشتراكهما في رؤيتها معا..
لا تعلم هل هو فعلا يشعر بالصغيرة أكثر منها... أو هو من يحرص على إشعارها بذلك..؟!!
كان يتحدث مع ابنته كما لو كانت تسمعه وتفهمه.. بينما هي تشعر كما لو أنها ضيفة شرف في مشهد تمثيلي ما..
تشعر به بعيد جدا عنها...
وتشعر بالمرارة تتزايد في حناياها..
تنظر لجسد الصغيرة الهزيل الخالي من الحياة.. بينما صدرها الآن يؤلمها من تدافع الحليب في ثدييها..
وتعلم أنها حتى لو خرجت من المستشفى لن تتقبل الرضاعة من صدرها بعد أن اعتادت على الرضاعة من الزجاجة..
شعور مؤلم لأبعد حد.. أن تريد بكل مافيك من القوة أن تمنح صغيرك عبق روحك وأنت تغذيه من جسدك..
بينما هو يرفض هذا القرب والغذاء..
ألم شاسع لا يعرفه إلا من يعانيه!!
نجلا همست باختناق: صالح.. خلنا نمشي.. تأخرت على غانم وصدري صار يوجعني من الحليب!!
شوي ويسرب من ملابسي...
صالح مبهور بمعجزته الصغيرة يهمس لها بخفوت كأنه يحادث نفسه وعيناه معلقتان بابنته:
دقايق بس!!
*****************************************
" تميم شوف لك حل مع شغلك..
قلت لي هذا موضوع يبي تفكير..
خليتك تفكر مثل ماتبي ولا شيء تغير!!
تميم يعني أنا ما أستحق منك شوي اهتمام؟؟"
تميم شد اناملها ليقبلها ثم أشار بمودة: يا قلبي يا حبيبتي.. الاهتمام كله لش!!
سميرة أشارت بعتب: كله كلام!! كله كلام!!
وين الإثبات؟؟
تميم أنا صرت أعرف شغلك زين.. وأدري إن دوامك الطويل ذا كله ماله عازة!!
يعني لذا الدرجة ماتبي تقعد معي!!
تميم بعتب أعمق: ليش تقولين كذا سميرة؟؟ يعني تشكين في حبي لش!!
سميرة بحزن: والله اللي أشوفه قدامي يخليني أشك!!
تميم حينها أشار بعتب ممزوج بالحزن: عشان تدرين من اللي يحب الثاني أكثر..
شهور وشهور وأنتي تسحبين فيني كني كلب.. ساعة تصديني وساعة تقربيني!! وأنا صابر!!
والحين منتي بمستحملة أسابيع لين أرتب وضعي بس!!
سميرة بصدمة: لا تميم.. لا تقلب في الدفاتر القديمة.. احنا قررنا ننسى.. ونبدأ صفحة جديدة..
ثم أردفت بحزم رقيق: أنا أبيك من الحين ترتب وضعك.. بكرة بيصير عندنا عيال مايستحقون بعد شوي من اهتمامك!!
أجابها بعفوية: إذا جاووا العيال يحلها الحلال..
حينها امتلئت عيناها بالدموع فجأة: تميم أنت تعايرني عشاني ما حملت؟!!
هذه المرة كانت الصدمة من نصيب تميم: وش ذا الكلام حبيبتي.. ألف مرة قايل لش.. تو الناس على سالفة الحمل..
وليش أعايرش ياقلبي.. يمكن يكون سبب التاخير أنا مهوب أنتي!!
حينها أشارت سميرة باستعجال: خلاص خل نسوي فحص..
ابتسم تميم وهو يقرص خدها ثم يشير بابتسامته الصافية: قولي من الأول تبين نسوي فحص..
حاضر ياقلبي..
خلنا نخلص من عرس وضحى.. ونسوي الفحص.. ونسافر عقبه بعد!!
تدللي!!
**************************************
" زين إن كساب سافر بسلامته..
عشان تجين تقعدين عندي!!"
ابتسمت كاسرة وهي تتمدد جوار وضحى: يا النصابة.. أنا أساسا ماني بقايلة لش إني الأيام الأخيرة اللي قبل عرسش بأكون عندش
حتى قبل ما أدري إن كساب بيسافر!!
وضحى تنهدت: أنا متوترة واجد.. وحاسة الكل لاهي عني!!
كاسرة مسحت على شعرها بحنان: لا تصيرين سخيفة.. بالعكس الكل مشغول بعرسش..
ثم أردفت بنبرة مقصودة باسمة: لو تدرين وش كثر فيه قرارات مهمة مؤجلة لين عرسش..
وضحى بعدم فهم: مافهمت!!
ابتسمت كاسرة: أقول أني اليوم اتصلت وتأكدت من كل حجوزاتش..
الشعر والمكياج والتصوير والكوشة... والفستان بنروح نجيبه بكرة..
وضحى بمودة: بأروح أنا وأمي... ما فيه داعي تتعبين نفسش..
أردفت كاسرة بإصرار: إلا مافيه داعي نتعب أمي.. أنا اللي بأروح معش..
أساسا خاطري أشوف الفستان عليش أول وحدة!!
*********************************
" حبيبتي وش ذا المكالمة كلها؟؟
أكيد تكلمين نايف؟؟ "
عالية تنزل هاتفها على الطاولة وتهمس بإبتسامة: يس حبيبي.. نايف يبيني أروح معه بكرة.. يبي يجيب هدية لعروسته...
ضحك عبدالرحمن: وخواته السحالي الست وينهم .. طبعا عمتي أم صالح تكرم طلعتها من الحسبة..
ضحكت عالية: عيب عليك عبدالرحمن.. احترم خالاتي..
عبدالرحمن مازال يضحك: والله على السوالف اللي تقولينها عنهم حتى السحالي مساكين نسميهم عليهم..
السحالي بتسوي مظاهرة اعتراض قدام جمعية الرفق بالسحالي..
عالية تحاول أن تمنع نفسها من الضحك: عيب عبدالرحمن تراني بأزعل...
عبدالرحمن يبتسم: خلاص هوننا.. ما أقول إلا الله يعين بنت خالي على مابلاها..
حينها همست عالية بغيظ: مهتم منها حضرتك؟؟ شاغلة بالك؟؟
ابتسم عبدالرحمن: يا شين الغيرة اللي على غير سنع..
عالية بذات الغيظ: ياسلام عليك !! ليه الغيرة لها سنع؟؟
عبدالرحمن هز كتفيه بمرح: تغارين على ويش.. على الدب أبو كرسي؟؟
عالية انتفضت بغضب: شكلك تبي الليلة تقلب بزعل واخليك تروح تبات عند أمك وأبيك؟؟
عبدالرحمن بذات الابتسامة الدافئة حرك كرسيه ليقترب منها ويقبل جبينها وهو يهتف بذات الابتسامة:
على طاري أمي وإبي.. اليوم ماشفت إبي.. خلني أروح أسولف معه شوي قبل ينام..
ولا حد يسكر الباب من دوني.. قعدت أبكي عند الباب!!
***********************************
اليوم التالي
.
.
" هاحبيبتي.. مستعدة للسفر بكرة؟؟"
مزون برقة: إيه فديتك.. كل شيء جاهز..
غانم بتأفف: ما يسوى علينا عرس بنت مرت أبيش.. ترجعينا بدري عشانه..
مزون تبتسم: حرام عليك غانم.. وش بدري؟؟ كملنا أكثر من أسبوع من يوم سافرنا..
و أنت ما تبي تحضر عرس خال عيال عمك..؟؟
ضحك غانم: شوفيها وش طولها... (ياخال أبوي حك ظهري)..
ثم أردف بمودة: ولا جيتي للحق.. نايف يستاهل.. عزيز وغالي.. وغلاه من غلا عمي وعياله..
مزون تردف بإبتسامة: يعني لا تحملني ذنبك!!
غانم يتمدد ويضع رأسه على فخذها وهو يهتف بتأفف: بس لا جيتي للصدق بعد..
ما ابي نرجع.. أبيش تفرغين لي بروحي.. ونكون بروحنا مامعنا حد!!
مزون تمسح على شعره وتهمس برقة: ولا يهمك.. نسافر مرة ثانية في عطلة نص السنة..
ابتسم غانم بتقصد: وليش مانحضر العرس ونسافر مرة ثانية.. قبل ما ترجعين للجامعة..
أنا عندي إجازة شهر..
مزون برجاء عميق: لا غانم تكفى.. خلاص مافيني صبر.. مشتاقة لإبي وأخواني..
غانم بزعل مصطنع: إيه قولي كذا..
وولد آل ليث مسكين ماله خانة..
مزون تبتسم وهي تشد شعره قليلا بلطف : ولد آل ليث هذا أكبر نصاب..
ماخذ حقه وزيادة.. وطماع بعد!!
***********************************
" تعال حبيبي.. عط بابا بوسة!!"
حسن يقفز ليقبل والده.. ثم يصر أن يبقى في حضنه ليقود السيارة معه!!
عبدالله يرى جوزا قادمة فيبتسم لحسن وهو يغمر وجهه بالقبلات: حسوني قلبي ارجع ورا.. قبل تسوي أمك الفيلم المعتاد..
حسن يهز رأسه رفضا: ما أبي.. ما ابي.. ما أبي..
جوزا ما أن ركبت بصعوبة لتزايد حجم بطنها مع دخولها الشهر الثامن
حتى انهمرت بعتب: عبدالله كم مرة قلت لا تسمح له يفكر حتى يقعد في حضنك وأنتو في السيارة..
تكفى لا تجرأه كذا..
عبدالله ضحك : توني كنت أقول لك ياحسون يا باشا.. جبت لنا الكلام..
حسن بتأفف: بألجع ورا.. بس تودوني دتان أول...
جوزاء بحزم: مافيه دكان.. ارجع ورا.. لأنه بنرجع للبيت تنام..
حسن تأفف أكثر وهو يعود للخلف.. بينما عبدالله شد كف جوزا في كفه وهو يهمس بمودة: أشلون هلش حبيبتش؟؟ وأشلون علوي؟؟
جوزا بمودة مشابهة: كلهم طيبين.. إلا شعاع..
عبدالله بقلق أخوي شفاف: عسى ماشر.. عسى حملها مافيه شيء؟؟
ابتسمت جوزا: مافيها شيء.. بس حالتها مستعصية ذا البنت..
عشان لها يومين ماشافت رجالها نفسيتها زفت..
تدري عمري ماشفت مثل ذا الحالة.. مع إنها طبعا تنكر إن السبب غيبة علي..
بس شعاع حساسة واجد.. وماتقدر تخبي مشاعرها..
ابتسم عبدالله: الله يهنيهم.. شعاع مسكينة ..عمي أبو عبدالرحمن كان قاسي عليها واجد..
وعلي سبحان الله يوم تشوفين وجهه.. تحسين حنان الدنيا كله فيه!!
جوزا هزت كتفيها: أنا مثلا يتهيأ لي مافيه مرة تحب رجّالها قد ما أحبك..
لكن لو اضطريت تسافر عشان شغل..
مستحيل يصير فيني حتى واحد على ميه من اللي صاير فيها عشان رجالها مسافر يومين..
شعاع تعلقها فيه غير طبيعي.. والتوزان دايما حلو...
**********************************
عادا قبل قليل لغرفتهما الكئيبة.. بعد أن تعشيا خارجا وتمشيا صامتين..
كعادتهما في اليومين الماضيين..
بعد أن كانا في الأيام الأولى بعد عودتهما لا يصمتان عن الحديث!!
لا تعلم لِـمَ يبدو لها هذا الزواج بلا أمل فعلا..
فزواجهما هش.. ولا أساس له سوى سلسلة طويلة من التعقيدات والمرارة..!!
تخشى فعلا أن ينهار هذا الزواج..
ليس حفاظا عليه كزواج.. ولا حرصا على فهد كزوج..
ولكنها خشية من حمل لقب مطلقة للمرة الثانية في مجتمع لا يرحم.. يُحمل المرأة كل المسئولية ليعفي الرجل منها!!
كان هو يتحرك بصمت في الغرفة بعيدا عن روح تمرده وعنفوانه التي كانت تشعر به يتسربل بها حتى الثمالة..
استحم.. صلى وقرأ ورده ثم تتمدد.. دون أن يتوجه لها بأي كلمة..
كانت متوجهة للحمام حين سمعت صوته الحازم يأتيها دون أن ينظر لها:
تجهزي نسافر بكرة الصبح... عرس خالي بعد بكرة.. وبكرة عندي أوف..
أنا بأحضر العرس.. وبأرجع في طيارة الليل.. عشان أدوام الأحد الصبح..
وأنتي خلاص ارتاحي عند هلش!!
ماقصرتي.. استحملتيني ذا الأيام كلها وأنا واحد ما ينتعاشر.. !!
" يريد أن يجعلني أشعر بالذنب!!
هذا ما يحرص عليه طوال اليومين الماضيين!!"
لم تعلم أن هذا رجل لا يعرف كيف يمثل..
قد يكتم !! قد يصبر!!
لكنه لا يعرف كيف يخطط أو يمثل!!
يسير كخط مستقيم يرفض التلوي أو الانحناء!!
وكعادة الخطوط المستقيمة لابد أن تُجابه بالعقبات!!
لأنها ترفض الالتفاف حولها بل تريد اقتحامها!!
شخصية قد لا تصلح لمتطلبات الحياة.. التي تحتاج لكثير من الكياسة واللباقة!!
وبهذا يضر نفسه قبل أن يضر سواه!!
جميلة بعد أن أنهت قيامها ووردها هاهي تقف أمام خزانة ملابسها.. عاجزة عن تنفيذ ماخططت له..
ليس لديها الاستعداد له ولا حتى الرغبة في عمله..
ولكنها تجد نفسها مجبرة عليه.. إحساسها بالذنب يخنقها.. وخوفها من غضب الله عليها يفتت أعصابها..
لم تفكر حتى أن تحضر معها قميص نوم.. تركتها كلها في الدوحة!!
لا تعلم حتى ماذا ترتدي..
ختاما استقرت على بيجامة حريرية سوداء بتطريزات فضية على الصدر وحمالاتها فضية أيضا..
كانت هي أفضل الموجود...!!
اقتربت وهي تقدم قدما وتؤخر اخرى.. وإحساس عميق في روحها يدعوها للتراجع والهرب..
ختاما تمددت جواره.. ليشعر هو برائحة عطرها الرقيق أقرب من المعتاد..
لم يلتفت نحوها.. فما يعانيه من الضغط بات لا يُحتمل فعلا..!!
جميلة ارتكت على مرفقها وهي تمسح شعره برقة وتهمس بصوت مختنق فشلت في إخراجه واثقا:
فهد أنت عادك زعلان علي؟!!
زفر فهد ما أن شعر بأناملها تتخلل شعره.. ثم زفر بيأس أكبر ردا عليها:
جميلة لو سمحتي.. لا تجين جنبي..
جميلة همست باختناق أشد وأناملها التي تتحسس شعره ترتعش بعنف:
فهد تكفى.. أنا ما أبيك تزعل علي!!
استدار ناحيتها.. ليضع عينيه في عينيها لأول مرة منذ يومين..
وعيناه مثقلتان ببريق دافئ غريب دفع رعشة حادة في كل أوصالها..
نظراته ترتشف كل مافيها بلهفة موجوعة...
أمسك بمعصمها وهو يهتف بتثاقل عميق: صدق ما تبين تزعليني..؟؟
جميلة هزت رأسها لأن الكلمات جفت في حلقها..
ولكنه حالما شد معصمها نحوه وهو يغمره بقبلاته المثقلة بالأنين وعشرات الكلمات غير المفهومة..
حتى حاولت شد يدها منه وهي تهمس بجزع: خلاص فهد هدني تكفى..
همس بعمق مذهل وهو يشدها نحوه أكثر: أنا ماني بلعبة .. تلعبين فيها وقت ماتبين..
لا تخافين.. كل شيء بيكون برضاش..
لكن أهدش.. لا.. مستحيل..
**********************************
يجلس على مقعد قريب من الحمام.. وهو يسند رأسه للخلف في مظهر أسى غير مسبوق..
الأسى تصاعد من روحه كبئر فاض ماءها وغمر كل ماحوله..
غاضب من نفسه.. وغاضب منها أكثر..!!
غاضب من غبائه.. لأنه كان أمامه ألف علامة تدل على أن هذه الصبية لم تعرف لمسات رجل من قبل...
وغاضب منها أكثر لأنها حرصت على تأكيد خبرة لا تمتلكها..!!
وغاضب من كل الوضع..
لأنه كان قد وصل ختاما إلى رضى تام بكونها كانت لرجل قبله.. ولم يقترب منها إلا على هذا الأساس..
بعد أن عانى مطولا مطولا ليغير من أفكاره من أجلها.. ومثله كان التغيير صعبا عليه.. شعر أنه يسلخ جلده حتى يغير أفكاره من أجلها هي فقط!!
و تغير على أساس أنه الرجل الثاني في حياتها.. واختمرت هذا الفكرة في رأسه...واقتنع بها.. وتقبلها!!
فإذا به...... يتفاجأ أنه الأول..!!!
قد يكون فعلا لم يجبرها على شيء.. لكن لو كان علم ذلك لو حتى قبل ساعات فقط..كان تعامله معها ليكون مختلفا..
فهو فسر بدايةً تصرفاتها معه.. بأنها تشعر بالنفور منه لأنها لا تتقبله بعد زوجها الأول..
بينما لم يكن ذلك سوى محض خجل عذراء لم تسمح له هي باحترامه!!
بل حرمته من احترامه!!
يا الله.. لو أنها أخبرته فقط.. ألمحت له.. كان الكثير ليتغير.. ليس من تفكيره ناحيتها..
فالتفكير كان قد تغير وانتهى...
لكن من تعامله معها.. كانت مرتهما الأولى لتكون شيئا مختلفا تماما!!
حين خرجت من الحمام.. قفز عن مقعده.. بينما هي لم تنظر حتى ناحيته!!
صرخ فيها بحدة غاضبة مثقلة بالجرح:
ليش ماقلتي لي؟؟
جميلة لم تنظر نحوه وهي تهمس بارتباك غاضب: وش أقول لك؟؟
فهد بذات النبرة الغاضبة: أنتي عارفة وش اللي ماقلتيه لي؟؟
جميلة تدعي عدم الفهم: ما أدري عن ويش تتكلم؟؟
فهد يرتعش من شدة الغضب والشعور بالجرح: أنتي تستعبطين!! ليش ماقلتي لي إني أول واحد؟؟
جميلة همست حينها بارتباك تحاول تغليفه بالثقة: ومن قال لك إنك أول واحد؟؟
فهد متفجر فعلا .. مجروح منها لأبعد حد وغاضب لأبعد حدود المجرة.. فهي حرمته وحرمت نفسها من التعامل الطبيعي بينهما:
ماعليه اعتبريني أعمى.. وماشفت شيء..
بس حتى لو أنا غشيم على قولتش ..ماني بغشيم للدرجة اللي تخليني أعرف بالراحة إنش غشيمة أكثر مني ألف مرة!!
حينها انفجرت هي بغضبها المتراكم الذي حينما ينهار.. ينهار كليا: وش تبيني أقول لك عقب ما جرحتني بدل المرة ألف..؟؟
تراك أول واحد..
فهد ينتفض غضبا: وعشان تعاقبيني تعاقبين نفسش معي..؟؟
وإلا عشان مهوب هاين عليش تعطيني شيء ماعطيتيه اللوح اللي كنتي متزوجته قبلي!!
جميلة ماعادت تفكر من شدة الغضب.. تريد أن تؤلمه كما يؤلمها.. ماذا يريد أكثر..؟؟ حتى بعد ماحصل على مايريد.. لا شيء يرضيه..
صرخت بغضب: ما أسمح لك تجرح في ولد عمي قدامي.. الرجّال راح في طريقه..
على الأقل طول عمره حاطني على رأسه وحتى الموضوع اللي مسميه لوح عشانه...مافكر يجبرني فيه على شيء... لأنه قدم راحتي على راحته..
مهوب مثلك.. مايهمك إلا نفسك.. متوحش وهمجي وماعندك إحساس..............
لم يسكت فيض كلماتها المتدافعة إلا صفعة حادة.. ألقتها على الأرض...
نظرت له بصدمة وعيناها تمتلئان بالدموع..
فهد زفر بيأس وهو يجلس جوارها على الأرض.. حاول أن يأخذها في حضنه..
وهو يهمس بأنفاسه المتصاعدة.. بغضبه عليها ومن أجلها.. بأساه.. بجرحه.. بعميق مشاعره:
الله يهداش جميلة حديتيني على أقصاي..
أنتي يا بنت الناس ما تفهمين... أنا أحبش.. والله العظيم أحبش!!
حرام عليش اللي سويتيه فيني وفي نفسش!!
جميلة تتخلص منه بغضب هادر.. وشهقاتها تختلط بكلماتها.. بسيول عينيها وأنفها وهي تدعك وجهها المتفجر احمرارا بذراعها:
وأنا أكرهك.. أكرهك..
أنا تضربني..؟؟ أنا انضرب؟؟ أنا؟؟
أنت مفكر إنك مأخذني من الشارع..؟؟ يعني عشان شفتني سكتت على فعايلك فيني.. تحسبني مالي ظهر؟!!
عشان حشمتك وكبرت قدرك.. تدوس على رقبتي..؟!!
لا بارك الله في النصيب اللي حدني عليك..
فهد يحاول أن يتجاوز قساوة كلماتها رغم صعوبة التجاوز.. وهو يحاول تهدئتها:
خلاص حبيبتي هدي.. هدي!!
جميلة تنفجر بشكل هستيري: لا تقول حبيبتي.. لا تقولها..
أنت تعرف تحب أنت؟؟
أنت ماتعرف إلا أنك تكره وتعلم غيرك أشلون يكرهون..
أنا أكرهك.. تفهم.. أكرهك.. ولين آخر يوم في عمري بأكرهك..
جميلة حاولت أن تقف رغم صعوبة الوقوف عليها.. فصراخها وانفعالها استنفذ كل طاقتها..
فهد سارع لاسنادها دون تفكير وهو يحتضن خصرها بذراع واحدة.. أبعدت ذراعه عنها وهي تهمس بصوت غاضب مبحوح :
لا تجي جنبي.. خلك بعيد منك.. ما أبي منك شيء..
صمت لثوان ثم هتف بصوت غائر.. كما لو كان يأتي من بئر لا قرار لها:
أنا باتسبح وبأنزل أنتظر أذان الفجر في المسجد..
بأخليش لين تهدين!!
حينما عاد من الصلاة.. تفاجأ بأنها قد حزمت كل أغراضها وحقائبها جاهزة ومعدة للسفر..
هتف بصدمة: تو الناس على الطيارة..؟؟
ردت عليه بحزم قاس: ماعليه بأقعد أنتظرها..
جميلة قررت أن تفرغ طاقة غضبها في حزم الحقائب حتى لا تنفجر.. لا تستطيع أن تجلس حتى.. ولا تتخيل أنها قد تتمدد جواره مرة أخرى!!
فهد كان يبحر في عالم أسى غريب عليه.. لم تعتد روحه أبدا على كل هذا الأسى..
كان ينظر لخدها المحمر.. والذنب يأكله.. بالفعل حاول بكل طاقته أن يسيطر على نفسه حتى لا يضربها..
ولكن تغزلها في زوجها السابق أمامه.. جرح كل مافيه.. رجولته.. وإنسانيته..
وحبه لها النامي كبرعم طري عذب بدأت جذوره تغوص في أقصى تربة قلبه!!
" أ يعقل أنها لم تشعر بي حتى لو كنت لم أتكلم؟؟
وكيف تشعر وبالها مازال مع سواي؟؟
كيف تفتح قلبها لمشاعري.. ومشاعرها مازالت تكتنف حنايا آخر؟؟
يا الله.. أكاد لفرط الألم أصرخ بأعلى صوتي..
عاجز عن احتمال هذا الألم الذي يطحن قلبي طحنا!! "
مد أنامله ليمسح خدها المحمر... أبعدت وجهها عن مدى يده وهي تهمس بسكون ميت:
لا تخاف.. ماراح أقول لاحد إنك ضربتني!!
أجابها بألم شفاف شفاف: ما يهمني لو قلتي للعالم كله.. أبيش بس تسامحيني!!
جميلة أنا أحبش.. أحبش.. وربي اللي دخل غلاش لين أقصى عروقي إني أحبش!!
ما تتخيلين أشلون استوجعت وأنتي تقارنين بيني وبينه..
ما أحترمتي أي شيء يربطنا.. وما احترمتي إني أنا اللي رجّالش الحين!!
تتكلمين كنش تكلمين طوفة!!
لا تريد أن تسمعه.. ولا أن تصدقه.. تريد فقط أن تعود لحضن أمها..
لا تريد أي شيء آخر... أبدا !!!
**********************************
هاهي تصل إلى بيت أهلها بعد وقت صلاة الجمعة..
هذه المرة لم يتصل بأحد.. عاد مع أحد (ليموزينات) المطار..
كانت الرحلة الأسوأ في حياة كل منهما..!!
وكلاهما يشعر بالمرارة من الآخر لأبعد أبعد حد!!
أنزلها وهو يشعر بأساه المتزايد يتعاظم بشكل مضاعف..
سبحان الله كيف تكون حياتك خالية من الهموم.. وأقصى هموم قلبك النظيف أن تحصل على رتبة ما..
أو تنهي دورة عسكرية ما!!
ثم تغتالك الحياة بأقصى الهموم غير المفهومة.. التي تدمر أعصابك ومشاعرك شيئا فشيئا..
ترك السائق ينزل حقائبها بينما منعها هو من دخول البيت بإمساكه لكفها وهو يهمس بعمق:
جميلة تأكدي إنه مايهمني حد غيرش...
ماراح أجبرش على شيء.. بس تأكدي إني شاريش لين آخر لحظة ومستحيل أتخلى عنش..
جميلة شدت كفها منه.. وهي تفتح الباب وتدخل..
تمنت من أعماق قلبها ألا يكون منصور موجودا.. تعلم أن عادته يوم الجمعة أن يتغدى مع شقيقه وابنيه في مجلس زايد..
تتمنى ألا يكون أخلف هذه العادة اليوم... تريد أن ترى والدتها لوحدها..
لأنها تعلم أنها ستنهار.. ولا تريده أن يشهد انهيارها.. فيضغط ذلك على أعصابها بمزيد من المشاكل التي لا تريدها..
بالفعل.. وجدت والدتها كما تتمنى.. تجلس في الصالة العلوية تشاهد خطبة الجمعة من الحرم المكي..
وأمامها زايد الصغير على مقعده!!
عفراء كانت تعلم أنها ستعود لزواج نايف ووضحى.. لكنها لم تعلم التوقيت تماما.. توقعته في الغد.. كما عادا في زواج مزون..
لذا كانت صدمتها بدخول الطيف الغالي عليها!!
عفراء قفزت بسعادة غامرة.. بينما جميلة ركضت نحوها وهي تلقي نفسها بين ذراعيها وتنتحب كما لم تنتحب من قبل..
هذه المرة سكبت وجيعتها كاملة وهي تشهق: ما أبيه يمه.. ما أبيه..
تكفين ما أبيه.. خلاص ما أبي أرجع له..
عفراء مسحت على شعرها وهي تشدها لتجلسها وتحتضنها وهي تهمس بتهدئه رغم قلقها المتفجر:
اهدي يامش.. اهدي.. قولي لي وش اللي صاير؟؟
هذه المرة جميلة حكت لأمها كل شيء.. وكم كان هذا الحديث متأخرا.. تأخر كثيرا عن وقته!!
كان يجب أن تُعلم والدتها قبل ذلك بكثير..
كانت تظن أنها بإخبارها لمزون سترتاح دون أن تكدر والدتها..
لم تعلم أن القضية ليست مجرد الحكي للارتياح من الضغط.. لكنها كانت تحتاج المشورة من والدتها..
والدتها بصدمة حقيقية: يعني تقولين لمزون موضوع مثل ذا.. وما تقولين لي!!
ومزون وش عرفها؟؟ بزر مثلش!!
يعني مزون أوصيها وأشرح لها قبل عرسها ألف مرة.. وأنتي حرمتيني وحرمتي نفسش من ذا الشيء!!
عفراء تنهدت بوجع: تدرين من أكبر مذنب في ذا السالفة؟؟
مهوب فهد ولا أنتي.... أنا.. أنا..
أنا.. لأني وافقت منصور أزوجش وأنا رافضة الفكرة من أساسها..
ثم أنا.. لأني ماقربت منش للدرجة التي تخليش تقولين لي مهوب لغيري...
جميلة مسحت فيضانات وجهها المنهمرة والتي تكاد تفسد أكوام البودرة التي وضعتها لإخفاء أثر الصفعة..
فالصفعة هي الشيء الوحيد الذي لم تخبر به والدتها.. لأنها ختاما شعرت أنها من دفعت فهدا لها.. حتى لو كانت يستحيل أن تسامحه عليها!!
همست باختناق: يمه أنا مهوب كان قصدي أخبي عليش.. بس أنا حنيتش.. سنين وأنا مجننتش.. قلت خلاص ارتاحي من مشاكلي..
عفرا بحزن عميق عميق اخترم روحها الأمومية بالأسى الفياض:
وأنتي الحين ريحيتيني..؟؟
يأمش الحين الذنب خانقني... كان فيه أشياء واجد لازم أنا أشرحها لش.. وأهيئش لها نفسيا..
لكن عرسش الأول رحتي على نقالة.. وش أشرح لش؟؟
ورجعتي بعد شهور طويلة.. ماكنت جنبش فيها.. توقعت إن ذا الشهور علمتش اللي كان لازم أعلمش إياه..
ما توقعت إنه ماصار شيء بينش وبين خليفة.. وأنتي ماقلتي لي شيء!!
ليه يا جميلة؟؟ ليه؟؟
وش استفدتي الحين كون نفورش من فهد..
كان ممكن بمشيئة الله إن ذا المشاكل كلها ماتصير لو أنش قلتي لي بس!!
وش أقول؟؟ قدر الله وماشاء فعل..
خلاص يامش قومي.. قومي لغرفتش تريحي!! ولا تشغلين بالش بشيء!!
#أنفاس_قطر#
.
تتشرف كل من
فرقة السحالي على قولت عبدالرحمن... و... عائلة ناصر آل سيف
بدعوتكن لحضور حفل زفاف
شقيق الأوليات/ نايف...... على ...... كريمة الثانية/ وضحى
وذلك تمام الساعة الحادية عشرة ليلا من يوم الخميس
وذلك في قاعة ******.. بين جنبات أحداث "بين الأمس واليوم"
وبحضوركن يتم لنا الفرح والسرور
رواية بين الامس و اليوم الفصل 100 - بقلم HaboOoshy
" يأمش وين بتروحين؟؟"
شعاع بمودة: بأروح لبيتي يمه.. علي بيجي الليلة..
عالية بمرح: الحمدلله والشكر.. وأخيرا.. جاء روميو ليغني تحت شرفة جولييت..
شعاع بصوت منخفض: علوي تلايطي.. لا بارك الله في عدوينش..
عالية تضحك: يومين ومعيشتنا في كآبة.. فارقي لبيتش جعل موترش مايخرب!!
والبترول علي بعد..
مع إنه البترول غالي بس يرخص لعيون الحبايب..
أم عبدالرحمن تهتف بصوت عال: أنتو وش تقولون؟؟
شعاع ترتدي نقابها وتهمس بمودة: مافيه شيء يمه.. أنا باخلي السواق يوصلني للبيت أنا وخداماتي.. زين يمه..
أم عبدالرحمن بحنان: حلالش يأمش..
شعاع كانت تركب للتو ليرن هاتفها... اتسعت ابتسامتها وإشراق وجهها وهي ترى اسمه.. همست في الهاتف بلهفة: في المطار صح؟؟
جاءها صوته محملا بالضيق العميق: لا حبيبتي.. أنا بتأخر يومين بعد.. بس يومين..
شعاع بعدم فهم: أشلون يومين بعد؟؟ وانت قلت لي يومين..
علي بذات الضيق: المختبر تأخر في النتايج.. وما أقدر أروح وأرجع.. بقعد لين أخذ نتايجي وأشوف لو الدكتور يبي يغير لي العلاج.. وبأرجع فورا..
شعاع لم تعرف ماذا تقول.. تريد أن تبكي.. وتعلم أن شكلها سيبدو سخيفا وطفوليا إن فعلتها وبكت..
همست بإبتسامة مصطنعة مختنقة تماما: خلاص خلني أروح أدفع طعام 10 مساكين.. لأني حلفت لو تأخرت زيادة عن يومين ألحقك..
علي باهتمام عذب: صدق منتي بمتضايقة حبيبتي؟؟
شعاع باصطناع فاشل تماما: لا ياقلبي.. خل بالك من نفسك.. لازم أسكر الحين..
القت الهاتف جوارها لتبدأ دموعها بالانهمار..
" يالله استجير بك من ذا الضيقة..
يا الله احفظه من كل الشر..
هدي يا بنت.. كل السالفة يومين بعد ويرجع..
اذكري ربش!! ترا الموضوع ما يستاهل!! "
الخادمة الجالسة جوارها همست بتردد: مدام وين روح؟؟
شعاع بضعف: بنروح البيت..
لم ترد أن ترجع لأهلها وهي بهذه الحالة... تريد أن يصفو ذهنها قليلا..
وتريد أن تقوم ببعض الأعمال الشاقة حتى تلهي نفسها التفكير..
لذا ستقوم بالترتيب المؤجل مادام علي لن يعود الليلة!!!
******************************
" نورتي الدوحة بطلتش حبيبتي!!"
مزون تتنفس بعمق: يا الله وش كثر اشتقت للدوحة وأهلها..
غانم بمرح: شمي بعد.. شمي الحر والرطوبة.. شمي بعمق لين يجيش قفلة نفس!!
مزون ضحكت برقة: ياحلوها على قلبي..
ثم أردفت باهتمام: زين غانم خلنا نروح نسلم على هلك وعقب أبي أروح لهلي..
أسلم عليهم.. وأبي أبات عندهم عشان عرس وضحى بكرة بعد أذنك.. أبي أسهر معها..
غانم بحزم رقيق: وإذني يقول لا.. روحي واسهري.. بس ترجعين تباتين في بيتش..
مزون برجاء رقيق: تكفى غانم..
غانم بإبتسامة: لا تستخدمين أسلحتش ضدي.. تدرين حزتها إني أصير خرطي..
بس لا ياقلبي.. في الليل متأخر بأرجع أجيبش...
مايصير أول يوم راجعين الدوحة وأنتي بايتة في بيت هلش!!
***************************************
" جميلة قومي نروح نسلم على عمتش!!"
جميلة انتفضت بجزع: لا يمه تكفين.. ما أبي أروح هناك.. أخاف أشوف فهد..
عفراء بحزم: أنا أساسا أبي أشوفه...
أنتي سلمي على عمتش تبينهم يحكون عليش مثل المرة اللي فاتت..
وأنا وفهد بنقعد في مجلس الحريم..
جميلة تكاد تبكي: يمه تكفين..
عفراء بذات الحزم: خلصيني يا بنت... ولا تخافين بترجعين معي..
بالفعل توجهت الاثنتان لبيت إبي صالح... جميلة أعادت وضع أطنان الزينة على وجهها حتى لا يلاحظ أحد شيئا على وجهها إلا بهائها المعتاد..
وعفراء اتصلت بفهد وطلبت أن يأتي للسلام عليها في مجلس الحريم..
بحجة أن جوزاء كانت موجودة..
فهد حين ورده الاتصال.. تنهد بعمق... " يا الله مسرع صارت المشاكل!!"
توجس عميق اغتال روحه وهو يدلف لباب مجلس الحريم من الباحة..
عفراء وقفت لاستقباله وهو مال للسلام عليها.. نظراتها مثقلة بالعتب..
ونظراته متقلة بالذنب والحزن..
بعد السلامات المعتادة وقبل تتكلم عفراء كان فهد من استلم زمام المبادرة وهو يهتف بحزم بالغ:
أدري إني غلطت على جميلة واجد... ومافيه داعي تعاتبيني لأني في اليوم أعاتب نفسي ألف مرة...
بس والله العظيم إني شاريها..
أبيها بس تعطيني فرصة وحدة.. والله العظيم لأحطها فوق رأسي..
عفراء بهتت.. فهو لم يترك لها مجالا لتقول لها شيئا وهو يختصر كل شيء في عبارات حادة قصيرة.... واضحة مستقيمة/ مثله تماما!!
عفراء تنهدت وهي تهمس بتاثر: أنا يأمك لا جيت للحق.. ماكنت أبي أزوجها الحين.. كنت أبيها تقعد عندي لين تخلص دراستها..
بس منصور لزم يزوجها لأنه شاريك أنت.. ما أبي أقول إن منصور ماعرف يختار.. أكيد إنه أخبر بمعادن الرياجيل..
بس يأمك أنا كنت خايفة على بنتي من حدتك... وكنت على حق..
بنتي مهيب مثلي.. عادها لينة.. وسنها صغير..
الحين أنت خلها عندي.. وما أبيك تقول لمنصور إن بينكم أي مشاكل..
ولا خلصت دورتك.. إن شاء الله يكون طاب خاطرها..
فهد صمت ثانيتين ثم هتف بحزم يخفي خلفه رجاء عميقا: زين خليها ترد على تلفوناتي لا كلمتها على الأقل!!
عفراء تنهدت: بأقول لها.. بس ما أقدر أجبرها.. هي مجروحة منك واجد!!
عفراء غادرت لتعود لصالة الحريم.. لتسلم على أم صالح وتاخذ ابنتها وابنها لتغادر..
بينما فهد بقي لدقائق جالسا في مجلس الحريم.. كما لو كان عاجزا عن حمل ثقل الهموم الغريبة التي يشعر بها..
أو ربما كان يخطط عن قصد ليخرج في ذات لحظة خروجهم.. ليقابلها في باحة البيت..
حين رأته أدارت وجهها كأنه لم تراه وهي تتوجه للسيارة.. بينما عفراء وقفت لتعطيه زايد ليسلم عليه..
همس برجاء لعفراء وهو يعيد زايد لها ويغلف رجاءه بالحزم: عمتي تكفين..
قولي لها ليش ذا الجفا كله..؟؟ كنها ما تشوفني!!
عفراء تنهدت بعمق.. لا تجهل هذه النظرة.. تعرفها في عيني منصور..
نظرة محب مشتاق عاتب.. همست بمودة: لا تحاتي يامك.. بأحاول!!
***********************************
" أنا أبي أعرف وش ذا المصممة؟؟ مواعيدها كلش مهيب مضبوطة..
الحين عرسش بكرة واحنا تونا بنجيب الفستان
وهي أساسا واعدتنا قبل أمس..
الحين يمكن ماخلصته بعد!!"
وضحى ابتسمت وهي تنظر لكاسرة التي تجلس مجاورة لها في انتظار المصممة التي ذهبت لإحضار الفستان:
الحين أنتي معصبة كذا عشان الفستان.. وإلا عشان الشيخ كساب وصل وأنتي ما أنتي في شرف استقباله..؟؟
كاسرة بغيظ باسم: يعني أنتي شايفته سنع إنه يجي البيت عقب سفر.. وأنا برا..؟؟
عز الله راح فيها حضرة وكيل النيابة!!
وضحى ضحكت: أنا كنت ابي أخذ أمي.. بس أنتي حلفتي ماحد يروح معي غيرش..
حتى مارضيتي إنها تدري عشان هي ماتحلف عليش!!
كاسرة بإبتسامة: خلي أمي في حالها.. كفاية عليها ضغط بكرة...
المصممة نادت وضحى لكي تلبس الفستان في صورته النهائية..
في وقت انتظارها لوضحى رن هاتفها..
حين رأت اسم كساب.. شعرت بالحرج المختلط باشتياق غريب..
ردت بنبرة غريبة حملت كلاهما: هلا كساب..
كساب باستغراب: كاسرة وينش؟؟
كاسرة بذات النبرة: أنا مع وضحى تأخذ فستانها..
كساب بعتب مختلط بنبرته الحازمة: ويعني ماقدرتي تأخذين فستانها قبل ما أجي؟؟
كاسرة تنهدت: كساب يعني ظنك لو أني قدرت أخذه قبل.. كان رحت وأنت جاي..
تنهد بعمق.. فهي مطلقا لم تفعل ذلك إلا مرة واحدة.. يكره مجرد تذكر تلك المرة..
وهو يدخل البيت ليتفاجأ بعدم وجودها رغم أنها لم تفعلها مطلقا قبل ذلك..
كم كانت مرارة الأيام وقسوتها بعيدا..
قفزت كل الذكريات المرة لذاكرته وهو يدخل الليلة ولا يجدها!!
رغم أنه وجد غاليته مزون تنتظره في الأسفل.. ورغم فرحته العارمة برؤيتها إلا أنه بقي يشعر بنقص غريب وفراغ غير مفهوم..
كما لو كان طفلا يبحث عن أمه بين الحشود.. لن يهدأ جزع روحه حتى يراها..
هتف بحزم: زين خلاص أنا رايح لشغلي الحين!! فيه عندي شغل مهم عشان العقود اللي وقعتها واجتماعات مع المهندسين ويمكن أتأخر..
حينها همست بهدوء تخفي خلفه وجع اشتياقها له: زين متى بأشوفك؟؟
وأنا أبي أنام الليلة عند وضحى..
حينها زفر بتأفف غاضب: وتبين تنامين عندها بعد؟؟
كاسرة حينها همست بغضب رقيق: كساب قصر صوتك لا تصيح علي..
هذي آخر ليلة لها قبل عرسها.. عيب أخليها.. من كثر خواتي يعني..
هي أخت وحدة.. وليلة وحدة ماراح تكرر!!
كساب زفر بغضب: خلاص خليني أنا..!!
انتهينا.. مثل ماتبين.. النفس وما تهوى..!!
كاسرة أنهت الاتصال وهي تتنهد بعمق (يموت لو مالقى له سبب يعصب عليه!!)
كانت كاسرة تتأفف بغضب ليتحول تأففها لابتسامة شاسعة وهي تقف لتدور حول وضحى بانبهار..
ثم تضحك بصوت عال: وضحى أنتي في كامل قواش العقلية؟؟ فكرتش وإلا فكرة المصممة؟؟
المصممة بلباقة رقيقة: لا والله فكرة الدموزيل.. أنا بالبدايي ماكنت كتير مئتنعة فيها وخصوصا إنه فيه موديلات من ئبل بنفس الطريئة..
بس عالتنفيز.. عن جد وااااااو.. وسبيسال!!
وضحى تبتسم: ماعجبش؟؟
كاسرة مازالت تضحك: من حيث عجبني فهو جد عجبني لدرجة إني ماني بقادرة أبطل ضحك..
شكلش فيه بكرة بيطلع فوق الخيال..
بس الله يعينش على التعليقات اللي ما يعجبها العجب!!
************************************
" اشعيع اشفيش يا أبيش
وجهش ماصع ولونش مهوب زين!!"
شعاع انتفضت بجزع رقيق: مافيني شيء يبه فديتك!!
عالية مالت على شعاع بهمس خافت: ترا عمي صادق.. اليوم الصبح رحتي الابتسامة شاقة من فرحتش بفراقنا..
ورجعتي لنا حالش أشين من حالش البارحة.. كنه ميت لش ميت!!
شعاع باختناق: مافيني شيء عالية بس تعبانة شوي..
عالية بمرح: هذا كله حزن عشان سبع البرمبة بيتاخر يومين بعد..
ترا والله ياشعاع حالتش صعبة.. حلو تعطين رجالش حقه .. بس في نفس الوقت تأخذين حقش!!
شعاع شعرت أنها ستبكي فعلا حين ذكرت عالية علي.. فالجرح عميق.. عميق لا حدود عمقه..
ولمن هي في مثل رقتها.. بدا الأمر لا يحتمل إطلاقا!!
تحاول أن تضع سيناريوهات متعددة تفسيرا لما رأته.. وكل السيناريوهات بدت مؤلمة وجارحة ومهينة..
تحاول أن تبرأه بقلبها ودفق مشاعرها .. فإذا هذا القلب يدينه أكثر وأكثر!!
عالية كانت ستتكلم لولا أن هاتف شعاع رن.. عالية استغربت تماما وقررت أن تصمت..
لأن الرنة كانت الرنة الخاصة بعلي ومع ذلك شعاع كتمت الصوت بسرعة ثم أغلقت هاتفها!!
والغريب أن إغلاقها لهاتفها ليس غضبا بقدر ماهو خوف عليه..
والغضب الأكبر هو من نفسها.. تشعر أن حبه استعبدها تماما..
لدرجة أنه مع كل هذا الذنب العظيم.. بل الجريمة التي ارتكبها.. ترى أن صحته هي الشيء الأهم!!
فهي لو تركت الأمر لرغبتها.. فكل ما ترغب به هو أن تصرخ به وتصرخ به وتصرخ به... تقتله ربما لو استطاعت!!
ومع ذلك هي تؤجل كل ذلك حتى يعود.. تخشى إن أفرغت غضبها فيه أن يترك علاجه ويعود...
أبو عبدالرحمن الذي كان هو أيضا يتحدث مع أم عبدالرحمن.. هتف بصوته الحازم: عالية يابيش وين رجالش.؟؟
عالية باحترام: داخل يبه... يحضر مادته اللي هو بيدرسها الفصل الجاي.. خلاص ماعاد باقي إلا أسبوعين على فتح الجامعة!!
أبو عبدالرحمن وقف ليغادر وهو يهتف بذات نبرته الحازمة المعتادة:
خليه يجيني في المجلس يتعشا معي... أنا عازم تميم بعد على العشاء..
أبو عبدالرحمن غادر وعالية وقفت لتتوجه للداخل لتخبر عبدالرحمن.. لولا أن عبدالرحمن قاطعها بخروجه فعلا وهو يهتف لشعاع بمودة:
شعاع.. علي يتصل على تلفونش مسكر..
يبي يقول لش إنه قابل الدكتور خلاص.. وحجز الليلة متأخر وبكرة الصبح بيكون هنا!!
************************************
رنين آخر..
قاطعته يد رقيقة أخرى لتصمته..
عفراء همست بحزم: ردي عليه..
جميلة بتأفف: يمه ما أبي أرد عليه.. ماني بطايقة أسمغ صوته..
عفراء بذات الحزم: عيب عليش يا بنت... الرجال شاريش..
جميلة بإصرار : وانا بايعته..
عفراء بغضب: وش العلم ياجمول... اشوفش رديتي على طير يا اللي... عقب ماقلت بنتي عقلت..
رجعت ريمة لعادتها القديمة..
طفشتي الأول تبين تطفشين الثاني..
همست حينها جميلة بحزن: عندش شيء ثاني يمه.. تبين توجعيني فيه؟؟
عفراء تنهدت وهي تقف لتجلس جوار جميلة وتحتضن كتفيها بحنان:
يأمش أنا أبي مصلحتش..
تبين تصيرين مطلقة مرة ثانية؟؟
جميلة انتفضت بجزع: مطلقة؟؟ لا لا..
عفراء بأمومة: زين أشلون ماتبين وأنتي حتى منتي براضية تتفاهمين معه؟؟
جميلة بإصرار: عادي يخليني وينساني.. الله محلل له بدل الوحدة أربع..
يتزوج ثلاث.. ما أبي منه شيء إلا إنه يخليني على ذمته لين أتخرج على الأقل!!
بس أرجع أعيش معه لا.. وألف لا...
*******************************
" ها ياعريس... كيف إحساسك بأخر ليلة عزوبية؟؟"
نايف بمرح: إحساسي إنها ماتبي تخلص.. وخصوصا وأنا مقابل وجيهكم اللي تجيب الهم ياعيال أختي..
والله مافيكم صاحي غير عبدالله جعل عمره طويل أبوحسن!!
شوف صالح قاعد على جنب وكل شوي مطلع تلفونه.. أكيد يشوف صورة الفأرة.. يخاف ينسى ملامحها!!
وأبو الهول من يوم راح لمصر صار أبو الهول صدق!!
وأنت عكسه حلقك 24 ساعة شغال حكي على غير فايدة!!
هزاع يضحك: على كذا طلعتنا كلنا عاهات..
نايف يضحك: لأنكم كلكم عاهات ماجبت شيء من عندي..
هزاع بخبث: الولد على خاله ياخال..
هزاع يلطم كتفه بمرح: تخلخلت حنوكك قول آمين.. الحين غديت خالك عشان تسبني..؟؟
الحوار المرح مستمر بين الإثنين كالعادة.. بينما فهد وصالح صامتان كل منهما مشغول بهمه الخاص..
وعبدالله كان مستغرق في الحديث مع والده كعادتهما أيضا.. رغم أن أبا صالح لا يحب أن يُكثر الحديث بعد أن يصلي العشاء..
لكنه كان يتأكد من ترتيبات حفل زواج نايف في الغد.. الذي حلف أن يتولاه كاملا.. لأنه يعتبر نايفا أحد أولاده..
ولكن ما أن غادر أبو صالح.. حتى قام عبدالله ليجلس بجوار فهد..
عبدالله وضع كفه على معصم فهد وهو يهتف بمودة صافية:
صحيح من أول وأنت منت بكثير حكي.. لكنك على الأقل لا تجمعنا كنت دايم تبتسم تمزح.. تسولف..
الحين تقعد ساكت وتقوم ساكت..
حينها فهد هتف بعمق موجع بكلمات أكثر وجعا جعلت عروق عبدالله تنتفض تأثرا وجزعا وهو يكاد يقفز من مكانه:
لأني ماني بكفو قعدة الرياجيل... عشان أسولف معهم!!
فهد شعر بكف عبدالله التي ارتعشت بعنف وهو يهتف بصرير من بين أسنانه:
أفا عليك يافهد.. وش ذا الكلام؟؟
فهد بذات النبرة الموجعة: اللي يذل له بنية يتيمة ويقهرها ويوجعها بالكلام.. وش يكون في نظرك؟؟
عبدالله تنهد بعمق: فهد يأخيك.. ماحد منزه من الخطأ..
حتى الرسول صلوات الله وسلامه عليه أخطأ وعاتبه الله عز وجل من فوق سبع سموات!!
بس مشكلتك الازلية إنك ماتشوف إلا لونين الأبيض والأسود.. وإنك مستقيم بزيادة..
يعني أنا يوم رجعت من امريكا.. ماحد عاتبني بقسوة مثلك.. مع إن الكل كانوا يحاولون يراضوني..
عاتبتني وأنت ماتدري ولا دريت بالبلاوي اللي أنا سويتها!!
عاتبتني لأنك ماترضى بالحال المايل.. وأنا فعلا كنت حال مايل..
ما أقول لك لا تعاتب نفسك.. فخير النفوس النفس اللوامة.. والله عز وجل أقسم بها..
بس أقول لك ارحم نفسك... أشين شيء ممكن الواحد يسويه في نفسه إنه يجرح نفسه قبل ماغيره يجرحه..
ماراح أسألك عن مشاكل مع مرتك... بس بالرواقة والتفاهم وطولة البال... كل شيء ينحل..
طالبك يا أخيك توسع خاطرك..
فهد تنهد بعمق: يجيب الله خير من عنده.. !!
***********************************
" هذه كله عند وضحى؟؟
وش تسوين عندها؟؟"
سميرة أشارت بإبتسامة: خبرك عروس.. ولازم نهتم فيها..
أشار تميم بحنان: وعسى مافيه شيء قاصرها؟؟
سميرة بعذوبة: أبد كل شيء تمام التمام.. ألسطة وميه وميه على قولت خالي هريدي!!
تميم ابتسم وهو يشير لها: زين تجهزي.. بعد بكرة الظهر طيارتنا..
سميرة بحماس: صدق بنسافر!!
تميم بأريحية: أنا وعدتش.. بنسافر ألمانيا.. بنسوي فحص في بون.. وعقبه بنروح ميونخ نتمشى هناك 5 أيام..
وعقب نرجع بون نأخذ نتايج الفحوص.. ونرجع الدوحة..
عاجبش الجدول.. وإلا تبين نغيره شوي؟؟
سميرة تعلقت في عنقه بمرح ثم افلتته لتشير له: عاجبني ونص..
ثم أشارت بتردد: وجدك زين من اللي عنده؟؟
تميم بتلقائية: أساسا حتى لو كنا موجودين.. أمي اللي قايمة فيه وهي سليم..
والليل ماينام عنده إلا سليم..
أمي كانت تبي تجي تنام عنده.. بس أنا حلفت عليها ماتقعد في البيت بروحها..
تقعد عنده كثر ماتبي في النهار.. وفي الليل ترجع لبيتها!!
جدي لو بغى شيء بيخلي سليم يدق عليها!!
***********************************
هاهي تتمدد على سرير وضحى في انتظار انتهاء وضحى من صلاتها..
مازالت لم تره حتى الآن..
رغم أنها بالفعل ذهبت إلى بيتها.. وانتظرته لأكثر من ساعتين..
ثم اضطرت للعودة إلى أختها لأن لديها الكثير من الترتيبات التي لابد أن تنجزها قبل أن تنام..
رغم أن سميرة أيضا لم تتوقف عن العمل.. لكن كلتاهما باتتا تشعران بتوتر أكثر من وضحى.. وهما تعيدان عمل الشيء الواحد عدة مرات!!
رنة رسالة تصل هاتفها.. كانت منه.. توجست (لماذا رسالة وليس اتصال؟؟)
" نمتي؟؟"
كاسرة توجست أكثر (ليش السؤال؟؟).. أرسلت له:
" لا.. مابعد!! "
لتتفاجأ بعد ثوان باتصاله..
في حالة الأزواج الطبيعيين ..هذا الاتصال أكثر من عادي!!
لكن في حالتهما ابعد ما يكون عن الطبيعية..
تنهدت كاسرة قبل أن ترد (أكيد يبي يغسل شراعي شوي.. عاد في خاطره لغو) ردت بهدوء متمكن: هلا كساب..
رد عليها بنبرة دافئة مقصودة : تدرين إن عليش بحة صوت تذبح!!
كاسرة كادت تلقي الهاتف من يدها وهي تكتم كحتها وشهقاتها..
لولا أنها متأكدة إنه صوت كساب وإلا كانت قالت أن المتصل شخص آخر..
كاسرة همست بثبات قدر الامكان رغم أن جملته البسيطة أحدثت فوضى هائلة في مشاعرها..
ولكنها بداخلها كانت تخشى أن يكون يسخر منها.. ليس شكا في نفسها.. لكن شكا في نواياه..
ولكنها همست بثبات خافت حتى لا يصل صوتها لوضحى التي تصلي في زاوية الغرفة:
لنا أكثر من سنة متزوجين وتوك تكتشف إنه بحة صوتي تذبح على قولتك؟؟
جاءها صوته باسما متلاعبا دافئا لدرجة تثير الجنون .. الجنون بمعناه الإيجابي لا السلبي:
تدرين فيه أشياء من حلاتها تبين وقت لين تحسين بحلاوتها عدل من قد ماهي حلوة...
لأنه عقلش يعجز يستوعب ذا الحلاوة.. يحتاج له وقت للاستيعاب لا يستخف..
مثل الشكولاته الفاخرة ماتبين حلاوتها إلا على آخرها.. لا ذابت في الثم..
صوتش كذا.. من قد ماهو حلو..
وتخيلي أشلون حلو.. لأني احتجت سنة كاملة عشان أستوعب حلاته!!
كاسرة شعرت برعشة حادة تجتاح خلاياها خلية خلية.. وخلاياها تكاد تُنسف من شدة التأثر والانفعال!!
أ ليس من المثير للشفقة أن تكون متزوجة طوال هذه الفترة وتشتاق لكلمة غزل واحدة.. فإذا به ينثال بهذا الغزل المثير المكثف وبلا مقدمات!!
كما لو كانت أرض بور تشققت من الجفاف.. تنتظر قطرة ماء واحدة.. قطرة واحدة فقط..
فإذا بالماء ينسكب فوقها إنسكابا.. وتحتاج وقتا لتستطيع تلقي هذا الماء وامتصاصه!!
صمتت.. عجزت عن الكلام.. لأول مرة تعجز عن الرد لأنه أشعرها بأنوثتها حتى ذروة الذورة..
لم يستفزها لكي ترد عليه ردودها الحادة ردا برد!!
كساب همس بذات نبرته الدافئة الباسمة: وين راح صوتش؟؟.. تونا نقول حلو ويدوخ!! بتحرمينا منه يعني؟؟
حينها همست كاسرة بنبرة أقرب للتبلد: أنت متأكد إنهم ما سوو لك عملية غسيل مخ في سفرتك ذي؟؟
همس بنبرة تلاعب مدروسة: واحد مسكين قاعد في غرفته بروحه.. ويعد الطوف والثريات واللمبات وخطوط السقف..
لا حد يسولف معه.. ولا زول يشوفه!!
وش توقعين يصير فيه؟!! زين ما يستخف!!
حينها ضحكت كاسرة برقة: لا شكلها مهوب عملية غسيل مخ.. شكلهم بدلوا مخك كامل بمخ جديد!!
همس بدفء عميق لا يخلو من نبرة تلاعبه الدائمة:
زين تعالي خمس دقايق بس.. أبي أشوفش بس..
كاسرة بصدمة: من جدك... ما أقدر .. وضحى عندي وش أقول لها؟؟
ابتسم: زين أنا أجيش.. مثل ذكريات الأيام الخوالي.. والتعلبش على الجدران مثل القرود..
ضحكت كاسرة وهي تشعر بروح مرح غريبة: لا واللي يرحم والديك..
خل عرس أختي يعدي على خير.. لا تسوي لنا أفلام.. وتطيح من فوق السطح!!
حينها همس بعمق خافت.. آلمها حتى عمق روحها: أبي أشوفش بس.. ما تبين تشوفيني؟؟!!
كاسرة أغلقت عينيها وفتحتها.. شعرت بريقها جاف.. والكلمة لا تريد الخروج..
لكنها علمت أنها إن لم ترد عليه بما تشعر به فعلا.. فهي ستفسد هذه اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر أبدا..
فكساب الليلة يبدو أغرب من الغرابة.. تخشى فعلا أن غرابته هذه لن تتكرر..
وكم تمنت لو يبقى غريبا هكذا طوال عمره!!
همست بصوت مبحوح مثقل بالدفء والعذوبة: بلى والله أبي أشوفك..
بس الليلة ما أقدر.. أنت اللي تأخرت علي مع إني انتظرتك في البيت كثير..
بكرة الصبح بدري أنا بأرجع للبيت أساسا..
حينها همس بخيبة أمل يخفيها خلف حزم صوته:
وأنا بأكون من عقب صلاة الفجر مع العمال عشان صب أساسات مشروع مهم..
حينها ضحكت كاسرة : وأنا عقبها بأنشغل مع وضحى.. خلاص أشوفك في الليل عقب العرس!!
ضحك كساب: تدرين كأننا قطو وفأر.. وذا الشوفة مهيب راضية تتيسر..
انتهت المكالمة.. ولكن ابتسامة كاسرة مازالت مرتسمة وهي مازالت تحتضن الهاتف ملاصقا لأذنها..
لم يقاطع أجواءها السماوية سوى نحنحة مرحة ووضحى تضع يدها على خصرها:
احم احم نحن هنا..
كاسرة أنزلت هاتفها وهي تهمس بحرج: من متى وأنتي واقفة؟؟
وضحى همست بمرح: أممممم خلني أتذكر... من ( وأنا والله أبي أشوفك).. قالتها بطريقة تمثيلية مرحة..
كاسرة بحرج: صدق إنش قليلة أدب.. وليش تتسمعين؟؟
وضحى هزت كتفيها بمرح: وأنا اللي تسمعت؟!! الكلام جا لين عندي..
ثم همست بمودة: أول مرة أسمعش تكلمين كساب وتضحكين..
يا الله فزي لبيتش.. روحي لرجالش..
كاسرة ابتسمت وهي تشير للمكان الخالي جوارها وتهمس بحنان: تعالي.. نامي وراش بكرة عفسة!!
والليلة حقتش بروحش أنتي وبس..
وضحى تسللت لجوار كاسرة وابتسامتها المرحة المرتسمة قبل ثوان تتبخر وهي تهمس بتوتر:
كاسرة.. أنا خايفة ومتوترة!!
كاسرة مررت أناملها عبر خصلات وضحى وهي تهمس بحنان حازم باسم:
مافيه شيء يخوف.. الله يستر على نايف بس لا تأكلين القطوة اللي هو جاي يبي يذبحها...
************************************
يدخل بيته صباحا مبكرا..
مع أنه أبلغ عبدالرحمن البارحة بوصوله إلا انه لم يتوقع أن تكون شعاع موجودة..
لأن الوقت مازال مبكرا.. وهي يستحيل أن تنام في البيت لوحدها..
لكنه يتوقع أن تصل بعد لحظات..
(على ما أخذ شاور.. بتكون وصلت..!!!)
كان البيت يبدو أكثر ترتيبا ونظافة من المعتاد.. (ياقلبي ياشعاع.. كانت متوقعتني أجي أمس!!)
وحين دخل إلى غرفته..
كانت غرفته تبدو كما لو رُتبت بالمسطرة.. وكل شيء في مكانه..
إلا شيئا واحدا ..لذا لفت نظره.. لوجوده في غير مكانه المعتاد.. وبطريقة غير معتادة!!
كان ثوبا من ثيابه ملقى على السرير.. حين اقترب ليحمله ويلقيه في سلة الغسيل..
تراجع بصدمة حادة.. وهو يشهق بعنف (أشلون نسيته؟؟ أشلون؟؟صدق إني غبي ومافيني مخ!!
من فرحتي بشوفتها نسيت كل شيء!!)
علي تراجع وهو يجلس بجوار ثوبه الذي مازال اللون الزهري واضحا على جيبه!!
تنهد بعمق وهو يلقي غترته جواره بغيظ أشبه بالاحتراق!!
كان يعلم أن هذه السعادة غير المعقولة التي يغرق فيها حتى مافوق أذنيه..
لا يمكن أن تكون إلا حلما لفرط روعتها..
والأحلام لابد أن نصحو منها يوما.. ليصفعنا الواقع!!
كيف سيشرح لها؟؟
وماذا سيشرح لها؟؟
كل التفسيرات والمبررات حتى الصادقة منها.. ستكون محرجة له ومؤلمة لها!!
فشعاع تظن أن ماحدث في المصعد لا يتجاوز رؤيته لها بدون غطاء!!
لا يعلم كيف ستصدق إن هذه الأثار لها هي.. وإن صدقت.. كيف ستتقبل ذلك!!
تبدو القضية معقدة وفلسفية لحد بعيد..
أين المشكلة؟؟ فهي في ذلك الوقت كانت زوجته.. كما هي الآن!!
المشكلة أنه لم يكن يعلم!! وهرطقات الإحساس المختلف بها وشعوره العميق بأحقيته بها لن تقنع امرأة مجروحة مثلها!!
فكيف سمح لنفسه أن يتجاوز كل الخطوط ويفعل ذلك!!
فهي سامحته على نظرة لم يسعى هو لها... فكيف ستسامحه على ضمة هو من سعى لها ؟!!
ولكنه يعلم أنها مغرمة به.. كما هو مغرم بها.. وأنها لن تصبر على فراقه..
لذا سيحاول أن يدخل لها من هذا المدخل..
فكل شيء جائز في الحب والحرب!!
علي تناول هاتفه.. ليتصل بها..
فهما يكن قلبه لا يقواه أن يتركها تعاني أكثر من ذلك..
يعلم أنها لابد أهدرت طنا من الدموع من البارحة حتى اليوم!!
يريدها أن تصرخ به.. إن كان الصراخ سيريحها!!
يريدها أن تؤنبه وتجرح فيه كما تشاء لأنه تجرأ على جرح مشاعرها الغالية!!
لكن هاتفها كان مغلقا..
حاول لمرتين أخريين.. ومازال مغلقا..
ألقاه جواره بغيظ مختلط بالأسى وهو يقرر أن يستحم ويتوجه إليها بنفسه!!
************************************
" شعاع وش مقعدش في الصالة كذا بدري؟؟"
شعاع تجيب عالية وهي تتلهى في جهاز التحكم حتى لا تلاحظ انتفاخ وجهها من البكاء: ماجاني نوم عقب صلاة الصبح.. قلت بأقعد أشوف الأخبار
أنتي وش مقومش بدري لا ولابسة عباتش بعد..
عالية في موقف آخر كانت لتلاحظ فورا مظهر شعاع المزري.. لكن لأن رأسها كان مشغولا بألف شيء.. لم تنتبه وهي تنهمر بالكلمات:
أبي أروح لبيت نايف.. أرتب كل شيء على ذوق وضحى وبأغراضها.. وعقب أقفله لين الزفة..
خلي خالاتي يحترقون..
تخيلي شعاع البيت ترتب أكثر من مرة.. ومفرش السرير تغير أكثر من مرة..
كل وحدة تبي تحط مفرشها اللي هي اشترته..
وتخيلي الأذواق عاد!!
العروس جايبة مفرش يجنن.. أمها حطته على السرير.. ورتبت كل شيء قبل أمس يوم جابت أغراضها..
نايف وداني وشفت الترتيب كان خيال وراقي صدق..
تخيلي البارحة في الليل متأخر يتصل علي.. يقول لي جاء غرفته لقا خالاتي قالبين الدنيا فوق حدر..
وهو مستحي تسأل البنية عن أغراضها يقول لها ما أدري..
شعاع همست بمودة رغم انشغالها بما فيها: تبين مساعدة؟؟
عالية تلبس نقابها باستعجال: تسلمين ياحلوة.. روحي لبيتش أكيد رجالش على وصول..
أنا أساسا بأخذ خدامة من بيت هلي.. وخدامة من هنا.. وبنخلص بسرعة..
حينما خرجت عالية للسيارة التي تنتظرها في البارحة.. كان هناك شاب طويل نحيل ينتظر خارجا.. يبدو شكله محرجا وهو يتصل في هاتفه ولا مجيب..
عالية عرفته فورا.. وهو حينما رأى السيدة التي تخرج.. استدار بحرج ليعود لسيارته..
لولا أن عالية أوقفته بطريقتها القوية في الكلام: أبو زايد تفضل داخل..
الصالة مافيها إلا شعاع..
علي هتف بلباقة رغم أنه ليس متيقنا من هي: صبحش الله بالخير يابنت خالد..
أنا تفشلت.. الوقت بدري.. وأدق على شعاع وعبدالرحمن ماحد يرد منهم..
عالية هتفت باحترام : عبدالرحمن راقد .. تبيه رجعت أقومه؟؟
علي يشعر بحرج متزايد: لا سلامتش.. جاي أسلم على عمتي وأخذ شعاع..
عالية تغادر للسيارة وهي تهتف بذات نبرة الاحترام القوية: اقلط مابه حد داخل إلا شعاع بس!!
شعاع حينها كانت تمرر أناملها عبر جهاز التحكم.. وعيناها المغرقتان بالدموع تعبر شاشة التلفاز ..
وأفكارها المرة تحفر في روحها حفرا... تحاول إبعادها عنها.. فتجدها تعود لتحيط بها إحاطة السوار بالمعصم!!
لا تتخيل أن عليا به من الدناءة أن يخونها ثم يحتفظ أيضا بعلامة خيانته داخل صندوق مغلق كما لو كان يفتخر بها!!
لا تتصور مطلقا كيف من الممكن أن يفعل ذلك..!!
رغما عنها شهقت بعنف وهي تتخيل الأخرى التي ضمها لصدرها.. تمنت أن يكونا كلاهما أمامها لتمزقهما تمزيقا...
" بسم الله عليش!!"
صوته الحاني كان قريبا كحلم.. تزايدت شهقاتها العنيفة رغما عنها..
(الخاين حتى صوته ملازمني!!)
فوجئت باليدين الحانيتين تمسكان كتفيها من الخلف يتبعهما صوته الجزع:
بسم الله عليش ياقلبي.. اخذي نفس..
شعاع قفزت بحدة لتستدير ناحيته.. بينما علي هتف بعتب: شعاع الله يهداش وش ذا النطة؟؟ راعي اللي في بطنش!!
شعاع تنظر له بذهول.. وعيناها متسعتان من الألم والصدمة: مهتم من اللي في بطني عقب اللي سويته..؟؟
علي يتنهد: شعاع حبيبتي امشي معي للبيت وبأفهمش كل شيء..
شعاع بألم شاسع: ما ابيك تفهمني شيء ولا تقول لي شيء..
لو هي وحدة غيري أصلا ماكانت طاقت تتفكر في وجهش!!
لو سمحت اطلع..
علي اقترب منها أكثر ليشد كفها ليجلسها.. لكنها شدت يدها بعنف منه.. وهي تهمس بحدة: لا تقرب مني!!
علي يتنهد: شعاع تكفين.. المكان مهوب مناسب للكلام.. تعالي زين مجلس الحريم..
شعاع تدير وجهها جانبا: علي لو سمحت.. اطلع برا.. ما أبي أسمع شيء!!
أشلون قادر تحط عينك في عيني وأنت خايني!!
علي يحاول أن يبعث أكبر قدر من الهدوء في صوته.. حتى شجارهما مثلهما.. هادئ.. شفاف.. راق:
ياقلبي ياحبيبتي.. والله العظيم.. ثم والله العظيم.. ثم والله العظيم... إن هذا ثوبي يوم تسكر علينا الأسنصير..
شعاع مازالت لم تستوعب: وهو كل شيء في حياتنا بتعلقه على سالفة الأصنصير!!
ثم شهقت وهي تتراجع أكثر: وبعد خايني في يوم ملكتنا بعد.. وتكذب علي إنك تعلقت فيني من ذاك اليوم..
علي هز رأسه بيأس: شعاع ما تذكرين لون الروج اللي أنتي كنتي حاطته ذاك اليوم..؟؟
وقبل ماتعصبين.. حطي نفسش مكانش.. ودوري لي عذر..
ولو مالي عذر.. أنا رجّالش وأب ولدش...
لو حتى ذنبي كبير.. قلبش أكبر..
وأنا معترف إني غلطان وطالب السماح.. ومافيه حياة زوجية تخلى من المشاكل
شعاع كانت تسمع انهماره والطعنات تتعمق في قلبها.. همست باختناق حقيقي:
وهذي تسميها مشكلة زوجية...
علي لو سمحت.. لو ما طلعت.. أنا اللي بأروح وبأخلي المكان كله لك..
علي تنهد ليزفر بحرارة: أنا بغيت أشرح لش كل شيء.. ماهان علي تقعدين تحترقين كذا بروحش..
خلش وارتاحي وفكري زين.. وبكرة عقب العرس باجي أخذش..
شعاع لم تستطع حتى أن ترد عليه.. وهي تنهار جالسة!!
بينما علي كان يشعر أنه يتمزق فعلا وهو يتركها خلفه.. ويخرج رغما عنه!!
ليشعر بالتمزق بأقصى معانيها وأشدها قسوة ووحشية.. وهو يصل لسيارته لتصله رسالة منها:
" علي لو سمحت.. لا تحرج نفسك ولا تحرجني!!
لا تجي بكرة ولا بعده...
وأنا لو حد سألني بأقول وحامي جا في البيت وفيك..
مهوب يقولون اللي تحب رجالها يجي وحامها فيه...؟!!
انبسط بالغلا !!"
******************************
نايف يعيد عالية لبيتها بعد صلاة الظهر.. حتى يتوجه للحلاق..
يهتف بقلق: علوي أخاف خواتي يزعلون..
عالية بحزم: لا والله معطي كل وحدة منهم نسخة من مفاتيح بيتك عشان ماتزعلهم..
وأنا أقول أشلون يقدرون يدخلون ويخربون على كيفهم..
نايف يزفر بضيق: بس تروحين تغيرين مفاتيح البيت كلها..!!
عالية بذات الحزم الأقرب للغضب: إيه بأغيرها ولو وحدة منهم عندها نص كلمة.. خلها تكلمني..
أصلا أنا أبيهم يكلموني..
نعنبو دار عدوك... هذا بيتك بروحك... ما لوحدة منهم فيه ريال...
كل وحدة منهم خذت حقها وزيادة في بيت إبيها.. وش يبون ببيتك؟؟
اللي طفشت بنت الناس.. ماحتى بتقعد أسبوع على ذا الحالة..
حينها هتف نايف بنبرة مقصودة: مهوب أنتي تقولين إنها مرنة وبتحط خواتي على رأسها؟!!
عالية بنبرة جدية تماما: فيه فرق بين مرنة وتحط خواتك على رأسها..
وبين هبلة ورقلة وماعندها شخصية وخواتك يركبون على رقبتها!!
أصلا لو مرتك ماحطتهم عند حدهم.. والله ماحد يأكلها غيرك.. وتعيش حياتك كلها بين ثمان طباين..
يعني الواحد يكون عنده زوجتين يطلعون روحه... أشلون واحد عنده ثمان!!
نايف تنهد بعمق وهو يسند ظهره للخلف ويتمسك بالمقود..
أي هموم تشغل بال شاب مثله.. وفي ليلة زفافه التي من المفترض أن تكون أسعد ليلة في حياته...!!
ممزق بين شقيقاته وبين زوجة يخشى أنها ليست مرنة حتى!!
بل يخشى أن تكون حادة ومتصلبة لدرجة الصدام المشترك مع شقيقاته!!
********************************
" ياعزتي لخالي عزاه..
اللي راح فيها نويف.. وين كانت وضيحى داسة ذا الحلا كله؟؟
صدق صراحة طلتها إبهار.. عرفت أشلون تبرز نفسها!!"
سميرة بمرح مشابه لمرح ابنة عمها: خلي خالاتش يحترقون..
سامعتهم بأذني يقولون أخينا الوحيد مالقى له إلا ذي.. وش الزود اللي فيها!!
عالية تضحك: خلش من خالاتي.. لو مالقوا شيء يحشون فيه حشو في أنفسهم..
التفتي عليهم وشوفيهم وهم متزاحمين عند الاستقبال.. كل وحدة منهم كأنها تبي تقول أنا الكل في الكل..
ثم أردفت بخفوت: إلا عمتش وش فيها؟؟ مهوب عوايدها.. بالعادة منورة وتهلي وترحب.. الحين ماتبي تبعد من جنب وضحى..
سميرة بتأثر: حتى أنا ماهقيتها بتتأثر كذا.. تدرين وضحى أخر العنقود.. وفراقها صعب..
بالفعل كانت مزنة لا تكاد تبتعد خطوة من جنب وضحى.. لأنها ما ان تفكر أن تبتعد حتى للسلام على إحداهن..
حتى ترى عيني وضحى تبحث عنها بوجع.. يزيدها وجعا!!
تنظر لها... فلا ترى كل الهالة حولها.. كل ماتراه هو ظفيرتين مجدلتين في أسفلهما شريطة بيضاء.. وهي في يومها المدرسي الأول..
كانت في ذلك اليوم تماما مثل ما هي اليوم.. طهر مجلل بالنقاء.. وعيناها تبحثان عن أنامل والدتها.. وتفيضان بدمع يأبى الإنسكاب..
تزيدها ذكريات ذلك اليوم وجعا... كلما تذكرت كيف أصر مهاب على أن يذهب معهما بنفسه...
وهو يشد على أناملها الصغيرة حتى أدخلها باب المدرسة.. ويرجو أمه أن تبقى معها قليلا...
تنظر لها.. فلا ترى عروسا.. بل ترى طفلتها هي.. أصغر الأبناء..
وككل الأمهات يظنون أن هؤلاء الصغار لن يكبروا..
سيبقون صغارا نرتشف معهم خربشات طفولتهم!!
كاسرة قاطعت أفكار أمها وهي تربت على كتفها برجاء خافت: يمه طالبتش اقعدي شوي..
اقعدي جنبها لو تبين.. بس بلاها ذا الوقفة!!
مزنة لم ترد عليها حتى.. لا تريد أن تجلس.. لأنها لا تريد أن يفوتها لفتة من لفتاتها ولا نظرة من نظراتها..
تريد أن تطرز ناظرها برؤيتها طفلتها وحدها قبل أن تذهب بأخر ذكريات طفولتها إلى عالم النضج!!
**************************************
" أنت صدق طالع المطار الحين؟؟"
فهد باحترام: إيه طال عمرك.. يا الله الحق..
منصور بتساؤل مهتم: والوضع بينك وبين مرتك أشلونه..؟؟
أنا سألتها تقول كل شيء زين..
فهد هتف بشجن مخفي خلف حزم صوته: زين إن شاء الله!!
ثم أردف بثقة: وعلى طاري جميلة أبيك توصل لها ذا الظرف طال عمرك..
لأني مالحقت أشوفها اليوم..
(كنت أتمنى أشوفها..
بس هي ماردت على تلفوناتي!!)
منصور أعاد الظرف لفهد بغضب: تبي تصرف على بنتي وهي في بيتي!!
فهد أعاد الظرف بإصرار أكبر: والله ماتقول شي.. إلا أنت ترضاها علي؟!!
ترضى إن حد غيري يصرف على مرتي حتى لو كان إبيها؟!!
منصور ابتسم فهذا الشاب غال جدا على قلبه.. لأنه لطالما عرف كيف أن له قلبا لا يعرف التلون :
باعطيها الظرف عشان خاطرك.. بس ياويلها تصرف منه وهي عندي!!
ابتسم فهد ردا على ابتسامته: وياويلها تصرف من غيره حتى لو هي عندك!!
ثم أردف بمودة: خلني أقوم أسلم على خالي.. لأنهم بيزفونه الحين.. وأنا بأطلع للمطار..
منصور بأريحية: أنا بأوصلك..
فهد بإصرار حازم: لا والله ماتوصلني.. حتى أخواني عييت حد منهم يخلي العرس عشان يوصلني..
سواق البيت ينتظرني برا.. وهو اللي بيوصلني!!
*******************************
نايف يشعر بالتوتر وهو في السيارة مع قطبين صامتين... وهو لا يستطيع الحديث في حضرتهما
تميم صامت.. لأنه صامت!!
وزايد صامت.. لأن هيبته تتحدث عنه!!
" ليتني رحت مع هزاع..
أبوك يالذرابة إلا أروح معهم..
أقله كان قعدنا ننكت أنا وهزاع وشلنا التوتر شوي"
حين وصلوا للقاعة.. هتف زايد بحزم أبوي: انزل يأبيك..
حالما نزل نايف شد زايد على كفه بقوة وهو يهمس في أذنه بحزم خافت:
اسمعني زين يا أبيك.. أدري إنك رجّال من عرب أجواد..
بس النصيحة لازمة.. لا يطري على بالك ولا حتى لثانية وحدة إنك تقهر وضحى وإلا تضيمها.. وتقول ماوراها ظهر يرد عنها!!
تميم عن ألف رجال من غير قصور فيه..
لكن حسابك وقتها بيكون معي أنا... وأظني إنك تعرف زايد آل كساب لو حد داس على طرف بنته وش هو بيسوي فيه!!
(مهوب كفاية إني متوتر... يخض بطني بعد!!)
نايف هتف باحترام جزيل: وضحى على رأسي من فوق.. ازهلها!!
زايد استخرج هاتفه ليخبر مزنة أنهم أصبحوا في الخارج.. بعد ان أتصل بها وأخيرها بخروجهم من موقع الحفل..
حتى يتجهزن..
.
.
.
" يمه تكفين.. لا تخليني.."
كانت وضحى تشد كف والدتها قريبا من قلبها بعد أن بقيت هي وحدها معها..
وقريبا من الباب ثمانية أشباح مسربلة بالسواد..!!
مزنة أكثرت من قراءة الأذكار عليها وهي تهمس لها بحنان:
ياقلبي مافيه شيء يخوف... اذكري ربش وبس...
وضحى باختناق متعاظم: يمة خايفة.. خايفة..
مزنة احتضنت كتفيها وهي تقرأ وتنفت عليها ثم ابتعدت عنها قليلا حين رأت طرف البشت الاسود الداخل..
فقد كان العريس وزايد كلاهما يرتديان بشتين سوداوين..
نايف كان يتقدم بحرج لا يعرف له سببا.. لتتعلق عيناه بالمشهد المبهر قبل أن يكتمل حتى..
كانت وضحى تقف ورأسها مخفض للأرض وهي ترتعش بعنف..
كان فستانها غريبا... والأغرب طرحتها..
ليس غريبا كفكرة ولكنه غريب كتنفيذ محكم دقيق!!
فالفستان الأبيض الناصع تخلل قماشه في مناطق مختلفة منه لون أخضر فاتح جدا هو جزء من لون القماش!!
وأعلاه كان عبارة عن أغصان خُضر نحيلة تلتف ببراعة على الصدر والذراعين.. لينبثق منها الأوراق وزهرات مختلفة الألوان كلها بألوان فاتحة هادئة جدا..
وهي تنحدر لأسفل وتتفرع حتى تختفي!!
أما الطرحة التي وُضعت بشكل الشيلة.. فهي أشبه بشبك الصيادين.... ولونها... أخضر فاتح بالكامل!!
وكوشتها الصغيرة الناعمة صُممت تماما وفقا لهذه الفكرة والوانها..
الأبيض ..والأغصان الخضر الفاتحة..والزهور الناعمة الألوان ..
ومثل ذلك مسكتها التي تمسك بها الآن وارتعاشها واضح في ثناياها..
حين اكتملت الصورة في عيناه.. لم يجد وصفا يصفها به سوى "مبهرة"
مبهرة فعلا...!!
زايد تقدم أولا ليقبل جبينها وهو يهمس في أذنها بحنان ومودة: الف مبروك يأبيش!!
نايف رجال فيه خير.. الله الله فيه.. وأنا وصيته فيش.. ومايقصر!!
وضحى همست باختناق: الله لا يحرمني منك.. ما تتخيل أشلون أنا فرحانة بشوفتك جنبي ذا الليلة..
زاد اختناقها وهي ترى تميم خلفه.. يشير لها بالتهنئة.. وهي عاجزة عن الإشارة.. لأن يداها مشغولتان بالمسكة..
أشار لها بشجن وتأثر وهو يرى كيف امتلئت عيناها بالدموع:
وصلني الرد يأخيش.. لا تحاتين..
العريسان.. كلاهما متوتر من لحظة اللقاء..التي اقتربت..
زايد هتف لنايف بحزم: سلم على هلك.. وحن ننتظرك برا..
ليخرج هو وتميم...
كان نايف للتو تتملأ عيناه من رؤيتها.. كان يريد أن يتمعن في كل تفصيل من تفاصيلها..
وخصوصا أن ذقنها كان يرتعش بشكل بالغ العذوبة أثر فيه حتى عمق العمق..
كان يريد أن يرى عينيها المسبلتين بخجل وهو يتقدم ليقف جوارها..
ليتفاجأ بهجوم الدبابات الكاسح الذي كاد يطرحه أرضا!!
" مبروك يأختك.. مبروك"
" ماتخيل فرحتي فيك!!"
" منك المال ومنها العيال!!"
"جعلني أشيل عيالك بين إيدي ياريحة الغالي!!"
شقيقاته أحطن به.. لدرجة أن مزنة تدخلت لتشد ابنتها وتجلسها..
قبل أن يوقعوها أرضا.. أو على أقل تقدير يمزقن مسكتها أو يفسدن فستانها لأنها كانت تقف ملاصقة لنايف..
ثوان ليصل الصوت الحازم العالي: خالاتي حبياتي... سوو مثل أمي.. سلمت ونزلت..
خلوا العريس يصور مع عروسه صورة عدلة الله يرحم والديكم..
نورة نزلت وهي ترمق عالية بنظرة حادة وتهمس لها بخفوت: دواش بعدين يا بنت صافية على سواياش كلها..
ما بغيت أخرب عرس نايف وإلا كان وريتش شغلش الحين!!
عالية بإبتسامة مصطنعة: خالتي تعالي في بيتنا وأنا كلي حلالش... المهم لا تحربون على نايف فرحته..
سلطانة نزلت أيضا ووصلت لتتدخل بخفوت: وش فرحته ياحظي؟؟... حديقة الورد اللي جنبه؟!!
عالية بابتسامة ونبرة مقصودة تماما: مالقوا في الورد عيب.. قالوا يا أحمر الخدين..
نورة بنبرة حادة هامسة: إيه أكيد بتقولين كذا.. دام ذي مسافيطش لخالش اللي ست سنين وهو ضامش.. وهذا جزاه عندش!!
عالية حينها شعرت أنها قد تنفجر من شدة الغضب فعلا..
ومع ذلك تماسكت وهي تصعد لتقبل جبين نايف ثم أجلسته جوار عروسه ..
وهي تهمس في أذنه بخفوت: اقعد صور لك كم صورة مع مرتك..
وعقبه هج لبيتك... سكر البيان وقفل تلفونك.. واطلع بكرة للمطار قبل موعد رحلتك..
اسمع شوري طالبتك!!
خلك أنت ومرتك بروحكم أسبوع وإلا أسبوعين لين تعرفون على بعض بدون تدخل من حد...
نايف شعر بالصداع فعلا.. في الوقت الذي يجب أن يكون شاغله هو عروسه..
يجد له مشاغل أخرى..
يسترق النظرات نحو ارتعاشها الرقيق ويتمنى لو يقول كلمة لتهدئتها..
ولا يستطيع إلا أن يفكر بالهرب بها لوحدهما.. قبل أن يُصاب بالجنون!!
***********************************
" خلاص زفوا وضحى الحين..
وأنا وأمي بنرجع البيت الحين..
مالنا نفس في القعدة عقبها!!
أنتظرك في البيت!!"
كساب كان ينظر لرسالة كاسرة ويبتسم.. وكان على وشك القيام ليتوجه للبيت فعلا..
لولا اليد الحانية التي شدت معصمه تبعها الصوت الهادئ العميق:
وقف باروح معك... أبيك في موضوع!!
كساب تنهد بعمق (أنا قلت الله يستر من شفقتي على شوفتها!! شكلها تعسرت!!)
كساب هتف لعلي بحزم: يالله امش.. أساسا وجهك مهوب عاجبني من يوم شفتك..
وسألتك.. وقلت لي مافيه شيء.. أثر عندك علوم!!
يا الله امش.. نروح نتقهوى في أي مكان ونسولف..
كساب وهو خارج.. أرسل لكاسرة أنه سيتأخر قليلا..
بعد حوالي الساعة في أحد مقاهي سوق واقف.. كانت القهوة قد بردت تماما..
وعلى يحكي لكساب خلافه مع زوجته..
فهو بالفعل متضايق.. ويريد أن يفضفض فقط.. لأن آخر من قد يحتاج منه نصيحة زوجية هو كساب!!
كساب كان يرتعش من الغضب وهو يقاطع علي بحدة: صدق مع شينه قوات عينه.. الحين أنت مهبب لك مصيبة كبر رأسك..
وربك ستر عليك ومافضحك... تفضح روحك بروحك ليه؟؟.. تخلي الثوب عندك ليه؟؟
هذا المفروض ثوب نجس ترميه في أقرب زبالة.. مهوب تحتفظ فيه كنك مستانس فيه يا الخمام..
جزاك وأقل من جزاك..
والله ماسوته فيك بنت فاضل إنه حلال.. وإنها هي خسارة فيك..
يعني عقب ماكانت هي عقب الله سبب في تحسن صحتك ونسيان خبالك القديم
تجرحها بذا الطريقة؟؟ أخييييييه منك!!
علي صمت.. وكساب مستمر في تجريحه بقسوة.. لا يستطيع حتى أن يخبره أن جنونه القديم هي ذاتها جنونه الجديد..
يشعر أن هذا سر خاص به وحده.. وإخباره والده به وكأنه يخبر نفسه!!
لم يشتكي لوالده.. لأنه يشعر أن والده مهموم بهم لم يشعر به سواه..
هم جديد يخفيه في أعمق أعماقه..!!!
وما أكد له ذلك.. أن والده لم ينتبه لتغيره..
وهو من كان يلتقط خلجات أنفاسه قبل أن يتنفسها..
كان في حاجة إلى حدة كساب وتأنيبه وقسوته.. لأنه يريد أن يعاقب نفسه على تجريحه لشعاع .. التجريح الذي هي احتفظت به لنفسه..
ولم تتلفظ به شفتاها حتى!!
*********************************
دخل لجناحه بهدوء.. لم يتوقع أنه قد يجدها مبكرا هكذا.. وخصوصا أن الليلة حفل زواج ابنتها..
لذا كانت صدمته بوجودها... وهي تجلس على السرير..
وأمامها عشرات الصور المنشورة.... كلها لشخص واحد.... وضحى!!
لم تشعر بدخوله حتى وقف فوق رأسها وسلم..
انتفضت بحرج وهي ترد السلام.. وتحاول إخفاء دمعة خائنة فرت من عينيها!!
همس زايد بتأثر وهو يجلس جوارها: أفا عليش يامزنة... تبكين؟؟
حينها لم تستطع أن توقف سيلا رقيقا من دموع صامتة.. سكبتها وهي تستدير ناحيته لتسند رأسها لكتفه..
لم تتحدث.. ولم يقل شيئا.. احتراما لحزن مهيب..
حقها أن يشاركها أساها.. كما شاركته أساه..
لحظات من زمن مسروق مضت وهي مازالت تنثر دموعها على صمود صدره قبل أن تبتعد وهي ترفع أحد الصور وتهمس باختناق كأنها تحادث روحها:
هذي صورتها وعمرها سنة!!
وهذي يوم خلصت الابتدائي!!
وهذي يوم خذت الطالبة المثالية!!
لم تستطع أن تقاوم مزيدا من انهمار دموعها.. وهي تلقي الصور وتطوق عنقه وتبكي هذه المرة بصوت مسموع..
زايد احتضنها بتأثر عميق وهو يهمس بخفوت قريبا من أذنها:
أنتي سويتي كذا يوم عرست كاسرة؟!!
أجابته بصوت مبحوح: لا.. يوم عرست كاسرة مهاب كان حي..
موت مهاب كسر فيني شيء مهوب راضي ينجبر..
وخصوصا إن وضحى كانت دايما تظن إني ما أغليها مثل أخوانها..
ومع كذا ماعمرها اشتكت.. ساكتة وراضية..
مادرت إن لكل واحد غلاه..
وهي غلاها بزود لأنها حشاشتي.. لين الليلة ما أشوف قدامي غير بنتي الصغيرة..
أحاتيها من الدنيا وقسوتها..
زايد صمت وهو يشدها أكثر إلى حضنه.. واختناق متزايد يكتم على أنفاسه..
كان يؤجل الحديث في موضوعه حتى زواج وضحى..
لكنه يرى الليلة غير مناسبة إطلاقا..
فهي بحاجته الليلة أكثر من حاجته لها..
ولا يمكن أن يدير وجهه لها!!
****************************************
مضى لهما دقائق منذ وصلا لغرفتهما...
صامتان.. متوتران.. متوجسان على ذات المستوى من الحدة والتكاثف..
نايف يسترق النظرات لها.. ويريد أن ينهض ليجلس جوارها فيجد أن قدميه لا تحملانه!!
وهي يتزايد اختناقها كلما تزايد صمته... تخشى أن كل تعبها لتبدو طلتها مبهرة أمامه ذهبت أدراج الرياح..
لأنه لم ينطق بكلمة واحدة إطلاقا منذ رأته...
" الظاهر إني ماعجبته.. أو مصدوم في شكلي..
ويقول وش ذا الخبلة على ذا اللبس اللي كنه لبس المهرجين؟؟
وبعدين وين جرأته وهو مرسل لي يبي يكلمني..
وحتى كلمة أشلونش ماقالها لي لين الحين !! "
هو يشعر بتوتر متزايد.. لانه يخشى من ردة فعلها..
قد يكون فعلا لم يعد غاضبا منها من أجل ماحدث بينهما سابقا حين أخبرت تميم..
ولكن الموقف كشف له حدة شخصيتها وأن ردود فعلها قد تكون محرجة له..
يخشى أن يقترب منها فتصرخ..
يقول لها كلمة غزل ما.. كما يُفترض فتسخر منه!!
ولكن خجلها البادي بشكل واضح جعله يتشجع قليلا ليقوم بالمبادرة..
وهو يقف ليلقي بشته جانبا...
ثم يقترب منها ليجلس جوارها على الأريكة التي كانت تجلس عليها وفستانها الضخم منتشر عليها..
لدرجة أنه جلس على طرف الفستان.. وهو يهمس بترحيب دافئ:
نورتي بيتش!!!
لم تستطع أن ترد والكلمات تقف في حنجرتها كما لو كانت تقف على مشانق تنتظر لحظة الخلاص الأخير..
تشجع أكثر ليهمس بذات الدفء: قلنا نورتي بيتش.. عبرينا بنص كلمة..
لم يصدر عنها سوى حشرجة خافتة لا تكوّن أي معنى..
همس حينها بإبتسامة: لا يكون شكلي يروع بس؟؟ وإلا صوتي...
لأنش منتي براضية تطلين في وجهي.. ولا حتى تردين علي!!
مازالت معتصمة بالصمت.. ليتشجع أكثر وأكثر وهو يمد يده ليلمس بعض الأزهار الصغيرة المتشابكة على عضدها:
تدرين إن فستانش خيال.. واعتبري هذي شهادة من واحد خبير..
عاش طول عمره بين بنات.. وعقبه 7 سنين في باريس.. الناس هناك يتنفسون موضة..
وضحى ابتعدت عنه بجزع ودقات قلبها تتصاعد وهو يمنحها أخيرا الغزل الذي تمنت سماعه..
ومع ذلك تمنت ألا يقوله!!
نايف كلما رأها تزداد خجلا.. ازداد تشجعا.. لأنه كان بذلك يكتشف أنها محض صبية خجولة.. لا تختلف عن أي صبية أخرى!!
مد يده مرة اخرى ولكن هذه المرة إلى وجهها وهو يلمس ذقنها بنعومة ليدير وجهها ناحيته ويهمس بدفء:
زين خليني أشوف وجهش!!
وضحى كان بودها أن تهرب من المكان كاملا.. لكنها شعرت أنها بذلك ستبدو متصلبة... وغير متقبلة له..
وهي من كانت تخشى ألا يتقبلها.. فإذا به يفاجئها بهذا الفيض من الدفء..
كانت عيناها مثبتتان للأسفل.. لذا عاود مد يده ليرفع وجهها..
ولم تعد يده لمكانها هذه المرة.. بل مررها برفق على تفاصيل وجهها برقة مقصودة..
شعرت وضحى حينها أن وجهها يشتعل.. وهو شعر بالفعل بدفء وجهها لأن الدم تدافع بعنف إلى وجهها ..
همس حينها بحنان رجولي فخم: ترا أنا حاس فيش أشلون مستحية.. وما أبي أزودها عليش..
قومي الحين بدلي وتوضي وخلينا نصلي ركعتين أول..
يشرح ربي صدر كل واحد منا للثاني ويبارك لنا في ليلتنا..
#أنفاس_قطر#
.