تحميل رواية «بقاء» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ بقاء بقلم رباب حسين.
رواية بقاء الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رباب حسين
ن
وها قد عاد الحبيب، بعودته يعود النبض للقلب المتلهف، تعود الحياة لذلك الجسد الذي تأكد أنه يحيا فقط لأجله، فكانت كلماته هي دواء روحها الحزينة.
أما هو، فكانت سعادته لا توصف بالكلمات؛ حين علم أنه لازال على قيد الحياة، وهي لا تزال هنا بجواره، إذًا لم يكن حلمًا... بل حقيقة واضحة، ليل تحبه... يالا سعادة القلب الذي ارتوى بحب الحبيب...
ذهبت ليل لتخبر العائلة باستعادة صقر وعيه، ثم طلبت من الممرضة أن تخبر الطبيب مصطفى.
ثم عادت إلى العناية مرة أخرى، رأها صقر وابتسم من خلف القناع، ثم ذهبت إليه وأمسكت يده وجلست بجواره، بعد وقت قصير نزع صقر القناع وقال.
صقر : فيه أخبار عن القاتل؟
ليل : لا للأسف.
صقر : هو أنا نمت اد أيه؟
ليل : أسبوع.
بدأ صقر يتنفس بصعوبة مرة أخرى وقال : أسبوع بيحققو ومفيش جديد؟
قالت ليل وهي تضع القناع مرة أخرى : صقر، مينفعش كده، رجع الماسك تاني ومتقلقش، كل حاجة هتبان، بس اهتم بصحتك دلوقتي.
أومأ برأسه ثم دخل مصطفى الغرفة.
مصطفى : حمد الله على السلامة يا كبير.
كاد أن يزيل القناع فأوقف مصطفى يده وقال.
مصطفي : لا لا لسه شوية يا كبير، خلي بس الرئة تتحسن وبعدين هنشيل الماسك خالص.
قام بالكشف عليه ثم قال : لا تمام أحنا أحسن الحمد لله، بس زي ما اتفقنا مفيش كلام خالص ولا نشيل الأكسجين يا دكتورة.
ليل :متقلقش يا دكتور، بس بعد إذنك تسمح بالزيارة.
مصطفي : ماشي بس واحد واحد، ونبهي عليهم محدش يتكلم معاه، يشوفوه بس.
ليل :حاضر.
ذهب الطبيب وبدأت العائلة بالتوافد إلى المشفى، وأخبرتهم ليل بتعليمات الطبيب، وبعد أن دخلو جميعاً واطمئنو عليه، عادو إلى المنزل مرة أخرى.
مر يومان، لم يحدث الكثير إلا أن الضابط سليم يكثف البحث عن سعيدة ولا أثر لها، وكان زياد وزيد وعلي وحاتم يبحثون عنها أيضاً، ولكن دون جدوى.
باليوم الثالث، تم نقل صقر إلى غرفة عادية، حيث أنه يستطيع التنفس الآن دون مساعدة. وأخبرت ليل العائلة بهذا الخبر السعيد، ثم عادت للغرفة، تفاجأت بوجود الممرضة وهي تمسك بيد صقر وتضع المحلول الوريدي بها، ثم رأت صقر وهو ينظر إلى الممرضة ويبتسم، ثم قال : إيديكي باردة أوي.
الممرضة : الجو النهاردة برد جدًا.
ثم نظرت إلى صقر وابتسمت له، ما أن انتبهت إلى ليل ونظراتها الحادة؛ أنهت عملها وذهبت دون حديث، وبعد أن خرجت نظرت ليل إلى صقر وهي تضيق عينيها بشك.
فابتسم صقر وقال : فيه إيه يا ليل، بتبصيلي كده ليه؟
ليل : قاطعتكم أنا آسفة؟
ضحك صقر ووضع يده على صدره، هرولت إليه وقالت : أهدى أهدى، بلاش الضحك دلوقتي.
أمسك صقر يدها وقال : إنتي بتغيري عليا؟!
خجلت ليل ونظرت بعيداً عنه، قرب صقر وجهها إليه ثم قال : محدش يملى عيني غيرك، عيون الصقر مبتشفش غير ليله.
تاهت ليل في عينيه، حتى غزله بها مختلف، ثم قالت :كلامك حلو أوي يا صقر، وصوتك وحشني أوي، الحمد لله أنك قمت بالسلامة.
صقر : أحلى حاجة إن إحنا كنا بنتكلم بالعين.
ابتسمت ليل وقاطع نظراتهما طرق الباب، ودخل مصطفى الغرفة بعد أن سمحت له ليل وقال : حمد الله على السلامة يا كبير.
صقر :الله يسلمك يا دكتور.
مصطفى : هتفضل بس معانا كام يوم، وهنعمل جلسات أكسجين ٣ مرات في اليوم، بس أهم حاجة مش عايز إجهاد ولا عصبية ولا صوت عالي ولا ضحك كتير.
ليل :متقلقش يا دكتور.
مصطفي : أنا مش قلقان وإنتي جمبه يا دكتورة، هو محظوظ بيكي الصراحة.
ابتسم صقر ونظر إليها، ثم أستأذن مصطفى وترك الغرفة.
دخلت الممرضة وهي تحمل وجبة الفطار، ثم قالت ليل :صحيح يا صقر، الظابط سليم جيه قبل كده وكان عايز يتكلم معاك، بس دكتور مصطفى رفض طبعاً، تحب أبلغه إنك تقدر تتكلم دلوقتي.
صقر : لا مش دلوقتي، أنا عندي حاجات أهم لازم أعملها.
تناول صقر الطعام وجاءت عائلة الهلالي و اطمئنو على صقر، ثم جاءت عائلة بركات وعلي و أمه سعاد، وحاتم وأمه أمينة.
وكان آخر من تواجد بالغرفة هو حاتم وأمينة، وذهبت ليل لتناول الطعام الذي أحضرته أمل لها من المنزل.
صقر : حاتم عايزك تعملي حاجة ضروري.
حاتم : قول يا صقر.
صقر : عايزك تتصل بشركة أمن تبعت حراسة للبيت عندي وعند بيت بركات كمان، النهاردة يا حاتم ضروري.
حاتم : حاضر متقلقش إعتبره حصل.
خرج حاتم من الغرفة وظلت معه أمينة، نظرت إلى صقر وقالت : أنا مش عارفة حاتم ماله يا صقر، حزين ومش بيتكلم، حتى قولتله نروح نقعد في مصر شوية عند أهلي يغير جو؛ بس رفض يسيب الوضع معاك كده ويمشي، كان قلقان عليك أوي.
صقر : ماله يا خالة فيه إيه؟
أمينة : جيه من فترة وقالي إنه لقى البنت اللي هيتجوزها، وكان طاير من الفرحة، وبعد فترة لقيته متغير وحبس نفسه في الأوضة، وأنا حاولت أفهم منه فيه إيه مقالش أي حاجة، وديه مش عوايده أبداً، حاتم عمره ما خبى عليا حاجة وده اللي مخوفني أكتر.
ابتسم صقر : بيحب يعني؟!
ثم ضحك قليلاََ وقال : تلاقيها رفضته، بس تبقى هبلة أوي، هو حاتم يترفض.
أمينه : كلمه إنت يا صقر، هو أكيد هيحكيلك.
صقر : حاضر من عينيا، لما يرجع بس.
طُرق الباب ودخلت ابتسام واطمئنت على صقر، ودموع الفرح تسبق كلماتها.
أما ليل كانت تجلس مع أمل وجهاد بمطعم المشفى وتتناول الطعام، ثم قالت.
ليل : طمنيني يا طنط أحلام عاملة إيه؟
جهاد : طول ما إنتي عم تجوليلي طنط ديه أنا مش هتحدت معاكي عاد.
ابتسمت ليل :طيب يا ست الكل؟! عايزاني أقولك إيه؟
جهاد : يا أما، جوليلي يا أما.
ليل :مش هتضايقي يعني.
جهاد : لاه.... يعلم ربنا معزتك في جلبي أد إيه دلوك، لولاكي كان زمان الغالي راح مني، وكفاية تعبك ووجفتك معاه، بجالك ١٠ أيام نايمة على الكرسي في عز البرد ده.
أمل : المهم إنه قام بالسلامة، ربنا يطمن قلبك عليه.
ليل : الحمد لله عدت على خير، طمنيني بقى على أحلام يا... يا ماما.
ابتسمت جهاد وظلن يتسامرن ويضحكن معاً، ثم ذهبن إلى غرفة صقر، دخلت جهاد وأمل وظلت ليل مع حسن بالخارج، جلسا أمام الغرفة وقالت ليل : بابا أنا عايزاك تمشي من هنا، إنت قولتلي مش هتمشي إلا أما تطمن على صقر، أظن خلاص اطمنت أمشي بقى، وياريت زي ما أتفقنا دور على شقة تانية، ومتقولش عنوانك الجديد لأي حد.
حسن : أنا عايز اطمن عليكي إنتي كمان يا ليل.
ليل : أنا كويسة يا بابا، الخطر عليكم إنتو.
حسن : أنا بس عايز أعرف بتعملي مع صقر كل ده ليه؟ اللي شوفك يقول بتحبيه.
ليل :مش فاهمة كلامك يا بابا.
حسن : يعني أنا عارف بموضوع دكتور أحمد وإنك موافقة عليه، ليه بتعملي كده مع صقر؟
كادت أن تجيب ولكن انتبهت إلى الطبيب مصطفى ينادي باسمها، استأذنت من حسن وذهبت إليه.
أما بالجانب الآخر، كان رفعت يستمع إلى ما قاله حسن وليل، وظهرت معالم الدهشة على وجهه.
أما عند ليل ومصطفى.
مصطفى : الصراحة يا دكتورة كنت عايز أسألك على حاجة.
ليل :إتفضل يا دكتور.
مصطفى : إنتي بتشتغلي في مكان أو عندك عيادة خاصة مثلاََ؟
ضحكت ليل وقالت : عيادة خاصة مرة واحدة!
مصطفى : وإيه المشكلة يعني؟ ده إنتي مرات كبير البلد، ده يقدر يبني مستشفى بحالها مش عيادة، إذا كان هو شريك في المستشفى ديه.
ليل : لا أنا معرفش حاجة زي كده، بس حضرتك بتسأل ليه؟
مصطفى :الصراحة إحنا عايزينك تيجي تشتغلي معانا، إنتي مكسب للمستشفى.
ليل :شكراً يا دكتور على دعمك ليا.... على العموم ده شيء يشرفني، بس مقدرش أقول جوابي النهائي إلا لما أخد إذن صقر الأول.
مصطفى : أكيد... هستنى ردك.
ليل : شكراً يا دكتور.
ذهب مصطفى، ووجدت رفعت يتجه إلى غرفة صقر بعد أن غادر أمينة وجهاد وأمل وابتسام، وقفت لتقوم بتحيته،ولكن نظر لها رفعت نظرة لم تفهمها ليل، ثم عادت إلى حسن لتتحدث معه.
دخل رفعت الغرفة، وبعد أن اطمئن رفعت على صقر.
قال صقر : أنا مش عارف أقولك إيه يا عمي، تقلت عليك وشيلت الشغل كله وأنا عارف إن رجلك تعباك.
رفعت : متقولش إكديه يا ولدي، ده إنت ابني يا صجر، ويعلم ربنا محبتك في جلبي أد إيه، بس... أنا عاتب عليك يا صجر.
صقر : ليه يا عمي؟!
رفعت بحزن : عشان موضوع زهرة، البت زعلانة جوي يا صجر.
صقر : حقك عليا. بس أنا حاسس إن زهرة مش بتحبني أصلاً، زهرة مبهورة بالكلام اللي حواليا، عايزة تبقى مرات كبير البلد، أعذرني يا عمي إنت عارف، أنا مش بعرف أذوق الكلام، أنا عارف إنها زي بنتك وإنت اللي مربيها، بس لو كملنا مش هتبقى حياتنا مستقرة.
رفعت : إنت حبيت ليل يا صجر؟
ابتسم صقر وقال : باين كده.
رفعت : بس يا ولدي خد اللي عتحبك.
صقر : ما ليل بتحبني يا عمي.
رفعت :متأكد؟
عقد صقر حاجبيه وقال : ليه بتسأل؟
رفعت : لاه.... بلاش أحسن.
صقر : قول يا عمي فيه إيه؟
رفعت : سمعتها بتتحدت مع أبوها عن واحد اسمه الدكتور أحمد، وعتجوله إنها عتحبه، وكمان شفتها بتتحدت في التليفون من شوي، وكانت عتجول جريب جوي هنكون مع بعض يا حبيبي، هاخد اللي عايزاه منه وأمشي من إهنيه.
ظهرت الصدمة على وجهه التي تحولت سريعًا إلى الغضب.
فقال رفعت : لاه يا ولدي، أنا مش عايزك تتضايج، بس أنا من لول جولتلك الجوازة ديه مش ليك، خد اللي شبهك يا ولدي، زيينا، تبجى واثق فيها، اللي مربيها على إيدك، فهماك وعارفة طبعك زين، وسيبك من المصراوية ديه عاد.
لم يتحدث صقر فعقله لا تشتت بسبب ذلك الحديث، هل حقًا تستغله؟! أم ما قالته بخصوص قضية الطار فقط لتبعد الشبهة عنهم، وتقوم عائلتها بالتخلص منه أولًا؟
دخل الشك قلبه فجعله متخبط، ثم ذهب رفعت وتركه.
دخلت ليل إلى الغرفة، بعد أن تحدثت مع حسن واعترفت له بحبها لصقر، وأيضاً شرحت له ما حدث مع أحمد، وطلبت منه الرحيل من سوهاج.
ليل بابتسامة: كفاية زيارات كده، ويلا عشان ناخد جلسة أكسجين.
نظر إليها نظرة تحمل الكثير والكثير، لم تفهم ليل لما ينظر إليها هكذا. ثم قالت.
ليل :مالك يا صقر فيه إيه؟
صقر : اطلعي برا.
ليل : ليه حصل إيه؟
صقر بغضب : بقولك برا، إيه مبتفهميش؟!
ليل : أهدى يا صقر، الإنفعال مش كويس عشانك، فهمني بس براحة إيه اللي حصل؟! وبعدين أنا الدكتورة بتاعتك مش هخرج غير لما أعملك جلسة الأكسجين.
صقر :فيه دكاترة كتير غيرك، مش عايزك تعملي حاجة.
ظنت ليل أن هناك خطب ما بالعمل هو السبب في حالته حاليًا، خاصةََ أنه كان يتحدث مع رفعت، فأرادرت أن تهون عليه وتغير الموضوع، فقالت وهي تبتسم :إعتبرني واحدة منهم، ده حتى دكتور مصطفى عرض عليا الشغل هنا، وكمان عرفت إنك شريك في المستشفى ديه، يعني أنا أولى من الغريب، ولا إيه؟
صقر : اه، ولما عرفتي إني شريك في المستشفى الطمع بقى عيني عينك كده وعايزة تشتغلي فيها؟! طيب وليه ما أكتبلك المستشفى باسمك بالمرة.
عقدت ليل حاجبيها بضيق وقالت : أنا هطمع فيك يا صقر؟! ليه بتقول كده؟
صقر بحدة : هو أنا كلامي مش مفهوم، أنا مش عايز أشوف وشك، اطلعي برا.
شعرت ليل بالخوف عليه من شدة الإنفعال، فقررت أن تصمت وتؤجل الحديث، ثم قالت : حاضر حاضر، هخرج بس إهدى أرجوك، وأنا هبعت ممرضة تعملك الجلسة.
خرجت ليل وهي لا تفهم شيء، لا تعلم سبب تغير معاملته لها فجأة، وتلألأت الدموع في عينيها، ثم وجدت حاتم يقف أمام الغرفة، ويبدو أنه استمع لصوت صقر ومعاملته معها، شعرت بالخجل ونظرت إلى الأسفل، وحاتم ينظر إليها ويحاول السيطرة على مشاعره، فهو مهما حاول أن ينهي هذا العشق بداخله لا يستطيع، قلبه تعلق بها، وما يحزنه أنها زوجة رفيق دربه، ولكن لم يستطع كبت غضبه من صقر الذي لا يزال يعاملها بطريقة سيئة للغاية، رغم انتهاء العداوة بينهم.
دخل حاتم الغرفة وقال بحدة : فيه إيه يا صقر؟ بتتعامل مع ليل كده ليه؟
تعجب صقر من حالة حاتم وقال: وإنت بتدخل بيني وبينها ليه يا حاتم؟
حاتم : عشان توقعت إنك هتعاملها بطريقة كويسة بعد ما عرفت إن مفيش طار بينكم، بس واضح إني طلعت غلطان، كفاية إهانة ليها بقى، إنت عايز إيه تاني؟! مش مكفيك اللي عملته فيها؟ ديه كانت هتموت يوم خطوبتك، هو إنت إيه معندكش قلب ولا أحساس! يا أخي لو مش عايزها سيبها فيه ١٠٠٠ واحد يتمناها.
تعجب صقر ولا يفهم لماذا يتحدث حاتم عنها هكذا؟ ولما هذا الدفاع كله؟ وما هذا الاهتمام المبالغ فيه؟ عدا أنها أول مرة يتحدث فيها حاتم معه بهذه الطريقة. ثم قال.
صقر : وإنت تعرفها منين عشان تعرف أن فيه ١٠٠٠ واحد يتمناها؟ ومالك زعلان عليها كده ليه؟
حاتم : عشان إنت مش مقدر الجوهرة اللي بين إيدك، أول مرة أحس إنك ظالم ومفتري، بتفتري على بنت ملهاش أي ذنب غير أن القدر حطها في طريقك، لو أنا كنت مكانك مكنتش عملت كده أبداً.
صقر : كلام... لو كنت مكاني كنت عملت أكتر من كده، أنا لو أطول كنت دفنتها بإيدي.
فقد حاتم تحكمه في غضبه، فقال: طلقها يا صقر، طلقها وخليها تتجوز اللي يحافظ عليها ويصونها، هي تستاهل تتحب لأنها فعلاََ تتحب.
نظر صقر إليه مطولاً، ثم نظر في عين حاتم الذي انتبه لما قاله، فنظر بعيداً عنه، فقال.
صقر : أول مرة يا حاتم ترفع صوتك عليا، وأول مرة أشوفك في الحالة ديه، عينك بتهرب مني ليه يا صاحبي؟ إنت بتحب ليل يا حاتم؟
لم يستطع حاتم أن يخفي مشاعره أكثر من ذلك أمام صديقه الذي يعلم طباعه حق المعرفة، فقال باندفاع: أيوه بحبها.
صدمة... ما شعر به صقر هو صدمة كبيرة، لم يستطيع التحدث أثرها، بل ظل يتطلع إليه وتجمدت أوصاله، ثم أردف.
حاتم : إنت عارف إني عمري ما حبيت، وبتعذب وأنا عارف إني بحب مراتك، حاولت كتير أنساها مقدرتش، وخصوصاََ وأنا متأكد أنك مش بتحبها، وأد إيه إنت بتظلمها، دموعها بتقتلني يا صقر، لو مش عايزها سيبها، طلقها وأنا هتجوزها، أنا عارف إن جوازكم غلط في غلط، وأنا أولى بيها لإني.... بحبها.
كل هذا وصقر ينظر إليه بعدم استيعاب ولا يتحدث.
خرج حاتم من الغرفة ثم من المشفى بالكامل، وبالطريق اصطدم بعلي الذي عاد مرة أخرى بعد أنا أوصل أمه للمنزل. تعجب علي من هيئته العجيبة، وقال.
علي: مالك يا حاتم فيه إيه؟! صقر كويس؟
لم يتحدث، تركه وذهب وأخذ أمه من حديقة المشفى؛ التي كانت تجلس مع باقي النساء هناك.
شعر علي بالخوف، وركض سريعًا إلى غرفة صقر، وحين دخل وجده شارد، وجهه ينبأ بكارثة سوف تحدث، نظراته حائرة وكأنه فقد هويته ولم يعد يعلم من هو، اقترب منه بقلق وقال.
علي : مالك يا صقر فيه إيه؟! إنت كويس ؟
لم يتحدث صقر.
علي : مالكو النهاردة؟ حتى حاتم خارج وشه غريب! حصل حاجة؟ فهموني.
صقر : بيحبها.
علي : هي مين؟
صقر : مراتي.... حاتم صاحب عمري وأخويا... بيحب مراتي يا علي، وجي بمنتهى البجاحة بيقولي في وشي طلقها وأنا هتجوزها.
نظر له على يحاول أن يفهم ما قاله، ثم تنهد وقال : لا طبعاََ إيه الجنان ده، حاتم لا يمكن يعمل كده.
صقر : بقولك قالها في وشي.
تذكر علي ما حدث يوم خطوبة صقر وزهرة، وارتباك حاتم عندما سأله عن سبب وجوده مع ليل في الحديقة، لاحظ صقر شروده، فعقد حاجبيه وقال
صقر : سرحت في إيه يا علي! إنت كنت عارف؟
علي : لا طبعاً... بس افتكرت يوم الخطوبة لما جيت أنا وحاتم، قالي ساعتها أدخل إنت وأنا هعمل تليفون، ولما خرجت لقيته واقف مع مراتك في الجنينه، بس أنا مكنتش أعرفها، ولما سألته قالي ديه واحدة من الخدم، وبعد كده لما عرفت إنها ليل سألته تاني ليه كان واقف معاها، ارتبك وهو بيجاوب عليا، وقالي إنه مكنش يعرف إنها مراتك.
صقر بدهشة : هما كمان كانو بيتقابلو؟
علي : إهدى بس يا صقر، أكيد الموضوع مش اللي في بالك، أنا هتكلم معاه وأعرف الحقيقة بالظبط.
صقر : مش عايز أعرف حاجة، كفاية كده، أنا مش عايز أشوف حد، خد كل العيلة وحط حرس على البيت، ومش عايز حد يجيلي المستشفى ولا يقعد معايا، وسيبني لوحدي يا علي.
علي : يا صقر أصبر بس شوية...
قاطعه صقر قائلًا بحزم : سيبني لوحدي بقولك.
لم يتحدث علي أكثر، هو يعلم غضب صقر جيدًا، وهيئته لا تبشر بالخير، فقرر أن يتركه قليلًا ليهدأ ثم يعود ويتحدث معه لاحقًا.
يبدو أن السعادة لم تكتب لهما بعد.
رواية بقاء الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رباب حسين
من أين لكِ بهذا التجبر؟ وكيف تقسين على قلب لم يذنب سوى بحبكِ؟ ألا يشعر هذا القلب القاسي بالألم؟ لا يعلم ما يفعل بي؟ أم تتفنين في عذابي، تستمتعين ببكائي! فتبًا لعشقٍ أمات الكبرياء وقتل الغرور.
وكيف لكِ بخيانتي؟ ألم يكفيكِ سلب قلبي مني؛ الآن تسلبيني أعز أصدقائي! يلا قساوة القلب الذي لم يعرف للحب بابًا.
والآن لم يبقى لي سوى الألم، ولم تتركِ سبيل سوى الفراق.
وفي الوقت الذي ينهار قلب صقر وعقله في ظلام لا أمل به، خرج علي لينفذ أوامره، وتوجه إليهم في الحديقة، ثم نظر إليهم وقال.
علي : صقر أمر إنكم كلكم ترجعو على البيت.
جهاد : طيب يلا يا جماعة، هروح أجول لعمي يجي معانا، هو عند الدكتور جوا.
نهضت ليل وذهبت باتجاه المشفى، ولكن أوقفها علي وقال: لا كلكم يا دكتورة.
ليل بتعجب : يعني إيه ؟! إنت عايزني أرجع البيت معاهم؟
علي :ديه أوامر صقر.
عادت جهاد وقالت : كيف يعني صجر اللي طلب؟
أمل : أكيد فهمت غلط يا علي.
علي : ديه أوامر صقر، وطالما أمر لازم ننفذ، لو منفذتش إنتي عارفه هيعمل إيه، وكمان طلب مني حراسة على بيتكم وبيت الحاج بركات.
ليل : هو فيه حاجة حصلت في القضية؟ عرفتو مين القاتل؟
علي :لا بس كده أمان ليكو.
ليل : أنا لا يمكن أسيبه وامشي، مش هقدر، لسه حالته مش مستقرة ١٠٠٪.
علي : دكتورة أنا مقدر قلقك عليه، بس متقلقيش أنا هوصي عليه الدكاترا، وأصلاً من غير وصاية ده صاحب المستشفى، بس برده هأكد عليهم. إسمعي كلامي وبلاش تقعدي مع صقر دلوقتي، صاحبي وأنا عارفه.... بلاش.
ليل : طيب أفهم إيه السبب.
حسن : خلاص يا ليل، علي أدرى بيه، سيبيه دلوقتي وروحي إرتاحي، وبعدين تعالي تاني بكره.
تحكمت ليل ببكائها وقالت: يا بابا مقدرش أسيبه لوحده.
حسن : طيب بصي، أنا هروح أكلم دكتور مصطفى أقوله على قرار صقر، ونشوف الأصح إيه ونعمله.
أخذها وذهبا إلى مصطفى، وبعد أن علم مصطفى قال : يمكن يا دكتورة شايف إنك تعبتي معاه وهو بدأ يتحسن، على العموم كلها يومين ويخرج، روحي إرتاحي ومتقلقيش، هو قطع مرحلة الخطر خلاص.
حسن : خلاص يا ليل يلا بينا.
ذهبت ليل مع جهاد وحسن والهلالي وهي تشعر بأن قلبها لايزال هناك بالمشفى، ثم أخبر علي صقر بأنهم ذهبو إلى المنزل.
صقر : الهدوم ديه أنا خليت الممرضة تلمهم، خدهم على البيت، وأكد عليهم مش عايز أشوف حد خالص، ومحدش يخرج من البيت لحد ما أرجع، ولا أنت كمان، مش عايز حد هنا معايا.
علي : طيب خليني اطمن عليك كل يوم وأمشي.
صقر : لا.
أيقن علي أن صقر لن يتقبل نقاش، فخرج من الغرفة، فهو يعلم أن صقر حين يحزن يفضل العزلة.
ذهب إلى منزل صقر وأعطى الحقيبة لهنية؛ التي أوصلتها إلى غرفة ليل، وجدتها تأخذ حمام، تركت الحقيبة ونزلت للأسفل.
بعد قليل، خرجت ليل ووجدت الحقيبة، وبداخلها تعلم أن صقر من أرسلها، وهذا يعني أنه لا يريدها أن تعود للمشفى، ظلت تفكر ما سر تغير صقر؟ كانت عينيه تتحدث بالعشق؛ والآن يبعدها عنه ويتحدث معها بغضب.
بدلت ثيابها ونزلت تبحث عن الهلالي، وجدته بغرفة المكتب يتطلع بصورة زين وصقر.
ليل : جدي.
الهلالي ببكاء : كان عيروح مني يا بتي، لحد دلوك مش جادر أصدج اللي حوصل، كنت عروح وراه. صجر مش حفيدي بس، ده ولدي، أنا اللي مربيه.
ربتت ليل على كتفه وقالت: الحمد لله يا جدي قام بالسلامة وعدت على خير.
الهلالي : بس لساته في خطر، الظابط سليم جالي إكديه، الجاتل عايز يخلص عليكم إنتو، وعيله بركات إتاخدت في الرجلين، ويلي ويلين والله، ولادي وولاد صاحبي، ليه؟! مين في جلبه سواد من ناحيتي إكديه؟!
ليل : هنوصله بإذن الله.
الهلالي : أنا اللي جاهرني أكتر سعيدة، معجول تكون هي اللي سمت حامد ولدي! كيف تعمل إكديه، ضهري مكسور على فراجهم.
أخذ يبكي وهي تحاول تهدئته، وبعد فترة هدأ قليلاً، فقالت.
ليل : أنا سيبتك يا جدي تخرج اللي في قلبك، بس اللي إنت بتعمله ده خطر على صحتك، أرجوك يا جدي إهدى، وادعي لصقر ربنا يحفظه ويرجعه بالسلامة.
الهلالي : فيه حاجة حصلت بينك وبين صجر؟
ليل : الصراحة يا جدي أنا جاية عشان أسألك، إنت أكتر واحد فاهم صقر، وأنا مش عارفة إيه اللي حصل، وخصوصاََ إن كنا كويسين جداََ وفجأة بقى حد تاني.
الهلالي : طالما منع نفسه عن كل الناس إكديه يبجى زعلان، وزعل واعر كمان.
ليل : بس أنا مزعلتوش. معقول أكون عملت حاجه زعلته وأنا معرفش؟! حفيدك صعب أوي يا جدي، أصعب من الفيزيا في الثانوية العامة.
ضحك الهلالي وقال : سيبيه يا بتي هو هيعاود لحاله.
أما بالمشفى دخل مصطفى إلى غرفة صقر، وجده شارد لا يتحدث وعينيه بها حزن كبير، اقترب منه وقال.
مصطفى : بلغني أنك مش عايز تاكل يا كبير، مينفعش كده، لازم تاكل كويس وتاخد جلسات الأكسجين.
لم يتحدث صقر ومازال شارداً
مصطفى : طيب لو حابب تتكلم أنا ممكن اسمعك.
لم يجيبه، انتظر قليلاً وكاد يذهب، فقال صقر: ياريتك ما أنقذتني يا دكتور.
نظر له مصطفى مجدداً وتعجب، ماذا حدث سبب هذا التغيير؟ ثم قال : إزاي تقول كده؟ فيه حد يبقى حواليه كل الناس اللي بتحبه ديه ويزعل إنه رجعلهم؟
صقر : متتغرش بالمظاهر يا دكتور، كل واحد ليه مصلحة، أنا كنت فاكر إن حواليا ناس بتحبني بس للأسف طلعت مغفل، متقلقش يا دكتور مش هموت من قله الأكل.
ثم أغمض عينه وقال: سيبني لوحدي.
خرج مصطفى وظل صقر يفكر وعقله يفكر دون توقف : ليه خانتني... ليه؟! ليه كدبت عليا وخدعتني ؟ معقولة تكون طمعانة في فلوس؟ واحدة طمعانة في لقب مرات الكبير، والتانية طمعانة في مستشفى ولا عيادة، طبعاً، هي تحلم تشتغل في مستشفى زي ديه وهي لسه متخرجة جديد؟ وحاتم يبص لمراتي!
"اااااااااه" صرخ بها صقر، لعل وجعه وصدمته تقل، هرولت الممرضة إلى الغرفة فصاح بها : براااااا.
خرجت الممرضة خوفاً منه وذهبت إلى مصطفى، كان ذاهب إلى المنزل، وحين أخبرته بحالة صقر وما حدث للتو، صمت قليلًا وقال : سيبيه لوحده شوية، بس نص ساعك كده وخشي إديله مهدئ في المحلول من غير ما يعرف.
نفذت الممرضة ما قاله مصطفى، وذهب صقر في نوم عميق.
أما على، فظل يبحث عن حاتم ول يجده فقرر أن ينتظره أمام منزله، بعد وقت، وجده يتوجع نحو المنزل، حاول أن يوقفه ويتحدث معه ولكن حاتم رفض، صعد خلفه إلى منزله ودخل معه، وانتبهت أمينة لما يحدث أمام الباب، وزوجها إبراهيم ينظر بتعجب لما يحدث.
علي غاضبًا : بقولك لازم أتكلم معاك يا حاتم، هو إيه اللي مش عايز أتكلم؟
حاتم : معنديش حاجة أقولها.
علي : قصدك مكسوف من نفسك من اللي إنت عملته.
حاتم :لا مش مكسوف.
إبراهيم : خبر إيه عاد صواتكم عالية ليه؟
علي : طيب نحكي لعمي إبراهيم اللي حصل وهو يقرر إذا كان اللي عملته ده يكسف ولا لأ.
حاتم : إيه الكسوف إني حبيت وعايز أتجوز؟على العموم أنا خلاص بدأت أدور على شغل تاني وهنقل على مصر، مش هقعد هنا في البلد وهعيش معاها هناك.
ضرب علي كف بكف بتعجب وقال : يا ابني إنت مجنون؟
إبراهيم : هي مين ديه اللي عتعيش معاها في مصر يا ولدي؟
علي : قوله هي مين.
حاتم : ليل.
أمينة بصدمه : يا نهار مش فايت يا حاتم! ليل مين.... مرات صقر؟!
حاتم : أيوة.
أمينة : إنت اتجننت أكيد؟
إبراهيم : إيه الجنان ديه! حد يفهمني إيه الموضوع؟
علي : أنا هفهمك يا عمي، البيه راح قال لصقر إنه بيحب مراته وطلب منه يطلقها عشان يتجوزها هو.
لم يتمالك إبراهيم أعصابه، وصدمته حعلته يندفع وصفع وجه حاتم على الفور وقال : إنت اتجننت إياك! كيف بتعمل إكديه؟
حاتم : يا بابا هو مش بيحبها أصلاً ومش عايزها، وأنا حبيتها من أول يوم شفتها فيه.
على : مين قالك إنه مش بيحبها؟
حاتم : باينة يعني، هو ذات نفسه كان بيحكيلي اللي بيعمله فيها، وإنت شفت بعينك، ده راح خطب أختك قبل ما يكمل شهر جواز، وطردها من بيته ورماها في الشارع، كل ده إيه... حب؟
علي : ده كان زمان قبل ما يعرف إن مفيش طار، زياد بنفسه حكالي صقر عمل إيه لما ليل طلبت الطلاق ساعتها، وقف وقالها في وسط البيت كله وقدام عمي رفعت مش هطلق، ده غير تهديده للبيت وأمه أولهم إن محدش يتعرضلها تاني، ولما جيه حسن أبوها كان واقف قدامه زي ما يكون عامل عملة لما حس إنه هياخدها ويمشي.
حاتم : لا كذب، أنا سامعه بودني النهارده بيطردها من الأوضة.
علي : يا ما بيحصل بين المتجوزين يا حاتم، هو عشان إتخانق معاها يبقى مش بيحبو بعض. وبعدين ما إنت شايف هي عاملة معاه إيه، أظن باين أوي يعني إنها بتحبه.
حاتم : هي بتحبه لكن هو لا.
علب : برده بيقولي هو لا! يا ابني أنا أول مرة أشوف صقر في الحالة ديه لمجرد إنه شك إنها بتخونه معاك، صقر مصدوم لحد دلوقتي، حرام عليك يا حاتم خليته شك في مراته. إزاي تعمل كده؟!
حاتم : بس هي حتى متعرفش إني بحبها.
علي : وده هنوصله لصقر إزاي؟ وهيصدقك إزاي أصلاً؟! حاتم هو فيه حد عاقل في الدنيا يروح لراجل يقوله أنا بحب مراتك سيبهالي؟
إبراهيم : يبجي جليل الرباية.
ربتت أمينة على كتفه وقالت : هي اللي إنت شفتها في بيت صقر وافتكرتها خدامة هناك، هي ديه ليل؟
حاتم : اه.
إبراهيم : كيف يعني افتكرها خدامة؟
علي : خالتي جهاد كانت بتعاملها وحش جداََ، خليتها تلبس لبس قديم ومقطع، وحكمت عليها تمشي بحجاب أسود عشان كده كان شكلها زي الخدم.
حاتم : أنا شفتها وهي كده وحبيتها وهي بالحالة ديه، وأكيد يعني مش هتخيل إن مرات صقر تلبس كده، لحد يوم الخطوبة لما قعدو يدورو عليها بعد ما إنتو مشيتو، ولما شفتها بين إيديه قلبي أتحرق من الوجع لما عرفت إنها هي ليل، حاولت أنساها وقررت فعلاً إني مفكرش فيها، بس معاملة صقر ليها النهارده خليتني مشفش قدامي، عشان كده قولتله لو مش عايزها طلقها.
علي : غلطان، وليل هي اللي دفعت التمن، صقر قلب عليها وعلى الكل ومش عايز يشوف حد، وطردها من المستشفى كلها، إنت عارف قلبة صقر بقى.
جلس حاتم وقال : يعني إيه؟ أنا بوظت حياتها ووقعت بين صقر ومراته! أنا ماكنش ده اللي كان في نيتي، أنا أتعميت، حبها عماني وخسرت صقر.
علي : اصبر أنا هحاول معاه وأهديه، أهم حاجة دلوقتي نقنع صقر إن ليل مخنتهوش.
مر الوقت، ما زال التحقيق مستمر وسعيدة مختفية، أما حمزة فعاد إلى أسيوط لأجل العمل وظلت أحلام في منزل الهلالي، أما حسن وأمل فعادا إلى القاهرة، وقام حسن بتغيير مسكنه كما طلبت ليل.
أما ليل فقد عادت إلى الحزن من جديد، لم تستطيع الذهاب إلى المشفى بعد ذلك اليوم، تمضي الليل في البكاء إشتياقًا إليه، حتى أنها أصبحت تنام في غرفته لعلها تشعر بوجوده بجوارها.
وصقر لا يزال منعزلًا في حزنه والغضب يتصاعد في صدره، ورغم محاولات علي المستمرة بأن يسمح له بالدخول إلى غرفته إلا أنه رفض.
بعد أسبوع، في غرفة صقر بالمشفى دخل الدكتور مصطفى وقال: صباح الخير يا كبير.
كان يقف صقر ينظر من نافذة الغرفة شارد الذهن، متخبط بين أشتياقه لها ورغبته في الابتعاد عنها وتركها تذهب مع من تشاء، وقرر أن يطلقها.
التفت صقر وقال : صباح النور يا دكتور.
مصطفى : أنا هبعت أجيب فطار، تفطر معايا زي كل يوم؟
صقر : لا أنا قررت ارجع البيت.
مصطفى : طيب كويس، قعدت المستشفى مش هتفيدك بحاجة، بقالك أسبوع حابس نفسك هنا ويمكن اللي يريح قلبك موجود برا، أخرج روح شوف مين زعلك كده، اسمعه يمكن عنده عذر ويمكن تسامح أو يمكن تطلع غلطان، لكن الحبسة ديه لوحدك مش هتفيد.
تنهد صقر وقال : ياريت يبقى فيه عذر.
مصطفى : كل واحد في الدنيا عنده أسبابه. إنت ممكن تغلط بس تبقى وقتها شايف إنك صح، كلنا كده بنغلط وأحنا مش حاسين، على العموم أنا هكتبلك على الخروج اللي متأخر ٣ أيام ده. حمد الله على السلامة.
كاد يخرج ولكن قال: صحيح يا كبير... أنا كنت طلبت من الدكتورة ليل إنها تشتغل معانا بس قالتلي إنها هتاخد رأيك الأول.... إيه رأيك؟
صقر : قالتلي.... بس إنت ليه عايزها تشتغل معاك؟
مصطفى : عشان كفاءتها، خسارة تقعد في البيت، وبعدين مش هتشتغل في حتة غريبة، يعتبر هتشتغل في مال جوزها.
صقر : اه..... ما ده اللي شجعها لما عرفت إن المستشفى بتاعتي.
مصطفي : لا محستش كده، هي أصلاً مكنتش تعرف، أنا اللي قولتلها آخر يوم كانت هنا، ولما عرفت مهتمتش أبداً.
عقد صقر حاجبيه وقال : إنت متأكد؟
مصطفى : أيوه.... على العموم أنا مستني ردك، عن أذنك.
خرج وترك صقر الذي تذكر ما قاله رفعت، فإذا كانت ليل لا تعرف بأمر المشفى إذاً ما الذي تريد أن تأخذه مني؟
خرج صقر من المشفى وعاد إلى المنزل، وعندما وصل وجد الحراسة على باب المنزل، وقناوي يجلس بجوارهم، اقترب من صقر وحمل حقيبته وقال بسعادة : حمد الله على السلامة يا كبير... نورت دارك.
صقر : شكراََ يا قناوي، إيه الأخبار؟
قناوي : بخير يا كبير كله بأوامرك.
طرق صقر الباب، كانو جميعاً حول طاولة الطعام عدا ليل التي رفضت تناول الأكل كعادتها مؤخراً، فتحت هنية الباب ورأت صقر فقالت بسعادة: صجر ولدي، حمد الله على السلامة.
ركضو جميعاً إليه واحتضنوه، شعر صقر بالراحة في إحضان أمه وأخته وجده، وكأن قلبه يشتاق إلى ذرة حنان في ظل تلك القسوة التي يشعر بها.
سمعت ليل الأصوات المرتفعة فخرجت تركض من الغرفة، حتى نزلت إلى الطابق السفلي ووجدت صقر عند الباب.
فقالت ليل في نفسها: رجع اللي معذبني أخيراً.
ركضت إليه وهي في غاية السعادة، وعند اقترابها ومحاولة عناقه أوقفها بيده، وقفت ليل وظلت تنظر لمن حولها بخجل، ثم نظرت إليه بحزن وقالت : حمد الله على السلامة يا كبير.
ثم تركتهم وصعدت إلى غرفة صقر مرة أخرى.
الهلالي بضيق : ليه يا صجر إكديه، حرجتها يا ولدي؟
أحلام : فيها إيه يا صجر؟ ولا مكسوف عاد تحضنها جدامنا.
صقر : مش وقته الكلام ده، جدي اتصل بسليم أنا عايز أشوفه ضروري.
الهلالي : حاضر يا ولدي.
ذهب الهلالي وأمسكت جهاد صقر من ذراعه وقالت: إيه اللي حوصل خلاك تعامل ليل عفش تاني يا صجر؟
صقر : قلت مش وقته يا أما.
جهاد : لاه وجته، البنية عتنطفي يوم عن يوم وإنت بعيد عنيها، فهمني عملت إيه هي لكل ديه؟... ده جزات وجفتها جمبك في مرضك؟
زفر صقر وقال: أماااا خلاص. أنا طالع أوضتي أخد حمام وأنزل.
وحين فتح الباب وجد ليل تقف عند الشرفة تتطلع إلى الحديقة. فقالت.
ليل : شكل الجنينة من هنا حلو أوي، تصدق إنها شبهك من برا تجذب أوي لكن لما تبقى جواها تحسها مخيفة.
صقر : بقيتي تخافي مني دلوقتي؟! بتعملي إيه في أوضتي؟
التفتت ليل وقالت : كنت بنام هنا.
صقر : ليه؟
ليل : أوضتي كئيبة، ها ناوي تتكلم؟
صقر : الكلام عندك إنتي.
ابتسمت ليل بسخرية وقالت : عندي أنا إزاي؟!.... هو أنا اللي بتغير وكل شوية بحال!
ثم اندفعت وقالت : أنا اللي بقربك مني وبرجع أبعدك عني تاني، ومن غير سبب. ليه.... فهمني بس ليه بتعمل معايا كده؟ أنا هتجنن بقالي أسبوع، دماغي مبتبطلش تفكير، حاولت حتى التمس أي عذر وأصدق أي عذر يقوله جدك أو مامتك أو أختك، بس لا.... فيه حاجة مش مفهومة، أنا عملت إيه استاهل عليه كل ده؟
صقر بهدوء : يمكن عرفت حاجة مكنش ينفع أعرفها. فكري كده مخبية عليا إيه ؟
ليل بدهشة : أنا؟! هخبي عليك إيه؟ هو إنت تعرف عني حاجة أصلاً؟ قعدنا في مرة أتكلمنا زي البني أدمين؛ زي أي زوج وزوجة، أنا مقولتش أي حاجة عني عشان تسألني مخبية إيه.
صقر : كفاية بقى لف ودوران وخليكي صريحة معايا، قولتهالك قبل كده و هقولها تآني، أنا مش بحب الكدب.
قاطعته ليل بصوت مرتفع : وأنا مكدبتش، ومش بكدب عليك.
صقر : مفيش فايدة فيكي مفيش...
ليل : إنت اللي مفيش فايدة فيك، غرورك وتكبرك مش بيخلوك تشوف حد حواليك، مخلينك تسمع صوت نفسك وبس.
صقر : الحمد لله إني رجعت اسمع صوت نفسي وبس، عشان لما سمعت صوتك وصدقتك طلعت مغفل.
ثم أمسكها من ذراعها وقال : أنا تخونيني! تبقي مين إنتي عشان تخوني صقر الهلالي؟ إنتي فاكرة إنك هتخرجي من هنا على رجليكي بعد اللي عرفته ده؟
دفعته ليل وهي في قمة غضبها وقالت: أبعد عني، أنا مبخفش من حد، وإوعي تفتكر إن تهديدك هيخليني أخاف منك.
صقر : صوتك ميعلاش عليا... فاهمة.
ليل : عايزني اسمعك بتطعني في شرفي وتقول عليا ست خاينة واقف أصقفلك! ويا ترى خنت حضرتك مع مين؟
صقر : مع أحمد اللي قولتي لأبوكي إنك بتحبيه.
ليل : تاااااني أحمد تاااااني؟ هو أحنا كل أما هنقفل موضوع هنفتحه.
صقر : هو عشان صدقت أول مره خلاص أفتكرتي إن الموضوع مش هيتكشف.
ليل : موضوع إيه، وإيه اللي اتكشف؟ أنا شرحتلك كل حاجة ومكدبتش عليك في ولا كلمة.
صقر : أمال قلتي لأبوكي إنك بتحبيه ليه؟
ليل : محصلش أبدًا، استني.
ذهبت ليل لتحضر هاتفها، فقال.
صقر : بتعملي إيه؟
ليل : هسمعك بودنك، بس متتكلمش.
اتصلت ليل بحسن وقالت : أيوه يا بابا.
.
.
الحمد لله.... إنتم عاملين إيه؟
.
.
اه صقر خرج النهارده الحمد لله قلت أطمنكو
.
.
الله يسلمك... بابا كنت عايزة، أسألك هو دكتور أحمد كلمك تاني أو حاجة؟
فتحت ليل مكبر الصوت واستمع صقر لما يقول.
حسن : لا مكلمنيش.
ليل : أصل في زمايل ليا كلموني من القاهرة، بيقولولي إنه عمال ينشر أن أنا وهو هنتخطب معرفش أزاي.
حسن : إيه الهبل ده! أنا كلامي كان صريح معاه، إنتي متجوزة، وحتى لو كلمني هقوله نفس الكلام، هقوله اللي قولتيه آخر مرة، إنك بتحبي جوزك ومش عايزة تسيبيه.
ابتسمت ليل وقالت : خلاص بتتكلم بقلب جامد بقى يا أبو علي؟
حسن : طبعا، بعد ما أتأكدت من حبك ليه زي ما هو بيحبك خلاص مبقتش حاسس بالذنب، خلي بالك من جوزك وربنا يتمملكم على خير، المرة ديه عايز خبر الحمل يبقى حقيقي.
ظهرت الدموع فين عين ليل وقالت : حاضر يا بابا.... هروح أنا أشوفه يلا سلام.
انهت المكالمة ثم نظرت إليه وملامح التعجب تظهر على وجهه، فقالت
ليل : أي اتهامات تانية يا كبير؟
صقر : اه.
تعجبت ليل وقالت :فعلا؟ إيه بقي المرة ديه؟!
صقر : حاتم.
ليل : حاتم مين؟ صاحبك؟! وده مالي وماله.
اقترب صقر منها وقال : أقدر أعرف حرمي المصون كانت بتقابل صاحبي في الجنينة برا ليه؟
ظهرت الصدمة على وجه ليل وقالت: لأ إنت أكيد مجنون، لا إنت مش طبيعي، أنا بقابل صاحبك في جنينة البيت هنا؟
صقر : علي شافكم وقالي وإوعي تنكري.
ليل : لا مش هنكر بس ديه مجرد صدفة،
ابتسم صقر بسخريه وقال: ده إيه الصدف الغريبة ديه؟
ليل :صقر إنت عايز إيه؟ هات من الآخر وقول اللي إنت عايزه.
صقر : أنا ميشرفنيش أنك تقعدي على ذمتي أكتر من كده، أظن القاتل مبقاش فارق معاه صلح وغير صلح، عشان كده أنا هنفذلك رغبتك وهطلقك، عشان مش صقر الهلالي اللي تضحك عليه واحدة ست.
نظرت له بحزن والدموع في عينيها وقالت : أنا مش مصدقة! عملت إيه أنا عشان تتهمني الإتهامات البشعة ديه، غلطت في حقك في إيه؟ قعدت تحت رجليك في المستشفى، فضلت أدعي من كل قلبي ليك ترجعلي، استحملت طردك ليا وإنك تحرجني قدام الناس وتزعقلي، حتى دلوقتي نازلة أجري عليك بكل حب عاملتني بمنتهى قلة الذوق.... ليه بتعمل فيا كده؟ أنا معملتش حاجة غير إني حبيتك، قلبي اتنيل وحبك، ليه ألاقي المعاملة ديه؟ إنت ندمت عشان اعترفت بحبك ليا؟ ولا أنت أصلاََ كنت بتضحك عليا ومحبتنيش؟ أنا مش فاهمة حاجة، بس اللي أنا متأكده منه هو حاجة واحدة بس، إنت شخص مريض بالغيرة والشك، وأنا اللي مش عايزة أكمل معاك.
تركته ودخلت إلى غرفتها بدلت ملابسها، ثم وضعت أغراضها بالحقيبة، وخرجت من المنزل على الفور دون أن يراها أحد.
كان هذا قرار متأخر، ولكن الآن ترحل دون ذرة ندم.
رواية بقاء الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رباب حسين
عُذراً خَائِنَتِي.... لا تَسَامُح
كَيفَ أُسَامِحْ قَلْبِكِ الجَارِح
طَعَنْتِي عِشْقِي بِسَيفٍا ذَابْح
وَ ذَا قَلْبِي يَبّكِي بِصَوْتـٍا جَامِح
عُذراً خَائِنَتِي.... يَكْفِينِي عَذَابًا
فَالْغَدْرُ يَقِتِل..... والفُرَاقُ مُبَاحًا
ظل صقر بالغرفة يشعر بكثير من المشاعر المختلطة؛ مجروح، حزين، مصدوم، ولأول مرة يشعر بالضعف، يحبها ولكن لا يعرف ما الذي عليه فعله.
فرت دمعة هاربة من عينيه، والقلب يبكي أضعافاً، يشعر بالإختناق الذي يطبق على أنفاسه، أزال الدمعة بقوة زائفة ونهض ودخل إلى الحمام.
بعد فترة قصيرة خرج وسمع طرق الباب، فتحه ووجد فاطمة تخبره بأن الضابط سليم ينتظره بالأسفل، أخبرها بأنه سوف يلحق بها، ثم أكمل أرتداء ثيابه، كان يتألم قليلاً من الجرح ولكن تحامل على نفسه.
بعد فترة نزل صقر إلى أسفل واقترب من سليم وقال.
صقر : أهلاً يا حضرة الظابط.
سليم : حمد الله على السلامة يا كبير.
صقر : الله يسلمك، أتفضل تشرب إيه؟
سليم : قهوة.
طلب صقر القهوة لهما ثم قال : عايز أعرف وصلت لإيه يا حضرة الظابط.
بدأ سليم يقص على صقر ما حدث.
أما عند ليل، فأصر قناوي أن يوصلها إلى منزل جدها، كانت تمشي بجواره وهي شاردة حتى وصلت إلى المنزل. طرقت الباب وفُتح حتى دخلت ليل ووجدت بركات يجلس بالأسفل مع العائلة، ارتمت بين أحضانه وشرعت في البكاء، ظلت تبكي حتى كاد أن تنقطع أنفاسها، والعائلة تحاول تهدئتها ولكن دون جدوى، ظلت هكذا حتى بدأت تهدأ. وقد أخرجت كل ما مرت به من حزن دفعةً واحدة.
زفر زياد بضيق وقال : فهميني إيه اللي حصل طيب، صقر حصله حاجة؟
أومأت بلا، فسأل.
زياد :يبقى إتخانق معاكي، أنا عارفه، عصبي وميتعشرش، قلت يمكن حبه ليكي يغيره بس مفيش فايدة، هيفضل صقر الهلالي هو هو.
زيد : خلاص يا زياد مش وقته.
زياد :لا وقته.... إنت مش شايف حالتها؟! ومتقوليش متدخلش يا ليل، إحنا أهلك ولما ترجعيلي بالمنظر ده لازم أتدخل.
ليل بإنفاس متقطعة : أنا خلاص مش عايزاه، خلاص تعبت مبقتش قادرة أستحمل أكتر من كدة، أنا عايزه أطلق يا جدي.
قال بركات وهو يضمها إلى صدره :حاضر يا بتي، بكفاياكي عاد، أنا اللي غلطان من لول..... حجك عليا يا حبيبتي، أنا اللي رميتك بيدي وعارف طبعه زين، كيف هلال بس أشد كمان، خلاص يا بتي.... كفايه بكا عاد.
سمر :اشربي مايه يا ليل وهدي شوي.
شربت ليل وقالت.
نور :هو ضربك يا ليل؟
ليل : لا.
زياد : طيب فهميني فيه إيه.
ليل :بيشك فيا.... طول الوقت شك، ودايماً مكدبني، وآخر حاجة قالي أنا ميشرفنيش تبقى على ذمتي.
ظهر الغضب على وجه زياد وكاد يذهب، حتى قال
زيد : لا يا زياد متروحش دلوقتي، اصبر بس لحد ما الجو يهدي، لو وقفتو قدام بعض وإنت كده مش هيحصل كويس.
زياد بغضب :سيبني يا زيد أنا لازم أعرفه مقامه.
زيد :معاك حق بس مش دلوقتي يا زياد، متقطعش كل الطرق بينهم وتزود المشكلة، ليل بتحبه، أديهم فرصه يهدوا.
بركات : اصبر يا ولدي وأنا ليا حديت تاني مع هلال.
ذهب زياد إلى غرفته وحاول أن يهدأ، لقد صبر كثيراً، ويعلم ما مرت به ليل جيداً، لذلك لا يحتمل رؤيتها هكذا، بعد وقت قصير اتصل علي فاستقبل زياد المكالمة وقال بضيق : ألو.
علي : أيوة يا زياد... فيه جديد؟ سليم كلمك ولا حاجة؟
زياد : الجديد مش عند سليم، عند صاحبك.
علي : مين فيهم؟
زياد : صقر.
علي : هو خرج ولا إيه؟
زياد : اه، وأول حاجة عملها رمى بنت حسن في الشارع بهدومها.
علي بصدمة : يا خبر، لا كده أنا رايحه، لازم ألحقه.
زياد : تلحق إيه؟ فهمني يا علي إنت تعرف حاجة؟
علي : بعدين يا زياد سيبني أروح لصقر.
خرج مسرعاً وذهب إليه.
أما عند صقر :أنا ليه حاسس إنك بتلمح لحد معين يا سليم؟
سليم : عشان مفيش حد مستفاد غيره.
صقر : مين؟
سليم :عمك رفعت.
نهض صقر بفزع وقال : إنت اتجننت! لا طبعا، ده زي أبويا وهو اللي مربيني.
سليم :يا كبير لو أنت جرالك حاجة كل ثروة الحج هلالي هتروح لزوجته ابتسام، وهو طبعاََ.
صقر : أكيد لا طبعًا، ده مش مبرر، وبعدين إنت ناسي إنه اتصاب في رجله وهو بيحاول ينقذني، ويمكن لولاه كان زماني ميت.
سليم : على أد ما الحادثه تنفي عنه التهمة اه، على أد ما مشكوك في أمرها.
صقر : ليه؟
سليم : عشان هو اللي قال أن زياد حاول يقتلك.
صقر : وإيه المشكلة؟ يمكن شاف غلط، الدنيا كانت ضلمة جداً يومها.
سليم : كانت ضلمة وقدر يأكد أن اللي ضرب نار كان زياد! طيب ليه مقلش زيد؟ ده محدش يقدر يفرق ما بينهم في النور هيفرق في الضلمة أزاي؟ على الأقل كان قال إنه زياد أو زيد.
صقر : سليم بلاش تسرح بدماغك في حتت بعيدة.
سليم : أنا بعرف أفهم اللي بيكدب من الصادق يا كبير، وعلى العموم التحقيق شغال، يمكن إستنتاجي غلط، بس بكرة كل حاجة هتبان.
صمت صقر وتذكر ليل عندما ذكر سليم الكذب.
سليم : سرحت في إيه؟
صقر : ياريت الواحد يبقى عنده حاسة تخليه يعرف الكدب من الصدق.
سليم : ممكن نكدب في الكلام بس العيون لا، بص لعين اللي قدامك وهو بيكلمك هتعرف هو صادق ولا لأ.
ظهر الحزن على عين صقر وأغمضهم بألم.
سليم : طيب أنا هسيبك ترتاح، طولت عليك وشكلك تعبان، وأي جديد هبلغك فوراً، بس ياريت لو عندك طريقة تعرف تجيب بيها سعيدة تساعدني.
صقر : هجيبها متقلقش.
خرج سليم من المكتب وأوصله صقر إلى الباب، وجاء علي الذي أحتضن صقر فرحةً بعودته، ثم غادر سليم، ابتسم صقر وقال.
صقر : أدخل يا علي تعالى.
علي : عايز أتكلم معاك ضروري، يا صقر تعالى على المكتب.
ذهبا إلى المكتب وأغلق علي الباب، فقال.
صقر: لو هتكلمني عن حاتم بلاش.
علي : بلاش حاتم.... أنا هتكلم على ليل.
صقر : ولا ديه كمان.
علي : صقر إنت ظالمها.
صقر : إزاي يعني ؟ إذا كنت إنت شايفها بنفسك معاه.
علي : أهدى يا صقر وأنا هحكيلك كل حاجة.
قص علي ما حدث حقاً بين حاتم وليل وما أخبره به حاتم.
علي : صدقني يا صقر ده اللي حصل وخالة أمينة أكدت الكلام، مراتك متعرفش أي حاجة عن مشاعر حاتم.
نظر صقر إليه بدهشة ثم قال : يعني هو حبها عشان أفتكرها خدامة هنا في البيت؟!
علي : اه... وهي فعلاََ شكلها ولبسها مكنش يدل غير على كد،ه حتى أمه أعترضت لما هو فاتحها وقالها أنه معجب بخدامة هنا في بيتك.
أمسك صقر شعره بضيق وقال: أنا عملت إيه؟!
علي : أنا بقالي أسبوع بحاول أقابلك يا صقر وإنت رافض، لو كنت سمعتني مكنش حصل كل ده، روح ألحق مراتك ورجعها بيتك.
صقر : أرجعها منين؟!
علي : إنت متعرفش إنها سابت البيت؟
صقر : ليل سابت البيت أزاي ده؟ وأمتي؟
علي : زياد اللي قالي أن ليل عندهم هناك ومعاها شنطة هدومها.
خرج صقر يركض إلى غرفتها فلم يجدها، ثم نظر إلى الخزانة فوجدها فارغة، زفر صقر ونزل مرة أخرى. وحين وصل إلى الطابق السفلي صاح.
صقر : هنية..... يا أما.... أحلام.
خرجن جميعاً من المطبخ، وقالت.
جهاد :خير يا صقر فيه إيه؟
صقر : أزاي تسيبو ليل تخرج من البيت؟
أحلام : وهي خرجت ميتا؟
هنية : مشفنهاش يا ولدي كنا في المطبخ بنعمل وكل عشانك، وجدك في المندرة فيه جلسة النهاردة.
جهاد : راحت فين يا صجر؟!
صقر : ليل سابت البيت وخدت هدومها معاها.
خرج مسرعاً وعلامات الدهشة علي وجوههن، ثم لحق به علي.
صقر : يا قناااااوي...
هرول إليه قناوي وقال : نعم يا كبير.
صقر : إزاي الدكتورة تخرج ومتمنعهاش؟ أنا مش منبه محدش يخرج من البيت.
قناوي : الأوامر اللي عندي أن محدش يخرج إلا أما تكون موجود يا كبير، وإنت أهنيه عشان إكديه ممنعتهاش عاد، ووصلتها لبيت الحج بركات وعاودت.
تركه صقر وذهب إلى منزل بركات، وعلي يحاول أن يهدأ من روعه حتى لا تتفاقم المشكلة، طرق الباب وحين دخل رأه زياد وهو يهبط من أعلى درج المنزل، فاقترب منه وقال.
زياد : جي ليه صقر؟
صقر : فين ليل؟!
زياد : أنسى.... مش هتشوف ليل تاني في حياتك.
صقر : زياد متقفش قدامي دلوقتي، قولي هي فين؟
زياد : لا مش هتشوفها يا صقر.
تجمع من بالمنزل جميعًا حولهما، ثم قال بركات. وهو يجذب زياد نحوه.
بركات : أهدى يا زياد عاد، عايز إيه يا صجر؟ مش خلاص رميتها برا بيتك، جي أهنيه ليه؟
صقر : أنا مطردتهاش هي اللي سابت البيت ومشيت ومن غير علم حد.
زيد : وإنت عايزها تقعد تاني أزاي بعد اللي قولته ده؟ ولا فاكر أن محدش فينا هيقدر يقف قدامك، وهنسيب البت تتمرط وتتبهدل أكتر من كده.
صقر : يا جماعة اللي حصل سوء تفاهم وأنا هحله.
زياد بغضب : سوء تفاهم؟ الكلام ده تقوله لحد غيري، أنا عارف كل حاجة حصلت مع ليل من ساعة ما رجليها خطت عتبة بيتك، هنتها وذلتها وخلتوها خدامة عندكم، ولبستوها زي الشحاتين، تقومها في عز التلج تغسل وتمسح ولما تعيا وتترمي محدش يبص وشها، وكمان تحرمها من الأكل، ده غير إنك رحت خطبت، ومن قهرها أغمى عليها في الجنينه. مسيبتش طريقة إلا وذلتها بيها، وهي اللي بتدافع عنك وقاطعتني عشانك وإنت متستهالش، فضلت تحت رجلك في المستشفى ويوم ما ترجع تقولها ميشرفنيش إنك تبقي مراتي، لأ... لحد كده بقى وكفاية، الأول كان معاك عذرك عشان الطار، المرة ديه عذرك إيه يا كبير؟
كان صقر يستمع إليه وهو يتذكر كل ما حدث بينهما أغمض عينيه كي يهدأ ثم تنهد وقال : أنا عارف إني قسيت عليها كتير، بس المرة ديه بجد غصب عني، سيبوني بس أتكلم معاها وهي هتسامحني.
قاطعهم صوت ليل وهي تقف أعلى الدرج ثم قالت: مش هيحصل.
انتبهو جميعاً إليها ركض صقر نحوها على الفور ثم قال،
صقر : ليل أنا عارف إني غلطت، بس لو سمعتيني هتعذريني.
ليل : لأ، مفيش أي عذر هيبرر اللي إنت قولته أو عملته. طلقني يا صقر.
ثم قالت بصوت مكسور وهي تتحكم ببكائها :كفاية كده أوي، سيبوني بقى في حالي، أظن إني عملت اللي عليا وزيادة كمان، صلحت اللي كان بينكم وكشفت الحقيقة، سيبوني بقى أرجع لحياتي اللي خربتوها، وأرجع لبابا وماما، إنت من ساعة ما دخلت حياتي وأنا مشفتش يوم راحة، حرام عليك، أنا ذنبي إيه في كل ده، أنا عايزة أشوف مستقبلي اللي بيروح مني، عايزة أنسي كل اللي حصلي.... عايزة أنساك، أبعد عني وأرحموني، أنا بني أدمة مش طوبة.
فرت الدموع من عيون صقر وقال : هعوضك.... هعوضك عن كل لحظة وجع حسيتي بيها بسببي، بس أديني فرصة أشرحلك اللي حصل.
أمسكها صقر من كتيفيها وقال : أنا بحبك يا ليل ومش عايز أخسرك، أديني فرصة واحدة بس.
قالت ليل وهي تبتسم بسخرية : بتحبني.
وأخذت تضحك بصدمة وقالت: إنت بتضحك على نفسك ولا عليا؟ منين بتحبني ومنين ميشرفكش أني أبقى مراتك؟ بص يا كبير اللي بينا خلص، وأنا عمري ما هسامحك ومش هرجلعك تاني، وهطلقني وهمشي من هنا، وهنسى كل اللي حصل ده... وهنساك.
كادت تذهب فقال صقر : حاتم أعترفلي إنه بيحبك، وطلب مني أطلقك عشان هيتجوزك هو.
التفتت ليل ونظرت إليه وهي تعقد حاجبيها، فأردف.
صقر : حاتم صاحب عمري وأخويا جيه قالي كده وأتخانق معايا عشانك، أظن على الأقل حسيتي بالوجع اللي كان جوايا.
ليل : وده يخليك تشك فيا أنا؟
قال علي وهو يصعد الدرج ثم توقف في المنتصف : لأ يا دكتورة ديه غلطتي أنا، أنا قولتله إنك كنتي واقفة معاه في الجنينة عندهم.
نظرت ليل إليه ثم عادت النظر إلى صقر وقالت : وإنت صدقت ؟ طيب كنت على الأقل كلف خاطرك وإسئلني، ولا خلاص أي حاجة هتتقال عليا هتصدقها من غير حتى ما تديني حق أدافع عن نفسي؟
صقر : أنا عارف إن طبعي صعب وإنتي إستحملتيني كتير، بس المرة ديه بجد غصب عني، أنا لحد دلوقتي لما باجي أعمل حاجة بنسى وأمسك التليفون أحاول اتصل بحاتم، لما بتضايق هو أول واحد بيجي على بالي عشان أكلمه واشتكيله، أنا وحاتم أكتر من الأخوات يا ليل، الموضوع واجعني أوي، بس اللي واجعني أكتر دلوقتي إني ظلمتك، أنا كنت مصدوم ومش عارف أفكر، مش شايف قدامي وحاسس إن كل حاجة حوليا كدب. سامحيني يا ليل وأرجعي معايا.
صمتت ليل وأخذت تفكر ثم أغمضت عينها وعادت النظر إليه وتنهدت وقالت : لا.... مش هرجع.
نظر لها صقر بحزن.
تركته وعادت إلى الغرفة مرة أخرى كاد يلحق بها، ولكن منعه زيد وقال.
زيد : سيبها دلوقتي يا صقر، أنا هتكلم معاها، بس إديها وقت تهدى، ليل من ساعة ما جت البلد وهي مش بتلحق تفوق، محتاجة راحة شوية.
نزل صقر الدرج ونظر إليهم جميعًا وقال : أنا أسف على اللي حصل مني بس زي ما سمعتو، على العموم أنا هسيبها ترتاح زي ما قلت يا زيد، بس أنا متأكد إن راحتها معايا.
ثم نظر إلى زياد وقال : أنا متوقع منك تساعدني عشان على أد ما أنت عارف كل حاجة حصلت معاها؛ على أد ما أنت متأكد إني بحبها.
تركهم وذهب ولحق به علي وقال بأسف: أنا أسف يا صاحبي، أنا اللي زودت الموضوع من غير ما أقصد.
قال صقر وهو يحاول كبت دموعه، وينظر بعيد عن عين علي : أنا اللي غلطان، أنا اللي كان لازم أسمعها، سليم كان معاه حق؛ العيون عمرها ما بتكدب، وعلى أد الحزن اللي شفته في عينيها والغضب، على أد الحب اللي عينيها فضحاه. بس أعمل في طبعي الزفت؟! لما بزعل ببعد.
علي : الضعف مش عيب، إحنا بشر وضعاف.
صقر : ليل بتكسر كل الحواجز.
ثم نظر إليه وقال : إتفرج على صقر الهلالي وهو بيمسك دموعه يا علي.
نظر له علي بحزن، فلأول مرة يرى صقر هكذا. ثم أردف.
صقر : تفتكر هتسامحني؟ إنت عارف كل اللي عملته فيها قبل كده سامحتني عليه من غير ما أطلب منها حتى، لكن المرة ديه مش حاسس إنها هتسامح.
ثم تنهد بصعوبة وقال : أنا تعبان، أوعى تسيبني إنت كمان، أنا مبقاش ليا غيرك.
علي : إحنا أخوات، أنا متأكد إنك هتسامح حاتم، وليل هترجع ومش هتخسر حد فيهم.
صقر : أنا مش مصدق أن الستات فرقتنا أنا وحاتم، آخر حاجة كنت أتوقعها. حتى لو مكنش يعرف إنها مراتي زي ما قلت، لما عرف جيه طلب مني أسيبهاله. عمري ما هسامحه.
علي : حاتم مكنش يعرف إنك بتحبها، أنا عارف إن اللي إنت فيه صعب وشايل فوق طاقتك، بس ركز مع ليل دلوقتي، هي الوحيدة اللي تقدر تساعدك وتخرجك من اللي إنت فيه، إلحقها يا صقر قبل ما تخسرها أكتر من كده.
صقر : مش هسيبها تضيع من إيدي أبداً.
ثم أمسك صدره وأغمض عينيه بألم، فقال
علي بقلق : تعبان؟ يلا ارجعك البيت.
أومأ له وعادا معًا إلى المنزل.
أما زياد فكان يقف مكانه ينظر للفراغ بشرود، فقال.
زيد : الصراحة صقر معذور، أنا مش متخيل إن حاتم يروح يقوله كده في وشه.
بركات : دلوك فهمنا ليه عزل نفسه في المستشفى، زياد أتحدت إنت مع ليل هي عتسمع منيك.
أومأ له ثم قالت.
سمر : سيبوني أتحدت معاها أنا لول، خلي بالك من خالتك يا زيد. تعالي معايا يا نور.
صعدا معاً إلى ليل ودخلا الغرفة، كانت ليل تبكي بصمت، دموعها تنساب دون توقف. فقالت.
سمر : بكفاياكي يا بتي.
ضمت ليل بأحضانها وأخذت تربت على كتفها، وقالت.
سمر : حديت زياد اللي سمعناه تحت ديه واعر على أي ست، خابرة زين إنك شيلتي كتير واتحملتي صجر وطابعه، بس ديه معناه إنك عتحبيه، ليه بتعذبي نفسك؟
ليل : عشان مسبش طريقة إلا وجرحني بيها، تعبت خلاص، أنا حبيته اه بس هو عمل إيه؟ شك فيا، وياريت حتى كلف خاطره وسألني، لا ده عاملني أسوء معاملة، خلاص كفاية.
نور : يا ليل خلينا متفقين إن البداية كانت غلط، بس بلاش تبقى النهاية كده، متنهيش حبك بإيدك، صقر معذور.... كان مصدوم في رفيق عمره، وواضح إن علي كمان زود الموضوع عليه، اسمعيه يا ليل.
ليل : لأ.... سمعت كتير، إترجيته عشان يحكيلي، كل أما تحصل مشكلة يبعد ويسبني، وأسهل حاجة عنده يتهمني ويصدق نفسه ويكدبني، لا معنديش فرص تاني ليه.
سمر : طيب أنا عايزاكي تهدي وتنامي شوية، ولما تفوجي نتحدت مع بعض.
أخذت سمر ليل بجوارها ونامت، وتركتها وخرجت هي ونور.
أوصل علي صقر إلى المنزل ودخل معه، وجد الهلالي ينتظره مع جهاد وأحلام، وعندما رأى علي أحلام ظل نظره متعلق بها حتى لاحظ صقر.
جهاد : مالك يا ولدي شكلك تعبان.
الهلالي : إيه اللي حوصل عشان ليل تسيب البيت يا صجر؟
صقر بإرهاق : هرجعها يا جدي متقلقش.
الهلالي : طالما وصلت إنها تسيب البيت يبجى زعلها واعر، عملت إيه مع البت ؟
علي : متقلقش يا جدي أنا متأكد أنها هترجع تاني، بس أديها وقتها.
الهلالي : وطالما عترجع مرجعتهاش ليه دلوك معاك؟
علي : صقر حاول بس هي لسه زعلانة شوية.
الهلالي : يبجى مش هتعاود، لما تكون عتحبك الحب ده كله وتختار تبعد بخاطرها يبجى مش هتعاود يا صجر.
قال صقر وهو يتنفس بصعوبة : أنا كفيل أرجع مراتي يا جدي، ليل مراتي وأنا هرجعها تاني، ومش هطلقها لو إنطبقت السما على الأرض.
ثم وضع يده على صدره بألم، وتقطعت أنفاسه بشدة وسقط أرضاً مغشيًا عليه.
لم يهزمه ألم الجرح الذي بجسده؛ وإنما فراقه عنها هو من جعل قواه تخور، سقط أمامهم والفزع والخوف يرتسم على وجوههم.
رواية بقاء الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رباب حسين
ن
كان الرحيل أقسى، فإن كان ما مر به صقر طوال حياته لا يحتمل؛ فهو تحمل وصبر، كان قوي لا يهاب شيء، بل كان هو من يُهاب، لم ينكسر، لم يضعف، ولكن هي من استطاعت هزيمة الصقر، فلم يكن عشقه لها عاديًا؛ بل تعلق روحه بها، وحين اختفت انهار كل شيء.
فهل تعود؟
خرج مصطفى من غرفة صقر بعد أن فقد وعيه وطلبه الهلالي وجاء وكشف عليه، وحين خرج من الغرفة قال.
الهلالي : خير يا دكتور طمني؟
مصطفى : واضح إنه انفعل زيادة، لاحظو إنه لسه في فترة نقاهة، واه الحمد لله التنفس بقى أحسن بس حالته مش مستقرة لسه إنه يعيش طبيعي، ياريت يرتاح وبلاش إجهاد، الصراحة أنا حاسس إن نفسيته تعبانة أوي وده مأثر عليه جداََ.
جهاد : طيب نعمل إيه دلوك نرجعه المستشفى؟
مصطفى : أنا شايف إن وجوده هنا وسطكم أحسن من إنه يقعد في المستشفى لوحده.
ثم نظر حوله وأردف: فين دكتورة ليل؟
علي : عند جدها.
مصطفى : أنا مطمن إنها معاه عشان كده مش هاخدو المستشفى، ياريت يفضل في السرير النهاردة ويرتاح.... عن إذنكم.
ذهب مصطفى وقالت أحلام بتعجب : معجول يا صجر! آخر حاجة توجعتها إنك تحب ليل للدرجة دي.
علي : مش موضوع ليل بس، سيبوه يرتاح وتعالو أنا هحكيلكم كل حاجة.
سرد علي كل ما حدث بين صقر وحاتم وليل
الهلالي : واعر..... واعر يا ولدي، وأنا زودتها عليه، أنا هروح لليل وأتحدت معاها.
أستأذن علي وذهب، والقلق يسيطر عليهم حول صقر وحالته الصحية وما حدث بين زوجته وحاتم.
خرج علي من المنزل واتصل بحاتم على الفور، وحين تلقى المكالمة قال.
حاتم : أيوة يا علي.
علي بغضب : خربت الدنيا، بوظت كل حاجة، حرام عليك، أنا مش مصدق إن اللي قدامي ده صقر الهلالي.
حاتم بفزع : حصل إيه يا علي فهمني، صقر جراله حاجة؟
علي : ليل سابت البيت وطالبة الطلاق وكله بسببك، وصقر بعد ما خرج من المستشفى إنتكس تاني.
أغمض حاتم عينيه بألم وقال : أنا مكنتش عايز كل ده يحصل، أنا غلطت بس ساعدني أصلح اللي عملته، أنا مش متخيل إني خلاص اللي بيني وبين صقر انتهى كده.
علي : أساعدك؟! إزاي بقى أن شاء الله؟! بقولك إيه أقفل يا حاتم أنا مش طايق نفسي.
انهى علي المكالمة، ونظر حاتم إلى الهاتف وشرع بالبكاء، فأصعب من الخطأ هو الندم عليه.
دخلت أمينة وقالت بفزع : حاتم! إنت بتعيط، فيه إيه؟
أزال حاتم دموعه وقال: أنا دمرت حياة صقر وواقف أتفرج عليه من بعيد، أنا اللي عملت كده فيه، آخر حد كنت أتوقع إني أعمل فيه كده.
أمينة : اللي غلط بيتحمل غلطه يا حاتم، زي ما غلطت إنت كفيل تصلح غلطك بإيدك.
حاتم : إزاى بس؟
أمينة : فكر.
نظر حاتم إلى الفراغ يفكر بشرود.
ذهب الهلالي إلى منزل بركات وطرق الباب، وفتحت الخادمة وأدخلته عند بركات ببهو المنزل.
بركات : أهلاً يا هلال تعال.
الهلالي : إزيك يا بركات؟
بركات : زعلان يا هلال وواخد على خاطري منيك، تسيب حفيدتي تخرج من بيتك إكديه!
الهلالي : أنا مخابرش إيه اللي حوصل، كنت في المندرة وخرجت لجيت البيت جايم جاعد، ولما عرفت اللي حوصل جيت أشوف ليل وأتحدت معاها.
بركات :طيب.... نور، أطلعي يا بتي هاتي ليل من فوج.
ذهبت نور وأيقظت ليل وارتدت ليل حجابها ونزلت إليهم. وحين رأها قال.
الهلالي : إكديه بردك يا ليل، تجري على جدك وأنا موجود؟ طيب كنتي تعالي جوليلي وأنا أعرف كيف أوجف صجر عند حده.
ليل : مكنش ينفع يا جدي صدقني أفضل في البيت أكتر من كده، خصوصاً لما قالي إنه هيطلقني.
الهلالي : مفيش طلاج والحديت الماسخ ده، عترجعي معاي.
ليل : لا يا جدي مش هرجع آسفة.
الهلالي : طيب تعالي نتحدت براحة أكديه. إنتي عرفتي عاد اللي جاله حاتم لصجر، أسألي الرجالة اللي حواليكي دول دلوك؛ لو حد فيهم سمع الكلام ديه وكمان عرف إنك كنتي بتشوفيه في الجنينة عيعمل إيه؟
ليل ببكاء : حتى أنت يا جدي بتقول كنت بشوفه.
الهلالي : يا بتي أنا واثج فيكي، وواثج إنك معتخونيش صجر واصل، وخابر أد إيه بتحبيه، أنا بجول على اللي سمعه وجتها. كيف يا بتي عايزاه يجدر يفكر زين في وضع زي ديه.
ليل : لو واثق فيا زيك يا جدي مكنش صدق
الهلالي : أنا واثج فيكي لأنك جدامي صرلك شهر وزيادة، عرفتك وفهمت طبعك زين لكن صجر لحد دلوك ميعرفكيش، تزعلي صوح لو بجيتو عشرة وصدج عليكي أي حاجة.
زياد : معاه حق يا ليل.
ليل : حتى أنت يا زياد بتدافع عنه، خلاص كلكم اتخليتو عني.
الهلالي : يابتي أحنا بنعمل إكديه عشانك في لول، أباي عاد! ما أحنا خابرين أنك عتحبيه ودلوك عتبكي عشان سايباه، أنا خابر زين إنك عنيدة حتى حسن جالي إكديه؛ أنك لما تحطي حاجك براسك بتنفذيها.
ليل :فعلاً... وأنا قررت أرجع مصر.
تنهد الهلالي وقال : طيب يا بتي.... أعملي اللي براسك، أنا جيت بس عشان أجولك فكري زين عشان مترجعيش تندمي على أي حاجة عتعمليها. عمشي أنا يا بركات.
بركات : لاه، أجعد أتعشى معاي.
الهلالي : لاه مش عايز أكل، عايز أروح أرتاح شوي.... عجيلك تاني.
ذهب الهلالي ونظرت نور إلى ليل وقالت : لا يا ليل مش صح، أوعي تروحي مصر، متكبريش المشكله أكتر.
ليل : هو أنتو ليه مش مصدقين إني مش هرجعله تاني.
زيد : عشان الحب اللي في عينيكي ده مش هيخلص بسهولة كده.
تركتهم ليل وعادت إلى الغرفة، ظلت تفكر بما قاله الهلالي، صقر كان متخبط بسبب كلام حاتم، ولكن ما يحزنها هو موضوع الدكتور أحمد أيضاً وأنه شك أنها تطمع بماله، وهذا ما جعلها تتيقن أن صقر مريض بالشك، ودب هذا الشعور الخوف بقلبها، فهل تسامحه ثم يعود للشك مرة أخرى!
ذهب حاتم إلى علي في المنزل، وبعد محاولته لتهدأت علي حتى يقص له ما حدث، وافق أخيراََ وأخبره بكل شيء.
عاد حاتم إلى منزله وقرر في نفسه أنه عليه أن يتدخل.
في الصباح استيقظ صقر، ظل شارد ينظر إلى النافذة وهو مستلقي على الفراش وعلى وجهه علامات التعب والحزن، أمسك هاتفه واتصل برقم يحفظه جيدًا، وما أن سمع صوته قال.
صقر : أيوة، أنا صقر الهلالي، تجيلي وتجهز رجالتك، نص ساعه وتبقى عندي.
انهي المكالمة واتصل ب علي.
صقر : أيوة يا علي، زودلي الحراسة على بيت بركات، ولو ليل خرجت لازم يبقى فيه حرس معاها.
ثم انهى المكالمة دون حديث آخر. نهض وذهب إلى المرحاض وخرج ليرتدي ثيابه وانتظر بالأسفل. وحين رأته قالت.
جهاد : صباح الخير يا ولدي، ليه جمت من السرير عاد؟
صقر : أنا كويس... متقلقيش.
أحلام : يا خوي إنت لساتك تعبان والحكيم جال أن حالتك لساتها محتاجة راحة.
صقر : مش هعمل حاجة، أنا بس هتابع الشغل من البيت ومش هخرج، علي في الشركة وبيطمني.
جهاد : جدك راح لليل عشية.
نظر لها صقر بحزن وقال : عمل إيه ؟
أحلام : عايزة تنزل على مصر ومصممة تطلج.
نظر إلى الفراغ بشرود، وكأن الأمل بدأ ينطفئ داخل صدره ولم يجيب، ثم أغلق عينيه وقال : ليل عنيدة، كل أما هنضغط عليها هتعند أكتر.
هنا وتدخل الهلالي وقال : صوح.... عشان إكديه محاولتش معاها أكتر، وجلت أسيبها شوي، هي عتشتاجلك يا صجر وعتعاود لحالها.
صقر : هو علي قالكم على اللي حصل؟
أحلام : أيوة حكالنا اللي حوصل كله.
نظر صقر إلى أحلام وقال: أنا حاسس يا أحلام أن علي لسه بيحبك، بلاش تقعدي معاه كتير.
أحلام بارتباك : لاه أكيد نسيني، الكلام ديه جديم عاد يا صجر.
صقر : لا مش قديم، من ساعة ما رفضتيه وهو حابس نفسه في مصر ورافض الجواز، أنا شفت عيونه وهي بتلمع إمبارح لما شافك.
تهربت أحلام من الحديث وقالت: خلاص يا صجر عاد، جفل على السيرة ديه.
صقر : أنا حذرتك يا أحلام من جوازك من حمزة، وأنا عارف أنك بتحبي علي من زمان، وخايف لتندمي، عشان كده ببعد البنزين عن النار، لو أعرف بس إيه اللي حصل خلاكي ترفضيه.
نهضت أحلام وتركته، فنظرت لها جهاد ثم قالت.
جهاد : مش كنا إتفجنا يا صجر منفتحش الموضوع ديه تاني.
صقر : حاسس إنها مش مبسوطة يا أما، اه حمزة ابن حلال وبيعاملها كويس، بس جوايا إحساس إنها وافقت عليه بس عشان هياخدها تعيش برا البلد.
الهلالي : ملوش لازمة الحديت ديه يا ولدي، خلاص أتجوزت وحامل.
طرق الباب ووجد صقر رقية تفتح ثم قال : رقية دخليه المندرة.
الهلالي : مين ديه يا صجر ؟
صقر : عزام.
الهلالي بتعجب: تاني عزام يا صجر.
صقر : محدش هيقدر يجيب سعيدة غيره.
تركه صقر وذهب إلى المندرة، ثم أعطي أوامره لعزام بالبحث عن سعيدة.
عزام : أمرك يا كبير، مطاريد الجبل كليتهم تحت أمرك، بس الحماية يا كبير..... مش عايزين حكومه تتدخل.
صقر : جيبلي سعيدة وارجعو الجبل تاني،مش عايز منك حاجة غير كده، ومتقلقش الحكومة بتدور بس مش هتعرف خبايا البلد زيك، يلا وريني همتك.
ذهب عزام وظل صقر في المندرة، تذكر عندما استمع إلى حديث ليل وزياد في الحديقة، وارتباك ليل عندما لاحظ زياد حبها له، ثم خرج إلى الحديقة وتذكر قولها اسمه وركضها نحوه واعترافها بحبها ل، أغمض عينيه بحزن وقال بصوت مسموع: وحشتيني..... وحشتيني أوي، نفسي أخدك في حضني مرة واحدة بس.
أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة.
صقر : "عايزة تنهي اللي بينا من قبل ما يبتدي؟! ده أنا لسه معشتش الحب معاكي،
أنا واقف في المكان اللي قولتيلي فيه مفيش حزن تاني، بفتكر نظرة عينيكي ليا اللي كلها حب، أدفع نص عمري وأشوفها تاني، الحاجة الوحيدة اللي مخلياني صابر على قراراتك اللي بتدبحني ديه؛ هي أني فعلاً معملتش أي حاجة معاكي غير إني أذيتك، بس برغم كده مستني ترجعي، وهفضل مستني، وأوعدك حبك اللي في قلبي هيزيد كل يوم لحد ما ترجعي لحضني،
حضني اللي ملحقتش حتى أضمك فيه. إدينا فرصة نبتدي يا ليل، متكتبيش نهايتنا من قبل ما نبدأها... أنا بحبك"
أغلق هاتفه وهو يرى أنها تقرأ الرسالة، وبداخله يعلم أنها لن تجيب.
تقدمت هنية نحوه وقالت: يلا يا صجر عشان تاكل.
صقر : مليش نفس يا خالة.
هنية : لاه يا ولدي لازم تاكل عشان تصح.
صقر : قلبي واجعني أوي يا خالة.
ثم زفر وقال : خسرتها.....أنا حاسس إني خسرتها، لو مكانها عمري ما هرجع، مش فاكرة مني غير الأذية عشان مشافتش مني غيرها، وقالتهالي؛ من ساعة ما شفتك مشفتش يوم حلو، حقيقي أنا فضلت أدوس أدوس وأتاريني بدوس على قلبي بإيدي.
ربتت هنية علة كتفه وابتسمت وقالت : لساتك بتشتكي وجعك جدامي بس يا صجر، عتعاود يا ولدي.... ليل جلبها أبيض وهتعاود، بس لازم تشوف حنيتك اللي محدش عارفها غيري ديه، ووجتها مش عتبعد عنيك واصل، بس دلوك تعالى كل.
صقر: مليش نفس.
تركته هنية وذهبت إلى الداخل، فهي تعرفه جيداً؛ لن يرضخ لها.
أما ليل كانت تنظر إلى رسائله وقلبها يتراقص داخل صدرها، فقد لامس حديثه مشاعرها التي تهرب منها، نعم لم أعيش الحب مع من أحببته حد الجنون، ولكن الخوف يقتلني، هل أعود وأنغمس في هذا العشق؟! لا إذا فعلت ذلك لن أقدر على الابتعاد عنه مرة أخرى.
ظلت تنظر من النافذة حتى دخلت نور وقالت: هتفضلي حابسة نفسك هنا؟
ليل : لا كنت نازلة بس أستغربت حاجة.
نور: خير.
ليل :مش ملاحظة أن الحراسة زيادة شوية.
نور : متوقع؛ ما حبيب القلب أكيد عايز يحميكي.
ليل : لا طبعاً مفتكرش، هو اللي في خطر مش أنا.
نور : وإنتي نقطة ضعفه يا ليل، خليكي فاكرة ده كويس، وخلي بالك من نفسك عشان متتأذيش.
نزلا إلى الأسفل وبعد أن تنالو الطعام جلسو معاً، لم يتحدث أحد بالموضوع حسب طلب الهلالي من بركات.
بعد وقت قصير سمعو طرق الباب وفتحت الخادمة، وإذا بحاتم يدخل إلى المنزل،
ذهب زياد إليه وقال : أهلاََ يا حاتم إتفضل.
حاتم : أنا آسف على الزيارة من غير معاد.
ونظر إلى ليل وقال: أنا جي أعتذر عن سوء التفاهم اللي حصل بسببي، عارف إن أعتذاري مش هيحل حاجة بس أنا خسرت صقر خلاص، أنا مكنتش أعرف إنه بيحبك، ولما عرفت إنك مراته كتمت مشاعري جوايا، واللي خلاني أتكلم إني حسيت إنك مش مبسوطة معاه، ودلوقتي الندم بيقتلني من جوا، أنا مش عايز أبقى السبب في خراب حياته، صقر ده أخويا والقدر عمل فينا كده وغبائي كمان كان سبب في القطيعة بينا، كل اللي طالبه منك ترجعي يا دكتورة، صقر طول عمره عايش لوحده، عايش في خوف من الموت اللي خطف عيلته قدامه واحد واحد، كل ده خلاه شخص قاسي، صارم، حاد، معندوش حاجة اسمها فرصة تانية، عشان كده عارف إن صقر مش هيديني فرصة تانية، بس صقر يستحق يعيش زي أي بني آدم، من حقه يحب ويتحب، محدش فيكم يستاهل أبداََ يعيش العيشة ديه، من وهو عنده ٩ سنين عايش في عزا وحداد وحزن، حتى طفولته معشهاش، فأرجوكي متجيش تكملي عليه، صقر يستاهل تبقي جنبه عشان هو بجد مش وحش؛ ظروفه هي اللي وحشه، وإنتي العوض اللي جاله بعد صبر طويل، بلاش القسوة يا دكتورة كفاية قسوة الزمن عليه.
لم ينتظر ردها، فقط ذهب وتركهم، ظلت ليل تنظر إلى أثره وعينيها تلمع بالدموع.
زيد : ليل.... حاتم معاه حق، فكري تاني.
ثم أنتبهت إلى هاتفها الذي أعلن عن مكالمة من مصطفى فتلقت المكالمة على الفور وقالت.
ليل : ألو... أيوة يا دكتور.
مصطفى : طمنيني.... حالة صقر عاملة إيه؟
ليل : أعتقد مستقرة، ليه هو فيه حاجة جدت؟
مصطفي : أيوه طبعاً الإغماء اللي حصل ده مؤشر مش كويس. لا كدة ثقتي في كفائتك هتقل يا دكتورة.
عقدت ليل حاجبيها وقالت : إغماء إيه؟!
تعجب مصطفى وقال : هو إنتي متعرفيش ولا إيه؟ صقر أغمى عليه إمبارح المغرب وحالته مش مستقرة.
ليل بدهشة : أغمى عليه؟! ليه يا دكتور هو لسه تعبان؟ طيب خرج ليه أصلاً.
مصطفى : بصي هو الرئه أتحسنت كتير، لكن نفسيته سيئة وده مأثر على أكله، وكمان مخدش أي علاج من إمبارح، هو بيكابر مع الوجع وده مش صح، بس واضح كده إنك مش جنبه، فا أنا هبعت عربية أسعاف تجيبه هنا تاني، أنا سيبته بس عشان كنت فاكر إنك معاه وهو محتاج متابعة.
ليل :لا متبعتش عربية، أنا رايحة لصقر حالاً.
انهت المكالمة ونظر لها بركات وقال: فيه إيه؟ حوصل إيه؟
ليل : صقر مش بياخد علاج ولا بياكل بسبب نفسيته، وده مأثر على صحته وأغمى عليه إمبارح، أنا لازم أرجع.
زياد : يلا بسرعة وأنا هوصلك.
صعدت ليل ونور وقاما بحزم الحقيبة، وذهبت ليل مع زياد إلى منزل صقر، وأصر أحد الحرس على مرافقتها حسب أوامره.
أما عند صقر فقد عاد إلى المنزل، شعر بدوار و الرؤية أصبحت مشوشة، فهو لما يتناول أي طعام منذ خروجه من المشفى، تحامل على نفسه وصعد إلى غرفته ونام بالقراش وهو يتنفس بصعوبة.
طرق زياد الباب وفتحت هنية التي أحتضنت ليل بسعادة وقالت: كنت خابرة زين إنك عتعاودي يا بتي.
دخلت ليل ووجدت أحلام فقالت : فين صقر؟ حصل إيه؟
أحلام : لسه طالع على أوضته دلوك.
ركضت ليل وخلفها جهاد، وترك زياد الحقيبة
عند الباب وعاد إلى منزله، دخلت ليل الغرفة ولاحظت أن صقر شاحب الوجه ولا يتنفس جيداََ وفقد الوعي مجدداً، رفعت رأسه ونظرت إلى الادوية التي تركها مصطفى بجواره، وجدت حقنه أعطتها لصقر وعلقت له المحلول الوريدي، ونظرت إلى جهاد التي تصيح باسم صقر وتبكي وقالت.
ليل : هو كل أمتى؟
جهاد : ولا لجمة يا بتي من ساعة ما خرج من المشتشفى، محطش الزاد في خشمه.
ليل : وإزاي تسيبوه كده؟
جهاد : ومن ميتا وهو بيسمع كلام حد! سيطه من دماغه.
بدأ تنفس صقر ينتظم وملامح وجهه تهدأ، فقالت.
ليل : خلي حد يطلع الأكل هنا.
دخل الهلالي وأحلام وقال الهلالي : خبر إيه ؟ ماله صجر؟
ليل :ليه مقولتليش إمبارح يا جدي إنه تعبان؟
الهلالي : عشان مكنتيش جابلة أي كلمة مني عاد.
ليل : لو كنت أعرف إن حالته كده مكنتش هتأخر عليه أبداً، الحمد لله إني جيت في الوقت المناسب، ده خلاص كان بيختنق، وكمان مش قادر عليه يا جدي تأكله بالعافية.
الهلالي : لاه سيبتلك إنتي المهمة ديه، صجر مش عياكل غير لما تكوني حده.
نظرت له ليل والدموع في عينيها وظلت تتأمل وجهه الشاحب، ولاحظت فقدانه للوزن.
سحب الهلالي أحلام وجهاد من الغرفة وتركها معه.
وبعد قليل، جاءت رقية تحمل الطعام ووضعته وخرجت.
بدأ صقر باستعادة وعيه وفتح عينيه ببطء حتى رأى عين ليل تنظر إليه باشتياق والدموع بها، كان يظنه حلم، فابتسم بألم ووضع يده على وجهها، وتأكد بأنها حقًا أمامه، فقد عادت.
صقر : إنتي هنا فعلاََ ولا أنا بحلم.
ليل : أنا هنا..... ممكن أعرف مش بتاكل ليه ولا بتاخد أدويتك؟
صقر : إنتي دوايا.... إنتي روحي اللي سابتني ومشيت، إنتي النفس اللي بعيش بيه.
ليل : إنت كده بتأذى نفسك... عايز تموت يا صقر؟
صقر : وهو بعدك عني مش موت؟ أنا استاهل أموت ١٠٠ مرة على اللي عملته فيكي.
ليل : لو سمحت أنا هنا بس عشان أفضل جنبك لحد ما تخف وبعدين همشي، وبرده هيطلقني.
صقر : جاية لعرين الأسد وعايزة تخرجي منه تاني.... انسي.
ليل : لا همشي.
صقر : ليه بتقسي عليا كده؟ أنا غلطت اه بس غصب عني، كنت تايه، بقيت من غيرك عامل زي العيل الصغير، مخي بيقف مبعرفش أفكر.
ليل : بقسى عليك من قسوتك عليا، أنا خايفة منك.
أغمض صقر عينيه بحزن وقال : أكتر حاجة حبيتها فيكي إنك الوحيدة اللي مخفتيش مني، الوحيدة اللي محسستنيش أني صقر الهلالي اللي محدش عايز يقربله من خوفهم منه، شايفة وصلتك لإيه؟! أنا مش هغصب عليكي يا دكتورة، وأوعدك إني هخف على طول عشان تهربي مني، أنا عمري ما هغصبك على حاجة، وحضني هيفضل مستنيكي لحد ما تيجي برضاكي ليا، واسمع أحلى كلمة منك تاني.... بحبك يا صقر.
لم تتحدث، لا يعلم كيف تقاوم اشتياقها له، تحاول أن تكبت مشاعرها نحوه قدر الإمكان.
هل ستضعف أم هذه دورها في رد قسوته عليها؟
رواية بقاء الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رباب حسين
حين رأى الخوف بعينيها أول مرة شعر بغصة داخل قلبه، ثم تذكر حين كان ينزعج من هدوءها، وابتسامتها التي كانت تواجه بها كل ما يفعله معها، كان يتمنى أن يرى تلك النظرة قديمًا، ومع الوقت اكتشف أنها تراه من الداخل، وشعر باطمئنان أنها لن تهابه مثلهم.
والآن؛ يرى تلك النظرة، وحينها فضل الصمت، ربمت عليه الآن أن يجعلها ترى صقر الذي لم يراه أحد من قبل.
ظل صامتًا أمامها، حتى نهضت لتحضر الطعام وقالت.
ليل : لازم تاكل.
وضعت الطعام أمامه وهو لايزال ينظر إلى الفراغ شارداً.
ليل : صقر، كل عشان تقدر تقف على رجلك تاني.
صقر : متقلقيش يا دكتورة.... هقف علي رجلي بسرعه عشان تقدري تهربي مني.
ثم أغلق عينيه بحزن وأردف : سيبيني لوحدي، شوية وهاكل متقلقيش.
خرجت ليل وذهبت إلى غرفتها، بدلت ثيابها وارتدت بنطال جينز وتيشرت قصير أبيض وأطلقت شعرها وعادت إليه.
نظر صقر إليها وتراقص قلبه بين ضلوعه، يحاول التحكم بما يشعر به من أشتياق وحب ورغبة في أن يغمرها بين ذراعيه، ظل يتأملها ثم قال: أنا شبعت.
ليل : طيب ممكن أشوف الجرح.
أبعدت ليل الطعام من أمامه، وقام صقر بخلع التيشرت الذي يرتديه حتى أصبح عاري الصدر، تحكمت ليل بعينيها حتى لا تسترق النظر، ثم جلست خلفه ونزعت الضمادة من على الجرح وقالت : الجرح ملتهب شوية، طبعاََ عشان مفيش أدوية.
وضعت المطهر على الجرح فتألم صقر بصمت.
ليل : آسفة بس لازم أعقمه.
أغلق صقر عينيه من شدة الألم وقال : تمام يا دكتورة.
انتهت ليل ثم نهضت من خلفه وهي تضع يدها على كتفه كي تستند عليه، أمسك صقر كف يدها وقبله.
ليل بارتباك: لو سمحت المعاملة بينا تبقى طبيب ومريض فقط.
نظر إليها صقر وترك يدها وقال : آخر حاجة كنت أتمناها أن العلاقه توصل لكده بصراحة.
ليل : وبكرة مش هيبقى فيه علاقة خالص.
صمت صقر قليلاً ثم قال : صحيح إنتي رجعتي إزاي؟ مين أقنعك ترجعي؟
ليل :حاتم.
نظر صقر إليها وعقد حجبيه : حاتم اللي أقنعك إزاي؟
ليل : جيه عند جدي وأتكلم معايا وأعتذر عن اللي عمله، وطلب مني أرجعلك.
صقر : يعني حاتم اللي أقنعك؟
ليل بغضب : تااااني يا صقر؟!
تعجب صقر وقال : تاني إيه يا ليل!
ليل : تاني بتشك فيا؟
صقر بهدوء : أنا مشكتش فيكي أنا بس بأكد السؤال مش أكتر، وبعدين أنا مش بشك فيكي أصلاً.
ليل :كل ده ومش بتشك؟
وقف صقر وقال : أكيد مش شك لمجرد الشك يعني، لا هو كلام كتير بيتقال وبناءاََ عليه بفهم غلط، وبعدين أنا لو بشك كنت أتكلمت في موضوع دكتور أحمد أول مرة لما اتصل بيكي وأنا بجيب تليفونك، ساعة ما جدي تعب واتصل هو وأنا شفت رقمه، وتاني يوم لما لقيتك بتكلميه وإنتي مبسوطة و بتضحكي، ومع ذلك مشكتش غير لما سمعت المكالمة اللي كانت بينك وبينه هنا في البيت، ساعتها أتكلمت،
ليل :وإيه اللي خلاك تفتح الموضوع تاني؟
صقر : كلامك مع أبوكى، حد سمعك وإنتي بتتكلمي معاه.
ليل : إمتي؟! ومين سمعني؟
صقر : عمي رفعت، سمع حمايا وهو بيقولك إنه عارف إنك بتحبي أحمد واللي يشوف اللي بتعمليه معايا يقول بتحبيني، وإنتي قولتيله لا أنا بحب احمد.
ليل : هو اه بابا قال كده، بس أنا أصلاً مردتش عليه، ساعتها دكتور مصطفي نادى عليا ورحت كلمته، ولما رجعت اتكلمت مع بابا وفهمته إني مش عايزة أحمد أصلًا.
صمت صقر وأخذ يفكر قليلاً ثم قال : طيب ومكالمة التليفون اللي قولتي فيها أنا هاخد منه اللي أنا عايزاه وبعدين همشي؟
ليل بدهشة : محصلش، عمري ما قلت الكلام ده، عشان كده فكرت إني طمعانة فيك؟
أومأ صقر بإيجاب وهو شارد الذهن.
ليل : ليه عمي رفعت قالك كده؟
صقر : يمكن عشان زهرة.
ليل : ليه مسألتنيش؟
صقر : مكنتش مستوعب، ليل أنا لما بزعل مبعرفش أفكر كويس، عشان كده دايماََ بعتزل الناس كلها في زعلي، عشان محدش يزعل مني، بعدها زعقت معاكي وحاتم سمعنا، ودخل قال الكلام الفارغ ده، ساعتها حسيت إني في دوامة ومش قادر افهم إيه اللي بيحصل، عشان كده فضلت ابقى لوحدي، ثقتي أتهزت في الناس كلها، مبقتش عارف أصدق حد.
اقتربت ليل من صقر قليلاً
ليل : بس أنا مش أي حد يا صقر، مينفعش تبعد عني حتى لو زعلان.
نظر صقر في عينيها ثم قال : إنتي فعلاََ مش أي حد، إنتي عيون صقر وروحه.
اقتربت ليل أكثر وقالت : يعني إنت واثق فيا يا صقر.
رفع يده ليضعها على وجهها، ثم تذكر قرارها التي أخذته بالابتعاد عنه، فأوقف يده وأبعدها، ثم وقال.
صقر : أيوه طبعاً.
نظرت ليل إلى يديه وقالت : منعت أيدك ليه؟
صقر : عشان خايفة مني.
ليل : أنا خايفة أسامحك وترجع تشك فيا تاني،لكن عمري ما خفت منك يا صقر.
صقر : مش عايزك تشوفيني صقر الهلالي، عايزك تعرفي صقر اللي إدفن جوايا من وأنا ٩ سنين.
اقتربت ليل أكثر وقالت : أنا شيفاك بقلبي يا صقر، وعمري ما خفت منك.
نظر لها صقر وحاول أن يسيطر على مشاعره، فقال.
صقر : إبعدي يا ليل عشان مش هيحصل كويس.
ضحكت ليل فنظر إلى عينيها وقال : بتضحكي على إيه؟
ليل : مش مصدقة إني قدرت أوقف صقر الهلالي وأخليه ميعملش اللي هو عايزه.
صقر : قولتلك إنتي بالذات هتشوفي صقر تاني خالص.
وضعت ليل يديها على صدره وقالت : إنت قلت هتفضل بعيد لحد ما تسمع كلمة إيه؟
نظر إلى عمق عينيها وقال : بحبك يا صقر.
ليل : أنا بحبك أوي يا صقر.
اقترب منها، ثم ابتعد بعد قليل وجلس على الفراش، وجذبها من يدها لتجلس بجواره، فقالت.
ليل : لا مش هينفع يا صقر.
ترك يدها ونظر بعيداً، فأردفت.
ليل : لا متفهمش غلط، أنا مش بمنع نفسي عنك، بس حالتك متسمحش دلوقتي.
حرك صقر عينيه بملل وقال: أنا كويس يا ليل.
ليل : أد ما حاولت تمثل على الناس إنك مش تعبان مش هتعرف تمثل عليا، إنت نسيت إني الدكتورة بتاعتك وعارفة إنك كاتم وجعك.
صقر : بدأت اكره إنك دكتورة.
جثت ليل على ركبتيها تحت أقدامه ثم نظرت إلى عينيه وقالت : هتأذي نفسك عشان تبقى معايا! مينفعش يا صقر، وبعدين إتألم قدامي عادي، أنا وإنت واحد، متعاملنيش زيهم.
وضع يده على وجهها ليخفي ملامحه، ثم أغمض عينيه وأرخى أكتافه، وكأنه ينزع حصونه وقناع القوة أمامها، وقال.
صقر : أمرك
ضحكت ليل واتسعت عينيها وقالت :إيه؟ قلت إيه! لا كده كتير.
ضحك صقر ثم سعل قليلاً وقال : إنتي تأمري وأنا أنفذ يا عيون صقر.
ليل : مكنتش أعرف إنك بتحبني أوي كده.
صقر : طيب ممكن أطلب طلب.
ليل : طبعاً.
صقر : أنا عايز أنام شوية، ممكن تيجي تنامي في حضني، مش هعمل حاجة والله بس أحس إنك جنبي.
ليل : حاضر.
ارتدى صقر ملابسه ونام، ثم نهضت ليل وصعدت على الفراش وتوسدت ذراعه، أخذها صقر بين ذراعيه؛ فوضعت ليل جبهتها على صدره خجلاً من النظر إلى عينيه، ابتسم صقر ثم قال : أنا عارف إنك مكسوفة، بس أرفعي وشك يا ليل.... متخبيش عينيكي عني.
رفعت وجهها والخجل يرتسم عليه
قرب وجهه من وجهها وقال : إوعي تسبيني تاني ولا تخرجي من البيت، من هنا ورايح مفيش ليلة واحدة هتقضيها بعيد عن حضني.
ليل : لا أنا أتكسف أنام هنا، أنا هفضل جمبك شوية وبعدين هقوم أرجع على أوضتي.
صقر بتهكم : مكسوفة اه.... إزاي صح يعرفو إنك نايمة مع جوزك في أوضة واحدة، مفيش حاجة اسمها أوضتك تاني إنتي فاهمة.
ليل : حاضر.
ابتسم صقر وقبل رأسها وضمها أكثر إليه، وذهب في نومٍ عميق.
غفى صقر سريعاً بفعل الأدوية، انتظرت ليل قليلاً ثم نهضت ونزلت إلى الأسفل والسعادة تشرق وجهها، وجدتهم مجتمعين معاً وأيضًا ابتسام التي جاءت للأطمئنان على صق،ر رحبت بها ليل وجلسو جميعًا.
جهاد : طمنيني يا بتي، كيفه دلوك؟
ليل : هو كويس بس عشان قلة الأدوية هو تعبان كده، بس دلوقتي أحسن.
الهلالي : كنت خابر يا بتي إنك عترجعي.
ليل : لو كنت قولتلي إنه تعبان كنت رجعت معاك يا جدي، لولا الدكتور مصطفى مكنتش عرفت.
أحلام : أهم حاجة إنك رجعتي، صجر كان زعلان جوي.
ابتسمت ليل وصمتت خجلاً.
ابتسام : طيب هجدر أشوفه يا ليل.
ليل : هو كل خد الدوا ونام شوية، لما يصحى تشوفيه إن شاء الله.
الهلالي : مش عتجوليلي مالك يا ابتسام.
قالت ابتسام وهي تحاول إخفاء حزنها : مفيش حاجة يا بوي، أنا زينة.
الهلالي : عتكذبي على أبوكى عاد؟!
ابتسام : لاه معكذبش عليك.
الهلالي : على راحتك يا بتي، وجت ما تبجي عايزة تتحدتي تعالي.
ظلوا يتسامرون وتناولو الغداء معاً، عدا ليل التي أصرت على انتظار صقر لتأكل معه.
بعد قليل، صعدت ليل إلى الغرفة مرة أخرى وجلست بجواره، وظلت تتأمل ملامحه الهادئة وهي تبتسم، ثم استلقت بين ذراعيه مجدداً. اقترب صقر وقبل جبينها وابتسم، ثم فتح عينيه ونظر إليها بحب، ثم تبدلت ملامحه إلى الآلم وسعل قليلاً.
ليل : حاسس بإيه حبيبي؟
ظهرت ابتسامة صقر من بين آلامه ونظر إليها : طول ما إنتي جنبي أنا مرتاح.
ابتسمت ليل وقالت : طنط ابتسام تحت وعايزة تشوفك.
صقر : طيب خليها تطلع على ما أغسل وشي.
نهض صقر وذهبت ليل وأحضرت ابتسام، وصعدو جميعاً للأطمئنان عليه، لاحظ صقر أيضاً تغير ابتسام ولكن لم يسألها، بعد قليل إنصرفو جميعاً، وأحضرت ليل الطعام لها ولصقر بالغرفة وجلسا معاً.
قالت ليل : أنا مردتش أكل من غيرك.
صقر : ديه أول مرة ناكل مع بعض صح؟
صمتت ليل قليلاً : اه صح فعلاً.
ثم ابتسمت وقالت : خلاص بعد كده هناكل مع بعض على طول، إنت ملاحظ إن طنط ابتسام شكلها متضايق أوي.
شرد صقر وقال : اه .... يارب اللي في بالي يطلع غلط.
ليل : هو إيه؟!
صقر : متشغليش بالك.
ليل : هتخبي عليا من أولها كده.
صقر : كل حاجة وليها وقت.
ثم أعلن هاتف صقر عن مكالمة من علي.
صقر : أيوه يا علي.
علي : طمني عليك يا صقر، عامل إيه دلوقتي؟
صقر : أنا بخير الحمد لله، طمني على الشغل بس.
علي : متقلقش يا صقر، أنا متابع الفرع هنا وفي مصر.
صقر : معلش يا علي أنا متقل عليك، إن شاء الله هنزل قريب.
علي : لا طبعاً أرتاح أنا مش تعبان ولا حاجة، طمني.... جدي هلالي كان قال إنه هيروح لليل.... عمل إيه؟
صقر : ليل رجعت يا علي.
نظر إليها وابتسم
علي بسعادة: طيب الحمد الله إن جدي أقنعها.
صقر : لا مش جدي، حاتم اللي راح عندها.
علي بتعجب : حاتم راحلها! أنا حسيت إنه عايز يصلح غلطه، فكر تاني يا صقر اللي بينا مينتهيش كده.
صقر : مش عايز كلام في الموضوع ده.
علي : طيب، أنا هقفل وهبقى أجيلك إن شاء الله.
أنهى صقر المكالمة، ويبدو على ملامحه الحزن والقلق.
ليل : هو كلمك في موضوع حاتم؟
صقر : بلاش نتكلم عليه يا ليل.
ليل : صقر أنا حاسة إنك لسه زعلان، ودكتور مصطفى قال إن نفسيتك مقصرة عليك، حاول تنسي ياصقر وتسامحه.
صقر : حاتم مسبش طريق للرجوع، مش مصدق لحد دلوقتي الكلام اللي قاله، أنا وحاتم وعلي أكتر من الأخوات، ويمكن حاتم كان أقرب في الفترة الاخيرة، علي هرب على مصر، لكن أنا وحاتم كنا دايماََ سوا، إزاي يعمل فيا كده!
ليل : طيب وعلي هرب ليه؟
تنهد صقر وقال : علي بيحب أحلام.
تعجبت ليل وقالت: إيه ده معقول!
صقر : كانو بيحبو بعض بس فجأة أحلام رفضت تتجوزه من غير سبب، وده اللي مجنني لحد دلوقتي، وفضلت رافضة أي حد يتقدملها، وأنا كان جوايا متأكد إنها عايزة علي، ولما حست إني هغصب عليها تتجوزه؛ وافقت على حمزة عشان تهرب من هنا، وتروح على أسيوط، ومن ساعتها وعلي طفش مستحملش اللي حصل، اه بيداري زعله بس لسه بيحبها، ومن وقتها وهو لا بقى بيهزر ولا يضحك، وهي كمان حاسس إنها مش مبسوطة.
ليل :بس واضح إن حمزة كويس، حتى لما اتصبت تحت هي أغمى عليها، وهو جري عشان يلحقها.
صقر : حمزة خايف على اللي في بطنها، عشان حملت قبل كده و سقطت، وأهله ضغطو عليه في موضوع الخلفة عشان مكنوش موافقين على الجوازة، وهو مش عايز حد يلومه تاني، هو كويس ومحترم بس جوازهم تقليدي يعني، متحسيش إنهم مبسوطين أوي مع بعض.
ليل : يمكن الولد لما يجي يقربهم أكتر من بعض.
ابتسم صقر : عقبال ما نجيب ولد يقربنا إحنا كمان.
خجلت ليل ونظرت بعيداً عنه.
ضحك صقر وقال : قمر بيتكسف، بعد الأكل روحي هاتي هدومك و رتبيها هنا في الدولاب.
ليل : لا يا صقر أنا هنام في أوضتي.
صقر بحزم : مش عايز نقاش وتنفذي اللي بقوله، بلاش عندك ده.
ليل : يووووه، أنا كسوفة أجي أنام هنا.
صقر : يارب الصبر.... حبيبتي ده الطبيعي، أنا عايز نبدأ حياتنا مع بعض بقى.
صمتت ليل ويبدو على ملامحها الضيق، فقال
صقر : أنا عارف عندك ده هيطلع عيني، روحي يا ليل.... إمشي، لا تقعدي ولا تنامي هنا.
نظرت إليه وقالت : إنت زعلت؟
صقر : لا هزعل ليه؟! طالما مش عايزة تفضلي معايا مش هجبرك أكيد.
ليل : لا طبعاً مش ده قصدي.
صقر : خلاص يا ليل روحي.
ليل :لا خلاص متزعلش، هروح وأجيب هدومي، بس بلاش تزعل مني تاني، زعلك واعر (قالتها بصوت الهلالي)
فضحك صقر وقال :لو سمعك هيعلقك على الباب ده.
ليل : هتسيبه يعلقني يا صقر.
وضع صقر يده على وجنتيها ونظر لها بحب وقال : أكيد يا حبيبتي.
نفضت ليل يده بغضب، فضحك صقر وقال : بهزر... بس بجد أنا مقدرش على جدي، غضبه أسوء مني.
ليل : جدي مش بيزعل مني.
صقر : عارف هو بيحبك أد إيه، ده بيتخانق معايا بسببك، ديه بقى محصلتش قبل كده.
ثم ضحك صقر وظلت ليل تتأمله، ثم نظر إليها وقال : أنا حاسس إن القعدة ديه أتأخرت كتير، بس بجد مبسوط أوي دلوقتي.
ليل :أنا اللي فرحانة أوي إني شايفة ضحكتك، إوعدني يا صقر لو حصل حاجة تيجي تقولي، متزعلش وتهرب مني وتسبيني بقى أفضل أتحايل على كل الناس تفهمني فيك إيه.
صقر : مش هبعد عنك تاني يا ليل، أوعدك.
ظلا يتحدثان لوقتٍ طويل، كلاً منهما متحمس لمعرفة كل شيء عن الآخر، مضى الوقت وحل منتصف الليل.
صقر : الساعة ١٢.
ثم ابتسم وقال: أنا أستنيت للوقت ده عشان دايماََ لما كان بيجي كنت بفتكر اللي عملته معاكي في الأول.
ليل : إيه عايزني أقوم أنضف المندرة تاني؟!
ضحك صقر وقال :لا طبعًا، بس عايز أخلق ذكرى جديدة في الميعاد ده، تنسينا أنا وإنتي الذكريات اللي زعلتك، وأعوضك على اللي إنتي شوفتيه مني.
ابتسمت ليل وقالت :طيب عايزني أعمل أيه؟
اقترب صقر منها وامسك وجهها بين يديه وقال: متعترضيش.
حملها وأخذها إلي الفراش.
في الصباح، استيقظ صقر ووجد ليل نائمة بجواره، ابتسم بسعادة وذهب إلى المرحاض، خرج بعد قليل، ثم أعلن هاتفه عن مكالمة من عزام، استيقظت ليل على صوت الهاتف، وتلقى صقر المكالمة سريعاً وقال.
صقر : عملت إيه؟
عزام : هي واختها معايا يا كبير.
صقر :خدهم على المصنع المهجور، وأنا جي حالاً.
ليل بفزع : فيه إيه يا صقر ؟!
صقر : لازم أخرج.
أخذ يرتدي حلته في عجالة وهي تسأله،
ليل : طيب شكلك متضايق ليه كده؟! فهمني طيب حصل حاجة؟
صقر : لقيت سعيدة لازم أروح.
ليل : طيب أوعى تعملها حاجة يا صقر.
صقر : سيبيني دلوقتي يا ليل.
ليل : طيب خلي بالك من نفسك، هستناك.
خرج صقر وظلت تنظر إلى أثره وتدعي بأن يكون القادم خير، فلم تعد تتحمل أكثر، والخوف من فقدانه أصبح كابوس لا ينتهي.
رواية بقاء الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رباب حسين
ن
في أطراف البلد، بمكان مهجور نسبياً، يوجد منزل صغير مكون من طابق واحد، تجلس امرأة في منتصف العقد الثالث، تداعب طفل بلغ عامه الأول، يضحك معها وهي سعيدة بضحكة طفلها.
ثم توقفت عندما طُرق الباب، نظرت له بتعجب ثم ذهبت لترى من الطارق، ثم نظرت إلى طفلها وهي تحمله على ذراعها وقالت بتعجب.
هنا : معجول أبوك نسي المفتاح!
ثم فتحت الباب، وحلت الصدمة عليها عندما رأت زوجة زوجها الأولى أمامها، عرفتها فور رؤيتها؛ ومن لايعلم ابتسام الهلالي!
دخلت ابتسام وهي تنظر للطفل بحزن ولكن تماسكت ودخلت تنظر في أرجاء المنزل، ثم قالت: إنتي بجى مراته ولا عشيجته؟
هنا بدهشة : عرفتي كيف؟!
ابتسام : عيب تسألي سؤال زي ديه، مفيش ست مش عتحس أن جوزها عيخونها.
هنا بتوتر: مراته.
ابتسام : وده ابن رفعت؟
هنا : إيوه.
ابتسام : هو فين؟
هنا: مجاش بجاله يومين، سي رفعت راجل غلبان وعيحبك، بس هو ساعدني لما مكنش حدايا حد يأويني، وكتب عليا وسترني، وكل اللي كان يتمناه عيل من صلبه، لكن إنتي اللي في جلبه، متزعليش منه عاد.
ابتسام بثقة : مش بت الهلالي اللي تجبل تعيش مع ضره.
تركتها ابتسام وذهبت تركض إلى منزل الهلالي.
أما عند صقر، فقد وصل إلى المصنع المهجور، وقابل عزام بالخارج، وذهب معه قناوي، وأحضر أموال في حقيبة سوداء ثم أعطاها لعزام وقال.
صقر : حقك وحق الرجالة.
عزام : تسلم يا كبير.
صقر : لقيتها إزاي؟
قص له عزام ما حدث.
فلاش باك
تخرج فتاة صغيرة من منفذ بيع ملابس في سوهاج، وقد رأها عزام ونظر في الصورة التي أعطاها له صقر، وقال لأحد رجاله،
عزام : هي ديه.
حنفي : نجيبها دلوك؟
عزام : لاه عنمشي وراها عشان نجيب أختها، أكيد عايشة معاها.
تتبعوها حتى ذهبت إلى أحد المنازل المهترئة على حدود قنا، دخلت المنزل وتلثم عزام ولحقو بها.
دخلت المنزل وأغلقت الباب وقالت
سعدية : أنا جيت يا سعيدة، حضريلي الوكل، وخلاص يا ستي سيبت الشغل ديه عشان إنتي خايفة منيه، وهدور على شغل تاني.
خرجت سعيدة من المطبخ وقالت : أحسن اك...
قاطعها إقتحام الرجال المنزل بعد أن كسرو الباب، أخذت تصرخ ولكن لم يغيثها أحد فالمكان مهجور، خدرهم رجال عزام وقال
عزام : خدوهم على العربية بسرعة.
وعادو إلى سوهاج مره أخرى، وكان أحدهم يراقب المكان وهرب فور حدوث ذلك.
عودة من الفلاش باك.
عزام : على ما وصلنا كان الوجت أتأخر، استنيت للصبح واتصلت بيك يا كبير.
صقر : عرفتو مكان أختها إزاي؟
عزام : سألنا الجيران اللي كانو جنب الأوضة اللي عتعيش فيها أختها، واحدة منيهم جالت أنها بتشتغل في محل بتبيع خلاجات للحريم.
صقر : هما فين؟
عزام : جوا يا كبير تعالى أتفضل.
دخل صقر ومعه قناوي، وجد سعيدة وسعدية على كرسيان مقيدان بهما، عندما رأته سعيدة بكت وانهارت خوفاً من صقر. فنظر لها صقر بحدة وقال.
صقر : شيلو البلاستر ده.
نزعوا اللاصق من على فمها هي وأختها، وقالت
سعدية بصوت حاد : إنت عايز منيها إيه؟!
صقر : هتعرفي كل حاجة دلوقتي، ها يا سعيدة هتقولي اللي أنا عايزه ولااااا.
سعيده : يا كبير أنا مخبراش أنا بعمل إيه إهنيه.
صقر بهدوء : هو سؤال واحد. إنتي اللي سميتي عمي حامد؟
ارتبكت سعيدة ونظرت سعدية إليها ثم قالت
سعدية : لاه أختي متعملش إكديه.
صقر بغضب : أنا موجهتلكيش كلام، إخرسي بدل ما أخرسك أنا.
سعيدة : مش اني.... اااا... أنا مليش صالح بالموضوع ديه.
صقر : طيب.... أنا عايزك بس تبصي حواليكي كده، شايفة الرجاله دول... مبيشوفوش ستات كتير، أنا ممكن أسيبهم يتسلوا بأختك شوي. لحد ما اسمع الأجابه اللي أنا عايزها.... عزااااام.
سعيدة بخوف : لاه يا كبير، أحب على يدك.
صقر : إنطقي.
سعيدة : أيوة يا كبير.
ثم بكت وقالت :كان غصباً عني، أختي كانت عتموت، مكنش معايا حج العملية.
سعدية بصدمة: جتلتي يا سعيدة عشان تعالجيني؟!
صقر بحدة : أخرسي بقى، حطو البلاستر على بقها تاني
وضعو البلاستر على فمها ثم قال صقر : مين اللي قالك تعملي كده؟ مين اللي أداكي الفلوس؟
سعيدة : هجولك، بس إوعدني يا كبير أنك تهمل سعدية تمشي من إهنيه.
صقر : إنتي هتتشرطي.... إنطقي.
سعيدة : أحب على يدك، أعمل فيا اللي إنت رايده بس هملها، لو وعدتني هجول، أنا خابرة زين إنك معتخلفش وعدك.
صقر : إنطقي وأنا هسيبها... مين؟
قالت سعيدة وهي ترتعش من الخوف : رفعت.
ظهر الغضب على وجه صقر الذي فقد إحساسه بالعالم الخارجي، وأصبح كل ما حوله يتحرك ببطء، وكأن الزمن قدم توقف من حوله، وظل صامت يحاول أن يستوعب؛ كيف ولماذا؟
ثم ذهب إلى قناوي وقال.
صقر : قناوي..... خد سعيدة ووديها عند الظابط سليم، وخلي أختها تمشي.
ذهب صقر وتركهم، وقاد سيارته عائداً إلى منزله.
كان يرفض أن يصدق حديث سليم، وبالرغم من الشك الذي احتل عقله مؤخرًا إلا أنه كان يتمنى أن يكون رفعت بريء.
في منزل الهلالي، كان يجلس هو وجهاد وأحلام على طاولة الطعام، حتى نزلت ليل، نظرو إليها وهي تنزل دون صقر وقالت.
ليل بهدوء : صباح الخير.
أجابو جميعاً : صباح النور.
جهاد : وينه صجر، عياكل فوج؟
ليل :جاله تليفون من بدري وخرج.
الهلالي : خير يا بتي مجالش فيه إيه؟
ليل : قال إنه لقى سعيدة وخرج زي المجنون، أنا خايفة أوي يا جدي.
الهلالي : لجاها فين وليه مجاليش؟
ليل : معرفش يا جدي.
ثم طُرق الباب بعنف وفتحت هنية الباب، دخلت ابتسام وهي تبكي وركضت نحو الهلالي الذي ما أن رأها بتلك الهيئة انتفض من مكانه واحتضنته على الفور، ربت الهلالي على كتفها وقال بفزع.
الهلالي :خير يا بتي حوصل إيه؟
وقفوا جميعاً حولها حتى نظرت إلى الهلالي وقالت بإنهيار : رفعت أتجوز عليا يا بوي، وخلف كمان.
الهلالي بدهشة : إيه اللي عتجوليه ديه؟ متأكده؟
ابتسام : أيوة يا بوي، من يومين جات عندي جارتي وجالتلي إنها شافت رفعت جوزي معاه واحده وشايلة ولد صغير، وكانو داخلين بيت مطرف في البلد، وعشية معاودش على البيت، مجدرتش استحمل، رحت ولجيتها مرته ومخلف منها ولد كومان يجي عمره سنة.
الهلالي بغضب: وجعت أبوه سودا... وفين هو؟
ابتسام : مخبراش ملجتوش عنديها.
أخذتها ليل في حضنها وأخذت تربت على ظهرها لتهدأ.
كانت أول صدمة تتلقاها العائلة فيما يخص رفعت، وبدأت حقيقته القذرة تظهر أخيرًا، فحتى وإن طال الوقت لابد من ظهور الحقيقة.
ذهب الهلالي ليحضر هاتفه، توقف حين رأى صقر يدخل المنزل ووجهه لا يبشر بخير.
الهلالي بقلق : عملت إيه يا صجر؟
نظر له صقر وعينيه تطلق شرارة الغضب، ثم وقع نظره على ابتسام التي تبكي بأحضان ليل، ذهب ركضاً إليها وأمسكها من ذراعها وقال
صقر : هو فين؟ راح فين المحروس جوزك يا عمتي؟!
ابتسام : مخبراش يا صجر.... إنت عرفت منين؟!
صقر بصدمة : هو إنتي عرفتي؟!
ابتسام : لساتني جايه من عند مرته دلوك.
صقر : مراته! مرات مين؟!
الهلالي : يا ولدي إتحدت معايا أنا، جولي جالتلك إيه المحروجة سعيدة ديه؟!
نظر إلى ثم اقترب من ابتسام وقال
صقر : قالتلي إن جوز عمتي المصون هو اللي قالها تسم عمي حامد.
تجمدت ابتسام مكانها، وقالت : عتجول إيه يا صجر؟
صقر : بقول الحقيقة، أنا أصلاً كنت شاكك فيه وعمال أكذب نفسي، وأقول لا ده أنقذني، لا ده بيعتبرني زي ابنه. لا مش هو، حتى سليم قالي إنه شاكك فيه، البيه كان عايز يخلص علينا واحد واحد عشان إنتي تورثي وهو يكوش على كل حاجة، عرفتي اللعبه القذرة اللي كان بيلعبها؟
أنا هطلع روحه بإيدي بس قوليلي هو فين.
ابتسام : مخبراش، مجاش من عشية.
صقر : ومين مراته التانية ديه؟ قاعدة في أنهي داهية؟!
ابتسام : جاعدة في بيت في طرف الأرض اللي اشتراها هو من كام سنة إكديه.
ذهب صقر من أمامها وعلامات الصدمة واقعة على وجوههم جميعاً، ينظرون إلى بعضهم البعض وكادت قلوبهم تخرج من صدورهم من هول ما سيحدث بعد هذا الخبر، فلن تعود حياتهم كما كانت.
انتبهت ليل إلى صقر الذي يخرج من المكتب ويحمل السلاح بيده، حاولو جميعاً إيقافه وأخذو يصرخون بفزع، أمسك الهلالي صقر من ذراعه وقال.
الهلالي : عتعمل إيه يا صجر؟ فاكر نفسك رايح فين بالسلاح ديه؟ مش هتخرج من إهنيه بيه. هنية أجفلي الباب ديه زين.
نظر لها صقر وقال بنظرة أرعبتها : لو إيدك لمست الباب هقتلك، سيبني يا جدي الكلب ده لازم يموت، مينفعش يفضل عايش أكتر من كده، ده قتل أبويا قدام عيني، قتل ولادك وأخوك، سيبني.
دفع صقر يده وخرج يهرول إلى الخارج، لحقت به ليل وهي تضع الحجاب على رأسها سريعًا، وخرجت لتقف أمامه وقالت : لا يا صقر لا، مش هتخرج من هنا.
صقر : إبعدي عني يا ليل، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدام عيني.
دفعها ثم اقتربت منه مجدداً وقالت وهي تمسك ذراعه وتجذبه نحوها.
ليل : لا مش هسيبك تخرج، أبوس أيدك يا صقر بلاش، مش إنت قولتلي لسه مبدأناش عشان ننهي اللي بينا، أبوس أيدك متروحش.
كانت تتحدث وهو يحاول التملص من قبضتها، وهي تمنعه بكل الطرق، ثم صرخت بالحرس: إقفلو الباب ده.
شد صقر أجزاء السلاح ورفعه في وجههم وقال: سيبو الباب.
إبتعدو جميعاً عن الباب بخوف ورفعو أيديهم إلى أعلى.
وقفت ليل أمام السلاح وقالت : لو هتخرج من هنا عشان تقتله يبقى أقتلني أنا الأول.
زفر صقر وقال: أبعدي عني يا ليل بقولك.
وقف جميع من في المنزل عند الباب يشاهدون ما يحدث، لم يحاول منهم أحد أن يمنعه، فهم على دراية بصقر جيدًا، لا يغير قرار أخذه قط، ظلو يتباعون من بعيد ربما تستطيع ليل أن ترجع صقر عن قراره.
ليل : لا مش هبعد مش هسيبك تضيع نفسك وتضيع كل حاجة يا صقر، إنت مش قاضي عشان تحكم عليه بالموت، ولا حد إداك الحق إنك تنهي حياة بني آم، أنا أستحملت كل اللي حصل معايا هنا من ساعة ما جيت بس عشان مفيش حد يتأذي، لو قتلت يا صقر مش هتشوف وشي تاني، أنا مش هعيش مع واحد قاتل، لو خرجت من الباب ده ورحت قتلته هترجع مش هتلاقيني.
صقر بغضب : إنتي بتهدديني يا ليل؟!
ليل : إفهمها زي ما تفهمها.
ثم أمسكت يده التي بها السلاح رفعت السلاح أمام رأسها وقالت : يا تقتلني أنا الأول، يا تخرج تقتله ومش هتشوف وشي تاني.
بدأت أنفاس صقر تهدأ ثم سحب يده من يدها، وقذف السلاح بعيداً، وسقط على ركبتيه وصرخ بكل ما به من قوة : اااااااااااه.
جثت ليل أمامه، واحتضنت رأسه بين ذراعيها وبكت على حالته، ظلت تحاول أن تهدأ من روعه.
لم يعد يحتمل أكثر، وما يؤلمه حقًا أن بعد فقدانه لوالده؛كان يطمئن قلبه الحزين بأن رفعت بجواره، لن يتركه، والآن أصبح رفعت هو السبب الحقيقي بكل ما مر به منذ الصغر.
صرخت أحلام بألم وهي تمسك بطنها وسقطت أرضاً، صرخت جهاد وجلست بجوارها وحاولت حملها، وذهب صقر يركض إليها وخلفه ليل،
حملها صقر إلى الداخل ثم قال بقلق : ليل تعالي شوفيها.
وضعها صقر على الأريكة وابتعد.
كادت ليل تقترب منها، ثم التفتت إليه وقالت : خليك هنا متمشيش.
صقر : متخافيش. طمنيني عليها الأول.
نظرت ليل إلى الخدم وهن يشاهدون ما يحدث بصمت وقالت: حد يجيب شنطتي من فوق.
أحضرت فاطمة الحقيبة، وذهب صقر إلى جوار عمته التي في حالة صدمة، ودموعها تنساب بصمت وقال.
صقر : إهدي يا عمتي، بس لحد ما الموضوع ده يتحل مفيش خروج من هنا.
ثم ابتعد وتحدث في الهاتف مع الضابط سليم. وقال
صقر : أيوة يا حضره الظابط، سعيدة وصلت عندك؟
سليم : بلغوني إنها في القسم وأنا رايح دلوقتي.
صقر : رفعت جوز عمتي هو اللي حرضها، مفيش داعي تستجوبها.
سليم بخوف : إوعى تكون عملتله حاجة يا صقر.
صقر : لا، أنا عارف ممكن تلاقيه فين.
أخبره صقر بمكان أرضه والمنزل الذي بها، ثم أنهى المكالمة، ووجد ليل تنادي باسمه، ركض إليها بقلق وقال.
صقر : فيه إيه يا ليل مالها؟
ليل : مش سامعة نبض الجنين، أطلب إسعاف فوراً.
أخذت جهاد تصرخ والهلالي يحاول تهدئتها، اتصل صقر بالإسعاف، وذهبو معها إلى المشفى.
إلى متى ستدفع تلك العائلة الألم، وما الذنب الذي اقترفوه ليفقدو كل عزيز وغالي؟
وفي هذا والوقت دخل رفعت إلى منزل هنا وكان يبدو عليه الإرهاق، انتفضت عندما رأته وقالت.
هنا بتوتر : سي رفعت! هي اللي جت إهنيه، وأنا مخبراش عرفت كيف.
رفعت بتعجب : مين اللي جت؟
هنا بارتباك : مراتك.... وعرفت كل حاجة.
حمل رفعت ابنه وقال بذعر : بسرعة لمي خلاجتك وتعالي معايا، لازم نروح من إهنيه.
هنا بتعجب : ليه يا سي رفعت؟
رفعت : صجر لو عرف هيحرج البيت باللي فيه.... جومي.
ذهبت هنا مسرعة وأخذت ثيابها وثياب ابنها وذهبو معاً.
هرب ذلك القاتل قبل القبض عليه بلحظات، فبعد قليل، داهم سليم والعسكر المنزل ولكن وجدوه فارغاً، وقف سليم يفكر، عليه أن يعرف كل الأماكن التي ممكن أن يذهب إليها، فتذكر أخته سعاد، وذهبو إلى منزلها على الفور.
فتح علي الباب، ووجد سليم أمامه ومعه عساكر. فنظر لهم علي بدهشة وقال.
علي : خير يا حضرة الظابط فيه إيه؟
سليم : أنا بدور على خالك رفعت، عندك هنا؟
علي بتعجب : لا.... بس ليه بتدور عليه، حصل إيه؟
سليم : عرفنا إن هو القاتل.
صُعق علي ومن خلفه سعاد التي استمعت إلى كل شيء، وصرخت من خلفه بفزع، واقتربت زهرة منهما بعد أن سمعتها.
علي : جبت الكلام ده منين؟
سليم : سعيدة إعترفت أن هو اللي حرضها على قتل حامد الهلالي.
معالم الصدمة تزداد على وجه علي الذي لم يحرك ساكناً، ونظر إلى الفراغ بشرود، ثم قال.
سليم : آسف يا علي بس لازم أخد والدة حضرتك للتحقيق.
علي بفزع : لا أمي متعرفش حاجة.
سليم : عارف بس لازم أحقق معاها.
أمسكت سعاد ذراع ابنها وقال علي : متخافيش يا أمي، أنا هاجي معاكي، روحي بس غيري هدومك.
ثم نظر إلى سليم وقال : ممكن؟
سليم : طبعاً، إتفضلوا وأنا مستنيكم.
ذهبا للداخل، وأخذت زهرة تبكي وتصرخ، نظر إليها سليم وحاول تهدئتها. وقال
سليم : إهدي يا أنسة، إن شاء الله خير، متقلقيش مامتك هترجع على طول.
زهرة : أمي ملهاش صالح،ديه غلبانة جوي جوي.
سليم : متخافيش، هي هتشهد بس وهمشيها.
خرجت سعاد وهي تبكي وخلفها علي، وذهبا مع سليم في سيارته، وانطلقو إلى قسم الشرطة، شرد علي وعقله يفكر بشيء واحد فقط؛ خالي قتل أبو صقر، يعني أنا وصقر خلاص انتهينا، وأحلام؟!
أغمض عينيه بألم، وانتهى أمله نهائيًا.
ف
برغم زواجها من غيره إلا أن أمله بأن تكون له لم ينقطع داخل قلبه، ومازالت هي الدعوة القائمة داخل قلبه حتى الآن، واليوم قد خسر كل شيء.
أما بالمشفى، كانو يقفون جميعاً أمام غرفة العمليات، يجلس الهلالي على الكرسي ويستند برأسه على عكازه، وجلست ابتسام وجهاد أرضاً يبكيان معاً، وليل تحاول تهدئتهما دون جدوى، وقع نظرها على صقر الذي يستند بظهره على الحائط، يعقد ذراعيه أمام صدره وينظر إلى الفراغ، عقله في صراع مع تفكيره،
ذهبت إليه ليل وقالت : صقر، إهدى شوية، أنا عارفه أن الصدمة شديدة بس مينفعش تضعف دلوقتي، بص علينا يا صقر، كلنا محتاجينك، أرجوك حاول تفوق ونفكر هنعمل إيه؟
نظر إليها صقر بعينيه التي غلب عليهما اللون الأحمر مش شدة الغضب الذي يكتمه داخله، ولم يتحدث.
ليل : إوعى غضبك يعميك يا صقر، إنت متخيل لو عملت حاجة تضرك هنبقى كلنا من غير ضهر، وبعدين أنا خايفة يجرالك حاجة.
صقر : أنا كويس متخافيش.
ليل :طيب تعالى أشوف الجرح وتاخد دوا، أو تعالي نروح لدكتور مصطفى يطمني عليك.
صقر بضيق : سيبيني يا ليل دلوقتي، أنا كويس مش عايز حاجة.
صمتت ليل ونظرت أرضاً، لاحظ صقر حزنها فحرك رأسه يلوم نفسه، ثم أغمض عينيه واعتدل وأمسكها من كتفيها، وقال.
صقر : معلش حبيبتي استحمليني شوية.
ليل : أنا مش زعلانة منك، أنا خايفة عليك، حاسة بيك ومش قادرة أقف أتفرج عليك وإنت كده.
إحتضنها صقر، ثم ابتعد ونظر في عينيها وقال : ليل لازم تمشي من هنا، ارجعي مصر وخدي أبوكي وسيبو البلد كلها لحد ما الأمور تتصلح.
ليل : لا طبعاً مش هسيبك وامشي.
صقر : سليم كلمني وقالي إن رفعت هرب مع مراته وابنه، وجودك هنا فيه خطر عليكي.
ليل : لا الخطر عليك إنت، وأنا مش هقدر أبعد عنك، مش همشي يا صقر.
صقر : لا أنا مفيش خطر عليا خلاص، أكيد رفعت عارف إن عمتي هتطلب الطلاق، وأنا فعلاً هخليها تخلعه، وكده قتلي مش هيفيده بحاجة، لكن هيدور على طريقة تانية ياخد بيها فلوس، وأكيد هيساومني على أي حاجة، وإنتي أكبر نقطة ضعف ليا، هو عارف إني بحبك، مقدرش أسيبك هنا.
ليل : لا يعني لا، إنسى، مش هتحرك من هنا يا أما تيجي معايا.
صقر : مقدرش أسيب البلد، خصوصاََ بعد ما خسرت علي كمان، مقدرش اعتمد على حد.
ليل : مش همشي يا صقر ريح نفسك.
صقر : ليل أنا كان ممكن أبعدك بطرق تانية، بس أنا وعدتك إني مش هخبي عليكي حاجة، ريحيني يا ليل وإمشي.
ليل : لا مش همشي.... وبعدين راحتك بقى في بعدي عنك يا صقر!
احتضنها صقر وقال : أنا خايف عليكي، هموت لو جرالك حاجة.
ليل : وأنا مش هقدر أبعد عنك، متجبرنيش عشان خاطري... خليني هنا.
صقر : عنيدة.
ثم أغلق عينيه وقال : كان المفروض النهاردة يبقى أسعد يوم في حياتي، بس للأسف فرحتي دايماً ناقصة.
ابتعدت ليل عن حضنه وقالت : المهم إن احنا مع بعض.
ابتسم صقر والحزن يكسو ملامح وجهه، ثم انتبهوا إلى خروج الطبيبة من غرفة العمليات، ركض إليها صقر وركضو خلفه جميعاً، وقال
صقر : طمنيني يا دكتورة.
الطبيبه :للأسف الجنين مات في بطنها، تقدرو تستلمو الجثمان لإنه لازم يتدفن.
صرخت جهاد و ابتسام، وأمسكت ليل بذراع صقر وهي تبكي.
صقر : المهم هي.... كويسة؟
الطبيبة :متقلقش حالتها مستقرة، بس لازم طبيب نفسي طبعاً يبقى معاها الفترة ديه.
صقر :هجيبلها دكتور نفسي بس تبقى كويسة.
ليل : أنا ليا زمايل، ممكن أطلب حد منهم يجي يفضل معاها لحد ما تفوق.
صقر : ماشي، بس هي فين دلوقتي؟
الطبيبة : في الإفاقة، وهننقلها على أوضة بعد ما تفوق، عن إذنكم، تعالى معايا يا كبير تستلم الطفل.
الهلالي :بلغ أبوه يا صجر.
صقر : حاضر يا جدي.
جهاد : يا مري.... يا مرك يا بتي، أنا خابرة حمزة عيطلجها، أهله مش عيسكتو واصل.
صقر بغضب : يغور، لو موقفش جنب أختي في اللي هي فيه ده يغور في ستين داهية.
ليل : إهدى يا صقر وكلمه بس الأول.
أخذ صقر نفس عميق وأمسك هاتفه واتصل بحمزة، وأخبره ما حدث وطلب منه الحضور.
ثم شرد بما يحدث حوله، من سيخسر بعد؟!
رواية بقاء الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رباب حسين
ن
تأتي الشدائد لتختبر قوة صبرنا، فرب العباد لا يأتي إلا بالخير، واليوم تشتد وتشتد حتى تنفرج إنفراجًا يتعجب له كل أهل الأرض، فمن أعداء إلى أهل وأشقاء، وأخيرًا انتهى الكابوس والطار الذي أرق عقولهم لعقود، واليوم يواجهون عدوًا جديدًا، ولكن القوة في التعاون، والقوة الحقيقية التي تجعلنا مختلفين هي التسامح، فهل سيسامح أم أن صقر الهلالي لايزال لا يعطي فرصة ثانية.
وفي قسم الشرطة، يجلس علي أمام باب الضابط سليم، وسعاد بالداخل يتم التحقيق معها، كان علي قلق للغاية حيث طال الوقت كثيراً ومضى أكثر من ساعة في التحقيق، ولم تخرج بعد.
أخرج علي هاتفه واتصل بزياد ليطمئن على الأوضاع، فهو يعلم ما يمر به صقر الآن، وحين تلقى زياد المكالمة قال..
علي بصوت حزين : أيوة يا زياد.
زياد بقلق : إيه يا علي فيه إيه حصل حاجة؟! مال صوتك غريب كده ليه؟
تنهد علي وقال : الحقيقة بانت يا زياد، أنا اتصلت بيك أعتذرلك، واطلب منك طلب أخير، عايز اطمن علي صقر.
زياد بتعجب : حقيقة إيه؟!!! وليه بتعتذرلي؟ ما تفهمني يا علي فيه إيه.
علي : خالي رفعت هو اللي قتل عيلتكم وقتل عيلة صقر.
وقف زياد بصدمة وقال : إنت بتقول إيه ؟ جبت الكلام ده منين؟
علي : سليم لقى سعيدة، واعترفت إن خالي هو اللي أداها فلوس عشان تقتل حامد الهلالي. اسمعني يا زياد، أنا عارف إني آخو واحد هتساعده دلوقتي، بس أنا كل اللي طالبه اطمن على صقر، هو لسه مفاقش من موضوع حاتم، وأنا عارفه كويس، مش هيبص في وشي تاني، أرجوك يا زياد طمني عليهم، الخبر هيبقى صعب أوى وخصوصاً على مرات خالي.
زفر زياد بضيق وقال: أقفل يا علي دلوقتي وأنا هتصل بيهم.
أنهى زياد المكالمة، ووقف بجانبه زيد ليعرف ماذا يحدث، فقد سمع حديث زياد في الهاتف وانتابه القلق، فقال.
زيد : فيه إيه يا زياد وشك اتقلب كده ليه؟
قال زياد وهو يتصل بصقر : اصبر يا زيد، خليني اطمن الأول. أيوة يا صقر، صحيح اللي سمعته ده.
صقر : عرفت منين؟!
زياد : علي قالي.
صقر : أيوة صحيح.
وضع زياد يده على وجهه من هول الصدمة التي لا يستطيع تصديقها حتى الآن، وقال: مش يمكن البت ديه بتكدب؟!
صقر : اعترفتلي بكل حاجة يا زياد.
زياد : طيب الأخبار إيه عندك؟
صقر : مش كويسة، إحنا في المستشفى.
زياد بقلق : ليه مين تعبان؟
صقر : أحلام أختي، الواد مات في بطنها وأنا بجهز الدفن على ما أبوه يجي.
زياد : إحنا جايين يا صقر.
انهى زياد المكالمة، وقص لزيد ما حدث، ثم أخبر بركات وذهبو جميعًا إلى المشفى.
حين اقترب من غرفة أحلام؛ كان صراخها يصدع بالخارج بعد أن علمت بموت ابنها، وليل تحاول تهدئتها دون جدوى، أعطتها ليل حقنة مهدئة حتى نامت.
ظل جهاد و ابتسام بجوارها يبكيان، وخرجت ليل من الغرفة، وجدت عائلتها يتحدثون مع الهلالي.
ليل : إنتو جيتو أمتى يا جدي؟
أحتضنها بركات، واطمئن عليها زياد وزيد وأيضاً نور التي كانت تبكي حزناً على صوت أحلام.
بعد قليل جاء صقر وقال : إيه الأخبار، فاقت؟
ليل : اه بس منهارة جداََ، اضطريت أديها حقنة مهدئة، أنا لازم أروح أكلم حد من زمايلي يجي هنا بسرعة.
صقر : طيب بسرعة يا ليل، ولو ومعرفتيش تجيبي حد قوليلي.
ليل : متقلقش هتصرف.
صقر : أنا أسف يا جماعة مسلمتش، بس مكنش فيه داعي والله تتعبو نفسكم وتيجو.
بركات : رفعت عمل إكديه ليه يا ولدي؟
صقر : هو سليم كان شاكك فيه من بدري، لأن هو الوحيد المستفيد من قتلي عشان الميراث، لكن أنا حاسس إن الموضوع أكبر من كده.
زيد : يعني إيه ؟!! فيه أسباب تانية مثلاً؟!
صقر : هيبان في التحقيق، هو قالي إنه خد أخته سعاد هيحاول يعرف أي حاجة منها، أو هو فين؟!
الهلالي : هرب واد المحروج، هنفضل خايفين منيه إكديه لحد ميتا؟! لو أطوله أموته بيدي.
صقر : يعني إنت تمنعني يا جدي وتقولي أقتله أنا؟
الهلالي : إنت لساتك صغير والعمر جدامك، ومراتك في رجبتك، كلنا في رجبتك يا صجر، لكن أنا معدش ليا عازا.
صقر : متقولش كده يا جدي ده أحنا عايشين بحسك، متقلقش هو هيتجاب هيتجاب، وهيجي برجليه، وساعتها الحكومة هي اللي هتقتله، ده قاتل ٦ وحاول يقتل السابع.
الهلالي بحزن : خلصت ورج الدفن؟
تنهد صقر وقال : أه يا جدي، بس مستني حمزة عشان أعرف هيدفن هنا ولا هياخدوه عنده في البلد.
الهلالي : هيجي ميتا؟
صقر : هو في الطريق على وصول خلاص.
زياد : صقر عايزك في كلمتين.
أخذه صقر بعيداً عنهم وقال : قول يا زياد.
زياد : علي كلمني، وقلقان عليكم أوي، وبيقولي إنه عارف إنك مش هتبص في وشه تاني.
جاءت ليل واستمعت لما قاله زياد، فقالت بتعجب.
ليل : ليه هو علي ذنبه إيه؟
نظر لها صقر وهو يعقد حاجبيه
ليل : بتبصلي كده ليه؟ لسه متعلمتش الدرس يا صقر؟
صقر : درس إيه؟
ليل :متحاسبش حد على غلط هو معملوش، ولا عايز تعمل معاه زي ما عملت معايا!
زفر صقر بضيق وقال : إنتي أُجبرت عليكي، لكن إيه اللي يجبرني أروح أكلم علي.
نظرت له ليل بضيق، فأردف.
صقر : مش قصدي، ياااه.... بس أفهميني، أنا مش هعمله حاجة، بس أكيد مش هعرف أتعامل معاه زي الأول، إسألي زياد ما هو نفس الشيء، هتكلمه عادي يا زياد؟
زياد : أنا وعلي مش أصحاب، إحنا بس المشكلة الأخيرة خليتنا نتكلم مع بعض أكتر، والصراحة أنا أشهد إن علي محترم جداََ وصديق وفي، أنا غيرك يا صقر، ممكن أتكلم معاه في الحدود، لكن إنت علي بالنسبالك أخ مش صديق.
ليل : بالظبط...
وضعت ليل يدها على كتف صقر وقالت : كفاية تخسر الناس اللي بتحبك يا صقر، علي ملوش ذنب وبيخاف عليك و بيحبك، كفايه حاتم.
أغمض صقر عينيه وقال : هو أه مختلف عن رفعت، بس برده مش قادر أتكلم معاه دلوقتي، سيبوني بس شوية أحاول أستوعب اللي أنا فيه، وأدفن ابن أختي، وأشوف جوزها هيعمل معاها إيه.
نظر ليل وزياد له، بحزن ثم نظرا لبعضهما البعض ولم يتحدثا.
صقر : أنا هدخل اطمن على أحلام.
تركهم وذهب للداخل.
زياد : حاسس إن صقر منهار من جواه، أنا مش عارف هو واقف على رجليه إزاي كده وكمان عيان! صحيح صقر الهلالي ملوش زي.
ليل : بيضغط على نفسه أوي ومش عايز حتى ياخد دوا وجرحه ملتهب، أنا بس اطمن إن الدكتور جيه وبعدين نخلص الدفن، وأخده على البيت لازم يرتاح.
دخل صقر الغرفة وطلب من أمه وابتسام أن يتركوه معها، جلس بجانب الفراش ونظر إلى أخته بحزن وقال : عارف إيه اللي زعلك أكتر يا أحلام؛ علي، أنا أول واحد جيه في بالي برده علي وزهرة، أخواتي اللي أتربيت معاهم.
ثم سقطت دمعة من عينيه رغمًا عنه وقال: عارف يا أحلام إنك بتحبيه. مش عارف ليه مكتوب علينا نبعد عن كل اللي بيحبونا! أنا خايف يا أحلام، خايف القدر ياخد مني ليل كمان، ديه اللي مش هستحملها بجد، أنا مش عارف أنا غلط ولأ صح، أديهم فرصة تانية ولا لأ.
ثم انسابت دموعه وأردف: اللي واجعني يا أحلام إني محتاج لحاتم أوي، أعمل إيه يارب، أعمل إيه؟
ظل يتحدث معاها لبعض الوقت، أخبرها بكل ما في قلبه، ثم دخلت ليل الغرفة فأبعد صقر وجهه عنها، وحاول أن يزيل دموعه دون أن تراه، ولكن ليل كانت تشعر به من قبل أن تدخل، اقتربت منه واحتضنت رأسه بين ذراعيها، فأسند صقر رأسه على كتفها، فقالت.
ليل : إحنا مش اتفقنا متخبيش عليا مشاعرك.
صقر : مش عايزك تشوفيني كده.
ليل : أنا شايفاك بقلبي يا صقر وحاسة بيك، فضفض يا صقر أتكلم.
صقر : مش عايز أخسرهم يا ليل، مش عايز أخسر حد تاني، مش كفاية عيلتي وأبويا والن أختي اللي رايح أدفنه بأيدي، أنا خلاص تعبت.
رفع رأسه ونظر إليها وقال : أمشي يا ليل، أنا حاسس إن العيب فيا، كل اللي بيقرب مني بيتأذي. خايف أخسرك بجد.
ليل بضيق : مش هنتكلم في الموضوع ده تاني، حتى لو مت وأنا جنبك هموت مرتاحة، أنا عندي أموت جنبك ولا إني أعيش من غيرك ثانية واحدة.
صقر بحدة: بس يا ليل، إوعي تقولي كده تاني، أنا مقدرش أعيش من غيرك.
ليل : ولا أنا، فمتطلبش مني المستحيل اللي إنت أصلاً مش قادر عليه.
ثم وضعت يدها تداعب لحيته وقالت
ليل بدلع : وبعدين هو أنا اتعذبت ده كله عشان بس تحبني وبعد ما خلاص اطمن إنك حبيتني وبقيت ملكي تقولي أمشي.
صقر بابتسامة : بلاش الدلع ده، مش كفاية شكل يوم صباحيتنا عامل كده، ما أنا بقولك نحس مش مصدقاني.
ليل : بس بقى بلاش الكلام ده.
صقر : هو إنتي بتعملي كده إزاي؟
ليل : هو إيه؟!
صقر : عندك قدرة تغيري حزني لفرح في لحظة.
ليل : مش عارفة.... بس أنا عايزة أشوفك مبسوط، ومش هقدر أشوفك كده واسكت.
نظر صقر لها بعشق وقال : إنتي بقيتي أحلى حاجة في دنيتي.
ليل : بلاش تبصلي كده، أنا بقيت أسيرة لعيونك ديه من ساعة ما شفتهم، عارف يا صقر لو عيونك ديه بصت البصة ديه لحد غيري أنا هعمل فيك إيه؟
ابتسم صقر وقال : عيون الصقر مبتشوفش غير ليله.
طُرق الباب، فضرب صقر قدميه بكف يديه وقال : ياربي أنا قلت نحس، أما نشوف الخبر اللي جي.
نهض وفتح الباب وجد.
زياد يقول : حمزة جيه وراح يستلم الولد.
ليل بتعجب : من غير ما يشوف أحلام حتى؟
صقر : كده بانت. ثم تنهد وقال : خلينا بس نشوف الدفنة الأول.
ذهب صقر وزياد وزيد وليل إلى حمزة، وجدوه يبكي وهو يحمل ابنه بين يديه، اقترب صقر وربت على كتفه وقال : أمر الله يا حمزة، ربنا يعوض عليك.
حمزة : ونعم بالله.
صقر : عايز تدفنه فين؟
حمزة : إهنيه.
صقر : تمام يلا بينا.
قام صقر بعدة اتصالات، ثم ذهبو لصلاة الجنازة وتم الدفن.
وقفو للدعاء للأم والأب عند المدفن، وبعد رحيل الرجال، بقى حمزة وصقر عند المدافن،
حمزة بحزن : إيه اللي حوصل يا صجر؟
صقر : عرفنا أن عمي رفعت هو اللي قتل عمي وجدي شداد وأبويا، الصدمة كانت شديدة علينا كلنا، فجأة صرخت أحلام وأغمى عليها وحصل اللي حصل.
حمزة : كيف ما جالت أمي، ياريت سمعت كلامها من لول.
نظر له بحدة ثم عقد حجبيه وقال: والست الوالدة قالت إيه إن شاء الله.
حمزة : جالت عيلتكو كلها مشاكل يا صجر، وأنا وولادي اللي عمالين يموتو واحد ورا التاني من جبل ما يشوفو النور اللي عندفع التمن.
صقر : ليه هو أحنا اللي قتلناهم يا حمزة! وبعدين أحنا مالنا ومال أول مرة سقطت فيها، ما كانت في بيتك.
حمزة : سجطت من زعلها على أبوها.
صقر : إنت بتلوم على مراتك إنها زعلت على أبوها اللي مات! إنت إتجننت يا حمزة؟!
حمزة : مات مجتول يا صجر، وده خلى زعلها أجوي.
زفر صقر وقال : عايز إيه يا حمزة من الآخر؟
حمزة : مش عايز أحلام تتأثر بيكو تاني عاد.
ضرب صقر يديه ببعضها وقال : وديه نعملها لسعدتك إزاي يا أستاذ حمزة؟
حمزة : تبعدو عنيها واصل، مش عايز حد فيكم يجرب منيها ولا تعرف أخباركم.
صقر بغضب : لا إنت أتجننت رسمي، أنا مقدر الموقف اللي إنت فيه، بس ده كلام ميتقلش أبداً.
حمزة : هي عتنفذه غصباً عنيها، يا أما كل واحد يروح لحاله.
أمسك صقر حمزة من قميصه ثم نظر له نظرة جعلته يرتد إلى الخلف بذعر وقال : وده مين ده اللي يغصب أخت صقر الهلالي أنها تقاطع أهلها، إنت نسيت إنت واقف بتكلم مين ولا إيه يا حمزة.
حمزة بتوتر : أنا عفكر في مصلحة عيلتي يا صجر.
صقر : عيلتك ديه اللي هي أختي، وأنا مش هسمحلك تغصبها على حاجة، فاهم؟ واللي عندك أعمله، عايز تطلقها مع السلامة.
ثم ترك صقر قميصه وأكمل : ال عيلتي ال... ده أنت حتى مفكرتش تبص في وشها وجريت على ابنك، جي دلوقتي تقولي عيلتي.
ثم اقترب منه وقال بصوت يشبه فحيح الأفاعي : تطلقها ومشفش وشك تاني.
التفت ليذهب فسمع حمزة وهو يقول : أختك طالج يا صجر.... طالج مني.
التفت إليه ونظر له بشموخ، وابتسم بهدوء وعدل حلته ونفض عاتقه بغرور، ونظر له باستحقار وذهب.
عاد صقر وأخذ الهلالي وزياد في سيارته إلى المشفى، وأخذ زيد بركات بسيارة أخرى وعادا إلى المنزل.
نظر له الهلالي وهو يبحث بالأرجاء وقال : فين حمزة يا صجر؟
صقر : مبقاش في حمزة يا جدي.
الهلالي : يعني إيه؟
صقر : طلقها.
زياد بصدمة : بتقول إيه.... طلقها! إيه الجنان ده؟! حد يسيب مراته في وقت زي ده؟
الهلالي : كنت خابر إنه عيعمل إكديه.
صقر : محدش يتكلم معاها، أنا اللي هقولها بنفسي، بس نسأل الدكتور اللي جي ده الأول ينفع ولا لأ.
عادو إلى المشفى، وجد ليل وحدها أمام الغرفة وعلم أن الطبيب النفسي مع أحلام بغرفتها.
صقر : أمي وعمتي فين؟
ليل : روحو.
صقر بفزع :لوحدهم؟!
ليل : لا قناوي جيه يشوف محتاجين حاجة ولا لأ، وأنا قولتلهم يروحو معاه عشان شكلهم تعبان أوي.
هدأ صقر وقال : أيوه كده أحسن، أخبار الدكتور إيه؟
ليل : معاها جوا لسه مخرجش، الحمد لله إنه جيه على طول.
الهلالي : ده يعرفك يا بتي؟
ليل : اه إحنا دفعك واحدة، بس هو تخصص نفسي.
ثم نظرت ورائهما وقالت : فين حمزة؟ وجوده ضروري دلوقتي.
الهلالي : طلجها وراح يا بتي.
اتسعت عيني ليل و قالت : طلقها؟
صقر : مش وقته دلوقتي، خلينا نطمن عليها الأول.
فُتِحَ الباب وخرج الطبيب ونظر إلى ليل وقال : خير يا دكتورة الحمد لله، وضعها كويس.
أشارت ليل إليه وقالت : دكتور محمود.
ثم أشارت إليهم جميعاً وعرفتهم عليه: صقر الهلالي.... الحج هلالي.... زياد.
صافحه صقر وقال : أهلاََ دكتور محمود، مش عارف أشكر حضرتك إزاي إنك جيت على طول ومتأخرتش أبداََ.
محمود : أهلاََ أستاذ صقر، لا أبداََ مفيش شكر ولا حاجة ده واجبي، وبعدين دكتورة ليل من أكتر الناس المحترمة اللي أتعرفت عليها في الكلية، وعمرها ما أتأخرت في مساعدة حد من زمايلنا، عموماً أحب تطمنكم الحالة كويسة، هو مين فيكو جوزها؟
الهلالي : مش موجود دلوك
محمود : امممم. شكل أحساسي طلع صح.
صقر : خير يا دكتور.
محمود بتوتر : أناااا أسف في السؤال يعني، بس هي بتحب جوزها؟!
صقر : ليه بتسأل كده؟!
محمود : لإني حسيت إنها على أد ما زعلانة وعارفة أنها ممكن تطلق منه بسبب نزول الولد؛ على أد ما هي مرتاحة إنه هياخد القرار ده، وده معناه إنها مش عايزاه أصلاً، على العموم أنا كتبتلها مهدأ بس تاخده قبل ما تنام، وياريت محدش يضغط عليها بحاجة، ولو فيه حاجة طبعاً تقدر تخرجها من اللي هي فيه يبقى أفضل.
صقر : تمام يا دكتور متشكرين جدًا، طبعًا حضرتك النهاردة ضيفي، أكيد مش هتروح في الوقت ده.
محمود : لا أعفيني مش هقدر، أنا ليا قرايب هنا في قنا ومستنيني الصراحة، ولما الدكتورة طلبتني قلت أجي هنا الأول وبعدين أروحلهم.
صقر : طيب حضرتك تأمر بإيه؟
محمود : لا ولا أي حاجة، عايز تصغرني قدام الدكتورة.
ابتسم صقر وقال : طيب خلاص أنا هطلع عربية من عندي توصلك لحد البيت في قنا.
محمود : إذا كان كده ماشي.
اتصل صقر بالشركة وطلب سيارة توصله، وحين رحل دخل إلى أحلام الغرفة، ووجد ليل معها، أما هي فكانت تنظر إلى الفراغ بصمت، حين رأت علاقة صقر وليل علمت أن زواجها من حمزة لم يكن زواجًا حقيقيًا، فمنذ أن تزوجته وهي في صراع نفسي مستمر، سواء مع عائلته التي كانت ترفض الزواج من الأساس، أو مع طباع حمزة التي لا تتوافق معها، وما زاد الأمر صعوبة هو إجهاض ابنها الأول، مما تسبب في الضغط أكثر على حمزة من جهة عائلته والذي جعله يضغط عليها أكثر، ربنا توصلت أن الفراق هو الأسلم لها نفسيًا اليوم، والذي أكد ذلك حديثها مع الطبيب، وحين عادت بذاكرتها لما حدث سابقًا؛ بدأت تفكر بأمر علي مرة أخرى.
حين لاحظ صقر حزنها ابتسم قليلًا وقال : حمد الله على السلامة يا حبيبتي، كده برده تخضينا عليكي.
أحلام بتعب : الله يسلمك يا خوي، أنا عايزة أروح البيت يا صجر.
صقر : طيب نشوف الدكتورة هتقول إيه.
ليل : أنا هروح أسأل وإنت خليك معاها شوية.
خرجت ليل ونظر صقر إلى أحلام وقال : مسألتيش على حمزة يعني؟
أحلام : مش عايزة أعرف يا صجر.
صقر : ليه مقولتليش إنك مش مبسوطة معاه؟
أحلام : عشان كنت عتلومني يا صجر، وعتجولي إنتي اللي اخترتيه وإنتي مش عتحبيه، ورفضتي علي.... صوح؟
صقر : عمري ما كنت هعمل كده، أنا بس كل اللي عايز أفهمه إيه اللي حصل خلاكي ترفضي علي.... فهميني.
أحلام : دلوك بس أجدر أفهمك يا صجر، جبل ما يتجدملي علي سمعته عيتحدت مع رفعت، وعيجوله لو أتجوزت أحلام عيتفتحلك طاجة الجدر وعتلعب بالفلوس لعب، خفت ليكون طمعان فيا وبس ومعيحبنيش.
صقر : وليه مقولتيش في وقتها؟
أحلام : عشان أوجع ما بين عمتك وجوزها؟! سكتت وجولت خلاص معيزاش الجوازة كلياتها، بس دولك خلاص عاد، عرفنا هما كانو عايزين إيه من لول.
أغلق صقر عينيه وتنهد بقوة ثم قال : طيب.... بما إنك مسألتيش فا أعتقد إنك عرفتي حمزة عمل إيه.
أحلام : عيطلجني، خابرة إنه عيعمل إكديه ده لو مكانش عملها، أنا مش جادرة أضحك عليه أكتر من إكديه، حاولت أحبه بس معرفتش.
صقر : خلاص يا أحلام أرمي ورا ضهرك وانسى، صفحة واتقفلت.
دخلت ليل الغرفة وقالت : نقدر نروح يا صقر.
صقر : طيب هروح أطلب قناوي يجي يوصل زياد بالعربية، وإنتي ساعديها تلبس هدومها ويلا بينا نروح.
خرج صقر من الغرفة وأسند ظهره على الحائط وأغمض عينيه، ما تقوله أحلام يعني أن علي مثل رفعت، طامع بالأموال، هذا ما يرفض عقله أن يصدقه، وقلبه يدعي أن يكون هناك خطأ بالأمر، فهذا هو ما سينهي ما بينهما حقًا.
رواية بقاء الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رباب حسين
ن
يقال أن القلوب لا تخطئ، هؤلاء من اقتحمو ذلك النابض؛ لم يكن لديهم قدرة الخداع فالقلوب لها قوانين خاصة، تختار من يشبهها، تعشق من يألفها، تتعلق بمن هو مرآة لها، تختار الصديق الذي يملك قلب يشبهها، وحين نقع في اختيار ما بين العقل والقلب، يبدأ صراع دامي، العقل يؤمن بالدلائل والبراهين، والقلوب تصدر قرارها حسب مرآة القلب، وبالنهاية هناك من ينتصر.
وفي قلب صقر يعلم أن علي ليس بذلك الشخص أبدًا، ولكن صدمته في حاتم جعلته مشوشًا، وصمت القلب الذي أُنهك من كثرة الألم وتحكم العقل، لذا قرر أن يتأكد من حديث أحلام وينهي ذلك الصراع.
اوصل صقر ليل وأحلام إلي المنزل، وأخذت جهاد ابنتها إلى الغرفة ونامت بجوارها، لا تعلم إذا كانت تستمد القوة منها أم تغمرها بذلك الحنان كي تعوضها ما مرت به اليوم.
اطمئن صقر عليهن وخرج هو وليل، ثم وقف في ممر الغرف بشرود، نظرت له ليل وجدته مرهق وحزين وشارد، اقتربت منه وقالت.
ليل : اليوم كان طويل أوي عليك، تعالى أرتاح واتعشى وخد الدوا.
جذبها صقر إليه واحتضنها، وضع وجهه في رقبتها ثم تنهد بقوة، يفرغ ذلك الثقل الذي احتل قلبه، ربتت ليل على ظهره حتى رفع وجهه قليلاً وقال.
صقر : صعب الواحد يتغير.... صح؟
ليل : بس فيه حاجات تستاهل نتغير عشانها.
أبعدها عنه ونظر إليها صقر وقال : صح، أنا لازم أخرج، متستنيش روحي نامي.
ليل : هتخرج دلوقتي... رايح فين؟
صقر : مشوار لازم أعمله.
ليل : مش هنام هستناك.
ابتسم لها صقر وذهب، صعد إلى سيارته ثم أعلن هاتفه عن مكالمة من سليم.
صقر : أيوة يا حضرة الظابط... فيه جديد؟
سليم : لا لسه معرفناش راح فين، بس بندور على بيانات مراته يمكن نعرف نوصله عن طريقها، أنا كنت عايزك في موضوع تاني.
صقر : اتفضل.
سليم : أنا عايز أجتمع مع العيلة وعيلة الحج بركات كمان ضروري جداً.
صقر : بكره لو حضرتك فاضي نورنا في البيت عندي، وأنا هخلي الحج بركات يجي كمان.
سليم : تمام أنا هاجي بكره بعد العصر. مناسب؟
صقر : مناسب جداً.
انهى صقر المكالمة وقاد سيارته إلى منزل علي، طرق الباب واستمع إلى صوته يأتي من الداخل.
علي : مين؟
صقر : أنا صقر.
اتسعت عين علة وفتح الباب وقال : صقر!
قال صقر بنظرة قوة : هو سؤال واحد، وهمشي.
تحرك علي من أمامه وسمح له بالدخول وقال : أدخل يا صقر.
دخل صقر ثم التفت إلى علي وقال : إنت كنت عايز تتجوز أحلام عشان طمعان في فلوسها؟
علي بصدمة : إيه! فلوسها! فلوس إيه يا صقر اللي بتتكلم عنها؟ جبت الكلام الفارغ ده منين؟
صقر : أحلام سمعتك بودنها.
علي : أحلام سمعتني أنا بقول أني عايزها عشان فلوسها! ثم ابتسم بسخريه وقال : لا إنت اكيد بتهرج، إنت أكتر واحد عارف أنا حبيتها أد إيه، وعارف كمان أني لسه بحبها لحد دلوقتي، إزاي يا صقر تصدق عني كده؟ ولا عشان خالي طلع طمعان فيكم ابقى أنا كمان طمعان فيكم؟
اقترب علي منه وتحولت ملامحه إلى الغضب وقال : أنا لو على الفلوس أنها عملتها بأيدي يا صقر من غير ما حد يساعدني، وأظن إنك عارف كده كويس، بدليل إني شريك معاك من فلوسي أنا ومحدش ساعدني في حاجة، مش أنا اللي أجري ورا الستات عشان فلوسها، ولو أنا طبعي كده كان زماني متجوز دلوقتي واحدة عشان فلوسها برده، لكن أنا مش عارف أنساها ولا قادر أحب غيرها.
صقر : بص يا علي هي قالتلي أنها سمعت رفعت هو اللي بيقولك كده، وإنت معترضتش.
صمت علي وظل يتذكر حتى قال : اه، هو فعلًا خالي قالي كده زمان، بس طبعاً ده تفكيره هو مش أنا.... لحظة! أنا بعدها أتقدمتلها ورفضتني، اوعى تقولي إنها رفضتني عشان كده!
أومأ صقر له بالإيجاب.
مما زاد غضب علي أكثر وتحدث بصوت مرتفع وقال : ليه؟! طيب مسألتنيش ليه؟ إزاي تفكر فيا كده، هو أحنا لسه عارفين بعض أمبارح، إنت عارف أنا اتحايلت عليها أد إيه عشان تقولي إيه اللي غيرها من ناحيتي؟
صقر : خافت تتكلم توقع بين عمتي وخالك.
علي : طيب وأنا... مفكرتش فيا؟ إنت متخيل هي عملت فيا إيه! متخيل أنا حسيت بأيه وأنا عارف إنها خلاص بقت لواحد غيري؟ إزاي أصلًا تصدق وتفكر فيا كده؟
ثم أدمعت عيناه وقال : أنا بموت كل ليلة من شوقي ليها، وبلوم نفسي إني بفكر في واحدة متجوزة، هربت برا البلد، سيبت عيلتي وأمي وأختي عشان أبطل تفكير فيها، وياريتني قدرت. كل مرة كنت بشوفها كنت بتوجع يا صقر، وهي راحت كملت حياتها وأتجوزت وحامل، وأنا حياتي وقفت عندها، ليه تعمل فيا كده يا صقر..... ليه؟
نظر له صقر بحزن وقال : أحلام أطلقت يا علي.
علي بتعجب : طلقها! وهي حامل؟
صقر : لا الواد مات في بطنها، وجيه حمزة دفن الواد طلقها ومشي.
علي بغضب : ابن ال***، ده أنا هطلع عين اللي خلفوه.
أمسكه صقر من ذراعه وقال :مفيش داعي يا علي.
نظر له علي بعين حائرة، برغم ذلك الغضب الذي كل به إلا أن خوفه عليها جعله يسأل بتردد : طيب... هي... عاملة إيه يعني كويسة؟
صقر : اه... واضح أنها أصلاً مكنتش عايزة تكمل معاه، أحلام محبتوش هي لسه بتحبك إنت.
نظر له علي بضيق وقال : بعد إيه يا صقر ما خلاص، ده لو كان فيه أمل زمان دلوقتي مبقاش، خسرتك وخسرتها يا صاحبي بسبب خالي، هبص في وشها إزاي وأنا خالي هو اللي قتل أبوها.
صقر : مين قال إنك خسرتني، أنت ملكش ذنب يا علي في حاجة.
نظر له علي بتعجب وقال : إيه؟! لا بتقول إيه معلش مش فاهم، عيد تاني كده.
ابتسم صقر وقال : زي ما سمعت يا علي أحنا زي ما أحنا أصحاب.
ضحك علي وقال : لا.... لا ديه جديدة، هو أنت صقر الهلالي فعلاً، وديت صقر فين قولي؟
ضحك صقر ونظر إليه وقال : كل حاجك بتتغير مش عايزني أتغير أنا كمان، وبعدين إنت أخويا مش صاحبي.
احتضنه علي وقال : أنا مش مصدق يا صقر، ده أنا كنت بحضر هدومي وهاخد أمي وزهرة ونمشي من البلد كلها، بجد يا صقر مسامحني ومش زعلان مني؟ بس أزاي.... ابتعد علي عنه. وقال : اااااااه صحيح صدق اللي قال الحب يصنع المعجزات، ليل هي اللي أقنعتك صح؟
ابتسم صقر وأومأ بنعم.
علي : شكلك واقع خالص يا صاحبي.
صقر : أتلم بدل ما تشوف الوش التاني.
علي : لا يا عم بلاش.... بس الصراحة هي فعلاً مش زي أي حد، مرات الكبير على حق، ربنا يسعد قلبك.
صقر :أنا هروح بقى عشان هلكان، اه عايزك تيجيلي بكره بعد العصر في البيت عندي، سليم عايزنا كلنا.
ثم ذهب صقر إلى الباب فقال علي : عقبال حاتم يا صقر.
نظر له صقر وابتسم بحزن وقال : ده لا يا علي.
ثم تركه وخرج من المنزل، وصعد إلي سيارته جلس قليلاً بها وظل ينظر إلى الهاتف، وصورته هو وحاتم معاً وهم يضحكان ثم أغلق الهاتف، وقذفه بضيق، وقاد سيارته وعاد إلى المنزل، صعد إلى غرفته وجد ليل تنتظره، وأعدت الطعام ووضعته في الغرفة.
ليل : حمد الله على السلامة، كويس إنك متأخرتش.
ابتسم صقر لها وقال : منمتيش ليه؟ الوقت أتأخر.
ليل : عشان إنت مكلتش النهاردة وعايزة أطمن عليك، شكلك أهدى شوية.
اقترب صقر منها ووضع يده على وجهها، ثم مرر أصابعه في شعرها الأسود الطويل وقال : كنت عند علي.
ليل : بجد! صالحته يا صقر؟
صقر : اه يا ستي صالحته، وقعد يضحك عليا.
ليل : ليه؟
صقر :عشان حضرتك بتخلي صقر الهلالي يتخلى عن مبادئه.
ليل :لا طبعاً أنا مش عايزاك تتخلى عن شخصيتك ومبادئك أبداً، بس أكيد مش هسيبك تخسر كل اللي بيحبوك، فيه ناس اه متستاهلش فرص تانية، بس كمان فيه ناس صعب نخرجهم من حياتنا كده بالساهل، مين فينا مبيغلطش؟ إنت ذات نفسك جيت وطلبت مني فرصة تانية... صح؟
صقر : صح.
ليل : يلا قوم بقى خد شاور بسرعة، وأنا مستنياك ناكل وننام، عشان أنا هموت وأنام بصراحة.
صقر : حاضر.
نهض صقر وذهب إلى المرحاض، وبعد قليل خرج وهو عاري الصدر، نظرت له ليل وخجلت منه ونظرت بعيداً عنه.
صقر : أكيد مش هتفضلي مكسوفة مني كده على طول ولا إيه.
ليل : طيب ألبس حاجة الجو برد.
صقر : أنا قلت تشوفي الجرح بالمرة.
نهضت ليل ونظرت إلى الجرح وقامت بتغير الضمادة عليه وقالت : هو أحسن شوية، بس لازم تنتظم في العلاج.
صقر : حاضر يا دكتورة.
أرتدى ثيابه وأكلا معاً ثم أخذها صقر بين ذراعيه وقال : حقك عليا، كل أما أحاول أعوضك عن اللي حصل وأحاول أسعدك تحصل حاجة تخليني معرفش أعمل كده، النهارده كان نفسي كله يبقى معاكي إنتي بس لكن حظي بقى.
ابتسمت ليل وقالت : وجودي جنبك كفاية، أنا فرحانة أوي إنك معايا وده مكفيني.
قبل صقر رأسها وضمها إلى أحضانه وأغلق عينيه وقال : بحبك.... ثم نام.
في الصباح، ذهب علي إلي حاتم وأخبره بكل ما حدث معهم، وكان حاتم في صدمة مما سمع، والقلق على صقر يسيطر عليه، وشعر بالسعادة عندما علم أنه لم يعاقب علي بما فعله رفعت، ولكنه يعلم جيداً أنه لن ينال هذا التسامح منه في حياته أبداً.
أما صقر، فبعد الفطار ذهب إلى أحلام بغرفتها ومعه ليل، وقص لها ما حدث بينه وبين علي بالأمس، وأن علي غاضب مما فعلته وأنها أتهمته بالطمع بها، أما أحلام ظلت تفكر وندمت كثيراً أنها لم تحاول مواجهته ومعرفة الحقيقة.
بعد العصر، جاء بركات وزياد وزيد ونور وعلي إلي منزل الهلالي، ولحق بهم سليم وبعد أن حياهم جلسوا جميعًا معًا، عدا أحلام وجهاد.
سليم : أنا حبيت أقولكم على الحقيقة اللي أكتشفناها من التحقيقات، ومن شهادة مدام سعاد أخت رفعت. حج هلالي..... إنت تعرف إن رفعت وسعاد كانو في ملجأ.
الهلالي : لاه، كيف يعني ميعرفوش أهليهم؟
سليم : لا كانو عارفين، أمهم ماتت وهي بتولد أخوهم التالت حسنين، وأبوهم مات ورفعت عنده ١٣ سنه.
نظر علي إليه بصدمة ثم قال.
صقر : وده هيفيد إيه في القضية؟
سليم : هيفيد لما تعرفو مين أبوهم الحقيقي.
علي : ليه هما غيرو أساميهم؟
سليم : إسم الأب بس، لما رفعت كبر شوية بقى ١٨ سنه خرج من الملجأ، وهرب أخواتها معاه، طبعاً مكنش معاهم أي أثبات، زورو بطايق وعاشو بيها، لكن مدام سعاد كانت محتفظة بشهادة ميلادها ومعايا أهيه.
أعطاها للهلالي وفتحها، وحلت الدهشة على وجهه عندما رأى هو وبركات الاسم: سعاد رضوان الخميسي.
بركات بدهشة : واه ولاد رضوان!
الهلالي : ده أحنا جلبنا الدنيا عليهم، وليه مجلوش من لول؟
ابتسام : مين رضوان ديه يا بوي؟
الهلالي : ده كان رفيجنا التالت.
سليم : أحكيلي إيه اللي حصل مع رضوان يا حج هلالي وأزاي أتقتل.
ليل : هو كمان أتقتل!
الهلالي : رضوان كان راجل زين بس كان غاوي لعب جمار، خرب حياته بسببه، ولما مرته ماتت كان بيسيب العيال طول الليل ويجعد في المخروب ديه، لحد ما في يوم خسر كل فلوسه ورهن الأرض اللي كانت حداه، وبعد إكديه كتب شيكات على نفسه، وفضل يلعب كل يوم يمكن يعوض لحد ما الديون زادت عليه، وجتها جالنا أنا وبركات، وجولناله إن عنشتري الأرض منيه، وهو يدفع الرهنية ويسدد الشيكات اللي عليه.
بركات : وفعلًا عملنا إكديه، وهلال هو اللي اشترى الأرض عشان مكنش معايا سيوله وجتها.
سليم : يعني دفعت الفلوس يا حج؟
الهلالي : أيوة طبعًا أمال إيه عاد.
سليم : بس رضوان مدفعش الفلوس، ولما جيه اللي رهن الأرض ليه عشان ياخدها قاله الأرض متباعة ومش معايا فلوسها، ورفعت شافه وهو بيتخانق مع أبوه، وبعدين ضربو بعض وقتله وهرب، من ساعتها ورفعت فاكر أنك أشتريت الأرض و مدفعتش الفلوس، وإن أبوه مات بسببك، بس أخته كانت عارفة إنه خد الفلوس وحاولت تقنعه بده وهما صغيرين، لأن رضوان قالها الحقيقة، إنه خد الفلوس وراح لعب بيها قمار تاني، على أمل إنه ينقذ الأرض عشان يقدر يصرف على عياله، بس للأسف خسر الفلوس.
وقف علي وقال : يعني أمي كانت عارفة إنه ينتقم وساكتة؟!
سليم : لا لا.... الكلام ده حصل وهما صغيرين، وقالتلي إن رفعت مفتحتش الموضوع معاها تاني أبدًا، وافتكرت إنه صدقها خلاص، المشكلة بعد ما خرجو من الملجأ، أخوهم الصغير حسنين تعب جدًا ومكنش معاهم حق علاجه طبعاً، وللأسف مات، مدام سعاد قالتلي إنه وقتها شافت في عين رفعت نظرة غريبة.
علي: وده ملهاش تشك؟
سليم: لأ، لأن الموضوع اتقفل من سنين، وهي مفهمتش النظرة اللي في عينيه وقتها، كأنه خسر كل حاجة، وده إحساس طبيعي بعد ما أخوه الصغير مات على إيده.
كان صقر يسمع وهو يحاول السيطرة على ألمه، هو يرى صدمة علي الجالية على وجهه، ففضل الصمت، ثم نظر إلى ليل وكأنها هي مصدر الراحة له، وكأنه يخبر نفسه بأن وجودها يكفي، فابتسامة واحدة منها تعطيه امل بالحياة، ثم قال: وبعدين، حصل إيه؟
سليم: بعدها بفترة اشتغل عند الحج هلالي، وشاف مدام ابتسام وراح لأخته وقالها أنه حبها وعايز يتجوزها، بتقول أنها شكت في الأول، بس هو فضل يقولها إنه نسي الكلام القديم ده وإنه فعلاً بيحبها، ومع الوقت لقت إنه تصرفاته معاها بتبين إنه فعلاً بيحبها، خصوصاً إنه رفض يتجوز عليها حتى بعد ما عرف.... أنا أسف يعني، إن صعب يجلهم أولاد، عشان كده هي نسيت الموضوع خالص، بس لما عرفت حقيقته فهمت كل حاجة وحكتلي السر ده في التحقيق إمبارح.
صقر : يعني هو عمل كل ده عشان فاكر إن جدي مدفعش فلوس أبوه ومات بسببه؟
الهلالي : لو كان جال إنه ولد رضوان كنت أديته فلوس من غير ما يطلب، وكنت هرجعله الأرض كومان.
بركات : ده أحنا دورنا عليهم ياما، لأن لما لجو جثة رضوان العيال مكنوش في البيت، ووجتها جولنا أكيد خافو أو شافو أبوهم وهو بيتجتل وهربو.
سليم : على العموم أنا حبيت أوضح الصوره كاملة، بالنسبة للتحقيق إحنا عممنا صورته في كل المحافظات، وقفلنا مخارج ومداخل البلد، و المراقبة في كل حتة، وحالياً بندور على مراته.
تنهد صقر وقال : تمام يا حضرة الظابط.
سليم : أنا عايزكم تاخدو حذركم جدًا الفترة اللي جاية يا كبير، بس نسيت أسألك إنت لقيت سعيدة فين وازاي؟
ابتسم صقر وقال : متشغلش بالك، المهم إنها رجعت.
سليم : طيب يا كبير.... أستأذن أنا بقى.
الهلالي : لاه أتغدا معانا لول.
سليم : لا أعذرني يا حج هلالي مش هقدر، لازم أرجع القسم.
صقر : المرة الجاية مش هنسيبك تمشي كده.
رحل سليم وظل علي متجمد محله.
نظر له زياد وقال : علي أنا عارف إن اللي بيحصل معاك كتير، بس برده أنا عند رأيي محدش فيكو ليه ذنب في اللي بيحصل.
زيد : اوعى تفتكر يا علي إن حد فينا هيتغير معاكو، إنت ومامتك من أحسن الناس ومحدش هيحملكو نتيجة اللي حصل.
علي : لو كانت أمي أتكلمت كنا لحقنا الدنيا قبل ما تخرب كده.
ابتسام : لو كانت أتحدت كانت هتخرب بيت أخوها، وهو كان بيمثل علينا كلنا وأولهم أخته، عشان إكديه هي ملهاش ذنب يا علي.
عاد صقر بعد أن أوصل سليم وقال : صح يا علي متلومش عليها.
نهض علي وقال : أنا عايز أمشي.
أمسكه صقر وقال : لا خليك معانا.
علي : عايز أقعد لوحدي شوية أرجوك.
تركه صقر وذهب علي، ثم توقف عندما سمع صوت أحلام ينادي باسمه.
أحلام : علي أستنى عايزة أتحدت معاك شوي.
نظر إليها ووجد وجهها شاحب فقال.
علي : ألف سلامة عليكي.
أحلام : الله يسلمك، صجر حكالي علي اللي حوصل عشية.
علي : كل ده في الماضي يا أحلام، ملوش لازمة تفكري فيه.
أحلام : لاه مش ماضي، أنا غلطت في حجك ودفعت التمن غالي جوي.
علي : مش لوحدك.... إنتي ظلمتيني وحاسبتيني على غلطة معملتهاش، أحلام خلاص خلص الموضوع، مفيش داعي حتى تعتذري، إنتي اختارتي وأنا قبلت اختيارك من زمان، والموضوع كله أتقفل وخلص بالنسبالي، عن إذنك.
تركها وذهب، وظلت تنظر إلى أثره والدموع في عينيها، وهي تقول في نفسها كلمة واحدة.... خسرته.
أما هو فكان يشعر بأنه لا يستحق هذه الفرصة الذي يعطيها الجميع له. فقرر أن يبتعد ولا يطمع بشيء آخر.
رواية بقاء الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رباب حسين
رواية بقاء الفصل التاسع والعشرون
مضى شهر.... تعافت أحلام ولكن الحزن لا يزال يسكن قلبها، وهذا بسبب ابتعاد علي عنها تماماً، فلم تعد تراه أبداً، يتجنب المجيء إلى صقر في المنزل، ويتعمد أن يتقابلوا بالخارج.
أما ابتسام، فبدأت تستعيد حياتها بعد صدمة زوجها، وذلك بفضل ليل التي ظلت بجوارها طوال الوقت، تحاول التخفيف عنها وتفعل ما بوسعها كي تعود ابتسامتها مرة أخرى، والهلالي الذي يدفن غضبه داخل قلبه حتى لا تشعر ابتسام بالذنب بسبب ما فعله رفعت.
حاتم، بحث عن عمل خارج سوهاج، حيث يظل طوال أيام الأسبوع بعيداً عن المنزل ويعود فقط في أجازة نهاية الأسبوع، هرباً من أن يلتقي بصقر بأي مكان، ودائمًِا ما يتواصل مع علي ليطمئن على أحوال صقر من خلاله.
وبعيداً عن كل هذه الصراعات، فا صقر وليل يعيشان بهدوء وسلام، وحب يخيم على علاقتهما التي بدأت في الاستقرار.
استعاد صقر صحته وبدأ بمباشرة عمله من جديد، وعلي قرر البقاء معه بسبب مشاغل صقر الكثيرة، ويعاونه بإدارة أراضي العائلة، وأيضاً قام بتعين شخص مسئول عن فرع القاهرة. كل الأمور أستقرت عدا خوف صقر المستمر من رفعت، واستمر بوضع الحراسة على منزله وعدم السماح لأي أحد بالخروج من المنزل.
وفي يوم، عاد صقر مبكراً من عمله على غير عادته، كانت ليل تجلس بغرفتها تتابع بعض الأبحاث الخاصة بعملها، فتح صقر الباب وحين دخل ورأته ليل اقتربت منه واحضنته بسعادة وقالت.
ليل : جي بدري ليه حبيبي، إنت كويس؟
صقر : أنا كويس متخافيش، بس وحشتيني قلت أجي اشوفك.... غمضي عينك.
أغمضت ليل عينيها وهي تبتسم ثم أخرج صقر من سترته علبة مجوهرات صغيرة، فتحها وقال.
صقر : فتحي.
نظرت ليل إلى يديه بدهشة فقال.
صقر : إيه وحشة؟!
ليل : لا حلوة طبعًا، بس توقعت أن أول حاجة تفكر تجيبها هي خاتم الجواز مش سلسلة.
عقد صقر حاجبيه وقال : اه صح... إنتي مش لابسة خاتم لحد دلوقتي.
ليل : تخيل.
ضحكا معاً ثم قال صقر : بصي هي ديه مهمة أكتر.
تعجبت ليل وقالت : إزاي يعني؟
صقر : بصي ديه أنا عملتهالك مخصوص، لو دوستي على الزرار ده اللي في النص.
أخرج هاتفه وفتحه وقال : بصي هيظهر إنتي فين، أنا حطيت فيها جي بي أس عشان أبقى مطمن عليكي أكتر.
ليل : معرفش ليه معيش نفسك في التوتر ده.
صقر : معلش ريحيني، هتضايقك في حاجة! وبعدين شكلها حلو جداََ، ومحدش هيتخيل إنها فيها جي بي أس، واوعي تقولي لحد عنه، وكمان متتقلعش خالص.
تنهدت ليل وقالت : حاضر.
وضع صقر السلسال حول رقبتها، ثم التفتت إليه وقالت : المشكلة إني أصلاً مش بخرج من البيت، حتى الشغل رفضت تخليني أروح، ولا لسه فاكرني طمعانة في فلوسك.
زفر صقر وقال : تصدقي أنا هكتب المستشفى باسمك عشان تبطلي تفكري كده، يا حبيبتي أنا خايف عليكي.
ليل :طيب أفرض رفعت متمسكش، هفضل أنا محبوسة كده.
صقر : هيتمسك إن شاء الله.
ليل : أنا زهقت يا صقر أوي.
احتضنها صقر وقال : عارف، بس أنا قلبي مقبوض يا ليل، معلش عشان خاطري ريحيني.
ابعدها ونظر في عينيها وقال : بما إن بقى رجعت بدري تعالي نستغل الظروف قبل معاد العشا.
ابتسمت له بخجل.
بعد العشاء، جلسوا معاً جميعاً بالأسفل يتناولون بعد الحلى مع الشاي.
الهلالي : أخبار الأرض إيه يا صجر؟
صقر : تمام يا جدي، المحصول كويس المرة ديه، وإن شاء الله ناوين نصدر منه.
الهلالي : زين.... مفيش أخبار عن رفعت؟
صقر : لا يا جدي.
ابتسام : وأخبار جضية الطلاج إيه يا صجر؟
صقر : المحامي كلمني النهاردة... متقلقيش علي متابع معاه، وإن شاء الله ناخد الحكم قريب.
نظر صقر إلى أحلام وجدها شاردة. فقال.
صقر : وبعدين معاكي يا أحلام، هتفضلي كده كتير؟
أحلام : هعمل إيه يعني يا صجر، أديني عايشة.
ليل بمزاح : ياربي على الأكتئاب، يا بنتي حرام عليكي نفسك.
ابتسام : ليل تعبت معاها جوي يا صجر، وبعد ما تتحدت معاها بالساعات ترجع لنفس الحالة ديه.
جهاد : محدش خابر من غيرك كنا عملنا إيه يا بتي.
الهلالي : كنا لساتنا معمين على جلوبنا، ليل هي اللي كشفت الحجيجة كلياتها.
ليل : خلاص يا جماعة بقى، اتفقنا ننسى اللي فات خالص.
صقر : هننساه بس نخلص من رفعت الأول، لو كنتي سيبتيني أروح أخلص عليه وقتها كان زمانا خلصنا منه.
ليل : بس يا صقر بلاش الكلام ده.
الهلالي : أنا طالع أنام، مش جادر أجعد أكتر من إكديه.
صقر : أنا كمان خدنا معاك يا جدي، تصبحو على خير.
صعدوا للنوم جميعاً. وفي الصباح استيقظت ليل وظلت تتأمل صقر وهو نائم لوقت طويل، ثم قبلت وجنته، ابتسم صقر وهو مغمض العين، ثم فتح عينيه ونظر إليها وأعاد أغلقهما بنعاس، فعادت ليل وقبلته مرة أخرى مما زاد بسمته على وجهه، ثم عاودت ليل الكرة فضحك صقر وفتح عينيه.
ليل : أيوة كده، أضحك ووريني العيون اللي جنوني دول.
صقر : عينيا بس!
ليل : كلك على بعضك كده مجنني.
ضحك صقر وقبل رأسها وقال : صباح الخير.... هي الساعة كام.
ليل : تسعة.
انتفض صقر وقال :إيه ٩! وسيباني نايم كل ده؟ ده الفلاحين مستنيني في الأرض النهاردة.
ركض صقر إلى المرحاض وخرج مرة أخرى سريعاََ ارتدي ثيابه، وليل نزلت إلى أسفل تعد له شطيرة ليأخذها معه، خرجت من المطبخ وجدته يركض على الدرج، فوقفت أمامه وقالت،
ليل : استنى يا صقر خد الساندوتش ده.
قال صقر وهو يركض : مش وقته يا ليل متأخر، مش مهم الأكل دلوقتي.
أمسكته ليل من ذراعه وقالت : وحياتي وحياتي، خده كل وإنت سايق عشان خاطري.
ابتسم صقر وأخذه منها، وقبل وجنتها سريعاً وذهب.
ابتسمت هنية التي تتابع ما يحدث وقالت : ربنا يسعدكم يا بتي.
ليل : أمين يارب، جبتي اللي قولتلك عليه؟
هنية : اه.
أعطتها هنية هلوة صغيرة داخل حقيبة، فركضت ليل إلى غرفتها وفتحتها وأخرجت منها تحليل حمل، ثم ذهبت إلى المرحاض وقامت بالفحص، أمسكته ليل تنظر إلى النتيجة بارتباك، ثم ظهرت أخيراً بنتيجة إيجابية.
ظلت ليل تنظر إليه وهي بصدمة، تضحك وتبكي في ذات الوقت، وبدأت تفكر كيف ستخبر صقر، وفضلت أن تنتظر إلى أن يعود وتعطيه التحليل. أخفت فرحتها بداخلها ولم تخبر أحد أبداً حتى يعلم صقر بالأول، وأيضاً كانت تفكر في شعور أحلام ففضلت الصمت، أخذت حمام دافئ وخرجت من الغرفة، وقع عينيها على الغرفة المطلة على المندرة، ذهبت للداخل ووقفت في النافذة التي كانت تشاهد صقر منها، تذكرته وظلت تبتسم بعشق، ثم نزلت إلى المندرة، وحين دخلتها ظلت تتذكر عندما طلب منها أن تنظفها.
ذهبت لتجلس مكانه ونظرت من النافذة، ثم وضعت يدها على بطنها، تحدث تلك الكتلة الصغيرة التي تتكون داخل أحشائها بسعادة وقالت: لما تكبر هتقعد مكان بابا هنا.
ابتسمت ونظرت إلى باب المندرة المطل على الحديقة، خرجت منه ووقفت تنظر إليها، تتذكر أول مرة أعترفت بحبها له وإصابته في ذات المكان، تتذكر كل ما حدث وهي سعيدة للغاية، برغم ما حدث بعد الاعتراف ولكن الشعور الذي تخلل قلبها بذلك اليوم با ينسى.
قررت أن تتصل به لتخبره أن عليه العودة مبكراً اليوم، أمسكت هاتفها ثم اتصلت به، وقبل أن تسمع صوته فوجئت بأحد يضع شيئاً على فمها من الخلف، وغابت عن الوعي في لحظتها.
سقط الهاتف من يدها، وحين تلقى صقر المكالمة، كان يجلس مع الفلاحين في الأرض. يتابع حصاد المحصول. فابتعد قليلًا عنهم وقال: ألو.... ليل.... ألو.
سمعه علي فشعر بالقلق، فاقترب منه وقال : فيه إيه يا صقر؟
صقر : ليل اتصلت ومش بترد.
ثم ظل ينادي باسمها ولكن لا صوت،
صقر بتوتر : لا كده فيه حاجة.
علي : أهدى يا صقر يمكن الشبكة فصلت، طيب اتصل بحد من البيت يشوفها.
انهى صقر المكالمة واتصل بأحلام، وحين سمع صوتها قال.
صقر : أيوة يا أحلام ليل عندك؟
أحلام : كانت لسه نازلة من فوج دلوك.
ابتسام : أنا شفتها يا أحلام دخلت المندرة.
صقر : خشي شوفيها يا أحلام.
نهضت أحلام ودخلت إلي المندرة فلم تجدها، ثم انتبهت إلى باب الحديقة المفتوح، خرجت إلى الحديقة، ووجدت الحراس على الباب الخلفي ملقون على الارض غائبين عن الوعي، والباب مفتوح ظلت تنادي.
أحلام : ليل..... ليييييل..... ألحج يا صجر، الحرس اللي على الباب الخلفي واجعين والباب مفتوح.
صقر بذعر : وليل فين؟!
نظرت أحلام حولها، وجدت هاتف ليل ملقى على الأرض.
أحلام : تليفونها واجع على الأرض، شكلها اتخطفت يا صجر ألحجنا.
ركض صقر إلي سيارته وخلفه علي وهو يقول: فيه إيه يا صقر فهمني.
صقر : ليل اتخطفت يا علي.
صعد بجواره داخل السيارة، وقاد صقر سيارته بسرعة جنونية.
عادت أحلام إلى المنزل مره أخرى، وقالت بفزع.
أحلام : ألحج يا جدي... ليل اتخطفت من الجنينة.
انتفض الهلالي من على كرسيه وقال : اتخطفت كيف يعني؟
قصت لهم أحلام ما رأت، خرجوا جميعاً ونادى الهلالي على قناوي، جاء قناوي وأخذ يصرخ بغضب في كل الحرس.
عاد صقر ودخل من باب المنزل، وانقض على قائد الحرس وقبض على ثيابه وقال
صقر بغضب : إزاي تتخطف من جوا بيتي.... أمال أنا جايبكم ليه؟
القائد : يا كبير الحرس أتخدرو، حد خدرهم وكسر الباب ودخل من ورا من غير ما نسمع أي صوت، ولا حتى المدام طلعت صوت، أكيد خدروها وأخدوها معاهم.
أمسك صقر شعره بقوة، يحاول أن يتمالك أعصابه ويفكر.
علي : أهدى يا صقر وخلينا نكلم سليم.
صقر : هقتله.... المرة ديه هقتله بإيدي، مش هسيبه عايش على وش الدنيا لو عملها حاجة.
علي : طيب أهدى يا صقر خلينا نتصل بسليم الأول ونتصرف صح عشان ننقذها منه.
اتصل علي بسليم وأخبره ما حدث.
بعد وقت جاء سليم إلى المنزل، ومعه عدة عساكر من القسم، قامو بتفتيش المكان، ثم ذهب إلى صقر الذي يقطع الحديقة ذاهباً وإياباً بتوتر، وقال.
سليم : واضح إنهم كانو مراقبين البيت، وأول ما شافو ليل في الجنينة هجموا بسرعة وخدوها، أعتقد يا صقر إن فيه حد بيساعده، أنا عايزك تطمن، أنا كثفت التفتيش على حدود البلد ومش هيعرف يخرج بيها من هنا، المهم بلغ أهلها عشان ممكن يتصل بحد فيهم يطلب فدية.
علي : أنا هبلغ زياد، وهخليهم يجو هنا عشان لو فيه أي جديد نبقى مع بعض ونعرف نتصرف.
اتصل علي بزياد وأخبره بما حدث، وجاءو جميعاً إلي منزل الهلالي. دخل بركات وأمسك صقر من ذراعه وقال : ضيعت البت يا صجر! هي ديه الأمانة اللي اديتهالك يا كبير، أجول لأبوها إيه دلوك؟
علي : حج بركات سيب صقر دلوقتي.
صقر : هو أنا ضيعتها بمزاجي، ولا فاكر وجعكو عليها أكبر من وجعي، ديه مراتي..... ولو حد لمس شعرة منها مش هخليه عايش على وش الدنيا.
الهلالي : أهدى يا صجر خلينا نعرف نفكر، تعالى يا بركات أجعد بس، دلوك أي حد يتصل بيكم لازم نخبر الحكومة، سليم جال أكيد عيطلب فلوس.
صقر : أنا لسه هستنى أما يتصل ويطلب فلوس، مراتي لازم ترجع النهاردة، مش هسيبها برا البيت معاهم.
أحلام : أهدى يا صجر عاد مش إكديه يا خوي.
جهاد : عتعاود يا ولدي، عتعاود إن شاء الله.
ابتسام ببكاء : يارب ترجع بالسلامة يارب.... ألطف بينا يارب.
صقر : أنا كنت حاسس وقلبي كان مقبوض، عارف إنه هيأذيني فيها.
زياد : أكيد ما هي اللي كشفت كل حاجة.
زيد : طيب هي تليفونها فين؟
أحلام : معايا.
زيد بيأس : كان عندي أمل يبقى معاها ونعرف طريقها منه.
تذكر صقر السلسال وظل ينظر إلى هاتفه أملاً أن تضغط ليل على الزر الخاص بها.
مضى الوقت وحل الليل.
في مكان مهجور، تجلس ليل على كرسي مقيدة واللاصق على فمها، أخذت تستعيد وعيها ببطء، ثم نظرت حولها بذعر، وظلت تصدر أصواتاً حتى يأتي إليها أحد.
دخل أحدهم المكان ونظر إليها ثم ابتسم وقال بصوت مرتفع : يا كبير.... فاجت.
ظلت تنظر ليل إلي الباب ووجدت رفعت يدخل منه.
رفعت : إخيراً فوجتي، نورتي يا بت بركات.
حمل كرسي ووضعه أمامها ثم جلس عليه، وهي تنظر إليه بحقد شديد.
رفعت : شكل جعدتك مع صجر خليتك زيه، جولت هتبجي خايفة بس واضح إنه لاه، كل ده بسببك إنتي، فضلتي تحججي ورا الموضوع لحد ما كشفتي كل حاجة.
ثم قال بحدة : كنت خلاص هجتل صجر وكل حاجة تبجى ملكي، وحج أبوي يرجع تاني اللي كله الهلالي، وفضل يكبر ويكبر لحد ما بجى كبير البلد، لاه وعيجعد يحكم بين الناس وهو واكل فلوس أبوي اللي أتجتل جصاد عيني وحصله أخوي الصغير، كان لازم أحرج جالبهم زي ما حرجو جلبي عليهم، لكن جيتي إنتي وخربتي كل حاجة، من أول جوازكم وأنا جلت خلاص اللعبة اللي عملتها مبجاش ليها عوزة، بس لما كشفتي كل حاجة وأنا جاعد وسطيكم جلت فرصتي وجت لحد عندي، جتلت صجر بس هو كيف الجطط بسبع أرواح، أول مرة فلت مني، ولما شافني عملت حالي بجري ورا واحد، واضطريت أضرب على رجلي عشان أطلع منيها، عجزت نفسي بنفسي عشان أجدر أخد بطاري منيهم.
ظلت ليل تهمهم من وراء اللاصق، فنزعه عنها وقالت بغضب.
ليل : قدرت تقتل الناس اللي كلت معاهم عيش وملح وناسبتهم واتجوزت بنتهم، كنت بتقوله يا ابني وإنت عايز تقتله، لا وكمان بتقولي لو حد مات ضميرك هيعذبك، وإنت عندك ضمير ولا متعرفش عنه حاجة.
رفعت : كلهم يستاهلو الجتل.
ليل : وعيلتي كمان تستاهل القتل! عملولك إيه؟
رفعت : بركات كان عارف إن أبوي باع الأرض، وعارف إن مخدناش الفلوس.
ليل : أبوك خد الفلوس وصرفها على القمار.
رفعت : لاه لو كان خدها كان سددها، هو جالي هيسدد الفلوس أول ما تجي.
ليل : خدها ومسددش.
أمسكها رفعت من فكها وقال : أخرسي، مش بجولك بجيتي زيهم، كلهم إكديه..... يوعدو وميفوش، حتى أحلام وعدت ابن أختي بالجواز وفي الآخر تركته، وصجر وعد زهرة بالزواج وخلي بيها، مكنش فيهم غير زين.... كنت عحبه زي أخوي.
ليل : عشان كده قتلته.
رفعت :لاه، جتلته غصب عني لما خلفت الواد، لجيته هيبجى زيي من غير فلوس، خفت عليه من الدنيا لتجسى عليه زي ما جسيت عليّ، أنا مردتيش أجتل زين، ولما مات حامد أنا اللي أجنعته ميجيش سيرة إنه اتسمم عشان الطار يجف لحد إكديه وميتجتلش لا هو ولا ولده، وجلت خلاص يا رفعت خدت طارك وبزيادة، وكومان فلوس وعتاخد منيهم، بس ابني لاه، أنا استنيته كتير، لازم يعيش مبسوط ومتهني بفلوس أبوه، وإنتي بجى، أنا هحرج جلبك على صجر وخرب حياتك زي ما خربتي حياتي، هجتله جدامك عشان تدفعي تمن اللي عملتيه فيا.
ليل بفزع: لا أرجوك لا أقتلني أنا هو لا.
قاطعها رفعت ووضع اللاصق على فمها مرة أخرى، وظلت تبكي وقلبها ينتفض من الخوف.
أمسك رفعت الهاتف واتصل بصقر،
أجاب صقر سريعاً : الو.
رفعت : أيوة يا كبير.
صقر بدهشة: رفعت.... ليل فين؟
انتفضوا جميعاً حوله ووقف سليم أمامه يطالبه بالهدوء وإطالة وقت المكالمة.
رفعت : معايا في الحفظ والصون، هبعتلك بعد يومين تكون حضرت ١٠ مليون جنية، وبعدين عخبرك عنتجابل كيف.
صقر :طيب رجعها وأنا هديك ضعف المبلغ، بس ليل ترجع النهاردة.
رفعت : اللي جولته هيتنفذ يا كبير.
انهى المكالمة سريعاً فقال
صقر بغضب : الو.... لو.... قفل أبن ال ****
سليم : قال أيه؟
صقر : عايز ١٠ مليون وهيتصل كمان يومين.
زياد : حقير.
علي : مينفعش نستنى ده كله، اتصرف يا حضرة الظابط.
سليم : المكالمة قصيرة أوي ومعرفناش نحدد مكانها، بس بما إنه طلب فدية فأكيد مش هيأذي ليل عشان مش من مصلحته تتأذي.
أخذ صقر يجوب بالمكان ويترقب هاتفه، إلى أن حل منتصف الليل وذهب سليم، وظلت عائلة بركات معهم بالمنزل.
نور تبكي وأيضاً أحلام وجميع نساء المنزل،
نظر علي إلي أحلام باشتياق وضيق من بكائها، وظل يردد بداخله أن كل ما يحدث بسبب خاله رفعت، وهناك حزن يخيم عليه بأنه يرتبط بالدم معه.
خرج علي إلى الحديقة واتصل بحاتم وأخبره بما حدث، وقرر حاتم العودة إلى سوهاج بعد أن علم بكل شيء، يتخيل حالة صقر الآن ويشعر بالعجز أنه لا يستطيع مساعدته.
أما صقر صعد إلى غرفته وجلس على الفراش بيأس، وأطلق لدموعه العنان لتعبر عما يشعر به ويقول : أنا السبب.... كان لازم أخليها تمشي، كنت عارف إنه هياخدها مني عشان عارف إني حبيتها، لازم ترجعي يا ليل، مش قادر أتخيل أنك مش معايا ومش قدام عيني هنا.
ظل يتألم بصمت على فراقها....
بالأسفل عاد علي إلى الداخل مرة أخرى وقال : صقر فين؟
جهاد :طلع فوج.
علي : حاولي تهديه يا خالة.
أحلام : محدش بيعرف يهدي صجر غير ليل، ودلوك محدش فينا جادر يتحدت معاه.
الهلالي : لو جرالها حاجة بعيد الشر صجر هيحرج البلد كلياتها، مش عيكفيه موت رفعت بس، يارب استر وترجع سليمة.
زيد : هترجع إن شاء الله قلبي بيقولي إنها هترجع.
نور : أنا مرعوبة.... خايفة أوي.
أحتضنها زياد وظلت تبكي.
مضى الليل ولم ينام أحد، وليل تجلس على الكرسي تفكر مراراً، تريد أن تضغط على الزر ولكن خائفة من أن يأتي صقر دون الشرطة ويقتله رفعت كما قال، ثم فكرت أن بكل الحالات سيأتي، ولكن إذا جاء الآن سيتفاجئ رفعت، ومن الممكن أن يتغلب عليه صقر فهو مصاب بعجز في قدمه.
ظلت تفكر طوال الليل.
أما رفعت فعاد إلي منزل صغير حيث تقنط فيه هنا وولده معه، دخل المنزل ونظرت إليه هنا بشك، فهي اعتقدت بالأول أنه يهرب من عائله زوجته ومن صقر الهلالي بسبب زواجه منها، ولكن تشعر بتعحب من تصرفاته مؤخراً.
أعدت العشاء وذهبت إلى النوم، ثم شعرت بعد ذلك بخروج رفعت من الغرفة بعد أن تأكد أنها نامت، خرجت وراءه واستمعت له وهو يتحدث على الهاتف ويقول.
رفعت : أيوه يا رضا..... الدكتورة كلت؟
رضا : لاه مردتيش يا كبير.
رفعت : عنها ما طفحت، خلي عينك عليها وبلاش تعمل أصوات كتير، المصنع مهجور بس كتير بيجو شباب يشربو فيه، لو حد جيه مشيه من غير شوشرة. فاهم يا رضا؟
رضا : حاضر يا كبير.
عادت هنا الى النوم مرة أخرى دون أن يشعر رفعت بوجودها.
في الفجر، عاد رفعت إلي المصنع مرة أخرى،
وجد رضا نائم وليل تحارب النوم على الكرسي.
رفعت : جعدتك هطول وجلت الوكل مش عتفيدك بحاجة.
ظلت تهمهم حتى نزع اللاصق.
ليل : عايزه أدخل الحمام.
نزع عنها الحبل وقادها إلى المرحاض وهو يضع السلاح على رأسها، دخلت ليل وحين تأكدت أن لن يراها رفعت، ضغطت على زر السلسال بيد مرتعشة، وقلبها يدعو بأن يستطيع أن يخرج معها من هنا دون أن يصاب بمكروه.
كان صقر ينظر إلى الهاتف طوال الليل، ويحمل السلاح في يده الأخري، حتى أصدر هاتفه إشارة استلام موقعها، نزل سريعاً ووجده علي ينزل من على الدرج متلهفًا، فقال.
على : إيه صقر حصل حاجة؟
صقر : لقيتها.
لم يعطي لأحد فرصة كي يسأله، بل ركض خرج المنزل مسرعاً، وعلي ينظر إليه بدهشة، حاول اللحاق به ولكن صعد بسيارته وقادها دون أن يلتفت إليهم.
تُرى... هل سيعود معها أم سينجح مخطط رفعت؟
رواية بقاء الفصل الثلاثون 30 - بقلم رباب حسين
رواية بقاء الفصل الثلاثون والاخير
لم يكن يركض بجسده فقط بل قلبه كان يهرول إليها فور أن رأى ذلك الإشعار، لم يهتم بما سيحدث أو إن كان سيعود سالمًا أم لا، هو فقط يفكر كيف يعيدها إلى منزله، رؤيتها هي كل ما يتمناه الآن.
قبل ذلك بساعتين.
عاد حاتم إلى سوهاج قبل الفجر، ولا يعلم أين يذهب فكلهم بمنزل صقر ولا يستطيع الذهاب إلى هناك، فذهب إلى القسم ودخل إلى سليم في مكتبه، وظل يتحدث معه ويسأل عما حدث مع صقر.
أما هنا فانتظرت حتى خرج رفعت، وأخذت ابنها وهربت، ظلت تركض حتى وجدت سيارة قريبة من المكان، طلبت منه أن يوصلها إلى القسم وطلبت التحدث مع الضابط المسئول، دخلت الغرفة وكان حاتم جالس مع سليم. فقال.
سليم : اتفضلي عايزاني في إيه؟
هنا : جوزي خاطف واحدة وأنا عرفت مكانها.
حاتم: جوزك مين؟
هنا : أنا مرت رفعت اللي عتدورو عليه.
سليم : طيب وفين ليل؟
هنا : ليل ديه الدكتورة؟
حاتم : أيوه هي.
هنا : حابسها في المصنع المهجور.
ركض حاتم سريعاً إلى الخارج، فصاح سليم : استنى يا حاتم متروحش لوحدك.
قاطعه رنين هاتفه ووجد علي يتصل، فتلقى المكالمة وسمعه يقول.
علي : أيوه يا سليم، صقر خرج من شوية وقال إنه لقى ليل.
سليم : وأنا كمان لقيتها، أقفل يا علي وهبقى أكلمك تاني.
طلب سليم قوة وذهب إلى المصنع المهجور.
وصل صقر وظل يراقب المكان بهدوء حتى يستغل الوقت مناسب.
ظل يتجول حول المصنع ويسترق النظر بالداخل حتى رأى ليل وهي جالسة بالكرسي، وأحدهم يصوب المسدس على رأسها وهي تأكل. أما رفعت فكان يراقبها من مسافة قريبة. حين رأها بهذا الموقف وهي تأكل تحت تهديد السلاح أغمض عينيه بقوة يتحكم في غضبه، لا يريد أن يسخر عنصر المفاجأة وتتأذى هي، حاول أن يتنفس بانتظام ويفكر، ثم انتظر حتى انتهت من الطعام، وأخذ رضا الصحون من أمامها وقيدها مره أخرى.
بعد قليل، خرج رضا من المصنع ووقف عند الباب ووجد رفعت لايزال بالداخل.
تحرك صقر بهدوء وضربه بالمسدس على مؤخرة رأسه، فسقط مغشيًا عليه، حمله ووضعه في السيارة وأغلق الباب من الخارج، ثم عاد مرة أخرى إلى المصنع.
بعد وقت أخذ رفعت ينادي على رضا ولكن لم يأتيه صوت من الخارج، خرج ليرى أين هو، وفي هذا الوقت تسلل صقر من النافذة ودخل إلى ليل، وحين رأته أشار لها بالهدوء، ثم احتتضنها كي يطمئنها أنه هنا، ويطمئن ذلك القلب المتلهف لرؤيتها، بدأ يفك قيدها ولكن عاد رفعت مره أخرى إلى المصنع، وجد صقر أمامه فأخرج سلاحه ووجهه نحوه وقال
رفعت : مكانك يا صجر وجف عندك.
التفت صقر ثم حاول أن يخرج سلاحه من سترته. ولكن قال.
رفعت : لو حركت يدك عطخك وعطخها هي كومان.
صقر : إنت كل اللي إنت عايزه الفلوس... لو قتلتني مش هتاخد ولا مليم.
رفعت : أبعد عنيها.
وقفت ليل وراءه وقبضت على ملابسه من الخلف، حتى اختفت عن نظر رفعت وقالت بهمس.
ليل : هو عايز يقتلك يا صقر.
صقر : رفعت حتى لو خدت الفلوس مش هتعرف تخرج من هنا.
رفعت : لا متجلجش عليا، أنا خابر كيف عخرج من أهنية.
ثم قال بصوت مرتفع : بعد عنيها بجولك.
وصل حاتم عند المصنع، وحين اقترب منه نظر من النافذة، وانتبه إلى الصوت، ثم رأى رفعت يشهر سلاحه بوجه صقر، هتسلل من النافذة دون أن يراه أحد.
صقر : طيب سيبنا نمشي وأنا هديك الفلوس من غير ما حد يتأذي.
رفعت : لاه، لازم أجتلك جدامها، أنا وعدتها إني أجتلك، عارف ليه؟ عشان هي اللي خربت كل حاجة، ولحجتك لما جتلتك، ودلوك هجتلك جدامها تاني عشان تعرف الوجع اللي شوفته، وتدفع تمن اللي عملته، وعاخدها وعمشي من أهنية، وعاخد الفلوس من الهلالي وعخلص منيك يا صقر.
رفع رفعت السلاح وصوبه تجاه صقر، ولكن تدخل حاتم وأصيب بالرصاصة بدلاً منه، ثم سقط بين يدي صقر، أشهر صقر سلاحه وضرب رفعت في منتصف رأسه وسقط في وقتها.
صرخت ليل بفزع، فما حدث كان في أقل في ثواني معدودة، لتفتح عينيها بدهشة عندما رأت حاتم ورفعت صرعى، ألقى صقر السلاح ونزل أرضاً أمام حاتم ورفعه إليه، وقال بحزن
صقر : ليه ياحاتم... ليه؟!
حاتم بصوت متقطع : طول عمري..... بقولك إني فداك يا صاحبي.
صقر ببكاء : لا يا حاتم... لا مش هتموت.
حاتم : كان نفسي... أعتذرلك... أوى يا صقر... كان نفسي تسامحني... أنا مكنتش أعرف... إنها مراتك... ولما عرفت شلتها من قلبي... لا يمكن أبص.... لمرات أخويا.
لاحظ صقر أنفاسه المتقطعة فقال : بس يا حاتم متتكلمش، ليل تعالي ألحقيه.
كانت ليل تبكي بانهيار مما رأت، اقتربت من حاتم ويدها ترتعش، نظر إليها صقر وأمسك يدها وقال بصوت مرتفع : ليل.... فوقي يا دكتورة، شوفي اللي بين يديكي.
أومأت ليل إليه، وحاول أن تسيطر على توترها، ثم فحصت مكان الرصاصه، وقالت.
ليل : عند القلب يا صقر، لازم نلحقه بسرعة.
دخل سليم ومعه القوة، ووجد حاتم يلفظ أنفاسه الأخيرة، طلب سيارة أسعاف سريعاً
صقر بخوف : حاتم خليك معايا متسبنيش، فتح عينيك يا حاتم خليك معايا يا صاحبي.
حاتم : قول إنك مسامحني يا صقر.. مش عايز أي حاجة... تانية من الدنيا... أصعب حاجة... حصلت في حياتي... إني خسرتك.
صقر : هتقوم يا حاتم وهنرجع أخوات وأصحاب زي الأول، مين هيقف جنبي غيرك.
ظلت ليل تبكي وهي تضغط على الجرح لإيقاف النزيف.
جاءت سيارة الأسعاف وصعدت ليل معه وذهبو إلى المشفى دخلو من الطوارئ وصاحت ليل : بسرعة على العمليات، وبلغو دكتور جراحة يجي بسرعة.
دخل إلي العمليات، وبدأو في تجهيز الحالة، وصقر ينتظر مع ليل بالخارج.
جاءت ممرضة وقالت : للأسف دكتور الجراحة في عملية تانية، والدكاترة لسه مجوش.
صقر :يعني إيه؟! اتصرفو.
الممرضة : أتصلنا بيهم بس محدش رد علينا.
صقر : يعني إيه هسيبه يموت جوا!
نظر إلي ليل وقال : أدخلي إنتي إلحقيه.
ليل بصدمة : إيه! لا مقدرش أعمل عملية زي ديه لوحدي، أنا لسه متخرجة يا صقر مقدرش.
صقر : مفيش غيرك خشي بسرعة، أكيد مش هتضريه أكتر من كده.
ابتلعت ليل ريقها بخوف وقررت الدخول، تعقمت ودخلت إلى العمليات.
أعطته حقنة لوقف النزيف، وبدأت بإخراج الرصاصة، ولكن موقعها كان حرج للغاية، فهي قريبة من القلب جداً، ظلت تحاول وتهدأ من روعها، فحياة حاتم بين يديها الآن، وإذا فشلت في إنقاذه فلن تستطيع مسامحة نفسها أو تتحمل ما سيحدث مع صقر إذا مات.
أما بالخارج، اتصل صقر بعلي وأخبره ما حدث، وجاءو جميعاً إلى المشفى، لحتضن علي صقر وهو قال.
علي ببكاء : مات يا صقر؟
تحكم صقر بدموعه وقال : لا بس حالته صعبة جداََ، ومفيش دكاترة، ليل هي اللي دخلت العملية، ومش عارف هتعرف تنقذه ولا لأ.
زياد : بقاله أد إيه جوا؟
صقر : نص ساعة.
ظل الخوف والتوتر يسيطر عليهم، وجلس صقر على الأرض، لا تستطيع قدمه حمله أكثر من ذلك.
ثم جاءت أمينة وإبراهيم، ركضت إلى علي وقالت.
أمينة ببكاء : حصل إيه ؟ ابني فين؟
نهض صقر وذهب نحوها وقاا : أهدي بس متقلقيش، هو جوا في العمليات أهدي يا أمي إن شاء الله خير.
إبراهيم : مين اللي ضربه؟
صقر : رفعت جوز عمتي، وأنا قتلته.
الهلالي بصدمة : إنت جتلته يا صجر؟
صقر : اه.
سيطر علي على مشاعره، هو لا يستحق حتى الحزن، فمن قتل يُقتل، وأقنع نفسه بأن هذه النهاية الطبيعية له، وفي ذلك الوقت كانت حياة حاتم هي الأهم الآن، فقال: هو عرف مكانك إزاي؟
صقر : كان مع سليم في القسم، ومرات رفعت بلغت عنه وقالتلهم على مكان ليل.
أمينة ببكاء : اااااه يا ابني، أعمل إيه من بعدك.
نور : أهدي يا طنط أرجوكي، تعالي أقعدي وادعيله يخرج بالسلامة.
خرجت ممرضة من الداخل وقالت : عايزين دم حالاََ... فصيلة A+ بسرعة.
نور : أنا A+.
الممرضة : تعالي معايا بسرعة.
ذهبت نور وأعطت دمها إليه، أخيراً تمكنت ليل من أخراج الرصاصة، ولكن فجأة توقف القلب عن العمل.
صاحت ليل : بسرعة جهاز الصدمات.
أخذت ليل تضرب جسده بالصاعقات الكهربائية حتى عاد النبض مرة أخرى، تمالكت ليل أعصابها مجددًا، وقامت بخياطة الجرح، وأمرت بنقله إلى العناية المركزة، ثم خرجت إلى صقر، وحين رأته ركضت إليه وارتمت بين أحضانه، فقال.
صقر : طمنيني يا ليل أبوس أيدك.
ليل ببكاء : العملية نجحت يا صقر.
أبعدها صقر عنه قليلًا وقال : يعني هو بقى كويس! طيب هو فين؟!
ليل : نقلته على العناية، القلب وقف وأنا بخرج الرصاصة بس لحقته الحمد لله، لازم اطمن عليه في العناية.
أحتضنها صقر مره أخرى وقال : كنت عارف إنك هتقدري تعمليها، بطلي عياط، إنتي أقوى من كده، وكنت واثق إنك أدها.
أحتضنت جهاد أمينة وهدأتها، وأخذت أشكرها على ما فعلت معه.
جاءت زهرة ومعها سعاد، اقتربت من علي بذعر وقالت
سعاد : طمني يا علي، كيفه حاتم؟!
علي : بخير يا أما، إيه اللي جابك بس؟
سعاد : كلموني من الجسم عشان أستلم جثة رفعت، وعرفت اللي عمله جبل ما يموت، جولت لازم أجي اطمن.
اقترب سليم منهم وقال : حاتم عامل إيه؟
صقر : بخير يا حضرة الظابط.
سليم : طيب تعالى معايا يا صقر عشان نقفل محضر قتل رفعت.
ليل بذعر : لا هو كان بيدافع عني وعن حاتم، أكيد مش هيتسجن صح؟
سليم : لا مش هيتسجن متقلقيش يا دكتورة.
نظر إليها صقر وابتسم ثم قال
صقر : هجيلك القسم بس مش دلوقتي، اطمن على حاتم الأول.
سليم : طيب هات معاك الدكتورة كمان عشان شهادتها مهمة.
علي : حقق معاهم هنا يا سليم، ليل مينفعش تسيب حاتم دلوقتي، ولا حد فينا هيتحرك من هنا، لو مستعجل تعالى حقق هنا.
سليم : طيب.... تطمن بس الدكتورة عليه وبعد نص ساعة تلاقوني في الكافتيريا تحت.
ذهب سليم، وفي طريقه وقع نظره على زهرة مرة أخرى، فاقترب منها وقال بهمس : هو إنتي مرتبطة يا أنسة؟
نظرت له زهرة بصدمة وخجل وقالت :لاه.
ابتسم سليم وقال : تمام.
وذهب، نظرت زهرة إلى علي وجدته مشغول مع صقر ولم ينتبه لما حدث.
ليل : أنا هروح العناية أتابع واطمنكو.
ذهبو خلفها جميعاً، وقالت
أمينة : خليني أشوفه يا ليل.
ليل : اطمن بس على الحالة وأول ما تستقر هتشوفيه أول واحدة.
دخلت ليل وظلت معه قليلاً، ثم خرجت إليهم لتطمئنهم، حين علمو أن حالته بدأت تستقر، شعر الجميع بأن الأصعب قد مضى.
تم التحقيق مع صقر وأدلت ليل بشهادتها، أصدر سليم أمر بأغلاق القضية بأنها حالة دفاع عن النفس، وتم إخراج تصريح الدفن بعد تأكيد المشرحة على أقوال ليل وصقر.
باليوم التالي، ذهب علي وعائلته لدفن رفعت ودعو له بالرحمة. وانتهى ذلك الكابوس الذي كان يطارد الجميع، وأخيرًا عاد الأمن والراحة إلى الجميع وانتهى الأمر.
بعد يومين، استعاد حاتم وعيه وأخبرت ليل جميع العائلة، حضر الجميع للأطمئنان عليه، ودخلوا إليه بالتناوب إلى غرفته حتى ظل صقر بالأخير.
رأه حاتم يدخل إلى الغرفة فابتسم وقال : صقر الهلالي مبيرجعش في كلامه، إنت قلت إنك سامحتني خلاص.
ابتسم صقر وقال : لا متقلقش مش هرجع في كلامي، ليك وحشة يا حاتم، كده ترمي نفسك قدامي وتوجع قلبي عليك كده.
حاتم : أمال أسيبك تموت قدام عينيا، أنا طول عمري فداك يا صاحبي.
صقر : حمد الله على السلامة يا عم.
حاتم : الله يسلمك.
ظلا يتحدثان ثم دخلت ليل وقالت : صقر كفاية كده زيارات سيبوه يرتاح.
صقر : حاضر يا دكتورة.
حاتم بمزاح : صقر الهلالي بيقول حاضر يا رجالة.
ابتسمت ليل ونظر صقر إليه وقال : تصدق إني كنت مرتاح من رخامتك.
حاتم : يا عم رخامة مين، ده أنا كنت هزعل أوي لو مت و مشفتش المنظر ده.
ضحك صقر وقال : إتفضلي يا ستي..... أرخم واحد على الكوكب.
ضحكت ليل وقالت: الصراحة معاه حق، إذا كنت أنا مش مصدقة لحد دلوقتي.
صقر : اه انتو هتتفقو عليا بقى.
حاتم : أعتقد يا صقر إن بقينا اتنين.
ليل : قصدك إيه؟
حاتم : اتنين حافظين صقر الهلالي كويس.
نظرت ليل إلى عين صقر وقالت : وليا الشرف طبعا.
ابتسم لها صقر وقال : طيب يلا نسيبه نرتاح، هجيلك تاني يا رخم.
ابتسم صقر بسعادة، فقد عادت تلك الصداقة التي كاد القدر أن ينهيها.
حين خرجا وجدا العائلة مجتمعة بالخارج،
وعلي يقف بعيداً عنهم، ولاحظ صقر نظرات أحلام له، اقتربت من صقر وقالت
أحلام : شوف علي يا صجر، من وجت ما جيه وهو حزين إكديه.
صقر : مقدرتش أروح معاه دفن خاله وأنا اللي قاتله بأيدي، ومهما كان هو برده يعز عليه اللي حصل.
ليل : هو أكيد مش زعلان منك، وحقه يزعل عليه برده، طيب ممكن أتكلم معاه أنا ؟
نظر لها ثم قال : ماشي.
ذهبت إليه وقالت : علي تعالى معايا شوية.
ذهب معها ووقفا بعيداََ تحت أنظار صقر وأحلام.
ليل : أنا حاسة باللي إنت فيه، بس وقفتك كده مش بس حزن على خالك، صح؟
تنهد علي وقال : أنا اه زعلان عليه، مكنتش اتمنى إنه يقابل وجه كريم وهو عامل كل ده، بس...
ليل : بس مش ده السبب الوحيد، صح؟!
علي : أنا لازم أمشي، حاتم خلاص رجع، وأنا مش قادر أقعد هنا أكتر من كده.
ليل : هتهرب تاني يعني؟ الهروب مش حل، ليه خايف؟ ليه مش عايز تقرب منها تاني؟
علي : هتفضل طول عمرها تبصلي على إني ابن أخت اللي قتل أبوها.
ليل : إنت فاهم غلط خالص، أحلام مش بتفكر كده، هي لسه مستنياك، هتمشي إنت وتسيبها المرة ديه.
تنهد علي وقال : مش قادر أسامحها على اللي عملته فيا.
ليل : طول ما الحب موجود هتسامحها، ولا عايز تبعد وتضيع من أيدك وتبقى لواحد غيرك تآني!
نظر لها علي وقال : لا طبعًا، أنا مش هستحمل تبقى لحد غيري تاني.
ليل : يبقى تروح تطلب أيدها دلوقتي ومتهربش، أظن كلنا قلنا إن محدش هيحاسبك على غلط خالك، ولو على غلطها هي فكان برده عندها أسبابها.
أغلق علي عينيه قليلاََ ثم تنهد وقال : تفتكري صقر هيوافق؟
ابتسمت ليل وقالت : هيوافق.
ذهب علي إلى صقر ووقف أمامه وقال دون أن ينظر إلى أحلام.
علي : صقر، أنا طالب أيد أحلام.
نظر إليه ثم نظر إلى ليل وهو يعقد حاجبيه، أومأت له بالإيجاب فعاد النظر إليه وقال : ده إيه السرعة ديه؟!
ضحكت ليل ثم نظر إليها علي وقال : أنا عرفت إنت بتسمع كلامها ليه.
صقر : مقنعة صح؟ عشان تعذرني.
ضحك علي وقال : ها قلت إيه؟
صقر : قلت مبروك يا سيدي.
احتضنه علي وذهب ولم ينظر أو يتحدث مع أحلام، التي تنظر إليه بسعادة ثم تفاجأت برحيله من أمامها، فنظرت إلى صقر وقالت بضيق.
أحلام : إيه ديه يا صجر، ده مطلعش في وشي حتى.
صقر : ما تحصليه يا ختي، صلحي الهباب اللي عملتيه.
لحقت به أحلام، وأمسك يد ليل ثم اقترب من العائلة التي تجلس أمام الغرفة وقال : أحلام هتتجوز علي.
الهلالي : أخيراً، طلعوا عيني التنين دول.
همست ليل إلى صقر وقالت : صقر.
صقر : عيونه.
ليل : أنا عايزة أقولك على حاجة كده.
صقر : قولي حبيبتي.
صمتت ليل ولا تعرف كيف تخبره، فنظر صقر إلى عينيها وأمسك وجهها وقال بصوت مرتفع : بلاش أخبار وحشة بالله عليكي، حاتم فيه حاجة.
انتبهوا جميعاً إليهما، فنظرت لهم ثم قالت
ليل بخجل : لا هو مش خبر وحش.
صقر : طيب قولي فيه إيه.
ليل بتوتر : أنا...
صقر بتوتر : يا نهاري.... يا بنتي مش حمل خضة تاني أنا، فيه إيه؟
ليل : أنا حامل.
نظر لها صقر يحاول أن يستوعب ما قالته، ثم حرك رأسه يمينا ويسارا يحاول أن يسمع جيدًا ثم قال : إيه قولتي إيه؟
ليل : إنت اتضايقت ولا إيه! بقولك أنا حامل.
ابتسم صقر وقال : بجد حامل.
صاحو جميعاً بسعادة يباركون هذا الخبر السعيد، ثم قال.
الهلالي : الحمد لله يارب.
بركات : مبروك يا هلال، مبروك يا بتي.
احتضن صقر ليل بسعادة وقال : إنتي وش السعد والهنا كله، مبروك يا قلب وعيون صقر.
زياد وهو يقف إلى جانبه : ما خلاص بقى يا عم روميو.
ربت صقر على كتفه وقال : بس يا بابا.
ضحكت ليل وقالت : معاه حق يا صقر، بتحرجني اسكت.
زياد : وعامل فيها شبح ومخوف البلد كلها، يجو يشوفو عم قيس.
عاد علي وأحلام وهما يبتسمان، فنظر صقر إلى أحلام التي أومأت له بابتسامة، فعلم أن علي قد سامحها كما توقع، ثم نظر له على ووجده يقول إلى زياد : خلاص يا زياد متعصبنيش وترجع تزعل.
ليل : ما خلاص بقى، قولنا مفيش زعل تاني ولا إيه.
صقر : شكله مش نافع معاه غير وش صقر الهلالي.
علي : خلاص يا شبح ما راحت عليك، ولا أقول.
ضحك صقر وقال : بس يا حبيبي مش ناقصاك إنت كمان.
ليل : طيب أقول أنا؟
صقر وهو يبتسم :لو إنتي قولتي حاجة يا حبيبتي الهيبة هتروح خالص.
ضحكو جميعاً، ثم ذهب بركات واحتضن ليل وقال: مبروك يا بتي ربنا يكمل حبلك على خير.
مال صقر على زياد وقال : هو لازم يحضن يعني!
زياد بتعجب : ده جد أبوها، إيه المشكلة لو حضنها يعني، هتغير منه كمان.
صقر : اه مش عايز حد يحضنها.
زياد : اااااه، أما أروح أنا كمان احضنها واباركلها.
كاد يذهب فأمسكه صقر من ملابسه من الخلف وقال : تعالى هنا، هي نقصاك.
ضحك زياد وعلي عليه، وتقدمت أحلام وهنأت ليل.
وفي تلك اللحظة دخل حسن وأمل. وقال
حسن بفزع : إيه اللي حصل يا ليل؟
ليل بدهشة : بابا! جيتو أمتى؟!
احتضنها حسن وقال : جدي كلمني وحكالي اللي حصل، كفاية كده يا ليل يلا نمشي من هنا بقى.
صقر : يا عمي هو أنت كل أما تيجي تبقى عايز تاخدها وتمشي، هو أنا شفاف أوي كده.
حسن : أسكت، ما أنا سيبت معاك البت حافظت عليها أوي!
صقر : أيوه ورجعتها بيتها.
وجدت ليل الحوار يشتد بينهما، فقالت باندفاع.
ليل : بابا.... أنا حامل.
حسن بسخرية : ها، قديمة.
ضحكو جميعاً ثم قال.
صقر : لا المرة ديه بجد.
نظر حسن إليها بسعادة واقتربت أمل منها واحتضنتها ثم احتضنها حسن. لم يتحمل صقر أكثر فقال : يااااااي، ما خلاص يا جدعان، هو كل شوية حد يحضنها.
جذبها من يدها وقال : تعالى هنا بقى وأقعدي شوية.
ضحكت ليل وقالت : صقر ده بابا، غيران من بابا!
صقر : اه..... معلش يا جماعة أنا لغيت الأحضان خالص.
ضحكو جميعاً وقال حسن : يعني إيه محضنش بنتي.
صقر : هي مرة واحدة بس، وبعد الساعه ٥ مفيش أحضان سلم عليها من بعيد كده.
ضحكو جميعاً وقال الهلالي : صجر اتجنن خلاص، الله يسامحك يا ليل.
ليل : لا معلش يا جدي أنا مستلماه كده.
صقر : أتريقي..... أتريقي أنا هوريكي الوش التاني، شكله وحشك.
ليل بدلع : مش ههون عليك يا صقري.
نظر لها بخجل ثم ضحك وقال : راحت الهيبة...... الله يرحمها.
____________
بعد شهرين، وفي ليلة واحدة ثم عقد قران علي وأحلام وخطوبة سليم وزهرة.
وأستغل صقر اليوم وأحضر فستان زفاف جديد إلى ليل، وأحضر لها خاتم الزواج.
كان الزفاف كبير وحضره جميع من في البلد، وعادت الأفراح إلى المنازل بعد سنوات من الحزن والحداد.
وفي العرس، ذهب حاتم إلى نور الذي كان يتابعها من بعيد منذ أن وقعت عينيه عليها، ثم ذهب لكي يشكرها على تبرعها له بالدم، وقال
حاتم : أسمحيلي أشكرك على التبرع، مش عارف من غيرك كان هيحصلي إيه، أكيد كان زماني ميت.
نور : بعد الشر عليك، حمد الله على السلامة.
حاتم : أستنيت يمكن تيجي المستشفى بس مجتيش، ولما شفتك دلوقتي حسيت إني عايز أسألك على حاجة كده شاغلة تفكيري.
نور : إتفضل.
حاتم : هو إنتي اديتيني دمك ولا تعويذة للحب؟
نظرت له نور بتعجب وقالت : مش فاهمة.
حاتم : أصل من ساعة ما دمك جري في عروقي وأنا بفكر فيكي، الصراحة إنتي لفتي نظري زمان، بس المسافات كانت كبيرة شوية بسبب صقر، ولما عرفت إنك اتبرعتي بالدم عرفت إن الشعور متبادل.
خجلت نور ونظرت أرضاً، فأدرف
حاتم : يبقى كلامي صح، هو فين حج بركات صحيح؟
نور : عايزه ليه؟!
حاتم : عشان يبقى النهادره جواز و خطوبة وقراية فاتحة.
ابتسمت نور وذهب حاتم إلى بركات وطلب يدها، ووافق ثم أعلن حاتم عن الخبر وتبادلو التهاني.
بعيدًا عن ذلك الصخب، هناك اثنان يمسكان بيد بعضهما البعض بقوة، بعد أن علم كلًا منهما أو الحياة بدون الآخر مستحيلة، وقد أصبحت هي أغلى هدية تلاقاها من القدر بعد معاناة من الفراق، عيناهم تتحدث بالعشق، أصبحت الكلمات أقل من الحب الذي يسكن داخل قلبهما، وأصبحت هي ليل صقر الذي لا ينتهي.
نظر لها بحب وقال: أنا سعادتي في الدنيا بدأت بيكي، ومش عايز أي حاجة تانية خالص، ربنا يخليكي ليا يا ليلي وقمري ونجومي.
ليل: ويخليك ليا يا صقري.
بنهاية العرس وقفو جميعاً والتقط العائلتان صوره معاً.
في ليلة شهدت بها القرية بأنها كانت من أسعد الليالي التي مرت عليهم.
انتهى الحزن وانتصر الحق والحب بالأخير، مهما طال الكذب فالحقيقة تعود بقوة لتفرض رأيها على الجميع.