تحميل رواية «أشباح المخابرات» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الرواية التي ستجمع حفيد ياسين الجارحي وابن الاسطورة رحيم زيدان
أشباح المخابرات الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية محمد رفعت
من وقت ما اية بطلت نشر على الواتباد وانا مسكته وبنشر ليكم الفصول كلها بس في ناس قليلة الذوق هما نفسهم اللي سبق ليهم واتكلموا قبل كده وكل ما بنحظرهم بيعملوا اكونتات فيك وبيدخلوا بيهم الظاهر انهم شوية عيال فاضيه ومعتش وراهم غير قدس ومرين مش فاهمه لما الاتنين يكونوا ابطال ده بينقص دور حد فيهم ازاي عمالين يتكلموا ويتشرطوا انها تزود دور فلانه وعاملين فريقين وكلامهم بمنتهى قلة الادب و الذوق ولو حضراتكم شايفين ان الموضوع مبالغ فيه شوفوا تعلبقات الفصل ال11 عاملة ازاي، انا محذفتهاش عشان اكشفهم باللي جاي
انا ترددت انشر الفصل النهاردة عشان خوفت اية تلاحظ التعليقات بس للاسف المجموعه دي اتمادت ودخلت الفيس باكونتات فيك بتكتب نفس التعليقات اللي بتعبر عن انهم شوية اطفال اندر ايدج طريقة كلامهم وطرقتهم مبينه ده مش عارفة ايه الغباء اللي يخلي حد يهاجم الكاتب بالشكل ده عشان مجرد رواية عايزين تشكلوا الرواية على مزاجكم والرواية مكتوبة بشكل شبه مثالي ومش بقول كده عشان اية أختي انا قارئة وعارفة بقرى ايه فياريت تبطلوا الهبل وجو الصراع ده عشان منشرش اسكرينات باسمائكم وباكونتاتكم الحقيقة مش الفيك واعتقد ان لا الكاتبة ولا القراء الاوفياء ليها حابين وجودكم..
بالنسبة لقرائنا المحترمين بشكركم نيابة عن اية وبنتمنى ان باقي الاحداث تنال الاعجاب وبالاخص دور مرين وقدس مرة واتنين ومليون واللي مش عاجبه يبطل يقرى الرواية .
أشباح المخابرات الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية محمد رفعت
#اشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الثالث_عشر!
(إهداء الفصل لصديقتي الغالية منة محمد ، شكرًا على دعمك الغالي لي، شكرًا لانك جزء دائم من نجاحي، شكرًا للمستك في الاغلفة اللي بتدي روح للرواية، بحبــــــــــك أد الكون كله وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك...قراءة ممتعة 💙)
عاد "زين" والارهاق يتغلب منه بعد سفره الطويل، والمعركة الحتمية التي قضاها لانقاذ "كِنان"، ولج للداخل يتحرك صوب غرفته، فإذا به يلمح ابنة عمه تجلس على الطاولة أمام باب غرفتها بالأعلى، وعلى ما يبدو أنها تعمل على شيءٍ هام.
صعد إليها وهو يتفحص الساعة التي تعلن عن الرابعة صباحًا:
_إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي يا مرين؟
ارتبكت حينما رأته، فلفت يدها للخلف تخفي الحاسوب الخاص به أسفل الوسادة، وتصنعت ابتسامة هادئة:
_زي ما أنت شايف بشتغل، إنت اللي كنت فين؟
سند على الدرابزين وقال بإجهاد:
_براقب وش المصايب اللي هيطلع ورا الليلة دي كلها، رحيم زيدان دايمًا له طلة في اختياراته ليا.
وأضاف وهو يشير على حاسوبها:
_وصلتي لحاجة؟
هزت رأسها ومالت بالشاشة إليه:
_حاجات مش حاجة واحدة.
فتح" زين" الفيديوهات بغضب وتقزز تجاه هذا الشيطان اللعين، وبينما هو يتفحصهم انتبه للملفين المُغلقين، فتساءل:
_دول مقفولين ليه؟
رددت وهي تلعق شفتيها بارتباك:
_عليهم فيروسات وبلاوي، جيت أشغلهم قفل اللاب زي ما توقعت، بس متقلقش على الصبح هكون فضتهم.
زوى حاجبيه باستغراب:
_بس اللاب شغال أهو.
تصنعت ابتسامة رسمتها بالكاد، بينما تسحب حاسوبه من أسفل وسادة الأريكة القريبة منها:
_لا ما ده عليه برمجيات مهمة، أنا مقدرتش أغامر بيه.
_ثواني بس! ده اللاب بتاعي صح!!!!!
قالها "زين" مصعوقًا مما يراه، وخاصة حينما هزت "مرين" رأسها تؤكد له، جحظت عينيه بصدمة جعلت القادم غير مُبشر بالمرة، انتقلت نظراته الاجرامية لها، بينما تتراجع للخلف وهي تبتلع ريقها بتوترٍ:
_زيـن اسمعني، آآ..
ابتلعت كلماتها حينما رأته يركض صوبها، فإذا بها تهرول للأسفل مسرعة وهي تصرخ بهلعٍ:
_ياسيــــــــن!!
أسرعت صوب غرفته، فصعقت حينما رأته يصلي قيام الليل الذي إعتاد عليه، صاحت "مرين" بضيقٍ:
_ده وقته!!
استدارت تراقب "زين" الذي سحب سلاحه، واقترب حاقدًا على وجودها بمكانٍ يحمل كلاهما:
_إزاي تجرأي تمدي إيدك على شيء يخصني، وفوق كل ده ضيعتي كل اللي عليه!! ذكرياتي وحياتي وآآ...
رددت بنزقٍ:
_ذكريات إيه دي، سيادتك متملكش الرخصة لسه إنك تحتفظ بصور لأختي، وبعدين بأي حق تعين عليها جاسوسة بتصورها بدون ما تأخد بالها، أنا اتصدمت فيك وفي قدس اللي جندتها لصالحك.
هرول صوبها فصعدت فوق الفراش تتفاداه، لحق بها وهو يصيح بانفعال:
_إنتِ مالك، حاشرة مناخيرك في اللي مالكيش فيه ليه؟
وقفت عند باب الغرفة تجيبه ببرود:
_ليا كل الحق، دي أختي الصغيرة يا حبيبي!
نهض عن الفراش يسرع خلفها، فركضت صوب المطبخ تتراجع للخلف وهي تحذره:
_زين بلاش جنان وخلينا نتكلم بتحضر.
ترك السلاح جانبًا وقال من بين أنفاسه اللاهثة:
_عندك حق.
ثم مال يجذب الأداة الخشبية التي تستخدم لفرد البيتزا، وهاجمها بغضبٍ، ركضت "مرين" صوب الباب الحديدي الخاص بالمخزن الصغير، احتمت خلفه وأغلقته بجسدها، صاح "زين" بعصبية وهو يحاول أن يفتح المقبض:
_أنا هختصر الطريق على ياسين اللي مازال بيحاول يكسر عنادك، وهكسر دماغك عشان أنهي الحوار الطويل ده، اطلعيلي هنا.
ارتعبت من هيئته المريبة، واذا بها تجيبه:
_اهدى طيب وإديني فرصة أشرحلك الموقف، وبعدين أنا حليت الموضوع وشيلت ذكرياتك كلها على فلاشة.
وسحبتها من جيب بنطالها الاسود، ترفعها صوبه بابتسامة واسعة:
_حتى بص!
ازداد غضبه أضعافًا مضاعفة، فمد يده من الباب الحديدي المثقوب، يحاول أن يصل لها، حتى نجح بأن يكمش خصلات شعرها، فصرخت ألمًا وهي تناديه:
_يا قائـــــــــــد!!!
تلوت وهي تلكم يده القوية:
_سيبني يا متخلف، هتقطع شعري!!!
من خلفهما وقف "ياسين" يطوي سجادة الصلاة وهو مصدوم مما يحدث أمامه! لا يصدق أن "زين" يجذب ابنة عمه من خصلاتها بتلك الهمجية، وهو الذي تربى على تقديس نساء عائلته، حتى أنه يتفانى بالتعامل معهن كأنهن زجاج رقيق.
لم يستطع أن يتمالك ذاته من الضحك، ماذا سيفعل ليفصل بينهما هذه المرة؟ وكأنه يجلس في روضة أطفال وكل ثلاث دقائق عليه الفصل بينهما.
أفاق من نوبة ضحكاته على استغاثة "مرين":
_ياسين إلحقنـــي!
اندفع صوبهما يحاول التخليص بينهما وهو يستدعي خشونته:
_زين إيه اللي بتعمله ده، سيبها!
باصرار وغضب صاح:
_أنا جبت أخري ومش ههدى إلا لما تعتذرلي.
أتاه ردها وهي تلكم ذراعه بقوة:
_ده بعدك، كنت ناوية أعتذرلك قبل ما تقل أدبك، بس بعد اللي عملته ده مفيش اعتذار ولا جواز، اللي حصل ده وضحلي همجيتك في التعامل مع الأنثى، واللي أكيد هتطول أختي بعد كده.
عبث باستهزاءٍ:
_وهي فين الأنثى دي؟؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه يا ميرووو ده إنت فيك رجولة عني!
منع" ياسين" ضحكاته من الظهور ومال على رفيقه يهمس له:
_وسعت منك دي، البنت ملكة جمال!!
احتقنت نظرات "زين" بحدة، وهتف باستنكارٍ:
_آه قول كده بقى، انضميت لصفها، أغريتك يا جينيرال!!!
أبعد كفه عن خصلات شعرها وقال بحزمٍ يجاهد له:
_إيه الهبل اللي بتقوله ده، إبعد وخلينا نتكلم.
أمسكها باصرار وعناد:
_مش قبل ما تعتذر.
لكمته "مرين" بشراسة:
_ده بعدك يا همجي، والله لأقول لأنكل رحيم على اللي بتعمله ده.
نجح "ياسين" باستخدام جسده أن يحول بينهما، وبقوته أن يبعد "زين" عن محلها، مما زاد من غضب "زين" الذي هتف بحزن مصطنع:
_بتدافع عنها!! للدرجادي بايع الصداقة اللي بينا يا جارحي!!
سيطر على نوبة ضحكه وقال بجدية:
_الموضوع مش مستاهل الغضب ده، اللاب بتاعها محتاجينه ولو على اللي عليه فقالتلك إنه على الفلاشة.
مرر يده على خصلاته يعيدها للخلف:
_تمام هات منها الفلاشة.
وأشار لها بوعيد:
_الحساب يجمع يا مروان يا إشطا.
فتح "ياسين" الباب ومد يده لها:
_هاتي الفلاشة يا مرين.
تركته ومضت صوب المرآة تتفحص خصلاتها بحزن وضيق:
_شعري يا ياسين، بهدلي شعري المتوحش ده!
واضافت وهي تتطلع صوب "زين" بتحدي:
_مفيش فلاشات غير لما تعتذر على شعري اللي بهدلته ده.
نهض عن المقعد المقابل للرخامة واتجه لها:
_في أحلامك يا مروان، وياريت تتغطى كويس.
فردت خصلاتها التي تشابكت وهي تحذره:
_إيدك لو لمستني تاني هكسرهالك يا زين، وبالذات شعري.
استدار "زين" صوب "ياسين" الذي مازال يحاول استيعاب شجارهما الطفولي:
_شوفت بقى، عشان متبقاش تسلك بينا تاني.
ورنا صوبها فأوقفته بإشارة:
_أقسم بالله لأجمع تسجيل الكاميرات وأبعته لمارال أخليها ترمي دبلتها في وشك، إتقي شري أحسنلك.
إرتبك مما قالت وهو أحق العلم بتعلق الشقيقتين ببعضهما البعض، فعاد للخلف تدريجيًا بينما ربع "ياسين" ذراعيه أمام صدره وأخذ يتابع عنيدته الشرسة وهي تتغلب على الشبح الذي تلبسه وحشه المفترس.
تنهد "زين" وهو يسيطر على انفعالاته بصعوبة، وأخذ يعاتبها:
_ينفع تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك؟
رتبت خصلاتها البنية بحزن شديد وهي تقابل انعكاسه بالمرآة:
_وينفع اللي سيادتك عملته ده؟
واستدارت تسدد له نظرة نارية وهي تخبره بثقةٍ:
_أساسًا كنت هصلحه ليك، حاولت أقولك إني محتاجة نص ساعة وهرجعه زي ما كان بس إنت للأسف همجي يا زين!
مرر يده على رقبته وصاح:
_طيب معلشي حقك عليا، مرضية كده؟
توسعت زُرقتها بدهشة وقالت:
_no way طبعًا
إنت بوظتلي شعري خالص!
التفت تجاه الجنرال يشهده على أمرها:
_شوفت الإستفزاز، حالًا تجبلي منها الفلاشة يا أما هحلق ليها شعرها اللي فرحنالي بيه ده.
ناطحته بشراسة:
_قربلي وشوف هعملك إيه؟
جلس "ياسين" على أحد مقاعد الرخامة بضجرٍ، وبهدوء قال:
_وبعدين بقى في لعب العيال ده!! إديله الفلاشة يا مرين هو خلاص إعتذر.
اتجهت نظراتها الغاضبة إليه وقالت تعاتبه :
_ده شد شعري يا ياسين، واتعصب عليا أديه إزاي الفلاشة!!
أدمت مشاعره في مقتلٍ لرقتها وحزنها، فأبعد نظراته صوب رفيقه الذي يدرس تغيراته بنظرة ساخرة، وقال:
_خد بالك يا جارحي لتقع على بوزك من سهوكة الحريم دي، هتخسرنا بعض يا صاحبي!
ضم رأسه بانهاكٍ من تلك الحرب المتعبة، وردد بإرهاق:
_بعيدًا عن الخناقة الطفولية دي عندي سؤال فضولي، هو لما بتتخانقوا عندكم بالبيت مين بيفض الخناقة؟
ابتسم "زين" بسخرية:
_مين المجنون اللي يتخانق في بيت فيه الجوكر والأسطورة، إنت فاكر إن كل البيوت قالبة على قصر آل الجارحي، الحب والإحترام عندكم بينقط على بعضكم.
ضحكت "مرين" رغمًا عنها، وشاركها "زين" الذي صفع كفه بكفها وأحاط كتفها وهو يهمس لها:
_عيني عليه ميعرفش إننا متربين في جحر الشياطين، ده أبويا وعمي مقضيينها رفع أسلحة على بعض ليل نهار.
طرق "ياسين" الطاولة بغضب:
_فضينا الحوار.
ارتبك كلاهما، فاذا بنظرة "ياسين" تحتد صوب "زين" الذي أسرع بنزع يده عنها وهمس له بإشارة لقراءة شفتيه:
_أختي في الرضاعة والله، أم الغيرة بتاعتك دي مينفعش تكون موجودة.
وعاد يكرر:
_راضعين مع بعض يعني لا تجوز ليا بأي وضع!!
واستدار إليها يأمرها بحزمٍ:
_هاتي الفلاشة خليني أخش اتخمد، وياريت متورنيش وشك ولا وشه النهاردة.
وكشف عن ذراعه الذي ناله منها لكمات قوية، تفحص الكدمات الزرقاء التي أحدثتها وسددها بنظرة شرسة:
_قال أنثى قال!
ومال صوبها وهو يسحب السلاح المُلقي جواره:
_أنا راجع من عركة تيران ومحدش لمسني بخدش، بس وماله الحساب يجمع يا مروان يا إشطا.
ومال صوب "ياسين" ينحني أمامه ويهمس له:
_اسمع مني وإخلع، دي لو اتخنقت معاها خناقة عادية بعد الجواز هتقطعك بالسطور يا جارحي، راجع نفسك يا حبيبي.
منحه "ياسين" نظرة غاضبة، جعلته يصيح بغيظٍ:
_بيع صاحبك ودوس بالجامد، خليها تنفعك يا جارحي.
وعاد يشير له بتحذير:
_مش عايز ألمحك في الاوضة خالص، ولا في أي مكان أكون فيه.
ومر من جوارها ثم استدار له يصيح:
_يا خايــــــــن.
ولج لغرفته يصفح الباب بعنف كاد أن يسقطه، ولم يتبقَّ سواهما، شملها "ياسين" بنظرة غاضبة، فاذا بها تعدل من خصلاتها وتهتف برقة:
_أنا هطلع أنا كمان أنام.
وما كادت بالتحرك حتى توقفت وقالت وهي ترمش برقة:
_ياسين لو حابب تنام ممكن تطلع في أوضتي وأنا هنام على الكنبة هنا، مش عايزة أحس بالذنب انك هتنام بالبرد ده هنا.
ردد وهو يبتسم بسخرية:
_ده إيه الرقة والحنان اللي نزل عليكِ ده!
حركت كتفها وهي تصرح له:
_مهو زين اتخانق معاك بسببي، فأكيد حاسة بالذنب.
نهض عن مقعده واتجه للبراد يسحب الحليب ويعد كوب القهوة:
_لا متقلقيش، أنا متعود على جنانه، شوية وهيطلع يترجاني أنام جنبه لأنه مبيعرفش ينام بعيد عني.
رمشت بدهشة ومن ثم انفجرت ضاحكة، فشاركها الضحك وعرض عليها:
_تحبي أعملك قهوة معايا؟
إتجهت مسرعة للمقعد الذي يقابل الرخامة وهي تشير له بالموافقة، منحها ابتسامة هادئة وأخذ يقلب محتويات القهوة حتى نضجت، سكبها بفنجانين ثم اتجه يضعه أمامها.
انتظرت "مرين" جلوسه، ثم سألته وهي تتطلع للفنجان بارتباك:
_جرحك عامل إيه؟
ارتشف من كوبه، وقال بابتسامة جذابة:
_مش معقول لسه شاغلة بالك بجرح بسيط زي ده!
هزت رأسها وقالت وهي تتهرب منه:
_عندك حق.
وغيرت حديثها حينما تساءلت بجدية ومازالت ترتب خصلات شعرها بهوس مثل الفتيات:
_طيب إنت ناوي تعمل إيه مع تيام؟
أجابها وهو يتفحص ما تفعله لتعيد تمشيط خصلاتها الناعمة:
_لسه مكلمني من شوية وقالي إنه محتاج يتكلم معايا في شيء مهم، بعتله موقع الشقة هيجيني على الساعة عشرة الصبح، أعتقد انه ممكن يحكيلي عن اللي حصل مع أخته.
مررت اصبعها على الكوب، وبتوترٍ قالت:
_والبنت اللي زقها هارون عليك؟
ابتسم بمكرٍ وهو يقرأ الغيرة تتزاحم بين مُقلتيها:
_مش هعمل حاجه هي اللي هتعمل وهتأخد الخطوة الجاية عشان توقعني، مش سهلة صوفي دي!
احتدت نبرتها:
_وإنت عرفت اسمها منين؟
سيطر على ابتسامته ببراعة وقال ببراءة مصطنعة:
_هي اللي قالتلي وقت وقعه الأسانسير، ما أنا حكيتلك!
برز الغضب بين زُرقتها، وكأن امواج المياه ثارت دون رجعة:
_فعلًا!! مش فاكرة.
ونهضت تشير له:
_هطلع ارتاح شوية وبكره هكمل على الملفين.
أوقفها قبل أن تصل للدرج:
_والقهوة؟
استدارت تقابله بنظرة غاضبة رغم هدوء نبرتها:
_اشربها مع الست صوفي.
تحررت ضحكته الرجولية رغمًا عن أنفه، فنهض يوقفها وهو يتجه للبراد:
_استني.
عاد يحمل لها كوبا من العصير، منحه لها وهو يستند على الدرابزين:
_اشربي العصير ده هيفيدك جدًا.
وزعت نظراتها الساخرة بينه وبين ما يحمله وقالت:
_ليه فاكرني مجنونة!
هز رأسه بنفي وقال بخبث:
_لا، بس حقيقة هارون مخليكي شرسة وشايطة في الكل، بداية من زين ونهاية معايا ومع صوفي المسكينة.
سحبت الكوب منه ارتشفت رشفة طويلة وأعادته ليده ثم استكملت طريقها للأعلى، فقال بهيام:
_على فكرة شعرك طول عن الأول، بيبقى أحلى وهو قصير!
استدارت إليه تقابله بنظرة حائرة، فوجدته يبتسم لها بعشقٍ، ونظراته تؤكد لها أنها وحدها من بقلبه، طالت النظرات بينهما حتى قطعها صوت باب الغرفة، ومن ثم خروج "زين" وهو يحتضن الوسادة بنومٍ ويتمتم بنعاسٍ:
_إنت فين يا جارحـي، مش عارف أنام!!!
ضحكت بصوتٍ سحره، وخاصة حينما أشارت له:
_صاحبك بيناديك يا جنرال.
غمز لها بعينيه بمشاكسة:
_قولتلك اللي إتعود على وجودي صعب يتقبل غيابي!
****
صعد "كِنان" إلى جناحه وهو يغلي من الغضب، فاذا به يرى "هارون" بانتظاره، وابتسامة الشماتة تتلاشى بذهولٍ حينما وجده يقف محله سليمًا ولم يمسسه سوء، إلا من كدمة صغيرة مجاورة لفمه.
اعتصر "هارون" قبضته من الغضب، بينما يبتسم "كِنان" ببرود متقن:
_النمرة اللي عملتها خليتك شبه المهرج يا هارون، طول عمرك جبان وبتتحامي في رجالتك وتفكيرك القذر اللي هدفه دايمًا ضهر عدوك مش وشه.
واستطرد وهو يطالعه باحتقار:
_الفصل اللي عملته ده واجبه عندي، اطمن مش هوصل اللي حصل لعثمان إن مكنش عرف يعني، ميرضنيش إهانتك بالنهاية بينا نسب بردو.
استكمل طريقه لغرفته وهو يخبره:
_تيام هيكون هنا بكره، يا ريت بدل تخطيط الأفاعي بتاعك ده تفكر في شغلك واللي مطلوب منك.
وختم حديثه قبل أن يصفق الباب بوجهه:
_بالنسبة لرجالتك خليت حيدر ينقلهم لمكتبك، يمكن تحب تودعهم وداع أخير!
اهتز جفنه بعنفٍ مع صوت صفق الباب القوي، فصعد لجناحه وهو يموج من الغضب، بينما ينزع "كِنان" جاكيته ومازالت الركلة التي طالت صدره تُؤلمه.
انتفضت "رزان" رعبًا على صوت صفق الباب، فاذا بها ترى "كِنان" يقف أمام المرآة بصدره المكشوف، وعلى ما يبدو يتفحص ذقنه التي تحمل كدمة زرقاء.
استدار صوبها حينما رآى انعكاس صورتها بالمرآة، وقال بصوتٍ رخيم:
_أنا آسف لسه متعودتش إن في حد معايا في الجناح، كملي نومك.
انخفضت ببصرها إلى الاحمرار الشديد بصدره، ولإصابة فكه الواضحة، أبعدت "رزان" الغطاء عنها وهرولت صوبه تهمس بلهفةٍ:
_كِنان!!
تفقدت جرحه وإصابته بأعينٍ دامعة:
_مين اللي عمل فيك كده؟
راقب حركة يدها أعلى صدره، وكأنها تحاوط قلبه العاشق لها، وكفها الآخر وضعته على ذقنه، أغلق عينيه باستمتاعٍ من قربها الخطير على مشاعره الصادقة لها، فإذا به يقربها له رغمًا عنه.
ضمت عيناه عينيها في عناقٍ أوقظ مشاعرهما، فاذا به يميل على كفها الملامس لوجهه، يقبله بقوةٍ سرت قشعريرة بأنحاء جسدها، بينما يردد لها:
_بقيت كويس من لمستك.
ارتبكت "رزان" قبالته، ولم تتمكن من التغلب على مشاعرها، سلمت له وقد كان حريصًا على أن يجعلها تثق بمشاعرها وحبها له، حملها "كِنان" إلى فراشهما، وإذ فجأة يتذكر ما أخبره به "عثمان"!!
شعرت" رزان" بتجمده فجأة، فنادته بقلقٍ:
_كِنان إنت كويس؟
ظنت أن إصابة صدره قد آلمته، ولكنها تفاجأت به ينهض عن الفراش ويتجه إلى جاكيت بذلته المُلقى أرضًا جوار قميصه، سحب العُلبة منه، وإتجه لها بعدما سحب زجاجة من المياه، جلس "كِنان" جوارها وهو لا يعلم كيف سيخبرها بما سيفعل؟
تنحنح بخشونة وهو يستدعي صوته الهادر:
_روز حبيبتي ممكن تاخدي الحباية دي؟
ضيقت زُرقتها بدهشةٍ، فألقت نظرة على ما يحمله، وتساءلت بخوفٍ من أن تجرحها إجابته:
_ده إيه يا كِنان؟
ابتلع ريقه بتوترٍ، خشي أن يفقدها أو يفقد لحظات حبهما التي جعلت كل شيء مر به هينًا، ضم جانب وجهها وهو يتعمق بالتطلع لها:
_رزان أنا بحبك وعايز أكمل حياتي معاكِ بدون خوف من اللي جاي، أنا قابل إنك تكوني نقطة ضعف جديدة ليا، بس مش هتحمل أكتر من كده.
شعرت بنغزة قوية تضربها بلا رحمة، ومع ذلك ظنت أنها أخطأت بفهمه،فرددت:
_تقصد إيه؟ الحبوب دي بتاعت إيه؟
ضم شفتيه معًا بقوةٍ،وهو يحرر كلماته:
_أنا مش عايز يكون بينا أطفال، وخصوصًا إنك عارفة شغلنا عامل ازاي؟ أنا مش عايز طفل يزود مسؤولياتي ويزيد من حملي.
توسعت عينيها بصدمة من حديثه، فإذا بها تضم الغطاء على نفسها كأنها باتت مكشوفة أمامه رغم أنها ترتدي قميصها القطني الطويل.
ترقرقت الدموع من عينيها وانهمرت كالأمطار القاسية، بينما لسانها يردد:
_مش عايز تخلف مني؟!
أوضح لها بمرارة ابتلعته قبلها:
_لا منك ولا من غيرك يا رزان، أنا مينفعش يكون عندي أطفال.
هزت رأسها بتفهمٍ رغم ان دموعها مازالت تنجرف، ثم تطلعت له نظرة لن ينساها ما دام حيًا:
_ولا أنا عايزة منك أولاد.
ثم نهضت تجذب فستانها، ترتديه بيد مرتعشة، وقبل أن تخرج من الغرفة قالت بوجع اخترقه كليًا:
_ومش محتاجة للحبوب دي تقدر تخلي واحدة من الزبالة اللي كنت معاهم تاخدها.
وتابعت بانكسار:
_كويس إنك وضحتلي كل حاجة من البداية، وسبتلي حق الإختيار، لأنك هتكون آخر اختيار ليا يا كِنان.
وختمت قبل خروجها:
_يا ريت تطلقني وبتمنى هارون ميعرفش إنك هتعمل كده.
غادرت من أمامه على الفور، فتنهد بتعبٍ وهو يلقي بجسده على الفراش بانهاكٍ وضعف استنزف قوته وجعله يعاني الويل مما يحدث معه.
******
مع صباح يوم جديد، وبنفس التوقيت الذي خصصه "عثمان" لها، صعدت إلى جناحه العلوي، فوجدت باب الجناح مفتوحًا، ولجت "قدس" إلى الداخل، وكعادتها وجدته يجلس أمام الشرفة الزجاجية الضخمة، التي تحيط بأحد حوائط الغرفة بأكملها.
وقفت من خلفه تردد بصوتها الناعم:
_صباح الخير.
لف بمقعده لها وابتسم:
_أول مرة تلتزمي بمعادك!
ارتسمت ابتسامة ساحرة على وجهها، ورددت:
_اقتنعت أنك كراجل ليك خصوصياتك.
اتسعت ابتسامته وسند على يده قائلًا بثناءٍ:
_براڤو يا دكتورة.
اقتربت "قدس" منه وجلست على ذراع الأريكة قبالته، ثم قالت:
_هو أنا ممكن أسألك سؤال.
زم شفتيه بانزعاجٍ:
_الستات مهما اختلفت شخصياتهم هيجمعهم الفضول.
لم تبالِ بقوله الساخر وتساءلت:
_ليه كل ما بشوفك بلاقيك هنا في جناحك وفي المكان ده بالذات؟ ليه مش بتنزل تحت في القصر أو بتخرج الحديقة مثلًا؟
تعمق بالتطلع بعينيها التي تشبه قرص الشمس في بهائه، يختاله شعورًا مقبضًا حيال تلك الفتاة التي بدأت تتجاوز الحدود التي يضعها للجميع، ابتلع ريقه وهو يجابه عاصفة من المشاعر التي تحركت لها، فأسرع يبعد المقعد عنها وهو يجيبها بثبات متقن:
_لأن ده الطبيعي للوحش، عمره ما بيفارق قلعته عشان شكله مختلف.
وبابتسامة ساخرة قال:
_مش انتِ اللي وصفتيني بوحش القلعة وتقريبًا أنتِ الجميلة!
ارتبكت أمام رماديته الساحرة، فأزاحت خصلاتها الطويلة للخلف ورددت:
_لا أنا موصفتكش بالوحش أنا قولت إنك شبهه في عزلتك لكن إنت أوسم منه بمراحل، أنا فاكرة أنا قولت إيه كويس!
برقت بصدمة لما تفوهت به، ثم أسرعت تخبره:
_وبعدين الوحش مكنش بني آدم أصلًا!
راق له خجلها، وبالأحرى كل حركة منها تروق له كثيرًا، مال "عثمان" صوبها برأسه وهمس لها كأنه يلقنها سرًا:
_ومين قالك إني بني آدم!!
برقت ببندقيتها ورفعت حاجبها تتساءل:
_أمال سيادتك إيه؟
بنفس همسه المغري ردد:
_وحش!
ضمت شفتيها بسخطٍ، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع لأول مرة، رأت فيه "قدس" شخصًا لم تره من قبل، فراقبت كل حركة صادرة عنه بمشاعر متخبطة، واذا بها تتفوه بشرودٍ:
_الجميلة قدرت تخرج الوحش من قلعته، ونهاية الفيلم اللعنة اتكسرت عنه.
ثم نصبت قوامها الممشوق وهي تتجه لحقيبتها:
_وأنا وعد مني هخرجك من جناحك ده في يوم من الأيام.
وعادت ترنو صوبه وهي تبتسم بمشاكسة:
_ولو عليك لعنة هتتفك وهترجع إنسان طبيعي، اطمن.
لم تُنتزع بسمته، ونظراته الثابتة تجاهها، ربعت "قدس" يديها وأشارت له:
_محتاجين نفتح الحاجز ده.
عبث بعدم فهم، فأوضحت ببراءةٍ مصطنعة:
_لازم تمارس التمرين ده تحت أشعة الشمس.
واتجهت إليه تنحني جوار أذنيه، ترد له حركته وهي تهمس كأنها تخبره سرًا:
_لو إنت مصاص دماء وخايف أشعة الشمس تحولك عرفني، بالنهاية أن دكتورتك ومن حقي أعرف كل أسرارك.
اتسعت بسمته الجذابة، وضغط على زر جانبي لمقعده فاذا بالحائط الزجاجي يتلاشى ويظهر من أمامها شرفة خارجية عملاقة، تحيط بالجزء الأمامي من القصر بأكمله، هرولت "قدس" للخارج تستند على السور وهي تراقب المنظر الخارجي من الأعلى بانبهارٍ.
اتبعها "عثمان" الذي يخرج من الظلام للنور لأول مرة منذ سنواتٍ، وقف على بعد منها يتأملها بهيامٍ، تيار الهواء البارد يلفح خصلاتها فيجعل منها أنثى جذابة قادرة على أن تهزم أعتى الرجال!
استدارت "قدس" إليه، ورنت تجاهها قائلة بتعجبٍ:
_إزاي قادر تحرم نفسك من المكان الخلاب ده، حتى الهوا منعه عنك!!
بجمود أجابها:
_اتعودت، والتعود بيكسر جمال أي شيء ممكن عيون غيرنا تشوفه.
انحنت لتكون بنفس طوله وغمزت بمشاغبة أسرت بها قلبه:
_الجميلة هتكسر تعود الوحش، ولعلمك أنا متعودتش أخدع حد، كان ممكن تمارس التمرين جوه عادي بس أنا حبيت أمهدلك إن تحقيق وعدي ليك قرب وأوي كمان.
ونهضت تدور حول ذاتها بحماس:
_وبدايتها من هنا!
وأشارت خلفها:
_وبعد كده هتنزل هنا.
شملها بنظرة غامضة، ثم قال:
_استهونت بيكِ أوي يا دكتورة، مطلعتيش جميلة بس، لا جميلة وذكية كمان!
اتجهت للطاولة الفخمة التي تحاوطها عشرة مقاعد خشبية، سحبت أحدهم واتجهت له تستغل ما قال:
_بما إنك اعترفت اني ذكية، فلاحظت ان الكرسي اللي إنت قاعد عليه ده عنده قدرات فائقة، بتساعدك وبتخليك تعتمد عليه بالنسبة اللي مخلياك مش فارقلك انك تتعالج، وده للأسف مش هيخليك تساعدني.
ثم وضعت المقعد وأشارت له:
_طول ما إنت بتتعالج لازم تكون على كرسي عادي.
ضم شفتيه بضيقٍ، ومع ذلك انصاع لها، فرفع من صوته:
_ماتيو.
ظهر الآلي في لمح البصر، يدعم سيده حتى انتقل من المقعد الحديث للمقعد الخشبي العادي، ارتابت "قدس" من وجود "ماتيو"، كونه يسجل كل حركة تنتج عنها، فقالت وهي تشير له بخبث:
_شكرًا يا أستاذ ماتيو، تقدر تتفضل حضرتك ولما هنحتاجك هنستدعيك.
لف" ماتيو" رأسه صوب سيده فأشار له أن يغادر، وبعدما غادر سألها بشكٍ:
_أكيد هتحتاجي مساعدته، إنتِ مش هتقدري تحركيني لوحدك!
انحنت تربط الأجهزة من حول ساقيه، وأجابته بمزحٍ:
_متقلقش عليا أنا متعودة، وآه بترعب من شكله جدًا، إنت أخد عليه عشان هو تقريبًا معاك من فترة طويلة لكن أنا لسه بحاول أتأقلم.
نجحت بذكائها أن تجعله يندمج بحديثها، فقال:
_بقاله معايا عشر سنين.
ادعت انشغالها بتحريك ساقه اتباعًا للتمرين:
_بس شكله متطور جدًا عن تاريخ اصداره، أكيد بتلجئ للشركة اللي صنعته عشان تطوره باستمرار.
اتسعت ابتسامته وقال وهو يتطلع لها من هذا القرب:
_مش محتاج أروح بيه لشركات، لأنه متصنعش منه أبدًا.
رفعت رأسها إليه وهتفت باستغراب:
_تقصد إنهم صنعوا ليك نموذج واحد بس؟
طال بالنظر بعينيها، وهتف:
_ماتيو وآيلا من صنعي أنا.
توسعت مُقلتيها بدهشةٍ، وأودعت في نظراتها الا
إنبهار والاعجاب، وبمهارة اكتسبتها من الأسطورة أرغمته على الإستمرار بالحديث حينما قالت:
_معقول!! بس إزاي وإنت آآ...
_عاجز مش كده!
أدعت تلعثمها وحرجها بينما نجحت باستفزازه ببراعة:
_أنا آسفة مقصدش، أصل اللي بتقوله بيناقض وضعك الحالي!
أعجب "عثمان" بذكائها، ومع ذلك غذى فضولها الواضح:
_أديكِ قولتيها وضعي الحالي.
رمشت بعدم استيعاب، وهتفت:
_يعني إنت كنت واقف على رجليك وقتها صح.
هز رأسه بخفة، وصرح لها:
_أنا على الكرسي ده بقالي أربع سنين.
وأضرم نيران الصدمة حينما قال ببسمة واثقة:
_بس ده ممنعنيش عن أي شيء، والدليل الكرسي اللي عملته بإيدي مخصوص ليا!!
بقيت محلها تتطلع له بشرود، حتى تمكنت من أن تخرج صوتها:
_إيه اللي اتعرضت ليه من أربع سنين وكان السبب في اصابتك؟
احتل الوجع قسمات وجهه بوضوحٍ، لدرجة جعلت قبضته كادت أن تخلع ذراع المقعد، كز على أسنانه وفاح من بينهما:
_شوفي شغلك يا دكتورة.
أنهى الحوار المتبادل بينهما، فاستكملت "قدس" عملها بعدما حرزت تقدم ملحوظا وبجدارة، حتى وإن امتنع عن الحديث فيما يخص هذا الجزء، فهي أحق بالعلم أن ما ستجنيه يتطلب منها الصبر والمثابرة وبالطبع ستفعل.
******
فتح "ياسين" باب شقته، فوجد "تيام" قد أتى بموعده المحدد، أشار له بابتسامةٍ جذابة:
_في معادك بالظبط، اتفضل.
أفسح له الطريق ليمر، فدلف يتأمل الشقة باهتمامٍ حتى استقر على "ياسين" الذي أشار له صوب المطبخ:
_حضرت فطار ملوكي لما قولت إنك جاي، تعالى.
لحق به "تيام" ووقف يتأمله وهو يصنع البيض بالسجق بدهشة:
_هو إنت ليك في الطبخ؟
رد عليه "ياسين" وهو يضع ما بيده على الطاولة:
_ليا في كل حاجة، يلا اقعد الاكل هيبرد.
جذب المقعد المقابل له وجلس يتأمل الطعام باستغراب، حتى أنه لم يستطع كبح شهيته، فأخذ يتذوق ما صنعه، واذا به يتطلع له بانبهارٍ:
_إنت متأكد إنك مش شيف؟!
هز رأسه وهو يجذب مقعدًا قبالته:
_لا، بس زي ما قولتلك ليا في كل حاجة.
سأله "تيام" بفضول:
_طيب وحاليًا بتشتغل في إيه؟
سحب "ياسين" الشطائر وقال بثبات مُتقن:
_لا حاليًا معنديش شغل ثابت، أنا زي ما قولتلك عامل زي الطير ماليش مسكة معينة.
لمعت بعقل "تيام" فكرة، يضمن بها تواجده رفقته أكبر وقت ممكن:
_طيب إيه رأيك لو اشتغلت معايا في المطعم؟
ابتسم وهو يتناول ما بيديه بنهمٍ:
_عجبك أكلي فعايز تشغلني عندك طباخ ولا إيه؟
أسرع ينفي ما قال:
_لا طبعًا، عايز تمسك المطعم بدالي، لاني الفترة الجاية هكون مشغول.
زوى "ياسين" حاجبيه باسترابة مصطنعة:
_مشغول في إيه؟
تنهد بتعبٍ والإرهاق يحتل ملامح وجهه الرجولية:
_أنا كنت حكيتلك ان في مشاكل بيني وبين عيلتي، وده خلاني أفسخ خطوبة أختي من ابن عمي، بس للأسف استغلوا ده وشجعوها تتجوزه من ورايا وحاليًا هي عندهم.
واستكمل بحرصٍ ألا يفصح عما يخصهم:
_فأنا في حيرة كبيرة، ما بين غضبي منها وخوفي عليها، فقررت إني أرجع أعيش معاهم تاني عشان أخد بالي منها، وده هيخليني أنشغل عن المطعم كتير، ومش هثق في حد يمسك مكاني غيرك يا عمر.
نجح "ياسين" نجاحًا باهرًا في كسب ثقة وصداقة "تيام" بوقتٍ محدود، كان الأجدر من بين الفريق للتعامل مع شخص بذكاء "تيام".
القادة تعلم بأنه يحمل من الدهاء ما يجعله بنفس خطورة "عثمان"، لقد عمل على أهم أنواع العقارات التي ضربت السوق الأسود في مقتلٍ وجعلت العائلة ذات سلطة وسيادة عالمية.
شخص بذكائه لم يكن يرضخ إلا لشخصٍ رزين يفوقه ذكاءًا، وها قد حان وقته ليقتحم أبواق الحرب من باب فُتح له.
منحه" ياسين" ابتسامة هادئة وقال:
_وأنا معاك وفي ضهرك!!
*****
صرخت بملئ ما فيها وهو يرغمها على تبديل ملابسها لفستان قصير يبرز مفاتنها، ويدفعها صوب السراحة وهو يشير لها:
_ربع ساعة ألقيكِ على سنجة عشرة، ويا ويلك يا رحيق لو كسرتِ أي كلمة من اتفاقنا.
ضمت بطنها بألمٍ من دفعه لها، وأسرعت تهز رأسها في طاعةٍ، بينما تراقبه بنظرات طُعمت بالكراهية والحقد.
بدأت بوضع مساحيق التجميل لتخفي علامات اكتئابها ومرارة ما تعيشه رفقته، ومن حول رقبتها مازالت تضع سلساله، ضمته بين يديها بمحبةٍ وحدثت ذاتها:
_يا ترى السلسلة دي هتأكدلك إني عايشة على حبك ولا مش هتكون فاكرها أصلًا.
ارتعشت يديها حينما رأت هارون يرنو صوبها ليقيمها بعدما انتهت، زم شفتيه ساخطًا:
_مش بطال.
وتابع وهو يميل على السراحة بعدما ألقى لها عُلب الزينة :
_البسي مجوهراتك وخاتم الجواز.
هزت رأسها في طاعةٍ، وبدأت تضع ما قدمه لها، فاذا به ينفث سيجاره وهو يراقبها بنفورٍ، حتى انتهت فرفع ذقنها وقال بانتشاءٍ ليؤلمها:
_مهما كنتِ جميلة عمرك ما هتكوني في جمال البنت اللي أخدت قلبي وعقلي.
اندهشت مما يقول، فتابع باستمتاعٍ:
_متقلقيش مصيرك هتشوفيها، أصلي مش ناوي أخليها علاقة شمال زي ما اتعودت، هتجوزها رسمي وهجبها ملكة للقصر ده.
وأشار لها باستحقار:
_ولو لسه كان فيكِ الروح يعني هتكوني أقل من خدامة ليا وليها.
ترقرقت الدموع من عينيها، ورددت بصوتها المبحوح:
_وليه كل ده، طالما لاقيت اللي تحبها وبتحبك طلقني واعتقني لوجه الله.
مال للخلف من فرط الضحك، ثم عاد بواجهها بوجهٍ متجمد:
_في أحلامك يا حبيبتي، فراقك عني بموتك يا رحيق.
وأزاح دموعها بيديه وهو يهز رأسه ببرود:
_المكيب اللي عملتيه هيبوظ، مش عايز أمد ايدي عليكِ وإنتِ بالوضع ده، ولا مستغنية عن البيبي!
ابتلعت ريقها وهي تضم بطنها برعبٍ منه، بينما تهدأ ذاتها، تعالى صوت هاتفه، يخبره بوصول المنتظر، فارتسمت بسمة انتصار على وجهه، ونهض يثني ذراعه ويشير لها:
_حبيب القلب وصل، بينا نستقبله!
ارتجفت كل خلية بجسدها، ومضت تستند على ذراعه باستسلامٍ، بينما تكاد أن تفقد وعيها من فرط دقات قلبها الخافتة، تتمنى أن تحتمي بين ذراعيه من جبروت هذا الشيطان القذر، ترغب أن تقص عليه رحلة معاناتها وما فعله بها.
كانت أصعب لحظة مرت عليها منذ فراقها عنه، رغم شوقها له ألا أنها ودت لو إنتزعت روحها عنها قبل أن تلتقي به، لقد تسببت له بجرحٍ أبديًا.
خطت معه الدرج للاسفل، بعدما ظلت حبيسة جناحها لأكثر من تسعة أشهر، ورغمًا عنها امتلأت عينيها بالعبرات، تخشى أن يكون نسى أمرها وألقاها خارج حياته، تخشى أن يكون لقائه بها عابرًا، وكأنها باتت من غبار الماضي الذي ولى وانتهى عهده، ومع أنها تعلم أنها تستحق ذلك الا أن قلبها مازال بتعلق به تعلق الغريق بقشة هاشة قد تنقذه من النجاة!!
وصلت للأسفل مع هذا الشيطان القذر، حتى وصل تيام رفقة الحرس، ولج لساحة القصر وأول ما تعلقت به عينيه كانت هي!!!!
تلك التي حاول بكل ذرة بكيانه أن ينساها، يراها بعد تلك الفترة تقف قبالته، وكأن هارون قد عاد يركله لساحة الحروب الذي فقد فيها قلبه، وخرج منها جريحًا يحاول إن يجد دواء يداويه، وقد لاقت كل محاولاته بالفشل الذريع مع أول لقاء جمعهما!!!!!!
ارتاب قليلًا من انطفاء ملامحها رغم مبالغتها بوضع مساحيق التجميل، ونحافة جسدها الغريب، ومع ذلك وقف بنظراته على عينيها وتاه بينهما، كأنه قد سقط من العلو إلى ماضٍ قد سبق وقضى عليه.
أفاق من شروده وصمته الطويل، على صوت دعسات حذاء هارون التي مزقت ماضيه وحاضره، ليفق على ضمته الكريهة له وهمسه:
_نورت العالم اللي المفروض إنت جزء منه.
وتركه وهو يبتعد ويفتح ذراعه لتلك المتصنمة بعيدًا عنهما:
_تعالي يا حبيبتي استقبلي معايا رجوع دكتورنا العظيم.
تهاوى قلبها أرضًا وتحطم بين دعسات حذائها، وهي ترنو صوبهما ببطءٍ، تضع كفها بين كف هارون الممدود لها، وعيني تيام الدامعتان تتأمل ضمة أيديهما، فاخترق قلبه سهمًا جعله يكرهها فوق الكره كرهًا، بينما يسددها بنظرة استحقار تعبتها أكثر من المعاناة التي خضتها مع هارون.
ضمها هارون بطريقة مستفزة، ومال يقبل رأسها وهو يحمسها:
_ساكتة ليه يا رحيق، رحبي بتيام.
ارتعش كفها الذي مدته له، وصوتها المهتز يخرج بصعوبة:
_نورت بيتك.
منحها نظرة تقلل منها كأنها عاهرة، جابها من أخمص قدميها حتى كفها الممدود، وتجاهلها كأنها ليس لها وجود.
تضاعفت سعادة هارون الذي تأكد بأنه مازال يحبها، والا لما تأثر بوجودها لتلك الدرجة، فضمها وقال بمكرٍ:
_كده يا تيام تزعل مراتي حبيبتي وهي ملهاش الزعل خالص.
منحه نظرة حائرة لمضمون كلامه المتعلق باصابتها بمرضٍ ما، جعل قلبه ينخلع من محله، فأتاته صدمة أصابته في مقتلٍ حينما ردد وهو يحيط ببطنها بطريقة مُخلة:
_الزعل وحش عليها وعلى اللي في بطنها، قريب هيشرفنا أول حفيد لعيلة التميمي.
ودعس قلبه قاصدًا بجملته:
_مش هتباركلنا ولا أيه؟!
....... #يتبــــــــــــع........
#الاقـــــــــــــوى_قــــــــــــــادم....
#آيـــــة_محمــد_رفعــــت.
لو عايزين انتظام بالنشر يبقى تحمسوني بالتفاعل عشان نساعد بعض 🫢🙈
بحبكـــــــــــم في الله ♥
*****________********
أشباح المخابرات الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية محمد رفعت
منقول من صفحة آية على الفيسبوك (روايات الكاتبة آية محمد رفعت) 👇🏻
صباح الخير يا بنات، البوست مهم رجاءًا اهتموا بيه ❤
حبيباتي أكيد انا باحثة وقارئة قبل ما أحط جزئية إن زين أخو مرين في الرضاعه، وأكيد أخده بالي كويس من ان مارال خطيبته وفي نفس الوقت أخت مرين، أنا كنت حابة أصبر شوية للفصل الـ 14 بحيث أوضحلكم الجزئية دي مع الاحداث والمشاهد، بس كالعادة مبقدرش أسكت وانا شايفة الجدال قايم بين طوائف الشعب خاصة في جزء ديني مينفعش السكوت عليه، وهرجع وهتذكر معاكم نفس الجدال بتوقيت صرخات أنثى على مشهد هزار ايثان مع يونس، إنه أسلم وهنا طلعت ونهيت الجدال قبل الفصل، لاني مبحبش أمور دينية تتفهم غلط وأقف أتفرج واقول مع الاحداث هتتفهم.
أنا بتعامل مع الرواية أساسًا ببرود وكل شوية اقول مع الاحداث هيفهموا والصدمة ليكم وليا ان الجزء الاول من الرواية ما هو الا مقدمة عن عيلة التميمي أصلًا، حتى ظهور الاشباح بالتقل ده ظهور بسيط، ظهورهم القوي جاي مع الاجزاء وده دليل ان اللي فات نقطة في بحر ❤🔥
نيجي لنقطة مرين وزين مع اني محبتش أتكلم فيها وكنت هنتظر للفصل بس الافضل أوضح، مرين وزين اخوات عن طريق أشجان مش حنين، وهنا اخت زين اللي اسمها شجن وزين نفسه هما اللي اخوات مرين فقط، يعني مارال مش اخت زين نهائي وتجوزله عادي، بالعامي كده جوزهم صحيح مية في المية، وهسيبلكم الاسكرينات بالتعليقات اللي تثبت صحة كلامي..
بالنسبة لبعض البنات اللي مش فاهمين وبيقولوا ازاي ومرين اكبر من زين ب6 شهور، انا اللي مش فاهمه ازاي يعني هل بيتم فطام البنت على 6 شهور وانا مش عارفة؟؟
هنفترض انها كان عندها 7 شهور وزين مثلا شهر او شهر ونص، وهنا تمت الرضاعة لتعب حنين في حمل مارال لو تفتكروا انها حملت على طول وبردو جاي مشهد يوضح ده باستفاضة 💙
الرواية صعبة واحداثها تقيلة نصبر مع بعض كده يا بنات، وبالله بلاش انتقادات لقدس ووصفها بالهبل، هتكون هبلة ازاي وهي اتدربت على ايد رحيم زيدان، ولو سبق ورجعتوا للمقدمات هتلاحظوا فرق شاسع بين شخصيتها والشخصية اللي هي متلبساها قدام عثمان، واساسًا سحبهل لمعلومات مهمة زي اللي عرفتها منه هيوصلكم انها نجحت ببراعة في الشخصية اللي بتحاول تجسدها.
بالنسبة لتيام وكنان وعثمان والانتقادات اللي بتم من القراء على القراء اللي بيحبوهم من فضلكم الرواية لسه فيها جوانب واسرار مريبة، ادينا مع بعض لحد ما نحلها، ووارد ان كلنا مختلفين عن بعض في اللي هيشوفهم ضحايا مع ان لسه في احداث متكشفنش وفي اللي هيشوفهم مجرمين، وفي الحالتين مينفعش ننظر مع بعض، قضايا القتـ. ــــل نفسها بنلاقينا منقسمين لفريقين فريق متعاطف وفريق ناقم على المجرم وبالنهاية العدل بيطبقه القضاء وقبله بيطبقه ربنا عز وجل بعدالته الالهية ❤
أشباح المخابرات الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الرابع_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات
إيمان الرفاعى، أماني خطاب، Fatma Tota، منة الله، Rimas Ayman، وتبسمت ذات النقاب، Hala Saber، مريم محمد، Amal tarek، اسماء سيد،،ايمان بدران، نهله رجب، Asma sma، فاطمه محمد، أيه ممدوح، كوثر ممدوح، دعاء مختار، رقيه ربيع، شروق ماهر، ساميه عبدالعظيم، نور مصطفي، اشرف سعد
Safy Mohamed ،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
لقد بنى أحلامه ووضعها داخل قلبه بحرصٍ، وكل حُلم كانت هي سيدته، حياة سعيدة معها، طفل صغير منها، عشق يتوجها به وتفيض عليه عوضًا بما تعرض له، ولكن عش الأحلام لم يدم طويلًا، وقبل أن يسكنه برفقتها تحطم و انهار كليًا.
اختطف منه هذا اللعين أحلامه، وها هو يقف متباهيًا أمامه بكل خطوة حققها وفاز بها عليه، توهجت الحمرة بين بنيتاه، ومازال يشيعها بنظرة حملت كراهيته وحقده، وبصره ينخفض إلى بطنها الذي يحمل نطفة خيانته في رحمها، أغلق عينيه بوجعٍ واستمد هالته وثباته ثم وضعهما بجملته:
_أباركلك ولا أعزي البشرية في نسل الشيطان اللي خارج ليهم يا هارون؟
وأضاف وهو يسدد لها نظرة استحقار:
_سبحان الله لايقين على بعض جدًا، نفس الوساخـ* والقذارة اللي مخليني حاليًا عايز أجيب اللي في بطني.
أدمعت عينيها ألمًا من حديثه، بينما تحرك "هارون" خطوة صوبه، وقال:
_الله ده إنت لسانك رجع زي المبرد أهو، أمال من ساعة ما خرجت من القصر ومحدش سمعلك حس ليه.
ارتسمت بسمة ثابتة على وجهه، وبثقة وثبات مفاجئ لها قال:
_كنت بتلح وهتموت على رجوعي وأديني رجعت يا هارون، غبائك نساك أنا كنت إيه قبل طلوعي من هنا، فمن اللحظة دي خاف واعملي ألف حساب.
توسعت عينيه من شدة الغضب، بينما يحرز "تيام" خطوة أخرى صوبه وهو يذكره:
_زي ما كنت زمان طوع أمري هترجع زي الكلب تستنى أوامري.
تحرر عن صمته بعدما فشل بكبح أعصابه:
_ده في أحلامك، إنت خسرت مكانتك بخروجك من هنا.
ضحك بصوت مسموع وهتف:
_ده مين اللي خدك على حجره وسايسك بالكلمتين دول!!
ورفع رأسه صوبه وهو يشير له بصوت واثق جعل الاخير يبتلع ريقه بارتباك:
_هنا مفيش أوامر نافذة غير من اتنين، الديزل واللي واقف قدامك!
واسترسل وهو يتحرك صوب الدرج بينما يطرق على كتفه:
_تعبت في غيابي كتير، ارتاح أنا رجعت.
وشملها بنظرة محتقرة ثم تمتم:
_يا ريت متورنيش وشك ولا وش الرخيصة اللي جنبك دي حتى لو بالصدفة.
زوت حاجبيها بدهشةٍ مطعمة بالصدمة من الشخص الغريب الذي قابلته للتو، وكأنه شخص آخر غير "تيام" الذي تعهده.
استكمل طريقه للاعلى، حتى وصل للدرج العلوي حيث كان "كِنان" بانتظاره وابتسامة انتصار تحتل وجهه، وما أن وقف "تيام" صوبه حتى أثنى عليه:
_هو ده دكتورنا المخترع.
منحه بسمة ساخرة، وهمس له:
_لو قتلته عثمان ممكن يتضايق؟
ضحك بصوت مسموع وهز رأسه بخفة:
_أراهنك إنه أول واحد مش بيطيقه ونفسه يقتله.
عاد يراقبه من الأعلى وهو يقترح بخبث:
_طيب ما يعتبرها حلاوة رجوعي ويخليني أخلص عليه.
سند "كِنان" على الدرابزين وتابع "هارون" من الاعلى جواره،مرددًا :
_ما إنت عارف قواعد اللعبة، وبالذات العيلة!
حرك رأسه في سخطٍ، وردد:
_هي فين العيلة دي!!
واستطرد وهو يستدير ليتطلع إليه:
_عثمان مبيعملش حاجة الا ووراها ألف حاجة، ودورنا نخمن ونكشف الالغاز اللي ملهاش حل الا جوه دماغه.
وبابتسامة ساخطة هدر:
_بالرغم من اني كاره رجوعي بس ده ميمنعش إني مفتقده، وكتير كمان.
وتحرك صوب المصعد بينما يردد بغموض مرعب:
_ده مهما كان صديق طفولتي وزميل دراسة بردو!
تابعه "كِنان" حتى تحرك المصعد للأعلى، وعلى الفور تحرك صوب جناح أخيه، ليتمكن من إخماد النيران قبل اشتعالها.
طرق "كِنان" باب الغرفة، حتى فتح "نوح" الباب، وما أن رآه حتى قابله بابتسامة واسعة:
_كيوي! صباحك بيضحك.
كاد أن يمزق شفتيه السفلية من الغيظ، ولكنه تجاهله مرغمًا، وأشار بحدة:
_ادخل ناديلي تالا، عايزها حالًا.
ضيق عينيه بذهولٍ:
_ليه حصل حاجة؟
اخشوشنت نبرته الحازمة، وراح يشدد عليه:
_تيام رجع، ناديهالي بسرعة.
هرول "نوح" للداخل يتفقد أمر زوجته،أبلغها أن ترتدي اسدالها سريعًا وعاد يدخل أخيه، وقفت تالا أمامه بارتباكٍ من هيئته، لم يكن "كِنان" مجرد شخص عادي داخل تلك العائلة، كان محط الانظار بثباته وثقل خطواته.
انتظرت أن يخبرها بما أراد، ولكنه تعمد أن يطول صمته ليجذب اهتمامها، حتى ردد:
_أخوكِ رجع.
اتسعت عينيها بدهشة، ولسانها يردد بلهفة:
_تيام!
غارت الدموع بين مُقلتيها، وقبل أن تخطو خطوة للخارج أوقفها حديث "كِنان" الصارم:
_أي كلمة هتخرج منك بخصوص رحيق هتفتح نار جهنم على القصر كله باللي فيه، وأولهم تيام.
وُخزت بقوة مما قال، بينما يشدد "كِنان" على ما قال:
_تيام راجع ومستحلف لهارون على عملته معاكِ، فلو عرف باللي حصل زمان محدش هيقدر يمنعه عن اللي هيعمله.
وأضاف حتى تتضح الصورة بأكملها لها:
_وده هيخلي الكلب ده يأخد حذره ومش بعيد هو اللي يسبق خطواته ويتخلص من تيام.
ارتعبت مما استمعت له، فأكد لها بسخرية:
_ده أبسط شيء يقدر يعمله هارون، ده حقير ومالوش كلمة ولا عهد.
وختم حديثه وهو يسدد نظرة صارمة صوب أخيه:
_إنتِ اللي بإيدك تهدي اللعب أو تقلبيها جحيم، أي شكوك عندك ناحيتها أو أي حاجة اكتشفتيها عنها ياريت تتجاهليها، أتمنى توزني الأمور بالعقل!
******
وصل المصعد لأخر طابق منعزل، خرج منه "تيام" وهو يستمد أنفاسه الهادرة بارتباكٍ، يود لو أن يتراجع عن مواجهته ولكن اللقاء لابد وأن يحدث.
اتجه إلى باب الجناح الذي فُتح من أمامه فجأة، وكأنه كان واثقًا من صعوده للقائه، تبسم بسخريةٍ ومضى للداخل وهو يجاهد أن يكون هادئًا قدر المُستطاع، فوجده يجلس وهو يطالعه بكل كبرياء، وابتسامة الانتصار تحتل وجهه، تعمق "تيام" في عينيه كأنه يبحث عن شيء ما، وحينما وجد مبتغاه مال يستند على الطاولة من خلفه وهو يزفر بضيقٍ، فتحرر صوت "عثمان" الساخر:
_اللي توقعت تشوفه مش موجود للاسف!
لوى شفتيه بتهكمٍ وقال:
_عندك حق، كنت منتظر أشوف في عيونك إيه وإنت اللي بتحرك الشيطان من مكانك هنا.
وأضاف "تيام" وهو يحاول استمالته لما حدث بينهما بالماضي:
_كنت فاكر إن اللي حصل معاك هيفوقك، بس للأسف مش فارقلك بشيء كأنها كانت صفحه من حياتك وطوتها.
هز "عثمان" رأسه بجمود:
_مطوتهاش أنا حرقتها وبإيدي.
ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيه، وبالرغم من أنه يعلم إستحالة اقتناعه بما سيقول إلا أنه حاول:
_عثمان إحنا اتفرض علينا نكمل في اللي بدأوه أبويا وأبوك زمان، بلاش نوسخ نسلنا في القذارة أكتر من كده يا عثمان.
بنفس ابتسامته الساخرة أجابه ولم يرمش له جفنٌ:
_هو إنت عندك نية تتجوز وتخلف!
وأضاف باستنكارٍ:
_الظاهر إن الدرس اللي أخدته معلمش معاك.
ظهر الحزن على "تيام" بينما يستطرد "عثمان":
_الراجل حياته بتكون مستقرة لحد ما تدخل في حياته واحدة ست، وبالأخص في شغلنا ده.
وتمعن فيه بنظرة خبيثة، ثم حرك مقعده صوبه:
_ويمكن ده كان سبب من ضمن الاسباب اللي خلت عيلتنا لغز صعب على أي جهاز استخباري إنه يشم عننا حاجة، لان ببساطة مكنش في واحدة ست قدرت تسيطر على أعمامنا، كانوا بيستخدموهم فقط وسيلة للانجاب، واستمرار العيلة اللي سيادتك المفروض تكون فرد أساسي فيها.
صرخ بعصببة وقد بُح صوته:
_مش عايز أكون فرد من القذارة دي، أنا عايز أعيش الحياة اللي اخترتها مش اللي اتفرضت عليا.
سند بذقنه على كفيه، ومنحه نظرة احتدت بشكلٍ جعلته يبتلع ريقه بارتباكٍ وخوف، ساد الصمت بينهما ومازال "تيام ينتظر حديثه، حتى تحرر بصرامة:
_الظاهر إنك راجع وناويها شر، كنت فاكر إن المدة اللي أخدتها عقلتك، بس اللي باين عكس كده، نيتك وحقدك باينينلي من نظراتك، وبردو سببهم واحدة ست!
وحرك مقعده وهو يسترسل بحزم مخيف:
_عنادك مع هارون وحربك معاه تنتهي، فوق لشغلك أوعى تكون فاكر إنك لما تعوز تبعد وتمشي زي المرة اللي فاتت هتقدر تعملها، المرادي مش هسيبلك عروسة من عرايسي تلاعبك، المرادي هتواجهني أنا بشكل مباشر.
تعالت أنفاس "تيام" رعبًا، بينما يمنحه "عثمان" ابتسامة ساخطة:
_أنا أولى بيك منهم، على الأقل مهما أعمل فيك هكون رحيم بيك عنهم.
واستدار بالمقعد يوليه ظهره بثبات:
_أنا بتعاملي المباشر معاهم قدمتلكم العهد بالحماية، وفي لحظة ما هسحب ايدي عنكم وأسيبكم مكشوفين قدامهم مصيركم هيكون الهلاك!
قطع فرصته بالحديث، لينهي النقاش:
_لو راجع وفي نيتك حرب هارون خد شنطك وامشي أحسنلك، ولو اخترت البقاء معناه رجوعك لعقلك ولشغلك، القرار ليك.
زم شفتيه بقلة حيلة من تغيره، مازال يملك السيادة والسلطة، ومهما حدث معه لم يؤثر عليه، مازال كما عُهد عنه بل أشد صلابة، وكأن الظروف تجعل معدنه أمتن وأصعب مما بُني عليه.
استدار "تيام" ليغادر من الجناح، فإذا به يخبره:
_في خزنة جناحك هتلاقي نصيبك من كل عملية تمت في غيابك، في النهاية إنت من أهم أسباب الثروة اللي عملناها بالفترة الاخيرة، بتمنى تستعيد ذكائك وترجع تكمل أبحاثك الأخيرة، ده لو عايز ترجع لمكانتك اللي بقت لهارون!
وضع رأسه أرضًا يحارب شعور النفور والضيق المسيطران عليه، وعلى الفور انسحب للمصعد يحارب الاختناق الذي أحاطه.
وما أن خرج للجناح الخاص به، حتى وجد شقيقته بانتظاره، وما أن رأته حتى ركضت إليه ببكاء ينتقل في رعشة صوتها:
_تيـام!
حملها بين ذراعيه بخفة، وقد أحاطت هي رقبته بقوةٍ، أطبق عليها كأن روحه تُرد إليه من جديد، يشم عبير طفلته الصغيرة التي هاجرته ليومٍ كان أشد من ألف عام، بكت "تالا" وهمست بصوتها المبحوح:
_أنا آسفة، والله كان غصب عني، سامحني يا تيام، متزعلش مني عشان خاطري.
أبعدها عنه يتعمق بعينيها وهو يضم وجهها بحب وحنان:
_عرفت كل حاجة يا تالا، ومش زعلان منك إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة.
تنهدت في راحة ودموعها تتدفق من عينيها، وخطت رفقته تجاه الفراش الضخم، جلست جواره تترقب ما سيقول، فاذا به يخرج من صمته حينما قال:
_طبيعة علاقتك بنوح إيه؟
رمشت بارتباكٍ، ورددت:
_مش فاهمه تقصد إيه؟
حك لحيته النامية بارتباكٍ، قبل أن يهتف بعصبية تتخفى حول نبرته المندفعة:
_يعني هارون لعب لعبة قذرة عشان يجوزكم تمام دي فهمناها، هو بقى استغل ده واتعامل معاكِ كزوجة ولا طلع عنده دم وقدر إنك لسه بتدرسي وإن الحوار تم بدون موافقتي وعلى الاقل يكونلك حق إنك تعملي فرح وليلة زي أي بنت!!
احمر وجهها بشدة من شدة حرجها، فاذا بها تنسحب من التطلع إليه، حتى يدها سحبتها منه ومالت للجهة الاخرى، فكز على أسنانه بغيظٍ:
_وضحت الصورة، هتوقع إيه من حقير اتربى جوه حجر الشياطين.
أسرعت تبرئه من الشكوك التي اجتاحت عقل أخيها:
_معمليش حاجة، بالعكس نوح حماني من نفسه قبل ما يحميني من هارون.
وأضافت برجاءٍ وألم وصل لأخيها:
_نوح مش زيهم يا تيام، بلاش تفرقنا عن بعض أنا بحبه.
فتح ذراعيه لها، فمالت صوبه تتمسح فيه كالطفلة الصغيرة، قبل "تيام" أعلى جبينها وقال باستسلامٍ:
_حاضر يا تالا، مش هفرقكم عن بعض.
واستطرد وهو يتطلع للفراغ:
_بعد اللي عمله أثبتلي إنه راجل، وإنه يستحقك، فاعتبريني موافق على الجوازة دي رغم إنها تمت بالفعل.
ورفع ذقنها إليه وهو يخبرها:
_ارجعي أوضتك واتعاملي معاه بحدود، لسه ورانا دراسة الأول قبل ما نعلن جوازكم، لازم يتعملك حفلة كبيرة بعد تخرجك، يتصان فيها كرامتك اللي الكلب هارون حاول يدنسها.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، ومالت تقبل وجنته وهي تهتف:
_أحسن أخ في الدنيا دي كلها، بحبك.. بحبك من قلب قلبي.
ضحك بصوته كله وأبعدها بصعوبة وهي تحاول أن تدغدغه:
_بطلي يا بت بدل ما أغير رأيي وأنزل أخليه يطلقك بالاكراه، اعقلي كده وروحي رتبي شنطك في أوضتك، أنا عملت حسابي ولميتلك كل حاجتك.
حركت كتفيها بدلال وهي تهمس له بنعومة مبالغ فيها:
_لا مش محتاجة لبسي وحاجتي في حاجة، نحنيحووو جابلي لبس جديد.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
_نأيه ياختي؟؟
ضحكت وهي توضح له:
_حبيبي نوح.
جذبها من قبعة بيجامتها بغيرة:
_حبك برص، بت إتلمي وانتقي ألفاظك لأفضها سيرة ونخلص، إحنا لسه على البر فسهل ألغي كل حاجة.
وأضاف بخبث خطير:
_هو بغبائه فتحلي الباب بعدم جوازكم عملي، فبلاش تخليني أقلب أم التربيزة عليكي وعليه!.
ارتعبت من ملامحه الإجرامية، فأسرعت تنجو برقبتها:
_هلم كل اللبس اللي جابهولي والإسكيت وهنزل أرميه في وشه المهم تكون مرضي يا باشا.
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه:
_كده تعجبيني يا توتا، يلا اتطرقي ونفذي اللي قولتي عليه، وإياكي تقفلي الباب اللي بين أوضتك و أوضتي.
وبجدية قال وهو يفشي خوفه عليها وعجزه التام:
_متغبيش عن عيني ثانية واحدة يا تالا، أنا آسف حاولت على قد ما أقدر أبعدك عن الجحيم ده بس للاسف مجبور إننا نفضل هنا.
ربتت على يده وبثقةٍ قالت:
_طول ما أنت جنبي ومعايا أنا في أمان يا تيام.
قبلها مجددًا وشملها بضمة قوية، ثم أبعدها يخبرها:
_يلا روحي رتبي حاجتك.
هزت رأسها بخفةٍ، وغادرت على الفور، بينما نهض هو يتأمل الجناح بنظرة كريهة، واختناقه يزداد تدريجيًا، تحرك "تيام" صوب أحد الحوائط مرر يده على جزء منه، فٱلتقطت بصماته وانفتحت من أمامه خزنة سرية، نبتت بسمة ساخرة على وجهه حينما رآها تمتلئ بملايين الدولارات بعدما أكد له "عثمان" حرصه على الاحتفاظ بالمال من كل عملية قام بها.
أغلقها "تيام" بنفور، وعدم مبالاة، كأنها ورق لا قيمة له، ثم ابتعد للخزانة يسحب منها ملابسه، واتجه لحمامه الخاص، يترك المياه الباردة تنهمر من فوقه، عسى أن تخفف وجع قلبه الذي انهمرت دماؤه فور رؤيتها، وما اعتصره معرفته بحملها، وقوفها جواره في حد ذاته جعله يكاد أن يلفظ أنفاسه الاخيرة من شدة الألم.
سند رأسه على الباب الزجاجي لكبينة الشاور، وهمس بتعبٍ:
_وحياة عشقي ليكِ لأندمك على كل لحظة كنت فيها مخلص لحبك، خيانتك ليا تمنها عندي الموت وبإيدي يا رحيق!!
*******
ضمتها بحزن على حالها، والأخيرة تنهار باكية على اللقاء المؤلم بينها وبين من عشقته وتمنت أن يعلم بما مرت به من دونه، ربتت "رزان" على ظهرها، ورددت بارهاقٍ يظهر على ملامحها قبل أن ينغمس بنبرتها:
_كفايا يا رحيق، العياط مش هينفعك بشيء، أكتر من إنه هيتعبك.
ابتعدت "رحيق" عنها تكفكف دموعها، قائلة بانهيار:
_كلامه ونظراته وجعتني أوي يا روز، أنا عارفة إن اللي عملته فيه صعب، الموت عندي أهون من إني أشوف في عينيه الكره والحقد ده كله، أنا مظلومة والله مظلومة.
قالتها ومالت على كتفها مجددًا، فربتت عليها "رزان" وبكت هي الاخرى وهي تهتف بكراهية:
_كل مدى بيزيد كرهي لهارون، شيطان بملامح انسان، مش قادرة أصدق إن الوسـ* ده أخويا.
أتاها صوت "رحيق" الخافت تهتف:
_حبسني طول فترة جوازنا وحررني دلوقتي عشان يكسر تيام أكتر.
ابعدتها "رزان" عنها قائلة:
_متسمحلوش بده، تيام لسه بيحبك يا رحيق، لو كان كرهك كان ارتبط وعاش حياته من بعدك، لسه معاكِ فرصة تصلحي بيها اللي فات، اتكلمي معاه واحكيله اللي الكلب ده عمله معاكِ.
أزاحت دموعها بأطراف أصابعها، وهي تفكر بحديثها، بينما تستطرد "رزان":
_إنتِ خايفة من إيه؟ سكاتك بيحمي الشيطان ده، إنتِ مش مضطرة تقدميله حماية بعد الذل والاهانة اللي عاش يحاوطك بيهم.
ارتعش جسدها رعبًا من مجرد سماعها للفكرة التي طرحتها "رزان" عليها، أجلت أحبالها الهادرة بصعوبة:
_هارون هيقتلني لو عملت كده، وحتى لو عملت كده تيام عمره ما هيقبل يرجعلي يا رزان، وخصوصًا بعد ما بقيت لغيره، إنتِ مشوفتيش نظراته ولا طريقته عاملة إزاي، تيام اتغير وبقى شخص تاني.
ردت بقوة واصرار:
_مش هتخسري أكتر من اللي خسرتيه يا رحيق، جربي ولو مهتمش بالحقيقة يبقى على الأقل صححتيله الصورة القذرة اللي أخدها عنك.
تهاوت دموعها تباعًا حينما تذكرت الماضي، وإذا بها تضم بطنها بوجعٍ:
_حتى لو نجحت في ده فالحقيقة عمرها ما هتتغير، أنا حامل في ابن هارون دي لوحدها قفلت أي طريق ممكن أوصل بيه لتيام.
تمعنت "رزان" ببطنها بنفورٍ، فاحت به بقولها:
_وإنتِ إيه اللي يجبرك تحتفظي بابنه.
توسعت مُقلتيها بتوترٍ، بينما تسترسل "رزان" حديثها:
_اتخلصي منه يا رحيق، هارون هيستخدمه ضدك، صدقيني عمره ما هيكون عنده مشاعر ليه، ده مرحمش أخته ولا حتى مراته هيرحم ابنه!!
مالت بجسدها صوبها تستنكر ما قالت:
_ عايزاني أموت روح بإيدي، هختلف عن هارون بإيه يا رزان لو بقيت قاتلة زيه؟!
وضيقت عينيها بذهولٍ:
_وبعدين ده مكنش كلامك ليا لما عرفتي بخبر حملي!! إيه اللي اتغير؟
تلألأت الدموع بحدقتيها، وببحة منكسرة قالت:
_كِنان كان صادق معايا وقالي إنه مينفعش يكون بينا أطفال، فأكيد هارون نفس الشيء، وجايز يتخلص من اللي في بطنك قبل ولادته يا رحيق، هو دلوقتي بيستغله عشان ينتقم من تيام، الله أعلم بعد كده هيحصل إيه؟ شغلهم الغامض ده يخليكي إنتِ اللي تأخدي حذرك من الحمل قبله.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وأفصحت عما يخيفها:
_تفتكري هارون ممكن يقتلني!
ضحكت "رزان" ساخرة من عشمها الزائد:
_أكيد، ده كان هيقتل أخته يا رحيق، هيبقى على حياتك.
وتابعت تحمسها لما تريده:
_عشان كده بقولك اكسبي تيام لصفك، جايز لما يعرف الحقيقة يحميكِ من هارون.
ابتلعت غصتها ودموعها مازالت تنجرف:
_طيب وانتِ مش قادرة تكسبي كِنان ليه؟ مش ده حبيبك اللي كنتِ هتموتي عليه وفي الرايحة والجاية بتقوليله مش هتجوز غيرك، إيه اللي قلبك عليه فجأة كده؟
اتسعت ضحكتها رغم انهمار دموعها:
_حبيبي اللي بتتكلمي عنه بيخيرني ما بين إني أكمل معاه وما بين إني أكون أم في يوم من الأيام، شوفتي وجع أبشع من كده؟!
تألمت "رحيق" لأجلها، وكأن الوجع كُتب عليهما، صمتت توزن كلماتها قبل أن تحررها لها:
_إنتِ لسه من شوية بتقوليلي اتخلص من الحمل وأخد حذري، ف إزاي عايزة تخلفي وإنتِ شاكة في شغلهم!!
واستحوذت على اهتمامها حينما قالت:
_هو أكيد مش عايز يعيش نفس اللي عثمان عاشه لما فقد مراته وابنه يا رزان، وده مش أنانية منه ده حب وخوف عليكِ.
هزت رأسها ترفض حديثها، فأصرت "رحيق" بقولها:
_سبق وحكتيلي إن باباكي وأعمامك محتفظوش بمرتاتهم بعد الخلفة، وإنك متأكدة إن هارون أخوكي من أم تانية، فأكيد القوانين دي مازالت زي ما هي، يوم ما يحبوا يكون عندهم أولاد هيعملوا نفس الشيء، إصرار كِنان إنه يبعدك عن النقطة دي بيدل على حبه الصادق ليكِ فبلاش إنتِ كمان تظلمي نفسك.
تحررت شهقاتها وصوت بكائها يتحرر بعنفوان، وبهمس خافت رددت:
_أنا تعبت يا رحيق، تعبت من حياتي ومن كل شيء حوليا، تعبت ونفسي أرتاح!
ضمتها بقوةٍ تربت على ظهرها، وتدعمها:
_انهيارك مش هيفيدك بشيء، انتِ كمان لازم تأخدي نفس الخطوة، كِنان الوحيد اللي قدر يحميكِ من هارون، وهو الانسان اللي حبتيه، إديله فرصة وخليكِ معاه يا رزان.
بعدت عنها وهي تهز رأسها باستسلامٍ، فربتت "رحيق" على ظهرها ونهضت تغادر لجناحها، وقبل أن تدلف إليه وجدت ذاتها تستدير صوب باب جناحه، وقدميها تخطو إليه دون ارادة منها!!!
****
إرتعش كفها القابض على الباب، تتراجع بارتباكٍ وتعود مجددًا حتى حررت بابه وولجت تغلقه من خلفها سريعًا قبل أن يراها أحد من الخدم، لقد أخصهم "هارون" بمراقبتها في غيابه.
استدارت "رحيق" تبحث عنه بتوترٍ، وخوف من ردة فعله حينما يراها، أطبقت على أصابعها بقوةٍ وشجعت ذاتها أن ما تفعله هو الصواب، والذي كان ينبغي فعله من البداية.
بحثت عنه بجناحه الكبير والذي تحفظ كل جزءٍ فيه عن ظهر قلب، لم تجده بأي مكان، الصالون، الشرفة، خزانته، سريره، يأست أن تراه، فاستدارت لتغادر فاذا بها تشهق فزعًا وتتراجع للخلف وهي تضم موضع قلبها برعبٍ حينما رأته يقف قبالتها ببنطاله وقميصه الذي مازال بيده، وعلى ما يبدو أنه خرج للتو من حمام جناحه، برؤيتها لتلك المياه التي تنهمر من خصلاته البنية.
شملها بنظرة كالسوط الذي تهاوى ليجلد جسدها بوجعٍ جعلها ترتعب أمامه أضعاف رعبها أمام "هارون" بحد ذاته، بينما بقى قبالتها يراقب عينيها وهو يحارب في معركة النفور والحب، الكراهية والحنين، الشوق لها وجرح خيانتها، حتى تمكن أخيرًا من استحضار صوته الهارب منه:
_هو مش أنا قولت تحت من شوية مش عايز ألمح وشك قدامي ولو بالصدفة، طالعالي برجليكِ لعندي!!!
وأضاف بنظرة شملتها من رأسها لاخمص قدميها:
_إيه الكلب عايز يحببني في عيشة القصر فباعتك تسليني في أول ليلة ليا هنا ولا إيه؟
جحظت عينيها صدمة مما قال، ومع ذلك استحضرت قوتها ونطقت:
_لا آآ... أنا جيت من وراه عشان أشوفك، إنت لازم تعرف الـ....
رفع حاجبيه وهو يدعي الدهشة والغرابة:
_من وراه!! أووه هحاول أصدقك.
وتابع وهو يمضي صوبها بنظرات حملت لهيب الانتقام:
_وجاهز أجاريكِ على أي وضع، هصدق إن شوقك للذي مضى هو اللي حدفك عليا، وأنا مش هكسفك.
صعقت مما قال، وأكثر ما أرعبها هو خطواته التي مازالت تتقدم نحوها حتى أسقطتها على الفراش من خلفها، فرفعت عينيها الدامعتين له وهي تهمس بمرارة:
_تيام اسمعني !!
تراجعت للخلف بصدمة حينما وجدته يرنو صوبها، وهو يجيبها بنفورٍ:
_وماله هسمعك بس بعدين.
مالت على الفراش لتفر هاربة من الجهة الآخرى، فجذبها بقوة على الحائط ومال صوبها:
_إيه مالك، رجعتي في كلامك ولا إيه؟
أحاطت بطنها برعبٍ من هيئته، عيناه التي لطالما عشقتها تلاشى عنها دفئهما وحنانه، ولم يبقى سوى الكراهية ولهيب الانتقام، ابتلعت ريقها بهلعٍ ودفعته بكل قوتها التي لم تؤثر في جسده القوي:
_إبعد عني انت اتجننت.
ضحك بصوتٍ مرتفع، وقال بسخرية:
_بالعكس أنا حاليًا عاقل كفايا وده ساعدني كتير أفهمك.
وتابع وهو يتطلع لها بنظراتٍ جعلتها تشعر كأنها من الفتيات الخليعة:
_زمان كنت غبي ومكنتش عارف أقدرك صح، دلوقتي أنا عقلت وفهمت الليلة كلها، وزي مانتِ شايفة مسحت اللي فات وهبتدي معاكِ النهاردة بالشكل اللي يليق بيكِ.
وأحط من قدرها بقوله الذي قسم قلبها:
_لو أعرف إن رجوعي القصر هيسهل لقائنا بالسرعة دي كنت رجعت من زمان، عشان كل ما تشتقيلي تطلعيلي، مش بذمتك مفيش أحلى من كده!
تهاوت دموعها تباعًا، حتى كادت بصفعه لولا أن قيد ذراعها بقوة، وهو يهزها بعنف:
_ما بلاش نبدأها بكده، ده إنت حتى حامل بابن ابليس.
ومال يهمس لها بكراهية:
_أقسم بالله ما حد هيقبض روحه وروحك غيري يا رحيق!
احتقن وجهها من شدة الدموع، وذراعه القوي مازال يشدد على ذراعها الهزيل، فهمست له:
_أنا مظلومة والله العظيم مظلومة.
اتسعت ضحكته، وقال بهدوء مخيف:
_حاضر صدقتك، قولتلك هجاريكِ على أي وضع المهم تكوني مبسوطة ومرتاحة معايا.
مال رأسها من شدة البكاء والوجع الذي تشعر به لم يعد مُحتملا، ليته قتلها أهون من كلماته، وبضعفٍ توسلت له:
_ أوعدك إني مش هطلع هنا تاني، أبوس إيدك سيبني أمشي.
لوى شفتيه بنزقٍ، وتمتم وهو يتطلع لبطنها بنظرة ذات مغزى:
_أممم، ليه بس مش قولتلك متقلقيش!
دفعته، وهي تصرخ بعصبية بالغة:
_إنت إيه اللي جرالك من إمته وإنت بالحقارة دي، أنا عارفة إن اللي عملته كان صعب بس صدقني أنا مظلومة، اسمعني أرجوك.
زفر بضجر:
_أوف مش هنخلص من أم الأسطوانة دي، انجزي قبل ما أفوق ولو فوقت هقرف منك والموضوع مش هيبقى لطيف في التعامل.
جاهدت لدفعه للخلف، فإذا بيدها تُوضع محل قلبه الذي يدق بعنف أسفل كفها، يطمئنها بأنه مازال يخفق بحبها، رغم ما يحاول أن يدعيه، اطمأنت من بين رهبتها، وقالت وهي تتطلع له بنظرة عميقة:
_عمرك ما هتأذيني أنا واثقة إنك لسه بتحبني، وكل اللي بتحاول تعمله ده عشان تنتقم من اللي أنا عملته فيك.
عادت ضحكاته الصاخبة تحتله، حتى قبض على ذراعها يبعده عنه:
_ده في أحلامك المستحيلة، أخرك في المكان اللي إنتِ فيه ده، قولتلك انتِ لعبة مش أكتر من كده.
وابتعد، وهو يتجه للخزانة بينما يهتف:
_تصدقي ليكِ حق تعملي كل المهرجان ده، مهو إنتِ زمان قولتيلي انك مبتعمليش حاجة ببلاش.
استغلت ابتعاده وركضت صوب الباب تستعد للرحيل، فاذا به يحرر الخزانة، ويجذب المال بكثرة، يلقيه عليها:
_دول كفايا؟؟
برقت بعينيها بصدمة، ودموعها تنسكب كالسيول التي لا كاسر لها، سوى أصوات البرق والرعد التي خسفت بها حتى حطمت الرماد المتبقي منها.
زم "تيام" شفتيه، وهو يحك لحيته بتفكير:
_قليل مش كده؟
عاد يجذب المال ويلقيه عليها تباعًا حتى أصبح جميعه أسفل قدميها وهي تضم وجهها من شدة البكاء، حتى تحرر ما يخفيه داخله وهو يصرخ بجنون:
_أنا سيبت كل ده وخرجت من هنا بطولي عشانك!! رفضت أكمل في سكتي عشانك وعشان لو في يوم بقى عندنا أطفال ميخجلوش مني ومن شغلي، حاربت الطوفان لوحدي ومهمنيش أغرق وأنا بحارب عشانك وعشان حبي ليكِ وبالنهاية عملتي إيه؟؟؟ بعتيني عشان الفلوس!! بعتيني وفضلتي الكلب ده عليا!!
هزت رأسها تنفي ما يقول، وهي تهمس بصوتها المبحوح:
_أنا مظلومة والله مظلومة.
رأى ذاته وهو يترجاها ألا تتركه، يبلغها أنه يعلم دناءة "هارون"، فلتقص له إن كان يبتزها بشيء، إقترب منها وهي تتراجع بخوفٍ من حدة نظراته، بينما يتكلم:
_سبق وقولتلك لو بيبتزك بحاجة قوليلي وإنتِ رفضتي جاية بعد كل ده وعايزة تقنعيني إنك ضحية!! ما قولتلك أنا مبقتش الغبي بتاع زمان.
وأضاف وهو يقف قبالتها:
_كدبك عمره ما هينجح معايا، ولا حتى إنتِ.
واستطرد بضحكة ساخرة:
_كنتِ فاكرة إني ممكن أنزل للمستوى الحقير ده، أنا قابل بالموت أهون عليا من إني أقرب من إنسانة قذرة زيك.
وفتح باب غرفته بينما يلقيها بالخارج بقسوة:
_غوري من وشي، وأوعي ألمحك في الطابق ده تاني، هقتلك بإيديا ومش هيهمني حد.
أغلق الباب خلفها بقوةٍ، بينما ينهار من خلفه وتنزاح كل قوته هباءًا، كأنه يحمل داخله شخصين متنافرين، طرق الباب برأسه عدة مرات من شدة الغضب والحقد اللذان ينهشان بقلبه البائس، حتى تهاوت الدموع لتريح قلبه المتعب.
ركضت" رحيق" صوب المصعد وهي تكبت بيدها شهقاتها بصعوبة، حتى ولجت لجناحها فادعت ثباتها حتى تمددت على الفراش تجذب غطاءها وتنهار من أسفله، كأن البكاء محرم عليها، لأنها تعلم بأن الجناح محاصر بالكاميرات التي زرعها هذا الحقير.
*****
قبض على سلاحه بقوةٍ، وسدد رصاصه الزائف على اللوح الإلكترونية التي تخرج له من العدم، تقدم من مستوى للآخر ببراعةٍ، حتى وصل إلى المستوى الأخير، وبينما يبدي اهتمامه بالتدريب أتاه صوتها تناديه:
_زيــن!
اصطكت أسنانه ببعضها البعض، وتجاهلها، فعادت تكرر نداءها وحينما رفض الإنصياع لها، أوقفت اللوح من الجهاز الخارجي لغرفة التدريب.
نزع "زين" خوذته وقفازاته السوداء، ثم خرج لها بأعين تطل فيها الشر:
_إنت شكلك كده ناوي على موتك يا مروان يا اشطا، وأنا طالع من الفرن سخن وجاهز أنهي الليلة!
ضحكت "مرين" رغمًا عنها، وأشارت له بحماس:
_والله اشتقت لتدريباتنا مع بعض، بس مش وقته ورايا مشوار مهم جدًا عند الزفت هارون، فملحوقة في وقت تاني يا شريك.
أحاطها بنظرة شملتها بتقييم، وجدها ترتدي فستانًا أحمر اللون، يضيق من الاعلى ويهبط باتساعٍ، يجعلها رقيقة وجذابة كعادتها، زم شفتيه ساخطًا:
_لا متخرجيش كده شوفيلك حاجه محترمة عن دي.
شملت نفسها بنظرة متفحصة وقالت:
_ده بكم و واسع موت!
وأضافت وهي تجذب ما وضعته بالخارج:
_وبعدين أنا جاية افاجئك باللاب بتاعك، صلحته.
حمله عنها وفتحه بلهفةٍ، فابتهجت معالمه:
_عملتيها إزاي دي؟
ردت وهي تلكزه بقوة:
_عيب عليك يا شريك، أنا أعجبك أوي في الحتة دي، بالك لو كنت صبرت عليا كنت هتفهم إنه له حل بس للاسف لما بتتحول أعوذ بالله!
اتسعت ابتسامة سعيدة على وجهه، وصاح:
_لا عجبتيني يا بت.
تلاشت بسمتها ورددت:
_بت!! تصدق هثبتك حالًا وبسلاحي!
جحظت عيناه بصدمة:
_سلاحك!! هو فين لامؤاخذة!
ضحكت وهي تجيبه:
_الفستان كله مليان أسلحة أشكال وألوان يا زيزو، وأخيرهم سلاح الفنش الاخير بتاع الاسطورة، أنا مأمنة نفسي جدًا على أعلى مستوى.
وأضافت وهي تتلصص على الحاسوب بين يديه:
_ها اتطمنت إن حاجتك كلها تمام؟ مع انها مضايقاني بس نزلتهالك تاني.
لف يده حول كتفيها وقال بمكر:
_يا باشا إنت لو وزنت الامور هتلاقينا أقرب لبعض من علاقتك باختك، فالمفروض تميلي للكفة بتاعتي، يا ميري ده إحنا ملناش غير بعض، أكل وشرب وحرب ومعارك مع بعض، يبقى المفروض تبقي على مين بقى؟؟
وأضاف حتى يضيق عليها:
_حتى أمي شاركتيني فيها!!، طيب تصدقي بالله أنا كل ما بزعل إن إبليس توابيت سابني وحيد من غير أخ أقسم معاه حلبة المصارعة اللي اتولدت فيها دي بتراجع عن الحلم السخيف ده، مهو إنتِ موجودة أخويا وأختي وصاحبي وصاحبتي شوفتي جمال أكتر من كده!!
وعاد يثبتها بينما تضيق زُرقتها الماكرة صوبه:
_بالك إنتِ أنا ممتن لأمي إنها خليتك أختي ورحمتني من العذاب اللي كنت هدخل فيه، وأنا بختار ما بينك وما بين مارال فسلكت هي طريقي ونورتني ربنا يسلك طريقها!
تحررت ضحكاتها ورفعت يديها بنعومة:
_خلاص اعترفت إنك قادر تثبت دولة بحالها يا منافق!
غمز بزيتونته وفتح ذراعيه:
_نهاية العداء، خش في حضن أخوك يا مروان.
ربعت يديها بغضب أمام صدرها:
_وشعري اللي اتبهدل!!
عبث بسخطٍ، وهتف:
_مكنتش أعرف ان شعرك غالي عندك كده يا ميري، أغلى من أخوكِ نفسه، إخص عليكِ.
وأضاف وهو يعود لحمل الحاسوب:
_أساسًا أنا مش منتظر شيء من العلاقة المتهورة دي، الجوكر والاسطورة لحد اللحظة دي متفقوش فاحنا هنتفق إزاي!! العرق بيمد يا مروان ومد ايده علينا من زمان واللي كان كان.
ضحكت بصوت رقيق، واتبعته على الدرج توقفه:
_خلاص تعالى هديك حضن.
استدار لها وقال يمازحها:
_خش في حضن أخوك يا فواز!!
ابتسمت "مرين" ومالت تحتضنه وهي تخبره بصدقٍ:
_أنا متعمدتش أبوظ اللاب ولا أضايقك على فكرة، متزعلش مني.
ربت على ظهرها بحنان إفتقدته من أبيها وعمها:
_عارف بس إنتِ عارفة أختك بالنسبالي نقطة ضعف، هعمل إيه بحبها.
لكزته ومازالت تضمه:
_لم نفسك الله، مش مراتك لسه!
ضحك مجددًا واذا بضحكته تتلاشى تدريجيًا ويحل محلها الصدمة والارتباك، وفجأة دفعها بعيدًا عنه حتى تهاوت للخلف، فأمسك بها من يقف خلفها ونيران الغضب تشتعل من عينيه، بينما يتراجع "زين" وهو يرسم بسمة بلهاء:
_عيب يا جارحي، دي أختي يا جدع.
صرخت "مرين" وهي تحاول استيعاب ما يحدث، دعمها "ياسين" حتى وقفت جواره قبل أن تسقط أرضًا، بينما يستكمل "زين" برعب:
_افتح كتب التاريخ هتثبتلك إنها اختي، وبعدين ده إنت شيخ الجهاز والفريق كله وعندك معلومات كتيرة في الدين، افتح كده واتاكد هتعرف إنها اختي قولًا وفعلًا!
ارتعب من صمته وثباته المرعب بينما تتحرك نواجذه في فكيه كأنه يطحن ضروسه، فردد "زين":
_خلاص هحترم مشاعرك دي ومش هكلمها تاني، وبعدين إنتوا لسه على البر وقلبت على قرد أمال لما تأخد خطوة هتقلب على إيه غوريلا!
احتبست" مرين" ضحكاتها بصعوبة، وتنحنحت:
_أنا مش فاضية للهبل ده ورايا معاد مهم، سلام.
أوقفها "ياسين" حينما صاح بغضب:
_سيادتك رايحة فين باللبس ده؟!
تطلعت لفستانها ببراءة مصطنعة ورددت:
_ماله فستاني يا قائد!
عاد يطحن نواجذه مجددًا، فصاح "زين" من الأعلى:
_متعصبهوش يا مروان، ده لو اتعصب وهو بحالته دي هيفجر المكان باللي فيه.
واسترسل بحدة غاضبة:
_مش كان عاجبك إبليس توابيت وبتتمني يجيلك عريس شبهه، جالك الأبشع منه يا بنت المحظوظة!!
رفرفت بأهدابها وهي تدعي الحزن، بينما تتطلع صوب "زين" وتخبره:
_مبعرفش أداري أسلحتي غير بفستاني، أ أمن نفسي إزاي وانا رايحة أوقع الحقير ده؟
قرأ "زين" بمهارة ما تود شقيقته فعله، فحذرها وهو يتمتم بسخطٍ:
_لمي الدور واطلعي البسي بدلة من بدلك السودة، انجزي بدل ما فستانك ينفجر بيكِ تحت، ومش هلحق ألم أشلائك المتبعترة!
زفرت بغضب وصعدت تتمتم:
_أوف بقى، أنا مش عارفة احنا طالعين نلعب ولا نشتغل!
تابعها "زين" وهو يصيح بخشونة مصطنعة:
_بنت كلامي يتسمع بدون نقاش، صوتك مسمعوش لازم يكون في احترام لاخوكِ الصغير، هما 6 شهور هزور في الشهادات عشان أم الغرور اللي ورثتيه من إبليس توابيت ده.
فزع محله حينما وجد "ياسين" يقف جواره، فابتلع ريقه بارتباك ورسم بسمة مصطنعة:
_إيه ده جارحي إنت طلعت إمته؟!!
وأضاف وهو يحاوط كتفه الضخم:
_شوفتني وأنا بشخط فيها وبرعبها.
انخفضت عسليته على ذراعه فسحبه سريعًا وقال:
_طيب يا حبيبي هسيبك تهدى مع نفسك كده وتدورها كده في الكتب، يمكن تقطع الشك باليقين وتتأكد من العلاقة المشكوك فيها دي، يلا سلام أنا.
قالها وهرول للاسفل، ثم خرج من المنزل بأكمله، ليتجه لاستكمال عمله الخطير، في جمع معلومات دقيقة حول "كِنان" قبل أن يقبل العمل معه وينغمس داخل خط الدائرة الخطير.
*****
عاد من غرفة أخيه فوجد فراشه مُحاط بالفساتين والملابس والاحذية والاسكيت، كل الاغراض التي سبق أن اشتراها لها تركتها ولم يعد لها أثرًا، حمل "نوح" الملابس وصعد لغرفتها، يطرقها وهو يصيح بصدمة:
_تالا افتحي، بلاش جنان!! بترجعيلي اللبس في أول يوم رجوع لأخوكِ أمال بعد كده هتعملي فيا إيه!!
أتاه صوتها الضاحك من خلف الباب:
_أنا أبيع الدنيا كلها عشان تيمو.
واستطردت وهي تهمس بمزح:
_روح نام يا دكتور بدل ما يسمعنا ويطلع يمسك في خناقك، وإنت بصراحة بتصعب عليا.
ركل الباب بساقه بعصبية:
_يمسك في مين أنا بقيت جوزك يا هبلة، افتحي أم الباب ده بدل ما أطربقه فوق دماغك ودماغه.
كممت فمها من شدة الضحك، وبصعوبة فاهت:
_أوف منك يا نوح عايز تدخل ليه؟ مش بلغتك على الموبايل إننا في مقام المخطوبين بأمر من آبيه تيام.
أتاها رده اللاذع والغضب يجعله شرسًا للغاية:
_وقسيمة الجواز اللي معايا دي أعملها قرطاس أحطيلك فيها وردتين وأجي أتقدملك من أول وجديد!! افتحي بدل ما أندمك على اليوم اللي شوفتي خلقتي فيه، خدي بالك أنا بحذرك للمرة الأخيرة!!
شهقت وهي تهتف بخبث:
_إيه ده تيام!!
سقطت الملابس من يده وسقط من خلفها على ساق واحدة وهو يتمتم برعبٍ:
_فيــــن!!
تعالت ضحكاتها مجددًا، ورددت بشماتة:
_شوفت بقى إنك جبان، لم الليلة وروح نام يا نوح.
قال باصرار:
_مش قبل ما أملي عيني من خلقة أمك!
ثم طرق مجددًا بغضب:
_افتحي يا تالا واتقي شري أحسنلك، بدل ما أكسر الباب ويقع فوق دماغك.
رددت بتحد:
_إكسره يا حبيبي، هو أنا يعني أقل من جولييت ولا ليلى، الاتنين اتقتل في حبهم معشوقهم، إكسر وحطم الابواب كلها عشاني يا دكتور.
زم شفتيه وعاد يهمس باستنكار:
_التانية كانت أبواب خشب بتتكسر عادي، مش مصفحة زي اللي على أيامنا!!
وتابع يسترد عاطفتها:
_ميبقاش قلبك اسود عليا كده، إفتحي حتى خدي اللبس، سيبهولي أعمل بيه إيه ألبسه لكيوي ولا أمسح بيه الاوضة أنا!!
وعاد يخبرها بحزن:
_هيجيلك قلب تنامي من غير ما أقولك تصبحي على خير يعني!!
ضحكت وهتفت باستغراب:
_ما تقول وإنت من مكانك هيحصل إيه يعني؟!
ردد بجدية مضحكة:
_متتحسش يا بنتي، لازم العيون تتصل ببعض وتهدر الرصيد لآخر دقيقة، والقلوب كمان ليها دور قوي مش إنتِ دكتورة قلب وبتفهمي!
وضحك بخبث لها:
_افتحي عالجي قلبي طيب.
كبتت ضحكاتها وبحزمٍ قالت:
_نوح مش هفتح يعني مش هفتح، روح نام وبكره في الجامعه نبقى نشوف حكايتك إيه؟
زم شفتيه بغضب وهتف:
_والهدوم؟
اتاه ردها:
_سيبها وانا الصبح هطلع أخدها، إنت للاسف مالكش أمان.
ركل الباب بعنفوان وعصبية:
_ماشي يا تالا.
تأوه بألمٍ وهو يعود لغرفته هاتفًا بنزق:
_منك لله يا كنان، فضلت تقولي عصافير الكناريا لحد ما سابت العش وطفشت من قبل ما حتى نكمل نبنيه!!!
*******
طرقت على الباب مرة، والثانية والثالثة، وحينما لم تستمع إلى صوته حررت الباب وولجت تبحث عنه بآعين بائسة، وحينما لم تجده خرجت للشرفة تنتظر عودته وهي تستند على سور الشرفة وهي تتذكر كم مرة أتت لرؤيته وحينما لم تجده بالغرفة كانت تراه بالشرفة فابتسمت بسخرية، ووقفت تترقب ظهوره وما هي إلا دقيقتين واستمعت لخطواته تخطو من خلفها.
لم تلتف لرؤيته، بل بقيت محلها تراقب القمر والنجوم بسكينة غريبة، رنا صوبها "كِنان" حتى وقف جوارها، يكسر صمتها في محاولةٍ لمعرفة سبب وجودها:
_إنتِ هنا من إمته؟
لم تجيبه وبقيت تتطلع للسماء بصمت أجبره على التطلع للاعلى، محل ما تتأمل، وتحرر صوتها الخافت:
_أنا اكتشفت إني عيشت حياتي كلها والخوف والضلمة جزء كبير منها، خوف من كل حاجة، خوف من إني أمارس أبسط حقوقي، خوف من صوت المطرة، خوف من الوحدة، ومن الليل، اللي دايمًا بيظهرلي فيه هارون.
وأضافت وهي تتطلع له بابتسامة منكسرة:
_خوف حتى منك!!
خيم الوجع بين مُقلتيه وهو يتابعها، بينما تستطرد هي بابتسامة واسعة وهي تستدير وتميل للسور تاركة الهواء يحرك خصلاتها البرتقالية على عينيها الفاتنة؛ فيجعلها تنافس القمر بتحد وجلاء، بينما تنهمر من فمها كلمات تجعل الحزن يتغلب عليها:
_بقيت خايفة من أبسط الحاجات اللي ممكن تكون مصرحة لأي انسان عادي.
وأضافت وهي تستدير صوبه:
_بس النهاردة قررت أبطل أخاف وأعيش اللي فاضل من حياتي على مزاجي أنا.
زوى حاجبيه بدهشة من تخمين ما أصابها، بينما تهتف بقوة أنثى استعادت هيبتها فجأة:
_إنت بتقول إنك بتحبني وجاهز تحميني للابد، أوكي إحميني وخليني أعيش حياتي، وأنا بالمقابل هحرص إنك متكنش أب طول ما أنا معاك، ديل؟؟
شعر بعنائها لنطق ما قالته، وخاصة بآخر جزء تفوهت به، مزق جلباب الصمت بكلماته الحازمة:
_مفيش اتفاقات بينا يا رزان، اللي بينا حب مش صفقة هي!!
بابتسامة وعدم اهتمام قالت:
_حب، صفقة l don't care (أنا لا أبالي!)
قطع المسافة بينهما يحيط وجهها بيديه بخوفٍ:
_رزان مالك؟؟ فيكِ إيه؟
ضحكت رغم دموعها المنهمرة من عينيها:
_أنا كويسة جدًا، أنا بس عرفت أوزن أموري صح، مش إنت قولتيلي فكري كويس! وأنا فكرت واختارتك.
وخز قلبه بقوةٍ، وخاصة حينما تابعت قولها:
_واحترمت انك خيرتني، على الأقل محطتليش الحبوب من ورا ضهري، كنت قادر تكون خاين بكافة السُبل بس إنت كنت صادق وصريح.
ورفعت كفها له قائلة:
_فين الدوا؟؟
برزت الدموع بعينيه، لقد غلبته بقوتها مثلما كانت تفعل بالماضي، مال على السور يسحب نفسًا عميقًا ثم عاد يتطلع لها:
_أنا بعمل كده عشان أحميكِ، إنتِ متعرفيش حاجة.
استندت على السور ورددت:
_لا عارفة، وبصراحة معاك حق، أخاف أخلف ولد وبعدها تتخلى عني وتخلف من واحدة تانية، وبالنهاية علاقتهم هتبقى شبهي أنا وهارون.
صعق مما قالته، وخاصة حينما استطردت ودموعها تنهمر بالرغم من ابتسامتها وقوة حديثها الثابت:
_تفتكر حبك لنوح، وحب تيام لتالا ده راجع لانكم من نفس الأم؟ يعني مثلًا لو كانت مامتنا أنا وهارون واحدة هل كان ممكن كراهيته دي تتحول لحب؟؟
تساقطت دموعه وقد لمس فيها حجم الجراح التي تسبب فيها ذلك الشيطان، لم يحتمل البقاء بثباته الذي إنهار بضمه لها والبكاء رفقتها، بينما يؤكد لها برعشة صوته الرخيم:
_حبي ليكِ قادر يعوضك عن افتقادك لحب شيطان زي هارون، أنا أخوكِ وجوزك وصاحبك ومامتك وكل حاجه في حياتك يا رزان، نفسي تحسي بعشقي ليكِ وتقدري إني مجبور أحميكِ حتى من نفسي.
وأضاف وهو يقبل كتفها:
_أنا بتنفس عشان إنتِ ونوح موجودين جنبي، لو في يوم بعدتوا عني مش متخيل ممكن يجرالي إيه؟
تمسكت بقميصه بكل قوتها، ورددت بصوتها المرتعش:
_أنا عايزة أعيش يا كِنان، عايزة أعوض كل اللي اتحرمت منه.
وأبعدته للخلف وهي تزيح دموعها هاتفة بضيق:
_مش عايزة أعيط لا، عايزة أحس إني طايرة فوق في وسط السحاب.
إزاح دموعه هو الآخر، وعبس بخبث:
_فين؟
أشارت للسماء ببسمة واسعة، ونزعت حذاءها بينما تفرد له ذراعيها، فابتسم وهو يتساءل بمكر:
_مش خايفة؟
هزت رأسها بالنفي، فزوى حاجبيه بشكٍ:
_إنتِ مش طبيعية؟ قوليلي يا بيبي قابلتي هارون النهاردة؟؟ احكيلي بالتفصيل أكلك وشربك طول اليوم!
تعجبت مما يقول ومع ذلك قالت:
_الحمد لله مشفتش خلقته، ومأكلتش حاجة من الصبح أنا واقعة من الجوع أساسًا.
أمسك يدها المفرودة وجذبها للداخل:
_حلو، تعالي أجبلك أكل.
سحبت ذراعها منه وصاحت باصرار:
_مش قبل ما تنفذ اللي طلبته وإلا...
ربع يديه أمام صدره العضلي:
_وإلا إيه؟!
منحته نظرة غاضبة، وقالت:
_هسحب الديل اللي اتفقنا عليه.
ضحك بصوته الرجولي وتفوه مستنكرًا قولها:
_بتهدديني يا روزي؟
هزت رأسها بكل تأكيد، فنزع قميصه واقترب منها يلتقط ذراعيها المفرودة، وإذا به يرتفع عن الشرفة بجناحيه الأبيض العملاق .
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وهي تتأمل الجناحين بتيهة وحيرة، وخوف، علقت عينيها بعينيه تلتمس فيهما ما افتقدته، فأيقظ مشاعرها وسكينتها التي تشعر بها بقربه، حتى تأقلمت على وضعهما واستدار وجهها يراقب السماء والأرض بدقةٍ وانبهار.
مالت على صدره ويديها تحيط رقبته، حتى هبط بها مجددًا لجناحه، يشاركها عالمه الذي ظن أنه بعيد المنال عن أي امرأة غيرها، ولم يجرأ أن يحلم أن تشاركه به، حتى اتصل عالمها بعالمه وبات واحدًا قولًا وفعلًا.
******
شرد بالعُلبة التي يحملها بغضبٍ، لم تظهر منذ أن اختفت وكأنها تحقق ما قالته، يحمل بين يده عُلبة بداخلها خاتم ألماسي قد يحقق ثروة كاملة، يجلس كل يومٍ يتأمله على أمل أن تظهر، أغلق العلبة بعصبية، لأول مرة تشغله امرأة مثل ما فعلته تلك الفتاة، ويكون عاجزًا عن كشف عنوانها.
سحب كأسه يرتشفه بغضبٍ، وخاصة حينما انفتح بابه وولجت إليه تلك الخليعة "صوفي"، تتدلل بخطواتها وهي تحاول الجلوس أمامه:
_بتتهرب مني ومش عايز تشوفني قولت أطلعلك بنفسي.
وأضافت وهي تسند كفها على بذلته:
_حتى أوامرك بقت بتبعتهالي عن طريق راجل من رجالتك، وبالرغم من زعلي إلا إني قايمة بواجبي على أكمل وجه، وكلها يوم ولا اتنين وهجبلك قرار الواد ده.
واستطردت بتفاخر:
_هو وقع خلاص بشباكي فاضله تاكة وهجيبه راكع.
أبعد كفها عنه وبعد مقعده للخلف:
_غوري من وشي يا صوفي، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي، لو عايزة تباتي عند الدكتور إياه خليكِ مكانك.
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة، وهرولت تحمل حقيبتها وتغادر راكضة كأنها رأت شبحًا مرعبًا، وبينما تمر من الباب ارتطمت بتلك الفتاة الجذابة والتي ما أن رأتها حتى احتل الغضب زُرقتها، وخاصة بعدما استمعت لحديثهما وعلمت أنها التي تحاول إيقاع ياسين في شباكها.
تلألأ الخبث بين زرقتها فأسقطت حقيبتها ورطمت ذاتها على الحائط وهي تدعي الألم وتصرخ:
_آه ايدي.
سددت لها" صوفي" نظرة نارية، وخاصة حينما رأت "هارون" ينتفض عن مكتبه ويهرول إليها بفرحة جعلت الغيرة تتقاذف من عينيها.
ادعت "مرين" حزنها وقالت بوجع:
_المتوحشة دي زقتني!!!
هاجمتها "صوفي" بغضب:
_انتِ اللي رميتي نفسك على الحيطة، بلاش محن احنا ستات ونفهم بعض كويس.
منحها "هارون" نظرة غاضبة، فترك "مرين" ورنا صوبها وهو يهتف بإنذار مرعب:
_مش قولتلك غوري من هنا، إنتِ شكلك عايزة تطلعي على قبرك!
رددت بحقد وغيرة:
_قول بقى إنك بتعمل كل ده عشان ظهرلك عشيقة تانية، وشكلها كده مش سهلة وحرباية.
رفع يده حتى يبرحها ضربًا، فتفاجأ بذراعٍ قوي يوقفه، استدار بتعجب للخلف فوجدها "مرين" تبتسم له بجاذبية، واذا بها تقدم له حقيبتها:
_عيب تمد إيدك على واحدة ست يا هارون، هتخليني أرفض الجوازة من أولها!
دق قلبه فرحة، بينما تشير له وهي تنزع جاكيتها الجلد:
_ثم انها غلطت فيا مش فيك، وأنا اتخلقت بلسان وبإيد!
قالتها وهي تسدد لها لكمة أسقطت الاخيرة أرضًا، وبسرعه الريح انقضت من فوقها تكيل لها الضربات وكل ما تتذكره استهزاءها ب"ياسين"
، وتصريحها بنصبها لفخ الاقتراب منه، يا ويلها من أنثى تحمل غيرة قاتلة تجاه رجلها.
حبيبها، معشوقها، قائدها، ورفيق طفولتها، لها كل ما استحقته، انتهت من تلقينها ضربًا مبرحًا وهمست بصوت غير مسموع:
_شهرين تتعالجي فيهم قبل ما تقربيله، الخطة باظت l, m so sorry
اندهش "هارون" مما يحدث وخاصة حينما نهضت تجذب المنديل المعلق بجاكيته، تزيح به بقع الدماء وتشير له بأن يعاونها بارتداء جاكيتها، ابتلع بلاهته وأسرع يساعدها بابتسامة واسعة، فجذبت حقيبتها منه واشارت له بينما تدخل لمكتبه:
_كلم نفس الدكتور إياه يعالجها!
وأضافت وهي تفتح الباب:
_متنساش تجبلي تلج ايدي ورمت من زقة الحقيرة دي!!!
....... #يتبـــــــــع...
#الاقــــــــــــوى_قــــــــــــادم..
#آية_محمد_رفعت...
التفاعل رجاءا ❤
***________******
أشباح المخابرات الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات....
.(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الخامس_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات
ام عيسى عمرو،Sabah Abas
،أم سيد حسن،Samah Ameen،بسمة محمد،Hoda Hasan ،Sumer Sumoura،ينبوع الاحلام،حــنـيـــن ابنه عبدالحــميـد،Manal Elbishbishy،دعاء وحيد،Om Reham Aslan،Mody Ktamesh, نور وحيد، نور الرشاد ،Sara Hassan
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة
وإهداء خاص لروح قلبي أدمن جنى بمناسبة عيد ميلادها كل سنة وانتِ طيبة وبخير وسعادة يا رووح قلبي، كل سنة وإنتِ منورة حياتي أجمل وأرق صديقة وأخت، بحبك في الله 💙)
جلس يراقبها بهيامٍ، وكأنه بعد معاناة وجد فتاة أحلامه التي قد ظنها شخصية خيالية لا وجود لها، فتاة تحمل من الجمال أسمى معانيه، وفي ذات الوقت تمتلك قوة وشخصية لا تخضع لأحدٍ حتى له هو.
كل ما تمناه انحصر فيها، ابتسم "هارون" وهو يراقبها تمرر كيس الثلج فوق أصابعها برفقٍ، وهي تجلس بغرورٍ واضعة قدمًا فوق الآخرى، ومازال الاخر يجلس قبالتها يتطلع لها بصمتٍ، حتى هتفت:
_خير! هتفضل مبلم فيا كتير كده؟ ولا هتبررلي أسلوبك السخيف اللي عملته معايا إنت والحارس بتاعك المرة اللي فاتت، هو فين صحيح مشفتوش بره؟
أجابها وعينيه لا تفارقها:
_رفدته عشان زعلك.
ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيها، يظنها حمقاء لتصدق ذلك، لقد علمت بأن الموت بات مصيره، تابعت وضع الثلج على يدها وهتفت دون النظر إليه:
_ولو كررت اللي عملته تاني معايا هرفدك بره حياتي يا هارون.
ترك مقعده ونهض يجذب العُلبة من جيب جاكيته:
_عمري ما هعمل اللي يزعلك أبدًا، أنا بس كنت حابب أعرف طريقك عشان وقت ما أحب أشوفك أجيلك، انتِ بتختفي ومش بتظهري غير كل فين وفين، أنا حتى اشتريت الخاتم ومكنتش عارف هديهولك إمته؟
تطلعت لما يحمله بتوتر، ويدها تكمش على إصبعيها بضيق، كانت تتمنى أن معشوقها هو أول من يضع خاتم الزواج بإصبعها، ولكنها مُجبرة على تقبل أي شيء لنجاح تلك المهمة التي رأت بعينيها ضحاياها وجميعهن عُذبت أرواحهن على يد ذلك السفيه، تنحنحت وهي تجيبه:
_وأنا قولتلك إني مش بنت عادية، وطبيعية شغلي خلتني مثقش في حد بسهولة، إذا كان الناس اللي اتبنتني من الملجأ وعشت معاهم عمري كله حاولوا كذه مرة يقتلوني، وشوفت منهم الاسوء من الموت، عشان كده أنا بأخد حذري من كل اللي حوليا.
وأضافت وهي تراقب يدها التي أصابها الاحمرار من شدة اللكمات التي ناولتها لتلك الفتاة:
_اتعلمت ادافع عن نفسي عشان مبقاش لقمة سهلة لا ليهم ولا لغيرهم، ومصيري هعرفك كل شيء خاص بيا بس لما أثق فيك يا هارون، واظن إني كنت صادقة معاك من البداية ولا إيه؟
هز رأسه سريعًا، وجذب الخاتم من العُلبة يقربه لها:
_وأنا جاهز ومستعد استناكِ العمر كله، خليني ألبسك خاتم الخطوبة يا عروسة.
راقبت الخاتم بنظرة ألم، وطالعته بارتباك خشيت أن يكشفه، قبضت قبضتها وهي تفكر فابتسمت بمكر وهي تمد يدها الاخرى له، فزوى حاجبيه باستغراب حتى قالت :
_إيدي التانية وارمة من الضرب.
قالتها وهي تريه يدها الحمراء، فابتسم ووضع الخاتم بيدها الاخرى بينما يهتف باعجاب:
_بس إنتِ طلعتي شرسة أوي، البت ماتت في ايدك بره!
لاحت الغيرة على ملامحها، مما زاد من فرحته وهو يظنها تغار عليه هو، بينما تهتف:
_تستاهل عشان تبقى تبص على قدها.
وبخبث قالت:
_على فكرة هي مظلومة، أنا اللي خبطت فيها مش هي.
برق بدهشة بينما تتابع ببسمة خبيثة تتفاخر بتربية "رحيم" وما فعله بعقلها:
_أصلي بصراحه شوفتها بتقرب منك بشكل ضايقني، فمحستش بنفسي غير وانا بجيبها من شعرها، لو غيرتي عليك هتضايقك أوعدك اني أحاول أتغير يا روني.
نهض عن مقعده كالكلب الذي يلهث:
_بالعكس أنا فرحت فوق ما تتخيلي، أنا اول مرة اختبر مشاعر زي دي يا غزل، أنا بحبك.
انتفضت عن مقعدها وأشارت له بتحذير:
_انت مصر تكسر كلامي بردو، قولتلك مبحبش حد يقربلي، لو الخاتم اللي لبستهولي هيديك الحق إنك تتجاوز حدودك معايا هقلعه وحالا.
اتسعت مُقلتيه في صدمة وراح يعتذر لها:
_لا لا خلاص مش هكررها تاني، أنا آسف متزعليش يا غزل.
هزت رأسها ببسمة رضا، وسحبت حقيبتها وهي تشير له بدلال:
_خلاص هسامحك المرادي، وأوعدك لما تتعامل معايا بلطف هبقى أخليك توصلني وتعرف عنواني. سلام يا روني.
وقف يتابعها بهيامٍ وهي تغادر من أمامه، لقد نجحت نجاحًا ساحقًا أن تجعله مثل الخاتم الذي وضعه بين اصبعها، بينما هي تغادر وهي تفكر فيما سيفعله بها ياسين حينما يرى ما حصلت عليه اليوم من قنبلة ستكون أول من يحترق من شرارها!
*****
أبدل ثيابه وخرج من الغرفة يستعد للمغادرة، فاذا بالأخير يناديه:
_على فين يا جارحي؟
استدار ياسين صوب الصوت، فوجده يجلس بالردهة، خطا رفقته وهو يميل على الطاولة المرتفعة:
_تيام مكلمني أقابله قدام المطعم بتاعه.
زوى حاجبيه وهو يتفحص الوقت:
_بالتوقيت ده؟!
هز كتفيه بفتورٍ:
_شكل في حاجه مضايقة سعاته.
وتساءل وهو يتفحص المنزل باهتمام:
_مرين لسه مرجعتش؟
هز رأسه وهو يتابع الحاسوب الخاص به:
_بتيجي على السيرة الوقتي تظهر.
وإذا بالباب السري يُغلق، وتظهر من أمامهما، فنطق "زين" بتهكمٍ:
_مروان اشطا شرف أهو!
تخطاه "ياسين" وأسرع صوبها، لهفته وخوفه يبرزان داخل عسليته، بينما يتردد على لسانه سؤال أكثر ثباتًا من لهفة عينيه:
_عملتي إيه؟
ارتبكت "مرين" أمامه، واطبقت على يديها معًا بينما تخبره:
_عادي يعني، مفيش جديد.
وتركته واتجهت للدرج، وهي تسعى للفرار من أمامه، ولكنها توقفت حينما ناداها بحزمٍ:
_مـــــــــرين.
كما توقعته، بصره حاد كنصل السيف، يشم رائحة الكذب من على بعدٍ لا يصل إلى أجهزة كشف الكذب، يكشفها مهما حاولت أن تجتهد في التمثيل، وقفت محلها بقلقٍ، فاذا به يقف أسفل الدرج يناديها بصرامة:
_انزليلي هنا نكمل كلامنا وبعدين اهربي على فوق.
زفر "زين" بإرهاقٍ، وهو يتابع ما يحدث بينهما بمللٍ، فتمتم ساخطًا:
_أوف، ناقص فرهدة الجارحي ومروان أشطا أنا!!
استدارت "مرين" من منتصف الدرج، ترمقه بغضبٍ تخفي من خلفه جريمتها:
_إنت بأي حق تأمرني، مش معنى إنك القائد إنك آ..
ابتلعت باقي جملتها حينما احتدت نظراته، وبهدوء أشار بعينيه على المكان المقابل له، فأخفضت رأسها وهبطت للاسفل ثم وقفت حيثما يشير بعينيه بصمت وخوف وترقب، كأنها ارتكبت ذنبًا فاضحًا وتقف الآن أمام أبيها بانتظار العقاب المناسب.
تحرر "ياسين" عن صمته حينما قال بثبات:
_ايديكي اللي مخبياها وراكِ دي محتاج أبص عليها لو سمحتي.
اتسعت زُرقتها الفاتنة، وهي تطالعه بارتباك تحاول التغلب عليه وهي تعلم بأنه مكشوف له:
_إنت مالك بإيديا!!
بابتسامة واثقة، وهدوء قاتل قال:
_لا طالما مخبياها كده يبقى تلزمني معلش!
ارتاب "زين" لما تحاول "مرين" إخفاءه، فقال بتذمر:
_هببت إيه يا مروان، الخوف والتوتر اللي انتي فيهم ميبشروش بالخير أبدًا، انطقي بسرعه عشان الجارحي بيجي عندك وخلقه بيبقى كِنز!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ورددت:
_حاطة منكير ومش عايزاكم تشوفوه عشان متتريقوش عليا، خلصنا!
مر الأمر على "زين" الذي قال ممازحًا:
_وهنتريق ليه طالما لزوم الشغل وماله، هو إنت حالك أصلا مش عاجبني يا مروان، مرة شعري ومرة منكير بس وماله هنعدي لحد ما المهمة دي تخلص، بس أنا خايف عليك تتسحب لامور البنات دي وتنسى الاسلحة والقنابل.
لم يهتز جفن ل"ياسين" الذي لم يصدق حرفا مما قالته، وباصرار مخيف أمرها:
_افتحي إيدك وحالًا.
ازدردت ريقها بصعوبة،واستدارت صوب "زين" تمنحه نظرة جعلته يبرق بذعرٍ حينما وجدها تستغيث به، أسرع يقف جوارها وهو يهمس بصوت منخفض:
_نقشت وشم يا مروان!!
همست له بخوف:
_ألعن من كده، خليك معايا.
صاح "ياسين" بغضب:
_مـــرين!
ارتعبت من صوته واذا بها تتساءل بصوتٍ متقطع:
_أنهي إيد فيهم.!
كبت "زين" ضحكاته، وصاح بصدمة:
_هما المصيبتين مختلفين عن بعض؟
حل وثاق يديها المقيدة خلف ظهرها، فتحت واحدة منهم فرأى كلاهما آثار اللكم البادي على بشرتها الملتهبة بالاحمرار، فصاح "زين" بتوتر:
_قتلت مين يا مروان، أوعي تكوني اتهورتي بعد فيديوهات هارون وقتلتيه!! ضيعتي المهمة وارتاحتي يا بت!!!!!
هزت رأسها بالنفي، بينما يردد "ياسين" بهدوء ما قبل العاصفة:
_التانية.
ربت "زين" على صدر "ياسين":
_بلاش يا جارحي لتطلع بكبد الراجل تروح فيها انت بذبحة صدريه، احنا عيلة قتالة قتلة أصلًا، وإنت متربي إنت وعيلتك ومش واخد على البهدلة دي، روح مشوارك إنت وسبني أتعامل أنا.
دفع كفه عنه وأشار لها بصرامة، فخشيت أن تريه إياها، ارتعبت" مرين" من نظرات "ياسين"، فهرولت للاعلى بينما يستطرد" زين" وهو يدفع "ياسين" بقوة جسده الذكورية:
_يلا يا جارحي روح مشوارك ولما نرجع نتكلم يا حبيبي.
وقف محله يراقبها وهي تغادر للغرفة، ومن ثم استدار صوب "زين" وصاح بحدة:
_اطلع شوفها هببت إيه، هتضيع كل تعبنا طول الشهور دي، إنت بارد وتقدر تسيطر على أعصابك أنا لو طلعت بحالتي دي مش ضامن نفسي!
تأمله بتوتر، هو بهدوئه الرزين وفشل معها، فكيف سيستطيع هو، قال وهو يهم بالتحرك:
_كل مرة تجمعنا بيها مهمة واحدة، بحس إن العالم كله أسود قدامي وخصوصًا مشاكلكم مع بعض
أبعد مقعده ثم عاد ليقف من أمامه، طارقًا على الطاولة بقوة :
_مروان أشطا مش راجع الا لما يخسرنا بعض، لو حسبتها هتلاقينا بنقف قصاد بعض على طول بسببها، مرة انت معاها ضدي ومرة أنا معاها ضدك، مش هترجع الا لما نخسر بعض.
كبت "ياسين" بسمة صغيرة كادت بالتمرد على شفتيه، وراقبه وهو يصعد للأعلى بنظرةٍ منتصرة، ثم جلس يحتسي كوب القهوة الذي أعده بهدوء لم يكن يعرف طريقه لمعالمه منذ قليل.
طرق "زين" باب غرفتها، ثم فتح الباب وولج يردد ببسمة مصطنعة:
_ميري إنتي فين؟
أتته من الداخل بملامح مرتبكة، تردد:
_القائد بعتك تتجسس عليا صح!
أغلق الباب حتى استطرد غضب معالمه وهو يهدر بانفعالٍ:
_أتجسس عليكِ، يا نهارك مش فايت إنتِ نيلتي إيه، أنا شامم ريحة مش ولابد، لو في حاجة صارحيني بيها عشان ألحق ألم مصايبك السودة اللي مبعزقاها في كل مكان، قوليلي طيب إيه بهدل إيدك بالشكل ده، ضربتي مين؟؟؟
زمت شفتيها بقلة حيلة، فتمتم "زين":
_أكيد عملتي مصيبة جديدة!
أتاهما طرق" ياسين" وصوته الحازم:
_تيام بيتصل بيا عرفني الدنيا فيها إيه عايز أمشي؟
فتح "زين" الباب وهدر بقلة حيلة:
_لسه بحاول معاها وسيادتها رافضة الكلام.
رنا صوبها "ياسين" وصاح بفتور:
_عملتي إيه يا مرين، وإيه اللي مخبياه بإيدك التانية!
تنهدت بقلة حيلة، ورفعت الكف الآخر ليظهر الخاتم الذي تركته عمدًا، كان بامكانها اخفاءه ولكنه يجب أن يعلم بالامر لما يمس المهمة بشكلٍ كبير، برز الغضب على وجه "ياسين"، ونظراته المحتقنة تشملها، راقبه" زين" بقلق، وراح يلطف الاجواء بمزحه اللطيف:
_كده عرفني إيه اللي وصل إيدها التانية لكده، الظاهر إنها قتلته بعد ما لبسها الخاتم بالإجبار، ابن حرام ويستاهل.
دفعه "ياسين" وصاح بغضب جحيمي:
_الظاهر إن اللعبة جت على هواكِ أوي، والله أعلم المرة الجاية هترجعيلنا بأيه؟ عنادك هيوصلك لحيطة سد يا مرين، وسبق وحذرتك من النقطة دي، شخص بالوضاعة دي مش بعيد يستغل الخطوة دي ويحولك لضحية من ضحاياه، اللي بنعافر عشان نسترد حقوقهم ونوقف المهزلة دي هنلاقي نفسنا بنتحط في نفس الموقف وكل ده ليه عشان نسقفلك ونقولك شابووو.
وتابع بعصبية بالغة:
_بس تفتكري لو وصلك لاوضة نومه بقذارته دي الجوكر أو الاسطورة هيقفوا يثنوا عليكي!!
احتدت نظراتها تجاهه، بينما أوقفه "زين" من التمادي حينما هدر غاضبًا:
_إيه الجنان اللي بتقوله ده، متخليش غيرتك تعميك وتخليك تقول كلام تندم عليه يا ياسين، مرين عارفة حدودها كويس، ومستحيل تسيب الامور تتطور بالشكل ده.
سحب بصره عنها واستدار صوب رفيقه:
_كلام جميل، تضمن إنها هتقدر تنفد من أي مغرز يعمله ليها؟؟ النية السليمة والاخلاق النبيلة عمرها ما كانت سد منيع قدام غدر الخسيس يا سيادة الرائد، ياريت تفهم بنت عمك كده كويس.
قالها وانسحب غاضبًا، بينما جلس "زين" على الفراش يتطلع لها بضيقٍ، فرددت بحزن:
_فاجئني بالخاتم ومكنتش عارفة أعمل إيه!
زم شفتيه بعدم رضا، ثم قال:
_عارف والمفروض أنها خطوة كويسة للي جاي، بس أنا مقدر غيرة وخوف ياسين عليكِ يا مرين، الوضع حساس للاسف.
جلست جواره وتنهدت بوجعٍ فشلت باخفائه:
_عارفة يا زين عشان كده رافضة الجواز منه، ياسين مش هيقبل يشوفني في أي مهمة، مهما حاول يبين انه متقبل ده، وده شغلي وكياني كله.
وبألم لمسه بصوتها المنكسر قالت:
_أنا مقضتش السنين دي كلها دراسة وتدريب وتعب وبالاخر أقعد بالبيت، أنا اخترت الطريق ده من زمان وعايزة أكمل فيه، فلو ده مش هيخليه يعيش الحياة الطبيعية اللي عايزها خلاص بحله من الارتباط بيا.
زفر "زين" بارهاقٍ، وربت على ساقها مُبتسمًا:
_قومي غيري هدومك وارمي خاتم الشيطان الملعون ده وانزلي نخرج نتعشى برة بيتزا إيطالي من اللي قلبك يحبها، واحنا بره ندردش شوية عن الجارحي.
اتسعت ابتسامتها ورددت بحماس:
_هكون أسرع منك يا شبح.
ضحك مستهزأ منها:
_محدش أسرع مني وانت عارف كده كويس يا مروان!
******
وصل "ياسين" إلى الشاطئ المقابل لمطعم "تيام"، يبحث عنه في البقعة التي اعتاد رؤيته فيها، فوجده يتمدد بالقرب من المياه التي تسفح قدميه، وقميصه الابيض مفتوح على مصراعيه، بينما يميل برأسه للخلف.
أشمر" ياسين" عن ساقيه ومضى حتى وصل إليه، اختار الجلوس على صخرة قريبة منه، ثم ردد:
_إيه اللي موصلك للحالة دي؟
فتح عينيه بلهفة وهو يردد:
_عمر! إتاخرت كده ليه؟
رسم "ياسين" ابتسامة هادئة وأجابه:
_إنت مكلمني من ساعة تقريبًا مش من شهر يا تيمو، إيه للدرجادي كنت محتاج لوجودي!
قالها بمزحٍ بينما هتف "تيام" بجدية:
_عمري ما جربت ألجئ لحد غيرك، طول عمري بواجه كل اللي بمر بيه في حياتي بطولي، سواء كان وحش أو حلو.
حافظ على بسمته وفاه بغموض:
_وأنا مش هخذلك يا تيام، أنا حابب أساعدك صدقني بس إنت غامض ومش مفهوم بالنسبالي.
ضم شفتيه معًا بحيرة، واستدار بجسده صوبه، يحاول أن يلقي العبئ الجاسم فوقه، فإذا به يقول:
_أنا مش بس ناقم لحياتي يا عمر أنا ناقم الذكاء اللي خلاني أعيش أبشع أحاسيس ممكن أجربها.
تساءل بخبث وهو يدعي عدم فهمه:
_مش فاهم!
رد عليه وهو يبتلع ريقه بمرارة:
_الناس بتورث من جدودها وأبائهم ثروات وأنا ورثت من أبويا الذكاء ومن أجدادي ثروة مطموسة بسواد مرعب، ومجبور أنا وولاد عمي إننا نمشي في نفس الطريق اللي مشوا فيه، كأنهم بالظبط قدمونا قرابين ليهم.
وتابع بمرارة وحزن:
_من لما كنت بدرس وأنا كنت متفوق في تطوير أي أدوية بيتم تصنيعها عشان تخفف مرض معين، أنا بضاعفه وبخليه ينهي على المرض ده، وزي ما قولتلك اننا مازلنا تابعين للناس اللي عيلتنا كانوا بيتعاملوا معاهم، بس مكنتش اعرف انهم مراقبيني بالشكل المرعب ده، بالبداية سلمت أول بحث ليهم على أساس انهم هيصنعوا الادوية وهيكسبوا مكاسب دهب من وراها بس اللي حصل عكس كده تماما.
هبط "ياسين" عن الصخرة وسأله باهتمام:
_البحث ده كان عن إيه؟
تعمق بعينيه وهو يجيبه بألم:
_الكانسر، وصلت لدوا يقضي عليه، بس الظاهر إنهم بيكسبوا كتير لما بينتشر أكتر، ومش بعيد يكونوا هما اللي بيضاعفوا انتشاره بأي شكل من الاشكال لأن اللي حصل أكدلي ده.
زوى حاجبيه بغرابة:
_إيه اللي حصل؟
تنهد وهو يجيبه:
_اخدوا البحث ومنعوني من إني أتكلم عنه والغريب انهم مصنعوش الدوا لحد اللحظة دي.
باهتمام فائق تساءل:
_مين الناس دي؟
هز كتفيه بحيرة، والصدق ملموس بعينيه:
_معرفش محدش فينا اتعامل معاهم وجه لوجه، مفيش غير اتنين من ولاد عمي هما بس اللي على علم بطريقهم، وعلى اتصال مباشر ليهم.
خشى "ياسين" أن يتساءل عن اسمائهم فيزرع الشكوك تجاهه، لقد حرز نقاط هامة للغاية، وبالايام المقبلة سيصل الى مبتغاه، استطرد "تيام" بانزعاج:
_منعوني من اصدار دوا ممكن يعالج البشرية، تخيل!
تساءل بذكاء وهو يحاول أن يصل لنقطة تهمه وقد أتته على طبق من ذهب:
_منعوك إزاي وإنت بتقول متعرفهمش ومتعاملتش معاهم!
رد عليه بنفور شديد:
_عثمان هو نقطة الوصل بينا وبينهم، هما بيضغطوا عليه وهو بيحركنا.
ومال على الصخرة وهو يستكمل بدموعٍ تجمعت بعينيه:
_أجبروني إني استغل ذكائي في حاجات مدمرة، طورت أنواع كتير من المخدرات، والعقاقير النسائية ، والفياجـ***، كل الانواع اللي تخطر على بالك عملت منها تركيبات مخيفة، استخدموها وزادت من ربحهم بشكل جنوني وده خلى طلباتهم مبتخلصش،وأنا كل ما مدى بتدمر وبكره نفسي لحد ما خلاص مبقتش قادر أكمل.
أشفق "ياسين" على حاله، لقد لمس فيه شيئًا طيبًا منذ أول لقاء به، يعلم بأنه قد فرض عليه الأمر،وبداخله شيئًا غامضًا يدبره له!
ربت على ساقه وهو يبرز حديثه الطبيعي الذي يُفترض عليه قوله:
_طيب وإيه اللي جابرك على كل ده، سيب القرف ده وإبدأ من جديد بعيد عن هنا خالص، حتى لو اضطريت تسيب إيطاليا كلها.
ابتسم بتهكمٍ، وقال:
_وتفتكر إنهم مش هيعرفوا يوصلولي! حتى لو فشلوا مع إن ده مستحيل هل هقدر أنفد من عثمان؟؟؟
صاح بغضب مصطنع حتى يستعلم منه عما يريده:
_مين عثمان ده!! إنت خايف منه بشكل مش طبيعي، مع إنك المفروض تبعد عنه لانه شكله السبب في كل اللي إنت فيه ده.
تلألأ الخوف بين مُقلتيه، واجابه بوجوم مرعب:
_إدعي ربنا من كل قلبك ميوقعكش مع شخص زي عثمان، جوه عيلتنا فينا اللي بيميز كل واحد فينا عن التاني، عثمان تجميعة كل ميزة فينا، حاول تتخيل هيكون عامل إزاي!
واستكمل حديثه ببسمة ساخرة:
_عقله معقد بشكل يخليك تحس إنك في متاهة، من وهو عيل صغير اخترع ريبوت حديث الطراز، ومع الوقت بيتطور بشكل رهيب، غير الأسلحة اللي اخترعها واللي منها اتصدرت للكلاب دول واللي لسه عامل تعتيم عليها، عثمان رغم إنه بعيد عن الأنظار بس بيحركنا كلنا زي العرايس الماريونت.
ومال صوبه وهو يتابع بسخط:
_عثمان يرعب أكتر من الكلاب دول يا عمر.
واستطرد والقلق يستحوذ عليه:
_عارف أنا جوايا خوف كبير عليك، لانهم أكيد مش هيسيبوك في حالك، كلنا متراقبين واللي بيقرب مننا بيتحط تحت المجهر، عشان كده مسمحتش لأي حد يدخل حياتي عشان ميتأذيش، حتى خطيبتي هارون مسابهاش إلا لما أخدها مني ولوى دراعي بيها، بس هي اللي حقيرة وباعتني.
شدد على ساقه وقال بنبرة قوية:
_مش هتخلى عنك يا تيام، أنا جانبك ومش هسيبك، وبالعكس هحاول أساعدك تتخطى كل ده.
تهاوت دمعة من عينيه وقال وهو يغلقهما بتعب:
_مفيش حاجة هتخليني أتخطى العذاب ده يا عمر، ضيقوا عليا كلهم لحد ما رجعت ليهم من تاني بعد ما بعدت عنهم، مفيش مفر للاسف!!
واسترسل بإرهاق ودموعه مازالت تنهمر:
_أنا تعبان أوي بجد، تعبت من كل حاجة.
سانده "ياسين" بقوة جسده الرياضي، وخطا به لباب المطعم الصغير الجانبي، حتى ولج به لغرفة مكتبه، فتح الأريكة وجعلها فراشا مريحا، ثم وضعه من فوقها.
تمدد "تيام" وغلبه النعاس على الفور،بينما جلس "ياسين" يتأمله بنظرة غامضة، وهو يخطط للقادم وخاصة بعد ما فتح بابا جديدا لم يكن ليفتحه أبدًا لعدم تهاونه مع هؤلاء!!
*****
تناولت البيتزا بنهم، وتطلعت إليه بنظرة علم ما تود بها، فسحب زجاجة الكاتشب الخاصة به وألقاها لها هاتفًا بنزق:
_كل مرة تخلصي الكاتشب بتاعك وتدوري على اللي معايا مفيش فايدة!
وضعت على شطيرة البيتزا وتناولتها وهي تشير له:
_ما خلاص يا زين، سبني أكل بنفس بقى.
ضحك على مظهرها، وتناول ما بيده مرددًا:
_كلي ياختي، نكدتي على الواد وقاعدة ولا على بالك، مفترية ومحدش قادرلك!
وأضاف وهو يسحب المياه الغازية:
_صدقي بالله أنا مش صاحبه؟ بس نصحته 999مرة أنه يخلع بس للاسف هو اللي مصر وقابل بالجنان ده.
قالت وهي تلوك طعامها بهدوءٍ:
_أنا وهو مستحيل نكون مع بعض، حتى لو اتجوزنا هييجي الوقت وهنفترق، وده هيأثر على علاقتك بيه وعلاقة أنكل عدي وبابي وعمي، من الأخر العيلتين هيحصل بينهم حساسية تعامل، فـ ليه يحصل كل ده من الأول؟
انتقل وجعها إليه فمازحها بلطف:
_هو إنت كبرت الموضوع كده ليه يا مروان، طيب تصدق بالله الجارحي ده مفيش أطيب من قلبه، ده نفسه في الأكل أحسن من المطعم الفخم اللي بنأكل فيه ده.
واستطرد وهو يضحك بشدة:
_بس عندك حق إحنا بنقتل في بعض في أقل نقاش في عيلتنا، والتثبيت بالاسلحة زي سلام عليكم كده.
ضحكت وهي تؤكد له، بينما يتابع:
_عيلة جوزك المستقبلي الإحترام هناك نمبر وان، لدرجة إن الصغير بيحترم الكبير بدرجة تخنق، إحنا عندنا البقاء للاقوى مش للأكبر نهائي، وعندك ابليس توابيت ومراد عصير أقوى مثل لكلامي ده.
ألقت منديلها الورقي وهي تشير له بتحذير:
_متتريقش على بابي وأنكل عشان هتضايق منك يا زين.
سحب المال من كنزته ووضعه على الطاولة:
_تصدقي أنا غلطان إني بهون عليكِ، يلا الوقت اتاخر خلينا نرجع نصالح الجارحي عشان يجيني نوم.
وأضاف وهو يحذرها:
_إلبسي الكاب حلو والكمامة والنضارة.
هزت رأسها بتأكيدٍ، ونهضت ترتدي ما نزعته حينما دخلوا المطعم، مشوا جوار بعضهما، وكلاهما شاردا في الشوارع الفارغة لتأخر الوقت، فإذا بصوتٍ مكتوم يصل إليهما.
تعجب "زين" من سماع هذا الصراخ المكبوت، فأشار إليها بأن تنتظره، ومضى رفقة الشارع الجانبي حيثما يخرج الصوت، عاد "زين" يميل بجسده بمحاذاة الحائط حينما وجد ثلاثة شباب يتشاجرون مع فتاة على ما يبدو له بأنها فتاة ليل تعترض على أجرتها المحددة!
استدار ليعود فاذا ب"مرين" تقف قبالته وتهمس:
_في إيه؟
أجابها وهو يجذبها بعيدًا عن الشوارع الجانبية:
_بنت من اياهم معترضة على أجرتها، فالظاهر إنهم اتكتروا عليها.
ومضى لطريقه:
_يلا نمشي من هنا.
وجدها تقف محلها والغضب يتزاحم بمُقلتيها، فعاد يهمس لها بتحذير وهو يسحبها:
_مش مهمتنا، ثم إنها مش عفيفة عشان نخاطر بالمهمة اللي طالعينها عشان نخلصها.
طالعته بعناد ورددت:
_مش مهمتنا!!! هي الانسانية بتتعلق بمهمة ودولة معينة يا زين!! وعشان دي شغلتها نسيبهم يموتوها يعني، ده صوت واحدة بتستغيث مش صوت واحدة متعودة على القذارة دي.
واضافت وهي تسحب سكينًا صغيرًا من جيب بنطالها الاسود:
_أنا لو مشيت من هنا مش هعرف أتخطى الموقف ده، أنا جاية هنا عشان ضحايا هارون الكلب هو وعيلته، فده يعتبر جزء من اللي انا جاية عشانه، اطمن ملامحي متغطية ومش مكشوفة.
قالتها واندفعت للداخل، فحرك رقبته يسارًا ويمينًا حتى استمع لصوت فرقعة أرضته، واذا به يرفع لثامه الاسود وهو يردد بغيظ:
_عنيدة ومجنونة، وارثة عواطف الجوكر وجنان الأسطورة مع بعض!!!
واندفع خلفها، فوجدها قد باشرت بأول هجمة على الرجل الأول الذي تفاجأ بوجودها، وما أن كاد الثاني بمهاجمتها حتى لف "زين" رقبته بسرعة فائقة أيقظت الماضي الذي مر على "رحيم زيدان" ليرى من ورث حركته المعتادة، والآخرى حينما هاجم الثالث بسلاحٍ، انتشلته "مرين" وفككته بسرعة كبيرة، في ذات اللحظة التي طالته فيها ساق "زين" لتكسر حنجرته داخل رقبته.
سقط الثلاثة أرضًا جثثا هامدة، وبالمنتصف تلك الفتاة التي تخبئ جسدها بملابسها، وتردد بالايطالية بضعف وبكاء:
_أشكركما على هذا المعروف، كنت عائدة من المستشفى بعد أن انتهيت من عملي، فإذا بهم يعترضون طريقي ويعرضون علي المال لأذهب برفقتهم، وعلى ما يبدو بأنهم يتعاطون شيئًا ما.
عاونتها "مرين" على النهوض ولم تفصح حرفًا واحدًا قد يفضح حتى صوتها، اكتفت بإيماءة بسيطة لها، ثم انصاعت لكف "زين" الذي سحبها للخارج حتى غادر كلاهما تلك المنطقة، وانزويا بالغابة.
نزعت "مرين" كابها ورددت بحزن:
_شوفت نظرتك الغلط للامور كانت هتتسبب في إيه؟
منحها ابتسامة صغيرة، وقفز على فرع أحد الاشجار القصيرة، يخطو فوقها بحرافية وهو يرفع صوته لتسمعه تلك التي تخطو محاذاته بالاسفل:
_هوني عن نفسك يا مرين، إحنا مهما كنا بنعمل خير أو متعودين على انقاذ الارواح مش هنقدر ننقذ العالم كله من الشر اللي فيه، مش هنقدر نتواجد في كل مكان عشان نمنع فيه الشر.
واضاف وهو يقفز على الشجرة المقابلة لها:
_إحنا في مهمة صعبة بنحاول على قد ما نقدر نحافظ على هوايتنا إنها تكون مجهولة، بس ده طبعًا عمره ما هيأثر على أخلاقنا ولا تربيتنا، بمعنى اننا لو اشخاص عاديين بردو هنتدخل ونساعد.
اتسعت ابتسامتها وقالت وهي تفرد خصلاتها:
_أهم حاجة إننا أنقذنا البنت من غير ما شعري يتبهدل.
قفز أرضًا يضحك بشدة، وهو يطرق كفًا بالآخر:
_عشت وشوفت مروان اشطا بيهتم بشعره، الله يرحم لما كنتِ بتلفيه وبتجري.
أجابته بغرورٍ ومازالت تعدل من خصلاتها:
_عمري ما بهدلت شعري، بالعكس بهتم بيه جدًا مش معنى إني مسحولة معاك في الشغل المنيل ده اني مهتمش بنفسي!
مضى رفقتها وهو يضع يديه بجيوب سرواله الاسود:
_أممم، طيب بما انك فتحتي الحوار وكده، ما تريحي قلب أخوكِ حبيبيك وتقوليلي مارال شعرها طويل ولا قصير؟
لكزته بقوة ألمته، وصاحت باندفاع:
_يا وقح ياللي مبتفوتش فرصة عشان تتغزل بأختي اللي مش حلالك.
أبعد كفها وتمتم بسخط:
_بتيجي عند أختك وبتقلبي لإبليس!
ربعت يديها أمام صدرها وقالت:
_نفس قلبتك لما حد بيجيب سيرة شجن!
وقف يجابهها باصرار:
_مهي خطيبتي وهتبقى مراتي يا بنتي!
ببرود أجابته:
_لما تبقى بقى، إبقى عين وشوف.
وتابعت خطاها وهي تهمس بحرقة:
_وحشتني أوي ونفسي أشوفها.
اتسعت ابتسامته بخبثٍ، فأسرع خلفها:
_لو جاوبتي على سؤالي هخدك ليها.
وقفت محلها تتطلع له بدهشة:
_إزاي؟
أجابها بعنجهية:
_إزاي دي بتاعتي أنا! مالكيش فيه.
ضمت شفتيها بغضب وقالت:
_طويل يا زين ارتحت.
اتسعت بسمته وهو يردد بعشق:
_زي ما توقعت.
ضحكت وهي تراقبه،وإذا بها تنطق بجدية:
_زين، ممكن لو في يوم حصل بينك وبين مارال مشكلة متتعصبش عليها، يعني أنا على الرغم من ان أنكل رحيم مثلي الاعلى بس مش بحب طريقته مع طنط أشجان، بحسه مرعب جدًا في البيت.
جلس على فرع الشجرة المرتفع وقال بنبرة جاهد لجعلها لطيفة:
_أولًا محدش فينا اتخلق شبه التاني، ولا إحنا بنعيد نفس السيناريو اللي بيحصل في حياة أبائنا وأمهاتنا لمجرد إننا أولادهم، ثانيًا هو في حد في الدنيا كلها بيعامل مراته بنفس الطريقة اللي بيتعامل بيها رحيم زيدان مع أمي.
وأضاف بثقة وصوتٍ رخيم:
_رحيم زيدان اللي الكل بيهابه، القريب قبل الغريب، بييجي عند أشجان وبيفرمل، مش لازم يبين إنه خاضع ليها قدامنا كلنا عشان يأكدلك ان نظرتك غلط، نظراته وهدوئه قدامها في حد ذاته قمة الخضوع والاحترام ليها.
وتابع ببسمة تحمل الحب العظيم لأبيه داخله:
_رحيم زيدان عمره ما سمح لواحدة ست تدخل حياته، لا بره ولا جوه الشغل، حتى لو المهمة كلها هتبوظ ودي بشهادة الجوكر، بيحترمها في وجودها وغيابها يا مرين.
ونهض عن الفرع وهو يستكمل:
_رحيم زيدان عاش عمره كله بيدور عليها ومخلص ليها ولحبها، كل شخص بيختلف في التعبير عن حبه، بس مش كلنا بنقدر نفسر التعبير ده.
تنهدت في راحة، وأفصحت له عما بداخلها:
_أنا مطمنة من غير الرغي ده كله، وعارفة أن أنكل رحيم شخص رائع، بس زي ما قولتلك شخصية مارال عايزة معاملة خاصة.
واستطردت وهي تخطو رفقته:
_رقيقة وحساسة جدا، واحنا صغيرين لو النور بس انفصل كانت بتلزق فيا وهي مرعوبة، ولو حد بالمدرسة زعلها كانت بتخاف تحكي لحد، أنا كنت بتفاجأ من زميلاتها باللي بيحصل وبتعامل أنا بعيد عن بابا وماما، لذا أنا دايمًا بخاف عليها.
هز رأسه وهو يتنهد:
_أيوه فاكر كل ده، وفاكر لما ولاد عمك كانوا بيستغلوا ده.
مازحته حينما قالت:
_بس انت كنت معلم عليهم، كرهت العيال فيك من صغرك، وخدعتهم انك نسخة ابشع من أنكل رحيم، لو شافوك معانا هنا مش هيصدقوا.
تنحنح وهو يحرك كتفيه بقوة:
_مالي يا مروان يا اشطا، مش لسه مسلكك من شوية من تحت إيد الجنرال، والواد أخد على خاطره ومشي، أنا مش عارف هنام ازاي أنا من غيره!!
انفجرت ضاحكة على حديثه فلكزها بغضب:
_ليكِ نفس تضحكي يا بومة، قال ومسميكي عنيدة هانم، إنتِ مصيبة متلغمة بقنابل مسيلة للدموع، معرفش الجارحي بيحبك على إيه بلا هم!!
ومال صوبها يتساءل بفضولٍ:
_ها مش هتقوليلي إيه اللي ورم ايدك كده؟
أبعدت خصلاتها للخلف بارتباكٍ:
_أصل أنا سمعت اللي اسمها صوفي دي بتتفق مع هارون انها توقع ياسين عشان تقرره، بس اطمن أنقذت الموقف واديتها علقة موت.
برق بصدمة، وتمتم:
_طيب ما ده اللي احنا عايزينه، عشان نسهل لياسين دخوله.
ابتلعت ريقها بارتباك وقالت:
_بقولك هتوقعه، يعني افترض اعترف علينا وكده تحت تأثير أي زفت بيستخدموه.
ضيق زيتونته بخبث:
_بجد! هيوقعوا ياسين!! مش وسعت منك شويتين تلاته.
وأضاف وهو يتنهد بسخرية:
_وبتقولي مش عايزة اتجوزه!! مبروك علينا فشل المهمة من قبل دخولها، انتِ وغيرتك عليه وهو وغيرته عليكِ، يعني راجعين لنقطة الصفر ورأسنا بتتدحرج تحت رجلين رحيم زيدان!!
******
لم يتمكن النوم من سحبه داخل غطائه، هجره وبقى أسيرًا لانزعاجه، وما أن أشرق الصباح حتى هرول صوب جناح أخيه يطرقه بهمجية، حتى أتاه صوته يأمره بالدخول.
ولج "نوح" بملامح منكمشة وهو يلوي شفتيه باستياء جذب انتباه من يقف بشرفته وهو يستقبل الهواء الصباحي باستمتاعٍ، واستدار يقابل أخاه بدهشةٍ، بينما يتمتم "نوح" بضيق وهو يراقب صدر أخيه المكشوف:
_طبعًا واقف تهوي عضلاتك ولا على بالك اللي بيحصل في أخوك!
وأضاف وهو يتفحص عضلات بطنه السداسية باعجاب:
_ما أنا متزفت دافع اشتراك جيم بأد كده، ومطلعليش حتى عضله في أي مكان من الأماكن دي، يلا هي جت على العضلات أنا حظي متعوس في كل حاجة.
راقبه "كِنان" ببرود، واعتياد على حديث أخيه المعتاد، ثم هتف:
_عايز إيه على الصبح يا نوح.
واستدار يوليه ظهره وهو يفرد ذراعيه على السور الخارجي باسترخاء:
_لو عايز فلوس افتح الخزنة وخد اللي يكفيك، أنا مزاجي رايق ومش حابب يتقلب بسبب حواراتك التافهة دي.
لوي شفتيه بنزق، وصاح:
_أنا حوارتي تافهة!! إخص عليك يا كيوي متوقعتش إنك تكون بالجحود ده.
وأضاف بغضب:
_صاحبك من أول يوم جيه القصر وهو مسيطر على تالا، تصور مش راضية تفتحلي الباب نتكلم ولا حتى ترد على مكالماتي، سيادته مش مقتنع انها بقت مراتي أوريله العقد ولا أنيل إيه؟!
بقى كما هو، يغلق عينيه وهو يستمتع بالهواء الذي يحرك خصلاته الطويلة باستمتاعٍ، بينما يجيب أخاه:
_ تيام ميعملش كده الا لو اكتشف إن لسه في أمل يفركش الجوازة وده معناه إنه اكتشف إنك لسه على البر!
واستدار يواجهه ببسمة ساخرة:
_ودي في حد ذاتها صدمة كبيرة ليا، الظاهر إني حطيتك في صورة وطلعت حقيقتك مش ولابد.
جحظت عيني "نوح" بصدمة، فعدل من نظارته الطبية وراح يصيح:
_إيه اللي بتقوله ده، عيب كده على فكرة، إنت فاكرني إيه؟ أنا دكتور محترم وآ...
ضحك "كنان" بصوت مسموع، وقال ليثير استفزازه:
_واضحلي احترامك يا حبيب أخوك مش محتاج تجهد نفسك في الاثباتات.
وتمتم بسخرية:
_كل ما برمي الكرة في ملعبك بترميها في ملعب تيام، وبتفتخر إنك دكتور، إنت دكتور غبي وفاشل من قبل ما تتعين.
لاح الحزن الطفولي على وجه "نوح"، فراح يضم أخاه ويصطنع البكاء على صدره:
_قلبك قسي عليا يا كيوي، وبعدين انا مش غبي أنا بس كان ورايا امتحانات وبذاكر عشان تفتخر بيا.
ضحك مجددًا وربت على ظهره بسخرية:
_أيوه في حاجات تانية بردو هحتاج أفتخر بيك فيها، الحاجات دي بردو مهمة.
على صوت بكائه مجددًا وهو يصيح:
_أنا عايز أتجوز تالا يا كيوي، اتصرف واتكلم مع تيام.
توالت ضحكاته وهو يخبره:
_مهي مراتك فعلًا، أعملك إيه عشان تقتنع!
ردد وهو يتصنع البكاء بصوت مضحك:
_مش عارف! دي بعد ما غششتها الامتحان قفلت الباب في وشي ورميتلي الهدايا وكل حاجة في وشي.
ورفع رأسه إليه يزيد من استفزازه:
_تيام شحنها عليا.
ابتعد" كِنان" عنه وولج للداخل يتمتم بسخرية:
_وإنت جاي تشحني عليه!
أكد عليه بجدية أضحكت الاخير:
_آيوه ما أنا معنديش حل تاني!
سحب سيجارًا من بنطاله، أشعله ببطءٍ وهتف:
_روح على جامعتك يا نوح، وركز في امتحاناتك، تيام مش هيسيبهالك بسهولة، وخاصة بعد ما ضيعت فرصتك بغبائك.
احتقنت عينيه بغضب انتقل لنبرته:
_يعني أنا علاقتي بيها مرهونة بإني أغلط معاها؟؟، ثم انك بنفسك اللي قولتلي ألطف الاجواء بعد اللي نيله هارون الله يجحمه مكان ما يكون.
سحب نفسًا من سيجاره والتفت يتمتم بسخط:
_تغلط معاها!! مش بقولك غبي ومبتفهمش، دي مراتك يا حيوان.
ربع يديه أمام صدره بعصبية:
_ماليش فيه اتصرف مع تيام وشوفلي معاه حل.
زوى حاجبيه بسخرية، وقال:
_وسيادتك متشفش الحل ده معاه ليه؟
بجدية مضحكة قال:
_عشان بخاف منه!
وأضاف وهو يشير على جسده:
_لكن إنت لك كلمه مسموعه عنده وعند الخلق كلها، طلتك اساسًا فيها هيبة وكبرياء كده، يابني انت لولا وجودك مع هارون القذر والديزل الغامض ده كان زمانك في حتة عاشرة، استايلك وشخصيتك تليق تكون بيهم عقيد في الجيش مثلا، رجل أعمال من اللي ليهم دخلة ملوكي كده، أو مثلًا مثلًا زعيم مافيا من اللي بيخشوا يسحبوا لقطة الكاميرا في آخر كام دقيقة كده.
واستكمل عسى أن ينال استحسانه:
_كيوي إنت للاسف مش عارف قيمة نفسك!
ضيق عينيه بهدوء مرعب:
_فعلًا؟
هز "نوح" رأسه بتأكيد، فارتسمت بسمة هادئة على وجه "كِنان"، وهمس بسخط:
_كل اللي قولته ده مهزش شعرة فيا باستثناء زعيم المافيا اللي قولتها في الآخر دي، لإني فعلًا ظهوري بيخطف الاضواء.
قالها بغمزة ماكرة، فابتسم" نوح" وردد بحماس:
_يعني هتساعد أخوك حبيبك؟
تنهد بضجرٍ، انتقل لنبرته بينما يغدو صوب خزانته:
_أنا دايمًا بساعدك إيه الجديد يعني.
سحب منشفة كبيرة ومضى للخارج، فاتبعه "نوح" وقال بسعادة:
_يعيش كيوي يعيش يعيش بعيش.
استدار يقابله بنظرة حادة، فتوقف "نوح" وهو يبتلع ريقه بتوتر، وأسرع يجذب انتباهه:
_خلاص همشي إيدك على فلوس بقى، أخوك مُفلس من بعد الشوبنج اللي عملته لتالا الواطية اللي رمت الحاجة في وشي بعد اللف ده كله.
وأشار بإصبعه له:
_أنا عارف إني تقلت عليك بمصاريفي بس متقلقش كل مليم خدته منك هردهولك من أول عملية قلب أعملها لرجل اعمال متريش كده ويكون مش لاقين حد ينقذه، فيجيبوا العبد الله وساعتها هظرفهم مبلغ كبير حلاوة الشغلانه.
قالها وهو يضحك من قلبه، بينما لم تهتز ملامح "كِنان"، الذي رنا إليه يجذبه من رقبته إليه، وبضيق قال:
_إيه الهبل اللي بتقوله ده، فلوس إيه اللي تردهالي، أنا ثروتي كلها تحت رجليك، وبعدين أنا بشتغل وبعمل ده عشان مين؟؟
قالها وهو يجذبه لأحضانه، بينما يخبره بحزن:
_فداك مال الدنيا كله يا نوح، المهم تكون بخير.
واستكمل وهو يبعده عنه:
_ده أنا عامل الخزنة بشفرة إيدك عشان وقت ما تحتاج لفلوس مترجعليش وتأخد اللي يكفيك وبزيادة، وفي الآخر جاي تغلس عليا!
ارتسمت بسمة واسعة على وجهه، وقال وهو يزيح دموعا ارتسمت تأثرًا بحديثه:
_عارف يا كيوي، بس بحب أسمع لكلامك الحلو ده، حضنك بيعوض الجفاف العاطفي اللي عايش فيه، منه لله تيام مضيق خلقي وهو بره وجوه القصر إلهي ربنا يقل راحته البعيد.
اتسعت ضحكة" كِنان" و فاه:
_كفايا دعى الواد فيه اللي مكفيه.
وما كاد أن يجيبه حتى تفاجأ كلاهما ب"رزان" تخرج من حمام الجناح بفستانها الأسود الطويل، والمنشفة تحيط خصلاتها بينما تمضي للسراحة تبحث عن الجهاز لتجفف به خصلاتها المبتلة دون أن تنتبه لوجود "نوح"، الذي توسعت مُقلتيه واستدار تجاه أخيه الذي اصطنع أنه يحك أنفه بينما يكاد يسقط من الضحك على مظهر أخيه المضحك.
استدارت" رزان" وهي تردد بصوتها الناعم:
_حبيبي إنت لسه نايم؟!
برقت بدهشة من وجود "نوح"، ورددت بخجل:
_نوح إنت هنا من إمته؟؟
تجاهلها" نوح" وهمس لأخيه بغضب:
_أتاريك نازل تحطيم فيا من الصبح!
رنت "رزان" صوبهما فاستمعت له يهتف:
_أنا طلعت مغفل فعلا، أنا طلع عيني من سنين عشان الزفت اخوها يوافق على خطوبتنا، وضعفهم عشان يقبل بجوازنا وهو رافض، ولما اتجوزها تضيع من بين إيديا بينما سيادتك عايش الدور من أول لقطة كاميرا.
تفاجأت "رزان" بما يقول، وخاصة حينما استدار "نوح" لها يشاكسها بضيق:
_وإنتِ يا بت مش كنتِ قالبة عليه وتقوليلي مش طايقاه ومش عايزاه، بتنيلي إيه هنا؟
وعاد يتمتم:
_أخوكي عارف إنك هنا أصلًا!
ضحكت "رزان" ساخرة منه:
_إنت عندك فقدان ذاكرة ولا إيه، ما هو اللي دبس أخوك فيا!
حل الوجوم على ملامحه وهتف باستنكار:
_على الرغم من إنه حقير بس أول مرة يعمل حاجة واحدة عدلة في تاريخ حياته الإسود، مش زي تيام اللي تشوفه من برة تحسه قنبلة طيبة وهو قنينة سم عقارب شايلها جوه مكان قلبه.
حلت الشفقة على ملامحها، فربتت على كتفه قائلة بحزن:
_معلش يا نوح، مع الوقت هيتأكد إنك المناسب ليها، وبعدين إنت دلوقتي فرصتك أكبر من الاول، لأنها بقت مراتك وكمان رجعت تعيش معاك في نفس البيت.
زم شفتيه بنزق وهو يبعد ذراعها عنه وهو يصيح بدراما مضحكة:
_على الرغم من إنك الوحيدة اللي زعلتي عشان وضعي المؤسف، وقلبك طلع هين لين بس للاسف حاليًا متضايق من وجودك ومش طايقك، هتأخدي مني الواد اللي بيدافع عني في وسط جحر الافاعي اللي عايشين فيه ده، حتة الكيوي اللي طلعت بيه من الدنيا طمعتي إنتِ فيه وهتخليه يبعد عني، عن أخوه الوحيد!!
انفجرت ضاحكة على حديثه، بينما لف "كِنان" يده حول أخيه ودفعه تجاه باب الجناح بينما يهمس له:
_يلا يا حبيبي على امتحاناتك، وياريت متغشش حد تاني بالذات مراتك ده لو عايزها هي اللي تجري وراك ويكون في أمل للعلاقة المتنافرة دي.
وقف أمامه بالخارج يسأله بلهفة:
_وإفرض سقطت تيام هيتحجج ويقولك إستنى لما تتخرج.
فرك "كنان" أعلى أنفه بتعبٍ وارهاق منه، ثم صاح:
_خلاص غششها وخليك خفيف معاها لحد ما تلاقيه بيطلقها منك وبيجوزها لغيرك.
جحظت عينيه صدمة، وردد بصراخ:
_مين ده اللي يجرأ بس يرفع عينه فيها، ده أنا مش هسيب برص في الجامعه إلا وهعرفه اننا إتجوزنا، هحطه قدام الامر الواقع، لحد ما يترجاني أعمل الفرح.
تبدلت نبرة "كِنان" من المزح للجدية التامة:
_لا يا نوح، أوعى تستفز تيام خصوصًا بالفترة دي.
لاح التعب على ملامحه، وتساءل بحيرة:
_طيب أعمل إيه؟
أجابه وهو يربت على كتفه:
_متقلقش أنا هتكلم معاه بالوقت المناسب وأشوف دنيته إيه؟ المهم ركز في دراستك، وقبل ما تنزل خد من مكتبي الفلوس اللي محتاجها وأنا لما أنزل هخلي حيدر يحولك مبلغ كبير خليه على حسابك لوقت اللزوم.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه،ومال يضمه بحب:
_ربنا ما يحرمني منك يا كيوي.
رغم انزعاجه من دلاله الذي يمقته،إلا أنه ضمه وهمس له:
_ولا منك.
وأضاف وهو يبعده عنه بمشاكسة:
_يلا على جامعتك، وياريت بعد كده متقتحمش جناحي بالشكل ده، خلاص بقى ليا زوجة تشاركك فيا.
عاد الضيق يحتل قسماته، فإذا به يهدر بسخط:
_آه واخد بالي أنا، تصدق بالله إنت رشقتني عين وعديت إنت منها، يلا ما أنا سبق وقولتلك حظي متعوس هو!
وتركه يضحك على ما تفوه به ثم هبط الدرج للاسفل، فخطا "كِنان" للدرابزين يتابعه بحب، فاذا به يتوقف بالاسفل حينما توقف المصعد وخرجت "تالا" منه، اتسعت ابتسامة جذابة على وجه "نوح"، فألقى بحديث أخيه عرض الحائط وهرول صوبها:
_صباح الياسمين على أجمل دكتورة فيكِ يا إيطاليا.
مشطت القصر بنظرة مرتعبة وهي تنبهه:
_نوح!! إنت مش هتجبها لبر، مش قولتلك بلاش تكلمني طول ما تيام هنا!!
زفر بضيق وفاه بعدم مبالاة:
_ليه ان شاء الله، سيادته مش مقتنع إنك مراتي ولا إيه؟
عدلت من طرف حجابها بارتباك:
_لا بس آ...
قاطعها" نوح" بحدة وصوتٍ مرتفعٍ وصل ل"كِنان" بالاعلى:
_طيب بصي بقى يا تالا، بالصلاة على النبي كده عشان نكون على نور، لو متقبلتيش علاقتنا واتعاملتي معايا بطبيعتك ولبستي دبلتك واللبس اللي انا جبتهولك والأهم إن اللي حصل امبارح ده ميتكررش تاني يبقى مفيش ولا سؤال واحد هيخرج مني ليكِ، خليكِ وفية لأخوكي ولما تعيدي السنة إبقي اقعدي في أحضانه.
توسعت مُقلتيها بصدمة، ورددت بتوتر:
_بتستغل إني مكنتش بذاكر في الفترة اللي فاتت بسبب اللي حصل معانا يا نوح!
هز رأسه بتأكيد:
_أيوه أنا بني آدم استغلالي عادي جدًا.
وتابع بمكر:
_زي ما انتي بردو بتستغليني في اللجنه ولما بنخرج بتعملي نفسك متعرفنيش، وميزة إني بعرف أذاكر تحت أي ضغط وبقدر ألم المنهج كله في كام يوم تجبرك إنك تقبلي باللي بقوله وتقولي آمين.
وربع يده وهو يشير لها بتحد:
_ها آمين؟
كزت على أسنانها بغيظ، واضطرت أن تضع يدها بيده وهي تردد بتوعد:
_ماشي يا نوح، خليك فاكر الموقف ده يا استغلالي.
مضى رفقتها للخارج يفتح لها باب سيارته بسعادة، ومازال "كِنان" يراقبهما بابتسامة هادئة من الاعلى،وقد راق له ما فعله أخوه، بات يتأملهما باهتمام، يحب رؤيتهما معًا، رغم صغر أعمارهما ولكنهما يبدوان رائعين مع بعضهما البعض، تنهد بغموض وردد:
_مش هسمح لشيء يفرقكم عن بعض،مهما كان التمن!
قالها وعاد لجناحه مجددًا، فوجدها قد انتهت من تصفيف خصلات شعرها، وما أن رأته حتى رنت بخجل صوبه تخبره بارتباك:
_مكنتش أعرف إن نوح بره معاك.
منحها ابتسامة جذابة وقال:
_ولا يهمك، هو كده كده كان لازم يعرف، عشان يحترم إن الجناح ده بقى له خصوصيته، وإني بقى ليا زوجة زي القمر تسكن فيه.
ارتسمت ابتسامة رائعة على وجهها، ومازال يراقبها "كِنان" بعشقٍ يتلألأ بين بنيتيه، وشفتيه تتحرك بقوله:
_نسيت أقولك مبروك يا عروسة!
أعادت خصلاتها للخلف واتجهت ترتب الفراش حتى تتهرب من عينيه:
_ادخل خد شاور، هخليهم يطلعولنا فطار.
وحينما وجدته مازال يقف محله، تساءلت:
_إنت هتخرج؟
هز رأسه وهو يتحرك ليجذب المنشفة مجددًا:
_أيوه في صديق مهم أوي هنزل أقابله وهرجع تاني.
توسعت زُرقتها حينما استدار بذهولٍ، فأسرعت خلفه تتفقد ظهره من المنتصف، وهي تتساءل بقلقٍ:
_إيه اللي في ضهرك ده؟؟؟
ارتبكت معالم "كِنان" بشكلٍ ملحوظ، فاستدار صوبها قبل أن تمسه:
_ده جرح قديم وبسيط، متقلقيش
رددت بنفس نبرة فزعها:
_بس ده كبير جدًا وشكله غريب!
سيطر على انفعالاته وقبل كفيها:
_متقلقيش عليا أنا كويس، زي ما قولتلك ده جرح قديم ووجعه راح خلاص.
وأضاف وهو ينسحب لحمامه الخاص:
_اطلبي الفطار لما أخد دش سريع.
هزت رأسها بخفوت ومازالت صافنة باستغراب في شكل الجرح الغير مألوف لها، وعلى ما يبدو بأن هناك شيئًا غامضًا يحاول "كِنان" اخفاءه عنها!
*****
فتح لها "ماتيو" باب الدخول للجناح، فراقبته بنظراتٍ طعمت فيها الخوف ومضت تفتح الشرفة مثلما فعلت بالمرة الماضية، ولجت "قدس" للداخل تتأمل الحديقة بنظرة عميقة وكأنها تدرس شيئًا غامضًا وُكلت به.
كانت شرفة "عثمان" تحيط مسافة متسعة من القصر، وتنقص بالطول عن الشرفة السفلية التي طعمت للخارج كالصاج الضخم، صانعة بعدا كبيرا بين شرفة "عثمان" والطابق الأرضي، كأنها تضلل عن وجود ذلك الجناح بالكامل.
أفاقت "قدس" على صوت "ماتيو" الذي يردد بآلية:
_سينضم لكِ سيدي بعد قليل.
هزت رأسها وقالت وهي تدعي الخوف من وجوده:
_حسنًا، فلتذهب أنت.
قال بتلقائية:
_هل تودين أن أحضر لكِ مشروبًا؟
هزت رأسها بنفي:
_لا أريد ذلك.
رحل "ماتيو" وتركها بمفردها، فاذا بها تثبت نظرها للاعلى باندهاش، كانت هناك مجموعة دائرية من الزهور العملاقة، التي تحاوط الشرفة العلوية، وكأنها زهورًا الكترونية غير طبيعية بالرغم من مظهرها المخادع، لفتت انتباهها بشكلٍ كبير، وباتت حائرة ما بين انها حقيقية أم لا.
ضمت شفتيها بحيرة والفضول يكاد يقتلها، فرأت هناك سلما معدنيا عتيقا، موضوع بركن الشرفة، أحضرته "قدس" وثبتته جيدًا، ثم صعدت بجرأة لتستكشف الزهور الغريبة تلك.
وصلت للشرفة العلوية التي تعلو عن أرضية الشرفة بمسافة مخيفة، حاولت "قدس" سحب إحدى الزهور ولكنها كانت قوية بشكلٍ صدمها، وفجأة رأت التجويف الداخلي للزهرة فارتعبت حينما رأتها على شكل أعين، سحبتها "قدس" وهي تردد بانبهار:
_معقول في كاميرات بالشكل ده!!
فقدت تركيزها برؤيتها لما بين يدها، فاختل توازنها عن الدرج بعدما أصبحت تحمل الكاميرا بين يديها الاثنتين، فسقط الدرج عن سفح الشرفة، وأسقطتها عن شرفة "عثمان".
صرخت" قدس" بفزع وتعلقت بالدرج المتعلق لخارج الشرفة، وقبل أن تتمكن من الاطاحة بجسدها سقط الدرج وتهاوى معه جسدها ليرتطم بالطابق السفلي الخاص بأجنحه "تيام" و"كِنان" و"نوح"، سقطت على وجهها ويدها تتدلى للاسفل، وإن تحركت حركة صغيرة ستسقط من التندة الخاصة بالجناح لأرضية القصر السفلية الرخامية، وحتمًا ستلقى حتفها من ارتفاع مهيب هكذا.
جسدها اجتاحه ألم قاتل، والدماء تدفقت من رأسها، فتك بها الدوار بلا رحمة، وآخر ما تسلل لها صوت يناديها بفزعٍ:
_قـــدس!!
تنغلق عينيها رويدًا رويدا، ويتحرك جسدها عن الشرفة التي حاولت التمسك بها، بينما آخر ما إلتقطته عينيها زوجان من الاجنحة السوداء الضخمة، تلتقطها بقوة وترتفع بها بسرعة أعتى من ريحٍ تسابق عاصفة من الرمال، بينما عقلها في حالة اللا وعي يتخيل عينيه الرُمادية تطالعها بلهفة وحب، وهو يعود ليناديها ومازالت تشعر بأن جسدها مرفوع بقوة مخيفة:
_قـــــــــــــــــــــــــــدس!!!!!
......... #يتبـــــــــــــــــــع 💣......
أعتقد أنكم دلوقتي عرفتوا مين صاحب الجناح الاسود اللي جنب الظابط اللي بيرمز لفريق الاشباح بس كفايا عليكم كده 😂 عيد سعيد عليكم جميعًا، يارب الصدمة أقصد الهدية تكون عجبتكم 🫢🙂
#الاقـــــــــــــــوى_قـــــــــــــادم...
#آشبـــــاح_المخابـــــــــرات....
#آيــــــة_محمد_رفعت.
القمرات اللي بيسألوا عن أعمالي الورقية دي الاسعار بعد الخصم الخاص بمناسبة العيد، وده رقم الواتساب لتسجيل الحجز 01121530961
أعمال آية محمد رفعت
مزرعة بني يعقوب ب120ج بدلا من 150ج
غارثا جزئين (طالوس) 300ج الكتاب لوحده ب150ج لفترة محدودة
أبناء الخُضري (جُبران وما كُنت للحب الا جابرًا) ب250ج بدلا من 500ج
مافيا الحي الشعبي كتابين كبار ب400ج بدلا من 600ج
سلسلة صرخات انثى 7كتب ب1050ج بدلا من 1800ج
الجزء الاول لوحده ب450ج
الجزء التاني لوحده ب600ج
أشباح المخابرات الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية محمد رفعت
#مفاجأة_من_العيار_التقيل 💣
مساء الخير، كل عام وحضراتكم بألف صحة وسعادة، وبمناسبة العيد والاجواء الجميلة دي مدينتا عملت خصم مخصوص للقراء، خصم الـ50في المية، اللي مستمر معانا لحد يوم 1/6 الروايات هتكون بسعر جنوني حرفيًا من الاخر 🔥
اسعار كتب الكاتبة أية محمد رفعت
ابناء الخضري ب ٣٠٠ج بعد الخصم ١٥٠ج
مزرعة بني يعقوب ب ١٢٠ج بعد الخصم ٦٠ج
غارثا ب ١٥٠ج بعد الخصم ب ٧٥ج
طالوس ب ١٧٠ج بعد الخصم ٨٥ج
مافيا الحي الشعبي ب ٤٠٠ج بعد الخصم ٢٠٠ج
صرخات انثى ٧ كتب ب ٢١٠٠ج بعد الخصم ١٠٥٠ج
استفادوا من العرض قبل انتهائه، الخصومات متاحه إلى يوم ١/٦ فقط 🔥
الحجز فقط عن طريق بيدج دار، مدينة الأدباء للنشر والتوزيع ولان اللينك مش هيفتح هنا على الواتباد هسبلكم اللينك بأول تعليق، أو تقدروا تدخلوا البيدج بتاعتي(روايات الكاتبة آية محمد رفعت) هتلاقوا البوست موجود بالتفصيل، أو ادخلوا قناة الواتساب بتاعتي هتلاقوا كل التفاصيل
القناة اسمها روايات الكاتبة آية محمد رفعت 👑
واخيرا لو معرفتوش توصلوا ده رقم واتساب الدار 01121530961 هما هيساعدوكم، بحبكم في الله ♥
أشباح المخابرات الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_السادس_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات
Norhan Sallam, ام أيان،
Bayan Al-failat Qralleh، Nada Kholidy ،هاجر سامي حسين،ام مكه ومسك
،Ayat Asharf،ضي عيني، ام زين،ملك، كمال ،مريم مجدي، ايه محرم، شرين ياسر، اميره محمد،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أمواج عاتية من المياه، تتهاوى بشرارةٍ وكأنها في صراعٍ دام لانتزاع الحياة عنه، وبينما يحاول هو محاربتها يشعر بأن ذراعيه مُقيدة بأغلالٍ ثقيلة، كأنهما قابعين أسفل أحجار ضخمة، حاول أن يخلص نفسه، فتفاجأ بأن ذراعه يحمل شقيقته ويضمن لها النجاة من بين تلك الامواج، أما ذراعه الآخر كان يجذب فتاة يُوضع من فوق رأسها وشاحًا أسودًا، اندهش وهو يراقب تلك الفتاة الغامضة، وبينما يدقق النظر فيها كان جسده يغمره المياه بينما ترتفع ذراعيه بشقيقته وبتلك الفتاة، التي إنزاح عنها الوشاح وقبل أن يغرق جسده أسفل المياه تمكن أن يراها بوضوحٍ، والتي لم تكن سوى "رحيق"!
انتفض من نومه مفزوعًا، وأنفاسه تلهث كأنه كان في سباقٍ، تفاجأ "تيام" بالمكان الذي غفا فيه، والأحداث تتلاحق من فوقه، آخر ما تذكره هو بقاؤه بالأمس مع "ياسين"، وغفوته على الشاطئ.
نهض ينصب قامته وهو يفرك صداع رأسه قدر المُستطاع، وخرج يبحث عنه بالمطعم الذي لم يبدأ بعد باستقبال الزبائن .
التقطت أنفه رائحة شهية، جعلته يتجه إلى المطبخ مُباشرة، فتفاجأ ب" ياسين" هو من يصنع له الطعام بذاته، ويسكب فنجانين من القهوة لهما.
_صباح الخير.
قالها ومازال يوليه ظهره، واستدار بتلك اللحظة يمنحه نظرة دقيقة قبل أن يسأله:
_أحسن دلوقتي؟
هز "تيام" رأسه ومازالت علامات التعب تختلج ملامحه، سحب المقعد المُقابل للرخامة الطويلة. وجلس من فوقها يراقبه بصمتٍ، حتى حمل "ياسين" الطبقين وجلس يضع واحدًا أمامه والآخر أمام "تيام"، الذي دقق النظر بتنسيق محتويات الطبق بدهشةٍ.
لقد حول مكونات الفطور البسيط إلى طبقٍ فخم، فتح شهيته المفقودة، شعر بالفضول لتذوق طعمه ما إن كان بنفس الشكل الجذاب، جذب شوكته يبتلع أول ملعقة، وإذا به يرفع عينيه إليه:
_إنت ليه مش طباخ؟
اتسعت ابتسامة" ياسين"، فترك كوب قهوته الذي شرع بتناوله، ورد:
_أنا اشتغلت كل حاجة، لكن دي لا بصراحة!
أثار اهتمامه فاذا به يمرر بصره على جسده القوي بشكلٍ واضح:
_جسمك مش جسم شخص رياضي متعود يلعب رياضية عشان يحافظ على جسمه وخلاص، جسمك جسم مُقاتل!
لم يرمش له رمش، وهو أحق بأن يكون الأدهى بذكائه، يعلم أن "تيام" بتلك اللحظة يضعه تحت مجهر التحقيقات التي يخضع لها عقله الذكي، وخاصة وهو يرى بعينيه ندمًا وعتابا قاتلا لما صرح به له بالأمس، على ما يبدو بأنه كان ثملًا أو لم يكن بوعيه، والذي أمامه ثابتًا مهما قرأ من تعابير مُقلقة:
_ده يرجع لنفس الكلام اللي قولتهولك قبل كده، إني مسبتش شغلانه إلا واشتغلتها، كنت كابتن في نادي بعلم فيه كونغ فو لسنتين، واشتغلت بعدها فرد أمن لحراسة عقارات تخص رجال أعمال تقيلة، وبعدها اشتغلت في شركة حراسة، بس مفيش حاجة ثابتة كملت فيها، آخري كام كام شهر ونادرًا لو كملت سنة.
سأله ومازال يتطلع له، بينما يأكل "ياسين" طعامه بثبات:
_ليه مكنتش بتكمل؟
ترك الكوب من يده وقال وهو يبتسم:
_يابني ما أنا حكيتلك قبل كده بردو، إني فنان دماغي رامية لحب الخيول والرسم، بس الحاجتين دول مستحيل يعني هيعيشوني، لا الفن هينفعني في تدبير احتياجات حياتي ولا حتى الاعتناء بالخيول، لاني سبق واشتغلت في اسطبل.
وأضاف وهو يشير للطبق من أمامه:
_ما تأكل، الأكل مش عاجبك ولا إيه؟
هز رأسه وبدأ يستكمل طعامه وهو يمدحه:
_بالعكس ده رائع.
واستطرد بجدية تامة:
_فكرت في كلامي؟
سحب منديلًا يزيح بقايا الطعام، بينما يردد بخبث:
_ادارة المطعم بتاعك تقصد؟
أومأ برأسه بتأكيد، فاستطرد "ياسين":
_معنديش مانع، بس زي ما حكيتلك كده أنا مبكملش في شغلانه كتير، بس عشان خاطرك هحاول.
تبسم" تيام" في راحة انبعثت من حديثه:
_هتستمر بإذن الله، وهتحب المكان جدًا، ده غير انه مش هيكتفك عن هواياتك.
وأشار بيده على الشاطئ الذي يطل عليه المطعم:
_ده غير إن مكانك المفضل للرسم على بعد خطوات منك، هتلاقي إيه أفضل من كده؟
رفع حاجبيه بسخطٍ:
_فعلًا؟!
ضحك "تيام" بصوته كله، وشاركه الأخير، ثم أمسك على ضحكته وقال بجدية تامة:
_عمر امبارح قولت كلام مكنش ينفع أقوله، فياريت يفضل بينا وميخرجش أبدًا، ده مش لاني خايف على نفسي والله، ده من خوفي عليك، إنت متعرفش إجرامهم واصل لفين؟ اللي بيمر من قدام بابهم ولو بالصدفة بس حياته بتنتهي، وإنت بقيت غالي عليا أوي، أنا مش عايز أخسرك.
عاد يسحب كوب قهوته، يستكمله وهو يشير له:
_اعتبرني فقدت الذاكرة يا دكتور.
اتسعت بسمته وتنهد في راحة، ثم نصب عوده يجمع مفاتيحه وأغراضه:
_كده اتطمنت على المطعم، هسيبك تشوف شغلك، وهرجع القصر أطمن على تالا.
وودعه بإشارة من يده:
_سلام.
هز "ياسين" رأسه ببطءٍ، وعينيه الغامضة تموج بما زاحمها، وخاصة بعد أن تأكد أن كل شيء بدايته بين أصابع "عثمان التميمي" حتى وإن حاول خداع "قُدس".
******
ألمٌ مُبرحٌ يضرب رأسها، ثُقل جاسم فوق أهدابها، صوت تأوهاتها يخترق أذنيها، جاهدت لفتح عينيها، فاهتزت الصورة من أمامها بشكلٍ أرغمها على اغلاقهما مجددًا، ثم حاولت فتحهما ببطء حتى تثبتت الصور المهتزة من حولها، وكان أول ما رأته ذاك الذي يراقبها برمادية عينيه الخبيثة.
استندت"قدس" على مرفقيها حتى تمكنت من الجلوس، ومازالت تتفقد الشاش الملفوف حول رأسها بدهشةٍ، بينما يصل لها صوته القوي:
_حمد لله على سلامتك يا دكتورة؟
تركت جبينها وتطلعت له بحيرةٍ، بينما يراقبها هو بمكرٍ ولجواره يقف "ماتيو" في طاعة تامة، ينتظر فقط أي أمر يقدمه سيده له.
أبعدت "قدس" الغطاء عنها، وزحفت من فوق الفراش الضخم حتى وصلت لحافته والخاضعة بالقرب من وجوده، جلست تضم رأسها التي تعتصرها في محاولةٍ لتذكر ما حدث، حتى أنها تساءلت بارتباكٍ:
_هو إيه اللي حصل؟ أنا مش فاكرة أي حاجة!
ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيه، وبدا أنه غير مُتفاجئ بأنها تناست الجزء الخاص بسقوطها، بل بصلابة قال:
_اللي حصل إنك جريئة بتخالفي دايمًا الكلام والـ Rules اللي مينفعش تتخطيها.
واستطرد وهو يطالعها بسخرية:
_الظاهر إن وحش القلعة مش مخيف ليكِ أبدًا، أو إنتِ اللي شُجاعة بدرجة أعلى من المتوقع!
كانت تستند برأسها على ذراعها، تجتهد لتذكر ما حدث، وحينما فشلت نهضت عن الفراش وهي تنوي المغادرة، فاذا بالدوار يهاجمها مجددًا بشراسةٍ جعلتها كادت أن تسقط.
تحرر صوت "عثمان" ببرود:
_ماتيـو!
إلتقط إشارة سيده وعلى الفور حال بينها وبين السقوط، بل أحاطها وهو يردد:
_دعيني أساعدك سيدتي،إلى أي مكان تفضلين الذهاب إليه؟
رفعت عينيها المتعبة إليه، وهي تزيح يديه التي تحاوط احداهما خصرها والأخرى يدها، فخذلها جسدها وسقط أرضًا بضعف، انبلجت ابتسامة "عثمان" الساخرة، فحرك مقعده باشارة يده حتى بات قبالتها يهتف بنزق:
_ممكن أفهم سبب رفضك لمساعدة ماتيو أكيد يعني مش هتنزعجي من آلة مصنوعة من المعادن إنها تلمسك!! ومعتقدش ده راجع لخوفك منه مع إني أشك إنك بتخافي أصلًا؟
ضمت يدها لرأسها بتعبٍ، وفي نفس اللحظة تحيط رقبتها، شعرت بأن هناك ألمًا غريبًا ينبعث فيها، أحاطت غرفته بنظرة متفحصة، حتى لاحظت المرآة الطويلة.
زحفت "قدس" حتى وصلت لها، ومازال "عثمان" يراقبها بنظرة مستمتعة، تحسست "قدس" رقبتها، فلاحظت نقطة من الدماء التي توضح لها أن هناك إبرة طبية اخترقت وريدها، وبالرغم من صعوبة تذكرها لسقوطها ولما حدث، إلا أنها رأت مشهدا قصيرا أنعش ذاكرتها.
رأت نفسها والدماء تنهمر على وجهها، بينما تضعها ذراعان قوياتان على سرير "عثمان"، وصوته ذاته يتردد لها:
_قــــــــدس!!
بينما تنغلق أجفانها استسلامًا للدوار، وقبل أن تغلقهما بشكلٍ قوي، رأته يشرف عليها بقامته، يرفع رأسها بين كفيه، وهو يتفحصها باهتمامٍ ولهفة كانت ظاهرة داخل عينيه الرمادية، وفجأة اجتاحها ألم خفيف حينما دس محقنًا كان يحمله داخل وريدها، وحينها فقدت الوعي بشكلٍ كامل!
أفاقت ومازالت تتمسك بالمرآة، وحينما فتحت عينيها الموصدة رأت انعكاس صورته بها، يجلس بنفس الهيبة والبرود، وكأنه يثق بما ستتمكن من تذكره وبما محى من عقلها بشكلٍ أبدي!!
استدارت له" قدس"، ومازالت تحتمل على الانتيكات المتفرقة من حولها، وبغضبٍ شديد صرخت:
_إنت عملت فيا إيــــــــه؟
حافظ على نظراته الثاقبة نحوها، وبخبث سألها ببراءة تغادر مغادرة أبدية عن شخص مثله:
_أنـــا!! عملت إيه يا دكتورة؟!
تشبثت بما تميل إليه، وصاحت بانفعالٍ:
_إنت حقنتني بإيه؟!
اتسعت بسمته وبسخرية قال:
_يعني إنتِ مش فاكرة وقعتي إزاي وفاكراني وأنا بحاول أخففلك وجعك يا دكتورة؟
زاد ألمها بشكلٍ كبير، مما جعلها تتيقن أن إصابة رأسها أكبر مما تتوقعه هي، احتملت على الحائط حتى دعمت وقوفها، وتساءلت وعينيها لم تخسر حدتها بعد:
_تخففلي وجعي إزاي؟ واشمعنا في رقبتي، إنت ناسي إني دكتورة ولا إيه؟!
راقب قوتها الكامنة ببنية عينيها الشبيهة بحبات القهوة، تلك الفتاة الغامضة تجعله يختبر شيئًا يجهله هو، يُجزم أن جسدها الآن يؤلمها لوقوفها الطويل، ومع ذلك تتمالك قبالته وكأنها ليست طبيبة، بل محاربة تجابهه في ساحة معركة هو سيدها أو كما ظن هو.
تحرر عن صمته المدروس، وهو يطالعها بصلابة:
_جرحك كان كبير وأي مسكن مكنش هينفعك، ده غير إنه كان هيأخد وقت، فأسرع طريقة عشان مفعوله يشتغل هي الطريقة اللي عملتها عشان أقدر أخيطلك الجرح يا دكتورة.
توسعت عينيها بدهشةٍ، ورددت بصدمة:
_إنت اللي خيطتلي الجرح؟!!
قالتها واستدارت للمرآة مجددًا، تنزع الضمادة بفزعٍ من أن يكون شوه جبينها ورأسها من الخلف، فاذا بها تتطلع لنفسها بصدمة تزداد عليها عنفًا، ومن خلفها ابتسامة واثقة كأنه يتوقع ما سيصيبها، بينما تتحرر نبرته الرزينة:
_عيب البشرية كلها إنعدام الثقة.
جبينها كان طبيعيًا بشكل مبالغ فيه، ولولا شعورها بالألم لظنت أنها لم تُصَب بأي جرحٍ، حتى رأسها من الخلف كان الجرح مُقطبا بنفس الطريقة الساحرة.
استدارت تقابله بنظرة شك، وإذا بها تتساءل:
_أنا وقعت إزاي؟
زوى حاجبيه ساخرًا منها:
_سلامتك يا دكتورة، إيه الضربة خليتك تفقدي الذاكرة ولا إيه؟
وتابع بمشاكسةٍ لم تنسب له قط:
_هزعل لو كنتِ نسيتي اسمي، والشفرة السرية اللي كانت ما بينا.
ضيقت عينيها بحيرة، ورددت:
_شفرة إيه دي؟
ردد وهو يحافظ على جدية ملامحه:
_الوحش والجميلة.
وأضاف بحزن غير ملموس، حتى أنه يبتسم في ذات الوقت:
_ مالك يا دكتورة، قلقتيني عليكِ!
سددت له نظرة حادة، واستكملت طريقها وهي تستند على الحائط لتغادر من أمام عينيه، ولكنها كانت تتوقف بعد كل مسافة تلتقط أنفاسها بتعبٍ، والدوار يضربها بعنفوانٍ، حتى أتاها صوته:
_اسمحي لماتيو يوصلك، ومتخافيش منه ماتيو مش مخيف خالص!
استدارت له من محلها، تشيعه بنظرة غاضبة، أنهتها حينما قالت:
_إنت مخيف أكتر منه!
مال برأسه للخلف وهو يقهقه بشدةٍ، وصوته يظهر فيها بحته الرجولية:
_مش هقدر أصححلك فكرتك عني طول ما أنتِ شايفاني وحش القلعة المخيف!
وأضاف وهو يحرك مقعده صوبها:
_الجناح كبير وفيه غرف كتيرة، لو تعبانه ممكن أديكِ غرفة، ومتقلقيش أنا مبزعجش الجميلات خاصة لو شايفني وحش مخيف!
شيعته بنظرةحارقة، وتبسمت ساخرة منه:
_أنا لو خايفة منك مكنتش اتصابت وأنا بحاول أكسر القواعد بتاعتك زي ما أنت بتقول.
وأضافت بقوة جعلته يتابعها بحيرة:
_أنا عمر الخوف ما عرف طريقه ليا، مهما حاولت أبينله ضعفي، قلبه بيكون حاسس إني فريسة مش سهلة، هتقف في زوره وتقضي عليه.
ورفعت رأسها له تسأله بنبرة واثقة:
_الاوضة طريقها منين؟
رسم ابتسامة نبع فيها الإعجاب رغمًا عن أنفه، فاذا به يردد بهدوء:
_ماتيــو.
أتى الروبوت يقودها لممر ضيق صغير موجود بجناح "عثمان"، اتبعته وهي تتعجب أنه قد ذكر أن الجناح يمتلك أكثر من غرفة، فإذا بها تتفاجأ بانتهاء الممر الضيق وتجد من أمامها باحة واسعة، تتفرق فيها الطرقات لتؤدي لسُبلٍ مختلفة، سلك احدهما" ماتيو" وقادها إلى غرفتها.
******
مكان معزول ومُقبض بشكل يوحي للأعين أنه يخص قبور الموتى أو تابعًا لمافيا خطيرة تختبئ خلف ذلك الصمت المخيف والرائحة المُقبضة، وكأن المدعو من قام بدعوته قاصدًا أن يبث فيه الرعب، ولكنه لا يعلم أن تلك الطرقات المخيفة لا يمكنها أن تؤثر في شبحٍ اعتاد على الأبشع من ذلك.
أوقف "زين" الدراجة النارية الخاصة به، وهبط ينزع خوذته، وهو يشمل المكان المخفي خلف شلالات المياه بنظرة بطيئة، ابتسم ساخرًا حينما شعر بأن هناك أعين تراقبه، لذا عاد يميل على دراجته النارية ببرود، بعدما قرر أن لا يخطو خطوة واحدة، سيترك من يراقبونه يزفون الخبر إلى سيدهم ليأتي بذاته ويستقبله.
بقى "زين" محله يلهو بنظارته السوداء، كان يرفعها للاعلى وفي كل مرة يلتقطها دون أن تمسها يديه، مضت عليه عشرة دقائق، حتى ظهر "كنان" من أمامه ويتبعه مجموعه من الحرس الخاص به.
أشار لهم بالتوقف رغم اعتراضهم وبالأخص "حيدر" الغير راضي عما يفعله سيده، مضى إليه "كنان" بمفرده، يقدم يده ليصافحه بحرارة:
_وأخيرًا، مدخلتش ليه أول ما وصلت؟
نصب "زين" جسده العضلي، وراقب كفه بنظرة ساخرة، ومع ذلك مد كفه له وهو يتمتم:
_كنت بدي فرصة للي بيراقبوني يتأكدوا إني جاي لوحدي.
طالعه بإعجابٍ صريح، هو بالفعل بحاجه ماسة له، شخص بذكائه وقوته سيكون اضافة كبيرة له، وبالرغم من أنه يعلم القوانين الا أنه سيفعل ما بوسعه ليضمه إليه.
أحاط "كنان" كتف "زين" وخطا جواره صوب الحوائط الحجرية السوداء، وهو يردد:
_معلش، إنت أكيد متعود على الشغل ده، وعارف إن الحذر والاحتياطات من أهم قوانين البقاء.
هز "زين" رأسه دون مبالاة، ومضى رفقته صوب الحوائط التي تتدفق فيها المياه فتجعلها رطبة للغاية، مرا من خلفه ومنه إلى الآخر كأنه في متاهة ملتوية، ومازالت مجموعة الرجال يتبعونهما حتى وصل للداخل حيثما رأى ساحة ضخمة تشملها طاولة كبيرة، وأكثر من عشرين مقعدًا، والرجال ذو الحلة السوداء يغمرون المكان بأسلحتهم، مشط "زين" المكان وقد وجد أن عددهم ينحصر ما بين ثلاثين لأربعين رجلا.
أشار له "كِنان" على إحدى الغرف الجانبية، وهنالك انفصلت عنه مجموعة الحرس ولم يدخلوا خلفهما إلا "حيدر" الذي لمس فيه "زين" خطورته، ونظراته التي تحمل الضيق الصريح من وجوده، تجاهله "زين" ومضى صوب المكتب الذي احتله "كنان"، جلس" زين" على المقعد المُقابل له وهو يلهو بالطفاية الموضوعة أعلى سطح المكتب، بينما زيتونته تتوزع على المكان وهو يهتف بسخرية:
_كل الحرس ده وعايزني أحميك!
منحه "كِنان" بسمة هادئة وقال:
_القوة عمرها ما كنت بضخامة الجسم يا سلطان،حتى لو كان الحارس قوي هتلاقي الذكاء نقطة ضعفه.
وتابع وهو يشمله بنظرة دقيقة:
_وإنت متوفر فيك الاتنين الذكاء والقوة وحاجة تالتة أنا مستغرب منها.
رفع "زين" حاجبه ببرود، كأنه يتساءل عما يقصد، فتابع "كِنان":
_الشهامة اللي نادرة جدًا في أي شخص شغله شمال.
استدار" زين" للخلف حيثما يقف "حيدر" الذي يحيطه بنظرات تراقبه بنيران مُشتعلة، ثم عاد يشير إلى "كنان" الذي تعجب من اشارته ومع ذلك مال على المكتب ليكون جزئه العلوي قريبًا من همسه:
_بطل تمدحني قدام الحارس بتاعك، عينه بتطلع شرار وشكله كده ناويلي على نيات كتيرة، بس عشان نكون على نور أنا ليا طاقة تحمل، ممكن أعدي مرة والتانية،التالتة رقبته هتكون بتدحرج تحت رجلك، فألحق عقل الجته دي عشان بدأت أزهق من الروس اللي بوقعها من غير ما أقبض عليها عمولة!
تحررت ضحكات "كِنان" بشدة، وبصعوبة سيطر على اشارة يده وصوته:
_استنى بره يا حيدر.
ازداد الغضب بعينيه، وردد بخشونة:
_إزاي هسيبك معاه لوحدك يا باشا.
مال "زين" بمقعده له، وبثقة قال:
_وأنا لو عايز أعمله حاجه إنت هتقدر تحميه مني!
تأهب بوقفته من شدة العصبية، فشدد "كِنان" عليه:
_نفذ الكلام اللي قولته بدون مشاكل يا حيدر.
ردد باستنكارٍ:
_بس يا باشا آ...
ارتفع صوته الغاضب يوقفه عن اتمام جملته وهو ينصب عوده :
_هو إيه اللي مش مفهوم في كلامي عشان أكرره ليك مرتين!! قولت غور بره يبقى تنفذ وإنت ساكت.
أحنى رأسه بارتباكٍ، وشيع "زين" بنظرة متوعدة قبل أن يغلق باب المكتب من خلفه، وما أن جلس حتى عاد "زين" يتساءل:
_ها قولي بقى، بتشتغل في إيه؟ أبيض ولا أسود؟
ارتسمت بسمة إجرامية على ملامحه، ورفع يده يشير له:
_في الإتنين، البودرة والسلاح.
همس وهو يغمز له:
_الله!
وتابع وهو يستند على المكتب:
_ده إنت سكتك طويلة أوي.
هز "كنان" رأسه بتأكيدٍ، وأجابه:
_أطول مما تتخيل، ولو ركبت معايا أوعدك إنك هتمسك فلوس عمرك ما حلمت بيها.
واستطرد وهو يشير له بغموض:
_لو موافق البداية هتكون بعمليات بسيطة، لحد ما أحس إنك بقيت متمكن وجاهز للي جاي.
اتسعت ضحكة "زين" الساخرة، وصحح جملته:
_تقصد لحد ما أنجح باختباراتك وتحس إني آمين للخطوات اللي جاية.
منحه "كِنان" ابتسامة تزداد اعجابًا بذكائه:
_إنت مش سهل يا سلطان، وده اللي عاجبني فيك!
*****
هبطت "رحيق" للحديقة تتبع الخادمة، التي أرسلتها لها "رزان" حتى تخبرها بأنها بحاجة لها، رأتها تجلس على إحدى الطاولات الخارجية للقصر، وحينما اقتربت منها أشارت لها "رزان":
_رحيق فينك من الصبح يا بنتي؟!
تحرر صوتها المبحوح وهي تجيبها:
_هكون فين يعني يا روز، كنت فوق.
تعجبت من صوتها، ووقفتها الغير متزنة، فأشارت لها على المقعد المقابل لها:
_طيب واقفة ليه اقعدي.
اعترضت على طلبها، وهتفت بانزعاج:
_خايفة هارون يلاقيني بره جناحي فيزيد من افعاله عشان يغيظ تيام، وأنا والله ما بطيق قربه.
شددت" رزان" على مطلبها بلطف:
_الاتنين بره، اقعدي محتاجه أتكلم معاكِ.
رضخت لها وأبعدت المقعد تجلس من فوقه باستسلامٍ، فبدت أكثر رؤية لمن تدقق النظر فيها:
_إيه ده عينك مالها؟؟
تدفقت دموع "رحيق" بألمٍ، جعلها تتمنى الموت حتى تحصل على الخلاص:
_تيام كسرني وهاني يا رزان، تصوري كان فاكرني رايحله أوضته بأمر من هارون، وبيلمح إني عاهـ**
ابتلعت باقي كلمتها وهي تنهار باكية، بشكلٍ جعل "رزان" تترك مقعدها وتجاور جلوسها حتى تمكنت من ضمها إليها، انهارت بين ذراعيها باكية بانكسار، والأخرى رغم الوجع الذي يستحوذ على قلبها تشدد عليها وتحاول بضعف التخفيف عنها:
_معلشي يا روح قلبي، هو بردو معذور يا رحيق، اللي حصله مكنش سهل، ودلوقتي هارون القذر بيكمل على اللي فاضل فيه.
وتابعت "روز" وهي تمرر يدها على خصلات شعرها وتطبطب بحنان عليها:
_متستسلميش يا رحيق، حاولي بأي شكل عشان تقوليله الحقيقة، حتى لو اختار ميكملش معاكِ بس على الأقل يعرف إن الوضع اللي انتي فيه مفروض عليكِ وغصب عنك.
أبعدت رأسها للخلف تطالعها بصدمة:
_أقوله إيه يعني، أقوله إني غلطت مع هارون قبل الجواز وبإرادتي، ده كده هيستحقرني أكتر يا روز.
أطبقت "رزان" على شفتيها بغضب وكرهها لأخيها يزداد يومًا عن يوم، واذا بها تقول:
_على فكرة اللي حصل ده فيه حاجه غلط، انك تكوني مع هارون بالتوقيت ده وراه شيء هو اللي خططه ليكِ عشان يعمل كده في تيام.
هزت "رحيق" كتفيها ورددت بآنينٍ:
_حتى لو صح، النهاية إيه إنه حصل فعلًا، ومعاه فيديو أنا فيه معاه بارادتي، وطبعًا تيام عمره ما هيصدق غير اللي عينه هتشوفه.
واستطردت وهي تخفي وجهها بين كفيها:
_أنا تعبت يا روز، تعبت من كل حاجه ونفسي أرتاح.
مسدت على خصرها والدموع زحفت على وجهها هي الأخرى، هي الوحيدة التي تُقاسمها وجعها:
_مش عارفة أقولك إيه، أنا كمان خايفة من مصيري مع كِنان، خايفة يجي عليا الوقت اللي اتمنى أكون فيه أم، خايفة أكرهه وأشوفه أناني في يوم من الأيام.
تمعنت بها "رحيق" بنظرة استشفت بها زواجها الرسمي من "كِنان"، وحزنها القطعي الظاهر بحديثها، ربتت على يدها بقوة:
_متفكريش في اللي جاي يا رزان، كِنان بيحبك وإنتِ متأكدة من ده، هتحتاجي إيه أكتر من كده.
هزت رأسها وهي تجيبها:
_أيوه بيحبني، بس الحب مش كفايا يا رحيق.
كادت أن تجيبها، ولكنها توقفت حينما توقفت سيارة "نوح" على بعدٍ منهم، هبطت منها "تالا" وعينيها تكاد أن تخترق "رحيق"؛ فتجددت جذوع الألم داخلها حينما رأت صديقتها التي انقطعت صداقتهما مع انقطاع علاقتها ب"تيام".
وقفت الاخيرة تطالعها بنظرات كانت غامضة ل" رحيق"، فاذا ب"نوح" يرنو صوبها ويذكرها بحديث أخيه:
_تالا متنسيش اللي كِنان قالهولك.
استدارت له ودموعها تشق الطريق على وجهها، فاكتفت أن تهز رأسها له بخفوت، ومضت للداخل على الفور، بينما أشار "نوح" إلى "رزان" هاتفًا بصوت مرتفع:
_روز عايزك.
تركتها "رزان" واتجهت إلى "نوح"، الذي ولج بها للداخل، بينما بقيت" رحيق" بالخارج تجفف دموعها، وتنتظر عودتها، فاذا بمن يخطف المقعد المقابل لها، ويجلس وهو يردد باستمتاعٍ عجيب:
_باركيلي البنت اللي بحبها رضيت عليا، ولبست خاتم الخطوبة، وعن قريب أوي هتيجي القصر ده وهي مراتي، بس مش عارف هتقبل بوجودك هنا ولا هتضطري تعيشي في بيت الخدم اللي ورا القصر!!
******
بالخارج.
بقى في سيارته مترددًا في الدخول إلى القصر، لا يرغب حتى في رؤيتها وخصوصًا بعد رؤيته الحلم المُؤلم الذي بات مُتحيرًا في فك لغزه حتى تلك اللحظة، تنهد "تيام" بثقلٍ، ثم هبط يتجه إلى الداخل حتى يطمئن على شقيقته.
ولج "تيام" إلى الداخل، وبينما كان بطريق دخوله لفت انتباهه صوت صراخ مرتفع، استدار تجاه المسبح الضخم فرأى "هارون" يشدد من مسك ذراع "رحيق"، ورغم أن صراخهما كان مرتفعًا للغاية إلا أنه لم يسمع لنص حديثهما لبعد المسافة.
صرخت" رحيق" وهي تحاول أن تنتشل ذراعها منه، قائلة بقوة رغم ألم ذراعها:
_تتجوز واحدة أو حتى مليون ميهمنيش، المهم إنك تطلقني، هتخيرها على وضع أنا مش قابلة بيه من دلوقتي، فبلاها واعتقني لوجه الله
غمس أظافره بذراعها، وباستمتاعٍ قال:
_رجعتي لنفس الاسطوانة الحمضانة دي تاني، واضح إنك مش بتملي وأنا نفسي معاكِ أطول مما تتخيلي.
وأضاف وهو يجذبها إليه بعنفٍ ومازال يشدد على ذراعها:
_قولتلك قبل كده، وجود تيام هنا عمره ما كان فرصة لرجوعك ليه، تقبلتي ده أو متقبلتيش ده اللي هيحصل غصب عن عين أهلك.
تأوهت وهي تحاول أن تنتزع يدها منه، قائلة بدموعٍ اشتقت طريقها:
_سبني يا هارون.
كاد أن يستكمل افعاله الدنيئة، ولكنه توقف مصعوقًا حينما رأى "تيام" يراقب ما يحدث، نجح برسم ابتسامة سريعة، وادعى أنه يلاطفها، ثم جذبها لأحضانه، وقال قبل أن تحاول دفعه عنها:
_حبيب القلب بيتفرج، لو المشهد باظ هعرف إن حزامي وحشك وأنا مقدرش أحوشه عنك.
تهاوت دموعها تباعًا، وخاصة حينما رضيت بما يفعله عاجزة عن الاعتراض، بينما استكمل "تيام" طريقه للاعلى ولم يبتلع الطعم هذه المرة، لقد تيقن أن ذلك الشيطان يحاول اخفاء أمر ما، بل بات متأكدًا أنها مرغمة على السماح له بأن يقترب منها!!
*****
_يعني إنت عايزني أعمل إيه بالظبط يا نوح؟
قالتها "رزان" بحيرة بعد سماع ما قال، فتنهد بضيقٍ:
_بقالي ساعة برغي مع حيطة!! يا بنتي إيه الصعب في الحوار، بقولك عايزك تقربي لتالا، هي دلوقتي ملهاش حد ومحتاجه لبنت تفهمها، فحاولي تكوني الحد ده.
زمت شفتيها بنزقٍ على أحلامه التي يظنها سهلة الحدوث:
_صداقة مع تالا اللي عمرها ما استلطفتني، وأنا ببادلها نفس الشيء!
صاح يهددها بغضب أضحكها:
_إياكِ تغلطي في مراتي، أوعي تفكري نفسك بقيتي حاجة عشان بقيتي مرات أخويا الكبير يعني وكده، لا يا حبيبتي العلاقة ما بينا مش هتتغير عن إنك صاحبتي الانتيم اللي بتأخد فوق دماغها وتنفذ اللي بطلبه منها.
ربعت يديها أمام صدرها بخبث لحق قولها الماكر:
_ماشي يا نوح، لما كِنان يرجع نشوف رأيه بكلامك ده.
انتفض عن سور التراس الذي كان يعتليه، وصاح بتوتر:
_وندخل كيوي في حوارتنا الحساسة دي ليه يا بنت الحلال، استهدي بالله كده وخليكِ مرات أخ عاقلة!
رددت بعقلانية وهي تحاول حبس ضحكاتها:
_هحاول، سيبني أفكر في موضوعك وأدرسه من كل الجوانب، ويا سيدي لو لاقيتها اتغيرت وبقت لطيفة كده معنديش مانع أضرب معاها صحوبية لأجل خاطرك إنت بس!
*****
عاد "ياسين" إلى الشقة الخاصة به، بعد أن قضى اليوم بأكمله في إدارة مطعم "تيام"، وحينما وجد المراقبة تزداد عليه أراد أن يخدعهم بأنه يعود إلى منزله حتى يظنوا أن الامور تُجرى بطبيعتها.
صعد بالمصعد للطابق الذي يقطن فيه، وما كاد بفتح باب شقته، حتى وجد" صوفي" تخرج من شقتها بوجهها المشوه وتتصنع أنها تضع القمامة خارج الشقة، تفاجأ "ياسين" بإصابتها البليغة، فقطع الطريق حتى يسهل خطتها، فاقترب يسألها باهتمامٍ مقصود:
_ماله وشك؟
تطلعت له بسعادة، وهي لا تصدق أنه من بادر بأول خطوة، كانت تظنه ثقيلًا فبات سقوطه يزيدها ثقة وأملًا في سرعة تحقيق ما يريده "هارون"، لذا رددت بتعبٍ مصطنع:
_بنت من اللي شغالين معايا، بتغير مني جدًا عشان المدير بتاعنا عينه عليا أنا، اتلككت ليا وبهدلتني.
وتأوهت بألمٍ وهي تتحسس بشرتها المُتورمة، بينما يربط" ياسين" الأحداث ببعضها البعض، وقد استشف بأن من فعل ذلك هي قطته الشرسة العنيدة، قبض على بسمته بقبضة قوية، وراح يُبين لها حزنه وتأثره الشديد بها:
_مفترية أوي البنت دي، شوهت وشك.
ادعت بكاءها ومالت طرف فستانها عن كتفها وهي تشير له:
_مش وشي بس، دي بهدلتني.
خطف نظرة لما تريه إياه والتقزز يحتل معالمه نفورًا منها ومن أي أنثى قد يمنحها نظرة غير حبيبة قلبه، ولكنه سايرها بمكر وهو يرى علامات الأسنان التي خلفتها "مرين":
_يا حرام، دي أكيد من أكلين لحوم البشر.
هزت رأسها تؤكد له، ومالت تعبث بقميصه الأسود ومازال ثابتًا أمامها، بينما تهمس له بصوتها الخليع:
_من ساعة ما رجعت البيت وأنا نايمة تعبانه، ومش قادرة حتى أعمل لنفسي أي حاجه، حتى الأدوية اللي الدكتور كتبهالي قبل ما ينزل من شوية مش لاقيه حد يجبهالي.
اهتز جسده أسفل يديها، فظنته أنه يستجيب للمساتها، بينما يزداد هو تقززًا وكأن عقربًا يتحرك على صدره، أبعد" ياسين" يدها وقال وهو يرسم بسمة هادئة:
_بسيطة هاتي الروشتة وهنزل حالًا أجبهالك.
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وقالت وهي تشير له:
_بجد؟ طيب تعالى.
انصاع لها وولج للداخل حتى قدمت له الروشتة، جذبها "ياسين" وهبط لأقرب صيدلية، حمل الدواء وصعد يقدمه لها:
_أدويتك وده أكل طلبته من المطعم اللي تحت كليه قبل الدوا.
قالت برقة مصطنعة:
_مش عارفة أقولك إيه، عذبتك معايا يا عمر
رد عليها وهو يتفنن ليريها أنها سيطرت عليه بالفعل:
_متقوليش كده ده إحنا حتى جيران.
رسمت بسمة واسعة، وعادت تقرب يدها منه وهي تقترح:
_طيب ما تيجي تتغدا معايا.
منحها ابتسامة جذابة، وقال:
_سبقتك يا قمر، أنا لو جعان فأنا جعان نوم، بس أوعدك تتعوض مرة تانية.
هزت رأسها بتفهمٍ، ووقفت تراقبه وهو يدخل إلى شقته، وقبل أن يغلق بابها منحها ابتسامة ساحرة، وسرعان ما تلاشت مع انغلاقه، وعاد الوجوم يحتل وجهه، فإذا به يدخل لغرفة نومه يضيء أنوارها، ثم أضاء ضوء حمام الغرفة.
وهم من يراقبه أنه أخذ شاور وبانطفاء الأنوار بأنه قد غفا نومًا، بينما ينسحب هو من الدرج الخلفي ويغادر إلى منزله السري.
******
حمل "ماتيو" صينية الطعام، وطرق على الباب وهو يردد بآلية:
_الطعام سيدتي.
فتحت "قدس" عينيها بتعبٍ شديد، وقد اجتاحتها حرارة غريبة جعلتها لا تستطيع أن ترفع جسدها عن الفراش.
اقترب "عثمان" منه، فقال وهو يلف رأسه تجاهه:
_سيدتي ترفض فتح الباب، هل أحطمه سيدي؟
أشار له بالتنحي جانبًا، ثم طرق هو الباب وقال حينما ظن أنها تخشى التعامل مع ماتيو:
_افتحي يا دكتورة.
لم يستمع لشيءٍ إلا آهات خرجت منها، جعلته يعيد فتح الباب الذي أغلقته هي من الداخل، عساها لا تعلم بأن كل شيءٍ داخل الجناح من صنع يديه.
تفاجأ بها تغفو على الفراش بوجهٍ شاحب، العرق يبلل وجهها والوسادة من أسفلها، تحرك "عثمان" بمقعده، يتلمس حرارة جبينها، فاذا بها تدير وجهها بعيدًا عن كفه ، وهي تحذره بصوتٍ هامس:
_ابعد عني، متلمسنيش.
تجاهل ما تقول، وتابع ل"ماتيو":
_ضع الصينية عن يدك واحضر لي بعض المياة الباردة وقطعة من القماش.
نفذ ما يقول وهو يردد بآلية وبصوتٍ مزدوج:
_حسنًا سيدي.
غاب قليلًا وعاد بعد قليل يقدم له ما يحمله، جذب "عثمان" وجهها له ليتمكن من وضع قطعة القماش، فهددته بشراسة حتى بالرغم من تعبها الشديد:
_إيدك لو لمستني هكسرهالك.
تبسم رغمًا عنه، وردد ساخرًا:
_مش لما تكوني قادرة تقفي، لسانك مقوي قلبك يا دكتورة.
فتحت عينيها بصعوبة، وتطلعت له بتعب انتقل لصوتها:
_مش لساني بس! أنا قادرة أدافع عن نفسي من أمثالك.
توقف عما يفعله وتعمق بعينيها بنظرة غامضة وقولًا ماكرًا:
_معتقدش واحدة في رقتك بالإجرام ده.
ابتسمت بسخطٍ، رغم الآلام المُبرحة التي تصيب جسدها:
_اللي اتربت يتيمة من صغرها من غير أب، وفي رقبتها أم مريضة، لازم تبقى بالإجرام اللي يخليها قادرة تعيش حياتها.
ظهر الوجع برماديته، وقد اندمس بماضيه الذي يزيده وجعًا فوق أوجاعه، عاد منه سريعًا يجدد قطعة القماش بالمياه الباردة، وقبل أن يمسها سحبتها منه "قدس" ووضعتها بنفسها، وكل مرة كانت تغيب عن الوعي تعود سريعًا حينما تشعر بكفه يقترب ليضع لها قطعة القماش، كانت هي التي تضعها في كل مرة يقربها منها.
نجحت أن تجعله ولأول مرة حائرًا فيمن أمامه، فإذا به يميل صوبها ويهمس وهو يدقق النظر فيها:
_جايبة كل القوة دي منين؟!
******
قطعت الردهة ذهابًا وإيابًا، وهي تترقب عودته بلهفةٍ، انتقلت إلى قلق وهي تراقب الوقت من الحين والآخر، وحينما وجدت الباب السري يتحرك، أسرعت إلى الحاسوب الخاص بها، تفتحه وهي تدعي انشغالها به.
ولج "ياسين" للداخل يراقبها بنظرة خبيثة، دخل إلى المطبخ حينما وجدها تجلس على مقعد الرخامة، يتصنع انشغاله بصنع كوب من القهوة، وهو يقول دون النظر لها:
_زين فين؟
أجابته ومازالت تمثل انشغالها بالحاسوب:
_خرج من ساعتين ولسه مرجعش.
قال وهو يرنو لمكينة القهوة:
_تحبي أعملك معايا قهوة؟
رفعت عينيها له تتطلع له بغيظٍ من بروده، وكأنه لم يتشاجر معها قبل مغادرته، وتنسى سريعًا ما قاله لها.
_أخدتي كام صورة؟
قالها "ياسين" وهو يغمز لها، فعادت تتطلع إلى الحاسوب وهي تتجاهله تمامًا، بينما تزداد بسمته خبثًا، وقف ينتظر نضوج القهوة وهو يصفر باستمتاعٍ، جعلها تصيح بانفعالٍ:
_في ناس بتحاول تشتغل هنا؟
حمل كوب قهوته، واتجه يجلس قبالتها ببرود:
_والناس دول مش ليهم أوضة خاصة بيهم؟
أجابته وهي تهتف بنزق:
_والله براحتهم يقعدوا مكان ما يحبوا، المكان مش بتاعك لوحدك يعني!
هز رأسه بتأكيدٍ، ورفع كوب قهوته يرتشفها وهو يراقب أصابعها:
_أمال فين خاتمك؟ قلعتيه كده من أول يوم، كده فال مش لطيف على فكرة.
تعمد إغاظتها وقد تجسد الغيظ والحنق بأكمله على وجهها، وخاصة حينما تابع:
_ويا ترى بقى هارون اداكِ الخاتم إزاي، بطريقة جديدة ومختلفة ولا التقليدية اللي بيعملها نص الشباب، انحنى وقدملك الخاتم؟
لوت شفتيها بتهكمٍ قبل أن تجيبه:
_وده هيفرق معاك في إيه؟
منحها ابتسامة باردة، ثم سحب رشفة طويلة من كوبه قبل أن يقول:
_فضول مش أكتر.
استغلت ما قال حينما سألته:
_إنت عملت إيه في يومك من باب نفس الفضول؟
أجابها وهو يتفحصها بنظرة ماكرة:
_ولا حاجه، وقفت بالمطعم شوية عشان أقنع تيام إني قبلت بالشغل، وبعد كده عديت على شقتي.
ما أن قال آخر كلماته حتى أبعدت زُرقتها عن شاشة الحاسوب، وتساءلت باهتمامٍ ملحوظ:
_روحت الشقة ليه؟
سدد لها نظرة عميقة، جعلتها تعيد خصلاتها البنية للخلف وهي تُهدئُ من لهفة حديثها:
_هما رجالة هارون لسه مراقبينك؟
شرب جرعة من قهوته الساخنة، وقال بنبرة حويطة:
_آيوه، وكمان صوفي عينيها عليا بالفترة الاخيرة.
وأضاف بتلاعبٍ:
_تصوري إنها بتألف عليا حوار مش عارف إذا كان صح ولا بتعمل كده عشان توصلي.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وتساءلت:
_حوار إيه ده؟
أجابها وهو يركز مع كل حركة مرتبكة تصدر منها:
_وشها كله كدمات، بتقول إن زميلتها بالشغل هي اللي عملت فيها كده بسبب غيرتها منها.
واستكمل ومازال يتصنع ثباته:
_صعبت عليا فنزلت جبتلها أكل ودوا
وقال بخبث داه:
_دي حتى ورتني عضة رهيبة جدًا، لدرجة إني حسيت أنها كانت بتتخانق مع أكلين لحوم البشر.
أغلقت "مرين" حاسوبها بعنفوانٍ كاد بكسر شاشته، بينما تصيح بغضب:
_وإنت إيه اللي وصلك إنك تشوف كتفها يا سيادة القائد يا محترم!!
وفور أن نطقت جملتها حتى برقت بصدمة لسقوطها في الخدعه التي عرقل ساقها فيها، تابع "ياسين" ارتشاف قهوته باستمتاع مستفز:
_لأنها ببساطة ورتني الإصابة اللي اتسببت فيها قطتي الشرسة!
رفرفت بعينيها بارتباكٍ وخجل، فنهضت تحمل الحاسوب الخاص بها وهي تتمتم بغضب تتخفى به منه:
_الحق عليا إني كنت بحميك منها ومن مياصتها، كانت بتتفق عليك مع هارون، وطالعه من عنده وناويالك، بس الظاهر إن الرخص بتاعها عاجبك وواكل معاك يا محترم.
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة، ولف مقعده حيثما تستعد هي للرحيل:
_هيعجبني فيها إيه وأنا مش شايف غيرك قدامي.
توقفت عن استكمال طريقها، واستدارت إليه تتطلع له بدهشةٍ، بينما يهمس لها "ياسين" مُبتسمًا:
_وكأن جمال نساء حواء كله اتجمع فيكِ.
رمشت بتوترٍ والحمرة تتسلل إلى بشرتها من فرط الحياء، بينما يترك هو فنجانه وينهض قبالتها، يقدم تهديده الكامن بوضوحٍ:
_خاتم القذر ده لو لمحته في إيدك تاني مش حابب أهددك باللي هعمله، تبلغيه انه وقع أو اتزنقتي فيه وبعتيه، تدوري على حاجة تالتة ورابعة ميهمنيش.
عادت من ربكتها، تستعيد قوتها:
_بتهددني سيادتك؟
هز رأسه بتأكيد:
_آيوه بهددك.
تركت ما تحمله على الرخامة، ووقفت تجابهه:
_وإلا هتعمل إيه يا قائد؟
ابتسم وهو يتابعها بمكر:
_هأمرك بالانسحاب من المهمة عنيدة هانم.
ربعت يديها أمام صدرها بعناد:
_متقدرش تعملها.
غمز بثبات قاتل:
_جربيني وشوفي آخر ما عندي.
وتابع وهو يميل هامسًا:
_سبق ودخلتي في تحديات كتيرة معايا من واحنا عيال صغيرين، فكريني في مرة كسبتي فيها؟
بدا الغيظ والغضب يحتفلان بانتصارهما على ملامح وجهها الجذاب، فرددت من بين اصطكاك أسنانها:
_متستفزنيش بكلامك يا ياسين وإلا هعمل عكس كلامك غيظًا وعندًا فيك.
تركها واتجه للبراد، يجذب الدورق الموضوع فيه وهو يقول:
_أنا حاسس إني مفتقد الجوكر، بفكر أستدعيه.
قالها واتجه للخَفَّاق وشرع بصنع مشروبها المفضل، بينما تتجه خلفه بغيظ:
_إنت بتهددني ببابي يا ياسين؟!
هز رأسه وهو يسكب معكبات الثلج المصنوع من النعناع:
_تهديد ترويع ترغيب سميها بأي مسمى يتماشى معاكِ .
وتابع ما يفعله وهو يستكمل:
_إنتِ عارفاني كويس بتاع فعل من يوم يومي.
سكب محتويات العصير بالكوب، ولف يقربه منها:
_ده هيساعدك تهدي أعصابك وتأخدي قرار.
قدمه لها وإتجه إلى غرفته القاطنة بالطابق الارضي، يجهز ملابس بيتية مريحة له، ومازالت تقف هي بالخارج قبالته، ترمقه بغضب شديد اتبع صراخها:
_إنت مستفز على فكرة.
وتركت الكوب وهي تهم للصعود فأوقفها:
_مـــرين.
توقفت محلها على الدرج، تراقبه وذراعيها مُربعة أمام صدرها، في حين أنه يحمل الكوب الذي تركته ويصعد ليكون قبالتها:
_مهما حاولنا نتحدى ونعاند بعض، أنا وإنتِ عارفين كويس إننا هنكون لبعض في يوم من الايام، فبلاش ندوس على مشاعر بعض أكتر من كده.
فكت عقدة يديها وهي تتهرب من عسليته بارتباكٍ، فاسترسل هو ويمنحها الكوب:
_ أول رصاصة اخترقت جسمي واحنا أطفال كانت وأنا بحميكِ منها، ودلوقتي وأنا بالسن ده توقعي هعمل عشان حمايتك إيه؟
ارتجفت حينما تذكرت تلك الفترة من حياتهما، شردت رغمًا عنها بالماضي الذي لطالما كان هو و"زين" جزءًا منه، ولم تفق إلا حينما استطرد بصوته العميق:
_واللي بعمله دلوقتي جزء من حمايتي ليكِ، هارون لازم يتوضعله حدود حمرا وإلا هيحاول يخلي مصيرك زي ضحاياه.
أفاقت من شرودها وهي تقول:
_أنا فعلًا حطاله حدود يا ياسين.
ارتسمت بسمة مُهلكة على شفتيه، فعاد يرفع الكوب لها:
_واثق فيكِ بس معنديش ثقة فيه، عشان كده بحاول أهيئك لأي غدر جاي منه.
هزت رأسها بتفهمٍ، وحملت منه الكوب وهي تخبره ببسمة رقيقة:
_ميرسي.
صوت انغلاق الباب جعلهما يستديران للخلف، فاذا ب"زين" ينزع جاكيته الثقيل وهو يتمتم ساخطًا بينما يستكمل طريقه لغرفته:
_ييييه وقفوا قصاد بعض تاني، العملية ناقصة فض خناقات توم وجيري، أهو ده اللي ناقصني مش كفايا حيدر اللي شبه مزلقان العتبة ده.
وصاح بصوتٍ جاهد ليجعله جهوريا مخيفًا:
_قطعوا بعض بالاسلحة بس يا ريت من غير أي صوت.
وولج للغرفة أمام نظراتهما المندهشة، بينما يعود برأسه للخلف وهو يصيح بهما:
_طبعًا ما انتوا بالكم هادي ورايق، أخدين أدوار سهلة، لكن إبليس توابيت اختياراته ليا دايمًا اسبشيل موقعني مع الكومندا.
وعاد للداخل ثم خرج لهما يصيح منفعلًا:
_فايقين للغيرة والمناكفة في بعض ولا على بالكم المصايب السودة اللي بواجهها بره، طالعين تتدلعوا وتحبوا في بعض ولا على بالكم!!
ثم ولج برأسه وعاد لهما من جديد يصيح:
_واحد بامكانياتك وضخامة عضلاتك دي ميدخلش هو لكِنان وحيدر ليه؟!
ثم ولج لغرفته وعاد وهو ينزع قميصه ويستبدله ببيجامة رجالية:
_داخلها بالواسطة وممشيها جوه المهمات بالواسطة بردو، وقائد على إيه معرفش!!
وعاد للداخل ثم مد رقبته لهما:
_راجع من بين الضباع عشان أفككم من بعض، فاضي أنا للعب العيال بتاعكم!
وتابع وعينيه تشمل "ياسين" هذه المرة:
_لو أبويا ماضيلك على كمبيلات صارحني وأنا هدفعلك الفلوس!!
ثم دخل وعاد برأسه لهما:
_يالا يا عالم يا مُهزأة.
قالها ودفع الباب بقوة، جعلت "مرين" تتطلع الى "ياسين" مُتسائلة بذهول:
_ماله ده؟
تمتم وهو يقدم لها المشروب ويتجه إليه:
_هعرف منه، بس تقريبًا اتكشف والمهمة فشلت!
*****
زفرت بضجرٍ وهي تحاول للمرة الثالثة حل تلك المسألة المعقدة، دست "تالا" الأقلام بخصلات شعرها المتشكلة على هيئة قطتين، بينما تنثر الأوراق من حولها وهي تتمتم:
_هعمل إيه دلوقتي؟ الإمتحان بكره؟
وتنهدت بضجرٍ ثم لاح بعقلها زوجها ولحسن حظها أنه لطالما كان طالبًا مجتهدًا، وكل عام يحصد مركزا من المراكز العشرة على الدفعة بأكملها، فرقعت بأصابعها وهي تتمتم بسعادة:
_لاقيتها.
ولكن سرعان ما تبددت بسمتها حينما تذكرت وجود "تيام" بالغرفة المجاورة لها، تسللت "تالا" إلى الباب الفاصل بين غرفتها وغرفة أخيها، فتحته بهدوء وحينما وجدته يجلس على الأريكة ويعبث بالهاتف الذي يحمله،أعادت غلق الباب ثم تسللت إلى الخارج.
بحثت "تالا" عنه بغرفته ولكنها لم تجده، تمتمت بانزعاجٍ:
_راح فين ده؟
_تحت في ساحة الاسكيت.
قالها "كِنان" من خلفها، فابتعدت عن باب الغرفة واستدارت تقابله بارتباكٍ، جعلها تتمتم وهي تشير على الكتاب الذي تحمله ببلاهة:
_آآ... أنا... أصل المسألة صعبة وآآ... هو بيعرف يحلها وآآ... أه الامتحانات بكره وآ..
رفع كفه يمازحها:
_بس بس، أنا قولت إيه لكل التوتر ده، إن شالله يشرحلك الكتاب كله مش جوزك!
رفعت القلم أمام عينيه بتوتر مضحك:
_لا والله دي هي مسألة واحدة.
رفع يديه كأنما تثبته بالسلاح:
_مصدقك.
سحبت القلم وهرولت إلى المصعد وهي تتمتم بسخطٍ:
_إيه الهبل اللي بقوله ده!
هز "كِنان" رأسه وتحرك إلى جناحه، ولج للداخل وهو يبحث عنها، فوجدها تغفو على الكرسي الهزاز بشرفته، نزع جاكيته وإتجه لها، حرك المقعد الساكن حركته، فرددت ببسمةٍ رقيقة قبل أن تفتح مُقلتيها:
_كِنان!
وجدته يطالعها بابتسامة جذابة، وقال من ذلك القرب:
_إني أرجع البيت وألقيكِ بتستنيني في أوضتي كان حلمي البعيد عن الواقع.
ارتخت بجلستها باطمئان، وتركته يحرك المقعد، بينما تشاكسه:
_ولما هو حلمك كنت بتصدرلي الوش الخشب ليه يا كيوي!
ضحك بملء ما فيه، وراح يهددها:
_ما بلاش لفظ نوح اللي هقتله بسببه في يوم من الايام ده، ولا إنتِ غاوية تضلميها علينا والسما لسه منورة وشمسها منور بين ايديا.
قالها وهو يقرص وجنتها، فاتسعت ضحكاتها وقالت:
_خلاص خلاص، هختارلك دلع تاني.
أشار على ذاته مستهدفًا شهادتها وهو يرفع قامته ليجلس على السور:
_بذمتك أنا ينفعني دلع؟
شملته بنظرة متفحصة وأجابت:
_بصراحه لا، بس بردو مش هستسلم.
جذبها ليحيطها من الخلف بذراعيه بمكرٍ:
_فكري وإنتِ في حضني عشان لو قولتي حاجة معجبتنيش هطير بيكِ وأسيبك من فوق تنزلي نزلة أورجينال.
ضحكت بصوتها كله، وما كادت أن تجيبه حتى ابتلعت حديثها فور ان استمعا لصوتٍ من خلفهما، وما كان إلا صوت صراخ "تالا" على "نوح"، وقد تجرأت وصفعته صفعة جعلت كليهما يبرقان بصدمة، بينما تتمتم" رزان" بسخرية:
_أخوك كان عايزني أبدأ أقرب من مراته المجنونه وأصاحبها، دي مش طبيعية بجد!!
*****
بينما بالاسفل.
صعق "نوح" من الصفعة التي تلقاها، بينما تصيح فيه "تالا" بغضب:
_آه يا قليل الأدب يا مستغل.
حافظ على تخشب ملامحه، رغم أنه كاد أن يسقط من شدة الضحك، بينما يشير على ذاته بصدمة:
_أنا مُستغل يا تالا؟
هزت رأسها بكل تأكيد، وصاحت بعصبية دون أن ترى من يقف خلفها:
_لما تستغل الظروف الصبح عشان أركب معاك في مقابل إنك تغششني في الامتحان تبقي مُستغل، ولما دلوقتي تستغل اني مش فاهمه المسألة وتآآ... آآ..
ابتلعتها بجوفها بحرجٍ، بينما تستكمل بانفعالٍ:
_تبقي استغلالي و60ألف استغلالي.
رمقها بنظرة غاضبة، وصاح:
_هو احنا مش متجوزين يا بنتي، ولا أنتِ فقدتي الذاكرة!
صاحت بانفعال ويدها تشير له بالقلم:
_كنا، ودلوقتي تيام رجع يبقى علاقتنا رجعت لأول سلمة.
تنهد "نوح" بضيقٍ شديد وراح يهددها:
_اعقلي يا تالا وبطلي كلامك اللي يضايق ده، الامتحان بكره هتحتاجيلي وهكرفك.
رددت بدهشة:
_ها إيه؟
كبت ضحكته وأوضح لها:
_هطنشك يعني.
أتاه صوت ملاك موته يُزف له:
_ده أنا اللي هكرف لأمك ووقتي، بتتحرش بأختي!
جحظت عيني "نوح" صدمة، حينما رأى "تيام" قبالة عينيه، فجذب "تالا" يختبئ خلف ظهرها وهو يصيح بتلعثمٍ:
_تحرش إيه دي مراتي!!!
وكأنه كان يتوقع أن تهدئه تلك الكلمة، ولكنها أخرجت عنه غضبًا جعله يحاول الوصول إليه، والاخر يلف بزوجته من خلفها، فصاحت رعبًا عليه إن طالته يد أخيها:
_تيام أنت فاهم غلط صدقني.
منحها نظرة صارمة، وهدر ساخرًا:
_ليكِ دور جايلك يا غشاشة الامتحانات، بقى أنا بعد كل اللي بعمله معاكِ ده وتطلعي ناقشة الامتحان ومن مين من الواد ده؟!
حذره "نوح" وهو يصيح من خلفها:
_مسميش واد اسمي دكتور نوح التميمي!
ضربه من أعلى رأس "تالا" وهو يصيح باستهزاء:
_اخرس يالا، دورك جاي.
وعاد يجذب شقيقته بعنف:
_ثم إني مش منبه عليكي متتحركيش من اوضتك من غير علمي، نازلة تتسحبي وجايله هنا ليه؟؟
قالت وهي ترفع الكتاب الذي تحمله:
_وقف عليا مسألة واحدة والله، ونزلت عشان يفهمهاني.
ضيق عينيه ساخرًا:
_وهي المسألة دي اللي هتنجحك يعني!!
ردد "نوح" في محاولة للفكاك منه:
_متقلقش عليها يا تيمو، أنا معاها في اللجنة وهسربلها الامتحان كله، نجاحها من نجاحي أوعى تقلق!!
ترك "تيام" شقيقته وتمكن من جذب "نوح" عنها، وهو يتوعد له بغيظٍ:
_تعالالي هنا بره عشان نعرف نتفاهم.
وعند ذلك الحد وانتقل "كنان" من الاعلى للاسفل، واقترب منهم بصدره المكشوف، الذي أفصح لزوجته عما كان يحدث سابقًا، فاذا بها تبرق وهي تبحث عمن كان يجاورها منذ قليل، وعينيها تبرقان بصدمة وهي تراه قد أصبح لساحة المعركة.
سحب "كنان" أخاه من بين يدي "تيام"، وأشار له وإلى" تالا"، فأمسك يدها وهرول بها بعيدًا عنهما، وهو يهمس لها:
_بينا نهرب من هنا، هما تيران زي بعض وهيعرفوا يتفاهموا مع بعض!
وما أن تأكد "كِنان" من مغادرتهما حتى صاح:
_في أيه يا تيام؟ إنت بتتعامل مع نوح كأنه عدوك اللدود ليه، ما تركز يا حبيبي مع عدونا الحقيقي وتسيب عصافير الكناريا في حالهم!
تغضن جبينه غضبًا، انتقل لنبرته المتعصبة:
_أخوك كان بيتحرش بأختي وتقولي سايب عدوك اللدود.
ضحك بصوته كله، وراح يصحح له:
_أولًا هي مراته، ثانيًا أخويا الوحيد اللي متربي جوه قصر الرزيلة ده فاطمن عمره ما يعمل حاجه شمال حتى لو تالا مراته.
هدأ قسماته المتشنجة رويدًا رويدا، فهو صادق بحديثه عما يخص "نوح"، بينما تمعن فيه" كِنان" وسأله باهتمام:
_نسيبنا من لعب العيال ده ونركز في اللي اتحدنا عشانه، واللي استحالة يتم الا برجوعك للساحة.
وأضاف مُتسائلًا باهتمام:
_هترجع المختبر أمته؟
ردد بصوتٍ مطموس بالوجع:
_من بكره، بلغت ماتيو يبلغ عثمان.
هز "كنان" رأسه بهدوء، بينما قال "تيام" بحدة:
_كنان حاول تخلي الكلب ده يسحب الرجالة اللي بتراقبني وبتراقب صاحبي، ده لو مش عايزني أقتله واختصر عليك سكة الانتقام دي.
انزوى حاجبيه بدهشة:
_صاحبك! صاحبك مين يا تيام!! أوعى تكون حكيتله عنك حاجة، إنت عارف إن مستحيل نسمح لحد يدخل دايرتنا بسهولة.
سيطر على ارتباكه وبدا ثابتًا:
_لا متقلقش ميعرفش حاجه.
رغم أنه لم يصدقه بشكلٍ كامل، الا أنه هز رأسه وهو يتمتم:
_بتمنى!
واذا به يتفاجأ ب"ماتيو" من خلفه، يردد بآلية مرعبة:
_سيد كِنان، السيد عثمان يريد رؤيتك.
شيع "كِنان" "تيام" بنظرة مستهزئه وهو يهمس له:
_اذكرني بدعواتك لحد ما أرجعلك.
ضحك ساخرًا وهو يراقبه يغادر للاعلى، بينما مضى "تيام" بالحديقة وهو يضع يديه بجيوب بنطاله، حتى رآها تجلس بالتراس الكبير، المتصل بجميع الطوابق، عبر الدرج الحلزوني.
حارب "تيام" رغبته بالصعود لها، حتى يتمكن من النبش عن الماضي، وبالرغم من انتصار قلبه الا أنه كان يتراجع، وبالنهاية وجد ذاته بالقرب منها.
كانت جالسة بسكونٍ تام، تحمل شيئًا بيدها لم يستطيع أن يراه جيدًا من مكانه، ولكنها كانت هائمة به بحزنٍ استطاع رؤيته بدموعها المُتساقطة.
اقترب "تيام" بفضولٍ؛ لرؤية ما تحمله بيدها، فاذا به يرى قلادته التي سبق وشراها لها، والتي شدد عليها بارتدائها دومًا، خفق قلبه بقوة، وفجأة وجد ذاته يندفع إليها، ينتزع منها ما بيدها وهو يطبق عليه بقوة.
صعقت "رحيق" مما حدث، اضافة لصدمتها بوجوده، وبما فعله، نهضت عن مقعدها تجفف دموعها سريعًا، وهي تستدعي صوتها المبحوح:
_تيام! إنت بتعمل إيه هنا؟ هات السلسلة
وتابعت وهي ترفع يدها لتجذب ما أخذه منها بتوتر:
_رجعلي السلسلة من فضلك.
رسم بسمة ساخطة، ورفع من يده للاعلى حتى لا تتمكن من الوصول إليها:
_غريبة إنك لسه محتفظة بالسلسلة لحد النهاردة، سايباها في رقبتك ليه؟؟ بتفكرك بإيه بالظبط؟؟ حبنا ولا خيانتك ليا؟؟
حاولت الوصول إلى يده، وقد بدأت الدموع بالانسياب على وجهها:
_من فضلك يا تيام هاتها.
اتسعت ابتسامته الساخرة، وراح يهتف بألمٍ:
_إنتِ عايشة دور مش دورك يا رحيق.
وأضاف وهو يطبق على يده بقوة:
_كان لازم تتخلصي منها من زمان، زي ما عملتي معايا ومع حبي.
صرخت فيه وهي تحاول الوصول لقبضته:
_أنت عايز مني إيه، سيبني في حالي وهات اللي يخصني.
ضحك باستهزاء وقال:
_متخصكيش، ولا إنتِ تستاهليها، هتتلوث لو اتحطت حولين ست خاينة زيك.
قالها وألقاها عن يده، ففزعت "رحيق" وهي تركض صوب سور التراس، تراقب محل سقوطها ببكاءٍ، ثم استدارت تقابله بنظرةٍ دامية، قبل أن تهبط من أمامه بصمت.
تعجب "تيام" حينما وجدها تهبط للاسفل، حيث تلك البقعة التي ألقى فيها القلادة، تركز كشاف هاتفها باحثة عنها بجنون.
مضت دقائق عليها ومازالت تبحث بين الحشائش الخضراء حتى وجدتها، حملتها بين يدها ونهضت عن الارض، فتفاجأت به يقف من خلفها، يطالعها بدهشة لحقت سؤاله:
_إيه سر احتفاظك الغريب بيها؟
منحته ابتسامة منكسرة، ورددت بنبرة سوداء نقلت له ظلاما تخلله:
_دي الحاجة الوحيدة اللي محسساني إني لسه عايشة!
وتركته ومضت للداخل حيث جناحها، تنزوي من خلف بابه باكية، تنهار مثل قطعة من القماش تهدر عنها الخيوط خيطًا تلو الآخر!
*****
بينما بالاعلى وبجناح "الديزل" بالاخص.
وقف يراقبه بصمت، جعل الاخير يختبر ارتباكًا مما سيلقيه على مسمعه، وخاصة وهو يراقبه بنظرة عميقة لم يصل أحدٌ لأعماقها من قبل، حتى تحرر عنه الحديث:
_مش شايف إنك بقيت بتتحرك بحرية زيادة عن اللزوم، عدم اتخاذ الحذر هيوقعك ووقوعك تمنه هيكون عسير.
علم بأن الحديث الهادئ لن يكون مساره طبيعيًا الآن، فردد:
_أنا واخد حذري متقلقش.
تغاضى عن جملته ورفع كفيه يستند بهما على بعضهما وهو ينطق بما جعل به "كِنان" منصدمًا والرعب والخوف يتجليان على ملامحه:
_نوح خلاص على وشك إنه يتخرج، ده الوقت المناسب عشان يخضع للجراحه، أنا حاسس إن نسبة نجاحها عليه هتكون كبيرة عن فشلها كل مرة مع هارون، خصوصًا إن الجينات بينكم متطابقة بشكل كبير ولا إيـه؟
برق بعينيه بصدمة، وراح يصيح:
_لا يا عثمان، أخويا لاااا.
رفع عينيه الرمادية المرعبة له، وردد بابتسامة أكثر رعبًا:
_إنت اختلط عليك الشخصيات ولا إيه يا كِنان، في فرق بين عثمان والديـــزل!!
وتابع وهو يطرق على مقعده بغضب:
_أعتقد إنك ذكي كفايا عشان تفرقني في وقت غضبي عن وقت تسامحي معاك!!!!
...... #يتبــــــــــع.....
أشباح المخابرات الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_السابع_عشر!
(إهداء الفصل للقارئة الغالية "أم يوسف" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك..بحبكم في الله...قراءة ممتعة يا جميلة 💙)
جاهد لكبح غضبه بصعوبة بالغة، حتى وإن بلغ كرهه أعناق السماء، سيظل هو الزعيم، "الديزل" الذي يحقق لهم الأمان والحماية ضد العدوان الخفي الذي خلفه أباؤهم بعد موتهم، ولم يكن لهم ظهرًا قويًا يكون ساترا لهم من وابل الرصاص والفتن إلا شخص واحد "عثمـان التميمـي".
خرج" كِنان" عن صمته الذي طال وهو يجتهد ألا يثير غضب من أمامه، فقال برأفة وهدوء:
_عثمان أنا عمري ما كنت ضدك في شيء، أنا دايمًا بكون في ضهرك، وأي حاجه بتطلبها مني مهما كانت درجة خطورتها بدخلها بدون أي حسابات، بالرغم من إن هارون بيحاول بكافة السبل إنه يثبتلك إنه الأجدر والأفضل، بس إنت عارف إن لو في يوم اتعرضت لأي رصاصة غدر هيكون هو أول واحد ينط من المركب، عكسي تمامًا أنت على ثقة إني جاهز أضحي بحياتي عشانك فبلاش تخسر محبتي الكبيرة ليك وتجني مني كراهية مهما حاولت أتغلب عليها مش هقدر، ومصيرها هتغلبني.
انتهى من حديثه وراقب رد فعله باهتمامٍ، وجده مازال يستند على ذراعيه ويتابعه بهدوءٍ، تمزق فور أن تحرر صوته الثابت:
_هجني كراهيتك بإيه بالقوة والسيادة اللي هقدمهم لأخوك!!
ردد "كِنان" برجاء رغم أنه يحجب من خلفه قوة غضبه الساحقة:
_سبق وقولتلك قبل كده أنا معاك في كل حاجة، بس بشرط بعد نوح تمامًا عن كل ده، وإنت ولأنك طول عمرك بتحترم قدسية وعدك مسبقش وطلبته ينضم لينا، فجاي دلوقتي وعايز تخلف بوعدك ليا!!!
نبعت بسمة ساخرة على وجهه، وهتف بحزمٍ مخيف:
_الديزل كلمته واحدة ومبينسهاش لو مهما عدي عليها زمن.
واستطرد وهو يتابعه بنظرة غاضبة:
_بلاش تخلط الأمور ببعضها، وخاليك عارف إن لولا اللي عملته معاك مكنتش وصلت للقوة وللي انت فيه دلوقتي.
بدا الحزن ظاهرًا على معالم وجهه حتى صوته انطفأ مثله:
_عارف إنك بالعملية دي خلتني بقوة مرعبة، بس أنا دفعت تمنها غالي أوي يا عثمان، فضلت سنة كاملة بحاول أتأقلم على الشريحة اللي ركبتهالي، الموضوع كان مُؤلم وغير محتمل، فأكيد مش هقبل بكده لنوح أبدًا.
اتسعت بسمة سخريته، وردد بصوت صلب:
_وبعد الألم ده وصلت لإيه؟؟
انتظر سماع إجابة منه، ولكن الآخر التحف بالصمت قدر ما تمكن، مما دفع "عثمان" لاستكمال ما يقول:
_لولا الشريحة دي مكنتش وصلت لكل ده، اللي عملته فيك خلى العدو يخاف على حياتك قبل الصديق، وأولهم هارون اللي بيحميك بالرغم من كرهه ليك، والله أعلم لو مكنتش الوحيد من بعدي اللي جيناتك نجحت تتأقلم مع الشريحة كان هيحصل إيه؟
وأضاف بجمودٍ تام:
_خمستاشر سنة وأنا شغال وبطور الشريحة بكل جهدي، وأول ما جربت زرعتها كانت فيا أنا، عشان معرضش حد منكم لأي أذى لو كانت ضارة، ولما نجحت عليا وإتأكدت إنها صالحه 100 في المية، جربتها عليكم كلكم، بس للاسف منجحتش مع حد غيري أنا وإنت بالرغم من إني طورتها أكتر من مرة، بس كل مرة بتفشل مع هارون وتيام.
واستطرد وهو يطرق على ذراعي المقعد المتحرك:
_ودلوقتي وبعد اللي حصل معايا زمان مبقتش قادر أسيطر على قوتي، بقيت عاجز عن كل حاجه، يعني حاليًا مبقاش في غيرك إنت، والأمل الكبير في نوح.
اقترب منه خطوتين ورغمًا عنه غارت عينيه بالدموع:
_نوح لا يا عثمان، عشان خاطري إبعده عن كل ده، أخويا ضعيف ومش هيتحمل كل ده.
وسقط على ركبتيه وهو ينهار باكيًا:
_أنا مش عايزه يبقى زيي، مش عايزه يعيش الأيام اللي عشتها، مش عايز رجليه تخطي خطوة واحدة في الحرام اللي محاوطنا، وحياة أغلى حاجه في حياتك ما تخليني أخسر الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي يا عثمان.
راقبه بنظراتٍ خاوية بظلامٍ دامس، وصل لقلبه قبل أن يتغلب على روحه، سحب نفسًا طويلًا يفرج به عن زحامه القابض على صدره، ثم تحرر صوته العميق:
_مهما حاولت تحميه مصيره في يوم رجله هتتكعبل في الوحل اللي اتزرع لينا من قبل حتى ولادتنا.
وببسمةٍ فاترة استكمل:
_كلنا تم اختيارنا من وقت ما اتولدنا، وزي ما تم اختياركم لأدواركم واحد ورا التاني أنا كمان اختاروني للي أنا فيه ومن و أنا عيل عندي 13 سنة.
رفع "كِنان" رأسه إليه يلمس وجعًا قابضًا، كان يحاول "عثمان" اخفاءه منذ سنواتٍ وقد نجح في ذلك سابقًا، حتى أفرج عن ذرة مما خاضه:
_اللي ظاهرلك إنت وولاد عمك وفاكره طريق المعاصي والمحرمات نقطة في بحر في اللي أنا عايش فيه.
وطعنه بنظرة يحوم بها الشيطان بملاذٍ مرعب:
_لو حد اتفرض عليه دوري مش هيتحمل يقضي يوم واحد وسط اللي أنا فيه، عقله هيفلسع منه وهيعيش عمره كله يتعالج نفسيًا من الصدمات.
وارتسمت بسمة لم تمت للضحك بأي صلة، بدت وكأنه مهرجٌ يستعد لإقامة حفل لسكينٍ سيمزق أعناق المدعوين:
_أنا الشيطان نفسه بيشفق عليا من اللي بشوفه بعيوني!
وقبض قبضة قوية في نفس تحرر قوله:
_ومع ذلك واقف قدامكم زي الظل، باعد ألف عين وعين عنكم، ولو بعدت مسافة صغيرة، هتكونوا عرضة لمخلوقات أبشع من الشياطين.
وتابع ببسمته الثابتة:
_أول ما أرفع إيدي عنكم، ودعوا حياتكم لإنها هتكون آخر لحظات هتجمعكم بيها، بعدها هيستقبلكم موت وياريته زي ما في توقعاتكم، الموت عندهم أبشع كابوس ممكن يتخيله عقل البشر، مهما كان ذكائه، مستحيل يوصل لعقول ملوثة بالقذارة اللي اتغذت بيها أرواحهم!
ومنحه نظرة قوية وهو يقول:
_الشريحة اللي بتقلل منها دي لو اكتشفوها هيعجز عقلهم إن مهاراتي وقدراتي واصلة للذكاء ده كله، وهيعملوا أي حاجه عشان توصل ليهم. في حين إن سيادتك شايفها شر لأخوك، ومع ذلك رفعت إيدي عن نوح بمزاجي.
وبرفعة إصبعه هدر بتحذير:
_بس كل حاجة وليها تمنها، وبما إنك الوحيد اللي نجحت معاه شريحتي يبقى حريتك من دلوقتي ملكي أنا!
ولف مقعده وهو يشير له بصلابة:
_أغلقي الباب من خلفه آيلا.
علم بأنه قد أنهى النقاش المتبادل بينهما، لذا أنسحب بكل هدوء، وبداخله راحة واطمئنان بأنه تراجع عن قراره فيما يخص أخاه، ولكن مازال ماضي "عثمان" يثير فضوله وفضول من حوله، حيال عما خاضه بالصغر حتى تلك اللحظة!
******
إنتهت من عملها اليوم بجد ونشاط، ومازالت شاردة في باقة الزهور من حولها، وابتسامتها الساحرة تزيدها فتنة وجمالًا، مررت أصابعها على الزهور النادرة، وعشقها الفاضح يعلو مُقلتيها اعلان صريح بانتمائها إليه.
مازالت تهتم بروي الزهور بالمياه، وهي تخشى أن تذبل وتغادر عنها الحياة التي قد وهبها إياها "زين" وهو زين الرجال.
تنهدت "مارال" بعاطفة ترفرف دائمًا شوقًا إليه، فلطالما كان غائبًا عنها هي وشقيقتها، اعتادت أن تقوي شوقها وغرامها إليهما، وأن يكونا أول من تدعو لهما في صلاتها.
نهضت تجمع أغراضها وتعيدها إلى درج المكتب الخاص بها، ثم خرجت حتى تستعد للرحيل إلى سكنها، ولكنها قبل أن تنعطف للدرج السفلي، غيرت اتجاهها للأعلى، حتى وصلت للطابق الرابع المخصص للحوامل!
أوقفتها ممرضة كانت تمر بالطرقة، وقد ظهر عليها توتر ملحوظ وهي تتساءل:
_دكتورة مارال، ماذا تفعلين هنا؟
زوت حاجبيها بدهشةٍ، وأجابت:
_أغير مصرح لي التواجد هنا؟!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وراحت تجيبها:
_ بالطبع لا، كل ما قصدته هو عرض المساعدة عليكِ، هل بإمكاني مساعدتك بشيءٍ!
هزت رأسها بخفة وهي ترسم ابتسامة ساحرة:
_أشكرك على ذوقك الرفيع لينا، أنا لستُ بحاجة إلى مساعدتك.
قالتها واستكملت طريقها نحو غرفة محددة، وما كادت أن تحررها حتى أوقفتها الممرضة:
_إلى أين؟!
تعجبت "مارال" من طريقتها الغريبة، وخوفها الذي تفوح رائحته لها. ومع ذلك أجابتها:
_أريد الإطمئنان على تلك الفتاة التي كُسرت ساقاها منذ ثلاثة أيام، وقُمت بلف ساقيها.
وتابعت بحنان لم تفتقده يومًا:
_الفتاة صغيرة جدًا على أن تكون حاملًا في هذا العمر، وإصابة قدميها كانت مُؤلمة للغاية
وبالرغم مما قالته، مازالت تسد الطريق عليها، فقالت بضيقٍ:
_والآن هل تسمحين لي بالمرور!
زاد الخوف عليها بشكلٍ زرع القلق في نفس "مارال"، فانتقل لسؤالها المرتاب:
_ما الأمر؟
ردت عليها والكذب يلوح بالأفق بذراعيه:
_تلك الفتاة غادرت بالأمس.
توسعت بنيتها دهشة مما قالت:
_كيف وهي لم تستطع أن تقف على ساقيها!!
هزت كتفيها بعدم مبالاة مصطنعة:
_لا أعلم، لقد أتت عائلتها لاصطحابها بالأمس وغادرت برفقتهم.
زادت شكوك"مارال" حول تلك الممرضة، وخاصة بما قالته، فاذا بها تنطق بصدمة:
_لقد أخبرتني أنها وحيدة، وليس لها أحدٌ!!!
تلون وجه الممرضة كآلوان الطيف، وإذا بها تثور غاضبة:
_وما أدراني أنا!! لقد أتت امرأة ورجل لاصطحابها وقالا بأنهما عائلتها، وغادرت رفقتهما بإرادتها.
وتركتها ومضت للأسفل دون أن تهتم بها، بينما وقفت "مارال" محلها مفزوعة من الأمر، ولم يرتضى فضولها حيال هذا الأمر، ولكن حينما وزنت الأمر رددت بصوتٍ منخفض:
_وهي هتكدب عليا ليه يعني! يمكن الناس دي يكونوا جيرانها مثلًا!
قالت جملتها وغادرت الطابق بأكمله، تحت نظرات تلك الممرضة التي تراقبها بنظرات خبيثة، تحيط بها خطر "سيمس" الفتاة الخاطئة، ربما تبدو رقيقة، ضعيفة أمامها، ولكن من خلفها سيحيط بمن يمسها الهلاك، وكأنهم يختارون اللعب مع الشخص الخاطئ!
******
جاهدت لفتح الملف المُتبقي على جهاز "هارون" وحينما فشلت دفعت الحاسوب وهي تزفر بغضب، جعل من يخرج من غرفة التدريبات يردد:
_إنتِ عارفة إن الموضوع مش هيكون بالسهولة دي، هيحتاج شوية صبر منك عنيدة هانم!
استدارت خلفها، رأته وهو يجفف العرق عن جبينه بالمنشفة، وعلى ما يبدو بأنه قضى وقتًا طويلًا بالتمرينات داخل الغرفة، تنهدت وهي تنطق بشرود:
_أنا كل ما بكتشف صعوبة فتح الملف، بتأكد إنه شايل عليه مصايب، بس عقلي مش متخيل إن في مصايب أبشع من اللي لاقناه يا ياسين!
رنا الجنرال منها، يجلس على المقعد قبالتها، وبصوته الرزين الهادئ قال:
_احنا جايين هنا وعارفين إننا هنشوف ونسمع اللي ميحتملوش عقل البشر يا مرين.
وأضاف وهو يعيد تنظيم الطاولة من أمامها:
_علي ليڤل الشر خصوصًا مع العيلة القذرة دي.
واستكمل وهالة الغموض تحاصر عينيه:
_ومهما وصلنا هيفضل نقطة في بحر عثمان التميمي!
عاد ببصره لها وهو يصرح عما يفكر فيه:
_قدس لوحدها مش كفايا إنها تلاعب شخص قذر زي ده، وقوعه مش سهل، ومهما كان قدس مُدربة بالنهاية اعتمادها الكلي كان على الطب.
قرأت ما بعينيه من غموض، فمالت على الطاولة، تلفت انتباهه عن تأمله للفراغ:
_قائد.
عاد ببصره لها، فتساءلت بمكر:
_بتفكر في إيه؟
سند ظهره للمقعد من خلفه وردد:
_وجودي مش هيقتصر على تيام وبس، أنا لازم أوصل لنقطة أخطر من كده وبأي تمن.
ضيقت زُرقتها بدهشةٍ، وهي تنطق بما استشفته من حديثه:
_عثمان؟
اتسعت ابتسامة ماكرة، وسحب زجاجة المياه يتجرعها مرة واحدة:
_اللعبة بدأت من بره وهتنتهي جوه، وبالأخص عنده.
زمت شفتيها بعدم رضا عما يفكر فيه:
_مش حاسة إنها هتنتهي بالبساطة دي، احنا بنحفر في حيطة مليانه أعمدة، كل ما هتكسر عمود هتلاقي وراه عمود تاني.
وأضافت ببسمة جذابة:
_الرحلة فعلًا طويلة أوي يا قائد.
راقبها بابتسامةٍ هادئة، زادت من وسامته التي لم يخسرها، وصوته الرجولي يردد:
_مهما كانت طويلة نفسنا طويل ومعاها للآخر، والمرادي حاسس إنك مهيئة بشكل كامل للنهاية وما بعدها، وخصوصًا لما الأمر بيتعلق عندك بكرامة الستات.
هزت رأسها بكل تأكيد، وأظهرت جانبها الاجرامي:
_الغل اللي عندي مش هيتمحي إلا برقبة روني.
عبث بعسليته بانزعاجٍ وغضب:
_برقبة مين؟
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت:
_هارون.
هز رأسه بينما يطبق على أصابعه البارزة بقوة من أسفل القفازات الرياضية المكشوفة، وفجأة ردد ببرود:
_طيب هقوم أخد شاور قبل ما أمشي، وإنتِ اعملي محاولة أخيرة لفتح ملفات سي روني، يمكن وقتها تتكيفي من قذارة خطيبك.
وسحب المنشفة والزجاجة الخاصة به، ثم مضى للدرج، حبست "مرين" ضحكتها بخبث، ومالت على الدرابزين تهتف برقة مصطنعة:
_متنساش وإنت طالع شقتك تجيب لجارتك قطن وشاش وأوعى تنسى المُعقم لحسن تتقلب لزومبي وتلتهمك وإنت حي يا جينرال!
وقف بمنتصف الدرج، يطالعها بطرف عينيه الساحرة، وبثبات قاتل غمز لها:
_عنيا حاضر، وهعقملها الجرح بنفسي كمان، إنتِ تأمري يا ميري.
وهبط درجتان ثم عاد يتطلع لها بنظرةٍ خبيثة:
_بس ياريت تخفي على البنت، من مصلحتنا إنها تقرب عشان نسهلهم اللي هما عايزينه، حاولي تتحكمي في غيرتك عليا أكتر من كده.
جحظت عيناها صدمة، بينما يغمز لها بانتصارٍ:
_أفعالنا بتخالف أقوالنا دايمًا عنيدة هانم!
تزاحم الغضب في أمواج بحرها الساحر، فراحت تبحث حولها عن شيءٍ، حتى لمحت السكين الموضوع جوار طبق الفاكهة، جذبته وراحت تلهو به بيدها وهي تردد بمكر:
_بتمنى المغامرة اللي مقضينها هنا دي متكنش نسيتك إني نشالي مش بيخيب، فلو عايز تنزل لأوضتك سليم انسحب وحالًا يا قائد.
احتبس ضحكة كادت بالظهور أمام شراستها، ولكنه اقترب للدرابزين المقابل لها وراح يطالعها بقوةٍ وذكاء يجعلها تزداد جنونًا وغيظًا منه:
_القادة علمونا زمان إننا لما يكون عندنا نية لفعل شيء منهددش بيه ونعمله على طول، فيا ترى تهديداتك ليا خوف عليا ولا من قدراتي؟
ثبتت أصابعها على سن الخنجر الذي تعده ببراعةٍ للتصويب عليه، وقبل أن يصدر عنهما أي رد فعل خرج "زين" من غرفته يطالعهما بنفورٍ، وخاصة حينما رأى ابنة عمه تحمل خنجرا وتصوبه تجاه مكان رفيقه بالتحديد.
شملهما بنظرةٍ قاتلة، ومضى لطريقه كأنهما هواءا غير مرئي ولسانه يردد:
_عالم مُهزأة!
تركت "مرين" محلها، وهبطت تقف جوار "ياسين" ومازالت تحمل الخنجر بينما تردد بدهشةٍ:
_ماله ده؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وقال وهو يجفف وجهه:
_طالع يسلم صفقة هيروين متهربة.
طالعته بإعين مُتسعة من الصدمة، فهز رأسه وهو يتابع بخبث:
_مش سهل تتحول من ظابط مخابرات لمجرم تهريب مخدرات.
وأضاف وهو يحيط رقبته بالمنشفة:
_الوضع اللي هو فيه ده ما قبل الصدمة، وخصوصًا إنه عارف الترويقة اللي هيتروقها عشان يسمحوله يدخل بينهم.
علمت مقصده لإتقانها مثل تلك الأمور التي اجتازتها على يد قادتها، فراحت تهتف بحزنٍ مُضحك:
_اختيارات رحيم زيدان لابنه اسبشيل أوي فعلاً!
واضافت وهي تتطلع له في حيرة:
_المفروض إني أخاف عليه صح؟ افرض اتوصوا بالتعذيب شويتين تلاتة والواد راح فيها، هعمل إيه مع مارال، دي ممكن تروح وراه!!
عاد رأسه للخلف من فرط نوبة الضحك التي هاجمته، وبصعوبة هتف وهو يستكمل الدرج للمطبخ:
_متقلقيش على زين، اقلقي عليهم منه.
وأضاف وهو يسحب طبق الفاكهة ثم وضع طبقين أمامهما:
إيديهم هتنكسر ودماغهم هتقف من التفكير في طرق مُبتكرة للتعذيب وعمرهم ما هيوصلوا معاه لحاجة.
ومد يده لها قائلًا بسخرية:
_excuse me. "عذرًا"
زوت حاجبيها بعدم فهم، فأشار على السكين الذي تحمله، عكسته "مرين" وقدمته له بانزعاجٍ، قطع به "ياسين" الفاكهة وهو يتحدث بدهاء:
_وبعدين لو المفروض هتخافي فيبقي عليا أنا، لإني بلاعب تيام ورجالة هارون وبوسعلي الساحة عشان أدخل لعثمان وش لوش.
وأضاف وهو يصنع عصيرها المفضل بعدما قطع الفاكهة ووضعها بالأكواب:
_هتخافي عليا لو حطوني تحت الإختبار، ولا هتتشفي فيا عنيدة هانم!
طالعته بنظراتٍ قوية، لأنثى لم يُعهد عنها الضعف:
_لو قدرتك في الإستحمال أقل من زين، اديني إشارة وهقتحم المكان كله، وفي لحظة هحررك، متخافش ووراك بنت الجوكر يا قائد.
هز كتفيه وهو يسكب العصير ببرود:
_بالعكس مش قلقان خالص يا ميري.
ودفع الكوب لها ببطء، فاذا بها تتأمله بدهشة، يصنعه أبوها دومًا بدون أن يقطع فيه أي فاكهة، وما تراه الآن هي إضافة جديدة منه، وبالرغم من أنها لم تكن تشعر بحاجة له، إلا أن فضولها لتذوقه دفعها لتناول أول ملعقة، فاذا بها تحمل الكوب وتتناول ما به بتلذذٍ:
_أمممم، تحفففه.
وأضافت وهي تمازحه:
_عشان كده رحيم زيدان حاطك في طريق تيام، أكيد مش هيشوفك غير شيف محترم.
ابتسم بسخرية وقال وهو يتناول ما بملعقته:
_بالعكس نظرته ليا مختلفة حبتين تلاتة.
تساءلت باستغراب:
_إزاي؟
أشار على نفسه وهو يرتشف من الكوب:
_شايفني مُقاتل!
ضحكت بصوتٍ مسموع، ورددت بصعوبة بالحديث:
_بصراحة زين معاه حق، المفروض إنت اللي تدخل لكِنان وهو اللي يدخل لتيام ده.
ترك ما بيده ومال يتحدث بكل جدية:
_نظرتك للأمور سطحية يا مرين، عكس رحيم زيدان، كل ما بتعمق في التفكير وراه دماغه بتعجبني أوي.
طالعته باهتمام بينما يشرح لها:
_اختار زين يدخل لكِنان لأنه لو شافني أكيد مكنش هيحس بفرق ما بيني وبين حيدر والحرس اللي عنده، هكون ملفت ليه إزاي وجسمي بيتحدث عني!! زيي زي أي حارس بيهتم بشكله.
وتابع بذكاء:
_زين جسمه متناسق، ذكي، متوقعش إنه يشوف منه ده، ده غير ان تيام مش سهل أبدًا، عقله صعب ومحتاج لعب على تقيل وعلى نار هادية، زين معندوش صبر مش هيقدر يجاريه واحدة واحدة لحد ما يثق فيه ويشد اللي وراه، وطبعًا اللي وراه بدايته من عند هارون وختامه بالقذر اللي عاملي فيها مُتحكم السيرك..
وختم وهو يعود لتناول مشروبه:
_من الآخر رحيم زيدان حطني في مواجهة غير مباشرة مع كل الاطراف، بس على الهادي، وزي ما قولتلك البداية مع تيام وبعد كده سي روني، ونهايتها عثمان التميمي!
وشدد على كوبه وعسليته تتأجج بفتيلٍ مُرعب:
_اللعبة كلها اعتمادها الوحيد على الصبر، وأنا صبور جدًا ومستمتع بالجيوش وهي بتتحرك لحد ما يجي الدور على ملوك الجولة الأخيرة!
انهت "مرين" كوبها، ووضعته على الرخامة، ثم سألته:
_مفيش أخبار عن قدس؟
هز رأسه بالنفي، وقال:
_مستلمتش إشارة منها من يومين.
وأضاف وهو يجذب الكوبين ويمضي لغسالة الأطباق:
_بليل هروحلها، حاسس إنها مش كويسة.
ضيقت زُرقتها بذهول:
_تروحلها إزاي؟
نصب عوده بعدما فعل الآلة:
_زي كل مرة بروحلها!!
******
غادر النوم مُقلتيه وهجره قطعًا، فمال يقتبس نظرة لشقيقته التي تغفو فوق صدره بعدما أجبرها على أن تشاركه غرفته بعد أن رأى ما فعله "نوح" بالأسفل.
ضمها "تيام" وقبل جبينها، ثم وضعها على الوسادة، ونهض يتجه إلى الشرفة المفتوح بابها، وقف وعينيه تتجه لشرفة جناح "هارون"، وكلماتها تعيد طرق رأسه بكل قوتها، احتفاظها بالقلادة إلى تلك اللحظة تعد لغزًا فتيله أشعل الجمر داخله، ويا ويله من أملٍ قد يزرعه ويكون خاطئًا فيه، فيرغمه على العودة إلى بداية طريق شاق، مضى فيه بصعوبةٍ.
تنهد وهو يشعر بصخرة ضخمة تجثو فوق صدره، ولج" تيام" للداخل، وغادر غرفته في صمتٍ، متوجهًا إلى الأسفل، ومن الباب الجانبي سلك طريقًا أنبوبيا يمر من أسفل القصر، نهايته كان مختبره السري الذي هجره لسنواتٍ.
وحينما وقف على عتبة بابه الضخم، فُعلت الإضاءة تلقائيًا، وراح الآلي يردد:
_مرحبًا بك دكتور تيام، هل أفعل نظام تشغيل الأجهزة؟
أجابها وعينيه تقتبس النظرات الباردة من مكانٍ لآخر:
_لا.
مضى إلى الداخل والنفور يعيث داخله بفسادٍ، فراق أعوام قد يخلق اشتياقًا بين طرفين افترقا، ولكنه لم يكن تلك المشاعر أبدًا، بل كلما يخطو خطوة شعر بالنفور يجتاحه، وبداخله يجزم بأنه من المستحيل أن يتمكن من العودة لتلك البقعة الفاسدة.
جلس "تيام" على الأريكة الجلدية السوداء، يتفحص الأجهزة والثلاجات الضخمة التي لطالما احتفظ بداخلها على سموم، خرجت من تحت صنع يديه لتأذي البشرية.
ذلك المكان نفسه الذي شهد على أدوية كانت لتنقذ البشرية من أمراض مزمنة كالسكر والضغط والسرطان، والفيروسات القاتلة مثل الكورونا ومشتقاتها وما كاد لعقله أن تتخلله المزيد من الذكريات حتى أتاه صوتٌ يعلم صاحبه جيدًا، والوحيد المصرح له بالدخول إلى هنا، لأنه يمتلك صلاحية التحكم في آيلا:
_اشتقت لمكانك المفضل، ولا نازل تلوم نفسك يا دكتور؟
اتجه بصره إلى المصعد السري الذي ظهر فيه "عثمان" الذي لم يغادر جناحه الا لأضيق الظروف، رفع إصبعه فتحرك المقعد إلى الداخل، حيثما يجلس ابن عمه الذي عاد يطمس رأسه للأسفل، وكأنه يحارب وجعًا قاتلًا حرره بسؤاله الثقيل:
_رحيق مظلومة ولا خاينة؟
بدا وأنه بذل عناءًا لبصق تلك الكلمات من داخل جوفه، وما أن رفع رأسه إلى "عثمان" حتى ردد:
_ريح قلبي أرجوك، أنا عارف إن هارون طول عمره بيكرهني لإني كنت أقرب واحد ليك، وعارف إنه وقعها عشان يكسرني أنا، بس اللي مش فاهمه وقعها إزاي وبأي طريقة، مهو لو كان عملها حاجه أو بيهددها بحاجه كانت هتقول، أنا اترجتها تتكلم ومتكلمتش!!
تحرر عن صمته الطويل، وقال بنبرة استحضر فيها الهيبة:
_لو راجع عشان البت دي خد بعضك وارجع مكان ما كنت.
وأدار المقعد حتى يعود إلى المصعد، لحق به "تيام" يصرخ:
_لو عايزني أرجع زي ما كنت ساعدني أريح قلبي اللي شاعلة فيه النار ومش راضية تنطفي عنه!
لف "عثمان" مقعده له، وبصوته الواثق قال:
_نارك عمرها ما هتنطفي يا تيام، خليك فاكر إني زمان نبهتك من صنف الحريم، حذرتك تقع في شباكهم المخادعه، وإنت مسمعتش كلامي ووقعت.
واستطرد وهو يتابع النظر إليه مباشرة:
_الوجع هيطولك ده شيء أكيد، يا أما بخداعهم أو خيانتهم ليك أو بفراقها عنك سواء كانت حية أو ميتة، من الآخر مينفعش راجل يبني حياته على ست، الظاهر إنك متعلمتش حاجه، هتفضل زي ما أنت!
تركه وغادر من أمامه بالمصعد الذي تحول لحائط أبيض فور اختفائه، بينما يعود "تيام" مهمومًا لنفس أريكته ومازال يفكر كيف وبماذا سيبدأ؟!
******
عاد "عثمان" إلى جناحه ووجهه جامد كاللوحة الثابتة، مضى صوب الشرفة يدقق النظر في ليلٍ سماه تلبد بالغيوم، وبينما هو على حاله اذ يتسلل له صوت حذائها، فأجلى صوته القاتم:
_على فين يا دكتورة؟
أجابته وهي تتجاهل وجوده:
_بقيت كويسة فمفيش داعي أفضل هنا أكتر من كده، هنزل الملحق.
ووقفت أمام باب الجناح المُغلق، تتطلع له باستغراب من انغلاقه القوي، فاذا به يستدير تجاهها ويبتسم بمكرٍ:
_آيلا مبتخدش أوامر من حد غيري.
استدارت إليه بغيظٍ وغضب وهتفت:
_قولها تفتح الباب، ده لو مكنش عند سيادتك وسيادتها مانع!
حدق فيها بنظرة باردة، ثم قال:
_العصبية غلط عليكِ يا دكتورة، أخاف تتعبي تاني!
ربعت يديها أمام صدرها ببرود، لحق نبرتها:
_هو المفروض مين يهتم بمين، إنت نسيت إنك المريض هنا وأنا الدكتورة؟
صدر عن ضحكته صوتًا مسموعًا، بينما يردد من بينهم:
_هسيبك تهتمي بيا حاضر، بس لما تتعافي الأول.
ازداد غضبها وهي تطالعه بحدةٍ:
_خلي الهانم تفتحلي الباب إذا خلصت المهزلة دي!!
ضيق رماديتاه بمكرٍ لها:
_تحبي أناديلك ماتيو يوصلك، على فكرة هو سبق وشالك لما وقعتي، ولولاه رقبتك كانت هتنكسر.
وقبل أن تعترض ردد بسخرية:
_فكري كويس، لو نزلتي بالحالة دي لو وقعتي هتفقدي بصرك ومش هتقدري تكملي متابعتك لحالة مريضك اللي هو أنا!
خرجت عن طور هدوئها وهي الباردة التي تتعامل مع كل شيء ببرود:
_مش عايزة سي زفت بتاعك ده يظهر قدامي، افتح الباب وخليني أغور من هنا آآآه...
قالتها وهي تضم رأسها بتعبٍ شديد، فابتسم وهو يصدر أمره:
_عزيزتي آيلا، افتحي الباب للدكتورة قبل أن نحترق معًا حتى المسكين ماتيو سيخسر جاذبيته بنيران تلك الجميلة.
رددت "آيلا" بآلية تامة:
_حسنًا سيدي، سأسرع بإتمام الأمر في الحال.
انفتح باب الجناح على وسعيه، فاذا ب"قدس" ترمقه بنظرة نارية ورددت قبل أن تغادر:
_النار دي موجودة جواك أكتر، إنت مش محتاجني إنت محتاج لدكتور نفسي يعالجك من المهلبية اللي إنت فيها!!
ورددت وهي تغادر من أمامه:
_حد عاقل يسمي الروبوتات آيلا وماتيو!!
غادرت بالمصعد بينما يكاد "عثمان" أن يسقط من شدة الضحك، وهو الذي ظن ذاته أنه بات آليًا مثل الروبوتات التي يصنعها، وها قد يفق على حقيقة مرعبة والأكثر رعبًا أن تلك الفتاة تمتلك داخله ما لم يتمكن من منحه لأحد.
*****
الظلام الدامس يحتل ظلمة الليل الكحيل، وبالرغم من أن الأجواء كان يسودها الرعب إلا أنه كان يتقدم رجال "كِنان" بشجاعة وجرأة جعلت من حوله يراقبونه باستغرابٍ.
كان يخطو بين الصخور المجوفة بثباتٍ، وملابسه السوداء تخفي ملامحه الحادة، لثامه والكاب من فوقه يخفيه خفية ليل طمس النجوم في جوفه، وكأنه شبحٌ مُلثمٌ، لا يخشى الموت.
وقف على نهاية الصخور التي تسفخها مياه المحيط، وبصره يمتد نحو المياه كالصقر، ينتظر وصول اليخت الحامل للمواصفات المطلوبة، وحينما ظهر على بعدٍ، تحرر عن صمته:
_اجهزوا.
استعد الرجال للتقدم خلفه، ولكنهم توقفوا على اشارة "حيدر"، الذي تقدم ليقابل" زين" وجهًا لوجه:
_الباشا مطلعك الصفقة دي عشان يقيمك، وعشان تثبتله نفسك هتكمل طريقك لوحدك!
راقبه بزيتونته بثبات، انتقل لنبرته:
_مجرمين زي دول لما يلاقوني بطولي أكيد مش هينهوا الموضوع ودي يعني! وده أكيد مش قابل بيه كِنان.
مضى "حيدر" صوبه والحقد والغل يتربعان بمُقلتيه:
_طيب ما أنت لازم تكون مستعد لأي حركة غدر، وبعدين إنت مش عاملي فيها شبح، اتفضل ورينا!
قال المثل الشعبي بتلقائية ولم يعلم أنه شبح قولًا وفعلًا، منحه "زين" ابتسامة هادئة ضاعفت الغضب والنفور في نفس "حيدر"، الذي تمنى أن يحدث المتوقع، حينما يحصل هؤلاء الاوغاد على أقل فرصة للغدر بالطرف الآخر يفعلونها على أكمل وجهٍ، فكيف سيكون الاخلاص شيم هؤلاء المجرمين اللعناء!
علم" زين" بأن هذا الحقير يود الإيقاع به، ومع ذلك صعد على "الجيت سكي" الدراجة المائية وقادها ببراعةٍ إلى اليخت الذي يصدر الإشارات تباعًا صوب المكان المحدد لتسليم الحقيبة التي احتوت على كميات ضيئلة من السموم البيضاء، ولكنها كانت بتركيز يزيد عن تركيزها الطبيعي بنسبة تسعون بالمئة، وهذا ما نجح "تيام" بصنعه بالآونة الأخيرة.
أوقف "زين" «الجيت سكي» أمام اليخت، وهبط يقفز فوق الدرج، حتى وقف بمنتصف الساحة ومن حوله خمسة عشر رجلاً مسلحًا، بأجسادٍ ضخمة، وبالرغم من حدة الاجواء كان ثابتًا أمامهم.
انتشرت الدهشة والذهول على ملامحهم، لوجود رجل واحد لتسليم حقيبة هامة مثل تلك التي يحملها، من ذلك الأحمق الذي سيغامر ببضائع ثمنها يبلغ كل تلك الملايين بإرسال رجل واحد للعالم السفلي والذي يتلخص بانتسابه لعالم الجريمة!
لم ينخدع كبيرهم بتلك الخدعة، فاذا به يميل صوب كبير حرسه وهمس بصوتٍ لم يكن مسموعا ولكنه مقروء إلى أعين "الشبح":
_تأكد أنه بمفرده!
هز رأسه بابتسامةٍ خبيثة، وانسحب للمياه يتفقد بذاته، بينما يقترب أحد الرجال من" زين" وهو يشير له على الحقيبة:
_سأتفقد البضاعة.
ارتسمت بسمة ثابتة على وجهه وببرود ردد:
_لأتفقد أنا سندات المال أولًا.
كان جريئًا للغاية، شجاعته بارزة كاضاءة هذا القمر المنير، استدار الرجل إلى كبيرهم فأشار بالموافقة بيده الحاملة للسيجار البني العريض، ففتحوا الثلاثة حقائب بالسندات أمامه، تفقدهم "زين" ثم جذبهم وألقى الحقيبة قائلًا:
_بامكانكم تفقد ما يخصكم.
امتلك فرصة الذهاب على الفور، ولكنه قرأ الخيانة بوضوحٍ، استرجع أهم دروس الأسطورة الذي كان يمنحه اياها سرًا
«إياك تدي ضهرك لعدوك وخصوصًا لو شميت فيه ريحة الغدر!»
فضل أن يواجههم وجهًا لوجه، حتى لا يستغلوا ذلك، وفي نفس اللحظة كان يمرر يده على جلد يده بطريقة ساحرة والبسمة الخبيثة تحتل شفتيه.
*****
ولجت "قدس" إلى الملحق، والإرتباك والتوتر يسيطران عليها، جابت الردهة ذهابًا وإيابًا، وفجأة توقفت محلها حينما التقطت عيناها انطفاء وتشغيل إنارة حمام غرفة نومها.
تعجبت من الأمر، وولجت للداخل تقدم خطوات وتؤخر الأخرى، وما أن فتحت الباب، كُمم فمها وعيناها تلتقط من خلفها بالمرآة، هدأت وتيرتها رويدًا رويدا، واستدارت إليه.
كاد "ياسين" أن يتحدث ولكن "قد" س أوقفته بإشارة يدها، تعجب من تلك الإشارة التي توحي له بالخطر، ثم بدأت تحدثه بإشارات يديها لغة يجيدها جميع أفراد الفريق.
اتسعت عسليته بدهشة حينما اخبرته عن سقوطها، وعن الإبرة الطبية التي اخترقت رقبتها ومن بعدها فقدت الوعي، فاذا ب"ياسين" يشير لها بالهدوء، وقد جذب جهازا من حقيبته، وضعه على رقبتها، حتى يتأكد مما فعله "عثمان" بها.
ترنحت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وراح يتحدث بصوتٍ هامس:
_متقلقيش مزرعش أجهزة تعقب، بس الظاهر إنه خاف تكوني شكيتي في حاجه شوفتيها قبل الواقعة، والدليل إن الملحق كله مليان كاميرات.
اتسعت مُقلتيها بصدمة، فحذرها "ياسين":
_اتعاملي عادي يا قدس، متخلهوش يشك في حاجه.
قالت بثقة وقوة:
_اطمن انا مش هبلة عشان أقعله بسهولة كده.
هز رأسه بخفوت، وسألها:
_إصابة سطحية ولا؟
بسخرية أجابته بينما تضم جبينها:
_أهي هي ولا دي يا شريك.
ضحك وهو يشجعها:
_كلنا لها يا صاحبي، شيد حيلك اللي جاي أصعب.
زمت شفتيها بتعبٍ، فاذا ب" ياسين" يتحدث بكل جدية:
_قدس ركزي معايا، معيش وقت كتير، عثمان مش سهل زي ما أنتِ متخيلة، عثمان هو اللي بيدير اللعبة كلها، وطبيعي انك متكتشفيش عنه أي حاجة بسهولة.
هزت رأسها وهي تنتبه لكل حرفٍ صادر عنه، حتى داهمها بسؤال:
_قدس إنتُ متأكدة إن عثمان فعلًا مشلول؟
أكدت له بثقةٍ:
_أيوه طبعًا يا ياسين، دي كانت أول حاجه عملتها مرة واتنين وتلاتة عشان أتأكد، لأني أول فكرة كونتها عنه قبل دخولي هنا إنه يكون بيمثل عليهم كلهم، بس أنا بنفسي اتأكدت.
اكتفى بتحريك رأسه، وفجأة انتبه لإشارة زين، والموقع الخاص به، أخفض الجنرال يده، وهم بالرحيل وهو يرفع الكاب واللثام:
_اصمدي على قد ما تقدري يا قدس، وأوعي تتهاوني مع القذر ده، عثمان أبشع مما تتخيلي، كل ما فترة قعادك هنا هتزيد هيحطك تحت المجهر والمراقبة، خليكِ مركزة معاه وأوعي تخليه يشك فيكِ.
هزت رأسها في طاعة، ورددت:
_اطمن يا قائد.
ضحك على كلمتها وراح يمازحها:
_أنا مش خايف غير منك إنت ومروان اشطا، شكلكم هتسلمونا تسليم أهالي.
رددت بصوتٍ خشن اجتهدت فيه:
_عيب يا شريك، ده احنا نفديكم بأرواحنا ان لزم الأمر، وإن شاء الله ميلزمش خالص.
منحها نظرة أخيرة ساخرة، قبل أن يعود من حيث آتى، متوجهًا إلى حيثما تصل اشارة "زين"!
******
وصل" ياسين إلى الموقع المحدد، فتفاجأ باشارة آخرى يحصل عليها من بين الصخور، تتبعها حتى وصل لصندوق متوسط الحجم، يحتوي على بذلة غطس كاملة.
بدون أن يضيع أي ثانية، ارتداها "ياسين" ووضع الأكسجين، ثم اتبع الإشارة السرية التي يحملها الصندوق، حتى حدد المسافة والإتجاه الذي سيسبح فيه بالتحديد.
غاص بأعماق المحيط وبمهارة وحرافية عالية سبح بكل قوته، حتى وصل لليخت من الجهة المعاكسة للصخور المختبئ خلفها "حيدر" ورجاله.
تعلق بجانبه وانتظر أن يتلقى إشارة رفيقه، الذي يجلس وهو يراقبهم ببرود، لقد مضت ثلاثون دقيقة وهم يتفحصون المخدر، والآن وحينما تأكد الرجال من أنه بمفرده، ردد وهو يضع ساقًا فوق الأخرى:
_لا أعلم ماذا صنعت لسيدك ليضحي بك ويرسلك إلينا بمفردك.
واستطرد بينما يشير لرجاله:
_لابد أنه يرغب أن تكون وجبة دسمة للقروش.
أحاط الرجال "زين" الذي لم يهتز له جفنٌ، بل تحرر عن صمته بقوله:
_كيف أكون وجبة دسمة وأنا بهذا الجسد الصلب، فلتنظر إلى نفسك جيدًا يا رجل، أنت تحمل تضاريس في البطن تكفي لإشباع عشرة قروش مساكين.
وتمتم بتفكير:
_ترى كم قرش سيشبعها كروش رجالك!!
وما كاد بانهاء جملته حتى قفز بجسده من بينهم، وراح يتحول لآلة قتال مرعبة، في نفس لحظة نطقه:
_شريـــــك!
ظهر "ياسين" بالطابق السفلي لليخت، يقضي على الرجال بخنجره، كان يسدد لكماته وينهال عليهم بالطعنات بسرعة مرعبة، ثم يلقيهم بالمياه الممتلئة بأسماك البحر المفترسة، بينما يتكفل بهم "زين" من الأعلى، حتى وصل لكبيرهم الذي سدد سلاحه عليه، وفي كل مرة يصوب عليه الرصاص كان يتفاده "زين" حتى رفعه وهو يتطلع الى بطنه ويتساءل بحيرة:
_كنت غلطان في عدد القروش اللي هتحتفل بيك تحت، ده إنت هيتعمل عليك حفلة صباحي يالا!!
وألقاه بالمياه، ثم قفز للأسفل وهو يرنو فاتحًا ذراعيه:
_جارحـــــــي!
تلقفه "زين" بالأحضان، و"ياسين" يطالعه بسخرية، بينما الأخير يحاوط خصره كأنهما يعيدان مشهد تيتانيك، دفعه "ياسين" غاضبًا:
_لو ناسي إحنا واقفين فين وكنا بنعمل إيه من شوية حفلة الدم اللي حوليك هتفوقك.
ابتعد وهو يقابله بضيق:
_بتفصلني من أم اللحظة ليه!! صعبان عليك أفصل بعد حفلة الكروش اللي عزمت عليها القروش من شوية!!
وأضاف وهو يلكزه بغضب:
_ثم إنك إتاخرت ليه، طبعًا ما أنت كنت هتزيط لو حفلة القروش دي كانت عليا أنا!
ضحك وهو يستفزه:
_القرش قبل ما هيقربلك هيفكر مرتين في القرار الإنتحاري ده.
واضاف وهو يستعد بمعدات السباحه:
_ها عايز مني حاجه تانية، ولا أغادر من بين القروش ده لو عديت يعني بسلام!
سند ساقه على طرف اليخت وهو يهدر بحقد:
_بفكر أخدك ونهجم على حيدر الكلب ده، مش هعرف اكتفه لوحدي.
واستدار يقابله ببسمة خبيثة:
_ده هيبقى وليمة للقروش يتغذوا عليها سنة كمان!
ربت على كتفه كأنه يلهمه الصبر، وهو يلقي بذاته بالمياه، بينما يستكمل "زين" ما يفعله، ليفجر اليخت بعدما حصل على السندات والبضاعة.
******
رحل الليل بقسوته، ورفرف النهار بجناحيه ليبرز فيه شمسه ببهاءٍ، ورغم جمال الطبيعة إلا أنها لم تعكس سوى ألمها القابع داخلها.
نهضت "رحيق" بتعبٍ شديد، تحتمل على ذاتها حتى وصلت للمرحاض، تتقيأ بتعب شديد، ومن الخارج يعقد "هارون" جرفاته وهو يصيح بنفور:
_كل يوم على الصبح اصطبح بالقرف ده، عيشتك تقرف زي وشك!
ولحقها للحمام، فوجدها تجلس أرضًا وهي تضم بطنها بألم، بينما يهتف بسخطٍ:
_من قبل الحمل وأنا مستحمل خلقتك الزفت، ودلوقتي بقيتي أبشع من الأول، معرفش أنا جايلي من استحمالك وعيشتك هنا إيه!!
رددت بصوتٍ مرتعش:
_طلقني وارحم نفسك وارحمني.
رسم لها بسمة باردة:
_وأكيف مزاجي ازاي!! الحرب بيني وبين حبيب القلب طويلة، واستخدامي للكارت بتاعك هيطول شوية مع انه محروق وواكله النار والعفن!!
استندت على حوض الإغتسال بصعوبة، ونهضت تهمس بتعب:
_صدقني تيام معتش بيحبني، إنت بتتوهم ده، كل اللي بتعمله معاه ده في الفاضي، ومش فارقله بأي شيء.
ضحك بصوته المقزز وقال:
_لا دي أنا اللي أحددها مش انتي خالص.
وأضاف وهو يشير للمرحاض بتقزز:
_نضفي القرف اللي عملتيه ده، ولو لمحت في الكاميرات حد من الخدم طلع وساعدك هزعلك وزعلي وحش يا رورو.
طالعته بكره شديد، بينما يغادر هو للمصعد، متوجهًا للطابق الأخير، للقاء ب"عثمان" مثلما طالبه بالأمس بأن يصعد له ولكن الآخر أجله لليوم.
ولج للداخل يبحث عنه، فوجده بغرفته المخصصة للرياضة، يلعب رغم إعاقة قدميه ليحافظ على جسده الممشوق.
وقف يراقبه بانبهار، بالرغم مما أصابه ولم يخسر قوته البدنية بعد، أفاق على صوته الحاد كنصل السيف:
_لو خلصت بحلقة اتفضل ارمي اللي طالعلي عشانه.
تنحنح وهو يحاول ايجاد كلماته المناسبة:
_آآ.... أنا... كـ... آآ.... أصل...
راقبه بسخرية، وانتقل لرفع الأثقال على يديه:
_لسانك اتقطع لوحده ولا اللي بتحاول تتكلم عنها دلوقتي هي اللي قطعتهولك.
اتسعت عينيه بصدمة، بينما يواصل "عثمان" تمارينه قائلًا:
_البت اللي دخلت شقلبت حالك، وخليتك زي الخاتم بصوابعها.
ابتلع "هارون" ريقه بصعوبة، بينما يستطرد "عثمان":
_مش دي اللي عايز تكلمني عنها؟
وأضاف وهو ينتقل لجهازٍ آخر بمساعدة" ماتيو":
_حقارتك ووساخـ** مع الستات وصلاني كلها،وأنا مطنشك بمزاجي طالما شغلنا في السليم ومبيتأثرش، والبت دي فكرت بالبداية هتكون مصيرها نفس اللي قبلها، ويمكن لما عصلجت معاك بتجاريها باللي بتعمله.
ولف برأسه له يسدد له نظرة طاعنة:
_بس اللي أنا شايفه إن الريالة نازلة على وشك ونجحت تخليك كلب وهي سحباك وراها!
ردد "هارون" بارتباك:
_عثمان انا بحبها وهتجوزها.
ارتسمت على شفيته ابتسامة ساخرة:
_حب!! إنت يا هارون!! لا الظاهر إنها فعلًا جامدة عشان توصلك للمرحلة دي.
وأضاف بغموض قاتل، بينما يتوقف عما يفعله:
_جالي فضول أشوف البت دي، بكره تكون هنا بيها!!!!
...... #يتبـــــــــع..
#الاقـــــــــــوى_قــــــــــــادم 💣
التفاعل نرفعه تقديرًا لمجهودي ❤
*****________******
أشباح المخابرات الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية محمد رفعت
#هــــــــــــــــــــام
السلام عليكم حبيباتي، بتمنى تكونوا بخير، بالنسبة لاسئلة البنات فيما يخص دخول ياسين لقصر التميمي والدهشة اللي بيسألوا بيها، يا بنات ياسين وزين لو معرفوش يخترقوا القصر بتاعهم كانوا هيختاروهم بناء على ايه؟
القادة اللي طلعوا من تحت ايديهم هل غير مؤهلين يخرجوا تلاميذ بالذكاء والمهارة دي؟!
طيب هيتقال ان باختراق ياسين للقصر كده عيلة التميمي مش جامدين زي ما احنا كنا متوقعين، هرجع وأذكركم ان هدف الفريق مش انه جاي يثبت مين اذكى وأجمد من التاني، الغرض هو كشف اللي ورا العيلة دي، مهو كان قادر يدخل ويدور على أي اوراق أو حاجه تساعده بس للاسف محدش وصل لحاجه، الخلاصة ان كل اللي عايزنه هيعرفوه مع الوقت، وهما عارفين ده ❤
وزي ما ياسين شرح اختيارات رحيم للفريق كانت بناء على ايه ده كان رد لاسئلة القراء عن اختيار زين لكِنان وياسين لتيام.
نيجي لحاجه مهمة جدا عايزة اقولكم عليها 🔥
حبيباتي القمرات، عساكم بخير جميعًا، طبعًا من فترة طويلة كان في بعض البنات بيطلبوا مني أوفرلهم طريقة لشراء رواياتي القديمة pdf، فأنا قدرت أوفرلكم الخطوة دي.
رواية تميم رسلان (خارج عن المألوف) متوفرة pdf او فصول بسعر رمزي للحجز والاستعلام واستلام الملف عبر الواتساب على رقم
+20 10 16298361
هسيبلكم الرقم بردو بأول تعليق 🔥
هتكون معاكم أدمن دينا، هترسل ليكم الملف بسهولة.
الرواية كبيرة ومتعوب عليها، بتمنى تنال اعجابكم، هنتظر رأيكم بريفيو جميل زيكم، واخيرا بحبكم في الله ♥
اقتباس من اجواء العمل
_مين "تميم رسلان" دا؟!..، شخصية مهمة يعني..
_موظف عادي بس في الحق مبيعرفش أبوه، بيتحول في الوقت اللي هو شايفه فرصة للإنتقام من أي شخص إتعدى على اللي يخصه وأنت إتعديت على حرمة بيته ودي ملهاش الا المواجهة وفي الأغلب بيكون الميزان مش متساوي لإن كفته هو بيصونها لإنها جزء من رجولته!...
#قريباً...... #تميم_رسلان....
#؟؟؟.... #ترقبوا🙈♥
خفق قلبها بقوةٍ وهي تتمايل بين يديه على نغمات الموسيقى الهادئة، حتى أنها تلبكت من نظرات عينيه تجاهها وتصريحه الجريء عما يخفيه من مشاعر لم يفلح بالبوح بها، دقائق فساعات قضتها ويديه تشدد من إحتضان يدها أمام وفود من الطبقة الراقية التي أتت للحفل ببطاقات دعوة باهظة تليق بمركز "حازم الرشيد"، تمكنت من قراءة الحقد المندس بأعين البعض تجاه تلك الفتاة البسيطة التي تمكنت من غزو قلبه، تمنت من كل قلبها لو أن ينتهي هذا الزفاف سريعاً، مال"حازم" على آذنيها ليهمس ببسمةٍ صغيرة، تشكلت لتبعث لها الطمأنينة:
_«خايفة؟..»..
حركت رأسها بالنفي وبسمة الخجل تكتسح معالمها، فقالت بتوتر:
_«مش أخده على الجو بس مش أكتر..»..
صراحتها أثارت إعجابه، فهو يعلم أنها بحاجةٍ لوقتٍ كافي للأعتياد عليها، لم يحبذ "حازم" إغمسها بأجواءٍ تثير توترها، فنهض عن مقعده ليغلق زر جاكيت البذلة السوداء، ثم مد لها يديه، غامزاً بعينيه الرومادية الساحرة:
_«يبقى نخصص جو خاص بيا أنا وأنتِ وبس بعيد عن الجو دا..»..
تأملته بنظراتٍ مرتبكة، خجلة، رفعت أصابعها برقة لتضعها بين لائحة يديه، وكأنها تسلمه ذاتها بشكلٍ صريح، تأمل يدها الموضوعة براحة بين قبضة يديه الخشنة، فأطبق أصابعه عليها بقوة ليؤكد لها بأنها بأمانٍ وجوده لجوارها، جذبها برفقٍ لتحمل طرف فستانها الأبيض وتلحق بخطاه البطيئة نسيباً لأجلها، صعد الدرج المتوسط لقصره الفخم، فتبدلت الموسيقى سريعاً بمقطوعة خاصة تليق بأنتهاء السهرة المميزة، رحل الضيوف تباعاً والموسيقى تنساب بهدوء كتحية للرحيل، فتح "حازم" باب الجناح الخاص بهما، فولجت "همسة" على إستحياءٍ وكل ذرة بداخلها ترتجف بأرتباكٍ لم تعهده من قبل، أغلق الباب فأصدر صوتٍ خافت فزعها، توترها يزداد بقرب خطواته منها فماذا لو إقترب هو بذاته؟!..
لاحت على وجهه بسمة صغيرة وهو يتراقبها بطرفي عينيه، تكاد تمزق ثوابها من فرط الخجل والأرتباك، دقات قلبها تخفق بسرعة، وكأنها تقرع دفوف حرب طرفها يثق بخسارته أمام الطرف الأخر، خلع جاكيته وألقى به برفقٍ على مقعد السراحة، ثم حل أزرار قميصه الأبيض بهدوء، رأت ما يفعله فأبتعدت عنه بضعة خطوات بأنفاسٍ لاهثة، مرتبكة، إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تستمع لخطواته التي تقترب منها ليحاوطها ذراعيه، لفحت أنفاسه رقبتها فهمس بتسليةٍ:
_«سألتك خايفة وأنتِ أنكرتي ودلوقتي ممكن تقولي الحقيقة...»..
إلتقطت أنفاسها بصوتٍ مسموع، ففتحت عينيها لتتطلع للمرآة من أمامها، التطلع لإنعكاس صورته أهون من التطلع لرومادية عينيه المهلكة، سُلطت نظراته على المرآة، فتطلع لعينيها بنظراتٍ جعلتها تسحب عينيها أرضاً، إبتسم بخبث، فأدراها لتقف أمامه، إنتظر لترفع عينيها إليه؛ ولكنها لم تفعل، رفع ذقنها بأصابعه ليردد بصوته الرجولي:
_«بصيلي يا "همسة"..»..
إستحوذ لون الكرز على وجهها، وكأنها ستقتل خجلاً، ومع ذلك جاهدت للتطلع إليه، تأمل وجهها الابيض المحاط بهالة من الحياء خطف قلبه بجنون فود لو ظل يتأملها عمراً كاملاً ، مرر يده لتحتضن وجهها فشعر بملمسه الناعم المغري بين يديه الخشنه ، وبصوتٍ منخفض للغاية قال بعدما إستند بجبينه على جبينها:
_«لو شايفة إنك إتسرعتي بالموافقة على الجواز مني ومحتاجة وقت أنا ممكن أستنى..»...
وضعت عينيها أرضاً بخجل، لتحرك رأسها بخفة، إشارة بالنفي، إبتسم بفرحةٍ، ولكنه عاد ليهمس من جديد:
_«بتحبيني يا"همسة"؟...»..
إزدردت حلقها الجاف بصعوبة، فحركت رأسها الثقيلة بأشارة مؤيدة لكلماته، رفع حاجبيه بأستنكارٍ لعدم منحه ما تمنى سماعه فقال بخبث:
_«مسمعتش إجابتك على سؤالي..»..
جاهدت للحديث مراراً، وكأن لسانها قد عقد عن نطق تلك الكلمة المخجلة، فقالت بحيادية:
_«أيوه.»..
إستخدم إسلوبه الماكر، ليسألها بخبث:
_«أيوه أيه؟..»..
همست بصوتٍ يجاهد حشرجة حلقها ليخرج عن صمته الملحوظ:
_«بآ.... بأحبك...»..
خفقة مداعبة لفؤاده، وكأنها منحته إذنٍ كافي بالأقترابٍ، أملى عينيه بنظرة ساهمة لوجهها الخجول الذي أشعل فتيل الفؤاد بشوقه إليها، أزاح حجابها ليرى ما تخفيه من جمالٍ خلف حجابها وملابسها المحتمشة، خصلات شعرها الناعم، المنسدل لرقبتها جعلها ذات جمالاٍ فاق تخيلاته لذوات الشعر القصير، فكل ما تمتلكه وإن كانت تمتلكه جميع النساء فهو مميز بالنسبة إليه، عينيه تخطف النظرات لشفتيها بشوقٍ متعطش، سمح لذاته بالأقتراب منها ليرغمها على خوض رحلة خاصة بمركب قاده هو بحرافية ليجعلها تهوى الأبحار تحت شراع عشقه اللا منتهي!..
#خارج_عن_المألوف...(تميم رسلان..)
العاشق، ذاك الذي لم يترك يدك في وقتٍ تخلى فيه البعض عنك.
ذاك الذي تألم بقوةٍ حينما أصابك الأذى، نعم جرحت؛ ولكنه عاش ألمك.
ذاك الذي قد يريق دمائه لأجل سعادتك ..
يمنحك عذرًا لكلِ خطأ يُرتكب.
يحارب العالم بأكمله لأجلك أنت.
ينبض قلبه لحبك أنت،
يحق له العشق، فأدخره لك.....
كتاب دونت صفحاته لتختم أقصوصة "تميم رسلان".....
#تميم_رسلان.. #رواية_خارج_عن_المألوف
ملحوظة هامة
الامر يخص رواياتي الورقية القديمة فقط، الالكتروني زي ما احنا، أنا مستحيل هرفع رواية الكتروني، زي ما انتم عارفين دي رواياتي الورقية القديمة، فمن الصعب ان الملفات تتنشر على الفيس، عجبنا اقتراح القراء ونفذنا الفكرة.. 💙💙