تحميل رواية «أشباح المخابرات» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الرواية التي ستجمع حفيد ياسين الجارحي وابن الاسطورة رحيم زيدان
أشباح المخابرات الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
احترامًا لتعليقات الناس الجميلة، والبوستات اللي نازلة على الجروب، سيتم اعادة النشر من قبل الادمن 💙
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الخامس!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Donia Gamal ،Samera Habeb، Hala Al Omer،
ـ Farha Ali Elazazy ـ بسملة مصطفى ـ Fifi Zain - بثينه ابراهيم ـ Hala Al Omer ـ Lolo AlMahdi ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
صعد للطابق العلوي، يتجه للغرفة الصغيرة التي خصصت لعدد من الغسالات الخاصة بتنظيف الملابس، جذب "ياسين " باب الخزانة التي تحتوي على المنظفات، ومن ثم ضغط على اللوحة السرية، وما أن انفتح من أمامه الباب السري، ولج للداخل يبحث عنها.
كانت تقف أمام الحائط الإلكتروني، وفوق أذنيها السماعات، بينما سلاحها تحمله باحترافٍ وجسارة، تسلط زُرقتها على الهدف الذي يظهر أمامها فجأة، فتصيبه بسلاحها الكاتم للصوت، وكلما اشتدت عليها المرحلة صعوبة وتنتقل لمستوى أعلى، كانت تسدده بمهارة واتقان، جعله يراقبها بشغفٍ، حتى استدارت تسلط عليه سلاحها، ونظراتها الحادة تجتازه.
كبت ياسين ابتسامة قد تظهر عليه، ومال يربع يديه أمام صدره العضلي القوي، بينما يقول في ثباتٍ:
_مليت من إني أعيد جملتي ليكِ كل مرة، عنيدة هانم نزلي سلاحك بهدوءٍ، بلاش تستفزيني!
أبقت على سلاحها وهي تقول ببرودٍ:
_وإن استفزيتك هتعمل إيه مثلًا، هتستخدم رخصتك وتأمرني بالانسحاب؟
تركها ترنو منه والسلاح يقترب من وجهه، بينما يتطلع لها بجمود وثقة:
_مقدرش أعمل كده لإنك جزء مهم من الفريق!
أرادت استفزازه فاستفزها هي، فاذا بها تخفض سلاحها وهي تنزع سماعاتها وتلقيها بعصبيةٍ، لحق صعبها خطواتها وهي ترحل من أمامه، فاستدار يخبرها:
_تحبي تشاركيني بأول خطوة من المهمة؟
وقفت محلها واستدارت صوبه متلهفة، فاذا به يقترب ويخبرها بخبثٍ يجعله سيدًا:
_هتعرفي تمثلي إننا زوجين!
وتابع وهو يشيعها بنظرة ساخرة:
_والمفروض إننا في شهر العسل، بس معتقدش إنك بطريقة لبسك دي هتباني عروسة!
تحررت عن صمتها بتهديد صريح:
_ لو رفعت عليك سلاحي دلوقتي هتقف تعيد اسطوانة حفيد ياسين الجارحي ميترفعش عليه سلاح، وإنت تستحق خرطوش مش سلاح.
رغمًا عنه جلجلت ضحكاته الرجولية حتى جعل ملامحها الغاضبة تهتدي إليه، بينما يجاهد هو للحديث:
_والله قابل منك كل اللي يجي منك، وبعدين إنتِ مش محتاجة لا لسلاح ولا خرطوش، عيونك أقوى من الاتنين، فأنا كده كده قتيل!
ارتبكت من حديثه، فتنحنح وهو يشير لساعته:
_ربع ساعة وتكوني جاهزة.
وسبق خطواتها ليخرج من المكان، ولكنه وقف وقال وهو يولياها ظهره:
_مرين أوعي تنخدعي بكلامي وتلبسي شيء مكشوف أو ضيق، هعين لبسك قبل ما نطلع.
وأضاف بصرامة وحزم:
_ولو حبيتي تعانديني بالنقطة دي بالذات، يبقى المشوار ده هروحه لوحدي!
قال ما قال وانسحب من الغرفة السرية، بينما تقف هي تتطلع للفراغ الذي خلفه من بعده مُبتسمة، مالت تستند على الحائط وهي تهيم شاردة.
يعاندها ويزيد من شُعلة النار بينهما، بينما يعود ليسدد لها غيرته بشكلٍ واضح وعلني، وبالرغم من عدم استقرار الامور بينهما الا أنه مازال يقر إنها تخصه وملكًا له، وبالرغم من عنادها الا أنها يروق له الحدود الذي يضعها من أمامها!
*****
وقف أمام باب الجناح، حتى فُتح أُتوماتيكيًا، فولج بخطاه الثابت إلى الداخل، حيث وجده يجلس بانتظاره.
وضع"كِنان" الكيس الذي يحوي الماس والحقيبة التي بيده على الطاولة الفاصلة بينه وبين "عثمان" الذي يطالعه بنظرات ثابتة، ثم استدار ليغادر فأوقفه جملته:
_غدرت بيهم الأول ولا هما اللي غدروا.
قبض قبضته ومعالم الضيق تحتل ملامحه، لا يريد ذلك اللقاء بأكمله، ولكنه مجبر على الرجوع للديزل بنهاية كل مهمة، استدار كِنان إليه وقال:
_الغدر عمره ما كان طبعي، فأكيد مغدرتش بيهم الا لما هما اللي غدروا!
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه "عثمان"، فحرك مقعده باشارة من يده حتى اقترب منه وهو يقول:
_بيعجبني طبعك وقوتك يا كِنان، ولولا إنك مسلم رقبتك بسبب نقاط ضعفك كان زمانك لسه في مكانتك، وقريب مني زي الأول.
وأضاف والشر والخبث يتراقصان برمادية عينيه:
_بس للاسف مصر توقع نفسك بتعلقك الكبير بأخوك، وببنت عمك حتى لو ادعيت إنك مش عايزها ومبتحبهاش، مشاعرك ريحتها فايحة.
تحلى كِنان بالصمت، بينما يستطرد عثمان:
_وده كفيل يوقعك ويجيب رقبتك الارض، ومش هارون بس اللي هيستغل ده عشان يخضعك ليك، لا في الاعلى والاقوى منه ومننا، وإنت عارف مصير الضعيف بينهم أيه؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال:
_عارف، ومش عايز أدخل العالم القذر ده، أنا راضي بمكانتي اللي بعيدة عن الدخول المباشر ليه، كفايا انك المسؤول عننا واللي بتمثل عيلتنا قدامهم.
وتابع متعمدًا أن يذكره بما مضى:
_مع إنك بردو كان ليك نقطة ضعف وهما بنفسهم اللي اتخلصوا منها، توقعتك هتثور وهتنهي كل الشر ده بس خيبت ظني يا عثمان.
اندهش كِنان حينما وجده يبتسم ولم تتأثر شعرة واحدة فيه، بل قال ببرود؛
_كويس إنهم عملوا كده، يمكن لو كان اللي في بطنها اتولد واتعلقت بيه بنسبة بسيطة كان ممكن اتوجع، لكن الحقيقة اللي إنت متعرفهاش إن موت إيلا واللي في بطنها مهزش فيا شعرة، بدليل إني قدامك أهو بتابع شغلي وكبرته عن الاول بكتير.
واستكمل وهو يشمله بنظرة باردة:
_سبق وقولتلك زمان، شغلنا رقم واحد في حياتنا، لا في قبله زوجة ولا ابن ولا حتى أخ! عشان كده هارون بقى مكانك يا جاك.
وبمكرٍ مخيف :
_يمكن لما تشطب نقاط ضعفك وتبقى بطولك ترجع لمكانك من تاني.
تحلى عن صمته بتعصبٍ:
_نوح وروز هيفضلوا في رقبتي يا عثمان، ولو صابهم أي أذى حتى ولو بدون قصد مش هتلاقيني في فريقك ده كله، لا من قريب ولا من بعيد.
وأضاف قبل أن يغادر:
_أنا عارف إنك محتاجلي وبتعتمد عليا اعتماد كلي، فياريت تخلينا على هذا الوضع أفضل، إنت ليك مصلحتك وبس.
وتركه ورحل بهدوءٍ، تاركًا ابتسامة خبيثة تتلاعب على شفتي شيطان آل التميمي المخيف!
*****
أغلق "تيام" باب الشقة الخاصة به، وولج يتجه إلى غرفة شقيقته، طرق الباب وانتظر أن يستمع لأذن دخوله، ولكنه لم يستمع له، فتح الباب فوجدها تقف بزواية الغرفة، تراقبه بعينيها المتورمة من البكاء والخوف منه يصل له من محله!
تنهد بارهاقٍ ولكنه تابع المضي قدمًا، وقال بحنان:
_قربي يا تالا.
قالت من محلها بتوترٍ وقلق:
_مش هعمل كده تاني، انا بس كنت خايفة ومش عارفة أعمل أيه؟
عاد يكرر قوله بصوتٍ أكثر حنانًا:
_تعالي يا تالا.
تحركت بخطواتٍ بطيئة، حتى وقفت قبالته، ضمها تيام وتحلى بالصمت، اختار التخلي عن أي حديث يُقال بينهما وهي بتلك الحالة التي فتكت بها، مسد على ظهرها بحنو، فانفطرت بالبكاء وهي تتمسك به، حتى همست بانكسار:
_أنا كنت خايفة أوي من اللي حصل، ومكنش في حد يحميني غيره.
ضمها كف يده الذي يمسد به على ظهرها، حتى هدأت، فقال ومازال يضمها:
_أنا عديت اللي حصل عشان اللي قولتيه يا تالا، بس مش عايز ده يتكرر تاني، بعد كده لو حصل حاجه رني عليا، لو في أخر الدنيا هجيلك.
وأضاف وهو يضعها بفراشها ويسحب الغطاء عليها:
_ إنسي اللي حصل النهاردة وحاولي ترتاحي، وبعد كده أنا اللي هوديكِ وهجيبك من الجامعة عشان اللي حصل ده ميتكررش مرة تانية.
منحته ابتسامة هادئة، وهي تحمد الله أنه صدق ما قالته، ولم يعلم شيئًا عن حقيقة الأمر، سحبت الغطاء وأغلقت عينيها تتصنع النوم، بينما مازال يجلس قبالتها. يمرر يده على خصلاتها الطويلة، بينما يتوه عقله تدريجيًا خلف الضوء الأبيض المشع حتى رأى ذاته يقف قبالة هارون بشراسة
##
_زي ما سمعت، أنا مش هكمل معاكم في القذارة دي يا هارون.
قالها تيام بشجاعة، ودون أي تردد، بينما مازال الأخر يتجرع من الخمر بكثرةٍ ويتجاهل ما قال. بينما يصرح له المطلوب:
_حاول تطور من العقار، زي ما اخترعت منه على شكل الشوكولاته، خليه بأشكال تانية عشان الحكومة بدأت تركز معانا.
طرق الطاولة الزجاج حتى يفق له:
_انت مبتسمعش بقولك مش هكمل معاكم، أنا خلاص مبقتش متحمل القرف ده، هخرج من بينكم ومعايا أختي.
وأضاف بما ينتوي فعله:
_أنا عايز أعيش حياة نضيفة مع الانسانة اللي حبتها، عايز اعيش من غير ما أخاف من بكره واللي مستخبي فيه، عايز أتخلص من الاحساس المرعب اللي بحس بيه بسبب القرف اللي انتشر بسببي، خلصت يا هارون مش هكمل.
ترك هارون الكأس من يده ونهض يواجه الدوار الناتج من الخمر، تحمل حتى وصل له، وقال:
_وتفتكر هيسيبوك تعيش حياتك!! إنت شوفت بنفسك عملوا أيه مع مرات عثمان وابنه عشان بس قرر يهدي الدنيا ويقلل الاصدارات لـ50 في المية، ما بالك لو شموا خبر بيك هيعملوا فيك وفينا أيه؟
ألقى كل شيء من خلفه، وبلا مبالاة نطق:
_مش فارقلي، يعملوا اللي يعملوه أهون عليا ألف مرة من احساس الذنب اللي مش بنام بسببه.
وجد أن الحديث الهادئ لم يجدي نفعًا معه، فلجئ للتهديد:
_أنا هعتبر نفسي مسمعتش البوقين دول، ومش هوصلهم لعثمان، هعتبر انك ضربت كاسين معايا وسكرت وده أحسنلك عشان الأذى ميجلكش مني أنا مش من المافيا يا دكتور!!!
أفاق من ذكرياته الغائمة، وشعور النفور يجتاحه مما حدث بتلك الفترة المُظلمة من حياته، وإذا به يميل مقبلًا جبين شقيقته ثم يتجه لغرفته بخطى متهدجة، منكسرة، كحال قلبه المُحطم!
*****
خرج من الغرفة يرتدي بذلة سوداء فخمة، من أسفلها قميصًا أبيض محلول أول أزراره، وقف بجاذبيته الطاغية يراقب الدرج من الحين والآخر، ومن ثم يخطف نظرة لساعته.
فوصل له صوت حذاء أنوثي يعانق أرضية الرخام برقةٍ وخفة، ومن ثم ظهرت قبالته بهيئة جعلت عسليته تكاد تنخلع من مُقلتيه!
فستانًا محتشم بنفس لون عينيها، يتدلي بوسع كفستان الزفاف، ومن فوقه جاكيت جلد باللون الأسود، تاركة خصلاتها القصيرة تتهاوى من حولها، وحمرة خديها تتدرج رغم أنها بدون أي مستحضرات تجميلة!!
وقفت "مرين" قبالته، ورددت بثقة:
_أنا جاهزة يا قائد!
ابتلع ريقه وعينيه تتحاشاها، كأنها فتنة متنقلة، بل بدى الضيق على ملامحه وهو يراها هكذا، لقد اعتاد أن يرى نساء عائلته بالحجاب، وبالرغم من أن ملابسها محتشمة الا أن شعرها المكشوف أچچ النيران داخله، وما يزيد ضيقه أنه لم يجد ما يعلق به ليجبرها على تبديله بآخر، لأنها نفذت تعليماته وارتدت فستان محتشم وواسع.
تنهد وهو يعود لثباته وأشار لها:
_هنتحرك.
اتبعته مرين والانزعاج من الخطى بالفستان كان واضحًا عليها، حتى أنها كادت أن تتعثر أكثر من مرة، مما دفعه للاستدارة لها، كابتًا ضحكته وهو يعرض عليها:
_محتاجة مساعده؟
أجابته بحدة:
_ميرسي.
اتسعت عينيه بسخرية ملحوظة لها، فقالت بغضب:
_يوووه، مش قولت أبان عروسة وفي شهر العسل، أعملك أيه تاني!!
مال للخلف من كثرة الضحك حتى أدمعت عينيه، بينما تتابع هي:
_لعلمك أوعى تفتكر إن عشان لابسة فستان وباينة رقيقة هتتمسخر بيا، خد بالك أنا مسلحة والمرادي هقتلك بجد يا ياسين!
توقف عن الضحك من شدة الصدمه، وردد بصعوبة بالحديث:
_مسلحة!! ازاي؟!
منحته ابتسامة ماكرة وهي تتفاخر بوقفتها:
_زي الناس، وزي ما بابي بيقول خدلك ساتر قوي مني يا قائد.
رمش بذهولٍ، واستحضر قوله الهادر:
_خرجي الاسلحة اللي معاكِ حالًا!!
ربعت يديها أمامه وقالت:
_وإفرض احتاجتلهم.
رد وهو يتحلى بالصبر:
_إحنا رايحين نعين المكان مش نشكك أصحاب المكان فينا!
اقتربت خطوتين وبثقة قالت:
_لا مهو أنا مش هحتاج للسلاح عشان أصحاب المكان، هحتاجه عشانك يا قائد!!
جحظت عسليته بشكلٍ جذاب، بينما تتسع بسمتها وهي تراه مندهش بتلك الحالة، فحملت طرف فستانها وتحركت برقةٍ قاتلة:
_هنتاخر كده يا قائد.
وهبطت تتجه للسيارة، فاذا به يفوق من حالة الصدمة خاصته، ويسبقها بخطواته السريعة، يغلق الباب الذي فتحته بعنف، وبصرامة قال:
_مرين حالًا الاسلحة تخرج والا مش هحتاجلك معايا من الاساس، لو حابة تختبري صبري جربي!
تأففت بغضبٍ، بينما يميل على مقدمة السيارة بثبات قاتل:
_وقتك بينفذ!
منحته نظرة قاتلة، وصرخت بوجهه:
_دور وشك!
أشار على الرحب والسعة، واستدار يوليها ظهرها، فاذا بها ترفع الفستان الذي كانت ترتدي من أسفله بنطال من الجينز، وعلى ركبتها أحزمة غمست فيها أسلحة رغم انها صغيرة الا أنها كانت حديثة وقاتلة بدرجة مخيفة.
انتهت مما تفعله، فاذا به يستدير وما أن رأى مقدمة السيارة حتى اتسعت مُقلتيه من كثرة الخناجر والاسلحة النارية الصغيرة، فنطق باستهزاء:
_كل دي أسلحة ليا!! للدرجادي واقعه في حبي!
رددت بهمس محتقن:
_جدااا.
ابتسم وهو يغمز لها بمشاكسة:
_مصدقك، أنا أتعشق مش أتحب!
حلقت نيران الغضب بزُرقتها، تركته وصعدت للسيارة تغلق بابها بعنف، حمل ياسين الاسلحة عن السيارة وهو يتمتم بسخطٍ:
_كل ده كان تحت الفستان!! شكل اللي جاي مش سهل عليك يا جنرال!!
*****
كانت تجلس على الشيزلونج، تراقب حديقة القصر بنظرات منطفئة، جُردت منها الحياة، فاذا بباب غرفتها يُفتح ويظهر أخيها قبالتها.
ارتعب "رزان" ووقفت تتطلع إليه في وجلٍ، فاذا به يدخل ويقف أمامها بنظراته المخيفة، وبغضب قال:
_أيه اللي خلى كِنان يعارض على جوازك من إليون، ويتشرط عليا إنك مش هتكوني لا ليه ولا لغيره؟
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، حتى أنها تراجعت بجسدها للخلف، حتى اصطدمت بظهر الأريكة من خلفها:
_محصلش حاجة!
أحاطها هارون بنظرة أكثر رعبًا من سابقتها، ومع ذلك ردد:
_انطقي باللي حصل والا متلوميش الا نفسك.
تجمعت الدموع بزُرقتها، وهمست بضعف:
_قولتله إني مش عايزاه، وإنه لو اتقدملي هرفضه.
تهاوى على وجهها بصفعةٍ قوية، جعلت الدماء تنسدل على جانبي شفتيها، فبكت من شدة الألم، عاد يجذبها من خصلاتها البرتقالية، وهو يسبها بألعن السباب القذرة:
_أنا طلبت منك كده يا****
صرخت من شدة الوجع، ورددت في قهر:
_حرام عليك يا هارون، إنت بترخصني قدامه، أنا كرهته ومش عايزاه خلاص.
قبض على خصلاتها وقربها من عينيه المُقيتة:
_مش بمزاجــــك، أنا اللي أقول أيه اللي تعمليه وأيه اللي ميتعملش. قولتلك إن كِنان لازم يبقى تحت طوعي وده مش هيحصل الا بجوازك منه.
مسكت يده القابضة على شعرها، تحاول أن تحرر ذاتها منه وهي تهتف:
_وهو مش عايز يتجوزني أعمل أيه؟!
تجلى فيه الشيطان، ونزع عنه رجولته فاذا به يقول:
_تعملي اللي قولتلك عليه.
ارتعبت مما قرأته بحدقتيه القذرة، وبرعشة قالت:
_أعمل أيه؟
ردد بدناءة:
_تروحيله أوضته وتحاولي تجيبي رجليه.
وأضاف بما يجعل الرجال يبصقون بوجهه من شدة الخزي:
_ومش مرة بس، لا خليه ميقدرش يستغني عنك، لو حملتي منه هيتجوزك فورًا، أنا عارف كِنان.
كادت أن تغشي عليها من هول ما استمعت إليه، فتمردت بين يديه وهي تصرخ:
_إنت إزاي بالحقارة دي، أنا أختك يعني لحمك وعرضك!!
واسترسلت بصوتٍ مبحوح:
_لا مش هعمل كده حتى لو قتلتني، على الاقل الموت هيكونلي رحمة من إني أعيش تحت رحمة خنزير زيك!
سقطت ضرباته القوية عليها، فدمت وجهها الأبيض وحولته لكدمات زرقاء، حرص على تلقينها ضربًا مُبرحًا، ومن ثم جذبها إليه، لتنصت لما سيقول، فتحرر عنه فحيح رعبها:
_إنتِ فاكرة إني هموتك! إنتِ ساذجة أوي، ده أنا هخليكِ تتمنى الموت كل لحظة ومطولهوش، وأكبر مثال حي قدامك الكلبة اللي متجوزها، ديتها عندي أرخص من رصاصة خارجة من مسدسي، استخسرتها فيها وسايبها بتتعذب على نار هادية بالرغم من أنها ماشية تحت طوعي، فما بالك باللي هعمله فيكِ!
ازداد بكائها برعبٍ منه، بينما يشدد من ضغطه على شعرها:
_ها هتبقي مطيعة زيها ولا أفتحلك باب من أبواب جحيمي!
لم يكن بيدها حيلة، فاذا بها تهز رأسها وهي تبكي بانكسارٍ قاتل، ذبحها بجبروته وكأنه يظن أن لم يعد هناك وجود لمن يوقفه عن شره!!
******
وقف بشرفته يغلق عينيه بقوةٍ، والهواء البارد يلفح صدره ببرودته، بينما تتساقط خصلاته على وجهه بعنف، شاردًا، تائهًا، حائرًا في رحلته التي تزداد عتمة كل لحظةٍ.
طرقات باب غرفته جعلته يفتح بنيتاه، هامسًا بحنق:
_مش يومك ولا وقتك يا نوح!
دخل "كِنان" من الشرفة، يجذب قميصه، إرتداه وهو يتمتم بنزقٍ:
_ادخل!
فتحت باب غرفته بأصابع مرتشعة، كم كانت تتمنى أن لا يكون بالدخول، عسى أن يرى من يراقبها على الدرج بأنه ليس هنا، ولكن نبرة صوته القوية أعلمته بوجوده، فلم يعد على تلك البائسة سبيل للتراجع!!
سحبت حطام الأنثى الساقطة عن تلك الجثة، ومضت منكسرة للداخل، خصلاتها تنهمر من الجانبين على وجهها، فنجحت باخفاء جروح وجهها بنسبة كبيرة، والنسبة الاخرى تخضع للزينة التي وضعتها أمام أخيها الديوث!
تفاجأ بها كِنان، وأكثر ما صعقه ما ترتديه، لأول مرة يراها بفستانٍ قصير مثل الذي ترتديه، لدرجة جعلته يشعر بأنه سيقتلها وخاصة بأنه تسرب له ما تفعله من قبل أن تخطو خطوة واحدة، فاذا به يصرخ من محله:
_أيـه القرف اللي إنتِ لابساه داا؟؟
تخشب جسدها محله، ولم تمضي خطوة آخرى، بل دفنت رأسها أرضًا تبكي بصوتٍ مكبوت، استطرد كِنان بعصبية كادت أن تلهبها بالنيران:
_طاوعتيه ونزلتي لمستواه الوضيع ده!! مش مصدق عنيا!!!
لم يصدر عنها أي كلمة، ومازال يقف أمام الشرفة ينتظر أن تدافع عن ذاتها، وكلما طال صمتها ازداد فتيل غضبه القاتل، فصاح بعنفوانٍ:
_الصبح بتقوليلي إني لو حفيت مش هتقبلي بيا وبليل بترخصي نفسك بالشكل ده!!
انتفض جسدها من شدة كبتها للدموع، حتى تحرر صوت مكسور عنها ببكاءٍ جعله يبتلع كل أقاويله، بل هرول ناحيتها بشكٍ من طريقة وقفتها وانحناء قامتها، وقف قبالتها يناديها بقلق:
_رزان!
زادت من دفن رأسها أرضًا، فوضع يده أسفل ذقنها، يجبرها على التطلع له، تأوهت من شده الألم، بينما تتغمده صدمة جعلت قلبه يطعن بقسوةٍ، حينما رأى وجهها المشوه، وخط الدماء الذي انسدل من شفتيها وانفها مهما حاولت مسحها، انتفض هلعًا وهو يتخيل مدى المعاناة والضغط الذي تعرضت له حتى تأتي خاضعة بانكسار هكذا.
تجمدت الكلمات على لسانه، لم يجد أي شيء يقوله، بينما تبعد هي كفه تجهش بالبكاء بصوتٍ تحرر كأنها لم تبكي منذ أعوامٍ.
قبض قبضته بغضب، وصوت اصطكاك أسنانه يصل لها، فاذا به يركل السراحة بقدمه فسقطت أرضًا، وفجأة اندفع للخارج كالسهم المؤقت، متخذًا طريقه للاعلى وبالاخص جناح هذا اللعين!!!
*****
من يصدق أن النسخة الكبيرة عن توم وجيري تنتهي خصومتهما أخيرًا، وكلاهما الآن يجلسان على طاولة مزينة بالشموع الحمراء كالحبيب والحبيبة، يرتسم عليهما ملامح الحب والاندماج، وخاصة ياسين الذي مال يهمس لها وهو يحافظ على ابتسامة متقنة:
_أنا تعمدت أقول للويتر إننا عرسان جداد، وإنه يهتم بالتربيزة، هنشوف بعد كده الخطوة اللي جاية.
تصنعت التبسم لما يقول، وتناولت قطعه اللحم بالشوكة التي حملتها في رقة ونعومة، بينما تهمس من بين ابتسامتها المخادعه:
_بس لحد الآن الامور ماشية عادي!
قطع بسكينته قطعة اللحم، ومال للامام يقدمها لها، تفاجآت من فعلته، ولكنها مالت وتناولتها وهي تتقن الدور ببراعة اعتادتها في العمل، بينما يستغل ياسين انحناءها ويتفحص الممر المؤدي للحمام النسائي، وما أن قبض على طرف الخيط حتى أشار لها اشارة مقروءة، فهزت رأسها بتفهمٍ.
مدت يدها تلتقط منديلًا ورقي، تزيح بقايا الطعام، وتسحب الحقيبة وهي تردد برقة مصطنعة أمام النادل الذي أقبل يزيح الاكباق باشارة منه:
_سأعود بعد قليل حبيبي.
قالتها حتى يبدو أن الامور تسري بشكلٍ طبيعي ولكن ياسين أبصرها بتيهٍ يتابعها بارتباكٍ وكلمتها تُعاد إليه، تُوقظ داخله مشاعر المراهقة، وحب الطفولة الذي دفنه لها، فاذا به يهمس في ذاته:
_هانت وهتبقي حلالي عنيدة هانم!
ولجت "مرين" للحمام النسائي، ادعت أنها ترتب شعرها، وتحمل بين يدها حمرة الشفاة، حتى يظن من حولها بأنها ترتب مكياجها، بينما تسترق السمع لما يدور حولها، فاذا بها ترى إحدى الفتيات بملابس مُبتذلة للغاية، وجهها مملؤء بالحلقات المعدنية التي تشق أنفها وشفتيها ولسانها وتملئ أذنيها بشكلٍ مبالغ به، كانت تجوب بين الفتيات بعُلبة بها نفس نوع الشوكولا التي سبق ورأتها "مرين" بالعرض الذي قدمه "عمر الرشيدي، آدهم"
تفحصتها الفتاة بنظرة خبيرة، فادعت مرين انشغالها بوضع حمرة الشفاة، والمسكرا، فاذا بها تقف جوارها، تفرقع العلكة بشكلٍ استفز مرين التي ودت لو أطاحت برأسها بالمرآة المقابلة لهما، حدثتها الفتاة بميوعة:
_يبدو وكأنكِ عروسًا.
غامت زُرقتها بمكر من خبث عاملي المكان الدنس، الذين أسرعوا بتسريب الخبر لالتقاط العملاء لشراء تلك اللعنة، نجحت بالتظاهر بالبراءة وقالت:
_نعم أنا كذلك، لقد تزوجت منذ أربعة أيام وأنا هنا لقضاء شهر العسل.
واستدارت صوبها تتساءل بلطفٍ خبيث:
_وماذا عنكِ؟
تفحصت الفتاة المكان من حولهما، ومالت تردد لها بغمزة:
_أتجول هنا لأقدم السعادة للفتيات، وبالاخص المتزوجات.
ادعت عدم فهمها رغم أنها توشك على لكمها:
_كيف؟ لا أفهمك.
أخرجت الفتاة من الحقيبة التي تحيط خصرها عُلب الشوكولا، وقالت:
_هكذا ، هذا النوع سيروق لكِ لدرجة ستجعلك تعودين إلى هنا بحثًا عني.
تلألأت زُرقتها بمكر، والتقطت منها الشوكولا قائلة بملامح طبيعية:
_أيحدث ذلك من هذة!
هزت رأسها بكل تأكيد، فسحبت حقيبتها وقالت:
_حسنًا سأجرب، أخبريني بكم السعر؟
طرقت ذراعها بذراعها بخفة وغمزة خبيثة:
_المرة الاولى بالمجان، ولكن المرة المقبلة سيكون عليكِ دفع أربعمائة يورو.
هزت مرين رأسها وقالت:
_يا له من كرم كبير منك، حسنًا سأراكِ مجددًا.
وتركتها وخرجت من الحمام، والغضب يجعل مُقلتيها تجتاحها عاصفة رآها ياسين فعلم بأن الامر قد تم، فما أن جلست حتى مال يقدم لها العصير وهو يهمس:
_عملتِ أيه؟!
أمالت حقيبتها وهي تريه ما حصلت عليه، فعاد بظهره وهو يخفي ضحكاته بيده، بينما تهاجمه نظراتها الشرسة، فاذا به يبتلع العصير جرعة واحدة، ويشير لها بمزح:
_ما تيجي نرقص؟
زوت حاجبيها بدهشة:
_والله! أمال فين عم الشيخ اللي نايم قايم على سجادة الصلاة؟
رد وهو يبتسم:
_حاضر وموجود في كل وقت، وللعلم لما نرجع من المهمة دي هنكتب الكتاب على طول.
سحبت حقيبتها وجاكيتها وقالت:
_هقطع عليك حلمك المستحيل ده، يالا نمشي.
نهض يجذب حفنة من المال ويضعها على الطاولة، ثم اتبعها للخارج، فاذا بأحد شباب الأمن يشيرون له، فأشار لها بأن تسبقه للسيارة وذهب رفقته.
جلست مرين بالسيارة تنتظر عودته، فاذا به ينضم لها بعد قليل، وما أن صعد للسيارة حتى سألته بلهفةٍ:
_كان عايزك ليه؟
تجاهلها عن عمد، فقالت:
_مش بترد ليه؟ الشاب ده كان بيقولك أيه؟!
تصنع الجدية التامة وهو يخرج من جيب سترته أنبوب صغير:
_اتنشر جوه اننا عرسان جداد فمسى عليا بالعقار النسائي وبالمجان، بحيث لما أشوف نتايجه أرجعله زحف.
عصف الرعد بعينيها، فانحنت تجذب من حذائها سلاح صغير، ثم سلطته على ياسين المصعوق مما يحدث، ومازال يردد بصدمة:
_جبتي السلاح ده منين تانــــي؟؟؟
صاحت بعنف:
_قولتلك إنت مينفعش أخرج معاك غير وأنا مسلحة!
رفع ذراعيه وتمتم بتحذير:
_مرين احنا قدام المكان لسه، هيشكوا فينا!
هدأت نظراتها العنيفة، وعادت تجلس بمقعدها بهدوء رغم أنها مازالت تراقبه بحذر، ضحك ياسين وتحرك بالسيارة، حتى ابتعد عن المكان، فوقف فجأة وقال وهو يجاهد للسيطرة على نوبة الضحك التي سيطرت عليه:
_بهدوء كده لو لسه معاكِ أسلحة خرجيها هنا، ده لو عايزة تيجي معايا المشوار الاخير اللي ريحينه.
صاحت بعناد:
_مش هطلع حاجه، ثم إنك بتتشرط وبتتأمر عليا بصفتك أيه؟
حرك كتفيه بغرور:
_القائد بتاعك يا ميري!
كزت على أسنانها بغيظٍ، فاذا بها ترفع طرف الفستان وتجذب الاسلحة التي تحيط بها الحذاء من الداخل والخلف، وتدفعهم على تابلو السيارة، فاذا بياسين يرى عدة شرائح يبرع فيها الجوكر ومن بعده تلميذه آدهم، وسلاح صغير الحجم كاتم للصوت، وخنجر صغير.
رمش بعدم استيعاب وهو يعود إلى التطلع إليها:
_ليه كل ده، احنا طالعين حرب؟!
شملته بنظرة منفرة وعادت تتطلع للنافذة بغضب، فعاد يقود وهو يتمتم:
_لازم أفتشك قبل ما ندخل جناحنا بعد الفرح، أنا مش مستغني عن روحي!!!
أتاه ردها اللازع:
_أحلامك ابتدت توسع منك يا قائد.
تابع القيادة وهو يقول:
_حلمك سابق حلمي يا ميري!
تغاضت عما قال، وتساءلت باهتمام:
_احنا رايحين فين؟
التفت لها وبابتسامة واسعة قال:
_مكان هنكون فيه على طبيعتنا، وإنتِ جاهزة من الصبح بأسلحتك يعني مش محتاجة تسخين.
رددت بحيرة'
_مش فاهمة!!
******
طرق باب الجناح بعنفٍ وهو يصيح:
_هـــــــــــــارون!
خرج من الداخل مندهشًا من طريقة طرقه، وصياحه المنفعل، وما أن طل إليه حتى نالته لكمة قوية من كِنان، وقبل أن يستوعب أي شيئًا كان يجذبه بعنف للخارج، وينبطح من فوقه وهو يكيل له الضربات بصراخ جنوني:
_بتمد ايدك عليها يا كلب، بتستغل ضعفها!
دفعه هارون عنه بقوة، وهدر بحقارة:
_وهعمل أكتر من كده، مالك بيها أختي وأنا حر معاها!
ازداد غضبه بحدة، فاذا به يعود إليه، يحاول تسديد لكمة إضافية له:
_إنت مش بني آدم إنت شيطان لعين، وربي لأقتلك يا هارون.
لم يقاومه هارون وتركه يسدد له اللكمة الاولى، ثم توقف بالثانية حينما قال:
_وأنا مش هقاومك، بس متنساش إن أخوك تحت رحمتي، وبضغطة زرار واحدة أوضته هتبقى جمرة نار.
قبض قبضته وهو يتراجع عنه، بينما يطالعه هارون بابتسامة انتصار، ونهض يعيد ترتيب ملابسه ويتفحص أنفه وشفتيه النازفة، بينما يعود ليتطلع صوبه بنظرة شامتة:
_اسمع يا كنان أنا بعترفلك أهو اني شيطان، فتوقع مني كل شيء، الا بقى لو خايف عليها مني ومن اللي في نيتي ليها، وحابب ترأف بيها اتجوزها وخلصها من الشيطان زي ما بتقول.
ضم شفتيه بنفور منه، وطالعه بكراهية شديدة، طال صمته وهارون ينتظر سماع ما سيقول:
_ها قولت أيه؟
شدد القيد من حوله، فأرغمه على الرضوخ له للمرة الثانية، فاذا به يهز رأسه وهو يقول:
_هتجوزها.
ورفع اصبعه صوبه:
_بس ورحمه أبويا لو عرفت إنك رفعت ايدك عليها تاني هتكون كتبت نهايتك بنفسك يا هارون، ولا هيهمني مخلوق وأولهم عثمان التميمي.
قال ما قال واندفع يعود كالعاصفة مثلما أتى، بينما رنا هارون من المرآة يتطلع اصابته بحقد وكره شديد له.
ومن خلف الشاشات، كان يراقب ما يحدث باستمتاعٍ، يستمع ويحضر كل شيء كأنه بث مباشر، فاذا به يغلق الشاشة وهو يهتف بضجر:
_طول عمرك غبي يا هارون.
وأضاف عثمان وهو يتحرك بمقعده:
_ بس النتايج اللي بتوصل ليها في النهاية بتعرف تراضيني!
ولاحت ابتسامة شيطانية على وجهه، بسمة خلقت بالشر ويفوح بها كل شر.
******
_أنت فاكرني مش هقدر أخلص عليه لوحدي!
كلمات متمردة تفوهت بها بشراسةٍ وعينيها لا تترك خاصته، جذب ياسين كأسه من أعلى البار ثم أشار للنادل الذي يتابعهما بدهشة وعدم فهم حوارهما العربي، فصاح هازئًا:
_هيي أنت ألم يسبق لك رؤية زوجان يتناقشان بأمور خاصة بهما.
ورفع الكأس قبالته مجددًا:
_فلتضع المزيد من الثلج ربما سيفيد باسترخائي.
وارتشف من الكوب وهو يتابع:
_دعني أنصحك يا فتى لا تفكر يومًا بالزواج طالما حييت، النساء هي أخطر مرض يقتص من عمر الرجل.
عبث الفتى بعينيه، وهو يجاهد لعدم متابعة ما تفعله مرين بنهاية الملهى، فقال:
_عفوًا سيدي ولكني أعتقد أن زوجتك بحاجة لمساعدتك.
استدار بمقعده تجاه من تصرخ به باستنجادٍ:
_ياسيــــــــــــن ساعدنـي!!
تابعها بنظرة باردة وهي تقفز كالقنفذ في محاولة للفرار من ذاك الرجل ذو الجسد العملاق، سبق وحذرها بأنها لن تستطيع التعامل معه ولتتخلى عن عنادها تاركة سابق الأمور إليه، ولكنها كالعادة تود رسم دور المرأة ذات القوة الخارقة، استكمل كوبه لنهايته، ثم وضعه أمام الفتى المصعوق مما يحدث، ونهض عن مقعده يشير له:
_تذكر نصيحتي جيدًا، لا تفكر يومًا بالارتباط وخاصة بالمرأة العربية تمتلك خبث ودهاء لن تتمكن من التغلب عليه.
ونزع عنه ساعة يده، ليضعها على الرخام مشيرًا بعسلية عينيه:
_سأعود لك... يبدو لي أن زوجتي الحبيبة تطلب مساعدتي أخيرًا.
واتجه خطوتين ثم عاد يشير إليه بتحذير:
_فلتعتني بساعتي، هدية ثمينة من ياسين الجارحي بذاته.
واتجه إليها بخطواتٍ بطيئة، ليجدها تصارع يد هذا الهجمي الذي يلفها حول رقبتها، فطرق على كتفه مردفًا:
_عفوًا يا سيد.
استدار الرجل إليه فناوله لكمة أطاحت به لجوارها فاقدًا للوعي، نهضت مرين تحدجه بنظرات قاتلة، فتغندج من أمامها بفخرٍ:
_شوفتي الموضوع أبسط مما تتخيلي!
التهبت عينيها بحمرة غاضبة، لتقديمه مساعدة متأخرة عن تعمد، فجذبت سلاحًا من جيب بنطالها الذي كانت ترتديه أسفل فستانها وحينما علمت بالمهمة المطلوبة انتزعت الفستان الذي ترتديه وبقيت بالملابس التي كانت تعدها أسفله، سلطاه إليه وصرخت بعنف:
_هقتلك... صدقني هقتلك!
استدار يراقب اشارة معينة ينتظرها، وعاد يتطلع لها هامسًا:
_مهمتنا تمت على أكمل وجه، القادة وصلهم الرسالة اللي عايزين نوصلها.
عبثت بعدم فهم وصدمة من استغلاله لعنادها حتى يوصل رسالة صريحة لما جمعه بزيارتهما للنادي الليلي، فاذا بها تعيد السلاح إليه، فردد بتعب:
_عنيدة هانم، ممكن نكمل خناقتنا بعدين، الساعة بقت 4 الصبح!
وتركها واتجه للسيارة، بينما تتبعه بغيظ جعله يسيطر على ضحكاته بكل ما تمكن، حتى عاد كلاهما للمكان السري، حيث كان زين بانتظارهما، وأول ما تحرر عنه:
_سيادتكم كنتم فين؟؟
تجاهله ياسين واتجه لغرفته بتعبٍ، بينما صعدت مرين على مقعد الرخامة قبالته، وعلامات الغيظ والغضب تموجا بزُرقتها.
رنا تجاهها زين وقال:
_كنت فين يا مروان؟
هدرت فيه بحقد وغضب:
_زين كلم أنكل رحيم وخليه ينقل القيادة ليك، ياسين بيستغل إنه القائد، وبعدين انت الجدير بقيادة الفريق مش هو.
سحب رشفة من قهوته التي أعدها، وقال بخشونة مضحكة:
_هو عملها معاك وجاي تشعلل الدنيا بينا.
قالت وهي تدعي البراءة:
_أنا بقول الحقيقة، متنساش ان الفريق كله اتسمى بلقبك إنت بسبب سرعتك ومهارتك، إنت مستقل بنفسك أوي يا زين.
ضيق زيتونته وهو يصيح بسخط:
_آه منكم يا معشر الحريم، تموتوا وتوقعوا المديرية في بعض، بس على مين أنا أموت ولا أقع في صاحبي، إلعب غيرها يا ميرو.
تخصرت وهي تهاتفه باستنكار:
_وهي خطيبتك من معشر أيه الذكور؟
انتفض واقفًا، يهاتفها بعنف:
_فشر ده أنا خطيبتي ست البنات كلهم، قطعة كوكييز في نفسها كده، مروان يا اشطا اهدى كده وإطلع ريح، العملية مش ناقصة كفايا عليا أم الملف والشخصية اللي لبست فيها دي
وترك الكوب وهو يستكمل بضجر:
_اقولك أنا اللي هسبهالك، هروح أنام في حضن صاحبي أتدفى، خليك انت كل في نفسك واهري كده لحد ما البيت ينفجر بيك بإذن واحد أحد!!!
*****"
ها قد مرت عليها ساعات الليل القاتل، وأتى الصباح باقتراب الموعد المقرر لها بلقاء "عثمان التميمي"، أدت قدس صلاتها، وقد خصصت ركعتين تشكو فيهما صعوبة مهمتها لله عزوجل وتطلب منه أن يعينها، وإن توفاها الله أن يتقبلها من الشهداء في سبيل حماية الوطن.
لربما يحصل البعض على الشهادة، ويُعرف أمره للجميع حتى يصبح حديث السوشيل ميديا لفترات، وربما هناك الكثير ممن ينالون الشهادة في صمتٍ تام، رغبة في حماية الأهل من بطش من إغتالهم.
خرجت قدس تحمل حقيبة ملابسها، وتتجه صوب سيارة الاجرة التي تنتظرها لتقودها إلى مصيرها المجهول.
ثمة شيئًا داخلها يحذرها من القادم، ولكنها حسمت الامر وأخذت تذكر الله طوال الطريق حتى اطمئن قلبها «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».
استقرت السيارة أمام باب القصر ذو البوابة الضخمة السوداء، وقد منع الحرس السائق من الدخول، فاضطرت للهبوط واستكمال الطريق على ساقيها، وهي تحمل الحقيبة.
رفعت قدس بصرها للاعلى تراقب تلك الشرفة المثلثية التي ينتهي بها القصر، والتي تعد مميزة بشكل مخيف، ابتلعت ريقها والارتباك والتوتر يكادان أن يقتلاها، ومع كل خطوة مُتبقية يخفق قلبها أناشيد الرعب والقلق حيال القادم!!!!
...... #يتبــــــــــــــع....
#أشبـــــــــــاح_المخابـــــــــــــرات... #الاقــــــــــــوى_قــــــــــــــــادم.
#آيــــــــه_محمد_رفعــت.
****_______*****
أشباح المخابرات الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
أشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_السادس!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات:
آية الشحات، الهام محمد، منى النشار، ايه عادل، الاء فايز، سمر محمود، اسراء حاكمهم، امل محمد، شهد ناجي، سميه عبد المنعم، حبيبه، ريهام رضا، نورهان، روميساء يحيى، الاء وائل، شيماء فوزي، صفاء على، رحمة حسين، جودي يحيى ،Om abdulrahman
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وقف أمام المرآة يتأمل وجهه الذي تحيطه الكدمات التي تركها "كِنان" تذكارا له، امتلأت عينيه بالبغضاء والحقد تجاهه، فارتدى النظارات السوداء وهو يهمس بكره:
_ماشي يا كِنان، القلم هيتردلك عشرة حقي مبيبردش!
أغلق زر جاكيته الاسود، واستدار ليغادر الجناح، رمق بازدراء "رحيق" الجالسة على الفراش بتعبٍ، قد نقل لوجهها اصفرارا ملحوظا، وهتف بنزقٍ:
_أنا لو كنت إتجوزت واحدة من اللي مرافقهم كان أفضل من إني أتصبح بوشك المقرف ده كل يوم، مش عارف أنا مستحملك على إيه؟!
رفعت وجهها بصعوبة إليه، حاربت الدوار العنيف الذي يهاجمها، ورددت:
_يا ريت تخلص نفسك وتخلصني من العذاب ده، طلقني وإنهي حياتك وحياتي المقرفة دي.
نبع عنه ابتسامة شيطانية، واذ به يتجه إليها، تحركت "رحيق" من محلها خوفًا منه، وخاصة حينما جلس جوارها، نزع نظاراته وتمعن بها بنظرة لفحها منه الشر:
_لو عايز أعمل كده إيه اللي كان مصبرني عليكي كل ده!! إنتِ كارت رابح بالنسبالي، وأكيد جايلك وقتك، والوقت ده مش بعيد.
طالعته بعدم فهم،فتابع بما يخطط له:
_حبيب القلب راجع راجع، مش هسمحله يبعد عن البيت ده أكتر من كده، فلما يرجع عايز أتشفي بيه وهو شايفنا أسعد زوجين في العالم كله.
وزم شفتيه وهو يتمعن بوجهها وجسدها بسخط:
_بس أكيد وقتها هحتاج أعملك عملية تجميل، أو أشوف حد يعيد تأهيلك من تاني عشان ترجعي أنثى.
قالها وعاد يرتدي نظاراته ثم نهض يغادر الغرفة، بعدما سدد لها أكثر من سهمٍ اخترق منتصف قلبها، ضمت "رحيق" ركبتيها بضعفٍ، ودموعها تتساقط دون توقف.
******
طرق على باب الغرفة للمرة الخامسة، وهو يعلم رفضها الصريح لرؤيته، ومع ذلك لم ينصَع لرغبتها، فمال على الباب يهاتفها:
_رزان لو مفتحتيش الباب هكسره، وخلي اللي في القصر يتلموا علينا بما فيهم هارون!
مجرد سماع إسم أخيها اللعين، جعلها تهرول لتحرر الباب خوفًا من أن يعلم بما تفعله، انتابه حزن ومرارة مست حلقه من نظرات الذعر التي تحيط زُرقة عينيها.
انسحبت من أمامه، وعادت للداخل، لحق بها "كِنان" حتى خرج خلفها للشرفة، خطف نظرة للخارج ثم قال:
_من امبارح وإنتِ بتتهربي مني ومش سامحالي أطمن عليكِ!
قالت وهي توليه ظهرها، ويديها تتمسك بسور الشرفة الخارجي:
_أنا كويسة، شكرًا على اهتمامك.
ازدادت حدة الألم الطاعن لقلبه، فاقترب يجاورها في وقفتها:
_بطلي تكلميني بالنبرة دي، أنا عارف إن اللي عمله الكلب ده معاكِ مش سهل، ومقدر إنك موجوعة إنه جبرك تعملي كده، أنا متفهم ده وأخدت حقك منه فمفيش داعي للزعل ده كله.
واستكمل مثيرًا اهتمامها حيال جملته:
_أنا عندي الحل اللي هيخلصك من قذارة هارون.
استدارت بلهفة إليه، ومُقلتيها تلمع بحبه الواضح له، تجاهل "كنان" كل شيءٍ، وتحدث:
_أنا فهمته إننا هنتجوز، فده هيهديه شوية، لحد ما أقدر أنفذ اللي في دماغي.
تلاشت ابتسامتها ومن خلفها سعادتها التي تبخرت:
_وإيه اللي في دماغك؟
رد عليها بما ينوي فعله:
_ههربك من هنا يا رزان، وجودك هنا مع هارون وعثمان مش هيخليكي تعيشي في سلام، لازم تبعدي لمكان آمن.
أمسكت دموعها رغم اختناقها داخل أهدابها، فخرج صوتها مرتعشًا:
_طيب وليه كدبتك متبقاش حقيقة ونتجوز!
دس يده بجيب بنطال بذلته الرمادية وهو يتنهد بتعبٍ من الحديث بهذا الأمر مجددًا:
_تاني يا روز، هنرجع لنفس الحوار ده تاني!! قولتلك ألف مرة أنا منفعكيش.
بالرغم من الشموخ الذي تحلت به طوال تلك السنوات قبالته، ولكنها الآن في أشد مراحل ضعفها، خاصة بما تعرضت له بالامس، فاذا بها ترنو تجاهه، تتمسك بسترته وهي تجاهد قول تلك الكلمات الثقيلة على لسانها:
_بس أنا شايفة عكس كده، كِنان أنا بحبك وعارفة إنك بتحبني، جوازنا هو اللي هيحميني وهيحمي حبنا.
حل يدها عنه وابتعد للخلف خطوة هاتفًا بسخرية:
_لو جوازي كان حماية ليكِ من هارون وعثمان ازاي هو نفسه مقدرش يحمي مراته وابنه من اللي أعلى منه!
وتابع بقوة وسخط:
_رزان إنتِ عارفة ومتأكدة إن شغلنا شمال كله، حتى لو معندكيش معلومات كافية عن طبيعة الشغل ده.
أخفضت وجهها أرضًا تترك دموعها وآلآمها تنهمر بصمتٍ، زفر "كِنان" غاضبًا:
_هو إنتِ ليه مصرة تدفني نفسك جوه المستنقع القذر ده!!
ورنا يهز يدها بعنف وعصبية:
_ إفهمــــــي بقـــا إنتِ مش هتقدري تتأقلمي معايا، صورة ملاك عيلة التميمي اللي رسمهالي دي مزيفة، أنا أبشع من هارون نفسه، ولعلمك أنا اللي ماسك إدارة الكباريهات من فترة، ومقضيها من واحدة للتانية، يعني جوازي منك هيخليكِ نسخة من رحيق، فلو إنتِ قابلة بده معنديش أي مانع أخدك حالًا على أقرب محامي ونتجوز، ها جاهزة تتحملي خيانتي ليكِ ؟؟
جحظت عينيها بعدم تصديق، وفتيل الوجع يزداد بشكلٍ جعله يندم لما قال، سحبت رزان يدها منه بعنفوانٍ، ومازالت تتطلع له بصدمة، أرغمت بها لسانها على نطق:
_بره... إطلع بره، مش عايزة أشوفك تاني، إمشي!!
ابتلع ريقه بتوترٍ من حالتها التي بدت غير مريحة بالمرة، وخاصة حينما توالت بصراخها وطلبها له بالرحيل، تحرك "كِنان" للخارج وصوت بكائها يهوى إليه كالسوط القاس، شعر أنه نال من قلبه قبل أن ينال منها، ولكنه بما فعله يحافظ عليها، فإن كان الديزل بذاته فشل بالحفاظ على زوجته وابنه، كيف سيفعل هو؟!!
******
الرهبة ، الخوف، القلق أحاسيس طبيعية يتسم بها جنس البشر مهما كانت قوة الشخصية، وها هي تحاول أن تحارب تلك المشاعر بكل قوتها، ولكنها كانت تغلبها وتزداد مع كل خطوة تخطوها مع الخادم الذي حمل عنها حقيبة ملابسها للملحق الجانبي للقصر الخاص بالضيوف، ومن ثم أرسل معها خادما آخرا يقودها إلى جناح "عثمان التميمي".
اتبعته" قدس" وخفقات قلبها المُضطرب تكاد أن تصيبها بالإغماء، ومع ذلك كانت خطواتها صلبة، تنم عن ثبات هيئتها المخادعة.
توقفت خلف الخادم الذي وقف عند الدرج، يشير لها على باب الجناح من بعيد، فاذا بها تزوي حاجبيها بدهشةٍ:
_ألن ترافقني للداخل؟
أجابها الخادم وعينيه أرضًا:
_لا يا سيدتي، هذا هو الجناح.
تعجبت من طريقته، فإن كان هذا الشخص عاجزا فمن سيقوم بفتح الباب لها، وقد بدل أنه مُغلق من الداخل، ظنت أن هناك خادما أخرا بالداخل يشرف على خدمته، فاستكملت طريقها وطرقت بخفة على باب الجناح.
راقب الشاشة الضخمة بتمعنٍ، يتفرس بملامحها بغموض مخيف، فاذا به يبتسم بسخرية، وهو يتجرع كوب العصير خاصته، ويحرك مقعده ليصبح قبالة الشرفة بينما يردد بصوتٍ قوي:
_آيلا افتحي الباب.
حررت الآلة المتحكمة بالجناح بأكمله باب الجناح وهي تقول بصوت وصل إلى مسمع "قدس" التي تفاجأت كليًا:
_كما تأمر سيدي.
حافظت "قدس" على ملامح وجهها بثبات، رغم أن اعتماده على نظام هكذا يثير الفضول ويضاعف خطر مهمتها، ولجت للداخل بخطوات تعمدت جعلها رقيقة، دافئة مثل الفتيات التي لم تكن طباعها تنتمي لهن يومًا.
سلطت بصرها على ذلك الذي يوليها ظهره، ولكنها في ذات الوقت كانت ترى كل جزء من الجناح بمهارة اكتسبتها من العمل داخل الجهاز، قد تبدو نظرتها نظرة طبيعية صوبه، ولكنها لم تكن تراه بالفعل، تود استكشاف موضع تلك الألة المتحكمة بالجناح بالكامل.
حافظت على صمتها، ومازالت تقف بمنتصف الردهة الطويلة، بينما ينتظر هو أن تخطو تجاهه متلهفة لعلاج شخصٍ هامٍ مثله، ومثلما اعتاد من الاطباء.
ارتشف "عثمان" من كوب العصير، ومازال ينتظر أن يعكس زجاج الشرفة انعكاسها، وحينما لم يجد لها صوتًا أو رؤية حرك المقعد باشارة يده فلف صوبها مباشرة!
مجرد تحرك المقعد بتلك الطريقة سبب لها دهشة مريبة، لأول مرة ترى مقعدا متحركا بهذا الشكل وبطريقة العمل العجيبة تلك، حتى سرعته بالاستدارة جعلتها تهتز من فرط الغرابة.
اقتبست نظرة دقيقة إليه، بدا أنه بالخامسة والثلاثون من عمره، ملامح وجهه قاسية بشكل مرعب، رغم أنه جذاب بدرجة كبيرة، عينيه رمادية اللون وشعره الاسود القصير يمشطه للخلف بثبات يقتبس من قوة شخصيته.
راقب "عثمان" تلك الفتاة بامعانٍ، بدت من بذلتها النسائية السوداء أنها ذات جسدٍ هزيلٍ، عساه لا يعلم ما تستطع تلك الهزيلة فعله!
يطول الصمت والسكون بهما، كأن المشهد سقطت عنه الكاميرات، وبات كل شيءٍ ساكنًا، حتى مزق الجلباب الصامت بصوته القوي:
_هتفضلي واقفة في مكانك كتير!
كادت أن تستعمل قوة شخصيتها، ولكنها ستزرع فيه جمام الشك منذ الوهلة الاولى، فاذا بها تطول كتفيها بينما تهتف بتوتر مصطنع:
_بحاول أتأقلم على كل اللي بيحصل ده.
نجحت باستمالة فضوله حول مقولتها، فسألها:
_وإيه اللي بيحصل!
رنت صوبه خطوتين قائلة:
_دي حكاية لفة وغريبة أوي، بس تقدر تقول إن الحاجة الطبيعية اللي فيها إنت!
ضيق عينيه الرمادية بذهولٍ من حديثها الغير مفهوم، فرنت نحوه بقوة، ومن ثم وضعت الحقيبة التي تحملها على الاريكة المقابلة منه، وجلست تفتح سحابها، وهي تخبره بسلاسة ودون أن تتطلع إليه:
_يعني لسه واصلة المستشفى من 48 ساعة، يدوب نازلة أول يوم قالولي المدير عايزك، طبعًا أنا خوفت جدًا بالرغم من اني واثقة إني ملحقتش أعمل أي مصيبة ولا حتى سنحت ليا الفرصة أقولهم سلام عليكم حتى.
وتابعت وهي تعقم يدها أمامه، وترتدي القفازات بتمهلٍ:
_دخلت للمدير لاقيته شكله مريب فعرفت إن دعوة ماما اتحققت بس بالعكس، وخصوصًا لما قالي اني هعالج شخصية مهمة جدا في ايطاليا، أنا عارفة إني دكتورة شاطرة جدا بس مش لدرجة إني اتشقط من المستشفى في أول يوم!!
لم يرمش له جفنًا وهو يتابع تلك الفتاة العجيبة، بينما تتابع هي وهي تحضر أدواتها:
_بس المريح في الأمر إنك عربي، مع إن ملامحك مدياني إحساس إنك مش عربي خالص.
ضيق رماديتاه بحدة، وأجزم أنها غير سهلة بالمرةٍ، تريد الايقاع به لمعرفة جنسيته من اللقاء الأول فماذا بعد؟
استقامت "قدس" من محلها، واتجهت صوبه، تنحني على ركبتها أمامه لتتفحص ساقه، فاذا به يرفع كفه باشارة جعلت المقعد يرده للخلف عن محلها، فتطلعت له باستغرابٍ بينما يردد بثبات:
_أنا لسه مسمحتش بده.
تركت الجهاز الصغير الذي تحمله، وقالت بسخرية:
_أمال أنا هنا ليه؟!
بقوة تليق بنظراته الصارمة قال:
_طلوعك هنا الجناح عشان تعرفي تعليمات وقواعد القصر، لكن بدايتك لعلاجي بالتوقيت اللي أشوفه مناسب.
اصطكت أسنانها ببعضها البعض، وكل ما تستمع له صوتها الداخلي الذي يأمرها بأن تسحب المشرط الموضوع بحقيبتها الطبية وتنال من رقبة ذلك الوغد المتعجرف، ولكنها تُهدِّئُ ذاتها وتضع مهمتها الاساسية أمامها هدفًا تسعى له.
نزعت عنها القفازات، ونصبت عودها بشموخٍ، بينما تتساءل بصوتٍ هادئ، ونظرات غير مبالية به:
_وإيه تعليمات معاليك؟
لمس بنبرتها السخرية، يعهد من نظرات عينيها أن تلك المرأة تملك قوة خفية، لا تبدو على ملامحها الهادئة وجسدها الهزيل، فقال بفظاظةٍ:
_بقائك هنا هيطول، عشان كده محتاجة تعرفي تعليمات وقواعد القصر، وأولها إنك ممنوع تسيبي الملحق وتدخلي القصر بدون أذن رسمي مني أنا شخصيًا، ثانيًا مهما حصل جوه حدود القصر ده فأنتِ صماء مبتسمعيش وعامية كمان بتشوفيش.
ربعت يديها قبالته، وألحقت بنظرة ساخرة:
_وإيه كمان؟
نظراته الحادة وقوله الصارم كان كالسيف الذي صدر أمره بقطع رقبة إحدهم:
_كل خطوة ليكِ هتكون بحدود أنا رسمهالك، ومش مسموحلك تخرجي براها.
حلت عقدة ذراعيها وقالت باستهزاءٍ:
_مش حابب تحددلي مواعيد أكلي وشربي كمان!
واستدارت تغلق حقيبتها، ثم استعدت للرحيل قائلة بمكر ودهاء:
_خليهم يجيبولي شنطي، أنا مش موافقة على شروطك شوف دكتور تاني ترسم عليه حدود وقيود وتعليمات، أنا مش هكمل!
مضت "قدس" بطريقها للخروج، وما رسمته وحسبته أتاها حينما قال:
_الخروج مش بسهولة الدخول لهنا.
توقفت ولفت بجسدها إليه تهتف باستنكارٍ:
_ليه حبسني في معتقل!
حلت تكشيرة وجهه الغامض، وقال بثقةٍ:
_لا، بس أعتقد انك مش بالغباء اللي يخليكِ ترفضي مليون يورو.
بالرغم من أن المال لا يعنيها، ولكنها برزت في مُقلتيها نظرة أوحت له بأن المال قد راق لها، ورددت باتقانٍ لدورها:
_مليون يورو!
استند على ذراعيه التي تعانق بعضها، وبصرامة هتف:
_ماتيو!
اتجه بصرها إلى باب الجناح ظنًا من أن الخادم سيدخل لها، وحينما وجدت الباب مازال مُغلقًا، استدارت إليه مجددًا، فصعقت وانتفضت للخلف بفزعٍ، حينما رأت أمامها إنسانا أليا ضخم الجسد، باللون الأسود، يرفع صوبها حقيبة بها مبلغا ضخما من المال، وهو يهتف بحروف سريعة محال أن يتمكن من النطق بها أي آلي:
_تفضلي سيدتي.
تراجعت للخلف بخوفٍ، وهي تتفقد ذلك الذي يتابعها ببسمةٍ تشفي، بينما يردد ببرود:
_إيه يا دكتورة، مش معقول شجاعتك اتبخرت لمجرد إنك قابلتي ماتيو!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وبصعوبة سلخت نظراتها عنه وتطلعت إليه، فقال:
_ده نص المبلغ، والنص التاني هتاخديه وبزيادة لو قدرتي فعلًا تعالجيني.
ورفع يده يقبضها، فاذا بالمقعد يستدير ويتحرك صوب الشرفة، بينما ينهي هو اللقاء بعنجهيةٍ:
_لما هحتاجلك هبعتلك يا دكتورة!
تطلعت له بغضب واستدارت تحمل الحقيبة التي يحملها الريبوت، ثم اتجهت إلى باب الغرفة حيثما فُتح باشارة منه.
هبطت "قدس" وعلامات الصدمة تجتاز وجهها بأكمله، على ما يبدو بأن تلك المهمة شبه مستحيلة، مهمة تعجيزية، خرجت للملحق وكل ما تفكر فيه كيف ستخبر الفريق بما رأته داخل الجناح، من تطور خطير ومرعب لا ينذر بخيرٍ قادم بالمرة!
******
تابع العمل لساعة كاملة، يحاول بها توفير مكالمة آمنة قد يقتبسها مع من تمزق قلبه من شدة شوقه لها، فأتاه صوتها الناعم تردد بلهفةٍ:
_زيـن!
أغلق عينيه بقوةٍ، ومال لمقدمة السرير من خلفه، يهتف بحبٍ:
_الرأفة بقلب زين اللي عشق رقة صوتك وغرقان في حبك.
علم بأنها ستبوخه مثل كل مرةٍ، ولكنه تفاجأ بها تقول:
_إنت مش هتيجي القصر؟ طولت في غيابك المرادي عن كل مرة.
ابتسم بعشقٍ قاتل، وقال:
_ده يا بختي لو كنت وحشتك وعايزة تشوفيني.
عادت لطباعها الحازمة:
_وبعدين معاك يا زين!
استمعت لضحكة صادرة منه، بينما يقول:
_كوكيز قلبي الدايبة في الشوكولا دوب، هتبدأها بالزعل وأنا مصدقت عرفت أكلمك!
حذرته بصرامة جعلته يبتسم بحب:
_هضطر أقفل المكالمة وأنا عايزاك في حاجة مهمة ومصدقت بردو إنك كلمتني!
تنهد وهو يهتف بجدية:
_طيب أعمل إيه؟ لا إنتِ قابلة نكتب كتابنا ولا حتى عمي! وكمان حطالي قيود بكلامي معاكي أصعب من قيود إبليس توابيت!.
ردت ببسمة رقيقة:
_كده أفضل يا سيادة الرائد، المهم مش هشوفك قريب، عايزة آخد رأيك في حاجة تخص شغلي.
رد بخبث:
_إنتِ عارفة إني زي الشبح بظهر وبختفي بسرعة البرق، فخليكي منتظرة ظهوري بأي وقت.
زفرت بضيق وقالت:
_مهو الموضوع اللي عايزاك فيه مش هيستنى ظهورك فجأة.
=خلاص قوليلي دلوقتي وأنا معاكِ وسامعك.
تنهدت بقلقٍ، وفاهت:
_خايفة ترفض وتزعلني.
اتسعت بسمته الجذابة، ورد عليها:
_ميجيش من قلبي أزعلك يا روحي، أي حاجة هتبسطك هوافق عليها بدون تفكير.
تحمست لجملته، وأسرعت تخبره بحماس:
_في بعثة طالعه من المستشفى بتاعتنا وكذه مركز مهمين، نقوا عدد من الدكاترة وأنا من ضمنهم، استأذنت بابي ووافق، ومش فاضل غيرك، أنا حابة أطلع مع زميلاتي يا زين، ممكن توافق بليز!
كبت ضحكة حينما استمع لرجائها الاخير، قُذف إليه عدد من الذكريات التي تخص طفولتهما، تذكر كيف كان يحمل طلبها بنهايته نفس الرجاء وبنفس الصوت الطفولي، تنهد وعشقها يصل به حد النخاع، ثم سألها:
_والبعثة دي لفين؟
ردت بلهفة:
_إيطاليا.
اعتدل بجلسته وتركيزه يزداد لما تقول:
_فين في ايطاليا، واسم المستشفى إيه؟
اجابته باستغراب من طريقته:
_معرفش التفاصيل، ومهتمتش اسأل الا لما أخد أذنك الأول.
هدأ قليلًا، ثم قال بامعان:
_عمي عرف أنها بايطاليا؟
أكدت له:
_آيوه يا زين، ما أنا قايلالك إنه وافق وفاضل إنت، بليز وافق، عشان خاطري.
ارتخت تعابيره المرتبكة، وقال بحب:
_خاطرك غالي عليا ومقدرش أكسره، سافري يا مارال بس خدي بالك من نفسك، ولما تعرفي اسم المستشفى والعنوان ابعتيلي على نفس الرقم ده.
ضحكت بسعادة أطربته:
_حاضر، ميرسي يا زين، إنت أسعدتني بجد، أنا متحمسة جدًا عشان عدد كبير من المركز التابع لأنكل عمر الجارحي طالع معانا، منهم رحمة، دي بقت صديقتي جدا جداا.
زوى حاجبيه بدهشة:
_رحمة مين؟
أجابته باستغراب من عدم علمه:
_بنت أنكل عدي!
تذكر أن لرفيقه شقيقة تؤاما له، فقال:
_آه فاكرها، المهم تاخدي بالك من نفسك، وخليكِ واثقة إني حواليكِ وجانبك في كل مكان!
******
حمل الشطيرة التي صنعها والنسكافيه خاصته ثم استدار ليتجه إلى مقاعد الرخامة، فوجد زوجا من العيون الفاتنة ترمقانه بغضبٍ قاتل، كبت "ياسين" ضحكاته بصعوبة وهو يعلم كل العلم ما يصيبها، ومع ذلك تصنع الهدوء القاتل، وبثبات قال:
_صباح الخير عنيدة هانم، تحبي أعملك فطار معايا؟
تجاهلت ما يقول، واقتربت تقف قبالته وجهًا لوجه، لا يفصلهما سوى لوح الرخام الفاصل بينهما، تنحنح مبتسمًا وهو يخطف نظرة للسكاكين الموضوعة بالحامل جوارهما:
_أوعي عقلك يتهور وتسحبي سكينه منهم، بالله عيونك قاتلة أكتر منهم!
تخلفت عما قال، وحررت قباع غضبها بقولٍ لفته بمكر:
_سيادتك إيه الخطوة الجاية اللي المفروض نعملها بعد ما اتاكدنا إن العاملات مش متورطين بالشغل الشمال إياه، وبعد ما استغلتني عشان تبلغ القادة بالنقطة دي امبارح.
سحب رشفة طويلة من المج الذي يحمله، ومن ثم تطلع لها وهو يجيد صنع الدهشة فجأة:
_أنا استغليتك يا ميري!! إيه الكلام العجيب المريب ده!
أدمت شفتيها السفلية بغضب قاتل، وأخفضت بصرها لساعة يده ساخرة منه:
_بقولك إيه يا قائد بلاش تتصرف وكأن مفيش حد ذكي في الفريق غيرك، إنت تعمدت تروح الكافيه امبارح وإنت عارف انه بيقفل بالمعاد ده، وقفت ترغي على البار وتعمدت تخليني أعمل مشكلة مع الشخص الوحيد اللي كان موجود هناك في نفس فترة تواجدنا، عشان تقدر تسلم الساعة اللي عليها شفرة المعلومات اللي جمعتها.
أبصرها ببراءة لا تمس له بصلة:
_ازاي وساعتي لابسها أهي!
ضيق زُرقتها الفاتنة بسخرية، فضحك وهو يستكمل تناول كوبه، مرددًا:
_حاولي تثبتي إننا بدلنا الساعات، مش هتعرفي، أنا ظاهر بالكاميرات وأنا داخل وخارج بيها، شغل مخابرات بقى!
تغاضت عن تلك المشاجرة الخاسرة أمامه، وتساءلت وهي تكبت غضبها بتحكمٍ:
_إيه الخطوة اللي المفروض أخدها دلوقتي يا سيادة القائد.
راق له ما تحاول فعله لتتفاداه، فسحب الكوب، يرتشف منه وهو يتطلع لها بثبات ورثه بجدارة عن "الدنجوان"، ثم نطق بحروف ثقيلة عليه:
_هتنزلي تقدمي في الوظيفة.
ورفع الساعة يتفحص الوقت بضيق ملحوظ:
_هتكوني هناك بعد ساعة تقريبًا، يدوب تستعدي.
احتلتها ابتسامة حماس لما هو قادم، فتركته وصعدت للاعلى بصمت، جعله يتابعها والقلق عليها يساوره رغمًا عن أنفه، فاذا به ينتبه ل" زين" الذي يرنو إليه وهو يضع الحاسوب على الرخام ويهتف بارهاقٍ:
_عايز قهوة يا جارحي.
سدد له نظرة حارقة، وصاح:
_خدامك سعاتك أنا!
أجابه وهو يعيد فتح حاسوبه:
_ما أنت عارف أمور المطبخ دي ماليش فيها، ومكنش عندي فرصة أتعلم حاجة أصلًا، زائد رحيم زيدان مكنش سايبلي فرصة اعمل حاجة في حياتي غير التدريبات والاسلحة، والله أعلم لو كان قفشني في المطبخ بعد كل التمارين دي كان هيعمل معايا إيه!
نهض يتحرك صوب النيران، يعد له ما طلب، فاذا به يقول بحماس:
_يبقى كرم منك لو عملتي مع القهوة بيض بالبسطرمة وياريت تكترلي الشطة.
استدار يرمقه بغضب، فتابع "زين" وهو يدعي الحزن:
_أعملك إيه نفسك في الأكل بيفكرني بأمي، وهي وحشتني فوق ما تتخيل بحاول أعوض فقداني ليها ولأكلها بيك!
وأضاف بحنق مضحك:
_مشوفتش أمي بقالي سنة ونص إيه برودة المشاعر اللي بقت عندك دي يا جارحي!
وتابع وهو يشير على الثلاجة الضخمة المجاورة له:
_خدلك لفة كده يمكن تلاقي جلاش أو رقاق تعملهولي باللحمة تبقى قدمتلي حضن دافي وعميق من الست الوالدة.
اقترب منه "ياسين" بغضب، وطرق الرخام بقوة أفزعت "زين" حتى كاد بالسقوط عن المقعد:
_هسيب المهمة باللي فيها وهبقى طباخ جنابك أنا، إنت صاحي تهرج على الصبح ولا إيه!!
سحب الحاسوب إليه بعدما شمله بنفور:
_خلاص مش عايز حاجة، نفسي اتسدت!
ضم "ياسين" شفتيه بضيق، فعاد يستكمل صنع كوب القهوة، وفجأة سحب المقلاة وشرع بصنع البيض مثلما طلب والآخر يراقبه بطرف عينيه بابتسامة ماكرة، وكأنه يعلم بأنه لن يهون على رفيقه.
عاد "ياسين" يضع من أمامه فنجان القهوة، والمقلاة ومد له طبق الخبز، طرق "زين" بيديه وشرع بتناول طعامه وهو يهتف بسعادة:
_هو ده الكلام، كده نشتغل بضمير.
أغلق عينيه بتلذذ مع أول لقمة تناولها وهو يغني باشادة:
_الله عليك يا حبيب والديك.
تبسم رغما عنه، وعاد إلى مقعده يرتشف الكوب بينما تحوم عينيه إلى باب غرفتها العلوي، متسائلًا:
_وصلت لحاجة من مراقبتك ليه؟
أجابه "زين" وهو يتناول طعامه:
_لا، بس حاسس إن الشخص ده وراه كوارث، وزي ما أنت عارف أنا مستني أي مدخل ليه.
هز "ياسين" رأسه بتفهمٍ، فتساءل "زين" هو الآخر:
_وإنت وصلت لحاجة؟
أجابه ومازال بصره يراقب الطابق العلوي:
_اتاكدنا إن العاملات مالهمش علاقة بأعمالهم المشبوهة دي، لذا مرين هتتحرك على طول.
توقف عن مضغ الطعام، وقال بجدية تامة:
_بالسرعة دي؟
تطلع له "ياسين"، وقال:
_مفيش وقت يا زين، كل ما اتحركنا بسرعة يكون أفضل لينا.
وأضاف وهو يسحب شيئًا من جيب سترة الترينج الرياضي الذي يرتديه:
_إنت عارف إنك لازم تعمل ده قبل ما هي تطلع من هنا.
راقب ما يقربه منه، وعاد يستكمل طعامه قائلًا:
_إنسى يا حبيبي، أنا مزاجي رايق النهاردة ومش هعكره مع مروان اشطا، أنا بتنازلك عن المهمة دي بصدر رحب.
تابعه بدهشة لسرعة انسحابه، وقال مستنكرًا فعلته:
_بس إنت ايدك أخف مني بكتير.
نصب كتفيه بغرورٍ وهو يقول:
_طبعًا مش أستاذ الحركة دي يبقى أبويا، لازم ايدي تبقى أخف وأسرع.
سدد له نظرة قاتلة، فتنهد" زين" وقال وهو يبعد المقلاة عنه:
_عشان أعمل كده لازم أقف أرغي معاها، وهي مش بتديني فرصة لده أصلًا، إنت الوحيد اللي بتنجح تستفزها بكلامك فبتقف تحاربك وتجاريك بالردود المستفزة بتاعتك وبتاعتها، إنت اللي هتقدر تعمل كده.
وسحب فنجان قهوته يرتشفه بتلذذٍ وهو يشير للدرج:
_استعن بالله وتوكل عليه.
زم "ياسين" شفتيه وهو يعود ليرفع بصره نحو الاعلى، فاذا به يسحب ما تبقى بالكوب رشفة واحدة، ثم تركه على الرخامة بقوة، ونهض يتجه للاعلى، و"زين" يتابعه بضحكة ساخرة، وتمتم:
_عندك حق، دي عايزة قوة خارقة عشان تقنعها باللي هتعمله، ربنا معاك!!
صعد "ياسين" الدرج للاعلى، وقبل أن يطرق بابها، وجدها تفتح الباب وتندفع للخارج، تفاجأت "مرين" به، زوت حاجبيها باستغراب، بينما هو يتطلع لها مشدوهًا.
كانت ترتدي فستانا من اللون الاسود، يصل لبعد ركبتها، وترتدي حذاءا من البوت النسائي أخفى المتبقي من ساقيها تمامًا، ما لها تزداد فتنة كل يومٍ عما يسبقه!
تنحنح بخشونة، وقال مستحضرًا ثباته الهادر:
_هتتحركي دلوقتي؟
هزت رأسها وهي ترتدي الحقيبة، فابتسم وسألها وهو يشير على ما ترتديه:
_الفستان ده مُلَغَّم ولا نضيف؟
اتسعت ابتسامة لها رغمًا عنها، وقالت بخبث:
_يعني كنت معاك وكان مُلَغَّم بكمية الاسلحة اللي خدتها مني، تفتكر وأنا رايحة أقابل هارون التميمي هيكون نضيف مثلًا؟
هز رأسه ضاحكًا، وحك منخاره:
_كده اتطمنت عليكي!
عدلت الحقيبة، وما كادت بالتحرك للاسفل، حتى سحب السجادة من أسفل قداميها بمهارة وسرعة دون أن تنتبه لها، فكادت بالسقوط على الدرج، فاذا به يقبض على ذراعها وبالآخر دس بها القلم الذي يشبه الإبرة الطبية بها، ثم جذبها عن الدرج بسرعةٍ فائقة، جعلتها تطالعه بصدمة وعدم استيعاب لما فعله.
رفعت معصمها تتفحص موضع الألم الغامض الذي احتلها، وعينيها تتوزع بين يدها وإليه، مرددة بدهشةٍ:
_إنت عملت إيه؟
رفع كفيه الفارغ مما كان يمسك به منذ قليلٍ، وببراءة قال:
_ولا حاجة، كنتِ هتقعي فمسكتك!
دققت النظر بيدها مجددًا، وصاحت بغضبٍ بما شكت به:
_عملت إيه يا ياسين؟!
ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه، وعاد يكرر ما قاله بالاسفل لها:
_التهمة الخطيرة اللي في عيونك دي مينفعش تتأخد ضدي بدون دليل، هل معاكِ اثبات إني زرعتلك جهاز تعقب؟ طول مفيش دليل يبقى مفيش تهمة.
كزت أسنانها بغضب ساحق، فتحررت ابتسامته الماكرة، بينما يهبط للاسفل، لحقت به وانتزعت الحقيبة تقذفها إليه، فاستدار يتلقفها دون أن يرى ما كانت تنتوي فعله!!!
زفر "زين" بارهاق مما يحدث بينهما، وعاد يتمعن بحاسوبه وهو يرتشف القهوة غير عابئٍ بهما، بينما تصرخ الاخيرة بجنون:
_إنت مالكش الحق إنك تعمل معايا كده بدون إذني! وبعدين بأي حق تحطلي جهاز تعقب!
جلس على مقعده وهو يقول ببرود:
_بحق إن والدك سلمك عهدة في رقبتي، فيأكون أد المسؤولية دي من أولها يا اعتذر ليه وأقوله آسف أنا مش قدها.
وأضاف بصرامة قاطعه:
_عمومًا احنا فيها، لو عايزاني أوقفه هعملها حالًا بس وقتها هيكون معاكِ أمر مباشر مني بالانسحاب الفوري، ليكِ حرية الاختيار.
اشتعلت عاصفتها القاتلة وهي تتطلع له، بينما يتجاهلها قدر المُستطاع، فرمقت ابن عمها بنظرة غاضبة وقالت:
_زين إنت ساكت ليه؟
تنهد "زين" بضيق من غضبها الغير مُبرر، وقال:
_ساكت عشان اللي هقوله هيزعلك، أنا عايز أفهم إنتِ كل حاجة دايمًا معترضة عليها كده!!
وأضاف وهو يستدير بجسده إليها:
_ما أنا عملت نفس الشيء مع قدس، وزرعت نفس الجهاز ليها، معترضتش ليه؟! سيادتك إنتِ خارجه من هنا وداخله وكر الشياطين برجليكِ وهتفضلي فيه لفترة طويلة، فلو لقدر الله حصلك حاجة المفروض نعمل إيه؟؟
صرخت أمامه بغضب يفوق غضبه:
_على الأقل يقولي وآ..
قاطعها "زين" بانفعال:
_وكنتِ هتوافقي يعني، إنت اتخلقتي عشان تعاندي وترفضي كل شيء في الدنيا، يا ريت تسيبك من لعب العيال ده وتقدري حجم الخطر اللي احنا داخلين عليه.
وقبل أن تجادله، صاح بنفاذ صبر:
_ أنا معدنيش خلق لمشاكلك وجنانك ده سامعة!!
أمسك "ياسين" يده يدفعه بخفة، وهو يهتف بضيق من صياحه المفاجئ:
_مالك في إيه؟ أعصابك فلتت منك على الصبح، هدي شوية الحوار مش مستاهل!
استدار يتطلع له باسترابة وفاه:
_دي حد يشوفها وأعصابه متفلتش!
واستكمل وهو يسحب حاسوبه:
_أنا داخل أكمل شغلي جوه أفضل ليا وليها.
وتركهما وأنسحب، بينما تراقبه "مرين" وهو يتخفى من أمامها والضيق والانزعاج يحتل وجهها، فاذا بالآخر يقول:
_ها اختارتي إيه؟
استدارت إليه بغيظٍ وهمست بحقد:
_على الاساس إنك مديني حرية الاختيار!
وتركته واتجهت تستعد للرحيل، فرنا خلفها يناديها:
_مريـن.
وقفت محلها ومازالت بشرتها تلتهب من شعلة غضبها، لحق بها حتى وقف قبالتها، وقال بقلق شعرت به:
_خدي بالك من نفسك، الكلب ده مش سهل.
لانت تعابيرها رغمًا عنها، يكفيها أنه منع عنها غضب "زين" ولم يقبل بأن يزعجها أكثر من ذلك، فاذا بها تقول في رقةٍ:
_متقلقش أنا عارفه هتعامل إزاي.
هز رأسه ودعمها بقوله:
_واثق فيكِ وعارف إنك قدها.
اندهشت من جملته، فسحبت ارتباكها وتوترها وغادرت من أمامه، بينما ظل هو محله يراقبها وهو يعلم بأن القلق والخوف سيكونان مصيره حتى ينتهون من تلك المهمة.
*******
كادت أن تسقط أرضًا من هول ما رأت، تحمل بين يديها هلاكها، لا تصدق أن و بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذتها منذ زواجها منه إلا إنها وبالنهاية حملت منه!
تحركت بصعوبة إلى الخارج، وعينيها مُسلطة على اختبار الحمل المنزلي الذي تحمله بين يديها، حتى وصلت لحافة فراشها، فألقت بثقل جسدها من فوقه، لدرجة رُج جسدها من شدة سقوطها.
دموعها تتهاوى دون توقف، بينما تكبت بيدها صرخات تنازع أن تتحرر من داخلها، ورأسها يهتز بعنف رافضة هذا المصير المأساوي، حدوث ذلك رغم اتخاذ كل الاحترازات جعل عقلها لا يستوعب ذلك، وإن كان زوجها بمثل هذا الجنون الشيطاني كيف سيكون جنينها!
حررت "رحيق" كفها بضعف، ومعه تتحرر صرخة تحررت بانكسارٍ، حتى ودت لو أنها تُلقي بذاتها من الشرفة لتتخلص مما تحمله ومن حياتها برمتها.
رفعت ساقيها عن أرضية الغرفة الباردة، وزحفت للخلف تضم ركبتيها، بينما تتساقط دموعها دون توقف، وإذ فجأة يُرسم من أمامها ذكرى أشد ألمًا مما هي به!
##
وصلت السيارة أمام محيط القصر في تمام السادسة مساءًا، هبطت منها "رحيق" تمنح السائق المال، وتتجه للداخل بخطواتٍ مرتبكة، ولكنها مُرغمة على ذلك، فلقد فاض الكيل بها وهي تحاول أن تعلم ما أصاب "تيام" فجأة، أصبح يهمل مكالماتها، وآخر مرة تحدث معها كان يبدو أن هناك أمرا ما يزعجه، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان يتحجج ويغلق الهاتف، ويمتنع عن لقائها.
وصلت للقصر الداخلي تقدم ساقًا وتؤخر الآخرى، حتى قابلتها الخادمة. فقالت ببسمة مرتبكة:
_أتيت لرؤية تيام أين هو؟
تعجبت الخادمة من سؤالها، ولكنها أجابت:
_لا أعلم سيدتي ولكني رأيته يحمل حقيبة سفر، يغادر بها مع السيدة تالا.
زوت حاجبيها بدهشةٍ:
_إلى أين؟
كادت الخادمة أن تخبرها بعدم علمها بذلك، ولكن إشارة"هارون" جعلتها تنسحب دون أن تستكمل حديثها.
التفتت "رحيق" للخلف، لتبصر ما جعلها تصمت فجأة، فاذا بها ترى "هارون" أمامها، وهو يدعي استعداده للخروج، وقف يرحب بها ترحابا كان مصطنعًا بشكلٍ تفاجأت به:
_إيه النور ده كله، رحيق هانم هنا بنفسها.
لطالما كانت ترتاب منه، تخشاه، نظراته المرعبة، وطريقته معها، ابتلعت "رحيق" ريقها بتوتر وقالت:
_أنا كنت جاية أشوف تيام، وعرفت إنه لسه نازل من شوية، همشي وهبقى أكلمه.
واستدارت على الفور تتهيأ للرحيل، فأوقفها قائلًا:
_أنا لسه مكلمه وقالي إنه على الطريق، ارتاحي خمس دقايق وهيكون وصل.
تطلعت صوبه وهي تتمسك بحقيبتها بارتباكٍ، لحق نبرتها المرتبكة:
_عشان بس متأخرش، هبقى أكلمه أفضل.
أشار باصرارٍ ونظراته يخفيها وابل شيطاني:
_مش هتتأخري ولا حاجة، وهو أكيد يعني هيوصلك بعربيته.
اضطرت أن ترضخ له، فاتجهت للاريكة الذهبية الفخمة، جلست عليها بتوتر، بينما يتجه هو للمقعد المقابل لها، يضع ساقًا فوق الأخرى، ونظراته لا تنحاز عنها.
كانت بأبهى جمالها، ترتدي تنورة سوداء واسعة، ومن فوقها كنزة من الصوف الأبيض، خصلاتها تنحدر من فوقها كالشلال، وعينيها الخضراء وُضع فيها جمال الطبيعة.
فركت أصابعها بارتباكٍ، ومُقلتيها لا تفارقان باب القصر المفتوح على مصرعيه، وكلما رأته يتطلع لها بصمت مطول ازدادت خفقات قلبها قلقًا، شيءٌ ما بداخلها يطالبها بالفرار من هنا.
نصبت قامتها المتوازنة، وقالت بتلعثم:
_أنا همشي أحسن، واحدة من العاملات قالتلي إنها شافته نازل بشنطة سفر مع تالا، يمكن نقل في الشقة اللي أخدها جنب المطعم.
وقف قبالتها وقال ينفي:
_لا طبعًا تيام عمره ما يسيب القصر، هو نزل يوصل تالا المطار وراجع.
زوت حاجبيها باستغراب:
_المطار!!
توسعت عينيه بشكل تعمد به أن يثير فضولها:
_إي ده هو إنتِ متعرفيش ولا إيه؟
نجح أن يجعلها تُلقي خوفها، قلقها، ارتباكها منه، لشيءٍ أبعد من ذلك، فاقتربت منه بخطوة مترددة:
_أعرف إيه؟!!
ضم شفتيه بخبثٍ:
_الظاهر إن تيام كان مخبي عليكِ.
مس وترا حساسا بينهما، بالفعل كانت تشك أنه يُخفي أمرًا ما، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان ينسحب، رنت إليه تسأله بلهفة:
_مخبي عليا إيه؟ من فضلك إتكلم!
عاد يحتل مقعده بجلسته العنجهية، وهو يضع ساقه فوق الأخرى:
_آسف مش هقدر، طالما تيام أخفى عليكِ الأمر مقدرش أصرحلك أنا بيه، بس اللي أقدر أقولهولك إنه بيمر بظرف صعب ومحتاجلك جنبه.
كاد عقلها أن ينسلخ من رأسها، فترجته بتوسل:
_أنا مش فاهمه حاجة، بس حاسة فعلًا إنه مش بخير، من فضلك يا هارون صارحني وأنا أوعدك إني هتفهم اللي هتقوله مهما كان.
رفع سوداوية عينيه لها وهو يدعي براءته، وأشار للخادمة التي تقترب منهما:
_طيب اهدي اهدي، هحكيلك، بس الاول اشربي العصير ده عشان تقدري تسمعيني وإنتي هادية.
تغاضت عما تقدمه لها الخادمة، وفاهت:
_مش عايزة، أنا هادية صدقني، قولي بس!
أصر بإشارته للكوب:
_مش هتكلم إلا لما تشربي وتهدي.
اضطرت على مضضٍ أن ترتشف بضعة قطرات من الكوب، ثم أعادته على الصينية التي حملتها الخادمة وتطلعت صوب "هارون" بخوفٍ من أن تكون الكمية التي تناولتها قليلة، فمنحها ابتسامة نبعت بنجاح ما أراد، وما أراد سوى الشر!
ثقل رأسها بشدة، وفجأة مالت على الأريكة، وأغلقت عينيها مستسلمة لدوار حاد أطاح بها في لحظةٍ.
ظهر الوجه الحقيقي للشيطان الذي يتنكر في شكل إنسان، مال يحملها ويصعد بها للأعلى، تاركًا حقيبتها على الأريكة، يعلو بداخلها رنين هاتفها برقم "تيام"، يحاول الوصول لها بعد أن رأى عدد المكالمات الصادرة منها إليه، ليته عاد عساه أن يتمكن من انقاذ حبٍ كاد أن يفديه بروحه مرارًا.
وضعها" هارون" على الفراش، ومن ثم إتجه للثلاجة الصغيرة الخاصة بجناحه، جذب منها إبرة رغم أنها باهظة الثمن إلا أنها رخيصة لتضيع شرف نساء عِشن يحافظن على أنفسهن، ومصيرهن أسوء من الموت، حينما تصرخ كلًا منهن بأنها لا تفعل تلك الافعال المنحطة، وما يشهده عقلها يؤكد لها أنها بالفعل فعلت، كأنها أصبحت امرأة أخرى غير التي تربت عليه!!
رنا إليها بنظراته الحقيرة، يبعد خصلاتها عن وجهها وهو يهتف ببسمة قذرة:
_جيتيلي برجليكِ، أنا لسه محذره من شوية قبل ما يسيب القصر، والظاهر إتهاون بكلامي وفكرني بخوفه وبس.
وضحك بصوتٍ مقزز بينما، يتفرس الإبرة الطبية التي يحملها:
_أبقى غبي لو خدت اللي أنا عايزه وإنتِ بالحالة دي، لا أنا هوريكِ السحر اللي صنعه حبيب قلبك، لازم تشوفي نتايجه المبهرة نظري وعملي!
ومال يدس بوريدها الإبرة وهو يهمس بدناءة:
_هيأخد وقت لما يشتغل، تكوني فوقتي من المنوم ومفعوله يكون بدأ وده المطلوب!!
إنتهى من فعلته وإتجه يقف بعيدًا عن الفراش، بعدما استدعى الخادمة المُتواطئة معه بفعلتها الوضيعة.
بدأت "رحيق" باستعادة وعيها تدريجيًا، ويدها تضم جبينها بتعبٍ، فمالت تجلس على الفراش وهي تتأوه بألمٍ، وفجأة انتفضت وهي توزع نظراتها بينهما:
_هو... هو إيه اللي حصل؟
أسرعت الخادمة تقول:
_لا شيء سيدتي فقدتي وعيك، وحملك السيد هارون إلى هنا لحين وصول الطبيب.
ارتبكت "رحيق" وشعرت بعدم راحتها لوجودها هنا، فقالت وهي تحاول تخطيهما:
_أنا عايزة أمشي.
أمسك بها "هارون" حينما كادت أن تسقط أرضًا، وقال بطيبة مخادعة:
_هتمشي إزاي وإنتِ حالتك كده يا رحيق، ارتاحي الدكتور على الطريق.
وأشار للخادمة بنظرة خبيثة:
_إذهبي وهاتفيه مجددًا.
أومأت الخادمة برأسها، وغادرت تسحب باب الغرفة، مما دفع "رحيق" أن تصيح برعب:
_سبني أنا عايزة أمشي!
ولكن قدميها كانت ثقيلة بشكلٍ جعلها تستند على ذراعه بشكلٍ كلي، فسندها حتى وضعها على الاريكة، وقال بحزن مصطنع:
_أنتِ شكلك تعبانه، استريحي الدكتور زمانه على وصول.
فشلت بالنهوض عن محلها، لقد نصب لها الشباك ووقعت مقيدة به، اجتاحتها حرارة شديدة، ودقات قلبها توثب أن توقفه، شيء غامض يحدث معها.
ابتسم ذلك اللعين الذي يراقبها بامعانٍ، وحينما تيقن من سريان مفعول العقار، عاد يحمل زجاجة المياه الباردة، جلس جوارها يقدم لها المياه، وهو يدعي أنه يساعدها.
نجح أن يجعلها هي من تقدم على أول خطوة بينهما، وقد تصنع معارضتها ولكنه بالنهاية حقق مبتغاه القذر!
ثلاثون دقيقة كانت أسوأ تحول قلب حياتها رأسًا على عقب، سحبها من ضياء الضوء لعتمة الظلام، فتحت عينيها بتعبٍ شديد، وهي تحاول أن تتذكر ما حدث معها، وقد بدأت الرؤيا تتضح لها مرة أخرى، لتسقط من فوق رأسها غيمة أدمت حياتها بالكامل، وخاصة حينما رأت الوضع الذي هي فيه، ومن بات جوارها!.
حاولت أن تستحضر صوتها الهادر مرارًا، وهي تتطلع لمن يجاورها، يرتشف كأسه ببرود كأن شيئًا لم يكن!
جاهدت مجددًا حتى نطقت بصوتٍ هادر:
_إنت عملت إيه؟!!!!!
لف صوبها بصدره المكشوف، وقال وهو يتجرع كأسه:
_أنا!! ولا حاجة، أنا نفذت اللي طلبتيه!
برقت بعينيها بصدمة، وهزت رأسها بجنون وهي تسحب غطاءها لتستر به ذاتها:
_لا... لا.. إنت حيــــــوان... أنا هوديك في داهية يا كلب.
لم تتأثر ملامحه، بل استمر بتناول مشروبه وهو يقول ببرود:
_ولا تقدري تعملي حاجة، لإن ببساطة اللي حصل بمزاجك.
لكمته بعنف وعصبية جعلتها تصرخ:
_اخرس، اخــــــرس يا حقير أنا أشرف من إنك تتهمني اتهام قذر زي ده، تيـام مش هيسيبك، هيقتلك!
ضيق عينيه بسخرية:
_يقتلني أنا!!
واعتدل بجلسته وهو يسحب الحاسوب من جواره:
_طيب يا أم الشرف طالما عايشة الدور، أفوقك منه قبل ما تصدقيه.
وفتح الحاسوب، بينما تطالعه هي بدهشة، وهو يشير لها:
_الجناح كله مليان كاميرات.
ومرر لها الحاسوب قائلًا ببسمة انتصار:
_بصي بنفسك واتأكدي تيام هيقتل مين فينا.
كل ما تعرضت له لا يساوي ما رأته بعينيها، لا تصدق أنها قد أضاعت أخلاقها لتلك الدرجة الوضيعة، هزت رأسها وهي تتراجع للخلف، وتشير صارخه:
_لا... لا... أنا مستحيل أعمل كده، لا كدب كدب.
ضحك وقال باستهزاء:
_أكيد يعني ملحقتش أبرمج ولا أحذف حاجة، ثم إن اللي حصل حاضر كله في ذهنك وفاكراه.
ومال يطالعها بنظرة قوية واثقة:
_مش إنتِ بردو فاكرة اللي حصل يا رحيق؟
توالت لها ذكرى ما حدث بالكامل، ليؤكد صدق حديثه اللعين، تهاوت على الفراش تصرخ وهي ترطم وجهها بجنون أدمى ملامحها الرقيقة، بينما يستكمل هو ارتشاف الخمر والسيجار ببرود
تركها تخرج ما فيها من بكاء استمر لوقتٍ طويل ولم تيأس، حتى قال بجمود:
_خلصتي!
نهض عن الفراش يتجرع كأسه مرة واحدة، ويقول بفحيح شيطاني مهيب:
_ودلوقتي مفيش قدامك أي حلول تانية غير اللي هتسمعيه مني!!
أفاقت من ذكراها اللعينة ودموعها تنهمر دون توقف، كبتت "رحيق" صرخاتها ومالت على الفراش تبكي وهي تهمس بخفوت:
_يا ريتني كنت موت قبل ما يحصل كل ده!! يا رب ريحني من اللي أنا فيه!
*******
وبينما هناك بداية لنبض جنين هناك انتزاعًا للآخر، وكلاهما كانا نطفة لشيطانٍ لعين، على أحد الأسرة التابع لاحدى المستشفيات السرية الخاضعة لعائلة التميمي، فتحت تلك الشقراء عينيها بتعبٍ شديد، والوجع يمزق أحشاءها بعد أن تم انتزاع جنينها ذو الثلاثة أشهر.
وضعت كفها تتلمس بطنها الذي بات فارغًا كالارض البور، ودموعها تنشق على وجنتها حزنًا، فاذا بدخان سيجارٍ يلفح جانب وجهها الأيسر، وصوته الساخر يصل لها:
_هي أول مرة ولا إيه؟؟
شملته بنظرة غاضبة، فضحك "هارون" وقال وهو يضع ساقه فوق الأخرى:
_فوقي كده يا صوفي ورانا شغل كتير.
احتقنت أودجتها، وصاحت بتقزز منه:
_إنت معندكش دم، اللي مات ده ابنك وإنت اللي أمرت بقتله، إزاي حتى مش حزين عليه!!
توالت ضحكاته المخيفة بشكلٍ أرعبها، وجعلها تود أن تسحب حديثها، وخاصة حينما نهض يدعس سيجاره بالمطفأة الجانبيه، ثم مال لفراشها، يتطلع لها باستحقارٍ، وفجأة قبض على خصلة رأسها الصفراء، يجذبها بقوة وعنف:
_ابن مين يا ***، يا بت ده أنا اللي بوقعك في طريق الشخصيات المهمة والسياسيين عشان تلقطيلهم معاكِ كذه فيلم نساومهم بعد كده بيه.
وأضاف وهو يشيعها بنظرة وضيعة:
_تحبي أعدلك الافلام اللي عامل لهم إخراج بنفسي!
حاولت أن تحل عقدتها وهي تردد ببكاء:
_صدقني ده ابنك يا هارون.
نالتها صفعة من يده وهو يصرخ بنفور:
_اخرسـي، حتى لو ابني تفتكري لما أعوز أخلف هخلف منك إنتِ يا***.
بكت بانكسار بينما يتابع ببرود مريب وهو يرى الدماء تنسدل بجانب فمها :
_أوف، شوفتي خلتيني أشوه وشك الجميل إزاي وإحنا محتاجينه في الشغل!
وربت على كتفها بقوة ألمتها:
_فكك من حوارات المسلسلات التركي دي، وركزي في شغلنا يا صوفي، والا هتكوني كتبتي نهايتك بإيدك.
قالها ورحل من أمامها، رحل متجهًا إلى الكافيه حيث سيجد من يظنها ضحيته الجديدة، ولكنه لا يعلم أن هلاكه سيكون زفافًا له على يدها!!
*******
خرج "تيام" من المطعم الخاص به، يتمشى على الرمال التي يرتطم بها الموج، ويديه بجيب سرواله الأبيض. كان شاردًا، حزينًا، حتى استحوذت عينيه على مشهد اهتم بكل تفاصيله، لدرجة جعلت ساقيه تقودانه إليه.
طاولة منعزلة خاصة بالمطعم، تنزوى بركنٍ منعزل، وضع من فوقها العديد من أدوات الرسم، وبوجهته اللوحة التي سلبت عقله من شدة جمالها وإتقانها، كانت تجسيدا حيا لمنظر المياه والرمال والسماء، حتى ذلك الفنان المحترف الذي يوليه ظهره كان يلصق بأرضيتها القواقع والرمال بشكلٍ مبهر.
وقف خلفه يتأملها بانبهار، جعل لسانه يرضخ للنطق:
_يا لك من فنان مبدع.
ارتسمت بسمة ثقة على وجهه، واستدار ببطءٍ صوب هدفه، يطالعه بعسليته الساحرة بخبث، وقد تحقق هدفه وأتى الطعم بالفريسة إلى محله، بالطبع من كان سيختار "رحيم زيدان" لمواجهة ذلك المخترع داهية الذكاء، سوى "الجنرال"!!!
*******
صف" نوح" سيارته ومال لها يحذرها:
_يا بنتي راجعي نفسك، كِنان مش بيحب حد يجيله هنا، حتى أنا!
أجابته "رزان" بقوة واصرار:
_نوح قولتلك إنت بره الليلة، مش هقوله إنك اللي جبتني.
وكادت أن تهبط من السيارة، ولكنه أوقفها حينما سألها:
_طيب قوليلي إنتِ جاية هنا ليه؟ وليه خلتيني أتصل بكِنان أشوفه في أي كافيه، روزي لو في حاجة في دماغك المجنونة دي صارحيني بيها بدل ما يعلق رأسي ورأسك على باب القصر.
سحبت كفها وقالت وهي تتخفى بقبعة ضخمة، ونظارة سوداء تخفي ملامحها:
_قولتلك مش هجيب سيرتك يا نوح.
هبطت من السيارة تتسلل من الباب الخلفي، وهي تعقد العزم لقطع آخر خطوة قد تكون نهاية لقصة حبها، تريد أن تحصل على الخلاص، بداخلها إحساس قوي أنه قال ذلك ليُرغمها على الابتعاد عنه لحمايتها، تريد أن تنهي عذابها بشكل نهائي.
تعرضت لأذى كبير ولم يعد بقدرها التحمل، ولكن هنا سيكون الختام لقصة كلما حاولت أن تنهيها يرفض قلبها ذلك.
أزاحت "رزان" دموعها واستكملت طريقها للداخل، وقفت بالطابق الاول حيث يعج بالشباب والفتيات، يرقصون بشكلٍ فج، والكحول تملأ المكان برمته بشكلٍ جعلها تكاد أن تتقيأ، ومع ذلك استكملت طريقها للبحث عنه وبداخلها أمل قوي أنه كاذب!
******
سند رقبته للمقعد بارهاقٍ، وهو يتابعها على الشاشات من أمامه، تنهد بوجعٍ وهو يهمس:
_عنيدة ومصرة إني أوجعك عشان تبعدي عني!
عانق أصابع كفيه بعضهما، وسندهما على مقدمة أنفه. ثم ترقب انضمام من طلبه، حتى ولج يهتف:
_تحت أمرك يا باشا.
قال و مازال محني الرأس:
_رزان عايزها توصلي في الاوضة اللي جنب المكتب، وبدون ما حد يتعرضلها سواء وهي طالعه أو وهي نازلة.
أومأ "حيدر" له في طاعة:
_حالًا يا باشا.
تنهد وهو يعود ليتطلع لملامح وجهها من جديد، تلك الحمقاء لن يستطيع إقناعها إلا أن ترى ما تخشاه قبالة عينيها.
نهض يتجه للغرفة المجاورة لمكتبه، حيث أعد العدة ليقنعها بما أتت تبحث عنه!
*****
ارتعبت "رزان" حينما رأت "حيدر" أمامها بجسده المرعب، يسد طريقها وهو يسألها بمكر زرعه فيه سيده:
_أنسة رزان حضرتك بتعملي إيه هنا؟؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وإدعت قوتها:
_مالكش دعوة.
وكادت أن تتخطاه، فعاد يضع ذراعه يمنعها من استكمال الطريق:
_أنا حابب أساعدك، انتِ شايفة المناظر حواليكِ عاملة ازاي؟ أخاف حد فيهم يضايقك!
خطفت نظرة لمن حولها، وقد تضاعف خوفها لصدق ما قال، فعادت تطالعه وهي تتساءل:
_كِنان فين؟
أشار لها أن تتبعه، فولج من باب جانبي درجا صغيرا معدنيا، اتبعته حتى وقف أمام غرفة يشير لها بهدوء عليها، ازدردت ريقها بصعوبة، واتجهت تفتح بابها، تمضي خطوات كالطفل الذي يتعلم كيف يخطو أولى خطواته البطيئة.
فاذا بها تتطلع صوب الفراش الذي لعن كل ذرة حب حملتها بقلبها لهذا الخائن، الذي نجح بأن يوصل لها صورة كاملة تبني عليها فراقا وهجرا أبديا، ومع ذلك طالعها بنظرات قوية، غير نادمة.
تهاوى الدموع من عينيها وهي تتطلع إليه، وفجأة ارتسمت ابتسامة صغيرة بلهاء، وهي تردد بصعوبة:
_الظاهر إن أنا الوحيدة اللي من لحم ودم جوه العيلة دي.
وتابعت بينما تتطلع إليه بقوة:
_إنت كدبت لما قولتلي إنك أبشع من هارون، إنت مالكش شبيه في القذارة يا كِنان.
وسحبت بصرها أرضًا، بينما تستدير لتغادر بخطوات غير واعية، تهمس بعدم اتزان:
_أنا حبيتك!!! حبيتك بجد!!
اعتدل بجلسته وهو يميل للارض، يحبس تلك الدموع الحبيسة، بينما تغادر هي الغرفة وهي تهذي بكلماتٍ غير مرتبة، تتطلع أرضًا وتتحرك ببطء.
استدار "كنان" تجاه تلك الفتاة التي طالبها بفعل أغرب ما طلب منها يومًا، وبغضب جحيمي قال:
_إغربـي عن وجهـي الآن..
**********
ظهر من أمامه بينما يتمرن على النصف السفلي الالكتروني، ليستقيم بجسده الذي بات قعيدًا لفترة، فاذا به يفتح رماديته وهو يتحكم بقبضته على استقامة الآلي، وفجأة ظهر "ماتيو" من أمامه، يقول:
_لدي ما أريك إياه سيدي.
سمح له "عثمان" باشارة يده، فاذا ببطن الريبوت يظهر كهيئة شاشة عرض، يعرض له لقطة لأول من قام بمعارضة أوامره للمرة الأولى، ومنذ الوهلة الأولى.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مخيفة، وهو يراها تتنقل بين حديقة القصر بحرية، غير مبالية بأوامره التي أصدرها بالصباح، فاذا به يردد بخبث مرعب:
_الظاهر إنك مقدمة روحك قربان يا دكتورة، وأنا قابل!!
********
مر يتجه إلى مكتبه، ومن خلفه حارسان يتبعانه، فاذا به يمر من الطرقة التي تحوي عددا لا بأس به من الفتيات اللاتي أتين ليقدمن بالوظائف الشاغرة.
كعادته تمعن بهن بوقاحة، وأغلبهن يتعمدن أن يبدين زينتهن من أمامه، وكأن قذارته باتت معروفة عنه للجميع.
التمعت عينيه بابتسامة شهوانية، تبددت حينما سقطت عينيه على تلك الجامحة، التي لم ترفع عينيها صوبه قط، كانت تجلس بثبات وقوة لم يرَها في امرأة يومًا، بل وتعمدت أن ترفع زُرقتها الفاتنة بنظرة محقرة إليه، ثم عادت ببصرها للبعيد كأنه هفوة غبار مُلوثة تمر من أمامه، امرأة اجتمع فيها جمال النساء بأكملهن من وجهة نظره، وبالرغم من أنها لم تكن مرته الاولى التي يرى فيها امرأة جميلة ولكن بتلك القوة والنظرة الغامضة لم يرَ!
ثمة شيءٌ بعينيها يموج بحدة وكبرياء، حتى رنا هو إليها، فوقف قبالتها يهتف باعجاب:
_ما اسمك يا فتاة؟
تجاهلته "مرين" وهي تحدجه بنظرة شرسة، فرمش غاضبًا من عنجهيتها وتجاهلها له، عاد يكرر بصوتٍ أكثر حدة:
_أَ صماء أنتِ؟
رفعت رأسها الشامخ صوبه ومازالت تجلس بنفس هدوئها:
_بلى ولكني لا أتعامل مع الوُضعاء أمثالك!
واستطردت بنبرة قوية جعلت من حولها يترقبن رد فعل "هارون" برعب:
_إن أردت أن تُحترم لا تكن وضيعًا.
وقالت وهي تتحداه بنظرة حادة:
_ربما لو طرحت سؤالك باحترام لوجدتني أجيبك بالشيء ذاته، والآن سأغادر يبدو أنني لن أرتاح بالعمل هنا!!!!
وما أن استدارت لتغادر حتى صاح بعنفوان:
_توقفي!!
*******
خرج من الغرفة مهمومًا لما اضطر بفعله، فاذا بهاتفه يعيد بالرنين للمرة الثالثة برقم "حيدر"، تعجب لاصراره بالوصول إليه.
حرر" كِنان" زر الاجابة، فاذا بالاخر يردد:
_رزان هانم على السطوح وعايزة ترمي نفسها يا باشا، أنا مش قادر أسيطر عليها من فضلك اطلع بسرعة!
ما أن استمع لذلك حتى سقط الهاتف منه وهو يهرول للاعلى كالمجنون، يجزم أن قلبه توقف أكثر من أربع مرات، ومازال يعافر للوصول للطابق الاخير الذي تباعدت مسافته فجأة!!
وصل للطابق الاخير وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة، فوجد "حيدر" يكتفها، وهي تثور بين يديه وتحاول الصعود على المقعد الحديدي الذي بدا بأنها وضعته للتو، حتى تلقي بذاتها مثلما أخبره "حيدر".
انخلع قلبه ورنا إليها بهلع، نادمًا أشد الندم من حالة الانهيار التي أصبحت عليها، ناداها:
_رزان!!
هدأ تعصب حركتها، واستدارت صوبه تقابله بكره شديد، أشار" كِنان" إليه وهو يأمره:
_سبها وإنزل إنت، أنا هنا هتعامل معاها.
إنصاع له "حيدر" وغادر يترك لهما المساحة، وقفت "رزان" تتأمله بكراهيةٍ شديدة، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما ساقيها تتراجعان للخلف.
انتهت الحياة بالنسبة إليها في تلك اللحظةٍ التي رأته يخونها فيها، لقد تخلى عنها بتلك البساطة، ولم يبالِ بطعنة خيانته لها، هو أخبرها سابقًا بأنه يعشقها، يعشق التراب الذي تخطو من فوقه، أخبرها بأنها كل شيءٍ بالنسبة له والآن تراه يتخلف عن كل وعوده فجأة!
ازدادت معاناتها حد الهلاك، ولم تجد إلا الموت سبيلًا للخلاص ، استدارت تكمل طريقها ركضًا، حتى وصلت إلى المقعد، وقعت فوقه واستعدت للصعود على السور.
صرخ فيها "كِنان" بجنون:
_أوعــــى تعملي كده! روز اسمعيني!!
لم تستمع إليه حتى حينما أفصح عما فعله ليبعدها عنه:
_انتِ فاهمه غلط، أنا عملت كده عشان أبعدك عني، محصلش بينا حاجة، صدقيني!
لم تنصَع لندائه ولو ظل عمره بأكمله يطالبها بالانصياع إليه لن تستمع، صعدت على السور، تتطلع للأرض التي تبعد عنها لمسافة تفزع لها الابدان.
ارتعب وارتعش جسده حينما وجدها تقف على حافة الهلاك، تماسك بقوة وهو يترجاها:
_رزان أنتِ عارفة إني بحبك، أنا عمري ما حبيت غيرك صدقيني، عشان خاطري ارجعي.
أنا اللي تعمدت أقولك كده الصبح عشان تيجي لحد هنا وتشوفي اللي شوفتيه، يمكن بعدها تكرهيني وتقبلي إنك تهربي من الجحيم اللي انتي فيه، صدقيني دي الحقيقة.
منحته نظرة ساخرة، قبل أن تردد بأنين:
_إنت مش مضطر تمثل الحقارة دي عشان تبعدني عنك، انا هريحك مني وهرتاح أنا كمان منك ومن هارون ومنكم كلكم.
واسترسلت ببسمةٍ طعنت قلبه بكل ما امتلكت وهي تهتف بالايطالية:
_امضي ولا تهتم، سبق وتحطم قلبي مرارًا قبل أن تفعل أنت.
أشار بيده وهو يترجاها:
_خلينا نتكلم وأنا أوعدك إني هعملك اللي انتِ عايزاه كله، مستعد حالًا نطلع على المحامي ونتجوز، مش هفارقك أبدًا بس انزلي عشان خاطري يا روز!
طعنته بزورقة عينيها، تجابه عينيه الدامعتان بكل قوتها، ومن ثم أغلقتهما بقوة، قبل أن تفرد ذراعيها للهواء، وهمست له قبل أن يسقط جسدها عن البناية:
_أحببتك بصدق جاك!
سقط جسدها وعينيها مغلقة باستسلامٍ، حتى أنها شعرت كأنها ورقة تحمل بين طيات تيار الهواء العتي، انتظرت أن يعانق جسدها وابل من الآلآم، ولكنها فجأة شعرت بيدٍ قوية تحملها، وجسدها بعدما كان يتفاوت بسرعة مرعبة بات ينخفض رويدًا رويدا.
فتحت عينيها على مهلٍ، فبرقت بصدمة جعلت البرودة تكتسحها، عينيه البنيتين قريبة منها، شعره معكوس على عينيه بفعل الهواء الذي لفح وجهه، والمرعب لها ما ظهر من خلفه، جناحان عملاقان يظهران من خلف ظهره، من اللون الابيض، بينما تتدرج بنيته بشكلٍ ملحوظ!
سحبت "رزان" كفها المسنود لصدره المكشوف، بينما تثور ساقيها بجنون وهي تهبط عن ذراعيه، تراجعت عنه للخلف بصدمة أسقطتها أرضًا بين تلك الاعشاب في تلك المنطقة المنعزلة التي نقلها إليها.
راقبته بفزع وعينيها جاحظة بدون تصديق، وحينما انخضعا الجناحان له وتخفيا داخله، اقترب منها فزحفت للخلف وهي تجاهد لخروج كلماتها المرتعشة:
_من أنت بحق الجحيم؟
#بـــــــــــــوم 💣
#أشبــــــــــــاح_المخابــــــــــــرات
##الاقـــــــــــــــوى_قــــــــــــــــــادم...
#آيـــــه_محمد_رفعـــــــت.
الفصل لو موصلش 3000لايك بعد المجهود ده هزعل واجبلكم ناس تزعل بس كده 🙂
قارئي الفضولي جمد قلبك عشان اللي جاي مش سهل أبدًا... الحفلة بدأت يا شباب 😂
******_________********
أشباح المخابرات الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
شباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_السابع!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات جني محمد، Gana Gogo، Roma، Nona Dawood، Farha Ali Elazazy، Romisaa Yahia، Jody Yahia، جاسمين أحمد
، Hala Al Omer lina Adel
، RoRo Mohammed
mena Aly، Eman Khled ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وقفت قبالته بقامة ثابتة، صلبة، نظرات قوية لم تتأثر بما قالته، ولم يظهر له أي خوفًا لندائه الصارخ لها، كأنه يرى نموذج نسائي جديد ، يشرد عن القطيع الذي إعتاد التعامل معه.
مد "هارون" كفه لأحد رجاله يشير له إشارة إخلاء المكان من حولهما، فإذا بالجميع ينصرفون من محيط مكتب السكرتارية، ومع ذلك مازالت تتطلع له بثباتٍ وعدم مبالاة بما يفعله!
خطف نظرة متفحصة للمكان من حولهما، وحينما تأكد بإنسحاب الجميع رنا يهتف:
_ألا يجدر بكِ الخوف لما قولتيه في حقي!
ترنحت على شفتي "مرين" بسمة ساخرة، وقالت بالعربية:
_وأيه اللي يخليني أخاف من شيء الكل معترف بيه.
تفاجأ بنبرتها العربية، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع، ويتساءل باسترابة:
_ولما إنتِ عارفة إني وضيع جاية هنا ليه؟
بنفس الثبات والثقة قالت:
_متعودتش أصدق اللي بيتقال من غير ما أشوف ده بعيني، ودلوقتي بعد ما شوفتك صدقت وإنسحبت بهدوء.
خسر كل قوته أمامها، شعر أن عينيها الزرقاء بهما سحرًا غامضًا، فاذا بذلك السليط ببتسم وهو يسايرها بالحديث الخبيث:
_بس انتِ مشوفتيش مني حاجة وحشة عشان تظلميني الظلم ده!
تحققت غايتها بسرعة تفاجآت لها، لقد علمت مفتاح الدخول السريع لجحيم هذا الشيطان، ربعت مرين يديها أمام صدرها ونطقت بحدة:
_معتقدش إنك من النوع اللي بيتظلم، بالعكس إنت من النوع التاني.
زوى حاجبيه وهو يتمعن بها بدهشةٍ واعجاب شديد:
_إنتِ مين؟
اتسعت ابتسامتها فزادت من جمالها فتنة فوق فتنتها:
_هتطلعلي بطاقة؟
هز رأسه بالنفي وقال ومازال يتأملها:
_إنتِ مش بس ست جميلة وذكية، إنتِ جريئة بشكل مشفتوش في بنت قبل كده.
حلت عقدة ذراعيها وقالت بمكرٍ:
_وضيف عليهم إني صريحة جدًا، عشان كده هقولك إني مش مرتاحالك ولا مرتاحه للمكان ده، فاعتبر نفسك بتشوفني للمرة الاخيرة، سلام.
قالتها واستدارت استعدادًا للمغادرة، بخطواتٍ واثقة من غايتها، فما أن استمر عدها للرقم ثلاثة داخلها حتى هرول من خلفها يوقفها:
_استني، إنتِ جيتي عشان تشتغلي هنا، وأنا قبلتك، همشي كل البنات وهختارك.
وقفت أمام المصعد تستدعيه، هاتفه بازدراء:
_وده راجع لأيه؟ إنت مشوفتش الcv بتاعي ولا حتى اتطلعت على أوراقي.
والتفتت برأسها تمنحه نظرة حادة:
_اختيارك الغاشم ده بيأكدلي بردو انك شمال!
فشل بالتعامل مع تلك الفتاة الجامحه، وهو الذي لم يفشل بالقضاء على غرور أي أنثى قابلها، ثمة شيئًا داخل صدره يخبره أنها مختلفة عمن قابلهن من قبل.
ذلك الشيطان لم يخسر معركة ضد تاء التأنيث يومًا، وتلك المعركة تحفزه بكل قوة على أن يخوضها!
حضر المصعد فأوقفها هارون حينما قال:
_هديكِ المبلغ اللي تطلبيه.
استدارت إليه مرين بجسدها كله، ونطقت بخبث يجعلها تحقق علامات التفوق باختبارات التي اجتازتها من الجوكر والاسطورة:
_أنا قولتلك إني صريحة، فخليني أقولك إنك عرفت فعلًا سكتي بس خد بالك أوعى تنخدع بجمالي ده، أنا مش زي أي بنت انت عرفتها قبل كده.
ردد بهيامٍ وهو يحاول استمالتها بكلماته:
_فعلًا إنتِ مش زي أي بنت أنا عرفتها، إنتِ أجملهم، أنا أعرف ستات بعدد شعر رأسي، في اللي شدني جمالهم وفي اللي شدني ليهم حاجات تانية، لكن إنتِ غريبة، مش بس الجمال اللي لافت نظري ليكِ!
واستطرد وهو يرنو تجاهها:
_عنيكِ فيها قوة وجاذبية آآ.
بتر كلماته حينما تراجعت للخلف وهي تردد ببسمة ماكرة:
_قولتلك خد بالك، ورا الجمال ده في مقاتلة شرسة قادرة تقطع ايدك لو فكرت تستدرجني لأي سكة شمال.
واستطردت دون أن تترك له فرصة الحديث:
_لو سكتنا شغل بس فأنا معاك.
ابتهجت معالمه فرحة من قبولها لعرض العمل، فاءا به يستعمل خبثه:
_وده اللي أنا عايزه منك، شغل وبس، لو حابة تبدأي من النهاردة مفيش مشكلة.
ظن أنها ستطير فرحًا لما قال، ولكنه تفاجأ بها تدخل إلى المصعد وهي تردد دون مبالاة به:
_جهز تفاصيل الشغل والمبلغ اللي هتحدده، وبكره أو بعده هعدي عليك أدرس الموضوع، لو عجبني عرضك هستلم الشغل في الوقت اللي هلاقيه مناسب ليا، سلام!!
جحظت عيني هارون صدمة مما يحدث، راقب باب المصعد وهو ينغلق بعجزٍ تام، جعله رأسه مشوش عن أي تفكير، ولسانه ينطق بصدمة:
_أيه البنت دي!!!!!
****
واصلت التجول حول القصر، وأذنيها تتلصص لذلك الروبوت اللعين، ابتسامة خبيثة جابت شفتيها، بينما تدعي انغماسها بتأمل الازهار والمسبح الضخم.
لقد استغنت عن مكرها وخبثها حينما قابلته، وتعاملت بسذاجة مصطنعة حتى تكشف عن جنسيته، ولكن ذلك الماكر تمكن من النجاة ومزاولة الحديث بالآخر، وها هي تستدرجه باليوم الأول لتثير غضبه وشكوكه حول أنها فتاة عادية مثل الكثير من الفتيات.
ربما تجد الصورة من الخارج ان الروبوت الذكي ينقل لسيده خطواتها، متلصصًا عليها، بينما بحقيقة الأمر هي من قامت بجذبهما لتلك النقطة!!
أخفت حدة ملامحها، وإدعت انشغالها التام بقطف إحدى الازهار، بينما تستدير وهي تبرق بعينيها بفزعٍ أجادت تصنعه:
_بسم الله الرحمن الرحيم!
مالت على السور القريب منها وهي تتمتم بصوتٍ مسموع:
_هو أنا كنت نقصاك يا أخي مش كفايا أجواء بيت الرعب اللي عايشة فيها دي!
تحرك الروبوت نحوها بآلية، ونطق:
_سيدي يريد رؤيتك في الحال.
بالرغم من أنها تعلم بأنه يراها الآن صوتًا وصورة، الا أنها استكملت في بلاهة متعمدة:
_سيدك ده مخيف وشكله كده خنيق!
ومالت تشم عبير الزهور باسترخاءٍ، ثم أشارت له بنفور:
_اتفضل، خدني لسيدك الغريب ده.
سبق "ماتيو" خطواتها حتى توقف أمام أحد المصاعد الداخلية للقصر، يشير بيده أن تدخل قبله، شملته بنظرة ساخرة ورددت:
_حتى الروبوتات عندهم وجع في المفاصل زينا!!
لحق بها "ماتيو" للداخل، حتى وصل بها للطابق العلوي، لاحظت "قدس" أنه يستخدم شفرة خاصة ليفتح باب الجناح دون اللجوء إلى "عثمان"، دخلت من خلفه وهي تسجل ببصرها كل تفصيلة صغيرة، حتى إنتهى بها الطريق بالوقوف أمام زوج الاعين الرمادية الغاضبة
استدارت قدس إلى مايتو وهمست بارتباكٍ:
_ما به سيدك يبدو وكأنه سيبصق النيران من فمه؟
لف الروبوت رأسه إليها وقال:
_سيدي عثمان غاضب لمخالفتك أوامره في يومك الأول هنا سيدتي.
لوت شفتيها بتهكمٍ، وتمتمت:
_بتلفت نظره ليه!
أشار له عثمان بإصبعه فغادر على الفور، بينما يحرك مقعده صوبها، وصوته الرعدي يتهاوى:
_واضح إنك مستغنية عن روحك يا دكتورة.
طالعته بقوةٍ ورددت دون أن يرف لها جفن:
_أنا مبحبش الخنقة، ثم إني نفذت كلامك ومدخلتش القصر بدون إذنك، والأكيد يعني إني مش هفضل محبوسة جوه الملحق ده لحد ما جنابك تحن عليا وتبعتلي، أنا حرة مش سجينه هنا في زنزانة!!
رمقها بصمتٍ كان مخيفًا لها، خاصة آنها تفشل فشلًا ذريعًا في تكوين صورة حتى لو صغيرة عنه، على عكس مرين التي ما ان جمعت معلومات عن هارون ورأته حتى تمكنت من عركلة ساقه.
السكون جعلت صوت أنفاسها هو المسموع، بينما يطالعها الاخر بثباتٍ كالتمثال، حتى أستدار بالمقعد وهو يصدر أمره:
_ هنبدأ العلاج من بكره، الصبح تكوني هنا!
زوت حاجبيها بدهشةٍ من حديثه، بينما تستمع له:
_آيلا أغلقي الباب من خلفها.
تبدل لون عينيها الجذاب لحمرة غاضبة، لقد طردها بشكلٍ صريح، ذلك المغرور الذي يستفزها في المرة الثانية من رؤيتها له، تمنت لو أكتظمت سلاحها وأنهت حياته بنفسها، ولكنها تحاول أن تصبر ذاتها بأنها ستفعلها حتمًا ولكن ليس الآن.
شيعته بنظرة أخيرة، ورددت ساخرة:
_خلي آيلا هانم مرتاحة، أنا هشد الباب ورايا!
قالتها وغادرت على الفور، بينما الديزل المزعوم مازال يتطلع للشرفة الزجاجية بنظرة جامدة، كأن تلك الفتاة لم يكن لها وجود منذ قليلٍ.
*****
زحفت للخلف والرعب يكظم أجنحته من فوقها، بينما يتأملها بحزن وشفقة على حالة الهلع التي أصابتها، اقترب منها كِنان وهو يناديها برفقٍ:
_روز.
لطمت ذراعيه تبعدهما عنها، ومازالت تواصل الزحف للخلف وهي تصرخ:
_إبعد عني، إبعـــد!
إنحنى على ركبتيه قبالتها، وقال بصوته الرخيم:
_روز لازم تهدي وتسمعيني.
هزت رأسها بالنفي وهي تحاول الاستناد على جزع الشجرة لتتمكن من النهوض:
_مش عايزة أسمع حاجة، أنا همشي من هنا.
تمكنت من الوقوف أخيرًا، واستدارت تتفحص المكان الغريب من حولها برهبةٍ، جعلتها تمضي بأول جهة قابلتها، حتى تحظى بالفرار منه.
منعها من استكمال طريقها حينما أمسك معصمها باحكامٍ:
_إنتِ رايحة فين؟؟
حاولت دفعه وجسدها يرتعش من فرط الخوف:
_سبني، قولتلك إبعد عني.
زفر بغضب، وهو يحاول أن يخبرها بهدوءٍ:
_هارون لو عرف إنك عرفتي الحقيقة هيقتلك.
سحبت كفها منه، وهي تقابله بنظرة غائمة، يتعمق فيها الألم:
_وهي أيه الحقيقة، أنا مبقتش عارفة حاجة، أنا اقتنعت بكلامك، أنا عايزة أبعد عن القرف ده وأولهم إنت!
واستدارت قائلة بجمود رغم تساقط الدموع من عينيها:
_أنا عايزة أرجع البيت، وحالًا!
*****
خرج زين من غرفته حينما استمع لصوت قادم من المطبخ الخارجي، فوجد ابنة عمه تتحرك بعصبية تامة، وعلى ما يبدو بأنها تحقق فشلًا ذريعًا في صنع الطعام لها.
جذب احد المقاعد المقابلة للرخامة، وجلس يناديها بمشاكسة:
_أيه الهيصة اللي إنت عاملها دي يا مروان؟
شملته بنظرةٍ حادة من طرف عينيها، ثم استكملت صنع ما تفعله وهي تتجاهل وجوده، مرر يده على شعره وقال بضيق:
_كنت رخم بس إنتِ كنتِ أرخم، عمومًا متزعلش يا صاحبي.
جذبت مرين أحد الاطباق تضع فيه شرائح الدجاج الذي صنعته، واتجهت تجلس قبالته وهي تردد:
_مزعلتش منك عشان عارفة إنك رخم.
تفحص الطبق الذي صنعته بملامح متقززة، وردد:
_كريم طول عمرك يا أشطا.
لم يستطع كبت ما حجب على لسانه فأشار لها:
_إنتِ متأكدة إنك هتأكلي الجريمة دي؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، فحك فمه وهو يهمس بشفقة:
_عيني عليك وعلى بختك الأسود يا جارحي!
سألته وهي تجذب السكين والملعقة:
_بتقول حاجة؟
نفى سريعًا:
_لا أبدًا، كنت بسألك لقائك بالقذر ده كان ماشي ازاي؟
أجابته ببسمة غرور:
_اعتبره في جيبي من دلوقتي، دخولي كان سريع بشكل متوقعتهوش.
تخلى عن مزحه وقال بجدية:
_خدي بالك يا مرين، الشخص ده مش سهل، خدي كل حذرك
قالت وهي تستعد لتناول طعامها:
_متقلقش.
وأضافت متسائلة:
_تحب تأكل معايا؟
أشار باشمئزاز:
_لا شكرًا، هستنى ياسين أرحم!
وأضاف حينما وجدها تطالعه بغضب:
_الطبق شكله يفتح النفس بس أنا متقل في الغدا، اتفضلي إنتِ ألف هنا.
شرعت مرين بتناول طعامها، وما أن تناولت قطعة الدجاج حتى جذبت منديلًا ورقيًا تبصق فيه ما تناولت، بينما تتطلع صوب الدماء المنسدلة من الدجاج بتقززٍ، أرغم زين على الضحك وحينما وجدها تتطلع له بنظرات نارية قال:
_بحمد ربنا إن قطعة الكوكيز بتاعتي طباخه محترفة وبالأخص في الرقاق اللي بعشقه.
وتابع وهو يرى الغضب يحتد في زُرقتها:
_خلاص متزعليش،إنتِ كنتِ مشغولة في أعمال وطنية أكتر من المطبخ، يكفيكِ شرف إنك في الوقت اللي البنات بتفكر في ألوان صوابع الروج كنتِ بتفكري في نوعية الاسلحة والقنابل.
وسحب طبق الفاكهة يقدمه لها قائلًا:
_داوي جوعك بالفاكهة حلوة ومفيدة.
واستطرد ساخرًا:
_أنا بقول تفكك من حوار الارتباط من الجنيرال نهائي، الواد عليه حتة نفس في الطبيخ يتوب بتوع الدايت، وإنتِ يا قلب اخوكِ زيزو بتطبخي الفرخة بدمها!!
احتقنت ملامحها بعصبية، وبينما كانت تتطلع له، استمع كلاهما لصوت غلق الباب، وإذا بياسين يظهر من أمامهما، وهو يوزع نظراته بينهما بقلق:
_بتتخانقوا تاني ولا أيه؟
رد عليه زين في حبور:
_لا ده مراون ده حبيبي، كنا بتناقش في أمر مهم يخص مستقبلكم.
تنهدت مرين بسخط، وتركت لهما المكان وصعدت للاعلى، بينما يرنو إليه ياسين وهو يتابعها باستغراب:
_في أيه؟!
أشار بعينيه صوب الطبق وهو يسحب ثمرة من التفاح، يقضمها بتسلية:
_حاول تنفد بجلدك والا هتكمل هتاكل من ايد الطباخين العمر كله.
وأضاف وهو يسحب الحقيبة ويتجه للخروج:
_أنا نصحتك وإنت براحتك يا جارحي.
وتركه وغادر، مال ياسين على الرخامة بتعب، يتفحص بقايا الطعام المدموس بالدماء بضحكة جذابة، بينما ينزع عنه جاكيته الاسود، أشمر عن ساعديه القوي جذب المريول يرتديه حوله، ثم شرع بصنع الطعام لها رغم أنه منهك والتعب يتمكن منه، ولكنه لم يأتي من قلبه أن يتركها جائعة.
انتهى من صنع الطعام لها، حتى أنه صنع لها عصير التوت الطازح بمعكبات النعناع والليمون مثلما تعشقه هي، حبيبته لم ترث جمال أبيها وقوته فحسب، بل ورثت عنه حبه لنوعية محددة من الطعام ولذلك المشروب بالأخص المسمى بمشروب الجوكر، والذي تعمد أن يتعلمه من الجوكر دون أن ينتبه له، حتى يعده لها!
وقف أمام الغرفة يطرق بابها، فإذا بصوتها يتسلل له:
_ادخل.
فتح الباب بترددٍ، ووقف محله يبحث عنها، فجحظت عسليته في صدمة مما رآه، غرفتها كانت تعج بها الفوضى بشكلٍ مذري، الملابس تملأ المكان بأكمله، بينما تجلس هي على أحد المقاعد ترتب خزانة سلاحها، رمش ياسين بعدم استيعاب، وهو الذي كان يعنف ذاته أنه يترك غرفته يومًا واحدًا دون تنظبف!
تعجبت من عدم ظهور زين أمامها، فرفعت رأسها تتفحصه، فاذا بها تفزع عن مقعدها وهي تهمس:
_ياسين؟!
تحرر لسانه أخيرًا وقال من محله الخارجي:
_أيه اللي إنتِ عملاه في الاوضة ده يا مرين؟!!!
حكت جبهتها حرجًا، وأخذت تلملم الملابس سريعًا وتزيحها جانبًا:
_آآ... أنا يعني مكنش عندي وقت أرتبها، بس هحاول.
تغاضى عن أي مشاكسات قد تخرج منه خاصة حينما شعر بحرجها، فمال يضع صينية الطعام على الطاولة وقال مبتسمًا:
_ولا يهمك، اتفضلي غداكِ جاهز.
لمحت عصيرها المفضل، فتلقفته بفرحةٍ وهي تستكشف طعمه، فاذا بها تغلق عينيها بتلذذٍ:
_زي ما بابي بيعمله بالظبط!
ابتسم فرحة لسعادتها، وقال:
_لمحته بيعمله كذه مرة.
وضعت الكوب وجذبت الملعقة تتناول الدجاج الذي صنعه، ثم قالت ببسمة رقيقة:
_واضح فعلًا إنك بتطبخ كويس جدًا، إنت اتعلمت الطبخ امته وفين؟
استند على باب الغرفة الذي لم يتحرك عنه وقال:
_إتعلمته من ست سنين تقريبًا وفين؟ في قصر آل الجارحي تحت اشراف جدتي بنفسها.
توقفت عن الطعام وتطلعت له بفضول، ونظرتها تحثه على التوضيح، فلبى رغبتها وقال:
_جدي متعود على أكلها، مبقاش بيحب يأكل من إيد أي حد غيرها، فلما كنت بسافر معاه كنت بشوفه بيعاني وهو بيحاول يأكل من أكل بره لحد ما يرجع لأكلها، وأنا بصراحة كنت بحب أسافر معاه جدااا، فشغلت عقلي واتعلمت منها الطبخ، وبكده ضمنت إن ياسين الجارحي ميقدرش يتخلى عني أبدًا في كل سفرية شغل تجيله بره مصر، كان بيأخدني معاه عشان اطبخله بنفسي، وأنا قعدتي معاه أصلًا كانت مكسبي وفرحة مهما حاولت أوصفهالك مش هعرف.
رددت بتعجب من حديثه:
_للدرجادي بتحبه؟
اتسعت بسمته وقال:
_انا شوفت العالم ده كله بعيون ياسين الجارحي، اوقات كتير بستغرب عمق العلاقة اللي ما بينا، بس اللي أنا واثق فيه إنه عمل كل اللي يقدر عليه عشان أكون بالشخصية اللي أنا أكون راضي عنها.
وأضاف ومازال يقف محله:
_يمكن ده راجع لانه كان أول شخص من عيلتي شلني وحسيت بحنانه، على حسب ما بيحكولي إن في شخص كان بينتقم من بابا ورماني في ملجأ تابع لياسين الجارحي، وهو متعود يقضي يوم هناك، وفي اليوم ده سمع عياطي وشالني، المفاجأة اني سكت ونمت بهدوء غريب.
لمس ما قاله قلبها، حتى أنها شعرت بوخزاته، لقد سبق لها سماع تلك القصة من أبيها عما حدث مع رفيقه عدي الجارحي، تلك الايام العصيبة التي قيل أنه فقد زوجته وابنه، ووجدهما بعد فترة من العذاب لهم أحياء!
اقتربت مرين منه، ونطقت ببسمة جذابة:
_سبب تعلقك بيه هو حنانه عليك يا ياسين، وأكيد هو كمان محظوظ إنه عنده حفيد بيحبه ومستعد يعمل أي حاجة عشان يكون معاه.
تعانقت المُقل في لقاءٍ خاطف، جعله ينتفض في وقفته كمن لسعه عقرب، فتراجع عن محله وهو يمنحها بسمة صغيرة:
_طيب هنزل أنا أرتاح شوية.
احترمت المساحة الذي يضعها دومًا بينهما، وقبل أن تغلق بابها نادته:
_قائد.
توقف بمنتصف الدرج واستدار لها، فقالت على استحياء:
_شكرًا على الاكل والعصير.
غمز لها بجاذبية خاطفة:
_العفو عنيدة هانم.
واستكمل طريقه، بينما تعود هي لكوب العصير، ترتشفه بنهمٍ هامسة بعدم تصديق:
_ازاي عمله بنفس الطعم!!
******
ضمت هاتفها بابتسامة سعادة تشتق من بين وابل الدموع المنسدلة، روحها الغائبة ترد لها في تلك الدقائق المعدودة التي تختطفها من صديقتها التي تعمل بالمطعم الخاص بتيام، وكل فترة تتحدث معها مكالمة فيديو، وتسلط الهاتف على محل جلوسه.
تدافقت الدموع على وجه رحيق وهي تلمس بأصابعها الشاشة، بينما كان يجلس هو على طاولته المنعزلة بنهاية الفيديو، يرتشف قهوته بشرودٍ ولم يلاحظ ان النادلة التي تتصنع مسحها للبار تنقل صورة حية له لمن ختنمها بميثاق حبه ذات يوم.
كبتت رحيق شهقاتها وضمت الهاتف إلى صدرها وهي تهمس بخفوت:
_وحشتني، وحشتني أوي يا تيام.
واستكملت وهي تعيد النظر له بينما تمسح دموعها:
_حقك عليا، سامحني أرجوك.
وتابعت وهي تميل لحافة المسبح الخاص بغرفتها:
_كان غصب عني والله.
مال تيام للمقعد وعينيه تجوب شاطئ البحر الذي يطل عليه المطعم خاصته، فتلقفته فجوة الماضي، ليرى في نفس البقعة التي ضمتهما سابقًا المشهد يُعاد من أمامه، رأى نفسه يقف قبالتها وهي يحاول أن يسيطر على ذاته بعدما استمعت لما قالته، ومع توتر أعصابه سيطر على ذاته بتمكنٍ ورنا صوبها يهاتفها بهدوءٍ مخادع:
_رحيق أنا مش مصدق كل الكلام اللي قولتيه ده، أكيد في حاجة غلط، قصة أيه اللي انتهت، أنا وانتي اللي بينا مستحيل يكون ليه نهاية.
ابتعدت خطوتين للخلف، ووقفت تتطلع له بقوة لا تعلم كيف امتلكتها، ثم قالت:
_الحب مش كل حاجة يا تيام، أنا حبيتك ووقفت بيك وإنت فرد من عيلة التميمي فجأة جاي النهاردة تقولي أنا سبت القصر وهبدأ لوحدي! لا معنديش استعداد أبدأ تاني بعد كل العذاب اللي عشته ده.
واستدارت وهي تجاهد لنطق ما ستقول:
_أنا موافقة على عرض هارون، وهتجوزه.
صعق محله حتى كاد أن يسقط أرضًا، ولسانه الثقيل يردد بصدمة:
_هارون!!
وفي لحظة كان يقطع المسافة بينهما، يجذبها لتقابله، وهو يهتف بوجع ووجهه يوضح ما يبذله ليتحدث:
_رحيق حبيبتي هارون عايز ينتقم مني عشان سبت القصر والشغل، خليكِ صربحة معايا وقوليلي بيهددك بأيه وأنا هقفله، أنا أكتر حد عارف قذارته ووساخته، أكيد عمل كل ده عشان يوجعني فيكِ فأوعي تحققيله اللي هو عايزه.
سحبت كفها منه، وسيطرت على ضعفٍ كاد أن يوقعها أمامه:
_بس أنا مشفتش منه حاجة وحشه، وبعدين هتوقع أيه منك يعني وأنا بقولك مش عايزاك وهتجوز غيرك، هتحب فيه مثلًا، طبيعي هتطلع فيه ألف عيب.
قبض قبضته بعنف، وعاد يجذبها بعصبية:
_رحيق متحاوليش تشوهي الصورة اللي راسمها عنك، إنتِ عمرك ما كنتِ كده أبدًا.
وأضاف وهو يحذرها:
_ هقولهالك للمرة الاخيرة لو هارون بيبتزك بحاجة قوليلي وسبيني أواجهه انا، لكن أوعي تضحي بنفسك وتدخلي جهنم برجليكِ، مهما خيالك صورلك عمرك ما هتوصلي لرينج الشر اللي ورا هارون.
عصرت جروحها بين ضلوعها ورددت:
_حتى لو كان شيطان يكفيني العيشة اللي هعشها والمستوى اللي هكون فيه، إنت دمرت كل حاجه لما سبت الثروة والفلوس وقررت تبدأ من تاني بالمطعم ده، عايز تكافح من الأول وأنا خلاص تعبت ومش عايزة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني، لو هارون هيكون المنقذ ليا من الفقر والعيشة دي أنا جاهزة أتجوزه وحالًا لو يحب.
واضافت بتهكمٍ:
_الحب مش هيملي دولابي بأفخم الماركات، ولا هيخليني أركب عربية أخر موديل، الحب مش شيء أساسي في حياتنا يا تيام، ومع ذلك بقولك متفقدش الأمل ودور على الانسانه اللي تحب تكافح معاك من الصفر لحد ما تقف على رجليك، لكن أنا تعبت ومش جاهزة أرجع أعيد نفس التجربة اللي عشتها مع أهلي مرة تانية.
قالتها وغادرت من أمامه دون أن تلتفت إليه، تركته في حالة مرعبة من الصدمة وعدم الاستيعاب، كأنه أصيب بخنجر في منتصف صدره، يحاول أن يستعيد قوته ليركض خلفها.
هرول خلفها بخطواتٍ غير متزنة، وحينما وصل خارج المطعم صعق حينما وجدها تصعد إلى سيارة هارون الذي كان بانتظارها، علم الآن بأنها إتخذت قرارها وأتت فقط لتخبره به.
أفاق تيام من ذكرياته المؤلمة وهو يزيح دمعة خائنة تهاوت بجانب جفنه، ثم استكمل ارتشاف قهوته ومازالت عينيه هائمة بمنظر الامواج المرتطمة بالشاطئ، بينما تتمعن فيه رحيق من خلف شاشة هاتف رفيفتها التي ثبتت الهاتف وتركته مفتوحًا، البسمة الرقيقة تزين ثغرها وهي تتأمله، وفجأة انتفضت بجلستها وهي تتأمل من يقترب من طاولته
حبست شهقة كادت أن تخرج منها، حينما رأته يجذب المقعد الذي يقابله ويجلس ببرود، جعلها تغلق الهاتف من شدة الرعب.
أفاق تيام على هارون اللعين الذي يزور مطعمه للمرة الاولى منذ الستة آشهر الذي ترك فيهم العمل.
ظهر فحيح الخبيث بكلماته التي تهاوت على شفتيه:
_قولت أجيلك بنفسي عشان أديك الانذار الاخير!
............ #يتبع......
#الاقوى_قادم.
متنسونيش من دعواتكم الجميلة، والله إنها أيامًا ثقيلة، ولا يعلم ما بالقلب الا الله 💙
****________******
أشباح المخابرات الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الثامن!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Rovan Abdo
Jody yahia، Ruqayyah Ramadan، Amal Tarek، Farha Ali Elazazy، Mems Abdo، Ahlam sayed، Romisaa yahia
ثقتي بالله تكفيني، فدوي الخمليشي
Nada Mahmoud، Basmala Naser ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أضرم النفور جسده وأوقظه لما أراد أن يتغاضى عنه طوال تلك الأشهر، ما أصعب أن يجبر على رؤية أكثر شخص عاش يكن له كل الكراهية والبغض، وإذ فجأة يراه أمام عينيه.
الشخص الذي تمنى أن يقتله ألف مرة يقف الآن قبالته، وبكل برود أتى ليهدده، ولحظه اللعين أنه يقف الآن وهلاك ماضيه كان يسبقه بخطوةٍ واحدة.
سحب "تيام" نفسًا طويلًا، بينما يرفع له رأسه بكبرياءٍ، يسدده بنظراتٍ قوية شامخة، والآخر يتوقع طبيعة اللقاء، وخاصة إنه لقاؤهما الأول بعد ما فعله بحقه، ولكن خابت ظنون "هارون" حينما وجده يشير بيده ببسمةٍ باردة:
_يا أهلًا يا هارون، نورت.
وأضاف وعينيه تشير على المقعد المقابل له:
_اتفضل.
تعجب من طريقته المتماسكة بالحديث، ومع ذلك جلس مبتسمًا، وهو يقول بشرٍ يفوح للآخر راحته:
_كويس إنك عقلت، كده هنقدر نفهم بعض.
قبض على نواجذه وهو يتحكم بكراهيته الشديدة، ومع ذلك يمضي بثباته، وبصوته الساخر قال:
_متقلقش من النقطة دي، أنا طول عمري فاهمك وفاهمك صح أوي.
وإستطرد وهو يشير بيده للنادل:
_بما إنك أول مرة تشرفني، تحب تشرب إيه؟ ولا أطلبك غدا؟
احتدت نظراته، وأشار لمن يقف قبالته بالانصراف:
_مش عايز حاجة، ويا ريت تبطل أسلوبك ده وتسمعني كويس أوي.
انتظر النادل أن يحصل على اشارة الانصراف من سيده، فأبعده "تيام"، ومال على الطاولة بنصفه العلوي متسائلًا بهدوء مخيف:
_سامع، إرغي.
تغاضى عن طريقته، وقال بخبث متعمدًا إثارة غضبه:
_أنا عايز أفهم إنت بتعاقبنا كلنا على إيه؟ لو على خطيبتك فهي اللي اختارت، أنا مأجبرتهاش تتجوزني ولا حتى إنها تكمل معايا!
ومال صوبه بنفس طريقة جلسته وهو يستكمل بمكرٍ يتعمد اهانته:
_ذنبي إيه إنها فضلتني عليك؟
كان يقبض قبضته من أسفل الطاولة، يود لو أطاح بها فوق رأسه، ولكن المطعم يعج بالزبائن وبالطبع لن يخسر مصدر رزقه الوحيد ورزق شقيقته، تحكم في ذاته وردد بجمود:
_إنت قاطع المسافة دي كلها عشان تقولي البوقين دول؟
ابتسم بشماتة، وقال:
_لا طبعًا، أنا جاي أنبهك إن الديزل بنفسه حطك في دماغه، يعني دي فرصتك الاخيرة عشان تعقل وترجع معايا للقصر، ومنه طبعًا لشغلك، انت عارف انت مهم لعيلة التميمي إزاي؟
سحب كوب قهوته يرتشفه بالكامل، ومال للطاولة يهتف بصلابة:
_أشكره بالنيابة عني عن الفرصة الاخيرة، وقوله إني مش محتاجها، سبق وقولتلك ان رجوعي للقذارة دي بموتي، فيا تقتلوني يا أقتل نفسي ولا إني أرجع لاختراع العقارات الفاسدة دي.
واسترسل وفتيل الندم والذنب يقتحم عينيه الجذابة:
_أنا عشت أسوء سنين من عمري وأنا مُجبر أنفذ اللي بيتطلب مني فمستحيل هرجع للقرف ده تاني، بلغ اللي بعتك بده.
تجهمت معالمه شرارًا، ومع ذلك لجأ لآخر محاولة قد تجدي نفعًا معه:
_طيب لو بعدك ده بسبب رحيق فأنا مستعد أطلقها وترجعلك تاني لو ده هيرجعك للشغل.
اتسعت ابتسامته سخرية، وفجأة تلاشت عنه وهو يهتف بخشونة مرعبة:
_الكلبة اللي بقرف من سيرتها لما بتيجي قدامي صدفه عايزني أرجع ليها؟؟ أنت وهي أرخص عندي من تمن الجزمة اللي بشتريها تخيل!
وأضاف وهو يشير له بثبات يُدرس:
_قوم يا هارون إمشي، ويا ريت متورنيش وشك تاني.
تأجج شيطانه الغادر، فمال يهمس له بوعيد:
_خليك فاكر إني جيتلك بنفسي وطلبت منك ترجع بالذوق والأدب، تطاولك عليا وكلامك ده حسابه هيتدفع وغالي أوي يا تيام، أبواب الجحيم كانت مقفولة عنك طول الشهور دي على أمل انك تعقل وترجع من نفسك، ودلوقتي إنت فتحتها وعمرك ما هتعرف تقفلها تاني.
ونصب "هارون" جسده بينما يستكمل بعدوانية مخيفة:
_ ده إنت سيد العارفين بشياطين آل التميمي وبالذات أنا!
ثم إستدار يغادر بخطوات واثقة مما سيفعله، بعدما قدم له الإنذار الاخير، إتجه لسيارات الحرس الخاص به، فتح له أحدهم باب السيارة الرئيسية، فاستدار يتمعن به بنظرةٍ مرعبة، وقولٍ واحد:
_بكره تنفذ اللي قولتلك عليه، إنت والرجالة.
هز الرجل ذو الملامح الاجرامية وجهه، وقال متسائلًا:
_البنت لوحدها؟
هز رأسه نافيًا، وقال:
_نوح ييجي قبلها!!!
******
تسلق الكتلة الحجرية ببراعةٍ لطالما كان يتميز بها، لذا حق له أن يكون شبحًا مُتنقلًا، قفز من بقعة لأخرى حتى وصل لنهاية السفح الجبلي، بجسده الرياضي.
وقف بلثامه الأسود، الذي يحدد زيتونية عينيه الساحرة بشموخٍ، نزع "زين" عنه اللثام وفرد ذراعه بكبرياء يتقاسم فيه ذلك الطائر الجارح، الذي يحوم من فوقه، فاذا به ينصاع لأمره الصريح، وينخفض له تدريجيًا، حتى وقف على يده.
مرر "زين" يده على جسده بحركاتٍ مدروسة إكتسبها هو والجنرال أثناء فترة تدريبهما في بقعة "ليل العربي"، فإذا بعُقاب ينفش ريشه، فاستخرج منه" زين" الفلاشة التي دستها له "قدس"!
إبتسامة انتصار تجلت على وجهه الجذاب، واستمر بتمرير يده على" عُقاب ليل العربي"، وهو يهمس له بسخرية:
_حتى صداقتنا كانت مُدبرة من رحيم زيدان!
واتسعت ابتسامته وهو يحرر "عُقاب" لأعناق السماء، بينما يهتف باعجابٍ صريح بحكمة أبيه:
_أسطورة وبجدارة.
أعاد الوشاح على وجهه، واستدار ليهبط بنفس الخطوات التي صعد بها، تنهد بمللٍ لهبوطه كل تلك الخطوات، واذ فجأة يبتسم بمكرٍ، وبجرأة عاد بجسده للخلف، ومن ثم ركض بسرعةٍ، وقفز من أعلى سفح الجبل، وحينما كاد أن يصل جسده للأرض، قفز بجسده بحركاتٍ مُتقنة حتى وصل لفرع الشجرة التي بعدت بمسافة متوسطة عن الجبل، حتى استقر أرضًا بثباتٍ وثقة!!
لطالما كانت خطواته كخطى الشبح التي من المُحال أن يشعر بها أحدٌ، ولن يستطيع أحدٌ تحديد متى وأين يظهر ويختفي!!
إجتاز ٱختبارات شبه مستحيلة، أدهشت قادته في حين أن "ياسين" فشل بإجتياز أغلبها لضخامة جسده، بينما يتميز "زين" بوزنٍ أخف منه، بالرغم من احتفاظ جسده على الشكل العضلي الذي يمنحه المظهر الخطير لعدوه.
لكل منهما مميزات إضافية تجعلهما كمالة بعضهما البعض، حتى "مرين" و"قدس" كانتا كمالة لفريق الاشباح!
مضى "زين" بين الغابة المظلمة بثبات مخيف، وكأنه وحش متخف بين وصال الليل المقبض، وكلمات أبيه تخترق مسمعه فجأة.
«أنا متولدتش في بوقي معلقة من دهب زي ما إنت متخيل يا زين، أنا كنت شاب عادي وبسيط، وكان حلمي زي أي شاب في سني، إني أقدر أفرش شقة أتجوز فيها حب طفولتي، وفجأة أحلامي كلها اتدمرت، وانا كمان اتدمرت معاها، قتلوني عشان كنت إنسان ضعيف، واتولد مكاني شيطان قادر يدمر كل شخص رفع عينه فيه ولو بالغلط!.
مراد شخص سوي نفسيًا أكتر مني، أنا معترف بده، عشان كده سيبته يشرف على تربيتك وإنت صغير، إنت شربت كل الحلو اللي فيه ودلوقتي عايزك تشرب مني اللي هيخليك سلطان منتصر في أي حرب إنت داخل فيها!
عايزك برة المهمات إبن الجوكر، وجواها إبني أنا، إرمي عواطفك ومشاعرك بره، عايزك زي الوحش المفترس اللي بيراقب خطوات فريسته وجاهز ينقض عليها في أي وقت، وأوعى تنسى إن أبوك أسطورة الجهاز المصري!»
خرج من تقاطع الغابات وبداخله قوة يستمدها كلما يعود لذكريات حديث أبيه عن ماضيه، وعما أصبح عليه حاليًا، فعاد إلى المخبأ السري ليدرس ماذا تمكنت "قدس" من إحضاره!
*****
قدمت لها كوب المياه وهي تحاول معرفة ما أصابها، لقد مضت عليها نصف ساعة وهي تحاول معرفة ما بها، كانت فقط تبكي وتنتفض باستمرار.
جلست "رحيق" جوارها بعدما منحتها المياه، وقالت بقلقٍ:
_رزان قلقتيني عليكِ، إيه اللي حصل وخلاكي منهارة كده! هارون عملك حاجة تاني؟
هزت رأسها بالنفي ومازالت غارقة بالبكاء، فعادت "رحيق" تسألها:
_طيب قوليلي مالك؟!
تركت "رزان" الكوب من يدها وإستدارت إليها، تحاول استجماع شتاتها للحديث، وهي لا تعلم أخطأ ما تفعله أم صواب:
_رحيق، كِنان.. آآ.... هو آ...
تنهدت بتعبٍ وقالت:
_بقالك نص ساعه بتقولي كِنان وبتسكتي!! احكيلي يا حبيبتي إيه اللي حصل؟
تهاوت دموعها من عينيها الزرقاء، وبصعوبة قالت:
_كِنان مش طبيعي، أنا كنت بستغرب سرعته الرهيبة، حصل كذه موقف خلاني أشك في نفسي، والنهاردة إتأكدت إنه آآ..
زوت حاجبيها بعدم فهم لأي حرف تقوله، وقبل أن تستكمل الاخرى حديثها، إنفتح باب الجناح وظهر "هارون" من أمامهما.
سقط الكوب من يد "رزان"، ونهضت تتمتم برعب:
_آآ... أنا هروح أنام الوقت إتأخر.
وتركتها وهرولت من أمامه ركضًا، و" هارون" يشيعها بنظرة غامضة كهلاكٍ يدبر لها، بينما يعود ببصره تجاه زوجته، التي نهضت تلملم الكوب المكسور، وهي تتفادى التطلع لوجهه.
أطلق صفيرًا لطالما كرهته "رحيق"، ورنا منها وهي مازالت تنحني أرضًا تلملم البقايا، جلس على الفراش أمامها، واستل سيجارًا يرتشفه ويبصق دخانه في وجهها، سعلت" رحيق" وهي تستكمل ما تفعله، حتى كسر الصمت حينما قال:
_العلاقة بتتطور ما بينك إنتِ وهي، بتستريحوا لما بتقعدوا تندبوا مع بعض حظكم الاسود.
رفعت وجهها إليه، ونظرات الكره تسددها نحوه، بينما تجيبه:
_حظنا فعلًا أسود إنك في حياتنا.
مال للخلف من شدة ضحكاته المرعبة، وعاد يتطلع لها، بعدما توقف عن الضحك:
_بلاش تستفزيني أحسنلك يا حلوة، ولا إنتِ غاوية كل شوية أبعتر كرامتك زي الإزاز اللي شايلاه ده.
وزعت نظراتها بين البقايا التي تحملها وبينه، ثم رددت بانكسار:
_متتعبش نفسك، مجرد ما أشوف وشك كل يوم بيقل من كرامتي.
قبض على خصلاتها بغضب، وقربها إليه بينما يقول:
_معرفتي أنا اللي بتقل من كرامتك ولا قذارتك؟ شكلك رايقة النهاردة وأنا ميخلصنيش أشوفك كده وأعكر مودك، تعرفي أنا جاي منين؟
ظهر الإرتباك جليا على ملامحها، فتابع هو:
_من عند حبيب القلب، عرضت عليه أطلقك وترجعيله وقالي إنه لما بيرمي جزمته مش بيلبسها تاني! شوفتِ إنتي رخيصة عنده وعندي!
تهاوت دموعها تباعًا وحطام قلبها يتعالى بانكسارٍ، فتبسم بفحيحه الخبيث وهو يتابع:
_هو إنتِ كنتِ زارعة أمل الرجوع ليه تاني بعد اللي عملتيه! يا حرام!
أبعدت يده عن خصلاتها وصرخت بانهيار:
_مش عايزة أرجعله ولا عايزاك، سيبني في حالي بقى!
قبض على قبضة يدها الحاملة لبقايا الزجاج بقوةٍ أدمتها وجعلت الدماء تنسدل من بين كفها، وهي تتلوى ألمًا وتترجاه أن يتركها، بينما يتابع هو بصوتٍ قاتم:
_مش هسيبك إلا بمزاجي، نهاية حياتك معايا بقبرك يا رحيق.
ودفعها للخلف بقوةٍ، ثم نهض يتجه للحمام، بينما تضم هي كفها الغارق بالدماء، تنزع الزجاج عن لحمها بدموعٍ أغرقت كفها، ووجع أدمى قلبها المقهور!
******
ركضت إلى فراشها، تتمدد من فوقه وهي تسحب الغطاء على جسدها المرتجف، يدها تكبت شهقاتها ودموعها المنهارة، لا تصدق أنها نجت الآن، فماذا لو استمع "هارون" لحديثها؟!
إنفجرت بالبكاء ويدها مازالت تكبت صرخات كادت أن تحطم حوائط غرفتها، واذ فجأة يصل لها صوت طرقات باب الغرفة، مما دفعها لكثرة البكاء ورعشة كادت أن تصيبها بسكتة قلبية.
وضعت "رزان" يديها على أذنيها حتى لا تستمع للصوت، وحينما توقف إستدارت تجاه باب الغرفة بخوفٍ، فاذا بها تشعر بحركة خافتة تجاه شرفتها المفتوح بابها.
إستدارت ببطءٍ صوبها، فوجدته يقف قبالتها، فزعت عن نومتها وهي تتراجع لنهاية الفراش، ولج "كِنان" للداخل بخطواتٍ بطيئة ونظرات متعبة، حزينة، جلس على نهاية الفراش وتنهد بضجرٍ:
_وبعدين يا رزان؟
ضمت ساقيها إليها وهي تجلس على الوسادة، وتتطلع له بنظرات حائرة، فاذا به يستدير تجاهها يتفحصها بنظرة طويلة، ثم صرخ فيها بغضب:
_متبصليش كده!! مش أنا اللي يتخاف منه! بالذات إنتِ مينفعش تخافي مني!
وضعت كفيها على أذنيها وتحرر صوت بكائها، بشكلٍ دمر قلبه الضعيف، فاستدار بجسده صوبها وقال وهو يكبت غضبه:
_لو وجودي مضايقك همشي، بس مش قبل ما أقولك اللي جيت عشان أقوله، وعشان أتكلم لازم تكوني هادية عشان تستوعبي كلامي.
طالعته باهتمامٍ لمعرفة ما سيقول، فتنهد وهو يهتف بغموضٍ:
_عايزك تعرفي إني عمري ما خدعتك ولا إتسليت بيكِ، أنا فعلًا حبيتك يا رزان ومن كل قلبي، واتمنيت تكوني ليا بس ده لما كنت إنسان طبيعي.
رمشت بعدم استيعاب، ورددت:
_إنسان طبيعي!!
تجاهل ما تقول، واستطرد بقوة:
_حاليًا مينفعش يكونلك وجود في حياتي بأي شكل من الاشكال، ولو بعمل ده فبعمله عشان أنا بحبك، حمايتي ليكِ أهم من أي مشاعر أو عواطف جوايا ليكِ.
وأضاف وهو يبتلع آلآمه المريرة:
_عالمنا ده اللي بيدخله ووراه حد بيتحامى فيه بيخسره، أنا عايش في كوابيس مش بتنتهي بسبب نوح، فمقدرش أزود وجعي بيكِ يا روز.
تغاضت عن كل شيء وقالت بحيرة:
_إنت إزاي عندك أجـ.....
بلعت حديثها حينما أوقفها بخشونة:
_قولتلك اللي حصل النهاردة ده تنسيه، وإلا حمايتي ليكِ هتكون مستحيلة.
تغاضت عما قال، وعادت لسؤاله:
_هارون زيك؟
احتشد الغضب في بنيتاه، وانتقل لها بسرعة أرعبتها، شدد على معصمها وهو يصرخ فيها:
_إنتِ مبتفهميش!! قولتلك إنسي اللي حصل وإلا حياتك هتكون التمن سامعــــــــة؟
هزت رأسها برعبٍ،بينما يتابع هو بشكٍ:
_أنا جيتلك مرتين ملقتكيش،كنتِ فين؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ورفعت بصرها للاعلى، فجن جنونه وهو يصيح بصدمة:
_أوعى تكوني قولتي لرحيق حاجة؟
تراجعت للخلف والذعر يستحوذ عليها،بينما يتابع كِنان:
_رزان اتكلمي، إنتِ اتكلمتي عني في شيء؟
هزت رأسها بخوف، بينما لا يستطيع هو تخيل الامر، مرر يده على شعره الطويل وصوت أنفاسه المختنقة تتعالى كأنه على وشك أن يتحول بأي لحظة، لا يعلم كيف إستدعى هدوءه وهو يخبرها بنبرة هادئة:
_جناح هارون كله مزروع بالكاميرات، لو اتكلمتي معاها صارحيني يا رزان عشان أقدر أحميكِ منه.
هزت رأسها مجددًا،وهمست بخفوت:
_مقولتش حاجة.
طالع خوفها منه بألمٍ، فابتعد وهو يتجه للخروج من غرفتها، بينما تتابعه هي بتوترٍ وخوف، وخاصة حينما أكد لها أن معرفتها الحقيقة ستجعلها فريسة لأخيها اللعين.
شعرت بأن عقلها تعطل عن العمل كليًا، جسدها يئن أوجاعًا أرغمتها على الاستسلام للنوم، وما أن تأكدت عينيه المراقبة لها من غفوتها،حتى خرج من الشرفة يخطو صوبها!
جذب "كِنان" الغطاء عليها وانحنى يميل على كفيه وهو يهمس بصوتٍ مُتعب:
_مصرة تقدمي نفسك قربان لهارون!
وتنهد وهو يبتسم في مرارة:
_مش مكتوب ليا الراحة طول ما قلبي بينبض ليكِ!
*************
تسلل ليلًا لغرفتهما، فوجد رفيقه يغفو ويده مسنودة على عينيه، تمدد "زين" جواره، وهو يهتف بنزقٍ:
_جايلك قلب تنام يا قاسي وأنا بره بتنطط فوق الجبال عشان أجيب الفلاشة!
أتاه صوته الساخر يجيب:
_يا ريته تنطيط فوق الجبال على الاقل له هيبة، مش قرد بيتنطط من شجرة للتانية!
توسعت زيتونته بصدمةٍ، فإذا به يبعد الغطاء عن جسده، فوجده يرتدي ملابس الخروج، فصاح باستغراب:
_إنت كنت بتراقبني يا جارحي؟!
إحتدت عسليته بشكلٍ متقن، وقال بثباتٍ مضحك:
_مفيش بني آدم عاقل بيثق في قرد يا زين وإنت للأسف قرد!
وأضاف وهو يفشل بكبت ضحكاته:
_عاملي فيها طرزان؟!
ضحك برفقته وهو يتمدد جواره مرددًا بنعاسٍ:
_لا أنا أجمد منه عشروميت ألف مرة، وأدائي يثبت كلامي!
إبتسم "ياسين" وعاد يتمدد جواره، وهو يهيم بسقف الغرفة، ثم قال:
_محكتليش حوار مرين مع الكلب ده بالتفصيل، رميتلي إشارة مختصرة ان الامور بخير!
مال برأسه تجاهه وقال ضاحكًا:
_من إمته وانت بتهتم بتفاصيل أي حاجة يا شريك! ده إنت خلقك على طول كنز ومالكش مناهدة للأحاديث!
اشتعل فيه الغضب، فنقله له:
_هو إنت لو موقفتليش على الواحدة مترتحش أبدًا.
توالت ضحكاته، وقال من بينها:
_لا يا سيدي مش هقفلك، عمومًا هي مقالتليش أزيد من إنها نجحت تلفه.
كاد "ياسين" أن يتحدث، فأوقفه "زين" وهو يميل برأسه فوق كتفه:
_متقلقش يا حبيبي حذرتها للمرة الألف، ريح وارتاح انت وسبني أنا كمان أخذ قليلًا من القيلولة الليلية.
عبس وهو يراه يستولي على كتفه، فصاح بضيق:
_هو إنت مش ليك سرير؟
أجابه وهو يغلق عينيه باستسلامٍ:
_الجو برد يا جارحي، ميبقاش قلبك قاسي عليا ورقيق وحنين مع مروان اشطا؟
إحتقنت مُقلتيه غضبًا، وهتف من بين اصطكاك أسنانه:
_طيب إبعد عشان أعرف اضربك!
طوق رقبته وهو يشاكسه:
_لا أنا مرتاح كده صدقني، نام ورانا فلاشة عايزة تتشفر بكره!!
وسرعان ما إستسلم "زين" للنوم، بينما حُرم النوم على "ياسين" وقلبه يخفق اضطرابًا لما قد تقدم "مرين" على فعله.
**********
مع اشراقة صباح يومٍ جديد، إعتاد فيه صباحًا إستخدام حذاء (الباتيناج) عسى أن يخفف عنه إختناق صدره، ظل "نوح" يتزلج حول القصر وباله مشغول بها، مازالت ترفض الرد على رسائله ومكالماته، حتى الجامعة خففت من ذهابها إليها، واليوم لن تستطيع الغياب مجددًا في الاختبار الاساسي الخاص بها.
كان متلهفًا لرؤيتها بشكلٍ غير موصوف، وبقي لساعتين يتزلج بالحذاء الذي يمنحه حرية كبيرة، وسعادة تفوقها.
توقف "نوح" عن الركض به حينما لمح أخاه يتابعه وهو يستند على الشجرة القريبة منه، فإذا به يرنو إليه وهو يردد بأنفاسٍ لاهثة:
_مش عادتك يعني تصحى بدري؟
حافظ "كِنان" على ثباته، وقال بصوتٍ لمس فيه "نوح" الغضب:
_مين جاب رزان النايت كلوب؟
نزع قفازاته وإنحنى يخلع حذاءه وهو يجيب:
_هي طلبت مني أوصلها وأنا معرفتش أقولها لا.
هز "كِنان" رأسه ببطءٍ ورنا إليه وهو يتطلع جانبًا حتى لا يرى أخوه نظرته الخطيرة، إعتصر نواجذه كي يبدو هادئًا:
_مش أنا سبق وقولتلك متخطيش خطوة بدون ما أكون على علم بيها؟
إبتلع ريقه بارتباكٍ، وقال:
_أنا معملتش حاجة أكتر من إني وصلتها، كان باين إنها واقعة في مشكلة ومحتاجالك، حاولت أتكلم معاها بس هي مرضتش تقولي مالها.
توقف رأسه الآن أمامه، يجحمه بلهيب عينيه، وببطء مرعب قال:
_متصلتش بيا ليه وبلغتني، واستنيت ردي عليك إذا كنت توصلها ولا لا؟!
ردد بتوتر قبالته:
_مهو آ...
رفع إصبعه يوقفه عن تبرير أي شيءٍ قد يلجأ له، وصاح ينذره:
_إياك تتصرف من دماغك تاني يا نوح، مش هعيد تاني كلامي وتشديداتي عليك، سبق وقولتلك خليك بعيد عن أي حاجة بتحصل في القصر هنا، وأولهم عثمان و هارون، وإنت مصر بردو تقحم نفسك في أمور أخطر منك.
ازدادت ربكته قبالته، وراح يبرر:
_لو تقصد زيارتي لعثمان عشان تالا، فأنا كنت بعمل معاه محاولة أخيرة يمكن آ...
_حوارك إنت وتالا مُنتهي، كل ما اتقبلت ده كان أفضل ليك وليها!
قالها "كِنان" بغضب، وعاد يستطرد وهو يحذره:
_أنا بحاول آمنك من كل اللي حوليك، فأوعى تدمر اللي عملته وبعمله بغبائك يا نوح، ولأخر مرة بحذرك إنك تتصرف من دماغك تاني، فاهـــــــــم!
هز رأسه بحزنٍ، جعل "كِنان" يزفر بضيقٍ، وهو يجذبه إليه، يضمه بخوفٍ وصل إليه بهمسه:
_متزعلش مني، أنا خايف عليك يا نوح، إنت أمانة بابا اللي سابها في رقبتي، أنا ليا مين يعني غيرك؟
تعلق به "نوح" بقوة، وقال بحبٍ واحترام يكنه لأخيه:
_عارف، وأوعدك إني مش هخطي خطوة تاني بدون علمك.
تنهد "كِنان" في راحة، بينما بالاعلى، يراقبهما "هارون" من شرفة جناحه، فتجرع ما بكأسه من خمر، وقال ببسمة شيطانية:
_مش هتقدر تحميه مني، وهتشوف!!
*****
إنتهى من صنع الشطائر السريعة، ثم حمل عُلبة الطعام الخاصة بها، ووضعهم بها، وقطع لها الفاكهة التي تفضلها، تحرك "تيام" لغرفتها، يطرق بابها وهو يناديها:
_مش معقول لسه نايمة، الامتحان خلاص فاضله نص ساعة يا تالا؟!
خرجت له وهي تلف كالفراشة بفستانها الازرق الفضفاض:
_لابسة وجاهزة من بدري يا شيف.
راقبها بإبتسامة جذابة، وربع يديه يتأملها بحب، ويمازحها ضاحكًا:
_ما شاء الله زي القمر، إيه مطقمة عشان الامتحان يجيلك سهل ولا عايزة تغوي مراقب اللجنة يفكها عليكِ؟
ضحكت بملء ما فيها، وقالت:
_حاجة زي كده، المهم ننجح يا أبيه.
زوى حاجبيه بنظرة مشاكسة، فتعالت ضحكاتها وهي تشاغبه:
_أنا بحس اني بقلل من احترامك كل ما أناديك باسمك، فرق ال٨ سنين اللي بينا كبير بردو يا آبيه تيام!
ضم شفتيه بتلاعبٍ، وخبث:
_وماله يا تولا ناديني زي ما تحبي، وأنا وعد هصبغلك شعري بالابيض عشان أبانلك أبيه، ولو حاباني أخلعلك سنتين من عنيا.
احمر وجهها من فرط الضحك، وهو يشاركها، فاذا به يقدم لها حقيبتها قائلًا بسخرية:
_وهنا هقوم بدور مامي الشاطرة اللي قايمة من الفجر تجهز اللانش بوكس لبنتها.
سحبت الحقيبة منه بيد واليد الأخرى تفتحها له:
_ودور بابي اللي بيدي بنته المصروف يا تيتو.
كشر عن أنيابه بانزعاجٍ:
_تيتو!!
سحب "تيام" من جيب بنطاله مبلغًا من المال، وضعه بيدها قائلًا:
_خلينا في أبيه أكرم.
ضحكت وهي تعد المال بلهفة، ولم تتنازل عن مشاكسته:
_كام دول؟ عايزة أعزم البت راندا صاحبتي على عزومة ترم عضمها بعد أول امتحان.
قال وهو يستدير صوب المرآة المطولة، يتفحص هيئته:
_هاتيها وتعالي المطعم، العزومة عندي، عشان تعرفي بس إني مجدع وذوق.
صعدت على المقعد القريب منه، ومالت على رقبته من الخلف تقبل وجنته بسعادة:
_أحلى واحن أخ في الدنيا كلها.
ضحك وهو يحاول تخليص ذراعيها من حول رقبته، فاذا بها تقول:
_أنا اساسًا كنت هجبها المطعم، يمكن تعجبك وأرتبلك الجو معاها.
تلاشت ضحكاته، واستدار صوبها بحدةٍ:
_ترتبيلي إيه بالظبط؟
زمجرت بعصبية:
_هو إنت هتعيش عمرك كله عازب ولا إيه؟
أوقفها قبل أن تنعرج لتلك المنطقة الخطرة:
_هاتي حاجتك وحصليني على تحت، أنا اللي هوصلك.
وتركها وانسحب للاسفل دون أن يضيف كلمة واحدة.
*****
راقب ثلاثتهم المعلومات المدونة بين السطور بسرية تامة، قد تبدو كأنها رسالة خاصة بالدكتوراه، ولكن مع جمع الحروف باتقانٍ تمكنوا من جمع الرسالة المرسلة منها.
كان "ياسين" يقف على يمين مقعد "زين" الذي يتابع الحاسوب وعلى يساره تقف "مرين" التي رددت بدهشة :
_إزاي قدروا يوصلوا لتصنيع النوع ده من الروبوت!
قال "ياسين" ومازالت عينيه على شاشة حاسوب "زين":
_الظاهر إننا مصوبين عينينا على الشخص الغلط، واستخفينا بعثمان التميمي أوي، وشكل الحكاية كلها بتبتدي من عنده.
لف" زين" المقعد المتحرك تجاهه وقال:
_مش قصة الحكاية بتبتدي بمنين يا ياسين، العيلة دي وراهم سر مشترك، والله أعلم قدراتهم واصلة لفين؟
هز رأسه وتمتم بخفوت:
_والأهم مين اللي ورا الإختراعات دي كلها، معتقدش تيام لوحده!
تساءل "زين" باهتمام:
_إيه تطور العلاقة بينكم.
اجابه ببسمة خبيثة:
_بقينا شبه أصدقاء، أخد رقمي بعد إلحاح والنهاردة هتلاقيه بيكلمني من نفسه.
زوت "مرين" حاجبيها باستنكارٍ:
_وإيه سر الثقة دي، مش معقول يعني من أول لقاء هيكلمك بعدها على طول!
رد بثقة تكتسح عسليته:
_وإيه اللي مش هيخليه يكلم الشخص الوحيد اللي اتعرف عليه بعد الفترة الطويلة دي من العزلة؟
تنهد "زين" بمللٍ، فجذب الحاسوب، ودفع المقعد للخلف بعيدًا عنهما، حتى يتمكن من حل شفرة المتبقي من الرسالة.
ربعت "مرين" يديها أمام صدرها، وقالت:
_لو اعتمدت على المكالمة دي هتقف محلك سر، لازم تفكر في لقائك التاني بيه بطريقة مختلفة، لان كده بتضيع وقتك يا قائد.
مال على الطاولة مثلما تقف، وربع يديه امام صدره مثلها:
_مش كل خطوة تتاخد على الحامي، لازم تتعلمي إزاي تكوني تقيلة يا عنيدة هانم.
فكت عقدة يديها ورددت بانفعال:
_انت قصدك إيه؟
هز كتفه ببراءة:
_ولا حاجة.
زفرت بغضبٍ، واتجهت إلى "زين" هاتفة:
_زين أنا عايزة الجهاز، عشان لو قدرت أخترق جهاز هارون.
رفع زيتونته عن الحاسوب، وردد بدهشة:
_بالسرعة دي؟
هزت رأسها وهي تؤكد له:
_لو لاقيت فرصة مناسبة قدامي هستغلها.
تحرك "ياسين" صوبهما، وردد:
_مرين الخطوة دي فيها خطورة كبيرة، احنا هنحاول نعمل ده أنا وزين خليكِ بعيدة.
استدارت إليه وقالت بعقلانية:
_هتعملوها إزاي وأنا اللي متمكنة في البرمجيات دي في الفريق كله، وكمان دخولي مكتبه لاستلام شغلي شيء طبيعي، والله أعلم هقدر أدخله تاني ولا لا حتى لو اشتغلت هناك، دي فرصتي الوحيدة ولازم أستغلها.
تحدث "زين" أخيرًا:
_مرين معاها حق يا ياسين، وبعدين إحنا عايزين نخليها تنسحب من المكان القذر ده، فكل ما أنجزنا اللي عايزنه بسرعة كل ما كان أحسن.
هز "ياسين" رأسه بهدوءٍ، وتطلع لها بقلق:
_أنا مش ضدك في الخطوة دي، بس أديكِ شايفة بنفسك تطور الأشخاص دي واصل لفين؟ فخوفي عليكِ طبيعي إنهم ممكن يكشفوكِ لو إخترقتي الجهاز الخاص بالنايت كلوب.
منحته بسمة رقيقة وبثقةٍ شديدة قالت:
_مستحيل ده يحصل، خليك واثق إن زي ما هما مطورين من نفسهم إحنا كمان عندنا الإمكانيات اللي تحيرهم لمية سنة قدام.
إتسعت ابتسامته حينما إستخدمت نفس جملة الجوكر الذي قالها قبالتهم كثيرًا، تلك الفتاة ورثت كل شيء عن أبيها قولًا وفعلًا.
قطع الأجواء صوت رنين هاتف "ياسين" الذي اشتراه مؤخرًا وسجله باسم الشخصية التي ينتحلها.
صوبه لها وقال وهو يغمز لها:
_قولتلك التقل بييجي منه خطوة مكنتش بالحسبان.
وانصرف لغرفته وهو يبدأ بنصب شباكه بضحيته "تيام التميمي" الذي أبدى اعجابه الشديد بلوحاته، وظل كلاهما لساعات يتعرف كلاهما على الآخر، ومع ذلك لم يبدأ "ياسين" بخطوة تبادل ارقام الهواتف تركها له، فطلب منه الرقم وبالرغم من أن رقم "تيام" على هاتفه الا أنه ترك له أول خطوة، حتى يقطع أي شك مسبقًا له!
******
خرجت من المصعد وهي تحمل حقيبتها، فاذا بالباب يُفتح من أمامها فجأة، لم تندهش "قُدس" التي بدأت تعتاد على هذا الأمر.
استكملت طريقها للداخل وهي تبحث عنه، كانت ترتدي بنطالا أسود اللون واسعا، وكنزة محتشمة من اللون الابيض، وشعرها معقود للخلف، فمنحها طلة صافية.
وجدته "قدس" يجلس في ركنٍ مظلم، بعيدًا عن الشرفة مثلما إعتادت رؤيته، تركت الحقيبة قريبة منه، وصعدت الدرج القصير حتى باتت قبالته، تردد بإستغرابٍ:
_قاعد في الضلمة ليه؟
صوتها شق وابل ذكرياته التعيسة، فاذا به يستدير في الظلام تجاهها، تحركت بخفتها لتنير الضوء وقابلته بإبتسامة ساخرة:
_ها هنبدأ ولا هتطردني بظرافة كالعادة!
واستكملت بضحكةٍ فاتنة:
_والله شكلك كده بتخاف من الدكاترة!
وجدته يتأملها في صمتٍ، فاذا بها تتجه إلى الحقيبة وتعود له قائلة:
_أنا أستغل حالة الصمت بتاعتك دي، وأشوف شغلي، أنا مش مستعدة أطول هنا في القصر الكئيب ده أكتر من كده، فحاول تساعدني إنك تخف بسرعة.
وانحنت تضع الجهاز الذي حملته على ساقيه، فاذا به يتهكم من آمالها المبالغ فيها:
_تفتكري إنك هتنجحي في اللي فشل فيه ٣٢ دكتور قبلك؟
جحظت عينيها في صدمةٍ، حتى أنها سقطت للخلف على ظهرها بشكلٍ جعله يبتسم بسخرية منها، بينما تهتف "قدس" بعدم تصديق:
_٣٢ دكتور!! ليه انت حالتك ميؤوس منها للدرجادي!!
منع ضحكة كادت أن تتحرر بصوته، ومال صوبها قليلًا يهمس لها:
_أنا بقول حلال عليكِ المقدم، خديه وإنفدي بجلدك يا دكتورة!
تبدلت صدمتها لبسمة ماكرة، ونهضت تحمل جهازها مجددًا وترنو إليه قائلة:
_على فكرة فلوسك متهمنيش، إنت عملت أكتر حاجة أنا بحبها.
ضيق رماديتاه بعدم فهم:
_اللي هي؟
اجابته وهي تتابع عملها:
_اتحدتني ب٣٢ دكتور، وأنا بحب الحاجة المستحيلة، وأوعدك إن اللي فشل فيه الـ32 دكتور هتحققه دكتورة مصرية إسمها قدس حازم فضل!
طالعها بإعجابٍ، كانت تتحدث بثقةٍ جعلته يفشل بتحليل شخصيتها الغامضة، مال للخلف وتركها تستكمل عملها، بينما يتابعها بصمتٍ وثمة شيء ما يضرب أحد حوائط قلبه الأربعة، تهاوت نظراتها عليه فتسببت في بروز أول فجوة!
******
جلس على طاولة مطعمه المتطرفة على البحر، ينتظر قدومه، فاذا به يرنو تجاهه وبقول مبتسمًا:
_اتاخرت عليك؟
نهض تيام يصافحه ويبتسم في حفاوة:
_بالعكس جيت في أسرع مما اتخيل يا فنان.
ضحك ياسين وجلس قبالته، قائلًا بمكر:
_ناديني عمر، وبلاش فنان دي، قولتلك الفن عندي له وقته، مبسبهوش يسيطر عليا على طول.
جلس تيام قبالته، وقال بصدق:
_ليه مبتسبهوش يسيطر، انت فنان عظيم يا عمر.
قهقه ضاحكًا، وقال بخبث مقصود:
_الفن مبيأكلش عيش يا تيام، وأنا عندي أحلام وطموحات لو اعتمدت على الفن مش هيحققهالي.
بدى الحزن على ملامحه، وقال بوجع ملموس:
_عندك حق، أوقات بنتخلى عن الاشياء اللي بنحبها عشان نقدر نكمل حياتنا بمستوى معيشة يليق بالوضع الحالي.
وأضاف وهو ينفض تفكيره عما احزنه:
_قولي بقى تشرب أيه؟
ابتسم ياسين وقال:
_قهوة مظبوطه.
بادله الابتسامة وقال:
_عنيا.
وأشار للنادل يلبي طلبه، فاذا بياسين يميل على الطاولة ويسأله بحيطة:
_إنت يعتبر عرفت عني كل حاجة، لكن انا معرفش عنك أي شيء غير انك صاحب المطعم ده!
عاد الحزن مجددًا إليه، وقال بصوتٍ غائم:
_أنا يا سيدي كنت مشروع لعالم محترم، ورثت عن أبويا الذكاء واتفوقت في دراستي ، اشتغلت فترة بشهادتي وآ.
وبارتباك استطرد:
_بس ملقتش نفسي، فانسحبت من كل حاجة وفتحت المطعم ده.
هز ياسين رأسه، وسأله باستغراب:
_يعني انت عايش مع باباك؟
نفى ذلك بقوله الحزين:
_بابا متوفي من أكتر من عشر سنين، ماليش غير أخت واحدة عايشة معايا.
إدعى دهشته في رد فعله:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، ربنا يرحمه ويغفر له.
منحه ابتسامة رسمها بالكد وقال:
_يا رب!
******
إنتهت "تالا" من قضاء الاختبار، خرجت رفقة صديقتها، وكلتاهما تتبادلان الحديث عن أسئلة الاختبار، وما أن خرجتا من بوابة الجامعة حتى وجدت "نوح" يقف أمام سيارته بانتظارها، ورنا يناديها:
_تــــــالا.
إستدارت تراقبه بنظرة منزعجة وهتفت لرفيقتها:
_أنا مش عارفة هو هيسيبني في حالي إمته؟؟!
حملت "راندا" عنها الكتب وقالت:
_روحي شوفيه عايز إيه يا تالا، نوح بيحبك وإنتِ بتحبيه صدقيني مش هتعرفوا تبعدوا عن بعض.
أدمعت عينيها وقلبها يوخزها ألمًا، وبصعوبة سيطرت على نفسها وقالت:
_إستنيني هنا هشوفه عايز إيه وهرجع.
هزت صديقتها رأسها، بينما إتجهت "تالا" إليه، وقفت أمامه وهي تتهرب من لقاء عينيه، وقالت بجمود:
_عايز إيه يا نوح؟
تعمق بالتطلع بها في شوق، وأخبرها بحزنٍ:
_رجعتي تاني تتجاهلي مكالماتي يا تالا! أنا عايز بس أسالك سؤال واحد، لو تيام جوزك لواحد غيري هتقدري تعيشي معاه؟
ضربها وجع عاصف، بشكلٍ جعلها تود أن تصرخ فيه أن يتوقف عما قال، عقلها لا يتخيلها لأحد سواه هو، صاح بها "نوح" متعصبًا:
_ساكتة ليه، جاوبيني هتقدري؟
رفعت عينيها الباكية له، وقالت بانهيار:
_لا مش هقدر، ولا متقبلة كلامك كله.
وتابعت وهي تزيح دموعها:
_يا نوح حرام عليك أللي بتعمله فيا ده، كفايا توجعني أنا قولتلك اني مش هقدر أوجع تيام، ولا أخذله كفايا كل اللي حصله، فبالله عليك تبعد عني.
تلألأ الدمع بين مُقلتيه، وقال بصوتٍ موجوع:
_مش عارف أبعد ولا قادر أنساكِ يا تالا.
أسرع يستدير عنها حتى لا ترى دموعه، بينما يقول بخشونة يخفي من خلفها بكائه:
_ارجعي لصاحبتك عشان متتأخريش وتيام يعملك مشكلة.
تنهدت في أسى، واستدارت عائدة صوب رفيقتها التي تقف على بعدٍ منهما، فاذا بسيارتين تقطعان عليها الطريق، ويهبط منها ستة رجال بأجساد ضخمة، سد عليها اثنان منهم الطريق، فحاولت أن تمر من جوارهما، وقفوا قبالتها وأذرعهم تطولها، وتجذبها عنوة للسيارة.
أبعدت يدهم وهي تصرخ بهلعٍ:
_إبعد انت وهو، عايزين مني إيــــه؟
واستدارت تجاه سيارة نوح تناديه صارخة:
_نـــــــــــــوح.
كان يوليها ظهره ليزيح دموعه، وفجأة إنتفض على صراخها، إستدار صوبها فوجد رجلين يقيدانها ويجبرانها على الصعود للسيارة.
هرع "نوح" لها وهو يصرخ قلقًا:
_تـــــــــــالا.
كان الاربعة رجال في طريقهم إليه، لتتضح معالم خطة "هارون" القذرة، اثنان لخطف "تالا"، وأربعة لخطف" نوح"، الذي خضع لهم بعد معركة كانت غير متكافئة أمام أربعة من أمهر المدربين على القتال، وما تمكن من فطنته أنهم يمتلكون أوامر مشددة بعدم أذيته!!
تم فصل كل منهما بسيارة منفردة، تتجه إلى مصيرٍ سوداوي، ربما سيكون خضوع وعودة علاقة كُتب عليها البعد والفراق وعلاقة أخرى الظلم والحرمان!
....... #يتبــــــــــــع.
#آشباح_المخابرات... #الاقــــــــوى_قـــــــادم 🔥
#آية_محمد_رفعت..
أشباح المخابرات الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
شباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_السابع!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات جني محمد، Gana Gogo، Roma، Nona Dawood، Farha Ali Elazazy، Romisaa Yahia، Jody Yahia، جاسمين أحمد
، Hala Al Omer lina Adel
، RoRo Mohammed
mena Aly، Eman Khled ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وقفت قبالته بقامة ثابتة، صلبة، نظرات قوية لم تتأثر بما قالته، ولم يظهر له أي خوفًا لندائه الصارخ لها، كأنه يرى نموذج نسائي جديد ، يشرد عن القطيع الذي إعتاد التعامل معه.
مد "هارون" كفه لأحد رجاله يشير له إشارة إخلاء المكان من حولهما، فإذا بالجميع ينصرفون من محيط مكتب السكرتارية، ومع ذلك مازالت تتطلع له بثباتٍ وعدم مبالاة بما يفعله!
خطف نظرة متفحصة للمكان من حولهما، وحينما تأكد بإنسحاب الجميع رنا يهتف:
_ألا يجدر بكِ الخوف لما قولتيه في حقي!
ترنحت على شفتي "مرين" بسمة ساخرة، وقالت بالعربية:
_وأيه اللي يخليني أخاف من شيء الكل معترف بيه.
تفاجأ بنبرتها العربية، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع، ويتساءل باسترابة:
_ولما إنتِ عارفة إني وضيع جاية هنا ليه؟
بنفس الثبات والثقة قالت:
_متعودتش أصدق اللي بيتقال من غير ما أشوف ده بعيني، ودلوقتي بعد ما شوفتك صدقت وإنسحبت بهدوء.
خسر كل قوته أمامها، شعر أن عينيها الزرقاء بهما سحرًا غامضًا، فاذا بذلك السليط ببتسم وهو يسايرها بالحديث الخبيث:
_بس انتِ مشوفتيش مني حاجة وحشة عشان تظلميني الظلم ده!
تحققت غايتها بسرعة تفاجآت لها، لقد علمت مفتاح الدخول السريع لجحيم هذا الشيطان، ربعت مرين يديها أمام صدرها ونطقت بحدة:
_معتقدش إنك من النوع اللي بيتظلم، بالعكس إنت من النوع التاني.
زوى حاجبيه وهو يتمعن بها بدهشةٍ واعجاب شديد:
_إنتِ مين؟
اتسعت ابتسامتها فزادت من جمالها فتنة فوق فتنتها:
_هتطلعلي بطاقة؟
هز رأسه بالنفي وقال ومازال يتأملها:
_إنتِ مش بس ست جميلة وذكية، إنتِ جريئة بشكل مشفتوش في بنت قبل كده.
حلت عقدة ذراعيها وقالت بمكرٍ:
_وضيف عليهم إني صريحة جدًا، عشان كده هقولك إني مش مرتاحالك ولا مرتاحه للمكان ده، فاعتبر نفسك بتشوفني للمرة الاخيرة، سلام.
قالتها واستدارت استعدادًا للمغادرة، بخطواتٍ واثقة من غايتها، فما أن استمر عدها للرقم ثلاثة داخلها حتى هرول من خلفها يوقفها:
_استني، إنتِ جيتي عشان تشتغلي هنا، وأنا قبلتك، همشي كل البنات وهختارك.
وقفت أمام المصعد تستدعيه، هاتفه بازدراء:
_وده راجع لأيه؟ إنت مشوفتش الcv بتاعي ولا حتى اتطلعت على أوراقي.
والتفتت برأسها تمنحه نظرة حادة:
_اختيارك الغاشم ده بيأكدلي بردو انك شمال!
فشل بالتعامل مع تلك الفتاة الجامحه، وهو الذي لم يفشل بالقضاء على غرور أي أنثى قابلها، ثمة شيئًا داخل صدره يخبره أنها مختلفة عمن قابلهن من قبل.
ذلك الشيطان لم يخسر معركة ضد تاء التأنيث يومًا، وتلك المعركة تحفزه بكل قوة على أن يخوضها!
حضر المصعد فأوقفها هارون حينما قال:
_هديكِ المبلغ اللي تطلبيه.
استدارت إليه مرين بجسدها كله، ونطقت بخبث يجعلها تحقق علامات التفوق باختبارات التي اجتازتها من الجوكر والاسطورة:
_أنا قولتلك إني صريحة، فخليني أقولك إنك عرفت فعلًا سكتي بس خد بالك أوعى تنخدع بجمالي ده، أنا مش زي أي بنت انت عرفتها قبل كده.
ردد بهيامٍ وهو يحاول استمالتها بكلماته:
_فعلًا إنتِ مش زي أي بنت أنا عرفتها، إنتِ أجملهم، أنا أعرف ستات بعدد شعر رأسي، في اللي شدني جمالهم وفي اللي شدني ليهم حاجات تانية، لكن إنتِ غريبة، مش بس الجمال اللي لافت نظري ليكِ!
واستطرد وهو يرنو تجاهها:
_عنيكِ فيها قوة وجاذبية آآ.
بتر كلماته حينما تراجعت للخلف وهي تردد ببسمة ماكرة:
_قولتلك خد بالك، ورا الجمال ده في مقاتلة شرسة قادرة تقطع ايدك لو فكرت تستدرجني لأي سكة شمال.
واستطردت دون أن تترك له فرصة الحديث:
_لو سكتنا شغل بس فأنا معاك.
ابتهجت معالمه فرحة من قبولها لعرض العمل، فاءا به يستعمل خبثه:
_وده اللي أنا عايزه منك، شغل وبس، لو حابة تبدأي من النهاردة مفيش مشكلة.
ظن أنها ستطير فرحًا لما قال، ولكنه تفاجأ بها تدخل إلى المصعد وهي تردد دون مبالاة به:
_جهز تفاصيل الشغل والمبلغ اللي هتحدده، وبكره أو بعده هعدي عليك أدرس الموضوع، لو عجبني عرضك هستلم الشغل في الوقت اللي هلاقيه مناسب ليا، سلام!!
جحظت عيني هارون صدمة مما يحدث، راقب باب المصعد وهو ينغلق بعجزٍ تام، جعله رأسه مشوش عن أي تفكير، ولسانه ينطق بصدمة:
_أيه البنت دي!!!!!
****
واصلت التجول حول القصر، وأذنيها تتلصص لذلك الروبوت اللعين، ابتسامة خبيثة جابت شفتيها، بينما تدعي انغماسها بتأمل الازهار والمسبح الضخم.
لقد استغنت عن مكرها وخبثها حينما قابلته، وتعاملت بسذاجة مصطنعة حتى تكشف عن جنسيته، ولكن ذلك الماكر تمكن من النجاة ومزاولة الحديث بالآخر، وها هي تستدرجه باليوم الأول لتثير غضبه وشكوكه حول أنها فتاة عادية مثل الكثير من الفتيات.
ربما تجد الصورة من الخارج ان الروبوت الذكي ينقل لسيده خطواتها، متلصصًا عليها، بينما بحقيقة الأمر هي من قامت بجذبهما لتلك النقطة!!
أخفت حدة ملامحها، وإدعت انشغالها التام بقطف إحدى الازهار، بينما تستدير وهي تبرق بعينيها بفزعٍ أجادت تصنعه:
_بسم الله الرحمن الرحيم!
مالت على السور القريب منها وهي تتمتم بصوتٍ مسموع:
_هو أنا كنت نقصاك يا أخي مش كفايا أجواء بيت الرعب اللي عايشة فيها دي!
تحرك الروبوت نحوها بآلية، ونطق:
_سيدي يريد رؤيتك في الحال.
بالرغم من أنها تعلم بأنه يراها الآن صوتًا وصورة، الا أنها استكملت في بلاهة متعمدة:
_سيدك ده مخيف وشكله كده خنيق!
ومالت تشم عبير الزهور باسترخاءٍ، ثم أشارت له بنفور:
_اتفضل، خدني لسيدك الغريب ده.
سبق "ماتيو" خطواتها حتى توقف أمام أحد المصاعد الداخلية للقصر، يشير بيده أن تدخل قبله، شملته بنظرة ساخرة ورددت:
_حتى الروبوتات عندهم وجع في المفاصل زينا!!
لحق بها "ماتيو" للداخل، حتى وصل بها للطابق العلوي، لاحظت "قدس" أنه يستخدم شفرة خاصة ليفتح باب الجناح دون اللجوء إلى "عثمان"، دخلت من خلفه وهي تسجل ببصرها كل تفصيلة صغيرة، حتى إنتهى بها الطريق بالوقوف أمام زوج الاعين الرمادية الغاضبة
استدارت قدس إلى مايتو وهمست بارتباكٍ:
_ما به سيدك يبدو وكأنه سيبصق النيران من فمه؟
لف الروبوت رأسه إليها وقال:
_سيدي عثمان غاضب لمخالفتك أوامره في يومك الأول هنا سيدتي.
لوت شفتيها بتهكمٍ، وتمتمت:
_بتلفت نظره ليه!
أشار له عثمان بإصبعه فغادر على الفور، بينما يحرك مقعده صوبها، وصوته الرعدي يتهاوى:
_واضح إنك مستغنية عن روحك يا دكتورة.
طالعته بقوةٍ ورددت دون أن يرف لها جفن:
_أنا مبحبش الخنقة، ثم إني نفذت كلامك ومدخلتش القصر بدون إذنك، والأكيد يعني إني مش هفضل محبوسة جوه الملحق ده لحد ما جنابك تحن عليا وتبعتلي، أنا حرة مش سجينه هنا في زنزانة!!
رمقها بصمتٍ كان مخيفًا لها، خاصة آنها تفشل فشلًا ذريعًا في تكوين صورة حتى لو صغيرة عنه، على عكس مرين التي ما ان جمعت معلومات عن هارون ورأته حتى تمكنت من عركلة ساقه.
السكون جعلت صوت أنفاسها هو المسموع، بينما يطالعها الاخر بثباتٍ كالتمثال، حتى أستدار بالمقعد وهو يصدر أمره:
_ هنبدأ العلاج من بكره، الصبح تكوني هنا!
زوت حاجبيها بدهشةٍ من حديثه، بينما تستمع له:
_آيلا أغلقي الباب من خلفها.
تبدل لون عينيها الجذاب لحمرة غاضبة، لقد طردها بشكلٍ صريح، ذلك المغرور الذي يستفزها في المرة الثانية من رؤيتها له، تمنت لو أكتظمت سلاحها وأنهت حياته بنفسها، ولكنها تحاول أن تصبر ذاتها بأنها ستفعلها حتمًا ولكن ليس الآن.
شيعته بنظرة أخيرة، ورددت ساخرة:
_خلي آيلا هانم مرتاحة، أنا هشد الباب ورايا!
قالتها وغادرت على الفور، بينما الديزل المزعوم مازال يتطلع للشرفة الزجاجية بنظرة جامدة، كأن تلك الفتاة لم يكن لها وجود منذ قليلٍ.
*****
زحفت للخلف والرعب يكظم أجنحته من فوقها، بينما يتأملها بحزن وشفقة على حالة الهلع التي أصابتها، اقترب منها كِنان وهو يناديها برفقٍ:
_روز.
لطمت ذراعيه تبعدهما عنها، ومازالت تواصل الزحف للخلف وهي تصرخ:
_إبعد عني، إبعـــد!
إنحنى على ركبتيه قبالتها، وقال بصوته الرخيم:
_روز لازم تهدي وتسمعيني.
هزت رأسها بالنفي وهي تحاول الاستناد على جزع الشجرة لتتمكن من النهوض:
_مش عايزة أسمع حاجة، أنا همشي من هنا.
تمكنت من الوقوف أخيرًا، واستدارت تتفحص المكان الغريب من حولها برهبةٍ، جعلتها تمضي بأول جهة قابلتها، حتى تحظى بالفرار منه.
منعها من استكمال طريقها حينما أمسك معصمها باحكامٍ:
_إنتِ رايحة فين؟؟
حاولت دفعه وجسدها يرتعش من فرط الخوف:
_سبني، قولتلك إبعد عني.
زفر بغضب، وهو يحاول أن يخبرها بهدوءٍ:
_هارون لو عرف إنك عرفتي الحقيقة هيقتلك.
سحبت كفها منه، وهي تقابله بنظرة غائمة، يتعمق فيها الألم:
_وهي أيه الحقيقة، أنا مبقتش عارفة حاجة، أنا اقتنعت بكلامك، أنا عايزة أبعد عن القرف ده وأولهم إنت!
واستدارت قائلة بجمود رغم تساقط الدموع من عينيها:
_أنا عايزة أرجع البيت، وحالًا!
*****
خرج زين من غرفته حينما استمع لصوت قادم من المطبخ الخارجي، فوجد ابنة عمه تتحرك بعصبية تامة، وعلى ما يبدو بأنها تحقق فشلًا ذريعًا في صنع الطعام لها.
جذب احد المقاعد المقابلة للرخامة، وجلس يناديها بمشاكسة:
_أيه الهيصة اللي إنت عاملها دي يا مروان؟
شملته بنظرةٍ حادة من طرف عينيها، ثم استكملت صنع ما تفعله وهي تتجاهل وجوده، مرر يده على شعره وقال بضيق:
_كنت رخم بس إنتِ كنتِ أرخم، عمومًا متزعلش يا صاحبي.
جذبت مرين أحد الاطباق تضع فيه شرائح الدجاج الذي صنعته، واتجهت تجلس قبالته وهي تردد:
_مزعلتش منك عشان عارفة إنك رخم.
تفحص الطبق الذي صنعته بملامح متقززة، وردد:
_كريم طول عمرك يا أشطا.
لم يستطع كبت ما حجب على لسانه فأشار لها:
_إنتِ متأكدة إنك هتأكلي الجريمة دي؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، فحك فمه وهو يهمس بشفقة:
_عيني عليك وعلى بختك الأسود يا جارحي!
سألته وهي تجذب السكين والملعقة:
_بتقول حاجة؟
نفى سريعًا:
_لا أبدًا، كنت بسألك لقائك بالقذر ده كان ماشي ازاي؟
أجابته ببسمة غرور:
_اعتبره في جيبي من دلوقتي، دخولي كان سريع بشكل متوقعتهوش.
تخلى عن مزحه وقال بجدية:
_خدي بالك يا مرين، الشخص ده مش سهل، خدي كل حذرك
قالت وهي تستعد لتناول طعامها:
_متقلقش.
وأضافت متسائلة:
_تحب تأكل معايا؟
أشار باشمئزاز:
_لا شكرًا، هستنى ياسين أرحم!
وأضاف حينما وجدها تطالعه بغضب:
_الطبق شكله يفتح النفس بس أنا متقل في الغدا، اتفضلي إنتِ ألف هنا.
شرعت مرين بتناول طعامها، وما أن تناولت قطعة الدجاج حتى جذبت منديلًا ورقيًا تبصق فيه ما تناولت، بينما تتطلع صوب الدماء المنسدلة من الدجاج بتقززٍ، أرغم زين على الضحك وحينما وجدها تتطلع له بنظرات نارية قال:
_بحمد ربنا إن قطعة الكوكيز بتاعتي طباخه محترفة وبالأخص في الرقاق اللي بعشقه.
وتابع وهو يرى الغضب يحتد في زُرقتها:
_خلاص متزعليش،إنتِ كنتِ مشغولة في أعمال وطنية أكتر من المطبخ، يكفيكِ شرف إنك في الوقت اللي البنات بتفكر في ألوان صوابع الروج كنتِ بتفكري في نوعية الاسلحة والقنابل.
وسحب طبق الفاكهة يقدمه لها قائلًا:
_داوي جوعك بالفاكهة حلوة ومفيدة.
واستطرد ساخرًا:
_أنا بقول تفكك من حوار الارتباط من الجنيرال نهائي، الواد عليه حتة نفس في الطبيخ يتوب بتوع الدايت، وإنتِ يا قلب اخوكِ زيزو بتطبخي الفرخة بدمها!!
احتقنت ملامحها بعصبية، وبينما كانت تتطلع له، استمع كلاهما لصوت غلق الباب، وإذا بياسين يظهر من أمامهما، وهو يوزع نظراته بينهما بقلق:
_بتتخانقوا تاني ولا أيه؟
رد عليه زين في حبور:
_لا ده مراون ده حبيبي، كنا بتناقش في أمر مهم يخص مستقبلكم.
تنهدت مرين بسخط، وتركت لهما المكان وصعدت للاعلى، بينما يرنو إليه ياسين وهو يتابعها باستغراب:
_في أيه؟!
أشار بعينيه صوب الطبق وهو يسحب ثمرة من التفاح، يقضمها بتسلية:
_حاول تنفد بجلدك والا هتكمل هتاكل من ايد الطباخين العمر كله.
وأضاف وهو يسحب الحقيبة ويتجه للخروج:
_أنا نصحتك وإنت براحتك يا جارحي.
وتركه وغادر، مال ياسين على الرخامة بتعب، يتفحص بقايا الطعام المدموس بالدماء بضحكة جذابة، بينما ينزع عنه جاكيته الاسود، أشمر عن ساعديه القوي جذب المريول يرتديه حوله، ثم شرع بصنع الطعام لها رغم أنه منهك والتعب يتمكن منه، ولكنه لم يأتي من قلبه أن يتركها جائعة.
انتهى من صنع الطعام لها، حتى أنه صنع لها عصير التوت الطازح بمعكبات النعناع والليمون مثلما تعشقه هي، حبيبته لم ترث جمال أبيها وقوته فحسب، بل ورثت عنه حبه لنوعية محددة من الطعام ولذلك المشروب بالأخص المسمى بمشروب الجوكر، والذي تعمد أن يتعلمه من الجوكر دون أن ينتبه له، حتى يعده لها!
وقف أمام الغرفة يطرق بابها، فإذا بصوتها يتسلل له:
_ادخل.
فتح الباب بترددٍ، ووقف محله يبحث عنها، فجحظت عسليته في صدمة مما رآه، غرفتها كانت تعج بها الفوضى بشكلٍ مذري، الملابس تملأ المكان بأكمله، بينما تجلس هي على أحد المقاعد ترتب خزانة سلاحها، رمش ياسين بعدم استيعاب، وهو الذي كان يعنف ذاته أنه يترك غرفته يومًا واحدًا دون تنظبف!
تعجبت من عدم ظهور زين أمامها، فرفعت رأسها تتفحصه، فاذا بها تفزع عن مقعدها وهي تهمس:
_ياسين؟!
تحرر لسانه أخيرًا وقال من محله الخارجي:
_أيه اللي إنتِ عملاه في الاوضة ده يا مرين؟!!!
حكت جبهتها حرجًا، وأخذت تلملم الملابس سريعًا وتزيحها جانبًا:
_آآ... أنا يعني مكنش عندي وقت أرتبها، بس هحاول.
تغاضى عن أي مشاكسات قد تخرج منه خاصة حينما شعر بحرجها، فمال يضع صينية الطعام على الطاولة وقال مبتسمًا:
_ولا يهمك، اتفضلي غداكِ جاهز.
لمحت عصيرها المفضل، فتلقفته بفرحةٍ وهي تستكشف طعمه، فاذا بها تغلق عينيها بتلذذٍ:
_زي ما بابي بيعمله بالظبط!
ابتسم فرحة لسعادتها، وقال:
_لمحته بيعمله كذه مرة.
وضعت الكوب وجذبت الملعقة تتناول الدجاج الذي صنعه، ثم قالت ببسمة رقيقة:
_واضح فعلًا إنك بتطبخ كويس جدًا، إنت اتعلمت الطبخ امته وفين؟
استند على باب الغرفة الذي لم يتحرك عنه وقال:
_إتعلمته من ست سنين تقريبًا وفين؟ في قصر آل الجارحي تحت اشراف جدتي بنفسها.
توقفت عن الطعام وتطلعت له بفضول، ونظرتها تحثه على التوضيح، فلبى رغبتها وقال:
_جدي متعود على أكلها، مبقاش بيحب يأكل من إيد أي حد غيرها، فلما كنت بسافر معاه كنت بشوفه بيعاني وهو بيحاول يأكل من أكل بره لحد ما يرجع لأكلها، وأنا بصراحة كنت بحب أسافر معاه جدااا، فشغلت عقلي واتعلمت منها الطبخ، وبكده ضمنت إن ياسين الجارحي ميقدرش يتخلى عني أبدًا في كل سفرية شغل تجيله بره مصر، كان بيأخدني معاه عشان اطبخله بنفسي، وأنا قعدتي معاه أصلًا كانت مكسبي وفرحة مهما حاولت أوصفهالك مش هعرف.
رددت بتعجب من حديثه:
_للدرجادي بتحبه؟
اتسعت بسمته وقال:
_انا شوفت العالم ده كله بعيون ياسين الجارحي، اوقات كتير بستغرب عمق العلاقة اللي ما بينا، بس اللي أنا واثق فيه إنه عمل كل اللي يقدر عليه عشان أكون بالشخصية اللي أنا أكون راضي عنها.
وأضاف ومازال يقف محله:
_يمكن ده راجع لانه كان أول شخص من عيلتي شلني وحسيت بحنانه، على حسب ما بيحكولي إن في شخص كان بينتقم من بابا ورماني في ملجأ تابع لياسين الجارحي، وهو متعود يقضي يوم هناك، وفي اليوم ده سمع عياطي وشالني، المفاجأة اني سكت ونمت بهدوء غريب.
لمس ما قاله قلبها، حتى أنها شعرت بوخزاته، لقد سبق لها سماع تلك القصة من أبيها عما حدث مع رفيقه عدي الجارحي، تلك الايام العصيبة التي قيل أنه فقد زوجته وابنه، ووجدهما بعد فترة من العذاب لهم أحياء!
اقتربت مرين منه، ونطقت ببسمة جذابة:
_سبب تعلقك بيه هو حنانه عليك يا ياسين، وأكيد هو كمان محظوظ إنه عنده حفيد بيحبه ومستعد يعمل أي حاجة عشان يكون معاه.
تعانقت المُقل في لقاءٍ خاطف، جعله ينتفض في وقفته كمن لسعه عقرب، فتراجع عن محله وهو يمنحها بسمة صغيرة:
_طيب هنزل أنا أرتاح شوية.
احترمت المساحة الذي يضعها دومًا بينهما، وقبل أن تغلق بابها نادته:
_قائد.
توقف بمنتصف الدرج واستدار لها، فقالت على استحياء:
_شكرًا على الاكل والعصير.
غمز لها بجاذبية خاطفة:
_العفو عنيدة هانم.
واستكمل طريقه، بينما تعود هي لكوب العصير، ترتشفه بنهمٍ هامسة بعدم تصديق:
_ازاي عمله بنفس الطعم!!
******
ضمت هاتفها بابتسامة سعادة تشتق من بين وابل الدموع المنسدلة، روحها الغائبة ترد لها في تلك الدقائق المعدودة التي تختطفها من صديقتها التي تعمل بالمطعم الخاص بتيام، وكل فترة تتحدث معها مكالمة فيديو، وتسلط الهاتف على محل جلوسه.
تدافقت الدموع على وجه رحيق وهي تلمس بأصابعها الشاشة، بينما كان يجلس هو على طاولته المنعزلة بنهاية الفيديو، يرتشف قهوته بشرودٍ ولم يلاحظ ان النادلة التي تتصنع مسحها للبار تنقل صورة حية له لمن ختنمها بميثاق حبه ذات يوم.
كبتت رحيق شهقاتها وضمت الهاتف إلى صدرها وهي تهمس بخفوت:
_وحشتني، وحشتني أوي يا تيام.
واستكملت وهي تعيد النظر له بينما تمسح دموعها:
_حقك عليا، سامحني أرجوك.
وتابعت وهي تميل لحافة المسبح الخاص بغرفتها:
_كان غصب عني والله.
مال تيام للمقعد وعينيه تجوب شاطئ البحر الذي يطل عليه المطعم خاصته، فتلقفته فجوة الماضي، ليرى في نفس البقعة التي ضمتهما سابقًا المشهد يُعاد من أمامه، رأى نفسه يقف قبالتها وهي يحاول أن يسيطر على ذاته بعدما استمعت لما قالته، ومع توتر أعصابه سيطر على ذاته بتمكنٍ ورنا صوبها يهاتفها بهدوءٍ مخادع:
_رحيق أنا مش مصدق كل الكلام اللي قولتيه ده، أكيد في حاجة غلط، قصة أيه اللي انتهت، أنا وانتي اللي بينا مستحيل يكون ليه نهاية.
ابتعدت خطوتين للخلف، ووقفت تتطلع له بقوة لا تعلم كيف امتلكتها، ثم قالت:
_الحب مش كل حاجة يا تيام، أنا حبيتك ووقفت بيك وإنت فرد من عيلة التميمي فجأة جاي النهاردة تقولي أنا سبت القصر وهبدأ لوحدي! لا معنديش استعداد أبدأ تاني بعد كل العذاب اللي عشته ده.
واستدارت وهي تجاهد لنطق ما ستقول:
_أنا موافقة على عرض هارون، وهتجوزه.
صعق محله حتى كاد أن يسقط أرضًا، ولسانه الثقيل يردد بصدمة:
_هارون!!
وفي لحظة كان يقطع المسافة بينهما، يجذبها لتقابله، وهو يهتف بوجع ووجهه يوضح ما يبذله ليتحدث:
_رحيق حبيبتي هارون عايز ينتقم مني عشان سبت القصر والشغل، خليكِ صربحة معايا وقوليلي بيهددك بأيه وأنا هقفله، أنا أكتر حد عارف قذارته ووساخته، أكيد عمل كل ده عشان يوجعني فيكِ فأوعي تحققيله اللي هو عايزه.
سحبت كفها منه، وسيطرت على ضعفٍ كاد أن يوقعها أمامه:
_بس أنا مشفتش منه حاجة وحشه، وبعدين هتوقع أيه منك يعني وأنا بقولك مش عايزاك وهتجوز غيرك، هتحب فيه مثلًا، طبيعي هتطلع فيه ألف عيب.
قبض قبضته بعنف، وعاد يجذبها بعصبية:
_رحيق متحاوليش تشوهي الصورة اللي راسمها عنك، إنتِ عمرك ما كنتِ كده أبدًا.
وأضاف وهو يحذرها:
_ هقولهالك للمرة الاخيرة لو هارون بيبتزك بحاجة قوليلي وسبيني أواجهه انا، لكن أوعي تضحي بنفسك وتدخلي جهنم برجليكِ، مهما خيالك صورلك عمرك ما هتوصلي لرينج الشر اللي ورا هارون.
عصرت جروحها بين ضلوعها ورددت:
_حتى لو كان شيطان يكفيني العيشة اللي هعشها والمستوى اللي هكون فيه، إنت دمرت كل حاجه لما سبت الثروة والفلوس وقررت تبدأ من تاني بالمطعم ده، عايز تكافح من الأول وأنا خلاص تعبت ومش عايزة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني، لو هارون هيكون المنقذ ليا من الفقر والعيشة دي أنا جاهزة أتجوزه وحالًا لو يحب.
واضافت بتهكمٍ:
_الحب مش هيملي دولابي بأفخم الماركات، ولا هيخليني أركب عربية أخر موديل، الحب مش شيء أساسي في حياتنا يا تيام، ومع ذلك بقولك متفقدش الأمل ودور على الانسانه اللي تحب تكافح معاك من الصفر لحد ما تقف على رجليك، لكن أنا تعبت ومش جاهزة أرجع أعيد نفس التجربة اللي عشتها مع أهلي مرة تانية.
قالتها وغادرت من أمامه دون أن تلتفت إليه، تركته في حالة مرعبة من الصدمة وعدم الاستيعاب، كأنه أصيب بخنجر في منتصف صدره، يحاول أن يستعيد قوته ليركض خلفها.
هرول خلفها بخطواتٍ غير متزنة، وحينما وصل خارج المطعم صعق حينما وجدها تصعد إلى سيارة هارون الذي كان بانتظارها، علم الآن بأنها إتخذت قرارها وأتت فقط لتخبره به.
أفاق تيام من ذكرياته المؤلمة وهو يزيح دمعة خائنة تهاوت بجانب جفنه، ثم استكمل ارتشاف قهوته ومازالت عينيه هائمة بمنظر الامواج المرتطمة بالشاطئ، بينما تتمعن فيه رحيق من خلف شاشة هاتف رفيفتها التي ثبتت الهاتف وتركته مفتوحًا، البسمة الرقيقة تزين ثغرها وهي تتأمله، وفجأة انتفضت بجلستها وهي تتأمل من يقترب من طاولته
حبست شهقة كادت أن تخرج منها، حينما رأته يجذب المقعد الذي يقابله ويجلس ببرود، جعلها تغلق الهاتف من شدة الرعب.
أفاق تيام على هارون اللعين الذي يزور مطعمه للمرة الاولى منذ الستة آشهر الذي ترك فيهم العمل.
ظهر فحيح الخبيث بكلماته التي تهاوت على شفتيه:
_قولت أجيلك بنفسي عشان أديك الانذار الاخير!
............ #يتبع......
#الاقوى_قادم.
متنسونيش من دعواتكم الجميلة، والله إنها أيامًا ثقيلة، ولا يعلم ما بالقلب الا الله 💙
****________******
أشباح المخابرات الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الثامن!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Rovan Abdo
Jody yahia، Ruqayyah Ramadan، Amal Tarek، Farha Ali Elazazy، Mems Abdo، Ahlam sayed، Romisaa yahia
ثقتي بالله تكفيني، فدوي الخمليشي
Nada Mahmoud، Basmala Naser ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أضرم النفور جسده وأوقظه لما أراد أن يتغاضى عنه طوال تلك الأشهر، ما أصعب أن يجبر على رؤية أكثر شخص عاش يكن له كل الكراهية والبغض، وإذ فجأة يراه أمام عينيه.
الشخص الذي تمنى أن يقتله ألف مرة يقف الآن قبالته، وبكل برود أتى ليهدده، ولحظه اللعين أنه يقف الآن وهلاك ماضيه كان يسبقه بخطوةٍ واحدة.
سحب "تيام" نفسًا طويلًا، بينما يرفع له رأسه بكبرياءٍ، يسدده بنظراتٍ قوية شامخة، والآخر يتوقع طبيعة اللقاء، وخاصة إنه لقاؤهما الأول بعد ما فعله بحقه، ولكن خابت ظنون "هارون" حينما وجده يشير بيده ببسمةٍ باردة:
_يا أهلًا يا هارون، نورت.
وأضاف وعينيه تشير على المقعد المقابل له:
_اتفضل.
تعجب من طريقته المتماسكة بالحديث، ومع ذلك جلس مبتسمًا، وهو يقول بشرٍ يفوح للآخر راحته:
_كويس إنك عقلت، كده هنقدر نفهم بعض.
قبض على نواجذه وهو يتحكم بكراهيته الشديدة، ومع ذلك يمضي بثباته، وبصوته الساخر قال:
_متقلقش من النقطة دي، أنا طول عمري فاهمك وفاهمك صح أوي.
وإستطرد وهو يشير بيده للنادل:
_بما إنك أول مرة تشرفني، تحب تشرب إيه؟ ولا أطلبك غدا؟
احتدت نظراته، وأشار لمن يقف قبالته بالانصراف:
_مش عايز حاجة، ويا ريت تبطل أسلوبك ده وتسمعني كويس أوي.
انتظر النادل أن يحصل على اشارة الانصراف من سيده، فأبعده "تيام"، ومال على الطاولة بنصفه العلوي متسائلًا بهدوء مخيف:
_سامع، إرغي.
تغاضى عن طريقته، وقال بخبث متعمدًا إثارة غضبه:
_أنا عايز أفهم إنت بتعاقبنا كلنا على إيه؟ لو على خطيبتك فهي اللي اختارت، أنا مأجبرتهاش تتجوزني ولا حتى إنها تكمل معايا!
ومال صوبه بنفس طريقة جلسته وهو يستكمل بمكرٍ يتعمد اهانته:
_ذنبي إيه إنها فضلتني عليك؟
كان يقبض قبضته من أسفل الطاولة، يود لو أطاح بها فوق رأسه، ولكن المطعم يعج بالزبائن وبالطبع لن يخسر مصدر رزقه الوحيد ورزق شقيقته، تحكم في ذاته وردد بجمود:
_إنت قاطع المسافة دي كلها عشان تقولي البوقين دول؟
ابتسم بشماتة، وقال:
_لا طبعًا، أنا جاي أنبهك إن الديزل بنفسه حطك في دماغه، يعني دي فرصتك الاخيرة عشان تعقل وترجع معايا للقصر، ومنه طبعًا لشغلك، انت عارف انت مهم لعيلة التميمي إزاي؟
سحب كوب قهوته يرتشفه بالكامل، ومال للطاولة يهتف بصلابة:
_أشكره بالنيابة عني عن الفرصة الاخيرة، وقوله إني مش محتاجها، سبق وقولتلك ان رجوعي للقذارة دي بموتي، فيا تقتلوني يا أقتل نفسي ولا إني أرجع لاختراع العقارات الفاسدة دي.
واسترسل وفتيل الندم والذنب يقتحم عينيه الجذابة:
_أنا عشت أسوء سنين من عمري وأنا مُجبر أنفذ اللي بيتطلب مني فمستحيل هرجع للقرف ده تاني، بلغ اللي بعتك بده.
تجهمت معالمه شرارًا، ومع ذلك لجأ لآخر محاولة قد تجدي نفعًا معه:
_طيب لو بعدك ده بسبب رحيق فأنا مستعد أطلقها وترجعلك تاني لو ده هيرجعك للشغل.
اتسعت ابتسامته سخرية، وفجأة تلاشت عنه وهو يهتف بخشونة مرعبة:
_الكلبة اللي بقرف من سيرتها لما بتيجي قدامي صدفه عايزني أرجع ليها؟؟ أنت وهي أرخص عندي من تمن الجزمة اللي بشتريها تخيل!
وأضاف وهو يشير له بثبات يُدرس:
_قوم يا هارون إمشي، ويا ريت متورنيش وشك تاني.
تأجج شيطانه الغادر، فمال يهمس له بوعيد:
_خليك فاكر إني جيتلك بنفسي وطلبت منك ترجع بالذوق والأدب، تطاولك عليا وكلامك ده حسابه هيتدفع وغالي أوي يا تيام، أبواب الجحيم كانت مقفولة عنك طول الشهور دي على أمل انك تعقل وترجع من نفسك، ودلوقتي إنت فتحتها وعمرك ما هتعرف تقفلها تاني.
ونصب "هارون" جسده بينما يستكمل بعدوانية مخيفة:
_ ده إنت سيد العارفين بشياطين آل التميمي وبالذات أنا!
ثم إستدار يغادر بخطوات واثقة مما سيفعله، بعدما قدم له الإنذار الاخير، إتجه لسيارات الحرس الخاص به، فتح له أحدهم باب السيارة الرئيسية، فاستدار يتمعن به بنظرةٍ مرعبة، وقولٍ واحد:
_بكره تنفذ اللي قولتلك عليه، إنت والرجالة.
هز الرجل ذو الملامح الاجرامية وجهه، وقال متسائلًا:
_البنت لوحدها؟
هز رأسه نافيًا، وقال:
_نوح ييجي قبلها!!!
******
تسلق الكتلة الحجرية ببراعةٍ لطالما كان يتميز بها، لذا حق له أن يكون شبحًا مُتنقلًا، قفز من بقعة لأخرى حتى وصل لنهاية السفح الجبلي، بجسده الرياضي.
وقف بلثامه الأسود، الذي يحدد زيتونية عينيه الساحرة بشموخٍ، نزع "زين" عنه اللثام وفرد ذراعه بكبرياء يتقاسم فيه ذلك الطائر الجارح، الذي يحوم من فوقه، فاذا به ينصاع لأمره الصريح، وينخفض له تدريجيًا، حتى وقف على يده.
مرر "زين" يده على جسده بحركاتٍ مدروسة إكتسبها هو والجنرال أثناء فترة تدريبهما في بقعة "ليل العربي"، فإذا بعُقاب ينفش ريشه، فاستخرج منه" زين" الفلاشة التي دستها له "قدس"!
إبتسامة انتصار تجلت على وجهه الجذاب، واستمر بتمرير يده على" عُقاب ليل العربي"، وهو يهمس له بسخرية:
_حتى صداقتنا كانت مُدبرة من رحيم زيدان!
واتسعت ابتسامته وهو يحرر "عُقاب" لأعناق السماء، بينما يهتف باعجابٍ صريح بحكمة أبيه:
_أسطورة وبجدارة.
أعاد الوشاح على وجهه، واستدار ليهبط بنفس الخطوات التي صعد بها، تنهد بمللٍ لهبوطه كل تلك الخطوات، واذ فجأة يبتسم بمكرٍ، وبجرأة عاد بجسده للخلف، ومن ثم ركض بسرعةٍ، وقفز من أعلى سفح الجبل، وحينما كاد أن يصل جسده للأرض، قفز بجسده بحركاتٍ مُتقنة حتى وصل لفرع الشجرة التي بعدت بمسافة متوسطة عن الجبل، حتى استقر أرضًا بثباتٍ وثقة!!
لطالما كانت خطواته كخطى الشبح التي من المُحال أن يشعر بها أحدٌ، ولن يستطيع أحدٌ تحديد متى وأين يظهر ويختفي!!
إجتاز ٱختبارات شبه مستحيلة، أدهشت قادته في حين أن "ياسين" فشل بإجتياز أغلبها لضخامة جسده، بينما يتميز "زين" بوزنٍ أخف منه، بالرغم من احتفاظ جسده على الشكل العضلي الذي يمنحه المظهر الخطير لعدوه.
لكل منهما مميزات إضافية تجعلهما كمالة بعضهما البعض، حتى "مرين" و"قدس" كانتا كمالة لفريق الاشباح!
مضى "زين" بين الغابة المظلمة بثبات مخيف، وكأنه وحش متخف بين وصال الليل المقبض، وكلمات أبيه تخترق مسمعه فجأة.
«أنا متولدتش في بوقي معلقة من دهب زي ما إنت متخيل يا زين، أنا كنت شاب عادي وبسيط، وكان حلمي زي أي شاب في سني، إني أقدر أفرش شقة أتجوز فيها حب طفولتي، وفجأة أحلامي كلها اتدمرت، وانا كمان اتدمرت معاها، قتلوني عشان كنت إنسان ضعيف، واتولد مكاني شيطان قادر يدمر كل شخص رفع عينه فيه ولو بالغلط!.
مراد شخص سوي نفسيًا أكتر مني، أنا معترف بده، عشان كده سيبته يشرف على تربيتك وإنت صغير، إنت شربت كل الحلو اللي فيه ودلوقتي عايزك تشرب مني اللي هيخليك سلطان منتصر في أي حرب إنت داخل فيها!
عايزك برة المهمات إبن الجوكر، وجواها إبني أنا، إرمي عواطفك ومشاعرك بره، عايزك زي الوحش المفترس اللي بيراقب خطوات فريسته وجاهز ينقض عليها في أي وقت، وأوعى تنسى إن أبوك أسطورة الجهاز المصري!»
خرج من تقاطع الغابات وبداخله قوة يستمدها كلما يعود لذكريات حديث أبيه عن ماضيه، وعما أصبح عليه حاليًا، فعاد إلى المخبأ السري ليدرس ماذا تمكنت "قدس" من إحضاره!
*****
قدمت لها كوب المياه وهي تحاول معرفة ما أصابها، لقد مضت عليها نصف ساعة وهي تحاول معرفة ما بها، كانت فقط تبكي وتنتفض باستمرار.
جلست "رحيق" جوارها بعدما منحتها المياه، وقالت بقلقٍ:
_رزان قلقتيني عليكِ، إيه اللي حصل وخلاكي منهارة كده! هارون عملك حاجة تاني؟
هزت رأسها بالنفي ومازالت غارقة بالبكاء، فعادت "رحيق" تسألها:
_طيب قوليلي مالك؟!
تركت "رزان" الكوب من يدها وإستدارت إليها، تحاول استجماع شتاتها للحديث، وهي لا تعلم أخطأ ما تفعله أم صواب:
_رحيق، كِنان.. آآ.... هو آ...
تنهدت بتعبٍ وقالت:
_بقالك نص ساعه بتقولي كِنان وبتسكتي!! احكيلي يا حبيبتي إيه اللي حصل؟
تهاوت دموعها من عينيها الزرقاء، وبصعوبة قالت:
_كِنان مش طبيعي، أنا كنت بستغرب سرعته الرهيبة، حصل كذه موقف خلاني أشك في نفسي، والنهاردة إتأكدت إنه آآ..
زوت حاجبيها بعدم فهم لأي حرف تقوله، وقبل أن تستكمل الاخرى حديثها، إنفتح باب الجناح وظهر "هارون" من أمامهما.
سقط الكوب من يد "رزان"، ونهضت تتمتم برعب:
_آآ... أنا هروح أنام الوقت إتأخر.
وتركتها وهرولت من أمامه ركضًا، و" هارون" يشيعها بنظرة غامضة كهلاكٍ يدبر لها، بينما يعود ببصره تجاه زوجته، التي نهضت تلملم الكوب المكسور، وهي تتفادى التطلع لوجهه.
أطلق صفيرًا لطالما كرهته "رحيق"، ورنا منها وهي مازالت تنحني أرضًا تلملم البقايا، جلس على الفراش أمامها، واستل سيجارًا يرتشفه ويبصق دخانه في وجهها، سعلت" رحيق" وهي تستكمل ما تفعله، حتى كسر الصمت حينما قال:
_العلاقة بتتطور ما بينك إنتِ وهي، بتستريحوا لما بتقعدوا تندبوا مع بعض حظكم الاسود.
رفعت وجهها إليه، ونظرات الكره تسددها نحوه، بينما تجيبه:
_حظنا فعلًا أسود إنك في حياتنا.
مال للخلف من شدة ضحكاته المرعبة، وعاد يتطلع لها، بعدما توقف عن الضحك:
_بلاش تستفزيني أحسنلك يا حلوة، ولا إنتِ غاوية كل شوية أبعتر كرامتك زي الإزاز اللي شايلاه ده.
وزعت نظراتها بين البقايا التي تحملها وبينه، ثم رددت بانكسار:
_متتعبش نفسك، مجرد ما أشوف وشك كل يوم بيقل من كرامتي.
قبض على خصلاتها بغضب، وقربها إليه بينما يقول:
_معرفتي أنا اللي بتقل من كرامتك ولا قذارتك؟ شكلك رايقة النهاردة وأنا ميخلصنيش أشوفك كده وأعكر مودك، تعرفي أنا جاي منين؟
ظهر الإرتباك جليا على ملامحها، فتابع هو:
_من عند حبيب القلب، عرضت عليه أطلقك وترجعيله وقالي إنه لما بيرمي جزمته مش بيلبسها تاني! شوفتِ إنتي رخيصة عنده وعندي!
تهاوت دموعها تباعًا وحطام قلبها يتعالى بانكسارٍ، فتبسم بفحيحه الخبيث وهو يتابع:
_هو إنتِ كنتِ زارعة أمل الرجوع ليه تاني بعد اللي عملتيه! يا حرام!
أبعدت يده عن خصلاتها وصرخت بانهيار:
_مش عايزة أرجعله ولا عايزاك، سيبني في حالي بقى!
قبض على قبضة يدها الحاملة لبقايا الزجاج بقوةٍ أدمتها وجعلت الدماء تنسدل من بين كفها، وهي تتلوى ألمًا وتترجاه أن يتركها، بينما يتابع هو بصوتٍ قاتم:
_مش هسيبك إلا بمزاجي، نهاية حياتك معايا بقبرك يا رحيق.
ودفعها للخلف بقوةٍ، ثم نهض يتجه للحمام، بينما تضم هي كفها الغارق بالدماء، تنزع الزجاج عن لحمها بدموعٍ أغرقت كفها، ووجع أدمى قلبها المقهور!
******
ركضت إلى فراشها، تتمدد من فوقه وهي تسحب الغطاء على جسدها المرتجف، يدها تكبت شهقاتها ودموعها المنهارة، لا تصدق أنها نجت الآن، فماذا لو استمع "هارون" لحديثها؟!
إنفجرت بالبكاء ويدها مازالت تكبت صرخات كادت أن تحطم حوائط غرفتها، واذ فجأة يصل لها صوت طرقات باب الغرفة، مما دفعها لكثرة البكاء ورعشة كادت أن تصيبها بسكتة قلبية.
وضعت "رزان" يديها على أذنيها حتى لا تستمع للصوت، وحينما توقف إستدارت تجاه باب الغرفة بخوفٍ، فاذا بها تشعر بحركة خافتة تجاه شرفتها المفتوح بابها.
إستدارت ببطءٍ صوبها، فوجدته يقف قبالتها، فزعت عن نومتها وهي تتراجع لنهاية الفراش، ولج "كِنان" للداخل بخطواتٍ بطيئة ونظرات متعبة، حزينة، جلس على نهاية الفراش وتنهد بضجرٍ:
_وبعدين يا رزان؟
ضمت ساقيها إليها وهي تجلس على الوسادة، وتتطلع له بنظرات حائرة، فاذا به يستدير تجاهها يتفحصها بنظرة طويلة، ثم صرخ فيها بغضب:
_متبصليش كده!! مش أنا اللي يتخاف منه! بالذات إنتِ مينفعش تخافي مني!
وضعت كفيها على أذنيها وتحرر صوت بكائها، بشكلٍ دمر قلبه الضعيف، فاستدار بجسده صوبها وقال وهو يكبت غضبه:
_لو وجودي مضايقك همشي، بس مش قبل ما أقولك اللي جيت عشان أقوله، وعشان أتكلم لازم تكوني هادية عشان تستوعبي كلامي.
طالعته باهتمامٍ لمعرفة ما سيقول، فتنهد وهو يهتف بغموضٍ:
_عايزك تعرفي إني عمري ما خدعتك ولا إتسليت بيكِ، أنا فعلًا حبيتك يا رزان ومن كل قلبي، واتمنيت تكوني ليا بس ده لما كنت إنسان طبيعي.
رمشت بعدم استيعاب، ورددت:
_إنسان طبيعي!!
تجاهل ما تقول، واستطرد بقوة:
_حاليًا مينفعش يكونلك وجود في حياتي بأي شكل من الاشكال، ولو بعمل ده فبعمله عشان أنا بحبك، حمايتي ليكِ أهم من أي مشاعر أو عواطف جوايا ليكِ.
وأضاف وهو يبتلع آلآمه المريرة:
_عالمنا ده اللي بيدخله ووراه حد بيتحامى فيه بيخسره، أنا عايش في كوابيس مش بتنتهي بسبب نوح، فمقدرش أزود وجعي بيكِ يا روز.
تغاضت عن كل شيء وقالت بحيرة:
_إنت إزاي عندك أجـ.....
بلعت حديثها حينما أوقفها بخشونة:
_قولتلك اللي حصل النهاردة ده تنسيه، وإلا حمايتي ليكِ هتكون مستحيلة.
تغاضت عما قال، وعادت لسؤاله:
_هارون زيك؟
احتشد الغضب في بنيتاه، وانتقل لها بسرعة أرعبتها، شدد على معصمها وهو يصرخ فيها:
_إنتِ مبتفهميش!! قولتلك إنسي اللي حصل وإلا حياتك هتكون التمن سامعــــــــة؟
هزت رأسها برعبٍ،بينما يتابع هو بشكٍ:
_أنا جيتلك مرتين ملقتكيش،كنتِ فين؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ورفعت بصرها للاعلى، فجن جنونه وهو يصيح بصدمة:
_أوعى تكوني قولتي لرحيق حاجة؟
تراجعت للخلف والذعر يستحوذ عليها،بينما يتابع كِنان:
_رزان اتكلمي، إنتِ اتكلمتي عني في شيء؟
هزت رأسها بخوف، بينما لا يستطيع هو تخيل الامر، مرر يده على شعره الطويل وصوت أنفاسه المختنقة تتعالى كأنه على وشك أن يتحول بأي لحظة، لا يعلم كيف إستدعى هدوءه وهو يخبرها بنبرة هادئة:
_جناح هارون كله مزروع بالكاميرات، لو اتكلمتي معاها صارحيني يا رزان عشان أقدر أحميكِ منه.
هزت رأسها مجددًا،وهمست بخفوت:
_مقولتش حاجة.
طالع خوفها منه بألمٍ، فابتعد وهو يتجه للخروج من غرفتها، بينما تتابعه هي بتوترٍ وخوف، وخاصة حينما أكد لها أن معرفتها الحقيقة ستجعلها فريسة لأخيها اللعين.
شعرت بأن عقلها تعطل عن العمل كليًا، جسدها يئن أوجاعًا أرغمتها على الاستسلام للنوم، وما أن تأكدت عينيه المراقبة لها من غفوتها،حتى خرج من الشرفة يخطو صوبها!
جذب "كِنان" الغطاء عليها وانحنى يميل على كفيه وهو يهمس بصوتٍ مُتعب:
_مصرة تقدمي نفسك قربان لهارون!
وتنهد وهو يبتسم في مرارة:
_مش مكتوب ليا الراحة طول ما قلبي بينبض ليكِ!
*************
تسلل ليلًا لغرفتهما، فوجد رفيقه يغفو ويده مسنودة على عينيه، تمدد "زين" جواره، وهو يهتف بنزقٍ:
_جايلك قلب تنام يا قاسي وأنا بره بتنطط فوق الجبال عشان أجيب الفلاشة!
أتاه صوته الساخر يجيب:
_يا ريته تنطيط فوق الجبال على الاقل له هيبة، مش قرد بيتنطط من شجرة للتانية!
توسعت زيتونته بصدمةٍ، فإذا به يبعد الغطاء عن جسده، فوجده يرتدي ملابس الخروج، فصاح باستغراب:
_إنت كنت بتراقبني يا جارحي؟!
إحتدت عسليته بشكلٍ متقن، وقال بثباتٍ مضحك:
_مفيش بني آدم عاقل بيثق في قرد يا زين وإنت للأسف قرد!
وأضاف وهو يفشل بكبت ضحكاته:
_عاملي فيها طرزان؟!
ضحك برفقته وهو يتمدد جواره مرددًا بنعاسٍ:
_لا أنا أجمد منه عشروميت ألف مرة، وأدائي يثبت كلامي!
إبتسم "ياسين" وعاد يتمدد جواره، وهو يهيم بسقف الغرفة، ثم قال:
_محكتليش حوار مرين مع الكلب ده بالتفصيل، رميتلي إشارة مختصرة ان الامور بخير!
مال برأسه تجاهه وقال ضاحكًا:
_من إمته وانت بتهتم بتفاصيل أي حاجة يا شريك! ده إنت خلقك على طول كنز ومالكش مناهدة للأحاديث!
اشتعل فيه الغضب، فنقله له:
_هو إنت لو موقفتليش على الواحدة مترتحش أبدًا.
توالت ضحكاته، وقال من بينها:
_لا يا سيدي مش هقفلك، عمومًا هي مقالتليش أزيد من إنها نجحت تلفه.
كاد "ياسين" أن يتحدث، فأوقفه "زين" وهو يميل برأسه فوق كتفه:
_متقلقش يا حبيبي حذرتها للمرة الألف، ريح وارتاح انت وسبني أنا كمان أخذ قليلًا من القيلولة الليلية.
عبس وهو يراه يستولي على كتفه، فصاح بضيق:
_هو إنت مش ليك سرير؟
أجابه وهو يغلق عينيه باستسلامٍ:
_الجو برد يا جارحي، ميبقاش قلبك قاسي عليا ورقيق وحنين مع مروان اشطا؟
إحتقنت مُقلتيه غضبًا، وهتف من بين اصطكاك أسنانه:
_طيب إبعد عشان أعرف اضربك!
طوق رقبته وهو يشاكسه:
_لا أنا مرتاح كده صدقني، نام ورانا فلاشة عايزة تتشفر بكره!!
وسرعان ما إستسلم "زين" للنوم، بينما حُرم النوم على "ياسين" وقلبه يخفق اضطرابًا لما قد تقدم "مرين" على فعله.
**********
مع اشراقة صباح يومٍ جديد، إعتاد فيه صباحًا إستخدام حذاء (الباتيناج) عسى أن يخفف عنه إختناق صدره، ظل "نوح" يتزلج حول القصر وباله مشغول بها، مازالت ترفض الرد على رسائله ومكالماته، حتى الجامعة خففت من ذهابها إليها، واليوم لن تستطيع الغياب مجددًا في الاختبار الاساسي الخاص بها.
كان متلهفًا لرؤيتها بشكلٍ غير موصوف، وبقي لساعتين يتزلج بالحذاء الذي يمنحه حرية كبيرة، وسعادة تفوقها.
توقف "نوح" عن الركض به حينما لمح أخاه يتابعه وهو يستند على الشجرة القريبة منه، فإذا به يرنو إليه وهو يردد بأنفاسٍ لاهثة:
_مش عادتك يعني تصحى بدري؟
حافظ "كِنان" على ثباته، وقال بصوتٍ لمس فيه "نوح" الغضب:
_مين جاب رزان النايت كلوب؟
نزع قفازاته وإنحنى يخلع حذاءه وهو يجيب:
_هي طلبت مني أوصلها وأنا معرفتش أقولها لا.
هز "كِنان" رأسه ببطءٍ ورنا إليه وهو يتطلع جانبًا حتى لا يرى أخوه نظرته الخطيرة، إعتصر نواجذه كي يبدو هادئًا:
_مش أنا سبق وقولتلك متخطيش خطوة بدون ما أكون على علم بيها؟
إبتلع ريقه بارتباكٍ، وقال:
_أنا معملتش حاجة أكتر من إني وصلتها، كان باين إنها واقعة في مشكلة ومحتاجالك، حاولت أتكلم معاها بس هي مرضتش تقولي مالها.
توقف رأسه الآن أمامه، يجحمه بلهيب عينيه، وببطء مرعب قال:
_متصلتش بيا ليه وبلغتني، واستنيت ردي عليك إذا كنت توصلها ولا لا؟!
ردد بتوتر قبالته:
_مهو آ...
رفع إصبعه يوقفه عن تبرير أي شيءٍ قد يلجأ له، وصاح ينذره:
_إياك تتصرف من دماغك تاني يا نوح، مش هعيد تاني كلامي وتشديداتي عليك، سبق وقولتلك خليك بعيد عن أي حاجة بتحصل في القصر هنا، وأولهم عثمان و هارون، وإنت مصر بردو تقحم نفسك في أمور أخطر منك.
ازدادت ربكته قبالته، وراح يبرر:
_لو تقصد زيارتي لعثمان عشان تالا، فأنا كنت بعمل معاه محاولة أخيرة يمكن آ...
_حوارك إنت وتالا مُنتهي، كل ما اتقبلت ده كان أفضل ليك وليها!
قالها "كِنان" بغضب، وعاد يستطرد وهو يحذره:
_أنا بحاول آمنك من كل اللي حوليك، فأوعى تدمر اللي عملته وبعمله بغبائك يا نوح، ولأخر مرة بحذرك إنك تتصرف من دماغك تاني، فاهـــــــــم!
هز رأسه بحزنٍ، جعل "كِنان" يزفر بضيقٍ، وهو يجذبه إليه، يضمه بخوفٍ وصل إليه بهمسه:
_متزعلش مني، أنا خايف عليك يا نوح، إنت أمانة بابا اللي سابها في رقبتي، أنا ليا مين يعني غيرك؟
تعلق به "نوح" بقوة، وقال بحبٍ واحترام يكنه لأخيه:
_عارف، وأوعدك إني مش هخطي خطوة تاني بدون علمك.
تنهد "كِنان" في راحة، بينما بالاعلى، يراقبهما "هارون" من شرفة جناحه، فتجرع ما بكأسه من خمر، وقال ببسمة شيطانية:
_مش هتقدر تحميه مني، وهتشوف!!
*****
إنتهى من صنع الشطائر السريعة، ثم حمل عُلبة الطعام الخاصة بها، ووضعهم بها، وقطع لها الفاكهة التي تفضلها، تحرك "تيام" لغرفتها، يطرق بابها وهو يناديها:
_مش معقول لسه نايمة، الامتحان خلاص فاضله نص ساعة يا تالا؟!
خرجت له وهي تلف كالفراشة بفستانها الازرق الفضفاض:
_لابسة وجاهزة من بدري يا شيف.
راقبها بإبتسامة جذابة، وربع يديه يتأملها بحب، ويمازحها ضاحكًا:
_ما شاء الله زي القمر، إيه مطقمة عشان الامتحان يجيلك سهل ولا عايزة تغوي مراقب اللجنة يفكها عليكِ؟
ضحكت بملء ما فيها، وقالت:
_حاجة زي كده، المهم ننجح يا أبيه.
زوى حاجبيه بنظرة مشاكسة، فتعالت ضحكاتها وهي تشاغبه:
_أنا بحس اني بقلل من احترامك كل ما أناديك باسمك، فرق ال٨ سنين اللي بينا كبير بردو يا آبيه تيام!
ضم شفتيه بتلاعبٍ، وخبث:
_وماله يا تولا ناديني زي ما تحبي، وأنا وعد هصبغلك شعري بالابيض عشان أبانلك أبيه، ولو حاباني أخلعلك سنتين من عنيا.
احمر وجهها من فرط الضحك، وهو يشاركها، فاذا به يقدم لها حقيبتها قائلًا بسخرية:
_وهنا هقوم بدور مامي الشاطرة اللي قايمة من الفجر تجهز اللانش بوكس لبنتها.
سحبت الحقيبة منه بيد واليد الأخرى تفتحها له:
_ودور بابي اللي بيدي بنته المصروف يا تيتو.
كشر عن أنيابه بانزعاجٍ:
_تيتو!!
سحب "تيام" من جيب بنطاله مبلغًا من المال، وضعه بيدها قائلًا:
_خلينا في أبيه أكرم.
ضحكت وهي تعد المال بلهفة، ولم تتنازل عن مشاكسته:
_كام دول؟ عايزة أعزم البت راندا صاحبتي على عزومة ترم عضمها بعد أول امتحان.
قال وهو يستدير صوب المرآة المطولة، يتفحص هيئته:
_هاتيها وتعالي المطعم، العزومة عندي، عشان تعرفي بس إني مجدع وذوق.
صعدت على المقعد القريب منه، ومالت على رقبته من الخلف تقبل وجنته بسعادة:
_أحلى واحن أخ في الدنيا كلها.
ضحك وهو يحاول تخليص ذراعيها من حول رقبته، فاذا بها تقول:
_أنا اساسًا كنت هجبها المطعم، يمكن تعجبك وأرتبلك الجو معاها.
تلاشت ضحكاته، واستدار صوبها بحدةٍ:
_ترتبيلي إيه بالظبط؟
زمجرت بعصبية:
_هو إنت هتعيش عمرك كله عازب ولا إيه؟
أوقفها قبل أن تنعرج لتلك المنطقة الخطرة:
_هاتي حاجتك وحصليني على تحت، أنا اللي هوصلك.
وتركها وانسحب للاسفل دون أن يضيف كلمة واحدة.
*****
راقب ثلاثتهم المعلومات المدونة بين السطور بسرية تامة، قد تبدو كأنها رسالة خاصة بالدكتوراه، ولكن مع جمع الحروف باتقانٍ تمكنوا من جمع الرسالة المرسلة منها.
كان "ياسين" يقف على يمين مقعد "زين" الذي يتابع الحاسوب وعلى يساره تقف "مرين" التي رددت بدهشة :
_إزاي قدروا يوصلوا لتصنيع النوع ده من الروبوت!
قال "ياسين" ومازالت عينيه على شاشة حاسوب "زين":
_الظاهر إننا مصوبين عينينا على الشخص الغلط، واستخفينا بعثمان التميمي أوي، وشكل الحكاية كلها بتبتدي من عنده.
لف" زين" المقعد المتحرك تجاهه وقال:
_مش قصة الحكاية بتبتدي بمنين يا ياسين، العيلة دي وراهم سر مشترك، والله أعلم قدراتهم واصلة لفين؟
هز رأسه وتمتم بخفوت:
_والأهم مين اللي ورا الإختراعات دي كلها، معتقدش تيام لوحده!
تساءل "زين" باهتمام:
_إيه تطور العلاقة بينكم.
اجابه ببسمة خبيثة:
_بقينا شبه أصدقاء، أخد رقمي بعد إلحاح والنهاردة هتلاقيه بيكلمني من نفسه.
زوت "مرين" حاجبيها باستنكارٍ:
_وإيه سر الثقة دي، مش معقول يعني من أول لقاء هيكلمك بعدها على طول!
رد بثقة تكتسح عسليته:
_وإيه اللي مش هيخليه يكلم الشخص الوحيد اللي اتعرف عليه بعد الفترة الطويلة دي من العزلة؟
تنهد "زين" بمللٍ، فجذب الحاسوب، ودفع المقعد للخلف بعيدًا عنهما، حتى يتمكن من حل شفرة المتبقي من الرسالة.
ربعت "مرين" يديها أمام صدرها، وقالت:
_لو اعتمدت على المكالمة دي هتقف محلك سر، لازم تفكر في لقائك التاني بيه بطريقة مختلفة، لان كده بتضيع وقتك يا قائد.
مال على الطاولة مثلما تقف، وربع يديه امام صدره مثلها:
_مش كل خطوة تتاخد على الحامي، لازم تتعلمي إزاي تكوني تقيلة يا عنيدة هانم.
فكت عقدة يديها ورددت بانفعال:
_انت قصدك إيه؟
هز كتفه ببراءة:
_ولا حاجة.
زفرت بغضبٍ، واتجهت إلى "زين" هاتفة:
_زين أنا عايزة الجهاز، عشان لو قدرت أخترق جهاز هارون.
رفع زيتونته عن الحاسوب، وردد بدهشة:
_بالسرعة دي؟
هزت رأسها وهي تؤكد له:
_لو لاقيت فرصة مناسبة قدامي هستغلها.
تحرك "ياسين" صوبهما، وردد:
_مرين الخطوة دي فيها خطورة كبيرة، احنا هنحاول نعمل ده أنا وزين خليكِ بعيدة.
استدارت إليه وقالت بعقلانية:
_هتعملوها إزاي وأنا اللي متمكنة في البرمجيات دي في الفريق كله، وكمان دخولي مكتبه لاستلام شغلي شيء طبيعي، والله أعلم هقدر أدخله تاني ولا لا حتى لو اشتغلت هناك، دي فرصتي الوحيدة ولازم أستغلها.
تحدث "زين" أخيرًا:
_مرين معاها حق يا ياسين، وبعدين إحنا عايزين نخليها تنسحب من المكان القذر ده، فكل ما أنجزنا اللي عايزنه بسرعة كل ما كان أحسن.
هز "ياسين" رأسه بهدوءٍ، وتطلع لها بقلق:
_أنا مش ضدك في الخطوة دي، بس أديكِ شايفة بنفسك تطور الأشخاص دي واصل لفين؟ فخوفي عليكِ طبيعي إنهم ممكن يكشفوكِ لو إخترقتي الجهاز الخاص بالنايت كلوب.
منحته بسمة رقيقة وبثقةٍ شديدة قالت:
_مستحيل ده يحصل، خليك واثق إن زي ما هما مطورين من نفسهم إحنا كمان عندنا الإمكانيات اللي تحيرهم لمية سنة قدام.
إتسعت ابتسامته حينما إستخدمت نفس جملة الجوكر الذي قالها قبالتهم كثيرًا، تلك الفتاة ورثت كل شيء عن أبيها قولًا وفعلًا.
قطع الأجواء صوت رنين هاتف "ياسين" الذي اشتراه مؤخرًا وسجله باسم الشخصية التي ينتحلها.
صوبه لها وقال وهو يغمز لها:
_قولتلك التقل بييجي منه خطوة مكنتش بالحسبان.
وانصرف لغرفته وهو يبدأ بنصب شباكه بضحيته "تيام التميمي" الذي أبدى اعجابه الشديد بلوحاته، وظل كلاهما لساعات يتعرف كلاهما على الآخر، ومع ذلك لم يبدأ "ياسين" بخطوة تبادل ارقام الهواتف تركها له، فطلب منه الرقم وبالرغم من أن رقم "تيام" على هاتفه الا أنه ترك له أول خطوة، حتى يقطع أي شك مسبقًا له!
******
خرجت من المصعد وهي تحمل حقيبتها، فاذا بالباب يُفتح من أمامها فجأة، لم تندهش "قُدس" التي بدأت تعتاد على هذا الأمر.
استكملت طريقها للداخل وهي تبحث عنه، كانت ترتدي بنطالا أسود اللون واسعا، وكنزة محتشمة من اللون الابيض، وشعرها معقود للخلف، فمنحها طلة صافية.
وجدته "قدس" يجلس في ركنٍ مظلم، بعيدًا عن الشرفة مثلما إعتادت رؤيته، تركت الحقيبة قريبة منه، وصعدت الدرج القصير حتى باتت قبالته، تردد بإستغرابٍ:
_قاعد في الضلمة ليه؟
صوتها شق وابل ذكرياته التعيسة، فاذا به يستدير في الظلام تجاهها، تحركت بخفتها لتنير الضوء وقابلته بإبتسامة ساخرة:
_ها هنبدأ ولا هتطردني بظرافة كالعادة!
واستكملت بضحكةٍ فاتنة:
_والله شكلك كده بتخاف من الدكاترة!
وجدته يتأملها في صمتٍ، فاذا بها تتجه إلى الحقيبة وتعود له قائلة:
_أنا أستغل حالة الصمت بتاعتك دي، وأشوف شغلي، أنا مش مستعدة أطول هنا في القصر الكئيب ده أكتر من كده، فحاول تساعدني إنك تخف بسرعة.
وانحنت تضع الجهاز الذي حملته على ساقيه، فاذا به يتهكم من آمالها المبالغ فيها:
_تفتكري إنك هتنجحي في اللي فشل فيه ٣٢ دكتور قبلك؟
جحظت عينيها في صدمةٍ، حتى أنها سقطت للخلف على ظهرها بشكلٍ جعله يبتسم بسخرية منها، بينما تهتف "قدس" بعدم تصديق:
_٣٢ دكتور!! ليه انت حالتك ميؤوس منها للدرجادي!!
منع ضحكة كادت أن تتحرر بصوته، ومال صوبها قليلًا يهمس لها:
_أنا بقول حلال عليكِ المقدم، خديه وإنفدي بجلدك يا دكتورة!
تبدلت صدمتها لبسمة ماكرة، ونهضت تحمل جهازها مجددًا وترنو إليه قائلة:
_على فكرة فلوسك متهمنيش، إنت عملت أكتر حاجة أنا بحبها.
ضيق رماديتاه بعدم فهم:
_اللي هي؟
اجابته وهي تتابع عملها:
_اتحدتني ب٣٢ دكتور، وأنا بحب الحاجة المستحيلة، وأوعدك إن اللي فشل فيه الـ32 دكتور هتحققه دكتورة مصرية إسمها قدس حازم فضل!
طالعها بإعجابٍ، كانت تتحدث بثقةٍ جعلته يفشل بتحليل شخصيتها الغامضة، مال للخلف وتركها تستكمل عملها، بينما يتابعها بصمتٍ وثمة شيء ما يضرب أحد حوائط قلبه الأربعة، تهاوت نظراتها عليه فتسببت في بروز أول فجوة!
******
جلس على طاولة مطعمه المتطرفة على البحر، ينتظر قدومه، فاذا به يرنو تجاهه وبقول مبتسمًا:
_اتاخرت عليك؟
نهض تيام يصافحه ويبتسم في حفاوة:
_بالعكس جيت في أسرع مما اتخيل يا فنان.
ضحك ياسين وجلس قبالته، قائلًا بمكر:
_ناديني عمر، وبلاش فنان دي، قولتلك الفن عندي له وقته، مبسبهوش يسيطر عليا على طول.
جلس تيام قبالته، وقال بصدق:
_ليه مبتسبهوش يسيطر، انت فنان عظيم يا عمر.
قهقه ضاحكًا، وقال بخبث مقصود:
_الفن مبيأكلش عيش يا تيام، وأنا عندي أحلام وطموحات لو اعتمدت على الفن مش هيحققهالي.
بدى الحزن على ملامحه، وقال بوجع ملموس:
_عندك حق، أوقات بنتخلى عن الاشياء اللي بنحبها عشان نقدر نكمل حياتنا بمستوى معيشة يليق بالوضع الحالي.
وأضاف وهو ينفض تفكيره عما احزنه:
_قولي بقى تشرب أيه؟
ابتسم ياسين وقال:
_قهوة مظبوطه.
بادله الابتسامة وقال:
_عنيا.
وأشار للنادل يلبي طلبه، فاذا بياسين يميل على الطاولة ويسأله بحيطة:
_إنت يعتبر عرفت عني كل حاجة، لكن انا معرفش عنك أي شيء غير انك صاحب المطعم ده!
عاد الحزن مجددًا إليه، وقال بصوتٍ غائم:
_أنا يا سيدي كنت مشروع لعالم محترم، ورثت عن أبويا الذكاء واتفوقت في دراستي ، اشتغلت فترة بشهادتي وآ.
وبارتباك استطرد:
_بس ملقتش نفسي، فانسحبت من كل حاجة وفتحت المطعم ده.
هز ياسين رأسه، وسأله باستغراب:
_يعني انت عايش مع باباك؟
نفى ذلك بقوله الحزين:
_بابا متوفي من أكتر من عشر سنين، ماليش غير أخت واحدة عايشة معايا.
إدعى دهشته في رد فعله:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، ربنا يرحمه ويغفر له.
منحه ابتسامة رسمها بالكد وقال:
_يا رب!
******
إنتهت "تالا" من قضاء الاختبار، خرجت رفقة صديقتها، وكلتاهما تتبادلان الحديث عن أسئلة الاختبار، وما أن خرجتا من بوابة الجامعة حتى وجدت "نوح" يقف أمام سيارته بانتظارها، ورنا يناديها:
_تــــــالا.
إستدارت تراقبه بنظرة منزعجة وهتفت لرفيقتها:
_أنا مش عارفة هو هيسيبني في حالي إمته؟؟!
حملت "راندا" عنها الكتب وقالت:
_روحي شوفيه عايز إيه يا تالا، نوح بيحبك وإنتِ بتحبيه صدقيني مش هتعرفوا تبعدوا عن بعض.
أدمعت عينيها وقلبها يوخزها ألمًا، وبصعوبة سيطرت على نفسها وقالت:
_إستنيني هنا هشوفه عايز إيه وهرجع.
هزت صديقتها رأسها، بينما إتجهت "تالا" إليه، وقفت أمامه وهي تتهرب من لقاء عينيه، وقالت بجمود:
_عايز إيه يا نوح؟
تعمق بالتطلع بها في شوق، وأخبرها بحزنٍ:
_رجعتي تاني تتجاهلي مكالماتي يا تالا! أنا عايز بس أسالك سؤال واحد، لو تيام جوزك لواحد غيري هتقدري تعيشي معاه؟
ضربها وجع عاصف، بشكلٍ جعلها تود أن تصرخ فيه أن يتوقف عما قال، عقلها لا يتخيلها لأحد سواه هو، صاح بها "نوح" متعصبًا:
_ساكتة ليه، جاوبيني هتقدري؟
رفعت عينيها الباكية له، وقالت بانهيار:
_لا مش هقدر، ولا متقبلة كلامك كله.
وتابعت وهي تزيح دموعها:
_يا نوح حرام عليك أللي بتعمله فيا ده، كفايا توجعني أنا قولتلك اني مش هقدر أوجع تيام، ولا أخذله كفايا كل اللي حصله، فبالله عليك تبعد عني.
تلألأ الدمع بين مُقلتيه، وقال بصوتٍ موجوع:
_مش عارف أبعد ولا قادر أنساكِ يا تالا.
أسرع يستدير عنها حتى لا ترى دموعه، بينما يقول بخشونة يخفي من خلفها بكائه:
_ارجعي لصاحبتك عشان متتأخريش وتيام يعملك مشكلة.
تنهدت في أسى، واستدارت عائدة صوب رفيقتها التي تقف على بعدٍ منهما، فاذا بسيارتين تقطعان عليها الطريق، ويهبط منها ستة رجال بأجساد ضخمة، سد عليها اثنان منهم الطريق، فحاولت أن تمر من جوارهما، وقفوا قبالتها وأذرعهم تطولها، وتجذبها عنوة للسيارة.
أبعدت يدهم وهي تصرخ بهلعٍ:
_إبعد انت وهو، عايزين مني إيــــه؟
واستدارت تجاه سيارة نوح تناديه صارخة:
_نـــــــــــــوح.
كان يوليها ظهره ليزيح دموعه، وفجأة إنتفض على صراخها، إستدار صوبها فوجد رجلين يقيدانها ويجبرانها على الصعود للسيارة.
هرع "نوح" لها وهو يصرخ قلقًا:
_تـــــــــــالا.
كان الاربعة رجال في طريقهم إليه، لتتضح معالم خطة "هارون" القذرة، اثنان لخطف "تالا"، وأربعة لخطف" نوح"، الذي خضع لهم بعد معركة كانت غير متكافئة أمام أربعة من أمهر المدربين على القتال، وما تمكن من فطنته أنهم يمتلكون أوامر مشددة بعدم أذيته!!
تم فصل كل منهما بسيارة منفردة، تتجه إلى مصيرٍ سوداوي، ربما سيكون خضوع وعودة علاقة كُتب عليها البعد والفراق وعلاقة أخرى الظلم والحرمان!
....... #يتبــــــــــــع.
#آشباح_المخابرات... #الاقــــــــوى_قـــــــادم 🔥
#آية_محمد_رفعت..
أشباح المخابرات الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية محمد رفعت
#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_التاسع!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات
Shimaa Hamed، Samah Hesham، Sham Hamu ، Adambola Youssef
خد يجه(إيمان عوض)، روما روما ،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اختفى ضوء الشمس، وأعلن الليل عن استيلائه على الحكم، ليسطو بعتمته الاجواء، ومازال "تيام" يحاول الوصول إلى شقيقته، يهاتفها للمرة التاسعة ولم يأتيه منها ردًا على مكالماته، أغلق "تيام" الهاتف وهو يردد في قلقٍ وذعر:
_أول مرة مترديش على مكالماتي يا تالا!!
ازداد قلقه بشكلٍ كاد أن يقتله، فاذا به يتجه إلى غرفة شقيقته، يجذب النوت الصغير الخاص بأرقام صديقاتها، إستخرج منه رقم صديقتها "راندا"، ثم هاتفها ليطمئن عليها، وجُل ما يراوده أن شقيقته لربما قضت اليوم بأكمله رفقتها ومن الممكن أنها لم تنتبه إلى الهاتف ولم تر مكالماته.
تدمرت كل الافتراضات الخاصة به، حينما ألح عليها بالحديث حينما علم بأنها ليست برفقتها، فأخبرته بجملة قسمت قلبه وظهره إلى شطرين:
_أنا مكنتش حابة أقولك عشان ميحصلش مشاكل بس كده أنا قلقت لما قولتلي إنها لسه مرجعتش البيت، احنا لما خرجنا من الجامعة كان نوح واقف يستناها، ادتني حاجتها وراحت تكلمه، ولما اتاخرت روحت أشوفها ملقتهمش، فقولت أكيد راحوا مطعم أو كافيه يتكلموا فيه على راحتهم، وبعتلها كذه مرة مردتش!
*****
دقات متعصبة على باب الغرفة، صراخ، بكاء، توسلات ولم يهتز في هؤلاء الشياطين شعرة واحدة، يقف اثنان منهما أمام باب الغرفة الموصود، الذي تطرقه "تالا" من الداخل، ومازالت تردد:
_افتحوا الباب، انتوا عايزين مني إيـــه حـــــــرام عليـــكم!
دموعها انشقت على وجنتيها كالأمطار، وقوتها الواهية تلاشت وباتت كالسراب، مالت خلف باب الغرفة تضم ذاتها وهي تهمس من بين بكائها:
_يا رب نجيني منهم يا رب!
ومن ثم همست بضعف وخوفًا يكاد أن يوقف عضلة قلبها من مصيرها المجهول لها بين تلك الغرفة الصغيرة:
_تيــــام!
*****
حركة خافتة بين الأشجار، رشاقة، دقة، اتقان بكل خطوة تخطوها تلك الملثمة، تضع قبعة جاكيتها المفتوح من فوق خصلاتها، ومع ذلك يتدلى من خلف كتفيها كالحرير، طوله ليس بالقصير ولا الطويل، كشخصيتها المعتدلة، والتي تخفي غموضًا زرعه فيها قائدة، لتكن ابنة أبيها ولكنها لم تكن مُدللة قط!
استلت أحد فروع الاشجار، ونزعت عن عينيها الزرقاء اللثام، ثم أخرجت من جيب بنطالها الشفرات الدائرية وبعض العملات ببسمةٍ تسلية، ثم بدأت تصوبها بشكلٍ متقن على الشجرة المقابلة لها.
ضربة فأخرى، ثم قفزت تطالعها بابتسامةٍ نصر، فاذا بالفرع الضخم ينهزم أمام دهائها حينما استهدفت نقاط ضعفه.
عادت "مرين" تكرر فعلتها باستمتاعٍ، وهي تخطو بسرعةٍ كبيرة بين الاغصان مستغلة ظلمة الليل الكحيل وسكونه الهائم.
توقفت بجسدٍ مشدود، لا يتحرك فيها الا عينيها الساحرة، وفجأة استدارت في نفس لحظة انطلاق شفراتها المتحركة التي تشبه المروحية، ولكنها بأطرافٍ حادة، سددتها صوب ذلك الذي يتعقبها، فاذا به يقبض على الشفرة من مكانها الامن بالمنتصف، وحينما أزاح يده ببطءٍ اتضحت ملامحه التي جعلتها تهمس بدهشةٍ:
_ياسين!!
رفع يده يلف الشفرة وهو يتطلع لها ببسمةٍ ساخرة:
_أوضة التدريب مش مكفية جنابك عنيدة هانم؟
ربعت يديها بغضبٍ بدى له طفوليًا للغاية، بينما تزفر بضيقٍ:
_أوف بقى هو إنت أيه محدش يعرف يفلت منك أبدًا؟
وتابعت بعدم تصديق:
_هموت وأعرف بتحس ازاي، أنا اساسًا مش خارجه من الباب اللي جنب أوضتك!
اقترب منها ببطءٍ، وقال وهو يتأمل تحرك خصلاتها من حول وجهها بفعل الهواء البارد:
_يمكن عشان كده الجوكر شافني الأجدر بحمايتك، وسلمني رحيم زيدان قيادة الفريق.
تنهدت بسخطٍ وهي تتابع بانزعاجٍ:
_وإيه أوامر سيادتك يا قائد؟
راق له هذا الاحترام المفاجئ، فرنا إليها يفتح كفه وعينيه تتطلع لما بيدها:
_خطر على بنوتة رقيقة زيك تشيل سلاح زي ده!
ضحكت بسخرية وقالت:
_لو خطر عليا مكنش بابي علمني إزاي أستخدمه وبمنتهى البراعة!
أبقى على كفه مفتوحًا، وبنفس الثبات قال:
_وقت الحرب كل شيء اتدربنا عليه مُباح، حتى لو كان في أذى لينا، لكن حاليًا احنا لسه في هدنة السلام.
ضمت شفتيها بانزعاج، فابتسم بجاذبية خاطفة، وأشار بعينيه لكفه المفتوح، فاذا بها تقترب وتضع ما تحمله بين كفيه، وابتعدت تربع يديها بانزعاجٍ، جعله يبتسم بعشقٍ لكل تفاصيلها.
أخفى "ياسين" الشفرات جيدًا، ثم اقترب منها يسألها:
_قوليلي بقى بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟
ردت ومازالت توليه ظهرها وتقيد ذراعيها أمامها بغضب:
_مفيش زهقت فخرجت أتمشى شوية لوحدي، بس للاسف معرفش إنك هتخرج ورايا زي الشبح!
منع ضحكة منه كادت بالانفلات على مظهرها الطفولي، فاستكمل مسافته حتى بدا أمامها وجهًا لوجه، وقال بصوته الرخيم الجذاب:
_إيه اللي مضايقك يا مرين؟
فكت قيد يديها وطالعته بدهشةٍ، فاسترسل بثقةٍ:
_إنتِ مبتلجئيش للعنف ده الا لما يكون في غضب أو غيظ جواكِ وعايزة تطفيه.
وضحك وهو يمازحها:
_ أتمنى مكنش السبب اللي ورا حالتك دي، والا مصيري هيكون زي مصير فرع الشجرة المسكين، فخليني أمن نفسي يمكن يكون لسه في أسلحه تانية!
ابتسمت رغمًا عنها على حديثه واستكملت طريقها حتى جلست على حجارة ضخمة موضوعة بين الحشائش، فاتبعها "ياسين" وجلس على مسافة فاصلة بينهما، ينتظر أن تفصح عما بها، فالتفتت له بعد فترة وقالت بتردد:
_مامي ومارال وحشوني أوي.
قرأ ما بزُرقتها، لقد اعتادت دفن مشاعرها الرهيفة كونها فتاة تمتلك ضعف عاطفة الرجل، خشية من أن يتهمها أحدٌ بالفتاة المُدللة، أو يقلل من شأنها بين أعضاء الفريق خاصة أن بالفريق أمهر من تم تعينهما بالجهاز بأكمله بالاونة الأخيرة الجنرال "ياسين عدي الجارحي"، والشبح الذي اشتق منه اسم الفريق "زين رحيم زيدان".
أبدى تعاطفه معها، بل أراد أن يطمنها أنها مشاعر طبيعة تشعر بها الفتيات والرجال أيضًا، فاحتوى مشاعرها بذكاءٍ:
_أنا كمان ماما ورحمة وعمر وكل ولاد عمي والعيلة كلها وحشتني أوي، وأولهم طبعًا ياسين الجارحي وبابا.
لفت ساقيها تجاهها وسألته باهتمامٍ:
_رحمة دي تؤامك صح؟
هز رأسه وهو يتحاشى التطلع لها من هذا المحل القريب بعض الشيء، فابتسمت ورددت:
_أنا ومارال بردو شبه التؤام الفرق بينا مش كبير، بس مختلفين تمامًا.
تلاشت ابتسامتها بحزنٍ، وقالت:
_مارال عكسي تمامًا في كل شيء، شخصيتها هادية وده ممكن يكون شيء كويس، بس الوحش إنها ضعيفة وبالاخص قدام زين وده بيخليني أكره أشوفها نسخة تانية من طنط شجن قدام أنكل رحيم.
فرح أنها تشاركه الآن ولأول مرة الحديث عن عائلتها، وكأنها بدأت تتقبل أنه سيكون جزءًا منها، فتنحنح قائلًا بحديثه الهادئ:
_ممكن أختك تكون فعلًا شبهها من وجهة نظرك، بس اللي أنا واثق منه إن زين مش شبه رحيم زيدان، ولما بيكون شبهه بيكون بس في المهمات اللي بنطلعها، والمفروض انك عارفاه أكتر من مارال نفسها بحكم وجودنا مع بعض أغلب الوقت.
شردت قليلًا تحلل آخر جملته، ورسمت بسمة صغيرة وهي تفوه:
_عندك حق، زين فعلًا كوكتيل ما بين بابي وأنكل رحيم.
وتطلعت له تخبره بمشاكسةٍ:
_على فكرة انت على الرغم من إنك مغرور ومتكبر الا انك كلامك دايمًا موزون ويقنع المجنون!
قهقه ضاحكًا، حتى ضحكت هي، بينما يهمس بعدم تصديق:
_أنا متكبر!!!
هزت رأسها وهي تؤكد له وتضيف:
_ومستفز، بتحب تستفزني كل دقيقتين، وتخرجني عن شعوري، فلو خايف من الاسلحة اللي بستخدمها حاول تأخدلك مني ساتر يا قائد!!
اعتدل بجلسته وقد تلاشت عنه ابتسامته:
_طيب وأخد ساتر من عيونك إزاي؟!
أعادت خصلتها خلف أذنيها بارتباكٍ، وراحت تتلعثم بحديثٍ تزرعه بينهما:
_هو... إنت يعني بتحس بأختك التؤام زي ما بيقولوا؟
أبعد بصره عنها وأجابها:
_بصراحة لا وبحمد ربنا من كل قلبي، لإني مكنتش هتعمل نفورة الهرمونات المتقلبة اللي عند البنات وعند رحمة أختي بالذات، زائد إني متمرمط بالتمارين فلو أخدنا على عدد الاصابات اللي أخدتها المفروض تكون دخلت العناية المركزة أربعين مرة!
بدا الضيق يتخذ محله على وجهها، وكلما حاولت أن تبتلع حديثها فشلت، فألقته بوجهه:
_على فكرة بقى البنات مش كلهم بالضعف اللي إنت متخيله، إنت فكرتك عن البنات سيئة جدًا!
لم يبد عليه تأثرًا بحديثها، مازال يجلس نفس جلسته، يطالعها بنفس الثبات، ينتظر انتهائها حتى انتهت فقال:
_اللي أنا كنت أعرفه ان شخصيات البنات بتختلف من بنت للتانية، لكن التكوين نفسه واحد، يمكن عشان اتربيت في بيت البنات فيه دايمًا مرفهين، وليهم قدرة وطاقة معينة، اغلب الوقت لازم أكون موجود جنب والدتي وأختي أساعدهم مثلًا في شيل أبسط الاشياء، ولازم أخرج معاهم عشان أحميهم لو اتعرضوا لاي معاكسات أو لاي شيء.
وتابع ليكسر عنها الصورة التي تحملها له:
_اتعودت مثلًا اننا كشباب مبنفرقش الجيم وأي رياضة بتلاقينا فيها، لكن بنات عيلتنا كانت ميولهم رايحة للعب البنات والميكب والفساتين والكلام ده.
واسترسل وهو يتطلع لها:
_لحد ما نجحتي توريني نوع نادر مش موجود في الصورة اللي كونتها في عقلي، عنيدة هانم إنتِ شقلبتي المعادلة اللي في دماغي كلها!
سحبت بصرها عنه باستحياءٍ وهي تخفي ابتسامتها، فقال بسخرية:
_عارف إن هيطلع عيني معاكِ، بس جاهز ومستعد، إنتِ مميزة وتستحقي معاملة مميزة، بس لو تتنازلي شوية وتكسري شوية بس من عنادك هتبقي قمراية.
احتدت نظراتها تجاهه، فضحك وهو يشير باصبعيه:
_شوية صغيرين مش العناد كله!
ابتسمت وعادت للصمت مجددًا حتى شردت تمامًا، حتى هو احترم صمتها وتحلى بالسكون.
افاقت من شرودها واستدارت صوبه بلهفةٍ، تتطلع له كمن وجد مفتاح لصندوق الكنز الذي وجده:
_ياسين!
تطلع لها باستغرابٍ، فقالت وهي تدعي رقة الحديث الذي جعله يخشى القادم:
_لو طلبت منك طلب ممكن توافق؟
رفع أحد حاجبيه فأصبح نسخة طبق الاصل من الدنجوان "ياسين الجارحي":
_على حسب ناوية على أيه عنيدة هانم؟
أدلت شفتيها السفلية واستدارت عنه توليه ظهرها بغضب، جعله يضحك بشدةٍ، وهي تقول:
_كده كده مش هتوافق، إنت بتعاملني كأني بنتك كل حاجة تأخدها مني كأنها هتعورني!! ده بابي مكنش بيتعامل معايا كده.
نهض عن محله واتجه لها:
_طيب جربيني!
رفعت عينيها الخبيثة له، وسلطتها صوب جزع الشجرة الصلب قائلة ببراءة مصطنعة:
_بابي كان بيقولي إنه في فترة من الفترات اتعرض لظروف قاسية أوي، خليته في أضعف حالاته، فكان بيحاول يكسر فرع الشجرة ومكنش بيقدر، بس بعد ما اتخطى الظروف دي نجح يعمل كده وحس وقتها بفرحة وقوة عظيمة.
ضيق عسليته بعدم فهم:
_وإنتِ بتمري بظروف قاسية؟
هزت رأسها وهي تكبت ضحكتها:
_لا، بس عايزة أقطع فرع الشجرة!
برق بعينيه بدهشة:
_إيـه؟!
زمت شفتيها مجددًا، واستدارت توليه ظهرها للمرة الثالثة، فتمايل جسده ضاحكًا من طريقتها الغريبة، وقال من بين ضحكاته:
_لو ده هيفك حالة الشوق والغرام لوالدتك وأختك تمام معنديش مشكلة.
نهضت تصفق بيديها بحماسٍ، فباغتها بقوله الخبيث:
_بس هنعملها مرة تانية لان معناش أي أدوات تساعدنا.
أتاته شكوكه على طبق من ذهب، حينما قالت وهي تتجه أسفل الشجرة الضخمة، وتبدأ بالحفر بيدها حتى استخرجت ما تخفيه:
_أنا عندي.
ضم شفتيه ونواجذه القوية تتحرك في فكيه بشكلٍ جعلها تعترف دون أي كلمة منه:
_آآ... أنا يعني حاولت قبل كده بس معرفتش.
ونهضت تزيح خصلتها خلف أذنيها وهي تصيح:
_ده مش ضعف مني، الشجر هنا غريب عن عندنا.
وتطلعت لعضلات يديه البارزة بقوة وهي تستطرد:
_ متفائلة إنك هتقدر، بس عند الجزء الاخير وتنسحب وهكمل أنا عشان أحس بلذة القوة والانتصار اللي الجوكر حكالي عنهم، موافق يا قائد؟
تبسم وهو يفتح قبضته، فقذفت له الفأس، الذي سدده بقوة للشجرة المجاورة له قائلًا:
_هوافقك في جنانك ده عنيدة هانم!
******
وصل الشيطان الملعون للمكان السري الخاص بعائلة "التميمي"، قابله المسؤول عن رجاله، وهو يخبره:
_كله تمام يا هارون باشا، خطفنا البت وحطيناها في الاوضة اللي فوق، ونوح ربطناه تحت.
نزع نظاراته السوداء وقال بغموض مرعب:
_ومفاجآة كِنان باشا حضرتها؟
أكد له بشرٍ لا ينطبق لعالم البشر:
_جهزتها يا باشا، في القبر اللي بندكن فيه الجتت.
لاح على وجهه ابتسامة شيطانية مخيفة، وهو يقول:
_حرام يا صفوت، خلي عندك قلب وافتح نور القبر ، كده المفاجأة هتتشيع قبل وصوله.
ضحك بصوت مسموع وقال وهو يغمز له:
_عنيا يا باشا، بس لو النور اتفتح هتتشيع بردو من منظر الجثث والدم!
مضى بطريقه وهو يشير له بقسوة ورغبة وضيعة تسوقه لانتقام لا يحق له:
_ولع النور، ولو اتشيعت مصيرها كده!!
واصل طريقه للداخل وبالاخص للطابق السفلي الكبير، الذي يتوسطه درج خشبي عتيق، يلتف من حوله سبعة رجال مسلحين، قابله أحد الرجال، فسأله "هارون":
_كِنان وصل؟
أجابه سريعًا:
_لسه يا باشا.
هز رأسه بتسليةٍ، وقال وهو يمضي إلى احدى الغرف:
_لما يوصل يدخلي هنا الأول.
أشار في طاعةٍ بينما دخل "هارون" للغرفة واتجه إلى البار الضخم الخاص به، جلس يجذب كأسه وقد قدم له المدعو "صفوت" الخمر الذي إعتاد عليه كالمياه.
تجرع كوبه، وتساءل وهو يتفحص باب الغرفة القريبة منه، المحتجز داخلها "نوح":
_عرفت توصل للبت اللي قولتلك عليها يا صفوت؟
ابتلع ريقه بارتباكٍ مما سيخبره به، وهو الذي لم يفشل بمهمة كُلف بها قط:
_أبدًا يا باشا، أنا حتى فضلت ماشي وراها لما خرجت من النايت كلوب، دخلت مول تجاري قريب من النايت وفجأة فص ملح وداب كأنها شبح!
منحه نظرة ساخرة، تحط من قدره، وصاح غاضبًا:
_شبح!! شكلك كبرت ونظرك ضعف يا صفوت، أشرفلك تمشي وعينك متصفية أحسن من الحجج البايخة دي.
جحظت عينيه في صدمةٍ وخوف، وراح يردد بتلعثمٍ:
_حقك عليا يا باشا، يمكن بس عشان أول مرة أشوفها، لما تيجي تستلم الشغل مع حضرتك هجيبلك كل اللي يخصها من أول ما نزلت من بطن أمها لحد ما حضرتك شوفتها في النايت كلوب.
ارتشف كأسه لأخره، وفاه بنزقٍ:
_إدعي إنها تيجي وأقابلها للمرة التانية، لأن لو محصلش هصفهالك فعلًا يا صفوت!
اهتز جسده من فرط الرعب، فتراجع خطوتين للخلف وهو يكاد أن يُقتل محله من شدة الخوف، حتى أشار له "هارون":
_ادخل اطمن على نوح قبل ما كِنان يوصل، مش عايزه يحس إننا استخدمنا مع أخوه أي عنف يخليه يتعصب.
وببسمة ساخرة استطرد:
_وكِنان عصبيته وحشة.
ردد وهو يحارب برودة جسده:
_حاضر يا باشا.
وهرول للغرفة بينما أبعد "هارون" الكوب، وسحب الزجاجة يرتشفها ويصفر بتلذذٍ واستمتاع مريض، حتى أتاه صوت غاضب من خلفه يناديه:
_هــــــــارون!!!
ابتسم وهو يردد دون أن يستدير له:
_كنت عارف إنك هتوصل في سرعة البرق، اختراق قوانين الديزل مُباح عندك لو الضحية تخصك.
أصبح أمامه في سرعة البرق، يختطف جسده بين يديه القوية، يصيح بخشونةٍ وغضب:
_نـــوح فيــــــــــن؟
أبعد كفيه من حول رقبته، وهو يمنحه ابتسامة باردة:
_لو عايز أضره مكنتش بعت أجيبك.
وفع كفه للخلف وهو يستطرد:
_أخوك جوه في الاوضة دي، عايزك تعقله وتخليه ينفذ اللي أنا عايزه والا هحرمه من الفرصة الذهبية دي وهوكلها لحد من رجالتي ينهيها.
سدده "كِنان" بنظرة محتقرة، وبصق أرضًا وهو يهتف بتقززٍ:
_هتعيش وتموت وانت أحقر خلق الله!
*****
كان مقيدًا على مقعد خشبي بمنتصف الغرفة، يديه مربوطة من الخلف، وفمه وعينيه معصوبتان، يهتز بعنف وعروقه بارزة من شدة الغضب والخوف على من أحبها بكل ذرة بكيانه.
مال "نوح" بجسده حتى تهاوى أرضًا، ينازع حتى يفك القيود التي تحاوطه، فاذا به يميل صوب صوت باب الغرفة الذي يتعالى صريره، ومن بعده صوت دعسات الأقدام التي استقرت من أسفله.
رفع الرجلين المقعد به، وفكوا لثامه وما كُمم به فمه، وجسده، تفاجأ "نوح" من وجود أخيه قبالته، يقف صامتًا، ويراقب تحرير الرجال له بسكونٍ، فاذا به يهمس بدهشةٍ:
_كِنان!!
كان يستعد للقادم وهو يعلم أنه سيخوض أصعب معركة أمام عشق أخيه الذي يعلم مدى جديته حيالها، العلاقة التي دامت بحياته حتى بعدما افترق عنها.
أخفض "كِنان" رأسه للأسفل بعجزٍ وحزن تام، وخاصة حينما تحرر "نوح" وما أن كاد أن يتساءل عما يحدث هنا حتى وجد "هارون" يقتحم الغرفة وهو يتجرع من كأس الخمر، فاتضحت الرؤيا كاملة أمامه، فأخذ يتطلع لأخيه بدهشةٍ جعلته ينسحب للمقعد القريب من الشرفة، جلس يوليه ظهره وهو يرتشف سيجارته بعنفوانٍ.
سحب "نوح" بصره إلى "هارون" الذي رنا إليه يعدل من قميص "نوح" الغير مهندم وهو يهتف:
_ها يا نوح هديت، ولا محتاج وقت أكتر من كده؟
انتزع يديه من حوله، وصاح بعصبية وغضب جامح:
_تــالا فيـــن؟!!!!
حافظ على ثباته وصلابته وقال:
_اهدى عشان تفهم اللي هقوله.
واجهه بقوةٍ وتحد:
_مش ههدى الا لما أشوفها بعنيا، إنت عايـز منها إيـه؟ هي ملهاش علاقة بمشاكلك مع تيـام!
ضحك بشكلٍ جعل "نوح" يرتعب خوفًا على حبيبته، وخاصة حينما دس "هارون" يده بجيب بنطاله وقال ببرود:
_لا طبعًا ليها علاقة، دي نقطة ضعفه الوحيدة اللي هتكسره يا نوح!
ومال بوجهه صوبه وهو يخفض نبرته:
_دي اللي هتجيبه راكع وبيتوسل إني مفضحش أخته بالفيلم اللي هخرجه ليها بنفسي، وطول ما هو معايا هيعمل اللي أنا عايزه عشان مينزلش.
جحظت عينيه صدمة، فاذا به يندفع نحوه بشراسة:
_فيلم إيـــه!! إنت عملت فيها إيـــه؟
وهرول صوب الباب المفتوح على مصرعيه وهو يصيـح بجنون:
_تـــــــــــــالا...
سد الرجلين الطريق من أمامه، ودفعاه للخلف برفق، سحب "هارون" رشفة من كأسه، وتمتم بخفوتٍ:
_متخافش الفيلم مش هيبتدي من غيرك، لانك البطل يا بطل.
أسبل في ذهولٍ ودهشة، فدفع الرجلين اللذان يقيدانه واقترب منه وهو يهتف بصعوبة من الحديث:
_إنت تقصد إيــه؟!
أشار "هارون" لاحد رجاله، فأسرع يحضر له زجاجة خمر بدلًا من الفارغة، ثم سكب في كأسه، ومازال يتطلع تجاه "نوح" الذي يرفض قراءة ما بعينيه الحقيرة، إذا به يقول بعدما تجرع كأسه كاملًا:
_يعني حبيبة القلب بانتظارك فوق، والكاميرا اللي هتشهد على قصة حبكم بردو بانتظار تسجيل فيلم الغرام.
اهتز جسد "نوح" بمحله كأنه على وشك السقوط بين لحظةٍ، فضحك "هارون" باستهزاءٍ:
_إيه مالك اترعبت ليه، أوعى يكون مالكش غير في إلقاء قصايد الشعر بس أزعل!
حرر "نوح" صوته المحتبس وهو يصرخ بعنف:
_إنت مجنـــــون،عقلك مش فيك بسبب الزفت اللي بتشربه، أوعى تفكر إنك هتضغط عليا بأي شكل من الاشكال، ولا إني هسمحلك تقربلها أو تمس بس شعرة منها!
توالت ضحكاته بشكلٍ أربك "نوح"، والآخر يجوب الغرفة كالشيطان المقيد قدميه بأساور تُوشك على التحرر، يتجرع كأسًا ويليه الآخر، ثم توقف فجأة وابتسامته تتلاشى بقوله الجحيمي:
_مش بمزاجك! لو معملتش كده هدي أمر لواحد من رجالتي يعملها، ويمكن يكونوا اتنين أو تلا...
ابتلع حديثه حينما ركض "نوح" صوبه وسدد لكمة قوية رغم جسده الرفيع الذي يتناسق مع عمر سن الجامعة، وقبل أن يطول وجه "هارون" لكمة آخرى، انتقل "كِنان" من محله، يبعد أخاه للخلف بسرعةٍ مريبة.
وقف "كِنان" أمام "هارون" يحيل بينه وبين أخيه وخاصة وهو يرى نظرة الشر تتفاقم منه تجاهه، وهو أحق العلم بأن أخاه لن يتمكن من مجاراة وحشية "هارون".
نجح بدفعه للخلف وهو يصيح بوجهه ومازال يحتوي اخاه خلف ظهره:
_سبني أتعامل معاه أنا يا هارون.
أراد أن يقتلع عنقه على ما فعل، ولكن نظرات "كِنان" التهددية جعلته ينسحب للخارج وهو يهتف بجحود:
_ربع ساعة ويكون فوق، والا هختار اللي يقوم بالليلة بداله.
احتقنت الدماء بعروقه، فحاول تخطي أخيه وهو يصرخ بعنفوان:
_بأحلامك، اللي هيقربلها هقتله وإنت قبلهم يا هارون.
دفعه "كِنان" للخلف بقوةٍ، حتى تمكن من السيطرة عليه، وصاح بحزمٍ:
_اخرس واسمعني.
سدد له نظرة حادة، وقال:
_إنت ازاي قابل بكده، دي مهما كان بنت عمك وأخت صاحبك، وفوق كل ده حبيبة أخوك واللي هتكون مراته في يوم من الايام!
أغلق "كِنان" عينيه قهرًا، بينما يتابع "نوح" بمرارةٍ:
_هو عاملك إيه عشان تكون قدامه بالضعف ده، قولي يا كِنان؟ لو أنا نقطة ضعفك اقتلني بايدك أهون عندي من اني أشوفك خاضع لكلب زي ده!
فتح بنيتاه التي أصابها احمرار من شدة الوجع، وأحاط وجه أخيه بقوة:
_أوعى تنطق كلامك ده تاني، أنا عايش عشانك وعشان أحميك.
أبعد يديه وهو يصرخ قهرًا:
_مش عايز حمايتك دي.
وأضاف وهو يترجاه بألمٍ:
_خرج تالا من هنا يا كِنان، أرجوك.
تنهد في سخطٍ، وقال بثبات:
_تيام نفسه لو كان مكاني وخيروه بين حياتك وحياة أخته كان اختارها، فأنت عايزني أفضلها عليك!!
أخفض رأسه بقلة حيلة، وعقله يكاد يجن من شدة التفكير، رنا إليه "كِنان" يخبره بهدوءٍ:
_اسمعني يا نوح، إنت مجبور تعمل كده والا صدقني هارون هينفذ اللي قالك عليه.
وتابع وهو يحاول أن يسيطر عليه:
_يمكن ده يكون السبب اللي يرغم تيام يوافق على جوازك منها.
رفع رأسه تدريجيًا إليه بأعين جاحظة، وصاح:
_إنت بتقول إيــــه؟!!! عايزني أعتدي على الانسانة الوحيدة اللي قلبي دق ليها، وأنا عارف كمان إن الوسـ* ده بيصورها!! عايزني أصور عرضي!!!!
وشمله بنظرةٍ أخيرة قبل أن يقول:
_أنا بستحقرك يا كِنان!
*****
بالأعلى.
تورمت عينيها من كثرة البكاء، حنجرتها جُرحت وصوتها قد بح من كثرة الصراخ، وها هو السجان يفتح الباب، معلنًا عن قدوم أسوء ما تخشاه.
تجمدت يدي "تالا" حول جسدها، وعينيها تراقب الباب بذعرٍ، فاذا بها تشهق فرحة حينما رأت من يقف أمامها.
احتملت على الحائط حتى نهضت، وهرولت تناديه بلهفةٍ:
_نــوح!!!
بقى محله يتطلع للارض حتى لا يرى تلك النظرة التي ستصيبه في مقتلٍ، وقفت قبالته تردد بصوتها المبحوح:
_نوح إحنا فين؟ أنا لازم أخرج من هنا، تيام زمانه قلقان عليا.
وحينما وجدته على نفس وضعيته، ارتابت من أمره، فوضعت يدها على يده وهي تناديه بقلقٍ:
_نوح!
رفع رأسه لها ببطءٍ، فتهاوى قلبها منكسرًا حينما رأت دموع عينيه تنسدل في عجزٍ، همست ألمًا وفلقًا:
_نوح مالك؟
أتاته دقات عنيفة من الخارج وصوت "هارون" المُقيت:
_انجز يا عريس، متطولش علينا.
توسعت عينيها في صدمةٍ، وعادت تتعلق به، فهمس وهو يتطلع لها في عجز:
_أنا آسف يا تالا.
تراجعت للخلف وهي تتفحص باب الغرفة، ومن ثم تتطلع له بعدم استيعاب، اتبع "نوح" خطوتها وهو يتابع بدموع انهمرت على وجنته:
_أنا مُجبر أعمل كده.
سقطت أرضًا من شدة الفزع، ونهضت تتراجع للخلف وهي تشير برأسها ببكاءٍ:
_لا، نوح إنت لا يمكن تعمل كده.
تعرقلت ساقيها حتى سقطت على الفراش، فزحفت للخلف وهي تبكي بينما يقول هو :
_غصب عني، أنا بحبك وهتجوزك يا تالا.
وأضاف يبرر لها:
_احنا كده كده بنحب بعض وهنتجوز.
زوت حاجبيها بصدمةٍ من قوله، أيبرر ذبحه لها بما يقول، مال يحاول لمس حجابها، فأشارت له بصرامة رغم ضعفها وانهيارها:
_هكرهك يا نوح.
وأضافت وهي تترجاه رغم جمود ملامحها:
_أوعى تعمل فيا كده، لو بتحبني بجد بلاش!
أحنى رأسه باكيًا:
_قولتلك غصب عني، لو معملتش كده هارون هيعمل الابشع.
عاد باب الغرفة يطرق، فاضطر أن يجذبها صوبه، صرخت وهي تبعده عنها وتترجاه ببكاء:
_نوح لاااا، متعملش فيا كده من فضلك، أنا مش عايزة أكرهك يا نوح.
رفع وجهه القريب منها وقال باكيًا:
_لو منفذتش مش هقدر أحميكِ من شر هارون.
اعتدلت أمامه تتطلع له بنظرةٍ أشعلت النيران داخله وخاصة حينما رددت بانهيارٍ:
_أنا عرفت ليه تيام مكنش موافق على جوازنا، إنت متنفعنيش يا نوح، مش إنت الراجل اللي يقدر يحميني!!
أحنى رأسه خزيًا منها، ورعبًا من مصيرها القادم، مزق لين قلبه بقسوةٍ، فهو لن يحتمل أن يمسها رجلًا غيره، لقد وعده "هارون" أنه سيجعله يرى الأمر بنفسه، لذا جذبها بالقوة، ومال صوبها يهمس بألمٍ:
_سامحيني يا تالا مش هتحمل أشوفه بينفذ تهديداته.
صرخت ببكاءٍ وحاولت أن تتحرر منه، حتى أنها نادته قبل أن ينجرف بما يود فعله، فقالت:
_نوح.
رفع وجهه الباكي لها، فقالت:
_إنت كده بتقتلني وبتقتل الحب اللي اتولد جوه قلبي ليك، بالله عليك ما تعمل معايا كده، أنا بحبك بلاش تحول الحب ده لكره، بلاش تقتلني يا نوح.
كسرت ما تبقى داخله، فمال على كتفها يبكي بانهيارٍ، وهو يردد بصوتٍ مكتوم:
_أنا مُجبر، صدقيني!
وعاد يتطلع لها، ثم قال يوعدها:
_أول ما هنطلع من هنا هتجوزك يا تالا، ده وعدي ليكِ.
حاولت سحب يديها من يديه التي تقيدها وهي تصرخ بهمجيةٍ:
_لو عملت فيا كده مش هتجوزك ولو كنت آخر راجل على وجه الأرض سامع!
وأضافت لتستفزه وهي تصفعه بقوة على صدره بعدما تركها:
_أنا بكرهك وندمانة إني حبيت إنسان ندل زيك، إنت جبان وعمرك ما هتكون راجل!
وأضافت باكية بحسرةٍ:
_اختياري ليك كان أكبر غلطة في حياتي يا نوح.
تألم لما قالت، فاذا به يزيح دموعها، ويضمها إليه بقوةٍ، وهو يردد بانكسارٍ:
_وإنتِ كنتِ ومازالتِ أعظم اختيار ليا، متخافيش يا حبيبتي مش هخليه يأذيكِ مهما كان التمن.
ارتسمت ابتسامة مرتعشة على شفتيها، فضمت يديه المحاطة لوجهها، ورددت:
_أوعدني إنك مش هتتخلى عني؟
ردد بقوة وعشق:
_بموتي يا تالا.
تلاشت ابتسامة عشقهما فور أن تحرر الباب، وظهر "هارون" من أمامهما، ومن خلفه يتبعه الرجلين، ارتعبت "تالا" وانصاعت إلى يد "نوح" التي جذبتها لزواية بالغرفة، يضعها من خلفه، ويهتف بتحدٍ:
_مش هنفذ اللي قولت عليه ولا هسمحلك تعمل كده، واللي عندك إعمله.
ضحك وهو يخبره بثقة:
_لا عندي وكتير كمان.
ثم أشار للرجلين باصبعه، فاتجها صوبهما، شددت "تالا" على قميص "نوح" من الخلف وببكاء نادته:
_نوح!
طمأنها بضمة يده، ثم جذب مصباح الزينة، وهوى على رأس أحدهما، بينما غرس الازاز في بطن الأخر.
ارتشف "هارون" كأسه ببرودٍ، وأشار لثلاثة رجال من الخارج، قائلًا بجمود:
_طلعوه بره.
ولج ثلاثتهم يحاولون جذبه بعيًدا عنها، فظهر من الخارج "كِنان" الذي أصدر أمرًا صارمًا:
_بـــره إنت وهو.
راقب الثلاثة وجه سيدهم، فوجده يشير لهم بالذهاب مؤقتًا، تأمل "كِنان" أخاه بنظرة معاتبة، وما أن وجد "تالا" تتمسك فيه بضعف، حتى لانت تعابيره، واستدار صوب "هارون":
_خلصنا يا هارون، كفايا اللي حصل لحد كده.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_أممم، كلامك ده تقوله قدام الديزل، وساعتها هنشوف مكافئتك منه هتكون إيه؟
وما أن كاد بالخروج حتى قذفه "كنان" على الحائط وصاح بخشونة:
_الحل اللي في دماغك ده هيقيد العداوة بينك وبين تيام أكتر، إنت عايز تجبره يرجع الشغل والقصر، ده حلها إنه ينجبر يرجع يكون وسطينا غصب عنه، مش ينتقم مننا وينفر أكتر.
راق له الحديث، وقال:
_ودي نعملها ازاي وأخوك ضيع كل خططي؟
قال وهو يخطف نظرة لاخيه الذي يتابعهما وإلى "تالا" التي تظهر عينيها من خلف كتف "نوح"، وقال:
_نجوزهم رسمي وحالا.
ضحك ساخرًا:
_إنت بنقول إيه؟ ما نعملهم زفة بالمرة؟
قال برزانة وعقلانية:
ده اللي هيحصل، وده اللي هيخليه يرجع يعيش في القصر عشان يأمن أخته، اللي طبيعي مكانها هيكون مع جوزها في قصر التميمي.
توسعت مُقلتيه بفكرته، بينما يتابع "كنان":
_ووقتها هتلاقي ألف طريقة تجبره يرجع الشغل.
راقت له الفكرة وجعلته يبتسم بسمة شيطانية، فاستدار صوب نوح وتالا التي تكاد تموت من كثرة اليكاء لما قاله كنان، ولكنه كان أخف مما كان سيحدث لها هنا، عاد هارون برأسه صوب كنان الذي يتطلع له بغضب مكنون، وقال:
_طيب والفيلم؟
تنهد كِنان بكراهية شديدة، وجذبه للخارج وهو يخبره ببرود:
_اعمله إنت مع واحدة من الرخاص بتوعك يا هارون.
هز رأسه وهو يضحك بانتشاء، وأشار لاحد من رجاله قائلًا:
_اقفل الاوضة بالمفتاح وابعت هات المحامي.
هرول من أمامه ينفذ أمره، بينما رنا هارون صوب كِنان وقال بغموض خبيث:
_على ما المحامي يوصل، تعالى أوريك منظر هيعجبك أوي.
ربع كنان يديه أمام صدره العريض وقال ببرود:
_معتقدش عندي نفس أشوف شيء يقفل يومي أكتر من شوفة وشك يا هارون!
انفجر ضاحكًا وهو يتجرع الكحول مجددًا:
_جرب، صدقني هيعجبك.
وأشار صوب الباب السري بالاسفل، فهبط من خلفه حتى وصل أمام باب القبو السفلي، زوى كنان حاجبيه باسترابةٍ، بينما يستخدم هارون الدرج الخشبي ليتعمق أسفل الارض لمسافة كبيرة، حيث خصصوا كهفًا ضخمًا للجثث التي يتم تصفيتها بأعمالهم المشبوهة.
تعجب كِنان من اصرار هارون أن يهبط كلاهما للاسفل، ومع ذلك اتبعه حتى وصل للحافة، التي تطل على حفرة عمقها يصل للاسفل، حيث كان يتم قذف الجثث من مكانهما للاسفل.
سحب هارون سلاحه وقال وهو يشير لرجاله باضاءة الكهف:
_مسكنا العيال اللي عرفتنا على الكلب اللي كان هيسرق الالماظ، فقولت أسليك بهم وأنا بسلب أرواحهم، إنت عارف كيفي!!
زم شفتيه بنفورٍ ودون أن يتطلع للاسفل، استكمل طريقه للاعلى، فاذا به يقف على جملته:
_هو مش الديزل محرج عليك تكشف حقيقتك لأي حد، وقالك إن لو ده حصل اتخلص من شاهد العيان قبل ما السر يتفشى.
استدار كنان صوبه بنظرة تحاول التلصص لما يود قوله، فتابع ببسمة خبيثة:
_لو ضعفت قدام الشاهد المرادي، أنا مبضعفش قدام حد، هقوم بالمهمة دي بدالك.
وصل له المشهد كاملًا، فهرول سريعًا للحافة، صعق كِنان حينما وجد معشوقته مقيدة تتمدد بين الجثث، بآعين مفزوعة، وفمًا يحبس صرخاتها خلف قطعة من القماش بينما فستانها الابيض تحول للون الأحمر من الدماءٍ المنسدلة من حولها
جوارها أربعة رجال مقيدون بنفس وضعيتها، وفي لحظة أطلق هارون الرصاص عليهم بشدة، فانطلقت الدماء على وجهها وفستانها، وهي تبكي وتحاول الصراخ أو الهرب، ولكن صوتها مكبوت!
دفع كِنان يد هارون، وقد فاض به، فأصبح كالمجنون، انكب من فوقه يكيل له الكلمات وهو يصرخ بعصبية:
_إنت أيه يا أخي شيطان، دي أختك يا عديم الرحمة أختك!!!!!
ضحك وهو يترك ذاته له بحرية:
_مشاعرك دي اللي خلت عثمان يتخلى عنك، غبي يا كِنان.
سحب كنان السلاح منه وصوبه على رأسه ثم قال بشرٍ:
_موتك على ايدي أنا في يوم من الايام يا هارون، هتدفع تمن اللي عملته فيها ده غالي، أغلى من روحك يا كلب.
ولوى يده بعنف ولم يتركه الا حينما استمع لصوت كسر العظام، بينما يطالعه هارون ببرود وبيده الاخرى يوقف رجاله عن قتله أو حتى التدخل.
هبط كنان للاسفل راكضًا، يمر بين الاشلاء والدماء، حتى وصل لها، رفع جسدها إليه فوجد صرخاتها المكبوتة تئن بألمٍ، تبكي وترتجف دون توقف، برودة جسدها نقلت له الساعات الطويلة التي قضتها بهذا المكان المرعب، وما أن رفعها حتى أغلقت عينيها مستسلمة للظلام.
ناداها كنان برعب:
_رزان!!!!
وضعها أرضًا وانتزع قميصه، يجفف الدماء عن وجهها، ثم حلق بها عاليًا حتى وصل للحافة، فوجد هارون يتابع شرب الخمر وهو يردد:
_بتخالف الأوامر تاني، إنت شكلك عايز المرة الجاية أصفيها بالمختبر.
حرر الوحش الكامن داخله، فترك حبيبته أرضًا ورنا صوبه بنظراتٍ وحشية، مرعبة، وقبل أن تطوله يده، أتاه صوتًا حازمًا:
_المحامي معاه شيء يخصك، خلصه وترجعلي فورًا هنا!
لف رأسه صوب الدرج فوجد الروبوت الخاص بعثمان يقف قبالته، يعرض شاشة تحمل انعكاس لصورة عثمان، ونظرة هلاك حملها لمن تجرأ وخالف قانون من قوانينه!!!!!!
..... يتبع......
#الاقــــــــــوى_قــــــــــادم 💣
بنات التفاعل واقع لو موصلناش ل3000لايك هضطر اوقف لبعد الامتحانات لان كده حرام، نحاول نظبط الدنيا عشان الاحداث اللي جاية صعبة ومهمة..
*****____*****
أشباح المخابرات الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية محمد رفعت
أشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_العاشر!
إهداء الفصل لأختي وصديقتي الجميلة زينب، بمناسبة عيد ميلادها، كل سنة وإنتِ طيبة وبخير وسعادة يا روح قلبي، كل سنة وانتِ محققة فيها كل اللي بتتمنيه، كل سنة وإنتِ اقرب إلى الله عز وجل في طاعته، كل سنة وإنتِ منورة حياتي ودينتي، كل سنة وإنتِ من أهم شركاء نجاحي، بحبـــــــــــك في الله ♥)
خرجت إلى شرفتها، تجيد تمثيل شعورها بالملل والضجر، بينما هي بالحقيقة تراقب القصر باهتمامٍ، وخاصة حينما استمعت لصوت أبواق سيارات قادم بقوةٍ كالعاصفة.
تمعنت "قدس" بالباب الداخلي للقصر، فوجدت عشرة من السيارات السوداء تمر واحدة تلو الأخرى، وكأنهم في صراعٍ لحرب ضارية.
اصطفت السيارات أمام قصر "التميمي" واحدة تلو الأخرى، هبط الشيطان من أول سيارة، وبيده زجاجة الخمر التي لا تفارقه، ويده الاخرى ملفوفة بالجبيرة.
ومن السيارة الاخرى، هبط "كِنان" يحمل فتاة لم تكن ملامحها واضحة إلى "قدس"، ولكنها تمكنت من رؤية فستان الزفاف الأبيض الملطخ بالدماء الذي ترتديه!
وآخر سيارة هبط منها" نوح" وهو يسند فتاة يبدو عليها الذعر والتردد في دخول القصر، بينما كان يرغمها "نوح" على الدخول برفقٍ ولين!!!
*****
وقف "هارون" بالداخل، ينتظر قدومهما، فاذا بعينيه تتابع "تالا" التي مازالت تبكي و"نوح" يجبرها على الصعود رفقته للأعلى، فأوقفهما حينما قال:
_على فين يا عريس؟
علم "كِنان" أنه لن يمرر هذا اليوم بتلك البساطة، فترك "رزان" التي مازال جسدها متخشبًا بفعل الصدمة، وضعها على أريكة جانبية، ومضى يقطع الطريق بينه وبين أخيه، وبخشونة قال:
_عايز منه إيه تاني يا هارون؟؟
تجرع من الخمر، وجسده يهتز بوقفته، بعدما بدا عليه تأثير السُكر:
_كِنان التميمي! إنت مش هتبطل تحشر مناخيرك في كل قرار أخده؟؟؟
وضحك بصوتٍ غير متوازن وهو يطرق على صدر "كِنان" بكره وحقد:
_صدقني أنا مجبور أبقى على حياتك دي، بس أنا واثق إن محدش هيسحب روحك دي غيري أنا!
ورفع الزجاجة يتجرعها بكثرةٍ، وهو يتابع:
_إنت متحكم في اللعبة كلها سواء كنت جواها أو براها، بتحاول تبين انك بعيد بس إنت قريب من كل شيء.
بقي ثابتًا أمامه ببرودٍ، بينما يتابع "هارون" إرتشاف الخمر وهو يتابع:
_الديزل بإيده ينهيك بكلمة واحدة منه، ومع ذلك مازال بيغفرلك كل غلطاتك!
وأضاف وهو يشير للدرج العملاق من خلفه:
_زي ما أنا واثق بردو إنه هيغفرلك المرادي.
واعتلى الشر أعينه وهو يشير على نفسه:
_بس أنا بقى مش هغفرلك تطاولك عليا في المرتين، وبالذات المرادي.
واستطرد وهو يشير تجاه الاريكة التي تعتليه شقيقته الباكية:
_نقطة ضعفك قدمتهالي على طبق من دهب، وزي ما نهيت الكلب اللي واقف قصادي، هنهيك!
وبضحكة شيطانية قال وهو يتطلع صوب "تالا" المتعلقة بجاكيت "نوح" بخوفٍ ورعب منه:
_تيام المسكين، حبيبته سجينة أوضة نومي، وأخته كملت اللي فاضل عليه وبقت عبدة ذليلة عندي!
ارتعبت "تالا" مما استمعت إليه، فشددت على جاكيت "نوح"، الذي صاح بغضبٍ:
_تالا مش عبدة عندك يا هارون، تالا بقت مراتي رسمي على سنة الله ورسوله.
توالت ضحكاته الشريرة، وما يثير غضبه برود "كِنان" قبالته، وثباته المحسوب، فقال وعينيه في ملحمة الآخر:
_أقف في مكانك ولسانك جوه بوقك يالا، خليك متداري ورا ضهر أخوك أحسنلك، لحد ما هتتسبب إنت واللي معاك في قطم ضهره، هو كده كده نهايته قربت!
إبتسم "كِنان" وهو يتطلع صوبه بجمودٍ، ثم قال بخشونة بددت ضحكات "هارون":
_متخافش عليا يا حبيبي، ضهري متين ويشيلهم كلهم.
وأضاف وهو يربت على كتفه الحامل لذراعه المكسور:
_بلاش تدخل الصغار في خلافات الكبار يا هارون، ميبقاش عقلك صغير كده، سيبهم لحالهم وخلينا في حالنا إحنا.
واسترسل ببسمة تسلية:
_لاعب اللي قدك يا هارون، ومتخافش هتلاقي خيارات كتيرة لنهايتك، اختار منهم وأنا عليا ألبي أمنياتك كلها.
إحتقنت عينيه غضبًا، وإذا به يستدير صوب الاريكة التي تحمل" رزان" ببسمة شيطانية، جعلت الاخير يفطن تهديده البارد، فقال بصوتٍ هادئ ولكنه كان كفيلا بهز أرجاء مملكة الشر:
_عينك عنها، مش عايزك تعيش اللي فاضل من عمرك كفيف يا هارون.
عاد يشرب الخمر، وهو يقول:
_متقلقش مش محتاجلها دلوقتي، طريقنا لسه طويل مع بعض يابن عمي.
وأضاف بضحكة إنتشاء:
_أنا مش عايز أعكنن مودي بالتراهات دي، كفايا إني حققت هدفي ونهيت عزوبيتك، رجعتلك القصر وإنت على إيدك عروستك!
وتابع باستفزاز وهو يتجه للمقعد جوار حارسه الشخصي:
_مبروووك يا عريس، معلش بقى العروسة مفرهدة من الخضة، بس إنت عارف ترجعها للمود إزاي؟
إحتقنت عيني "كنان" غضبًا، بينما تتعالى ضحكات "هارون" وهو يشير لمن يقف جواره:
_مسي على العريس يا صفوت.
ارتبك الحارس أمام نظرات "كِنان" المرعبة، بينما يقطع أحد الحرس جمعهم حينما قال:
_باشا بيبلغوني على اللاسلكي إن تيام باشا على البوابة اللي بره، حضرتك تؤمر بإيه؟
جحظت عيني "تالا"، وارتبك" نوح"، بينما صفق "هارون" وهو يضحك بشدةٍ:
_الحظ بيخدمني النهاردة بشكل مش طبيعي.
واستدار صوب "صفوت" بصعوبة بالتماسك:
_خد أختي حبيبتي نيمها فوق يا صفوت، مش عايزين نخض تيام كفايا خضته من اللي حصل مع أخته.
هز الحارس رأسه في طاعةٍ، وما كاد بتخطيه خطوة، حتى عركل "كِنان" ساقيه، وفي سرعة البرق كان يمدده أرضًا أسفل قدميه، ورفع ساقه يضعه على رقبته، قائلًا وعينيه تتحدى "هارون":
_إيدك لمستها وكسرتها، المرة الجاية رقبتك إنت اللي هتبقى تحت رجلي يا هارون.
ضمت" رزان" ساقيها لها، وهي تبكي دون أي صوت، لو بقت فوق العمر عمرًا لن تنسى تفاصيل هذا اليوم المأساوي.
تحرك "كِنان" صوبها وحملها بين ذراعيه بينما مازالت نظراته مُسلطة على "هارون":
_خطتك الوضيعة نجحت وبقت مراتي خلاص، فمن اللحظة دي تطردها بره تفكيرك، نظراتك نفسها متطولهاش.
قالها وإتجه للمصعد، وعينيه تقابل أخيه بنظرة فهم معناها،فأومأ برأسه بهدوءٍ، وأخر ما تسلل لمسمعه صوت" هارون" الذي أمر الحارس:
_خليه يدخل.
صعد بهما المصعد للطابق العلوي، وضعها "كِنان" بفراشها، ومال صوبها يمرر يده على خصلاتها الملوثة بالدماء:
_رزان إنتِ خلاص بقيتي في أمان، اللي حصل كان صعب أنا عارف، أوعدك إننا هنتخطى كل ده مع بعض.
ومال يقبل أعلى رأسها وهو يخبرها:
_أنا لازم أنزل دلوقتي، قومي خدي شاور وغيري هدومك دي، وأنا شوية وراجع.
بقيت ثابتة محلها، لا يتحرك فيها سوى دموعها، فناداها بقلق:
_سامعاني يا روز؟؟؟
رفعت رأسها ببطء له تمنحه نظرة منكسرة، وعادت تتطلع أمامها مجددًا ويديها تلتف من حول ساقيها بسكونٍ مريب.
وخز قلبه وشعر بوجعٌ يخترق ضلوعه، كان بين نارين كلتاهما تكاد تحرقانه، نار الخوف على أخيه من غضب "تيام"، ونار البقاء جوارها ليحتويها بين ذراعيه حتى تنسى هذا اليوم المرير.
أقنع" كِنان" نفسه بأنها على الاقل بأمانٍ حتى لو مؤقتًا، أخوه الآن بحاجة ماسة له، انحنى يقبل رأسها مجددًا وهو يهمس لها بحزنٍ:
_راجعلك تاني، مش هتأخر.
وتركها وغادر ومازالت على حالها، كأنه لا يعنيها بقاؤه من مغادرته، كأنها مازالت محتبسة داخل هذا الحلم السيء، مازالت تقنع ذاتها أنها ستفيق بعد قليل، وستجد الخلاص من هذا القبو المظلم، والدماء التي تلوث ملابسها وجسدها!
****
أدار "هارون" مقعد البار، صوبها منحها نظرة مخيفة، جعلتها تتراجع خلف "نوح"، التصقت بظهره من شدة الرعب، تجرع ما بالكأس مرة واحدة، ونهض يرنو صوبهما، قائلًا:
_إنتِ فاكرة إني لو عايز أعملك حاجة اللي بتتداري وراه ده هيحميكِ مني!!
تبدد الغضب بمُقلتيه، فصاح بعصبيةٍ:
_جرب وهتشوف هحميها منك إزاي يا هارون!
تغاضى عما يقول كأنه ليس له وجود، وتابع وهو يتطلع لعينيها الظاهرة من فوق كتف" نوح":
_لو بوقك اتفتح بحرف غير اللي هقوله قدام أخوكِ هدفنك جنبه في قبر واحد.
ونقل بصره إلى "نوح" مضيفًا بشرٍ:
_وحبيب القلب ده هيكون تالتكم!
أحاطها"نوح" بذراعه من الخلف، والغضب يتأجج داخله لدرجةٍ جعلته يكاد أن يسدد له لكمة تجعله يبصق الدماء من فمه، ولكنه تراجع فجأة حينما ظهر "كِنان" من أعلى الدرج، في نفس لحظة دخول "تيام" الذي هرع صوب شقيقته وهو يناديها في لهفةٍ:
_تـــــالا!
انتبهت لأخيها وكادت أن تهرع إليه، فاذا ب"نوح" يشدد من تمسكه بها، حتى دفعه "تيام" ووصل إليها يضمها بقوةٍ وقلبه يكاد أن يتوقف مما أصابه طوال تلك الساعات.
بكت بين ذراعيه رغمًا عنها، وكلما التقطت عينيها نظرة "هارون" الشيطانية كانت تحاول السيطرة على دموعها ولكنها فشلت.
أبعدها "تيام" عنه وقال بهلعٍ:
_كده تعملي فيا كده!! أنا مسبتش مكان الا ودورت عليكِ فيه!
واستطرد وهو يتطلع بغضب صوب "نوح":
_مصدقتش صاحبتك لما قالتلي إنك خالفتي كلامي وخرجتي معاه!!
وعاد يتطلع صوبها، يحثها على الحديث:
_انتِ وعدتيني يا تالا، كنتِ بتخدعيني؟!
وأضاف بغضبٍ من صمتها:
_ساكتة ليه اتكلمي! إيه اللي جايبك معاه هنا؟؟؟
راقبه" هارون" بانتشاء ورغبة تلتاع للشماتة به، فرنا صوبه وهو يردد بسعادة:
_ده نفس السؤال اللي كنت بسأله لنوح من شوية، والإجابة كانت زي ما توقعتها بالظبط.
استدار صوبه بعدم فهم، والخوف يزيد من سطوته عليه، فاستكمل "هارون" وهو يتصنع الشفقة والحزن:
_الظاهر كده يا تيام إن الخذلان والخيانة إتكتبت عليك لآخر حياتك، بس المرادي الوجع هيكون صعب بشكل مخليني مشفق عليك.
ضيق عينيه باسترابةٍ مما سيقول، حتى صرح له:
_المرة الاولى خيانة حبيبتك اللي باعتك واختارتني أنا، والمرة التانية أختك اللي فضلت حبيبها عليك واتجوزته غصب عنك ومن وراك!
توسعت مُقلتيه في صدمة، وحالة من عدم الاستيعاب لما يقول غمرته بقسوةٍ، كل ما فعله أنه إنتظر أن تتحدث شقيقته وتنفي ما قال، ولكنه وجدها تتراجع من أمامه وتسرع صوب "نوح" الذي تلقفها بين ذراعيه يأمن لها الحماية! حماية منه وهو الذي عاش عمره يقدم لها الأمان والحماية، فجأة انسحبت هي من بين يديه وعارضته من أجل قلبها!
هبط "كِنان" للاسفل مندهشًا مما يفعله "هارون"، الذي يتخذ طريقًا آخر غير المتفق عليه، ذلك الشيطان لا أحدٌ يعلم ما يدور برأسه الشرير، لقد قدم أخاه كبشًا لغضب" تيام" الذي تحرك إليه وهو يصيح:
_تالا الكلام اللي بيقوله ده صح؟؟؟
ما أسوأ ما تختبره بتلك اللحظة، شددت من تمسكها ب"نوح"، وهمست بصوتٍ غير مسموع الا له:
_مش هقدر أعمل كده يا نوح، مش هقدر!
مسد على يدها القابضة على ظهره، ومال يهمس لها:
_هتقلبيها حرب يا تالا، هارون بيستنى الفرصة دي.
مال رأسها على كتفه وانهارت بالبكاء، بينما يرنو صوبهما "تيام"، حتى بات أمامها، وبثباتٍ مخادع قال:
_ردي عليا، إنتِ خالفتي كلامي واتجوزتيه يا تالا؟
رفعت رأسها ببطءٍ وخطفت نظرة سريعة لذلك الشيطان اللعين، ثم رددت بانكسارٍ طالها قبل أن يطول أخيها:
_أنا قولتلك إني بحبه وإننا ملناش ذنب في عداوتك، بس إنت مسمعتش كلامي ومهمكش غير نفسك وبس.
اخترقه سهم حارق، كاد أن يشعل جسده، لا يصدق ما تقوله، حتى أنه فاه مستنكرًا قولها:
_الكلام ده كدب، إنتِ مستحيل تعملي فيا كده يا تالا، تعالي نمشي من هنا ونتكلم في بيتنا.
غطت ضحكات" هارون" القذرة المكان، وقوله الساخر يشمله:
_بيت مين؟ هو في عروسة بتسيب عريسها في يوم زي ده وترجع بيتها، مالك يا دكتور مخك اتلحس ولا إيه؟؟ بنقولك إتجوزوا يعني تهني وتبارك وتتمنالهم زواج سعيد وزيجة صالحة مع إني أشك إنها تتخلق وسطنا هنا، بس يمكن تحصل معجزة!
سلخ نظراته عنها، وصوبها إلى "هارون"، اتجه لمحل جلوسه وقال بنبرة مرعبة:
_أنا واثق إنك ورا اللي بيحصل ده، حسابك تقل معايا أوي يا هارون.
جذب الكأس الذي ملأه" صفوت" له، تجرعه ومال يتطلع إليه ببرودٍ:
_عيب تقول الكلام الأهبل ده يا دكتور، ده إنت أذكى واحد فينا! أنا اللي عملته إني جبتلهم مأذون واتنين شهود لكن ماليش علاقة بقصة الحب اللي دايرة ما بينهم دي زي ما أنا ماليش ذنب بردو إني أكون إختيار خطيبتك فطردتك من قلبها وحطتني أنا!
إلى هنا وكفى، لم يحتمل "تيام" أكثر من ذلك، مال إليه يسدد له لكمة قوية، وما كاد أن يستكمل حتى التف من حوله الحرس الذي أعدهم ليومٍ مثل هذا.
اخترق "كِنان" الجمع الدائري المحاط بالأسلحة من حولهما، ورفع يده يشير لهم بصرامةٍ، فانخفضت الاسلحة وتراجع الحرس.
دفع "كِنان" "تيام" للخلف وقال بهدوءٍ:
_تيام إنت عارف إنهم بيحبوا بعض، ومتأكد إن الحكاية هتنتهي كده، بلاش تتهور وإمشي دلوقتي وبعد كده هنتكلم.
شمله بنظرةٍ ساخرة، وقال:
_أمشي!! أنا بعدت وكنت طالب إنكم تسيبوني في حالي عشان مقلبهاش حرب عليا وعليكم، بس بما إنكم وصلتونا لهنا فعليا وعلى أعدائي.
خرج "هارون" من بين رجاله، يرد بانتشاءٍ:
_اقلبها زي ما تحب، بس متنساش رقبتك تحت إيديا.
قالها وهو يشير صوب شقيقته، ويضيف بشماتة:
_وهي اللي اختارت بإرداتها.
كز على أسنانه بغضب وهو يصارع انهياره الداخلي، فسحب ذاته من الوقوف أمام هذا اللعين وعاد إلى شقيقته يحاول التحدث لها بهدوء:
_تالا أنا واثق إنك دلوقتي ندمانة، تعالي نرجع البيت وأنا هتخطى غلطتك دي وهصلحها حالًا.
وأضاف وهو يشير ل"كِنان":
_لو باقي على حياة أخوك حالًا تخليه يطلقها، أختي ملهاش مكان وسطكم وأنا سبق وحذرتك إنت وهو.
إزدادت الأمور سوءًا، وخاصة حينما تحققت غاية "هارون" الحقيرة بدفع كرة النيران بين "كِنان" و"تيام"، وقد علم "كِنان" ذلك منذ الوهلة الأولى.
منح "كِنان" "تالا" نظرة علمت منها ما يطلبه منها، فابتعدت من خلف "نوح"، واقتربت من أخيها تجاهد للحديث الذي ذبح قلبها قبل أن يطوله:
_لا يا تيام، نوح مش هيطلقني، أنا بحبه وعايزاه!
وأضافت بحزنٍ شديد:
_أنت بتعيد نفس اللي حصل معاك معايا، وأنا ماليش ذنب فيه.
شعر وكأن من أمامه ليست شقيقته التي تربت على يديه، تحامل" تيام" قدر ما استطاع، وخاصة بسمة الشماتة الظاهرة على وجه "هارون".
استجمع ما تبقى من قواه، رغم أنه ينهار حرفيًا، فتطلع لها وهي توليه ظهرها وتتمسك بيد" نوح"، ثم قال:
_معقول تكون دي نظرتك ليا !! حاضر يا تالا همشي وهسيبك تعيشي حياتك بس خلي بالك خروجي من هنا من غيرك معناها إنك انتهيتي بالنسبالي.
قالها وانسحب على الفور، لقد ضاقت الدنيا به فجعلته يشعر باختناقٍ لم يشعر به من قبل، وما أن غادر بسيارته هذا القصر الملعون حتى حرر بكاءه ووجعه كاملًا، الخسارة تلك المرة لم تكن قلبًا يستطيع إحياءه بالذكريات، بل كانت روحه التي لن يستطيع جسده الصمود دونها!!
******
سعادته كانت بلا حدود، انسحب للاعلى وهو يتحرك بانتشاء، ويصفر بسعادة مريضة، جعلت "كِنان" ينسحب من خلفه للاعلى، وقبل أن يصعد للطابق الثاني أوقفه غاضبًا:
_إيه اللي إنت هببته ده، إنت خربت اتفاقنا كله! ثم إنك في إيه عايزه يرجع هنا وفي إيه فهمته إن تالا هنا بمزاجها، إنت دمرت علاقتهم ببعض، مستحيل تيام هيجي يعيش هنا وهو فاهم إنها هنا باختيارها!
قابله "هارون" بابتسامة باردة:
_حاولت بس مقدرتش أفوت على نفسي فرصة إني أشوفه مكسور كده.
وأضاف وهو يمرر يده على صدره:
_شوفته بالوضع ده رضاني وغسلني من جوه.
زم "كِنان" شفتيه بنفور منه وتمتم:
_إنت مريض نفسي ومحتاج تتعالج.
ضحك بصوت صاخب، وفاه ومازال جسده يهتز تحت تأثير الخمر:
_فعلًا؟ كويس إنك لقيت حجة تبرد بيها نارك نحيتي.
وأضاف "هارون" وهو يستكمل صعود الدرج:
_اقعد وفكر هتخليه ازاي يجي يعيش هنا، خلاص لذتي أخدتها، رجوعه كده كده عليك، آه متنساش تعدي على الديزل، هو في انتظارك من بدري!
احتقنت أوردته من شدة كراهيته له، سند ذراعه على الدرابزين بتعبٍ، فوجد أخيه يساند زوجته ويصعد بها للاعلى، دلها على غرفته وعاد يقف أمامه بملامح جامدة، سرعان ما تحولت لابتسامة ممتنة وعناق خفف عنه عناء ما تعرض له اليوم.
زاد "نوح" من شدة ذراعيه من حول رقبة "كِنان"، فرفع يديه يربت على ظهره بحنانٍ، بينما يهتف "نوح":
_لولاك كنت هخسر تالا، كنت عارف إنك مستحيل هتحطم ثقتي فيك.
مسد على ظهره وهو يتذكر حينما إستغل فرصة خروج" هارون" من الغرفة، مال صوب "نوح" وهو يزعم أنه يحاول حثه على فعل ما يطلبه "هارون" منه، فاذا به يهمس له وهو يراقب موضع الكاميرات بحرصٍ.
«وافق على كلامه ومتخافش، أنا موجود ومش هسمحله ينفذ اللي في دماغه، ثق فيا زي ما أتعودت وأنا أوعدك إني هخلصك إنت وتالا بدون ما تعمل أي شيء يكسرها»
إبتعد عنه يطالعه بحبٍ واحترام يفوق احترامه لوعده:
_مهما عرفت عنك وعن شغلك معاهم هتفضل أفضل شخص في عيلة التميمي كلها.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "كِنان"، ربت على كتفه وقال:
_هتخلص كلامك الحلو كله عليا، شيلك كلمتين تقولهم لعصفورة الكناريا بتاعتك.
ضحك ومازحه:
_متخافش على أخوك يا كيوي، الكلام الحلو اللي يخصها متدكن جوه قلبي من سنين وجيه الوقت إنه يخرج للنور.
وما كاد بتركه حتى وجد ذاته يعود مكانه مجددًا حينما جذبه" كِنان" من قبعة جاكيته، فالتصق بالدرابزين يطالعه بهلعٍ، صاح به "كِنان":
_خلي عندك دم وأجل أي كلام عندك، البنت منهارة بعد اللي إتجبرت تعمله في أخوها، أجل أي شيء خبيث بتفكر فيه وحاول تحتويها لما تنسى اللي الزفت هارون عمله فيكم.
عبث بحزن مضحك، وقال ومازال مُعلقًا بين يدي أخيه:
_منه لله ضيع عليا ليلة العمر، بس أهو بالنهاية طلعنا منه بمنفعة واتجوزتها، أنا مش مصدق يا كيوي!!
لف يده حول عنقه، يحذره:
_كيوي تاني!!!
ادعى أنه يختنق وردد:
_هعملك إيه اسمك مالوش أي دلع، واسمك الحركي جاك ده مش بالعه أنا!!
مرت عليه خدعته فتركه على الفور حينما شعر باختناقه، وأشار له بينما يتجه للمصعد:
_روح شوف مراتك، وسيبني ألم الليلة اللي فتحها الكلب اللي طلع ده.
هرول من خلفه يوقفه بذعرٍ حينما علم إلى أين يصعد:
_هو عثمان عرف باللي حصل؟!
واسترسل في حيرة:
_عرف إزاي؟؟؟ وبعدين روز إيه اللي جابها هناك. ومين عمل فيها كده، وإنت ليه اتجوزتها، أنا مش فاهم حاجة!!
توقف محله يسحب نفسًا متعبا مثل حاله، واستدار يعود لأخيه، يضم وجهه الرفيع بين يديه:
_نوح قولتلك متشغلش بالك بحاجة غير تالا، ادخلها وحاول تهديها، ومتفكرش في حاجة تانية.
هز رأسه بالرفض، وبات يعقل الامور:
_ هارون معملش كده من نفسه، دي أوامر عثمان وأكيد مش هيعدي اللي إنت عملته بسهولة!!
ناداه بصرامة:
_نوح.
عاد يكرر وكأنه لا يستمع إليه:
_وهارون حطك قدام تيام وش، وكل ده بسببي أنا!
عاد يناديه وهو يهزه بعنف:
_نـــــــــوح، قولتلك متفكرش في حاجة غير تالا، يلا إرجعي أوضتك واتطمن أنا هنا، وقادر أواجه عثمان وتيام، والكلب ده هوقفه عن حده، خليك واثق فيا ومتخافش!
أرضخه إليه بكلمة اعتاد أن يوافقه عليها "ثق بي" كلمة تنجح دائمًا بتهدئة "نوح"، فهز رأسه في طاعةٍ، ومضى لغرفته دون أن يضيف كلمة واحدة، بينما ولج" كِنان" إلى المصعد وصعد للقاء الديزل المزعوم.
******
ولج للجناح يصفر صفرته المعتادة، تكومت "رحيق" على نفسها رعبًا منه، وحاولت أن تحبس أنفاسها اللاهثة وتمثل انتظامها حتى يظن أنها نائمة، سحبت الغطاء من فوقها،وأنعشت ذكرياتها برؤية حبيبها.
ظلت بالشرفة تراقبه وهو يقف بالخارج بين الحرس، وقضت ساعة كاملة تنتظره حتى تراه وهو يرحل، رؤيته كل فترةٍ هي ما يبقيها على قيد الحياة.
شهقت فزعًا حينما سحب "هارون" الغطاء يلقيه بعيدًا عن الفراش، ثم جذبها من خصلات شعرها يوقفها عنوة أمامه وجسده يهتز بها من فرط الخمر الذي تجرعه:
_هي نمرتك الرخيصة دي مش هتخلص بقى، زهقت منها غيريها عشان حتى الملل.
تأوهت وهي تبعد ذراعه عنها، وبألمٍ قالت:
_عايز مني إيه؟؟ سيبني.
ضحك باستهزاءٍ مقزز:
_في واحدة تسأل جوزها سؤال زي ده بردو، هكون عايز إيه أنا!!
ودفعها بعنف صوب غرفة الملابس، بينما يجلس على فراشه:
_ادخلي غيري القرف ده، وإمسحي التراب من على اللبس اللي عفن جوه وإلبسي منه.
ضمت بطنها بوجعٍ من سقوطها القوي، فمالت على الأرض تبكي بضعفٍ، استندت على الحائط حتى استقامت بوقفتها:
_أنا تعبانه وعايزة أنام.
عاد يضحك ساخرًا من حججها التي حفظها عن ظهر قلب:
_مش قولتلك غيري مليت من تكرار أفعالك!
وسحب سيجارًا يرتشفه وهو يشير لها بالإقتراب، فخشيت أن تغضبه فيبرحها ضربًا وخسارتها تلك المرةٍ ستكون جنينها.
إقتربت منه "رحيق" بخطواتٍ متهدجة، تحبس فيها رعبها ونفورها منه، وقفت أمامه فأشار لها بالجلوس جواره، إنصاعت له وترقبت ما سيفعله بخوفٍ كاد أن يوقف قلبها الضعيف.
رفع ذراعه للأعلى فانتفضت بمحلها رهبة، فضحك وهو يحيطها كأنه يضمها، بينما يخفض من نبرته المخيفة:
_هو أنا بعد كل اللي عملته فيكِ ده ومناخيرك بردو لسه رافعاها فوق!!
ضمت وجهها خوفًا منه فطالعها بنظرةٍ خبيثة وهتف:
_خايفة أشوه وشك ومش خايفة على ابنك!!
اتسعت مُقلتيها في صدمةٍ، جعلتها تبعد يديها وتطالعه بذهولٍ، سحب نفسًا طويلًا من سيجاره ونفث دخانه بوجهها، وهو يضحك بسخرية:
_أبهرتك أنا!!
وشدد على ذراعها وهو يقربها إليه عنوة، بينما يهتف بخشونة مقبضة:
_أنا مفيش حاجة تخفي عليا، أنا أعرف القرد مخبي عياله فين، زي ما عارف مكالمات الشوق والغرام اللي ما بينك وما بين البت اللي بتشتغل عند حبيب القلب!
كممت فمها من الرعب والخوف، وحاولت إبعاد ذراعيه عنها ولكن قوته كانت تفوق جسدها الهزيل، إستندت على صدره بذراعيها ومازالت تدفعه بجهدٍ ضعيف، متوسلة:
_إبعد عني يا هارون، إنت لسه عايز مني إيه؟ حرام عليك أنا عايشة محبوسة هنا ما بين أربع حيطان، لسه عايز تعمل فيا إيه تاني؟
رفع ذقنها للاعلى لتتمكن من رؤية ابتسامة تسليته بينما يهمس:
_موتك، ولو باقي على حياتك فده عشان مستمتع بوجع حبيبك، زي ما أنا باقي على حياة اللي في بطنك.
تلوت بين ذراعيه بنفور وكره شديد، بينما يميل بها للفراش، يرغمها على النوم بين ذراعيه وهو يرتشف سيجارته ببرود:
_فكرت أخدك للدكتور الشمال اللي متعود أخدله يظبط كل المسائل الشخصية اللي تخصني، بس لما وزنت الامور لاقيت أن حملك ده هيسهل عليا حاجات كتيرة أوي، وخصوصًا لو حبيب القلب رجع يعيش هنا!
وأضاف وهو يقبض يده بقوة على بطنها، فصرخت وجعًا:
_كل ما يشوف بطنك بتكبر قدامه هيموت بدل المرة ألف مرة.
ورفع يده الأخرى يحيط بها رقبتها، فابتلعت ريقها برعب، وتراجعت للخلف وهي تردد بفزع:
_إنت هتعمل إيه؟؟
تبسم بمكر وهو يوزع بصره نحوها ونحو بطنها:
_قولتلك مش هعملك ولا هعمله حاجة، وهسمحلك تخرجي كمان من الجناح اللي محبوسة فيه، ومش بس كده لا هجيبلك أحسن دكاترة تجميل ترجعلك جمالك اللي ضاع على إيدي، وتلبسي أحسن لبس، لازم نبان قدام حبيب القلب إننا أسعد زوجين، ولو بان عكس كده، يبقي آ...
قطع جملته وهو يقبض يده من حول رقبتها بقوةٍ، فانسحب عنها الهواء وضرمتها الآلآم بقسوةٍ، طرقت على يده تحاول إبعاده وهي تهز رأسها بأنها ستخضع له.
تركها وهو يبتسم بانتشاء، ثم عدل من نومته وهو يشرد بحماسٍ بانكسار "تيام" حينما ينتقل للعيش هنا!!
اعتدلت "رحيق" جواره، وتمددت وهي توليه ظهرها بقهرٍ، رأسها مرتخي على الوسادة ودموعها تنهمر عليها بعجزٍ وألم، تمنت أن يقبض الله روحها، عسى أن تنتهي رحلة عذابها التي طالت ومازالت تدفع هي ثمنها، أغلقت عينيها وهي تتحدث مع نفسها، فحتى النفس بات محسوبًا عليها:
_يا رب خلصني من العذاب ده.
وعادت تحسب ما قاله، فاندهشت حينما كشف خبر حملها وما تفعله بيومها، فتذكرت حينما قضت تلك الليلة اللعينة برفقته هنا، وجعلها ترى الفيديو المسجل لهما فباتت على يقينٍ بأن الجناح بأكمله مازال مزودًا بالكاميرات!
***********
لقد أصبحت الآن زوجته على العقود رسميًا، خذلت أخاها بفعلتها وهي لا حيلة لها، وقعت الوثيقة التي جعلته يتجرع الألم للمرة الثانية، الأولى كانت من نصيب تلك الخائنة، والثانية من نصيبها.
تهاوت "تالا" أرضًا تبكي بانهيار، لا تصدق أنها تسببت بجرح أخيها بجرحٍ ولو صغير، ولكنها كانت عاجزة ، ضعيفة، لا حيلة لها، تندفع ذكريات هذا المشهد المأساوي لها مجددًا، وكلما تذكرت كيف وقفت أمامه وماذا قالت تنهمر بالبكاء الحارق.
راقبها "نوح" بحزنٍ شديد، لقد كان يريدها زوجة له بكل ذرة بكيانه، ولكن ليس بتلك الطريقة، ولا وهي بتلك الحالة من الحزن والانكسار.
إتجه "نوح" إليها، جلس أرضًا بجانبها، يستند بذراعه على ركبته المثنية، ورأسه مسنود للحائط، يتطلع أمامه بصمتٍ، وصوت بكائها أرغم عينيه أن تدمعا تأثرًا بها.
تحرر صوتها الشاحب أخيرًا، وهي تتطلع له في حسرةٍ:
_أنا كسرت ثقته فيا يا نوح، تيام ميستهلش مني كده.
وتابعت بمرارةٍ:
_نظراته ليا كانت كلها صدمة وخذلان، أنا خذلته يا نوح!
قالتها ومالت على ساقه المفرودة، فرفعها وهو يحيطها بذراعه، يحجب مشاعره بكل قوة، حتى لا تظنه سعيدًا بما يحدث معها، مازال لا يستوعب أنها ارتخت على ساقه، حبيبته التي حُجبت عنه لأعوام، حتى أنه كان يتمنى رؤية حتى شعرها، كانت تُحرم عليه رؤيتها دون حجابٍ، وهو الذي اعتاد رؤية الكثير من الفتيات المتبرجات، كانت هي بعيدة عنه كبعد السماء من الارض، والآن اصبحت زوجته، وتقترب هي منه برغبتها.
ربت بكفه على ظهرها، وأجلى أحباله الهادرة:
_كنتِ مجبورة على اللي عملتيه يا تالا، مكنش باختيارك ولا بإرادتك.
مالت إليه و عينيها المتورمة تتطلع للفراغ:
_النتيجة واحدة، وهي إني خسرته يا نوح.
أحاطها من الخلف بذراعه وقال:
_بكره هيعرف الحقيقة يا تالا، ولو عايزاني أروحله وأحكيله اللي حصل هعمل كده.
رددت بصوتها الشاحب:
_الحقيقة هتزود عداوته مع هارون، بعد اللي شوفته عرفت إنه فعلا شيطان ومعندوش عزيز، حتى رزان مسلمتش منه!
لاح الحزن على وجهه، حينما تذكر كيف كانت حالتها:
_الله أعلم باللي عمله معاها عشان كِنان ينجبر ويتجوزها، بالنهاية الكلب ده حقق اللي هو عايزه.
وتنهد بقهرٍ وهو يتابع:
_الظاهر إننا كلنا عرايس بتتحرك بين صوابعه هو وعثمان.
تحلت بالصمت مما زرع القلق داخله، فإذا بها تنهض عن ساقه وتقابله بلهفةٍ:
_نوح، رحيق مظلومة في اللي حصلها ده؟
تجلى الارتباك على معالمه، فأراد أن يستبدل حوارها، حينما نصب عوده وجذبها رفقته:
_آآ...أنا هجهزلك الحمام تأخدي شاور وترتاحي.
ومضى صوب خزانته وهو يستطرد:
_ هجبلك أي حاجة من لبسي لحد ما الصبح ننزل نشتريلك لبس جديد.
وسحب إحدى الترينجات الخاصة به، ثم عاد يمنحها إياه وهو يمازحها:
_متقلقيش مش هضحك عليكِ حتى لو بقيتي شبه المهرج في اللبس.
سحبت الملابس من يده، وباصرار قالت:
_مجاوبتنيش يا نوح، هارون إبتز رحيق بحاجة زي ما عمل معانا؟
زفر بحدةٍ، ومال على حافة الفراش:
_بتنبشي ليه في الماضي يا تالا! خلاص اللي عدى عدى وانتهى، لا معرفته هترجع اللي راح ولا هتحيي قصة الحب اللي كانت ما بينهم!
زادت شكوكها وتضاعفت، فإذا بها تجلس على المقعد ويجتاحها موجة من البكاء، بينما تجاهد لتفوه:
_كنت شاكة أنها مظلومة، وإنت أكدتلي ده.
أسرع "نوح" إليها، انحنى أسفل قدميها وأمسك يديها يفركهما بلين وحب عساها تتفهم ما سيقول:
_أي حاجة بتحصل هنا تيام مش لازم يعرفها، إنتِ كده بتقدمي أخوكِ للموت، أنا عارف إن رحيق مكنتش بس خطيبة تيام، كانت صديقتك المقربة فأوعى الرابط ده يخليكِ تختلطي معاها بأي شكل من الأشكال، خليكِ بعيد يا تالا.
رفعت رأسها للأعلى تجاهد ألا تفقد أعصابها مما تستقبله بهذا اليوم العصيب، وحينما هدأت قالت:
_تمام يا نوح، بس على الأقل أتكلم معاها حتى لو مرة واحدة!
أجابها بهدوءٍ حتى يمتص حزنها:
_مش هتعرفي، هارون شبه حابسها في الجناح من يوم ما اتجوزوا، مخرجتش غير تلات أربع مرات وكانت تقرببًا رايحة عند أهلها وبحراسة مشددة كمان، ومفيش حد مسموحله يطلع فوق غير رزان اللي بتطلع من فترة للتانية.
إندهشت مما استمعت إليه، وراحت تهتف بصدمة:
_ليه كل ده؟!!
رد عليها وهو يجذبها ويقدم الملابس لها:
_وبعدين يا تالا، قولتلك متشغليش بالك بأي حاجة دلوقتي، خدي دش وارتاحي.
هزت رأسها في طاعةٍ، ومضت صوب حمام غرفته دون أن تعقب على شيءٍ آخر.
*****
بمجرد وصوله أمام باب الجناح فُتح من أمامه، سحب "كِنان" نفسًا مرهقًا وولج للداخل يبحث عنه، وجده كعادته يجلس أمام الشرفة ويوليه ظهره، مضى صوبه والتوتر يحفر وسامه على ملامحه الرجولية القاسية.
لف "عثمان" بالمقعد يتطلع له نظرة غامضة، جعلته يفشل بتحديد كنايتها، رماديتاه معتدلة لا تبوح بالغضب بل بالهدوء.
بالرغم من احتجازه على المقعد هذا إلا أنه أكثرهم جمالًا وقوة نابعة من جسده العضلي، الذي تزرع شكوك عارمة حول عجزه التام عن الحركة، حتى أن "قدس" ذاتها شكت بالامر وبددت شكوكها حينما فحصته بنفسها وتأكدت أنه بالفعل عاجز.
رفع "عثمان" يده يشير بحركة قرأها الآلي المتحكم بمقعده، فخطا به حتى وصل أمام "كِنان" الذي يضع رأسه أرضًا ويخطف النظرات إليه بين الحين والآخر.
مزق "عثمان" الصمت بينهما حينما تساءل:
_ليه عملت كده؟!
زوى حاجبيه بعدم فهم، فاذا ب"عثمان" يردد بنفس هدوء نبرته:
_حذرتك قبل كده إنك تبين نقطة ضعفك لمخلوق وبالذات هارون ومع ذلك ارتكبت نفس الغلطة اللي خليته يعرف إزاي يستغلك ويزيد من ضعفك بأكتر من حاجة عشان يتسبب بوقوعك وإنت مستسلم بضعف.
رفع عينيه له بتعبٍ وقد فاض به تحمل ما يفعله "هارون" به، بينما يحتد "عثمان" غاضبًا:
_أخوك وبعدين رزان، وبعد كده ابن فالتاني!!
وابتسم ساخرًا:
_بتكتر من نقاط ضعفك عشان وقت وقوعك ميكنش ليك قومة!!
تعمق بالتطلع لعينيه باحثًا عن شيء كان وسيظل غامضًا، وفجأة نطق بصوتٍ متقطع من فرط ألمه:
_عثمان!!!
اختزل الحزن رماديتاه، وقال بقوة لم تتخلَّ عنه:
_جاهز تعيش اللي أنا عيشته زمان؟
هز رأسه ينفي ذلك، ومال على ركبتيه يبكي باختناقٍ وهو يردد بدموع اشتقت من رجلٍ لم يعلم الضعف طريقه إليه:
_قلبي ومشاعري مش خيوط بحركها بين صوابعي يا عثمان.
وأضاف ووجهه مطموس بالارض:
_من ناحية في أخويا الوحيد ومن ناحية تانية رزان! وأنا بينهم عاجز!
حرك مقعده صوبه، ومال يسحبه ليستند على ركبتيه بينما يهزه بعنفٍ:
_لو شافوك وإنت محني كده هيخلصوا عليك، بالذات هارون! قوم اصلب طولك وبالذات قدامي أنا، قولتهالك ألف مرة وهرجع أقولك تاني اوعى تأمنلي!
كان يستند على ركبتيه وبقى بنفس طوله، مازال "عثمان" يسانده بمسكه لذراعيه، فمال على كتفه يبكي:
_تعبت ومبقتش قادر لكل ده، عايز أنام وأقوم ألقى نفسي شخص تاني، شخص عادي قادر يأسس حياة وأسرة مع البنت اللي قلبه يختارها.
لمس ضعفه الشديد، فأحاطه بين ذراعيه، وقال ومازال رأس "كِنان" على كتفه العريض:
_لا إنت شخص عادي ولا حلمك هيبقى حقيقة في يوم من الأيام.
وأبعده بعدما تركه يفرغ دمعاته التي يشعر بها كلاهما للمرة الاولى، أبعده يطالعه بقوةٍ وصاح بخشونة:
_حالًا تقف على رجليك وتنزل من هنا وإنت بشموخ وكبرياء، أوعا تدي فرصة لهارون يحس إن اللي بيعمله هيجيب نتيجة معاك.
هز رأسه بخفة وازاح دموعه بقوة، بينما يهمس ببسمة خافتة:
_وحشتني أوي على فكرة.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "عثمان" وقال بثبات:
_وإنت لا، ومش عايز أشوفك أبدًا طول ما أنت بالوضع ده.
وأضاف وهو يحرك المقعد بعيدًا عنه:
_ماتيو.
حضر الألي لسيده على الحال، فاذا به يخفض صوته إليه بأمرٍ ما، اتخذ دقيقتين حتى حضر إليه، التقط "عثمان" منه عُلبة الدواء، وعاد بمقعده صوبه يشير له بالإقتراب.
تنهد "كِنان" ورنا يهتف بنزق:
_اخترعت إيه تاني؟
منحه نظرة نارية جعلته يقف أمامه بثبات واتزان لا يعلم من أين استحضره، بينما يقذف تجاهه "عثمان" العُلبة ولولا أنه تلقفها سريعًا لكانت أدمت وجهه.
ربع "عثمان" يديه وتابعه بجمود:
_العلبة دي خليها معاك عشان لو قلبك رق وميلت تبقى مأمن نفسك، ده لو مش حابب تخلي نقطتين الضعف عندك تلاته.
علم مقصده ولأي غاية سيستخدم دواء منع الحمل :
_لا مش محتاجه، جوازنا هيكون على الورق بس، عشان أريح هارون لكن آ...
طالعه بسخريةٍ، وقال بهدوء ساخر:
_خد الدوا والباب من وراك يا جاك!
تطلع للدواء قليلًا، ثم عبث بعصبية:
_مش هحتاجه أنا، أنا مش مراهق عشان مقدرتش أسيطر على مشاعري.
لم يهتز ل"عثمان" جفنٌ مما جعله يضع العُلبة بجيب جاكيته وينسحب بهدوءٍ، أغلق الباب من خلفه، فلف "عثمان" المقعد والحزن يتجمع بين رماديتاه، وجل ما ضربه بتلك اللحظة مشاهد متفرقة لما عاشه بالسابق، وبالأخص لحظة خسارته زوجته وابنه.
أفاق سريعًا خوفًا أن يعود لرؤية ما لا يريد رؤيته!
****
وجد الخادمة قد أبدلت لها ملابسها مثلما طلب منها، وها هي تجلس مثلما تركها، كأنها لا تشعر بأي شيء من حولها، ساقيها مضمومة إليها، شعرها البرتقالي مفرود من خلفها على الوسادة، عينيها شاردة بالفراغ بصمتٍ.
جلس "كِنان" أمامها حزينًا على الحالة الغريبة التي سيطرت عليها، وناداها بخفوت:
_رزان!
تحركت زُرقتها إليه، بأعين غائرة بالدموع، فهمس لها:
_اللي حصل ده مش هيتكرر تاني أوعدك، هارون خلاص مبقاش يملك أي حكم عليكِ بعد ما بقيتي مراتي رسمي.
تهاوت دمعة من عينيها، واكتفت فقط بهز رأسها باطمئنان، فقال وهو يسحب الغطاء عليها:
_الساعة داخلة على 4، نامي وارتاحي.
مال يغلق اضاءة المصباح الموضوع أعلى الكومود، فانتفضت من نومتها بفزعٍ، جعله يشعله مجددًا:
_خلاص هسيبه مفتوح، زي ما تحبي.
تمددت مجددًا على الفراش، فحاول أن يحرر صوتها الذي اشتاق له ويرتاب لصمتها في ذات الوقت:
_تحبي أجبلك مية أو حاجة قبل ما أخرج؟
هزت رأسها بالرفض، ضم شفتيه بحيرةٍ من أمرها، وحاول مرة أخرى:
_طيب أفضل معاكِ النهاردة لو خايفة؟
رفعت عينيها إليه وهي تشير له بالموافقة، اعتصر الألم أضلعه ومزق قلبه تمزيقًا، ولكنه تحامل واحتبس كل ما فيه داخله.
سحب "كِنان" وسادة من جوارها، وقال بصوته الرخيم:
_هنام هنا جانبك على الكنبة، متخافيش من حاجة.
وتركها واتجه للاريكة الوثيرة، نزع عنه جاكيت بذلته وبقى بقميصه الاسود، ثم تمدد عليها بارهاقٍ شديد، اشرأبت "رزان" برقبتها تطمئن بوجوده بالغرفة، ومالت بجسدها صوب محل وجوده حتى يكون أول ما تراه حينما تستيقظ من نومها.
دقائق معدودة وغفت بعد عناء، وما أن أغلقت جفنيها حتى فتح عينيه يتأملها بعشقٍ، لا يصدق بأنه اليوم كاد أن يفقدها أمام عينيه، وها هي الآن آمنة ولا يفصلهما إلا مسافة صغيرة.
أغلق "كِنان" عينيه مستسلمًا للنوم، وما مر عليهما سوى ساعتين حتى انتفض على صراخها، وهي تهاجم حلمها السيء، أسرع تجاه الفراش يهزها برفق وهو يناديها:
_رزان!
بكت وصرخت وهي تتوسل:
_إبعد عني، سيبني حرام عليك.
عادت لها ذكريات ما حدث، حينما ولج "هارون" لغرفتها، يكيل لها الضرب ويجبرها على ارتداء فستان زفاف أبيض، ومن ثم جذبها لسيارته بالعنف، ومن ثم ألقاها مقيدة بقبو مظلم، وبالرغم من انه مظلم للغاية إلا أنها كانت تشعر بوجود أجسام بشرية من أسفلها، واكتملت شكوكها حينما شُعلت المصابيح والإنارة، فتحولت دهشتها لصرخات محتبسة خلف قطعة القماش الموضوعه داخل فمها.
بقيت على هذا الحال طويلًا، حتى اكتمل بها العناء برؤيتها له وهو يقتل الرجال المتمددون لجوارها، وانسكبت من فوقها الدماء.
اخترق صوته ظلامها، وقبضة يديه التي رفعت جسدها إليه بقوةٍ، فتحت "رزان" عينيها المذعورتين في رعبٍ، وهي تتفحص ما ترتديه برعب، بينما تردد بانكسار:
_كِنان إلحقني، هارون هيموتني.
قالتها وهي تتطلع صوب باب غرفتها، وتحاول أن تجذب ذراعيها منه، وهي تهتف ببكاءٍ:
_سمعني وأنا بحكي لرحيق، عرف إني عرفت حقيقتك وقالي إنه هيقتلني.
وأضافت وهي تشير له بتلعثم:
_رماني في القبر... آآ.. قتل ناس قدامي.. ووكان هيقتلني.
اخترقه سهم حطمه أشلاء، ومع ذلك أحاط وجهها بقوةٍ وقال:
_هوووش، مفيش حاجه من دي هتحصل، خلاص إنتِ معايا وبقينا لبعض، مستحيل يقربلك وإنتِ بقيتي مراتي.
تطلعت له ببلاهةٍ ورددت:
_مراتك؟؟
تذكرت عقد زوجها وحضور المحامي والشهود، حدقت فيه مجددًا بدموع انسكبت على بشرتها البيضاء، وابتسامة تنشق على وجهها بارتياحٍ، جذبها "كِنان" إليه، يضمها بقوةٍ فمالت على صدره تستكين حتى تخللت السكينة إليها، فاطمأنت وغفت سريعًا، فمال بها وهو يحيطها بالغطاء، حتى لحق بها هو الآخر وتلك المرة لم يزعجها أي كابوس وهي بمحيط أمانة.
*******
ألقى بثقل جسده على الرمال، لقد أصبح مكانه المعتاد، ذلك المكان المحبب لقلبه، لقد اشترى المطعم الخاص به هنا لاجلها، لاجل من عشقت ذلك المكان المطل على المياه، المكان ذاته الذي شهد على قصة الحب، ووجع الخيانة، والآن وجع لا يوصف.
تمدد "تيام" على الرمال تاركًا مياه البحر ترتطم بجسده، بينما دموعه تتدفق من عينيه بألمٍ، وجل ما يتردد له لماذا؟!!!!
بقى محله حتى بعدما امتلأ المطعم بالزبائن، خرج له الموظفين في محاولةٍ لمعرفة ما به ولكنه رفض التحدث مع الجميع، وبقى محله يراقب المياه بصمتٍ، حتى وصل له صوت جعله يستدير لصاحبه:
_مش عادتك تقعد على البحر الصبح؟
لف رأسه تجاه الصوت، فوجده يقف قبالته، ناداه "تيام" بتعبٍ:
_عمر!
ابتسم "ياسين" بمكرٍ، ورنا يجلس جواره:
_كنت معدي أفطر وأشرب القهوة زي ما اتعودت اتفاجأت بيك.
واضاف وهو يتطلع لعينيه المرهقة:
_إنت مروحتش من امبارح ولا إيه؟ وشكلك مرهق كدليه؟
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهه، وردد:
_هتفرق إيه روحت ولا رجعت، المهم إني موصلتش لحاجه ولسه مكاني!
طالعه بعمقٍ وقال بخبث لا يمتلكه الا شخصاً بدهائه:
_قاري في عينك وجع كبير من أول لقاء جمعني بيك، ولإني بحترم الخصوصيات منعت نفسي كتير أني أسالك إيه سبب الحزن اللي في عيونك ده، بس دلوقتي مش قادر أمنع فضولي، ومنتظر ردك عليا، هتحكيلي ولا هتشيل وجع إضافي جواك وانعكاسه هيبان في عيونك؟!
****
استلم "هارون" اليوم ادارة النوادي الليلة، بعدما شدد "الديزل المزعوم" على عودة "كِنان" للقيادة العليا لعملهم السري بالممنوعات وغيرها من السموم البيضاء، ولقد اختار المقهى الذي رأها به وجلس متلهفًا لعودتها، ومازال يأمر "صفوت" ورجاله بالعثور على تلك الفاتنة التي سلبت عقله من شدة جمالها وقوتها وجرأتها التي يراها لأول مرة.
وها هو اليوم يزف له "صفوت" خبرا جعله يقتحم المكتب وهو يخبره بسعادة:
_البت اللي قلبنا عليها الدنيا وصلت تحت يا باشا، وعايزة تقابل حضرتك.
استقام بوقفته في لهفة، وأشار له:
_خليها تدخل فورًا، ولما تخرج خليك وراها لحد ما تجبلي كل حاجه عنها.
هز رأسه مرارًا وأسرع للخارج، بينما نهض "هارون" يرتب ملابسه بيده السليمة، ويتأمل اصاباته بوعيدٍ:
_واجبك هيوصلك على البارد يا كِنان، وزي ما كسرتلي إيد هكسرلك الاتنين!!
وابتسم بانتشاء حينما تذكر الخطة التي وضعها ليسترد حقه، ثم عاد سريعًا لمقعده يحاول أن يبدو ذو هيبة وهو يستقبلها.
ولجت "مرين" بخطواتها الواثقة، تجذب مقعدًا قبالته وتردد بثقةٍ:
_عارفة إنك كنت مستنيني من فترة كان ممكن أقولك إني انشغلت ومعرفتش أجي بس هكون بكدب عليك وأنا متعودتش أكدب.
راقبها بنظراتٍ بطيئة جابتها من رأسها لأخمص قدميها، نظرة وضيعة جعلتها تطالعه بحقد ورغبتها بالانتقام لكل فتاة اندمس شرفها بالوحل على يد هذا اللعين، أرادت أن يكون ثأرهن على يد فتاة مثلهن، حرر صوته الهادر:
_المهم إنك جيتي بالنهاية يا آآ... هو إنتِ قولتيلي اسمك إيه؟
إبتسمت وهي تضع قدميها على الاخرى ببرود:
_لا مقولتلكش، ولا إنت اهتميت تشوف الcv حتى! اللي شغلك كان حاجة تانية أهم من ده.
تساءل وهو يطالعها بتيهة:
_حاجة إيه؟
قالت ببسمة ماكرة:
_جمالي، مش إنت بردو كنت مخلي الحارس بتاعك يراقبني لما مشيت من هنا المرة اللي فاتت.
ابتلع ريقه بارتباكٍ من تلك الفتاة، وبصعوبة استدعى صوته الهادر:
_وإنتِ عرفتي إزاي؟!
اتسعت ابتسامتها، وقالت:
_بص يا باشا أنا قولتهالك المرة اللي فاتت وهرجع أقولها تاني، أنا مش زي أي بنت عرفتها قبل كده، أنا اتربيت مع ناس علموني إن الفلوس هي أهم حاجة بيحتاجها الانسان، بس أنا مع الوقت اكتشفت إنها مش كفايا، الذكاء وتجارب الحياة اللي هتأهلني إزاي أعرف اجيبها وأحافظ عليها.
مال على المكتب وهو يهتف بإعجابٍ:
_إنتي مش بس جميلة، إنتي فيكِ كل حاجة بشكل مخلي عقلي مش هادي عنك.
وأضاف وهو يطالعها بدناءة:
_طيب بما إنك ذكية وبتحسبيها صح قوليلي تمنك وأنا جاهز وهعرف أقدرك صح.
نهضت ببطءٍ عن مقعدها، فابتسم وأبعد مقعده ظنًا من أنها قبلت عرضه، فإذا بها تتجه للخروج وهي تتحدث بكبرياء:
_كده هقولك باي سكتك غير سكتي.
إنتفض عن مقعده يهرع خلفها:
_إستني طيب، إنتي فهمتيني غلط.
رفضت الوقوف واستكملت طريقها، فأسرع يبرر لها:
_أنا آسف مقصدش اللي وصلك، أنا بس متلخبط من ساعة ما شوفتك، أوعدك اني مش هقول كده تاني، بس إديني فرصة.
وقفت محلها واستدارت تجاهه وهي تربع يديها أمام صدرها:
_فرصة عشان تشوف تمني كام ولا فرصة لإيه بالظبط؟
رنا إليها ومازالت نظراته تتفحصها:
_بصي أنا حابب تكوني في حياتي بأي شكل من الأشكال حتى لو اضطريت أتجوزك! ها موافقة؟!
حلت عقدة يدها وقالت ببسمة ساخرة:
_ياااه جواز مرة واحدة! ليه انت شوفتني كام مرة؟!!
أجابها بلهفة مجنونة:
_مش مهم شوفتك كام مرة، أنا حبيتك وعايزك بأي شكل من الأشكال، وأهو إنتِ من شوية لسه قايلة إنك اللي يهمك إنك تكوني مرتاحة في حياتك وأنا هوفرلك ده.
اتجهت لسطح مكتبه، جلست من فوقه وهي تحرك ساقيها بدلال:
_وقولتلك بردو إني ذكية فأكيد مش هأخد قرار زي ده بالسرعة دي، محتاجة وقت أفكر كويس، وبعدين انا معرفكش ولا أعرف عنك حاجة.
هرول خلفها يقف قبالتها وهو يقترح بحماس:
_خلاص نتعرف.
منحته نظرة تحذيرية فقال بعدما صمت قليلًا يفكر بخبث:
_إيه رأيك نتخطب فترة زي أي اتنين بيتعرفوا على بعض ولما تحسي إنك عرفتيني نتجوز!
هزت رأسها بخفة وبداخلها تقرأ ما يجوب بعقله المريض، فضحكت رغمًا عنها، يظنها لقمة سهلة، ولا يعلم ما هي قادرة على فعله، ومع ذلك قالت بخبث:
_فكرة مش باطلة، خلاص موافقة.
بسمة نصر تشكلت على وجهه، فسألها باهتمامٍ:
_اسمك إيه؟
رمشت بعينيها ببراءة اصطنعتها وهي تخبره:
_غزل.. اسمي غزل.
ردد بجملة عبثية معتادة:
_غزل وإنتِ غزال!
منحته ابتسامة ساخطة، فاذا ب"صفوت" يطرق على المكتب ويشير له بالخروج لامر هام، ولكنه أشار له بأن يدخل، فمال عليه يخبره و"مرين" تسجل بعينيها كل كلمة يخبره بها:
_قاعد مع نفس الشاب اللي كان بيخرج معاه.
غامت عيني "هارون" وقال:
_صورته؟
هز رأسه وهو يخرج هاتفه:
_آه يا باشا.
قدم له الهاتف، فأسرعت "مرين" ومالت بالمقعد وهي تجذب المرآة من حقيبتها، وسحبت قلم الروچ تتصنع أنها تضع منه، بينما تلتقط ما يريه إياه، فصعقت حينما رأت صورة ل"ياسين"، وإذا بها تسيطر على ملامحها ببراعة لم تمتلكها فتاة داخل الجهاز، فلقد كانت حديث الجميع كونها فتاة ولكنها بقوة رجل وذكاء يجعل من أمامها لا يصدق أن فتاة بالجمال والرقة هذة تمتلك مثل تلك السمات!!!
أشار "هارون" ل"صفوت" قائلًا:
_أخرج دلوقتي واستنى أوامري.
هز رأسه بخفة وكاد أن يغادر،ولكنه توقف حينما نهضت "مرين" تحمل حقيبتها:
_أنا لازم أمشي دلوقتي وهعدي عليك بكره نكمل كلامنا.
نهض "هارون" يوقفها باصرار:
_لا لسه مخلصناش باقي اتفاقنا، وبعدين ملحقناش نقعد مع بعض ولا أنا لحقت أعرف عنك حاجة!
مدت كفها له قائلة ببسمة خبيثة:
_هات موبايلك واحنا نتعرف على بعض بشكل أكبر!
جذبه من جيب جاكيته بسرعة البرق والفرحة تغمر وجهه، عبثت بأزرار الهاتف ببسمة انتصار، ثم دونت رقم الهاتف وحررت الاتصال بهاتفها الموضوع بحقيبتها، ثم منحته إياه قائلة:
_رقمي معاك أهو، هستنى مكالمة منك.
ردد بهيام جعل "صفوت" مندهشًا مما يحدث معه:
_مكالمة واحدة بس أنا مش هبطل أرنلك.
أشارت بكفها له بدلال:
_وأنا بانتظارك، باي باي.
وما كادت أن تستدير حتى عادت تخبره:
_آه نسيت، ياريت متخليش الحارس بتاعك يراقبني وأنا ماشية، انا لما هثق فيك هديك عنوان بيتي بإرادتي، وخليك دايما عارف إني مش زي أي بنت انت اتعاملت معاها قبل كده، سلام.
خرجت وتركت عينيه تتسع بذهولٍ من تلك الفتاة التي خرجت عن قاموس علمه الكبير بالفتيات اللاتي تعرف عليهن، فاذا به يشير إليه بابتسامة مشاكسة:
_راقبها يا صفوت وأوعى تحس بيك!!!!
******
من الأمس حتى الآن وسؤال واحد يدور
«أين اختفى زين!!»
شبح يظهر ويختفي أينما أراد، هو بذاته الذي خضع له "رحيم زيدان" وطوقه بالشبح، وها هو يقطع ساعاتٍ من السفر، ليصبح بالمطار الدولي، يتخفى بزي أسود يعود للسائق ولحية ونظارات سوداء أخفت وجهه، وكاب من فوقه.
إختلس نظرة طويلة لتلك الفاتنة التي تهبط الدرج مع صديقاتها، وابتسامتها تجعله يود لو أن يختطفها ويرغمها على التبسم له هو فقط.
حافظ على ثبات وقفته أمام السيارة التي تحمل لافتة كُتب فيها «الدكتورة مارال زيدان»، إقتربت بتنورتها السوداء وجاكيتها الابيض، وحجابٍ تدلى طرف من خلفها كالعروس في ليلة بهائها.
إقتربت تشير على اللافتة باستحياءٍ:
_أنا مارال، حضرتك السواق اللي بابي باعتك.
أغلق عينيه كأنه ينتعش بصوتها الرقيق، وإكتفى بايماءة من رأسه، ثم أسرع يفتح الباب الخلفي لها، فقالت ببسمة رقيقة مثلها:
_ميرسي.
صعدت "مارال" بالخلف، وفتحت نافذة السيارة تلقي نظرة عليه وهو يضع الحقائب بصندوق السيارة الخلفي، فرددت:
_تحب أنزل أساعدك؟
أخفى ضيقه حينما تخيلها تساعد شابًا غيره، وردد داخله:
_كمان!! يعني في المستشفى وبراها كمان!!
سحب نفسًا طويلًا يخفف عنه، وأسرع بالصعود للسيارة، جذبت "مارال" هاتفها الذي يضيء باسم أحب الاشخاص لقلبها، تردد بصوتها الذي يجعل الشبح يكاد أن يفقد القدرة على القيادة:
_حبيبي اللي دايمًا شاغل باله بيا، أنا الحمد لله وصلت من شوية، ولقيت سواق حضرتك بانتظاري.
شعر بغيرة كاسحة تهاجمه، وهو الذي لم يسمعها منها قط، إستكملت "مارال" حديثها باستغراب:
_أيوه لاقيت السواق بانتظاري! في حاحة ولا إيه يا بابي!!
تعجبت من تأكيد "الجوكر" على مقابلتها للسائق، فضحك على دهاء إبن أخيه الذي إن تخفى فشل الجميع بكشفه حتى أبوه والآن زوجته المستقبلية، وهتف بحنان:
_لا يا قلب بابي من جوه، أنا بس بطمن إنك بخير، يلا هكلمك كمان ساعتين تكوني إرتاحتي من السفر.
أغلقت الهاتف وهي تزم شفتيها بحيرةٍ، ثم قالت حينما رأت الباص الخاص بالأطباء على وشك التحرك:
_من فضلك خليك ورا الأتوبيس ده لأني مش عارفة عنوان السكن الخاص بالمستشفى.
هز رأسه والخبث يتلاعب على شفتيه، أوهمها بالبداية أنه يتبع الباص، صوب "زين" المرآة عليها فوجدها تراقب الطريق ببسمة ساحرة، مالت على النافذة وأغلقت عينيها باسترخاءٍ.
توقفت السيارة بعد فترة، ففتحت "مارال" عينيها الناعستين تتفقد الطريق، إرتابت حينما وجدت الطريق خال من المباني من حولها، حتى الحافلة لم يعد لها وجود، المكان تغمره السكينة بشكلٍ مريب.
تفحصت مقعد السائق وهتفت وهي تحاول فتح باب السيارة برعب:
_إنت وقفت هنا ليه، وفين الأتوبيس!!
وتابعت وهي تحاول فتح الباب:
_من فضلك إفتحلي!
بقى محله مبتسمًا فزحفت للباب الآخر وهي تصيح بخوف:
_إنت قافل الباب ليه؟
استدار لها بعدما نزع النظارة والكاب واللحية:
_لأني خاطفك يا قلبي!
*****
صعدت قبل ميعادها المحدد بنصف ساعة، وللدهشة وجدت باب جناحه مفتوحًا، تعجبت "قدس" وولجت للداخل تبحث عنه.
الهدوء كان يخيم على الجناح بشكلٍ مقبض، ومع ذلك لم تتراجع وواصلت البحث عنه، وفجأة تصلب جسدها حينما شعرت بسكينٍ موضوع على رقبتها وجسد يقف من خلفها، يردد بآلية تامة:
_لقد أخبرني سيدي بأن أقوم بجرحك إن دخلتي للجناح قبل دقيقة واحدة من موعدك المحدد، والآن وقد قومتي بالدخول قبل ثلاثين دقيقة لا أعلم ماذا سأفعل؟ ولحين خروج سيدي من الحمام لا تتحركي.
رفعت "قدس" ذراعيها للأعلى بارتباكٍ، وصدمة من مدى التطور الخرافي الذي يتقنه هذا الروبوت، وشكوكها حول طريقة تصنيعه ازدادت تأكيدًا.
وفجأة رأته يخرج بساقين آليتين يتحركان به وهو يضع المنشفة من حوله، ويبتسم لها بسخرية:
_كالعادة بتنفذي عكس المطلوب منك!
ومرر يده ل"مايتو":
_سيب الدكتورة مايتو، حاول تتعامل معاها على إنها مختلة عقليًا.
وأضاف وهو يجذب قميصه يرتديه بإهمالٍ:
_بفكر أشوفلك دكتور يقيم وضعك، أنا شاكك إنك مجنونة أقصد متأكد!!
*****
ارتسمت ابتسامة تسلية على شفتيها، فاذا بها تنحني وتربط حذاءها المعقود، وفجأة سحبت سكينها الصغير من حذائها الرياضي، ونهضت تستكمل طريقها.
اختفت فجأة من أمامه، فارتعب أن يفقد أثارها فيعنفه رئيسه، هرول "صفوت" بجسده الضخم صوب الشارع الجانبي الذي سلكته "مرين"، وقبل أن ينجرف للأخر واجهته ركلة قوية جعلت جسده الرياضي العملاق يتراجع للخلف بقوةٍ، وظهرت تلك الفتاة من أمامه تهتف بضجرٍ:
_هو أنا مش قولت للباشا بتاعك ميخليش حد يمشي ورايا، مستغني عنك ده ولا إيه؟!
جحظت عينيه في صدمة قوية جعلته يكاد يصيب بسكتة قلبية، ظن من شدة الركلة أن من سيخرج أمامه هو مصارع قوي، ينتهي الأمر بفتاة!!!
إبتسمت" مرين" بسخرية وقالت:
_يلا خد نفسك كده وارجعله وقوله إنها مش هترد على مكالماتك بسبب الحركة دي، وقوله إني هأدبه عشان مبحبش حد يخلف الكلام المتفق عليه.
قالتها ونهضت بثبات وثقة وما كادت أن تستكمل طريقها حتى نهض "صفوت" يحاول مهاجمتها بحقد ورغبة باسترداد رجولته المهدورة، وهو الذي خضع لاختبارات مكثفة حتى تم اختياره ليكون حارس "هارون" الشخصي.
قفزت "مرين" بجسدها للأعلى بحرافية، وهبطت خلفه تلكز كتفه، فاستدار للخلف باستغراب، فاذا بلكمة قوية تجتاحه.
رفعت جسدها للاعلى وتهاوت على ذقنه بحافة ساقيها حتى بصق الدماء من فمه، رنت إليه تهمس بثقة:
_أنا مضطرة أكسر رجلك عشان شكلك مبتسمعش الكلام I, m so sorry
قفزت فوق ساقه، عرقلتها بقوة جعلته يصرخ بعدم استيعاب، ثم لوحت بيدها ومضت بطريقها بوجه متخشب، تشتعل فيه النيران والقسم للانتقام من هذا السفيه ورجاله، الذين استحلوا ما حُرم عليهم، ومن نفس النسل المقهور ستكون لُجة الانتقام من أنثى تثأر لباقي النساء!!!
..... #يتبــــــــــــع....
#الاقــــــــوى_قـــــــــادم..
#آشبـــــــــــاح_المخابــــــــرات.
التفاعل يا بنات بتمنى تقدروني أكتر من كده، مش عايزة اتكلم في الموضوع ده تاني، انتوا شايفين بنفسكم المجهود المبذول في الرواية، وشكرًا مقدمًا..
*****________******
أشباح المخابرات الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية محمد رفعت
#أشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الحادي_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات اسماء محمد، دينا محمد، رحمة محسن، فرح احمد، ندا عماد, نجلاء فتحي, ولاء عماد, بسملة مصطفى، سمر محمود، حنان وهبة، ريم عبد العزيز، اسماء محمد الدخاخني، رحاب محمد، ام محمد، ام الزهراء، ندى علي، ايمان عبد الحي، سارة محمد Rovan Abdo, NouraElsayed. ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
شعر بثقلٍ جاسم فوق صدره، جعله يفتح عينيه بفزعٍ غادر عنه حينما رأى تلك الملاك تغفو على صدره، والوسادة التي كانت تضعها بينهما تلاشت أسفل قدميها، حتى حجابها تراجع للخلف وكشف عن خصلاتها القصيرة، الناعمة، المتمردة على وجهها.
حبس "نوح" أنفاسه وكأنه يخشى أن توقظها، أصابعه تلامس خصلاتها برفقٍ، وسعادته بتلك اللحظة جعلته لا يريد أي شيئًا أخر سواها.
سند رأسه على رأسها يقبل جبينها وهو يهمس:
_معقول يكون ده حلم!!
تعمق بالتطلع لها وهو يجيب على ذاته:
_لا ده حقيقة وأجمل حقيقة.
وبينما يستكين بنومته فاذا به يهرع من محله وهو يصيح بصدمة:
_الامتحان!!!!
انتفض من فوق الفراش يركض صوب الخزانة، وحينما شرع بنزع قميصه تذكر تلك التي أصبحت زوجته، فقفز فوق الفراش يصرخ:
_تــــــــــــالا.
فزعت من نومها تتطلع لذلك الذي يصيح، فانتفضت تقابل صدره المكشوف وتتأمل حجابها الذي سقط عنها، فاذا بها تقابله بصدمة:
_إنت عملت أيه يا نوح؟؟؟؟ وفين المخدة اللي كانت بينا؟؟ آه يا حقير يا خاين!
تهاوت فوقه بالوسادة وهي تكاد أن تقلب غضبها لبكاء، بينما الآخر يحاول استيعاب مقصدها:
_انا حبيتك ووثقت فيك، تقوم تخدعني ، هستنى منك أيه يعني ما أنت أكيد طالعلهم!
بعد الوسادة عنه وصاح بصدمة:
_يعني أنا كان أبسط طموحاتي اني أشوف شعرك تقومي تتهميني اتهام زي ده!!.
وأضاف وهو يجذب الهاتف من جواره:
_بينما أنا بحاول أنقذ مستقبلنا الاسود بتتهميني إني متحرش!
عبثت بعدم فهم، فمنحها بسمة ساخرة وقال:
_الامتحان يا دكتورة، الساعة 10!
رمشت بعدم استيعاب، واذا بها تصرخ في رعب:
_الامتحــــــــان!!!
واذا بها تركض بعشوائية وهي لا تعلم أين تذهب، بينما تنزع الجاكيت العلوي وتبحث عن ثيابها قائلة:
_هشيل السنة وأنا بطلع من الاوائل، لا لااااا.
أغلق عينيه بيديه وصاح فيها:
_بتهببي أيه؟؟ وفي الاخر بتتهميني بالتحرش!!!
ضمت ذراعيها إليها، ورددت بتيهة:
_هدومي فين، هسقط!!!
أتاه رده وهو يغلق عينيه:
_وانتِ يعني هتسقطي لوحدك، ما أنا متنيل معاكِ!
وأشار صوب الحمام قائلًا:
_شوفيهم جوه.
هرولت للداخل ترتدي ملابسها وهي تكاد أن تبكي من شدة الخوف، وحينما خرجت وجدته قد ارتدى ملابسه، فقالت بارتباكٍ ودموعها تنهمر بغزارة:
_أنا مذكرتش، حاسة اني نسيت كل اللي اخدته أصلًا، شكلي هشيل المادة يا نوح.
قالتها ومالت تبكي على الفراش، فأسرع إليها يربت على ظهرها بحنان ويدعمها:
_مش هيحصل أي حاجة من الكلام ده إنتِ ممتازة يا تالا وعلى طول بتقفلي المواد.
وأضاف ليمازحها:
_أنا اللي قلقان على نفسي، كنتِ زمان بتغششيني ولما اتفرقنا عاقبتيني وبطلتي تغششيني مهما ناديت عليكِ، اتمنى بعد ما بقيت جوزك أقدر استفاد من العلاقة دي في باقي الامتحانات، جوزك نفسه يتخرج قبل ما أخوه يشنقه على باب القصر.
ضحكت رغمًا عنها، ورددت وهي تزيح دموعها:
_شكلي أنا اللي هحتاج مساعدتك، أنا فعلًا مش في المود خالص بسبب اللي حصل امبارح، وزعل تيام مني في كفة لوحده.
أحاط وجهها بكفيه بحنان:
_هنتخطى كل ده يا تالا، وبعدين ما أنا قولتلك كِنان قال هيتصرف معاه، خلينا بس نركز في الامتحان دلوقتي، ماشي يا دكتورة؟
هزت رأسها بخفة وبينما يتطلع كلاهما للاخر، دفعته وهي تصرخ:
_الامتحــــــــــان!!
انتفض يجذب مفاتيح سيارته، ويهرول صوب باب الغرفة فعاد يغلقه وهو يصيح بانفعال:
_طرحتك يا بنتي؟!!
جحظت عينيها وهي تتحسس حجابها، وبغضب هتفت:
_إنت مش مكسوف من نفسك وانت بتبص على شعري من ساعتها وأنا مش بالحجاب.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_ما أنتِ كنتِ من شوية خارجة تواجهي العالم كله من غيره جت لحد عندي أنا يعني ووقفت!!
عقدت حجابها بسرعةٍ وهي تشيعه بنظرة نارية، فرنا صوبها يعدل من طرفه على كتفها وهو يبتسم بعشق:
_كده أحلى، طول عمرك زي القمر يا تالا!
أخفضت عينيها عنه بابتسامة هادئة، وسرعان ما تلاشت حينما صرخ من غفوته:
_الامتحــــــــــان!!
ركضت خلفه ثم توقفت وهي تصيح:
_فين الاقلام والادوات هنروح كده؟
قفز تجاه غرفة المكتب الصغيرة الخاصة به، وعاد لها يقدم لها ما سيحتاجونه، وقذفها بالبلطو الطبي قائلًا:
_ده زيادة عندي، زي ما يكون قلبي حاسس!
ابتسمت برقة ورددت وهي تتفحص الادوات:
_شكرًا يا نوح.
وقف قبالتها يهمس بحب:
_اتنين نوح من دي ومش هنحتاج لشهادة تخرج، وبعدين إنتِ عايزة أيه اكتر من شهادتي وأنا بشهد انك أعظم دكتورة بالدنيا كلها.
تلون وجنتها بحمرة الخجل، فاذا به يصرخ مجددًا:
_الامتحـــــــــــان!!!
وجذب معصمها يهرول صوب الدرج ركضًا، حتى وصل لسيارته، بينما يتابعهما كِنان من الاعلى، وبابتسامة ساخرة ردد:
_عصافير الكناريا بدأوا يجمعوا العش!
وأضاف وهو يرتشف من كوب قهوته:
_والمفروض إني أتخلص من كل الدبابير اللي حوليه!
قاد "نوح" السيارة بسرعة جنونية، ولأول مرة بعد شهور من الهجر والفراق يدخلون الحرم الجامعي وأيديهم متشابكة ببعضها البعض، كأنهما يجددان عهد العشق بميثاق حُلل لهما.
****
سحبت بصرها عنه واستدارت توليه ظهرها، وهي تختبر ربكة جديدة اجتاحت قلبها قبل أن تمس جسدها، تعجب مما فعلت وهو الذي يراها قوية، جريئة، سحب باقي ملابسه يرتديها، ثم حرك إصبعيه فانقلب الجزء السفلي من الانسان الالى الذي يحمله إلى كرسي متحرك .
عدل من خصلاته المتمردة بفعل المياه، ثم قال بسخريةٍ:
_أيه ده معقول الدكتورة بتتكسف!!
استدارت تجاهه تطالعه بنظرةٍ غائمة، بينما يتابع هو:
_لو بتتكسفي يبقى تسمعي الكلام وتلتزمي بمواعيدك.
هدرت في سخطٍ وجراءة لم تخسرها:
_هو إنت ليه محسسني إني الميس بتاعتك وطالعه أديك الدرس! أنا دكتورة وملتزمة بمواعيد جلسات وأدوية معاليك.
حرك مقعده إلى الشرفة وقال بهمسٍ منخفض:
_مفيش فايدة لسانها أطول من جسر ميسينا.
اتسعت ابتسامتها حيال انتصارها الأول عليه، فاتبعته وهي تهتف:
_النهاردة هنبدأ بأول تمرين، هحتاج نَفَسك يكون طويل والأهم تكون صبور، مع إني أشك في ده.
بقى يوليها ظهره وهو يتجاهلها عمدًا، فتابعت قدس وهي تستحضر الأدوات الخاصة:
_ممكن تحس بألم بسيط بس متقلقش ده عشان أول مرة بس.
وترقبت أن يستدير لها لتشرح طبيعة التمرين، ولكنه بقى يتأمل الحدائق الخارجية من شرفته الزجاجية كأن لا وجود لها بعالمه الهادئ.
كزت على أسنانها غضبًا، فتركت ما بيدها وسحبت مقعده من الخلف تديره لها، في حركة لم يتوقعها عثمان ولم يكن مستعد لها، وما كاد أن يثور غاضبًا حتى اشتبكت عينيه الغاضبة مع عينيها البندقية، فسلبت ما كاد أن يتحرر منه وبقى يطالعها فقط، رغم أنها تتحدث إليه وهي تنحني وتضع الجهاز من حول ساقيه، الا أنه كان شاردًا بها ولم يستمع لأي حرفًا صدر عنها.
أفاق على كف يدها الممدود إليه وهي تقول:
_حاول تسند على ايدي وتقوم تقف.
وزع نظراته بينها وبين يدها، بينما يضغط بيده بقسوةٍ على حافة مقعده، فانحنى ينزع الجهاز عنه وبغضبٍ قال:
_بــــره، اطلعي بــــــره.
استقامت برشاقتها المحسوبة، تربع يديها أمام صدرها ببرودٍ:
_هو إحنا مش هنخلص من لعب العيال ده بقى ولا أيه؟؟
رفع حاجبيه بدهشةٍ من تلك الفتاة التي لا تهابه، وهو القادر على أن يفزع أعتى الرجال بنظرة حازمة وأمرًا يصدر فيُطاع.
بقيت محلها تتطلع له بشراسةٍ وتحد:
_مش هخرج الا لما أخلص التمرين بتاع النهاردة، أنا جاية هنا أشوف شغلي مش أقضي طول اليوم في الملحق بره بين الزرع والورود المقبضة زي القصر ده.
وتابعت وهي تشير ببديها:
_مش عارفة إنت مستحمل تقعد فيه ازاي وبالذات جناحك المخيف ده، انت عارف احساسي أيه أول ما بجيلك هنا، بحس كأني داخلة البيت الملعون اللي كان محبوس فيه الاسد المخيف ده، بس مع فرق واحد إنك وسيم ومش مخيف خالص!!
رمش بارتباكٍ أمامها، وبصعوبة استحضر ثباته:
_إنتِ متأكدة إنك دكتورة!! كنت حاسس انك عيلة وإتاكدلي احساسي دلوقتي.
وأضاف وهو يستعيد صلابته وجموده:
_لو حابة تفضلي في الجناح كأنك بتشوفي شغلك معنديش مانع.
وصاح وهو يطالع غيظها ببسمة نصر:
_ماتيو شغل للدكتورة فيلم الجميلة و الوحش شكلها مغرمة بحكايات الخيال!
فكت عقدة يديها غضبًا منه، و ألقت الجهاز بالحقيبة، وتحركت وهي تحاول اغلاق الحقيبة بغضبٍ، جعلها تصطدم بشيئًا صلب رد جسدها للخلف حتى سقطت وجعلها تتأوه ألمًا بينما تتناثر أغراضها من جوارها.
رفعت "قدس" عينيها تتفقد الأمر بينما تمرر يدها الاخرى حول معصمها، تجمد جسدها والنفور والغضب يضربها في مقتلٍ، حينما رأت "هارون" قبالتها، يتطلع لها بنظرة تحقر من شأنها، بينما يطلق لسانه المقيت:
_ما تفتحي وإنتِ ماشية قدامك، لو عامية اتلقحي في بيتك أفضل ليكِ.
قبضت على المشرط الذي تحمله أسفل الحقيبة، تود لو قفزت على رأسه تنحره، بصعوبة سيطرت على أعصابها ومالت على ركبتيها تجمع أغراضها، بينما يهتف بغيظٍ من تجاهلها التام له:
_إنتِ خرسة كمان!!
استقامت قدس في وقفتها، واستدارت تجاه عثمان الذي يراقبهما بصمتٍ، سحبت الحقيبة وغادرت كأن من أمامها غبارًا غير ملموس، مما أجج النيران داخل هارون، الذي إلتفت يتابع خروجها بوعيدٍ.
فور أن تأكد من مغادرتها حتى استعاد هيبته وكأن شخصًا آخر تلبسه:
_صوتك ميترفعش في مكان أكون أنا فيه.
طالعه هارون بارتباكٍ، بينما يستطرد عثمان بنفس هدوئه الخطر:
_تاني مرة لو اتكررت رقبتك هتكون تحت رجليك قدام مين يكون.
كاد أن يتحدث فأوقفه عثمان بإشارة يده وهو يصيح بنبرة أشد خطورة:
_طلوعك ليا نفسه بمواعيد.
ردد هارون وهو يبتلع ريقه بتوتر:
_بعتلك مليون مرة اني عايزك وانت مردتش.
بخشونة قال:
_ولو بعت للمرة المليون وواحد ومجالكش ردي متورنيش وشك.
تنهد بقلة حيلة:
_أنا بس كنت عايز أبلغك إن خطتي مع تيام نجحت وهيرجع، وكمان كِنان خلاص اتجوز رزان وآ..
ضحكاته الساخرة رعبت هارون، وخاصة حينما قبض عليها وهو يقول:
_خطتك!!!
وهز رأسه بسخطٍ بينما يستكمل:
_إنت مجرد ألة بحركها من مكاني هنا، فأوعى تنسى ده.
كاد هارون أن يبرر ولكن اشارة يد عثمان جعلته يخرس محله لينصاع لجملته وهو يتفوها بغموض وشر مرعب:
_طموح الوصول للعرش والسطوة حلو بس تحديد امكانياتك واللي تقدر توصل ليه حكمة ميمتلكهاش الا الذكي! حاول تقنع نفسك ان لا كِنان العقبة اللي في طريقك ولا حتى تيام.
وأضاف وهو يبعد المقعد ويديره للشرفة، بينما يميل برأسه صوبه ناطقًا بثقلٍ:
_السد اللي واقف ما بينك وما بين حلمك هو اللي إنت مش قادر ترفع صوتك ولا عينك في حضوره، الديزل اللي قادر بإشارة من صوابعه يحفرلك قبر على مقاسك!!
وتطلع أمامه وهو يهتف بخشونة:
_عزيزتي آيلا، أغلقي الباب من خلفه!
ومدد رقبته على المقعد الذي تحول لبطانة سميكة من خلفه:
_شرفت يا هارون!
*****
جابت الردهة الطويلة ذهابًا وإيابًا، قلقها البالغ كاد ان يصل بها إلى حافة الجنون، وما أن استمعت لصوت الباب السري المختبئ خلف صفوف من الاشجار، هرولت صوبه تناديه في لهفةٍ:
_ياسيــــن!
عقد حاجبيه باستغرابٍ من رؤية قلقها، فاذا به يقترب مُتسائلًا:
_في إيه؟
رددت وهي تبتلع ريقها بارتباكٍ فشلت باخفائه:
_هارون كشفك، الحارس بتاعه قدمله صورة ليك وإنت مع تيام.
ابتسم بسخرية، وقال وهو يلهو بالمفاتيح:
_خدت بالي وهو بيصورني، لو كنت أعرف إنك هتشوفي الصورة كنت أخدت خلفية كويسة.
احتقنت زُرقتيها غيظًا من بروده، وخاصة حينما تركها وولج للمطبخ، يجذب زجاجة العصير، ويجذب الكوب متسائلًا:
_أجبلك معايا عصير؟
ربعت يديها أمام صدرها وهدرت بحنقٍ:
_ممكن أفهم سر برود سيادتك ده!
جلس قبالتها على الرخامة وبدأ بسكب العصير:
_مبسوط إني دخلت الحرب بدري عما توقعت، هارون الحقير سحب المراقبة عن تيام وخلاها عليا، ومش بس كده رمى في طريقي واحدة من اياهم لسه جاية تسكن قدامي في العمارة اللي أنا واهمهم إني ساكن فيها.
حلت عقدة يدها وجلست على المقعد المقابل له:
_طيب رجعت هنا ليه، ما كده ممكن يشكوا فيك!
ابتسم وهو يخبرها:
_متقلقيش الدوبلير اللي أخد مكاني بيأدي دوري بامتياز، بينور الاضاءة كل يوم في الشقة وبيطفيها وقت نومه، وبيخرج يشرب قهوة كمان بعد الظهر في البلكونة..
وضحك برجولية وهو يمازحها:
_رحيم زيدان مبيفوتش حاجة.
قرب منها كوب العصير، فهزت رأسها بنفي، جعله يستقيم بقامته وهو يعود للبراد:
_آسف نسيت.
عاد بعد قليل يحمل العصير الخاص بها، ابتسمت وتراجعت عن الرخامة حتى وضعه أمامها، فهمست على استحياء:
_ميرسي.
هز رأسه بايماءة بسيطة، وعاد إلى محله، عبثت مرين بالكوب من أمامها وعقلها يجوب داخله معركة مريبة، لفظتها بقولها الذي جعلته عاديًا:
_قولت انه رمى في طريقك واحدة تسكن قدام الشقة اللي المفروض بتاعتك!
لاح على شفتيه بسمة خبيثة، فقال وهو يتناول بعض الشطائر:
_الحقير ده أسرع مما تخيلنا، في لحظة ما وصله صوري ما تيام عمل بحث شامل عني، وطبعًا موصلش غير للي أحنا عايزينه يعرفه، على طول خلى واحدة من اياهم تأجر الشقة اللي قدامي، وأنا طالع العمارة عشان أوهم اللي بيراقبني إني رجعت شقتي عادي، لاقيتها في الاسانسير، وحاولت تشد معايا كلام، وأخرهم إنها اتكعبلت في شنطها اللي معاها واترمت عليا بأسلوب قذر، فساعدتها لحد ما وصلت لشقتها وأوهمتها هي والكلب ده إنها عاجبتني!
وأضاف باسلوب مستهزأ بينما تدرس عينيه الغيرة البادية بين زُرقتها:
_وبقيت السيناريو أكيد مكشوف، هتفضل ورايا لحد ما تحاول توقعني عشان تعرف طبيعة علاقتي بتيام واللي واصلني عنه وعنهم، مسكين هارون ده!!!
رسم البراءة وهو يتطلع للكوب:
_أيه العصير مش عاجبك؟
هزت رأسها بالنفي وارتشفت منه قائلة:
_بالعكس جميل.
ارتشفت منه، ثم تساءلت وهي تبعد خصلات شعرها للخلف:
_زين فين مختفي من امبارح؟!
تجرع كوبه ببطء وقال بمماطلة:
_إنتِ عارفة إنه زي الشبح بيظهر وبيختفي فجأة.
تعمقت بعسليته بنظرة مستهزئة، فابتسم وقال:
_بلاش نظرة المخابرات دي معايا، مجبور إني أضللك ده مهما كان صاحبي بردو!!!
أبعدت مقعدها للخلف ونهضت بغضب:
_مش مجبور يا قائد، لاني مش هسألك تاني.
ناداها برفقٍ ومازال يجلس محله:
_مرين، ممكن تقعدي أنا لسه مخلصتش كلام معاكِ، عايز أعرف عملتي أيه مع الكلب ده؟!
ولته ظهرها وقالت بحدة:
_وأنا مش فاضية ورايا حاجة مهمة محتاجة أعملها.
سألها ومازال يحاول التمسك قدر المستطاع:
_حاجة أيه دي؟
أجابت ومازالت توليه ظهرها:
_أسفة مضطرة أضللك لنفس السبب بردو.
قال بعقلانية:
_متجمعيش دي بدي يا مرين، ده شيء يخص حياة زين الشخصية لكن اللي يخصك حاليًا مرتبط بالمهمة ولازم أكون على علم بيه، ولو مش بصفتي فرد من الفريق فبصفتي قائد الفريق!
النيران أضرمت قلبها من شدة الغيرة، وزادها بما قاله وكأن لابن عمها حياة شخصية غير التي تعهدها والتي هي جزءًا منها، لاح على وجهها بسمة خبيثة فقالت:
_وأنا نفس الشيء الموضوع يخص حياتي الشخصية، خاصة إنه ارتباط.
ترك الطبق من يده وردد:
_أفندم!!
ظلت بوقفتها كما هي، حتى لا يرى ابتسامتها الواسعة بينما تهتف:
_زي ما سمعت يا قائد، هارون عايز يتجوزني وأنا وافقت.
ترك مقعده ونهض خلفها يهاتفها بغضبٍ:
_والله، طيب ما تديله رقم الجوكر يطلبك منه بشكل مباشر، أو أقولك نأخدله زين يطلبك منه أهو يحل محل مراد زيدان بردو!
استدارت تجاهه تجيبه بمكر:
_بس غزل ملهاش علاقة لا بالجوكر ولا بزين.
ورنت صوبه حتى وقفت قبالته، وهي تستخرج هاتفها:
_وبعدين إنت لازم تكون مبسوط إني اتقدمت وحققت أكتر من المطلوب، ومن تاني مقابلة ليا معاه اخترقت الموبايل بتاعته بسرعة البرق.
وأضافت حينما لم يهدأ غضبه القابع بعسليته:
_أعتقد إن لو حد من القادة كان موجود كان أثنى على اللي عملته.
وتابعت ببرود مقصود:
_مالك يا قائد مصدوم من النتايج المبهرة اللي عملتها ولا بتفكر في جارتك الجديدة اللي عايزة تتقرب منك وتوقعك!!!!
هدأ غضبه تدريجيًا، ومنحها ابتسامة ثابتة:
_أممم، هي الحكاية كده، طيب ما تقولي إنك غيرانه وأنا همتنع إني أحكيلك عن الجزء ده، تقديرًا لمشاعرك يا ميري!!
احتقنت مُقلتيها غضبًا، فالقت بيديها الكوب من أمامه وهي تصيح بعنفوان:
_مين دي اللي غيرانة، قولتهالك وهقولهالك تاني يا ياسين مفيش شيء جوايا يآآ...
قاطعها حينما قال بثبات:
_مصدقك، بدليل خوفك عليا لما هارون كشف وشي.
ارتبكت قبالته، ورددت بتلعثم:
_الخوف الطبيعي على كل أعضاء الفريق.
مال صوب الرخامة يستند من فوقها، وهو يقول ببسمةٍ هادئة:
_مصدقك، وبعدين احنا محتاجين نحتفل بالانجاز اللي عملتيه، مش نتخانق.
وسحب كوبين أخرين يضع داخله العصير وهو يردد بخبث:
_مش سهل لحد إنه يخترق موبايل شخص زي ده بالخفة والاحتراف ده، شابوو عنيدة هانم.
ومد يده بالكوب لها، وهو يقول مازحًا:
_مبروك علينا أول ضربة في نعش الحقير ده ولا أقول العريس!!
وأضاف وهو يتجرع الكوب بأكمله:
_مش كده ولا أيه يا عروسة؟
سددته بنظرة حارقة وصعدت وهي تتمتم:
_مستفز!
لحق بها وصاح بجدية تامة:
_محتاج أعرف أيه اللي على، موبايله، ومفيش أشطر منك هيقدر يعمل ده بدون ما يتكشفله اننا اخترقنا الجهاز.
وقفت تردد دون أن تستدير إليه:
_لو تفتكر من شوية قولتلك ورايا حاجة مهمة، وطالعه عشان السبب ده، وهو اني اخترق تليفون الزفت ده.
توقفت مجددًا حينما قال ساخرًا وهو يتجرع الكوب مستندًا على الطاولة من خلفه:
_عيب متغلطيش في عريسك يا عروسة!
إلى هنا وكفى، هبطت إليه بملامح اجرامية، سحبت الكوب منه عنوة وألقته أرضًا، ورفعت إصبعها تحذره:
_أنا راجعه مش طايقة الهوى اللي معدي قدامي، صدقني معنديش استعداد أخوض نقاشات مستفزة معاك.
قابلها بنظراتٍ باردة، بينما تستكمل بابتسامة ماكرة رسمت على وجهها:
_وبعدين أنا المفروض البنت اللي اتربت في ملجأ وبعد كده عاشت مع مجرمين علموها ازاي تبقى قوية وقادرة توقف أي حد عند حده، ده أنا لسه من شوية عاملة اثبات رسمي لهارون وعلمت على الحارس بتاعه، أعتقد أن الجزء ده مش همك، كل اللي فرقلك جوازي من هارون!
اعتدل بوقفته يسألها باهتمامٍ:
_حارس إيه؟؟؟
فتحت البراد تسحب الدورق الممتلئ بالعصير الذي صنعه سابقًا لها، ثم حملت الكوب وقالت:
_نبهت الحقير ده إنه ميبعتش الحارس بتاعه ورايا، مسمعش الكلام مع اني حذرته وقولتله اني مش زي البنات اللي عرفهم قبل كده.
وتابعت وهي تراقب اهتمامه بتردد:
_وعملت نفس الشيء مع الحارس بتاعه حذرته يمشي بالهدوء رفض وكان هيهاجمني، فكسرت رجليه بس كده.
انتظرت أن يثور مثل كل مرةٍ، ولكنها وجدته يبتسم بفخر:
_عنيدة وشرسة، براڤوو.
زوت حاجبيها بدهشة:
_إيه ده؟! مش هترمي كلام مستفز؟
انحنى يجمع الفوضى الذي تسببت بها، بينما يجيبها:
_بالعكس أنا فخور باللي عملتيه، انتي عملتي أكتر من اللي اتطلب منك، حرام أهدر مجهودك الجبار ده عشان شوية مشاعر جوايا.
وأضاف بصدقٍ وهو يلقي الزجاج بالسلة:
_مرين كل شخص فينا تم اختياره لدخول اللعبة بناء على مهاراته، طالما الجوكر والاسطورة شايفنك مناسبة عشان توقعي هارون فأكيد انتي أنسب حد، واللي عملتيه النهاردة أثبتلي ده، كان لازم يعرف انك مختلفة عن النوعية اللي متعود عليها، وإنك مش سهلة أبدًا، ونجحتي بالفعل تعملي ده.
ثم مال يشير لها بجدية:
_بس مازلت بكرر وبشدد إنك مش مضطرة تعرضي نفسك لخطر من أي نوع عشان تكملي، أول ما تحسي انك مشكوك فيكِ مش اتكشفتي حتى تنسحبي فورًا، هنا مفيش عناد يا مرين والا مصيرك ممكن يكون مشابه للبنات اللي قبلك، أظن فهمتيني.
هزت رأسها في طاعةٍ، ورددت بصوتها الرقيق:
_متقلقش أنا واخده حذري، ولو حصل فأنا واثقة أنك موجود وهتحميني.. آآ إنت وزين يعني!
اتسعت ابتسامته على ارتباكها الملحوظ، بل وشدد هو بكلمة تفوح منها عشقه:
_أنا بالاخص جنبك ومعاكِ عنيدة هانم.
ارتبكت من نظرات الحب المنطوقة بعينيه، ربما لم تشهدها ألسنتهما الا أن المُقل تفصح عن قصة حب اسطورية بينهما.
انسحبت من أمامه وهي تشير على ما تحمله:
_هأخد العصير ده وهطلع أفتت موبايل الحقير ده على مزاج.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_خدي بالك الواد ده مش سهل مش عايزينه يحس بحاجة.
حركت رأسها بتأكيد، بينما سحب هو جاكيته الذي تركه على المشجب القريب من الباب:
_أنا رايح مشوار على السريع وراجع، كان المفروض زين يقوم بيه بس مش مهم، التقيل متعان ليه.
كادت أن تسأله عن وجهته، فقال قبل أن تتحدث:
_لما أرجع هعدي عليكي أعرف منك وصلتي لاية وهعرفك كنت فين؟
وغمز بعينيه الساحرة وابتسامته الجذابة:
_متقلقيش مش هتحتاجي للنظرة الاستخبارتية عشان أقول الحقيقة!
*****
يقولون ابن رجلٍ خاض مهمات انتحارية حتى أصبح إسمه كالسيف، من خنقته الحياة وأراد موتة سريعة ألقى ذاته في وجه الطوفان، هابه الصديق قبل العدو، ويُحسب له ألف حساب، صنع لنفسه مكانة لا يستطيع أحدٌ أن يتطرق لها.. #الاسطـورة إسمٌ عاش لأعوامٍ ومازال العدو يتأمل أن يتلاشى ويصبح مجرد ذكرى عابرة حتى وُلدتٌ أنا، وكنت كمالة لما فعله أبي، وقطعت أمالهم.
أنا الذي برع بقيادة أخطر أنواع المدرعات والمقاتلات الحربية، وأنا ذاته الذي امتلك خفة الحركة وسرعة ظهور واختفاء تجعلك في حيرة من أمري، حتى إن عقلك البائس سيجعلك تتخيل إن الذي زارك للتو هو شبح.
أنا الذي وُكلت إليه أصعب المهمات حتى بات إسمي على مقدمة لائحة أهم ضباط الجهاز، أنا نفسه الذي نسب إليه إسم فريق الأشباح... #أشبـاح_المخابــرات..
#الأسطورة_أبي... #الجوكر_عمي....
أنا من خشاني العدو من قبل ولادتي، أنا وريث قوة ودهاء أبي وحنان وعاطفة عمي،
أنا مزيج ما بين #الجوكر_والاسطورة... #الشبح_زين_زيدان..
أنا الذي نبع عشقك في قلبي منذ الطفولة، وتعاهد بأن يجمع الحب بيننا حتى الرمق الاخير، أنا ذاك الذي يقسو في ساحة المعركة وأمامك يصبح مطيعًا وكأنه يحمل روحين في جسده، حينما يحتل الشبح القيادة ينهي من حوله بصدر رحب، وحينما يحتل العاشق الذي إلتاع قلبه عشقًا لكِ يصبح رجلًا لا أعرفه ولكني أعلم بأنه سيخسر أي معركة أمام رقتك ونقاء قلبك.
وصال الحب ينتقل عبر نظراتهما، لا تصدق أنها تجلس رفقته، على أعلى شلال المياه وبين الاشجار الخلابة، رغم أنها تخشى الاصوات المرعبة المنتشرة بالغابة الا أنها كانت تأنس بوجوده، تعلم بأنه قادر على حمايتها حتى من نفسه.
سحبت عينيها من لقاء زيتونته المهلكة ورددت:
_وبعدين يا زين، بقالنا تلات ساعات قاعدين كده، أنا خايفة زمايلي يقلقوا عليا.
منحها ابتسامة جذابة وقال:
_متقلقيش أنا بلغت المشرفة إنك بتزوري حد من قرايبك وهترجعي بليل، ولو على عمي فأعتقد انك سمعتيه وهو بيتأكد منك إنك قابلتي السواق يعني على علم بكل حاجة.
مالت تتطلع له ببسمة ساخرة:
_أيوه ده انت مرتب كل حاجة بقى.
سند يده على يدها المسنودة لجواره:
_رتبت كل حاجة عشان أقضي معاكِ اليوم كله، أنا بخطف اللحظات عشان أجمع كام ذكرى تجمعنا مع بعض.
سحبت كفها وحذرته بضيق:
_زين أنا مش بحب كده وإنت عارف، من فضلك متزعلنيش منك.
لف وجهه للامام وهو يتنهد بغضبٍ، جعلها تنزعج مما تفوهت به، فتحدثت له بنبرتها الهادئة:
_مش قصدي أضايقك بس أنا مش بكون مرتاحة لو حصل بينا تجاوزات، بتمنى تحترم ده.
ضم شفتيه بعنف، وصاح مستنكرًا:
_هي مسكة الايد تجاوزات!! وبعدين ما أنا اتزفت عرضت على سيادتك وعلى عمي نكتب الكتاب اكتر من مرة وانتوا رافضين ده أعمل أيه يعني!!!
تصنعت الحزن من طريقة حديثه، فسحب نفسًا طويلًا ثم استدار صوبها:
_متزعليش أنا آسف..
وأضاف وهو يعود لابتسامته:
_أنا مش حابب يكون بينا خلافات في الكام ساعة دول.
ومال بجسده وهو يستند بساقيه على الصخرة من أسفله:
_طمنيني شجن عاملة أيه، وحشتني أوي؟
مالت تجاهه تخبره بحماس:
_كل شوية بتسأل طنط أشجان وأنكل رحيم عنك، وزعلانه جدًا، يا ريت يا زين تحاول تكلمها قبل امتحاناتها
وتابعت بحزن شديد:
_إنتوا شغلكم فارض علينا إننا منعرفش نتواصل معاكم الا لما تقرروا تكلمونا، أنا كمان مرين وحشتني أوي ونفسي أسمع صوتها، أنا مش متخيلة اني مشفتهاش طول الفترة دي.
ردد بحنان وعشق يفوح لها:
_قريب هجمعك بيها.
توسعت بنياتها وتساءلت بلهفة:
_بجد يا زين؟؟
اتسعت ابتسامتها ووعدها:
_بجد يا قلب زين.
وأضاف وهو يغلق نصف عين بأسلوب اجرامي:
_بس مش هعمل كده ببلاش، أكيد عايز مقابل!
اتسعت عينيها بغضب خطر، ورددت:
_مقابل!! انت مفيش فايدة فيك.
ونهضت تسرع بخطواتها تجاه السيارة وهي تتوعد له:
_والله لأقول لانكل رحيم عليك يا وقح.
لحق بها وهو يكاد أن يسقط من شدة الضحك:
_هتقوليله أيه؟ انتِ أصلًا فهمتي أيه؟ تعالـــي هنا!!
وقفت أمام السيارة تهاتفه بفتور:
_هقوله إنك مش محترم ووقح، بتساومني عشان أشوف أختي!!
مال على السيارة من شدة الضحك، وكلما حاول الحديث يسقط بنوبة جديدة، حتى سحر عينيها بجاذبية تراها فيه للمرة الاولى.
تماسك بصعوبة وهو يقول لها:
_أهو ده اللي ناقص بعد كل الاحترام ده وتشتكيني لابويا!! أنا هموت على مسكة ايد وبتتهميني اني وقح!!!!!
وعاد ينصب جسده الرياضي، بينما يشير على صندوق السيارة:
_فهمتيني كالعادة غلط مع إني أوقات بتكون دي غايتي الصحيحة، أنا كنت طمعان في صينية رقاق!
رمشت بصدمة وعدم استيعاب:
_رقاق!! هنا!!
هز رأسه واتجه يحرر صندوق السيارة، لتتضح محتوياته من براد صغير ممتلئ بالثلج وأغراض متعددة بينما يهتف:
_اعتبريني خرجتلك من المصباح وبقولك شوبيك لوبيك.
هتفت وهي تتفحص المكونات الذي أحضرها:
_تمام بس فين البوتجاز أو النار اللي هنسوي عليها.
أجابها وهو ينزع جاكيته الاسود:
_دقايق وهيبقى قدامك أحلى نار للتسوية، قولتلك أنا مفيش حاجة بتقف قدامي!
راقبته وهو يتجه للفأس ويشرع بتقطيع الفروع لصنع الشعلة لها، فبدأت بتحضير المكونات بكل حب، هي تعلم بأنه يحب ما تصنعه بيدها، وهي تعشق صنع ما يتناوله هو بذاتها، كل ما يخصه كانت ترغب هي في صنعه، ومع ذلك مازالت تحتفظ بالحدود والضوابط بينهما، مثلما تربت ومثلما أصبحت!
*****
صُدم حينما رآه يتمدد على الفراش كالجثة الهامدة، ساقه المكسورة ملفوفة ووجهه ممتلئ باللاصقات الطبية، ومازال لا يصدق ما يتفوه به، دار بالغرفة بصمتٍ بينما يقص عليه "صفوت" ما فعلته مرين المُلقبة ب"غزل" مثلما أخبرته.
انتهى صفوت بما حكى عنه، خاتمًا:
_باشا البت دي مش طبيعية، صدقني دي ولا كأنها عشر رجالة في بعض.
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتي هارون، واذ به يتوقف أمام الشرفة وهو يردد بصوتٍ شيطاني:
_فعلًا؟
واستدار يحرر طلقة من سلاحه، استهدفت رأسه في نفس لحظة نطقه:
_اللي تغلبه واحدة ست ميلزمنيش.
وعاد يتطلع أمامه وهو يهمس بهيامٍ ورغبة مجنونة:
_إنتِ شقلبتي كل الموازين، حاسس إني هقع في الحب اللي عمري ما جربته، لا مع قريب ولا غريب!!
ولج من الخارج أحد حراسه، يقترب منه وهو يقول:
_جمعنا كل حاجة عنها يا باشا.
منحه الاشارة للحديث، فقال:
_البنت دي اتربت في دار للايتام، وبعد كده هربت منها، عاشت فترة مع عيلة صغيرة شغلهم كله شمال، وبعدها انعزلت عنهم تمامًا وبقت بتشتغل وبتعتمد على نفسها، وليها كذة قضية ضدها، أغلبهم بسبب ضربها لشباب!!
بدت السعادة تحاوط هارون، وهو يتأكد كل مرةٍ بأن اختياره صائب، لا يعلم بأنه ابتلع الطعم الذي دبر له باتقانٍ ومهارة لا تليق الا لقادة الفريق.
*****
خرجت تبحث عنه، فولجت إلى جناحه، وجدته يرتدي بذلته ويستعد للخروج، نادته بصوتها الشاحب، وحركة جسدها الهزيل:
_كِنان!
انتبه لتعبها الشديد فما كادت أن تسقط من شدة ارهاقها، حتى تفاجئت به يقف جوارها، ارتعش جسدها رعبًا وهي تعود ببصرها نحو محل وقوفه البعيد عن مكانها، كيف انتقل من المرآة إليها بتلك السرعة!!
سحبت كفها من بين يديه، ودفعته عنها ثم رددت بصوتها المبحوح:
_أنا غصب عني بخاف منك، كِنان إنت مش طبيعي!!
عاد يحاوطها رغمًا عنها، حتى وضعها بفراشه، جلس قبالتها يتأملها بحيرةٍ، وكأنه لا يعلم ماذا عليه فعله معها؟ يقربها منه أم يبعدها، يبقيها أم يطردها من عالمه.
غلبه قلبه الذي يحمل حبًا عظيمًا لها، فحاوط وجنتيها بيديه، فاذا بها تطالعه بارتباكٍ، وتسأله بصوتها المبحوح:
_إنت مين؟
ابتسم باستهزاء على سؤالها الذي سبق لها وسألته، مال يستند برأسه على رأسها وهاتفها بحبٍ:
_أنا نفسه الانسان اللي حبيتيه يا روز، أنا هو متغيرتش في حاجة، كل اللي كنت بعمله وبقوله كان بره عني، كنت بحاول أبعدك عني بأي شكل من الاشكال.
وأضاف وهو يبتسم بمشاكسة:
_بس انتِ كنتِ صامدة وبتحاربيني بحبك الكبير ليا، كان عندك ثقة إنك جوه قلبي حتى لو أنا بينت عكس ده.
تهاوت دموعها على وجهها، فأغلقت عينيها بتعبٍ، وهمست له:
_أنا مبقتش فاهمه ولا عارفة حاجة.
وعادت تتطلع له برجاءٍ:
_أنا بقيت حاسة بحاجات كتيرة كلها بتناقض بعض، بقيت بشك إن هارون أخويا، وإنك انت الانسان اللي حبيته، أنا بقيت حتى بشك في نفسي يا كِنان!
انهارت باكية فجذبها إليه يضمها بقوة، وصوتها الباكي يمزقه بوجعٍ طمسه بضعفٍ، فردد بثقة:
_مفيش حاجة اتغيرت فيا، أنا هو نفس الشخص اللي حبيتيه يا روز، أما هارون فهو بردو نفسه متغيريش، نفس الحقارة و الوساخة اللي جواه.
وأبعدها وهو يرفع رأسها إليه:
_إنسى كل اللي فات، متفكريش غير في انتصارك عليا، استسلامي قدامك، وفوزك بقلبي وباعترافي اللي قولته من شوية، فكري في جوازنا اللي بقى حقيقة.
تاهت بين نظراته وكلماته العاشقة، ومع ذلك قالت بجمود:
_لو صارحتني باللي حصل معاك يمكن أفكر بالطريقة دي.
تلاشى الهيام والعاطفة من عينيه، وأفاق بفضل كلماتها، نهض يعود للمرآة يعدل من كرفاته، وهو يهدر:
_سبق وقولتلك في كلام مينفعش نتكلم فيه ولا نفتحه أصلًا، انتِ بتلفي وبتدوري في نفس الدايرة يا روز.
واستطرد وهو ينتعي حذائه:
_خليكِ هنا، هارون ميجرأش يدخل جناحي أبدًا، أنا عندي مشوار مهم لازم أعمله، وبعدين نكمل كلامنا.
أرادت أن تمنعه من الرحيل، أن تخبره بأنها تخشى البقاء دونه، تخاف أن يعود هارون لفعل ما فعله، ولكنها لزمت الصمت وجلست محلها تستكين بضعف، عقلها أرهقه التفكير حول أمره!
*******
مضت صوب مطبخ الملحق وهي تفكر بطريقة توصل بها المعلومات الخطيرة للفريق، التي ستعيد حساباتهم من جديد.
انتهت من صنع القهوة، وما كادت بالتوجه للخارج حتى تفاجأت بيدٍ تكمم فمها، وجسدًا قويًا يقيدها، وبالرغم من قوتها فشلت بتحرير ذاتها، ولم تهدأ الا حينما تسلل لها صوتًا مألوفًا:
_اهدي يا قدس، ده أنا!
حررها كليًا فابتعدت تطالعه، وزادت صدمتها صدمة، حتى كادت أن تخرج عينيها من محجرهما، وجُل ما يتردد على لسانها:
_ازاي!!!!!!!
نزع لثامه وهو يبتسم بثبات:
_زي الناس!
عادت تحرك رأسها بجنون وتهتف:
_دخلت هنا ازاي! عديت البوابات والحرس ازاي!!! والكاميرات وماتيو نفسه!!! إنت بجد هنا أصلًا!!
ابتسم الجنرال وقال بثقة:
_مهما كانت قوتهم وذكائهم فاحنا بردو مش أي فريق ولا أيه؟
منحته نظرة ساخطة، ثم اتجهت للطاولة تسحب رشفة طويلة من القهوة، وعادت تتمعن فيه وتردد بذهول:
_عديت ازاااااي!!!!!!!!!!!
تنهد ياسين بضجرٍ وقال بنزق:
_هنقضيها كل ثانيتين ازاي؟؟؟؟ مفيش معايا وقت كتير يا قدس، بلغيني بأي شيء مهم حاباني أعرفه.
منحته نظرة مستنكرة، وعادت ترتشف باقي كوب القهوة:
_طيب هتخرج ازاي؟؟ النظام هنا معقد وآلي!! انت دخلت ازاي أصلًا؛!!!!!!!
طالعه بارهاقٍ، فعادت تهتف بحماسٍ:
_لو عرفوا في الجهاز انك قدرت تقتحم قصر التميمي هتدخل موسوعة غينيس!
طرق على الطاولة وهو يعيدها لارض الواقع:
_خمسة وعشرين دقيقة، وقتنا بينفذ، لخصي يا قدس ولما أمشي ابقي استغربي براحتك!
عاد عملها للعمل، فاندفعت تخبره:
_عثمان مظلوم مش هو اللي بيحركهم هنا، هارون هو الكل في الكل، ومن بعده كِنان، أنا كمان عرفت كام حاجه تخص تيام، وحصل امبارح حوار كبير، بص آ...
قصت له قدس عن كل شيء جمعته خلال بقائها الفترة القصيرة هنا، وأولهم الصورة التي نجح عثمان بزرعها لها.
انقضى الوقت سريعًا وقد حصل فيه ياسين على ما أراد، وسرعان ما غادر تاركًا قدس في حالة من الصدمة ومازالت تتساءل:
_دخل وخرج ازاي!!!!!
*****
يتمدد على الأريكة بردهة منزله لا حول له ولا قوة، دموعه تتهاوى بصمتٍ وسكون يجعله على وشك أن يقتل ذاته بأي لحظة، زهد الحياة بما فيها، فقد كل شيء ولم يعد يمتلك سوى أنفاسًا بخسة لا يملك سواها.
أغلق "تيام" عينيه بتعب، وهو يتجاهل صوت جرس الباب ودقاته الصاخبة، مرة، اثنان، ثلاثة، عشرة مرات إلى أن مل الطارق من أن يفتح بابه له فغادر وتركه.
فتح "تيام" عينيه يتأمل سقف الغرفة بتعبٍ، ولجواره الزجاجة الصغيرة التي تحتوي على خلاصه من هذا العالم المقبض، ولجوارها هاتفه، اقتحم رأسه فكرة أن يتصل بصديقه عمر الذي امتلكه فجأة، وبات شخصًا هامًا له، صحيح أنه لم يتمكن من اخباره من حقيقته القذرة، ولكنه بات يعني له كثيرًا.
اعتدل في منامته يوزع نظراته بين الهاتف وبين زجاجة السم الموضوعة أمامه، يتطلع لكلاهما في حيرة، حتى استقر الامر على الزجاجة.
فتحها وأخذ يتأملها بدموعٍ شقت طريقها على وجهه، وقبل أن يقربها إليه، أتاه صوتًا قادمًا من شرفة الردهة:
_مكنتش متخيل إنك بالضعف ده!!
مال صوب القادم بنظرة غاضبة، فاذا بكِنان يترك قميصه وجاكيته على المقعد ويتحول من محله إلى يد تيام بسرعه مريبة، يقبض على الزجاجة ويفرغ محتوياتها أسفل مياه الصنبور الجارية.
نهض تيام من محله يصرخ بانفعال خطير:
_إنت أيه اللي جابــك هنا! امشي حالًا ومالكش دعوة باللي بعمله وهعمله.
رنا إليه ببطءٍ وقال:
_للدرجادي يا تيام!! للدرجادي انت ضعيف وقليل الحيلة!
أدمعت عينيه بانكسارٍ ورد عليه:
_وأيه اللي أنا أملكه، خسرت كل حاجه بسببكم، أمي، أبويا، حبيبتي، ودلوقتي الحاجة الوحيدة اللي بمتلكها، أختي وبنتي وحياتي كلها، فاضل أيه تاني عشان أكسره، وفاضل أيه تاني عشان أعيش!!
اقتحم الحزن عيني كِنان، فاقترب منه يقول بهدوء حذر:
_أبسطه إنك تنتقم من هارون ومن اللي عمله فيك، سبت كل حاجة وعايز تنسحب بهدوء، حتى أختك اتخليت عنها!
اخشوشنت نبرته وهو يستدير عنه:
_هي اللي اتخلت عني واختارت طريقها مع أخوك.
وأضاف ساخرًا:
_والمفروض يكون ده مفرحك، ما أنت حققت اللي إنت وهو كنتوا عايزينه.
جذبه بقوةٍ إليه، وقال بعصبية:
_ولا يفرقلي جوازهم في شيء أكتر من سعادة نوح، نوح مظلوم يا تيام، وأختك كمان اتظلمت.
ضيق عينيه بعدم فهم، فاستكمل كِنان:
_هارون هو اللي ورا اللي حصل، كان ناوي يعمل أبشع من كده لولا اني اتدخلت وقلبت الحوار جواز كان زمان أختك بتدفع تمن أبشع من اللي عقلك ممكن يصوره.
اهتز جسده من شدة الغضب، وهو يحاول مواجهة ما يقوله كِنان، بينما يتابع:
_هارون عمل كده عشان يرجعك القصر، وبالفعل باعتني عشان أهددك بأختك وأنا فعلًا عايزك ترجع لشغلك وللقصر، بس الاهم من دول هو انك تحط ايدك في ايدي ونتنقم من الكلب اللي معدلوش كاسر ده!
وبقوةٍ قال:
_ها معايا؟!
******
طرق على باب غرفتها أكثر من مرةٍ، وحينما لم يجد أي رد منها اتجه لغرفة التدريبات، ولج للداخل يبحث عنها ولكنه لم يجدها.
صعد ياسين لسطح المبنى السري، والذي كانت تحاوطه الاشجار من كافة الاتجاهات، تعجب حينما وجدها تجلس أرضًا، وهي تدير عنه وجهها تتطلع للقمر بهيئة بدت غريبة له.
اقترب منها يناديها بدهشةٍ:
_مـريـن!
سحبت بصرها عن القمر، ولفت بوجهها له، رفعته تجاهه فاندهش ووخز بقوةٍ حينما رأى الدموع تنهمر من عينيها، يراها تبكي لأول مرة، الفتاة القوية التي تواجهه بكل كبرياء وشموخ يحتلها ضعفًا مُفاجئ، دموع أججت النيران بعروقه، جعلته قادر على حرق العالم بأكمله لمعرفة من تسبب لها بالبكاء، ومن بين تلك الدموع، تدفع الحاسوب الخاص بها تجاهه، وتعود لضم ذاتها والبكاء بصوتٍ لم يخرج عنها!!!!!!
...... #يتبـــــــــــــع.......
#الاقــــــــــوى_قــــــــــــــادم..
#آيـــــــــة_محمـــــــد_رفعـــــت..
******_______*******
أشباح المخابرات الفصل العشرون 20 - بقلم آية محمد رفعت
#أشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الثاني_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Missan Rslan
، Aesha Altaher Abdo، Marwa AbdElaziz، Lulu Al Qupaitary، Nada Ali،Shahd Khalaf،Hanaa Adly،Mariam Sherif،Alaa Mahmoud ،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تناول بنهمٍ ما قدمته له، ومازالت تستند على كفها وتراقبه بحب وفرحة أن ما صنعته نال استحسانه، وبالرغم من سعادتها الا أن قلبها كان يوخزها بألمٍ أن ظروف عمله تمنعهما من اللقاء أو حتى من أن تصنع له الطعام الذي يفضله.
تنهدت "مارال" بحزنٍ، وتطلعت للشلال المرتفع بنظرة مشتتة، حتى أتاها صوته الرجولي الرخيم، يقرأ تنهيداتها وما بباطنها:
_بكره لما تبقي على عصمتي هتملي من شوفتي، ومن طمعي في طلب أصناف كتيرة من الاكل لدرجة انك هتترجيني أرجع أكل من إيد ياسين من تاني، بس أنا هصمم وهصر لأن نفسك وإيدك نفسها في أي حاجة بتخليها تنزل في قلبي قبل معدتي.
استدارت تجاهه بابتسامةٍ مشرقة، ورددت بمزح:
_على فكرة مش من العدل إنك تستخدم قدراتك عليا يا حضرة الظابط، مليت وسطكم بجد، بابي، عمي، مرين، وحتى إنت، أنا بحس إني مكشوفة قدامكم بشكل صعب، كأني قاعدة في محكمة وكل فعل هيتأخد عليا!
تحررت ضحكته بصوتٍ مسموع، جذب المناديل يجفف يده ثم أبعد الطعام وزحف جوارها، منحته نظرة تحذيرية، فرفع يديه للأعلى كأنها تثبته بسلاحٍ:
_في مسافة بينا أهو، وإزازة مية في النص كمان أعمل إيه تاني!
عبثت باستهزاءٍ على مكره، وعادت تتطلع لغروب الشمس بإعجابٍ، ثم عادت ببصرها صوب بقعة الزهور الحمراء، المتطرفة على مسافة من أسفل الشلال، تابعها "زين" وتساءل:
_عجباكِ؟
لفت رأسها له وقالت:
_هي جميلة بس أنا مستغربة إزاي في ورد بيطلع بمكان قريب أوي من الشلال كده، أكيد دي زهور نادرة لأن مفيش حد ممكن يجازف وينزل كل ده عشانها.
طالت نظراته لها وابتسم:
_زيك تمامًا نادرة وبعيدة عن أي حد، بس مش عني يا مارال.
حركت ساقيها المتدلية خارج الشلال بابتسامة رقيقة:
_رجعنا للوقاحة تاني! كمل أكلك يا زين.
مال برأسه لها وبتحدٍ قال:
_مهما كنتِ بعيدة هوصلك، ومصيرك هتميلي برأسك ومش هتلاقي غير حُضني.
ونهض يستقيم بقامته الطويلة، ومن ثم تراجع للخلف وهرول مسرعًا للأمام، تلاشت ابتسامتها وحل الرعب ملامحها بينما تهتف بخوفٍ:
_بتعمل إيه يا زيـن؟!
قفز من فوق الشلال أمام عينيها، فصرخت وهي تتراجع للخلف رهبة:
_زيـــــــــــــــــن!!
صعقت "مارال" وهي تراه يقفز من محل للآخر بسرعةٍ وقوة جعلت مُقلتيها تتسعان في صدمة وانبهار، كانت تخشى عليه من صعوده لغرفتها والآن بعد أن قفز من تلك المسافة الكبيرة علمت بأنه كان محقًا حينما كان يخبرها بأنها لم ترَ قدراته بعد.
قطف "زين" الكثير من الورود، ومن ثم عاد بنفس الطريقة التي قفز بها، حتى جلس جوارها يقدم الباقة:
_اعتبريها مكافأة الأكلة اللذيذة دي.
وزعت نظراتها بينه وبين ما يحمله وهمهمت:
_مجنون.
بابتسامةٍ عريضة قال:
_بيكِ يا كوكيز قلبي!
تبدد غضبها لابتسامة جذابة، فحملتها عنه تشم عبيرها بسعادةٍ وعشقه يلمع بين مُقلتيها حتى وإن عجز لسانها عن توضيح ذلك.
انتهت أجمل أمسية جمعتهما، وها هو يفتح باب السيارة لها بعدما تخفى باللحية والكاب والنظارة. هبطت وهي تتبسم له بينما يمنحها نظرة صارمة، تذكرها بحديثه عن تعاملها معه على أنه شخص غريب عنها، بينما تستغل هي احترامه وقيوده بالتعامل لتثير غيظه.
حمل "زين" الحقائب وصعد بها حتى الطابق الخاص بغرفتها، وضعها على الباب وودعها ببسمة سلبت قلبها. وبينما يتجه للسيارة بالاسفل، خفق قلبه تمردًا وأرغمه على التطلع للأعلى، فإذا بها تقف بالشرفة، تضم الزهور، وتودعه بأعين دامعة، وشفتيها تهمسان بشيءٍ والثقة تحتل قسماتها الرقيقة بأنه سيتمكن من قراءة ما ستقول
«بحبــــك!»
ابتسم وردد وهو يحني رأسه بنظرة خاطفة
«وأنا بعشقك!»
*****
انحنى على ركبتيه ورنا صوبها، يناديها للمرة الثالثة، ولكنها مازالت تدفن رأسها بين ساقيها ودموعها تنهمر، لم يخرج عنها صوت ولكنه رأى عينيها الحمراء تحتفظ ببقايا دموع كادت أن تدمي قلبه.
لأول مرة يراها تبكي، لدرجة أنه ظنها لم تبكِ بحياتها قط، ويا ليته لم يرَها، شعر وكأنه سيحرق العالم بمن فيه وبالأخص من تسبب ببكاء عنيدته، حبيبة قلبه.
رفع يده وقربها إليها، وقبل أن يلامسها، أبعدها بضيقٍ من أنه يخترق أمانة قائده، وقبلها خوفه من الله عز وجل حتى وإن كان يعتبرها زوجته أمام الله، أبعد كفه وناداها برفقٍ:
_مـرين!
رفعت رأسها إليه تتطلع له بوجعٍ، فقال وهو ينحني صوبها بحنان:
_في إيه؟ مالك؟!
قربت الحاسوب منه وعادت تخفي ذاتها، تاركة دموعها تتصبب على وجهها، سحب "ياسين" الحاسوب يتفحصه باهتمامٍ، فانكمشت تعابيره غضبًا وازدراءا حينما وجد عشرات المقاطع التي يحتفظ بها هذا الشيطان له مع أكثر من فتاة، أغلبهم كان يسجل لقطات وهو يحقنهم بالعقار النسائي رغمًا عنهن، ولم يهتم لتوسلاتهن، ولا لدموعهن، وبعد دقائق معدودة كانت تقترب الفتاة منه بإرادتها!
أطبق "ياسين" على قبضته بقوةٍ كفيلة بضم تلك العائلة لسجلات الوفيات، وما زاده غضبًا فوق غضبه بكاء فتاته القوية، التي مالت صوبه تعبث بأزرار الحاسوب حتى فتحت من أمامه إحدى الملفات المغلقة، وتطلعت له تهمس بصوتٍ مبحوح زاد من وجعه:
_بنات وأولاد صغيرين يا ياسين!!!
توسعت مُقلتيه بصدمة، حينما رأى مقاطع مسجلة لأطفال بمدارس دولية مختلفة، فتح أكثر من فيديو وملامحه تزداد نفورًا وهلاكًا، لدرجة جعلته لم يستطع المواصلة، أغلق شاسة الحاسوب بعنف، وهو يردد بزئيرٍ مخيف:
_ولاد الكلب!
تهاوت دموع "مرين" وهي تخبره:
_ليهم علاقة بالقذارة اللي بقت منتشرة ببعض المدارس، في رسايل لاقتها هنا بين هارون الكلب وبين بعض المدرسين، بيبعتلهم مبالغ وهمية مقابل كل فيديو بيصوروه جوه المدارس، دول عصابة كاملة.
وتابعت بينما يحاول "ياسين" تهدئة ذاته والسيطرة على غضبه حتى يتمكن من امتصاص غضبها:
_مقاطع لأكتر من بنت وولد في كيجي، وأغلبهم بابتدائي، عقلي مش مستوعب اللي الكلاب دول بيعملوه في أطفال صغيرين، وفي منهم اللي لابسين أقنعة عشان طبعًا الاطفال ميعرفهمش بعد كده، مش عارفة إيه متعة الكلب ده انه يتفرج على القرف ده أكيد مريض نفسي!!
هز رأسه وهو يصرح لها:
_الفيديوهات دي مش للكلب ده بس يا مرين، رحيم زيدان قالها صريحة لينا وهو بيسلمنا المهمة، هدفنا مش بس عيلة التميمي، هدفنا اللي ورا الكلاب دول، الطريق هيكون طويل وصعب بس أنا جاهز أمشي فيه لو فيها هلاك الشياطين دول، وبابنا للدخول ليهم عند اتنين، هارون وعثمان.
زحفت صوبه تهتف بحقد ووعيد:
_سبني أقتله، ميستهلش إننا نسيبه حي يا ياسين.
هز رأسه بصرامة:
_هتضيعي تعب الفريق كله بما فيهم القادة، مرين سيطري على مشاعر الغضب اللي جواكِ، هدفنا أكبر من رقبة الكلب ده.
مالت بجسدها بالإتجاه الآخر وهي تقاوم انكسارها وغضبها، بينما يتفحص "ياسين" باقي الملفات، حتى وجد ملفين مغلقين، فسألها:
_دول مقفولين ليه؟
أجابته ومازالت توليه ظهرها:
_حاطط عليهم باسورد قوي، بس متقلقش مسألة وقت وهفتحهم.
هز رأسه بخفة، وعاد يغلق الحاسوب ويتابعها بحزن:
_طيب ممكن تتخطي اللي شوفتيه ده عشان نقدر نكمل في خطتنا، مكنش لازم تفتحي الفيديوهات وتوجعي قلبك بالمناظر دي.
لفت وجهها إليه، تقابله بعينيها الدامعة:
_والبنات اللي حصل فيهم كده قلبهم متوجعش! الاطفال الصغيرة اللي عملوا معاهم كده متوجعش قلبهم وإتأذت مشاعرهم!!
وأزاحت دموعها وهي تزحف إليه مجددًا، مالت على ركبتيها ونصبت عودها إليه:
_طيب خلاص بلاش أخلص على هارون دلوقتي، بس على الاقل وصل الملفات دي لبابي وخليه يتصرف، المدارس دي لازم تتقفل والكلاب اللي عملوا كده يتحاسبوا ويبقوا عبرة لغيرهم.
رد بعقلانية:
_مينفعش أي خطوة هنعملها هتكشفنا يا مرين، أنا عارف إنك غضبانة ومتضايقة من كل اللي شوفتيه، بس لازم تفكري كويس، الملفات اللي معاكي دي هي مجرد طرف الخيط لمصايب وجرايم أبشع من كده، لو غامرنا دلوقتي مش هنقدر نكمل مهمتنا ولا هنعرف نكشف باقي جرايمهم.
حركت رأسها باستسلامٍ، فأراد أن يكسبها ويبدد غضبها وعنادها تجاهه، خاصة بأن "زين" ليس برفقته ليساعده بالسيطرة عليها:
_مرين الموضوع أكبر مما تتخيلي، ومش واقف عند هارون بس، أنا لسه راجع من عند قدس، ونقلتلي كل اللي حصل جوه القصر، هارون أجبر واحد فيهم إنه يتجوز أخت تيام، وكمان كنان ده.
وببسمةٍ خبيثة قال:
_الصورة اللي عايزها عثمان بدأت تتصيغ للكل زي مهو عايز.
أزاحت دموعها وسألته بجدية واهتمام:
_صورة إيه؟
أجابها بمكرٍ يُدرس لضباط الجهاز:
_إن هارون الكل في الكل، وإنه بسبب تعبه اعتزل الملعب.
وأضاف وهو يتجه لجانب معتم بالسطح الداخلي:
_والطعم أكله كل اللي حوليه حتى قدس تخيلي!!
ولج من المدخل السري لغرفة التدريب، غاب عنها دقائق تركها تركز فيما قال، ثم عاد لها يحمل شيئًا ثقيلًا بين يديه بينما يستكمل حديثه:
_بيقدم هارون قربان عنه، وهو من مكانه بيحركه.
نهضت "مرين" ترنو إليه وقد راق لها حديثه:
_طيب إحنا ليه منركزش مع عثمان كلنا، لأن مهما كان قدس دي مش ليلتها، ومش هتقدر عليه لوحدها.
رفع السيف الذي يحمله يتفحص جراب الأمان الذي وضعه فوق سنه الحاد ثم قال:
_لما بنلعب الشطرنج بنوقع البيادق، والفيلان، وبعد كده الوزير ، وبيجي الملك من بعدهم، وده بالظبط اللي هنعمله.
ورفع يده لها وهو يغمز بعسليته:
_جاهزة للتمرين عنيدة هانم؟
رددت بسخرية:
_تمرين!!
تعمق بعينيها المنعكسة بجاذبية أسفل ضوء القمر:
_أيوه، انتِ لما بتكوني متضايقة أو متنرفزة التمارين بتهديكِ، وأنا مش جاهز لقطع شجرة بالوقت الحالي.
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت باستنكارٍ:
_غريبة، معقول أنك هتتكرم وهتخالف الجسر اللي بتنبيه بينا يا عم الشيخ!
رفع ما يحمله وهو يجيبها بمكرٍ:
_لا أنا مبخالفش قوانين ولا بعدي جسر مش مُباح ليا، اخترت السيوف بحيث أحافظ على كلامي وعهدي للجوكر.
تابعت ما يحمله بابتسامةٍ رقيقة وقالت:
_دايمًا عندك حل لكل مشكلة.
مال للأمام بحركة الأمراء، وبتعالٍ قال:
_متشكر على الإطراء ده عنيدة هانم.
ووضع يده خلف ظهره بينما يمرر السيف لها:
_جاهزة؟
أمسكت بالسيف بسرعة مرعبة قبل أن يلامس الأرض، وتحركت أمامه بخفة:
_جاهزة جدًا يا قائد!
رفع سيفه للاعلى فركضت "مرين" صوبه تطرق أول طرقة سددها "ياسين"، وباتت الملحمة بينهما، لدرجة جعلتها تنسى كل ما خاضته وتندرج معه بتحدٍ ورغبتها بالفوز.
نجح بذكائه بسلبها من تلك الفجوة التي كادت أن توقعها، نشب بينهما قتال شرس، علم من طريقة قتالها بأنها تواجهه بعنف كأنها تستحضر فيه "هارون"، تنتقم منه على ما فعله، ومع ذلك خفف من قوته واستقبل غضبها بصدرٍ رحب!!
انحنت" مرين" وسلطت سيفها على موضع قلبه، وبالرغم من جراب الامان من حوله إلا أنها من شدة غضبها أصابته بجرحٍ لم ترَه من خلف قميصه الأسود!
أزاح "ياسين" سيفها ووضع حافة سيفه على مواجهة من رقبتها، ومن ثم يرفعها وهو يصوبه على ذقنها، وهو يبتسم لها بجاذبية وانتصار، ففاجأته "مرين" حينما تسلقت على فرع الشجرة بانسيابية ورشاقة، وقفزت لتصبح خلفه وسيفها على رقبته من الخلف.
تحرك كلاهما بمواجهة الآخر، وهو يهمس لها:
_الانتصار ده حققتيه عليا كـ هارون ولا كياسين؟
ضحكت بصوتٍ مسموع وتحركت أمامه بينما سيفها مازال مصوب إليه:
_عيب يا قائد، أنا مهما اختلفت معاك مش هيوصل الإختلاف للقتل.
وتابعت ومازالت تدور حوله، بينما يقابلها بثبات وثقة:
_إنت طلبت تهديني، وأنا مترددتش وانتقمت من الكلب ده، فاعتبرني هديت.
تركت السيف جانبًا وسحبت الحاسوب وهي تتحرك بخفة وسعادة:
_متتخيلش التمرين ده هون عليا إزاي، هنزل أحاول في باقي الملفات، تصبح على خير.
أوقفها بندائه ومازال يقف بثبات في محله:
_مرين!
استدارت تقابله بنظرة استفهام، فقال:
_لو فتحتيهم بلاش تتفرجي على المقاطع، ممكن؟
هزت رأسها بخفة وهي تمنحه ابتسامة خفق لها قلبه بجنونٍ، وسرعان ما غادرت إلى غرفتها، بينما ضم "ياسين" جرحه وإتجه لغرفة التدريبات، يعيد السيوف ويبحث عن عُلبة الإسعافات الأولية.
نزع قميصه وهو يتفحص إصابته، جرح لم يكن كبيرًا ولكنه عميق بعض الشيء، ابتسم وهو يتفقده هامسًا باستمتاعٍ:
_يا ويلك من عنيدتي الشرسة يا هارون، هتأكلك حي!
حمل بعض القطن والمعقم، وتابع تقطيب جرحه وهو يستكمل بسخرية:
_المفروض إني أتعامل معاها بحذر بعد الجواز!!
_ياسيـــن!!
استدار للخلف صوب صوتها المنادي، ضمت كفها تكبت به شهقاتها المنصدمة من رؤيتها للدماء تنسدل على بطنه، بينما يقطب هو جرحًا بدا عميقًا، رنت صوبه مسرعة وهي تهتف بذعرٍ:
_ده حصلك إزاي!!!
تذكرت ما فعلته من شدة غضبها، فأعادت خصلاتها للخلف بارتباك:
_آإ... أنا مقصدتكش إنت.
بابتسامة هادئة قال:
_عارف.
رددت بحزنٍ وندم بينما تتابع إصابته:
_أنا آسفة.
اتسعت بسمة الجذابة وقال:
_فداكِ.
أخفضت بصرها للجرح الذي مازال ينزف، وتساءلت بصوتٍ مهزوز:
_موجوع؟
راق له خوفها، ورائحة الحب تفوح منها رغمًا عن أنفها، تنحنح بخشونة وهو يخبرها:
_بذمتك ده جرح يأثر فيا!! المفروض بينا عشرة إصابات عمل ولا إيه؟
عادت تكرر أسفها حرجًا وألمًا مما تسببت به:
_أنا آسفة يا ياسين، بجد كنت متضايقة ومخدتش بالي.
وضع اللاصق الطبي، وإرتدى قميصه سريعًا حتى لا يجعلها تراقب جرحه فيشتد عليها إحساس بالذنب تجاهه، بينما يبرع بتبديل حديثهما:
_رجعتي ليه، كنتِ عايزة حاجة؟
هزت رأسها وهي تخبره:
_كنت عايزة أستخدم الجهاز بتاع زين، بس خايفة يكون الملفات عليهم فيروسات فيضره، وساعتها زين ممكن يتحول لنسخة أنكل رحيم ومحدش هيقدر يوقفه عن قتلي.
ضحك برجولية، بينما يتطرق لها:
_جاية عايزة حماية يعني ولا إيه؟
أكدت له بينما تربع يديها أمام صدرها:
_أكيد، مهو أنا مش هجازف بجهازي، وعليه برمجيات وإحداثيات هتفيدنا كلنا.
سحب جاكيته يرتديه من فوق قميصه ويتحرك معها للأسفل:
_خلينا نستغل غيابه المؤقت ونجرب.
اتبعته للاسفل حيث غرفتهما، وهي تفوه بقلق:
_ولو طلعت شكوكي صح وجهازه باظ، هنعمل إيه؟ زين في غضبه بيبقى مخيف.
وتابعت ببسمة تسلية:
_هتقدر تحميني منه يا قائد؟؟
توقف عن هبوط الدرج واستدار لها، يتعمق بزُرقتها وهو يهمس بعشق:
_قادر أحميكِ منه ومن الدنيا كلها يا مرين!
توترت قبالته والقشعريرة تسرى بجسدها، هبطت الدرج حتى وصلت إليه، فضرمتها مشاعر جعلت بشرتها تختمر بحمرة زادتها فتنة وجمالًا، سحب بصره عنها واستكمل طريقه للأسفل، حتى ولج لغرفتهما يجذب الجهاز الخاص ب"زين"، ويسلمه لها، التقطته منه ببسمة رقيقة ورددت تشاكسه:
_تضحية محسوبة ليك جناب القائد.
توالت ضحكته الجذابة وقال:
_كله فداء للوطن يا ميري، دعواتك بس أقدر أسيطر عليه لو لقدر الله الجهاز حصله حاجه.
فتحت الشاشة تراقبها بنظرة خبيثة:
_متقلقش هنقل كل اللي عليه على فلاشة، بس الأول أشوفه محتفظ بإيه؟!
خاطبها بصرامة:
_مــرين!!
ضحكت رغمًا عنها ورددت كأنها تلقن الدرس لأستاذها:
_خلاص مش هتدخل في خصوصياته، بس على فكرة كده كده هشوف وأنا بنقل الحاجة على الفلاشة ما أنا مش عامية يعني!
مال يستند على درابزين الدرج:
_شوفي من بره متفتحيش حاجة.
هزت رأسها في طاعةٍ، واستكملت طريقها للأعلى، بينما يتابعها هو ببسمة عاشقة حتى ولجت لغرفتها.
******
منذ عودتهما وهي تقف بالشرفة، ترفض تناول الطعام أو حتى التحدث إليه، خرج "نوح" لها وهو يحمل طبقًا من الفاكهة التي قام بتقطيعها لها، جاور وقوفها وقال بإرهاقٍ:
_وبعدين يا تالا، من ساعة ما رجعنا من الجامعة وإنتِ رافضة تأكلي، عشان خاطري كلي أي حاجة.
ومد صوبها الشوكة التي تحمل قطعة من التفاح، واجهته بعينيها الباكية، وعادت تتطلع قبالتها وشهقاتها الباكية تتعالى تدريجيًا، تنهد بقلة حيلة، وهتف بانزعاجٍ:
_عرضت عليكِ أروحله وأشرحله اللي حصل وإنتِ رافضة، قولتلك نكلمه وبردو رفضتي، طيب قوليلي أعمل إيه عشان مشوفكيش في الحالة دي.
وأضاف وهو يقبض على كفها برقةٍ:
_بالله متحسسيني إني عاجز كده، أنا أهون عليا الموت ولا إني أشوفك حزينة بالشكل ده.
انصاعت ليده التي تجذبها إليه، وهتفت بصوتٍ متقطع:
_غصب عني يا نوح، أنا مش متخيلة يومي من غير تيام، يومي كله بيتدي وبينتهي معاه، أكلي هو اللي بيعمله، دراستي هو اللي مهتم بيها، أنا حتى مكنتش بعرف أنام غير في حضنه.
أزاح دموعها بإبهاميه، ثم داعب وجنتيها وهو يشاكسها:
_وحُضني قصر معاكِ في إيه؟
لكزته بخجل، فضحك وهو يخبرها:
_ما إنتِ طول الليل نايمة في حضني يا تالا، والصبح كنتِ بتغريني نسيتي ولا إيه؟
دفعته للخلف وصاحت بطفولية:
_بطل كدب وافترا، إنت صدمتني إننا ورانا امتحان فكنت بجري زي الهبلة عشان ألحقه، وبعدين آآ... إنت كدبت عليا وقولتلي إنك مذكرتش وإنت اللي مغششني الإمتحان كله، يا كداب يا مخـــــــادع!!
ضحك بصوته كله، وتابع وهو يغمز لها:
_بتغيري الموضوع عشان تغطي على عمايلك، بس ماشي أنا قابل طالما هتكوني مرتاحة بالحوار.
وجذب الطبق والشوكة يقربها إليها:
_لو سمعتي الكلام وأكلتي الطبق ده هفاجئك بحاجة بتحبيها أوي.
نجح بجذب فضولها حول ما يقول، فسألته بحماسٍ:
_حاجة إيه دي؟
هز رأسه بإصرار:
_لما تسمعي كلامي هقول!
زمت شفتيها بضيقٍ، وتناولت ما يقدمه لها بصمتٍ، حتى أنهت الطبق مثلما أراد، فأزاحت دموعها ورددت:
_قولي بقا.
مد كفه لها فتمسكت به، ولج بها نوح إلى الداخل، ومن ثم قصد الخزانة، يجذب صندوقا ضخما، جذب منه زوجان من أحذية الاسكييت، ناولهما لها فاتشحت ببسمة واسعة، ورددت بلهفةٍ:
_ياااه بقالي كتير أوي متحركتش بيهم، تيام كان رافض أساسًا بسبب الواقعة الأخيرة اللي أخدتها وجرحت إيدي هنا قبل طلوعنا من القصر، فاكر؟
هز رأسه وعينيه تمر على ملامحها ببطء وعشق أوقظ مشاعرها له، بينما يهمس لها:
_وقعتي عشان مكنتش معاكِ، دلوقتي أنا هنا وجنبك خطوة بخطوة مستحيل أسيبك توقعي يا تالا.
تمردت عاطفتها لوعة له، يقترب وقربه بات خطيرًا إليها، ارتبكت أمامه كليًا، وقبل أن يتصل بها أوقفته حينما تهاوت دمعة من عينيها، بينما تصرح له بوجعٍ:
_عايزة ألبس فستان فرح يا نوح!
وخز قلبه بضراوةٍ، يعلم بأن ما قالته من حقها ومن حق أي فتاة طبيعية، تقبل رفضها التام له ببسمة مازالت تثبت عشقه لها وعدم انزعاجه مما فعلت، انحنى يجذب الأحذية ونهض:
_هتلبسيه وهتبقي أجمل عروسة يا تالا، ومش بس كده وتيموو هيكون حاضر فرحنا كمان.
ضحكت باستهزاء:
_بتحلم!
هز رأسه وهو يقبض على ذراعيها ويتحرك بها للخارج:
_لا عندي ثقة في كِنان، طالما قال هيحل الموضوع بالنسبالي اتحل.
تركته يغلق باب الغرفة واتجهت للدرج الجانبي المتصل بجناح "هارون" تود لو أستطاعت أن ترى رحيق بأي طريقة، علم "نوح" ما يجوب برأسها فأحاطها من الخلف وخطا بها للمصعد وهو يحذرها:
_وبعدين يا تالا، مش حذرتك من اللي بتفكري فيه ده وقولتلك مينفعش؟
استدارت تتطلع له بحزن:
_عايزة أشوفها ولو لمرة واحدة يا نوح، حاسة إن في حاجة كبيرة مستخبية، أكبر من مجرد ظلم هارون ليها، خليني أطلعلها من فضلك.
توقف المصعد بالطابق الأرضي، فمضى بها للخارج ومازال يحمل الأحذية:
_قولت لا، هارون مركب كاميرات ولو شافك مش هيسكت، بلاش تشني عليه حروب من أول أيام رجوع ليكي هنا يا تالا، خلينا بعيد عنه أحسن.
استسلمت لكف يده وخرجت خلفه للحديقة، حتى وصلا إلى الساحة المخصصة بالاسكييت والتي جُهزت خصيصًا ل"نوح" بناء على طلب "كِنان"، لتلبية هواية أخيه المفضلة والتي سبق له الفوز بسباقات محلية وعالمية خاصة به.
فرغت فمها بدهشة حينما رفعها" نوح" على السور، ثم انحني يلبسها زوجي الأحذية، ووقف بما ارتداه يقدم يده لها بحركة رومانسية كأنه يدعوها إلى ساحة الرقص:
_تسمحيلي؟
بقيت جالسة محلها، وباستحياء قالت:
_بقالي كتير ملبستوش، خايفة!
داهمها بقوله الناعم:
_مش وأنا معاكِ، مجرد ما إيدك تحُضن إيديا إنتِ في آمان يا تالا.
إبتسمت بحب له، وقفزت عن السور تضع يدها بين يديه، فتحرك بها بانسيابية حتى لفح الهواء وجهها، فتعالت ضحكاتها وبدأت تسرع في مشيتها حتى استعادت كل ما علمها لها "نوح" سابقًا.
فردت "تالا" ذراعيها حينما تمسك بها "نوح"، وبدأ يراقصها وهي تنصاع لذراعيه باطمئنان، تستعيد معه مهاراتها السابقة حتى بدأت تستوي بوقفتها قبالته.
لهثت أنفاسهما من فرط السباق الحاد، مالت على كتفه وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها:
_ياااه كنت نسيت كل ده، من وقت ما طلعنا من هنا وتيام رافض تمامًا إني أشتري أو حتى ألعبها.
دعم وقفتها حتى لا تسقط، بينما يردف:
_أنا عمري ما هرفضلك طلب أبدًا يا تالا.
وأضاف وهو يتحرك بها:
_جاهزة للسباق يا دكتورة؟
رددت ومازالت تتمسك به بخوف:
_لا طبعًا، سباق معاك إنت!! It's not fair(إنه ليس عدلًا!) حضرتك بطل ومحقق أرقام قياسية في السباقات إزاي أنا هتغلب عليك وأنا يدوب لسه بخطي!!
ضحك على حديثها وقال غامزًا بمكر:
_هلاعبك بمنتهى العشوائية لحد ما تكسبي، أنا جاهز أخسر قدامك!
قابلته بنظرة ساخرة وهتفت:
_وهحس إزاي انا بالإنتصار وهو مزيف يا دكتور.
زفر بضجر من التغلب عليها، فقالت وهي تتحرك بدلال:
_علمني واحدة واحدة زي زمان، لحد ما أقدر أواجهك وساعتها هدخل معاك في سباقات باستمرار، ها موافق؟
رد بصدر رحب وهو يدفعها برفق:
_موافق طبعًا.
غرد كلاهما وضحكاتهما تتشاركان كلما كاد أحدهما بالسقوط، بينما يتابعهما" كِنان" من بعيد، وهو يجلس على مقدمة سيارته، يبتسم من الحين والآخر كلما رأى ابتسامة أخيه، وفرحته الملموسة، استند بظهره وأعاد رأسه للخلف هامسًا:
_العالم يحترق من حواليهم وعصافير الكناريا في عالم منفرد!
اعتدل على دعسات حذاء تقترب منه، فإذا بحيدر حارسه الخاص يقف قبالته بجسده العملاق، كان يزن مئة وخمسون كيلو من فرط ضخامة عضلات جسده المريب، رأسه الحليق ونظراته الحادة كفيلة بسلب أرواح من حوله، تابع سيده وهو يبلغه:
_الرجالة جاهزة يا باشا.
هز "كِنان" رأسه، ومضى للسيارة يصعد للقيادة وهو يشير له:
_خليكم ورايا.
*****
بمكتب "هارون"
سحب هاتفه يشدد على أحد رجاله والشر يتراقص على ملامح وجهه:
_أول ما يوصل تنفذ اللي قولتلك عليه، مفهوم؟
وأضاف بما يعتريه من أفكار شيطانية:
_ولما يخرج إتأكد إنك بلغت رجالتنا وصمم تسوقله إنت، متخلهوش يسوق، عايزه حي مش ميت!!
أغلق "هارون" الهاتف وهو يبتسم بمكر، بينما يعود لحمل الهاتف ومحاولة الاتصال ب"مرين" للمرة العاشرة ولكن هاتفها كان مغلقًا مثلما أخبرت "صفوت".
******
استلم" كِنان" رئاسة توزيع السموم التابعة "للديزل" بأمرٍ منه، وها هو يعود للقيادة عن طريق مكتب "هارون" السري، المتحكم بتوزيع المخدرات وغيرها من المساحيق المخدرة التي يتم التجديد بأنواعها من الحين والآخر.
جلس على المكتب شاردًا بما اتفق به مع "تيام"، وعلى وعد بأنه سيأتي بالصباح إلى القصر، كان يخشى أن يضعف برؤيته ل" رحيق"، فهو يعلم أن "هارون" لن يمرر وجوده بسلام، ولن يترك فرصة يدمي بها قلب "تيام" إلا واستغلها.
تنهد وهو يلف بالمقعد بنفور، فاذا ب"حيدر" يدخل مكتبه ويخبره:
_الشحنة جهزت يا باشا، هتطلع معانا؟
قال ومازال يسترخي على مقعده:
_لا يا حيدر، أنا راجع القصر، محتاج أريح شوية عشان ورايا بكره مشوار، مهم بدري.
وأضاف وهو يضع له المفاتيح:
_إطلع إنت معاهم، وخلي مفاتيح الصناديق معاك، لو حصل غدر منهم إنت عارف هتعمل إيه؟
هز رأسه الضخم في طاعة، وسحب المفاتيح ثم غادر على الفور، بينما يحرك "كِنان" المقعد وهو يتأمل سقف الغرفة الكبيرة بتعبٍ، عقله مشتت ولا يجد طريقة مناسبة للتعامل مع "رزان"، يريدها وفي ذات الوقت يبعدها عنه، يريد حبها وفي نفس الوقت يخشى من أن يأُذيها.
أفاق من شروده على دخول العامل، يضع من أمامه الكوب وهو يقول بجمود:
_قهوتك يا باشا.
أشار بيده له ليغادر، ثم سحب رشفة منها، تجعد حاجبيه باستغراب من مرارتها، ولكنه استكملها لأنه بحاجة ان يسترد وعيه ليتمكن من العودة إلى القصر قبل أن تشرق شمس اليوم التالي.
نهض" كِنان" يسحب جاكيته، وإذا به يشعر بدوار حاد بدأ يهاجمه، ومع ذلك استند على الباب بقوة، فتح عينيه وهو يضم مقدمة أنفه بتعب غامض، ثم بدأ يتحسس طريقه حتى خرج لسيارته فمال عليها بإرهاق.
أتى إليه أحد الرجال التابعين ل"هارون" والمكلفين بحراسة المكان، يدعم وقوفه بمكرٍ بعدما تأكد من سريان مفعول ما وضعه له بقهوته:
_سلامتك يا باشا، مالك؟
رأى "كِنان" الصورة مشوشة كليًا أمامه، بينما يتابع الرجل بخبث:
_تحب أسوق أنا وأوصل حضرتك للقصر؟
أشار له باستسلامٍ، فدعمه حتى صعد بالمقعد الخلفي من السيارة، ومال برأسه للخلف بتعب شديد، بينما بالأمام ترتسم ابتسامة نبعت بالشر على وجه التابع، قاد السيارة بطريق معاكس لطريق المنزل، فاذا ب"كنان" يستند على المقعد وهو يتحدث بصعوبة:
_إنت رايح فين؟ ده مش طريق القصر!!
أوقف السيارة بطريقٍ مقطوع، ينطق فيه الشر بتبجح، بينما يهبط من السيارة ويغادرها حتى وقف أمام خمسة من المدرعات البشرية،ذوي الأجساد المصفحة، أشار بأصبعه صوب السيارة وعاد يذكرهم:
_خليكم فاكرين تعليمات الباشا، كسر إيد وإصابات سطحية، موت لا!
ملامحهم كانت إجرامية بشكلٍ مرعب، رأى "كِنان" ما يحدث واستمع لما قاله هذا اللعين، فعلم ما دبره "هارون" له ليسترد حقه الذي فشل بالحصول عليه بذراعه، نزع "كِنان" جرفاته بصعوبة، وهو يشعر بأن الألم يزداد في جسده تدريجيًا حتى أصبح كالمخدر تمامًا، ومع ذلك فتح باب السيارة وسقط منها يحاول استرداد قوته، أو حتى استخدام أجنحته للفرار من هنا، ولكن قوته كانت موقوتة بشكلٍ زاد من شكوكه حول القهوة التي تجرعها.
اقترب واحد منهم إليه، وسدد له ركلة قوية في بطنه جعلته يرتد بعيدًا وجسده يرتطم بحجارة ضخمه من خلفه، تآوه "كِنان" بألمٍ، وحاول أن يعتدل بجلسته بينما يرمق الخمسة بغضب، وهو يجاهد لاسترداد قوته، يُفضل الموت على أن تُهدر كرامته ورجولته، وهو الذي لم يجرُأ أحدٌ على المساس به.
رنا صوبه كبيرهم وأكثرهم حجمًا وقوة، تهاوى على وجهه بلكمةٍ جعلته يبصق الدماء من فمه، ويتآوه ألمه بشكلٍ حاد وما كاد بتكرار فعلته حتى آتاه صوت من خلف رجاله يردد:
_خمسة على واحد مش رجولة!
استدروا جميعًا للخلف، فظهر من أمامهم رجلًا ملثمًا بخوذة دراجته النارية ذات الطراز ياماها (Yamaha_yzf_R72024)، وبالرغم من أن ملامحه كانت مخفية عن الأعين إلا أن عضلات ذراعيه البارزان من أسفل تيشرته الأسود كانت تقص قوة مُقاتل ليس عاديًا بالمرة!
هبط من على دراجته، يقترب منهم بخطوات واثقة، فأشار كبيرهم الذي مازال يحاصر "كِنان" إلى أحد من رجاله، فأسرع يشير له:
_يا رجل لا تُقحم نفسك في ما لا يعنيك، غادر ودعك من الأمر.
تطلع ليده الموضوعة على صدره ثم عاد يتطلع له ببرود، وصاح:
_لو مسحبتش دراعك عني هترجع لأمك وإنت شايله!
ارتعب الرجل مما يقوله فسحب ذراعه عنه بسرعة، والرعب من غموض هذا الملثم بدأ بزرع التوتر بينهم، فإذا به يفرد أصابعه ويتهاوى على من أمامه بضربتين متتاليتين على صدره جعلته يبصق الدماء ويسقط أرضًا، فاذا به يبتسم وهو يخبره:
_لديك نزيف داخلي، أسرع لأقرب مشفى قبل أن يتطور بك الأمر لعملية جراحية خطيرة.
جحظت عين الرجل فزحف وهو يحاول النجاة بذاته من براثين هذا الوحش المفترس، صاح كبيرهم بتعصب:
_أُقتلوا هذا اللعين في الحال.
هاجمه الثلاثة على الفور، فنزع الخوذة وغادر بخطوات واثقة يعلقها على حافة الدراجة، ومازال يرتدي قفازاته السوداء، استدار يتابعهم بزيتونية عينيه بنظرات باردة، ثم في لحظة مضى إليهم بخطوات سريعة، وأول ما ناله أولهم ركلة اجتاحت صدره، ورفعة جسد "زين" وهو يتهاوى عليه بكسر اقتحم جمجمته وقبل أن يسقط جسده قال:
_يؤسفني أقولك إن النزيف المرادي صعب حد يتعامل معاه خطوة وملك الموت هيستقبلك.
وبالفعل ما أن ترك جسده حتى زحف مسافة قليلة ومات محله مما زرع الرعب في نفس الرجلين، فأخذ كلاهما يتطلعان لبعضهما البعض، ارتبك كبيرهم مما يحدث، فترك "كِنان" الذي يتابع ما يحدث وهو بين الإفاقة وفقدان الوعي، يرى قوة رجل مرعبة كأنه شبح يتنقل من مكانٍ لآخر بسرعة البرق وإصابته لا تخيب هدفها أبدًا.
صرخ كبيرهما فيهما:
_ماذا تنتظران، اقتلاه!
هاجموه معًا وبالرغم من أنهما محترفان في تصويب الضربات تجاه أجزاء حيوية من جسده إلا أن "زين" كان أكثر من محترف، كان نسخة أبشع من أبيه، من يراه يقسم بأن هناك شبحًا قد تلبسه فجأة، ليحوله من ذلك الهادئ لذلك المقاتل المرعب الذي تحولت الساحة من حوله لسيل من دماء ضحاياه، وحركات أصابعه تفتك بالجسد باصابات داخلية خطيرة تسقطهم في الحال.
احتدت معالم الكبير وهو يرى رجاله يسقطون واحدًا تلو الآخر وبعدما قيم ذلك الرجل علم بأنه ليس مقاتلا عاديًا أبدًا، ترك محل "كنان" وأخرج سكينه الحاد ثم رنا صوبه، طالعه "زين" بجمود ورفع كفه يشير له أن ينتظر، ابتسم وهو يهتف بغرور:
_خوفت وهتتراجع؟
ارتسمت بسمة ساخطة على وجه "زين" وقال:
_لا بديك فرصة إنك تراجع نفسك وتهرب، شعرك الأبيض ده وراه تاريخ قذر، وأكيد التاريخ ده صدر عنه أولاد، حرام يتيتموا، إيه رايك تروح تقضي السهرة معاهم؟
ضحك باستهزاء منه وواجهه بحقد وغضب، زم "زين" شفتيه بضجر، واستخرج من جيبه بعض العملات المعدنية، رفعهم يلهو بهم وفي لحظة صوبهم تجاهه وقفز يقف خلفه، وقبل أن يستوعب ماذا يفعل كان يمزق بهم رقبته، وبينما يستكمل طريقه تجاه "كنان" كان يسقط جثمان الاخر بالإتجاه المُعاكس الذي كان يقف فيه "زين" منذ قليل!!!!!
توسعت مُقلتي "كنان" في صدمة، لا يستوعب ما فعله هذا الرجل الغامض، سند "زين" ساقه أعلى الصخرة التي يميل إليها "كِنان" وسأله بصلابة:
_إنت كويس؟؟
حاول أن يستقيم بوقفته ولكنه سقط محله، مما دفع "زين" أن يرفعه بيده ويسانده حتى وصل به لمقدمة سيارته، وضعه فوقها ومال يخطف جاكيت "كِنان"، قدمه له" زين" وقال:
_خد موبايلك كلم حد من أهلك يجيلك.
واستدار ليغادر وهو يهتف بثبات:
_أنا دوري انتهى هنا.
أوقفه "كِنان" وهو يتحدث بصعوبة:
_إنت بتشتغل إيه؟؟
وقف محله وهو يبتسم بسخرية، ثم استدار له وهو يجيبه بمكر:
_إنت تبع الشرطة ولا حاجة؟
هز "كِنان" رأسه، فهز "زين" رأسه وبجمود ردد:
_أكيد يعني من اللي عملته وصلك شغلي، بس أنا في العادي مبمدش إيدي على أي جته إلا لما أقبض المرادي عملتها من باب الشهامة، أهو زكاة عن صحتي!
وأضاف وهو يشير له بتحذير:
_بس خد بالك انا ماليش في تصريف الجتت، يعني شهامة مني خلصتك، وإنت عليك تتاوي الجتت دي، أنا مش عايز وجع دماغ ولا أدخل في سين وجيم.
ارتسمت ابتسامة إعجاب على وجه "كِنان"، فمال يسند كتفه الذي يُؤلمه ويوقفه بلهفة:
_استنى أنا عايزك معايا.
عقد حاجبيه وزيتونته تتلألأ بسحرهما الفريد:
_معاك إزاي لامُواخذة.
دعم" كِنان" وقفته بصعوبة وقد بدأ مفعول المخدر بالزوال تدريجيًا:
_تشتغل عندي، شغلانه تليق بقوتك ومش هيتطلب منك غير اللي عملته من شوية، إنك تحميني، هتكون الحارس الشخصي بتاعي.
منحه نظرة ساخرة، وردد بهدوء وثقة تفوق من يجابهه:
_شكلك بعد النمرة اللي أنا عملتها بقيت معجب من معجبيني، بس للأسف هخذلك وأقولك عرضك مرفوض، سكة تنفيذ الأوامر وجو الباشوات ده ماليش فيه، أنا باشا نفسي ومفيش كلام نافذ عليا غير كلامي أنا!!
وتابع بكبرياء وشموخ يعادل شموخ الأسطورة بذاته:
_سلطان زماني وسلطان أي زمن أظهر فيه.
اتسعت ابتسامة "كِنان" وهو يزداد إعجابًا بهذا الشخص الغامض، فكسر حاجز الصمت بقوله:
_ وأنا موافق يا سيدي، مش هفرض عليك أوامر ولا هطالبك بشيء، هعتبرك شريكي أو صديقي، ولو على إنك تناديني بإيه فناديني كنان أو زي ما تحب، ها موافق؟؟
تحركت نواجذه بقوة بينما يزن حديثه بصمت مطول، ثم رد:
_هجرب، لو ارتحت تمام مرتحتش يبقى وداع من غير لقاء تاني يجمعنا.
هز "كِنان" رأسه بسعادة، وتساءل بفضول:
_اسمك إيه؟
ابتسامة ماكرة ظهرت عليه، فقال بغموض:
_فريد، شادي، مصطفى، الإسم اللي يعجبك ناديلي بيه.
تطلع له "كنان" بدهشة عارمة، فابتسم "زين" بخبث وقال:
_هو إنت فاكرني هديك اسمي الحقيقي بالبساطة دي، أعرفك منين أنا عشان أثق فيك! ما يمكن تطلع حكومة وعامل عليا الحوار المتفبرك ده!
ازداد إعجابًا فوق إعجابه به، وكأنه وجد الشخص الذي لطالما بحث عنه بين رجاله، حتى "حيدر" لم يكن بدهاء وقوة هذا الرجل رغم أن جسد "حيدر" يفوق جسد "زين" إلا أن قوته تحدثت عنه وأثبتت بأنه مختلفًا عما سبق.
زم "كِنان" شفتيه ورنا صوبه حينما هدأ الدوار الذي كان يهاجمه:
_بما إنك شايف نفسك سلطان فهناديك زي ما بتحب، سلطان إيه رأيك؟
هز "زين" رأسه دون مبالاة:
_ميضرش.
وتركه وإتجه إلى دراجته، صعد فوقها وكان يستعد للرحيل، اتبعه "كِنان" وأوقفه:
_اديني رقمك.
مال برأسه صوبه، وقال بصلابة وثبات رزين:
_هكررلك نفس الإجابة السابقة، أعرفك منين عشان أديك رقمي! مش يمكن تطلع حكومة بلبسك وهيئتك دي!
ضحك "كنان" بصوت مسموع، واستند على مقدمة الدراجة الفخمة الخاصة به، ثم قال:
_لا اطمن أنا بعيد كل البعد عن الحكومة وإلا مكنتش هتنقذني من المجرمين دول!
قابله زين بنظرة باردة وتمتم:
_شكلك لك في الشمال، عموما هات رقمك وأنا هبقى أرنلك أشوف حكايتك إيه؟
منحه "كنان" بطاقة خاصة به، وبلهفة سأله:
_تهترنلي إمته؟
تنهد بضجرٍ وردد:
_شكلك مش مريحني وبدأ أهو بحوار الباشا اللي بيأمر صبيه يكلمه بسرعة، صدقني طلبك مش عندي، أنا مش هكمل في مكان بيديني أوامر وأنا عليا التنفيذ!
أسرع "كنان" يفسر:
_ابدااا انا بس عايزك تبدأ معايا على طول.
وضع الخوذة فوق رأسه وتمتم:
_خلاص قولت هرنلك، متزنش بقى، يلا هسيبك تكمل السهرة وإنت بتصرف الجتت دي، سلام يا عم كنان!
غادر من أمامه كالشبح، تاركًا وابلا من الضحك يتجسد على وجه "كِنان" وهو يتساءل بصدمة:
_إيه الشخص ده؟! تركيبته إيه!!!!
ثم أرسل رسالة صوتية ل"حيدر":
_حيدر هبعتلك موقع تيجي عليه، هتلاقي 5 جثث اتخلص منهم وتعالالي عشان عاوزك.
وأضاف بعدما ترك هاتفه:
_حفرت قبرك برجليك يا هارون!!
....... #يتبـــــــــــــع.....
#الاقـــــــــــوى_قـــــــــــــــــــــادم.
****_________********