تحميل رواية «أسد مشكى "ما بعد الجلاء "» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرحبًا أراك وقد عدت مشتاقًا لرفقتنا، ترقبت عودتنا كما فعلنا نحن، فكم يعز علينا تركك وقتًا طويلًا في عالم المفسدين خاصتكم.. لذا هلم واقترب من الحدود بين عالمينا فها هي أبواب وجهتك التالية تُفتح امامك على مصرعيها ، ولا ليست سفيد، أعلم انك ربما تشتاق لصوت أبواب سفيد، لكن دعني أخبرك أن رحلتك مع شعب سفيد انتهت وتم دعوتك بشكل رسمي لتحيا حياة أخرى، وعالم آخر قريب من سفيد لكن بنكهة مشكى وملك مشكى .... الآن وجهتنا التالية هي " درة الممالك " مشكى العزيزة تلك البلاد التي عاشت انهيارات اكثر مما ذاقت رخاءّ،...
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
السادس عشر | حريق ذكريات |
قبل القراءة متنسوش تفاعل بالتصويت ورأيكم بعد القراءة .
صلوا على نبي الرحمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حركت عيونها بسرعة وتحفز صوب ذلك الجسد الذي اقتحم غرفتها، تطيل التحديق به دون فهم، جسد يتشح بالاسود وقد بدا من الهيئة الخارجية ذكوري، تنفست سلمى ببطء وهي تنهض بهدوء وكأنها تبدي له ردة فعل طبيعية، تظهر له أنها تأمن لوجود غريب داخل غرفتها وإن كان العكس يدور داخلها .
_ من أنت ؟! وماذا تفعل داخل غرفتي ؟؟
اطال الرجل _والذي لم يظهر من وجهه سوى عيون سوداء فقط_ النظر لها دون ردة فعل محددة وهي فقط مالت برأسها بريبة، بينما الأخير ينتظر فقط أن يقضي غرضه ويرحل من هنا كما كان يفعل لأيام، متعجبًا أنها مستيقظة اليوم على العكس المتوقع.
وكذلك يتعجب صمتها المريب، في حين أنه كان يستعد لصراخ ورعب جلي يصمته هو بحقنة اعشاب يحملها بين طيات ثيابه .
ومن بين أفكاره المتقاذفة حول غرابة تلك المرأة، فجأة ودون مقدمات وجد قدمها تصطدم بعنف مريع بعظام وجهه حتى شعر بها تتفتت تحت وقع ضربتها .
وكان الأمر مفاجئًا من جهة سلمى والتي بمجرد أن ابصرته ولم يتبادر بزهنها سوى نفس الحقير الذي جرح موزي وسرق معطفها .
ومن بعد الضربة الأولى، لم يشعر الرجل سوى بجسده يحتضن الجدار خلفه بقوة بعد لكمة أخرى، يشعر برأسه سيسقط عن جسده لشدة الارتطام الذي صابه منذ ثواني، يتنفس بصعوبة وقد شعر بالدماء تسير على وجهه، يرفض اخراج صرخة واحدة قد تفسد الخطة الخاصة بهم، ولم يكد يتنفس نفس اضافي حتى شعر بباقي عظام جسده يُطحن داخل الجدار وصوت خلفه يردد :
_ هل تظنني لطيفة يا هذا ؟؟
حاول الرجل إدارة رأسه لينظر لها وهو يتنفس بصعوبة، ليبصر وجهها القريب، ويقسم أنه لو كان في موقف آخر وبكامل صحته لأسمعها اشعارًا عن مدى اللطف الذي تظهر به .
فجأة أبصر بسمة مرعبة ترتسم على فمها وهي تردد بفحيح :
- نعم هذه هي نفسها النظرة التي كان يرمقني بها الجميع قبل أن يواري التراب أجسادهم .
ختمت جملتها تثني ذراعه بقوة حتى شعر أنها فصلته بالكامل، يعض شفتيه كاتمًا تأوهه بصعوبة، وصوتها ما يزال يصدح :
_ كان يمكنني أن احسن الظن بك بأنك اخطأت الغرفة على سبيل المثال، لكن اقتحامك لغرفة امرأة وتأملك الوقح لها، يلغي أي حسن نية قد أظنه بك، والآن بكل هدوء ستتحدث وتخبرني ما الذي تريده ؟؟
نظر لها الرجل بصمت حتى بدأت تصدق هي أنه أبكم، فمنذ دخل لم ينبث ببنت شفة أو حتى يخرج صرخة رغم كل ما تلقاه على يديها، ولم يكن منه سوى أن همس بصوت خافت :
_ نهايتك في هذا القصر جلالة الملكة .
ومن بعد تلك الكلمة وقبل أن تستفسر حتى عن مقصده، شعرت بوخزة قوية تبعها شعور غريب جعلها تنظر له بصدمة وهي تفتح فمها للتحدث، لكن دفعة منه منعت ذلك وهي تسقط ارضًا وقد شعرت بجسدها بالكامل يُشل وهي تراه يتحرك بصعوبة بسبب إصابات جسده يستخدم يد واحدة بسبب تلك التي كُسرت، يقترب منها بهدوء يميل عليها هامسًا :
_ لا تقلقي، حينما ننتهي من هذا القصر وصاحبه، ستكونين سيدة القصر كذلك، لكن لرجل آخر غير أرسلان...
ومن بعد تلك الكلمات لم تسمع شيء وقد شعرت بالظلام يتسيد المشهد أمامهما.
كل ذلك كان تحت أنظار موزي الذي لم يستطع التحرك وهو يصدر صوتًا مرتفعًا مزعجًا جعل ملامح الرجل تنكمش بضيق .
تحرك بصعوبة شديدة صوب المرحاض يلقي نظرة سريعة على موزي هامسًا بسخرية :
- يبدو أنني أخطأت حينما تركتك حيًا آخر مرة أيها القرد الحقير، اصمت وإلا قطعت لك لسانك .
ختم حديثه يقتحم المرحاض، يغتسل من دمائه، يهندم من ثيابه كي لا تظهر أثر المعركة التي خاضها منذ ثواني، ثم خرج يجذب جسد سلمى يلقي به على الفراش بصعوبة بالغة، ثم خلع عنها الحجاب يلقي الغطاء عليها وكأنها تنعم بنومة عميقة بعد سهرتهما، يلقي نظرة أخيرة عليها يهمس بصوت ساخر :
_ إلى لقاء آخر حبيبتي .
فتح جزء من الباب ينظر حوله يتأكد من وجود الحراس في الممرات بعدما دخل متخفيًا عن أعينهم، وحينما شعر أن الوقت مناسب ليشهدوا خروجه متسللًا من غرفته، خرج بسرعة يدعي التسلل وهو متأكد أنهم ابصروا خروجه من غرفة المرأة، يراقبون ما يحدث متسعي الأعين، قبل أن يركض خلفه أحدهم بسرعة مرعبة ليمسك به ويعلم سبب خروجه من غرفة المرأة التي لا يسمعون بها سوى صوت صراخ القرد .
ركض خلف الحارس في حين تقدم اخر من الغرفة بسرعة يقتحمها دون تفكير ظنًا أن سلمى بخطر، لكن تجمدت أقدامه حين دخل ليجدها تتوسط الفراش نائمة بكل استكانة وراحة، فخرج بسرعة محمر الوجه مصدوم يبتلع ريقه لا يفهم ما يحدث هنا، يبصر رفيقه العائد من نهاية الممر وهو يصيح بجنون :
- فقدت أثره، لم استطع إمساكه، ليستدعي أحدكم الملك ويخبره أن أحدهم اقتحم غرفة جلالة الملكة وربما آذاها و...
_ هي .....هي بخير، لم يؤذها .
هكذا قاطعه رفيقه الذي خرج منذ ثواني يردد بصوت جامد يخفي خلفه ملامح الشك والنفور مما يدور بعقله، يستعيذ من الشيطان أن يكون ممن يلقي الاتهامات.
_ هي ... نائمة، لقد تفقدت الأمر، يبدو أن وجود الرجل بالداخل كان بعلمها و...هذه لم تكن المرة الأولى كما أرى.
نظر الجميع لبعضهم البعض دون معرفة ما يحدث ليقترح أحدهم بهدوء :
- لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفروا الله ولا تخوضوا في شرف امرأة، نحن لم نر شيئًا ولم نسمع شيئًا سمعتم ؟؟ هذه امرأة ولا قِبل لنا بتحمل ذنب قذفها بالباطل، أحسنوا الظن، ولن يذكر أحدكم كلمة، أنا سأخبر الملك وهو سيتصرف ومن بعدها لن نفكر في الأمر حتى سمعتم ؟؟؟
هز الجميع رؤوسهم يتحرك كلٌ لمكانه وقد تلاشوا التحدث فيما يحدث مدركين عاقبة التحدث في أعراض النساء، تاركين الأمر لقائدهم والذي قرر أن يفضي بما حدث للملك، ومن ثم يتناسى الأمر .
نظر نظرة أخيرة صوب الغرفة وهو يتحرك بعيدًا بهدوء ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلماته تردد صداها مع صدى الموسيقى الصاخبة في الخلف لكن كل ذلك الصخب لم يلقي صداه لديها كما حدث مع ضربات قلبها والتي اشعرتها أنها ستصاب بالصمم، ابتلعت ريقها تنظر بعيدًا وكأنها تطمئن أن أحدهم لم يتبعها :
_ لا ...لا يمكنني ذلك سمو الأمير، لا يمكنني الرحيل، ليس الآن على الاطلاق أنا ....
قاطعها نزار وهو يشعر باعصابه تحترق قلقًا على تلك العنيدة التي تركها وحدها خوفًا أن يمسها أحدهم بأي شيء خلال تواجدها وحدها .
_ آنسة نازين ا....
_ سيدة، أنا لست آنسة سمو الأمير أنا سيدة .
اتسعت أعين نزار وهو يبتلع ريقه بحرج لم يكن يعلم أنها متزوجة، وربما هي متزوجة أحد رجال هذا المكان، ويبدو أن تعجبه هذا وأفكاره ظهرت واضحة وهو ينظر لها بفضول كبير واستنكار إن كانت بالفعل مرتبطة بأحد رجال أنمار هنا لذا لا تستطيع الرحيل .
خرج صوتها حادًا محذرًا قويًا وهي تقرأ أفكاره بسهولة :
_ إياك أن تفكر بذلك حتى، زوجي أطهر وأنقى من ذلك المستنقع القذر، زوجتي رحمة الله عليه كان أكثر رجال الأرض نقاءً وشرفًا .
هز نزار رأسه وهو يبعد عيونه عنها معتذرًا :
- لم أقصد أي إهانة له صدقيني، رحمة الله عليه، لكن لا يمكننا تركك هنا، عاجلًا أو آجلًا سيعلمون أنك سبب هروبنا، لذا ستضررين، لنخرج من هنا ونخرجك .
نظرت له برفض :
_ ليس قبل أن أخرج بروح أنمار واقتص لعائلتي منه .
نظر لها بصدمة لتبتلع غصتها وهي تبعد عيونها صوب المكان أمامها تقول بصوت خافت :
_ لن اترك الرجل الذي قتلني وقتل عائلتي حي وأهرب، ليس بعد كل هذا .
_ لن يكون .
نظرت له بعدم فهم ليهتف بلهفة شديدة :
- صدقيني لن يكون حي حتى لتذكر عدد الذين آذاهم، سوف يرى العذاب الوانًا قبل حتى موته، اقسم أنه سيفعل، لكن فقط دعيني أطمئن واخرجك من هنا قبل أن تتلوثي بما ...
_ اتلوث بماذا سمو الأمير ؟؟ أنا أصبحت القذارة بحد ذاتها .
اتسعت أعين نزار بصدمة من قوة كلماتها التي هزته:
- لستِ كذلك صدقيني، أنتِ امرأة قوية وطاهرة، لذا حافظي على ذلك ودعينا نخرجك من هنا وأقسم لكِ بالله أنني لن اذر أنمار يتمتع بحياته دون أن اقتص للجميع منه، لكِ ولــ ...توبة، فقط دعيني اساعدك واخرجك من هنا يكفيكِ ذلًا كل يوم وتعريض نفسك للرجال لأجل انتقام سيأتيكِ وحتى أقدامك، ألا تريدين النوم بهدوء وبراحة دون الشعور بكل تلك القذارة تفوح من حولك!؟
نظرت له وقد بدأت دموعها تسقط دون شعور ومشاهد عديدة تمر أمام عيونها، صوت اولادها وهم يتضاحكون حولها، همسات زوجها وهو يتغزل بها بحنان، ومن ثم النقيض ...صوت صرخات ابنائها وصوت صيحات زوجها، كل ذلك جعلها تنهار ارضًا تخفي وجهها بين كفيها تهمس بقهر :
- لا يمكنني، لا يمكنني التخلي عن انتقامي منهم بهذه السهولة، لا يمكنني تركه حيًا بهذه السهولة لا يمكنني ...
نظر نزار حوله بسرعة يشعر أن الوقت يداهمه وإقناع هذه المرأة بالتخلي عن انتقام استمر معها شهور طوال كان اصعب من إقناع توبة بالتخلي عن عنادها، وحينما شعر أن الأمر لن ينجح بهذه الطريقة جلس القرفصاء أمامها ينظر لها ثواني هامسًا :
_ اعتذر منكِ، لكن صدقيني هذا لمصلحتك ولرغبتي في مساعدتك ورد جزء من خدماتك لي .
رفعت له نازين عيونها بعدم فهم، ولم تكد تتحدث، حتى وجدت كف نزار تمتد بسرعة كبيرة صوب رقبتها يضغط مطولًا على نقطة هناك وفي ثواني كان جسدها يتساقط بين ذراعيه ليحملها بسرعة وهو يتخذ نفس الطريق الذي سبق وأمنته هي .
ينظر لها بين أحضانه يهمس بصوت منخفض :
_ لا بأس كلٌ سينال قصاصه سيدة نازين ......
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اتسعت حدقة الأعين وشعر المعتصم بالرعب وهو يراقب المنزل أمامه، صوت صرخات فاطمة في هذه اللحظة مع مظهر النيران التي تلتهم كل شيء أمامها جعل جسده ينتفض بقوة وهو يقفز عن الحصان دون تفكير يركض بجنون بين الطرقات يصرخ بصوت جهوري :
_ أحضروا دلاء المياه، احضروا المياه، أحضروا المياه.
كان يصرخ وهو يركض بجنون صوب المنزل وصوت صرخات فاطمة باسم والدتها خلفه جعله يكاد يجن وهو يرى السيدة ألطاف تخرج من منزلها مرتعبة على صوت الصرخات ويبدو أنها الآن فقط انتبهت على الحريق .
اتسعت عيونها برعب وهي تعود صوب المنزل توقظ زوجها بصرخات ملتاعة تأمره أن يساعدها في حمل المياه، ثم ركضت صوب المنازل المجاورة تطرق أبوابها بخوف وهي تبكي وتصرخ باسم فاطمة وقد نست أنها تقيم في هذا الوقت في القصر :
_ انجدونا أحضروا المياه وساعدونا لنطفئ الحريق، المنزل يحترق بالفتاة .
كانت تصرخ ليخرج على صوتها الجميع وما هي إلا ثواني حتى استوعب الجميع ما يحدث يركضون بسرعة كبيرة للمساعدة في اطفاءه وقد كان المعتصم في هذه اللحظة لا يستوعب ما يحدث وهو يقفز بين ألسنة اللهب يبحث بعيونه عن والدتها وقلبه ينبض بعنف ورعب أن تكون قد تضررت، يسمع صرخات فاطمة من الخارج وهي تصرخ بصوت يكاد ينقطع لشدة ضغطها على اوتار حنجرتها وقد بدأ الحريق يسحبها من ذكريات قديمة صوب أرض الواقع :
_ عائلتـــــي، انقذوهم، ابي وأخي بالداخل، الجميع بالداخل انقذوهم، ارجوكم، ارجوكم انقذوا امي ....انقذوا أمي هي وحدها بالداخل، لا تدعوها تحترق مثلهم .
وما كاد أحدهم يقف ليستوعب صرخاتها حتى ألقت نفسها داخل النيران وهي تصرخ باكية باسمها، هذه المرة لم تكتفي بالمشاهدة كما السابقة، بل قررت تحطيم اسوار رعبها وهي تلقي نفسها بين كوابيسها، وجمر ذكرياتها المحترقة الذي كان يختبأ أسفل ذكريات الزمان .
بينما في الداخل كان المعتصم يبحث بعيونه عن والدة فاطمة ليسمع فجأة صوت الأخيرة يصرخ بقهر :
_ أمي.... أمي أين أنتِ؟! لا تتركيني مثلهم، أمي لا تتركيني .
توقف قلب المعتصم ثواني يراقبها تتحرك بين النيران صوب إحدى الغرفة والتي كانت ألسنة النيران تخرج منها بشكل مرعب، ليركض لها يجذبها بجنون صوب أحضانه صارخًا :
_ فاطمة ما الذي تفعلينه، الغرفة محترقة بالكامل ...
_ هذه ...غرفتها، هذه غرفة أمي، كانت تستلقي بتعب على الفراش بسبب مرضها، كل هذا بسببي لأنني تركتها، دعني ارجوك اساعدها في الخروج دعني أخرجها من هناك قبل أن أفقدها كما الجميع معتصم .
كانت تتحدث بصراخ باكية وهي تحاول الفرار من أسر ذراعيه وهو يزيد من ضمها بجنون يوازي جنونها وصوت صرخاتها يعلو، ورفضه لتركها يزداد :
_ لن ادعك، ليحترق جسدي وتذوب عظامي، ولن أفلتك فاطمة، لا تفعلي بي هذا، أنا ارجوكِ لا تتركيني وحدي مجددًا .
سقطت دموع فاطمة وهي تنهار صارخة باسم والدتها وهو يسحبها بالقوة صوب الخارج وهي تصرخ به بجنون :
- لا اتركني، لن ادع أمي وحدها بالداخل، لن ادعها بالداخل، اتركني، اتركني، امـــــــــــــي.....
خرج بها واخيرًا لتلتقطها السيدة ألطاف بين أحضانها، تضمها بحنان ورعب وهي تبكي عليها وعلى حالها .
_ أمي بالداخل خالة ألطاف، أمي بالداخل ساعدوها، لقد احترقت مع المنزل .
بكت ألطاف أكثر وهي تزيد من ضمها تنظر صوب المنزل الذي كان على شفا جرف من الانهيار :
- ادعي لها بالرحمة عزيزي، ادعي لها بالرحمة ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هيا زيان ما بها الهزيمة على يدي لا ادري، هل هي المرة الأولى لتغضب بهذا الشكل ؟!
ختم أرسلان كلماته وهو يدس سيفه داخل موضعه في جدار السيوف، ثم أعاد خصلاته للخلف يبتسم ببراءة شديدة لزيان الذي كان أمله الوحيد هو الحصول على كوب لبن دافئ والخلود لنومة هانئة على صوت مواء القطط التي يحتفظ بها في غرفته .
فرك خصلاته وهو يتحرك صوب كوب اللبن المسكين والذي تركه جانبًا حتى تجمد من البرد :
_ نعم لم تكن المرة الأولى، لكن على الاقل لا تأخذني على حين غرة للمحاربة، أنا رجل كنت اجهز عقلي وجسدي لأخذ راحة دافئة أسفل الغطاء، لافاجئه دون مقدمات ببرد الساحة وملمس السيوف وكمية الادرينالين التي اندفعت داخل أوردتي، هل تحسب أن هذا بسيط على مثل هذا الجسد .
أنهى حديثه يشير لجسده بحنق شديد، ثم نظر لكوب اللبن بحسرة :
- حتى كوب اللبن الذي منيت به نفسي برد ولم يعد صالحًا للشرب و......
ابتسم له أرسلان وهو يتابعه وقبل أن يكمل زيان كلماته وجدوا أحد الحراس يقترب منهم مبتسمًا بهدوء ونظراته توحي بأنه يكتم الكثير يتوقف أمام أرسلان :
_ مولاي، آسف لازعاجك في هذا المساء، لكن هناك ما يجب أن تعلمه .
ضيق أرسلان عيونه بتحفز في حين انسحب زيان بكل هدوء تاركًا لهم الساحة ليتحدثوا كما شاءوا، وهو تحرك صوب المطبخ مجددًا ليحصل على كوبه الدافئ مصرًا عليه إصرار منقطع النظير :
_ إذن استأذنكم أنا مولاي، سوف أذهب للحصول على كوب لبن دافئ لي .
بهذا ختم زيان وجوده في المكان بكلمات بسيطة هادئة، تاركًا أرسلان يقف أمام الجندي بترقب وفضول، يوليه كامل اهتمامه:
_ تفضل أخبرتني أنك تحتاجني لأمر هام ؟! هل كل شيء يسير معك على ما يرام ؟!
ابتسم له الجندي بسمة احترام وتقدير يعلن في قرارة نفسه أنه اتخذ القرار الصحيح باسكات الجميع والمجئ بنفسه للتحدث إلى الملك :
- كل شيء بخير مولاي اشكرك، لكن الأمر ليس متعلقًا بي، بل هو متعلق بشخص آخر.
ضيق أرسلان ما بين حاجبيه ينتطر أن يكمل الرجل باقي كلماته لتصيبه الصدمة حين سمعه يكمل بحذر وكأنه يحاول انتقاء كلماته، كما لو كان يسير على الشوك :
_ الأمر متعلق بجلالة الملكة مولاي .
انتفض صدر أرسلان بقوة وقد تحفزت كل خلية داخل جسده وهو يضيق عيونه بشراسة هاتفًا :
_ ما بها جلالة الملكة ؟!
ابتلع الرجل ريقه وهو يرى تحفز ملامح أرسلان الخطيرة وكأنه بنطقه اسمها دخل بأقدامه لكهف ظلامه يخطو على جمر أسفله، توحشت ملامح أرسلان أكثر وأكثر حتى شعر الرجل بتردد وفكر لثواني بالتراجع، لكن تلك الملامح الخطيرة التي علت وجهه أوقفته عن الأمر وهو يهتف بصوت مخيف :
_ تحدث ما بها جلالة الملكة ؟؟ هل تعرض لها أحدهم ؟!
كان يتحدث وكأنه يتجهز لاستلال سيفه والهجوم على أيًا كان من عبر جوارها ولم يغض طرفه، ليشعر الجندي بأنه أخطأ في المجئ هنا، لكن حتى اختيار التراجع لم يعد متاحًا الآن.
تراجع خطوات وكأنه يحتمي بالمسافة بينهما، بينما عيون أرسلان تراقب تراجعه بريبة يعلم أن هناك ما حدث ولن يعجبه بأي شكل من الأشكال :
_ تحدث قبل أن ينفذ صبري يا بني.
_ هو مولاي ...ما حدث أنه منذ دقائق أبصرنا جسد يتسحب خارج جناح الملكة بشكل مريب وكأنه يتجنب أن يبصره احدهم، لحقنا به لكنه تبخر، كان ....رجلًا يرتدي معطفًا من اللون الازرق وقد خرج من غرفتها دون حتى أن يصدر أي صوت لها .
شعر أرسلان بقلبه يكاد يتوقف في هذه اللحظة وهو يسمع ما يحدث من فم الجندي والذي أخذ يكمل له ما حدث ويصف له هيئة الرجل والتي كانت تتطابق بشكل مرعب مع الرجل الذي كان يعانق المرأة المرتدية لمعطفه داخل الحديقة منذ وقت ليس بالكبير .
ازدادت خفقاته وهو يسمع صوت الرجل يكمل :
- ظننا .. ظننا أنه أذاها أو ما شابه و....
_ ظننتم ؟!
هز الرجل رأسه بنعم ثم أكمل بعدما بلل شفتيه :
- دخل أحد الجنود للجناح بسرعة خوفًا أن يكون مكروهًا قد أصابها، لكنه وجدها....نائمة على فراشها براحة و..لا شيء غريب داخل الجناح .
اشتعلت أعين أرسلان وهو يلتقط الإشارات المخفية داخل حديثه يبتسم بسمة لا علاقة لها بما يحدث يشعر بالدماء تغلي داخل عروقه، يرفع عيونه للرجل نظرة شلته لثواني :
- ما قلته منذ ثواني، لن يخرج من بيننا سمعت ؟!
حرك الرجل رأسه يومأ بالإيجاب، ثم استأذن وتحرك مبتعدًا يكمل عمله، تاركًا أرسلان يقف على جمر مشتعل، وصوت أنفاسه هو ما يمكن سماعه في هذه اللحظة مع اصوات الريح .
تحرك خطوات قليلة قبل أن يتوقف ينظر حوله بجنون، يتمنى فقط أن نزار لم يرحل، أو أن المعتصم كان هنا ليخفف عنه ويوقف تلك الطواحين التي تدور بعقله، وبالحديث عن المعتصم اين هو وقد اختفى منذ وقت طويل ؟؟
تحرك في المكان يبحث عنه بعيونه وكأنه يرتجي لمحة من وجه رفيقه هنا، لكن وأثناء حركته أبصر حركة غريبة في المكان تبعها ظهور زيان وهو يحمل حقيبته يتحرك بسرعة كبيرة مع عدد من مساعديه وبعض الجنود صوب الخارج ليتوجه لهم بعدم فهم :
- زيان ما الذي حدث هنا ؟؟ إلى أين في هذا الوقت ؟؟
توقفت أقدام زيان ينظر صوب الملك ثواني قبل أن يهتف :
_ هناك حريق كبير في المدينة وهناك إصابات، تحرك بعض الجنود للمساعدة في إطفاءه وفكرت بالذهاب للمساعدة، خوفًا أن يكون هناك أية إصابات.
اتسعت عيون أرسلان وهو يشير بيده صوب أحد الجنود :
- احضر لي حصانًا يا بني .
تحرك بسرعة :
_ صبرًا يا زيان سوف آتي معك لتفقد الوضع .
ورغم أن الأمر كان لمسؤولية بحتة خوفًا من أرسلان أن يتكرر ما حدث قديمًا من مآسي، إلا أنه بالنسبة لعقل أرسلان كان وسيلة إلهاء كبيرة ورائعة...
تحرك بسرعة بمجرد أن أبصر الحصان الخاص به يشير لزيان أن يصعد لحصانه ويلحقه قائلًا بصوت آمر :
- ارشدني صوب الحريق زيان ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت ساعة، بل ويزيد عن ساعة منذ تركها نزار ورحل ليحضر المرأة، ولا تدري السبب حتى الآن لكن كلما تذكرت الوجع الكامن بعيون نازين وهي تتحدث معها، شعرت بانقباضة صدر قوية تهتف بها ألا تترك المرأة كبش فداء لحريتها، لا يمكنها أن تضع امرأة في موضعها فقط لتنجو بروحها .
نظرت حولها للظلام والذي وعلى عكس العادة لم يكن يخفيها بقدر قذارة شياطين الانس، ربما كان الظلام ارحم بها من نفوس بعض البشر، على الأقل هو يسترها عن أعينهم .
ضمت نفسها تهتف داخل صدرها بريبة :
- لا تخذلني نزار ارجوك .
وكأنه سمع ندائها إذ فجأة أبصرت جسد رجولي يقبل عليها، جسد نزار الذي تعرفت عليه من نظرة واحدة، لكن الغريب أنه كان وحده في هذه اللحظة، فتحت عيونها بعدم فهم ولم تكد تلومه على العودة وحده حتى تجمدت الحروف على طرف لسانها تبصره يحمل جسد أنثوي على ظهره، ولم تكن بحاجة للتخمين حول هوية هذه المرأة.
ورغم عنها ولسبب تأبى حتى التفكير به شحب وجهها وهي تراه يحملها بهذا الشكل الحريص وكأنه يخشى أن تُخدش المرأة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث، لكن علقت الكلمات داخل حلقها .
وحينما وصل لها نزار تحدث بهدوء ولهفة :
_ أنتِ بخير صحيح ؟!
أبعدت عيونها عن جسد نازين بصعوبة تبتلع ريقها والذي كان علقمًا في هذه اللحظة، تنظر بعيدًا عنه صوب الطريق :
_ نعم أنا بخير .
نظرت مجددًا صوب جسد نازين بتسائل التقطه هو بسهولة :
- أبت المجئ فما ملكت من طريقة غير إجبارها، دعينا نخرجك من هنا .
هزت رأسها دون كلمة، وأي كلمات تمتلك هي حتى؟؟ لا شيء، فقط صمت ولا حق لها في الاعتراض على ما تبصره .
ولمَ الإعتراض من الأساس؟!
تحركت معه بهدوء شديد بعيدًا عن تلك المنطقة وهي تسير بصعوبة بين الحشائش التي كانت تملئ ذلك الجزء بشكل عشوائي، وهذا طبيعي فلا أحد يهتم بذلك هنا .
وبعقل امرأة قارنت بين وضعها المزري هذا ووضع نازين التي لم تكن مضطرة للسير بهذا الشكل المثير للشفقة لانه ببساطة يحملها و....
انتفضت انتفاضة غير محسوسة بسبب أفكارها تستغفر ربها وهي تحاول نفض كل ما يدور داخل عقلها، فقط يخرجها من هنا ولا تود أن تبصره مجددًا، نعم هذا ما تريده .
استمر سيرهم ساعة أو أكثر لم يشعر وقد تخدرت ذراعيه بسبب حمل المرأة على ظهره، وكل ثواني يتوقف لالتقاط أنفاسه، قبل أن يسمع صوتها يهتف :
_ إذن إلى أين سنذهب ؟!
نظر لها ثواني وهو شارد في ملامحها التي أبدع الخالق في رسمها وانعكس عليها ضوء القمر في تلك الليلة المظلمة، هز رأسه بهدوء يردد بصوت العقل الذي بدأ يعمل داخل رأسه.
_ أي مملكة، لكن أنا ارجح مشكى فهي الأقرب لنا من بين جميع الممالك ومن ثم آبى وابعدهم سفيد، إذن اعتقد أن مشكى هي الحل الامثل، ولا أظن أن الملك أرسلان قد يمانع على الإطلاق استضافتك سمو الأميرة .
وعلى عكس المتوقع لم ينبض قلبها نبضة خارج الايقاع حين سمعت اسمه الذي كانت تتلمسه سابقًا في جميع الأحاديث وكأنها تبحث عن أخباره بين الكلمات .
الآن تسمع اسمه واضحًا واحتمالية أن تحيا أسفل قصره لا تبهرها ولا تسعدها، بل كل ما كان يشغل فكرها في هذه اللحظة شيء واحد فقط عبرت عنه بكلمات مقتضبة دون أن تشعر :
_ وأنت ؟؟
رفع عيونه لها بصدمة من سؤالها الذي جعل قلبه يتراقص سعادة، هل تهتم بمصيره حقًا ؟؟ ابتسم بسمة صغيرة جعلتها تبتلع ريقها وهي تبعد عيونها عنه تحاول تبرير ما قالته كي لا تظهر بمظهر القلقة عليه أو المتلهفة لحياته :
_ أنا فقط ...لا اريد أن...احمل ذنب تضررك بسبب مساعدتي أو ما شابه أنت تعلم ما اقصد، حتى أعدائي لا أقبل لهم الضرر بسببي.
نعم ها هي سمو الأميرة توبة تعود للساحة بعد غياب دقائق طويلة كادت تصيبه بالخوف عليها، تدعه يحلق في أعالي السماء، ثم وقبل أن يستوعب ما يحدث ترفع سهمها وتضربه مباشرة في جناحه مصيبة إياه بضربة قاتلة تسقطه ارضًا دون أن ينهض بعدها .
هز رأسه مبتسمًا :
_ آه نعم أعلم، ذات نخوة أنتِ.
_ إذن لم تخبرني، ما الذي ستفعله ؟! ستأتي معنا لمشكى ؟!
نظر لها ثواني، قبل أن تغيم عيونه يهز رأسه ببطء وهو يسمع صوت داخلي يهتف في رأسه بسخرية :
_ نعم أذهب لمشكى واشهد بنفسك معاناة شعبها بعد ما حدث لها بسببك .
لاحظت توبة شحوب وجهه ولم تفهم ما حدث له أو ربما ادعت عدم الفهم، تبعد عيونها عنه تبصر من بعيد عربة تلوح في الأفق، لتصمت وهي تتنهد بصوت منخفض .
_ هل تعتقدين أنه بعد كل ما يحدث، هل هناك من باب توبة قد يقبلني ويُفتح أمامي ؟؟
نظرت له ثواني وشعرت بحاجتها لتطمئنه رغم أنها هي نفسها من كانت تجلده بسياط لسانها طوال الوقت، لكن في هذا الوقت لم تستطع اخراج كلمة واحدة تلومه بها، رغم أنها هي وهو يعلمون جيدًا أن حتى وإن لم تتحدث فهذا لا ينفي ذنبه العالق برقبته .
_ هذه حقوق عباد، أعد الحقوق لأصحابها وربما حينها تُفتح لك جميع أبواب التوبة نزار وليس باب واحد .
ختمت حديثها تحث خطاها قبل وهو فقط توقف ينظر لها نظرة صغيرة يهتف بصوت خافت لا يبتغي أن يصل لها حتى :
_ لكنني من بين كل أبواب التوبة لا أبتغي غير بابك بابًا توبة ...
زاد من سرعة أقدامه خلفها وهو يتمسك بنازين التي يبدو أن غيبوبتها ستطول، وصلوا صوب العربة يضع جسدها بهدوء في الصندوق الخلفي جوار توبة، وهو تحرك يجلس جوار السائق على المقعد الخارجي يتحدث بهدوء شديد وأعين غامضة :
_ إلى مشكى....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حرك عيونه بين الجميع يبصر إنهيار فاطمة بين ذراعي ألطاف والجميع حوله يحاولون إطفاء الحريق، وهو عيونه فقط معلقة بها يسمعها تنادي والدتها بحرقة ورعب وقلق شديد .
تنفس نفسًا عميقًا يبعد عيونه صوب النيران، ثم قرر أن يقتحمها ويبحث داخل تلك الغرفة المحترقة، لربما نجت المرأة بنفسها في أحد الأركان رغم استحالة هذا الاحتمال، لكنه لم يكن ليكون قادرًا على النظر في عيون فاطمة إن لم يحاول حتى لأجلها.
ولم يكد يتحرك حتى سمع صرخة أحد الرجال الذين أمسكوا به بسرعة وكأنهم يخشون انتحاره داخل هذا الحريق .
_ إلى أين سيدي، لا يمكنك أن تلقي بنفسك بين النيران بهذه الطريقة، لن تخرج منها حيًا .
نظر لهم المعتصم يحاول جذب ذراعه من بين أيديهم بقوة حتى تحرر يهتف بقوة وهو ينطلق صوب المنزل :
_ دعوني سوف اذهب لأخرج والدتها، لربما تكون حية في الداخل تنتظر من يساعدها و...
وقبل إكمال جملته شعر بأقدامه تتجمد بالكامل وهو يسمع صوت الرجل يمسكه من يده يصرخ بعدم فهم والنيران بدأت تزداد وتهتاج على الجميع وكأنها تعلن تعاطفها مع تلك المسكينة التي تراقب المنزل بحسرة واعين دامعة ووجه صارخ بالوجع .
_ أي امرأة يا بني ؟؟ لا نساء بهذا المنزل، المنزل فارغ ..
نظر له المعتصم بعدم فهم يشير صوب المنزل وهو يهتف بصوت منخفض مشدوه وقد شحب وجهه دون معرفة السبب :
_ أم فاطمة بالداخل و.......
وكلمات كانت كسهم اخترق مسامع المعتصم :
_ لقد احترقت المرأة منذ شهور طويلة مع جميع أفراد العائلة ولم ينجو من الحريق سوى الفتاة .
شعر المعتصم في هذه اللحظة بقلبه يُعتصر وهو يحرك نظراته في المكان الذي بدأ يدور حوله وقد اوشك جسده على الانهيار من هول ما سمع منذ ثواني ولم يشعر سوى بجسد يلتقط جسده وصوت يعلمه تمام العلم يهتف بهلع :
_ المعتصم ما بك يا أخي ما بك ؟؟
لكن المعتصم كان فقط لا يبصر ولا يسمع سوى فاطمة التي كانت تبكي بين أحضان ألطاف تناجي والدتها، وصوتها وهي تخبره أن والدتها مريضة، والدتها أعدت لها الحلوى التي تحبها، والدتها تهتم بها، والدتها تضمها وقت النوم، والدتها قلقة عليها، والدتها ستحزن إن تأخرت.
والدتها ...والدتها ...والدتها .... وأين والدتها ؟!
أسفل ركام ورماد منزل لا يصلح حتى للعيش، كانت تحيا بين جدرانه وحدها ظنًا أنها تحيا بين أحضان والدتها، وحدها ؟؟
شعر المعتصم بجسده يرتخي بصدمة وقدمه لم تعد تحمله وهو يسقط ارضًا بقوة ليصرخ أرسلان برعب وهو يلتقطه بسرعة يضمه له بخوف :
_ لا إله إلا الله ، يا المعتصم ما بك، ماذا حدث لك ؟؟
رفع المعتصم عيونه صوب فاطمة يهتف بصوت مصدوم ودموعه تتجمع في عيونه دون أن يستطيع التماسك :
_ كانت كل ذلك الوقت ...وحيدة في هذا المكان ؟! كانت وحيدة طوال الوقت ؟؟؟
لم يفهم أرسلان ما يحدث، يرفع عيونه يراقب جنوده والذين بدأوا يتداركون الوضع ويطفئون الحريق، يضم له المعتصم بخوف وهو يهتف له أن يتماسك دون أن يعلم حتى ما يحدث .
فجأة سمع صوت فاطمة جواره تبكي وهي تنادي والدتها ليهتف بصدمة ورعب :
_ والدتها ؟؟ والدتها بالداخل ؟!
نظر صوب الحراس بهلع وهو يصرخ :
_ هناك امرأة بالــ
_ لا .
توقفت كلمات أرسلان فجأة على صوت المعتصم الذي هتف بصوت منخفض ونبرة مذبوحة :
_ لا امرأة بالداخل لا احد هناك، لم يكن هناك أحد طوال الوقت عداها، كانت ...كانت وحيدة طوال الوقت، كانت وحيدة طوال الوقت .
نظر له أرسلان ولم يفهم ما يحدث، ولم يدرك ما يدور حوله، لكن فجأة انتفض جسد المعتصم من بين يديه وهو يركض صوب فاطمة يهتف باسمها مرتعبًا يلتقط جسدها الذي انهار بين احضان ألطاف يضمها له بقوة ورعب لاغيًا كل تفكير عقلاني داخل رأسه، لا يهتم بالجميع يهتف برعب :
_ فاطمة، يا ويلي فاطمة، فاطمة .
وحينما لم تجب عليه، رفع عيونه مرتعبًا لأرسلان الذي لم يفهم ما يحدث، لكنه فقط قال بهدوء يحاول أن يساعد المعتصم :
_ خذها للقصر لنفحصها والجنود سيتولون الباقي هنا ...
ومع هذه الكلمات انطلق يحملها صوب الحصان الخاص به، يضعها أمامه يمسكها بقوة، ثم تحرك بسرعة صوب القصر وارسلان يراقبه مبتعدًا، ثم عاد بنظراته صوب المنزل المحترق، يغمض عيونه بوجع يجلس أمامه وقد بدأ الجمع ينفض كلٌ لمنزله بعدم. طمئنهم هو على فاطمة وأنها الآن ستكون بأمان في قصره .
جلس هناك في أحد الأركان يراقب بقايا ديار محترق في وطن يعافر للنجاة، يراقب بأعين ضبابية وكأنه يرتجي نورًا لبلاد اشبعتها الحياة ظلامًا .
بدأ المكان يفرغ إلا منه وبعض الجنود الذي تأكدوا من أن كل شيء بخير يهتف زيان جواره :
_ يبدو أن ساكني المنزل نسوا إحدى المشاعل مشتعلة وهذا ما تسبب في الحريق .
هز أرسلان رأسه بهدوء ثم هتف بصوت خافت :
- اطمئن أن الجميع بخير، ومن ثم عودوا للقصر زيان .
_ وأنت مولاي ؟؟
رفع أرسلان عيونه صوب المكان حوله يبصر الدمار الذي يعم هذا الجزء مبتسمًا بحسرة :
_ دعني ارثي بلادي للحظات زيان .
_ مولاي لا ....
_ ارجوك زيان دعني وحدي الآن فقط .
نظر له زيان بتردد وشعر بالشفقة عليه، لكنه في النهاية احترم رغبته وتحرك مبتعدًا تاركًا أرسلان ينظر أمامه لما يحدث وهو يتنفس بشكل بطئ سرعان ما زاد وصوت والده يرن في أذنه تزامنًا مع صوت الصفعة التي تلقاها من كفه لتسقطه ارضًا يرتجف من الرعب ولم يكن قد أتم حتى التاسعة يتوسله الرحمة .
" ضعيف وستظل ضعيف، لا ترقى لأن تخلفني في عرشي أرسلان، اسميتك أرسلان وتمنيت لو أخذت من اسمك معناه، لكن أي أسد أنت وصفعة واحدة تسقطك ارضًا؟! تركت الفتى يهزمك ببساطة في المبارزة ؟!"
سقطت دمعة أرسلان يهتف بصوت مرتجف ضعيف :
" كان يفوقني طولــ"
" لا تبحث عن مبررات لضعفك وتختبأ خلفها، هذه حيلة الضعفاء، وابني ليس ضعيفًا سمعت ؟!"
هز رأسه بسرعة يمنع دموعه من الهبوط، ليشعر بجذبة والده التي كادت تخلع ذراعه وهو يجره معه صوب الساحة يردد بقوة وتجبر :
" ستقضي ليلتك تتدرب عقابًا لك، حتى تدرك في المستقبل ما ينتظرك إن فكرت يومًا بالخسارة، الحرب لا تناسب الضعفاء والعرش لا يلائم الجبناء، البلاد لن تليق بملك غبي ضعيف سمعت "
ختم حديثه يلقي بجسده وسط الساحة الباردة يشعر باحتكاك الأرضية بجسده، ثم ألقى له السيف يهتف بقوة وتجبر :
" لن تتحرك من هنا حتى الصباح، احمل سيفك وانهض لتتدرب، لن أقبل بولي عهد ضعيف جبان مثلك أرسلان ...."
غامت عيون أرسلان وهو ينظر لبقايا الدخان الذي خلفه حريق منزل فاطمة بأعين غامضة ومشاعر قوية وكلمات والده تتردد في أذنه مرات ومرات " الحرب لا تناسب الضعفاء والعرش لا يلائم الجبناء، البلاد لن تليق بملك غبي ضعيف "
تنفس بصوت مرتفع وهو ينهض يراقب مشكى بأعين قد بدأت تتلون بنظرات متوحشة، ينظر صوب السماء يبتسم سوداء، ثم تحرك صوب حصانه يردد بنبرة ممازحة في ظاهرها ساخرة في باطنها :
_ ها أنت يا ابي كنت قويًا متجبرًا، وانظر أين أنت ؟؟ بماذا أفادك تجبرك وأنت بين يديّ الله، بما نفعك ظلمك وقد كنت تأوي تحت سقف قصرك ثعابين تنتظر سقوطك لتبث سمها بأوردتك، لكنك كنت محظوظ إذ قبض الله روحك قبل تكوين سمهم، فلم يجدوا أمامهم سواي، لكن والله لأخلعن ناب كل من يفكر في الاقتراب مني ومن بلادي، وهذا الفرق بيننا أبي العزيز، هذا أنت وهذا أنا، ولدك الضعيف.......
ختم حديثه يتحرك صوب حصانه، ثم حركه بسرعة كبيرة صوب قصره يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يبعد عنه ذكرياته القديمة، ذكريات ربما يراها البعض سوداء، لكنه شاكرًا لسوادها فلولاه ما أدرك أنه يمتلك جانبًا ابيضًا لن يسمح بأي سواد أن يمسه .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تريدين تناول شيء ؟!
رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كام يمد يده بشطيرة من الفتحة التي تطل على الصندوق الخلفي، ولا تعلم من أين أحضرها، يعطيها بسمة واسعة جعلت ملامحها تتشنج بضيق وهي تبعد عيونها عنه دون أن تمنحه ردًا منها، ليرفع هو حاجبه بغيظ يكمل تناول شطيرته دون اهتمام :
_ لا عليكِ بعد قليل نصل مشكى وحينها بدل شطيرة تتناولين وليمة تليق باميرة سبز الوحيدة وابنة الملك بارق الأميرة توبة .
كان يردد آخر جملة بصوت شبه ساخر يحرك شفتيه حركات مستفزة وكأنه يبتغي جذبها لساحة القتال معه وقد مل صمتها الخانق هذا، وكان له ما يريد ويبتغي، إذ اعتدلت في جلستها تنظر له من تلك الفتحة الصغيرة تبتسم بسمة لم تكن بالسعيدة أبدًا :
_ أنت لا تطيب اوقاتك سوى بسماع كلمات سامة مني ؟؟ احاول أن ابتعد عن طريقك كي لا اظهر في قصتك بمظهر الشريرة، لكنك مصر على الزج بي داخل حكايتك .
رفع حاجبه يبتسم بسمة غريبة :
_ نعم احاول أن أضيف بعض المصائب لحياتي المملة عسى أن تزيد من حماسها .
ختم كلماته وهو ينظر أمامه يتناول شطيرته بتلذذ، بينما هي نظرت له بشر تهمس من تحت أسنانها، ترسم بسمة واسعة تبعد عيونها عنه تحدق بالطريق الذي يركض أسفل عجلات العربة :
_ تصفني بالمصائب، يا رجل ألا تستحي ؟؟ يا ويلي من الرجال الوقحين .
استدار لها نزار والطعام محشور في فمه وقد منعه من الرد عليها بكلمات لاذعة، بينما هي، نظرت صوب الطريق تتجاهل حتى النظر إليه ولو على سبيل الفضول لمعرفة ردة فعله تحرك طرف حجابها بتكبر :
_ إنسان يحيا حياته فقط ليتسبب بمصائب لغيره، يأتي ويصفني أنا أميرة سبز واذكى نساء الممالك بالمصيبة، عجبًا لوقاحة البعض.
ابتسم لها نزار وهو يطيل النظر بها، بينما هي تدعي انشغالها بمراقبة الطريق تأبى النظر له ومواجهة عيونه التي تعلم يقينًا أنها تنظر لها الآن، بينما هو اتسعت بسمته يهتف بصوت منخفض :
_ العفو سمو الأميرة، ذلة لسان لا تؤاخذيني بها، أنتِ لستِ بمصيبة بأي شكل من الأشكال، بل المصيبة هي أنا.
_ نعم هذا ما قلته أنا، لم تأت بجديد أنت.
أطلق نزار ضحكة مرتفعة، ينظر أمامه للطريق يترك جملتها الأخيرة دون رد من طرفه، وما هي إلا دقائق قضوها بالصمت حتى بدأ صوت صفيره يعلو بلحن مميز، جعل أعين توبة تتسع بقوة وهي تنظر له من خلال الفتحة التي تجاور مقعده .
صوت الصفير هذا والذي كان مربيها قديمًا يطلقه طوال الوقت أثناء اللعب معها والذي كان يعود للنشودة قديمة ابتكرها المهاجرين قديمًا قبل تكوين الممالك تعبر عن الشوق للوطن.
نظرت للفتحة وهي تحدق بوجه نزار الذي شرد في السماء أمامه، ثم أخذ يحرك فمه بكلمات شبه مسموعة، نفسها الانشودة القديمة
بدأ صوت نزار يرتفع شيئًا فشيء لتبعد هي عيونها عنه ببطء شديد وهي تحدق أمامها تستند بذقنها على ركبتها تحدق بالطريق أسفل العجلات شاردة تتساءل متى يحين اللقاء مع احبتها ووطنها .
ويبدو أن صوت انشودة نزار لم تخترق مسامع توبة فقط، بل كذلك اخترقت مسامع تلك التي كانت غارقة في نومة طويلة تسبح بين ذكريات شبه محترقة، احضان رقيقة طفولية وقبلات تحط على وجنتيها بشفاة صغيرة ناعمة حنونة ..
يد محبة تلتف حول خصرها وصوت هامس يردد داخل أذنها:
"ذات الحسن والجمال، اشتقت لمحياكِ نازين ."
سقطت دمعة من عيونها وهي تشعر ببرودة مفاجئة تضرب جسدها، فلا تدري أبرودة الجو كانت، أم برودة قلبها الذي شعر بانسحاب الدفء عنه حين انسحبت اليد التي كانت تعانقها منذ ثواني ؟
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهمس بكلمات غير مسموعة، تتلوى جانبًا تضم جسدها لجدار العربة، ترفض فتح عيونها وكأنها تأمل بالمزيد من اللحظات المسروقة مع عزيز القلب وصغارها .
أما عن توبة فقد شعرت بالحنين يشتعل داخل قلبها، تكاد تشعر بيد والدها تداعب خصلاتها بحنان شديد وهو يهمس لها بكلماته المحبة :
“ لا بأس صغيرتي كل شيء بخير فقط توكلي على الله وأرمي اثقالك عليّ، اتحملها لأجلك ابنتي "
ازدادت الدموع بعيون توبة لتدفن رأسها داخل أقدامها وهي تحاول كبت اصوات بكائها :
_ ما لي سوى الله حسبي ووكيلي يا أبي، فاللهم خفف اثقالي فلا قبل لي بتحمل المزيد من الاوجاع .
كل ذلك كان تحت عيون نزار الذي كان يراقبها بجانب عيونه وهو يكمل انشودته وكأنها كانت سوطًا يجلد بها نفسه ويجلدهم معهم بذكرياتهم، كلٌ كان يمتلك وجعه وذكرياته التي احترقت وتحولت رماد، رماد إذا ما اقتربت منه نسمة هواء تطاير ليعمي الأعين.....
استمرت الرحلة ساعات حتى بدأ الليل يتجلي وبوادر شروق الشمس تعل عليهم تحمل معها امل في يوم جديد للجميع، وصوت الطيور حولهم بدأ يرتفع ليسمع الجميع صوت السائق والذي كان صامتًا طوال الرحلة يعلن بهدوء :
_ نحن الآن على حدود مشكى سنتعرض لتفتيش من رجال الحدود ومن ثم نعبر للمملكة .
رفعت توبة رأسها بسرعة بصدمة من تلك الكلمات تنظر صوب نزار بريبة من اكتشافه وتعرضه للأذية، ليرفع الاخير لثام يغطي نصف وجهه يهمس بصوت منخفض :
_ لا تقلقي لا يعلم الجميع ملامحي، فلستِ مشهورًا لهذه الدرجة .
أبعدت عيونها عنه تردد بعناد ورفض لكلماته التي أصابتها بالضيق من حيث لا تدري :
_ ومن أخبرك من الأساس أنني اقلق ؟؟ لا يهمني ما يصيبك
رفع حاجبه بسخرية يبصر أحد رجال الحدود يقتربون منهم وصوت الرجل يصدح بنبرة قوية :
- من أنتم ومن أي مملكة أتيتم ؟؟
نظر له السائق ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت هادئ يصدر من جهة نزار يردد بجدية :
_ جئنا من سبز نطلب لقاء ملك مشكى لأجل أمر هام .
نظر له الرجل بعدم فهم ليهتف نزار دون مقدمات بكلمات أصابت توبة بالصدمة إذ ظنت أنه سيدخل المملكة ويتخفة عن أعين الجميع قدر الإمكان لا أن يبحث بنفسه عن الملك :
_ أخبره أن أميرة سبز تطلب لجوئًا في مملكته ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس ارضًا لا يستطيع تحرك قدمه أو حتى رفع إصبعًا وكل ذرة منه عاجزة عن فهم ما يحدث حوله، حرك عيونه في المكان وقد كان الظلام ما يزال يغشى الأفق، فجأة ثبت عيونه على جسد فاطمة المتسطح على نفس الفراش تغرق بين طيات غطائها متخذة من الظلام غطاءً اضافيًا لها، غادرت المشفى منذ ساعات وعادت لها، لكن هذه المرة عادت لها محطمة أكثر من المرة السابقة، وليس هي فقط بل كذلك المعتصم الذي كان ما يزال يجلس أمامها يحدق بها بأعين متسعة مصدومة ممتلئة بالدموع التي تأبى النزول، لم يبكي يومًا من بعد وفاة والده، والآن جاءت فاطمة لتبكيه مجددًا، بعدما عاهد نفسه ألا يفعل .
نظر لها ثواني قبل أن تسقط دموعه واخيرًا تعلن انتصارًا ساحقًا على إرادته، وهو فقط يجلس أمام الفراش يراقبها جالسًا ارضًا وقد بدأت اصوات شهقاته تعلو دون شعور منه وكل ما مرت به يعود أمام عيونه لا يتخيل ما قد عاشته .
دفن وجهه بين يديه يحاول أن يتوقف عن البكاء ولم يشعر سوى بشخص يجذبه لأحضانه صوب الخارج يربت عليه بحنان وقوة :
_ لا افجع الله لك قلبًا يا المعتصم، ما الذي حدث لك ؟! لِمَ البكاء ؟؟ هل فاطمة بخير ؟؟
تحدث المعتصم بين أحضان أرسلان بصوت متقطع وكأنه لم يصدق أن أحزانه وجدت ملجئًا لها :
_ ليست ...ليست بخير البتة، هي ليست بخير مولاي .
لم يفهم أرسلان ما يحدث، إلا أنه ربت على كتف المعتصم يجذبه للخارج بهدوء شديد، ثم تحرك به بعيدًا عن الجميع والاخير ما تزال روحه تجاور الصغيرة في نومها .
_ ما بك يا أخي؟؟ ما الذي حدث في ذلك الحريق هل تأذت فاطمة به ؟!
رفع المعتصم عيونه لأرسلان يهمس بصوت منخفض ونبرة مذبوحة :
_ كانت وحيدة ...
لم يفهم أرسلان ما يقصد، يميل قليلًا عليه هامسًا بترقب، وقد شعر أن تلك النبرة الجريحة التي تصاحب كلمات المعتصم تخفي خلفها تلال من الصدمات والمصائب، نطق وهو يشعر أن ما حدث متعلق بحقيقة ما تسبب سابقًا بأنهيار سلمى، إذ يبدو أن كل من يقترب من دائرة فاطمة تبتلعه دائرة حزن ..
_ ما الذي تقصده بكانت وحيدة ؟؟ وضح لي ماحدث يا المعتصم رجاءً ؟!
نظر له المعتصم ثواني وهو يهمس بصوت خافت خرج منه بصعوبة :
_ عائلة فاطمة، هي ...أخبرتني أنها تعيش مع والدتها ووالدها وشقيقها، ورغم ذلك لم تكن تذكر أي شيء عن والدها وشقيقها سوى أنهما ذهبا للصلاة، وفي إحدى المرات كانت تهزي بذكريات قديمة ذكرت خلالها أنهما احترقا .
هز أرسلان رأسه ببطء شديد وقد كان على علم بتلك النقطة التي ذكرها له المعتصم سابقًا حين طلب مساعدة سلمى، إلا أن ما اضافه المعتصم في هذه اللحظة جعل أعينه تتسع بصدمة كبيرة وهو يردد وقد بدأ صوته يرتجف :
_ كانت فقط تخبرني عن يومها مع والدتها وأنها تبيت بين أحضانها كل يوم وتعد لها الطعام وتعتني بها، و....
فجأة توقف يهتف من بين دموعها وهو ينظر في عيون أرسلان ملقيًا بما يحمل داخل صدره :
_ هي ....هي ميتة، والدتها ماتت بنفس الحريق الذي راح به والدها وشقيقها، كل ذلك الوقت كانت وحيدة في منزل أشبه بالقبور تبيت وتستيقظ وتحيا وحدها ظنًا أن والدتها تحيا معها، لقد كانت وحيدة طوال الوقت مولاي، كانت تسأنس بوهم صنعه لها عقلها عن والدتها .
ختم حديثه ينهار جوار أرسلان وقد تشقق صدره قهرًا على تلك الفكرة، فكرة أن يحيا انسان شهور طويلة في وهم الونس، بينما الوحدة تحلق فوق رأسه.
كل ذلك وارسلان يتابع ما يقص عليه المعتصم بوجه شاحب، أي وجع كُتب على شعبه ؟!
تنفس بصوت مرتفع وهو يصمت ولم يجد ما يتحدث به سوى أن ردد بصوت منخفض وهو يمسح وجهه :
_ إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واخيرًا تجلى الليل ورحل الظلام عن السماء مفسحًا المجال لشمس النهار بمنح اشراقتها لكل ما يحيطها، تستقر باشعتها على وجه تلك النائمة التي مر عليها الليل دون أن تشعر بشيء، تجلس على الفراش وهي تنظر حولها تحاول تذكر ما حدث معها .
دارت عيونها في المكان مرة أخرى لتتثبت أخيرًا على موزي الذي كان ينام بارهاق وكأن صراخ الأمس اتعبه حتى خلد للنوم بعدما يأس من حضور أحدهم للمساعدة أو استيقاظ سلمى لمساعدة نفسها.
أخذ الأمر منها ثواني أو دقائق لا تدري، فالصداع الذي أصاب رأسها والغثيان الذي أصابها منذ الصباح جعلها لا تدرك ما حولها حتى ضرب الاستيعاب عقلها وتذكرت ما حدث البارحة .
نهضت بسرعة بصدمة عن الفراش تتفقد نفسها لتجد أنها ما تزال ترتدي إسدال الامس لكن بلا حجاب وهناك جزء سقط عن كتفها وحالتها كانت غريبة، تحركت بسرعة في المكان وكأنها تبحث عن شيء يثبت لها أن ذلك لم يكن أضغاث احلام.
حتى يأست وهي تشعر بالصداع يزداد خصوصًا حين ارتفعت الطرقات على باب الغرفة لتصرخ دون وعي بصوت ناقم:
_ من ؟!
صمت جاءها من الجهة الأخرى، صمت شبه طويل حتى ظنت أن صرختها أخافت من بالخارج، ولم تكد تتحرك صوب المرحاض لتتوضأ، حتى سمعت صوتًا يأتيها من الخارج :
_ هذا أنا أرسلان...
توقفت أقدامها وهي تنظر صوب الباب ثواني، ثم رفعت يدها تتحس خصلاتها بهدوء، تمسك غطاء الرأس تخفي خلفه شعرها، ثم ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب بتؤدة :
_ حــ....حسنًا ثواني فقط رجاءً.
هرولت صوب المرحاض تغسل وجهها بسرعة تبعد عنها آثار النعاس، ثم فتحت عيونها بقوة تحاول أن تجبر نفسها على الاستيقاظ، ثم خرجت بسرعة تمسك أول شيء قابلها تجفف به وجهها، ومن ثم تحركت صوب الباب تفتح بسرعة وهي تتنفس بصوت مرتفع تتحدث ببسمة حاولت رسمها بصعوبة رغم كل الآلام التي تطرق رأسها في هذه اللحظة .
_ صباح الخير .
رفع أرسلان عيونه لها ببطء ليشرد بها ثواني معدودة، ثم ابتسم بسمة صغيرة لم يكن يحضر لها، في الحقيقة هو لم يكن يحضر للمجئ إليها منذ الصباح بهذا الشكل، وبالنظر سريعًا لكل ما مر به معها، هو لم يحضر يوم لفعل شيء أمامها، بل كل شيء يخرج منه معها كان وليد اللحظة .
هذه المرأة كانت الشيء الوحيد في حياته الذي عجز عن دراسته، الشيء الوحيد الذي كان يخوضه عن جهل، هي وحملات التطهير التي كان يشنها على المنبوذين قديمًا، كانا الشيء الوحيد الذي لم يفكر به بتمهل وتركيز.
_ صباح الخير .
صمت ثواني وكأنه يفكر في كلمات يبرر بها وجوده منذ الصباح هنا، لديه الكثير يتحدث به معها، لكن في لحظات تناسى كل ذلك، وشعر لأول مرة في حياته برغبة عميقة في الهرب من شيء وهذا الشعور كان أكثر شعور مقيت مر عليه، ولأجل هذا انقلبت ملامحه وهو يقول بوجه حامد بعض الشيء يبعد عيونه عنها :
_ لقد حدث الكثير البارحة احتاج للتحدث به معك، لكن قبل كل ذلك جئت اطلب منكِ البقاء جوار فاطــ......
صمت فجأة حين أبصر ملامح وجهها المنكمشة وشحوب بشرتها المريب، رفع حاجبه بعدم فهم :
_ هل أنتِ مريضة أو ما شابه ؟؟
أما عنها ففجأة شعرت برغبة مفاجئة بالتقيء لتركض بسرعة بعيدًا عنه صوب المرحاض الخاص بها، تحت عيونه المفزوعة، يقف على باب غرفتها لا هو يستطيع اقتحام غرفتها ومعرفة ما يحدث معها، أو حتى الرحيل وتجاهل ما حدث .
ابتلع ريقه ينادي بصوت قلق دون إرادة منه :
_ آنستي ما بكِ ؟!
وصله صوت توجع من المرحاض وصوت أنفاسها التي بدأت تعلو بشكل غريب ليقبض على الباب بخوف يهتف :
_ سلمـــى ؟؟ أنتِ بخير ؟؟
ولم يصل له صوت من الداخل ليشتعل رعبه وهو ينظر حوله يبحث عمن يساعده من بين النساء هنا، فجأة ظهرت امرأة له من العدم تتحرك أمام عيونه وهي تحمل صينية مليئة بالطعام وكوب من الحليب لسلمى .
نظر لها بلهفة يردد بصوت مرتعب :
_ إذا سمحتي هل يمكنك الدخول والاطمئنان إذا ما كانت سلمى بخير !؟
نظرت له الفتاة بعدم فهم ليهتف وهو ينظر لغرفتها وكأنه ينتظر أن تطل عليه بخير :
_ فقط ساعديها رجاءً يبدو أنها تعاني من وعكة صحية منذ الصباح، اذهبي واطمئني إن كانت بخير، لقد دخلت المرحاض منذ دقائق ولم تخرج بعد .
نظرت له الفتاة ثواني وكأنها تحاول إدراك ما يقوله، ثم وحين استوعبت حديثه تحركت بسرعة داخل الغرفة تترك الطعام على أول طاولة قابلتها وهي تتحرك في الغرفة صوب المرحاض تردد بصوت شبه مسموع :
_ جلالة الملكة، أنتِ بخير ؟!
وحين لم يصدر صوت من المرحاض اقتربت منه بخطوات بطيئة تطرق الباب قبل أن تدفعه ببطء تردد بصوت خافت :
_ مولاتي، هل أنتِ بخير ؟؟
وفجأة اتسعت عيونها تتراجع للخلف مرتعبة قبل أن تطلق صرخة عالية وهي تهتف برعب من مشهد سقوط سلمى على أرضية المرحاض شاحبة الوجه تحاكي الموتى، لتكون صرختها هي القشة التي قسمت ظهر البعير وقد حركت أرسلان عن عتبات غرفتها يحطم كل الأعراف والتقاليد أسفل أقدام لهفته وقلقه وهو يدخل كالقذيقة مرتعبًا يسمع صوت الخادمة تردد :
_ يا ويلي، مولاتــــــــــي ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أشعر أنك أخطأت بتحالفك مع ذلك الحقير أنمار سيدي، أنت تحط من شأنك بهذا الشكل بالتعاون مع ضعيف مثل ذلك الرجل .
تحركت عيون أصلان بهدوء حتى ثبتها على أحد رجاله ينظر له ثواني دون رد حتى شعر الرجل أنه لا يبصره من الأساس، لكن لحظات حتى سمع صوت أصلان يردد بهدوء وهو يحمل خنجره يحركه بين أصابعه :
_ أحيانًا تحتاج لمصاحبة الكلاب حتى تمهد لك طريق السير وحينما تصل لمحطتك يمكنك التخلص منها بطعنة أو ربما بعض السم سيكون كافيًا .
نظر له الرجل بصدمة من كلماته ليبتسم له أصلان، يشرد أمامه يفكر في القادم ويضع خطته، هو لن يرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه الكثير من قبله وكان مصيرهم خسارة شنعاء أمام الممالك ومن بها .
_ أنت...هل يمكنني سؤالك شيء يثير فضولي ؟؟
رفع أصلان عيونه صوب الرجل ليتحدث الاخير مبتلعًا ريقه :
_ ما سبب انقلابك بهذا الشكل على المملكة بعدما كنت أكثر الرجال اخلاصًا للملك .
أبعد عنه أصلان عيونه ولم يتحدث بكلمة إلا بعد صمت ثواني، حين قال بضيق وهو يشير له صوب الباب :
_ دعني وحدي .
رمش الرجل لا يستوعب هذا الرد، لكن أصلان فقط تجاهله حتى خرج الاخير واخيرًا من المكان تاركًا أصلان يسرح في أفكاره وهو يبصر شيطانه يحتفل أمام عيونه بذلك الانتصار الذي حققه عليه ليبتسم بسمة صغيرة يتحدث وكأنه يوجه كلماته ثوب شياطينه :
- لا تفرح بهذا الشكل، فأنا لن اكون عونًا لك في آثامك، أنا فقط آخذ حقي من بين فك الحقير أنمار، حقي بسبز وحكمها، لكنني لم أساهم في خططه القذرة، فقط آخذ حقي ببلادي وحينها لا حاجة لي به وبمن معه، أما عن الملك بارق وباقي الملوك، فلا يعنيني ما يحدث لهم، لا فائدة لي بموتهم أو حياتهم، فقط أصل لما أريده ولا حاجة لي بأحد.
وبهذا أقنع أصلان نفسه أنه لم يبع روحه للآثام ولم يقع ضحية للشيطان، هو ما كان له أن يؤذي أحدهم هو فقط استغل فرصة إزاحة الجميع من طريقه ولم يتبق سوى الحقير أنمار فتعاهد معه حتى يصل لما يريد، العرش الذي ما كان له أن يبصره حتى بعد موت بارق......
هو كان من الذكاء الذي يجعله يضمن جانب الشعب حين دافع عنهم هو وبعض الرجال الصالحين والذين حتى هذه اللحظة لا يعلمون ما يفعل هو أو يعلمون حتى بالمعاهدة التي أبرمها مع أنمار، وفي نفس اللحظة يضمن جانب أنمار وشروره، كان يفكر بعقله بعيدًا عن أي مشاعر أو عواطف، يأمل أن يصل في النهاية لما يريد دون أن تُلوث يده بشيء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما سعيت لتحقيقه سنوات طوال في حياتك، بل وحلمت به سنوات طويلة، هل يُعقل أن تمر بلحظة يُضحكك تذكره ؟!
هذه الممرات التي تؤدي لقاعة عرش مشكى، هؤلاء الجنود الذين يبعدون عيونهم عن طريقها متلاشين النظر فيها ولو من باب الفضول كما قضت القوانين في كامل الممالك، كل ذلك كان يومًا ما حلمها، أن تسير بهذه الممرات بين جنوده تتأبط يد والدها ليسلمها له كي يعلنها هو زوجة له وملكة لمشكى .
لكن لا والدها هنا ولا الحلم تحقق، ولا هي عادت ترغب بذلك الحلم حتى وأصبح مجرد صورة باهتة.
ربما لم تمحو اسم أرسلان بالكامل من قلبها، فكيف لحب سنوات الطفولة والمراهقة والشباب أن ينمحي بسهولة في اسابيع، لكن الشغف به وبما يخصه خفت شيئًا فشيء .
تحركت عيونها ببطء صوب نازين التي كانت تتحرك في الممرات بملامح جامدة ترتدي ثوب ساتر أحضره لها نزار من حيث لا تدري، وعلى ذكر نزار انقبض قلبها وهي تتذكر رحيله ببطء شديد حينما تأكد أن الحراس استلموها منه، وادعى أنه مرافق للسائق ورحل ببساطة تاركًا إياها هنا.
ولولا نضج غبي تدعيه وعدم إمكانية فعل ما تفكر به، لتمسكت به باكية تترجاه ألا يتركها هنا وحدها .
ما تزال تتذكر نظراته لها وهو يمنحها بسمة واسعة يميل نصف ميلة، ثم استقام ينظر لعيونها نظرة غريبة هامسًا :
_ لنا لقاء آخر عما قريب سمو الأميرة اعتني بنفسك، ولا تتسببي في مشاكل لنفسك بسبب لسانك.
صمت ثم نظر لها بعيدًا يبتسم بسمة سحرتها وللعجب ومن ثم نظر لها مرة أخرى:
_ حين تفتعلين المصائب ستجدينني أمامك اساعدك للخروج منها قبل أن تلقينني بكلماتك السامة .
ختم حديثه يمنحها غمزة صغيرة وبسمة حنونة، ثم همس لها بصوت وصل لها وهي تتحرك مع الجنود :
_ أتمنى أن أكون قد وفيت بنصف عهدي الاول، والنصف الثاني سيكون هديتك الأخيرة من نزار العاصي قبل رحيله الابدي سمو الأميرة .
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى وجوده في المكان تاركًا إياها تنظر في أثره بصدمة كبيرة ورعب جلي، ماذا قصد برحيله الأبدي ؟!
أفاقت من شرودها حين وصلت للمبنى بقاعة العرش، ولم تكد تخطوه مع نازين التي التزمت الصمت منذ أفاقت بشكل مريب، حتى أبصرت بعيونها مشهد لم تتوقع أن تبصره يومًا في حياتها كلها .
أرسلان يحمل امرأة بين أحضانه شاحبة الوجه وهو يهرول بشكل مرعب وعيونه خائفة وكأنه يحمل حياته بين كفوفه، اتسعت عيونها تراقبه وهو يهمس بكلمات للمرأة، كلمات لم تصل لها .
راقبته حتى اختفى جسده في مبنى مجاور لمبنى القاعة وهي تلاحقه بعيونه مصدومة مما ترى، واتضح في النهاية أن هناك ما يمكن ارعاب أرسلان.
تحدثت وهي تنظر للطريق الذي سلكه أرسلان تهمس بصوت منخفض للحارس الذي يقودهم صوب القاعة مخفضًا رأسه ارضًا بهدوء واحترام :
_ من هذه المرأة مع الملك ؟؟
رفع الحارس رأسه ببطء قبل أن يخفضه مجددًا بسرعة كبيرة وهو يهتف بشيء عجاب لا تدري أهي الفترة التي غابتها، أم أن كل ذلك حصل قبلًا دون أن تدري.
_ هذه جلالة الملكة، زوجة الملك المستقبلية .
ابتسمت توبة بصدمة كبيرة ولم تشعر سوى بنفسها وهي تهز رأسها بهدوء تتحرك صوب القاعة دون كلمة واحدة وما يزال قلبها يعلن حدادًا في الداخل، تكره نفسها وتكره كل ذرة بها أحبت الرجل سابقًا، تستغفر الله وتستعيذ أن تخون دينها لأجل رجل دق له قلبها سابقًا، تدعو أن يوفقه الله في حياته وينزع بقايا عشق بائس من صدرها .
اصبحت لا تعلم ما تريده ولا تدري ما يريحها، لكن كل ما تدركه في هذه اللحظة أنها ومنذ هذه اللحظة تفتقد وجود شخص آخر لم تعتقد يومًا أن وجوده كان يعني لها الكثير .
_ تصحبك السلامة نزار ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف حالك اليوم ؟؟ عسى أن تكون بخير .
ابتسم الشاب له وهو يتحدث بهدوء يراقب شقيقته التي تجلس جواره تراقب ما يحدث بوجه عابس كعادتها وقد غاب والدهم في هذه اللحظة :
_ افضل بكثير سيدي، اشكرك لمعروفك لا ادري ما كان سيحدث لي لو لم تساعدني .
ربت زيان على كتفه بهدوء مبتسمًا :
_ كله بفضل الله ثم جلالة الملك الذي أمر بالمرور على منازل الجميع للتأكد أن الجميع بخير وأنهم يتلقون الرعاية اللازمة، جلالة الملك يفعل ما بوسعه لمساعدة الجميع، عسى أن يقدر الجميع صنيعه .
ختم كلماته وهو ينظر صوبها تحديدًا وكأنه يقصدها هي بكلماته الأخيرة لتحتد ملامح دلارا وهي تنظر له بشر وتحذير أن يتحداها، لتنطلق ضحكة صغيرة من فم زيان وهو يبعد عيونه عن تلك المجنونة ينظر صوب شقيقها .
ثم ردد كلماته الأخيرة في الغرفة:
_ إن شاء الله هي ايام ويمكنك العودة للمنزل إن أردت.
_ بالطبع سيود العودة للمنزل افضل من البقاء هنا في هذا المكان .
ولم تكن تلك كلمات الشاب، بل كانت كلمات الساحرة الشريرة كما أسماها زيان في عقله حين ابصرها للمرة الأولى .
رفع عيونه لها يزفر بضيق هامسًا بصوت وصل لشقيقها:
_ يا الله كيف تتحملها يا بني ؟؟ حمدًا لله أنك ما تزال بقولك العقلية، فلا ينقصنا أن تصاب بأمراض نفسية إلى جانب امراضك الجسدية .
ضحك الشاب ضحكة مرتفعة جعلت أعين دلارا تضيق بريبة :
_ ما الذي قاله لك هذا الرجل ؟؟ يتحدث عني صحيح ؟!
رفع لها زيان عيونه يردد بصوت شبه ساخر :
_ الحياة لا تدور حولك سيدتي، والآن اعذروني عليّ الرحيل لإكمال عملي .
_ سيكون هذا افضل .
تنفس زيان بصوت مرتفع يزفر بضيق شديد وهو يرحل عن الغرفة، يتحرك صوب المبنى الفرعي للمشفى والذي كان مخصصًا للنساء بعيدًا عن غرف الرجال، يتوقف أمام غرفة فاطمة حيث يعسكر المعتصم رافضًا التحرك .
_ صباح الخير عزيزي، كيف حالك وحال صغيرتك .
ورغم حالة المعتصم التي كان يُرثى لها، إلا أنه ابتسم دون شعور حين نسب زيان فاطمة له، وقد أشعرته تلك الكلمة بسعادة كبيرة، يردد دون وعي :
_ صغيرتي ؟؟
بينما زيان يراقب ملامحه لا يدري في الحقيقة سبب ما يحدث فجأة اختفت الفتاة ليلًا ليعتقد أنها رحلت، ليعود لاحقًا يراها وقد عادت مجددًا للمشفى، لكن بحال اسوء والمعتصم كان أشبه بفاقدي الروح يجلس دون ردة فعل وبوجه شاحب .
_ أنت بخير يا المعتصم ؟! حالتك هذه تقلقني، تعال لافحصك يا رجل .
رفع المعتصم عيونه له يهمس بصوت منخفض وبسمة صغيرة :
_ لا تقلق أنا بخير .
عادت عيونه صوب الباب الذي تقبع خلفه فاطمة مستكينة لاغماءة غادرة إصابتها البارحة :
_ أنا بخير زيان، فقط ...فقط اطمئن على فاطمة وسأكون بخير أكثر، لا تقلق أنا بخير ...بخير إن شاء الله .
فجأة اقتحم أرسلان مشفى النساء وهو يحملها بين ذراعيه فاقدة للحياة مرتعبًا يهمس بصوت مرتعب :
_ زيان استدعي الطبيبة لتساعدها رجاءً .
ختم حديثه يتحرك صوب اول غرفة فارغة ابصرها، ليتعجب المعتصم وزيان ما يحدث، ولا أحد منهما يفهم ما يجري في المكان، حتى انتفض جسد زيان فجأة يتحرك صوب عيادة الطبيبة يطرق الباب وهو يهتف :
_ سيدتي الطبيبة هناك امرأة تحتاج مساعدتك هنا .
ختم حديثه ينحني بعيدًا عن الباب يتيح لها المرور دون أي شيء قد يعيق حركتها، وحينما أبصرها تخرج أشار لها على الغرفة التي تقبع بها سلمى والتي خرج منها أرسلان بمجرد أن وضعها على الفراش يتوقف جوار الباب بوجه يضاهي شحوب سلمى نفسها .
أبصر الطبيبة تقترب من المكان ليشير لها صوب الباب يهتف بتماسك لا يعلم من أين له به :
_ رجاءً ساعديها لا أعلم ما حدث كانت تتحدث معي بشكل طبيعي قبل أن تشحب بشرتها وتبدأ بالتقيأ بشكل غريب ثم بعدها سقطت دون حركة واحدة .
سمعت الطبيبة ما قال أرسلان لتتحرك سريعًا للغرفة تغلق الباب خلفها تاركة الاخير في الخارج يشعر بالرعب ليعترف لنفسه وفي لحظة خوف عليها أن المرأة في الداخل تعني له أكثر من مجرد وصية، هذه المرأة تعني له أكثر مما يتخيل .
أبصر المعتصم والذي انضم لهم منذ ثواني نظرات أرسلان لباب الغرفة والتي كانت أشبه بنظراته لباب غرفة فاطمة ليبتسم بسمة صغيرة وهو يتساءل بصوت فاقد لكل معاني الحياة وكأن روحه تركها هناك جوار فاطمة .
_ لا تقلق مولاي ستكون ابنة رائف بخير ربما لم تعتد بعد اجواء مشكى .
نظر له زيان دون فهم من تلك النبرة التي خرجت منه والتي لم يفهمها أرسلان لعدم انتباهه لما يحدث من الأساس، بينما المعتصم اكمل بقصد وهو ينظر لأرسلان :
_ أنت تعلم زيان أن الملك يحفظ جميل السيد رائف رحمة الله عليه، لذا يهتم لابنته تنفيذًا لوصية مرشد العالم الآخر، حفظًا لجميله فقط .
تحركت عيون أرسلان ببطء ليثبتها على وجه المعتصم بغضب ليبتسم الاخير بسمة صغيرة وكأنه يخبره أنه امسك به، وفجأة اخترق سؤال مجهول المصدر للأجواء بينهم :
_ ابنة رائف ؟؟ مرشد العالم الآخر ؟! أي رائف تقصد أنت ؟؟ أخي ؟؟؟؟؟؟
استدار الجميع بتعجب صوب ذلك الصوت ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى فُتح الباب وخرجت من الطبيبة بملامح لا تفسر، ليتجاهل أرسلان ما يحدث وما يقال يتحرك صوب الطبيبة باهتمام :
_ كيف هي ؟؟ هل هي بخير ؟؟
رفعت الطبيبة عيونها لأرسلان ببطء وهي تهز رأسها بنعم، تتحدث بكلمات مقتضبة دست الرعب بكل مهارة داخل صدر أرسلان والذي أوقفها قبل التحرك خطوة واحدة يقف أمامها قاطعًا أي فكرة رحيل عن رأسها:
_ ما الذي حدث لها ؟؟ ما سبب تلك الأعراض التي أصابتها .
رفضت الطبيبة التحدث بكلمة وهي تبعد عيونها عن أرسلان تجيب بصوت خافت :
_ مجرد إرهاق و...
_ مجرد إرهاق ؟؟ وهل مجرد إرهاق هو ما يجعلك تخفين عيونك خوفًا من التحدث ؟؟
رفعت عيونها له لتبصر جحيمًا في نظراته وهو يهمس بصوت منخفض لم يصل لمن خلفه :
_ ما الذي حدث للمرأة التي تقبع خلفك في الغرفة ؟! هل تحاولين التغطية على من تسبب لها بالاذى ؟! هل هناك من اتفق معكِ على الأمر حضرة الطبيبة !!
اتسعت أعين الطبيبة بصدمة لتلك التهمة البشعة التي ألقاها أرسلان في وجهها، ولم تدري أنه قال ما قال فقط ليستفزها لقول الحقيقة التي تأبى الحديث بها .
راقب هو صدمتها لتتسع بسمة مرعبة يهمس لها وقد غطى جسده الضخم جسدها الصغير عن أعين الجميع في الخلف ومنهم ذلك الرجل الذي كان ما يزال يتجرع صدمة موت شقيقه ووجود ابنته في المملكة دون علمه ولم يكن ذلك الرجل سوى نفسه انورين والد دلارا والذي كان قد جاء ليستدعي زيان كي يعطي ولده جرعة الاعشاب المخدرة بعدما بدأ يتألم مجددًا ..
كل ذلك لم يكن يعني أرسلان بشيء سوى الاطمئنان على ر
تلك التي تقبع بالداخل :
_ ما الذي تخفينه عني أيتها الطبيبة ؟!
_ أنا لست ...لست متأكدة من شيء لا يمكنني الجزم بما استنتجه من مجرد فحص مبدأي، ربما أخطأت و....
_ ما الذي تخفينه ؟؟
كان مصر بشكل جعلها تبعد عيونها عنه وهي تهمس بصوت منخفض لم يصل سوى له :
_ لا ادري، لكن التشخيص الظاهري يخبرني أنها...حامل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة قد تغير حاضرك وتقلب مستقبلك رأسًا على عقب ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
السابع عشر | وأُحكمت المصيدة |
قبل القراءة متنسوش التفاعل على الفصل بتصويت ورأيكم على الأحداث .
صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس كعادته في الغرفة المجاورة للمسجد يقرأ بعض الآيات بصوت شجي خاشع، وعيونه تتحرك على الكلمات أمامه بهدوء شديد، يستشعر حالة السلام النفسي التي تحيط به في هذه اللحظة .
سمع صوت الباب يُفتح وصوت خطوات تتقدم منه، كل ذلك دون حتى أن يرفع عيونه عن المصحف أمامه، يعطي كامل انتباهه للآيات أمامه، حتى توقف وانتهى من الصفحة التي كان يتلو آياتها، ورفع عيونه ببطء شديد يبصر وجه أحد الرجال يرتدي ثوب الحراس في القصر وهو ينظر له بتردد وكأنه جاء يعترف عن ذنب اقترفه .
_ تقدم يا بني، مالي أراك مترددًا ؟!
رفع الشاب عيونه ببطء صوب المتحدث والذي لم يكن سوى أمام المسجد الخاص بالقلعة وشيخ مشكى الأول .
ابتسم له بسمة يبصر التردد يزداد على ملامح الشاب وكأنه لا يعلم كيف يتحدث :
_ أخبرني كيف اساعدك يا بني ؟!
تقدم منه الشاب وجلس أمامه على ركبتيه يهتف بصوت منخفض ونبرة خافتة وكأنه يخشى أن ترهف الجدران أذنها للحديث وتسمع ما هو على وشك نطقه :
_ أنا فقط ...امنحني الأمان سيدي كي أتحدث.
رمش الشيخ بعدم فهم وهو يعقد حاجبيه بجهل، أي أمان هذا الذي يتحدث عنه الشاب ؟! كانت كلماته مريبة على مسامع الشيخ الذي كان أخطر شيء سمعه هو أن أحدهم جاء يطلب منه أن يخبره كفارة السرقة، والآن الرعب الجلي على ملامح الشاب يوحي أنه يكتم الكثير .
_ لم أعتد أن أنقل الأحاديث يا بني .
شحب وجه الشاب يهتف بسرعة :
_ لا، لم يكن هذا ما قصدته البتة، أنا فقط ...فقط أريد أن... أخشى أن يعلم الملك أنني أنا من جاء ليخبرك بما حدث، فأتأذى .
_ الملك ؟! وما علاقة الملك بما تريد اخباري له ؟! تحدث دون مواراة أو أرحل.
ابتلع الشاب ريقه بتوتر شديد، ثم رفع عيونه له يهتف بصوت خافت :
- الملك لا يريد أن يعلم أحدهم بما يحدث أسفل سقف قصره، فهو يخشى عليها من العقاب .
تغضنت ملامح الشيخ بضيق شديد حتى كاد الغضب يحل محل الضيق ويتسيد تعابير وجهه، لكن الشاب تحدث بسرعة كبيرة وكأنه أدرك عاقبة المراوغة أكثر يهتف بصوت هامس أكثر :
_ المرأة التي أعلنها الملك بأنها الملكة المستقبلية، لقد ...الملك يحاول أن يخفي أفعالها ليحميها من العقاب، لكنني لم استطع الصمت وانا أرى الفسق والرذيلة تُمارس علنًا أمام عيوننا دون التحرك واخبارك لتجد حلًا لما يحدث قبل أن ينزل الله غضبه علينا .
حرك الشيخ حبات سبحته بين أصابعه ينظر للشاب بنظرة حادة :
_ هل تعي أنك الآن تخوض بشرف امرأة، وتدرك عقوبة ما أنت مقبل على فعله إن ثبت أنه كذب وافتراء ؟!
- سبق وسُجنت امرأة هنا بسبب الأمر ذاته، لكن هذه المرة أنا امتلك أدلة على ما اقول، هذه المرة أبصرت بعيوني أنا وباقي الحراس رجل يخرج من غرفتها بعد منتصف الليلة، ولم تكن هذه المرة الأولى، كما ابصرها أحد الرجال يومًا تتحرك بالحديقة الخلفية مع الرجل ذاته و....
صمت ينظر ارضًا بخجل لتتسع أعين الشيخ وقد أحمر وجهه بغضب :
_ هل تدرك ما تتحدث به أنت ؟! تأتي وتتحدث عن شرف امرأة بهذه الطريقة القذرة ؟! ألا تخجل من نفسك ؟؟
- أنا لا أتحدث دون دليل يا شيخ ويمكنك التأكد بنفسك، الملك يحاول أن يواري سوءها، لكن الجميع بدأ يلاحظ ما يفعل، سبق واتهمتها امرأة بالشيء ذاته، لا يعقل أن الجميع مخطأ و...
- المرأة بنفسها اعترفت أنها أخطأت ولم تبصر منها سوءًا وكان الأمر محض ظنون، وأنت الآن تأتي لتكمل حديثها من حيث توقفت ؟؟ اتقي الله في أعراض النساء .
اتسعت عين الشاب بصدمة يهتف وقد شحب وجهه مرتعبًا أن يرتد الأمر عليه ويتسبب في اذيته على يد الملك، ابتلع ريقه بهدوء يحاول الحديث :
_ أنا لم....ليس أنا بل الجميع يرى الأمر بنفسه ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك، الأن الملك معها في المشفى وقد سقطت صباح اليوم مغشى عليها والله وحده يعلم السبب بعد خروج الرجل من غرفتها بالأمس، الملك نسي كل قيمه لأجل امرأة فلا تعينه على اثمه يا شيخ.
شحب وجه الشيخ من الكلمات التي سمعها، وهو ينتفض عن جلسته ينظر للشاب بتحذير شديد، ثم خرج من الغرفة الخاصة به يتحرك صوب المشفى يفكر أن يذهب بنفسه لليتحدث مع الملك ومعرفة ما يحدث حولهم .
بينما الشاب كان يراقب الباب الذي خرج منه بملامح حزينة مرتبكة ومرتعبة، سرعان ما تلاشت وارتسمت بسمة واسعة خبيثة وهو ينهض عن جلست ينفض ثيابه بهدوء :
_ هنا تنتهي مهمتي .
ومن بعد تلك الكلمات تحرك بسرعة كبيرة خارج الغرفة ومنها لحصانه يتحرك به خارج أسوار القصر يدعي أنه ذاهب في مهمة ما، وفي الحقيقة هو فقط انتهى من دوره في هذه اللعبة يعود من حيث أتى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مبدئيًا ؟؟
كانت كلمة صغيرة نطق بها أرسلان وهو ينظر لوجه الطبيبة التي توترت بسبب نظرات أرسلان وقد كان الأخير على وشك إحراق الجميع بنظراته في المكان .
ابتلعت ريقها تهتف بصوت منخفض :
_ نعم فأنا لم افحصها بشكل ...بشكل صحيح، كانت هذه مجرد علامات فقط ظهرت عليها جعلتني اخمن الأمر و...
اتسعت بسمة أرسلان المرعبة وهو يهمس بنبرة جعلت دموع الطبيبة تكاد تتساقط برعب مما تسمع وترى في هذه اللحظة، كان الملك أكثر رعبًا حتى مما سمعت، تراجعت خطوة للخلف وهي تسمع فحيحًا خرج من فمه :
_ تخمنين ؟!
هزت رأسها وهي تبكي بخوف تحاول الحديث، لكن أرسلان قاطع كل فرصة لديها في إنقاذ ما قيل بكلمات أخرى:
_ هل ترين أن الأمر يستحق تخمين سيدتي ؟؟ هل ترين أنني بمزاج يسمح لي بتقبل تخمينات غبية لا أساس لها ؟!
سقطت دموع الطبيبة دون أن تستطيع التحدث بكلمة لتسمع صوت في الخلف يردد :
- مولاي ما بك، المرأة ترتعش رعبًا .
تجاهل أرسلان كلمات المعتصم ويده التي بدأت تشده للخلف يكره أن تتعامل مع الأمر بهذا التهاون، ورغم غضبه كبته مذكرًا نفسه أنه أمام امرأة، يهتف بجدية كبيرة وقد وصل ما حدث لمسامع الجميع ليجمدهم بأرضهم، وهو فقط هتف بنبرة حاول جعلها هادئة:
_ الآن سيدتي ستتحركين للداخل وتفحصين المرأة بشكل دقيق، ثم تعودين وتخبرينني ما بها وما سبب تعبها الواضح هذا وتعالجينه، لا تجبريبني على أن أظهر حقيرًا أكثر من هذا مع امرأة مثلك سيدتي .
هزت الطبيبة رأسها بسرعة وهي تشعر بجسدها يرتجف بقوة من الرعب، ليتراجع أرسلان للخلف فجأة حين أبصر ما فعلته بها نظراته، يمسح وجهه بضيق من نفسه :
_ فقط اذهبي رجاءً و...
لكن وقبل التحدث بكلمة واحدة سمع صوتًا مستنكرًا في الخلف يهتف بعدم فهم :
- ليفهمني أحدكم ما يحدث، هل الفتاة بالداخل هي ابنة أخي بالفعل ؟! وهل هي ...حامل ؟! من هو زوجها ؟!
في نفس اللحظة التي نطق بها انورين تلك الكلمات كان الشيخ يخطو للمشفى ليتجمد في أرضه بعدما رأى الجميع أمامه بملامح شاحبة مصدومة وكلمات ذلك الرجل تتردد أمامه، ليشعر في لحظة أن ما قيل منذ ثواني كان حقيقة وليس مجرد شك أو إتهام.
توقفت أقدامه وهو يسمع صوت أرسلان يهتف بجدية ونبرة خشنة :
_ الجميع للخارج لا أريد أن أبصر أحد هنا .
نظر له الجميع باستنكار لتعلو ابتسامة لا معنى لها فمه وهو يهتف بنبرة جعلها أكثر احترامًا لأجل وجود الشيخ والذي كان ذو مكانة رفيعة لديه :
_ اذا سمحتم ..
نظر المعتصم صوب زيان الذي هز له رأسه يتحركان بعيدًا عن الغرفة، تاركين أرسلان ما يزال يقف مواجهًا للشيخ وكأنه ينتظر ابتعاده .
لكن الأخير بوقفته تلك كان يبدو كما لو أنه لا ينتوي الرحيل البتة إلا بعدما يحصل على إجابات، يقف متحفزًا أمام أرسلان والذي وقف بكل هدوء يراقبه بملامح باردة وكأنه ينتظر منه كلمة ليثور، يشير بعيونه للطبيبة أن تتحرك لتركض الأخيرة بهلع وكأنها حازت للتو تصريح براءة من حكم اعدام.
_ ما الذي يحدث هنا جلالة الملك ؟!
نظر أرسلان حوله بهدوء شديد، ثم عاد بعيونه للشيخ :
- لا شيء، المكان هادئ ولا شيء يحدث، هل ترى شيء يحدث هنا ؟!
اقترب منه الشيخ خطوات هادئة يهتف بصوت منخفض :
_ هل تتلاعب معي أرسلان ؟! تسخر مني ؟؟
اتسعت أعين أرسلان بقوة يهتف بصوت حاول أن يخرجه هادئ طبيعي لا يظهر به تهكمًا أو نبرة قد تبدو للشيخ ساخرة :
_استغفر الله يا عم، منذ متى فعلت ؟! أنا فقط لا افهم تحفزك هذا و...
هتف الشيخ وقد جن جنونه من تصرفاته الغريبة وقد كان أرسلان اول شخص يقف في وجه الباطل هنا، ما له يصفق له في هذه اللحظة ؟؟
_ لا تتحدث وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن لا معصية تُمارس أسفل سقف قصرك، أرسلان هل اعماك الحب لهذه الدرجة لتتغافل عن تصرفات المرأة فقط لأن قلبك يميل لها ؟!
وفي هذه اللحظة انتفض قلب أرسلان لأجل الكلمة التي خرجت من الشيخ دون أن يجملها أو يزينها أو يخفيها خلف كلمات أقل حدة، اتسعت عيونه لأجل لهجة الحدة وصوته الذي بدأ يظهر به بعض النفور ..
_ أفق مولاي، وأخرج من غيمة المشاعر تلك، لا تسمح لمجرد امرأة أن تتحكم بك وتحيد بك عن الحق .....
اشتدت حدة عيون أرسلان الذي نظر في عيون الشيخ بشر وقد تناسى لثواني أمام من يقف في هذه اللحظة :
_ جلالة الملكة .
نظر له الشيخ بعدم فهم ليكرر أرسلان كلماته وهو يضغط على حروفه بقوة :
_ هذه المرأة هي جلالة الملكة وسبق أن وضحت الأمر، احترمك واقدرك، لكن كرامة امرأتي وزوجتي المستقبلية من كرامتي، وما تلمح له بكلماتك ويلتمع بعيونك لا تفكر به بينك وبين نفسك حتى يا عم وتذكر أن بعض الظن إثم.
اشتعلت أعين الرجل أكثر بسبب دفاع أرسلان عنها وتحدثه معه بهذه الطريقة لأجلها، ليستغل الشيطان غضبه ويتراقص أمامه مزينًا له افكار خبيثة .
_ إذن إن كنت واثقًا بها بهذا الشكل وتعتقد أنها امرأة شريفة و.....
_ هــــــي كـــــــذلـــــك، وليتجرأ أحدهم ويقول عكس ذلك، ووالله لن يجيبه غير سيفي، هذا ما ينقصني أن يخوض أحدهم بعرضي وشرفي على مسامعي يا عم.
تنفس الشيخ من حدة أرسلان يحاول أن يتحدث بحيادية :
- إذا كنت واثقًا بها لهذه الدرجة فعليك تبرأة ساحتها أمام الجميع .
_ أمام الجميع ؟!
ابتسم الشيخ بسخرية وهو يربت على كتفه مشفقًا على نظراته تلك :
- من أين تعتقد أنني علمت إذن ؟! الجميع يتحدث بالأمر يا بني، وإن كانوا يفعلون ذلك الآن بالسر فغدًا لن تستطيع أن تصمت الألسنة، لذا الحل الوحيد أن ترد لها كرامتها على مرأى ومسمع من الجميع.
نظر له أرسلان بملامح جامدة وقد بدأت الدماء تغلي بين أوردته، يشعر بصعوبة شديدة في التنفس بشكل سليم، وهو يشعر أن الأمور تتفاقم حوله في وقت لا يتحمل به أي حِمل إضافي، نظر صوب الشيخ الذي ردد بهدوء يعلن قراره الأخير وكأنه يجبر عليه أرسلان :
_ عليها الوقوف أمام المحاكمة وإثبات براءتها وإلا نُفذ بها الحد .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك بعيدًا عن الغرفة التي يشعر أنها ستحترق بعد ثواني بسبب النيران المنبعثة من جسد أرسلان في هذه اللحظة وقد قرر التحرك صوب غرفة فاطمة يعسكر أمامها كما اعتاد حتى ينال منها نظرة تطمئن قلبه أنها بخير حال .
لكن وبمجرد أن وصل الغرفة تعجب حين أبصر الباب مفتوحًا بعض الشيء والفراش فارغ .
اتسعت عيونه وتوقف قلبه لثواني وهو يندفع بسرعة صوب الغرفة دون التفكير في طرق باب أو حتى الاستئذان، هو فقط اقتحم المكان بسرعة وهو يهتف ملتاعًا مرتعبًا باسمها :
_ فاطمــــــــة.
لكن لم يبصر طرفها في المكان لترتعش يده الممسكة بمقبض الباب وهو يشعر بأنه على وشك الانهيار متذكرًا حالتها، كيف خرجت بهذه الحالة وحدها وإلى أين وهي ....لا أحد لها في هذه الحياة .
عند هذه الفكرة اندفع بسرعة خارج المكان وهو يركض صوب الاسطبل يقرر الخروج للبحث عنها، هي لم تبتعد كثيرًا ربما، فالطريق طويل صوب منزلها .
كان يهرول دون أن يبصر أحدهم أمامه، لولا صوت البكاء الذي وصل له ينبع من أحد الأركان في الحديقة .
توقفت أقدامه يتحرك صوب ذلك الصوت والذي ميزه بسرعة كبيرة يهتف بصوت منخفض متسائلًا يحاول معرفة إن كان ما يراه صحيحًا أم عقله المسكين صنع له صورة لفاطمة رأفة بقلبه الذي يكاد يتوقف رعبًا .
تجلس هناك في ركن مظلم لا تصله شمس، ولولا صوت الشهقات الصادرة منها لكان ظنه محض خيالات.
_ فاطمة ؟!
تساءل بصوت منخفض مستنكرًا ما يرى، ما سبب خروجها من الغرفة الخاصة بها وقدومها هنا وجلوسها بهذا الشكل .
رمش وهو يتحرك صوبها يراها تضم قدمها لجسدها وهي تبكي بصوت متقطع فعل بقلبه ما فشلت به حروب ضارية .
تقدم بهدوء وهو يجلس على ركبتيه أمامها دون الاهتمام بالوحل أسفله يهتف مجددًا اسمها :
- فاطمة ؟!
ولثواني لم تتحرك وكأنها لم تسمع ما نطق به وهو ما يزال ينظر لها منتظرًا أن تشفق على حالته وتنظر له :
- فاطمة صغيرتي ما بكِ ؟!
اشتد اهتزاز جسد فاطمة وكأن كلماته أن تساهم سوى في زيادة حالتها سوءًا تهتف من بين شهقاتها :
- لقد ...رحلوا جميعهم رحلوا وتركوني وحدي .
ابتلع المعتصم ريقه عليها وهو يحاول أن يتجاوز نبرتها المجروحة :
_ أنا هنا .
هدأ جسد فاطمة فجأة عن الاهتزاز وهي ترفع رأسها بهدوء شديد عن قدمها تحدق في وجه المعتصم وكأنها تود أن تتأكد أنه لا يكذب عليها، بينما الأخير ابتسم لها بسمة صغيرة يحاول بث بعض الطمأنينة لقلبها:
_ أنا هنا يا صغيرة، هنا جوارك ومعك .
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تبتسم له بسمة كسيرة تهتف بصوت خافت وصل له رغم اصوات الرياح حوله :
_ هل أنت كذلك بالفعل ؟!
نظر لها المعتصم بعدم فهم يحاول إدراك ما تود قوله لتهتف هي بصوت ميت لا تشعر بما يدور حولها، فقط صوت صراخ وشعور بنيران تحرق جسدها ورائحة الجلود المحترقة هي كل ما يمكنها الشعور به :
_ هل أنت كذلك هنا ؟! هم كذلك كانوا هنا معي، هم كذلك كانوا جواري، والآن أين هم ؟!
نظر لها المعتصم بوجع لتبتسم له بسمة واسعة مذبوحة :
- ما ادراني إن كنت ستبقى معي أنت كذلك، أم سترحل كما فعل الجميع ؟!
صمتت ثواني ثم ألقت بالجملة التي تسبب في تدمير المتبقى من ثبات المعتصم :
_ سيأتي يوم وتتركني كما الجميع، لذا ربما يمكنني اعتياد الوحدة منذ الآن.
ختمت جملتها تتحرك من مكانها بهدوء شديد تنفض ثيابها مبتعدة عنه تحت نظرات الأخير والذي كان ما يزال ينظر لمكانها بصدمة وكأنه ما يزال يتلمس أثرها به، أما عن فاطمة فتحركت بعيدًا عنه توجه أبصارها ونيتها صوب باب القصر وهي تردد بصوت منخفض :
_ أنا سأعود للمنزل لأنام بأحضان أمي ككل ليلة، ربما نلتقى في الغد يا المعتصم .
سقطت دمعة من المعتصم وهو يشعر بقلبه يتحول لفتات بسبب كلماتها، ينهض عن مكانه متحركًا صوبها وهو يتحدث بسرعة ولهفة :
_ فاطمة توقفي إلى أين ؟؟ لا يمكنك ...لا يمكنك الرحيل و...
لكن فاطمة لم تتوقف حتى لتسمع كلماته، تتحرك دون أن تعطي اهتمام لما يحدث حولها وعقلها يحثها على إكمال طريقها صوب والدتها تنام بين أحضانها طوال الليل وهي تقرأ عليها بعض الآيات .
كانت تتحرك وهي تبتسم بسمة صغيرة لتلك الأفكار، بينما الدموع تهبط من عيونها بقوة وكأن قلبها ما يزال يعيش بوردية وهم رسمه قديمًا ليتجاوز كل ما ناله من أوجاع، بينما العقل ما يزال سجين جحيم الوعي، تبتسم لذكريات يطرحها قلبها، ويدرك حقيقتها عقلها .
كل ذلك تحت عيون المعتصم والذي راقبها متسع الأعين مصدوم مما يحدث، يتحرك صوبها بسرعة كبيرة وهو يتوقف أمامها يقطع طريقها :
_ توقفي، لا يمكنك الرحيل بهذا الشكل، أنتِ .... ألا... ألا تريدين رؤية صديقتك ؟! سلمى ...نعم هي مريضة للغاية وتحتاجك معها .
نظرت له فاطمة ثواني دون وعي وكأن الكلمات لم تكن تصل لعقلها بسهولة، أما عن المعتصم فكان التصميم يعلو عيونه وهو مقررًا ألا يدعها ترحل بهذا الشكل .
والأخيرة كان الاصرار داخل صدرها ينافس إصرار المعتصم، ترفض البقاء ثانية وحيدة وترك والدتها وحيدة في المنزل، خاصة مع تلك الرغبة الملحة من جسدها بضمها .
_ ابتعد يا المعتصم دعني اعود للمنزل، لا يمكنك فعل ذلك .
نظر لها المعتصم بإصرار مرعب يهتف بقوة :
_ بلى يمكنني فعل أكثر من هذا فاطمة، فقط حاولي تجاوزي والخروج من هنا.
نظرت له فاطمة بملامح غير مفسرة لا تفهم ما يفعل :
_ أنت... ألم... ألم تخبرني أن نضع حدود بيننا ؟! إذن دعني وشأني فلا اعتقد أن بقائي أو رحيلي من ضمن حدودك التي فرضتها يا المعتصم .
التمعت أعين المعتصم بقوة يقترب منها خطوة هامسًا بصوت حاد :
_ تلك الحدود التي طالبتك بوضعها سابقًا سأعمل على إزالتها فلا يصبح بيني وبينك ما يحيل، وعداها فلعنة الله على أي حدود قد تكون عائقًا بيني وبينك، والله إن مثلت تلك الحدود سدًا بيننا لحطمتها أسفل أقدامي وتجاوزتها صوبك فاطمة، فلا تبعديني وأنا اطالبك بالوصال .
نظرت له بعدم فهم ليهتف بلوعة وكل مشاعره من حب وخوف وقلق عليها تجمعوا داخل صدره في هذه اللحظة :
تزوجيني ...تزوجيني فاطمة وارفقي بي ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أيها الحمقى، حفنة من الاغبياء تبًا لكم أجمعين، أين اختفت المرأة ؟! أين اختفت تركتها بينكم لتهرب بهذه السهولة ؟! أين حراس الحدود، أين الرجال الذين تركتهم لمراقبتها ؟؟
وكانت تلك هي الأسئلة التي نطق بها أنمار بعدما حطم تقريبًا نصف الغرفة التي يقف بها، وقد وصله منذ الصباح خبر اختفاء الثلاثي توبة ونزار ونازين الغريب ليتعجب علاقة نازين بهما .
فجأة اشتد احمرار وجهه وهو يسمع صوت أحد الرجال يردد بجدية :
_ سيدي لقد جئنا بالطبيب .
استدار أنمار بسرعة مرعبة صوب الباب ينظر له بلهفة تكاد تتسبب في خروج عيونه عن وجهه يراقب الباب الذي دخل منه نزار مبتل الخصلات مشرق الوجه وقد انتهى لتوه من حمام سريع .
كان الرجل يمسك مرفقه وهو يقوده للداخل لينتزع منه نزار يده وهو ينفض مكان كفه بضيق :
- يا بني للتو استحممت، الآن سأضطر للأستحمام مجددًا .
فجأة وقبل أن يضيف كلمة على كلماته وجد جسده يصطدم بالجدار خلفه وابصر أمامه أنمار وهو يصرخ بجنون :
- أين هي ؟! تحدث وإلا تخلصت منك، ولا تفكر في الكذب لأنني سأ....
وقبل أن يكمل جملته أبعده نزار عنه بضيق يهتف بسخرية :
- الآن سأضطر لحرق ثيابي بالكامل فلا حاجة لي بها بعدما لوثتها أنت، ثم عمن تتحدث !! هل اضعت شيء وجئت تسألني عنه ؟؟
رفع أنمار حاجبه بغضب شديد :
_ هل تلاعبني نزار ؟؟
_ لا تقلق أنمار حالتي لم تفسد لدرجة أن الاعب وسخًا مثلك والوث نفسي بالتعامل معه .
- نــــــــــــــــــــــــــزار .
توقف نزار عن التحدث بعدما شعر أنه وصل بأعصاب أنمار صوب الحافة بالفعل ولم يستطع التقدم خطوة إضافية في الوقت الحالي على الأقل.
_ أين هي تلك الحقيرة توبة ؟؟ اعلم جيدًا أنك أنت من ساعدها لتهرب من هنا، لذا لتوفر الأمر عليّ وعلى نفسك وعليها لأنني سأجدها وحينها صدقني الأمر لن يعجب أحدهم، أين هي ؟!
_ في مشكى .
وبهذه الكلمات اوقف نزار سيل كلمات أنمار والذي اتسعت عيونه بقوة، ليكمل الاخير ببسمة هادئة مستفزة :
_ هي في مشكى، يمكنك الذهاب لها ومحاولة إخراجها، اعتقد أن مشكى قريبة للغاية من المكان هنا، لذا اذهب وحاول إخراجها من هناك .
تنفس أنمار بصوت مرتفع بينما نزار ردد بهدوء مستفز :
_ في الوقت الذي تقف به امامي الآن تصرخ وتبكي وتتذمر، أصبحت هي داخل سلطة أرسلان وبين جدران مشكى، لذا إن أردت يمكنك الذهاب هناك وإخراجها بنفسك .
اغمض أنمار عيونه بقوة وهو يتنفس بصوت مسموع للجميع، قبل أن يفتحها بالقوة وهو ينظر لرجاله بأخذه بعيدًا عنه وعالمه بالكامل أصبح اسودًا بينما نزار تحرك بكل هدوء مبتسمًا وقد نال النظرة التي كان ينتظرها منذ أيام طوال، نظر صوب أنمار نظرة أخيرة قبل خروجه من الغرفة :
_ هذه كانت البداية عزيزي أنمار.....
ــــــــــــــــــــــــــ
تجلس بهدوء شديد على أحد المقاعد تدور بعيونها في المكان وكأنها تتلمس طيف حلم قديم، تتلمس نفسها التواقة قديمًا، تتلمس المرأة التي كانت عليها حينما كانت تشتاق للحظة تتويجها ملكة لمشكى، ليس لمنصبًا تناله بقدر مكانة تشتاقها داخل قلب ملك مشكى .
ابتسمت تشعر بأن ذلك الحلم أصبح باهتًا للغاية، ما عاشت عمرًا تحلم به، أضحت الآن لا يمثل لها سوى رماد ذكريات لا قيمة له مقابل ما تعرضت له .
_ هل أنتِ بخير ؟!
حركت توبة عيونها صوب نازين والتي كانت تجلس جوارها تراقب ردات فعلها عن قرب وكأنها تدرسها بتركيز طالب على وشك خوض امتحانه النهائي .
_ أنا من يحق له سؤالك هذا السؤال، هل أنتِ بخير !! منذ جئتي وأنتِ هادئة بشكل مريب، ليس وكأنكِ جئتي كارهة محملة على الأكتاف هنا .
ابتسمت لها بسمة لا معنى تهمس بصوت منخفض :
_ لا أحد يكره العودة لوطنه بعد غياب شهور عديدة سمو الأميرة .
حدقت بها توبة بعدم فهم ثواني قبل أن تهتف :
_ أنتِ من سكان مشكى ؟؟
هزت لها نازين رأسها وقد غامت عيونها بذكريات عديدة لم تبح بها لتوبة التي تقلبت على نيران فضولها في هذه اللحظة تنتظر أن تفيض لها نازين بالمزيد، لكن الأخيرة فقط صمتت ترفض أن تطأ ذلك الجزء من ذكرياتها، ليس الآن وهي في العراء بعيدة عن أربع جدران تواري بهم حزنها .
صمتت واحترمت توبة صمتها ولم تبح بكلمة واحدة، بل فقط انتظرت حتى تأتيها أي إشارة من الملك توحي بقدومه، شاردة في ذلك البعيد الذي أنقذها وعاد بأقدامه لهلاكه، تنفست بصوت منزعج وهي تمسح وجهها وكأنها بذلك تحاول إزالة كل نظرة قلق تنطق بها عيونها تجاه هذا الرجل وما سيلاقيه.
_ لو أنه فقط بقي هنا معي لكان ...
صمتت وتوقفت أفكارها الهامسة تستنكر مسار تفكيرها الغريب عليها، رافضة أن تتحرك بأفكارها صوب ذلك الجزء الخاص به .
غافلة عن تلك المرأة التي كانت جوارها تغوص داخل ذكريات بعيدة بعد المشرق والمغرب، زوج حنون هادئ وبسيط، منزل صغير دافئ صغار اشقياء ومن ثم ...لا شيء، صوت صفير قوي دمر كل شيء وهي تبصر كامل عائلتها يُقتلون أمام عيونها قبل أن تُختطف هي كسبية لا قيمة لها.
ولم تدري تلك التي تحيا بين ذكرياتها أن دموعها بدأت تهبط دون شعور، حبست حزنها داخل صدرها ولم تبكي يومًا منذ أبصرت دمار عائلتها وجثثهم أمامها، لم تبكي يومًا ولن تفعل قبل أن تنال قصاصًا عادلًا في الدنيا ومن ثم يمكنها اللحاق بهم لتناله في الآخرة كذلك .
_ نازين أنتِ بخير ؟؟
استدارت لها نازين بهدوء شديد، تهز رأسها هزة صغيرة، ثم نظرت أمامها بهدوء اكبر دون أن تنطق بكلمة وقد أثار تصرفها هذا ريبة توبة والتي كانت تشعر بالقلق مما ترى على ملامح تلك المرأة جوارها، ترى ظلمات وشر يلتمع بشكل مرعب .
نهضت عن مكانها تتحرك بهدوء شديد بعيدًا عنها تهتف بصوت منخفض :
- سوف أذهب لأعلم سبب تأخر الملك .
ولم تكد تتحرك حتى أبصرت بعض الجنود يدخلون المكان مخفضين رؤوسهم باحترام شديد :
_ سمو الأميرة نعتذر عن تأخر الملك، لقد أرسلنا أحدهم يعلمه بوجودك إذ أنه حتى الآن لم يعلم بوجودك، وإلا لكان جاء على وجه السرعة، هو فقط يواجه بعض المشاكل الآن، لذا وحتى ينتهي مما يحدث، اقترح أن تذهبوا للراحة في الغرف التي خصصتها لكم، وبمجرد أن يعلم الملك بوجودك هو بنفسه سيأتي ليرحب بسموك الترحيب الذي يليق بكِ داخل مشكى .
نظرت له توبة بتعجب، فقد كان الرجل متحدثًا بارعًا، على عكس الجنود المعروفين والذين كانوا يتحدثون بالأسلحة فقط، لكنها لم تتناقش بكلمة واحدة، بل فقط تحركت بنظراتها صوب نازين والتي كانت في أشد الحاجة لأخذ راحة بالفعل لذا وافقت دون تفكير :
_ نعم ارجوك ..
ابتسم لها الجندي والذي كان نفسه تيّم، كان يعلم جيدًا كيف يتصرف بحكمة ويحرك الأمور بذكاء، فحينما أخبره بعض الجنود بوجود أميرة سبز هنا لم يصدق واصابته صاعقة فهو على دراية بالفعل باختفائها بشكل غامض، وحينما ذهب لإعلام الملك وجد الأمور محتدمة بينه وبين الشيخ في المشفى، فابتعد بكل هدوء وجاء بنفسه يؤجل ذلك اللقاء بقدر استطاعته حتى يتفرغ الملك .
أشار ببسمة ودية صوب بوابة يتابعها تتحرك، قبل أن يبصر امرأة أخرى تسير خلفها بملامح جميلة رغم نظرات الجمود التي تعلو وجهها، نظر لها شاردًا ثواني قبل أن يبعد عيونه بسرعة متحدثًا بهدوء :
_ إحدى العاملات تنتظركما على باب القاعة لتدلكما على الغرفة، أنرتم مشكى سمو الأميرة.
هزت له توبة رأسها باحترام وبسمة صغيرة تتحرك خطوات صغيرة صوب الخارج، في حين أن تتزين تبعتها بخطوات شبه واسعة تحت أعين تيّم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأ الخبر ينتشر بين الجميع، حتى أضحى أغلبية سكان القصر يدركون جيدًا ما يحدث مع ضيفتهم الجديدة من عالم المفسدين، لكن الأغلبية منهم لم يهتم واوقف الخبر عنده ولم يتحدث بما يمس شرف امرأة، إلا بعض المندسين وسطهم والذين كانت هذه هي وظيفتهم .
أخذ الخبر يتحرك بين الجميع حتى وصل لها، وصل لنجوم التي انتفضت برعب مما سمعت.
شعرت بالمكان يدور حولها وهي لا تدرك ما يحدث، هل كان الدواء الذي تضعه في المشروب لها السبب بأي شكل من الأشكال فيما تسمعه الآن!!
والإجابة كانت واضحة لها .
لقد شاركتي بكل بساطة في تلويث شرف امرأة نجوم فاستعدي لعقاب ربك .
انتفض جسد الأخيرة وهي تخرج من المطبخ بسرعة دون كلمة واحدة تتحرك بين الطرقات وقد التمعت عيونها بشر، هي كانت تدرك أن ذلك ليس دواءً يسبب بعض الاوجاع، لكن ماذا كانت تمتلك لتفعل وهي مقيدة بتهديدات سراي؟! كانت تدرك أن ذلك اكبر من مجرد دواء يسبب اوجاع، لذا توقفت عن وضعه لها منذ البارحة، لتستيقظ وتبصر أن صحوة ضميرها كانت متأخرة فقد سقطت المرأة في فخ أعدته سراي بذكاء تتعجبه منها .
خرجت من القصر تشد الوشاح حول وجهها بغضب الكون مجتمع داخلها، تتحرك صوب منزل سراي وقد على التصميم عيونها لتدرك ما خططت له تلك الحرباء وكشفه، حتى لو عني ذلك قطع يديها، بل ورأسها...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسمته التي ارتسمت في تلك اللحظة كانت نفسها البسمة التي ترتسم على فمه قبل اقتلاع رأس أحدهم وكأنه يرفض أن يقتل عدوه دون أن تكون بسمته آخر ما يبصر من الحياة، والآن هذا الشيخ المسكين والذي أبصر بسمته تراجع خطوات للخلف خوفًا أن تكون رأسه هي التالية .
لكن أرسلان محى بسمته بسرعة كبيرة يردد بهدوء :
_ لن تتلوث يدي بدماء مسلم، فما بالك بشيخ كبير يمثل والدًا لي يا عم، هذه النظرة لا يجب أن تعلو وجهك وأنت تتحدث معي .
صمت ثواني ثم رفع عيونه ودون إرادته غطت نظرة سوداء عيونه وهو يتحدث وقد عاد لحديثهم الأساسي :
_ تود أن أجعل المرأة بالداخل تقف بين الجميع موضع المذنبة في مثل هكذا تهمة ؟! هل تمزح معي يا عم؟! ثم منذ متى كانت قضايا الزنا يُحكم بها على مسامع الجميع في المحاكمة ؟؟
_ منذ بدأ الجميع يتكلم عنها وقد انتشر الأمر كالنار في الهشيم، يا بني أنا لست ضدك، أنا فقط احاول إنقاذ سمعة المرأة التي تلوكها السنة البعض عديمي الشرف .
تبع حديث الشيخ صوت همسات وصلت مرتعبة مصدومة من الخلف :
_ سُمعة من ؟؟ ما الذي تتحدثون عنه ؟! هل هذا الحديث عني ؟!
تحدث الشيخ وكأنه لم يسمع همساتها :
_ كما أن الطبيبة تشك بحملها لطفل وهذا لا يحسن الوضع البتة .
رمشت سلمى تتحسس معدتها بصدمة تهتف بصوت ارتفع بجنون يرن في المكان :
_ احمل ماذا ؟!
اغمض أرسلان عيونه بغضب وهو يسمع صوتها وقد صدح من الخلف بعدما استيقظت فجأة تبصر مكانًا غريبًا عليها، وحينما قررت الخروج منه شعرت بدوار عنيف يضرب رأسها، لكنها تحاملت على نفسها حتى خرجت لتسمع كلمات الشيخ التي اصطدمت بأذنها واصابتها بالتعجب .
حركت عيونها صوب أرسلان والذي أبعد عيونه عنها دون كلمة واحدة يرفض حتى النظر لها، بينما الشيخ نظر لأرسلان ثواني وقد رفض الأخير الفكرة بكل جوارحه، لكن ما يحدث في الخارج لا يمكنه احتوائه هذه المرة بصمت وتمريره .
رفع عيونه ينظر لها حين نطق الشيخ بكل حذر :
_ كل ليلة كان هناك رجل غريب يخرج من غرفتك، هل يمكنك اخبارنا سبب تواجده هناك ؟!
اتسعت عيون سلمى بصدمة كبيرة، تهمس دون وعي :
_ كل ليلة ؟؟ هل تمزح أنت ؟! هل تحاول أن تتهمني بما لم أفعل ؟؟ أنا يومًا لم استقبل رجلًا غريبًا في غرفتي و....
فجأة توقفت عن الحديث وهي تشعر بذاكرتها تنتعش فجأة وقد عادت لها ذكرى الامس لذلك الرجل المريب :
_ البارحة، نعم البارحة كان هناك رجل و...
صمتت ولم يكن صمتها الان يساعد أرسلان على التفكير بعقلانية إذ بدأ جسده ينتفض ويشتعل والجحيم يفتح أبوابه أمام عيونه يهتف من أسفل أسنانه :
_ كان هناك رجل ؟؟ ماذا تقصدين بهناك هذه آنستي ؟!
كانت سلمى تنظر أمامها بأعين شاردة تحاول تذكر تفاصيل تلك المقابلة التي تبدو لها في هذه اللحظة ضبابية، لا تدرك كيف بدأت وكيف انتهت لكنها تدرك ما حدث بها :
_ في غرفتي ..
وتلك الكلمة الشاردة التي خرجت منها كانت سببًا في خروج لعنة من فم أرسلان وهو يزيح خصلاته بعنف يشعر برغبة عارمة في تحطيم عظام أحدهم وقد كان ذلك الرجل الذي تتحدث عنه افضل خيار متاح في الوقت الحالي .
_ في غرفتك ؟؟ يفعل ماذا في غرفتك ؟! كيف تجرأ ودخل غرفتك، كيف سمح له هؤلاء الـ ..
صمت يكبت سبة كادت تخرج منه، يحاول أن يجاهد نفسه ويصبر حتى لا يخفيها، بينما هي تراجعت للخلف تهتف بسرعة وقد علمت أنها الآن في موضع اتهام في أعين الجميع أمامها، غافلة عن أن سبب غضب أرسلان من الأساس ليس شكه بأنها قد فعلت شيء خاطئ، بل لشدة غيظه من دخول رجل غرفتها والتي حرمها على جميع الرجال بمن فيهم نفسه ..
_ لقد ...لا اعلم ما الذي كان يريده، لقد اقتحمها فجأة دون مقدمات دون أن يقدم على اذيتي، حاولت إخراجه و...لقد ....حاولت أن اضربه لكن فجأة لم أشعر بشيء بعدها و....لا أتذكر ما حدث .
اشتعلت عيون أرسلان أكثر وهو يشعر بالدماء تكاد تفور داخل أوردته وفد على الغضب أكثر وجهه .
ليرتفع صوت الشيخ ويزيد من الطين بلة وهو يهتف بهدوء شديد يراعي غضب أرسلان الواضح في هذه اللحظة :
_يجب عليكِ المحاولة والتذكر فربما يكون ذلك سبب نجاتك .
رددت بكل بلاهة كلماته دون أن تفهم أبعادها، وجوال سنوات عمرها لم تكن تتخيل أن تتعرض لمثل تلك الأحداث كلها :
_ سبب نجاتي ؟؟ لا افهم مقصدك يا شيخ .
نظر الشيخ صوب أرسلان ثواني والاخير يقف محمر الوجه مشتعل الغضب دون أي كلمة من طرفه :
_ أنتِ مطالبة بالوقوف أمام المحاكمة والدفاع عن نفسك أمام الجميع وإثبات براءتك من التهم التي تكال لكِ .
صمت وهو يرى ردة فعلها على كلماته وقد علت نظرة عدم تصديق عيونها وابتسمت بسمة مصدومة :
- تهم تكال لي ؟؟ هل تمزح معي ؟! ثم أي محاكمة هذه ؟؟ قوانين مملكتك لا تسري عليّ، أنا لم آت هنا لأعيش مثل هذه الصراعات ومثل هذه التراهات، بل وأُجبر على الوقوف أمام الجموع ادافع عن نفسي وامحو عنها تهم لا أعلم ما هي حتى ؟! أي حياة تطالبوني بعيشها الآن ؟!
كانت كلماتها حادة وقد طفح كيلها مما يحدث حولها، ملت ويأست من محاولات عديدة للتأقلم، كلما ظنت أنها وصلت لشاطئ الامان، شعرت بموجة هادرة تجذبها تعيدها صوب العمق مجددًا .
تحركت بعيونها صوب أرسلان تنظر له وهي تتحدث وقد كان هو أملها الاخير في هذه اللحظة، وداخل أعماقها تدرك أن أرسلان هو سبب رئيسي لبقائها هنا، لتمسكها بحياة لم ترغبها يومًا ولا تعتقد أنها ستتأقلم عليها .
الرجل الوحيد الذي استطاع أن يصنع له مكانة لا تجد لها تصنيفًا داخلها :
_ أرسلان...
وكانت هذه حافة صبره إذ جعل نطقها باسمه جسده يهتز بقوة وهو يرفض حتى النظر لها، ليس في هذه اللحظة وهو في أوج غضبه وفورة مشاعره تجاهها، ليس وهو يدرك أن هناك من استحل لنفسه أن يبصر المرأة التي كان يجلد ذاته للنظر لها نظرات صغيرة .
وسلمى لأول مرة تفشل في قراءة تعابيره وهي تنظر له لحزن شديد تهمس بصوت مجروح :
_ هل تصدق أنني قد ارتكب شيء كهذا قد يضر بسمعتي ؟؟ استضيف رجلًا في غرفتي ليلًا واختلي به ..
كانت مجرد كلمات وافتراضات لكنها تسببت في ازدياد جنون أرسلان وهو يهمس بنبرة سوداوية :
_ صفي لي شكله .
نظرت له بصدمة تحسبه قد صدق ما قيل عنها :
_ ما الذي ....
_ فقط أخبريني كيف يبدو ذلك الـ
صمت وقد رفض أن يظهر جانبه القذر السوداوي أمامها، يجاهد نفسه للمرة الثانية، يحاول أن يتحلى ببعض الصبر الذي لا يمتلك حتى ذرة منه .
بينما هي ابتسمت بعدم تصديق، تنظر له دون رد، والشيخ جوارهما يراقب ما يحدث :
_ هذا لمصلحتك يا ابنتي، نحن هنا لا نتهمك بشيء، نحن هنا فقط نحاول تبرأة ساحتك، الجميع أضحى يتحدث عما يحدث، لذا وجب علينا إنهاء الأمر على مرأى ومسمع منهم ليعلم كلٌ أنكِ ما كان لكِ أن ترتكبي يومًا شيئًا كهذا .
كان يتحدث بشفقة وهو يبصر ملامح الفتاة والتي شعر من نظراتها الصدق وأنها ليست من ذلك النوع الذي قد يبيع شرفه يومًا .
أما عن سلمى فقد استحكمت غصة حلقها وهي تكتم بصعوبة كبيرة كلماتها التي كادت تغادر فمها، كلمات ابتلعتها ليتردد صداها داخل عقلها هي " وما نفع أن يعلم الجميع ببرائتي وقد أنكرها الشخص الوحيد الذي اهتم بأن يعلم "
أبعدت عيونها عنه وهي تهتف بصوت منخفض :
_ أفعل ما تراه صحيحًا فما عاد لي مكانًا هنا يا عم ...
ختمت حديثها تبتعد عن المكان بأكمله، وكم كان أرسلان شاكرًا لها صنيعها ذلك، فقد بلغ ذروة صبره وهو يتحرك بخطوات هادئة لا توحي بما يضمر يتحدث بنبرة جامدة محايدة لا تعبر عما يخفي :
_ اجمع الكل يا عم في القاعة، كل انسان يعلم بما يحدث أو تحدث بكلمة واحدة اجمعهم، احضر الجميع ريثما أحضر أنا ذلك الرجل .
ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسد أرسلان من مرأى الرجل تاركًا الشيخ يقف في مكانه مصدومًا من ردة فعله الهادئة، ورغم ذلك هز رأسه بكل بساطة يتحرك خارج المشفى ليتدبر الأمر بأكمله وهو يدعو بالصلاح للأثنين وقد أبصر داخل أعماقهم مشاعر مكبوتة تنتظر فرصتها للخروج .
ومن نظرات أرسلان أدرك، بل أيقن أن تلك المرأة تعني له أكثر مما يعلم أرسلان نفسه .
الملك يهيم عشقًا بالغريبة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أقدامها وتوقف كل شيء حولها وهي تنظر في وجه المعتصم بصدمة كبيرة، بينما الأخير نفسه ينظر لها بنفس الصدمة وكأنه صُدم مثلها بكلماته تلك، كان الأمر صدمة له أن ينطق لسانه بهذه الكلمات في هذه اللحظة تحديدًا، لكن هل يتراجع ؟؟ لا والله لن يفعل ولو كان على حد السيف .
_ إذن...ما رأيك فاطمة؟!
_ رأيي بماذا ؟؟
_ تصبحين زوجتي فاطمة ؟! هل توافقين على الأمر؟؟
وفاطمة نست ما كانت تتحدث به منذ ثواني وتلاشت ذاكرتها الضعيفة ما عاشته منذ لحظات تردد بكل هدوء وتعجب :
_ أنت تريد الزواج بي أنا ؟؟ هل يمكن حدوث ذلك حتى ؟!
اتسعت عيون المعتصم بعدم فهم لتلك الجملة التي نطقت بها :
_ وما الذي يمنع حدوث هذا فاطمة !! هل هناك ما يدعوكِ لرفضي؟ شيء بشخصي مثلًا ؟؟
وبكل تشتت نطقت كلمات لا تعنيها بمعناها السطحي لقد ما تعني الكثير من خلفها :
_ أنت المعتصم .
وكان دوره في هذه اللحظة لتعلو البلاهة ملامحه، هذا كان أكثر الأسباب غرابة ليُرفض من قبل امرأة، ترفضه لأنه المعتصم ؟!
_ لا افهمكِ فاطمة، هل ترفضينني الآن لأنني المعتصم ؟! هل اسمي هو ما يدفعك لرفضي ؟؟
صمت ثواني يبتسم لها بسمة صغيرة حنونة :
_ اغيره لأجلك إذن، أو إن كان ثقيلًا على لسانك، يمكنكِ مناداتي معتصم فقط لن أمانع البتة .
ونعم هذا هو نفسه المعتصم الذي كاد يحطم عظام زيان ذات ليلة حينما أخطأ وناداه معتصم فقط دون أن يضع أداة التعريف قبيل أحرف اسمه، الآن يتنازل عن التعريف وكان على أتم الاستعداد للتنازل عن اسمه بالكامل لأجل تلك الصغيرة التي تقف هناك على بعد خطوات تحدق فيه بصدمة متسعة الأعين.
نفت برأسها بسرعة وهي تحاول توضيح ما تقصده، والذي كان يعلمه المعتصم جيدًا، لكن يحاول أن يبعدها ويبعد أفكارها عن تلك المنطقة التي لا تعينه .
_ ليس هذا ما قصدته، أنا فقط قصدت أنه، أنا فقط أريد.... أنت هنا قائد وأنا... أنا.... أنا حتى لا اعلم تصنيفًا لي في هذا المكان يا المعتصم.
تحدثت آخر كلماتها بعجز كبير جعله يهتف بسرعة دون تفكير :
_ يمكنكِ أن تكوني زوجتي هذا كافي لي فاطمة، فقط قولي نعم ولكِ عليّ عهدًا أن أحضر لكِ العالم بما فيه .
حدقت فيه فاطمة بعجز وقد كاد قلبها يتوقف، الرجل الذي كان رفيقًا لأحلامها وبطلًا لواقعها يترجاها أن تصبح زوجته، ربما هذه مجرد اوهام من عقلها ليس إلا.
وقبل أن تجيبه بكلمة سمعت صوته يردد وهو يشير صوب مبنى المشفى :
_ هيا ...لنعد إلى غرفتك وارتاحي وفكري في حديثي وهذي كامل الوقت لكِ، لا تضغطي على نفسك بالأمر حسنًا ؟! انتظرك العمر وأكثر فاطمة .
سقطت دمعة فاطمة وهي تحدق بالجهة التي يشير لها وقد على التوتر ملامحها لا تدري ما يجب أن تفكر به في هذه اللحظة، لذا كل ما تمكنت من قوله هو :
_ أنا فقط أريد أمي، أريدها أن تكون معي يا المعتصم الان.
اغمض المعتصم عيونه بقوة وتعب شديد وهو يشعر بقدرته على التماسك تتحطم على وقع كلماتها، ابتلع ريقه يفكر بالذهاب ورؤية سلمى لربما استطاعت المساعدة، لكن فجأة تذكر ما حدث معها أو بالأحرى ما يحدث معها .
والله الرحيم بعباده ارسل له ما كان يفكر به منذ ثواني على هيئة امرأة تتحرك بغضب ساحق وكبرياء مشتعل خارج المشفى التي يقف في حقيقتها في بأعين تطلق تحذيرات للجميع ألا يقتربون منها، لكن المعتصم كان على استعداد ليلقي نفسه بالجحيم في هذه اللحظة لأجل فاطمة وليس فقط التحدث مع امرأة بشراسة سلمى أثناء غضبها .
وعند سلمى خرجت من المشفى تدهس الأرض أسفها بعنف شديد تكاد تفتت الصخور الصلبة بخطواتها، ونيران تشتعل داخل رأسها والجحيم يلتمع أمام عيونها ومن بين كل ذلك سمعت نداء باسمها جعلها تتوقف بتحفز شديد وملامح شبه جامدة تبصر المعتصم يهرول صوبها يتحدث برجاء :
_ صباح الخير، أنا احتاج مساعدتك رجاءً.
نظرت له بعدم فهم ليشير بيده صوب فاطمة يتحدث بصوت منخفض :
- رجاءً ساعديني، هي ...تحتاج والدتها في هذه اللحظة .
نظرت له سلمى بعدم فهم وكادت تخبره أن يذهب إذن ويحضر والدتها، لكن فجأة توقفت الكلمات على طرف فمها وهي تسمعه يردد بصوت مذبوح :
_ ولا يمكنني فعل ذلك وقد وارتها الرمال بالفعل .
توقف قلب سلمى فجأة وهي تنظر صوب فاطمة التي تقف في المكان تنظر حوا نفسها كالطفلة الصغيرة التي ضلت طريق العودة لمنزلها :
_ كيف ذلك ؟! ومتى حدث كل هذا و...
_ الأمر طويل، بالطبع سأخبرك به فأنتِ من سيعالجها، لكن الآن ارجوكِ اقنعيها بالعودة للمشفى فهي ما تزال مريضة تحتاج للرعاية .
نظرت له سلمى ثواني ولم تكد تتحدث حتى أبصرت بطرف عيونها جسد أرسلان يندفع من باب المشفى في طريقه ليتوقف فجأة حين ابصرها تقف مع المعتصم، هزت رأسها بهدوء، ثم تحركت صوب فاطمة وقد أخذ الأمر منها دقائق قليلة قبل أن تتحرك مع فاطمة صوب المشفى مجددًا تمر بأرسلان الذي كان يراقبها بأعين مهتمة، لكن هي تجاهلته بكل بساطة، مما جعل غضبه يزداد وهو يكمل طريقه بنفس ملامح الغضب التي كانت تعلو وجهه أسفل نظرات المعتصم والذي لم يكن يفهم ما يحدث في هذه اللحظة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذن ما الذي ستفعله لنزار ؟!
لم يتحرك أنمار مقدار خطوة حتى أو يحرك إصبعه، يتجاهل سؤال الوليد وهو يقفز لنقطة أخرى :
- هل نفذت ما طلبته منك يا الوليد ؟؟
استاء الوليد من تغيير أنمار للحوار كيفما شاء كل ثانية، يشعر أنه لا ينتوي الخير أبدًا لنزار، وهذا ما لا يريد أن يصل له، هو وحين احضر نزار هنا كان لحمايته من هلاك وإعطائه فرصة ايجاد أعوان جدد له، لكن نزار بعناده وقيمه القديمة تسبب في هلاك آخر وشيك له .
_ نعم لقد انتهينا من الأمر واليوم ستُعرض الفتاة على المحاكمة بتهمة الزنا مع الرجل الذي زرعناه هناك، لكنني حتى الآن لم التقط غرضك من كل ما تفعله الآن.
ابتسم له أنمار بسمة صغيرة يجيب بكل هدوء :
_ وهذا هو الفرق بيننا عزيزي الوليد، أنك لا تبصر مصلحتك المختبأة في بعض الفرص، تلك الفتاة بالإضافة لكونها جميلة ستصلح للجحر خاصة بعد اختفاء الحقيرة نازين، إلا أنها نقطة ضعف واضحة لأرسلان ستشتته بما يحدث معها ريثما ننتهي مما نريد .
اشتعلت عيون الوليد والتمعت بقوة وهو يهمس :
_ حدود مشكى؟!
_ نعم يا عزيزي، الجزء الاول من خارطة مملكتنا الجديدة بدأ يُنفذ على أرض الوقع، والكل آتٍ دوره، البارحة سبز والأن مشكى وغدًا آبى، وفي النهاية ستكون سفيد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ اعتقد أن حديثي واضح، أحضروا لي ذلك الــ
صمت بغضب وهو يضرب المقعد بقدمه صارخًا بجنون :
_ أحضروا لي نزار ولو كان تحت الارض السابعة.
هز قائد الجيوش رأسه وهو يخفضها باحترام :
_ كلماتك أوامر جلالة الملك، نحن سنكثف البحث ونحاول إيجاد...
_ ليس نحاول بل ستفعلون، ستجدون ولدي العزيز أيًا كان مكانه، سمعتني ؟؟
نظر له الرجل بعجز فأين سيبحث عن الأمير الهارب من العقاب؟! وفي أي مكان سيجده بعدما فلت بحياته من ميتة وشيكة ؟!
لكن رغم كل أفكاره والمنطقية التي تدور بعقله إلا أنه أومأ بإيجاب يقول بهدوء وطاعة كبيرة :
_ سنقلب الأربعة ممالك رأسًا على عقب ونجده مولاي .
ومن بعد تلك الكلمات تلاشى الرجل من أمام أعين آزار قبل أن يوكل له مهمة أخرى أشد صعوبة أو ما شابه، تاركًا الأخير ينظر أمامه بنظرات شبه محترقة :
- والله إن صدق حديث ذلك الوسخ عديم الرجولة أنمار وفعلت ما أخبرني به نزار ليكون مقتلك هو أقصى ما تتمناه في هذه الحياة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل ممرات مبنى الغرف وهو يبحث بعيونه عمن يمكن أن يساعده حتى أبصر الرجل الذي أخبره ما يحدث نساء البارحة ليتحرك صوبه بسرعة كبيرة وتصميم يلتمع في عيونه يهتف له بهدوء شديد :
_ أحضر لي جميع الرجال الذين يحرسون المكان ليلًا .
نظر له الرجل بعدم فهم، ليتحرك أرسلان دون كلمة إضافية وهو يخطو صوب غرفته يكرر حديثه السابق :
_ الجميع ولا استثني منكم أحدًا، الجميع يأتي لغرفتي من شاهد ومن لم يفعل سيأتي .
وقبل أن يخطو خطوة إضافية قاطع طريقه أحد المستشارين الذي ظهر له من العدم يكرر بسرعة :
_ مولاي جيد أنني وجدتك، بحثت عنك منذ الصباح لأجل ما يحدث و....
_ إن كان الأمر يستحق الانتظار فلتفعل رجاءً لحين انتهى مما افعل الآن و...
_ الأمر متعلق بالأخبار الخاصة بجلالة الملكة، يجب وضع حد لما يحدث مولاي، الجميع يتحدث و....
فجأة توقف عن الحديث حين أبصر نظرات أرسلان الذي فاض به الكيل وهو يصرخ بصوت مرتفع هز جدران المكان حتى كاد قاطني المبنى يخشون سقوطها أعلى رؤوسهم :
_ البلاد في حالة حرب والدمار يعم الطرقات، والخراب قاب قوسين أو أدنى منا، والحياة تلقي بمصائبها تباعًا لنا، ورغم ذلك أرى الجميع متفرغين للقيل والقال؟؟
صمت يتنفس بعنف وقد تعجب تصرفات العاملين بالقصر مما يحدث ويدور حوله :
_ ما بالكم منذ متى ونحن نتصرف بهذه الطريقة، متى أصبحتم عونًا للشيطان ؟؟
صمت وقد شعر بصدق تخمينه القديم الآن، من يحدث هذه البلبلة لا يُعقل أنهم من أفراد شعبه، الخطة مدروسة بدقة لا متناهية، الإيقاع بسلمى ومن ثم نشر الأخبار بسرعة مريبة وقد كان من المفترض ألا تخرج الاخبار عن رجال الحراسة كما علم من قائدهم بالأمس، إذن ماذا حدث ؟!
نظر صوب مستشاره وهو يهتف بقوة يتحرك بين الطرقات صوب غرفته :
_ إذن احضر الجميع الذين يتحدثون بشرف المرأة، ولنرى من يمتلك الجرأة ليردد تلك الكلمات بصوت مرتفع .
تحرك صوب الغرفة وهو يشتعل وبمجرد أن دخل لها أردف يحدث الحارس في الممر على مقربة من غرفته :
_ أحضر لي قائد الجيوش .
ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسده داخل الغرفة يزيح عنه معطفه الملكي والذي كان يشعر أنه يخنقه، يتحرك في المكان بلا توقف يحاول إيجاد حل لما يحدث حوله، هذه مكيدة لا ريب في ذلك، شعوره لن يكذب عليه، لكن هذه المرة كان الأمر محبوك لدرجة لم يتخيلها، ألا لعنة الله عليهم كيف استطاعوا حبكها بهذه الدقة ؟!
أفاق من أفكاره على صوت طرق يتبعه دخول المعتصم بعدما أذن له وخلفه جميع حراس الممر الذي تقطن به سلمى، وهو يراقبهم بنظرات هادئة، قبل أن يتحرك بعيونه صوب المعتصم يهتف بجدية :
_ كثف الجنود على الحدود فلا اعتقد أن تكبدهم العناء لصنع مثل تلك الخطة فقط لأجل اختبار مقدار صبري النافذ، ومن ثم تحرك وأحضر لي العاملة التي تُسمى سراي ولو عادت لرحم والدتها .
تعجب المعتصم كل تلك الأوامر ورغم ذلك، هز رأسه بنعم وهو يتحرك خارج الغرفة تاركًا أرسلان يجلس بين الجميع بهدوء شديد مبتسمًا بسمة لا معنى لها :
_ إذن أخبروني ما حدث ببطء شديدة ولا تغفلوا عن نقطة واحدة حتى وإن كانت تافهة لا معنى لها .
ومن بعد كلماته تلك شرع الجميع يصف ويتحدث عن كل ما ابصروه خلال الأيام المنصرمة وما حدث من سلمى وذلك الرجل الذي كان دخل الغرفة ومن ثم تبخر ببساطة وكأنه لم يكن، وارسلان فقط يتابع ما يحدث ببسمة صغيرة ينتظر أن يفرغوا مما يخبرونه به، يحسن الاستماع دون قول كلمة تقاطعهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ سالار هل تسمعني ؟!
رفع سالار عيونه بهدوء صوبها يبتسم بسمة صغيرة ثم رفع كفه يشير لها أن تقترب وقد فعلت، تحمل بين يديها كوب عصير صغير له :
_ هل أنت بخير، تبدو شاردًا بشكل غريب منذ الصباح .
نظر لها بهدوء قبل أن يومأ برأسه:
_ بخير حال تبارك، فقط بعض الأمور التي تحتاج لتدخلي في المملكة، لا تشغلي بالك، واخبريني كيف حالك في دروس اللغة مع العريف .
ابتسمت تبارك وهي تضع الكأس بين أنامله تجيب بهدوء شديد وسخرية :
_ دروس ؟؟ ألا ترى أنك تبالغ سالار ؟؟ أنا حتى هذا اليوم لم أتلقى منه سوى نصف درس ومن بعدها غضب بسبب كلمات زمرد عن الكتب والقراءة، لينتهي بنا الأمر مطرودات خارج المكتبة، وكلما ذهبت له اجلسني جواره واعطاني كتاب يعلمني الكثير عن اللغة الفارسية باللغة الفارسية .
أطلق سالار ضحكات صاخبة وهو يمد يده يجذب رأسها له مقبلًا إياها بحب شديد :
_ لا بأس عزيزتي غدًا أتفرغ لكِ ونذهب لتلك الإجازة التي وعدتك بها في القصر الخاص بنا واعلمك كل ما تريدين معرفته .
رفعت عيونها له تمنحه حبًا غير محدود وقد بنى ذلك الرجل لنفسه مدينة بأكملها داخل قلبها لا يسكنها سواه، ولن تقبل في أي حال من الأحوال أن يطئها غيره .
_ ومتى تنتهي سالار ؟؟ ثم ما الذي يحدث هنا ؟؟ أشعر باستنفار غريب منذ ايام في المكان، هل كل شيء بخير ؟!
نظر لها سالار يداعب وجنتها بحب يربت عليها بحنان :
_ شيء لا داعي لشغل عقلك به عزيزتي، فقط اهتمي بصحتك وبي وسيكون هذا كافيًا .
ختم حديثه وهي تنظر له بريبة شديدة :
_ لا أشعر بالاطمئنان لما يحدث في المكان، البارحة أبصرت الملك يصرخ بجنون وهو يلقي أوامر على الجنود، وهذا مريب فالملك إيفان لا يغضب في العادة ويكون أكثر هدوئًا مهما حدث .
تذكر أرسلان الرسالة التي وقعت لا لهم البارحة والتي كانت تحمل شفرة أخرى توحي أن القادم لن يعجب أحدهم، وان أنمار في طريقه للممالك يخفي في جعبته الكثير، وأن حياة الأميرة توبة بين يديه.
_ الله خير حافظًا مهجتي، ليست هذه أول مشكلة تقابلنا وليست أول صعوبة تقف في طريقنا، لذا كما مر السابق بفضل الله سيمر هذا، الأهم أنه عندما يمر كل هذا سأجدك في نهاية الطريق .
ختم حديثه يقبل عيونها بحنان شديد :
_ في البداية كنت أذهب للحرب مستودعًا الله نفسي إن عدت فقد كُتبت لي أيام إضافية لاحياها بروتينية، وإن لم أعد فقد اصطفاني الله شهيدًا، ام يكن الأمر يعني لي الكثير، لكن ومنذ علمت أنني سأعود لاجدك تستقبليني ببسمتك، كان انتصاري أكثر ما أطمح له لأعود والقي بكل شيء داخل أحضانك عزيزتي .
ابتسمت له تبارك تضمه بقوة وهي تقبل موضع صدره :
_ لا أراك الله هزيمة يومًا يا قائد .
_ فعلتها ورأيتها على يدكِ مهجتي و والله لن ينال آخر شرف أن يهزمني بعدك، ليذكر التاريخ أن جميع المعارك التي خسرتها كانت أمام شخص واحد ...تبارك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تنظر لها بأعين غائمة حزينة تربت على رأسها بحنان وهي تهمس لها بصوت منخفض حنون :
_ لا بأس حبيبتي، لا بأس صغيرتي غدًا افضل لكِ فاطمة .
نظرت لها فاطمة بأعين ناعسة وقد شعرت أن جسدها لشدة تعبه بدأ يعلن استسلامه، تهزي بكلمات غير مفهومة، كلمات وصلت لسلمى لتشعر بالوجع لأجلها وهي تتذكر كلمات المعتصم لها .
_ امي، أريدها.
قبلت سلمى رأسها وهي تجذب الغطاء عليها تتحدث بصوت خافت وكأنها تخاطب عقلها الباطن :
_ فقط استريحي حبيبتي وكل ما تريدنه سيحدث فاطمة، فقط استرخي وكل شيء سيكون بخير .
وكأن كلماتها عهدًا اتخذته على نفسها، وصدقته فاطمة، لتستكين براحة لصوت همسات سلمى، تنفست سلمى بهدوء واخيرًا وهي تبتعد خطوة للخلف، ثم اطمئنت عليها تطيل النظر لها دون ردة فعل من جهتها، قبل أن تتحرك للخارج والكثير يدور داخل عقلها، هل تترك لهم المكان وتعود من حيث جاءت ؟؟
لكن ألا يُعد ذلك هروبًا ؟؟ جبنًا ؟؟ وإن فعلت واستطاعت الخروج من هنا، هل ستترك فاطمة واحدة لتسوء حالتها ؟؟
تحركت في حديقة القصر شاردة وما تزال ترتدي ثوبها الساتر الطويل، تهيم على وجهها دون معرفة حل لما تواجهه، ولم تكد تخطو للمبنى الخاص بغرفتها، حتى أبصرت أحد الجنود يقف أمامها مخفضًا رأسه باحترام مرددًا :
_ جلالة الملكة، مولاي يخبرك أنه وبعد صلاة العصر سيجتمع الجميع في قاعة العرش، ويطالبك بالحضور .
ابتسمت له بسمة ساخرة :
_ أخبر مولاك أنني سأكون في موعدي المحدد، وكيف افوت اجتماعيًا أُقيم على شرفي ؟!
تحركت بعد كلماتها دون اهتمام به تسير بكل جمود وهدوء وقد غشى عيونها نظرة باردة، نصبوا لها اجتماعًا ليحكموا من مصيدتهم حول رقبتها، ألا لعنة الله عليهم جميعًا إن ظنوا للحظة واحدة أنها ستقع في مصيدتهم أو تنحني لرياحهم .
دخلت غرفتها تتحرك صوب المرحاض كي تغسل وجهها وتتوضأ، ثم خرجت تخرج ثوبها الذي ستحضر به تلك المحاكمة، والذي كان مكونًا من تنورة سوداء وقيمص ابيض اللون مع حذاء اسود اللون، نظرت حولها تبحث بعيونها عن شيء تخفي به خصلاتها قبل أن تتذكر المعطف الخاص بأرسلان، لكنها نبذته وابت أن تخرج به فتحركت تخرج معطف طويل، ذو قبعة واسعة .
نظرت لثوبها ثواني قليلة قبل أن تجلس أمامه على المقعد وهي تحدق به بلا درة فعل من طرفها فقط شرود وكأنها لأول مرة تجهل خطوتها القادمة، دار بها الزمان وأصبحت من معالجة مجرمين، إلى متهمة تقف نفس الوقفة التي كانت تراقبها من بعيد ..
_ أشفق أبي على وحدتي وحياتي المملة فعثر لي على شيء أكثر تشويق لقضاء المتبقي من عمري به ....السجن .
ختمت حديثها تجلس طويلًا دون ردة فعل ولا تعلم من زلت جالسة، ومن ثم نهضت تصلي متيقنة أن الصلاة سبيلها للراحة، وما كادت تفرغ من الصلاة حتى سمعت صوت الطرق على الباب وكأنهم يتعجلون نهايتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمجرد أن فتحت باب المنزل حتى وجدت جسدها يتراجع للخلف بقوة أدت لسقوطها بحدة ارضًا، شهقت سراي بقوة وهي ترفع عيونها صوب المقتحم، حتى أن والدتها خرجت على صوت صرختها وهي تهتف :
_ سراي ما بكِ يا ابنتي .
لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة أو يتكلم كلمة واحدة وجدوا نجوم تصرخ بصوت مرتفع وهي تهبط بصفعة على وجه سراي تهتف بجنون وعدم تصديق :
_ ما الذي فعلتيه أيتها الحقيرة، بل ما الذي اجبرتيني على فعله ؟! كيف تفعلين ذلك ؟! اجبرتيني على الإيقاع بامرأة أخرى تحت مسمى دواء يسبب بعض الآلام ورغم شكي بنيتك القذرة إلا أن خوفي اوقفني عن التحدث أيتها الـ
كانت تصرخ بجنون وهي تنظر حولها وكأنها تبحث عن شيء تضرب به رأس سراي التي نظرت لها بسخرية كبيرة، وحينما فشلت نجوم في إيجاد ما يساعدها على تحطيم رأس سراي، انقضت بيديها العارية وهي تمسكها من حجابها تنتزعه بعنف :
_ ماذا تظنين أنتِ سأصمت على ما فعلتي ؟!
حاولت والدة سراي التدخل، لكن نجوم دفعتها وهي تصرخ وتجذب سراي بقوة حتى شعرت بجسدها يُطبع على الأرض أسفلها، ووالدتها تحاول الدفاع عن ابنتها، لكن نجوم لن تتوقف وهي تصرخ بقهر :
_ تسببتي في كارثة للمرأة وهي من سامحتك وغفرت لكِ أيتها الفاسقة، قسمًا برب العباد لافضحنك أمام الجميع واخبرهم أنكِ أنتِ من وضع لها ذلك الدواء الذي تسبب في ظهور اعراض الحمل عليها، لتثبتي عليها تلك التهمة البشعة .
اتسعت عيون سراي والتي كانت قد صرخت حتى بُحت حنجرتها، تدافع عن نفسها بصدمة مما سمعت :
_ ماذا ؟؟ لا اقسم أنني لم افعل ذلك، ذلك كان مجرد مخدر، ربما كثرته هو ما تسبب لها في تلك الأعراض، لكني اقسم أنه فقط مخدر كي لا تشعر بشيء .
تيبست يد والدتها والتي كانت تدافع عنها في هذه اللحظة وهي تشعر بالصدمة من كلمات ابنتها التي اعترفت لتوها بتورطها في مصيبة أخرى بعدما نجت من الاولى بأعجوبة:
_ ألن تخمد شياطينك سراي ؟؟ ما الذي فعلتيه بنفسك يا ابنتي؟! لم أصدق أن الله نجاكِ من الكارثة الاولى على خير لتلقي نفسك بحمق في ثانية ؟!
بكت سراي وهي تتحدث برعب مما قد يحدث لها إذ يبدو أن نجوم لم تعيد تخفيفها تهديداتها :
_ اقسم أنهم هم من أخبروني و....
ولم تكد تكمل كلماتها حتى سمعت صوت جهوري يهتف من الخارج وصوت الطرقات يعود في الإرجاء متسببًا في اتساع العيون بصدمة كبيرة :
_ جنـــــــــود الملــــــــك افتحوا البواب وتستروا إن لم تكونوا......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت من غرفتها حينما شعرت بالملل، لتقرر الخروج والتنفس قليلًا علها تتغلب على ذلك الثقل الذي تشعر به داخل صدرها، لكن وقبل أن تخطو خطوة داخل الحديقة ابصرت العديد من الأشخاص يتحركون صوب نفس المبنى الذي كانت تنتظر به أرسلان قبل التحرك صوب غرفة النوم الخاصة بالضيوف .
تعجبت من الأمر هامسة بعدم فهم :
_ هل هذا احتفال أو ما شابه ؟!
تحركت معهم بفضول شديد، ثم توقفت خطوات حين شعرت بأن الأمر لا يعنيها البتة، لتعود أدراجها صوب الحديقة تفكر بالجلوس هناك وترتيب ما ستكون عليه حياتها القادمة، وقبل أن تفعل أبصرت مجددًا امرأة تتحرك بهدوء وثوب غريب مريب صوب القاعة، خطواتها كانت قوية وكأنها ذاهبة لخوض حرب أو ما شابه وهذا ما جعل توبة تتناسى أمر دحض الفضول وتلحق بهم، سارت خلفهم حتى خطت لقاعة العرش تبصرها ممتلئة حتى كادت تلفظ نصف الأجساد بها .
تحركت بين الأجساد تراقب بفضول ما يحدث، إذ حينما اقتربت تلك المرأة ذات الثوب الغريب أفسح لها الجميع الطريق، لتدرك أن المرأة ذو مكانة عالية هنا، لكن هي ثواني حتى ابصرتها تتوسط الساحة أمام الجميع لتعلم يقينًا أنها كانت محور هذا الاجتماع .
وعند سلمى توسطت الجميع ببسمة واسعة دون اهتمام وهي تضم يديها لصدرها تنتظر أن تبدأ جلسة محاكمتها على ذنب لم تدرك حتى متى ارتكبته .
ثواني حتى أعلن أحد الحراس بصوت جهوري وصول الملك، وبمجرد أن تحرك أرسلان للداخل نظر له الجميع باحترام شديد، ليهز لهم رأسه وهو يتحرك ليتوسط مقعده، وبمجرد أن جلس تعلقت عيونه بها لتمنحه هي بسمة تخفي خلفها الكثير والكثير، وهو فقط اطال النظر لوجهها دون كلمة واحدة وكلمات جنوده تتردد في أذنه، لينظر صوب الجميع يتحدث بصوت رخيم هادئ :
_ اعتقد أن الجميع هنا يعلم سبب وجودنا، لذا لنختصر المقدمات الطويلة وندخل بصلب الموضوع .
وقف أحد المستشارين من مكانه يتحدث بهدوء :
_ لا يخفى عنك مولاي ما تردد من احاديث في القصر و....
قاطعه أرسلان بهدوء شديد :
_ عفوًا منك ولكنني ذكرت للتو أننا جميعًا نعلم ما حدث، لذا لنختصر كل تلك الأحاديث وأخبرني ما تريد قوله إن كنت تمتلك، أو اصمت ودع غيرك يتحدث .
أحمر وجه الرجل بقوة وقد شعر بدمائه تفور داخل أوردته، ورغم ذلك صمت يردد بهدوء :
_ هذه المرة الثانية التي يوجه لنفس المرأة الاتهام ذاته، ألا يشير ذلك لشيء ؟؟ لا دخان بلا نار مولاي .
صمت الرجل ينظر صوب سلمى التي كانت تتوقف في منتصف القاعة لا تؤتي بردة فعل واحدة فقط تحدق في أرسلان وهو يطيل النظر بها، بينما المستشار بدأ يدافع عن صوت الحق والفضيلة داخل جدران القصر وهو يردد بنبرة جادة وكلمات مختارة بدقة :
_ سابقًا سقط حد الزنا عنها لعدم وجود شهود، والآن هناك شهود وأدلة تدين المرأة التي اقتحمت عالمنا دون أن تراعي حرمة جسدها أو تلتزم بدينها أو حتى تحترم قوانين المملكة، وراودت الرجل عن نفسه حتى وقعا في الخطيئة، والآن نطالب بتنفيذ حد الزنا عليها هي ومن معها .
كلمات انبثقت بسلاسة كبيرة من فم أحد مستشاري أرسلان وكأنه كان يحضر لها لأيام طوال، كلمات رنّ صداها بين جدران القاعة لترتد صوب ذلك الذي يتوسط عرشه دون ملامح تُفسر، فقط وجه جامد وملامح واجمة، ينظر أمامه صوبها دون أن يحيد بنظراته عنها ..
وهي فقط كانت تتلقى مصيرًا _أُلقيت في جوفه ظلمًا وبهتانًا _ برأس مرفوعة ووجه يشي بالكثير، فقط تحدق في الجميع بتحدي وكأنها تتحداهم أن يقترب منها أحدهم.
نظرت في عيون أرسلان وكأنها تسأله إن كان يصدق ما قيل عنها، والرد منه كان مجرد جمود لم تخرج منه بإجابة قد تشفي صدرها .
ارتسمت بسمة ساخرة على وجهها وهي تنظر بعيونها على الجميع وقد كان البعض منهم مشفق والبعض جامد والبعض الآخر لا ردة فعل له .
ابتلعت ريقها ولم تكد تنطق بكلمة حتى صدح صوتًا مجهول المصدر في المكان يهتف بقوة :
_ أنا أستر عليها وازوجها ولدي، هو أحق بها من الجميع هنا مولاي، فهو في النهاية ابن عمها للفتاة وهو أحق بستر عرضه من الجميع .
تحركت جميع الأعين ببطء صوب المتحدث والذي لم يكون سوى نفسه انورين الذي اقتحم المكان وقد وجدها فرصة مناسبة ليعلن عن وجوده، في اللحظة ذاتها التي علت الصدمة ملامح سلمى وهي تنظر بعيونها للرجل نفسه الذي كاد يقتل ابنته سابقًا يقف في المكان ويردد كلمات غير مفهومة لها .
هي ؟! ابنة أخيه ؟!
تشنجت ملامحها بصدمة تحاول أن تستوعب ما يحدث ولم تكد تهضم الصدمة الأولى حتى ارتفع صوت أرسلان في المكان يجيبه بهدوء وبسمة رسمها بصعوبة على ملامح وجهه الغاضبة :
_ شاكر لكرم اخلاقك سيد انورين، لكن زوجتي لم تخطأ لتنتظر أن يتستر عليها أحدهم، ولو كان ذلك الاحدهم هو ولدك العزيز ....................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هي الحياة إما أن تنجو من الاعيبها أو تصبح أنت لعبتها ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
الثامن عشر | زوجتــــــي |
قبل القراءة رجاءً تفاعلوا على الفصل بتعليق وتصويت ...
صلوا على نبي الرحمة ........
قراءة ممتعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبمجرد أن نطق أرسلان بكلماته تلك حتى اتسعت الأعين في المكان بعدم فهم، ولم يتجرأ أحدهم على التحدث بكلمة، بينما ارتسمت بسمة صغيرة على فم سلمى وهي ترفع رأسها صوبه، ليشير لها أرسلان أن تتحرك صوبه بصرامة، بينما هي سارت مرفوعة الرأس حتى وصلت صوب عرشه ليبتسم وهو يمسك كفها أمام الجميع، يقف عن العرش يجذبها جواره .
نظر الجميع لبعضهم البعض بصدمة، بينما ملامح انورين اشتدت بغضب كبير ورفض داخلي لما يحدث، ولم يكد يبدي اعتراضًا على ما يحدث أمامه حتى انتفض أحد المستشارين عن مقعده يهتف بصوت شبه مرتفع :
_ وهل تعتقد أن هذا عدلًا مولاي ؟؟ الحد يُطبق على الجميع، ملكة كانت أو حتى جارية، لذا كونها زوجتك أو لا هذا لا يغير شيئًا مما جئنا لأجله اليوم واجتمعنا عليه .
_ هم وكفار لا يدركون عن الإسلام شيئًا، وأنت يا عزيزي كيف نسيت حكم رمي المحصنات؟! ثم من أخبرك أنني ملك عادل :
صمت يحرك عيونه بين الجميع، قبل أن يعود ويصدح في المكان حينما منحهم هدنة صغيرة يستوعبوا بها كلماته، يهبط عن عرشه بكل هدوء يتحرك صوب سلمى التي شعرت بضربات قلبها تزداد وهو يهتف بصوت وصل واضحًا للجميع :
_ فيما يتعلق بتدبير المكائد للإيقاع بزوجتي أو الاقتراب منها مقدار لا اسمح أنا به، فأنا أكثر ملوك العالم تجبرًا وظلمًا، بل إنني افوق والدي وملك سفيد الاول تجبرًا، فلا تختبروا صبري في زوجتي أو بلادي .
بهت الرجل وقد أحمر وجهه بصدمة كبيرة وتمنى للحظة أن تنشق الأرض وتبتلعه، وارسلان ابتسم بسمة صغيرة، وهو يبعد عيونه عنه يجيب سؤال الرجل الذي لم يسمح له حتى بإكماله :
_ وردًا على جملتك السابقة فيما يتعلق بجمعكم هذا الجمع السعيد، من أخبرك أنني جمعت الكل هنا الآن لأجل هذا السبب الذي تتحدث عنه ؟؟ هل تعتقد من كامل عقلك أنني جمعت كل هؤلاء لأجل أن أجبر زوجتي على الوقوف بينهم للمدافعة عن شرفي وعرضي ؟؟ بل جمعتكم لأجل أن تدافعوت أنتم عن أنفسكم أمامي وتأتوني بشهدائكم قبل أن أُنفذ بكم الحد .
لمح الاستنكار يعلو ملامح الجميع، بينما الشيخ يحرك حبات مسبحته بين أنامله بهدوء مريب وبسمة غامضة، يراقب ما يحدث وقد أكمل أرسلان كلماته بكل بساطة وهو يطيل النظر في عيون ذلك المستشار الذي لم يتحدث غيره منذ بداية الاجتماع :
_ بالإضافة أنني جمعتكم اليوم كي تشهدوا عقد قرآني على الملكة، لقد عقدنا القرآن منذ ساعة تقريبًا وجمعتكم لأجل إشهار العقد.
ختم كلماته وهو يمد كفه يضم بها كف سلمى التي قاومت وبصعوبة تلك الرعشة التي مرت على سائر جسدها وهي تشعر به يقربها منه أكثر ينظر في عيون الجميع بتحدي وقد على الظلام عيونه وهو يردد بصوت أجش قوي:
_ باركوا للملكة سلمى فاليوم تسلمت عرش مشكى رسميًا ....
تبادل الجميع في القاعة النظرات بصدمة كبيرة وقد على التعجب والدهشة أعين البعض والفرحة أعين الآخرين، والاستنكار أعين القليل منهم، في حين أن توبة كانت تقف في ركن القاعة تحدق بما يحدث بذهول شديد وهي تبصر التماع عيون أرسلان وهو يتحدث عن تلك الفتاة واشتداد فكه وهو يحدق بالجميع وكأنه يتحضر لينقض عليهم .
لتتسع بسمتها بعدم تصديق تردد بصوت متعجب ملئ بالتقدير والإعجاب بشخصيته التي كانت تجذبها قديمًا كما النيران :
_ واخيرًا هناك من نال اهتمام واعجاب أسد مشكى، ظننت أن لا امرأة في هذا العالم قادرة على جذب انتباهك لها حتى.
قطع أرسلان كل تلك الهمسات المترامية حوله وهو يهتف بصوت هادئ بعض الشيء :
_ والآن انتهت الاخبار السعيدة، دعونا نكمل ما بدأناه معلقًا، كي لا يبتأس مستشاري العزيز الذي منّى نفسه بعرض ممتع وأنا احكم على زوجتي بحد الزنا ويبدو أنه سهر ليلته يتحضر لذلك المشهد، إذن دعونا نمنحه شيئًا أشد متعة من كل ذلك.
أنهى كلماته وهو يجذب سلمى له يجلسها على عرشه، ثم خلع عنه معطفه الملكي يلقيه على أكتافها تحت اصوات الشهقات والهمسات التي خرجت من الجميع وهي لا تفهم السبب، لكنها فقط استكانت لما يفعل أرسلان معها دون أن تعترض بكلمة حسب أوامره لها قبل الاجتماع .
حدق أرسلان في عيونها ثواني قبل أن يعتدل في وقفته يفرد هامته وقد تجرد من معطفه وبقي بثيابه التي كانت تتكون من بنطال وسترة سوداء كعادته، يهتف بصوت جهوري :
_ أغلـــقوا ابـــواب القـــاعة ..
وفي ثواني تحرك الجنود بسرعة مرعبة يغلقون الأبواب وكأنهم يحكمون المصيدة على جميع من بالقاعة، وقد علت الهمهمات بصدمة ورعب مما يحدث، وارسلان يراقب دون كلمة واحدة، ثواني حتى أبصر الجميع بعض الجنود يدخلون من الباب الجانبي للقاعة يلقون بجسد رجل يبدو أنه تعرض لوصلة ضرب متواصلة .
حلقت حوله الأبصار بعدم فهم، وعيون أرسلان تنظر له بشر وهدوء يخفي خلفه أعاصير تكاد تقتلع جذور صبره غير مكتملة النمو .
بينما سلمى تجلس على العرش الخاص بأرسلان تراقب بهدوء وتعجب، حتى رفع الرجل رأسه بهدوء لتبصره، نفس الأعين والنظرات، نفسه الرجل الذي هجم عليها في غرفتها .
تنفست بصوت مرتفع وهي تراقبه بأعين متسعة ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى، ابصروا ثلاث رجال آخرين يُسحبون صوب الساحة وارسلان يراقب حتى استقر الجميع في منتصف الساحة ليعلن واخيرًا .
_ اكتملنا الآن، فهل نبدأ العرض ؟؟
تحركت الأنظار صوب أرسلان الذي توقف عن الحديث وهو يدير عيونه في المكان ببطء شديد، يفكر في شيء قبل أن يتحدث بجدية :
- أو ربما لم نفعل ؟؟
حرك عيونه بهدوء صوب المستشار نفسه الذي كان يتحدث منذ بداية الجلسة يبتسم له بسمة جعلت الاخير يرتعش وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي دون أن يثير الشك، لكن فجأة انتفض جسده وهو يرى رجل آخر يُسحب لمنتصف الساحة، ليشعر بقلبه على وشك التوقف ..
نفس الرجل الذي كان يعمل مستشارًا لأرسلان سابقًا قبل أن يصرفه أرسلان عن العمل لأجل تذمره لزيادة رواتبهم .
هنا وقد شعر المستشار أن اللعبة أطبقت على أنفاسه وقد بدأ العد التنازلي لهلاكه، نظر حوله يبحث عن مخرج له من المكان، ليجد أن لا منفذ له من أرسلان الذي كان يراقب تخبطه باستمتاع شديد.
أبصر المستشار رجلين يقتربان منه يستعدون لجذبه صوب منتصف القاعة، ليكون اول ما يبدر لذهنه هو اخراج سيفه وهو يصرخ :
_ لا تقربوني وإلا استعملت سلاحي عليكم .
رفع أرسلان حاجبه بسخرية يراقب الرجل يتحرك للخلف مهددًا الجميع بسيفه صارخًا بكلمات غير مفهومة حتى بدأ من اليأس يتحدث بآخر شيء يمتلكه للدفاع عن نفسه :
_ هل تحسبون أن اذيتي ستمر بهذه السهولة ؟؟ صدقوني سوف تندمون إن مسستموني بسوء هناك الكثيرون ينتظر عودتي سالمًا وإن لم أفعل، قُلبت الممالك أعلى رؤوس من بــ...
وقبل إكمال جملته كان سيفه يُنتزع منه وصفعة أرسلان تهبط على وجهه بقوة لدرجة اسقطته ارضًا أسفل أقدامه، يهتف بشر :
_ أوتحسبن أن هناك من سيعرض نفسه للخطر لأجلك يا سيد ؟؟ احلام المغفلين، أنت مجرد حجر عفن في لعبة، وإن تحطمت فهناك المئات من الاغبياء امثالك يزرعون بهم نفس الأفكار بالقيادة والسلطة كي يستعملونهم ضدنا، وفي النهاية كلكم تلقون نفس المصير .
جذب الرجال المستشار صوب منتصف القاعة، ليصبح العدد شبه مكتمل، راقبهم أرسلان دقائق طالت دون كلمة واحدة حتى بدأ البعض يتململ بقلق شديد، منتظرين الخطوة القادمة والتي سرعان ما حدثت حين ابصروا باب القاعة يُفتح ويدخل منه المعتصم ومعه العديد من الجنود يجرون امرأتين للغرفة .
دفعوا المرأتين لمنتصف القاعة ليكتمل العدد واخيرًا، وبهذا الشكل أصبح هناك عدد خمس رجال؛ المقنع الذي كان يقتحم غرفة سلمى ومعه الحارسين اللذين ساعدوه على ذلك كل يوم، بل وبدأوا يشيعون الأخبار بين الجميع عن سلمى، والمستشار الذي سبق وصرفه أرسلان من العمل، والمستشار الآخر الذي كان يمسك قسم الهجوم منذ بداية المحكمة، وامرأتين، سراي ونجوم .
اتسعت بسمة أرسلان يفرد ذراعيه يردد بهدوء شديد وحماس مصطنع :
_ هكذا واكتمل العدد، إذن لنبدأ اللعبة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لطالما آمن الجميع بقدرتك نزار، ولم أكن اصدق ما اسمع عنك ظنًا أنك مجرد احمق مسكين يقود جيوش والده .
ابتسم نزار بسمة جانبية يراقب أنمار يحمل بين أنامله قنينة السم التي يعمل عليها يتأملها بإعجاب وكأنه لا يصدق أن الحلم يقترب .
_ نعم جميع الحمقى كانوا يعتقدون المثل .
انطلقت ضحكات أنمار وهو يحرك القنينة بين أصابعه يردد بصوت شبه مسموع :
_ ترى هل انتهى السم ويمكننا اختبار مفعولة ؟!
_ لِمَ لا تجربه ؟؟ إن مت فقد نجح وإن لم يحدث فهذا من سوء حظ البشرية اجمع ويمكننا المحاولة مجددًا، حتى يوفقنا الله لنفع البشرية وصلاحها والتخلص منك .
ازدادت ضحكات أنمار بشكل مريب قبل أن يميل على الطاولة التي تقع بينه وبين نزار يهمس بصوت خافت وبسمته لا تزال تزين شفتيه :
_ أنا اعلم جيدًا بأنك أنت الشخص الذي ساعد زوجتي العزيزة وراقصتي المفضلة في الهرب فلا أحد هنا ذو مروءة ليفعل ذلك عداك .
اتسعت بسمة نزار وبشدة وهو يهتف بصوت شبه هامس مثله وكأنه يحدثه بنفس طريقته :
_ جيد أنك تعرف قدرك أنت ورجالك أيها الوسخ .
_ كون أنني أتركك دون عقاب فهذا لأنني فقط احتاجك في الوقت الحالي وحينما انتهي مما أريده منك ...
صمت وهو يترك لخيال نزار العنان ليرسم له ما يمكن أن يفعله به أنمار حينما ينتهي هو من صنع السم والترياق بالكامل .
بينما نزار ابتسم له بسمة واسعة ليس وكأنه تلقى لتوه وبشكل غير مباشر تهديدًا مبطنًا أو ربما كان واضحًا بعض الشيء .
_ ليمنحني الله طول العمر كي أبصر نهايتك بعيوني أنمار..
_ للأسف سيكون جسدك قد وارته الرمال حينها .
ابتعد عنه نزار وهو يمنحه نظرة غامضة جعلت الاخير يشعر بالريبة، وقد زرعت تلك النظرة وتلك البسمة التي ارتسمت فجأة على وجه نزار رعبًا غريبًا داخل صدر أنمار .
لكنه فقط تجاهلها وهو ينتفض عن مكانه يتحرك خارج المنزل الذي كان نزار مستقرًا به لأجل صنع السم، وبمجرد أن خرج أنمار من المكان أمر جنوده الذين يحرسون نزار على بوابة المنزل :
_ حينما ينتهي من صنع السم، تأكدوا من تجربته بأنفسكم.....اجعلوه فأر تجربته .
وبهذه الكلمات نهى أنمار وجوده في الجوار وهو يتحرك بعيدًا عن المنزل تاركًا أعين الوليد الذي كان يقف قريبًا من المكان تتسع بقوة وخوف وهو يشعر بالرعب على نزار..
نظر صوب الباب الخاص بمنزل نزار وهو يهتف :
_ أخرجته من الجحيم لجهنم ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس على العرش وهي تراقب ما يحدث بعيونها وعقلها يعرض لها أحداث الساعة الماضية حينما أصبحت وبشكل رسمي زوجة الملك وبشكل لم تتوقعه يومًا ..
تحدق بالملابس التي ستخرج لتواجه بها مصير لا تدري له من نهاية، تسير بنفق لا تعلم له من مخرج، فقط تسير وهي تحاول تلمس أي شعاع ضوء قد يخرجها من كل ذلك الظلام .
فجأة سمعت صوتًا يصدح من الخارج لبعض الحراس تبعه صوت طرقات على باب غرفتها، وقبل نزع ثوب الصلاة خاصتها نظرت صوب الباب تعتقد أنهم جاءوا يصطحبونها صوب القاعة :
_ لِمَ العجلة ؟؟ أنا لن اهرب، على الأقل الآن.
ختمت حديثها تحمل الثياب وهي تتحرك صوب المرحاض، لكن فجأة توقفت في منتصف الطريق وهي تسمع صوتًا يأتيها من الخارج :
_ هذا أنا أرسلان.
توقفت أقدامها وتوقفت ضربات قلبها وشعرت بدمائها تتحرك بسرعة مخيفة داخل أوردتها، استدارت ببطء صوب الباب وهي تنظر له بترقب وكأنها تفكر إن كان يجب عليها أن تفتح له أم تتركه في الخارج دون إجابة من طرفها .
لكن أرسلان يبدو أنه كان يدري كل تلك الحيرة التي كانت واقعة بها، ليقطعها وهو يقترب من الباب يتحدث بصوت حاول صبغه بالهدوء رغم السواد الذي يدور داخل عقله في هذه اللحظة :
_ افتحي الباب رجاءً، أنا..... أنا لم اصدق ما قيل في حقك، اقسم لم أفعل ولن افعل ما حييت، لست غرًا لأصدق بضعة ادعاءات لا أساس لها، وأكذب نفسي التي تعلمك أكثر مما يفعلون هم .
وإن كان يظن أنه بمثل تلك الكلمات الصادقة الحنونة قد يؤثر بها لأجل أن تفتح له الباب وتسمح له بالمرور بهذه البساطة، فقد صدق ظنه، إذ تحركت بهدوء وتردد وهي تقترب من الباب تفتحه ببطء حتى أبصرت وجهه يطل عليها .
وقفت أمامه بتردد تنظر في وجهه بترقب تنتظر أن يتحدث بما جاء به، وهو كان قد جهز لما جاء لأجله وحضر العديد من الجمل الشبه منمقة لأجل أن يظهر بها صدق نيته لها.
خطبة طويلة حضرها أثناء طريقة من غرفته وحتى غرفتها، خطبة مليئة بالعديد من الجمل المؤثرة، يختمها بكلمة حاسمة، ومن بين كل ذلك لم يستحضر عقله في هذه اللحظة سوى الكلمة الحاسمة لينطقها دون مقدمات :
_ تزوجيني ..
شعرت سلمى لوهلة أن هناك إنفجارًا تصاعد داخل عقلها، يزيد من حرارة جسدها وقد شعرت باحمرار يعلو وجهها وجسدها ينتفض بموجة مشاعر عديدة لا تعلم لها من تصنيف، فقط تحدق به ببلاهة واعين متسعة رغم التماعها .
بينما هو ورغم معرفته بتسرعه وتجاوزه لكل ما حضر به إلا أنه لم يتراجع وهو يكمل بهدوء بعد نفس آخر أخذه سريعًا :
_ أخبرتك مرة واعيدها ثانية، ورغم أنني لم أعتد الإلحاح لأجل شيء اريده، لكنك لستِ بمجرد شيء أريده، ورغم أنني امتلك طرقًا عديدة لاجبرك بها على الخضوع لرغبتي، إلا أنني أخبرتك أنني لا آخذ ما أريده بالقوة، بل باللين، فهل لمطلبي من إستجابة.
أخذ صدر سلمى يعلو ويهبط بقوة وهي تشعر بأن قوتها وكل تعقلها تلاشى بمجرد أن أكمل جملته، حاولت أن تتحدث، لكن كل الكلمات علقت بحلقها، ليعتبر هو سكوتها ترددًا ويكمل بهدوء :
_ أعلم أن الأمر مفاجئ لكِ كما هو لي، لكن امنحيني فرصة أخذ حقك منهم بحرية، امنحيني صفة تمنحني بدورها حق الدفاع عن امرأتي، فهلا تكوني ؟؟؟؟
وستكذب إن قالت أن كلماته تلك لم تخترق صدرها، وستكذب كذلك إن قالت أنها تتذكر ما حدث بعد ذلك، فما تتذكره هو أنها ومن بعد أن اسكرها بكلماته، لم تشعر سوى بنفسها تقف مع الشيخ وزيان واحد الجنود داخل غرفتها يسمعون موافقتها، بينما هو يجلس في جناحه مع الباقيين ينتظر إشارة منها بالرضا .
تحركت صوب الشيخ وما زالت ترتدي ثوب صلاتها، وقفت أمامهم وهي تشعر بارتجاف صدرها ولم تعتقد أنه يومًا قد تتزوج بهذه الطريقة وكأنها تفعل لتواري سوءتها، ابتلعت ريقها وكادت تتحدث بتوتر عن موافقتها لا تشعر أنها تمتلك اختيارًا بما يحدث، ومن وسط نيران صدرها شعرت بدلو من المياه الباردة يطفئ كل ترددها، حينما انسابت كلمات الشيخ يقول بهدوء وبسمة صغيرة :
_ هذا سيكون فقط عقد قرآن، وغدًا إن شاء الله يكون الاشهار في مسجد القصر والمملكة بأكملها، ومن ثم كلٌ سيسير برغبتك أنتِ، سواء كان موعد الزفاف او ترتيباته أو كيف تريدينه أن يكون، كل شيء سيكون برغبتك أنتِ وكلمتكِ أنتِ عدا شيء واحد فقط هو ما سيكون برغبتي أنا، ولا تعتقدي أن الزواج بهذه الطريقة تقليل من شأنكِ فوالله أن شأنك يعلو شأن نساء الارض أجمعين في عيوني، وليواجهني من يقول عكس ذلك.
رفعت سلمى عيونها صوب الشيخ بعدم فهم لتلك الكلمات، وضربات قلبها قد ازداد صخبها بشكل غير مسبوق، ليمنحها الأخير بسمة واسعة يضيف في نهاية جملته السابقة :
_ هذه كانت رسالة الملك لكِ أوصاني باخبارك إياها وكأنه يشعر أن ذلك التردد هو ما سيعلو وجهك في هذه اللحظة، لذا رأيت أن أخبرك بها كما نطقها هو ودون تحريف .
صمت ثم همس بصوت ممازح خافت :
_ حتى أن جملة التهديد الأخيرة نطقها بهمس وصوت منخفض غاضب ظنًا أنني لم اسمعها، لكنني فعلت واضفتها لرسالته لأنني أعتقد أنها ستضفي بعض الحماس عليها .
فركت سلمى يديها بقوة وقد بدأ خفقان قلبها يزداد، تواري بسمتها بصعوبة، ثم همست بصوت منخفض :
_ لكن ...أوليس ...يلزمني وكيل و...
_ لا تقلقي، الملك تدبر أمر كل ذلك فهو لا يخطو خطوة غير محسوبة، هذا إذا استثنينا هجماته الغير مخطط لها قديمًا على المنبوذين وحملات التطهير التي كان يخوضها كلما شعر بالملل .
اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تراقب ما يخرج من فم الشيخ الذي ضحك عقب كلماته وهو يشير بيده :
_ لا تهتمي فأرسلان لديه عقل غريب بعض الشيء لكن ....
صمت يهمس لها بصوت منخفض ونظرات غامضة حكيمة :
_ المتعة كلها تقبع في الغرابة، فالاشياء الطبيعية لا تثير الإنتباه في الغالب، ربما لهذا لم يستطع ولدي المسكين المقاومة كثيرًا .
لم تفهم سلمى كلماته لثانية قبل أن تبتسم بسمة صغيرة وهي تسمعه يكمل بهدوء :
_ ما حدث في المشفى يا ابنتي كان مقصودًا حدوثه، كل ما قيل كان مقصودًا، فالفأر حين يطمئن يخرج من جحره، لذا علينا ادعاء أننا لا ننتبه له ونحقق غايته حتى يخرج .
ولم تفهم هي كلمة واحدة، أما عنه فتذكر زيارة أرسلان له منذ ايام طويلة يخبره بقلقه من شيء يُدبر للإطاحة بسلمى، وقد صدق ظنه حين أبصر الجندي يقتحم خلوته ليلقي المرأة بالباطل، خرج من شروده يهتف بهدوء :
- والآن نحن هنا ننتظر موافقتك، فهل توافقين سلمى ابنة رائف، بالزواج من الملك أرسلان بن بيجان .
ورجفة صدرها تلك ونبضات قلبها في هذه اللحظة كانت تصرخ بالقبول، بل وبدأت تقيم احتفالات داخلها، وعم الصخب أرجاء جسدها، لكن عكس كل ذلك نطقت بكلمة واحدة هادئة، كلمة كانت الختم الذي يزين نهاية عقد جديد في حياتها :
_ موافقة ..
ومن بعد تلك الكلمة لم تبصر ظل أرسلان، إلا حينما جاءوا يخبرونها بأمر الاجتماع في قاعة العرش .
وها هي بدل الوقوف موضع المذنبة أمام العرش، اعتلته موضع الملك ..
ارتجف صدرها وهي تبصر أرسلان يقف بين الجميع يهتف بصوت جهوري محذرًا :
_ سبق وحذرت مرة واثنتين أن تلك المرأة هنا هي زوجتي وأن شرفها من شرفي، فإن كان شرفي هين بهذا الشكل لديكم، فكذلك دمائكم لي .
صمت والجميع حوله ينظرون له بموافقة، فالاغلبية الساحقة في المكان كانت رافضة لما يُقال ويتردد، والبعض أصحاب النفوس الضعيفة كانت احادتهم عن الحق اسهل من شربة ماء للشيطان .
هدأ ثواني ثم أكمل :
_ هذه البلاد للأشراف فقط وليس لاصحاب النفوس الخبيثة، كون أنني ادعيت الجهل والغباء، لا يعني أنني كذلك، كون أنني سمحت لكم بإرادتي أن تندسوا داخل قصري وقت ذلك الهجوم القديم عليه، فهذا لا يعني أنني احمق ولا ادري ما يُحاك ضدي، فلا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، كل ما يحدث أسفل هذا القصر يصل لي .
صمت ينظر ببسمة للجميع وقد تعجب بعضهم حين سمعوا كلماته تلك وكيف كشفهم وكشف لعبتهم، لكن الحقيقة هو أن أرسلان لم يغفل عن لعبتهم ليكشفها من الأساس، يوم ذلك الهجوم على القصر أبصر بعض جنودهم يتخفون بين جدران قصره ليندمجوا بين الجنود مستغلين أن هناك كل يوم فوج جديد ينضم للجيش فلا يعرف بعضهم بعضًا بشكل وثيق، ومن هنا بدأوا يتلاعبون ويخططون بمساعدة بعض مستشاريه الذين كانوا تابعين لولاده سابقًا ينتظرون فرصتهم للقيادة المطلقة، وهو احتفظ بهم أسفل عيونه افضل من إبعادهم عنه ويجهل خطواتهم، لكن أن يصل الأمر لزوجته فهذا ما لن يسمح به .
تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر صوب نجوم التي ارتعشت برعب وكذلك سراي التي حاولت أن تتمالك نفسها وقد انهارت في موجة بكاء منذ سحبوها من منزلها وحتى وصلت لهنا .
_ والآن من أفسد شيء عليه إصلاحه، شرف زوجتي الذي تلوث منذ وطأ ألسنتكم، الآن سيرد لها، تحدثي آنسة سراي وأخبري الجميع عن محتوى الزيارات التي كانت تأتيكِ داخل سجوني .
رفعت سراي عيونها بصدمة كبير وهي تتحدث بكلمات غير مترابطة :
_ أنه مولاي ... أنا لم أفعل شيئًا اقسم....
_ إياكِ أن تقسمي بالله كذبًا سراي، فلا يكفيكِ ذنوبًا لن تستطيعي حملها يوم الحشر .
أنهارت سراي وهي تهتف من بين شهقاتها وقد ارتجف صدرها في صحوة متأخرة، صحوة من أدرك الهلاك، وقد انسحب عنها شيطانها متبرئًا من فعلتها يردد ( إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) .
_ لقد ...لقد أخبرني أنه.... أنا آسفة اقسم أنني آسفة مولاي، اغراني الانتقام و....
_ ممن ؟؟ الانتقام ممن ؟؟ من امرأة منحتك الرحمة وتخلت عن حقها لأنها اشفقت عليكِ .
كانت سلمى تتابع ما يحدث وهي تتذكر كلمات أرسلان لها حينما غضب لأنها رحمتها، ربما لو كانت رفضت مسامحتها ذلك اليوم لما وصلت لهذه اللحظة حتى، وفي النهاية كان أرسلان يمتلك نظرة أكثر وضوحًا على نفوس البشر منها حتى .
خرجت من شرودها ذلك على كلمة رنت في أرجاء صدرها قبل أن ترن في المكان ورغم خفوتها، إذ نطقت بها سراي بصوت منخفض وهي ترفع رأسها بتردد :
_ لأنني احببـــ...
لكن وقبل اكتمال كلمتها والتي اكملها عقل سلمى بالفعل دون الحاجة لتنطق بها سراي مشعلًا بذلك نيرانًا داخل عيونها وقد بدأ صدرها يرتجف بغضب وهي ترمق سراي بنظرة مميتة، قاطع أرسلان كلماتها تلك رافضًا أن تلقي مثل تلك الكلمات على مسامع الجميع احترامًا لامرأة أضحت زوجته .
_ لا تخوضي نقاشات لم ادفعك لها سراي، لم أسألك عن سبب ما فعلتيه، فالشر لا ينتظر مبررات، أنا أسألك عما حدث، المكيدة التي دبرتيها مع ذلك الوسخ لأجل تلويث عرضي بزوجتي .
ختم حديثه يضرب الشاب الذي كان يقتحم غرفة سلمى في معدته بقدمه ليسقط الأرض وهو يطلق تأوهًا، وجراح جسده التي نالته من يد سلمى لم تندمل بعد.
نظرت سراي برعب للشاب وهي تهتف بصوت مرتجف :
_ سأخبرك ...سأخبرك كل شيء اقسم، لقد ...جائني يومًا رجلًا للسجون بعدما سمح له بعض أتباعه من الدخول واعطاني قنينة دواء .
صمتت ثم هتفت بصوت خافت جعل أرسلان يصرخ فيها :
- ارفعي صوتك واسمعي الجميع مصائبك، كما جعلتيهم يبصرونها .
ارتجفت وهي تبكي بصوت مرتفع :
_ كانت قنينة مخدر نضعها لها في الطعام لكي تنام ليلًا دون شعور ويدخل الرجل لديها دون أن تصدر أي مقاومة منها تحت أعين بعض الحراس والذين كان بعضهم من ضمن الخطة، وايضًا كي نضمن عدم خروجها أثناء تجوله مع امرأة ترتدي معطفها في الإرجاء كي تثير الريبة في صدور الجميع .
صمتت ثواني ثم هتفت تكمل ما تعلمه :
_ نفسه المعطف الذي منحته إياها سابقًا، وقد ذهب الرجل سابقًا وسرقه من غرفتها....هذا ...هذا ما أعلمه فقط اقسم ولا أدري مما حدث سوى أنني كنت منحت نجوم القنينة لتضعها في طعامها كل يوم .
تحركت الأعين صوب نجوم التي كانت تحدق أمامها دون كلمة أو مقاومة حتى، تستمع لما يحدث كما لو أنه لا يعنيها .
فجأة انتفض جسدها حين سمعت صوت الملك يتحدث بهدوء رغم نبرته المرعبة :
_ وأنتِ آنسة نجوم، أليس لديكِ ما تخبربيني به ؟؟
رفعت عيونها له دامعة تهمس بصوت منخفض تعيد نفس الحديث الذي أخبرته به قبل تحركها لمنزل سراي :
_ لن ادافع عن نفسي، لكن اقسم بالله أنني لم اعلم ما يدور خلف كل ذلك، لقد أخبرتني أن ذلك المشروب لم يكن سوى مجرد مشروب يسبب بعض الاوجاع فقط لتنتقم منها، والله ما علمت ما يدور حولي، إلا حينما سمعت ما يقال عن جلالة الملكة فذهبت لها لأعلم صدق ما وصل لي، هذا ما حدث وليشهد الله على كلماتي .
أبعد أرسلان عيونه عنها وهو يحركها صوب الشاب الذي كان ما يزال يتأوه، تحرك له يجلس القرفصاء أمامه، يرمقه ثواني قبل أن يتركه دون أن يجبره على قول كلمة، وكأنه يرفض أن يتحدث بحرف أمام الجميع كي لا يجن جنونه هو ويحطم عظامه، يحتفظ به لوقت لاحق يظهر به تجبره بعيدًا عن أنظار امرأته.
_ مستشار والدي العزيز، والله أنني ظننت وقد أخطأ ظني أنك الوحيد الذي نجوت من موجة الخيانة التي ضربت الجميع، خيبت ظني بك .
رفع الرجل عيونه صوب أرسلان وهو يحاول أن يستسمحه :
_ جلالة الملك أنا لست ...
_ لا لا يا عمر هذا ليس وقت التوسل أو غيره، هذا وقت المحاكمة التي كنت أول المطالبين بعقدها، تتذكر ؟؟
صمت ثم حرك عيونه صوب المستشار السابق له والذي طرده شر طردة.
_ أحضرت ابن شقيقك للعمل لدي، واخبرتك أنني لا اقبل التوسط ورغم ذلك عينته مستشارًا لما أبصرت به من مهارة، ومن ثم حينما صرفته عن العمل ظننتك تفهمت حكمي، لكن يبدو أنني أخطأت الظن وللمرة الثانية، لكن أوتعلم هذا ليس خطأك، فأنا وعدا نفسي وزوجتي والقليل فقط لن اثق بأحد .
ورغم أن الموقف لا يتحمل ما فعلته إلا أنها لم تستطع أن تكبت بسمتها بعد كلماته تلك، تنظر له بتقدير، تراه يتحرك أمام الجميع وبكل بساطة دون أن يخوض في أحاديث _قد تتسبب لها في الخجل من وضع عينها في عين أحدهم لاحقًا _ أعاد لها حقها مكتملًا.
انتهى من كلماته وهو ينظر للجميع قبل أن يردد بهدوء :
_ اعتقد أن الجميع الآن يبصر الحق واضحًا ويبصر الباطل كذلك، لذا انتهينا من الأمر ولن يُذكر بعد اليوم ولو بينكم وبين أنفسكم خفية، اسم زوجتي لن أسمح أن يتناقل على الألسنة سوى بالخير .
فرد ذراعيه يبتسم للجميع وقد كانوا كلهم ينظرون له بتقدير واحترام :
_ انتهينا والآن حان وقت الحكم، وبعد تنفيذ حد قذف المحصنات بالطبع، سيكون الحكم عليكم كالآتي ......
صمت ثواني يمرر نظراته صوب الجميع ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد وكأنه لا يلقي حكمًا على بعض المجرمين :
_ مستشاري الاعزاء يتم تجريدهم من كامل السلطات الممنوحة لهم، ويتم دفع مبلغ قدره عشرة الآلاف قطعة ذهبية من اموالهما الخاصة كمساهمة وكرم منهما في مساعدة المحتاجين، ولعل ما أفعله يكون العمل الصالح الوحيد في كتابهم، ومن ثم يتم سجن كلًا منهما عشر سنوات دون أن يبصر شمسًا حتى أقول عكس ذلك .
حرك رأسه صوب الجنود الذين ساعدوا الشاب في الدخول للغرفة زوجته ومن ثم قال :
_ الجنود الاعزاء الذين اندسوا بين جيشي، لا فدية لهم عندي، يُعدموا مع شروق الشمس القادم .
كانت كلماته قاسية، ونظراته متجبرة لا يبصر ولا يظهر أي رحمة في كلماته، يحرك عيونه صوب سراي ونجوم:
_ سبق وأن رحمتك زوجتي لكن نفسك المريضة اعادتك حيث كنتِ منذ أيام فقط، واثق أنني إن رحمتك هذه المرة ستعودين للانتقام مني المرة القادمة، فامثالك لا اتعاظ لهم ولا عودة عن الباطل، ورأفة بوالدتك التي رُزقت بنبتة خبيثة مثلك، سأكتفي بتنفيذ حد الله عليكِ والذي سبق أن سقط عنكِ .
أنهارت سراي ارضًا تبكي وتنوح وتتوسل، لكن لم يلتفت لها أرسلان حتى وهو ينظر لنجوم التي كانت تبكي بصوت منخفض تنتظر عقابها بصمت :
_ أنتِ وبما أنه خطأك الاول ولم تنكري ما فعلتيه، بل وجئتي لي تعترفين، سأسقط عنك العقاب على أن تتركي العمل في القصر وتغادري دون رجعة .
سقطت دموع نجوم أكثر دون كلمة واحدة تهز رأسها بينما يدها كانت ترتجف بين أحضانها .
وارسلان يراقب دون أن تأخذه بهم شفقة، يحرك عيونه صوب الأخير والذي كان نفسه الرجل الذي استحل لنفسه امرأته واقتحام غرفتها وتلويث سمعتها، نظر له بهدوء ولم يتحدث بحكم في حقه يشير بعيونه صوب المعتصم الذي علم ما يريده ليتحرك له بنفسه يسحبه من منتصف الساحة، ومن ثم بدأ الحراس يسحبون الجميع واحدًا تلو الآخر لتنفيذ ما قاله أرسلان تحت أعين الجميع والذين ابصروا في هذه اللحظة بيجان آخر، لكن على الاقل أرسلان كان قاسيًا مع من يستحق عكس والده الذي لم يكن يفرق بين عدو أو حبيب .
_ والآن يا سادة انتهت المحاكمة ...افتحوا الابواب .
تحرك الحراس وفتحوا الابواب ليتنفس الجميع الصعداء وكأنهم كانوا يخشون أن يتم سحبهم لمنتصف الساحة ويجدون نفسهم موضع اتهام دون معرفة السبب، وقبل أن يتحرك أحدهم خطوة تحدث أرسلان بصوت مرتفع :
_ بعد يومين يتم إشهار زواجي من جلالة الملكة، والجميع مدعو ليشرفني في زفافي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمجرد أن انتهى مما يفعل وأودع الشاب داخل السجن الذي لا يعلمه الكثيرون تحرك مهرولًا خارج المكان، وقد قادته لهفته صوبها، وكم اشتاق، ويؤسفه أن يقول اشتاق لصوتها الذي كان يقاطع تقدمه كل مرة وهي تهتف بنبرتها المبتهجة _ وكأنها تنطق كلمات أنشودة العيد وليس اسمه _ يا المعتصم ..
وأين المعتصم الآن فاطمة ؟؟
روحٌ جوارك وجسدٌ هائم يبحث عن طيفك .
توقف في طريقه حينما وصل واخيرًا حيث تقبع هي، ابتسم بسمة صغيرة وهو يطرق باب الغرفة ينتظر منها ردًا يروى قلبًا اشتاق لصوتها، لكن لم يحدث .
تعجب يعيد الطرق حتى تخيل أنها ربما نائمة، لذا ابتعد عن الباب يحضر مقعدًا يضعه أمام الباب وقد قرر أن يعسكر بالقرب منها تحسبًا لاستيقاظها في أي وقت، جلس واللهفة رفيقته، ينتظر أن تستيقظ ويبصر عيونها أو يسمع صوتها حتى وقد وصل لمرحلة صعبة في حب تلك المرأة، وربما إن تأخرت عليه بالرد فيما يخص زواجهما قد يجبرها، ومن ثم يطلب غفرانها.
ظل جالسًا لدقائق طويلة لم يحسبها إلا حينما أبصر الطبيبة تتحرك صوب غرفة مجاورة بملامح جامدة، لكن حينما ابصرته نظرت له بتعجب :
_ سيدي القائد، هل هناك ما تنتظره في مشفى النساء هنا ؟!
خجل المعتصم من جملتها يدرك أن تواجده غير صحيح او خاى مرغوب لكنه تجاوز الكثير في حبها سابقًا والآن لا يمكنه التراجع :
_ أنا فقط انتظر أن تستيقظ فاطمة لاطمئن عليها .
ونظرة التعجب التي خرجت منها ومن ثم كلماتها المصدومة أوقفت قلبه لثواني معدودة وهي تنبث بكلمات أثارت جنونه :
_ فاطمة ؟؟ لكن الغرفة لا تحتوي أحدًا لقد رحلت و...ظننت أنك أخذتها إذ أخبرتني البارحة أنها ستتزوجك .
شعر المعتصم بصدره يتفتت من الرعب في هذه اللحظة وهو يهمس بصوت متردد وبسمة مصدومة مما سمع :
- أنا...لا افهمك، ليست هنا ؟؟ ما الذي تعنينه و....لقد ...تركتها هنا البارحة مع وعد بالعودة نعم، لكنني لم آخذها وكيف افعل ونحن لم نتزوج بعد ؟! ما الذي تتحدثين به دكتورة ؟!
شحب وجه الطبيبة تهتف بصوت منخفض :
_ أنا لا اعلم، لقد جئت منذ دقائق اتفقدها ولم اجدها فخلت أنها ذهبت معك و....
وقبل أن تنتهي من كلماتها اندفع جسد المعتصم كالمجنون خارج المشفى وهو يهتف برعب وقلق :
_ لا لا فاطمة لا تفعلي بي هذا، ارجوكِ لا تفعلي بي هذا فاطمة .
كان يهذي بكلمات مرتعبة وهو يهرول في الحديقة يبحث عن حصانه، يفكر أنها ربما عادت لمنزلها أو ذهب لوالدتها، هذا ما جاء بعقله، لكن فجأة توقفت أقدامه وهو يسمع صوتًا خلفه يهتف بنبرة مبتهجة :
_ يا المعتصم ..
وفي ثواني شعر المعتصم بأن أعصابه لم تعد قادرة على الحفاظ على رباطة جأشه، فانهار وهو يدفن وجهه بين كفيه يتحدث بكلمات منخفض وجسده يرتجف .
وفاطمة والتي عادت كما كانت وكأن لا شيء حدث معها تقترب منه بوجه شاحب رغم بسمتها الصغيرة المرسومة أعلى فمها والتي تناقض حالتها الجسدية المتعبة، وكأن عقلها أشفق عليها بعد كل تلك الأحداث ليمارس معها لعبته المفضلة ويحذف كل ما تسبب في وجعها.
_ كيف حالك يا المعتصم ؟!
حرك المعتصم عيونه عليها وكأنه يسألها ( بل كيف حالك أنتِ فاطمة ؟!)
_ فاطمة أين كنتِ بحثت عنك كثيرًا و...
توقف عن الحديث وهي تقاطعه ببسمة واسعة :
_ شعرت بالملل في فراش المشفى وقررت العودة لأمي فلا بد أنها تنتظرني الآن في المنزل، لكن الخالة ألطاف ابصرتني قبل الرحيل وأصرت أن ابقي لتناول الفطور، وللتو انتهيت، والآن سأعود ويكفيني بقائي كل هذه الفترة هنا و... أنت يا المعتصم أخبرتني أنك ستأتي بأمي لي ولم تفعل .
_ ليتني كنت استطيع، والله ما تأخرت ثانية عنكِ .
ابتسمت له بعدم فهم :
_ لا بأس أنا سأذهب لها على أية حال، وقد أخبرتني الخالة ألطاف أنني يمكنني أخذ اليوم إجازة، هل تعتقد أنني يمكنني أخذ غدًا كذلك إجازة ولن تغضب رئيسة العاملات هنا ؟!
صمتت ثواني ثم قالت بنفس ذات البسمة التي منحتها له ذلك اليوم قبل الرحيل صوب المنزل :
_ يمكنني صحيح ؟؟ أنت حقًا ذو مروءة يا المعتصم.
غامت عيون المعتصم بحزن كبير وهو يسمعها تردد نفس الكلام قبل رحيلها ذلك اليوم، قلبه تحطم قطع صغيرة يشعر بالعجز الشديد عن مساعدتها، وكيف يفعل .
_ فاطمة أنتِ لا ...لا تتذكرين ما حدث صحيح ؟؟
_ وماذا حدث ؟؟
_ الحريق ..
لم يستطع أن يتحدث بكلمة إضافية مخافة أن يزيد من ضغطه عليها ويؤدي ذلك لأذيتها، لذا صمت يراقب انكماش ملامحها بوجع وحزن ثم هتفت بصوت خافت مكسور :
_ أي حريق تقصد ؟؟ لا أتذكر سوى الحريق الذي خسرت به أبي وأخي ..
سقطت دمعة من عيونها وهي تهتف بصوت موجوع أكثر:
- كان حريقًا مريعًا، أخذ ابي وأخي ومنزلي ولم يبقى لي سوى امي فقط ادامها الله لي ...
ارتجف صدر المعتصم وغامت عيونه بدموع أبى أن تهبط أمامها وهو ينظر لها بوجع وداخل عقله تتردد جملة رفض النطق بها ( حتى هذه لم يتركها لكِ فاطمة، حتى هذه أخذها منكِ ولم يترك لكِ سوى ذكريات محترقة ) .
_ المعتصم لِمَ ذلك الحزن الذي يعلو وجهكِ، هل أنت حزين عليّ ؟؟
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة يحاول أن يمحو وجعه البارز على ملامحه :
_ أنا فقط أتعجب من قوتك يا صغيرة، الله زرع بكِ صبرًا لا يمتلكه أعتى الرجال .
اتسعت بسمة فاطمة وهي تقول بصوت خجل بعض الشيء تنظر ارضًا :
_ أنت لطيف يا المعتصم، شكرًا لك .
ابتسم لها بسمة أكبر وهو يتحدث بصوت هامس وصل لها هي فقط :
_ إذن فاطمة هل ...هل تتذكرين ما أخبرتك به ؟؟
نظرت له بعدم فهم، ليقترب منها خطوة :
- زواجنا فاطمة، هل فكرتي بالأمر ؟!
اتسعت عيون فاطمة وزادت ضربات قلبها وشعرت بالخجل يطيح بعقلها وقد صدمها ذلك العرض المفاجئ منه :
_ تتزوجني ؟؟ أنت... أنت تريد الزواج بي أنا أيها المعتصم ؟!
_ سيكون هذا من دواعي سروري .
ابتلعت ريقها وهي تنظر ارضًا :
_ لا يمكنني أن اجيبك الآن، عليك التحدث مع والدتي حول هذا الأمر.
ابتسم المعتصم بحزن وهو يهز رأسه يشعر كل ثانية بالعجز يأكله وينخر عظامه، يبحث في عقله عن مخرج لها من سوادها وظلام ماضيها، يشعر بالجوع كلما أبصرها تنبذ حاضرًا وتتخذ من ماضيها حياة، توهم نفسها بحياة وتقنع عقلها بها مستنكرة واقعها.
_ لا بأس فاطم سأفعل يا صغيرة، يمكنني التحدث مع والدتك والجميع وأخبارهم أنني اطلب ودك.
زادت ضربات قلب فاطمة وهي تشعر أنها تحلق في السماء في هذه اللحظة، المعتصم والذي كانت تحلم به، رجل أحلامها وبطل واقعها يطلب ودها ويتوسلها الزواج .
نظرت له ثواني، قبل أن تتحرك بعيدًا عنه بخجل صوب بوابة القصر :
_ إذن سأعلم أمي بقدومك و...
وقبل خروجها توقف أمامها المعتصم بسرعة وهو يهتف بنبرة متلهفة :
_ إلى أين ؟!
نظرت له بعدم فهم :
_ ما بك يا المعتصم ؟؟ أنا سأعود للمنزل .
- أي منزل ذلك ؟؟ فاطمة هذا منزلك .
_ لا هذا ليس منزلي، منزلي هناك حيث أمي، وانا سأذهب لاطمئن أنها بخير .
ولم تكد تتحرك حتى توقف أمامها المعتصم يحاول إقناعها :
_ لا يوجد هناك فاطمة، منزلك هنا وأنتِ لن تخرجي من هنا، هيا تعالي معي سأقودك لغرفتك الجديدة، سوف أعد لكِ واحدة جميلة، هيا تعالي معي ارجوكِ.
تعجبت فاطمة ما يفعل تحاول أن تهرب من بين يديه التي يحيل بها بينها وبين منزلها ووالدتها :
_ المعتصم أنت تتصرف بغرابة، دعني أمر لأجل العودة لأمي و....
فجأة جن جنون المعتصم وهو يصرخ وقد فاض به من رؤيته لها بهذه الحالة :
_ أمك رحلت فاطمة، لم يتبق لكِ في هذه الحياة أحد الجميع رحل فاطمة، الجميع رحل، الحريق أخذ والدتك كذلك .
اتسعت عيون فاطمة وشعرت بانفاسها تجاهد للخروج من صدرها، بينما المعتصم استوعب فجأة ما قاله أمامها ليشحب وجهه وهو يقترب منها بسرعة ورعب :
- لا لا فاطمة انا اسف لم أقصد أنا... أنا....هذا ليس صحيحًا فقط أنا شعرت بالــ ...
وقبل إكمال جملته أبصر دموعها تهبط كالسيول على وجهها وهي تتراجع بعيدًا عنه، وقد بدأت تبصر الارض أسفلها كما لو كانت تتحرك أثناء وقوفها، شعرت بدوار عنيف يضرب رأسها وقبل تحركها حركة واحدة كان جسدها يرتطم بقوة في الارض أسفلها تحت صرخات المعتصم الذي شقت الأجواء الهادئة حوله ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأت القاعة تفرغ من الجميع عداها وقد استقرت على العرش دون أن تتحدث كلمة واحدة منذ وجودها في المكان، هادئة بشكل غريب عليهؤ مؤلف على شخصيتها، فالطالما صمتت سلمى حينما وجدت أنه لا حاجة للحديث، وهذا ما تعلمته خلال حياتها.
راقب أرسلان الجميع يرحل، ومن ثم استدار ببطء صوبها لتتوتر وللوهلة الأولى أسفل أنظاره وقد كانت هذه أولى نظراته الطويلة لها بعد عقد القرآن.
طالت النظرة ولم يقطعها سوى صوت تيّم والذي اتضح أنه لم يخرج بعد، بل خرج لتوه من الغرفة الجانبية للقاعة وهو يتحدث بهدوء واحترام شديد :
_ مولاي عذرًا للمقاطعة، لكن هناك ما حصل أثناء انشغالك ويجب أن تعلمه .
أبعد أرسلان عيونه عنها بهدوء وهو يوجه أنظاره صوب تيّم يهتف بهدوء :
_ ما الذي حدث تيّم؟؟
أشار تيّم لإحدى الجهات حيث كانت توبة تنعزل بنفسها عن الجميع، بل وكادت تنسحب من المكان حين أبصرت انشغاله بزوجته الجديدة، لكن تدخل تيم حال ما دون ذلك، لذا تابعت ما يحدث وهي تسمع صوت تيم يهتف بهدوء شديد :
_ الأميرة توبة مولاي، أميرة سبز في ضيافتنا ..
ربما كان اسمًا عاديًا على مسامع سلمى والتي طافت عيونها بفضول لتبصر تلك المرأة التي يتحدث عنها تيم، فابصرت حسناء بملامح وجه مليح جعلت عيونها تنبهر للحظات قبل أن يخفت انبهارها شيئًا فشيء ويحول مكانه صدمة وهي تبصر انتفاضة جسد أرسلان بعنف وهو يهتف بعدم تصديق يهرول صوب المرأة أمام عيونها متلهفًا بشكل مرعب :
_ تـــــــوبــــة ؟؟ يا الله توبــــــة أنتِ بخير ؟؟
ارتفع حاجب سلمى وهي تردد بصوت منخفض ونبرة شبه غاضبة :
_ أوه، توبة ؟؟ حقًا ؟!
تحركت عن العرش تهبط عنه تتحرك صوب الساحة حيث هرول زوجها منذ ثواني صوب فتاة حسناء تقف بكل رقي في أحد الأركان، وبمجرد أن وصل لها أرسلان حتى أمسكت توبة طرف ثوبها بهدوء ورقي وهي تنحني نصف انحناءة ببسمة صغيرة راقية :
_ جلالة الملك .
تأوهت سلمى تشعر بمشاعر لا معنى لها تدور داخل صدرها :
_ حسنًا له كامل العذر في لهفته .
تقدمت خطوات تبصر لهفة زوجها على تلك المرأة وهو يمر بعيونه عليها يهتف بصدمة كبيرة وملامح غير مفسرة لها :
_ هل أنتِ بخير ؟؟ أين كنتِ ذلك الوقت لقد ...لقد ارسلت العديد من الجنود للبحث عنك في شمال البلاد كما ادعى ذلك الخسيس زوجك.
ابتسمت توبة بسخرية كبيرة وهي ترى أن زوجها العزيز قد تدبر حججه لأجل غيابها :
_ أنا بخير لا تقلق جلالة الملك، الأمر طويل لأحكيه لك الآن.
ختمت حديثها بنبرة هادئة راقية، وارسلان ما يزال عقله يدور في دوائر فارغة يأمل أن يطمئن عليها مخافة أن يكون أحدهم قد تعرض لها .
_ تيم أرسل خطابًا لسفيد وآبى أعلمهم به أن الأميرة توبة في ضيافتي وقد أعادها الله لنا بخير .
كل ذلك كانت تتابعه سلمى بأعين متفحصة وملامح هادئة لا توحي أيًا مما تكتمه، فقط تراقب تلك المرأة الغريبة والتي ظهرت من العدم والتي يبدو من حديث أرسلان أنها ذو شأن عظيم، وهذه الجميلة ذات الشأن العظيم من بين جميع الأيام اختارت يوم زواجها من أرسلان لتظهر و....
ومهلًا هل ما تشعر به في هذه اللحظة غيرة ؟!
ونعم ربما كانت، خاصة بعدما أبصرت إعجابًا واضحًا في أعين المرأة ايزاء زوجها العزيز والذي كان على ما يبدو مغناطيسًا للنساء، كل هذا وهو لا يُحتمل التعامل معه، ماذا إن كان معسول الكلام ؟؟
_ لا ينقصه سوى حرملك ويملئه بالجواري وملك اليمين لتكتمل صورة الملك الذي يذيب القلوب .
ويبدو أن همستها كانت شبه مسموعة إذ انتبه لها أرسلان من بين صدمته بوجود توبة، استدار ببطء صوبها يهمس بعدم فهم :
_ ماذا قلتي للتو ؟؟
ابتسمت له سلمى تجيب بكل بساطة وعناد :
_ سمعتني فلا حاجة لأعيد كلماتي مجددًا جلالة الملك كي لا اضيع وقتك الثمين بسماع كلماتي التي لن يسعدك أن أرددها واشغلك بها عن ...سمو الأميرة .
اتسعت عيون أرسلان بقوة مما سمع وشعر بالدهشة من كلماتها وتصرفاتها التي كانت غريبة عليها في هذه اللحظة، لكن رغم ذلك لم يجبها أو يجادلها بكلمة واحدة يعود بنظره صوب توبة التي نظر لها بحرص ودقة :
_ أنتِ بخير صحيح ؟؟ هل مسّك أحدهم بسوء؟؟ فقط أخبريني .
ضمت سلمى ذراعيها لصدرها بهدوء تستمع للهفة زوجها العزيز على امرأة أخرى لا تعلم من أين ظهرت وما الذي جمع بينها وبين زوجها، كان يمكنها ادعاء الغضب والحنق ومغادرة بأكمله لعل هذا ينبهه إلى وجودها، لكن كل ذلك لم يكن من شيم سلمى التي تقدمت منهم تقف جوار أرسلان كتفًا بكتف وهي تراقب توبة عن كثب .
لتتفهم الأخيرة ما يدور بعقل سلمى فتقرر الانسحاب في هذه اللحظة تاركة لهما حرية الحديث :
- كما أخبرتك مولاي الأمر يطول شرحه، لذا أفضل أن تنتهي مما لديك، ومن ثم نتحدث فيما حدث، ولا تقلق أنا بخير حال الحمدلله، كتب الله لي عمرًا ونجاة بفضل مساعدة البعض و....
صمتت حين مر طيفه على خيالها لتشعر بارتجافة شوق تصيب قلبها، ومجرد تذكره تحيي داخلها مشاعر ما ظنت يومًا أن تمتلكها لرجل، ولو تخيلت أن تفعل فكان من الأولى أن تفعل ذلك للرجل الذي يهيمن عليها في هذه اللحظة، لكن وعلى عكس المتوقع مشاعرها الآن توجهت دون شعور منها صوب من لا يجوز لها أن تفكر به حتى، لكن دون إرادتها رددت بصوت خافت ومشاعر عميقة انعسكت في عيونها :
_ ساعدني أحدهم لأصل هنا بسلام وخاطر بحياته لأجلي، لذا لا تقلق ما كان ليسمح بأحدهم أن يمسني بسوء ولو بروحه .
وبهذه الكلمات مرت على رأسها كل ذكرى لهما سويًا وهو يدافع عنها من أهل الجحر تارة ونساءه تارة، والعملاق تارة أخرى، نظراته وكلماته وبسماته لها.
وفي هذه اللحظة تعلن وبكامل الأسف وبخالص التعازي، أن نزار امتلك بقلبها ما لم يمتلكه غيره ....وكم تؤسفها تلك الحقيقة .
شعرت برغبة عميقة في الهرب من أمام الجميع والاختلاء بنفسها كي تناقش معها تلك الحقيقة المرعبة التي ادركتها للتو .
_ آسفة لو ازعجتك بقدومي هنا ولجوئي لحمايتك و....
قاطعها أرسلان بقوة ونبرة جادة :
_ توبة، مشكى لا ترد سائلًا لجأ لها ولو كان عدوًا، فما بالك بكِ وأنتِ منها، اسمحي لي باستضافتك ورد جَميل والدك بإكرامك، ولو أنني لا اعتقد أنني يومًا قد اوفيه حقه ولو اكرمتك أمد الدهر .
وها هو طرأ للنقطة التي كانت تهرب منها منذ جاءت، شعرت بصدرها يرتجف ونبرتها تخرج مهتزة، وعيونها تمتلئ دموعًا وهي تنظر ارضًا بهدوء :
_ أبـــ....أبي ...كيف ...كيف هو ؟؟ اصدقني القول، هل هو ...ما يزال حـــ
قاطعها أرسلان وقد أدرك ما تود قوله :
- مايزال، الملك بارق ما يزال حيًا يرزق بفضل الله ورحمته به ..
_ وبي .
سقطت دموعها وقد كان هذا جل ما تريد سماعه، تهمس بصوت منخفض :
- الحمدلله، يكفيني هذا لأتنفس براحة، شكرًا لك جلالة الملك .
هزت رأسها باحترام، بينما أرسلان كانت لديه الكثير والكثير من الأسئلة التي تدور داخل عقله ليطرحها عليها، لكن في هذه اللحظة شعر أنها لا يمكنه الأمر بالنظر لحالتها.
لذا تحدث لتيم بهدوء :
_ تيم أرشد سمو الأميرة لغرفتها واوصي لها بالطعام واكرموها فهي صاحبة أرض .
سقطت دمعة توبة تهز رأسها بشكر :
- اشكرك مولاي و... أنا معي ضيفة إن لم يكن هذا يزعجك .
_ للتو أخبرتك أنكِ صاحبة أرض، فتصرفي على هذا الأساس سمو الأميرة .
ابتسمت له بسمة صغيرة ترفع طرف ثوبها وهي تحييه، ومن ثم نظرت صوب سلمى ترمي لها بتحية سريعًا ثم تحركت بهدوء مع تيم تحت نظرات سلمى التي شعرت بالحزن عليها حين تحدثت عن والدها رغم أنها لم تدرك بعد ما حدث معها، لكن لم تستطع سوى أن تشفق عليها وتشعر بالاسف لأجلها .
_ هذه الأميرة توبة أميرة سبز .
كان هذا صوت أرسلان الذي خرج بمجرد المكان إلا منهما، استدارت له ببطء وهي تنظر له بسخرية :
_ نعم هذا واضح فأنت لم تتوقف عن ترديد اسمها منذ أبصرتها، وأنا لا تنطق اسمي إلا حينما تكون كارثة قد حلت عليّ .
رمش أرسلان بعدم فهم :
_ ما الذي تتحدثين به، أنا كنت فقط ....
_ لا انتظر منك مبررات جلالة الملك، انتهت المحاكمة وانتهى السبب الذي تزوجتني لأجله، لذا تصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث .
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه بهدوء والنيران ما تزال تشتعل داخل صدرها دون إرادة منها، وما كادت تخطو خطوة واحدة بعيدًا عنه، حتى شعرت بيده تحكم القبض على ذراعها وهو يجذبها بقوة معيدًا إياها أمامه وقد التمعت عيونه بشكل مخيف يهمس بصوت منخفض :
_ ما الذي لم يحدث يا امرأة ؟! هل تظنين زواجي منكِ لعبة؟؟
_ لم أقل أنه لعبة، لكن أنا وأنت نعلم جيدًا مولاي أنه مجرد حل مؤقت خرجت به لــ
ابتسم بسمة لا معنى لها يردد نفس كلمتها بنبرة ساخرة مستنكرا :
_ مؤقت ؟! خسئتي أنت واشباهك الاربعون، والله ليكونن أبد الدهر وحتى الفظ آخر انفاسي، وطالما كتب الله لي عمرًا لاحياه فلن يجاور اسمك اسم رجل غيري ولن تبصري من الذكور عدايا سلمى، أصبحتِ زوجتي وحقي وأنا لا أشارك حقي مع أحدهم ولو كان ذلك الاحدهم قردك الاجرب.
شعرت سلمى بمعدتها تتلوى بوقع كلماته وعيونها تتسع شيئًا فشيء، ورغم أنها يومًا لم تتقبل الكلمات الحادة من أحدهم، إلا أن كلماته ورغم حدتها ابهجتها، لكن هي لن تجعله يسعد بذلك إذ قالت بهدوء :
_ لا يمكنك أن تتحكم بي، قوتك لن تفرضها عليّ جلالة الملك
جذبها أرسلان صوبه بهدوء حتى أصبحت بين أحضانه بكل ما للكلمة من معنى وقد بدأ جسدها ينتفض بسبب قربها ذاك منه :
_ أخبرتك وسأعيدها جلالة الملكة، لم اعامل يومًا شيئًا أريده بالقوة خوفًا من أن يتحطم أسفل قبضتي وأنتِ ....
صمت ثواني ينظر لعيونها التي كانت أسيرة نظراته في هذه اللحظة :
_ أنتِ لستِ شيئًا سلمى، أنتِ زوجتي وعليكِ العلم أن ما يسير على الجميع مني لا يشملك، وما اخصك به لا يشمل الجميع، ما كان لامرأتي وما يخصها أن يتساوى مع الجميع .
ختم كلماته يحرر ذراعها ببطء، يبتسم لها بسمة حنونة تبصرها بعيونه للمرة الثانية بعدما ابصرته يوجهها سابقًا لكهرمان، ومن بين شرودها في نظراته استغل هو الوضع يميل عليها ببطء يقبل رأسها بحنان شديد، ثم أبتعد عنها هامسًا وكأن يرحب بها وأخيرًا داخل حياته التي ظن أنها ستغرقه بوحدته :
_ ثلاثة عقود ويزيد، طال انتظارك لتؤنسي وحدتي، فمرحبًا بكِ زوجة وانيسة للعمر سُليمىٰ.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ الوليد ما الذي تفعله هنا ؟!
صُدم نزار حينما فرغ من صلاته وابصر الوليد يجلس جواره ينتظر أن ينتهي ليسارع ويمسك ذراعه بلهفة :
_ تعال معي علينا اخراجك من هنا .
لوهلة شعر نزار أن الزمن يعيد نفسه، نظر حوله بتشوش يتأكد أنه ليس في سجن والده ينتظر تنفيذ حكم الإعدام به، ثم عاد بنظره صوب الوليد يتحدث بعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا وما الذي تفعله في هذه اللحظة يا الوليد ؟! ثم تخرجني من هنا ؟! أولست أنت من احضرني سابقًا ؟!
_ أخطأت والآن أصلح ما أخطأت به، هيا دعني اخرجك قبل عودة أي من الرجال في الخارج فقد صرفتهم بصعوبة .
جذب نزار مرفقه من يد الوليد بهدوء :
_ من أخبرك أنني أود أن أصلح هذا الخطأ، ومن أخبرك أنه خطأ من الأساس، هذا التصرف الوحيد الذي اشكرك عليه يا الوليد، لولا أنك احضرتني هنا ما استطعت إيجاد توبتي .
نطق كلمته الأخيرة يخفي خلفها مشاعر كثيرة، ثم ابتسم وهو يبعد عيونه عن الوليد :
_ أنت رجل صالح يا الوليد خسارة أنك على الجانب السييء، خسارة أن الخير فقد رجل مثلك، أعد ترتيب حساباتك وعد لربك يا الوليد .
شحب وجه الوليد من كلماته وهو يتراجع ببطء وكأن كلمات نزار كانت صفعة عنيفة على وجهه، بينما الأخير يرى بالوليد بذرة صالحة، رجل ذو بأس قوي الشكيمة، ذو عقل حربي ممتاز، يستكثره على أنمار وجيشه، يستخسره في الكفر .
_ عد فباب توبتك ما يزال مفتوحًا يا الوليد .
ارتجف جسد الوليد يتجاوز عن تلك الكلمات وهو يهمس بصوت مرتعش مهتز من شدة المشاعر داخل صدره :
_ عليّ إخراجك من هنا فأنمار لا ينتوي لك خيرًا .
_ ولا أنا أفعل، لذا دعه يفعل ما يريده والغلبة في النهاية للاقوى.
_ دعني اساعدك ارجوك نزار لا تعاند بحياتك لقد ...
قاطعه نزار وهو ينظر له يتساءل بهدوء وبسمة :
_ أخبرني يا الوليد، ما سبب مساعدتك لي ؟! تمسسك بنجاتي ما سببه ؟!
نظر له الوليد ببهوت وهو يهمس بتردد وصوت خفيض :
_ أنت تعلم أنني أدين لكِ بحياتي منذ انقذتني قديمًا وساعدت والدتي لتتخطى مرضها ووجعها، و....
قاطعه وقد وصل أخيرًا لما يريد :
_ تشفق على والدتك من وجع ولم تشفق عليها من صدمتها بولدها حين تلتقي بها يوم القيامة وتسألك سبب ما فعلته ؟! لا تخشى من وقفتك أمام رب العباد حين يسألك ما اجرمت به يداك؟!
صمت وهو يترك الكلمات تتردد بعقل الوليد الذي لم يجب بكلمة وقد بدأ صدره يتحرك بقوة، ليتركه نزار في هذه اللحظة ولم يزد عليه كلمة، يغير الأمر سريعًا :
_ أخبرتني أنك صرفت الجنود صحيح ؟؟ حسنًا أنا اطالبك بمساعدة صغيرة يا الوليد فهل تفعلها لأجلي ؟!
نظر له الوليد بتسائل ليبتسم نزار بسمة صغيرة وهو يهمس بتردد :
_ أريد الذهاب في زيارة قصيرة لمشكى، أدرك أنك تمتلك طرقًا لدخولها وتمتلك رجالًا داخلها يساعدونك، أود التأكد من سلامتها، ليطمئن قلبي، فهل تفعل لأجلي ؟؟
نظر له الوليد طويلًا قبل أن يحرك رأسه حركات صغيرة مترددة :
_ نعم يمكنني بالطبع نزار، تجهز حتى أعطيكِ إشارة مني للتحرك صوب مشكى والعودة قبل أن ينتبه أحدهم.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمن يُعاد والجروح تتجدد، نفس المشهد يتكرر، يركض حاملًا إياها بين يديه فاقدة لكل معاني الحياة، نفس الرعب ونفس الرجفة التي تملكته كلما خطى للمشفى حاملًا إياها بهذا الشكل، يتساءل والوجع يأكل صدره، متى تحين لحظات سعادته معها، متى يحملها بين يديه وهي زوجته وبكامل صحتها ؟!
دخل بها إحدى الغرفة يضعها على الفراش سريعًا، ثم أنهار جوارها وهو يتمسك بالفراش يهتف بصوت متقطع ونبرة تجاهك للخروج متماسكة :
_ ارحميني فاطم ارحميني، كوني بخير لأجلي، أتوسل إليكِ أن تكوني، لا تجعلني أحيا حياتي كلها مبصرًا إياكِ بهذا الضعف وهذا الشحوب .
دفن وجهه بالفراش يحاول أن يتماسك وهو يردد كلمات مكتومة لم تصل لأحد، ظل يردد كلمات كتمها بالفراش، ولم ينتبه لفاطمة التي كانت قد استيقظت تحدق بالسقف فوقها ودموعها تسيل دون توقف وهي تهتف بكلمات هامسة سرعان ما ارتفعت في المكان لتصل إلى المعتصم :
_ أمي...احتاج أمي... أريد أمي جواري، أريد أمي .
سقطت دمعة المعتصم يمسحها سريعًا في الفراش أسفل رأسه قبل أن يرفعها ببطء شديد ينظر لها وهي تحدق به بأعين باكية متوسلة تهمس بصوت منخفض :
_ أريد أمي يا المعتصم، أخبرتني أنك ستذهب وتحضرها لأجلي، فلا تخلف وعدك معي أرجوك.
شعر المعتصم بغصة تخنقه حتى شعر بعدم قدرته على التنفس بشكل منتظم، يحاول الحديث لتقاطعه هي بصوت باكي وقد كانت تحاول أن تهدأ قلبها وتخدر عقلها عن تلك الحقيقة :
_ أنت أخبرتني أنك تريد الزواج بي صحيح ؟! أعد لي أمي وخذ الإذن منها وانا سأوافق.
سقطت دموعها أكثر تردد من بين شهقاتها بصوت مرتفع :
_ أعدها لي وسأوافق، اقسم أنني سأفعل، لكن أعدها لي أرجوك....
شحب وجه المعتصم أكثر وفاطمة تراقبه تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي تحرك يدها حتى أصبحت قريبة من رأسه، لكن فجأة توقفت قبل أن تلمسه وهي تهمس من بين دموعها :
_ هل هي حية يا المعتصم ؟! أخبرني أن أمي حية، أخبرني أن من كانت تعد لي الطعام هي أمي، من تحتضنني ليلًا كل يوم وتتلو الآيات على رأسي هي أمي، من تربت على ظهري حين البكاء ليلًا كل يوم هي أمي، من تستقبلني كل يوم هي أمي، أخبرني أن كل ذلك لم يكن من صنع عقلي، ارجوك أخبرني أنني لست مجنونة وأنني لا اتوهم، أخبرني إن كل هذا كابوس يا المعتصم .
ختمت حديثها بكلمة متقطعة وهي تحاول التنفس من بين بكائها والمعتصم يستمع كلماتها يشعر بالوجع يتحكم به يحاول التحكم في دموعه يتخيل مقدار المعاناة التي أجبرتها على صنع وهم يخفف من قسوة الواقع عليها، كيف عاشت كل يوم وهي تظن أنها بين أحضان والدتها، وتلك المرأة التي ابصرها ذلك اليوم تستقبلها من العمل حين أوصلها ؟!
خرج من أفكاره على صوتها وهي تهمس :
_ أنا خائفة يا المعتصم، أشعر بالرعب، لا تتركني لعقلي وحدي، لا تتركني وحدي ارجوك يا المعتصم .
شعر المعتصم بالحقارة وهو يستغل وضعها في هذه الحالة، لكن العجز الذي كان يشعره وهو يود ضمها له دون أن يستطيع فعل ذلك، وجسده الذي يرتجف بحثًا عن دفئها أجبره على أن يكون مستغلًا لحالة الحاجة التي تشعر بها في هذه اللحظة :
_ فاطمة ...هل ترغبين بتواجدي معكِ ؟؟
هزت فاطمة رأسها باكية وهي تنظر لوجهه وكل ذرة منها تردد رغبتها به بالفعل، ليبتلع ريقه وهو يهمس لها بجدية يبعد عيونه عنها كي لا يشعر بالحقارة واستصغار ذاته، لكنه ويشهد الله لا يفعل ذلك إلا ليكون جوارها دون أن يعصي الله بها :
_ إذن تزوجيني، الآن فاطمة .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على الأريكة جوار باب غرفتها تحاول أن تستوعب ما حدث منذ ثواني فبمجرد أن ترك أرسلان قبلته أعلى رأسها، حتى منحها بسمة واسعة، ثم تحرك بهدوء خارج القاعة مستئذنًا منها للذهاب إلى بعض الأعمال ولتفقد بعض الأمور الهامة مع وعد بالمرور عليها مساءً .
وقد كان هذا أكثر مشهد رومانسي حنون ابصرته من أرسلان، الرجل نفسه الذي كانت تتعجب منذ يومين وتستنكر أن يمتلك مشاعر قد تؤهله للتعامل مع البشر بشكل طبيعي .
ابتسمت ودون وعي منها وقد خرجت كلماتها بلغتها البرتغالية دون شعور :
_ كل لحظة تثبت لي أن نظرتي الأولى لك لم تكن خاطئة جلالة الملك .
لا تدري متى وصلت غرفتها، فهي وبعد رحيله تحركت منومة بين الطرقات حتى وجدت نفسها تجلس أمام موزي الذي كانت حياة الدلال تعجبه وبشدة، فمنذ إصابته والطعام يأتيه حتى فراشه وهو يأمر ويتذمر فقط .
_ إذن موزي متى تنوي أن تنهض من مرضك اللامتناهي هذا ؟!
رفع لها موزي وجهه وقد كان فمه محشوًا بالكثير من الطعام، ينظر لها ثواني قبل أن يبعد عيونها عنها بكل بساطة دون اهتمام يكمل مضغ وجبته الشهية، وهي فقط تنظر له بضيق :
_ أفسدك الدلال سيد موزي، وكأنه ينقصك، قرد قليل الأدب.
ويبدو أن كلماتها قد جرحت شعور موزي الذي لم يصدر منه أي ردة فعل قد تدفعها لوصفه بهذا الوصف، فقرر أن يفعل ما يستحق عليه هذا الوصف، لذا دون تردد أو تفكير رفع يده يلقي ما يمسك من فاكهة في وجه سلمى التي تأوهت وهي تصرخ بنفس لغتها :
_ أيها القرد الاجرب الحقير، اقسم أنني لن ارحمك هذه المرة .
ومن بعد تلك الكلمات انتفضت عن مجلسها راكضة صوبه بجنون وهي تهتف بالعديد من الكلمات البرتغالية والتي كان نصفها سبات لموزي وقد شعرت بالحرية وهي تسبه بلغة تدرك جميع مداخلها وسباتها وأكثر.
في الخارج .
كان أرسلان يقف مع جنوده أمام باب غرفتها متشنج الملامح لا يفهم ما تصرخ به ينظر لهم وكأنه ينتظر منهم ترجمة للموقف، وحينما اشتدت الصرخات وصوت التحطيم، حتى انتفض أرسلان من جوارهم يفتح الباب بعنف شديد ظنًا أن أحدهم تسلل لها لينتقم مما حدث .
لكن وبمجرد أن فتح الباب والذي لم يكن مغلقًا من الداخل، استقبلته قشور فاكهة طائرة طائشة كادت تصطدم في وجهه، لولا ردة فعله السريعة الذي امسكها بسرعة يرفع عيونه بشر صوب صاحب هذه الفاكهة ليبصر الفوضى تعم المكان وثياب سلمى ملوثة ببقايا فاكهة، حرك عيونه في المكان يبصر القشور في كل مكان بملامح جامدة حتى وقعت واخيرًا على مصدر كل هذه الفوضى ...موزي .
ذلك القرد والذي بمجرد أن أبصر جسد أرسلان حتى بدا كما لو أنه أبصر كابوسه يتحرك أمام عيونه، ليصدر صوتًا مرتفعًا مرتعبًا يقفز عن الخزانة صوب كتف سلمى يضم نفسه برأسها محتميًا بها من أرسلان الذي ارتسمت بسمة مرعبة على فمه جعلت بقايا ثبات القرد تتبخر .
_ أنت لن تتوقف عن أفعالك هذه حتى اجعلك كالممسحة للاقدام صحيح ؟!
نظر له موزي والذي لم يكن يفهم بالطبع ما يقال، لكنه كان يشعر بشرارات الغضب تنطلق من جهة أرسلان، ما يزال يتمسك برأس سلمى التي حاولت إبعاده، لكن وأثناء محاولتها شعرت بشيء زلق أسفل أقدامها، وحينما كادت تسقط مدت يدها في الهواء تحاول التمسك بشيء صلب، حتى شعرت بكف تمسك كفها ويد أرسلان تجذبها له من خصرها يساعدها على الثبات .
فكانت هي بين أحضانه تقريبًا متسعة الأعين وعلى رأسها موزي يمسك بها وقد كان يتحضر للسقوط منذ ثواني معها سقطة مدوية، ولم يكد يستوعب أنه أضحى بأمان من السقوط حتى انتزعه أرسلان بيده الحرة عن رأس سلمى ينظر له بشر، ثم ألقاه على الأريكة دون اهتمام، كل ذلك ويده الثانية ما تزال تضم خصر سلمى والتي كانت في هذه اللحظة متسعة الأعين مصدومة وخدودها مشتعلة من الخجل .
رفعت عيونها صوبه تهتف ببرتغالية دون شعور :
_ ما أشعر به ليس جيدًا البتة، قلبي يكاد يتوقف .
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يلقي بقايا الفاكهة التي قُذف بها لتسقط على وجه موزي الذي أطلق صرخة مغتاظة ، ثم رفع يده مبتسمًا بلطف يبعد بقايا القشور عن خصلاتها بحنان بجيبها بلغته الفارسية وكأنه يرد لها تحدثها بلغة لا يفهمها :
_ من وانمود می کنم که فقط با من معاشقه کردی، زیرا در واقع دلم برای آن تنگ شده است، اگر فقط می دانستی .
" سأدعي أنكِ تغزلتي بي للتو فأنا في الحقيقة مشتاق لذلك لو تعلمين "
وهي فقط حدقت به بأعين متسعة وقلب خافق لا تفهم من حديثه سوى القليل والذي لم يساعدها على فهم ما يرد هو، ابتسم لها بسمة صغيرة يبعدها عنه ببطء وحنان :
_ أتتذكرين ذلك الثوب الجميل الذي أبصرتك به سابقًا !؟
لم تدرك ما ينطق به وهي ما تزال سجينة تلك اللحظة السابقة، ليبتسم لها أرسلان يمد يده يداعب خصلاتها سريعًا :
_ ذلك الثوب الذي كان بحجاب مشابه له، هل يمكنكِ ارتدائه مجددًا فهناك من أريدك أن تقابليه .
حاولت التنفس بشكل طبيعي وهي تنظر ليده التي تلاعب خصلاتها وقد اشعرها ذلك التغيير في شخصيته بالرعب، الرجل تحول بشكل مخيف :
_ ثوب الصلاة ؟؟
_ نعم هو، ارتديه رجاءً...
هزت رأسها بنعم، ثم ابتعدت عنه ببطء حتى أصبحت خارج حصاره وتأثيره، ومن ثم تحركت صوب الخزانة تخرج ثوب الصلاة الخاص به تحت عيونها وبمجرد أن دخلت المرحاض، حتى عاد الجمود ملامح وجهه وهو يتحرك صوب الباب الخاص بالجناح يتحدث بهدوء :
_ اطلب من بعض العاملات المجئ وتنظيف المكان من الفوضى .
هز الحارس رأسه في اللحظة التي كانت المفاجأة قد وصلت، حرك أرسلان رأسه للقادمين يسمح بأحدهم بالمرور ولم يكد الثاني يمر حتى أوقفته يد أرسلان وهو يهمس بنبرة مرعبة :
_ إلى أين تحسبن نفسك ذاهبًا يا هذا ؟؟
رفع الشاب عيونه لأرسلان وهو يرمش بعدم فهم يحاول أن يتحدث، لكن هيئة أرسلان لم تساعد في تكوين جملة عادية في هذه اللحظة :
_ سأقابـــ...سأقابل سول و....
قطع كلماته وهو ينتفض على نبرة أرسلان المرعبة :
_ تجرأ ونادي زوجتي بذلك الدلال مجددًا ولن أعدك أن تحتفظ بلسانك بعدها لثانية إضافية .
اتسعت أعين الشاب وهو ينظر صوب الرجل والذي خطى بالفعل داخل الجناح يتحدث ببرتغالية وهو يشعر بالريبة :
_ ما الذي فعلته بسول أبي ؟؟ كيف تركتها في عهدة ذلك الوحش و....
وقبل إكمال جملته شعر بجسده يصطدم بباب الجناح وصوت أرسلان يهتف بغضب :
_ ليس معنى أنني لا أفقه مصطلحات لغتك عديمة اللون والطعم تلك أنني سأمرر لك نطقك لاسم زوجتي مصغرًا، اقسم أنني اقتلك وادفنك أسفل أقدامك..
تدخل جلال بسرعة ينقذ ولده من بين يدي أرسلان يتوسله برعب من مقتله على يد أرسلان وقد كان يدرك يقينًا أن أرسلان لا يمزح بأي شكل من الأشكال:
_ مولاي ارجوك سامحه هو لم يقصد، هو فقط اعتاد على مناداتها بهذا الاسم، ثم هذا ليس دلال أقسم لك هذا اسم الشهرة الخاص بها والجميع كان يناديها بهذا الاسم .
تحولت عيون أرسلان صوب جلال يبعد يد عن خالد الذي أخذ يسعل محاولًا التماسك وقد بدأ عقله يعرض له صورًا مريعة عن مستقبله مع هذا الرجل يهمس بنفسه :
_ ما الذي فعلته بي وبسول يا أبي ؟!
تحدث أرسلان بهدوء وتعقل يدعيه أمام الرجل يحترمه لأجل عمره ومكانته السابقة :
_ فقط حذر ولدك يا عم، امرأتي خطوط حمراء لا أحبذ أن يتجاوزها أو أن ينطق اسمها مصغرًا و...
_ ســــــــــــول .
وكانت تلك الصرخة خارجة من فم خالد الذي نسي ما حدث منذ ثواني حينما أبصر جسد سلمى يظهر وهي تنظر لهم بعدم فهم لتلك الاصوات، ركض لها دون تفكير وهو يفتح ذراعيه وقبل أن تدرك سلمى ما يحدث وتستوعب وجود خالد وجلال في المكان كان خالد يسحبها لأحضانه بشوق كبير وشوق يردد اسمها بلهفة وقد كانت هذه من المرات القليلة التي يضمها بها لكن شوقه عماه عن إدراك محيطه :
_ سول اشتقت لكِ عزيزتي.
رمشت سول وهي تشعر بالصدمة منا يحدث تنظر حولها تحاول أن تستوعب من فتح العوالم على بعضها البعض، لكن وأثناء رحلة الاستيعاب وقعت عيونها على عيون أرسلان وليتها لم تفعل ..............
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية حرب ؟! ربما من يدري .
بداية حب ؟! ربما من ينكر .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
بداية معرض الكتاب غدًا باذن الله .
جميع رواياتي الورقية بما فيهم ( حارة الجزار) موجودين في دار مدينة الأدباء صالة ١ جناح a12
وأنا باذن الله هكون متواجدة .
يوم ٢٧ الاثنين
يوم ٣١ الجمعة
يوم الاثنين ٢/٣
ومن لم يستطع الذهاب للمعرض يمكنه طلب الروايات عن طريق الواتساب 01121530961
ألقاكم على خير
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
الرابع والعشرون | أين هي |
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفضل .
صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
كان الوضع على أشده في القصر ولم يدرك أحدهم الخطوة القادمة، ولأول مرة ينجح ذلك المدعي للرجولة أنمار في تشتيت الصفوف والنفوس لوقت ما .
نجح في تشتيت العقول وبكل سهولة، لم يكلفه الأمر سوى سهم وبضع قطرات من السم، واختطاف امرأة وربما ذلك الجزء كان اسهلهم فهو سبق وفعل الأمر مئات المرات وما يزال يفعل وسيفعل .
كانت النساء هو الجزء الذي يمنحه سيطرة ذكورية مؤقتة وجرعة انتصار فعالة، لذا حتى وبعد كل ما حدث له لم يتراجع عن أفعاله بحقهن.
لكنه لم يحسب حسابًا لوجود تلك الدخيلة في حجره .....
كانت تجلس في تلك الغرفة بكل هدوء لا تصرخ ولا تقاوم ولا تصدر اصواتًا تخبرهم حتى إن كانت ما تزال حية، ولا تسمح لأحدهم بدخول غرفتها .
فقط تجلس هناك في ركن الغرفة تضم جسدها وهي شاردة الأعين، صامتة وكأنها تحلق في عالم آخر، روحها تطوف بعيدًا عن كل هذه القذارة، وعقلها كان معه ..
سقطت دمعة دون شعور وهي تغمض عيونها تستند على ذراعها بهدوء شديد، ولا تدري حقًا متى كانت آخر مرة بكت، ربما كانت قبل شهور من مجيئها هنا بسبب تذكرها والدها وشعورها بالوحدة، لكن كل ذلك تلاشى حينما أبصرته، والآن هو كذلك على وشك التلاشي .
زادت دموعها انهمارًا وهي تهمس بكلمات غير مسموعة، تخاف وترتعب من أي ضرر قد يكون مسه وهي ليست جواره، تدعي أن يكون السهم أخطأ قلبه، القلق يملء جسدها رغم ادعاءها قوة أمام الجميع إلا أنها ترتجف داخليًا من ألا تأتيها النجدة هذه المرة كما كان يحدث معها سابقًا .
تخشى ألا تأتيها النجدة في المرة الوحيدة التي تمنت بها الخروج من كل ذلك حية، المرة الوحيدة التي كان لديها ما تعافر لأجله، المرة الوحيدة التي امتلكت من ينتظرها .
فجأة انتفض جسدها بعنف وهي تسمع صوت صرخات مرتفعة تأتي من الخارج، نظرت صوب الباب بأعين شاردة غير مهتمة، لا تهتم بشيء بقدر الخروج من هنا أو حتى الإطمئنان على أرسلان ولو بكلمة .
لكن اصوات الصرخات ازدادت والتي اتضح بعد ثواني أنها صرخات ...فتاة صغيرة ؟؟
نهضت سلمى من مكانها تتحرك صوب الباب بتحفز لا تفهم ما يحدث وتخشى أن تكون هذه مجرد وسيلة لجذبها خارج وكرها الذي تتخذه درعًا .
لكن اصوات استنجاد الفتاة خلع قلبها من صدرها وهي تفتح الباب بسرعة تتقدم بخطوات سريعة صوب التجمع الذي لاحظته جوار أحد المنازل وصوت الصراخ يرتفع وأصوات الرجال تصدح بشكل مرعب لتزداد خطواتها بقوة وهي تصرخ :
_ ماذا تفعل بهن، ماذا تفعل أنت ؟!
توقفت يد الرجل والذي كان في طريقه لجذب الفتاة من أحضان والدتها، واستدار سلمى يرمقها بنظرات تقييمية قبل أن ينأى عنها بنظره صوب الفتاة الصغيرة والتي كانت بالكاد تتم الحادية عشر أو ربما أكبر قليلًا، يجذبها من أحضان والدتها صارخًا بضيق وقد استنفذت المرأة صبره :
_ هيا دعيها، اتركي الفتاة أخبرتك أنكِ ستحتفظين بها لحين تنضج ومن ثم تكون لي .
كلمات كثير نطق بها ذلك الرجل تحت مسامع سلمى التي لم تفهم مقصده ولم تدرك غرضه، نظرت للجميع ترتجي توضيحًا ولو كان بنظرة، لكن الجميع كان يحاول مساعدة المرأة ومنع الرجل من أخذ ابنتها منها وهم يدركون أن مصيرها سيكون بضاعة مزجاة لأحد الرجال هنا وعلى يد والدها الذي كان مغتصب والدتها في المقام الأول .
عالم آخر من القذارة كان يختبأ بعيدًا عن جدران الممالك الآمنة، نساء سُلبوا من عوائلهم لسنوات حتى ظن الجميع بهم الموت، وأقاموا لهن سراديب العزاء، وفي الحقيقة كانت تلك السراديب تُقام على أرواحهن، فمنذ اللحظة التي تُسلب بها المرأة من عائلتها لا تعود امرأة مجددًا، بل مجرد أدوات للتكاثر ولزيادة أعدادهم، فإن أحضرت صبيًا كان جنديًا وعونًا للكفار وإن رُزقت بفتاة أصبحت مرتعًا للرجال .
حياة بشعة تختبأ في الجزء المظلم من الممالك بعيدًا عن متناول التطهير الذي شنته الممالك مرات عديدة .
اقتربت سلمى بتردد من الجميع لا تدرك ما يحدث كي تتدخل وتساعد لذا تحدثت بصوت هادئ :
_ الفتاة لا تريد الذهاب معك، لذا دعها فأنت لن تجبر أحدهم على شيء لا يريده .
وكم كانت تلك الجملة مضحكة، ولولا صعوبة الموقف الذي هن به، لكانت النساء حولها انفجرن في موجة من الضحك، فما الذي يحدث معهن وكان بإرادتهن ؟؟
سقطت دمعة الأم وهي تنظر لسلمى والتي كانت تدرك من ثوبها ومظهرها الغير مألوف أنها ملكة مشكى التي جاءت كوافدة جديدة وتناقل الجميع أخبار تحديها لأنمار دون خوف .
_ ارجوكِ ساعديني، يريد سلب ابنتي مني و...
_ توقفي عن الخرف يا امرأة فهي ابنتي كذلك، هيا تعالي يا ابنتي لأحضان أبيكِ.
انكمشت الفتاة في أحضان والدتها وهي تصرخ باكية مرتعبة من مصير أُلقيت له فتيات غيرها، مصيرًا تدرك أن نهايته هلاك لها .
_ ارجوك لا، ارجوك لا أريد، لا أريد.
نظرت لها سلمى وهي لا تفهم ما يحدث وإلى أين سيأخذ الرجل ابنته، ولمَ هذه الممانعة والبكاء، لا يعقل أن كل هذا لأنه فقط يريد أن يحتفظ بأبنته .
علقت بعدم فهم والشك يلوح أمامها:
- ما الذي يحدث هنا؟؟ هلا وضح أحدكم، أين يريد ذلك الاصلع أخذ الفتاة ولماذا يصر على الأمر.
بكت الأم وهي تضم ابنتها برعب وهي تهمس ناظرة لزوجها أو...الرجل الذي نصب نفسه زوجها، دون حتى عقد شرعي أو غيره، هو فقط اختارها من بين النساء وأخبر الجميع أنها له، وبهذا تصبح في عرفهم زوجته، وفي اعرافها مغتصبة ...
_ يريد ....يريد بيعها للرجال ...يريد المتجارة بها وبيعها لبعض الـ ....بعض القذرين أمثاله ليتخذوها ....
صمتت ولم تكمل ما كادت تنطق به وقد خانت قوتها وشُلّ لسانها، ولم تستطع إكمال كلماتها وهي تهتف بصوت خرج بصعوبة من بين شهقاتها :
- يسعى لتحويلها لنسخة مكررة منا ..
ختمت كلماتها تشير للكثير من الفتيات حولها، وقد رُسمت المعاناة على الأوجه واضحة بشكل مرعب، وكأنها تبصر نسخ مكررة من نفس المرأة بملامح مختلف .
أطلق الرجل صوتًا قذرًا وهو يتحرك صوبها يصرخ بنبرة مهددة :
_ أيتها العـ.....
وقبل إكمال جملته شعر بفكه يتحطم بعد تلقيه ضربة قوية، ليتراجع للخلف بصدمة وهو ينظر لسلمى التي كانت في هذه اللحظة تبصر جحيمًا للنساء على هذه الأرض .
جحيم انعكس في نظراتها للرجل وهي تهتف بكلمات محذرة وصوت مرعب :
_ أسدي معروفًا لذاتك واخفي وجهك من أمامي وإلا جعلتك عبرة للباقية هنا .
اتسعت أعين الرجل أكثر وهو يعتدل في وقفته يتحرك لها بعنف والشر ظاهرًا في عيونه، لكن لم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى مالت سلمى في ثواني معدودة تلتقط صخرة من الأرض وفي ثواني كانت دماء الرجال تتأثر على الوجوه حولها وصوتها يصدح في الجحر بأكمله وهي تصرخ بجنون :
_ لا تقــــــتــــــــــــــرب...
والرجل في هذه اللحظة كان شبه جثة هامدة في الأرض بينما هي نظرت للنساء خلفها وقد كن بوجه شاحب، ثم نظرت أمامها تبصر المزيد والمزيد من النساء والكثير من الرجال الذين بدأوا يتجمعون على صوتها لتصرخ وهي تلوح بالصخرة الملئية بدماء الرجل في الوجوه :
_ ليتجرأ ويقترب أحدكم خطوة واحدة، فقط تجرأوا واقتربوا ..
بدأت نظرات السخرية ترتسم على ملامح الرجال، فالمنطق والواقع يقود لأن تصبح كفتهم هي الراجحة، هم رجال وهي امرأة، هم كُثر وهي واحدة .
لكن يبدو أن غضب وجنون سلمى في هذه اللحظة لم يجعلها تبصر ما توقع به نفسها، ربما في غمرة جنونها نست أنها ليست داخل السجن وهؤلاء ليسوا مقيدين كالسجناء ولا حراس في الخارج للتدخل في حالة تفاقم الأمور .
كل ما كانت تبصره هو الكثير والكثير من هؤلاء النساء الذين كانت تقرأ عنهم في الصحف يوميًا، نساء مقهورات على أيدي ذكور بلا ضمير .
فجأة انقسم التجمع وظهر أحد الرجال الذي وقف أمامها وجهًا لوجه دون أن تهتز له شعرة واحدة حتى يراقبها باستهزار شديد :
- دعي الصخرة وعودي لغرفتك جلالة الملكة ولا تتدخلي فيما لا يعنيكِ .
ابتسمت له سلمى بسمة ساخرة أكثر من بسمته حتى :
- الشيء نفسه لك، ارحل عن وجهي ولا تتدخل فيما لا يعنيك، أنت لا تريد أن ينالك ما نال غيرك .
نظر الرجل صوب ضحية سلمى الاولى وهو يبتسم بسخرية يضرب الرجل في معدته دون اهتمام :
- تقصدين ذلك الضعيف الجبان ؟! هو حتى لم يستطع رد ضربتك، أما أنا يمكنني تحطيم عظامك كلها بضربة واحدة .
اقتربت منه سلمى وهي تنظر له بدقة تراقبه وتسأل يلا مقدمات :
_ أنا أعرفك، رأيتك سابقًا صحيح ؟!
اتسعت بسمة الرجل أكثر باستهانة :
- نعم ذلك اليوم مساءً حينما كنت في إجتماعًا مع زوجك في القصر، دعيني اعرفك بنفسي بشكل لائق أكثر، أنا أصلان قائد جيوش سبز الأول .
صمتت سلمى ثواني تحاول إدراك ما نطق به لتهتف فجأة بصدمة :
_ أوه حقير خائن آخر ؟؟
نظرت له من أعلى وأسفل ثم هتفت وهي تتأتأ بشفقة قبل أن تبصق بصقة وهمية جواره وقد رأى أصلان في هذه اللحظة أرسلان متمثل بها وبتصرفاتها، كان يقف أمام أرسلان بنسخته الأنثوية.
أما عنها تحدثت وهي تنظر له باشمئزاز :
_ سبحان الله يعز رجال اختاروا الذل لأنفسهم، الله فضلك بالعقل والعزة ومنحك منزلة يتمنى الجميع الوصول إليها لتنبذها وتلهث خلف مكانة ينأى عنها البعير، يا حقير .
ختمت حديثها تبعد عيونها عنه دون اهتمام، ثم أشارت للنساء واللواتي كن خمسة وفتاتين، تشير صوب غرفتها :
_ الحقن بي لا قبل لي بتنفس المزيد من الهواء المشترك مع هؤلاء القذرين، ومن تريد الانضمام لنا فلتلحق بي .
ختمت حديثها ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوت أصلان يردد :
- هل تنصبين نفسك حامية لهن؟؟ اذهبي لغرفتك وتصرفي كأي ملكة تنتظر الطعام ومن يخدمها، دور البطولة لا يليق بكِ جلالة الملكة .
توقفت تنظر له نظرة جانبية :
- الشيء ذاته لك، الرجولة لا تليق بك، فلا تدعي قوة لا تمتلكها.
نظرت للنساء ثم عادت تجذب أياديهن، وتحركت بهن أمام الجميع تحت أعينهم المصدومة، واصلان يراقبها بأعين هادئة دون أي ردة فعل، قبل أن ينظر للجميع ومن ثم تحرك بعيدًا تاركًا الكل في صدمته والحراس يقفون محتارين، لا يدرون أيجب عليهم التدخل أم الرجوع لأنمار ؟!
وبعد تفكير ثواني اختاروا الرجوع لأنمار والذي كان قد أمرهم بعدم التعرض لها بأي شكل من الأشكال .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد واخيرًا بعد رحلة صغيرة مع والده في البلاد وقضاء ليلته في منزل والده، وقد كانت هذه لحظات توديع والده والذي وعده بالعودة له حينما ينتهي من تصفية حياته في العالم الآخر.
_ أبي أرجوك لا تدعني مع هؤلاء الأشخاص، لا أحد منهم طبيعي أشعر أنني في عالم غريب، هذا ليس عالمي لا تجبرني على حياة لم اعتادها ولن أفعل .
تقدم جلال بين طرقات القصر بملامح واجمة من إصرار ولده على نفس الحديث منذ عرف منه أنه سيعود للبرازيل فجر الغد .
_ كان هذا خطئًا أحاول إصلاحه الآن خالد .
توقف خالد يهتف بضيق شديد :
- هذا ليس عدلًا، لا تدفعني لعيش حياة ما، ومن ثم تنتزعني منها بالاجبار لتجبرني مجددًا على عيش حياة لم اعتادها، بل وتحزن لأنني لا اتقبلها أبي.
كانت كلمات خالد مستاءة وقد ضاق به صبره بعد كل ما واجهه من والده والجميع حوله، وكأن الاختيار كان بيده، نعم يدرك أن جزء من حياته كان باختياره وللأسف الجزء السييء هو ما كان، لكن لا أحد منعه أثناء حدوث ذلك، الآن يأتون لمنعه بعد حدوثه .
نظر له جلال بعجز يدرك أن جزء من الخطأ يقع على عاتقه، لكنه لا يود التأخر في إصلاح ما أفسده سابقًا تنفس بصوت مرتفع ولم يكد يفتح فمه للحديث بكلمة حتى أبصر جسد خالد ينتفض حينما رأى العديد من الجنود المصابين يمرون يهم وهم يتحدثون عن ...هجوم على موكب الملك .
ضيق خالد ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يراقبهم يحاول إدراك ما سمع منذ ثواني قبل أن يتحرك خلفهم صوب المشفى ليستفسر أكثر عما سمع .
أقدامه تتحرك بسرعة وقد بدأ ناقوس الخطر يطرق داخل عقله .
و بمجرد أن خطى للمشفى أبصر الكثير من الجرحى بشكل مرعب والعديد من الكلمات تتطاير حوله ولم يهتم بشيء منها سوى جملة واحدة ( الملك سيحيل المملكة لجحيم حينما يستيقظ ويكتشف أمر أسر الملكة )
اقترب خالد من الجمع ببطء وهو ينفي ما وصل لعقله وادركه منذ ثواني يتحدث بصوت مرتجف وهو يحاول أن يصف ما يفكر به عل أحدهم يرحم رعبه الذي بدأ يسيطر عليه، يشير بيده مرتجفة صوب الخارج :
_ لقد ....هل أنتم من كنتم رفقة موكب أختي ؟؟ هل كانت معكم في نفس الـ.... الرحلة ؟! لقد. ....ذهبت لرحلة ولم تعد بعد أين هي اختي ؟!
نظر له الجميع دون فهم حول مقصظ حديثه، ليتحدث أحد الرجال بشفقة على شحوبه :
_ أختك من يا أخي، نحن لا نعلم من تقصد بحديثك ؟!
_ أختي...زوجة الملك هي ...سلمى .
ظهرت علامات الإدراك على وجوه الجميع وكذلك الحسرة والخزي ونظر بعضهم ارضًا يحمل نفسه مرارة الخزي لفقدهم الملكة، بينما الرجل ابتلع ريقه يهتف بصوت منخفض بعض الشيء :
_ هي ......جلالة الملكة كانت .. لقد تعرضنا لهجوم أثناء عودتنا من سبز وتسبب هذا في خطفها .
شهق خالد برعب وهو ينظر حوله يحاول أن يستوعب ما قيل :
_ أختي ؟؟ خُطفت ؟!
نظر صوب والده المرتعب وهو ينبس برعب :
_ سلمى يا أبي، يا ويلي أين هي ؟! ما الذي فعلتموه بها ؟! لقد ...لقد كانت بخير و .....
فجأة ثار بجنون وهو يصرخ بصوت مرتفع في الجميع وقد وصل لأقصى مراحل تحمله :
- لقد كانت معكم ومع ملككم، ما الذي فعلتموه بها ؟! أين كنتم وأين كان هو ؟! أين أختي، ماذا فعلتم بصغيرتي يا قوم؟!
اقترب جلال وهو يحاول أن يهدأ ولده وقد بلغ توتره أشده :
_ خالد أهدأ دعنا نـ
_ أهدأ ؟! يخبرونك أن سلمى تم أسرها ؟! هذه اختي، لقد خطفوها من بين أيديهم بسهولة وهم ماذا فعلوا ؟؟ ماذا فعلوا لها يا أبي ؟!
انتبه سالار لصوت الصراخ الصادر من أمام غرفة أرسلان لذا نهض عن مقعده يتقدم صوب الصوت متعجبًا :
_ خير يا أخي ما سبب صراخك هذا ؟!
استدار له خالد وهو ينظر له بأعين موجوعة مرتعبة مما يحصل مع سلمى :
- ومن أنت لتسألني، بل من أنتم جميعًا، وماذا تفعلون في حياتي أنا واختي ما الذي يحدث هنا ؟! أين كنتم أثناء اختطافها ؟!
نظر له سالار بعدم فهم ليدرك في ثواني وبعد تفكير من يقصد بحديثه، لذا تحرك صوب خالد يجذب مرفقه بهدوء وهو يتنحى به جانبًا :
_ تعالى معي لنتحدث يا أخي و...
ولم يكد يكمل كلماته حتى شعر بمقاومة من خالد وقد بدأ صبره وجنونه يزدادون:
_ لا أريد التحدث بل أريد اختي وسنرحل من هنا و....
قاطعه هذه المرة سالار وهن يسحبه جانبًا بأعين حادة يردد بهدوء لكن مخيف :
_ أهدأ وتحرك معي يا أخي ولا تستفز بقايا ذرات صبري .
_ ومن أنت لأفعل يا هذا ؟!
جذبه سالار جانبًا بقوة يتجاهل كلماته مدركًا حالته، وهو يشير للرجال أن يتحرك كلٌ لعمله، يتحدث ببسمة صغيرة :
_ عبدٌ فقير إلى الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتجفت كل ذرة من ذرات جسدها وهي تسمع صوته، نفس الصوت الذي كان يهتف باسمها كلما عاد من عمله في المشفى، نفس المشفى التي أجبرها بعض رجال ذلك القذر على رؤيتها تنفجر بمن فيها ليقنعها أنه تخلص من زوجها ولم يذر من عائلتها فردًا، معتقدًا أنه بهذا الشكل يحطم هامتها ويكسر عزيمتها ولم يدرك أنه بهذا الشكل كسر بالفعل نازين المرأة المسالمة والمسكينة، وصنع وحشًا لن يتوقف حتى ينال قصاصًا مستحقًا .
صنع امرأة داست كل شيء أسفل أقدامها لأجل انتقامها.
الأن وبعد كل تلك الأسابيع تبصره أمامها كما تركته، الفرق أن الاحزان رسمت خطوطها على وجهه بمهارة عالية ..
شعرت أن الهواء ينسحب من حولها لدرجة أنها ربتت على منطقة صدرها وهي تفتح فمها بقوة تحاول أخذ أنفاسها تمد يدها لتستند على شيء ولم تجد غير السقوط ارضًا مستندة على قبر؛ قبرها ......
ارتجف جسدها من تلك الفكرة، ترفع عيونها المفزوعة صوب زيان الذي كان ما يزال يحمل مصباحه يحدق أمامه بأعين مصدومة مليئة بالدموع يهتف بكلمات غير مسموعة .
الصدمة شلت كليهما، ما وجد أحدهما كلمة واحدة لنطقها .
ازداد بكاء نازين بخوف وهي تدفن وجهها بين يديها تهتف بوجع وصوت مرتفع :
_ أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، لست كذلك، لست كذلك زيان، لست كذلك ......
أما عن زيان فقد بدأ يدرك ما يحدث حولها ينخفض بجسده في تردد شديد وما يزال حاملًا للمصباح، يحاول التنفس بشكل طبيعي، يراقب وجهها عن قرب، ثم وبكل الوجع داخله مد يد مرتجفة صوبها لتغمض هي عيونها ومازال هزيانها يتردد وهي تكرر كلمتها نفسها ( لست حقيقة ...) .
أما عنه فحينما لمست أطراف أصابعه الباردة وجنتها شعر وكأنه لمس جمرًا ملتهبًا ليتراجع للخلف مرتعبًا ومازال المشهد رحيلها يتكرر أمامه .
مشهد لن ينساه طالما كان حيًا .
كان يبكي جوار جثة أبنائه وهو يصرخ بوجع، ومن ثم وبعد دقائق انتقض جسده برعب يهتف باسمها بين الجميع كالمجنون :
" نازين ...زوجتي ... أين هي لقد كانت معهم في المنزل، نازين ...نازين أين هي ...زوجتي ...زوجتي كانت مع ابنائي"
كان يركض بين المشفى كالمجنون يتمسك بالجميع وهو يشير على أبنائه يحاول الوصول لمعلومة عن زوجته، لن يفقدهم جميعًا، لن يفقد روحه بالكامل .
وفجأة سمع صوتًا يهتف بوجع لامرأة مسنة يعلمها تمام العلم تمسك يديه وهي تهتف بوجع وقد كانت هي منةجاءت مع أبنائه:
_ لقد ...حاولنا البحث عنها بين حطام المنزل ولم...لم نجد سوى ....
توقفت عن الحديث وكأنها اشفقت عليه من نطق الكلمة، اشفقت من قول تلك الكلمة التي سمعها من أحد الرجال الذين يجاورونه في نفس المنطقة .
" لم نعثر سوى على بقايا أشلاء زوجتك "
بقايا أشلاء حملها في كفنٍ صغير بحجم حقيبة طفل في الروضة، حملها بين يديه وهو يرتجف من هول ما أصاب حياته بين فنية والأخرى، حملها وكاد ينهار ارضًا لولا أيدي البعض وهم يدفعونه صوب الاكفان يحملونها للقبور، وهو يبكي بوجع عليهم يردد اسماء الجميع علّ أحدهم يجيبه، علّ صرخة أحدهم تخرجه من ذلك الكابوس .
سقطت دموع زيان بقوة وهو يحدق بوجه نازين الذي يجاور قبرها، ذلك القبر الذي ظل يبكي جواره اسبوعًا بأكمله حتى كاد يفقد عينيه لولا عودة الملك بعد أسابيع طويلة وبحث عنه خصيصًا ينتشله من ضياعه مجبرًا إياه على تحمل مسؤولية القصر ليبعده عن أحزانه التي يغرق بها نفسه .
أرسلان والذي كان رفيقًا له منذ كان جنديًا بجيش والده، لم يكن مقربًا لكنه كان على علاقة طيبة معه، وحينما علم ما حدث جاء واجبره على العمل بمشفى القلعة، خاصة وأن المشفى التي كان يعمل بها انفجرت ذات يوم، ولولا رحمة الله به وجلوسه جوار قبور عائلته يرثيهم، لكان ممن ضاعوا خلال انفجار المشفى .
ازدادت دموع زيان بالتزامن مع ارتفاع صوت شهقاته وهو يشعر بأنه على وشك الجنون، يهزي باسمها مرتعبًا من تلك الفكرة :
_ أنتِ .... أنتِ حية ؟؟
نظرت له بوجع تهمس من بين بكائها باسمه وبصوت مرتجف :
_ زيان ...
ألقى زيان المصباح بسرعة مرعبة وهو يسحبها لاحضانه بقوة مخيفة يطلق صرخة ملتاعة وهو يردد اسمها دون شعور مرتعبًا أن تكون مجرد خيال، يخشى إخراجها فتتبخر من بين ذراعيها .
_ نازين ...نازين أنتِ هنا ....أنتِ هنا ... أنا.... أنا.... أنا...نازين أنتِ .... أنا لقد بحثت عنكِ، لم اصدق ...لم اصدق لم ....أنتِ حية ؟!
توقف عن الحديث وقد ضربه العجز عن نطق كلمة بينما نازين انهارت في موجة بكاء حارة وقد شعرت فجأة وبعد أيام طويلة أنها بالفعل حية ...وبعد أسابيع من المعاناة وشهور من الوجع تشعر واخيرًا أنها حية .
_ زيان ..
بكى زيان بصوت مرتفع وهو يضمها بقوة يتحدث من بين شهقاته :
_ بالله عليكِ أخبريني أنك حقيقة، استحلفك بالله ألا تتلاشي من بين أحضاني، وإن كنتِ حلمًا ليقبض الله روحي قبل الاستيقاظ منه، ظلي هنا جواري نازين، ارجوكِ ... أنا أرجوك نازين، أتوسل إليكِ .
ختم كلماته وهو ينخرط في بكاء حار، بينما نازين لم تستطع نطق كلمة واحدة بسبب بكائها وهي تضم نفسها له وهو فقط يحاول التنفس بشكل طبيعي، بينما هي تضم نفسها له وقد عجزت عن نطق كلمة واحدة تأبى التصديق، ما تزال في حالة عجز بسبب ما تشعر به، تود الصراخ بعقلها أن يستفيق من غفلته، لكن قلبها أبى الاستيقاظ من ذلك الحلم الجميل .
سقطت دموعها أكثر ولم يعلم أيًا منهما ما يحدث لفترة طويلة، حتى شعر زيان بارتخاء شديد بجسد نازين، حرك عيونه بهدوء لها ليبصر رأسها وقد ارتخت أعلى كتفه بهدوء شديد وهو ينظر لها يتحسس وجهها يحاول التصديق أنه يبصرها، نظر حوله بعجز يبحث عمن يخبره أنها حقيقة، يخاف حملها والذهاب بها، فيكتشف أنه كان يحمل سرابًا، يخشى التحرك فتتلاشى.
كان على استعداد للبقاء ما تبقى من عمره هنا جالسًا بهذا الشكل طالما أنها ستظل بين أحضانه.
وبعد ساعة تقريبًا بدأ الإدراك يسيطر على عقل زيان الذي نظر حوله وكأنه كان في غفلة، ثم عاد بنظراته صوب نازين يتنفس بصعوبة يردد بخوف :
- نازين أنتِ هنا حقًا ؟؟
ولم يصل له رد وقد بدا أن نازين تنال واخيرًا نومة هادئة بعد أعوام من السهد، تنال راحة بعد شهور من التعب .
لذا ابتلع ريقه يمد يده أسفل جسدها يحملها بخفة وببطء شديد ينهض بها من المكان لا يفهم ما يحدث ولا يدرك ما يفعل، كل ما يعلمه أنه الآن يحمل بين يديه حياته، ولم يكن ذلك تعبيرًا مجازيًا أو ما شابه، بل كان يحمل بين كفيه حياته بكل ما للكلمة من معنى .
ضمها لصدره بخوف أن تتلاشى يتحرك بها بسرعة صوب القصر ينتوي أن يخبئها في غرفته دون حتى التفكير في كيف ومتى ولماذا وأين، كل ما كان يفكر به في هذه اللحظة أنه سيخفي زوجته من الجميع لئلا تطالها يد الغدر مجددًا وتسلبها الحياة من بين أنامله بعدما وجدها، وسيؤجل كل أسئلة عقله لحين يستوعب القلب وجودها جواره......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عزيزتي ها أنتِ ذا، بحثت عنك في كل مكان لتوديعك قبل الرحيل .
توقفت أقدام توبة في منتصف الممر وهي تتابع اقتراب آزار منها مبتسمة بسمة رقيقة وحينما أصبح أمامها مباشرة مالت له في تحية صامتة وبكل رقي رفعت رأسها:
_ يعز علينا توديعك جلالة الملك، لكنني أدرك أن هناك الكثير من المسؤوليات التي تنتظرك في آبى لذا تصحبك السلامة ولا تتأخر علينا .
ابتسم لها آزار وهو يتنهد بصوت مرتفع، ثم قال بعد صمت قصير :
- حسنًا توبة أردت فقط أن اطمئنك، لن يهدأ لي بال حتى يعود لنا بارق العجوز، سوف اعود لآبى وابحث عن كل من يمكنه المساعدة بأي شكل من الأشكال، جميع من درس على يد نزار سأجمعهم، وبإذن الله نجد من يساعدنا في الأمر .
ابتسمت له بتوتر وهي تود الحديث وقول أنها وجدت نزار نفسه، لكنها أسرتها في نفسها، فهي تدرك جيدًا وضع نزار الحالي.
الرجل مُطارد من الجميع دون مبالغة .
هزت رأسها باحترام وامتنان صادق :
_ أقدر لك الأمر مولاي، أشكرك لا توفيك حقك عم آزار.
ابتسم لها بحنان وهو ينظر خلفها صوب الممر المؤدي لغرفة والدها ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت أحد الرجال يناديه فاستدار له وهو يتحدث لها :
_ لا داعي يا ابنتي هذا واجبي وأكثر، سوف أرى ما يريدونه مني واذهب لتوديع بارق قبل الرحيل .
وبالفعل استدار صوب الرجل الذي أقبل عليه، فيما ودعته هي بهدوء وقد قررت التحرك صوب مطبخ القصر لتشرف على ....
وفجأة أدركت ما قيل من ثواني على مسامعها، يذهب لتوديع والدها ؟! والدها ؟؟ نزار ؟!
التفت بسرعة كبيرة لتبصر آزار ما يزال منشغلًا مع الرجل فعادت إدراجها بسرعة كبيرة صوب غرفة والدها، وبمجرد وصولها فتحت الباب وهي تقتحم الغرفة بشكل مفاجئ جعل نزار ينتفض بعدم فهم وهو يستدير لها، كاد يفتح فمه متعجبًا من هيئتها لتشير هي بسرعة للباب الذي كانت تمسكه بين قبضتها :
_ بسرعة أخرج من هنا، هيا أخرج بسرعة .
نظر لها نزار بعدم فهم :
- ماذا ؟! لكن أنا لم ....
- لا وقت للحديث الملك آزار في طريقه لهنا، هيا بسرعة دعنا نخرجك من هنا .
اتسعت أعين نزار وهو يضع اللثام بسرعة كبيرة على وجهه يخفيه بالكامل عدا عيونه يتحرك صوب الباب بسرعة حيث كانت تقف هي لتراقب له الطريق، ولم يكد يخطو خطوة واحدة للخارج حتى وجد توبة تدفع جسده بسرعة للداخل وهي تغلق الباب بعنف صارخة :
_ للداخل.....ادخل بسرعة .
تماسك نزار بصعوبة وقد كاد يسقط منكبًا على وجهه، حتى تماسك بصعوبة ينظر لها بصدمة بينما هي أغلقت الباب بعنف وهي تنظر حولها برعب :
_ الملك آزار في الممر، هو قادم لهنا .
اتسعت أعين نزار برعب وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف، ليس الآن ليس مستعدًا بأي شكل من الأشكال لمواجهة والده .
أخذ ينظر حوله محاولاً إيجاد مخرجًا له، حتى وجدها تركض صوب الشرفة تفتحها وهي تشير له، ليندفع للداخل بسرعة وتغلق هي الشرفة بسرعة كبيرة تضع عليها الستائر السميكة في اللحظة التي دخل بها آزار للمكان .
توقف آزار بصدمة وهو يبصرها تستند بظهرها على الشرفة تتنفس بصوت مرتفع مبتسمة له بسمة واسعة مريبة:
- أوه، عم أنت هنا ؟!
_ نعم أنا هنا، أولم أخبرك ذلك بالفعل قبل دقائق قليلة ؟!
_ حقًا، يبدو أنني نسيت الأمر.
ضربت رأسها وهي تضحك ضحكة صغيرة :
- يبدو أن عقلي به مشكلة ما هذه الأيام، أنت تعلم مقدار ما أمر به .
_ لا بأس يا ابنتي أعانك الله، لكن ما بكِ تبدين ....متوترة ؟!
لوحت توبة بيدها أمام وجهها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ أوه لا أنا فقط أشعر بالحر الشديد ليس إلا.
ارتفع حاجب آزار بسخرية شديدة :
- الحر الشديد في ذروة الشتاء ؟؟
عضت توبة شفتيها تبتسم بسمة غبية بعض الشيء :
- أوه نعم، يبدو أنني مرضت لذلك لم أعد اميز بين الأجواء بشكل جيد، لكنني الآن أشعر بالحر الشديد .
في نفس اللحظة كان نزار في الشرفة من الخارج يكاد يتجمد من البرودة وهو يضم جسده بين يديه يسمعها تردد بوقاحة أنها تشعر بالحر الشديد ليهمس بصوت مرتعش :
_ أوه نعم الحرارة مريعة هنا ...
ضيق آزار حاجبه وهو يبصر خيالًا يتحرك في الشرفة ليضيق ما بين حاجبيه وهو يقترب من الشرفة بخطوات هادئة ينظر لها بشك، بينما توبة تراقبه بأعين تكاد تخرج من بين محجريهما .
توقف آزار أمام الشرفة ينظر لها بتفكير :
_ هل هناك شيء في الشرفة ؟!
نفت توبة برأسها سريعًا وهي تقول بلهفة :
_ هذا ...هذا كان ....كان هناك غراب ... أه نعم غراب كبير اسود في الغرفة حينما أتيت فأخرجته من الشرفة بصعوبة. واغلقتها بسرعة لئلا يدخل الجناح مجددًا ويزعج أبي .
ابتسم لها آزار بهدوء وهو يحرك رأسه بهدوء يتحرك صوب الفراش :
_ تكثر الغربان هنا بسبب الأراضي الزراعية الكثيرة في سبز، خيرًا فعلتي يا ابنتي .
كان نزار في الخارج يلتصق بجدار الشرفة وهو يشعر بالدماء تكاد تتجمد بين عروقه يهمس مرتجفًا :
- غراب أيتها البومة، دارت بك الأيام وأصبحت تتسلل للشرفات كاللصوص يا نزار، آه منه الزمان، وكله لأجل...توبة .
ختم اسمها بهمس مبتسمًا بسمة صغيرة .
أما عن آزار في الداخل فقد اقترب من بارق ببسمة حنونة يربت على خصلاتع بحنان :
- مرحبًا أيها العجوز، أنظر من هنا ؟! هذه توبة صغيرتك عادت وأخيرًا .
ابتسمت توبة بتوتر وهي ترفع يدها تلوح بها في الهواء بشكل غريب لشدة توترها وكأنها ترحب يوالدها، لتستوعب فجأة ما تفعل وهي تخفض يدها بسرعة، بينما آزار لم يفهم ما بها وشعر بوجود شيء خاطئ :
_ هل أنتِ بخير توبة ؟!
كانت توبة شاردة بالشرفة بقلق قبل أن تنتفض :
_ ماذا ؟! أه نعم أنا بخير أنا فقط قلقة علــ...من الغراب، نعم قلقة من ذلك الغراب من أن يدخل مجددًا ويتسبب بازعاج أبي.
ابتسم لها آزار بحنان يقترب منها ومن الشرفة بهدوء :
_ لا بأس دعيني أنا سوف أبعده عن هنا للأبد .
وصل للشرفة يحاول فتحها بقوة بينما توبة تراقبه بأعين متسعة وقلب يكاد يتوقف من الخوف تراه فتح النافذة وهي تحاول الحديث لتوقفه، لكن الأوان كان قد فات .
اغلق نزار عيونه بقوة وهو يلتصق بجدار الشرفة يبتهل بالادعية يكاد يسقط ارضًا من هول الموقف .
وحدث الأمر سريعًا فبمجرد أن فتح آزار النافذة انتفض جسده وجسد نزار بقوة على وقع قوي في الغرفة.
ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت اصطدام جسد توبة بالارض والتي لم تجد افضل من ادعاء الموت في هذه اللحظة لتنقذ نفسها وتنقذه مما يحدث .
إذ فجأة أغلقت عيونها تلقي بجسدها بقوة ارضًا تحت أعين آزار المصدومة الذي صرخ باسمها ونظرات نزار الذي تحرك بسرعة لباب الشرفة وبلا تفكير حتى في عواقب فعلته ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظل جالسًا دون حراك لفترة لا يدري حتى كم كانت، ساعات أم دقائق، لا يدرك شيئًا سوى أنه الآن يحيا كابوسًا كان يراوده في الفترة الأخيرة، كابوس الوحدة الذي هرب منه لأحضان فاطمة لتنبذه الأخيرة دون وعي مجددًا .
_ كان عناق وداع إذن ؟! كانت كلمات وداع فاطمة ؟!
صمت قبل أن يبتسم بوجع يحدق بالظلام حوله والوحشة التي تسكن المنزل الخاص بها والذي كانت تحيا هي به يومًا ما :
_ من أين لكِ بتلك القسوة فاطم ؟؟
صمت يراقب المكان وهو يبحث عن طيفها بين جدرانه، ينظر له بوجع على أمل أن يشفق المنزل عليه ويعترف بمكانها، وحينما طال الوقت ولم يصل لشيء ابتسم مجددًا بسخرية وهو ينهض من مستقره ينفض ثيابه يتحرك بتعب نفسي أكثر منه جسدي صوب باب المنزل، يتحرك بأقدام متعبة مثقلة، وحينما وصل للباب توقف يستدير خلفه مرة أخيرة على أمل أن تخرج من اللاشيء تصرخ باسمه وتهرول صوبه .
ابتسم بسمة صغيرة حينما خابت آماله، ثم جذب الباب الخاص بالمنزل يتحرك صوب حصانه بوجه منقبض وملامح مظلمة وكأن هموم الكون كلها تجمعت فوق صدره، قابل في طريقه ألطاف وهي تهتف بلهفة :
_ هل وجدتها سيدي ؟؟
رفع المعتصم عيونه لها ثواني يقاوم إظهار وجعه لها، ثم نفى يستأذن بكلمات مقتضبة غير مسموعة تقريبًا متحركًا صوب حصانه بخطوات سريعة يود الاختفاء عن أعين الجميع، لكن ما كاد ينفذ أفكاره في الانعزال، حتى تذكر فجأة ما يقع على عاتقه في هذه اللحظة خاصة مع حالة الملك .
شدد قبضته على اللجام ينظر لألطاف مرة أخيرة يهتف بصوت موجوع :
_ ألا تدرين لها من مكان يا خالة ؟! أين يمكن أن تكون ؟!
سقطت دموع ألطاف بضعف وخوف تنفي برأسها، ليهز رأسه وهو يتحرك بهدوء بعدما ألقى بها بكلمات معدودة :
_ رجاءً أخبريني إن فعلتي وتذكرتي مكانًا محتملًا لوجودها، و....عسى أن تكون بخير .
ومن بعد هذه الكلمات انطلق بسرعة كبيرة وقد بدأت ضربات قلبه تزداد والوجع في صدره يتوغل، شعر بصعوبة التنفس وهو يحاول تجاوز تلك النقطة والتفكير في المصائب التي تنتظر في القصر، لكن ...هذه نقطة لا يستطيع تجاوزها، هذه فاطمة، فاطمة والتي يعتبرها شيء اصغر من هذا العالم وأكثر براءة من العيش بين هؤلاء البشر .
_ لن اسامحك على هذا فاطمة، والله لن اسامحك إن اصبتي نفسك بضرر .
وبعد دقائق طويلة من منزلها وصل أخيرًا صوب القلعة ليفتح الباب أمامه ويتحرك بسرعة للداخل ولم يكد يهبط عن حصانه حتى أبصر ما جعل عيونه تتسع تعجبًا، زيان يحمل بين يديه أمرأة ويتحرك بها بسرعة كبيرة في المكان .
لم يكد المعتصم يلحق به حتى اختفى زيان من أمام عيونه صوب غرفته حسب ما خمن هو .
_ ما الذي يحدث هنا بالتحديد ؟؟
وفي الحقيقة كان المعتصم يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليفكر بها بعيدًا عن زيان، تحرك بسرعة داخل القصر يشعر باختناق شديد، يفكر في مئات الأفكار التي تتعلق بفاطمة والملك والمملكة .
ولم يكد يخطو صوب غرفته حتى سمع صوت ينادي بهدوء :
_ أيها المعتصم ...
توقفت أقدامه وهو يستدير بهدوء شديد وبملامح جامدة بعض الشيء رغم كل ما يعتري دواخله :
- سيدي .
_ ألحق بي رجاءً.
ليس الآن أرجوك، ليس الأن ارجوك ..
كلمات سرها في نفسه وهو يرسم بسمة صغيرة موجوعة :
- بالطبع يا قائد .
تحرك سالار بهدوء ليتبعه المعتصم وهو يشعر أنه على وشك الانهيار في أية لحظة، والله لا يقنط ولا يشكو ولا يتأفف، قادر هو على تحمل أي شيء والله كان ليفعل لولا أن نصف عقله وقلبه الآن شاردان في مهمة مستحيلة للبحث عن زوجته التي قررت أنه لا وقت افضل من هذا الوقت لتختفي به بعيدًا عن عيونه، لا وقت افضل لتثير فزعه .
تماسك بصعوبة وهو يخطو خلف سالار للقاعة، ليبصر إيفان يجلس بملامح حادة وبجانبه خالد أخ الملكة سلمى يجلس بوجه غير مفسر .
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث سالار بعد تنهيدة قصيرة :
_ يصر على الحضور .
ضرب خالد الطاولة بضيق شديد وهو يهتف من بين أنفاسه الغاضبة :
_ هذه اختي...
نظر له إيفان بتحذير، ليتراجع خالد بضيق للخلف وهو يضم ذراعيه لصدره يتحدث بعدم اهتمام :
- والله لن تكون نظراتك اسوء من نظرات ذلك المتجبر الذي تزوجته سلمى، لذا لا تحاول، أنا لا اعلم ما الذي ألقى بنا بين هذه المصائب وقد كانت أكبر مشاكلنا هو كسر سلمى عظام أحد الرجال ومطالبتها بتحقيق عاجل .
نظر له الجميع بعدم فهم ليعتدل دون إهتمام، وهو يستند على الطاولة أمامه يضم قبضتيه أمامه يرسم الجدية على ملامحه يردد بصوت هادئ لا يدري من أي له به :
_ والآن أخبروني أين هي أختي وكيف سنخرجها ؟؟
فرك سالار ذقنه وهو ينظر ليده، ثم رفع عيونه له ثواني، ومن بعدها تجاهل كل ما قيل ينظر صوب المعتصم يتحدث بنبرة جادة :
_ ما الذي توصلت له يا المعتصم ؟! أخبرني الرجال أنك توصلت لشيء أثناء البحث في منطقة الهجوم.
_ نعم أخبرنا ما الذي وصلت له ؟! أين هي اختي ؟!
مسح سالار وجهه يحاول تجاهل صدى الصوت الذي يصدر من جهة خالد كل ثانية .
_ هل الأمر متعلق بالفاعل ؟! علمت المكان ؟!
_ نعم هل علمت المكان ؟!
نظر سالار بحدة صوب خالد ليتعمد الاخير التظاهر بعدم الاهتمام، وهو ينظر بحاجبين معقودين صوب المعتصم الذي كان يتابعهم ينتظر أن ينتهي كل ذلك ليتحدث .
تنفس سالار بعنف وهو يفتح فمه :
_ ثـ
ولم يكد يتحدث كلمة حتى وجد خالد يتجهز لترديد جملته وكأنه يرفض الخروج من هذا الاجتماع بحوار جانبي أو وكأنه يرفض أن يكون شخصية ثانوية في المكان .
ضرب سالار الطاولة بقوة حتى شعر خالد أنها تشققت أسفل قبضته وسالار يصرخ بجنون :
- ماذا بك أنت ؟! هل تعمل كصدى صوت ؟؟ توقف عن الترديد خلفي وإلا اقسم بالله أن أريك وجهًا اسوء من وجه أرسلان حين الغضب .
ونعم كان هذا الرجل أحمر الشعر مرعب وبشكل خاص، وربما ساهمت خصلاته الحمراء في زيادة هالة الغضب حوله، وهذا ما استرعى انتباه خالد الذي ردد بتركيز في خصلاته :
_ هل هذه خصلات مصبوغة ؟؟ أم أن الدراسة التي تحدثت عن أن أصحاب الشعر الأحمر سريعي الغضب كانت صحيحة .
انتفض سالار في هذه اللحظة وقد فاض كيله من ذلك الرجل وهو من الأساس لا يتحمل همسة جواره، يضرب الطاولة بغضب جعل جسد خالد ينتفض وهو يبتعد قدر الإمكان عن وجه سالار الذي همس بصوت منخفض لكنه كان وللعجب مخيفًا أكثر من الصراخ يستخرج سيفه واضعًا إياه على الطاولة أمامه:
_ أنت حقًا لا تريد اختبار حد سيف ذلك الرجل أحمر الشعر والذي سيكون مرعبًا أكثر من غضبه صحيح ؟!
نفى خالد برأسه بسرعة كبيرة ليبتسم له سالار يشير بعيونه أن يجلس :
_ اسمعني صوت صمتك ولا تزد من غضبي لأن هذا ليس في صالحك أو صالح أحد حسنًا ؟؟
اومأ خالد بالايجاب بسرعة كبيرة، بينما إيفان يتابع ما يحدث بصمت مبتسمًا بسخرية على سالار، ولم يتحدث بكلمة إلا عندما هدأ المكان :
_ إذن يا المعتصم ؟؟
نظر له المعتصم باحترام شديد، ثم قال بهدوء شديد :
_ هناك مندسين بين جيشنا وهم من وشوا بموعد المغادرة وتوقيت مرور الموكب بتلك البقعة تحديدًا .
اعتدل جسد إيفان بهدوء وهو يستمع للمعتصم الذي أخذ يشرح لهم ما وجده في تلك الغاية أثناء التنقيب عن أثرهم:
_ وجدت ثياب تحمل شعار مشكى إلى جانب بقايا حافظة سهام، ذلك الرجل الذي ضرب الملك بالسهام كان مندسًا بين الجيش والموكب وانقلب عليه في غمضة عين.
اغمض سالار عيونه بغضب شديد وهو يضغط على قبضته يهمس بصوت خافت لكن وصل للجميع :
_ متى ...متى ننتهي منهم؟؟ متى تتطهر البلاد منهم، ألا من خلاص منهم؟! حولنا في كل مكان مندسين في كل ركن، ينتظرون الوقت المناسب لتوجيه الضربة التالية لهم .
كانت عيون إيفان تحدق أمامه بشرود كبير وهو يفكر في الكثير من الأفكار التي تدور داخل عقله في هذه اللحظة، قبل أن يضم قبضتيه أمامه يميل بعض الشيء على الطاولة :
_ لا بأس سالار، لكل خائن نهاية، نهاية توازي حياته بشاعة، ودورنا نحن أن نسرع هذه النهاية، الحقير أنمار ضرب ضربته وللأسف هذه المرة كانت الضربة لصالحه، ونحن لا نستطيع رد الضربة في الوقت الحالي، ليس والملكة بين يديه بالفعل، فقط نتأكد أنها بخير ومن ثم نأخذ الخطوة التالية .
ابتسم سالار بسخرية لاذعة :
_ هذا إن ترك لنا أرسلان فرصة للتفكير في الخطوة التالية، فهو إن استيقظ قبل عودة زوجته سيحيل البلاد لرماد، وأنا لن أوقفه أو الومه، أو حتى أنصحه بالتريث، بل سأمدده بجيشي إن أراد.
ابتسم له إيفان يدرك ما يقصد سالار، فالنساء وعلى مدار التاريخ كن نقطة لا يجوز تجاوزها في الحروب والعداوات وإن حدث وأدخل أحدهم النساء للساحة، حينها يتناسون كل الأخلاقيات التي يتبعونها عادة في مثل تلك الأمور...
_ فقط لنأمل أنها بخير حتى نصل لمكانها، لقد أمرت بالبحث في المناطق المحتملة والتي أخبرتك بها الأميرة توبة سابقًا...
واخيرًا صدر له صوتًا في هذه الجلسة، إذ تحدث خالد ببسمة صغيرة :
_ اه من هذه الجهة فاطمئن لا اعتقد أن سول ستواجه مشاكل مع هذا النوع من المصائب فهي شبه معتادة على الأسر وتستطيع التصرف في مثل هذه المواقف، وإن لم تخونني سنوات عمري التي قضيتها معها، فهي الآن بخير حال والخاطف هو من في مأزق حتى تنفذ قوتها، ولنأمل ألا يكون هذا قريبًا......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاد يظهر من خلف الشرفة صارخًا باسمها، لكن توقفت صرخته قبل خروجها من حلقه، يبصر يدها تتحرك بشكل متواري عن والده وهي تشير له .
ليتراجع بسرعة كبيرة مدركًا ما فعلت، شاحب وما زالت ضربات قلبه تزداد أكثر وأكثر، وقف داخل الشرفة مجددًا متسع الأعين يحاول تهدئة نفسه، صوت اصطدامها بالأرض ومظهرها في الخارج كاد يصيبه بجلطة دماغية لحظية .
ابتلع ريقه وهو يسمع صوت والده الذي تحرك بسرعة شديدة وهو ينادي بعض العاملات في الخارج لمساعدته في نقل توبة صوب غرفتها يصرخ بإحضار طبيبة لها .
ابتلع ريقه وهو ينظر بطرف عيونه صوب توبة التي كانت ما تزال ملقية ارضًا بينما والده خرج ينادي الطبيبة والعاملات .
أما عن توبة استغلت خروج الملك آزار لتطلق تأوه منخفض تفرك رأسها بوجع شديد تغمض عيونها بقوة متغلبة على الدوار الذي أصابها حقًا بسبب السقطة .
وبمجرد أن فتحت عيونها أبصرت نظرات نزار المرتعبة وهو ينظر لها بدقة يشير لها بعيونه إن كانت بخير .
لتبتسم هي له بسمة صغيرة تهز رأسها بنعم، ليشير هو صوب رأسها وهو يسألها إن كان كل شيء على ما يرام، فهزت رأسها بنعم وهي تبصر تحفزه حتى أنه كاد يكشف نفسه أمام والده بكل حمق، لذا تحدثت بصوت منخفض وهي تحرك شفتيها :
_ بخير نزار لا تقلق .
لكن القلق الذي استقر بعيونه لم يخفت وهو يبصر بوادر الدوار عليها، وفي ثواني قرر الخروج لفحصها وهو ينظر صوب الباب الخاص بغرفة والدها، ولم يكد يتجرأ ويفعلها حتى أبصرها تصطنع بسرعة الاغماء وقد دخل والده للمكان مع العاملات واللواتي ساعدن توبة في النهوض والأخيرة تدعي التعب، ثم تحركت معهم للخارج وخلفها آزار الذي تحدث بصوت قلق :
_ أرسلت لإحضار الطبيبة يا ابنتي، سأنتظر حتى اطمئن عليكِ في الخارج .
ومن بعد تلك الكلمات اختفى صوته تدريجيًا حتى أصبح بعيدًا عن مسامع نزار الذي تنفس الصعداء اخيرًا يخرج من مخبئه، يتحرك صوب الملك بارق ينظر له وهو يضع يده في خصره يزفر بصوت مرتفع .
_ إلى متى ستتحكم ابنتك بي ملك بارق ؟! الأمر بدأ يخرج عن السيطرة .
نظر له ثواني قبل أن يقترب منه يكمل ما بدأه وعيونه معلقة بالباب تحسبًا لدخول أحدهم:
_ لا أعلم كيف لكن لتحمد ربك أنني لم انتبه لها منذ سنوات وإلا لكنت حرمتك رفقتها مبكرًا مولاي .
ابتسم بسمة جانبية يهمس وهو يكمل ما يفعل :
_ ابنتك مجنونة مولاي .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انطلقت ضحكاته ترن داخل المكان والجميع حوله يحدقون به في تعجب شديد، بينما. الأخير لم يتوقف عن الضحك حتى كادت أنفاسه تنقطع عن رئته .
ومن ثم وبعد دقائق طويلة توقف وهو ينظر للجميع بسخرية :
_ امرأة واحدة تسير كلمتها على رجال أشداء مثلكم ؟!
ختم كلماته يبصق ارضًا باستهزاء :
_ مثيرين الشفقة .
اشتدت ملامح أصلان ينظر له بشر وملامح مرعبة :
- لا اراك وقد سارت كلمتك عليها أنمار، المرأة جعلتك صاغرًا أمام كلمتها، حتى أنك تخشى الذهاب للحديث معها نصف كلمة والله وحده يعلم ما قالته لك آخر مرة خرجت من عندها وقد جن جنونك وكثفت الحرس على منزلك وبدأت تتحرك تحركات غبية غير محسوبة .
_ أصـــــــــــلان .
_ مـــــــاذا؟؟ ماذا ستقول ؟؟ أفسدت كل شيء واضعت كل شيء أيها الوضيع، لا تليق بقيادة بعض الحمقى امثالك وتطمح بقيادة ممالك أكبر من حجمك أيها الحشرة، وتسخر منا كذلك، أي وقاحة تمتلكها يارجل .
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك له أنمار وهو يهجم عليه في ثواني وقد استفز أصلان كل ذرة صبر داخله، وما كاد يقترب خطوة له حتى استقطته ضربة من أصلان الذي ردد بصوت قوي مرعب :
_ أيها الوسخ من تحسبن نفسك ؟! صعلوك ضعيف مثلك مثل من سبقك من المنبوذين من عقلك تحسبن أنك ستترأس عليًا وتسير كلمتك عليّ ؟! فاشل لا شيء ينجح لك، حتى خطوتك الأخيرة في الهجوم على الموكب كانت من تخطيطي .
نظر له أنمار ولم يكد يتحدث بكلمة حتى فجأة أبصر الجميع في ثواني ينقلبون ضده لصف أصلان ليشعر بقلبه على وشك التوقف وقد أصفر وجهه وفقد النطق يبصر وجوه الجميع حوله ينظر له بحقد وغضب .
واصلان يراقبه ببسمة خبيثة وهو يجلس القرفصاء أمام جسده الساقط ارضًا :
_ من كل عقلك تحسب أنني سأجلس هنا جوارك انتظر أوامر صعلوك مثلك؟؟ وما ادراك بالحروب أنت أنمار ؟؟
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك بها بعض الرجال يقيدون أنمار والذي فقد النطق بكل ما للكلمة من معنى، يجبرونه على النهوض بالقوة تحت أعين أصلان المبتسم بتشفي وحينما أصبح أمامه اقترب منه وهو يهمس كلمات أخيرة قبل أن يشعر أنمار بالظلام يحيط به :
_ فقط أجلس وشاهد يا عزيزي .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كهرمان عزيزتي لا يمكنك الجلوس طوال الوقت بهذا الشكل تحتاجين للراحة وتناول الطعام ومن ثم يمكنك العودة للجلوس مجددًا إن أردتي.
رفعت كهرمان عيونها الحزينة صوب إيفان الذي ما إن اقترب منها حتى ألقت نفسها بين أحضانها تهمس بصوت متحشرج ملئ بالوجع :
_ أخبرتني أنه لم يتضرر كثيرًا بذلك السم، إذن لماذا ما يزال في تلك الغفوة المقيتة ؟!
نظر لها إيفان يربت على رأسها بحنان قبل أن يميل مقبلًا رأسها بلطف :
_ ما سبق لي خداعكِ أو حتى الكذب عليكِ كهرمان، ولن أفعل، لقد أخبرني الطبيب أنه بخير فقط يحتاج لبعض العلاج المكثف لوقت ما وسوف ينهض ويكون بخير بمشيئة الله، ليحطم القصر أعلى رؤوس الجميع .
سقطت دمعة من عيونها وهي تهمس بصوت منخفض :
_ فقط اتمنى أن....تكون سلمى بخير، أخشى أن يؤذها أحدهم.
ابتسم إيفان بسمة صغيرة وهو يتذكر كلمات خالد عن زوجة أرسلان وعن حياتها قبل المجئ هنا وعن طبيعة عملها التي كانت تمتهنه ليهتف بصوت منخفض :
_ فقط لندعو الله أن يثبت أقدامها لحين نعثر على ذلك الجحر ..
نظرت له كهرمان بعدم فهم ليربت على رأسها بحنان وحب :
_ فقط لا ترهقي نفسك كهرمان ارجوكِ، دعي كل شيء عليّ عزيزتي، أحمل عنكِ كل اثقالك دون تذمر .
تنفست براحة وهي تميل عليه تهمس له بصوت منخفض :
_ شكرًا لوجودك دائمًا جواري إيفان، لا حرمني الله صوتك ودفئك .....
ضمها له إيفان وهو ينظر صوب أرسلان بحزن شديد يكتمه عن أعين زوجته، صديقه والذي يتمنى من الله عز وجل أن يصل هو لزوجته قبل افاقته إذ يعلم جيدًا ما ستكون عليه ردة فعله، وليتولاهم الله برحمته ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت أصابعها تتحرك بين خصلاته بحنان شديد بينما الأخير فقط يغمض عيونه بهدوء شديد وعقله يسبح بعيدًا عما يحدث حوله، وقد كانت هذه عادته في الآونة الأخيرة، كلما حاول أن يندمج في تفكير ويصفي عقله، أتى لها يستقر بين أحضانها ومن ثم يفكر فيما يريد .
وآهٍ لو تدري تبارك أن سالار يتخذ من حضنها مقرًا لوضع خطط حروبه القادمة ونقطة انطلاق أفكاره التي يخرج بها للجميع .
_ متأكد أنك افضل الآن ؟!
_ سأكون عزيزتي، فقط كوني بخير وسأكون تبارك.
ابتسمت له تبارك بحب، أما عنه فقد كان في هذه اللحظة يحاول معرفة موقع ذلك الجحر الذي تحدثت عنه توبة سابقًا يثق أن أنمار يخفي الملكة هناك، لكن حتى توبة وحسب ما قالت لا تدرك له من موقع .
تنفس بصوت مرتفع لتنتبه تبارك وهي تميل عليه تهمس بصوت حنون :
_ ما بك يا قائد ؟!
فتح سالار عيونه ينظر لخاصتها بحب :
_ أفكر في عمل زيارة سريعة لسبز.
_ سبز ؟؟
هز رأسه بنعم وهو يفكر في الذهاب لتوبة وسماع قصتها مجددًا عله يتحصل على أي معلومة قد اغفلها وربما تفيده في الوصول لذلك الجحر .
_ نعم أريد التأكد من شيء ما .
نظرت له بتردد ليتحدث ببسمة وهو يرفع يده يربت على وجنتها بحنان :
_ سأكون بخير لا تقلقي.
_ فقط ....فقط اريدك أن....سالار ما يحدث في هذه الآونة مخيف، أشعر أن هناك شيء سييء سيحدث وأقسم بالله ستكون القاسمة إن كان ذلك الشيء معك أنت سالار فلا تفعلها بي، فما لي من حياة عداك.
ابتسم لها بلطف يحاول أن يهون عليها خوفها لتهمس هي بصوت خائف:
_ أنا أحيا في هذا العالم لأجلك، أنت عالمي سالار فما لي من بعدك حياة ولا عالم، سأظل معلقة بين عالمك هنا ومكاني هناك ولن أصل لشيء ..
ربت على رأسها بحنان شديد ومازالت كلماتها تلك تثير فزعه، فكرة أن يتمحور عالم تبارك كله حوله يخيفه بقدر ما يسعده، يخشى عليها أن تحيا بلا روح إن حدث له شيء، هو لا يضمن عمره ولا يدري بأي أرض يموت، لربما اليوم أو غدًا حياته ليست مستقرة .
تنهد لتبتسم له تبارك تدري ما يفكر به في هذه اللحظة، فلا يتوقف سالار عن الخوف عليها طوال الوقت بسبب أو بدون .
_ لا تحمل همًا سالار، أنا سأكون بخير، فقط كن وسأكون .
ابتسم لها بحنان :
_ عسى أن تكوني دائمًا غاليتي، لا اقلق عليك، فالله معنا دائمًا .
هزت رأسها تميل قليلًا عليه وهي تقترب بوجهها منه مبتسمة لتتسع بسمته بالمثل وحينما أصبحت على بعد انشات منه رفع نفسه قليلًا يقبل عيونها :
_ كيف حالك عزيزتي ؟!
ضحكت بخفة وهي تنظر له بعدم فهم قليلًا قبل أن تردد بصوت منخفض وهي تراقب عيونه بحب :
_ ماذا تقصد ؟؟
_ كنتِ مريضة لذا أتساءل إن كنتِ بخير الآن عزيزتي ؟؟ تأخذين ادويتك بانتظام ؟!
هزت رأسها تعتدل في جلستها :
_ نعم وهل تمنحني فرصة الإهمال سالار ؟؟ مش عاطيني حتة فرصة اتدلع عليك ؟!
نظر لها بعدم فهم معتدلًا، ثم هتف بجدية :
_ تريدين مني دلالًا تبارك ؟!
ثواني قبل أن تنفجر في ضحكة عالية ولولا أنه ينعزل بغرفته في قصر مشكى عن الجميع، لكان سارع لكبت ضحكاتها قبل أن يتنعم بها غيره، لكن هذا سالار الوحش الذي يتحول بعد منتصف الليل؛ لذا بالطبع هو منعزل عن الجميع .
توقفت عن الضحك بعد ثواني تبتسم له ثم هزت رأسها تربت على كتفه بحب :
_ منحرمش يا حبيبي .
_ إذن اخذتي دوائك ؟؟
_ نعم لا تقلق أنا بخير، سالار أنت تحمل همي كثيرًا .
نظر لها مطولًا وقد بدا أنه يبحث عن ردًا لها رغم أنه في الأوقات العادية كان ليكون رده حاضرًا، لكن يبدو أن سالار في هذه اللحظة لم يكن يعي بشيء وما كان طرحه تلك الأسئلة سوى مجرد إلهاء لعقله عن أمر يفكر به .
_ هل أنت بخير ؟! ما بك ؟؟
نظر لها نظرات هادئة في ظاهرها غامضة مرعبة في باطنها، ورغم ذلك هز رأسه ببطء يهمس بصوت خافت :
_ أنا بخير تبارك، بخير عزيزتي، السؤال هو هل سيكونون هم بخير ؟؟؟
_ هم من ؟؟
ابتسم لها بسمة غريبة :
_ هم أشخاص لا أحب أن يتلوث لسان امرأتي بذكرهم لذا لا ترهقي عقلك عزيزتي واهتمي بشيئين فقط صحتك وبي ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس جوارها ملتصقًا بالفراش يحدق بوجهها ينتظر أن يحدث شيء وينتهي هذا الحلم الجميل، لا يصدق أنه يجلس الآن أمامها يراقبها بهذا السكون .
مد يده يتلمس وجنتها وحينما استشعر بشرتها أسفل أنامله، اغمض عيونه وهو يبتسم بسمة صغيرة مسحورة يهمس اسمها .
وقد سحبته ذاكرته صوب المرة الأولى التي تجرأ بها على لمسها بعد عقد قرآنه عليها ...
تجلس في ركن الغرفة خجلة تنتظر دخوله بعد تلقي المباركات من الأهل، لكن طال انتظاره حتى انمحى الخجل وارتسم الحنق على وجهها تنهض عن الأريكة وهي تبعد الغطاء عن وجهها تهتف بصوت حانق :
_ أين هذا الرجل؟؟ ماذا الآن ؟؟
في نفس اللحظة انفتح الباب وابصرت جسد زيان يُدفع بقوة للداخل ومن ثم جذب أحدهم الباب بقوة تاركًا زيان يقف في منتصف الغرفة مصدومًا مما حدث فقبل أن يستوعب حتى وجد أحد رفاقه يسحبه من بين الناس ومن ثم ألقى به صوب الغرفة .
اعتدل يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، ولم يرفع عيونه لها حتى سمع صرختها التي انطلقت وهي تستدير بسرعة تخفي وجهها خلف الغطاء :
_ انتظر لا تنظر ..
ولشدة توتره في هذه اللحظة لم يدرك زيان بعد أن هذه المرأة التي تقف أمامه هي زوجته، ليغطي عيونه بسرعة مغمضًا وقد بدأ لسانه يلهج بالاعتذار.
أما عنها فقد استدارت بسرعة تخفي ملامحها تتأكد أن كل شيء بخير، ثم التفت له تخفض رأسها بخجل ربما كان متأخرًا بعض الشيء في هذا الموقف .
تهمس بصوت خافت :
_ أوه هذا أنت زيان ؟!
ختمت حديثها تخفي وجهها المغطى أسفل كفيها بخجل يليق بها، تنتظر تعليقه على جملتها، لكن زيان المسكين كان فقط يقف يخفي عيونه أسفل يده ينتظر أن تنتهي .
ليكون الموقف في هذه اللحظة مضحًكًا، كلاهما يخفي وجهه خلف يديه ينتظر أن يتخذ الآخر خطوة .
وحينما طال الصمت ولم تنل رده المرتقب منه، ثواني حتى شعرت بالملل ترفع يدها ببطء، ثم نظرت صوبه تراه ما يزال يخفي وجهه، لتشتعل بغضب طفيف .
ترفع صوتها أكثر :
_ أوه هــــذا أنــــت زيــــــان ؟!
انتفض زيان يرفع يده بسرعة عن وجهه يهتف ببسمة :
_ انتهيتي ؟!
_ انتهيت من ماذا ؟؟
_ لا أعلم أنتِ طلبتي مني عدم النظر، ظننت أن هناك ما تفعلينه ولا يجوز لي النظر له .
ابتسمت له نازين وهي تتحرك صوبه :
- زيان أنت لطيف حقًا ومراعي، وهذا لا يجوز اليوم، أنا زوجتك يا رجل ما بك .
وزيان فقط كان ينظر لها ببسمة شاردة يتأمل تلك الكلمة، صديقة الطفولة أضحت زوجته أخيرًا بعد سنوات كفاح لإثبات استحقاقه لها .
ظل شاردًا بها سعيدًا، حتى زفرت هي تتحدث بضيق :
_ هيا زيان ارفع الغطاء عن وجهها وانظر لي .
انتبه زيان أنه كل ذلك لم يكن قد رفع الغطاء عنها ليبتسم بسرعة وهو يخطو خطوة إضافية تقربه منه، ثم رفع كفه يمسك طرف غطاء وجهها وهي ورغم كل جدالها معه منذ ثواني شعرت أن قلبها يكاد يتوقف من شدة الخجل فتلتحدث من خلف الغطاء كان سهلًا عكس المواجهة المباشرة .
وبمجرد أن رفع زيان الغطاء أغمضت عيونها تسمع همست :
_ هنيئًا لي بكِ نازين .
ختم حديثه يرفع أصابعه بتوق محسوس يتلمس بشرتها مبتسمًا بحب، ثم مال يطبع قبلته على رأسها بحنان شديد :
_ مبارك صاحبة المقام العالي ....
انتفض جسد زيان بعيدًا عنها حينما سمع الطرق على باب غرفته وصوت المعتصم يصدر من الخارج :
_ زيان هل أنت بالداخل ؟؟
نظر زيان صوب نازين ثواني يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، قبل أن يتحرك بخطوات مترددة صوب الباب يخشى ابعاد عيونه فتختفي من أمامه .
ورغم ذلك توجه صوب بوابة غرفته يفتح جزء صغير منها وهو يشد مدخلها بشكل غريزي رغم معرفته أن المعتصم لن يمد عينيه لما لا يخصه .
وبمجرد أن خرج لم يكد يتحدث حتى هاله مظهر المعتصم والذي كان مزريًا بحق :
- المعتصم ؟؟ ما بك ؟! هل حدث شيئًا ؟؟
كتم المعتصم صرخته الداخلية وهو مقطع لاشلاء جزء لواجبه تجاه البلاد والملك وجزء واجبه تجاه زوجته التي لا يعلم أين هي .
_ زيان أرجوك اذهب لتكون جوار الملك وتعتني به لا أثق بسواك من الأطباء والله وحده يعلم إن كان أحد الأطباء هنا متعاون معهم أم لا .
_ أنا لا افهمك، ماذا حدث يا المعتصم، مظهرك غريب و....
قاطعه المعتصم بكلمات متقطعة يحاول وصف ما يحدث معه بشكل لا يستدعي شفقة أحدهم، ولم يدري أن مظهره الأن دون فعل شيء هو الشفقة بحد ذاتها .
_ بخير فقط ....فقط ....فقط ...
توقف عن الحديث وهو يبعد عيونه عن زيان صوب الممر وكأنه يحاول شغل عقله عن أحزانه ينطق كلماته بصوت مقهور موجوع وهو يسعل بخفة يحاول أن يخفي نبرته :
_ فاطمة اختفت ولا استطيع العثور عليها .
اتسعت أعين نزار بصدمة وهو يتحرك بعيدًا عن باب غرفته، يدور حول المعتصم حتى أصبح مواجهًا له، ينظر له بوجع :
_ كيف ؟؟ ما الذي تقصده باختفت ؟؟ كيف تختفي لا افهمك ؟
نظر له المعتصم بوجع شديد يهمس بنبرة مكسورة :
_ لقد رحلت ...تركتني ورحلت زيان .
تأوه زيان من نبرة المعتصم وهو يجذبه لاحضانه بسرعة يحاول أن يخفف عنه ما يحدث :
_ لا تقلق يا أخي، لا بد أنها ذهبت لمكان ما وستعود، أين ستذهب ؟؟ لا تخف ستكون بخير لا تقلق .
كان يتحدث وهو يربت على كتفه بينما المعتصم استغل ذلك وهو يغمض عيونه بوجع، يدعو ويبتهل الله أن تعود، يشعر بصوت خبيث داخل عقله يخبره أنها لن تعود، أنها رحلت ورحيلها أبديًا ...
_ فقط أريدك أن تذهب لتفحص الملك وتعتني به لحين أذهب للبحث عنها مجددًا ربما ....ربما تكون عادت لمنزلها أو ربما هناك من ابصرها، سأذهب للبحث عنها ولو اضطررت لسؤال جميع من بالمملكة لن أعود بدونها .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت جميع النساء يجلسن داخل الغرفة الصغيرة التي حصلت عليها سلمى منذ مجيئها، تجلس أمامها الجميع وهي مستندة بمرفقيها على قدمها شاردة والجميع هادئ دون كلمة واحدة، حتى تجرأت واحدة واخيرًا وتحدثت .
_ إذن...ماذا سنفعل ؟؟
رفعت سلمى عيونها لهن تراقبهن بانتباه شديد وتفكير، هي لا تعلم ماذا سيفعلن ولا تدرك ما يحب فعله .
_ لِمَ لم تحاولن الهرب من هنا ؟!
ابتسمت احداهن بسخرية :
_ لأن صرخات من سبقونا في هذا الأمر، ما يزال صداها يرن في الإرجاء.
نظرت لها سلمى وهي تبصر المعاناة متجسدة على ملامح الجميع بشكل واضح، بينما جسدها يهتز غضبًا وهي تتخيل مقدار ما قد تمر به النساء هنا من ظلم، إن كانت حياتهم العادية تتمثل في الإجبار والإهانة وسلب كل معاني الأنوثة منهن، فما هو العقاب هنا.؟!
_ أنتِ هي ملكة مشكى حقًا ؟!
رفعت سلمى عيونها صوب الفتاة التي كانت تختبئ بأحضان والدتها تراقبها بنظرات هادئة، قبل أن تبتسم بسمة موجوعة تهز رأسها بنعم، لتبتسم لها الفتاة تقول بصوت خافت :
_ أنتِ شجاعة كالملك، وكذلك جميلة، أمي تخبرني أن الملكة تساعد الملك في إدراة البلاد والاهتمام بأمور النساء هذا صحيح ؟؟ ألهذا تساعدينا؟!
لم تجيبها سلمى إذ كانت تجهل ما تفعله الملكات فهي لم تحظى بيوم واحد هادئ منذ تزوجت أرسلان، حتى يوم زواجها به لم يكن .
أرسلان العزيز الذي لا تدرك ما الذي حدث معه الآن، وعند هذه الفكرة دفنت وجهها بين يديها تجاهد ارتجافة رعب أصابتها وهي تهمس لنفسها أنه بخير، سيكون بخير، لأجلها، لأجل قلبها الذي ولأول مرة ينبض لأجل شخصٍ، سيعود لتخبره كم ...تحبه .
فجأة انتفض جسدها واجساد الجميع في الغرفة على صوت اصطدام الباب بعنف في الجدار حينما اقتحم أصلان المكان وهو يلقيهن ببسمة مرعبة جعلت سلمى تتقدمهن بتحفز شديد تنظر له بشر وكأنها تمثل لهن درعًا للحماية .
ترسل له نظرات محذرة بالاقتراب، ورغم كل الخوف الذي يملئ صدرها لم تتراجع خطوة واحدة .
بينما أصلان رماها بسخرية يتقدم منها خطوات قليلة حتى أصبح واخيرًا أمامها ينظر لها نظرات غامضة جعلت التحفز يعلو داخل جسد سلمى والتي راقبت حركات جسده تقرأها بسهولة تتوقع ما يفكر به في هذه اللحظة، وقبل التراجع للخلف تتخذ ردة فعل سريعة لما أبصرت بعيونه كانت صفعة أصلان تهبط بعنف على وجهها مسقطة إياها ارضًا، وقد اصطدمت رأسها بقوة ارضًا ................
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هرول بين الممرات بسرعة كبيرة وهو يبتسم باتساع لا يصدق ما وصل له، وحينما أصبح في المشفى أبصر جسد كهرمان يقتحم غرفة أرسلان وهي تصرخ باسمه .
_ أخـــــي.
اتسعت بسمة إيفان يزيد من خطوات قدمه يدخل الغرفة بسرعة بينما سالار التزم مع تبارك الخارج، إذ رفض الدخول أثناء تواجد كهرمان بالداخل .
تحرك إيفان بسرعة صوب الفراش يراقب جيد أرسلان الساكن بشكل مريب على الفراش يراقب السقف دون كلمة واحدة أو حتى ردة فعل .
بينما كهرمان تجلس جواره تتمسك بكفه وهي ترتعش من القلق :
_ أخي أنت بخير صحيح ؟؟ أتوسل إليك طمئن قلبي أرسلان لا تتركني لخوفي أرجوك.
حرك أرسلان رأسه بهدوء ينظر لكهرمان نظرات غريبة، ومن ثم نظر لإيفان نظرات فهمها الأخير يغمض عيونه متنفسًا بقوة .
ويد أرسلان تحركت تربت على كف كهرمان يطمئنها بصمت قبل أن يتحرك بعيون صوب إيفان يتحدث بنبرة غريبة على كهرمان :
_ أين هي ؟؟
_ أرسلان أهدأ فقط لقد أفقت للتو وتحتاج لـ ....
قاطعه أرسلان بصوت خرج هادئًا بشكل مرعب يضغط على كل حروفه وقد بدأ جسده يتشنج بشكل مخيف وعروقه بدأت تبرز حتى شعر إيفان أن جرحه سينفجر دماءً في أي لحظة وهو ينطق بنبرة مخيفة :
_ أين هي زوجتي إيفان!؟؟؟؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نيران القهر تفوق الغضب حرارة .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
السادس والعشرون | بضربةٍ واحدة
تفاعل لطيف قبل القراءة
صلوا على النبي.
ــــــــــــــــــ
شعرت توبة بالمكان يدور من حولها حينما فرغ أرسلان من طرح سؤاله عليها ينتظر بكامل الصبر أن تجيبه، أما عنها فلم تكن بالحمق الذي يجعلها تعترف لأرسلان بهوية من ساعدها، لأنه وإن كان أرسلان في هذه الثانية يمقت شخصًا بجنون فهو الشخص الذي تسبب في نكبة شعبه والذي كان وبكامل الأسف والحزن ...نزار .
_ لا أعلم، شخص أثرت شفقته ربما .
ارتسمت بسمة جانبية على وجه أرسلان ساخرًا مما سمع :
_ وهل يا ترى لم يُصادف أن أبصرتي وجه صاحب المروءة هذا ؟؟ لا تعلمين من هو وإن كان يمكنه مساعدتي في الوصول لمستنقعهم ؟!
ابتلعت ريقها وهي تود أن تتنفس بعيدًا عن نظرات أرسلان أو حتى تفكر بشكل طبيعي، تريد أخذ أنفاسها وسؤال نزار إن كان يدرك المكان .
لذا نطقت بتردد :
_ لا لم أفعل، لقد ...لقد كنت ساقطة في غيبوبة قصيرة حين أخرجني ولم أعي بنفسي سوى على حدود مشكى و....فقط ارجوك دعني افكر في الأمر لربما أصل لـ ..
قاطعها بملامح جامدة ووجه لا يُفسر :
_ لا أعتقد أنني أمتلك صبرًا يكفيني لأنتظارك سمو الأميرة، زوجتي لن تمكث يومًا إضافيًا في قبضتهم .
ختم كلامه يتحرك بقوة من أمامها وبشكل جعلها تنظر لاثره متسعة الأعين مصدومة، ونزار يراقبها من بعيد بترقب وضيق شديد من تصرف أرسلان الخشن معها .
استدارت له توبة تنظر له بطرف عيونها وكأنها تسأله سؤالًا صامتًا عما يريده أرسلان ليكون جوابه هزة رأس صغيرة لم تفهم منها شيئًا، ولم تكد تستفسر حتى اختفى جسد نزار بسرعة من المكان .
بينما هي ابتلعت ريقها تنظر أمامها وهي تفكر في زوجة أرسلان التي تعاني في هذه اللحظة ما عانته هي، تتمنى، فقط تتمنى لو أن هناك من يساعدها هناك كما فعل لها نزار، تتمنى أن يكون لها درع تختبأ خلفه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
ودرع سلمى الوحيد كان ...نفسها .
كانت مرمية ارضًا بقوة وفوقها أحد الرجال يقيد يديها بقوة دافعًا بوجهها للأرض حتى شعرت ببعض الأغصان الصغيرة تكاد تخترق وجهها، وهي تحاول المقاومة .
بينما صوت الرجل يعلو من خلفها وهو يدفع برأسها أكثر وصوت سبابه لم يتوقف، وقد بدا أنه على وشك تفجير رأسها أسفل ضغطات يده.
وسلمى فقط تحاول تحريك يدها لتمسك شيء تدافع به عن نفسها، لكن لطالما كانت كفة القوة هي الراجحة وليست الشجاعة .
بدأت تتحرك بشكل محموم تحاول الإفلات منه، وهو فقط ابتسم بسخرية يتحرك عنها ببطء كي يوقفها ليعود بها صوب الجحر، وما كاد يقف حتى وجد حفنة من الرمال تسقط على عيونه، فتراجع للخلف صارخًا بوجع، وقبل أن يتحرك أحدهم خطوة واحدة كانت سلمى تحمل أحد الفروع المحطمة أسفل قدمها تضرب ذلك الرجل بعنف شعرت أن ذراعها تحطمت على إثرها .
ومن ثم نظرت صوب الجميع الذين هرولوا لها، لتبدأ بالتراجع للخلف بظهرها، قبل أن تستدير وتهرول بسرعة مرعبة وهي ما تزال تحمل العصا بين كفها، وقد كان وجهها مدمر من الجروح وجسدها ممتلئ بالكدمات، ورغم ذلك لم تتوقف .
كلما شعرت أن قوتها على وشك أن تخونها، تذكرت مظهر النساء والفتيات، فتزيد من سرعتها وهي تتنفس بصوت مرتفع لا تنظر خلفها وهي تدفع الفروع من أمامها وقد بدأت قدمها تصرخ طلبًا للراحة، لكنها ورغم ذلك لم تتوقف لثانية واحدة حتى ظهر جسده أمامها فجأة فتوقفت بسرعة وقد كان العرق قد انتشر على وجهها، تنظر لوجه أصلان الذي ابتسم لها بسمة مخيفة وهو يتقدم منها :
- إلى أين جلالة الملكة ؟؟ لم ننتهي بعد من ضيافتك .
ختم حديثه ينظر خلفها صوب الرجال الذي كانوا قد وصلوا لها، لتبتلع هي ريقها ترى نفسها وقد أُحيطت بها، ترفع العصا تتخذ وضعية الدفاع تنظر لهم بتحذير :
_ صدقوني عاقبة ما تفعلونه لن تكون جيدة، زوجي لن يصمت على كل هذا .
أطلق أصلان ضحكة مرتفعة وهو ينظر لها بخبث :
_ نعم أنتظر منه رده، لكن وقبل أن يفكر في الرد سيجد ضربتي الأولى له .
تراجعت للخلف وهي تبصر اقترابه منها تحذره بعيونها :
_ لا تقترب وإلا لن اتوانى عن تحطيم وجهك .
لكن أصلان لم يهتم بتهديدها والذي كان بالنسبة له بالون منتفخ بالهواء لا تقدر على تنفيذ شيء مما تنطق به مثلها مثل باقي النسا....
وقبل إكمال أفكاره شعر بضربة عنيفة تصيب فكه حتى كادت أسنانه تسقط من وجهه وصوت سلمى يصرخ بنبرة مرتفعة :
- أخبرتك ألا تقترب .
رفع عيونه لها وقد اشتد غضبه بشكل عاصف، حتى شعرت سلمى ولأول مرة برغبة عارمة في البكاء خوفًا، لتنطق دون وعي اسمه وهي تناجيه برعب :
_ أرسلان.
وهو كان قد سمع مناجاتها له فاقترب ببسمته الشيطانية يهمس لها آخر كلمات سمعتها قبل أن يهوى عليها بضربة كادت تحطم رأسها:
_ لا تقلقي ربما لم يقتله السم، لكن ما سأفعله به سيجعله يتمنى لو أنه لم يحيا يومًا بعد تلك الضربة ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فاطمة ؟!
تحرك بخطوات مترددة صوب الضوء الخافت الصادر من أحد الجهات، حيث قبور بعض الضحايا في الحوادث الأخيرة، وهي تجلس جوار أحد القبور تضم جسدها لركن الجدار وكأنها تحتمي به من الجميع .
تقدم أكثر منها وقد كانت ضربات قلبه تزداد برعب مما يبصر، يفكر في احتمالية قضاء فاطمة لتلك الساعات الطويلة هنا وحدها بين القبور .
توقف على بعد خطوة واحدة منها ولم يكد يناديها مجددًا حتى سمع صوتها تهمس بنبرة شاردة وهي تحدق في بعض القبور أمامها:
_ إذن متى نعود للمنزل أمي، اشتاق للنوم بين أحضانك في فراشي .
نظر لها المعتصم بعدم فهم، يبصرها تنظر لإحدى الجهات صوب الجدار الذي تستند عليه وهي تناديه بأمي .
تأوه بوجع وهو يتحرك صوبها يهمس بصوت أبى الخروج منه :
_ فاطمة ...ما الذي تفعلينه هنا.... أنتِ ....مع من تتحدثين ؟!
فجأة انتفض جسد فاطمة وهي تنظر صوب الجهة التي يقف بها المعتصم، تحدق به ببسمة شاحبة متعبة، لطيفة وهي تشير له :
- انظري أمي هذا المعتصم، أخبرتك عنه سابقًا ...
صمتت ثواني وكأنها تستمع لشيء ما ثم أكملت :
- هو لطيف أمي وليس سيئًا، أرجوك أنا أحب رفقته .
تحرك لها المعتصم بتردد وقد شعر بالخوف عليها :
_ فاطمة ...عزيزتي مع من تتحدثين الآن ؟!
نظرت له فاطمة بعدم فهم، ثم نظر لوالدتها تشير لها :
_ هذه أمي، ألم تقابلها مسبقًا ؟!
نظر المعتصم حيث تشير وقد شعر أن قلبه توقف وقد علم أن حالة فاطمة بدأت تتدهور أكثر وأكثر.
_ فــ... فاطمة هل ...لماذا رحلتي عن القصر ؟؟ لقد بحثت عنكِ بكل مكان .
نظرت له ثواني بحزن ومن ثم نظرت صوب ركن الجدار تقول بصوت متوتر خافت بعض الشيء :
- هذه ...هذه أمي يا المعتصم، غضبت حينما رأتني اجلس معك طوال الوقت وقد اهملتها هي وعائلتي، لذا طلبت مني المجئ معها صوب قبر أبي وأخي لزيارتهم، وترفض رحيلي منذ جئت و....
صمتت ثواني ثم رفعت عيونها صوب المعتصم تبتسم من بين دموع هبطت دون إرادتها وكأن عيونها تدرك اللعبة النفسية التي يمارسها العقل عليها :
_ هي ...لا أحب أن احزن أمي، لكنني أشعر بالتعب هنا يا المعتصم أخبرها أن تسمح لي بالرحيل للمنزل، لقد شعرت بالبرد في هذا المكان .
والمعتصم فقط ينظر لها دون ردة فعل يراقبها بأعين دامعة وقد شعر بقلبه يتفتت لما يحدث حوله معها، أخذ يراقبها وهي تشير صوب الفراغ جوارها تتحدث عنه وكأنه والدتها، وتصف له معاناتها هنا في اليوم السابق وكل هذه الساعات في هذا المكان وحدها وفي مثل هذه البرودة دون طعام ..
تتحدث وتتحدث وهو فقط يراقبها وقد عجز عن تحريك إصبعًا حتى ليتأكد أنها بخير، عجز عن الإقتراب منها خطوة واحدة يراقبها تتحدث بجدية وبسمة صغيرة وقد أصبحت رؤيته ضبابية وبشدة لكثرة الدموع التي تجمعت داخل عيونه في هذه اللحظة .
بينما فاطمة وحينما انتهت من حديثها تعجبت من صمته لترفع عيونها له وصُدمت حينما أبصرت دموع المعتصم، ترمش بعدم تصديق تهمس بصوت متعجب :
- يا المعتصم ؟؟ هل ...هل تبكي ؟؟
بينما المعتصم وبمجرد أن سمع كلمتها حتى انهار ارضًا يدفن وجهه بين يديه وهو يبكي بعجز كبير وقد بدأت شهقاته وصرخاته تعلو وتعلو، خوفه على حالة فاطمة أضحى يأكل جسده بالكامل .
اليوم هربت منه لأجل أوهام في عقلها والله وحده يعلم المرة القادمة ما يمكن أن تفعل .
أما عن فاطمة فحينما أبصرت بكاءه حتى تحركت له ببطء وقلق وهي تربت على كتفه بتردد :
_ يا المعتصم ما بك ؟؟
ختمت جملتها بنبرة توشك على البكاء لأجله، وحينها ازداد بكاء المعتصم والذي شعر أن كل الهموم وخوفه الساعات السابقة يتجمع فوق كاهله في هذه اللحظة، يشعر بقهر يقتله، وآهٍ من قهر الرجال .
ازداد بكاؤه لتميل هي عليه تضمه من كتفه وهي تبكي معه وعليه بصوت خافت تهمس من بين شهقاتها بخوف تربت على ظهره :
- يا المعتصم لا تخيفني عليك أرجوك، هل تتألم ؟!
_ بل أموت فاطمة، أموت كمدًا والله .
ختم كلماته بصعوبة بسبب بكائه لتزداد دموع فاطمة، تضمه لها بقوة وهو يدفن رأسه في صدرها وهي تربت عليه وقد بدا في هذه اللحظة أن المعتصم هو من يواجه وقتًا عصيبًا وهي تواسيه، ودون شعور أخذت تربت على ظهره وكتفه وهي تردد بعض الآيات التي كانت تحفظها وكأنها تحصنه .
والمعتصم من شدة وجعه لم يستطع التوقف عن البكاء مرتعبًا أن يحدث لها شيئًا بسبب سجنها نفسها في ذلك الماضي ..
يخشى أن تصل للحظة لا رجعة لها منها ويخسر هو الشخص الوحيد الذي أحبه في هذه الحياة .
وبعد دقائق طويلة أخيرًا هدأ جسد المعتصم عن الانتفاض، وشعرت بذلك فاطمة التي مالت برأسها صوب رأسه تهمس بصوت منخفض حنون :
- هل أصبحت بخير ؟!
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة على لطفها، يرفع كفه يربت على وجنتها بحنان، لكنه صُدم من شدة البرودة المنتشرة في جسدها، لينظر لها بخوف وقد بدأ يتلمس يدها والتي كانت أشبه بقطعة ثلج، وهي تراقب بتعجب .
أما عنه اعتدل بسرعة يجذبها هذه المرة لتكون هي بأحضانه يخفيها حتى ينشر بعض الدفء لها، بينما هي خجلت وبشدة ليست وكأنها كانت بين أحضانه منذ ثواني تنظر صوب والدتها لتجد أن الركن الذي كانت تجلس به منذ ثواني أضحى فارغًا فتعجب تردد :
- أين هي ؟؟
نظر لها المعتصم يردد بصوت خافت :
_ من ؟!
_ أمي، كانت تجلس هناك منذ ثواني واختفت .
نظر لها المعتصم ثواني قبل أن يميل عليها يحملها بين ذراعيه بشكل مفاجئ :
- دعينا نرحل من هنا فاطم .
قاومت فاطمة دون فائدة وهي تحاول أن تهبط عن يديه :
- لا ...يا المعتصم لا استطيع، امي أخبرتني أنها لا تحبني أن اتركها، وأنني اهملتها وحيدة وفضلتك عنها .
لكن المعتصم لم يتجادل معها بشيء مدركًا أن عقل زوجته الباطن بدأ يرسم لها قصصًا أكثر من مجرد اوهام، وهذا يرعبه..
- لا يمكنك أخذي بهذا الشكل وترك أمي وحيدة هنا يا المعتصم، ارجوك انزلني، سوف أخبرها أن نعود سويًا صوب منزلنا، انزلني أرجوك...
لكن المعتصم رفض وهي أخذت تنظر لذلك الركن الفارغ ترى والدتها وقد اختفت فجأة تهمس بعدم تصديق :
- أين ذهبت أمي ؟! كانت تجلس هنا منذ ثواني .
نظرت له دون حديث ومن ثم قالت دون شعور وبشرود وكأنها استنتجت فجأة ما يحدث حولها :
_ يبدو أن أمي لا تحب رفقتك يا المعتصم فهي لا تأتيني في وجودك .
نظر لها المعتصم بجمود يدرك ما نطقت به، ليهتف بعدها وهو يخرج من البوابة الحديدية الخاصة بالمقابر وقد خرجت نبرته حادة بعض الشيء، يقرر أن يتعامل بصرامة مع مرضها حتى تعود الملكة لتكمل علاجها وقد ظن أنها كادت تطيب من مرضها وأخيرًا .
_ إذن لن أترككِ لحظة واحدة فاطمة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمشط جميع المملكة وقد كاد جسده ينهار من الإرهاق خاصة أنه لم يُشفى بعد، ورغم كل نصائح المحيطين به لم يستمع له وهو يدور بحصانه يردد كلما سمع اعتراضًا :
- لن أجلس للراحة سالار وأنا أعلم أن زوجتي بين أيديهم والله وحده يعلم ....
صمت ويبدو أن مجرد تخيل ما يمكن أن يفعلوا بها جعل جنونه يشتد وهو ينظر أمامه بأعين لا تبصر سوى سواد قاتم :
_ هذا لن يصبح مجرد انتقام، هم لا يسهّلون موتهم .
_ أرسلان ارجوك أنت تكاد تنهار ارضًا، عنادك لن ينفعنا إن سقطت مجددًا، هذا لن ينفع زوجتك ولن ينفع أحدهم، رجاءً عدم لقصر سبز ارتح وأنا سأكمل البحث و...
قاطعه أرسلان وهو يمسك اللجام بقوة يراقب الاحراش على مد البصر يبحث عن شيء غريب وقد كان كل ما علمه من توبة أن ذلك الجحر كان مجاور لإحدى غابات سبز الكثيرة وهذا يصعب الأمر، لكنه اقسم حتى لو بحث في سبز بأكملها ركن ركن سيجد زوجته .
_ سالار أرجوك هذه زوجتي، لا تخبرني أن أذهب لارتاح تاركًا امرأتي وشرفي بين أيديهم يعبثون به كما يشاؤون، أي راحة تلك تطالبني بها، لتفنى روحي ويتهالك جسدي حتى أجدها، وحتى ذلك الحين لن أرتاح، والله الذي لا إله إلا هو لن يهنأ لي بال حتى اذيقهم من الجحيم نيرانًا ..
ختم حديثها يتحرك بسرعة بين الغابات، بينما سالار يلحق به وهو يوجه رجاله في المناطق المحيطة ولم يصر عليه لأنه يعلم عناد أرسلان فيما يتعلق باشياء عادية، فما بالكم لو كان ذاك الشيء هو اختطاف زوجته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لا تعلم ؟؟
_ اقسم أنني لا أفعل أنا لا اعلم الطريق و...ذلك الـ
توقف نزار عن التحدث وهو يجذب خصلاته بغضب شديد يزفر بصوت مرتفع، ثم أكمل وهو ينظر لعيون توبة التي ركضت له بمجرد أن اختفى أرسلان من أمامها، تحركت صوب الدور السفلي تصر عليه أن يخبرها بمكان الجحر .
_ نزار هذا الحقير أنمار اختطف زوجة أرسلان والله وحده يعلم ما يفعله بها، وأنت تعلم أكثر من الجميع ما يمكن أن يمس امرأة بهذا المكان .
صرخ نزار وقد وصل لحافة صبره وقد توترت جميع أعصابه وهو يحاول تذكر الطريق مرتعب أن يمس تلك المرأة ضرر ما:
_ اقسم أنني لا اتذكر جيدًا وقت ذهابي هناك كان في ليلة مظلمة وسرت خلف الوليد وحينما خرجت من هناك معكِ لم انتبه للطريق بل كان السائق خاصة أن جميع غابات سبز متشابهه، وفي المرة الثانية كنت مصابًا لا أشعر بشيء والوليد مختفي منذ الصباح لا اعلم أين و.....
فجأة صمت وهو يتحدث بكلمات غير مفهومة بصوت منخفض جعل توبة تقترب منه أكثر وهي تنطق بعدم فهم :
- ما الذي تقوله ؟؟ لا افهمك .
نظر لها بأعين متسعة يهتف دون وعي وكأنه أدرك في هذه اللحظات شيئًا ما :
_ أشجار السنط...
اقتربت منه توبة أكثر وهي تحاول فهم ما يقصد :
- ماذا ؟؟ ما الذي تحاول قوله نزار أرجوك إن كنت تعلم شيئًا ساعدنا لربما كان هذا جزءًا تمحو به بعضًا من ذنبك في حق أرسلان وشعبه، ارجوك ساعده نزار الرجل يكاد يجن على زوجته .
نظر لها نزار وهو يراقب رعبها الظاهر وخوفها وهي تتحدث عن حالة أرسلان، وقد أثار هذا تساؤلات وضيق عميق في صدره، كبته لحين يأتي وقته يهتف بصوت شارد مفكر :
_ المكان الذي عبرنا به أثناء احضاري لكِ هنا كان ممتلئ بأشجار السنط وعلى حسب علمي فأشجار السنط تنمو في جزء واحد فقط من سبز وهو ....
_ الغابة الجنوبية، يجب أن أخبر ارسلان بهذا .
قاطعته توبة بتلك الكلمات والتي بمجرد أن أدركتها حتى هرولت بسرعة كبيرة من أمام نزار الذي نظر لاثرها بملامح غير مفسرة يراقب هرولتها في المكان وكأنها اكتشفت للتو سر الحياة .
_ أرجوكِ لا تكوني توبة، لا تفعلي ذلك بي، أرجو أن أكون قد أخطأت تفسير نظرتك، أرجو ذلك .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلع قفازات يده وهو يتحرك خارج إحدى غرف المشفى يتحدث مع أحد المساعدين له بجدية :
_ الحمدلله القطع كان بعيدًا عن أوتار يده، فقط واظب على وضع له الاعشاب التي وصفتها لك بشكل دوري وتجنب أن تصل المياه لذلك الجزء المجروح و...
_ زين جيد أنني وجدتك هنا، أرجوك أخبرني طريق سزب أريد الذهاب هناك .
توقف زيان عن التحدث مع مساعده وهو يسمع تلك الجملة التي كانت مليئة بالكثير من الكلمات الغريبة على مسامعه، من هذا زين ومن هذه سزب ؟؟
استدار ببطء صوب خالد والذي كان يرتدي ثوب غريب بالنسبة له قميص باللون الأبيض بأزرار بلاستيكية سوداء مع بنطال به بعض الخدوش والقطع بمنطقة الركبة، يرتدي عليه حذاء رجالي اسود اللون ذو كعب مرتفع بعض الشيء ويضع فوق رأسه قبعة عريضة وعلى ظهره حقيبة كبيرة بعض الشيء والقرد يقبع فوق رأسه وقد ارتدى قبعة مماثلة لقبعة خالد .
وقد كان خالد في الواقع يرتدي تلك الثياب التي كان يرتديها في العادة أثناء رحلاته الاستكشافية في غابات الامازون المخيفة .
أشار زيان صوب المساعد ليتحرك وهو يراقب هيئة خالد:
_ ما هذا ؟؟
تحدث خالد بجدية وهو يشير صوب موزي :
- سوف أذهب مع موزي للبحث بأنفسنا عن سول إذ يبدو أن لا أحد هنا يُعتمد عليه صحيح موزي ؟؟
نزع موزي القبعة التي كانت تعلو رأسه وهو يلقيها ارضًا بضيق، بينما خالد رماه بنظرة غاضبة محذرة :
- هل تعلم المبلغ الذي اتكلفه لاحصل على قبعات مماثلة لي ولك ولسول ؟! قرد أحمق أرتدي قبعتك هيا ولا تفسد رحلة بحثنا عن سول، لا يمكنك السير معي دون القبعة .
أبعد عيونه عن موزي وهو ينظر صوب زيان الذي كان يراقبه وهو يتحدث بلغة لا يفهمها، ومن ثم ردد بلغة عربية ليست صحيحة مائة بالمائة:
_ لا تهتم بموزي فهو يعاني حساسية من الأشياء الثمينة، ذلك الحقير صاحب الذوق القمئ، والآن أخبرني كيف اصل لذلك المكان الذي ذكره صاحب الشعر الأحمر في الاجتماع ؟؟
كان زيان يراقبه يتحدث ويتحدث دون إدراك لما ينطق به، حتى انتهى خالد من حديقه فقال زيان بعدم فهم :
- ما الذي تريده أنت أنا لا افهمك ؟؟
- أين يوجد المكان الذي اختطفوا به أختي ؟!
تشنجت ملامح زيان بسخرية :
_ وهل تظن أنني وإن كنت أعلم أو كان أحدنا يعلم لكانت أختك ما تزال أسيرة ؟؟
_ ماذا تعني صاحب الشعر الأحمر قال إنها في ذلك المكان الذي نسيت اسمه مجددًا .
_ من هذا صاحب الشعر الأحمر أنا لا أفهم ما تريد ولست في مزاج يسمح لي حتى بالتفكير فيما تريد أنت، لذا رجاءً أبحث لك عن غيري لتزعجه .
ولم يكد يتحرك حتى أوقفه خالد الذي أمسك مرفقه يتحدث بجدية :
_ إذن أنت لا تود الحديث عن مكانها ؟!
نظر زيان لمرفقه ومن ثم سمع كلمات خالد والذي كان يبدو كما لو أنه يحقق مع المجرم :
_ هل أنت أحمق ؟؟
رفع خالد حاجبه وهو يهتف بضيق :
- بل أنتم المجانين، ذلك الرجل ذو الشعر الأحمر والآخر البارد ذو الملامح الثلجية وآخرهم ذلك الشاب الذي كان يتحدث بملامح واجمة، والآن لديك دقائق لتنطق بما لديك .
صمت ثم كرر جملته وهو يضغط على كل حرف من كلماته :
_ أين....هي..... أختي ؟؟
بلل زيان شفتيه وهو ينظر في عيونه ثم همس له بعدما اقترب بعض انشات من وجهه :
_ في مكانٍ حيث سأرسلك إن لم تبتعد عن وجهي في هذه اللحظة أنت وهذا القرد .
ختم حديثه يتحرك من أمامه بسرعة مقررًا الذهاب لغرفته حيث ترك زوجته نائمة، وخالد ينظر في أثره وهو يضيق عيونه بتفكير :
- إذن أنت تعرف أين هي .
ولم يكد يلحق به حتى أبصرها تتهادى أمامه بخطوات بطيئة هادئة، وهي تتجاهله بكل بساطة تتحرك من أمامه تحديدًا لتمر صوب غرفة شقيقها فاليوم نعود خروجه من المشفى .
لكن خالد لم يكن ليمرر وجودها هكذا دون أن يلقي بكلمة تكون سببًا في فقدان إحدى عينيه :
_ استغفر الله يا موزي بعض البشر يحسبون أنفسهم محور الكون ويسيرون مرفوعي الرأس وكأن لا مثيل لهم في هذه الحياة، وهم في الحقيقة لا أهمية لهم في هذه الحياة .
لكن ديلارا والتي كانت قد أصبحت مباشرة جواره هتفت دون أن تنظر له حتى وهي تكمل طريقها بكل بساطة صوب غرفة شقيقها :
_ أنصحك بإيجاد مكانٍ آخر تشكو به حالك ومشاكلك مع حياتك لقريبك .
ختمت حديثها تدخل غرفة عثمان تغلق الباب بقوة في وجه خالد الذي نظر صوب الباب ثواني وكأنه ليس موجودًا، أما عنه ظل ينظر للباب طويلًا يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني ومن ثم نظر صوب موزي يهتف بعدم إدراك :
- هل قصدتني بكلامها أم أنها كانت تتحدث عنك ؟؟
أخرج موزي بعض الأصوات الحانقة ردًا على تساؤلات خالد والتي لم تكن تعنيه في الحقيقة، لينظر خالد مجددًا صوب باب غرفتها يهتف وهو يضيق عيونه بشر :
_ تلك الساحرة صاحبة الأعين الملونة بالاسود ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في تلك الغرفة مرة أخرى بعدما عادت لها خائبة الأمل وقد احبط أصلان فرصة هروبها، ذلك الرجل والذي استهانت به كثيرًا .
كان مرعبًا مخيفًا في الغابة، أغمضت عيونها وهي تتذكر ما حدث معها هناك وقد بدأت عيونها تسقط دموعها بلا توقف .
صفعة وثانية سقطت على وجهها ومن ثم سحبها من خصلاتها وهو يقربها منه ينظر لها باستهانة وجمود :
_ لولا أنني احتاجك فيما اريد تنفيذه لتخلصت منك في الحال، لكنكِ ومع كامل الأسف مهمة لذلك المتغطرس المتجبر أرسلان.
وبمجرد أن ختم كلماته حتى كبت تأوهًا قويًا كاد يفلت من بين شفتيه حين مدت هي قدمها تضرب أسفل معدته بعنف ومن ثم هتفت بصوت حانق غاضب :
_ أمثالك لا ينالون شرف نطق اسم الملك أرسلان، ولولا أن أرسلان يسبب لكم رعبًا كبيرًا ما تكبدتم عناء اختطافي ولواجهتموه في الساحة كما الرجال، لكن أين لحمار بمجابهة أسد ؟!
ختمت حديثها وهي تنظر له بقوة تمارس عليه لعبتها تستفز كل ذرات صبره، لتأتيها النتيجة العكسية في اللحظة نفسها حينما ضرب أصلان رأسها بقوة في إحدى الأشجار خلفها فانطلقت صرختها ترن في المكان وهي تسقط بقوة ارضًا تحاول أن تقاوم الدوار الذي أصابها وقد شعرت بالوجع والضعف يتملكان جسدها وينهشان كل ذرة أمل وقوة كانت تختزنهما داخل صدرها، ورغم ذلك ابت أن تمنحه لذة انتصارًا عليها .
ترفع وجهها الدامي له تهتف من بين الدماء التي بدأت تسيل على وجهها :
_ أرأيت، هذا ما أقصى ما تستطيع فعله، ضرب امرأة، أما الرجال فلا قِبل لك بهم .
وإن كانت تطمح لاستخراج غضب أصلان فقد نجحت كما لو يسبق وفعل غيرها إذ ثار أصلان وهو يصرخ بها بصوت مرتفع ولم يكد يهجم عليها يستخرج منها روحها حتى امسكه بعض الرجال وتحدث أحدهم:
- تمالك نفسك سيدي هي تحاول استفزازك، تمالك نفسك وتذكر ما نريده أرجوك.
نظر لها أصلان بشر وقد استطاعت سلمى أن تشعل به نيران لم تشعلها به الحروب .
ليهتف بغضب جحيمي :
- مثلك مثل زوجك.
ابتسمت له وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها تبحث عن شيء تغطيها به وقد شعرت لاول مرة أنها عارية أمامهم، رغم أنها كانت تسير طوال الوقت بشعرها قبل المجئ:
_ أشكرك على تلك المجاملة اللطيفة، لكنها لن تخفف عما سيفعل بك زوجي .
دفع أصلان الرجل للخلف وهو يميل يمسكها من مرفقها بقوة يرفعها مجبرًا إياها على الوقوف يهمس بالقرب من أذنها بشر :
_ زوجك هذا سأقتله حيًا ومن ثم أخرج روحه بيدي .
نظرت له ثواني قبل أن تهمس له بقوة :
- صدقني لن تكون الأول الذي يحاول، كما لن تكون الأول الذي يفشل .
ومن بعد تلك اللحظة لم تعي سوى بأحدهم يسحبها من بين يديه بعيدًا عن عيونه وهي فقط قاومت تبعد يده عنها بكبرياء تسير معهم وكأنها لم تجر خائبة الأمل مجددًا صوب نفس الغرفة.
وها هي تجلس منذ ذلك الحين تنتظر حكم اصلان عليها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ااتسعت الأعين بصدمة مما نطق أصلان منذ ثواني وقد بدأ البعض يعتقد أنه جُن، لكن خشوا النطق بما يكنون داخل صدورهم، لكن أصلان لم يكن بالاحمق ليتجاهل كل تلك الأسئلة التي تدور بعقولهم لذا ابتسم يوضح ما نطق به منذ ثواني .
_يبدو أن أنمار استطاع وخلال تلك الفترة زرع فكرة قتال الأيدي داخل عقولكم وغفل عن حرب العقول، حرب استنزاف لطاقة العدو قبل مقابلته داخل ساحة الحرب .
نظر الجميع ثم ابتسم بسمة غامضة مخيفة تخفي خلفها خبثًا ودهاءً يوازي الشيطان بمكره :
_ اختطاف زوجة أرسلان والاحتفاظ بها معنا طوال الوقت لن ينفعنا بشيء بل سيعطلنا ونحن نحرس جلالتها ليل نهار، لكنني انتوي الاستفادة منها حتى آخر لحظة، ولا طريقة افضل مما اخبرتكم بها.
عبر أحدهم عما يدور برأسه من اعتراضات :
- ترجعها له ؟؟ بعد كل ما تكبدناه من خسائر لنختطفها ونعيدها لهنا بعد هروبها تخبرنا أن نعيدها له ؟؟ لماذا اختطفناها من الأساس ؟؟
نظر لهم أصلان نظرات غريبة وهو يمنحهم بسمة أغرب:
_ ما هي نقطة ضعف أرسلان ؟؟
نظر له الجميع دون إجابة ليتطوع هو ويجيب سؤاله بنفسه :
_ كبرياؤه وزوجته، وأنا سأحطم الإثنين بضربة واحدة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل القصر بعدما اشتد ظلام الليل عليهم وأصبح البحث صعبًاء رغم أن سالار بالكاد أجبره ليعود معهم وقد كان مصرًا على إستكمال البحث وحده .
بمجرد أن دخل الجميع لسبز حتى أبصرتهم توبة من شرفتها لتتحرك بسرعة كبيرة صوب الاسفل لتخبرهم ما وصلت له من نزار .
بينما سالار كان ينظر لأرسلان بحزن يدرك ما يمر به، فهو لا يستطيع حتى تخيل وضع نفسه في محله، لا يتخيل أن يختطف أحدهم زوجته ويعلم أن هذا الأحدهم لن يضيره فعل الاسوء بها .
انتفض جسده لهذا التخيل وهو يقترب من أرسلان يربت على كتفه بينما الأخير يسير جامد الملامح هادئ بشكل مخيف، كان هذا أكثر ما يرعب سالار عليه ومنه، هدوء وصمت أرسلان وعدم ثورانه حتى الآن ليس مبشرًا البتة .
_ أرسلان أنت بخير ؟؟
أجاب أرسلان وهو يتحرك في طريقه صوب الغرفة التي سينعزل بها ليفكر في خطوته القادمة :
_ لستُ ولن أكون حتى اطمئن عليها .
_ دعني اساعدك لتغيير ضمادة جرحك و...
قاطع كلام سالار صوت توبة التي خرجت بسرعة من القصر وهي تهتف باسم أرسلان بلهفة شديد :
- ملك أرسلان، حمدًا لله أنك عدت لهنا، لقد ...علمت ..علمت أين يمكن أن يكون الجحر، تذكرت شيئًا يمكنه المساعدة .
واخيرًا أصدر وجه أرسلان ردة فعل عدا الجمود وهو ينتفض ناظرًا لها بكل لهفة وترقب :
- تذكرتي مكان الجحر ؟؟
_ ليس تمامًا، لكنني تذكرت أين يمكن أن يكون .
صمتت ثواني تبتلع ريقها ثم قالت وهي تنظر له من خلف غطاء وجهها تقول بصوت جاد :
_ غابات الجنوب، أعتقد أن الجحر هناك.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت أمامها للطعام الذي أخذ هو يرصه لها، ومن ثم جلس أمامها وهو ينظر لها بأعين مراقبة وكأنه لا يصدق أنها تجلس واخيرًا معه .
أما عنها فقد حدثت في الطعام ثواني قبل أن تعود بانظارها له :
_ أنا لست جائعة يا المعتصم .
اغمض المعتصم عيونه بقوة وكأنه لا يصدق أنه يسمعها منها مجددًا يبتلع ريقه، ثم نظر لها مبتسمًا بسمة صغيرة :
_ فاطم عزيزتي كيف لا تكونين ؟؟ أنتِ لم تتناولي طعامك منذ أيام، هيا عزيزتي تناولي الطعام فانتِ تبدين مرهقة وشاحبة و....
نظرت له بعدم فهم وهي تقاطع حديثه :
_ أمي كانت تصنع لي طعامًا يا المعتصم ما الذي تتحدث أنت عنه .
ابتسم لها بسمة مهتزة :
_ حسنًا لا بأس عزيزتي تناولي هذا كوجبة إضافية لأجلي رجاءً ارجوكِ .
كانت فاطمة تبصر حزنه الذي يظهر واضحًا في عيونه، فمدت يدها دون وعي تضعها على وجنته تحركها بحنان :
_ مابك يالمعتصم تبدو حزينًا شاحبًا .
سقطت دمعة من المعتصم وهو يشعر أنه يخسرها، يخسرها وهو يراقبها عاجزًا دون أي شيء يستطيع تقديمه لها، عاجز هو عن مساعدتها، وكيف يفعل إن كان عدوها هو عقلها .
_ بل أموت حزنًا فاطمة .
تألمت فاطمة لأجله وهي تبعد الطعام تتحرك صوب المقعد الخاص به تقف جواره وهي تجذب رأسه لصدرها بحنان تهمس بصوت مخنوق بغصة تدرك سبب حزنه لكنها لا تعلم كيف تساعد بالأمر:
_ هل للأمر علاقة برحيلي مع أمي ؟!
كانت تتحدث وهي تحرك يدها في خصلات شعره دون وعي، ليضم المعتصم خصرها بقوة يدفن به وجهه يهتف باختناق :
_ بل للأمر علاقة بوجعك الذي يقبع داخلك فاطمة.
شعر بيدها التي ابتعدت عنه فجأة وهي تهمس بصوت موجوع :
_ لم يكن بإمكاني تجاهلها يا المعتصم وقد كانت تبكي اهمالي لها، أمي ومنذ زواجي بك وأنا لم ازرها أو ...
توقفت عن الحديث حينما ابتعد عنها المعتصم يقاطع حديثها في هذا الأمر وقد وصل لحافة صبره ينهض عن المقعد الخاص به، يمسك وجهها بين يديها وهو يجهل ما عليه فعله :
_ أنتِ لم تهملي والدتك عزيزتي، بل أنتِ أفضل ابنة قد يحظى بها المرء يومًا، كل تلك مجرد أفكار من عقلك فقط، لكنكِ يومًا لم تقصر في حق والدتك .
_ إذن لماذا كانت حزينة حينما زارتني هنا ؟!
عجز عن الرد عليها وقد خاف أن يؤثر رده أيًا كان عليها بالسلب، لذا ابتلع ريقه وهو يهمس لها بحنان :
_ ربما لأننا لم نتعرف جيدًا أنا وهي، ما رأيك إن زارتك مجددًا أن تناديني سريعًا للتعرف عليها، ولا ...لا تذهبي معها لأي مكان دون إخباري سوف آتي معك حسنًا .
نظرت له بحب وهو يتحدث بهذا الحنان :
_ تأتي معي لأي مكان ؟!
_ طالما أنتِ به فاطم، أفعل.
نظرت بعيدًا بخجل وهي تتحدث بصوت خافت :
_ أنا آسفة، أدرك أنني اخفتك .
ابتسم بسخرية لاذعة على تعبيرها الفقير الذي لم يصف حتى نصف ما شعر به هو، يتنهد بصوت شبه مرتفع، قبل أن ينظر لها يكبت داخله صرخات وجع ووجع الفراق الذي شعر به في غيابها :
_ أوه لا عليكِ، مر الأمر بسلام على الجميع الحمدلله .
" إلا قلبي "
كلمة كتبها شفقة عليها أن يثقل عليها بوجعه، فإن كاد هو ينهار من ذلك الوجع الذي داهمه في بعدها، فكيف لمن بمثل هشاشتها أن تحتمل الأمر .
_ حقًا لا بأس فقط كوني جواري أرجوكِ فاطمة .
ويقسم أنه كان يحضر لأيام من اللوم والعتاب والفراق عقابًا لنا على فعلتها، لكن نظرة واحدة من تلك العيون أخبرته كم هو شخص حقير ليفكر في مثل هذا الأمر ويعرض فاطمة الصغيرة لمثل هذا الحزن .
أما عن فاطمة فقد كانت تحدق به بلطف شديد تهمس بكل الحب الذي نمى ومازال ينمو لذلك الرجل :
_ أنت يا المعتصم ...رجل صالح ذو مروءة .
اتسعت بسمة المعتصم حتى تحولت لضحكة صغيرة وهو يهز رأسها:
_ أوه نعم هذا اخبرتيني به بالفعل مرات عديدة منذ أبصرتك تطعمين بوبي وصغارها، ألا جديد لديكِ أم بوبي ؟! أي ثناء جديد، أي ألفاظ تحبيبة أكثر من مجرد رجل صالح ذو مروءة، ألا تتطلعين لأن تفسد أخلاقك وتتجاوزين هذه النقطة من الثناء ؟!
اتسعت بسمتها بخجل شديد من كلماته، وقد بدأت دقات قلبها تعلو، تنظر ارضًا ثم تنظر له وهكذا لمدة ثواني، أما عنه فقد كان يراقبها باستمتاع لما تفعل .
يبتسم لها بسمة صغيرة يخفي خلفها قلقه وخوفه من القادم وقد بدا أن عقل فاطمة وذكرياتها أشد شراسة منه، كان يشعر بالرعب من كل ما قد يواجهه معها، لكن فجأة توقفت يده عن التربيت عليها حينما سمع صوتها يهمس بنبرة تكاد تكون مسموعة :
_ أنت حقًا ....لطيف ووسيم يا المعتصم .
رفع المعتصم حاجبه مبتسمًا بسمة واسعة ممازحة :
_ أوه هذه نقلة كبيرة و...
قاطعته تلقي الكلمات في وجهه دون أي مقدمات :
_وأنا ... أنا أحبك........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إلى أين نازين ؟؟
توقفت أقدام نازين والتي كانت على وشك الخروج من المبنى الخاص بالغرف بالكامل هربًا من مواجهة لن تجلب سوى الألم لكليهما .
استدارت ببطء صوب زيان والذي كان يحمل بعض الطعام بين يديه يراقبها بعدم فهم :
_ هل أنتِ ذاهبة لمكانٍ ما ؟!
ابتلعت ريقها وهي تبعد عيونها عنه تحاول الحديث تفطر في حجة تخرج بها له، بينما هو راقبها بعدم فهم وهي تفرك كفيها بتوتر شديد تتهرب من النظر داخل عيونه، ليدرك هو فجأة ما يحدث هنا يقترب منها وقد اشتدت نظرات عيونه :
- نازين ؟؟ هل أنتِ ....هل كنتِ على وشك الهرب ؟!
رفعت عيونها له وقد اشتد الحزن بهما، ليشعر بضربة توجه له في صدره وهو يحمل صينية الطعام بيد وأمسك مرفقها باليد الأخرى، يجذبها صوبه يحدق داخل عيونها بشكل مخيف، ومن ثم جذبها خلفه عائدًا صوب غرفتهما، بينما هي تقاوم باكية :
- لا ارجوك اتركني لأرحل، ارجوك اتركني زيان لا يمكنني العودة، لا يمكنني فعل ذلك ارجوك .
كان يجرها صوب غرفته وجسده ينتفض بغضب من كلماتها، لا يفهم ما تقصد من حديثها ولولا وجودهما داخل الممر في مبنى الغرف لكان انفجر فيها .
واخيرًا وصل بها صوب الغرفة يدخل جاذبًا اياها بقوة يغلق الباب ومن ثم وضع الصينية على أقرب طاولة ينظر لها بشر :
- أعيدي ما قلتي في الخارج !؟ لا يمكنك ماذا ؟؟ تريدين تركي نازين ؟؟ تريدين تركي بعد كل ما حدث ؟!
نزلت دموع نازين تحاول الحديث متجاهلة خوفها من نظراته فما كان لزيان أن يؤذها يومًا :
_ ولأجل ما حدث اريد تركك زيان .
نظر لها بعدم فهم :
- وما الذي حدث ؟؟ ما الذي حدث ليدفعك إلى الهرب مني نازين، الهـــــــرب منــــــــي نازيــــن.
نطق جملته الأخيرة بصراخ وكأنه لا يصدق ما يحدث معه الآن، نازين تحاول تركه، تحاول الهرب منها بعد كل هذه الأيام من الفراق والضنى ؟!
عضت نادين شفتيها تحاول كتم صرختها التي كادت تخرج منها، بينما هو ينظر لها بجنون يحاول التفكير فيما يمكن أن يدفع المرأة التي كانت لا تحتمل بعده عنه لثانية وكانت تقفز له كل ثانية في العمل معللة ذلك بشوقها الكبير له، ما الذي قد يدفعها للفراق ؟!
_ أنتِ ... أنتِ لستِ نازين ؟؟
كان ذلك سؤالًا يائسًا حائرًا وقد وجد أن هذا ربما يكون أكثر سبب مقنع لما يحدث أمامه، أما عنها فقد رفعت عيونها له بصدمة كبيرة وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي ليكمل هو بنبرة مصدومة أكثر منها :
_ هذا هو ...التفسير الوحيد لما ...يحدث معكِ، ما كان لنازين خاصتي أن تفعل كل هذا وتعافر للرحيل عني، ما كان لها أن تحارب للهرب مني، من أنتِ وكيف ...كيف ...كيف بالله عليكِ تشبهينها لهذه الدرجة ؟؟
أخذت هي تهز رأسها بنفي وقد كرهت نظرة الغرابة التي علت عيونه تبكي بصمت وهي تحاول فتح فمها :
_ أنت... أنا لست ... أنا هي نازين يا زيان أنا هي زوجتك .
_ إذن لماذا ؟! لماذا تفعلين هذا بنا نازين ؟! لماذا تحاولين تركي بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذه السنين لماذا ؟؟ ما الذي يدفعك لفعل ذلك ؟
_ ببساطة لم اعد أليق بك، ربما أكون زوجتك لكنني لست نفسها نازين التي تعهدها، صدقني لم أعد هي، أنت لا ...لا اقبل لك البقاء معي بعد الآن زيان .
شعر زيان بقلبه يهوى ارضًا وقد جعلته تلك الكلمات يرتجف بخوف مما قد يسمع بعد ذلك، ما الذي تقصده ؟! اقترب منها يحاول التحدث وقد عجز عن اخراج كلماته، كان يخاف سؤالها، يخشى سماع إجابتها .
ليس وكأنها أخبرته ضمنيًا بالأمر لكنه لم يدركه في ذلك الوقت بسبب انهياره...
أما عنها فقد أبصرت تردده لتبتسم بسمة صغيرة وهي تهمس بصوت منخفض :
_ (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) صدقني أنت لا تود ما عرفة ما يقبع خلف كلماتي، لا تريد معرفة ما تخفي في جعبتي و....
وهو كان فقط صامتًا بشكل مرعب وكأنه يفكر في التحدث، يحاول أن يعلم إن كان عليه سؤالها أم تجاوز الأمر ببساطة و...
فجأة لم يشعر بنفسه إلا وهو يسأل:
_ ما الذي حدث لكِ ؟؟
_ أنت لا تريد هذا صدقني لا تفعل هذا بنفسك .
_ ما الذي حدث لكِ ؟؟
سقطت دموعها تحاول تجنب هذه المواجهة وهي تنفي برأسها متوسلة :
_ لا ارجوك أنا فقط اريد الرحيل دون أن....
توقفت عن الحديث بسبب صرخة زيان التي هزت أرجاء المكان وهو يصيح بجنون لاول مرة تبصره على وجهه :
_ نــــــــــازيــــن مـــــا الــــــذي حــــدث؟!
_ لا أرجوك زيـ ..
_ ما الذي حدث نازين لا تثيري جنوني وتحدثي وإلا....
قاطعته وهي تصرخ بصوت مرتفع وقد بدا أنها جنت فجأة وكأنها حصلت اخيرًا على فرصتها في التعبير عما يدور بخلدها :
_ كنت اعمل راقصة لهم زيان، كنت اسهر ليالٍ اتفنن في عرض جسدي لهم والرقص أمام الجميع فقط كي لا أصل أبعد من ذلك، زوجتك والتي لم يبصر أحدهم طرفها يومًا كانت مر.....
وقبل أن تكمل كلماتها أبصرت شحوب وجه زيان وهو يتراجع بعيدًا عنها بصدمة بينما هي صمتت ولم تعد قادرة على الحديث بكلمة إضافية وقد كاد قلبها يتوقف وهي تخشى أن يرفع عيونه لها في أي لحظة وترى نظرات هربت منها طوال الوقت في أعين غيره فما بالكم برجل مثل لها العالم ؟؟
أما عن زيان شعر وكأن العالم من حوله يدور، وصدى كلماتها يدوي داخل عقله، وعيونه فقط تحركت ببطء صوب جسدها وكأنه يبحث عن آثار النظرات عليها، يبحث عنها بشكل محموم، كان الحديث ورغم إرادته ضربة قوية على رجل مثل أو على أي رجل، رجل لم يكن يقبل أن يلمح أحدهم طرف زوجته، لتأتي هي وتخبره بكل بساطة أنهم رأوا ما هو أبعد من طرفها .
نظر لها ثواني وهي أبعدت عيونها في نفس اللحظة تتحدث بصوت منخفض تحاول أن تبرر له ما فعلت رغم أنها منذ ثواني كانت تود الهرب منه ولن تجد افضل من هكذا فرصة، لكنها لن تقبل البتة أن أكون هذه هي صورتها في أعين الرجل الوحيد الذي تهتم بصورتها لديه :
_ لقد ...كان هذا .....أُجبرت على هذا زيان اقسم بالله لم يكن لدي من طريق عدا هذا الطريق، إما هذا أو الـ...
صمتت وهي تتنفس بصوت مرتفع بسبب نظراته التي أخذت تتسع، يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي بعد ما سمع منها وقد وصل تحمله لحافته .
_ فقط اصمتي نازين اصمتي رجاءً.
نظرت له باكية تحاول الحديث بأي كلمة وقد انقلبت الأدوار فأصبح هو من يبعد في هذه اللحظة وهي تتوسل القرب :
- فقط صدقني أنا لست ...لم أسمح لأحدهم بالأقتراب مني وقد ظننت أنك مت، كنت أبغي انتقامًا و...
صرخ بها وقد جن جنونه :
- من ؟؟ من الذي فعل هذا ؟؟ من نازين اذكري لي اسمًا .
تراجعت نازين للخلف مرتعبة وهي تحاول التنفس بشكل صحيح، أما عنه فقد اندفع لها يهمس بصوت مرعب :
_ هل هو أنمار ؟؟
نظرت له بأعين متسعة ثم ودون إرادة اومأت بنعم وهو ابتسم بسمة مريبة يبتعد عنها ببطء ومن ثم نظر لها نظرة أخيرة غير مفهومة :
_ لن تتحركي خارج هذه الغرفة حتى آمركِ بعكس هذا نازين، هل ما قلت واضح لكِ ؟!
نظرت له برعب وقد كانت تلك المرة الأولى التي يتحدث معها بهذه النبرة، ولم تعي سوى بانتفاضتها بسبب صرخته :
_ مفهوم نازين ؟!
هزت رأسها بنعم مرات عديدة وهي تبتعد عن الباب وقد أبصرت اندفاعه المخيف، بينما هو خرج دون حتى أن ينظر لها نظرة واحدة يتحدث بصوت خافت :
- تناولي طعامكِ ونامي ...
ومن بعد هذه الكلمات لم تسمع سوى صوت قرع الباب بعنف مخيف وخروجه كالعاصفة من المكان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يتحرك بحصانه بسرعة مرعبة صوب الغابات الجنوبية وخلفه عدد لا بأس به من جيشه ومعه سالار الذي أبى تركه في هذه المعركة وحده خاصة وهو لم يبرأ بعد من إصابته.
_ أرسلان أرفق بنفسك يا أخي، خفف من حدة ركضك .
نظر له أرسلان ثواني وهو يفكر في شيء وقد بدا شاردًا ثم عبر عما يخشاه :
_ تعتقد أن ضُرًا مسّها ؟؟
نظر له يحاول طمئنته وهو لا يدري ما قد يكون قد حدث لزوجته وهي بين أيدي من لا يتقي الله .
_ نعم لا تقلق لا أظن أنهم قد يلحقوا بها السوء وهم يعلمون هويتها، بالإضافة أن وجودها سالمة معهم يضمن لهم بطاقة رابحة أمامك في الحرب لذا لن يمسوها بضر بإذن الله .
نظر أرسلان أمامه وقد كان الجحيم هو ما يمكن أن تبصره داخل نظراته يهمس بصوت وصل واضحًا لسالار :
_ ادعو ربك أن يكون ما تحدثت به صحيح، وإلا قسمًا بالواحد الأحد سأفني ما تبقى من حياتي في مطاردة كل شرذمة منهم، والله لن اذر منهم فردًا على هذه الأرض حيًا إلا واذقته مني أهوال سيتمنى لو أن أمه ثكلته قبل أن يبصرها مني.
وأرسلان في هذه اللحظة كان مرعبًا وبحق، تحرك بحصانه يحمل شعلة بيت أنامله وهو يدور بعيونه بين الطرقات لا يدرك حتى كيف هو ذلك الجحر الذي تحدثت عن توبة، هل هو كهف مثلًا، أم مستنقع يليق بمثل خنزرتهم، أم ربما يختفون خلف مجموعة من الأشجار، افطار كثيرة كانت تدور داخل عقل أرسلان نتيجتها واحدة، لن يغادر المكان حتى يصل لزوجته ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك صوب الباب الخاص بغرفتها وهو يتجهز لتنفيذ خطته التي وضعها، رفع يده يشير للحارس أن يفتح لها الغرفة، وبمجرد أن خطى داخلها خطوة واحدة شعر بشيء صلب يسقط أعلى رأسه ولم يكد يستوعب ما حدث حتى باغتته سلمى بالضربة الثانية بكل جنون وهي تركض بسرعة خارج الغرفة تهرول بجنون للمرة الثانية .
بينما أصلان كتم صرخة الألم وهو ينظر لرجاله الذي لحقوا بها وهو يسحبها بصوت مرتفع :
_ تلك الحقيرة لن تستسلم حتى اتخلص منها، اقسم أن موتها سيكون على يدي، هذه الـ .
توقف وهو يضرب الباب بقدمه غاضبًا بجنون مما يحدث، يتنفس بصوت مرتفع وهو يعيد شعره للخلف يحاول التنفس بشكل طبيعي وعيونه تحلق صوب الجهة التي ركضت لها يبتسم بسمة غريبة .
أما عن سلمى والتي اقسمت ألا تستسلم ولو حطموا عظامها وأخرجوا روحها بأيديهم، ستظل تقاوم حتى آخر نفس ولن ترضخ لهم، نظرت خلفها أبصرت حراس كثيرين يلحقون بها لتزيد من ركضها ولم تكد تخرج من تلك الساحة حتى أبصرت الكثير من الرجال يحيطون بها والبعض يقترب منها، فما كان منها إلا أن رفعت يدها بقوة تضرب أحدهم في وجهه لكمة عنيفة وآخر ضربته بقدمها تحاول الخروج من بين براثنهم سالمة، لكن الكثرة لطالما هزمت الشجاعة شر هزيمة، وهذه المعركة بينهما لم تكن استثناءً .
إذ هجم أحدهم عليها يقيدها بقوة وهي تقاوم بكل عنف قبل أن تتلقى من أحدهم لكمة توازي لكمتها قوة، ومن بعدها ارتفعت صرختها حينما امتدت يد الرجل صوب ثوبها يجذب مقدمته يهمس لها بنبرة مختلة :
- يبدو أن العنف والضرب لا يؤتي ثماره معكِ، وأنا أعلم ما قد يكسر النساء أمثالك، بدأت يده تتحرك على جسدها بشكل قذر ولم يكد يتمادى تحت صرخاتها وضرباتها التي كادت تحطم وجه ذلك الذي يقيدها، حتى سمعوا صرخة أصلان:
_ توقف ...ما الذي تفعله أنت ؟!
حرك الرجال عيونه صوب أصلان الذي حذرهم الايتان بخطوة إضافية، ثم نظر صوب سلمى يقترب منها يراقبها بسخرية وهو يتأتأ بصوت حانق :
_ أنتِ يا امرأة لن تتوقفي حتى تجبريني على اذيتك، صدقيني أنا أمنع الرجال هنا عنكِ بصعوبة، فلا تدرين أنتِ كم تستويهم النساء الجميلات الوحشيات أمثالك.
نظرت له سلمى ثواني وهو قريب منها وقد انخفض لها يتحدث ببسمة ساخرة، وفجأة تراجع للخلف يسب ويصرخ بصوت مرتفع وهو يضع يده على أنفه التي بدأت الدماء تسيل منها بعدما نطحته سلمى بقوة في رأسه تهمس له بالمثل :
_ ألا خسئت أنت وقومك ومن يتبعك، ما كان لوسخٍ أن يمسني إلا وأنا جثة هامدة .
رفع لها أصلان عيونه وقد شعر بالغضب يشتد داخله، وقد احس للحظة بالعجز عن اخافتها، ضربها وصفعها وهددها وحتى إن أحدهم كاد ينتهكها منذ ثواني وفي النهاية تقف بتجبر أمامه تردد على مسامعه كلمات أرسلان.
أما عن سلمى فقد ابتسمت له بسمة مستفزة وقد وصلت لنهاية اللعبة واستسلمت للأمر الواقع، لن تستطيع النجاة، إذن لتموت بشرف .
فجأة انتفض جسدها على صوت أصلان وهو يشير لرجاله بهدوء :
_ احضروها هيا دعونا ننتهي منها.
ونعم خافت وبشدة في هذه اللحظة، بدأت أطرافها ترتعش برعب، فإن كانت منذ لحظات فقط تستقبل الموت بصدر رحب، فهذا لا ينفي رعبها الذي تخفيه خلف نظراتها المستفزة الباردة .
شعرت بأحد الرجال يسحبها بقوة خلفه حتى كادت تسقط على وجهها بشعر مدمر يخرج أطرافه عن قطعة القماش التي تخفيه به، وثياب ممزقة وهي تحاول أن تبعد يده عنها لكن فشلت في ذلك لتقرر أن تتبعهم بهدوء حتى تحين لحظة ضعف لهم وتشتت تستغلها هي لصالحها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ السلام عليكم .
انتفض جسد توبة بفزع وهي تستدير بسرعة كبيرة صوب ذلك الصوت والذي رغم معرفتها بصاحبه إلا أنها ودون شعور فزعت من وجوده في هذه اللحظة .
رمشت وهي تحاول إدراك سبب وجوده في هذه اللحظة من المساء خارج الغرفة الخاصة به :
- وعليكم السلام سمو الأمير .
ابتسم لها بسمة صغيرة لم تظهر سوى في عيونه التي نظرت خلفها صوب السماء التي كانت مليئة بالنجوم في هذه اللحظة :
_ يبدو أن القمر قرر ترك القيادة بيد النجوم اليوم وترك لهم السماء .
نظرت له بعدم فهم، بينما هو اقترب من الشرفة يهتف بهدوء شديد وشرود :
_ ما كان للنجوم أن تلتمع في وجود القمر، وما كان القمر ليضئ السماء إلا بسبب انعكاس الشمس عليه، هكذا هي الحياة البعض منا نجوم ينتظر فرصته ليلتمع، والبعض قمر يدعي سيطرة وهمية على محيطه، والبعض شمس ينشر ضوءه طوال الوقت .
كان يتحدث وهو ينظر لها بطرف عيونه خاصة في جملته الأخيرة، لتشعر هي بالتعجب أما عنه ابتسم بسمة صغيرة يقول ببساطة :
_ فقط معلومات أردت مراجعتها معكِ .
رفعت حاجبها وهي تعود بانظارها صوب الشرفة تحاول استكشاف الطريق بحثًا عن طرف أرسلان ومن معه، قبل أن تسمع صوته يردد:
_ قلقه عليه ؟؟
نظرت له بعدم فهم :
_ عفوًا ؟؟
_ أرسلان ؟!
اتسعت عيون توبة بشدة وهي تشعر بضربات قلبها يكاد صخبها يخرج له فيدرك ما يدور بخلدها، ورغم أنها لم تكن في هذه اللحظة تحمل لأرسلان سوى بقايا ود، واحترام تام لما يفعله مع الجميع، إلا أنها نظرت له بخجل وقد احمرت وجنتها دون شعور وتوترت بقوة :
_ ما ...ما الذي تتحدث عنه أنت ؟! قلقه على من ؟! هل تمزح معي ؟!
رفع حاجبه يتحدث ببسمة جانبية وقد غامت عيونه بنظرات مخيفة :
_ نعم، امزح بالطبع .
رمشت وهي تحاول السيطرة على ضربات قلبها تبتلع ريقها، ثم هزت رأسها بنعم :
_ لا افهم ما تقوله نزار، لكنني لا أحب هذا النوع من المزاح .
_ صدقيني ولا أنا أحب هذا البتة.
تنهد نزار، ومن ثم نظر أمامه صوب السماء، ومن بعدها نظر لها مجددًا وقد شعر أنه لم يعد قادرًا على الصمت أكثر وإلا انفجر :
_ اليوم حينما كنتِ تسألين عن معلومات التي أعلمها عن الجحر كان الأمر لأجله صحيح ؟؟
_ ماذا ؟!
_ أرسلان .
نظرت له مجددًا وقد ازداد غيظها وبشدة، وهو فقط نظر لها بقوة وكأنه يتأكد من مشاعرها اثناء التحدث معه، يود قراءة عيونها حينما تنطق اسمه .
_ ما مشكلتك مع جلالة الملك أرسلان يا نزار ؟؟
ونعم تلك اللمعة التي مرت سريعًا على عيونها زادت جنونه، ولم يدرك أنها نطقت اسمه في الجملة ذاتها معه، وربما كانت تلك اللمعة من نصيبه، لكنها الغيرة والتي لعبت على اوتاره ببراعة .
_ مشكلتي هو اهتمامك بما يخصه توبة ؟!
نظرت له دون إدراك لما يعنيه :
_ عفوًا .
_ عفوًا أنتِ سمو الأميرة، أنا لم أبصر نفس اللهفة والاهتمام تلك بعيونك نحوي إلا حينما كدت أُقتل على يد ذلك العملاق داخل الجحر، هل يجب أن تخرج روحي لابصر اهتمامك توبة ؟!
اتسعت عيون توبة لا تفهم ما مشكلته أو ربما لم يترجم عقلها بعد أن هناك من يهتم لهذه الدرجة بكل شاردة أو واردة تصدر منها .
_ عفوًا ؟!
نفخ نزار بصوت مرتفع وهو يصرخ بصوته كله دون أن يتحكم به :
_ عفوًا عفوًا عفوًا، لا عفو لكِ عندي توبة فيما يخص هذا الأمر، صدقيني أنا لستُ مستعدًا لإخراج الجزء السييء والذي دفنته منذ أشهر طويلة، فلا تجبريني على إخراجه لأجل ما تفعلينه معي .
وهي فقط كانت تشعر بصدمة ولا تستطيع أن ترد عليه بكلمة واحدة أو تفهم حتى ما يريده منها فكانت الإجابة منها دون وعي وكأن لسانها تم برمجته على نفس الكلمة :
_ عفوًا ؟؟
وفجأة تلاشت نظرات الغضب عن عيون نزار وهو يبصر نظراتها المصدومة تلك يبتسم دون وعي، يميل بعض الشيء إليها:
_ ما بكِ وقد ضربتك البلاهة فجأة سمو الأميرة، الآن اكتشفي عفوًا بقاموس اللغة ؟؟
_ نزار ما الذي ...
_ نعم هذه كلمات أحب سماعها في الحقيقة .
نظرت له بعدم فهم ليبتسم هو لها :
_ اسمي سمو الأميرة.
وفي ثواني اشتد احمرار وجهها وهي تتراجع بسرعة كبيرة للخلف رغم المسافة الكبيرة التي كانت بينهما بالفعل وهي تنزل الغطاء بسرعة على وجهها وكأنها تحاول اخفاء جرمها عن عيونه .
أما عنه فاستقام يردد بهدوء شديد وهو يضع يديه في جيوب بنطاله :
_ خيرًا فعلتي سمو الأميرة، سيكون هذا أفضل لو سرتي بين طرقات القصر تخفين ملامحك طوال الوقت .
رفعت رأسها له ولم يظهر له تعابيرها التي تخفيها أسفل الغطاء، أما عنه ابتسم يدرك أنها لابد وتنظر له نظرات حادة، ورغم كل ذلك ابتسم :
_ صدقيني أنا أفعل هذا باعتباري المسؤول عن امنك وسلامتك هذه الأيام.
رفعت حاجبها ساخرة من كلماته :
_ حقًا ومن يا ترى نصبك مسؤولًا عليّ سمو الأمير .
أشار نزار لقلبه وهو يهتف بجدية :
_ نفسي، وأنا أثق بآراء نفسي وبشدة وأدرك أنها لطالما كانت تختار الافضل لي وللجميع، وهي من أخبرتني أنك تحتاجين لعناية مني وأنا لا أُكذبها البتة، لذا أنا اعتبرك مسؤولة مني وحتى يعود لنا الملك بارق فيتسلمك مني ليسلمك لي .
كانت تبتسم دون شعور بسبب كلماته وقد خمدت ربها أنها تخفي ملامحها خلف الغطاء، لكن فجأة توقف عقلها ثواني عند كلماته الأخيرة، ما الذي يقصده هذا، فجأة رفعت رأسها بحدة صوبه لتتسع بسمته وقد أدرك أنها وأخيرًا استوعبت ما قال، وقبل أن تستفسر عما يقصد وضع يده صوب صدره وهو يميل ميلة صغيرة مبتسمًا :
_ إذن اسمحي لي بالرحيل سمو الأميرة و....احترسي فستبقى عيوني عليكِ طوال الوقت .
ختم حديثه وهو يرفع لثامه يخفي خلفه وجهه ومازالت بسمته منعكسة في عيونه يشير باصبعيه صوب عيونه وكأنه يخبرها أنه يراقبها، وهي تراقبه بصدمة وبسمة متعجبة لم تظهر له، أما عنه ابتسم يمنحها انحناءة أخرى، ثم استدار ليرحل لكن فجأة توقف وقد تلاشت بسمته مجددًا يستدير لها مرة أخرى.
_ هل ستظلين واقفة بهذا الشكل حتى يعود الملك أرسلان ؟!
لم تفهم حديثه ورغم ذلك هزت كتفها بهدوء تحاول أخباره أنها لا تنتظر أرسلان بقدر ما تنتظر نتيجة ما يحدث :
_ نعم ربما، أريد فقط الاطمئنـ
وقبل إكمال جملتها تحرك عائدًا صوب الشرفة مجددًا يقف بعيدًا عنها وهو يضع يديه خلف ظهره يراقب الفضاء أمامه وكأنه يشاركها الانتظار، وهي فقط تراقبه بعدم فهم .
أما عنه فظل يراقب الطريق وهو يتحدث لها دون النظر لها :
_ انظري أمامك رجاءً .
اتسعت عيونها وهي تبتسم بعدم تصديق :
_ ماذا ؟؟ ماذا ؟؟ هل تمزح معي ؟؟
- لا أفعل سأقف معكِ هنا حتى تعودين لغرفتك وتنتهي هذه الليلة على خير معكِ .
_ أنت حقًا لست مضطرًا لـ
_ بل أنا كذلك، والآن فقط انظري أمامك ودعي هذه الليلة تمر، إما هذا أو تعودي لغرفتك فلن أتركك تقفين هنا تنتظرين بهذه اللهفة و.....لن أتركك تنتظرين وحدك هنا .
توقف في منتصف حديثه حينما شعر أنه سيكشف غيرته وضيقه بكل بساطة لها، بينما هي أبعدت عيونها عنه بصدمة تحاول فهم ما يفعل ذلك الرجل والذي كان يتصرف بغرابة عن المعتاد منه .
_ أنت لست ...نزار ما الذي تفعله لا يمكنك الوقوف معي بهذه البساطة كل هذا الوقت، أرجوك عد لغرفتك كي لا ...
وقبل إكتمال كلماتها قاطعهم صوت خلفهم يتحدث بجدية :
_ سمو الأميرة هل من خطب معكِ ؟!
توقفت توبة عن الحديث بصدمة وهي تسمع صوتًا حاد بعض الشيء خلفها تستدير ببطء بينما نزار ما يزال يراقب المكان أمامه ببرود وكأنه لاينتوي الاستدارة من الأساس وهي فقط ابتلعت ريقها تواجه نظرات القادم والتي كانت تحدق بظهر نزار بكل تحفز :
_ قائد زبير مساء الخير ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تشعر بشيء سوى قبضة قوية تسحبها في المكان وهي فقط تنتظر الفرصة لتفلت منها، الرجل يسحبها ويصير معه رجلين آخرين وأمامهم يسير أصلان وهو يحدق بالمكان جيدًا وصوت ضربات قلبها هو كل ما تستطيع سماعه.
أخبرها أنه سيعيدها له، لكن هل تثق بها ؟! والله تثق أن الحمار لن ينطحها في حالة هيجانه ولا تثق أن الخنزير الذي أمامها سيصدق كلمته .
كانت متحفزة وهي تبحث بعيونها عن مخرج تنتظر اللحظة المناسبة لتفتت رؤوس من يمسكون بها، تنتظر اللحظة التي تخف قبضتهم على يدها حتى تنال فرصتها .
بينما أصلان يراقب الطريق ببسمة غريبة وعقل ذلك الرجل كان ينافس الشيطان دهاءً، جاء أصلان بما لم يسبقه أحدهم، فكر في شيء ما كان ليخطر على عقول الآخرين البسيطة .
أصلان والذي كان عقلًا مثقلًا بالخبث والدهاء، رجل عاصر من الحروب الكثير، رجل كان يضع خطط حروب وخطط هجوم وأخرى للدفاع، ما كان يعجز عن وضع مجرد خطة صغيرة ليكسر عدوه خاصة إن كان يدرك نقطة ضعف هذا العدو .
توقف فجأة وهو يحدق بنقطة شبه بعيدة عنهم، ثم رفع يده في الهواء في إشارة منه لرجاله بالتوقف .
نفس اللحظة التي كانت سلمى تتجهز بها لتنال منهم، هي نفسها اللحظة التي تحدث بها أصلان وهو يشير لها :
_ دعوها .
وفجأة وجدت نفسها حرة تقف بينهم، واصلان يستدير لها يمنحها بسمة مريبة يشير صوب الطريق أمامه صوب بقعة منيرة أمامهم:
_ هذا زوجك العزيز هناك، هيا عودي له .
نظرت له بشك وعدم تصديق وقد بدأت كل خلايا عقلها تنتفض متحفزة لما يتحدث ويدها تتحرك تستعد لتحطيم الرؤوس التي تقابلها، بينما أصلان اتسعت بسمته أكثر من نظراتها:
_ ربما أكون سيئًا لكنني لا احنث وعدًا قطعته، أخبرتك سأعيدك لزوجك، وها أنا أفعل؛ لذا تحركي قبل أن أغير رأيي واحتفظ بكِ للأبد، هيا اختاري ..
ترك لها الطريق مفتوح وهي لا تثق بكلمة واحدة نطقها، ربما ينتظر أن تمنحه ظهرها ليصيبها بضربة غادرة، لكن إن كان يريد بها شرًا ما الذي يمنعه من قتلها الآن.
أخذت تتنفس بصوت مرتفع وهي تنظر وهو يراقبها ببسمة :
_ لن أنتظر طويلًا .
وغريزة البقاء داخلها بدأت تعمل وتنتفض بقوة، إذ تحركت بسرعة مخيفة ركضًا للصوب الذي يشير له، لكن بمجرد أن مرت به رفعت يدها تضربه لكمة قوية جعلت تأوهاته تعلو بوجع وصدمة، وقبل استيعابه ما حدث كان هي تهرول بسرعة مخيفة بعيدًا عنه .
ولا تدري عدد المرات التي ركضت بها منذ تم اختطافها، تركض دون توقف وهي تشعر بصوت أنفاسها يعلو ويعلو تبصر أجساد الرجال تبتعد عنها والضوء الذي أشار له أصلان يقترب .
تتنفس بصوت مرتفع وهي تركض بجنون بنفس الهيئة المدمرة التي كانت عليها، ثياب شبه ممزقة، قماشة رثة تكاد لا تخفي نصف خصلات شعرها، جروح وكدمات في جسدها ووجهها، هيئة لو نظرت لها في المرآة ما تعرفت على نفسها .
أخذت تنظر خلفها وهي تبصر اختفاء الأجساد التي كانت تأسرها، أعادت انظارها أمامها تركض وتركض دون أن تفكر حتى في التوقف والتفكير حول المصير الذي تهرول صوبه .
أما عن أصلان فقد كان يراقب ابتعاد جسدها عنه وهو يشير لأحد رجاله بالتقدم منه يشير له بالتأهب، وقد أخذ ذلك الرجل يجهز سهامه وهو ينظر صوب الجهة التي سارت لها سلمى ينتظر فقط إشارة أصلان لتحرير السهم من بين أنامله.
أما عن سلمى أخذت تركض بشكل مرعب ودموعها تهبط دون تحكم بها، ربما كانت فطرتها المرتعبة أو عدم تصديقه بأنها ربما تتحرر .
فجأة وأثناء ركضها أبصرت أجساد كثيرة تلوح لها بالأفق، وكادت تتوقف وتغير طريقها، لولا أن أبصرت من بعيد التماع شعار تدركه جيدًا، شعار تحفظه عن ظهر قلب، لتتوقف أقدامها بصدمة كبيرة وهي تنظر خلفها وكأنها لا تصدق أن ذلك الحقير كان صادقًا، هبطت دموعها وقد ازدادت نبضات قلبها حتى شعرت أنها ستسقط ارضًا في أي لحظة .
ثانية واحدة قبل أن تندفع كالقذيقة، وتزداد هرولتها بشكل جنوني، تراقب نجاتها على بعد خطوات منها، منقذها يقبع على بعد خطوات صغيرة .
ربما كان سرابًا رسمه عقلها لشدة يأسها، لكنه حتى وإن كان سرابًا فيكفيها أن تعانق سرابه، يكفيها أن تأنس بطيفه، فقط، ازدادت دموعها بقوة وهي تزيد من سرعتها أكثر وأكثر دون الاهتمام لا بالجروح التي تصيب قدمها أو بهيئتها حتى، ثواني فقط حتى كانت تصرخ بصوت مرتفع رنّ صداه في المكان بأكمله وكأنها تتوسله في ندائها :
_ أرســــــــــــــــــــــــلان .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربما قد تعود الأميرة للقصر لكن الوحش ما يزال طليقًا، والأمير ما يزال مشتعلًا .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
السابع والعشرون | موقع الجحر |
تفاعل على الرواية فضلًا .
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة .
عيدكم مبارك جميعًا....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعرت بأن واخيرًا أنفاسها بدأت تخرج بشكل طبيعي حينما أبصرته ورغم أن الضوء المتسلل من المشاعل كان قليل وضعيف خاصة مع المسافة بينهما، إلا أنها ما كانت لتخطأ يومًا هيئته، هيئة زوجها، الرجل الوحيد الذي سكن قلبها وحفظه قبل العين .
زادت من ركضها بجنون وهي تصرخ باسمه مرتعبة أن يتلاشى كما السراب قبل أن تصل له، لم تصدق حينما أخبرها أصلان أنه سيتركها لأجل الذهاب لأرسلان .
كانت أقدامها تهرول بشكل مخيف وهي تنادي باسمه دون توقف تبعد ما يقابلها من أفرع الأشجار بهستيرية :
_ أرســـــــــلان...أرســـــــــلان....أرســـــــــلان.
أما عنه فكان يبحث بعيونه في كل مكان عنها وقد أقسم بالله ألا يغادر المكان حتى يصل لها، ولو عني ذلك قضاء المتبقي من حياته يهيم بين الغابات في سبز ليجدها .
_ أرسلان أنت تنزف، جرحك ...لقد فُتح من جديد .
كان ذلك صوت سالار والذي كان صوت العقل الوحيد لأرسلان في هذه الرحلة ولولا وجوده لكان أرسلان أهلك نفسه أثناء البحث عن زوجته .
أما عن أرسلان فلم يهتم وهو يتحرك بين الأشجار يحمل الشعلة بين أنامله يبحث عن أي دليل قد يوصله لهم .
_ لا تقلق سيلتئم قريبًا، فقط دعنا ...
ولم يكد يكمل جملته حتى سمع صوت صرخة بنبرة يحفظها عن ظهر قلب، اسمه يخرج من فيها كما اعتاد في الآونة الأخيرة .
تجمد جسده وشعر أن قلبه يقرع بقوة وهو يستدير بسرعة مرعبة ينظر حوله كالمجنون يتحرك في المكان وهو يبعد الأشجار من أمامه يتحدث بلهفة وعدم تصديق :
_ هل سمعت ...سمعت هذا الصوت سالار ؟! سمعته صحيح !؟
كان يتحدث وهو يتحرك بلهفة في المكان يركض صوب الصوت الذي كان يقترب أكثر وأكثر، وخلفه سالار يركض بسرعة :
- نعم سمعت، الصوت يأتي من الغرب .
لكن وقبل حتى أن يكمل كلماته سمع صوت تحطم المصباح أسفل أقدام أرسلان الذي تجمد جسده وشحب وجهه فجأة وهو يهمس بصوت وصل واضحًا لسالار :
_ يا رحــمٰــن .
تحركت عيون سالار بعدم فهم صوب الجهة التي ينظر لها أرسلان لينتفض جسده بسرعة كبيرة وهو يبعد عيونه عن جسد سلمى الذي كان في حالة رثة ودون حجاب .
يبتعد بسرعة عن المكان وهو يهتف بصوت مرتفع كي يسمعه جميع الحراس المرافقين لهم :
_ الجميع أعينكم للاسفل ...
أما عن أرسلان فحينما أبصرها شعر فجأة بأن جسده كاد يلحق بالمصباح ويتهاوى ارضًا وهو يرى زوجته بهذه الهيئة المدمرة أمامه .
ابصرها تتوقف على بُعد قليل منه وهي تنظر له بملامح موجوعة تتنفس بصوت مرتفع وعيونها مثبتة عليه، بينما هو فقد الاحساس وفقد كل شعور يدل على أنه حي يقترب منها بخطوات بطيئة أما عنها فقد انتظرته حتى يصل لها، وفي ثواني انتفض جسد أرسلان يهرول بشكل مخيف صوبها وهو يلتقطها بين أحضانه يخفيها عن أعين الجميع، يرفع ذراعه يجذب رأسها لصدره وهو يهمس بصوت ملتاع:
_ يا الله، يا رحيم يا الله، يا رحيم يا الله .
هنا وانهارت سلمى بين أحضانه تنفجر واخيرًا في بكاء حار بصوت مرتفع ليترجف جسد أرسلان بقوة وهو يزيد من ضمها ومازال يردد نفسه كلماته بهزيان وارتجاف مرعب في جسده .
وهي فقط تضغط بقضبتها على ثيابه وصوت بكائها يعلو بانكسار بين الجميع، وأرسلان يخفيها بجسده، يضمها له بقوة دون أن يتوقف عن كلماته .
وكل ما يخرج منها هو اسمه وكأنها تناجيه أن يحميها من الجميع .
فجأة أبعدها عنه وهو يخلع معطفه يلفها به بسرعة يرفع القلنسوة أعلى رأسها يخفي كامل خصلاتها بها، يمسك وجهها بين كفيه يتأملها ثواني ويتأمل الجروح التي تملئ وجهها بملامح مصدومة سوداوية .
ولا تدري سلمى أأوهام كانت أم أنها لمحت التماع دموع مجاورًا لغضب أرسلان داخل عيونه، لكن سرعان ما وأد أرسلان كل ذلك أسفل أعاصير غضبه، ومن ثم مال بسرعة يحملها متحركًا بخطوات سريعة صوب حصانه دون أن يتحدث بكلمة واحدة تعبر عما يجيش صدره من غضب .
فجأة وقبل أن يدرك حصانه سمع صرخة سالار وشعر به يدفعه بسرعة جانبًا، حتى كاد يسقط ارضًا مع زوجته، لولا تماسكه وتمسك سلمى به برعب شديد، وقد عبر سهم بسرعة كبيرة من فوق أرسلان ليستقر بالشجرة خلفه .
وبدون وعي وبردة فعل تلقائية من أرسلان كان يخرج خنجرًا من ثوبه يلقي به بسرعة مرعبة في اتجاه خروج السهم دون حتى أن يبصر شيئًا، هو فقط ألقى حنجره بقوة مرعبة وليسقط من يسقط فلا يهتم بجثة من سينغرز خنجره .
وبدقة تصويبه بنفس الجهة التي خرج منها السهم، أصاب حنجره أحد رجال أصلان الذي ابتعد بسرعة، كي لا يكون هو ضحية خنجر أرسلان.
أما عند أرسلان والجميع :
رفع أرسلان عيونه صوب سالار بغضب كبير ليبصر الأخير يحدق صوب جهة ما وهو يصرخ بصوت جهوري :
- تحركوا بسرعة وامسكوا برامي هذا السهم، تحركوا بسرعة .
نظر له أرسلان دون إدراك لما يحدث وكأن حالة زوجته بين يديه جعلته في حالة من اللاوعي لولا جسده الذي كان يتحرك دون إرادة منه وكأنه مبرمج على كل ذلك، حرك عيونه ببطء صوب السهم الذي أصاب الشجرة خلفه، يطيل النظر به قبل أن يتحرك صوبه وما يزال يحمل بين يديه سلمى، وحينما وصل له انزل سلمى بهدوء، ثم مال يعدل وضعية فستانها من الأسفل يتأكد أن كل شيء بخير، وبعدها جذبها من كتفها صوب جسده بحنان .
بينما سالار أبعد عيونه قدر الإمكان عن سلمى وهو ينظر لأرسلان الذي تحرك صوب السهم يتحدث بجدية :
_ أنت بخير يا أخي ؟؟
لكن أرسلان لم يجبه وهو يصل للسهم يراقبه بأعين سوداء يرفع كفه يجذبه بقوة عن الشجرة يلتقط الرسالة التي كانت معلقة به .
يهمس بصوت منخفض :
_ مستوى السهم أعلى من مستوى رأسي، لم يكن السهم ليصيبني، لم أكن هدفه، بل كان هذا هو هدفه .
ختم حديثه وهو يرفع الرسالة التي كانت معلقة بالسهم، يحرك عيونه على الكلمات التي خُطت بأحرف فارسية دقيقة .
" ولأجل السنوات التي قضيتها معك، ولأنني أعلم أن لا حول لك ولا قوة، ويعز عليّ حيرتك يا أخي، أعدت لك زوجتك رأفة مني بك ورأفة بحالك المثير للشفقة، فأنا ذو قلبٍ كبير كما تدرك وأمثالك من عديمي النفع يثيرون شفقتي، وبما أن لا حاجة لي بزوجتك، وبعدما استمتع بها الرجال لبعض الوقت، أبصرت الملل يلوح بعيونهم واصابهم الفتور منها رأيت أن أعيدها لك، فلست أنا من يختبئ خلف النساء كمن سبقني من الجبناء، بل أواجه في ساحة في الحرب، والحرب موعدنا أرسلان...
مع تحياتي : أصلان "
كان أرسلان يقرأ الكلمات بأعين جامد لا تعابير ظاهرة على وجهه ولا حياة في عيونه، يراقب ببرود ويقرأ بهدوء، قبل أن يسمع صوت سالار الذي اقترب منه وقد كان على وشك سحب الرسالة منه ظنًا أنها رسالة تحذير أو تهديد كما يحدث سابقًا :
_ أرسلان ما الذي يحدث ؟؟ دعني أ .....
وقبل أن يمس الرسالة، سحبها أرسلان بسرعة كبيرة يديها داخل جيبه رفضًا أن تبصر عين أحدهم ما كُتب عن زوجته من كلمات دنيئة وحقيرة، وقد بدا أن لا روح في جسد أرسلان في هذه اللحظة، فقط مال بكل هدوء وهو يرفع جسد سلمى مجددًا بين ذراعيه بحذر، ثم تحدث وهو يتحرك صوب حصانه:
_ دعنا نعود سالار فقد انتهينا هنا .
نظر له سالار بصدمة كبيرة فأرسلان الذي يعلمه لن يأخذ ما يريد ويرحل بهذه الطريقة وبهذه البساطة، ولا يدرك أن كثرة الغضب الذي كان يغلي داخل أوردة أرسلان في هذه اللحظة قادرة على إحالة الغابة حوله لرماد .
تنهد سالا ولم يزد الأمر على أرسلان ولم يعترض على شيء، فلا أحد هنا يدري بحالته.
تحرك صوب حصانه ولم يكد يصعد حتى سمع صوت أرسلان يردد بهدوء :
- سوف نعود لمشكى .
نظر له بصمت ولم يجبه سوى بهزة رأسه يهتف في الرجال بالتحرك وقد قام هو الجيش يتحركون أمام أرسلان الذي فقط ضم له جسد سلمى الساكنة بهدوء مريب بين أحضانه بعد موجة البكاء التي هاجمته .
لم يتحدث بكلمة ولم يسألها سؤالًا واحدًا عما قرأت وقد أشفق عليها أن يعرضها لمثل هذا بعد عودتها مباشرة .
فقط اكتفى بضمها وهمس لها بصوت حنون أجش وقد شعر أنه وأخيرًا يتنفس بعد أيام من الاختناق، أخيرًا يحيا بعد أيام من العيش بلا روح .
جذب رأسها لكتفه يربت عليها بحنان ويده الأخرى تمسك بلجام حصانه يشعر بأنفاسها المنتظمة تضرب رقبته ليبتسم واخيرًا متخليًا عن جموده لأجلها...ولاجلها فقط :
_ لا حرمني الله أنفاسك سُليمىٰ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أمامها يراقبها بهدوء شديد حتى أبصرها تغلق عيونها كل ثانية، ومن ثم تفتحها بسرعة وكأنها تخشى أن تتلقى ضربة غادرة إن أغمضت عيونها بشكل غير متوقع، تفرك وجهها وتفتح عيونها بشكل غريب وهي تحدق في المكان حولها، تدير نظراتها في كل مكان عدا ...عيونه التي كانت تتابعها بترقب .
لا يزال غير مصدقًا لما سمع منذ ثواني قبل أن تتقوقع أسفل غطاء فراشها :
_ ماذا قلتِ للتو فاطمة ؟!
أبعدت عيونها عن خاصته بصعوبة :
_ أريد أن أنام قليلًا إذا سمحت .
ابتسم المعتصم بلا تصديق من بساطة هروبها وبلاهتها تخفي وجهها اسفل الغطاء :
_ هل يمكنني النوم ؟؟
أنزل رأسه ببطء صوبها حتى جعل وجهه بالقرب من خاصته أسفل الغطاء ينادي بصوت منخفض :
_ فاطم .
لكن فاطمة أغلقت عيونها بقوة جعلت ضحكات المعتصم تعلو وهو يميل عليها يجذب الغطاء بعيدًا عنها يتحدث بهمس حنون :
_ ألا تريدين سماع ردي فاطم ؟!
_ لا ...
_ أوه، هذا جارح حقًا .
فتحت فاطمة عيونها تنظر صوبه وهي تشعر بفداحة ما فعلت وأنها بالفعل جرحته دون أن تقصد، نظرت له بحزن تهمس باسمه:
_ آسفة لم اقصد أن احزنك يا المعتصم .
ابتسم على لطفها وهو ينظر لها بحنان يرفع يده ليربت عليها بحنان وحب يخبرها أنه لم يحزن، يكفيه تلك الكلمة التي نطقتها منذ ثواني ليسعد المتبقي من عمره، لكن فجأة توقفت يده في منتصف الطريق وهو يسمعها تهمس بنبرة غير مفهومة وكأنها تتحدث دون وعي :
_ هل ....يمكنك إحضار أمي لي هنا يا المعتصم ؟؟
ضغط المعتصم على قبضته بقوة وقد شعرت أنه اكتفى من كل ذلك، لكن رغمًا عن يأسه واحباطه الذي بدأ ينتشر داخل صدره نهض يساعدها لتتسطح على الفراش، ومن ثم غطاها بهدوء يقبل رأسها بلطف :
_ هيا نامي فاطمة .
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تعترض حتى نظر لها بقوة يجبرها بنظراته على تنفيذ ما يقول، وهي فقط كانت تفكر في السبب الذي جعل ملامحه تنكمش بضيق حينما ذكرت والدتها، وبدأ عقلها يغذي تلك الفكرة المريضة التي زرعها داخلها وهي أن المعتصم لا يحب والدتها، فكرة رسمها العقل وأبدع في تزيينها بمهارة ليبعد المعتصم بكل واقعيه عن حياتها الوهمية الوردية التي خططها لأجلها.
أما عنه فقد جذب أحد المقاعد ووضعها أمام الفراش الخاص بها يضم يديه لصدره يراقبها بحرص شديد ينتظر أن تتوقف عن عنادها وتترك العنان لنعسها وتنام .
_ ألا.... ألا تمتلك شيئًا لتفعله يا المعتصم ؟!
_ لا تشغلي عقلك بي عزيزتي أنا بخير، فقط نامي ولا تفكر في شيء .
_ أنا لا يمكنني ...لا يمكنني النوم هنا و ...
صمتت ولم تتحدث بكلمة واحدة، بينما هو ظل يراقبها في انتظار باقي جملتها، لكنها فقط أبعدت وجهها صوب النافذة وقد بدأ الحزن يُخط على وجهها ببراعة منقطعة النظير، حتى ظن أنها تعيش نفس حزنها الماضي، لكنها فاجئته حينما وجهت له سؤالًا غريبًا .
_ هل ...هل تكره أمي يا المعتصم كما أخبرتني ؟!
اتسعت عيون المعتصم شيئّا فشيء وقد صدمه سؤالها يحاول أن يدرك ما تقصد هي .
ودون إرادته وبسبب ما يعاني في هذه الفترة خرج صوته حادًا قويًا :
_ مــــــــــــــــــاذا ؟؟
نظرت له بقلق شديد لأول مرة تنظر به إليه ويبدو أنها أفاقت لتوها على حقيقة كانت تحاول نكرانها منذ أخبرتها بها والدتها، أو بالأحرى صنعها عقلها لها وزينها شيطانها :
_ لقد ..لقد أخبرتني أنك لا تحبني وانك فقط تخدعــ... أنت لست .... أنت لا تحبها كذلك يا المعتصم ولا تحبني أنت فقط ....
صمتت وكأنها عجزت عن نطق ما يدور داخل عقلها بصوت مرتفع وقد بدأت ترتعش خوفًا من نظرات المعتصم والتي صورها لها عقلها أنها نظرات حادة مخيفة في حين أنها كانت مجرد نظرات مصدومة وبشدة .
_ فاطمة هل ...هل تحاولين دفعي للجنون ؟؟
سقطت دموع فاطمة وقد شعرت بالحيرة وهي تنظر له تبصر صدمته وحزنه الواضح في عيونه، لكن كلمات والدتها ما تزال تتردد في عقلها، ساعات طويلة قضتها في القبور تستمع فقط من والدتها حول كم هو سييء يريد التفريق بينهما وجعلها تنساها، كما حذرتها أن جنونه بها قد يتمادى ليخبرها أنها ميتة وهي ما تزال حية ترزق، سيقنعها أن لا وجود لوالدتها بينما هي تجلس جوارها في ذلك الركن تضمها لأحضانها وتربت عليها بحنان .
افكار أبدع عقل فاطمة المريض والذي ما يزال يرفض واقعه، أجاد كتابة حبكة قصة محكمة التفاصيل ليغلق جميع طرق المعتصم لها، يمنعه من إخراجها من تلك الفقاعة الوردية مع والدتها وسحبها صوب الواقع حيث لا أحد جوارها وحيث حقيقة بشعة لن تتحملها .
فاطمة والتي كانت تأتيها بعض الأوقات لحظات تقبل ومن ثم لحظات إنكار، كانت في صراع مع عقلها، صراع شرس لا تعتقد أنها قد تخرج منه سالمة .
سقطت دموعها وهي تراقب المعتصم ينظر لها بعدم فهم وصدمة ومن ثم أخذ يردد دون فهم بنبرة حاول جعلها حنونة:
_ من أخبرك أنني أكره والدتك ؟؟ وما الذي يدفعني لكرهها، أنا وإن كنت أفعل فوالله لأحرقن كرهي لأي شخص طالما كان يعنيكِ، فما بالك بوالدتك فاطمة ؟!
نظرت له تحاول كبتها دموعها بصعوبة :
_ لكن هي أخبرتني بـ
_ هــــــــي مـــــــــن ؟؟ هــــــي مـــــــــــــن فاطمة ؟!
نطقت فاطمة بكلمة متقطعة تتخللها شهقات بكاء حادة :
_ أ...أمــ...أمــــ..... أمي.
نهض المعتصم عن مقعده يبتعد عنها في الحال وقد شعر أن غضبه سيخرج الان ليثير فزعها أكثر منه، غضبه سيدفعه لفعل شيء أحمق يجعلها تبتعد عنه للأبد .
لذا زفر بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب باب غرفته يتحدث بجدية وقد فضل الخروج والاختفاء من أمامها قبل أن يخيفها منه أكثر ؟!
_ نامي فاطمة سوف أذهب لأنتهي من عملي واعود سريعًا.
نظرت في أثره وهي تغلق قبضتها بوجع على الفراش الذي يحيط جسدها تحاول التحدث بكلمة واحدة توقفه وقد شعرت بمدى حزنه :
_ لكن يا المعتصم أ.....
فجأة انتفض جسدها حين سمعت صرخة منه وقد بدا أن شياطين ذلك الرجل والذي كان أقصى ما يفعله هو نظرة غضب، قد خرجت من سجونها أخيرًا:
_ نـــــــامي فـــــاطمـــة...
ومن بعد هذه الكلمات سمعت صوت اغلاق الباب بعنف جعلها تنتفض وهي تبكي بصوت مكتوم تضم لها الغطاء وتحدق في المكان حولها بأعين زائغة تهمس بصوت مرتجف وقد بدأت تشعر بالوحدة والخوف للمرة الأولى وبدأ عقلها يتسلم فرصته ليفرض نفسه واخيرًا عليها :
_ يا المعتصم لا تتركني ...وحدي .
لكن الشخص الوحيد الذي أجابها في هذه اللحظة كان عقلها وهو يتخذ مما حدث مدخلًا له ليبدأ في رسم صورة شيطان تليق بالمعتصم الظالم الذي يسجنها وحدها في تلك الغرفة مانعًا إياها من رؤية والدتها .
تركها وحدها لعقلها، وما اسوء أن يُترك الإنسان في مواجهة عقله، خاصة لو كان ذلك العقل مريض .
أما عن المعتصم فغادر مع عجزه يبحث عن شيء ينقذها به، يفكر في وسيلة ليساعدها، غافلًا عن أن أكثر شيء كانت تحتاجه في هذه اللحظة كان وجوده فقط ......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت توبة عن الحديث بصدمة حينما سمعت صوت زبير خلفها، ابتلعت ريقها ورفعت عيونها لنزار وهي تشير له بالتحرك متوقعة منه هرولة وهو يهرب من أمام زبير والذي لم يكن احمقًا كي يجهل هوية نزار الحقيقية .
_ قائد زبير مساء الخير
حرك زبير نظراته صوب ذلك الجندي الذي يقف على مقربة من الأمير، دون حتى أن يحاول اظهار بعض الاحترام لها، بينما توبة ابتلعت ريقها بهدوء وهي تستدير ببطء شديد صوبه، ومن ثم هزت رأسها بنعم تقول بصوت خافت :
_ هل من شيء ؟؟
_ لا فقط أبصرتك في طريقي للغرفة تقفين هنا وتتحدثين مع الجندي فظننت أن خطبًا أصابك.
ابتسم نزار بسخرية ولم يهتم حتى أن يستدير له فهو لن يضمن أن تظل نظراته هادئة إن نظر لذلك الرجل الذي يهتم بمن لا يعنيه و....
مهلًا وما شأنه هو ؟! هي لا تعنيه كذلك .
نظر صوب توبة بطرف عيونه لتبتبسم الأخيرة بسمة صغيرة وهي تجيبه برقي شديد تحاول ابعاد أفكاره وعيونه عن نزار :
_ اشكرك حقًا يا قائد، لا بأس أنا اتولى اموري هنا، كنت فقط أخبر الجندي ببعض الأوامر التي سيُعلم بها الباقيين في الغد حول موسم الحصاد القادم بمشيئة الله .
رفع نزار حاجبه وهو يهمس بصوت وصل لها واضحًا ساخرًا :
_ ليمد الله بعمري حتى أسمع منكِ يومًا حجة مقنعة توبة .
استدرات له توبة ترمقه بشر، ليبتسم الأخير وهو يتجاهلها دون اهتمام حتى بنظراتها، وهي فقط تزفر بضيق تسمعه يردد :
_ مرة غراب اسود كبيرة في الشرفة ومرة تتحجج بموسم الحصاد والذي لا علاقة لجنود الجيش به، يبدو أن ذكائك لا يشمل الكذب .
اشتعل وجه توبة لكنها حاولت تدارك الأمر كي لا يظهر عليها واضحًا، وهي تنظر صوب زبير والذي شعر بوجود خطب ما، فالجندي لم يستدر له حتى أو يتحدث بكلمة منذ جاء لذا كرر سؤاله :
_ متأكدة أنكِ بخير ؟!
ابتلعت توبة ريقها ولم تكد تجيبه حتى ابصرته يتحرك صوب نزار وقد اتسعت عيونها بقوة وفكرت في حل أكثر فعالية من ادعاء الموت في هذه اللحظة لتنطق بسرعة :
_ أوه لقد نسيت، صحيح قائد زبير اردتك أن تتفحص الأراضي الزراعية لتقرر مع كاتبي المملكة قيمة الخرج وما التقسيمة التي يجب أن نتبعها هذا العام .
نظر لها الزبير بعدم فهم :
_ أنا ؟! الآن ؟؟
_ نعم رجاءً هذا افضل وقت لذا ارجوك فقط أذهب لتفحص الـ
فجأة توقفت حينما استدار نزار وهو يضع لثامه يخفي به جزء كبير من وجهه، ينظر لزبير الذي نظر لها بدقة وكأنه يألف ملامحه، يحاول الوصول للمكان الذي أبصر به هذه العيون .
وهذا ما لاحظته توبة التي ابتلعت ريقها تقول بصوت هادئ وقد كان مهتزًا بخوف وهي تلعن تهور ذلك الرجل المسمى بنزار .
- هل سمعتني يا قائد ؟؟
نظر لها زبير ثواني قبل أن يهز رأسه:
- نعم سمو الأميرة سمعتك، لا تقلقي سأفعل، فقط أذهب للأطمئنان على زوجتي فهي مريضة بعض الشيء، ومن ثم اتحرك صوب الحقول .
شعرت توبة بالضيق لأجل إبعاد الرجل عن زوجته المريضة فقط لأجل ذلك العنيد جوارها، لتتنهد بصوت خافت وقد رأت أن افكار زبير ابتعدت بالفعل عن نزار :
_ شفاها الله وعفاها، لا بأس إذن، دع الأمر للصباح لا أريد أن اشغلك عن زوجتك .
ابتسم لها بسمة صغيرة وهو ينفي ما تقول :
- هذا واجبي سمو الأميرة .
_ لا رجاءً أنا أصر، يمكنك العودة لزوجتك وفي الصباح يمكنك تفقد المحاصيل .
نظر لها بتردد لتبتسم له بسمة صغيرة :
- رجاءً .
ابتسم لها بالمثل وهو يهز رأسه لها باحترام شديد، ثم انحنى لها نصف انحناءة :
- إذا لم يكن هناك شيء تحتاجيني به، اسمحي لي بالرحيل .
سارعت بلهفة وهي تشير بيدها بهدوء صوب جهة الغرف :
_ نعم بالطبع، تصبح على خير بإذن الله يا قائد.
هز لها زبير رأسه وهو يبعد عيونه عنها ولم يكد يتحرك خطوة بعيدًا عنها حتى أبصر ذلك الجندي ما يزال يقف مكانه دون أن يتحرك خطوة أو يبدي أي ردة فعل تدل على أنه ينتوي الرحيل :
_ ماذا بك يا بني تقف هنا ؟! ألا عمل لديك اليوم ؟؟
_ بني ؟؟؟
كانت كلمة ساخرة مغتاظة أخرجها نزار من فمه وقبل التعليق بكلمة واحدة على كلمة زبير كانت توبة تتدخل للمرة الألف لتنقذه وتنقذ نفسها من تهوره الغريب :
_ نعم بالطبع سيرحل فأنا بالفعل أخبرته ما أريده منه .
نظرت صوب نزار بنظرة حادة وكأنها تخبره أن يتجرأ ويعاندها في ذلك، وتقسم أنها ستسلمه لزبير يفعل به ما تشاء حتى يتعلم كيفية التفكير قبل التصرف مجددًا.
ولا تدرك توبة أن نزار لا يفقد تعقله إلا أمام عيونها هي، لذا ابتسم لها وهو يراقب غضبها وقد ظهرت بسمته واضحة في عيونه :
_ أوه نعم صحيح لقد كنت على وشك فعل ذلك والرحيل الآن، اسمحي لي سمو الأميرة بالرحيل .
ختم كلماته وهو ينحني لها باحترام وحب شديد يكنه لها داخل صدره، ولم يكد يستقيم في وقفته حتى سمعها تخبره بهدوء شديد :
_ يمكنك الرحيل يا أخي.
تشنجت ملامح نزار وهو يرفع رأسه لها بسرعة كبيرة وصدمة وقد اشتدت نظراته يميل برأسه لها وكأنه يرفض بأي شكل من الأشكال أن تلقبه بذلك اللقب المقيت له .
لكن وجود الزبير في المحيط جعله يضغط على أسنانه بتوعد وغضب شديد أن تكون هذه هي نظرتها بالفعل له :
_ السلام عليكم، استأذنكم .
ختم كلماته يتحرك بسرعة كبيرة بعيدًا عنها وقد وجد عقله واخيرًا هم جديد ينشغل به ولا ينام ليلته لأجله .
أما عن توبة فلو أنه أبصر نظراتها المتشفية وبسمتها التي جاهدت لتخفيها عن الأعين، لعلم أنه يمكنه أن يكون أي شيء في حياتها عدا أن يكون أخًا لها ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع ساعات الصباح الأولى ...
أعلن حارس القلعة وصول موكب الملك أرسلان لأبواب القلعة، لينتفض جسد المعتصم والذي قضى ليلته كلها بالخارج يراقب بنفسه الجميع ويأمن على حدود القلعة .
تحرك بخطوات مهرولة ولشدة لهفته لم ينتظر أن يفتح الجنود البوابة، بل ركض يساعدهم في فتحها وهو يراقب بأعين متلهفة يدعو الله أن يدخل الملك من البوابة مجبور الخاطر .
وفي ثواني أبصر حصان سالار يتحرك بقوة للداخل خلفه بعض الجنود، ومن ثم حصان الملك وبعده باقية الجنود .
تحرك بأقدام مهرولة صوبه وهو يشير للحراس أن يغلقوا البوابات بسرعة يتحرك صوب حصان أرسلان بلهفة متراجعًا بعض الخطوات للخلف تاركًا له الحرية كي يهبط ويساعد زوجته في النزول .
بينما أرسلان مال على سلمى يهمس لها بحنان شديد :
_ هيا سلمى لقد وصلنا.
فتحت سلمى عيونها بفزع شديد وقد أخذت تنظر حولها بسرعة تتفحص المكان خوفًا أن يكون كل ما حدث وما عاشته مجرد حلم بعيد، استدارت برأسها صوب أرسلان تنظر لعيونه بخوف شديد، نظرات قتلته واججت نيران صدره أكثر، لكن كل ذلك لم يظهر على عيونه يمنحها كامل الوقت لتستوعب ما يحدث، حتى بدأ الاطمئنان ينتشر على وجهها وهي تحاول الاعتدال لتتخذ وضعية تتيح لها النزول تتجنب أن تضغط على أقدامها والتي تدمرت بالكامل بسبب ركضها .
_ تريدين مني أن احملك ؟!
رفعت عيونها له تبتسم بسمة صغيرة وهي تحاول الحديث بشكل طبيعي للخروج من حالتها تلك :
_ هل يمكنك حملي فقط حتى الغرفة ؟!
_ احملك المتبقي من عمري ولا ابتأس سليمى.
ختم كلماته ثم حرك عيونه صوب المعتصم يهتف بصوت منخفض بعض الشيء :
_ تأكد أن الطريق لغرفتي خالٍ من الرجال يا المعتصم رجاءً.
هز المعتصم رأسه وهو يتحرك بسرعة لينفذ ما طلبه منه أرسلان دون حتى التعجب أو الاستفسار عما يحدث .
أما عن أرسلان فقد هبط عن حصانه يقف في الأسفل ينتظر عودة المعتصم له بأن كل شيء تم .
بينما سالار يراقبه ينتظر اللحظة التي ينفجر بها أرسلان والتي يعلم أنها ليست بعيدة، فمن مثل أرسلان لن يهدأ ولن يستقر إلا حينما يخرج حريقه الداخلي ليشعل كل من حوله .
لكن رغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة لأرسلان وهو يتحرك بهدوء شديد صوب الداخل يشمل نفسه من ضمن الرجال الذين طلب أرسلان تفريغ الممرات منهم .
_ سأنتظرك في غرفتي حينما تقرر أنك بحاجة للتحدث معي أرسلان.
ومن بعد تلك الكلمات اختفى، في ذات اللحظة التي عاد بها المعتصم يهز رأسه لأرسلان بإشارة أن طلبه نُفذ، ومن ثم تحرك هو كذلك بعيدًا صوب ساحة التدريب حتى يأتيه استدعاء من أرسلان يتنفس بصوت مرتفع وراحة واخيرًا أن الملكة عادت .
بينما أرسلان ابتسم بحنان وهو يرفع عيونه صوب سلمى، ثم مد يديه يحملها من خصرها ينزلها من الحصان، وقبل أن تستوعب أنها تقف على الأرض أسفلها، كان يحملها بين يديها يتحرك بها بسرعة صوب غرفته الخاصة .
أما عنها فلم تنزع عيونها عنه لا تصدق أنه بخير و...
فجأة اتسعت عيونها وهي تتذكر إصابته التي تلقاها ذلك اليوم تحرك يدها بتلقائية صوب صدره حيث الإصابة تهمس بفزع وهي تحاول النزول :
_ أرسلان جرحك ؟!
_ طاب جوارك سليمى لا تحملي همًا له حلوتي .
اتسعت عيونها وقد صُدمت من رده المعسول ترفع عيونها له تملك الكثير والكثير من الكلمات، لكن كل ذلك توقف في منتصف حلقها وهي تشعر به يضعها على فراشه الفسيح، ومن ثم تحرك لها ينزع عنها معطفه بهدوء ودون كلمة واحدة يراقبها بأعين متفحصة، يحرك عيونه على جروحها جرح تلو الآخر، ثوبها الممزق من منطقة الصدر جعل عيونه تتجمد للحظات، قبل أن يرفع عيونه لها، بينما هي حاولت أن تلتقط منه المعطف مرة أخرى تخفي به جسدها وقد بدأت البرودة تزحف لجسدها تستوعب وأخيرًا ما حدث .
تحاول التحدث وتبرير ما حدث لها وما يراه، لكن عجزت كلماتها عن الخروج، فصمتت وكم كان صمتها قاتلًا .
أما عنه فقد اكتفى بالجلوس أمامها بهدوء وتأملها ينتظر أن تشبع عيونه من رؤياها حتى يستطيع أن يعود للحياة مرة جديدة، زوجته والتي كانت قريبة من القلب سابقًا، أدرك بعدما كاد يفقدها أنها هي القلب ذاته .
أما عن سلمى فأخذت تنظر له بعدم فهم تترقب كلماته، تترقب أسئلته عما حدث معها، تترقب منه أي شيء يشعرها أنه يعي ويدرك ما يحدث حوله .
وبعد عشر دقائق تقريبًا أبصرت تحركه من أمامها صوب المرحاض تاركًا إياها تنظر لأثره بصدمة وحزن خوفًا أن يكون هناك ما جعله ينفرها .
غاب دقائق في المرحاض، ثم عاد لها ينظر لها ثواني قبل أن يناديها :
_ سلمى تريدين أخذ حمام دافئ ؟!
رفعت سلمى عيونها وقد انتفضت من شرودها تنظر له بأعين زائغة وكأنها لا تدرك ما يقول، وهو فقط ابتسم لها بسمة صغيرة يتحرك صوبها، يساعدها لتنهض، ثم أسندها صوب المرحاض :
_ خذي كامل وقتك بالداخل سأكون في انتظارك هنا .
نظرت له بعدم فهم وقد كانت ملامحها مصدومة مما يفعل، لم يتوجه لها بسؤال واحد منذ رآها ولو من باب الفضول، لم يحقق معها عما رأته، وما حدث هناك .
_ أنت...غاضب ؟!
وقد كان تقريرًا أكثر منه سؤال، وقد أجاب أرسلان ببسمة صغيرة وهو ينظر لعيونها بنظرات غريبة مخيفة بعض الشيء .
_ ماذا تعتقدين أنتِ ؟؟
نظرت له ثواني تحاول أن تستشف ما يقصد من كلماته، ورغم ذلك لم تستطع لتتحدث بصوت خافت تحاول به تبرير ما حدث وما أبصر منها :
_ أرسلان لقد ...لقد حاولت أن....اقسم أنني لم انزع حجابي سوى أثناء الهرب أحدهم جذبني منه وانتزعه من رأسي وهذا ....
توقفت حينما أبصرت أرسلان يتحرك بعيدًا عن باب المرحاض يشير للداخل :
_ أنا أثق بزوجتي سلمى، لذا أرجوكِ أنتِ لستِ مضطرة لتبرير شيء أمامي، فوالله أنني متأكدًا أن نصف الرجال هناك يعانون إصابات بليغة بسبب الاقتراب منكِ .
سقطت دموع سلمى وهي تبتسم بصعوبة من بين دموعها تحاول الحديث دون أن تفضح شهقاتها المكبوتة ما تعانيه، تضحك بصوت متقطع لا يشي بالسعادة أبدًا :
_ نعم...فيما يخص هذا الأمر...لا تقلق أرسلان لقد ...لقد توليت أمرهم تمامًا و...
فجأة توقفت عن الحديث وهي تتذكر ما رأته وعانته هناك على أيديهم، ورغم كل ما فعلته بهم، ورغم كل الجروح وكل الرجال الذين اسقطتهم هناك، إلا أن ما تلقته بعدها جعلها تنفجر باكية وجعًا وقهرًا وهي تخفي وجهها بين يديها .
_ ما تزال ...ما تزال نبضات الألم في جسدي من بعد ضرباته أرسلان، لقد صفعني وضربني رجاله حينما حاولت الهروب مرات عديدة و...
تقطعت شهقاتها وقد أصبح التنفس صعبًا بسبب عنف بكائها، كادت تنهار ارضًا لولا يد أرسلان الذي سبقها والتقط جسدها بين ذراعيه وهو يضمها له بقوة يربت عليها بحنان شديد وجسده بأكمله ينتفض بقوة .
كان على استعداد لأن يُقطع أشلاء ولا أن تمس امرأة تخصه بأذى، ويبدو أن الأذى الذي أصاب زوجته أعمق مما تخيل .
الآن يدرك أرسلان أن أصلان نجح في إصابته بضربة قاتلة، اذاقه وجعًا فشلت به أعتى الحروب .
اشتعلت عيونه وهو يكبت صرخاته، يبتسم ويقبل رأسها وهو يهمس بنبرة خرجت غريبة لكبته صرخاته داخل صدره :
_ لكِ قصاصًا لا اخلفه ولو بموتي جلالة الملكة، لكِ قصاص مضاعف لأجل وجعك واحد، ولأجل بكائك آخر، لكِ قصاصًا لا يتخلله رحمة أو رأفة حبيبتي .
بكت سلمى بين أحضانه وهي تردد بصوت متقطع:
- لقد صفعني عدة مرات و....لم اردها له ...لم أفعل لأنني كنت أخشى أن يؤذي النساء هناك، الكثير منهن هناك أرسلان، الكثير من نساء مشكى وباقي الممالك يتم معاملتهن بشكل حقير للغاية .
ربت عليها يهدئها وهو يحتاج لمن يربت عليه ويهدأ نيرانه، ولن تهدأ..
_ سأسمع كل ما تريدين قوله، لكن قبلًا دعينا نغسل كل ذلك العناء عن جسدك ومعالجة جروحك سليمى، ومن ثم سأكون مهتمًا لأعلم تفاصيل ما حدث معكِ دون إغفال تفصيلة صغيرة حلوتي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ زيان ...
توقفت يد زيان عما يفعل وهو يرفع عيونه صوب بوابة عيادته التي تتوسط مشفى القصر يبصر زوجته تقف هناك على بابه تنتظر منه قبولًا بدخولها .
أما عنه فظل يحدق بها دون رد وكلما نظر بوجهها تذكر صرخاتها التي أطلقتها في وجهه منذ ساعات قليلة .
_ نعم ؟؟
ابتلعت ريقها وهي تشعر بأنها تبتلع اشواكًا .
_ هل ...يمكنني العودة لمنزلنا ؟!
رفع عيونه لها بعدم فهم، قبل أن يبتسم بسخرية لاذعة :
_ أي منزل نازين ؟؟ منزلنا أصبح رماد وحياتنا أضحت سرابًا.
منعت دموعها من النزول وهي تحاول التحدث :
_ أنا قصدت أنني...سأذهب للجلوس هناك و...
صرخ زيان بجنون وهو يرى إصرارها على الرحيل :
_ ما قصتك مع الرحيل نازين ؟؟ لِمَ تصرين على اجتذاب شياطيني من وكرها ؟؟ رجاءً توقفي عن ذكر الرحيل كلما واتتك الفرصة، فهذا لن يحدث البتة، هل تدركين ما اقول ؟!
نظرت له بصدمة وعدم فهم، أوليس ابتعاده عنها مجرد تلميح منه أنه لم يعد يطيق البقاء معها ؟!
ولم تكد تصرح عن مخاوفها حتى سمعت صوت رجل خلفها يقترب منهم بلهفة وهو ينطق باسم زوجها :
_ زيان عاد الملك ومعه الملكة و....
فجأة توقف حينما انتبه لوجود نازين ليعتذر وهو يعود للخلف مخفضًا بصره :
- أعتذر لم انتبه لوجودك هنا سيدتي .
نظر زيان صوب المعتصم وهو يتنهد بصوت منخفض يمسح وجهه وقد شعر بأن عقله يكاد ينفجر من التفكير، لكن كلمات المعتصم الأخيرة جعلته يندفع صوبه بلهفة شديدة وقد اشتعل الشر بعيونه وهو يتساءل :
_ أحقًا ما تقول يا المعتصم ؟! الملك عاد مع الملكة ؟! هل وجدوا مكان ذلك الوغد أنمار ؟
_ نعم عادت ولله الحمد، لكن الأمور لا تبشر بالخير، لا أدرك كيف وجدها لكنني علمت أنه لم يعثر على ذلك الجحر، الجنود يقولون إنهم طافوا غابات سبز ولم يعثروا على ذلك الجحر بعد، لكن لن يدوم الأمر فملامح الملك تشي أنه سيقلبها رأسًا على عقب حتى يعثر عليهم فما حدث لزوجته ليس بالهين و.....
_ الجحر ؟؟
استدار الإثنان صوب الصوت والذي لم يكن سوى لنازين التي ابتسمت بسمة مخيفة وهي تنظر لزيان الذي لم يفهم ما تفكر به وتعجب بسمتها هذه، أما عن المعتصم فلم يفهم ما الذي يحدث في المكان، لولا صوت المرأة الذي صدر مجددًا وهي تهتف بنبرة باردة وقد عادت نفسها نازين التي كانت في الجحر :
_ أنا أدلكم عليه على أن يكون لي حق القصاص من أنمار قبل الجميع، استطيع أن أصف لكم طريق الذهاب للجحر.
اتسعت أعين المعتصم وهو ينظر لتلك المرأة يحاول معرفة هويتها وكيفية علمها بمكان الجحر، بينما زيان اتسعت عيونه بصدمة وقد غفل عن تلك الحقيقة، زوجته كانت هناك لأشهر أي أنها تدرك وأكثر من الجميع مكان الجحر وتعلم عنهم كل شيء، وتلك كانت حقيقة لا تسعده البتة .
وقبل أن يتحدث زيان بكلمة يمنعها بها أن تتحدث عن شيء تعلمه كي لا يثير الأسئلة حولها من الجميع، يفكر أن يأخذ هو منها كل للمعلومات ويوصلها للملك دون أن يزج بزوجته في الأمر .
لكن وقبل فعل كل ذلك سمع صوتًا يصدح في المكان من خلف الجميع ونبرة مرعبة تصدر من فم ارسلان والذي جاء ليأخذ اعشاب يعالج بها زوجته :
_ سأكون ممتنًا إذا وصفتي لي ذلك بنفسك سيدتي ولكِ مني عهدًا بما طلبتي .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مرحبًا صغيري كيف حالك الآن اتمنى ألا يكون الظلام سببًا لخوفك هنا وأن تكون ضيافتنا في سجونك التي صنعتها بنفسك، مريحة .
رفع أنمار عيونه صوب المتحدث وابتسم بسمة صغيرة ولم يتكلم بكلمة واحدة، بينما أصلان اقترب من قضبان تلك الزنزانة الصغيرة يميل برأسه هامسًا :
- حدثني عن شعورك الآن أنمار وأنت تجلس خلف سجونٍ بنيتها بنفسك .
ابتسم أنمار يتحدث بهدوء ونبرة عادية وهو يقشر بعض الفواكه المتعفنة أمامه، يزيح عنها العفن ليتناول أي شيء قد يسد رمقه :
- في الحقيقة لم استطع تحديد مشاعري الحالية، لكنني أدرك جيدًا أنها بجميع الاشكال لن تكون افضل من مشاعري التي ستنتابني حينما أرى ما سيفعله بك أرسلان.
ختم حديثه يطلق ضحكة مرتفعة وهو يتناول الجزء الصالح من الفاكهة أمامه، بينما أصلان لم يهتز وهو يهمس بصوت منخفض وصل واضحًا لأنمار :
- نعم وانا كذلك أترقب ما سيحدث، لكن أوتعلم ؟! أنا أعلم يقينًا أن نهاية هذه الحرب لن تكون سعيدة لأحد الطرفين والمرجح أن يكون ذلك الطرف هو أنا، فأنا واحد مقابل اربع ممالك اشداء، لكن .....
صمت وترك جملته معلقة تحت أعين أنمار المصدومة من بساطة حديثه هذا وكيف يعترف بالأمر بهذه البساطة .
- لكن إن كان محتمًا أن يموت الشرير في نهاية القصة، فلا يجوز فعلها إلا وهو تاركًا أثرًا لا يُمحى في نفوس الابطال .
ازدادت دهشة أنمار الذي لم يفهم ما يقصد ولا ما يريد أصلان، بينما الأخير نظر له نظرة غامضة وهمس أخيرًا قبل التحرك:
_ استمتع بأيامك داخل هذه السجون طالما استطعت ذلك، فالقادم سيكون اسودًا على الجميع وأولهم أنت.
خرج من المكان تاركًا صدى كلماته التالية يرن :
_ آن الأوان أن نغير حياة الممالك ونترك بصمتنا في حياتهم جميعًا عزيزي أنمار، آن الأوان ليسجل التاريخ حكاياتي في صفحاته وليس مجرد ذكر ثانوي لقائد جيوش مسكين مغمور، حتى وإن سُجلت تلك الصفات في الجزء الاسود من التاريخ يكفي أن الجميع سيعلم من أنا.
خرج من المكان بعد كلماته تاركًا أنمار يراقبه بعيون مصدومة يحاول معرفة ما يريده وما يقصده من حديثه :
_ هذا الرجل مجنون حقًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
حرك عيونه بين الجميع والصمت هو كل ما يمكن سماعه في المكان، توقفت عيون سالار على وجه أرسلان والذي كانت ملامحه غير مفسرة يراقب زيان الذي يتململ في جلسته بضيق شديد وجواره نازين، يرفض من اعماق اعماق صدره أن تجلس هنا وتتحدث عما عاشته هناك، يرفض أن تضع نفسها في حيز لا يسمح هو به لها .
_ إذن سيدة نازين، في البداية حمدًا لله على سلامتك كدنا نفقد زيان حزنًا عليكِ .
حركت نازين عيونها لزيان الذي كان ينظر أمامه بلا ردة فعل، ومن ثم هزت رأسها ببطء شديد، بينما هو ابتسم بسمة لا معنى لها :
_ ثانيًا واعذريني على اندفاعي لكنني احتاج للأنتهاء من هذا بسرعة ..
ولم يصرح أبدًا بأسبابه والتي تتلخص في رغبته أن يركض صوب زوجته ويلحق بها ليهتم بكل ما يعنيها حتى يتأكد أنها بخير .
_ أخبرتني أنكِ تعلمين مكان هذا الجحر صحيح ؟!
رفعت نازين عيونها صوب أرسلان قبل أن تخفضها مجددًا بهدوء ومن ثم اومأت بإيجاب :
_ نعم أعلم .
أولى سالار جميع حواسه لما يقال يسجل كل همسة ستخرج من فم نازين.
بينما المعتصم كان يراقب ما يحدث بهدوء يفعل المثل كما سالار بالإضافة لاهتمام بسكنات زيان وهو يربت على يده بهدوء هامسًا له :
_أنت بخير ؟؟
ابتسم له زيان بسمة صغيرة يحرك رأسه بإيجاب ومن ثم ارهف حواسه لزوجته التي قالت بصوت منخفض وهي تنظر ارضًا ببطء :
_ الجميع يعتقد أنه بسبز نفسها، لكنه في الحقيقة على أطراف سبز المشتركة مع آبى في الغابات الجنوبية، كما أن المنطقة كانت مختارة بعناية فائقة، إذ تقبع أمامها الكهوف الجنوبية والأشجار هناك كثيفة للغاية لذا من الصعب العثور عليها بسهولة .
كان أرسلان يسمع ويدون كل شيء بعقله، حتى أنتهت هي فنظر صوب المعتصم يردد بصوت منخفض:
_ هل علمت المكان يا المعتصم ؟؟
تعجب المعتصم سؤاله هو بالذات لكنه رغم ذلك هو رأسه ببطء :
_ اعتقد ذلك مولاي .
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة مقلقة بعض الشيء، لكن المعتصم رغم ذلك لم يهتز ينتظر أوامر أرسلان التالية والتي جاءت اسرع ما يمكن وهو يردد له :
_ جيد احتفظ به حتى أخبرك ما سنفعل به، والآن يا سادة اعذروني احتاج للأنتهاء من شيء هام، اشكرك سيدة نازين، ورغبتك بالانتقام من أنمار ستتحقق فأنا لا احنث وعدًا قطعته .
ختم كلماته يتحرك خارج المكان تحت أعين الجميع المتعجبة وقد بدا أن أحدهم لم يدرك ما يحدث أو ما يفهم، أما عن سالار فقد نهض وقرر إرسال رسالة لإيفان يطمئنه بها ويخبره عما يحدث .
داعيًا لاجتماع عاجل للجميع حتى يعلموا ما الذي ينتوي عليه أرسلان، فمعرفة ما يدور برأس هذا الرجل يحتاج منهم ضغط كبير عليه وهو سيوفر له هذا الضغط في الملك آزار وكذلك إيفان......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فاطمة هل نمتي ؟!
أغلقت فاطمة عيونها بقوة ترفض أن تستدر له أو حتى تفتح عيونها وتنظر لوجهه، بينما هو مال على الفراش حيث تنام يهمس لها بصوت موجوع :
_ لم اقصد أن احزنك فاطمة، والله ما قصدت ذلك ..
ولم تجب عليه فاطمة تعطيه ظهرها وهي تكتم صوت شهقاتها التي كادت تخرج، بينما هو مال عليها يربت على خصلاتها بحنان شديد يهمس لها بصوت منخفض :
_ أنا لست قاسيًا ولستُ سيئًا فاطمة فلا تدعي شيطانك يرسم لكِ صورًا سيئة عني، أنا المعتصم ...الرجل الصالح ذو المروءة أتتذكرين ؟؟
هبطت دموع فاطمة أكثر من كلماته وقد بدأ جسدها يتحرك حركات خفيفة بسبب بكائها، أما عن المعتصم يراقبها وهو يدرك من البداية أنها مستيقظة وتأبى النظر له وكم آلمه هذا .
همس بصوت به غصة بكاء ووجع لأجلها ولأجل ما وصل له معها وهو لا يعلم القادم في هذه العلاقة وما يجب فعله ليتخطى ذلك المنحدر الذي يتحرك صوبه بسرعة كبيرة :
_ لم اتغير ولن أفعل، فلا تنظري لي بنظرة تقتلني حيًا، لا تنظري لي نظرة خوف أو قلق فاطمة .
ختم حديثه وهو يميل مقبلًا كتفها يهمس بجوار أذنها:
_ أنا لا أكره والدتك صغيرتي، بل أنا ممتن لها كامل الامتنان أن احضرتك لي خصيصًا كي تؤنسي وحدتي، فلا تتركيني كما فعل الجميع أرجوكِ، لا تزيديها عليّ فاطمة وقد وصلت للحافة.
ازداد صوت بكاء فاطمة ليتحرك وهو يجبرها على الاستدارة، ثم مال يجذبها لاحضانه بحب شديد، بينما هي استكانت دون كلمة واحدة .
وهو فقط يضمها مربتًا عليها بهدوء لتبدأ في البكاء بين أحضانه وكأنها لا تصدق أنها حازت مسكنًا واخيرًا .
وهو فقط يحاول التفكير في حل لكل ذلك، كان يعتمد على الملكة لتساعده في إخراج فاطمة من بئرها، لكن أعان الله الملكة على ما مرت به مؤخرًا .
ضمها بخوف وهو يشعر أنه وحيدًا في مواجهة مرضها النفسي، نزلت دموعه بخوف وهو يتحرك بها بهدوء وكأنه يهدهد جسدها يردد عليها بعض الآيات القرآنية كي تنام بهدوء .
_ لن أتركك ولن اتخلى عنك فاطمة ولو فعل العالم بأكمله، سأظل أنا، فما لي سواكِ فاطمة، فلا ....لا تتخلي عني أرجوكِ، حتى وإن اضطررت لمحاربة الجميع وحدي سأفعل على أن تكوني بخير .
نطق كلمته الأخيرة بصعوبة بسبب غصته التي استحكمت حلقه وهو يقبل رأسها وقد بدأت دموعه تهبط يفكر في طريقة ليساعدها، أما عن فاطمة فقد أغلقت عيونها تنام وأخيرًا بعد أيام طويلة من السهاد والخوف والقلق، واخيرًا تنال راحتها بين أحضانه.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف جوار الباب المغلق الخاص بغرفته وهي تراقب ظهره لا تدري ما يجب قوله، فقط تنظر له تحاول التحدث بأي كلمة قد تجعله يدرك وجودها في المكان .
_ زيان .
توقف زيان عما كان يفعل يستدير لها بهدوء، أما عنها فقد تقدمت منه خطوات صغيرة وكادت تقترب أكثر، لكن شيء حال بينها وبينه، تنظر له بوجع وقد اشفقت عليه أن تمسه امرأة مثلها، شعور الاستحقار لذاتها أصبح ملازمًا لها بشكل مرعب .
أما عن زيان فقد نظر للمسافة بينهما بعدم فهم وهي فقط ابتلعت ريقها تحاول الحديث بصوت منخفض :
_ لقد ....هل ....هل أنت مصر على الاحتفاظ بي، صدقني أنا لن احزن إن....
قاطعها زيان الذي ألقى قطعة الثياب التي كان يحملها بين أنامله ارضًا يندفع لها مبددًا كل المسافة بينهما يتحدث بصوت مرتفع :
_ الاحتفاظ بماذا يا امرأة ؟؟ هل تتحدث عن قطعة أثاث هنا ؟؟ أنتِ زوجتي نازين ألا تستوعبين مقدار هذه الكلمة ؟؟
_ لكنني لم اعد كما كنت و....
صرخ في وجهها بجنون وقد فاض كيله من تلك الكلمات التي تستمر بتردديها طوال الوقت :
_ أخبرتك أنني لا اهتم نازين ...
صرخت بالمثل في وجهه وهي تبكي بوجع :
_ لكنني أفعل زيان، أنا اهتم بما حدث أنا مازلت اتألم، جرحي لم يبرأ بعد لأتصالح مع حياتي، إن كان ما حدث لا يعنيك فهو يعنيني وأكثر مما تتخيل ..
صمتت تهمس من بين أنفاسها الباكية :
_ يعنيني زيان، يعنيني كل تلك الأيام التي كنت اتنقل بها بين ....
صرخ زيان وهو يضرب الطاولة بقدمه وقد شعر بالغضب يسيطر عليه كما لم يحدث في حياته :
_ توقفي فقط توقفي عن ذكر ما حدث كل ثانية، توقفي عن جلدي بكلماتك، توقفي عن قتلي كل ثانية نازين توقفي ...فقط توقفي عن معاقبتي بهذه الكلمات .
اقترب منها يمسكها من كتفها بقوة وهو يهتف من أسفل أسنانه :
_ هل يسعدك رؤيتي بهذه الحالة ؟؟ هل يرضيكِ معرفة أنني أتمنى لو قُتلت بتلك الحادثة في المشفى قبل معرفة ما حدث ؟! هل يسعدك إدراك حقيقة أنني الآن اعض أناملي ندمًا لذهابي ذلك اليوم للمقابر ورؤيتك هناك ؟! هل يسعدك هذا نازين ؟؟ ها يسعدك معرفة مقدار الجحيم الذي يشتغل داخلي، يسعدك ؟
نظرت له بصدمة من كلماته وقد بدأت دموعها تتساقط بقوة لينظر لها هو بشر قبل أن يصرخ بصوت مرتفع أكثر وهو يتركها دون اهتمام:
_ يسعدك معرفة أنني الآن فقط اتمنى لو أنني لم أحيا لحظة واحدة بعد ذلك اليوم الذي تلقيت به خبر موتكم، هل تعتقدين أن الأمر بهذه البساطة ؟! تظنين أن الأمر لا يقتلني فتستمرين بذكره على مسامعي مرات ومرات وكأنكِ تنتظري انهياري بفارغ الصبر .
تركها ينظر لها بضيق واختناق يتنفس بسرعة كبيرة وقد بدا أنه يعاني في التنفس بشكل طبيعي، وهي فقط تقف مكانها تراقبه بصدمة ولم تكن قادرة على تحريك يديها حتى لتساعده .
أما عنه استدار يعطيها ظهره وهو يهرول صوب المرحاض تاركًا إياها تقف مصدومة دون أن تقدر على تحريك قضة حتى .
كاد يدخل المرحاض، لكنه توقف فجأة يستدير لها مجددًا ينظر لوجهها الشاحب وقد بدا أنها تصارع روحها :
_ و.....نازين .
رفعت عيونها له بصدمة ليتحدث بجدية يراقب عيونها يدرك جيدًا ما يدور داخلها في هذه اللحظة وكيف لا يفعل وهو يدركها كخطوط يده :
_ ما قيل منذ ثواني لم يكن اتهامًا لكِ أو لومًا بقدر ما كان ضيقًا من حالتي، فلا تسمحي لشيطانك أن يتفرد بعقلك الغبي هذا ويخبرك أنني الومك على ما حصل، إن كنت ألوم أحدهم في هذه اللحظة فهو نفسي .
ختم كلماته يتحرك للمرحاض يغلقه بقوة تاركًا إياها خلفه تتهاوى ارضًا ببطء وهي تنظر صوب المرحاض بأعين ضبابية تماثل ضبابية مستقبلها .
_ ماذا يعني بهذا الحديث ؟!
رفعت عيونها صوب الباب الخاص بالمرحاض وظلته تتأمله لدقائق طويلة شاردة لا تشعر بشيء حتى شعرت أن عقلها على وشك الانفجار من التفكير، فقررت ونفذت مباشرة تنهض متحركة صوب المرحاض .
تنفست بصوت مرتفع ثم رفعت يدها تشعر بالتوتر يملئ صدرها، لكن القلق لم يكن كبيرًا بقدر حاجتها لإيجاد إجابة عن تساؤلاتها ومعرفة القادم في حياتها وكيف ستسير أمورها في هذا المكان معه .
ولشدة الاصرار الذي ملئ صدرها في هذه اللحظة رفعت يدها بقوة شديدة، ومن ثم وبكل عنف ضربت الباب ضربات متتالية وكأنها تلغي بتلك القوة أي فرصة تراجع قد تصدر من جبنها، فجأة وحينما حطت كفها على الباب حتى انطلقت صرخات مرتفعة .
اتسعت عيونها بصدمة وهي تراقب زيان يتراجع للخلف يضع يده على عيونه متأوهًا بصوت مرتفعًا، وقد فتح الباب في اللحظة التي قررت هي وضع كل قوتها في الطرقات على الباب .
أطلق صرخة وهو يتراجع للخلف تحت عيونها المصدومة ولم تكد تتحدث لتعتذر حتى أبصرته يتراجع بتلقائية للخلف يفرك عيونه بوجع .
_ اه عيوني لقد فقأتيها نازين .
فتحت نازين فمها لتعتذر، لكن كل شيء حدث سريعًا فقبل التحدث بكلمة واحدة أبصرت جسد زيان ينزلق على الأرضية الصلبة ساقًا بعنف كبير لتنصدم رأسه في الرخام أسفله لتنطلق منه صرخة رنّ صداها في القصر بأكمله......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على فراشه وهي تشعر أنها تحلم، لا تصدق أن كل ما تمنته حدث، هي في منزلها مع زوجها وهو بخير دون أن يتأذى بسم أو سهم .
تنهدت واخيرًا براحة وقد سقطت دموعها مبتسمة دون شعور، لم تفهم بعد ما حدث وسبب ترك ذلك الحقير لها، لكنها في جميع الأحوال شاكرة كرم الله لها، ولم تدرك أن عودتها كانت جزءًا كبيرًا من خطة تحطيم أرسلان لشظايا صغيرة .
سمعت صوت طرقات على باب الغرفة تبعه صوت أرسلان وهو يتحدث بصوت خافت :
_ سليمىٰ انتهيتِ ؟؟
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تجيبه بصوت هادئ :
_ نعم انتهيت .
ثواني وابصرت الباب يُفتح وأرسلان يتحرك داخل الغرفة الخاصة به والتي كانت جزء صغير من جناح أكبر، يحمل بين يديه صينية طعام متوسطة الحجم مبتسم الثغر هادئ الملامح بشكل غريب عنه وكأنه فقد جزءًا من روحه التي تعرفها .
اقترب منها يضع الطعام أمامها، ثم تحرك صوب النافذة يغلقها بسرعة ومن ثم سحب منشفة من خزانته يتحرك صوبها يضعها على شعرها وهو يجففه بهدوء :
_ تشعرين أنكِ أفضل الآن ؟!
رفعت عيونها له تطيل النظر في عيونه مبتسمة :
_ السؤال هو، هل تشعر أنت أنك افضل ؟!
نظر لها بعدم فهم لتسحب هي المنشفة من يده تهتف بجدية وهي تنظر لعمق عيونه وكأنها تحلل مشاعره ودواخله :
_ هذه مجرد خدوش وجروح جسدية سهلة الشفاء أرسلان، الأهم هو تلك الجروح النفسية .
رفع حاجبه يشاكسها كعادته حينما يشعر أنها اقتربت أكثر من اللازم من جروحه التي يغطيها بتصرفاته الغريبة :
_ وما رأي طبيبتي في جروحي النفسية سليمى ؟!
ابتسمت له وهي تتحرك عن الفراش تستدير له حيث كان يقف خلفها، تستقر على ركبتها ومن ثم مدت يدها لوجهه تصنع تقطيبة ضيق بين حاجبيه، ومن ثم محت بسمته الكاذبة، تحرك شفتية لترسم بسمة ساخرة، وهو يتابعها بعدم فهم يرفع حاجبه منتظرًا أن تنتهي، وحينما انتهت ابتسم له :
_ الآن تبدو أرسلان الذي اعرفه، ذلك المبتسم الهادئ لا اعرفه، فلا تجبرني على التعامل مع غريب أرسلان .
صمت تطيل النظر به ثم استرسلت في حديثها :
_ أما عن جروحك النفسية فـ ....أنت قوي أرسلان أكثر مما تتوقع، لهذا كنت أثق أنك ستجدني .
نظر لها طويلًا، ومن ثم همس لها بصوت حاول جعله متماسكًا تكسره الكلمات التي قرأها، ويكره أن يسألها عنها، يكسره أن تعاني امرأته في حياته كل ما عانته هي، تلك الجروح على وجهها تقتله .
مد يده لوجهها يتحسس جروحها بهدوء شديد :
_ لكنني لم أجدك سلمى، بل أنتِ من وجدتيني .
_ هذا يعتمد على زاوية نظرك للأمر أرسلان، فوجودك في الغابة في هذا المكان وهذا الوقت هو ما جعلني أجد طريق العودة، فتخيل أن اهرب ولا أجد من يدلني عن الطريق ؟! سأهيم المتبقي من عمري في غابات لا اعلم عنها شيئًا .
ظل ينظر لها طويلًا وافكار كثيرة تدور في عقله، لكنه فقط ابتعد عنها فجأة يتحرك صوب الشرفة يقف أمامها وكأنه يبعد نفسه عن سحرها يتحدث بصوت منخفض :
_ إذن أخبريني ما حدث معكِ سلمى ولا تغفلي عن شيء مهما كان ذلك الشيء صغيرًا رجاءً .
نظرت له سلمى بصدمة كبيرة وهي تتعجب ابتعاده بهذه الطريقة، بينما هو شعر بأنه إن ظل ثانية جوارها فسيخر ارضًا معترفًا بكل شيء يكتمه داخل صدره يرتجي منها راحة لا حق له فيها .
أما عن سلمى فأخذت تحدق في وجهه دون كلمات تراقب هروبه الواضح منها، تراقب غضبه الظاهر على حركات يده ونظرات عيونه .
لكنها ورغم ما فعل تأتأت بصوت منخفض وقد قررت أن تخرج من ذلك الكئيب زوجها تتحرك عن الفراش صوب النافذة تقف أمامه:
_ لم اعهدك جبانًا مولاي .
تشنجت ملامح أرسلان وهو يفتح فمه ليجيبها لتسبقه هي وهي تردد ببسمة واسعة :
_ نعم نعم خسئت أنا واشباهي الاربعين، أعلم اعلم...
اتسعت ابتسامة أرسلان بقوة قبل أن ينفجر في الضحك بصوت مرتفع عليها وقد كانت تحاول تضخيم صوتها وتقليده، تنطق جملته بنفس نظراته ونفس تعبيرات وجهه الساخرة المستنكرة .
أما عنها فراقبته ببسمة واسعة تشعر أن جزء من روحه عاد وكم عز عليها أن تبصر انكسارًا وحزنًا في عيونه وإن كان لأجلها.
خرجت كلماتها دون وعي من فمها بلغتها التي تربت عليها وبلهجة لاتينية بامتياز :
_ ضحكتك جميلة جدًا .
رفع حاجبه وهو لا يفهم ما قالت :
_ هل كان هذا غزلًا بي ؟؟
وبنفس اللغة الخاصة بها أجابت وهي تلملم خصلاتها التي بدأت تتطاير بشكل مزعج في المكان بسبب وقوفها أمام النافذة والتي سبق هو واغلقها جزيئًا :
_ نعم هو كذلك أحسنت.
اقترب منها يتحدث بصوت منخفض وهو يحدق في عيونها عن قرب :
_ ألا يمكنك امتلاك الشجاعة ولو لمرة واحدة والتغزل بي بصوت مرتفع وبلغة افهمها ؟؟
رفعت حاجبها ساخرة وهي تجمع خصلات شعرها في ربطة في الخلف :
_ حينما تمتلك أنت هذه الشجاعة وتعترف أنك أكثر الرجال حظًا في هذا العالم لامتلاكك امرأة مثلي.
_ أنا بالفعل افعل .
توقفت يد سلمى عما تفعل وهي ترفع عيونها له بتعجب لتتسع ابتسامته وهو يكرر كلماته بتأكيد يميل أمام وجهها هامسًا ؟!
_ أنا أفعل واعترف واقسم بذلك إن أردتي.
اتسعت عيون سلمى شيئًا فشيء وقد فغرت فاهها وهي تراقبه بصدمة :
_ هل اعتبر هذا اعترافًا مباشرًا بالاعجاب بي جلالة الملك ؟!
وانتظرت منه كلمة السر الخاصة به والتي ينطقها كلما حصرته في الزاوية، أن يتحدث ويخبرها " شايد " و....
_ نعم هو كذلك وأكثر.
ولم يكن من سلمى سوى أن همست بملامح بلهاء مصدومة :
_ أوه....
اتسعت بسمته وهو يميل عليها يتحدث بخبث :
_ والآن دورك لتتحدثي عن كم أنا شخص مبهر وسيم قوي و...
_ نرجسي .
_ نعم وهذا أيضًا، إذن هل تعرفين أنني رجل لا أُعوض ؟؟
التمعت عيون سلمى وهي تنظر له وكم كانت تتمنى القول أنه أكثر مما ذكر في عيونها، لكنها لن تجود عليه بأكثر مما قال هو .
_ نعم أنت كذلك بالفعل جلالة الملك .
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يستقيم في وقفته، ثم اقترب منها خطوة واحدة يجذبها لأحضانه بقوة وهو يغمض عيونه وأخيرًا براحة شديدة وقد شعر للحظة أو خُيل له أن قربها سكّن كل جروحه، أخذ يزفر براحة .
_ كنت على استعداد لأهيم المتبقي من عمري بحثًا عنك سلمى، كنت مستعدًا لأفني سائر أيامي لأجلك سلمى، والله لأقتص لكِ منهم واحدًا تلو الآخر، لكِ مني عهدًا بحياتي وقسمًا بالله أن اجعلهم يتمنون تقبيل الرمال التي تسيرين عليها طلبًا للصفح منكِ .
همسات سلمى وهي تدفن وجهها في صدره كتبت دموعها تهمس بصوت خافت :
- ولن أفعل.
_ لن أسمح لكِ حتى إن أردتي، فإن سامحتي بحقك، فلن اسامح بحق زوجتي سلمى .
بكت سلمى بصوت منخفض :
_ لقد رأيت ما لم أتخيل أن أرى في حياتي أرسلان النساء هناك .
صمتت وهي تحاول التنفس من بين شهقاتها ليضمها بقوة يتنهد بعصبية كلما تخيل أن هناك المزيد والمزيد من النساء أسفل أيديهم النجسة :
_ سأخرجهم، اقسم لكِ سأفعل حلوتي ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاث ساعات مروا وخرج من جناحه بعدما تأكد من نوم زوجته بهدوء ودون أي مشاكل وعالج جروحها وسمع لها بكل صبر حول كل ما حدث معها .
يسير في ممرات قصره وهو يشمر أكمام ثيابه وعيونه ترسل رسالات تحذير لكل من تسول له نفسه في هذه اللحظة ويقاطع طريقه .
عقله يرسم في ثواني خطته التي سيقتص بها لزوجته، ورغم رغبته العميقة في تنفيذها الآن ليهدأ الضجيج داخل صدره وتنطفًا نيران قلبه المشتعلة، إلا أنه لن يحطم التقاليد وسينتظر ليتناول طبق انتقامه باردًا مثلجًا، سيتناوله ويستمتع بكل قطمة منه .
اقتحم غرفة الاجتماعات والتي دعى لها الجميع وايقظهم من نومهم دون اهتمام بأي اعتبارات وكل ما يدور برأسه أنه واليوم سيضع النقاط الأخيرة في حياة المرتدين ومن يقودهم .
انتفض جسد خالد عن المقعد بعدما كاد يسقط في النوم وهو جالسًا، ينظر حوله بعدم فهم يحاول إدراك كيف وصل لهذا المكان، قبل أن يتذكر فجأة أنه كان نائمًا بسلام في غرفته قبل أن يجد رجل يسحبه مرددًا على مسامعه أن الملك طلب إحضاره لاجتماع عاجل .
أخذ يتمتم كلمات حانقة وهو يفرك عيونه بضيق :
_ ألم يكن من الممكن تأجيل هذا الهراء حتى الصباح ؟!
نظر له أرسلان نظرات اصمتته، ومن ثم حرك عيونه بين الجميع ليبصر الملامح جميعها متحفزة، وأولهم سالار الذي كان يجلس على المقعد المقابل له في الطاولة يضم يديه لصدره في انتظار ما يريد قوله .
_ اشكركم لتلبية الدعوة جميعًا، لكن الأمر لم يكن يتحمل الانتظار حتى الصباح .
قلب خالد عيونه بسخرية وهو يتمتم بكلمات شبه مسموعة يسخر فيها مما يقال، لكن فجأة انتفض جسده يطلق صرخة مرتفعة حينما ضرب أرسلان الطاولة بعنف جعل الكاسات عليها تهتز وأحدهم يسقط متحطمًا أسفل أقدامه.
بينما هو نظر لأرسلان بعيون مفزوعة هامسًا :
_ يا لطيف .
أما أرسلان فركز عيونه عليه ليبدأ خالد ينظر حوله بتوتر وكأنه يبحث عما ينظر له أرسلان قبل أن يدرك أنه ينظر له، لذا ابتلع ريقه ينظر له :
_ ماذا ؟! اقسم أنني لن ااااا
قاطعته صرخة من أرسلان وهو يقول بصوت جهوري جعل جسد خالد يلتفت حوله بهلع .
_ تيّــــــــــــــم .
نظر له تيم باحترام شديد :
_ مولاي ؟!
_ خالد، أخ زوجتي العزيز منذ اليوم في عهدتك، أريد أن اتسلمه منك مقاتلًا بارعًا، فهو سيشاركنا الحرب القادمة، ومن يدري لربما أوكلت له قيادة أحد جبهات الجيش .
ختم حديثه ببسمة جانبية جعلت ملامح خالد تتشنج وهو يشير لنفسه بعدم إدراك لما قيل :
_ هذا أنا ؟؟
ابتسم له أرسلان بسخرية :
_ نعم أنت يا عزيزي أي اعتراض ؟؟
ضرب خالد على الطاولة بقوة وهو ينهض عن مقعده لكن فجأة شعر بتنميل ووجع كبير في كفه ليرفعه صوب فمه ينفخ به، قبل أن ينتبه لنظرات الجميع، فاعتدل يعدل من وضعية قميصه الاسود والذي كان يلائم جسده وبامتياز :
_ اسمح لي يا سيادة الملك أنا لست جنديًا من جنودك لتتحكم بي، أنا مهندس و.....
قاطعه أرسلان وهو ينظر له متحدثًا بجدية وجمود شديد:
_ سمعت ما قلت تيم؟؟ مسموح لك بفعل كل ما تريده ولا اهتم بوسيلة تدريبك له طالما أنني سأبصر نتيجة ترضيني .
هز له تيم رأسه يجيب باحترام :
_ لك ما تريد مولاي .
تشنجت ملامح خالد مما يحدث ولم يكد يعترض حتى أبعد عنه أرسلان عيونه، ينظر صوب المعتصم يبتسم بسمة صغيرة مريبة يهمس بصوت غامض :
_ إذن يالمعتصم هل تتذكر العنوان الخاص بالجحر ؟؟
هز له المعتصم رأسه بنعم وهو ينتظر القادم من حديثه، بينما يبدو أن سالار استشف ما سيقال قادمًا، وقد اتسعت بسمته ينظر صوب أرسلان الذي أخرج رسالة من جيبه يلقي بها على الطاولة أمام المعتصم وهو يردد بصوت مرعب :
_ إذن ارتدي ثياب ثقيلة يا بني فالأجواء في سبز باردة هذه الأيام خاصة أطرافها الجنوبية، تحديدًا منطقة الجحر ............
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية الحرب ومن يعلم كم من الأسرار ستنكشف ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
من الرواية سيكون بعد اسبوع عيد الفطر أي لا فصل الخميس القادم بإذن الله، ومن بعدها نعود بأحداث واسرار ستغير خارطة الممالك بأكملها .
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
الثامن والعشرون | خطاب ووعيد |
تفاعل على الفصل يا شباب قبل القراءة .
قبل القراءة صلوا على نبي الرحمة
ــــــــــــــــــــــــــــ
" افتحــــــوا الأبــــــواب....ملــــــك سفيــــد "
صيحات انطلقت منذ الصباح تنبأ بوصول إيفان والذي وصل للمملكة منذ بداية اليوم وقد قضي ليلته كلها في الطريق لمشكى بعدما انتهى من أموره العالقة داخل سفيد .
وخلفه يتبعه دانيار بحصانه الخاص ومعهم موكب الملكة كهرمان وكذلك رفيقتها المقربة والتي أبت جعلها تأتي وحدها " زمرد " .
توقفت الأحصنة في منتصف الساحة وهبط إيفان بسرعة كبيرة يتحرك صوب الموكب الخاص بكهرمان يساعدها على النزول بهدوء، ومن ثم نظر لها وهو يهمس بصوت منخفض :
_ سوف أذهب لاتفقد الأمور مع أخيكِ المجنون كهرمان ارتاحي ريثما أعود رجاءً .
_ لكن إيفان، أي راحة تلك التي تتحدث عنها ؟! أنا جئت اطمئن على أخي وزوجته و....
قاطعها إيفان وقد كانت الأمور في هذه اللحظة غير مستقرة تمامًا :
_ كهرمان رجاءً اسمعي ما أقول وحينما انتهي من بعض الأمور العالقة هنا مع أخيكِ سأستدعيكِ لتفعلي ما تريدين، لكن الأمور في هذه اللحظة غير مستقرة، لذا رجاءً اسمعي لما اقول .
نظرت له دون فهم لما يحدث ورغم ذلك هزت رأسها بحسنًا وهي تنظر خلفها صوب زمرد التي هبطت بمساعدة دانيار وقد اندمجت معه في حديث قصير ومن ثم تحركت لها :
- إذن ماذا سنفعل ؟!
نظرت كهرمان لإيفان دون فهم ومن ثم نظرت لها تقول :
_ سوف نذهب لغرفتي الآن زمرد حتى تستقر الأمور ومن ثم نذهب لزوجة أخي، هيا تعالي معي .
ختمت حديثها تودع زوجها بهزة رأس تسحب معها زمرد بعيدًا عن الجميع، بينما دانيار اقترب من إيفان يراقب الأجواء مرددًا ببسمة صغيرة وهو يضيق عيونه :
_ اشتم رائحة غريبة في الأجواء.
ابتسم له إيفان بسمة جانبية ساخرة وهو يتحرك صوب غرفة الإجتماعات كي يلحق بالجميع يشير لأحد الحراس بإشارة يعلمها الاخير تمام العلم، مجيبًا سؤال دانيار :
_ نعم، أرسلان يحضر لحفلة شواء، الجميع مدعو عليها، فالوليمة ستكون طازجة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظت تنظر حولها وهي تحاول معرفة مكانها الحالي وكأنها كانت في غفوة طويلة لم تعي ما حدث بها، لتبصر أول ما تبصر جسد المعتصم الذي كان يقف بالقرب من الفراش يراقبه بأعين ملتمعة .
رفعت عيونها بعدم فهم :
_ يا المعتصم أين أنا ؟!
_ في غرفتي .
نظرت له ثواني قبل أن تنتفض بصدمة كبيرة وهي تنظر حولها بفزع، تتحرك عن الفراش هلعة وهي تنظر له بصدمة تنفض ثيابها تحت عيونه وقد تشنجت ملامحه بعدم فهم، وهي فقط نظرت للفراش قبل أن تعدل من وضعية الغطاء، ومن ثم نظرت له بتوتر وهو فقط يتابع حتى يبصر ما تفعل، وحينما ابصرها وقد انتهت ردد بعدم فهم :
_ ماذا ؟؟
نظرت له بتوتر ومن ثم للفراش، قبل أن ترفع عيونها له مجددًا :
_ لقد نمت في فراشك ؟!
_ و ؟؟؟
_ فراشك يا المعتصم .
هز رأسه بعدم فهم :
_ ومن ثم؟! لقد نظفته بالفعل قبل نومك عليه.
رمشت بخجل وهي تحاول أن تتحدث بكلمات مفهومة صغيرة تجنبها موجة الخجل التي تكاد تغمرها كلما تخيلت أنها قضت ليلتها بين أحضان فراشه الشخصي، لذا ابتلعت ريقها تهمس بصوت منخفض :
_ هذا ...فراشك الشخصي يا المعتصم لا يجوز أن أنام بفراش رجل غريب هذا ...عيب و....
أوقفها المعتصم وهو يدور حول الفراش يحاول معرفة ما تقوله إذ أن صوتها كان منخفضًا بشكل كبير، يتوقف أمامها:
_ ماذا قلتي فاطمة، رجاءً ارفعي صوتك إذ يبدو لي أن سمعي أصبح ضعيفًا هذه الأيام..
رفعت عيونها له بخجل زاد بعد رؤيتها لقربه منها :
_ لا يجــ ...يجوز .
_ فاطمة عزيزتي ...
رفعت عيونها له ببسمة ليميل هو عليها :
_ هل نسيتي مجددًا ؟!
_ نسيت ماذا ؟!
_ من أنا يا فاطمة ؟!
_ أنت المعتصم .
_ نعم وهذا المعتصم، العبد الفقير إلى الله ما مكانته في حياتك ؟!
نظرت له بخجل وقد بدا أنها نست كلماتها في الأمس والتي كانت ترددها بخوف منه وحزن وضيق، تقول بصوت منخفض مسموع بصعوبة ولولا شدة قربه لها ما كان سمع منها كلمة واحدة، رفعت يدها وهي تشير له ليبتعد قليلًا بخجل :
_ يا المعتصم هذا لا يجوز و.....
حرك المعتصم يده وهو يمسك خاصتها يصيح بصدمة :
- والله كلامك هو الذي لا يجوز، ما الذي تهزين به يا امرأة ؟! ما الذي لا يجوز بالتحديد ؟!
نظرت ليده التي امسك بها بيدها لتتسع عيونها وتحمر وجنتيها ترمش وهي ترفع عيونها له :
_ يا المعتصم أنت...هذا ...هذا لا ....
وقبل التحدث بكلمة قاطعها هو ببسمة جانبية:
_ لا يجوز ؟!
هزت رأسها بنعم ليبتسم هو لها :
_ حسنًا فاطمة معكِ حق، هذا لا يجوز، أعتذر منكِ لأنني تخطيت حدودي مع آنسة بمثل اخلاقك البريئة، لذا دعيني أعتذر لكِ بشكل لائق رجاءً آنستي .
اومأت له ببراءة شديدة تردد بصوت لطيف وهي تحرك كفها أمامها برفض :
_ لا بأس يا المعتصم صدقني، أنا لست غا....
_ لا والله، وجب عليّ الاعتذار بشكل لائق آنستي .
_ لا بأس أنـ...
وقبل إكمال كلماتها كان هو يميل عليها يقبل وجنتيها بحنان شديد، اتبعهم بتقبيل جبينها بعدما أسر رأسها بين كفيه، من ثم اعتدل ينظر لها ببسمة واسعة يضم كفيه أمامه وهو يردد بصوت هادئ كتلميذ جاد مخطئ :
_ أرجوكِ اقبلي اعتذاري وقبلاتي آنستي .
أما عن فاطمة فاتسعت عيونها بصدمة كبيرة وهي تتحسس وجنتيها تراقبه بعدم فهم، بينما هو قال ببراءة :
_ اتمنى ألا تحملي في قلبك تجاهي شيئًا سوى الحب آنستي .
ختم حديثه يراقبها تقف أمامه وهي تذوب من قبلاته الصغيرة وكأنها المرة الأولى التي يفعلها، ومن يدري فربما تظنها بالفعل الأولى.
تركها تتجرع صدمتها وهو يتحرك صوب الخزانة الخاصة به يخرج حقيبة صغيرة يضع بها بعض الثياب أمام عيونها والتي كانت لا تدرك ما يحدث حولها إلا حينما سمعت صوته يردد بهدوء :
- إذن فاطمة هل يمكنك أن تعديني أنني سأعود لأجدك هنا في انتظاري داخل القصر؟؟ صدقيني لولا أن ذهابي الآن ضروري ما تركتك وحدك هنا، لذا أرجوكِ لا تخرجي وحدك أو تخرجي من الأساس، المرة القادمة لن تمر على قلبي بخير .
رفعت عيونها له تتحدث ببراءة وكأنها لم تكد تصيبه بجلطة دماغية منذ يوم تقريبًا بسبب اختفائها المفاجئ، تستنكر حديثه الغريب
- وأين سأذهب يا المعتصم ؟! أنا لا اتحرك من هنا .
تشنجت ملامحه المعتصم :
_ أوه نعم صحيح، ربما اتخيل تدركين أن صحتي العقلية مؤخرًا أصبحت سيئة للغاية .
نظرت له بقلق شديد من كلماته :
- ربما تحتاج لاستشارة طبيب، ألا تمتلك صديقًا يعمل طبيبًا ؟!
ترك المعتصم الاغراض من يده وهو ينظر لها بصدمة متشنجًا :
- حقًا أصبحت أنا الذي يحتاج لعلاج الآن ؟!
_ أولست أنت من قال ذلك ؟!
_ أوه نعم صحيح، يبدو أنني أنسى كثيرًا .
_ نعم وهذا شيء آخر تحتاج لعلاجه، صدقني أنا لا أقصد شيئًا أنا فقط قلقة عليك يا المعتصم وعلى حالتك العقلية .
ابتسم لها المعتصم بحب على لطفها ذاك يقترب منها بحب شديد يضمها له دون الاهتمام بأي شيء يقبل رأسها بحنان :
- لا بأس حبيبتي فقط اعتقيني لوجه الله وتوقفي عن ارعابي كل ثانية عليكِ وستكون صحتي النفسية على خير ما يرام .
رفعت عيونها له بعدم فهم، ليبتسم هو ويربت عليها :
_ عديني أن تعتني بنفسك فاطمة لحين عودتي .
_ هل ستتأخر ؟!
_ لنأمل أنه لا .
_ ستكون بخير ؟!
_ قلقة عليّ؟!
نظرت له بحب شديد وهي تهمس :
_ بل أموت قلقًا عليك فما لي سواك يا المعتصم، أرجوك عد لي لا تحرمني رؤياك .
تنهد المعتصم هائمًا بكلماتها يزيد من ضمها بحب شديد وهو يهمس لها بصوت خافت عاشق :
_ فقط ننتهي من هذا فاطمة، ننتهي من هذا كله حبيبتي ومن بعدها صدقيني سأمنحك حياتي إن طلبتها ..
رفعت عيونها له تهمس بصوت منخفض وحب يشوبه بعض القلق :
_ أريدك أنت يا المعتصم .
_ كلي لكِ عزيزتي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ومن ثم نادتني بأخي، هل تراني ولدك مولاي لتناديني ابنتك بأخي ؟! اخي حقًا ؟!
كان يتحدث وهو يطحن بعض الأعشاب أمامه، بغضب شديد يحاول أن يضع كل غضبه داخل ضرباته للأعشاب :
_ أرجوك لا تفهمني بشكل بخاطئ، أنا لا اقلل منك مولاي، يشرفني أن تعتبرني ابنك إن قبلت بالفعل، لكنني بالطبع لا أقبل أن تتخذني ابنتك اخًا، بالله عليك أي أخ هذا ؟! ابنتك هذه ينقصها عقل مولاي لتفكر .
_ هل تشكوني لأبي الآن ؟!
انتفض جسد نزار والذي لم يعي بدخولها في غمرة ضيقه وحنقه، يستدير لها بسرعة ولم يكد يتحدث حتى اتسعت عيونه بشدة يراقبها ترتدي فستان واسع من اللون الاسود الذي يشبه الليل في صفائه، تخفي جميع ملامحها بلثام متدلي من حجابها تاركة عيونها فقط لتصيب من تصيب من الرجال بسحرها .
اتسعت عيونه من هيئتها وهو يبتلع ريقه وقد فقد النطق لثواني يستوعب الآن أنه لم يبصرها منذ البارحة حينما وصفته بأخي.
وعند هذه الفكرة أبعد عيونه عنها بسرعة يستفيق لحالته، أما عنها فشعرت بوجهها بالكامل يشتعل وهي تتحرك صوب النوافذ الخاصة بوالدها وقد تفاجئت من وجوده منذ الصباح لدى والدها .
فتحت النافذة تسمح بأشعة الشمس القليلة والتي هربت من بين أسر السحاب بصعوبة بالدخول لتبتسم مرحبة بنسمات الهواء العليلة، ومن ثم استدارت صوب نزار الذي كان يراقبها ببسمة بلهاء لتفرع هي حاجبها له، فانتفض هو حينما أمسكت به متلبسًا يعود لطحن الاعشاب يتظاهر بانشغاله بها، لكن يبدو أن بقايا سحرها ما يزال يسيطر على عقله فأصاب إصبعه بضربة قوية أثناء طحن الاعشاب .
أطلق صرخة فزعة أكثر منها متألمة، فتحركت هي بسرعة صوبه متسعة الأعين تتحدث بعدم فهم :
_ نزار ؟! ما بك ؟؟
شعر نزار بأن أعصابه قاب قوسين من الانهيار ليصرخ بقلة حيلة :
_ سأكون بخير فقط إن تركتيني وشأني سمو الأميرة ؟!
اتسعت عيون توبة وهي تتراجع بعدما اقتربت خطوات بلهفة خائفة، ترفع له حاجبها بضيق :
_ ماذا ؟؟ هل تهزي أنت ؟! ماذا فعلت أنا لك ؟!
رفع عيونه لها بضيق وغضب ولم يتجرأ على الإجابة، فجديًا هي لم تفعل شيء سوى أنها فتنته وأصابته بالجنون حتى أصبح يهيم ليلًا نهارًا يبحث عن طيفها بين الجميع، وقد ازداد الأمر حتى أضحى يخاف أن ينام يومًا ليستيقظ ويراها تجلس أمامه بدلًا من الوليد .
_ لا شيء فقط دعيني وشأني لأعمل ولا تقفزي لي كل ثانية هنا .
_ حقًا ؟؟ تتحدث وكأنني مغرمة بالنظر لوجهك البهي وعيونك الساحرة، أنا هنا لأجل ابي .
نظر لها بملامح جادة جامدة وهو يعود للعمل دون أن يحييها بكلمة واحدة ، يتمتم بصوت منخفض :
_ لكنني كنت اتمنى أن تأتي هنا لأجل وجهي البهي وعيوني الساحرة .
نظرت له توبة بضيق :
_ ماذا قلت أنت ؟!
امسك نزار فك الملك بارق بعدما ارتدى قفازه، يمسك حفنة من الاعشاب التي كان يطحنها منذ ثواني يديها أسفل لسانه :
_ استغفر الله .
_ نعم سيكون هذا جيدًا لك، أكثر من الاستغفار، فأنت تحتاج للأستغفار أكثر من غيرك .
ارتفع صوت نزار بالاستغفار والضيق واضح في صوته :
_ استغفرك ربي و اتوب إليك .
ابتسمت عليه وقد سعدت أن أوصلته لحافة الغضب، ولا تدري السبب، لكن الأمر كان ممتعًا لها، تتحرك صوبه وهي تجلس على طرف الفراش الفسيح من الجهة الأخرى :
_ إذن كيف حال أبي ؟!
_ سيكون بخير إن شاء الله .
وكأنها نست أنها كانت لتوها تشاكسة وتسعد لإغضابه، فكررت وهي تردد برجاء :
_ حقًا نزار ؟!
رفع نزار عيونه لها يطيل بها النظر، ثم ابتسم لها بسمة لطيفة حنونة :
_ إن شاء الله سيكون بخير حال قريبًا، مؤشراته كلها تشي بذلك .
نظرت له بامتنان شديد :
_ لا يسعني سوى شكرك ليل نهار لمساعدتك لي نزار، صدقني أدين لك بحياتي، فقط اخبرني كيف أرد لك جميلك وسأفعل .
خلع نزار قفازه وهو ينظر للملك بارق طويلًا، قبل أن يزفر بصوت مسموع، يرفع عيونه لها مرددًا بصوت مرهق وكأنه قضى ليالي طويلة يناجي راحة لا يصل لها :
_ فقط...... ارحميني توبة ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظت على صوت طرق باب غرفتها لينتفض جسدها بفزع وهي تنظر حولها ثواني بأعين زائغة وكأنها ما تزال سجينة ذلك المنزل الغريب .
تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول أن تتحكم بردات فعلها تلقي الغطاء جانبًا تدور بعيونها في المكان لتدرك أنها باتت ليلتها في فراش أرسلان وبلمحة سريعة لذكرياتها تذكرت أنها باتتها كذلك بين أحضانه.
فجأة ارتسمت بسمة واسعة على فمها وهي تعيد خصلاتها للخلف تتنهد نصف تنهيدة لم تكتمل بسبب شدة الطرق على الباب، نظرت صوب الباب بتعجب وهي تعتقد أن أرسلان هو من بالخارج ويخجل من الدخول لها دون طرق.
يخجل من الدخول دون طرق ويضمها بين أحضانه طوال الليل، عجيب هذا الأرسلان .
تحركت صوب باب الغرفة الخاصة بالجناح وبمجرد أن فتحتها، فتحت فمها كذلك للتحدث، لكن اندفاع جسد خالد للداخل بقوة جعلها تتوقف بفزع عن نطق أيًا مما كانت على وشك نطقه .
اندفع صوبها يضمها لصدره بقوة وهو يردد برعب وحب شديد وبلغته التي اعتادها منذ كان طفلًا :
_ يا ويلي سول عزيزتي، ما الذي حدث لكِ، أين ملامحك الجميلة التي كنت اتغزل بها كل يوم، أين هي فاتنة سجون البرازيل، اصبحتِ أقرب لمجرمي سجون البرازيل .
اتسعت عيون سلمى وهي تحاول دفعه للخلف قليلًا، لكنه كان كالصخرة لا يتزحزح خطوة واحدة وهو يضمها بقوة، وفوق كتفها يجلس موزي الذي دخل معه ليقفز فوق رأسها يضمها له .
فكان الوضع كالتالي، خالد يلتصق بجسدها وهو يعانقها حتى كاد يخنقها، وموزي يضم رأسها بحب وبقوة حتى كاد يخلعها عن جسدها .
وهي تحاول أن تخرج حية من بينهما .
صوت موزي وهو يطلق كلمات وصرخات مرتفعة وصوت خالد وهو يتحدث بكلمات متتالية دون توقف، كل ذلك كان كافٍ لتتمنى لو أنها لم تنجو من بين يدي ذلك الوسخ .
تحدثت بصوت منخفض :
_ اللعنة لود، تكاد عيوني تخرج من شدة ضغطك أنت وذلك الاجرب، دعني اتنفس بشكل طبيعي .
بكى خالد بخوف حقيقي وهو يضمها بحب وبشكل أشد:
_ كنت أموت رعبًا والله، قلت أن هذه المرة لن تنجي منها، خفت ألا أراكِ مجددًا سول .
ربتت سلمة على كتفه وهي تتحدث بصعوبة بسبب ضغطه على صدرها، ورغم أنه هو من كان يكبرها بشهور قليلة، إلا أنها طوال حياتها كانت الأخت الكبيرة والمرشدة له، وخالد كان الفرع الطائش في عائلتها.
_ أنا بخير عزيزي لا تقلق، ليست المرة الأولى التي يحدث لي هذا .
مسح خالد دموعه وهو يضمها وموزي ما يزال مصرًا على الاحتفاظ برأسها بين قبضتيه لنفسه :
_ نعم لكن هذه المرة مختلفة، هؤلاء ليسوا مرضاكِ لتتعاملي معهم، مسكينة يبدو أنكِ ضُربتي حتى كادت عظامك تتحطم تحت أيديهم ولم تقدري على رفع إصبع في وجوههم حتى .
ابتسمت بسمة ساخرة وهي تجيبه بصوت خافت :
_ نعم صحيح، لقد كنت مسكينة للغاية يا أخي....
فجأة تجلت رحمة الله عليها على هيئة يد جذبت جسد خالد بعنف شديد عنها وألقته بعيدًا دون اهتمام، لتلتقط وأخيرًا أنفاسها وهي ترفع عيونها صوب صاحب اليد والذي لم يكن سوى أرسلان الذي رمى خالد بنظرة باردة، ومن ثم تحرك يمسك موزي من شعيراته الخلفية بأطراف أصابعه ينتزعه عن رأس زوجته ثم ألقاه على الفراش دون اهتمام ينفض ثياب سلمى، ومن ثم رتب خصلات شعرها بهدوء شديد وحنان .
ثم استدار صوب خالد وموزي اللذين علت نظرات الحنق وجهيهما والضيق بدأ يُخط على نظراتهما.
لكن هل يهتم أرسلان ؟؟ لا لا يفعل .
_ هيا خذ ذلك الاجرب وخارج غرفتي، أخبرتك أنه يمكنك الإطمئنان عليها لدقائق معدودة وبشكل لطيف وليس أن تتسبب في ضيق تنفس لها .
رفع خالد حاجبه باستنكار لكلمات أرسلان:
_ مهلًا، هل تمنعني عن أختي ؟!
_ لا، لا أفعل والدليل أنني سمحت لك أن تدخل غرفتي مع ذلك الاجرب الذي يتناول فاكهتي هناك دون اهتمام بشيء، وتعانقها وترحب بها، والآن انتهينا، هيا للخارج ويمكنك العودة لاحقًا، وخذ معك ذلك القرد كذلك .
اعترض خالد وقد تشنجت ملامحه يتحرك صوب سلمة بسرعة يضمها بين يديه :
- هذا لن يحدث فلم اطمئن بالكامل عنها بعد، أنت بهذا الشكل تمنعني أختي وأنا لن اسمح، وكذلك موزي لن يسمح .
حرك أرسلان يده بحركات عصبية تشي أنه يكبت غضبه عن خالد، لذا تحدث بصوت مرتفع وهو ينادي الحراس من الخارج :
_ أحضروا لي تيّـــم ...
اتسعت عيون خالد برعب وهو يستدير حوله بخوف :
- لا لا أرجوك أنا لم أفعل شيئًا، لقد ...كنت فقط أرحب بها اقسم لقد خفت عليها فهي أختي كذلك و....لا تحضر تيم سوف أرحل من هنا، وإن أردت سأخرج موزي معي .
ختم حديثه يبتسم لأرسلان بسمة واسعة متملقة وهو يتحرك صوب فراشه ينتزع عنه موزي الذي كان قد بدأ يلوثه بالفعل بسبب الفاكهة التي يتناولها بشكل مبعثر، يمسكه خالد بين يديه، ثم نظر لسلمى يبتسم لها بسمة واسعة :
_ حمدً لله على سلامتك حبيبتي سوف أعود لكِ حينما يرحل ذلك الطاغية .
ومن بعد تلك الكلمات اختفى عن أنظار سلمى التي كانت تراقب ما يحدث دون فهم، تستدير صوب أرسلان الذي تحرك خلف خالد يغلق باب الجناح بالكامل خلفه ومن ثم دخل غرفة النوم يتحرك صوبها مبتسمًا بسمة لطيفة يرتب خصلاتها بحنان يميل عليها مقبلًا رأسها بلطف :
- صباح الخير حُلوتي، عسى ليلتك كانت هانئة.
أغمضت سلمى عيونها تستمتع بتلك اللحظات بقربه ليبتعد عنها هو بهدوء يراقب مبتسمًا بمشاعر عديدة، ثم رفع كفه يربت على وجنتها والتي كانت الجروح تملئها .
يتحرك صوب العلبة الخاصة بالاعشاب يجذب يد سلمى معه يجلسها أمامه، ثم بدأ يغمس أصابعه في الاعشاب يمررها بهدوء على وجهها مبتسمًا بسمة لطيفًا يتذكر ذكريات قديمة وهو يعالج جروح كهرمان التي كانت تنتج عن تدريباته لها .
ويبدو أنه سيقضي حياته يعالج جروح كل من يقترب منه، وجروحه يتركها علّ الزمان يشفق به ويحنو عليه ويعالجها بنفسه .
يمرر أصابعه على جروحها العديدة والتي كانت تخفي ملامحها بالكامل، حتى وصل لآثار الصفعات التي كانت تزين وجهها فتوقف واسودت عيونه بشكل مرعب وهو يتخيل في عقله ما سيفعله، افكار سوداوية لو أدركت سلمى قطرة واحدة منها، لركضت بعيدًا عنه لآخر الأرض، لكنه والله لن يتراجع عما خطط له ولو أحضروا له العالم بأكمله يعيق طريقه .
_ من ذلك تيم الذي تخيف به خالد ؟!
رفع عيونه لها وقد بدا أنه أفاق فجأة من أفكاره الغريبة التي كانت تدور داخل عقله :
_ هذا أحد قادة الجيش بعد المعتصم، اوكلته البارحة بأن يتولى بنفسه تدريب أخيكِ، ويبدو أن تيّم ورغم إصابته أتقن ما طلبته منه على أكمل وجه .
نظرت له بعدم فهم وهي تبتسم بسمة صغيرة :
_ البارحة مساءً تقصد ؟! ومتى بدأ التدريب ليصيب خالد بكل هذا الرعب ؟!
_ فجر اليوم بدأ معه .
اتسعت عيونها بصدمة وهي تمسك يد أرسلان توقفه عما يفعل :
_ فجر اليوم ؟؟ خالد استيقظ فجرًا ؟؟ كيف حدث هذا ؟!
اتسعت بسمة أرسلان:
_ نحن لا نستأذن جنودنا للاستيقاظ، بل نوقظهم رغم كل الاعتراضات، حان الوقت ليخشوشن أخوكِ قليلًا.
ابتسمت هي بسعادة لكنها صمتت تفكر ثواني :
_ يبدو هذا جيدًا لكن أرجو ألا تقسو عليه كثيرًا فخالد طيب القلب ولديه قابلية ليصبح رجل جيد رغم كل مساوئه التي كان يفعلها قديمًا، إلا أنني أدرك أنه رغم كل شيء ما يزال يحمل بذرة صالحة في صدره .
جذب كفه بهدوء من بين يديها والذي كانت قد نسته في غمرة حديثها، ثم رفع يده النظيفة يربت على خصلاتها يردد بحنان :
_ يُكرم لأجلك سليمى، ثم لا تقلقي لن نقسو عليه كثيرًا، نحن نتعامل معه معاملة المراهقين الذين انضموا حديثًا للجيش، أو ربما اقسى قليلًا ...
ختم حديثه ينهض عن مكانه وهو يتحدث بجدية :
- لقد وصل إيفان مع كهرمان وزوجة دانيار، سوف اطمئن عليكِ واذهب لأرحب بجوهرتي ومن ثم سيأتون للاطمئنان عليكِ، أم تريدين تأجيل الأمر ؟!
تجاهلت هي كل ما ينطق به تقول بشرود :
- جوهرتك ؟! كهرمان تقصد ؟!
ذهب هو لغسل كفه من الاعشاب، ثم خرج يجففه يهز رأسه بنعم وهو يبتسم بحب شديد متحدثًا عن كهرمان :
- نعم، كهرمان جوهرتي الحبيبة .
_ وأنا ؟!
كانت كلمة خرجت منها تلقائيًا دون شعور، لم تبتغي من خلفها مقارنة بينها وبين كهرمان، تدرك قرب العلاقة بين أرسلان وكهرمان بالفعل، لكنها فقط رغبة عميقة في صدرها لمعرفة أين وصلت مكانتها لدى أرسلان، أين هي في حياته، هل يمنحها مكانة كتلك التي تمنحه هي إياها ؟!
ويبدو أن أرسلان أدرك ما يدور داخل رأسها، إذ اقترب منها بهدوء مبتسمًا يجلس أمامها على ركبتيه يتحدث بهدوء وهو يمسك كفيها :
_ هي كهرمان أختي وصغيرتي والجزء الوحيد الذي كان يدفعني لإكمال حياتي، ربيبة يدي وابنتي التي تركت جزءًا فارغًا في صدري حينما رحلت، وأنتِ ...
رفع كفها يقبله بحنان شديد وقد كانت سلمى ما تزال مصدومة من انحناءه أمامها وجلوسه بهذا الشكل، شيء لم تكن تتخيل أن أرسلان بكل كبرياءه كان قادرًا على فعله .
_ أنتِ هي سليمى، زوجتي وضلعي الذي عشت حياتي أبحث عنه ليؤنس قلبي داخل صدري، المرأة التي على استعداد لأحارب العالم لأجل بسمة منها، وسأفعل، أنتِ حلوتي الوحيدة في حياتي البائسة الآن سلمى آنيستي وسكني الجزء الذي مهما رأيت من مآسي خلال يومي ابتسم لأن يومي سينتهي بنظرة منكِ .
مد كفه يربت خصلاتها بحنان شديد وسلمى تراقبه بأعين ملتمعة وبشدة تدرك الآن يقينًا أن ذلك الرجل يخفي فيضانات من الحنان خلف سد قسوته، ويبدو أن قربه لكهرمان في طفولتها علمه كيف يتعامل جيدًا مع من يخصه من النساء كما كان يردد .
_ هي شقيقتي وأنتِ زوجتي، من يخصني من نساء هذه الأرض حاليًا، لا امرأة ثالثة اهتم بها عداكما، ولكلٍ مكانتها التي لا ينالها غيرها سُليمى فلا يمكنني وضعك بمكانة كهرمان كشقيقة وابنة لي، ولا يمكنني وضع كهرمان بمكانتك كزوجة وشريكة، ربما تشاركك في جزء أنني اعتبر كلاكما ابنتيّ، ووالله لن تشاركما امرأة هذا القلب عدا ابنتي الحبيبة في المستقبل إن شاء الله .
صمت يتنفس بحب، ثم نهض يساعدها لتغتسل :
_ هيا توضئي وتعالي لتصلي حتى أحضر لكِ الفطور سلمى .
تحركت سلمى بخدر صوب المرحاض ولم تكد تتحرك له، حتى توقفت فجأة تنظر له ثواني ومن ثم تحركت له بسرعة تضم خصره وهي تهمس بحب شديد :
_ أنت أكثر رجال الأرض حنانًا أرسلان، شكرًا لأنك من بين الجميع اخترتني .
ضمها أرسلان بحب شديد وهو يتنفس رائحتها لا يصدق أنها بين يديه يزيد من ضمها كلما تذكر ما تعرضت له :
_ بل شكرًا لأنكِ من بين كل الرجال قبلتي بي سُليمى ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هبط عن حصانه يتحرك بين ممرات القصر بوجه متجهم وهو يبعد طرف معطفه الملكي عن طريقه يمسك حافة السيف الخاص به وكأنه على وشك خوض حرب ما يرفع يده في وجه الجميع أثناء الحركة نحو قاعة الاجتماعات .
وبمجرد أن وصل حتى فتحها بقوة جعلت الجميع في الداخل يُصدم منه، لكنه لم يمنح لهم فرصة التعليق حتى على ما يفعل :
_ والله جيد أنكم أصبحتم تخفون عني ما يحدث هنا، هل غرتكم خصلات الشيب هذه ؟؟ أصبح العجوز آزار لا قيمة له ليحدث كل هذا من خلف ظهري ولا اعلم سوى برسالة بعدما ينتهي كل شيء سالار ؟؟
نهض سالار بسرعة وهو يتحرك ليستقبل خاله :
_ العفو يا خالي والله لا يحدث شيء سوى ويصلك الخبر قبل حتى أن يحدث فأنت كبيرنا هنا، لكن ما حدث لم نستوعبه بعد، كل شيء حدث بسرعة كبيرة .
ختم حديثه وهو يتقرب من آزار يمسك كفه مقبلًا إياه ومن ثم قبل رأسه يسترضيه، بينما الأخير لان في ثواني وكيف لا وهذا ابن عائش الحبيبة ونقطة ضعفه في هذه الحياة، رفع كفه يربت على كتفه، ثم نظر صوب إيفان الذي كان يجلس جوار دانيار يرحب به برأسه، لينهض له إيفان وهو يتحرك صوبه يميل عليه مقبلًا رأسه باحترام :
_ لا عاش من يغضب الملك آزار، مقامك كبير لدينا مولاي، لكن كما أخبرك سالار حدث كل شيء في ثواني ولم نعي إلا منذ ساعات قليلة حينما عادت زوجة أرسلان.
ابتسم له آزار وهو يربت على كتفه ينظر صوب دانيار والذي كان يراقبهم من بعيد :
- إلى ماذا تنظر أنت اقترب يا فتى لأرحب بك .
ابتسم له دانيار وهو يقترب منه بسرعة كبيرة يعانقه ليضحك آزار بصوت منخفض يربت على كتفه بحنان :
_ كيف حالك دانيار ؟!
_ الحمدلله بخير حال دامك كذلك جلالة الملك .
تنهد آزار وهو يتحرك مع الجميع صوب طاولة الاجتماعات يتحدث بجدية بعدما خلع معطفه واكتفي بزية المتكون من بنطال بني اللون قماشي وسترة بيضاء يرفع اكمامه:
_ إذن أخبروني ما حدث بالضبط وما فعل أرسلان، أخشى أن يكون قد قتل أحدهم اثناء بحثه عن زوجته .
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد صعب عليهم وصف ما حدث فحتى هم لم يصدق أحدهم ما حدث حتى الآن..
لكن كان إيفان هو أول من تحدث وهو يضم كفيه على الطاولة متحدثًا بهدوء شديد :
_ في الحقيقة ردة فعل أرسلان هي المخيف في الأمر، فهو حتى الآن لم يصرخ ولم يغضب ولم يحطم عظام أحدهم ولم يسحب جيشه ويذهب ليحارب من يقف في طريقه كما كان يفعل في العادة حينما يجن جنونه .
هز سالار رأسه مبتسمًا بعدم تصديق :
- يبدو أن زوجته روضته بشكل لم نتوقعه حتى .
كان آزار يتابع ما يقال بعدم فهم، ومن ثم حينما انتهى الاثنان من أخباره ما حدث قال بعدم استيعاب :
_ لا افهم ما قيل، أرسلان لم يغضب لخطف زوجته ؟!
هز سالار رأسه، لينفخ آزار وهو يمسح وجهه :
_ هذا مرعب هدوء شياطينه مخيف أكثر من جنونها .
تحدث إيفان بغموض وهو يتذكر ما قصه له سالار منذ ثواني حول خطة أرسلان في الانتقام منهم :
- سيخيفك أكثر ما يخطط له أرسلان، لقد خرج أرسلان وعقله عن سيطرة المنطق وازال أي عوائق أو تعقل قد يمنعه عن تحقيق انتقامه منهم كما يريد ويتخيل ....
نظر له آزار بتفكير وقبل أن يضيف أحدهم كلمة فُتح الباب ليطل عليهم صاحب الرداء الاسود يلحقه المعتصم وهو يحمل حقيبة ظهر ويسير معه .
تحرك أرسلان للداخل وهو يبتسم بسمة غريبة غامضة يفتح ذراعيه لآزار :
_ العجوز آزار هنا في قصري، يالسعادتي ..
نهض آزار وهو يتحرك صوب أرسلان يعانقه مرحبًا به، ومن ثم ربت على ظهره متحدثًا باحترام شديد :
_ أنرت القصر بأكمله جلالة الملك .
بادله آزار العناق بمواساة وهو يدري ما يقبع داخل صدره في هذه اللحظة فأرسلان لطالما ذكره بنفسه في كل شيء .
_ بأهله أرسلان، عساك بخير وكذلك زوجتك بني .
_ بخير لا تقلق .
ختم حديثه يتحرك صوب إيفان الذي ابتسم له بحنان وهو يفتح له أحضانه يستقبله بها يضمه بحب اخوي شديد :
_ حمدًا لله على سلامتك يا عزيزي، سعيد لرؤيتك مشرق الوجه هكذا، الله وحده يعلم كم كنت أخشى أن ينالك سوء أثناء رحلة بحثك عن زوجتك .
ضحك أرسلان بخفة ضحكة صغيرة :
- لا تقلق فالعم سالار لم يكن يدعني أفعل شيئًا سيئًا، كنت أحسن التصرف، صحيح عم سالار ؟!
ختم حديثه بسخرية لاذعة مشيرًا لتصرفات سالار الحادة معه وهو يراقبه حتى لا يؤذي نفسه، بينما سالار هز رأسه وهو يقترب منه يمد يده يداعب خصلاته بمزاح وكأنه يلاعب صغير :
_ نعم إيفان كان أرسلان فتى جيد، أعتقد أنه يستحق حلوة كمكافأة له .
رفع أرسلان عيونه ببطء صوب خصلات شعره السوداء حيث تقبع يده سالار، ومن ثم نظر لسالار بشر ليطلق الأخير ضحكات مرتفعة وهو يبصر أرسلان يبعد يده بقوة ضاربًا إياها، ومن ثم مد يده صوب خصلاته الحمراء يبعثرها بضيق :
_ لا تمزح معي مثل هذا المزاح السخيف، لم تكن سنوات قليلة تلك التي تجعلك تنصب نفسك كبيرًا عليّ يا هذا .
- أكبر منك بيوم يعلم عنك بدهر أرسلان يا صغيري .
رفع أرسلان حاجبه ولم يكد يتحرك صوب سالار ليهجم عليه، حتى توقف إيفان بينهما بسرعة يمنع قتال وشيك رغم بسمته الواسعة التي كانت مرتسمة على فمه وهو يبصر روح أرسلان وقد رُدت إليه بعدما كان فاقدًا للحياة تقريبًا .
ليتأكد في هذه الحياة، أن روح أرسلان أضحت وبلا شك مرتبطة بها، فإن كانت هي كان هو، وإن غابت هي ضاع هو ....
_ وقت مستقطع رجاءً ودعونا نتحدث فيما جئنا لأجله.
نظر أرسلان نظرة شر أخيرة صوب سالار الذي ابتسم له بهدوء وجمود بعض الشيء، ثم تحرك ليجلس جوار الملك آزار وكذلك جلس الجميع كلٌ في مقعده .
لتحدث إيفان وهو يشير لدانيار :
_ طلبت أن أحضر دانيار معي .
رفعت أرسلان عيونه لدانيار ليدرك أنه لم يبصره من جاء، لذا نهض يرحب به مبتسمًا :
- اعذرني دانيار، لم ابصرك منذ جئت.
عانقه وبادله دانيار العناق مبتسمًا :
_ حمدالله على سلامة جلالة الملك مولاي .
- اشكرك دانيار للطفك، وشكرًا لتلبيتك الدعوة .
جلس مجددًا يشير لدانيار أن يجلس ثم تحدث بجدية :
_ تعلم دانيار أن لا أحد في الأربعة ممالك يضاهي مهارتك في رمي السهام صحيح ؟!
نظر له دانيار بعدم فهم ورغم ذلك ابتسم له بهدوء :
- لي الشرف بكلماتك مولاي .
أشار أرسلان صوب المعتصم والذى كان يجلس بهدوء شديد جانبه :
- احتاجك في رحلة سريعة لسبز رفقة المعتصم، ستؤمن ظهره أثناء إيصال رسالة لأصلان.
نظر له دانيار ثواني بعدم فهم ورغم ذلك هز رأسه بهدوء :
_ بالطبع مولاي، لي الشرف لأفعل، طالما يمكنني المساعدة فلن اتأخر.
ابتسم له أرسلان بامتنان ثم نظر صوب المعتصم وهو يتحدث بجدية :
- وأنت يا المعتصم ستكون رسولي لأصلان توصله رسالتي وترحل بهدوء وبسلام دون فعل شيء له .
لم يفهم المعتصم كثيرًا ورغم ذلك هز رأسه:
_ طالما أننا نعلم مكانه لماذا لا نهجم عليه ؟؟
_ ليس بهذه السهولة، دعنا نلاعبه قليلًا، فانتظار الموت يا المعتصم اسوء وأشد وطئًا من الموت نفسه .
تحدث إيفان وهو يحاول معرفة ما يدور داخل رأس أرسلان:
_ أي رسالة هذه ؟؟
اخرج أرسلان رسالة يحملها في جيب سترته يلقيها صوب المعتصم وهو يخبره أن يسلمها إلى اصلان .
بينما آزار تحدث بفضول شديد :
_ ما الذي كتبته في هذه الرسالة ؟!
عاد أرسلان بظهره على المقعد خلفه وهو يرفع كوب الماء يرتشف منه بهدوء شديد وبرود، قبل أن ترتسم بسمة على جانب شفتيه يهتف بنبرة سوداء وعيون غامضة :
_ لا استطيع اخبارك كي لا اخدش حياء الجالسين .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت لنفسها في المرأة تتحسس الحجاب الذي وضعه أعلى رأسها مبتسمة، ليس لأجل الحجاب بل لأجل من ساعدها في ارتدائه .
فجأة سمعت صوت الحارس من خارج الجناح يستأذن لدخول الملكة كهرمان ورفيقتها .
خرجت سلمى من غرفة النوم الخاصة بها بسرعة كبيرة تتحرك صوب الجناح من الخارج حيث البهو تستقبل كهرمان بالاحضان، وقد هرولت لها كهرمان تستقبلها بين احضانها :
- سلمى عزيزتي، حمدًا لله على سلامتك، هل أنتِ بخير ؟!
تحدثت زمرد والتي كانت تقف خلفها تراقب ملامح سلمى جيدًا مشيرة لها بسخرية :
_ بخير ماذا يا ابنتي، انظري للفتاة، لا يوجد في وجهها موضع صفعة إضافية .
اقتربت من سلمى التي عقدت حاجبيها من تلك الغريبة، والتي لم تهتم بشيء وهي تمسك وجه سلمى بين يديها تديره يمينًا ويسارًا وهي تتأتأ بشفقة :
_ يا الله هذا سييء حقًا، تحتاج هذه الجروح لثلاث أسابيع على أقل تقدير لتُشفى .
ضربت سلمى كف زمرد مبعدة إياه عن وجهها وهي تحاول فهم من تلك الفتاة التي تتحدث بهذه الطريقة، تنظر لكهرمان تنتظر منها تفسيرًا عما يحدث لتبتسم لها الأخيرة وهي تشير صوب زمرد التي رمت سلمى بنظرات مخيفة :
_ اعذريها سلمى فزمرد لطالما كانت هكذا، على كلٍ هذه زمرد صديقتي وزوجة قائد الرماة في جيش سفيد .
حركت سلمى عيونها صوب زمرد التي كانت تضم يديها لصدرها بينما تولت كهرمان باقية التعريف :
_ وهذه هي سلمى زوجة أخي وملكة مشكى .
نظرت لها زمرد من أعلى لاسفل لترفع لها سلمى حاجبيها بسخرية وهي تضم ذراعيها لصدرها متحدثة بهدوء :
_ عساه خيرًا، ما سبب نظراتك تلك ؟؟
نظرت زمرد صوب كهرمان وهي تتحدث بجدية مستفزة سلمى :
_ أخوكِ هذا المرعب لم يجد سوى هذه الفتاة ليتزوج بها؟! نعم لم يكن هناك من سيتحمله، لكن ما كان عليه أن يلقي بنفسه بين أحضان هذه الـفتاة، هي لا تروق لي .
قلبت كهرمان عيونها بضيق من أفعال زمرد والتي تبدأ جميع صديقاتها بعداوة :
- زمرد نصف اصدقائنا لم يروقوا لكِ في البداية، المسكينة برلنت اصبتيها بالمرض حتى قبلتي الاعتراف بها صديقة، وتبارك كدتي تصيبيها بمرض نفسي وتؤدي بها للتوحد حتى تقبلتيها .
هزت لها زمرد رأسها:
- نعم لكن هذه مختلفة، هذه لا تروقني .
أشارت عليها سلمى وهي ترفع حاجبها باستهانة تردد بلاتينية متقنة ساخرة :
_ أخبريني مجددًا من هذه الحمقاء وما سبب وجودها هنا على أية حال ؟!
تشنجت ملامح زمرد وهي تنظر صوب كهرمان بشر تهمس لها بضيق :
_ ما الذي قالته تلك المرأة للتو ؟!
هزت كهرمان كتفها بعدم فهم :
- وما ادراني أنا ؟؟
نظرت زمرد صوب سلمى ثواني، ومن ثم اقتربت منها تراقبها من أعلى وأسفل، تميل عليها تهمس بشر وغضب وقد بدأ اللون الأسود يلوح أمامها بوضوح :
_ هل تريدين قتالًا يا امرأة ؟؟
تحركت كهرمان تجذب زمرد للخلف بسرعة فبمجرد أن يسير عقلها في طريق القتال لا تبصر أمامها حتى تحقق غايتها، وسلمى لا تبدو أكثر براءة منها وقد علمت الكثير عنها من أخيها، الفتاة تنظر لزمرد بتعابير أشبه بالمجرمين .
_ ما بكما يا ويلي، وأنا من ظننت أنكما ستكونان مقربتان ونسيت أن الاشباه تتنافر.
تشنجت ملامح سلمى وهي تنظر لزمرد التي تبذلها كهرمان لبعيد بصعوبة، بينما الأخيرة تحاول الإفلات منها والهجوم على سلمى التي كانت تضم ذراعيها لصدرها ببرود شديد تراقبها بكل استفزاز تمتلكه وكأنها تعامل أحد مرضها :
_ بالله عليك لا تشبهيني بهذه المريضة هنا، هي تشبه أكثر المجرمين الذين اعالجهم .
تحدثت زمرد وهي تصرخ بجنون تحاول الإفلات من بين قبضتي كهرمان :
_ والله لن تجدي طبيبًا يعالج ما سأتركه على وجهكِ فقط إن تركتني كهرمان .
جذبتها كهرمان وهي تهمس في أذنها :
_ زمرد بالله عليكِ توقفي أخي لن يرحمنا إن مس الفتاة خدشًا واحدًا والله سيُسقط القصر أعلى رؤوس من به .
أشارت زمرد صوب سلمى صارخة باستنكار :
- أي خدش يا ابنتي الفتاة لم يعد في وجهها مكانٍ لخدشٍ واحد، لذا لا تقلقي لن ينتبه لخدوشي بين كل هذه الخدوش .
ختمت حديثها تحت أنظار سلمى التي كانت تتابع ذلك كله بهدوء :
_ دعيها كهرمان فامثال هذه الفتاة مسدسات صوت لا أكثر.
نظرت كلٌ من كهرمان وزمرد لبعضهما البعض بعدم فهم، قبل أن تهمس لها زمرد :
- أشعر بأنها اهانتني للتو، ليتنا احضرنا تلك الغبية تبارك على الأقل كانت ترجمت لنا لغة المفسدة هذه .
_ سمعتك .
_ اسمعيني وهل تظنيني خائفة ؟؟
نفخت سلمى بضيق وهي تخلع حجابها وقد بدأت تشعر بالضيق تفرد خصلاتها تتحرك في المكان تجلس على الأريكة بهدوء وهي تشير لكهرمان بالقدوم :
_ دعيها كهرمان وتعالي هنا .
نظرت لها زمرد بسخرية وهي تدفع كهرمان جانبًا تتحرك صوبها بكل استفزاز، ثم جلست في المكان الذي أشارت به سلمى لكهرمان تضع قدم على الأخرى تحت أعين سلمى التي قلبتها بسخرية :
_ حمقاء .
_ سمعتك .
_ اسمعيني وهل تظنيني خائفة ؟؟
مسحت كهرمان وجهها وقد شعرت حقًا بفظاعة ما ارتكبت حينما أحضرت معها زمرد .
_ هيا يا فتيات دعونا نجلس جلسة نسائية ودية لطيفة، وزمرد أنا احضرتك لنخفف عن الفتاة وليس لنزيدها عليها و....
كانت تتحدث وهي تتحرك صوب سلمى مبتسمة تحاول إقناع زمرد بأن تخفف من وطأة ما تفعل على سلمى، لكن فجأة انتفضت سلمى بعدما تذكرت شيء مفاجئ حينما سمعت حديث كهرمان :
_ يا ويلي لقد نسيت .
نظرت لها كهرمان بعدم فهم لتتحرك سلمى بسرعة تلتقط حجابها وهي تردد :
_ رجاءً انتظروني لحين أعود، لن اتأخر سأحضر أحدهم واعود ...
ختمت حديثها تتحرك بسرعة صوب باب الجناح تحت أعين الاثنتين المتعجبتين لما تفعل ..
أما عن سلمى فقد تحركت بسرعة صوب جهة محددة وهي تدعو الله أن تكون الصغيرة بخير ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثواني من الاستيعاب لم تكن كافية لتوبة كي تدرك ما يقصد هو، وهو لم يكن بالكريم ليمنحها أكثر من ثواني، إذ سارع ونهض من مكانه يخلع قفازاته يلقي بها جانبًا في سلة المهملات، يتحدث ببسمة صغيرة :
_ انتهينا لليوم سمو الأميرة.
ختم حديثه يتحرك بهدوء صوب الباب لتوققه هي دون أن تعلم ما يجب قوله حقًا :
_ مهلًا ...
توقفت أقدامه واستدار لها ببطء شديد يطالعها بترقب وعدم فهم رغم سعادته الداخلية بطول لقائهما، وهي فقط ظلت تحدق به محاولة معرفة ما كانت تود قوله، لكن هي ثواني قبل أن تفقد كل ما كان من المقرر قوله .
_ نعم !؟
وقد كانت كلمته بمثابة دفعة صغيرة منه لها صوب ما تريد قوله، ولا يبدو أن تلك الدفعة كانت كافية إذ أنها ظلت صامتة مترددة فيما يجب قوله، ولم تجد بدًا من الحديث حينما شعرت بطول صمتها:
_ هل ....هل عاد ....الوليد ؟!
نظر لها بعدم فهم وهي رمقته بنفس النظرة وقد شعرت بالغباء وهي تحاول معرفة سبب ذلك السؤال وكيف خطر على بالها، إلا أنها أكملت جملتها وقد أبت التراجع :
_ لقد كان مختفيًا، فهل عاد ؟!
_ عفوًا ؟!
ويبدو أن الأدوار انقلبت إذ أن البلاهة أضحت من نصيب نزار الذي رمقها بعدم فهم متتظرًا أن تخبره ما تريد من الوليد وسبب اهتمامها به .
أما عنها فلم تدرك ما يقصد أو ما يدور برأسه وفقط أكملت ببساطة :
_ هل علمت أين كان الوليد ؟!
_ عفوًا وما سبب اهتمامك الشديد بمكان وليد سمو الأميرة ؟!
_ ما الذي تقصده بكلمة اهتمامي!! أنا لست مهتمة به بالطبع بقدر ما أود التأكد أنه لا يضمر السوء فما تفسيرك باختفائه الغريب هذا ؟!
ضيق عيونه عليها وهي تتحدث بينما توبة شعرت بالتوتر، لكنها اسكتت توترها حينما وجدت أنها تحسن صنيعًا في حجتها تلك .
أما عن نزار فقط نظر لها ثواني ثم قال ببساطة :
_ كان الوليد يستطلع بعض الأخبار في الجحر ليعلم ما آلت إليه الأمور .
_ وما الذي حدث ؟!
نظر لها ثواني ثم همس بهدوء شديد وهو يتحرك خارج المكان :
_ افضل الاحتفاظ بما حدث لنفسي .
ابتسمت بعدم تصديق وهي تتحرك صوبه بسرعة تحرك يديها في الهواء بسخرية :
_ تحتفظ بماذا لنفسك ؟! هل تمزح معي ؟؟ نحن لا نلعب هنا نزار و....
صمتتت ثواني قبل أن تضيق عيونها وهي تنظر له بشك غريب جعله يتحدث بتخمين :
_ نعم أدرك هذه النظرة التي ستخرجين بعدها كلمات كالسهام .
وقد صدق تخمينه واقتربت هي منه ترفع يديها في الهواء تقول ببسمة غير مصدقة :
_ هل ....هل تخدعني نزار ؟؟ لا تقل أنك تلعب من خلف ظهري وتحضر لمكيدة مع ذلك الوليد ؟! لا تقل أنك كل ذلك تخدعني وكان اختفاء الوليد مجرد غطاء لتصل لمبتغاك والذي ساعدتك أنا به كالحمقاء ويسرت لك بقائك داخل سبز دون أي مجهود منك حتى .
نظر لها نزار ثواني قبل أن يضرب كف بكف صارخًا بجنون وضيق من أفكارها المريبة :
_ ما بكِ يا امرأة صنعتي في ثواني مكيدة وقصة ذات حبكة متقنة فقط لأنني أخبرتك ألا تدخلي نفسك في هذه الأمور، كي اجنبك أي مشاكل ؟! ما بال عقلك أنتِ ؟!
رفع يده وقد كاد يضرب رأسها من الجانب، لولا أنها عادت برأسها للخلف بصدمة، وهو أوقف يده في آخر ثانية وقد أدرك في ثواني ما كاد يفعل يضغط على قبضه :
_ اذهبي للنوم رجاءً وتجبني السهر لساعات طويلة وتناولي بعض الخضروات التي تحتوي على العناصر الهامة لأجل سلامة عقلك سمو الأميرة .
ختم حديثه يتحرك تاركًا إياها تقف وحدها مصدومة في المكان فاغرة الفاه تحاول أن تدرك ما قاله منذ ثواني، وقبل خروجه بالكامل أوقفته تردد بصدمة :
_ هل اهنتني للتو نزار ؟!
توقفت أقدام نزار واستدار لها ببطء يزفر بضيق ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى، اقتربت منه تحرك يديها في الهواء تصيح بجنون :
_ إن كنت نسيت نفسك ونسيت مع من تتحدث فدعني اذكرك أنك تتحدث الآن مع ....
قاطعها نظرا وهو يحرك يديه في الهواء بجنون منها :
_ سمو الأميرة توبة ابنة الملك بارق وأميرة سبز، المرأة الحديدية والسيدة التي لا تُقهر وملكة جمال الممالك الأربعة، وماذا أيضًا هل هناك صفات أخرى تريدين إضافتها لقاموس صفاتك الذي احفظه عن ظهر قلب توبة ؟!
اتسعت عيون توبة وهي تفتح عيونها بصدمة من هجومه عليها تضم يديها التي كانت تشيح بها في وجهه منذ ثواني، تضمها لصدرها وهي تنظر له بحذر .
بينما هو ابتسم لها بسمة واسعة يقترب منها خطوات يتحدث بغيم :
_ أنتِ يا امرأة تحتاجين لمن يؤدبك من جديد، وكم أتوق لأكون هذا الشخص، من يدري لربما امنحك لقبًا اضافيًا تتفاخرين به أثناء رحلة تأديبك .
رمشت بعدم فهم وهي ما تزال تضم يديها لصدرها تراقبه بأعين مصدومة فابتسم غامزًا لها :
_ زوجتي ما رأيك ؟؟
شهقت توبة بصوت مرتفع وقد شعرت بقلبها يكاد يتوقف ولم تكد تتحدث كلمة واحدة حتى انتفض جسدها وكذلك جسد نزار حين ارتفع صوت تمتمات في الخلف جعلت الأجساد تتصنم بصدمة .
تنفست توبة بصعوبة وهي تهمس بصوت منخفض :
_ أبــــــــــــــي ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت صوب باب الجناح الخاص بزوجها وهي ترهف السمع للطرق الذي بدأ يعلو منذ ثواني تحاول معرفة صاحب الطرق تهمس بصوت شبه مسموع :
_ هذا أنت يا المعتصم ؟!
لكن لم يصل لها أي إجابة من الطارق، لتشعر بالريبة وهي تتراجع وقد قررت ألا تجيب على الطارق، ولم تكد تبتعد خطوة واحدة عن الباب الخاص بالغرفة حتى سمعت صوت يعلو في المكان :
- هذه أنا سلمى يا فاطمة، بحثت عنكِ واخبروني أنكِ هنا جميلتي، هل أنتِ بخير ؟؟
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها تحاول أن تدرك هوية تلك السلمى، فقط كانت ثواني أخذتها ليضربها الإدراك سريعًا، ذكرى قريبة صغيرة ضربت عقلها لفتاة جميلة تضع لها زهرة في حجابها وتطرب سمعها بكلمات لطيفة، ومن ثم رفيقة لها داخل المشفى تعتني بها، ذكريات سريعة مرت على عقل فاطمة والتي فتحت الباب بسرعة مبتسمة تردد بسعادة :
- سلمى ؟؟
اتسعت بسمة سلمى وهي تفتح ذراعيها تردد بحب وحنان :
- حبيبتي الغالية اشتقت لكِ .
ألقت فاطمة نفسها بسرعة بين أحضان سلمى التي ضمتها بقوة وهي تربت عليها بحنان شديد تشكر ربها أنها بخير :
_ الحمدلله أنكِ بخير خفت أن أعود فاجدك تعانين من شيء .
ابتعدت عنها فاطمة وهي تنظر لها بحب شديد وقد كانت سلمى في هذه اللحظة تمثل الجزء الصغير الحنون في حياة فاطمة، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى شهقت بصوت منخفض تراقب وجه سلمى المدمر :
- ماذا هذا ؟! من الذي فعل هذا بكِ ؟؟
رفعت سلمى يدها تتحسس وجهها تتنهد بصوت منخفض متعب :
- مجرد حادثة صغيرة عزيزتي لا تهتمي، سعيدة أنكِ بخير عزيزتي، إذن هل تريدين المجئ ومشاركتي والفتيات جلستنا ؟!
نظرت لها فاطمة بعدم فهم لتجذب سلمى يدها بهدوء شديد صوب جناحها وهي تردد بلطف :
_ تعالي سأعرفك بالجميع، أعتقد أنكِ ستحبين كهرمان كثيرًا، فهي في غاية اللطف مثلك تمامًا .
_ أنا لطيفة ؟؟
_ بل أنتِ اللطف فاطمة .
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وقد سارت خلف سلمى دون نقاش أو اعتراض، بينما سلمى تحمد ربها أنها الآن بخير حال، وقد أصابها الرعب حينما تذكرتها وتذكرت الفترة التي تركتها بها خوفًا أن تكون حالتها قد تدهورت، ولم تدري ما يخفي سكون فاطمة الآن.
وصلت بفاطمة صوب غرفتها وبمجرد أن دخلتها حتى رفعت يدها تعرفها على الجميع :
_ انظري فاطمة هذه هي صديقتي كهرمان .
كانت تتحدث متجاهلة زمرد تجاهل تام وكأنها ليست موجودة، لكن الغريب أن ردًا لم يصدر من جهة زمرد أو حتى كهرمان التي كانت تقف جوار زمرد في شرفة سلمى ينظرن صوب مشهد أمامهن متسعتان الأعين بصدمة كبيرة مما يحدث أمامهما .
لم تفهم سلمى ما يحدث تنادي كهرمان، لكن فجأة توقفت كلمتها على باب شفتيها حين سمعت صوت سيوف عنيف يصدر من الاسفل، وكأن هناك حرب نشبت في الاسفل .
تحركت بسرعة صوب النافذة تكاد تقسم أن أحد أطراف تلك المعركة التي تدور في الاسفل هو زوجها بغض النظر عمن يحارب، فأرسلان لن يتخلى عن كونه طرفًا ثابتًا في جميع المعارك .
تحركت خلفها فاطمة والتي كانت تسير معها دون فهم لتتوسط النساء الأربعة الشرفة الكبيرة يراقبن ما يحدث، بينما سلمى تفتح عيونها بصدمة مما يفعل أرسلان، تتحدث بصوت منخفض :
_ هل هذا زوجك في الاسفل كهرمان والذي يكاد أرسلان يقطعه لجزيئات صغيرة ؟؟
_ للأسف الشديد نعم، هذا زوجي والآخر أخي...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحرك سيفه بقوة في الهواء وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث كان جسده يندفع بقوة صوب إيفان يعطيه ضربة أدت لتراجع الأخير للخلف بقوة وهو يضغط على شفتيه يرفع عيونه صوب أرسلان الذي رفع يده بسرعة يلملم خصلاته السوداء في ربطة صغيرة في الخلف، ثم ابتسم بسمة واسعة مخيفة :
- دورك إيف ...
ابتسم له إيفان بسمة صغيرة وقبل أن يتخذ أرسلان ردة فعل ثانية كان سيف إيفان يكاد يقسمه نصفين لولا أنه انحنى بسرعة كبيرة يراقب السيف يمر من أعلاه، يرفع حاجبه لإيفان :
_ حقًا ؟؟
_ نعم، حقًا .
وفي الاعلى كانت سلمى تتمسك بالشرفة برعب شديد وهي تكاد تقفز منها تشهق شهقات متتالية مرتعبة، كلما وجه إيفان ضربة صوب أرسلان، تضع يديها على فمها بخوف شديد :
_ يا لطيف زوجك يكاد يقتله كهرمان، هذا ليس تدريبًا، بل حرب .
استدار لها الجميع يصدمة كبيرة وقد تشنجت الملامح بعدم فهم لكلمات سلمى والتي لم تنتبه حتى لنظرات الفتيات اللواتي ينظرن لها بصدمة كبيرة، بينما فاطمة ولشدة الخوف الواضح على ملامح سلمى على زوجها، ظنت أن زوجها هو إيفان إذ كان إيفان هو الشخص الذي يدافع فقط وارسلان هو من يكاد يقطع رأسه لشدة ضرباته :
_ هذا مخيف، كيف يسمح لذلك الرجل أن يتعامل معه بهذه الطريقة أوليس زوجك هو نفسه ملك مشكى ؟؟ لماذا يسمع لذلك الرجل اللئم بتوجيه كل تلك الضربات له دون أن يتكلم ؟! أين المعتصم ليساعد الملك ؟!
صمتت ثم نظرت لسلمى التي كانت تراقب بصدمة متسعة الأعين :
_ هل أذهب وأخبر الحراس أن ذلك المتجبر الذي يعقد خصلاته للخلف يحاول قتل زوجك ؟!
استدار الجميع صوب فاطمة التي كانت تدافع في هذه اللحظة عن الطرف المظلوم في هذه الحرب _ من وجهة نظرها_ والذي كان هو نفسه إيفان.
ابتسمت زمرد بسخرية وهي تربت على فاطمة :
- عزيزتي زوجها هو نفسه المتجبر الذي يعقد خصلاته للخلف، الملك إيفان هو من يحتاج للمساعدة في هذه اللحظة، أين هو القائد سالار على أية حال ليتدخل قبل أن يقتل أحدهما الآخر ؟!
وعند سالار في هذه اللحظة كان يجلس أسفل شجرة بالقرب من ساحة التدريب يستظل بفروعها، وهو يحمل قطعة قماش ينظف بها سيفه بهدوء شديد دون أن يهم بالدماء التي تكاد تتناثر بعد ثواني، ولم يعطي اهتمامًا لأصوات السيوف التي تعلو جواره، وهو ينظف سيفه باهتمام شديد يتحدث للملك آزار الذي كان يناقشه في بعض الأمور الخاصة بالبلاد .
تحدث آزار بهدوء شديد وهو يتناول بعض الفاكهة بهدوء شديد :
- إذن هذا رأيك، زراعة القطن افضل من القمح في هذه الآونة ؟!
هز له سالار رأسه يحمل ما يفعل باهتمام :
- نعم هذا رأيي الشخصي وفي النهاية الرأي الأخير لك مولاي وللمختصين في هذه الأمور .
_ أنت تدرك أنني أثق بك أكثر من نفسي سالار .
ابتسم له سالار بحب، ورفع عيونه صوب القتال الذي كان يلعب به أرسلان دور المهاجم، بينما إيفان وبكل هدوءه يدافع فقط ويمنح أرسلان كامل الوقت ليخرج كل ما يعتمر صدره من غضب، إذ كان أكثر الناس معرفة به وبأنه يحترق في هذه اللحظة وبأن صبره على انتقامه، ما هو إلا مقدمات لجحيم سيجعلهم يتمنون لو أنه انتقم منهم بوقتها.
أما عن أرسلان فقد كانت اعينه مشتعلة بالغضب لا يبصر أمامه سوى خطته التي ستعيد حق زوجته، وقد شعر بالكسر داخله لم يبرأ بعد، ما تزال الكلمات التي كتبها في خطابه ترن داخل أذنه، رغم أن سلمى قصت عليه كل شيء إلا أن نيران رجولته تأبى الانطفاء قبل إحراق الجميع بلهيبها .
بدأ العرق يتصبب من الإثنين بعد وقت طويل في القتال دون توقف أو استسلام أحدهم، وقد شعر إيفان أن أرسلان لن يتوقف عن القتال إن لم يوقفه هو، لذا رفع سيفه بحركة سريعة يضرب سيف أرسلان مستغلًا حالة الغضب التي اعمته، يسقط سيفه ارضًا، ثم أسقط سيفه بجواره يردد بهدوء :
- يكفي قتالًا لليوم فأنا لا أود قضاء المتبقي من حياتي اقاتلك .
نظر له أرسلان ثواني وقد بدا أنه يحارب نفسه في هذه اللحظة، ينظر لسيفه دون كلمة واحدة، قبل أن يهز رأسه بشكل غريب ويتحرك بعيدًا عن الساحة تاركًا إيفان يراقبه بعدم فهم وسالار ينظر له بعين ضيقة، أما عن آزار فقد ردد بجدية شديدة :
- دعوه يتخبط قليلًا، فهو لن يهدأ الآن بأي شكل من الأشكال حتى وإن أدعى عكس ذلك ..
أبصر الجميع من الاعلى ما حدث لتشعر كهرمان بالوجع على أخيها، تدرك أن مايمر به في هذه اللحظة سببه الاول والأخير هو المرأة التي تقف جوارها تراقبه بحزن، والتي هي علاجه كذلك، لذا استدارت صوب الجميع تبتسم لهم بهدوء :
_ يبدو أن أخي سيأتي للراحة قليلًا، دعونا نخرج لتركه يرتاح .
ومن بعد هذه الكلمات أمسكت يد فاطمة والتي كانت لا تفهم شيء مما يحدث، تجذبها معها بلطف وكذلك زمرد تاركة سلمى ما تزال تثقف بالشرفة لا تعي ما يحدث سوى ما أبصرت من أرسلان في الاسفل .
ولم تعي إلا على صوت غلق الباب، نظرت صوب باب الجناح وهي تنظر له بتعجب تحاول إدراك ما حدث، ولم تكد تتحرك لتبحث عن الفتيات، حتى أبصرت أرسلان يدخل المكان بهيئة مدمرة وكأنه خرج من معركة حقيقة وليس مجرد تدريب، ولم تستوعب أنه بالفعل خرج لتوه من معركة مع ذاته قبل أن تكون مع إيفان.
نظر لها ثواني وهو يتنفس بصوت مرتفع، يغلق الباب بهدوء، ثم تقدم منها بتردد تحت عيونها وقد كانت لا تفهم شيئًا مما يحدث، اقترب منها أكثر حتى توقف أمامها يرفع كفه يتحسس جروحها التي كانت تملئ وجهها وكأنه بذلك يحافظ على شعلة غضبة موقدة .
يتحسسها بلطف يهمس لها بصوت منخفض :
_ تؤلمك ؟؟
شعرت بكل الوجع الذي يدور داخله في هذه اللحظة وقد أبصرت كل ذلك واضحًا داخل عيونه، لتشفق عليه هذا الحمل، تميل على كفه تجيبه بحنان :
_ لا أرسلان، لا تؤلمني .
ابتسم لها بسمة موجوعة وقد أبصرت ألمًا عميقًا داخل عيونه وهو يهمس بنبرة مذبوحة مكسورة :
- لكنه يؤلمني أنا سلمى .
تأوهت سلمى من كلماته، تبتلع ريقها تحاول الحديث بكلمة تخفف عن مقدار العذاب الذي تبصره في عيونه، وهو فقط يراقبها بعجز يريد أن يريح صدره أنهم لم يؤذوها للدرجة التي تقتله حيًا، لم يتمادوا لهذه الدرجة، يشفق أن يثقل عليها بهكذا سؤال لن يقبل أن يُوجه لزوجته ولو كان منه .
أما عنها كانت تبصر مقدار العذاب الذي يلتمع في عيونه لا تقدر على التحدث بكلمة، ولا تدرك ما يوجعه بهذا الشكل، غير مدركة أن أرسلان في هذه اللحظة كان في أشد حالاته انكسارًا ليهمس لها برجاء :
_ عانقيني سليمى ....
وكان له ما أراد إذ جذبته سلمى بلهفة وحنان شديد تضمه بقوة لها، وكأنها أم تستقبل ولدها بعد يوم دراسي شاق، تضم رأسه لها بحب شديد، بينما هو أخفض نصف جسده لها يضمها له يحاول التنفس بشكل طبيعي، وقد عجز عن نطق السؤال الذي يؤرقه مكتفيًا بهمسة متوعدة :
_ قسمًا برافع السموات سأذيقهم ضعف ما أذاقوكِ ولن اكتفي بالموت لهم سبيلًا للراحة سليمى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات:
كان يراقب الجيوش تستعد لخطوته التالية، البسمة تشق وجهه، خطوته الاولى ورغم بساطتها يدري يقينًا أنها كانت مدوية وبقوة لأرسلان، انتصار بسيط وخطوة كبيرة صوب انتصار فشل به من سبقه .
لكن الآن ومع رجاله الأشداء وعقله الحربي والذي يدرك يقينًا كيف يفكر هؤلاء الملوك كان النصر بين قبضته، يحتاج فقط لأن يغلق أصابعه ويزيد من الضغط كي يحكم عليه ويضمنه بشكل كامل .
ومن بين أفكار أصلان المتلاطمة، سمع صوتًا خلفه لأحد الرجال يردد بنبرة قوية متعجبة ومصدومة :
- سيدي أبصر الرجال على حدود الغابة بعض الرجال يتحركون صوب الجحر ويبدو أنهم من مشكى .
استدار أصلان بتعجب صوب المتحدث ينظر له مطولًا وكأنه يسأله توضيحًا أكثر عما قال، لكن من أين له ذلك التوضيع وهو لا يدرك حتى ما يحدث وكيف وصل هؤلاء الأشخاص لهذه المسافة من الجحر .
تحرك أصلان مع الرجل بعيدًا عن الجيش الخاص به، يردد بعدم فهم وهو يتأكد من وضعية سيفه :
- رجال من مشكى يتحركون صوب المكان هنا ؟؟ وكيف بالتحديد علموا المكان؟! هل هم بضعة رجال أم جيش كامل ؟؟
سار خلفه الرجل خلفه بخطوات مسرعة وهو يتحدث بنبرة ثابتة رغم اهتزاز صدره من القلق فما يحدث يبدو كمكيدة واضحة :
_ أربعة رجال تحديدًا، وهذا ما يجعلني أشعر بوجود ريب ما، ولا أعلم كيف وصلوا لنا، وحسب آخر ما وصل لي فلا بد أنهم الآن على حدود الجحر، هل نتخلص منهم .
ضاقت عيون أصلان وقد ارتسمت بسمة غريبة لا تلائم الموقف بأي شكل من الأشكال على الموقف يتحدث بصوت غريب :
_ كما هو متوقع من أرسلان، لن ينتظر كثيرًا حتى يعود لي بردٍ، لا تفعل لهم شيئًا دعهم يمرون لننظر بما جاءوا .
تعجب الرجل من ردة فعله، لكن ما يدور بعقل أصلان صعب الوصول له، وما هي إلا ثواني وقد حشد الكثير من رجاله على بداية الجحر ينتظر وصول رجال أرسلان الذين اقتربوا بالفعل منه بثياب سوداء وكأنهم يقيمون حداد، وفي الحقيقة كان اللون الاسود هو الزي الرسمي لجيش مشكى واللون الأكثر شهرة في المملكة ومن هنا اكتسبت مشكى اسمها مشكى ( الاسود )، لتميز شعبها باللون الاسود في الملابس والأعلام.
اقترب الجيش الصغير والذي كان مكونًا من أربعة رجال فقط يقودهم المعتصم وهو يسير بينهم بملامح جامدة وعيون حادة يوجه النظرات صوب أصلان بشكل جعل الأخير يتحفز، وجعل رجاله يتململون في وقفتهم وقد بدأت أيديهم تتحرك صوب السيوف لولا يد أصلان الذي أشار لهم بالتوقف يراقب المعتصم حتى توقف أمامه يراقبه بهدوء شديد وبسمة صغيرة بدأت ترتسم على وجهه، يحرك عيونه باستهانة على أصلان ومن معه .
أما عن أصلان فكبت فضوله الشديد الذي كان يلح عليه لسؤاله عن كيفية معرفة الجحر .
لم يهتم المعتصم بما يدور في عيون المعتصم بل هبط عن حصانه بهدوء وقوة يتحرك صوب أصلان رافضًا التحدث معه وهو يجلس على حصانه، يقف أمامه وجهًا لوجه يرفض أن يحتمي بحصانه حتى .
كان المعتصم يضاهي أصلان طولًا، ليبتسم له الأخير رافعًا حاجبه وهو يحرك عيونه على المعتصم باستهانة :
_ المعتصم صحيح ؟! أنت قائد جيوش مشكى على حسب ما اتذكر صحيح يا صغير ؟؟
أما عن المعتصم فقط ابتسم بسمة صغيرة وهو يمد يده يخرج الخطاب الخاص الذي جاء به من مشكى يفتحه دون اهتمام بكلمات أصلان وهو يردد بصوت منخفض وصل للجميع :
_ دعك من أساليب الصغار هذه وتعامل كما الرجال و.... أوه آسف نسيت مهيتك واختلط الأمر عليّ، على كلٍ جئتك برسالة من ملك مشكى أوصلها وارحل .
ختم كلمتها يفتح الرسالة أمام أعين أصلان الذي أخفى كافة انفعالاته يظهر لا مبالاة يُحسد عليها وكأن المعتصم لا شيء أمامه، يضم يديه لصدره مبتسمًا بسمة مستصغره يشير له بعيونه أن يتحدث بما جاء لأجله، أما عن المعتصم، فلم يهتم بما يصدر منه وكأنه لا شيء وقد بدأ يقرأ الرسالة بكل هدوء ولأول مرة يطلع على ما بها وقد بدا أن أرسلان قد خطّ كل كلمة بها بغضب ساحق يظهر على احرفه:
" إلى أصلان؛ وريث الخنازير وولي عهد مدعيي الرجولة، تفردك بقيادة الخنازير ليس انتصارًا تتفاخر به، بل خزي تدفن به نفسك، تهدد وتسخر مني وأنت تعلم وأنا أعلم واسلافك جميعهم يعلمون من أكون، إن فاتتك رؤيتي في ساحات الحرب لأنشغالك بحصد محاصيل سبز سابقًا، فلا بأس امنحك الفرصة لتفعل، لكن هذه المرة كخصم وليس حليف، اجمع من استطعت من بقايا ذكورك وواجهني رجلًا لإنسان عديم الهوية في ساحات الحرب وتوقف عن الاختباء خلف النساء، وعلى ذكر النساء فلا تعتقد أن كلماتك الغبية التي ذكرتها في خطابك الأخير لي تعني شيء فأنا أكاد اقسم بالله الواحد الأحد، أن آثار ضربات زوجتي العزيزة ما تزال مطبوعة على وجه اتباعك ...
توقف المعتصم عن قراءة الرسالة وهو يرفع عيونه يمررها على رجال أصلان والذين كان بعضهم يحمل علامات ضرب واضحة على وجهه، ليبتسم بسمة واسعة تحولت لضحكة خافتة يكمل قراءته :
" ولأجل ذلك، أرسلت لكم بعض الأعشاب سريعة المفعول، ليس لرحمتي بكم معاذ الله أن تأخذني بكم رحمة أو شفقة، بل لأنني لا أقبل أن ينال ذكورك شرف الاحتفاظ بذكرى من زوجتي ولو كانت تلك الذكرى ضربات، لذا إليك بعض الأعشاب مع تمنياتي بزوال آثار ضربات زوجتي قبل أن أعيد أنا رسمها على وجوهكم، وهذه المرة سأتكأد بنفسي ألا تزول إلا بتحلل أجسادكم"
ختم المعتصم كلماته وهو يخلع حقيبته يخرج منها حقيبة اصغر مليئة بالاعشاب، يلقيها على أصلان الذي تلقاها بجمود يغمض عيونه بغضب تاركًا الحقيبة تتدحرج ارضًا أسفل أقدامه، وقد استطاعت كلمات أرسلان أن تشعل غضبًا فشلت به كلمات المعتصم منذ دقائق .
أكمل المعتصم وهو ينظر له بطرف عيونه وهناك بسمة واسعة قد بدأت تخط على فمه :
" كان يمكنني إرسال رسالة بنفس طريقتك الغبية التي فعلتها سابقًا، لكنني لست جبانًا ألقى ما أريد بسهمٍ، رغم أنني أستطيع أن اثقب اجسادك ورجالك في هذه اللحظة وقد احطت الجحر بأكمله بجيشٍ من رماة السهام، فلا تفكرن حتى في إخراج سيفك، كما أنني كان يمكنني أن آتيك بجيوشٍ لا قبل لك بمواجهتهم وابيد شعبك عن بكرة أبيه، لكنني لا أقبل لكم ميتة هينة، وخاصة أنت لي معك قصاص وعهدٍ أخبرتك به زوجتي ووالله لن اخلفه ولو كان آخر ما أفعل، وتذكر جيدًا ما فعلته بزوجتي، كل تفصيلة صغيرة، ستحتاجها لتعلم ما ينتظرك، وأخيرًا لديك اسبوع تحدد به أين الملتقى ومتى، وإلا باغتك وشعبك بغارة تحيل المنازل رمادًا أعلى رؤوسكم كما سبق وفعلتم بأهل مشكى، واعتبر هذه الزيارة الصغيرة مجرد إشارة مني لما يمكنني فعله، ولا تحاول الهروب، فوالله لو هربت مع شعبك لأقاصي الأرض لوجدتك وأريتك من جحيمي ما لا يحتمله عقلك "
مع كامل حبي وشوقي لرؤيتك :
الملك أرسلان.
وفي نفس اللحظة التي كان المعتصم يتلو عليهم خطاب أرسلان، كانت خطة أرسلان التي وضعها تُنفذ بحذافيرها وبكل هدوء بعيدًا عن أعين أصلان أو رجاله، خطة يقودها دانيار ومن تبقى معه من الرجال.........
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل أنت بخير ؟!
استدار أرسلان صوب سلمى يبتسم لها بسمة صغيرة، يهز رأسه بهدوء شديد بينما الأخيرة اقتربت منه بتردد :
_ أرسلان.
ابتسم وهو يراقب السماء من شرفته باندماج كبير :
_ تدللي ...
اتسعت بسمتها وقد خففت كلمته تلك من قلقها وهي تقترب منه تقف جوارها تحاول أن تجد مدخلًا لما تريد، ويبدو أن لحظات الشجاعة غادرتها حينما رأت نظراته تلك لها وقد خشت أن تفسد تلك اللحظة بينهما، لكنها في النهاية تحدثت :
_ هناك ما تريد التحدث عنه وتأبى ذلك، هل حدث شيء ؟؟
اطال لها أرسلان النظر وقد شعر أنه شفاف أمامها يراقب نظراتها وقد علم تمامًا ما تقصده، لكنه رغم ذلك رفض التصريح بما يدور بخلده، بل فقط تحدث بغموض واعين تلمع بنظرات غريبة وبسمة مرعبة ارتسمت على وجهه جعلتها تشعر بالرغبة :
_ وعدتك وعدًا سليمى، آن أوان تحقيقه حلوتي .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفى بوعده وتبقى الوعيد .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
التاسع والعشرون | بداية حرب |
قبل القراءة تفاعلوا مع الفصل رجاءً.
بعتذر عن التأخير....
صلوا على نبي الرحمة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات خطاب أرسلان ما تزال تدوي وبقوة على مسامع الجميع بصوت المعتصم، وخطته كانت تأخذ حيذ التنفيذ في اللحظة ذاتها .
إذ تحرك دانيار وهو يحمل أعلى ظهره حاملة السهام مع بعض رجال أرسلان يتحرك في الخفاء في نفس الطرقات التي وصفتها لهم نازين، يتذكر كلماتها بدقة ويتبع تعليماتها، يشير للرجال بالهدوء أثناء التحرك وقد استغل انشغال الجميع بمجئ رسول من مملكة مشكلة وصدمتهم من معرفة أرسلان مكان جحرهم ..
وصل صوب النقطة التي أخبرته عنها نازين ونظر لذلك العملاق الذي يحرس هذا الجزء من الحدود الخاصة بالحجر، وتقدم منه بهدوء شديد، ولم يكد يصدر من ذلك العملاق ردة فعل حتى وجد سهمًا يخترق صدره مرديًا إياه قتيلًا، ومن ثم عبر دانيار مع الرجال جثته وركضوا بخطوات شبه محسوسة صوب المنزل الذي وصفته لهم نازين وصوتها يتردد في رأسه والقهر يملئ نبرتها :
" إن لم يتغير شيء منذ تركتهم فكل مساء تتجمع النساء في المنزل المخصص لهن في جنوب الجحر، لذا يفضل الذهاب مساءً كي تضمن وجود الجميع في مكان واحد هذا إن لم يكن هؤلاء الانجاس يقيمون حفلة على شرفهن"
تحرك دانيار بسرعة وهو يصارع الوقت وقد بدأت ضربات قلبه تعلو بقوة، ليس خوفًا والعياذ بالله فقد قابل ما هو اسوء، لكن رعبًا مما قد يرى خلف الأبواب المغلقة، يخشى رؤية مشهد سيؤرق مضجعه لأيام.
وأثناء طريقه أبصر بعض الرجال فاختبئ بسرعة خلف أحد المنازل وهو يشير بالصمت لرجاله، ومن ثم بعد ثواني أكملوا طريقهم بخطوات أسرع للمنزل الخاص بالنساء وكل ما يدور برأس دانيار أنه لن يخرج اليوم من هذا المستنقع إلا ومعه جميع النساء هنا، ليس لأن أرسلان أمره بذلك فقط، بل لأن رجولته تأبى ترك امرأة مسلمة لحظة أخرى بين هؤلاء البشر، يشعر بالرعب أن يُسئلوا عن تركهن كل هذه الأيام دون مساعدة، وهم حتى لم يدركوا بوجودهن.
وصل وأخيرًا صوب المنزل، وكاد وفي وهلة اندفاعه أن يقتحمه ويجتذبهن معه للخارج، لولا بقايا تعقله التي جعلته ينظر حوله بتردد يشير لأحد الرجال بالمراقبة، ومن ثم هرع يطرق الباب طرقات متزامنة مع طرقات قلبه داخل الصدر .
دقائق مرت ليُفتح الباب وأخيرًا فاتحًا معه جحيم على دانيار وهو يبصر عدد كبير من النساء وأطفال وغيرهم، ليخفض وجهه بسرعة وقد بدأ الغضب يرسم خطوط واضحة على ملامحه ويده ترتجف بقوة، يحاول التحدث بأي كلمة قد تكون المنقذ له أمام عين امرأة اكلها التعجب وكادت الصدمة مما ترى ترديها قتيلة .
طرقات على الباب دون اقتحام؟؟ رجل يخفض وجهه حينما ابصرها ؟؟ أبحلم كانت، أم أن الله صب غضبه على الجحر فأرتقت أرواح الجميع وعفى عنها برحمته وذهبت للجنة ؟؟
خرجت الفتاة من أفكارها المتشعبة حول هوية ذلك ...الرجل، وكم كانت كلمة رجل غريبة لتخطر على رأسها بعد كل هذه الأشهر من رؤيتها للذكور فقط .
خرجت من كل أفكارها على صوت دانيار الذي تحدث بهدوء رغم ارتجاف نبرته من الغضب :
_ كم دقيقة تحتاجون لتتجهزن للرحيل ؟؟
نظرت له المرأة بعدم فهم ليرفع نظره لها في نظرة واحدة وقد ارتسم الغضب والشر واضحًا على عيونه يبتسم بسمة غريبة على نظرات تلك المرأة:
_ وفت جلالة الملكة بوعدها وارسلنا ملك مشكى لإخراجكن من هنا، فتجهزوا .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
اشتعلت الأعين المراقبة للمعتصم والذي كان يقرأ ما بين يديه بهدوء شديد وبسمة وكأن ما يحدث في المكان لا يعنيه، هو جاء فقط ليرسل رسالة الملك ويشتت الإنتباه، ويبدو أنه نجح نجاحًا ساحقًا في الاثنين إذ أبصر انتفاض أجساد البعض وصراخ الآخر بصوت جهوري وهو يتقدم صوبه :
_ هل جننت أنت وملكك هذا يا صغير أوتعلم مع من تتحدث الآن؟ نحن لسنا مجموعة من هؤلاء الجبناء الذين كانوا يصمتون على مثل تلك الأفعال الحمقاء الصادرة منكم .
صمت وهو يقف أمام المعتصم الذي لم يهتم بشيء بل نظر للرجل بسخرية شديد وهو يخفض رأسه في إهانة لفرق الأجساد بينهم، إذ كان المعتصم يفوقه طولًا وجسدًا بعض الشيء .
بينما الرجل التقط استهانته تلك وتحدث بصوت محذر :
_ ما الذي يضمن لك خروجك سليمًا من هذا المكان بعد ما قلته ؟!
ابتسم له المعتصم بسمة ثابته كانت أشبه بمسمار يدق في نعش صبر الرجل أمامه، يهتف بكل هدوء وسلام نفسي يملكه في هذه اللحظة بعدما سكب في وجوههم كلمات ملكه والتي بردت من جزء من نيرانه خاصة حينما أبصر اهتزاز أصلان بغضب يوشك على الانفجار فيمن يحطيه .
_ سأفعل .
كان يشير في كلمته لخروجه سالمًا من المكان، لكن الرجل كان قد وصل لأقصى مراحل جنونه وهو يستل سيفه من غمده يرفعه في وجه المعتصم الذي لم تهتز به شعرة واحدة يراقب ما يحدث بهدوء شديد وبسمة في غاية الاستفزاز ينتظر أن ينتهي العرض أمامه ليصفق ويلقي بعض المكسرات للقردة أمامه .
وهذه النظرة التي كانت تشي بكل الأفكار التي تدور داخل عقله جعلت آخر ذرات التعقل والصبر تتبخر داخل رأس الرجل ليرفع سيفه بقوة قاصدًا ضربة تردي المعتصم ارضًا، لكن وقبل أن يفعل....
حدث كل شيء بسرعة، انخفضت يد الرجل الممسكة بالسيف وانخفض جسده وتهاوى ارضًا تحت أعين الجميع المنصدمين بما حدث ولا أحد يستوعب سرعة الأحداث فمنذ ثانية فقط كان سيف الرجل على وشك فصل رأس المعتصم عن جسده، ليسقط هو ارضًا فاقدًا للحياة، ولولا خنجر المعتصم الذي غرزه في معدة الرجل بخفة، لظن الجميع أن سبب موته هو أنه نظر بعمق في عيون المعتصم وقد سحره الأخير .
اتسعت بسمة المعتصم الجانبية وهو يرفع يديه يحرك رأسه:
- كانت هذه ميزة كبيرة امتلكتها منذ طفولتي، خفة اليد ...
ختم كلماته وهو يحرك يديه أمام الجميع يستعرض قدراته كأي ساحر فذ انتهى لتوه من تنفيذ فقرته التي سلبت العقول وخدعت الأعين، وتبع حديثه بغمزة وهو يخرج خنجر اخر يحتفظ به في جيوب غير ظاهرة وقد بدت تلك خدعة أخرى يخرج بها خناجر من كل مكان وأي مكان .
_ من يريد التجربة أيضًا ؟؟
لم يُحرك أحدهم ساكنًا، واعين أصلان كانت جامدة بشكل مخيف ووجه فارغ من أي تعابير قد تخبر من حوله بما يفكر أو بما يشعر، فقط صمت ووجه صخري يواجه به ما يحدث وهو يحدق في وجهه المعتصم الذي ابتسم له باستفزاز وسماجة وهو يحرك رأسه بقلة حيلة واستهزاء :
_ ليس أنت يا أصلان للأسف الشديد جعلني الملك أقسم ألا امسّك بسوء، فهو يحتفظ بجثتك لنفسه .
صمت ثم أدار رأسه للجميع يتحدث بجدية وبسمة مودعة :
_ إذن هناك شيء آخر تريدونه مني ؟؟
ولم يتحدث أحدهم بكلمة وقد اكفهرت ملامحهم ولولا نظرات أصلان التحذيرية لهم، لهجموا جميعهم على المعتصم فهو بالنهاية ليس ساحرًا حقيقيًا ليهزم الجميع هنا، لكن تهديدات أرسلان بوجود جيش على حدودهم كان يعيق كل أفكارهم في قتله وإرساله قطع لأرسلان .
حرك المعتصم يديه في الهواء بحركة مودعة كما لو كان قد انتهى للتو بعرض، وكاد يعطيهم ظهره ليرحل، لولا أنه توقف فجأة يستدير صوب أصلان يبتسم له :
_ أوه كدت أنسى رسالة أخيرة .
تقدم من أصلان وقد أبصر تحفز الجميع، لكنه لم يهتم وهو يفتح كفه يضع بها رسالة أرسلان مبتسمًا بسماجة شديدة :
_ جلالة الملك ينصحك بقراءتها يوميًا قبل النوم وبعد الاستيقاظ، يخبرك أن كلماته كالبلسم قد تشفيك من قذارتك يا وسخ، هذه ليست كلماتي بل كلمات الملك أوصاني بقولها كما هي دون تحسين أو تخفيف .
ختم كلماته ثم لوح بكفه في الهواء وهو يعطيهم ظهره بكل هدوء ويرحل كما جاء تاركًا الجميع يرمق أثره بمشاعر كثيرة اختلط بها الغضب والضيق والتوعد، وقد بدا في أعينهم أنهم في هذه اللحظة على وشك تقطيع جسد المعتصم وتناوله حيًا، وقد نجح المعتصم ومن قبله أرسلان في حرب النفوس هذه المرة .
راقبه أصلان يبتعد وهو يبتسم بسمة لا معنى لها يضغط على الرسالة بقوة وقد شحن ما حدث صدره بشر أكثر سوادًا مما كان يهتف بصوت مرتفع :
_ أوصل سلامي لمولاك يا المعتصم .
اشاح المعتصم بيده دون اهتمام وهو يردد دون أن يستدير له :
_ لا أحمل القاذورات يا عزيزي.
اتسعت بسمة أصلان أكثر وأكثر حتى بدأت ضحكاته ترن في أعقاب المعتصم والذي لم يهتم حتى بالاستدارة وتحرك بخطوات سريعة صوب حصانه يمتطيه وهو يضع حقيبته على ظهره مرة أخرى .
يخرج من غمده سهمًا وهو يشير بيده صوب أحد الرجال معه يستلم منه شعلة يحملونها معهم لتنير الطريق، يشعل السهم الذي كان قد سبق وغطسه في مادة قابلة للأشتعال، ومن ثم رفع السهم مشتعلًا في الهواء وهو يصوبه دون أن تهتز له شعرة واحدة فقط صوب منزل قشي في مرمى البصر يدرك أنه سيكون هدفًا جيدًا لبداية الحريق الذي سيطفأ نيران صدره .
وفي ثواني كانت أصابعه تتخلى عن أحضان سهمه الذي انطلق بسرعة مرعبة صوب البيوت يشعل بها حريقًا يدرك أنه سيأخذ منهم وقتًا حتى يتداركوه، يراقب فزعهم وقد بدأت النيران تتحرك بشكل سريع بين البيوت مستغلة كل ما يساعدها على الاشتعال أكثر، وقد رسم الفزع خطوطه على وجوههم وهم يراقبون بيوتهم تشتعل ليهرع بعضهم ليطفئ ما حدث، أما عن المعتصم فقط ابتسم لهم بسوداوية :
- ذوقوا ما اذقتموه لها يا قذرين، وللحكاية بقية....
كل ذلك وعضلة واحدة لم تتحرك من وجه أصلان وهو يراقب رحيل المعتصم من المكان وأصوات صرخات رجالة والحريق يشتعلون من حوله وهو فقط يراقب كل ذلك مبتسمًا دون أن يهتم بشيء، لا شيء سوى جحيم لن يتخلى عن اشعاله في الجميع ولو عني ذلك موته بعدها فسيموت سعيدًا بالأمر .
أما عن المعتصم تحرك مع الرجال وهو يزيد من سرعة حصانه صوب نقطة الالتقاء التي اتفق بها مع دانيار وهو يدعو الله أن يكون قد انتهى كل شيء وقد تلقى رسالته والتي تمثلت في صوت اصطدام قوي في المكان لم يهتموا هم له ظنًا أنه صوت عادي من الباقيين في الجحر، لكن كان بمثابة إشارة للمعتصم .
وصل المعتصم صوب النقطة الخاصة به وبدانيار ليتنفس الصعداء وهو يبصره يقف هناك ومعه الكثير والكثير من النساء، عدد جعل قلبه يهوى بصدمة مما يمكن أن يكون كل هؤلاء النساء قد تعرضن له خلال هذه الأشهر، ابتلع ريقه وهو يراقب ملامح دانيار الذي هز رأسه وهو يدرك ما يدور داخل صدر المعتصم في هذه اللحظة، وقد كان هو نفسه ما يدور في نفسه حينما أبصرهم .
تحدث دانيار بصوت هادئ :
- لن تكفي الأحصنة معنا، أرسلت أحد الرجال ليوافينا على الحدود بعربات لنقل النساء والاطفال .
هبط المعتصم عن حصانه وهو يشير لرجاله بالمثل، ومن ثم قال بهدوء شديد :
- لا بأس يمكننا تدبر الأمر حتى حدود مشكى، سنمشى وليصعد الصغار، والمرضى والكبار في العمر، وإن تبقت أماكن يتناوبن عليها خلال الطريق .
مسح دانيار وجهه وهو يشعر بالحيرة، لكن كان الحل الذي اقترحه المعتصم في هذه اللحظة هو اسلم الحلول، لذا هز رأسه يردد بهدوء :
_ إذن دعنا ننتهي من هذا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعرت بالدنيا تدور حولها وهي تبصر عيون والدها والذي فتحها على اتساع يراقب المكان حوله بتشوش، وفي ثواني وقبل حتى أن يعي الملك بارق بما يحدث حوله كان نزار يرفع غطاء الوجه يخفي به ملامحه بسرعة كبيرة يتحرك صوب الملك بارق تحت نظرات توبة التي صنمتها الصدمة، تنظر لوالدها الذي كان يحرك كفه يحاول أن ينهض دون أن يعي حتى ما يحدث، يتخبط دون القدرة على رؤية ما يحيط وكأن عيونه لم تدرك بعد أنها تبصر بعد كل هذه الأيام الطويلة من الظلام .
عضت شفتيها تمنع انفجارها في البكاء وهي تبصر حالة الضعف وقلة الحيلة التي تلبست والدها، وهو يحرك يده في الهواء يحاول التمسك بشيء حوله، هرولت صوبه بسرعة كبيرة تمسك بيده في نفس اللحظة الذي امسك بها نزار يده الثانية .
مالت توبة بسرعة تقبل يده ودموعها تملئ كفه وهي تردد بانهيار وشيك وصوت مرتجف :
_ أبي... أبي... أنا... أنا هنا يا أبي... أنا هنا حبيبي .
نظر لها نزار بحزن ووجع كبير لأجل انهيارها ذاك، لا يستطيع حتى التحدث بكلمة واحدة كي يساندها مخافة أن يتعرف الملك على صوته، أشار لها بعيونه أن تترك بارق كي يفحصه، لكن توبة في هذه اللحظة لم تكن تعي بشيء حولها سوى أن والدها يجلس الآن ويتحدث .
_ توبة ؟!
انهارت توبة مع كلماته وهي تلقي نفسها بين أحضانه تشهق بصوت مرتفع، تضمه لها بقوة :
- يا روح توبة أنت، مر وقت طويل لم أنعم بصوتك وأنت تناديني أبي.
مدّ بارق يده يعجز يحاول احتواء جسد ابنته بين ذراعيه، ليتحرك نزار بسرعه وهو يساعده ويوجه يده صوبها، فضمها بارق بحب شديد وهو لا يفهم ما حدث ورغم ذلك كان مستكينًا، بين أحضانه صغيرته يهمس باسمها وكأنه يعوضها شوق الأيام السابقة .
وتوبة نست نفسها بين أحضان والدها وانهارت في البكاء تشكو له بصمت ما عانته في غيابه، شهقاتها تحكي معاناة تهد رجال، وتمتماتها تصف وجع عجزت عنه الكلمات .
كل ذلك وبارق يشعر بالعجز عن رؤية وجهها لمسح دموعها، يحرك يده بعجز عليها :
_ ما بكِ حبيبتي من ذا الذي أبكى قرة عيني ؟!
بكت توبة أكثر بسبب كلماته والدها المدلله لها، تتحدث دون وعي بما يحدث حولها وبصوت متقطع تصف ما حدث معها ومع صغيرها الحبيب :
- لماذا تركتني لهم أبي، لا تتركني لهم مجددًا لا تتركني لهم مجددًا، لقد قتله قتله وقتلني وكاد يقتلك و....
وقبل أن تسترسل في لحظات رثاء نفسها قاطعها نزار بعيونه وهو يحذرها من المضي قدمًا فيما تفعل، بينما هي توقفت دون وعي وقد أدركت ما كانت تفعل في خضم لحظات انهيار غير محسوبة، ابتعدت عن بارق ببطء بينما الأخير كان يحدق في الفراغ بعدم فهم :
_ ما الذي حدث ومن ...من فعل هذا ...و أنا كيف لا ...لا أراكِ ؟؟ توبة أنا لا أرى شيئًا ما الذي حدث لي ؟!
انتفضت توبة عن مطرحها وقد استوعبت للتو ما يحدث تنظر بفزع صوب نزار الذي أشار لها بعيونه صوب والدها، لتبلتع ريقها وهي تحاول التماسك تهتف بصوت ما يزال يحمل أثر ارتجاف وبكاء :
_ سأخبرك كل شيء أبي فقط ...دعني اساعدك للراحة ريثما يفحصك الطبيب .
استدار بارق حول نفسه وهو يبحث عن ذلك الطبيب :
_ طبيب ؟؟ أي طبيب هذا ؟؟ لماذا لا اسمع صوتًا
_ إنه... إنه موجود هنا معنا لكنه ....ابــ...كم... أنه أبكم أبي.
رفع لها نزار حاجبه بضيق، بينما هي ابتلعت ريقها تبعد عيونها عنه وقد أدركت أن نزار ما قال سوى الحق حينما أخبرها أنها أكثر إنسانة فاشلة قد تخرج يومًا بحجة مقنعة .
قلب عيونه بضيق بينما هي نظرت له بشر وهي تساعد والدها ليتسطح، وهو تحرك لها كي يساعدها ليتمسك بارق بيده :
_ أخبرني ما الذي يحدث معي، لماذا لا أتذكر شيئًا، وما الذي يحدث معي هنا و...لماذا لا أرى ؟!
حرك نزار فمه بكلمات صامتة لها، لتهتف هي بتوتر :
- ماذا لا اسمعك .
ضرب نزار رأسه بضيق منها، معترفًا بنفسه أن غباء توبة في مثل هذه اللحظات يكون قاتلًا في بعض الأحيان.
بينما هي عضت لسانها تلعن توترها تحت نظراتها وتحت وطأة الموفق، بينما والدها استدار للجهة التي يصدر منها صوتها :
- تسمعين من ؟! أوليس ابكمًا أم أنكِ تحدثيني ؟! أنا لا افهم شيئًا .
نظرت صوب نزار الذي رماها بنظرة غاضبة وتقسم أنها سمعت في هذه اللحظة صوته يصدح داخل عقلها وهو يتحدث بسخرية حول كلماتها السخيفة في مثل هذه المواقف، لكن هل تنحني له وتعترف بهزيمة مؤقتة حتى ؟؟
في أحلامه ...
رفعت ذقنها بكل كبرياء ترميه بنظرة ثقة تخبره بها أن الريح لا تحرك من الجبال الرواسخ شيئًا، ليكتم نزار ضحكة كادت تفلت منه عليها .
أما عنها تجاهلته وهي تساعد والدها :
_ أتحدث لك أبي، والآن ساعدني ليفحصك الطبيب .
وبالفعل تحرك نزار صوب الملك بارق يفحصه بسرعة يتأكد أن كل شيء معه بخير تحت نظرات توبة المرتقبة وهي تحرك عيونها مع كل شيء يفعله نزار في هذه اللحظة، بينما الأخير فتح عيون الملك بارق يحرك يده أمامه، لكن لم تتحرك عيونه مع يده بشكل طبيعي .
استدار صوب توبة التي كانت ترتجف بخوف وأشار لها أن يتحدث معها بعيدًا عن والدها، لتبتلع ريقها وهي تتحرك صوب والدها تميل عليه لتقبل رأسه:
- أبي استرح سوف آمر الجميع بإحضار الطعام لك، واعود سريعًا لأكون جوارك .
نظر بارق صوب جهتها وهو يهز رأسه لا يفهم ما يحدث حوله لكنه سيعلم عاجلًا أو آجلًا، لذا تجاوز عن الأمر وهو يتحدث بحنين شديد :
- أين حفيدي الحبيب اشتقت له، أشعر أنني لم اضمه منذ سنوات طويلة .
استحكمت غصة قوية حلق توبة وهي تكتم بكاءها وقد صعب عليها التحدث في هذا الأمر والذي لم تتجاوزه بعد، ولم تساعدها كل الذكريات التي تنام وسطها كل ليلة على فراش صغيرها وهي تضم ثيابه تبكي بقهر عليه .
أما عن نزار أخذ يراقبها بعجز تام وقد عجز حتى عن مواستها بكلمة أمام والدها أو حتى التحدث بجملة قد تخرجها من هذا الوضع .
بينما هي رفعت عيونها الباكية صوب والدها تحاول التحدث بكلمة واحدة، لتعجز وكل ما صدر منها هو تربيته على يده اتبعتها بقبلة، ومن ثم تحركت بهدوء خارج الغرفة وخلفها نزار الذي اطمئن على والدها، يلحق بها لبهو الجناح الخاص بالملك، وبمجرد أن شعرت بنفسها قد ابتعدت بالقدر الكافي عن مسامع والدها انهارت ارضًا بقوة وهي تبكي دون توقف لتكون يد نزار أقرب لها من الأرض وهو يمسكها بسرعة يهمس برعب :
_ توبة .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لطالما ظلمني الجميع وحشرني الجميع بدور الخبيث في هذه القصة، فقط لو يطلع الجميع على ما يخفيه وجهك الـ ...
صمت إيفان وهو ينظر لوجه أرسلان الذي كان يجلس براحة شديدة في غرفة الإجتماعات مع الجميع، يتحدث له بعدما اطلع الجميع على خطته، ليكمل أرسلان باقي جملته المعلقة وهو يحرك حاجبه يميل بوجهه على الطاولة مبتسمًا:
_ برئ ؟!
ختم كلماته يطلق ضحكة مرتفعة على ملامح إيفان المتشنجة وهو يغمز له بهدوء، بينما سالار ابتسم وهو يرتشف بعض العصير في كأسه يراقب الجميع من خلف زجاج الكأس بعدم اهتمام، بينما آزار كان فقط يتابع الحديث وهو يقلب عيونه بسخرية :
_ الآن سيبدأ الشجار .
نهض أرسلان عن مقعده يرفع يديه في الهواء بكل براءة يدعي اللطف والذي لم يكن يلائم ملامح وجهه الخشنة يشير صوب إيفان:
_ لا بالطبع لا انتوي أن احزن إيف اليوم تحديدًا، صحيح ايفو ؟!
_ نعم صحيح آرسي .
حرك أرسلان رأسه وهو يدعي التأثر من كلمات إيفان يضع يده جهة صدره يغلق عيونه:
_ أوف على دلال إيفان.
_ أوف على مزاج أرسلان .
كان سالار يتابع ما يحدث والكأس أمام فمه بسنتي واحد، متشنج الملامح وهو يراقب ما يحدث أمامه بصدمة كبيرة، بينما آزار يتابع ما يحدث باشمئزاز شديد وملامح تشبه ملامح سالار الذي نطق وهو يبعد عيونه عنهما :
_ بل أوف منكما سويًا .
نهض آزار وهو يردد بهدوء شديد يبلغ الجميع بنية واضحة رغبته في الخروج من المكان وكأنه لا يطيق صبرًا ليبتعد عن جميع الوجوه خاصة وجه أرسلان الذي كان يتابعه ببسمة واسعة :
- حينما يعود أرسلان لطبيعته الخشنة الوقحة بعيدًا عن هذا البرئ المبتسم نادوني، فأنا لا اعلم هذا الرجل ولن اتناقش في أمور البلاد مع رجل غريب ...
وقبل التحرك خطوة امسك أرسلان بيده وهو يضحك بصوت مرتفع رن في أرجاء المكان يمنعه التحرك :
_ أعتذر، حسنًا سأكون حقيرًا الآن اجلس وسأسمعك من الألفاظ اعذبها .
رفع له آزار حاجبه بشك ليغمز له أرسلان، بينما سالار جذب يد آزار وهو يدعوه للجلوس بهدوء :
- اجلس يا خال دعنا ننتهي من الأمر أود العودة للبلاد .
ولولا حياءه ورفضه للتعبير عن مشاعره تجاه زوجته امام الجميع لصرح للجميع دون تردد وبكل جراءة أنه يريد العودة لأحضان زوجته .
ابتسم لهم أرسلان وهو يستند بيديه على الطاولة أمامه بهدوء يراقب الوجوه حوله، وكأنه يستعد ليلقي بقنبلته التي ستحدث دوي مفزع للجميع :
_ أردتم معرفة ما كُتب في الخطاب الذي ارسلته لأصلان ؟!
نظر له الجميع والفضول يحوم فوق الرؤوس واضحًا الحاجة لينطق أحدهم كلمة واحدة حتى، وارسلان اهداهم بسمة صغيرة وهو يتنهد بصوت مرتفع :
- حسنًا لا استطيع ذكر كل ما كتبته حرصًا على حياء العزيز إيفان.
ختم حديثه وهو يربت على كتف إيفان الذي اتسعت بسمته أكثر وأكثر، ومن ثم استرسل أرسلان في حديثه يخبرهم باختصار الحرب التي دعى لها أصلان وكل ما ذكره في الخطاب .
- أردت أن أفرغ المكان من النساء قبل اتخاذ أي خطوة في تحطيمه أعلى رؤوسهم .
نظر إيفان لعيون والتي كان ينأى بها عن عيون الجميع بشكل واضح، ليرفع حاجبه متحدثًا بهدوء :
_ هذا فقط ؟؟
- هذا فقط ماذا ؟؟
- هذا السبب فقط !!
_ تعتقد أن هذا ليس سببًا كافيًا ؟!
ابتسم إيفان بسمة واسعة استفزت كل خلية داخل جسد أرسلان وقد نجح ذلك الرجل في تحريك كل غضب أرسلان الساكن خلف بسمته وإخراج ذلك الوقح الذي كان يطمح آزار في مقابلته منذ ثواني .
_ لا هو كافي لي في الحقيقة، المهم أن يكون كافيًا لك يا أخي...
اشتعلت عيون أرسلان وقد أدرك إيفان أنه أصاب ما يدور حوله أرسلان وقد علم أن الأمر بطريقة أو بأخرى يدور حول زوجته، ولا يدرك علاقة الأمر بها، ولا يهتم بالبحث خلف ما يتعلق بارسلان وزوجته، هو فقط يريد مضايقته ليس إلا، ويبدو أنه نجح وحاز العلامة الكاملة في الأمر.
قلب سالار عيونه بضيق وهو يدفن وجهه بين قبضتيه يهمس بصوت مسموع للجميع :
_ يا الله يا مغيث، فقط ليمر اجتماع واحد دون أن تثيروا غضبي أنتما الإثنان، فقط تعاملا كما لو أنكما ملوك ممالك كبيرة .
رفع عيونه لهما ليبصر الجدية وقد علت ملامح الجميع حينما باشر آزار في مساعدة ابن أخته للخروج بأعصاب صحيحة من ذلك الاجتماع وهو يباغتهم بسؤاله الذي سيخرجهم من ذلك النقاش :
_ والآن لنتحدث عما سيحدث، ما القادم ؟!
ابتسم له أرسلان بسمة خبيثة، ثم نهض وتحرك صوب خزانة صغيرة يخرج منها شيء، ومن ثم فرشه أمام الجميع بسرعة وهو يخرج قلم اسود اللون يشير به صوب نقطة في الخريطة التي رسمها بنفسه لمنطقة الجحر .
- هذا هو الجحر ...
ومن ثم شرع يضع دائرة حول نقطة في منتصف اللوحة البيضاء والتي كان يحيط بها خطوط غير مفهومة، وهناك بعض الورود الصغيرة وشجرة تقبع في نهاية الرسمة جوارها كُتب ( غابة سبز الجنوبية )
تحركت عيون إيفان صوبه يحاول فهم ما تخبرهم به هذه الخطوط المجهولة:
_ أي جحر ؟؟ ما هذا ؟؟ أنا لا أرى سوى خطوط لا معنى لها ؟! ثم ما هذه الزهور ما مناسبتها في الخريطة من الأساس ؟!
ختم حديثه يشير صوب جزء من اللوحة حيث وُجدت زهور صغيرة رقيقة لا تناسب تلك الخطوط الغريبة التي خدع بها أرسلان نفسه وسمّاها خريطة للجحر .
حرك أرسلان عيونه صوب الزهور التي أشار عليها إيفان ليتحرك وهو ينفض يد إيفان بضيق عن الزهور يرفض أن يلمسها مرددًا بحدة :
_ هذه لتعبر عن الغابة يا أحمق، ثم لا علاقة لك بالزهور ولا تلمسها مجددًا وانتبه للخارطة امامك .
رمش إيفان بعدم فهم وهو ينظر ليده التي دفعها أرسلان بفزع، يحاول فهم ما يحدث، بينما أرسلان يحدق في الزهور برقة يبتسم دون وعي متذكرًا كيف خرجت تلك الزهور الجميلة من بسمات زوجته للورقة .......
تحرك بعدما انتهى من حديثه معها يتركها تتجهز للنوم قبل التحرك صوب غرفة الإجتماعات، يحاول رسم بعض الخطوط العشوائية على ورقة كبيرة أمامه، خطوط غير مفهومة للبعض لكنها مفهومة له فقط كي تذكره فقط إن غفل عن شيء .
_ ماذا ترسم ؟؟
كان ذلك صوتها بعدما تحركت صوبه ولم يشعر بها لشروده في الخطوط أمامه، رفع رأسه لها ولم يكد يجيبها بكلمة حتى تفاجئ من مقدار قربها له، ابتسم لها بسمة صغيرة :
_ أحاول رسم خريطة .
- هذه خريطة ؟؟
_ على حسب ما أرى..نعم، فقط مجرد شيء بسيط لأذكر نفسي ليست خارطة بالمعنى الحرفي .
تحركت سلمى ببساطة وعفوية وهي تجلس ارضًا بينه وبين الطاولة التي كان يستند عليها، تحشر جسدها في تلك المنطقه لتصبح بين أحضانه بالتحديد، ومن ثم رفعت عيونها له تقول :
_ ربما اساعدك في الأمر أنا أحب الرسم أيضًا .
ابتلع ريقه يحاول ألا يضعف أمام عيونها تلك والتي ترسل له رسالات كثير لم يلتقط منها سوى ما يقوده صوب طريق الذوبان في عشق هذه المرأة، ولحظة اعتراف ولو بينه وبين نفسه أنه غارق في تفاصيل هذه المرأة حتى أذنيه، ويكاد يقسم أن عمرًا غير كافي لأجل التأمل بها فقط، فما بالك بحبها ؟!
_ ما هذه الخطوط الغريبة ؟؟
أبعد عيونه عنها بصعوبة وهو ينظر صوب ما تشير هي له يتحدث بصوت خافت ومازال في حالة من اللاوعي بها :
_ هذه ...هذه غابة .
تشنجت ملامح سلمى وهي تتأتأ بضيق ترى هذه الخطوط الغير مفهومة :
_ هذه غابة ؟! بالله لا علاقة لها بالغابة بأي شكل من الأشكال، اعطني هذا القلم .
ختمت حديثها وهي تتوجه صوب البقعة التي وصفها ظلمًا بالغابة بسبب بعض الخطوط الطولية المتشابكة، وأخذت ترسم ورود وأشجار فيها مبتسمة بسعادة غير واعية لعيون أرسلان الذي كان يتابعها مبتسمًا بعدم تصديق وهي تجلس بين أحضانه ترسم له أكثر شيء عبثي ابصره.
"خريطة حرب مزينة بالورود "
لكن هل يخبرها أرسلان بذلك ؟! والله لن يفعل، بل سيخبرها أنه لولا زهورها التي زينت الخريطة لضلوا الطريق وخسروا الحرب .
_ إذن ؟!
انتفض أرسلان من أفكاره على صوت سالار الذي أخرجه من شروده، ليتنحنح بصوت شبه مسموع وهو يجذب الخريطة ويبدأ كتابة اسم كل منطقة فوق الجزء الذي وضعه وهو يشير لها :
_ هذه خريطة الجحر .
ارتفعت تعابير التشنج على ملامح الجميع ليتحدث أرسلان من أسفل أسنانه :
_ فقط لنتخيل ذلك رجاءً.
صمت وهو يتنفس بصوت مرتفع :
_ كل الاستعدادات انتهت وحان وقت وضع النقطة الأخيرة في قصتهم جميعًا ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع ساعات الصباح الأولى شعرت بهزة خفيفة تدفعها للنهوض من دفء فراشها، لترفع يدها تحاول دفع تلك اليد بعيدًا بنعاس شديد وقد قضت كامل ليلتها تتخيل حياتها معه، حتى غلبها النعاس .
ابتسم أرسلان وهو يبصر الشروق من النافذة ومازال بعض الظلام يفرض سطوته على الأجزاء رافضًا سحب جميع جيوشه بهذه السهولة، ثم عاد بعيونه صوب سلمى يجذبها بهدوء شديد لصدره، ثم تحرك بها صوب المرحاض وهو يهمس لها بصوت خافت :
_ سليمى استيقظي هناك ما يجب أن تبصريه .
حاولت سلمى جذب نفسها من دنيا الاحلام صوب واقع يمتلك نفس بطل احلامها، لكن كان الأمر صعبًا عليها، ليجذبها أرسلان له يسند رأسها على صدره وهو يمد يده بهدوء يبللها بعض المياه، ومن ثم أخذ يمررها على وجه سلمى التي بدأت تتململ في نومتها، وأخيرًا فتحت عيونها لتبصر ابتسامة أرسلان الذي همس لها بحنان وحماس شديد :
_ هيا الحقي بي بعدما تنتهي .
خرج يغلق باب المرحاض خلفه وأخذ يجهز لها ثوب رقيق من اللون الأصفر ومعه حجاب من اللون الابيض، ومن ثم ظل واقفًا يراقب النافذة بهدوء يفكر في ردة فعلها حينما تعلم ما فعل، وفي خضم شروده أبصر من النافذة جسد خالد الذي أخذ يركض في أنحاء الساحة وخلفه تيم الذي صرخ عليه بجنون :
_ أنت...توقف هنا ...نحن لا نلعب هنا لتجعلني أركض خلفك، عد وأكمل تدريبك وإلا اقسم بالله لأزيدن ساعاتك ساعة إضافية .
فجأة توقفت أقدام خالد وهو ينظر خلفه لتيم بضيق ثم رفع إصبعه يردد بهدوء واستفزاز :
_ لا تتحدث معي بهذا الشكل، أنا لست عبدًا لديك وإن لم ارد التدرب فلن تجبرني، أنا مهندس لي شأن و...
فجأة أبصر نظرات تيم التي اشتدت بشكل مرعب لينفخ بضيق وهو يدفعه من كتفه بحدة وخشونة يتحدث بصوت مرتفع :
_ أوف منكم جميعًا اخبرتكم أنني اجيد فنون القتال والدفاع عن النفس ما فائدة كل هذه الأسلحة، هل سنحارب .
اجابه تيم بسخرية :
_ نعم سنفعل .
- حسنًا كان هذا سؤالًا استنكاريًا لم انتظر منه ردًا .
ابتسم له تيم بسخرية وهو يلقي له السهام والقوس مجددًا، ليزفر خالد وهو يتحرك صوب لوحة التصويب يضع السهم بالقوس، ومن ثم قلب عيونه بضيق وفي ثواني كان السهم يصيب منتصف الهدف ليعلو التعجب عيون تيم، لكن كلمات خالد وضحت كل شيء وهو يبتسم بسخرية :
- أخذت بطولة النشان لخمس أعوام متتالية يا فتى، حينما ارفض القتال فهذا لأنني لا أحب أن يأمرني أحدهم وليس لأنني لا استطيع .
ختم حديثه وهو يلقي السهام ارضًا :
_ والآن أعتقد أن تدريب اليوم تم على أكمل وجه، استأذنك للاستحمام والنوم .
وتحرك بعيدًا عن أعين تيم الذي كان ما يزال يحدق بالسهم قبل أن ينتبه لتحرك خالد ليركض خلفه صارخًا، وحينما ابصره خالد صرخ وهرول بعيدًا عنه بضيق .
كل ذلك تحت أعين أرسلان الذي هز رأسه بيأس :
- كان الله في عونك تيم .
فجأة سمع صوت باب المرحاض خلفه ليستدير صوب سلمى والتي كانت قد ارتدت ثيابها بالفعل فابتسم يتحرك لها يساعدها في تجفيف خصلات شعرها، ومن ثم قام بجمعه بمهارة شديدة تصلح لارتداء الحجاب براحة دون أن تحمل هم خصلاتها الكثيفة، تراقبه وهو يحرك أنامله بمهارة عالية في وضع الحجاب بشكل صحيح .
_ تبدو خبيرًا في هذا .
ابتسم أرسلان وهو يعطي جل اهتمامه للحجاب :
_ تعلمت كل هذا منذ طفولتي، أي شيء يخص الفتيات أعلمه.
نظرت له بتعجب وقد بدأت نظراتها تحتد، ليمد هو أصابعه يربت على وجنتيها بلطف يبرر لها بهدوء شديد :
- لم أكن لادع شقيقتي تحتاج ليد غريبة كي تساعدها، خاصة خلال فترة مرض والدتي .
رقت نظراتها وهي تهمس بصوت حنون :
_ ستكون أبًا حنونًا .
اهتزت حدقة أرسلان لثواني، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة، يجذب يدها معه صوب الاسفل :
_ هيا علينا أن نكون في استقبالهم ...
نظرت له سلمى بعدم فهم، لكنها سارت معه تستكين لجذبه لها، ووالله تقسم باغلظ الإيمان أنه لو كان يسحبها لهلاكها وتعلم لتبعته بكل نفس راضية، ترتضي بالهلاك إن كان لأجله، وبالعذاب إن كان لعيونه، استدار لها أرسلان وهو يسير بها صوب الساحة الخارجية يلقيها بنظرة متعجبة نظراتها، لكنها فقط ابتسمت له بسمة صغيرة لطيفة جعلت بسمته ترتسم بالمثل على فمه .
توقف بها في منتصف الساحة وهو يحدق في بوابة القلعة في انتظار وصولهم، وهي تقف جواره تحاول معرفة ما يحدث، وهو يكبت فضولها بنظراته يضغط على يدها بهدوء شديد .
دقائق مرت دون أن يصدر شيء حولها غريب حتى، وبدا وكأنها تنتظر اللاشيء، لكن فجأة صدر صوت أحد الجنود وهو يصيح بصوت جهوري :
_ القائد المعتصم والقائد دانيار ...افتحوا الأبواب .
نظرت له سلمى بعدم فهم وهو ابتسم لها يهمس بصوت منخفض :
_ الصبر سُليمى ...
أبعدت عيونها عنه ببطء صوب البوابة التي بدأت تنفرج عن أحصنة عديدة تحمل جسد المعتصم وبعض الرجال، ومن ثم دخلت عربات مغطاة كثيرة ومن بعد العربات دخلت المزيد من الاحصنة، كل ذلك وهي تتابع بلا فهم وبفضول كاد ينتهي من اخر ذرات صبرها .
تنفست بهدوء وهي تبصر المعتصم يهبط عن الحصان الخاص به يتحرك مع الرجال في تثبيت السلم الخاص بالعربة التي تقل النساء، ومن ثم دون مقدمات بدأت النساء تهبط عن العربة واحدة تلو الأخرى كلٌ يضم طفله لصدره والبعض يمسك بأيدي مراهقات ينظرن حولهن بصدمة كبيرة واعين شاخصة وكأن خيار الحرية لم يكن ضمن مخطط أيٍ منهن يومًا، رفعت امرأة رأسها وهي تتنفس أنفاس مرتجفة قبل أن تنهار أرضًا تبكي بصوت مرتفع وقد تبعها بعض النساء بانهيار لا أحد يفهم ما يحدث لهن، لم يسبق وبكت احداهن وكأن العذاب الذي عايشته هؤلاء النساء خدر جميع احساسيهن واوقف جميع مشاعرهن، والآن حينما طافت الحرية على السطح بدأ مفعول ذلك الخدر يزول وبدأ العقل يعي أنه كان عليه الإنهيار من قبل.
ارتجفت يد أرسلان بغضب يبعد عيونه عن النساء، ومن ثم رفع يده بإشارة لجميع الرجال الذي يرمقون ما يحدث بخزي وغضب مماثل، ليخفض الجميع أبصاره ارضًا .
بينما سلمى كانت تبصرهن أنفسهن النساء اللواتي جئن خلفها في الجحر للأحتماء بها، بل ويزيد عليهن نساء أخريات لم يمتلكن الشجاعة وقتها للانضمام لها .
سقطت دموعها بصدمة كبيرة وهي تبصر النساء يبكين ويضحكن في الوقت ذاته، قبل أن تهتف امرأة بصوت غير مصدق وهي تهلل :
- كتب الله لنا الحياة بعد سنوات من الموت .
ومن بعد كلماتها بدأ العقل يستوعب أن اللحظة لم تكن لحظة انهيار متأخر، بل كانت لحظة احتفال مترقب، فبدأ التكبير والتهليل، وسلمى تتابع كل ذلك بعيون دامعة وبسمة واسعة تحرك نظراتها بينهن، قبل أن تنظر لأرسلان بامتنان تهمس بصوت مرتجف باكي :
- أنا... أنا... أرسلان أنا اشكرك .
ابتسم أرسلان وهو ينظر لها بحنان لولا نظرات الشر التي استوطنت عيونه بشكل غريب يربت على كتفها بحنان :
_ اخرجتهم من سجنهم كما وعدتك، والآن دورك لتخرجيهم من ظلامهم سليمى، ولا أعتقد أن هناك من يبرع في ذلك بقدرك.
حركت سلمى عيونها صوب الجميع وهي تراقب النساء تدرك أن رحلتها معهن ستكون طويلة كي تهيئهن لحياة طبيعية، بالإضافة لفاطمة والتي توقفت في منتصف الطريق معها، كان الأمر تحديًا لكنها أقسمت أنها لن تنام يومًا قريرة العين إلا حينما تعيد كل امرأة لحياتها الطبيعية وتؤهلهم لما هو قادم .
ابتلعت ريقها وهي تنظر حولها حتى أبصرت فتاة تعلمها جيدًا تتحرك صوبها، اتسعت بسمتها بقوة تبصر الفتاة تمسك بين يديها يد صبي في الخامسة تقريبًا او أقل ربما .
اقتربت منها الفتاة تبتسم لها بسعادة وقد كانت هي نفسها من ساعدتها في الهرب اول مرة مع اختها :
_ كنتِ على قدر وعدك جلالة الملكة، كانت ثقتي وأختي في محلها، ليسعدك الله ولا ترين شرًا يومًا .
ابتسمت لها سلمى بسعادة وهي تراقب الصغير والذي كان يشبه ياقوت وبقوة لتهمس بصوت متساءل وهي تنظر حولها :
_ أين هي ياقوت ؟!
امتلئت أعين الفتاة بدموع وهي تشدد من امساكها ليد الصغير والذي كانت ملامحه جامدة بشكل مرعب، وهي تهمس بصوت مرتجف :
_ اوصتني أن أشكرك، كانت لتكون سعيدة ...بالخروج من هناك و...كانت لتكون في غاية امتنانها، لكن أمر الله نفذ .
ختمت كلمتها وقد تسابقت دموعها على وجهها وهي تتذكر ما حدث لياقوت حينما اكتشف أصلان مساعدتها لسلمى، وحينها هجم على منزلهم.
وقتها أخذت شقيقتها تصرخ بهستيرية وتقسم أن لا أحد ساعد سلمى سواها فقط لتنقذها وولدها .
وسلمى لم تكن غبية أو جاهلة في قراءة الأعين لتجهل نظرة الفتاة لها والتي أوضحت أن موت اختها لم يكن مجرد صدفة البتة، وضعت يدها على فمها كتبت صرخة وكادت تنهار أرضًا من الصدمة، لولا يد أرسلان الذي امسكها برعب وهو يضمها له هامسًا بارتجاف وخوف:
_ بسم الله عليكِ .....
انهارت سلمى في أحضانه باكية وهي تهمس كلمات غير مفهومة، وارسلان يربت على كتفها يحاول مواساتها، لكن أي مواساة وهو يبصر كل ذلك أمامه، نساء وأطفال تربوا ونشأوا لشهور طويلة وربما لسنين بين القاذورات، كل هؤلاء الأطفال والمراهقين لا يوحون أن الفترة كانت مجرد شهور، وكل شيء سيعلمه لكن ليس الآن.
نظر صوب المعتصم وهو يشير بعيونه على الجميع ليهز المعتصم رأسه، ومن ثم بدأ يدعو النساء ليلحقن به صوب مبنى الضيوف مع أطفالهن .
بينما أرسلان أشار لأحد جنوده بالتحرك لتحضير الطعام للجميع، يسحب سلمى للداخل تحت انهيارها وهي تهتف بكل الوجع :
_ بسببي، قُتلت بسببي، تيتم طفلها بسببي ..
ضمها له أرسلان أكثر وهو يتحرك بها صوب جناحه وفي طريقه قابل خالد الذي اتسعت عيونه برعب على انهيار شقيقته يهرول صوبها :
- سول ما بكِ حبيبتي، هل أنتِ بخير ؟؟ ما بها ؟؟
تحدث أرسلان وهو يتحرك بها بسرعة صوب غرفتهم يتجنب الجميع أن يبصر انهيار زوجته :
_ بخير خالد عد لما كنت تفعل رجاءً.
- بخير ماذا اختي منهارة و....
توقف أرسلان وهو ينظر له بهدوء :
_ رجاءً ليس الآن دعني اهدأها، ومن ثم سأناديك لتكون جوارها، هي ستحتاج لتكون رفقة أحدهم الساعات القادمة، وسواء كنت أنت أو قردها لا اهتم، فقط لا تتركونها وحدها .
ختم حديثه يجذبها معه صوب الغرفة تاركًا خالد ينظر في أثره بعدم فهم، ومن ثم تحرك بتردد صوب غرفته كي يستحم من تدريب اليوم ومن ثم يتحرك ليرى ما حدث له.
لكن في طريقه أبصر الكثير من النساء يتحركن مع الجنود لمبنى مجاور، لتتسع عيونه بعدم فهم لما يرى إذ كانت هيئة النساء مريبة غريبة والاوجه تحكي حكايات أخرى.
وفي لحظة كانت لحظة فقط رفعت واحدة من النساء رأسها صوبه في نظرة سريعة بسيطة، لكن لم تكن كذلك على قلبه ليشعر بقلبه يخفق بشدة من نظراتها، قبل أن تبعد عيونها عنه وتتحرك خلف الجميع تاركة خالد يبتلع ريقه يحاول تحليل ما رأى في نظرتها وكل ما صدره منه هو همسة صغيرة مسحورة :
_ Como anjos .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقف في النافذة تراقب ما يحدث بعدم فهم وعيون متسعة بفضول شديد وكأنها تستوجب الأجساد المتحركة في الاسفل عما يحدث، انتظرت أي حركة أو فعل يخبرها ما يحدث مع الجميع هنا، لكن لا شيء، فجأة اختفى الجميل وعم سكون وهدوء مريح للنفس في المكان لتبتعد عن النافذة وقد قررت أخذ استراحة نوم قصيرة .
لكن وقبل التحرك صوب الفراش أبصرت الباب يفتح وهو يطل منه بهدوء ورغم كل التعب الواضح على عيونه ابتسم لها بسمة حنونة وهو يفتح لها أحضانه، لتتحرك بسرعة كبيرة ولهفة أكبر تلقي بنفسها بين أحضانه وهي تستنشق رائحته براحة كبيرة وأخيرًا همست :
_ اشتقت لك يا المعتصم ؟!
_ والمعتصم اشتاق لكِ كثيرًا حبيبتي .
رفعت عيونها له مبتسمة بسعادة كبيرة وهي تستشعر تلك الكلمة مرة وأخرى :
_ هل أنا كذلك ؟؟
مد أنامله يتحسس وجهها بلطف شديد :
_ أنتِ ماذا فاطم ؟؟
خجلت فاطمة من ترديد الكلمة مجددًا لتخفض فقط وجهها ارضًا وهي تهمس بصوت خافت :
- كما ذكرت أنت منذ ثواني .
_ وما الذي ذكرته حبيبتي ؟؟
_ نفسها الكلمة التي ختمت بها جملتك الآن يا المعتصم .
أطلق المعتصم ضحكة مرتفعة وهو يتحرك بعيدًا كي يغير ثيابه قبل التحرك للملك وأخذ التعليمات الجديدة، وهي فقط تتابعه بترقب وخجل .
_ هل الأمر صعب لهذه الدرجة فاطم ؟؟
مررت فاطمة يدها على جبهتها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي من نظراته المصوبة ناحيتها، تخفض رأسها للاسفل خجلة من رفعها له، وحينما قررت فعل ذلك رفعت رأسها بهدوء ولم تكد تبرر له حديثها حتى أطلقت صرخة صداها في المكان بأكمله.
صرخة جعلت جسد المعتصم ينتفض بسرعة كبيرة بعيدة عن خزانته وهو يسارع لحمل سيفه الذي لم يضعه إلا منذ ثواني فقط، ينظر حوله بحثًا عن مصدر التهديد الذي سبب صرخات زوجته .
وبتتبع جهة نظراتها اكتشف أن ذلك المصدر هو ...هو ؟؟
نظر لعيونها التي تحدق فيه بفزع شديد وهو يقترب منها بعدم فهم وقد بدا كما لو أن فاطمة في هذه اللحظات تبصر اروع كوابيسها، وهي تناظرة بأعين شاخصة وحينما اقترب منها خطوة واحدة تراجعت للخلف بسرعة مخيفة تشير له محذرة ألا يقترب وهو لا يفهم ما تفعل .
وأخيرًا أدرك من عيونها التي كانت موجهه لصدره العاري أن جزعه العلوي الذي لا يغطيه شيء، هو الوحش الذي تخشاه زوجته في هذه اللحظات.
توقف في منتصف الغرفة وهي تقف في ركنها تراقبه بوجه أحمر واعين شاخصة جعلته يتراجع بسرعة يحمل ثوبه يلقيه على نفسه، ومن ثم رفع يده في الهواء يعلن استسلامًا أمامها :
_ ها نحن ذا فاطم، لا صدر عاري ولا أذرع ظاهرة اكرمني الله بالستر .
كان يتحدث وهو يقترب منها وهي تراقبه بأعين متسعة تحاول أن تتحدث بكلمات مفهومة :
_ هذا ...لا يجوز ...يا المعتصم هذا عيب لقد ...
_ نعم حبيبتي هذا عيب بالطبع أنا حقير غير مهذب ستكون المرة الأخيرة التي افعلها أمامك، هيا اقتربي لا تخافي .
نظرت له بتردد وهو فكر أن يفعل لها ما تريد في هذه اللحظة ومن ثم مع الوقت يعلمها كيف تتقبله كما يريد، ابتلع ريقه وهو يشير لها بيده وهي فقط نظرت له باعتراض شديد :
_ أنت قليل الأدب، لم تكن كذلك حينما عرفتك في البداية .
- نعم أنتِ محقة، أنا قليل الأدب، كنت اخفي حقيقتي أسفل وجه طيب ولم أخبرك أنني اخلع ثيابي قبل الاستحمام .
رفعت عيونها له وهي تردد جملتها والخجل قد بلغ مبلغه وقد كانت هذه المرة الأولى التي تبصر بها رجل عاري الجذع، ربما مرت بالجيش مرة أو مرتين حينما كانت تقفز له في كل مرة، لكن حينها لم تهتم بالنظر لأحد أو تنتبه لشيء سوى حركاتهم القتالية بوجه عام .
_ هداكِ الله يا ابنتي اقتربي دعينا اربت عليكِ تربيته بريئة.
ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بتردد تناظره بشك وكأنها تنتظر منه حركة غدر، بينما هو ابتسم لها وهي تقول بصوت منخفض :
_ لم تكن هكذا في البداية ظننتك لا تفعل مثل هذا.
_ يا ابنتي لا تزيديها عليّ أنا اجاريكِ في غبائك بصعوبة الآن، ثم أكن ماذا ؟! هل تتوقعين أن أسير بين ممرات القصر بلا ثياب ؟؟ بالطبع اخلعها في غرفتي و...دعيني أخبرك سرًا فاطمة، أنتِ زوجتي ولا بأس أن تريني هكذا .
هزت رأسها وهي تقترب منه تهمس بصوت منخفض بكلمات مبهمة له، وهو فقط جذبها لصدره يدعوها للأقتراب أكثر:
- ماذا قلتي ؟!
_ اقول لك أنني اعلم ذلك، وأنه لا بأس من ذلك أمامي، لست حمقاء أو طفلة يا المعتصم ولكن أنا فقط ...خجلت ولم أتوقع أن تتجرأ عليّ هذا بهذ السرعة .
رفع حاجبه بصدمة من كلماتها ولم يجد ردًا يخبرها به، سوى أنه جذب رأسها له بقوة حانقًا :
_ اتجرأ عليكِ بهذه السرعة ؟! انظري فاطمة انظري هذه خصلات كادت تشيب في رأسي انتظارًا لاحسانك عليّ .
نظرت له بضيق من كلماته ليبتسم مكملًا :
_حظك يا ابنتي أن رزقك الله برجل وقح مثلي، أعانك الله عليّ .
كبتت فاطمة بسمتها بصعوبة على حديثه وهي ترتكن برأسها أكثر على صدره، وهو يراقبها بحنق شديد يود لو يعاقبها ويسير المتبقي من عمره بلا ثياب علوية، وهي فقط تكتم ضحكتها في صدره .
وقبل أن يتحدث بكلمة لها سمع صوت طرق على باب غرفته وصوت ألطاف يصدح بنبرة خافتة محترمة :
- سيدي القائد أنت بالداخل ؟؟
تعجب المعتصم من أمر ألطاف، يبعد فاطمة عنه قليلًا وهو يتحرك صوب الباب ولم يكد يبتعد خطوة حتى امسكته فاطمة بسرعة من ثيابه تغلق الزر العلوي في سترته بشكل جعله يرفع حاجبه مبتسمًا بسخرية :
_ ألا جزاك الله خيرًا يا ابنتي كدت اخدش حياء الخالة ألطاف بمقدمة رقبتي الظاهرة .
ابتسمت له بلطف وهي تضم يديها أمامه تنطق بنبرة تدرك أنها تشعل غضبه أكثر :
_ جزانا وإياكم يا المعتصم، أنت زوجي في النهاية وسمعتي من سمعتك فاحرص عليها ولا تلوثها بطيشك .
رفع المعتصم يده يدفعها للخلف بضيق لتنطلق ضحكات فاطمة بقوة في المكان وقد بدا أن قلبها تحرر من قيود العقل في وجود المعتصم، ولم تكذب حين أخبرته أنها في وجوده لا تبصر والدتها ولا تشعر بالثقل على قلبها .
تحرك المعتصم صوب الباب يفتحه بهدوء ولم يكد يتحدث متسائلًا عن سبب وجود ألطاف في هذا الصباح الباكر، لتسارع الأخيرة بالتحدث بجدية :
_ آسفة لازعاجك منذ الصباح سيدي، لكن هناك ضيف جاء للسؤال عن فاطمة في منزلها وحينما لم يجدها طلب مني أن اقوده لهنا .
تعجب المعتصم كلماتها، فأي ضيف هذا الذي سيذهب للسؤال عن زوجته بعدما فقدت سائر أفراد عائلتها ؟!
ولم يكد يصرح بحيرته حتى أبصر السيدة الطاف تنحني للجانب ويحل محلها شاب يافع يماثله العمر أو ربما يكبره ببعض السنوات يرتدي ثياب جيش يعلمه جيدًا ..سفيد .
يبتسم له بهدوء وهو يمد يده للمعتصم يتحدث بكل جدية جعلت المعتصم يُصدم من جرأته فبالتأكيد أخبرته ألطاف عن هويته، إذا ما معنى كلماته التي نطقها بلا اهتمام .
_ مرحبّا سيدي، أنا إلياس ابن خالتها لفاطمة وخطيبها ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ توبة ما بكِ ؟! تماسكي ولاتدعي والدك يشعر بشيء الآن، قد تؤثر أي أخبار سيئة بالسلب عليه .
رفعت عيونها وهي تشعر بالانهيار، ادعت أنها بخير حال في الفترة الأخيرة، لكنها لم تكن والله لم تكن.
ما مرت ليلة واحدة نامتها دون أن تبكي ولدها، لم تمر يومًا بركنٍ في القصر إلا واعاد لها صوت ضحكاته ومشاكسته، ولدها الحبيب والذي رغم كرهها ومقتها لوالده، ما كرهته لحظة واحدة، بل نظرت له نظرة العوض وبنت حياتها القادمة على وجوده، صغيرها الحنون والذي ما كان ليهون عليه دمعة واحدة منها ..
سقطت دموعها بقوة وقد ازدادت شهقاتها وهي تبعد يد نزار عنها دون وعي وذكرى انهيار قديمة تضيء في عقلها، وشعور يد أخرى تضمها يعود لها، وصوت حنون هامس يردد في أذنها بحنان :
" لا تبكي أمي، لا عاش من يحزنك وأنتِ الأميرة توبة، أخبريني ما يحزنك وأقسم بالله لأقتص لكِ منه، فقط أخبريني وأنا سأفعل لكِ ما يسعدك أمي"
" أنا بخير صغيري "
" لستِ كذلك أمي، أنتِ حزينة ...هل السبب أبي ؟؟ "
" لا، أنا بخير و..."
" أنا أكرهه، أنا أكره هذا الرجل وبشدة، أكرهه وامقته من اعماق قلبي، أكرهه لأنه كان طوال الوقت سببًا لبكائك أمي"
_ توبة ارجوكِ لا تخيفيني، هل أنتِ بخير ؟!
رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كان يراقبها بقلق يضع مسافة بينهما، محدقًا فيها بعجز وقد شعر أن المسافة بينهما تتخطى بُعد المشرق والمغرب .
العجز كان كحبال غليظة يقيد نزار، حبال تلتف حوله تمنعه من نطق كلمة واحدة يريح بها قلبه قبلها، ونظراتها كانت كسوط يستغل عجزه ويجلده دون أن يمتلك حق الاعتراض، دون أن يمتلك حق المقاومة حتى .
وإلى متى الصمت والجبن، إلى متى سيظل خاضعًا لخوفه من الرفض، إما أن يتقدم وينتهي أو ينسحب وينسى، واختار نزار الاختيار الأول وقد شعر برغبة عميقة في التحدث وأخيرًا بما يدور داخل صدره، وقد خنقته الكلمات حتى أصبح التنفس صعبًا .
ابتلع ريقه يمحو أي اسوار تعيق تقدمه، ينظر لعيونها التي اخفضتها بسرعة هربًا منه، لكن ورغم ذلك لم يتراجع وهو يتحدث بصوت خافت وقد قرر أن لا تراجع في هذه اللحظة، إن خسر جميع المعارك فستكون توبة حربه الأخيرة التي سيقودها نحو النصر :
_ توبة .
كلمة واحدة خرجت بعجز كبير من فمه، كلمة أدركت توبة كم الكلمات التي تتواري خلفها، لذا انخفضت عيونها تغمضها بقوة وهي تضغط قبضتها على ثوبها، ترفع عيونها له بتردد تبصر كلماته منعكسة في عيونه قبل حتى التحدث بها .
فتح فمه يتحدث بكلمات مترددة ونية واضحة في التقدم دون تراجع للحظة :
_ توبة أنا ا....
_ لا .
طعنة اخترقت صدره، وضربة أعادت جيوشه صوب الخلف متقهقرين، وقد وأدت توبة أمل مازال بالمهد، وأدته دون حتى أن تسمح لذلك الامل أن يبصر النور .
شحب وجه نزار بقوة وشعر بتلك الضربة اقوى من تحمله، يهمس بارتجاف وبسمة صغيرة مقهورة :
_ لا ؟!
رفعت توبة عيونها تنظر له بقوة وتجبر وعقلها هو من تسلم ضفة الحوار، وقاد جيوشها في هذه اللحظات، قتلت قلبها وهي تتحدث بهدوء وجدية كبيرة :
_ لا يمكنك نزار، غير مسموح لك حتى بأن تحلم مجرد حلم بما يدور داخل عقلك الآن.
كانت ضربة قوية شعر بها تقسمه نصفين، تراجع للخلف بهدوء وقد شعر برغبة قوية في الانهيار ارضيًا والصراخ بكل عنف.
ورغم كل الأمواج المتلاطمة داخل صدره، وكل تلك الفوضى التي انبثقت في ثواني داخله، إلا أنه نظر لها ببسمة واسعة مرتجفة يهمس بصوت هادئ :
_ نعم، أنتِ محقة توبة .
شعرت توبة برغبة قوية في الانفجار أمامه باكية بكل الحسرة التي نشبت داخل صدرها في هذه اللحظة، رغبة قوية في ضمه والتربيت عليه وهي تخبره أنها كاذبة، وأنها لا تمتلك سوى" لا" مقيدة بالواقع المحيط بهم، وأنها لو استطاعت لصرخت بنعم .
ورغم كل ذلك همست بصوت خرج خافت بشكل غريب بسبب كبتها دموعها :
_ أبي...هل سيكون بخير ؟!
رفع عيونه لها ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة جامدة وكأنها تحول في هذه اللحظة لنسخة أخرى أشد بهوتًا منه :
_ نعم لا تقلقي كل ما يحدث له مجرد آثار جانبية للسم ستأخذ وقت قصير وتتلاشى مع الاستمرار على المصل، لا تخافي سيكون الملك بارق بخير .
ختم حديثه وهو ينهض من جوارها يتحرك بعيدًا عنها ملقيًا كلمته الأخيرة والتي كانت أشد وطئًا عليها من كلمتها له :
_ سيكون بخير، ولن أكون .
خرج تاركًا توبة تراقبه بملامح موجوعة، وقد كان صوت غلق الباب بمثابة إشارة لها لتنهار وأخيرًا، وقد شعرت أن الحياة تعاندها، ترسل لها الزهور في حديقة من الأشواك، تعطيها الفاكهة في سلة مليئة بالصبار .
أما عن نزار فتحرك بصعوبة بعيدًا عن غرفتها وقد شعر بثقل كبير في صدره وصعوبة كبيرة في التنفس، ابتلع ريقه وهو يتحرك صوب الغرفة يدعو ربه أن يكون الوليد قد خرج منها ليعطيه فرصة رثاء نفسه .
تحرك صوب الغرفة دون أن ينتبه لتلك الأعين التي كانت تتبعه في كل مكان منذ أيام طويلة وكأنها تسجل كامل تحركاته ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد دقائق من الانهيار بين أحضانه استكانت سلمى وأخيرًا وقد شعرت بالهدوء يسود المكان، أما عن أرسلان فلم يقطع بكائها أو يطالبها بالكف عنه، بل ترك لها حرية التعبير عما يجيش صدرها دون أن يمنعها .
وحينما شعر منها هدوءًا، تحدث بصوت خافت وهو يربت عليها بحنان :
_ في هذه الحياة سلمى ستفقدين الكثير وفي المقابل ستكتسبين الكثير، فلا تقفي عند الفقد ولا تتجاهلي المكسب، تأقلمي مع أحزانك وتقبلي سعادتك حبيبتي .
كانت سلمى هادئة بين أحضانه، وهو فقط يتحدث بكلمات لا يعلم إن كانت تعي منها شيء أو لا، لكنه استمر في كلماته ببسمة صغيرة :
_ أعلم أنكِ اقوى مما يبدو عليكِ، لذا لا تسمحي لنفسك بالأنهيار، أنتِ الملكة ولديكِ الكثير لتمري به، فلا تنهزمي من أول تحدي تخوضيه.
_ لم .. ظننت أنني سأستطيع المساعدة .
_ وقد فعلتي حلوتي، فأين تقصيرك ؟! هذا قدرها وقد انتهى أجلها حتى تلك اللحظة، الآن كل ما عليكِ هو الدعاء لها، والاهتمام بصغيرها كي تكون هي مرتاحة حسنًا ؟!
هزت رأسها بنعم، ليبتسم لها بهدوء وهو يقبل رأسها، ومن ثم أبعدها بهدوء يردد بصوت خافت حنون :
_ لولا أنني امتلك الكثير لأفعله ما رحلت وتركتك وحدك، لكن لا تقلقي سأرسل لكِ من يؤنس وحدتك حتى تصبحين بخير وقادرة على مقابلة الجميع .
ختم حديثه يتحرك بهدوء بعدما أخذ منها موافقة بهزة رأس صغيرة منها ولم يكد يخرج من الجناح حتى أبصر أمامه كهرمان وزمرد، لتتسع بسمته وهو يهز رأسه هزة صغيرة مرحبًا بزمر ومن ثم ربت على كهرمان :
_ حمدًا لله أنكِ هنا كهرمان، رجاءً ابقي مع سلمى فهي لا تشعر أنها بخير الآن، لدي عمل انتهي منه واعود حسنًا ؟؟
هزت له كهرمان رأسها ولم تكد تستفسر عما يحدث في القصر وكل هذه الفوضى التي تبصرها، حتى رحل أرسلان بسرعة تاركًا إياهم لتضرب زمرد الباب بقدمها تقتحم المكان بضوضاء :
_ أخوكِ هذا شخص مريب والله .
ختمت حديثها تبصر بكاء سلمى وهي تمسح دموعها في اللحظة التي دخلن بها، لتشير لها زمرد وهي تقول بحنق :
_ ها انظري أبكى الفتاة والله وحده يعلم ما فعل بها .
تحركت صوب سلمى وهي تجذبها بين احضانها بقوة ليس وكأنها تواسيها، تربت عليها بحنان غريب على مثل شخصها الذي عرفته سلمى :
_ لا بأس يا ابنتي، ادعي عليه، فلندع عليه جميعًا فالله وحده القادر على امثال زوجك .
ابتعدت عنها سلمى بسرعة بصدمة ولم تكد كهرمان توبخها للحديث بالسوء عن أخيها، حتى وجدت كلمات سلمى تنبثق خارج فمها كالسيول في ليلة ممطرة :
- ليأخذ الله أعداءه اجمعين، زوجي لا رجل مثله في هذه الحياة .
تشنجت ملامح زمرد وهي تنظر صوب كهرمان التي كانت تراقب سلمى بفخر شديد وصل عناء السماء وكأنها لا تصدق أن أخاها الحبيب وأخيرًا عثر له على ركن دافئ ومستقر في هذه الحياة، سلمى والتي منذ اللحظة الأولى أقسمت بالله أن لا امرأة في هذه الحياة تليق باخيها سواها، الآن تتأكد من الأمر.
_ ماذا قلت أنا ؟! والله هذا خطئي أن احطت من قيمتي وتعاملت معكِ، امثالك لا يستحق سوى النظرات الجانبية وضرب السيوف و.....
فجأة صمتت وتحولت عيونها بشكل غريب والخبث بدأ يرتسم على ملامحها بشكل مريب جعل كهرمان تتقين أن القادم لن يعجبها بأي شكل من الأشكال :
- أنتِ ملكة ها ؟! إذن تعلمين كل ما يتعلق بالمبارزة، ما رأيك بمبارزتي ؟؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مولاي انتهيت من فحص الاطفال منذ قليل وسيكون كل شيء بخير مع الاعتناء بهم، والآن تولت طبيبة القصر رفقة زوجتي أمر الاعتناء بالنساء .
استدار أرسلان صوب زيان وهو يبتسم له بلطف شديد يربت على كتفه بهدوء وامتنان كبير ولم يكد يتحدث حتى انتبه لما يعلو رأسه ليضيق عيونه بعدم فهم :
_ زيان ...ما هذا الذي يعلو رأسك ؟!
تعجب زيان من كلماته وهو يرفع يده يتحسس رأسه بعدم فهم، قبل أن يستشعر ملمس الضمادة أسفل أنامله، قبل يعض شفتيه بغضب شديد، ورغم ذلك رسم بسمة مقتضبة :
- هذه ؟؟ هذه مجرد توثيق للحظاتي السعيدة .
ختم حديثه وهو يتذكر ما حدث معه في المرحاض منذ يوم كامل حينما كادت زوجته تحطم جمجمته على أرضية المرحاض وكأنها تنتقم من رأسه لأجل ما حدث معها ..
صدحت صرخاته في المكان حتى كادت توقظ الاموات من قبورهم، يتأوه بقوة وقد شعر أن جمجمته تحطمت بكل ما للكلمة من معنى، بعيدًا عن أي تعبيرات مجازية .
تمدد ارضًا وهو يشعر بالوجع والدوار قد بدئا يتمكنان منه، والمكان حوله يتحرك بسرعة مرهقة، ومن ثم ظهر وجهها في المشهد وهي تميل عليه تهمس بصوت منخفض وخوف :
_ زيان ؟! أنت بخير ؟!
شعر زيان بالدماء تسيل على رأسه وهي تراقبه بأعين متسعة مرتعبة تميل بقوة تكتم سيلان الدماء بثوبها باكية بصوت مرتفع :
- يا ويلي زيان، أنت تنزف بقوة، يا ويلي .
رفعت عيونها لها يحاول الحديث كي يطمئنها، لكن توقفت الكلمات على طرف فمه حينما سمعها تحدثه بلوم لاذع :
- كل هذا بسببك، ما كان عليك الوقوف خلف الباب مباشرة، أنظر إلى ما فعلت بنفسك .
ردد متشنجًا متوجعًا :
_ فعلت بنفسي أيتها الــ ...
_ زيان ما بك ؟! أنا احدثك ؟!
انتفض زيان من أفكاره وهو ينظر صوب أرسلان يبتسم له بسمة صغيرة ومن ثم هز رأسه بهدوء :
- لا تهتم مولاي هذه نتائج ما جنت يدي .
- ما جنت يدك ؟!
_ نعم أنا من فعل هذا بنفسي، لقد أكدتْ لي ذلك .
فتح أرسلان عيونه بعدم استيعاب لما يحدث، وقبل التحدث بكلمة أبصر الملك آزار يتحرك بشكل غريب في الممرات جعله يخشى ما يحدث معه ليلحق به وهو يستأذن بسرعة من زيان وهو يلحق بازار الذي كان يتحرك في الممرات بشكل غريب .
_ مولاي ؟؟ جلالة الملك كل أمورك بخير ؟!
توقفت أقدام آزار وهو ينظر صوب أرسلان ثواني دون رد ومن ثم هز رأسه بهدوء يتحدث بجدية :
- نعم أرسلان لا تقلق، أحدهم أخبرني أن هناك أحد رجالي ينتظرني لأجل إيصال رسالة في غاية الأهمية .
هز له أرسلان رأسه وهو يبتسم يربت على كتفه مشيرًا صوب القاعة الخاصة بالاجتماعات :
_ استرح جلالة الملك وسيصلك ما تريد حيث كنت .
نظر له آزار برفض لحظي إذ كان هذا الخطاب الذي وصل يعني له أكثر من مجرد خطاب، فقد كان الرجل الذي طلب رؤيته هو نفسه من كلفه بتقفي أثر ولده بعدما اختفى من المملكة بشكل كامل .
ويبدو أن أرسلان قد أبصر اعتراضه الواضح في عيونه :
_ هل هناك شيء خطير في الخطاب جلالة الملك ؟!
ابتلع آزار ريقه وهو يحاول التحدث بأي شيء، في اللحظة التي قاطع وقفتهم سالار الذي اقترب يحمل بين يديه خطاب وهو يتحدث بعدم فهم :
- ما الذي يحدث هنا ؟؟ هل هناك شيء خاطئ ؟!
نظر له أرسلان ونفى برأسه بهدوء، ولم يكد يتحدث أو ينفي كلمات أرسلان حتى سمع صوت آزار يتساءل بلهفة كبيرة وهو يشير صوب الخطاب بين أنامله :
- ما هذا الخطاب سالار ؟! هل هو ما جاء به أحد رجالي ؟!
نظر سالار صوب الخطاب ثواني قبل أن يدرك ما جاء لأجله:
- نعم هذا الخطاب أحضره لك أحد رجالك، طلب مني أن أوصله لك وأخبرني أنه هام للغاية .
رفع له آزار عيونه ومن ثم مد يده بتردد وقد دعى الله من أعماق قلبه أن تحتوي طيات هذا الخطاب على ما يطمئن قلبه على ولده .
ولده نفسه الذي لولا هربه منه لكان الآن قد قُتل شنقًا بحبال صنعها هو لأجله، ابتلع ريقه يرفع الخطاب أمام عيونه وهو يحاول أن يتمالك ملامحه أمام أعين أرسلان المتفحصة لما يحدث ورغم أن أرسلان لم يكن من عادته الفضول، إلا أنه في هذه اللحظة شعر بالريبة والقلق على الملك آزار لذا لم يتحرك خوفًا أن يكون هناك ما يحدث معه .
بينما سالار ظل واقفًا ليطمئن أن جميع أمور خاله ومملكته تسير على ما يرام خاصة مع ملامح خاله التي كانت مثيرة للريبة في هذه اللحظة .
فتح آزار الخطاب بسرعة كبيرة وهو يمرر عيونه بلهفة ملحوظة على الأحرف، يبحث عما يسكن نبضات قلب أبٍ مكلوم، وفجأة شعر بأن العالم توقف من حوله وجميع الاصوات هدأت فجأة وهو يرفع عيونه للجميع.
ليزداد قلق الاثنين عليه ويهتف أرسلان وهو يمسك كتفه بمؤازرة :
- عم آزار ما بك ؟! أخبرني إن كان هناك ما حدث وتحتاج مساعدة مني أو من ....
قاطعه آزار وهو يهتف بصوت منخفض يعلم في هذه اللحظة أنه يسلم ولده لموته بنفسه :
_ عثروا على نزار، أنه...في سبز رفقة الأميرة توبة ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" هل اشتقتم للعم أرسلان ؟!"
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل
الثلاثون | وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا |
ليس دوماً يُبتلى الإنسان ليُعذّب، وإنما قد يبتلى ليهذّب.
- ابن القيم.
تفاعل قبل القراءة ...
صلوا على نبي الرحمة
ـــــــــــــــ
أصوات الهواء هي كل ما يمكن سماعه في المكان إذ يبدو أن أجواء مشكى في هذا الوقت من العام بدأت تشارك الجميع عواصفهم الداخلية وتجسدها على أرض الواقع .
وعلى عكس المتوقع ارتسمت بسمة واسعة على فم أرسلان بسمة كبيرة لا تليق لتسميتها بسمة في الواقع لولا أن المسمى الوحيد لحركة فمه تلك في اللغة كان ابتسامة، لذا كان يمكن تسميتها بسمة ويُضاف لها ما يخفف من لطفها كـ"مرعبة ".
_ يبدو أن الأميرة توبة غفلت عن تفصيلة صغيرة في قصتها وهي ترويها علينا سالار .
نظر سالار صوب آزار والذي كان في هذه اللحظة يراقب ما يحدث بوجه شاحب بعض الشيء، يحاول الحديث بأي كلمة من شأنها أن تخفف من الوضع :
_ ربما نحتاج للتفكير اولًا في الأمر قبل التحرك أرسلان، نحتاج لعقد اجتماع لتقرير الخطوة القادمة و...
نظر له أرسلان ببسمة صغيرة ثم حرك كتفه بهدوء شديد يهتف بصوت هادئ لا يدري سالار من أين جاء به أرسلان والذي كان عنوان للعنفوان والغضب :
_ دعنا نتجاوز الحديث في هذا الأمر جلالة الملك فأنت تعلم أنني لن أكون لطيفًا فيما يتعلق بهذه النقطة تحديدًا.
_ أرسلان لا يمكنك التصرف في هذه الأمور وحدك خاصة وأن المعني هو أحد أفراد مملكتي و...
- وهذا الفرد ماذا فعل مولاي ؟؟ خالف أوامرك وحكمك وهرب منك صحيح ؟؟ إذن دع الأمر لي وأنا اتولى من هنا، إذ يبدو لي أنك لم تحسن تربية ولدك جلالة الملك لذا دعني أنا اتعامل معه و...
ازداد غضب آزار من سخرية أرسلان اللاذعة وشعر أن النيران نشبت في صدره وقد أحاطت به شياطينه وهو يهتف دون تحكم بغضبه وقد كان هذا اسوء ما يمتلكه آزار، فإن كان أرسلان متهور درجة فأزار كذلك مائة درجة :
_ لكل هفوته أرسلان، كان نزار هفوتي كما كنت أنت هفوة كبيرة بالنسبة لوالدك، فكلنا نعلم أن نهاية والدك لم تكن الافضل بسببك و...
فجأة توقف حديث آزار والذي كان صادرًا من أب معذب مكلوم يقف على حبل رفيع بين واجبه وبين مشاعره كأب مجروح من ولده، توقف عن الحديث بسبب صرخة سالار الذي هتف بصوت مرتفع هز جدران المكان ولأول مرة يتجرأ ويصرخ في وجه آزار :
_ خـــــــــــالـــــي .
انتفض جسد آزار ليس رعبًا من صرخة سالار، بل صدمة بما نطق به لاوعيه، وكأنه لم يتحكم بكلماته التي خرجت منه وخرجت من جزء اللاوعي دون سيطرة من عقله، اتسعت عيونه برعب وهو يرفعها بتردد صوب وجه أرسلان الذي كان كالصخرة لا يشي بشيء داخله ولا يعبر عن نيران صدره .
ارتجفت يد آزار بلا شعور وهو يهمس بصوت خافت :
_ أرسلان والله الذي لا إله إلا هو كان شيطاني هو من يتحدث و....
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم حرك رأسه بهدوء يهتف له بنبرة لا توحي أيًا مما يكمن داخل صدره :
_ لا بأس جلالة الملك، نتحدث إذن حينما ينصرف شيطانك .
ختم حديثه يربت على كتف آزار، ومن ثم نظر صوب سالار بنظرة سريعة ومن بعدها هز رأسه مودعًا يرحل من أمام الجميع تاركًا آزار يراقب ظهره بعجز وصدمة واحتقار لذاته.
_ هل تعتقد أنه قد ....قد ....يحمل في نفسه شيء مني و....والله لا اعلم كيف نطقت تلك الكلمات الـ
صمت بعجز وقلة حيلة، بينما نظر سالار صوبه بلوم سرعان ما اخفاه وقد اشفق على خاله من مقدار الوجع الظاهر في عيونه، حرك عيونه صوب الطريق الذي سلكه أرسلان قبل ثواني ثم تحدث بوجع لأجله:
- لا تقلق خالي حتى وإن فعل فأنت تعلم أن أرسلان لا يطول غضبه وخاصة منك وهو يعلم مكانته لديك، وأنك تعتبر ولد لك.
كانت كلمات سالار أشبه بجلدات وعتاب خفي لآزار الذي شعر بالقهر الشديد وهو يهمس بصوت موجوع :
_ والله لم اقصد، الله وحده يعلم مكانتكم جميعًا في قلبي وأنني لم احصل على ولد واحد فقط بل كنتم جميعكم بمثابة اولاد لي وعوض عما حدث .
صمت ثم همس بصوت مذبوح :
_ هل يجب أن نخبر إيفان لعله يساعدنا في أمر أرسلان ؟!
_ دع في البداية أرسلان يشفي جروحه ويعود، ومن ثم نرى ما يمكننا فعله له .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مولاي لقد ....
توقفت كلمات تيم قبل أن يخرجها من فمه وهو يبصر وجه أرسلان الذي كان مسودًا بشكل مرعب يتحرك بعيدًا عنه صوب المنطقة الخلفية للقلعة وكأنه يختفي بنفسه عن الأعين بحثًا عن ركن هادئ لينهار، ركن هادئ ليرثي نفسه ووالده وطفولته وشبابه وحياته وبلاده، يرثي عمره.
وأثناء تحركه صوب تلك البقعة التي لطالما جعلها ملجأ له من كل أحزانه ابصرها تتهادى مع شقيقته وزوجة دانيار بعيدًا عن أبصاره، وفي لحظة تهور كاد يتحرك صوبها يجذبها من بين الجميع معلنًا أحقيته فيها وأنه الآن الأشد احتياجًا لها من الجميع، لكن ليته استطاع كسر كبريائه والتحرك لها وأخبارها أنه يحتاجها .
ليته وليت الأماني تتحقق.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مرحبّا سيدي، أنا إلياس ابن خالتها لفاطمة وخطيبها ...
جملة كانت بمثابة قماشة حمراء لثور في أوج حالات غضبه، إذ كان المعتصم في هذه اللحظة لا يفهم ما يقول هذا الرجل، فقط مد يده يبادله المصافحة وهو يبتسم بسمة غريبة بعض الشيء تحت أعين فاطمة المتعجبة وألطاف المصدومة .
_ المعتصم بالله زوج فاطمة .
ختم كلماته وهو يوسع بسمته الغريبة يضغط على يد إلياس الذي دار برأسه بين الجميع بعدم فهم، قبل أن تتوقف عيونه على فاطمة خلف المعتصم والتي كانت تنظر له بريبة .
- ماذا ؟! هل تمزح معي يا سيد ؟؟ زوجة من ؟؟
- زوجتي .
_ هل أنت مجنون، كيف تتزوج مخطوبتي ؟؟
_ أمر الله يا بني، استيقظت في يوم وجدت نفسي متفرغًا فقلت لِم لا تقضي وقت فراغك هذا يا المعتصم في شيء مفيد كالزواج من فاطمة مثلًا، وهكذا ذهبت لها وعرضت عليها الأمر وهي وافقت واحضرنا الشيخ وعقد قرانا وهكذا أصبحت زوجتي، والآن أنا متشوق لسماع قصتك وكيف كانت زوجتي مخطوبتك يا سيد ؟؟
كان إلياس يتابع كلمات المعتصم الساخرة والتي تخفي خلفها غضبه حتى انتهى وحينما فعل، رفع عيونه صوب فاطمة يسألها بصدمة :
_ فاطمة هل هذا الرجل جاد ؟؟
وفجأة شعر بيد المعتصم تعيد نظراته له وكأنه على وشك خلع رقبته وهو يتحدث بتحذير :
_ حديثك معي يا هذا، لا توجه كلماتك لزوجتي .
نظر صوب فاطمة وأشار لها بعيونه أن تتحرك للداخل، لكن فاطمة كانت تقف مصدومة لا تفهم شيئًا مما يحدث ليصرخ بها المعتصم :
_ فاطمة تحركي للداخل رجاءً.
تدخل إلياس بغضب وهو يجذب رأس المعتصم له بضيق :
_ لا تصرخ بها هكذا، فاطمة ادخلي واحضري أغراضك دعينا نرحل من هنا .
نظر له المعتصم بشر ولم يكد يتحرك حتى يجز عنقه لتجاوزه بهذا الشكل وتحدثه لزوجته أمامه بهذه الطريقة.
لكن سبقته كلمات فاطمة والتي نظرت للشاب بأعين ضيقة وكأنها تفكر في شيء ما قبل أن تتحدث بكل جدية وبراءة .
_ من أنت ؟!
اتسعت أعين الجميع في المكان وفاطمة نظرت صوب المعتصم بأعين هادئة وهي تردد بصوت خافت وصل للجميع :
_ هذا الرجل هناك يشبه رجل آخر زارنا منذ سنوات وتشاجر مع أمي، ومن ثم رحل بعدما كسر الكوب الخزفي الأحمر الخاص بأمي والذي اشترته في يوم ميلادي التاسع .
كانت تتحدث والمعتصم يراقبها بأعين مصدومة من كلماتها، حتى انتهت من سرد قصتها القصيرة والتي وصلت لمسامع الجميع لتثير حالة من التعجب في المكان .
أما عن المعتصم فلم يقاوم نفسه وهو يهمس بصوت خافت :
_ تتذكرين كل هذا وتنسين أنني زوجكِ، حقًا ؟!
رمشت فاطمة وهي تنظر له بتوتر وقد عجزت عن التفكير في رد على كلماته، وهو شعر بذلك، فقط ابتسم لها بلطف شديد وهو يدفعها بعيدًا عن الباب ومن ثم نظر لألطاف وهو يقول بهدوء :
- سيدة ألطاف رجاءً كوني معها لحين أعود وأنتهي من حديثي مع هذا الرجل .
ومن بعد هذه الكلمات لم يعطي أحدهم فرصة كي يستوعب أو يفكر في رد، بل فقط جذب الشاب بعيدًا عن الباب وهو يغلقه بهدوء كي لا يفزع فاطمة يسحبه معه بعيدًا منعًا لوصول الصوت المرتفع لفاطمة، ومن ثم وحين ابتعد به لأحد الاركان ابتسم له بهدوء شديد :
- والآن رجاءً أخبرني بالتفصيل ما كنت تقوله في الداخل وأمام زوجتي عن كونك خطيب لها .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لوْ كنتُ أعلمُ أنَّ الحُبَّ يَقتُلنِي
أعدَدتُ لِي قبلَ أنْ ألقَاكِ أكفَانا!
• بشار بن برد
يجلس على فراشه وهو ينظر أمامه بصدمة مما حدث لا يصدق أنه كاد ينطق بما ضمر القلب لا يتخيل أن لسانه تسلح بكل تلك القوة لنطق كلمات كبتها بجبن قديمًا، لكن يبدو أن شجاعة قلبه وتهوره اوهمه أن أحلامه ممكنه، أنساه أنها في النهاية مجرد أحلام .
غفل عن أن ما من إمرأة واحدة تقبل أن يرتبط اسمها باسم رجل وصفه الجميع بالخيانة والغدر وأوصاف لا يليق أن تلتصق بتوبة لمجرد أنها قبلت بعاصٍ مثله .
أين لنزار العاصي بتوبة مثلها ؟؟
سقطت دموعه دون شعور لأول مرة منذ زمن طويل وهو يشعر بتفتت قلبه، وآه لو يسمح له الزمان لأخبرها بكل ما يدور داخل صدره، يخبرها أنه ليس بهذا السوء أنه والله ندم على كل ما فعل، ليس هذا الشيطان الذي يتحدث عنه الجميع، هو نزار ...نزار الرجل الذي عثر على ذاته بين أحضان توبتها .
لكن وهل تسمح له ويسمح له الزمان ؟؟
ابتسم بسخرية وهو يضم قدمه لصدره ينظر أمامه دون أن يحيد بنظراته عن الجدار وكأنه يبصرها متمثلة هنا، ودموعه عالقة بين رموشه، يشعر أن السعادة لم تقرر بعد زيارة أرضه المقفرة، لن تُروى أرضه البور بقطرات الفرحة هذا العام وقد بدا أن سنوات العجاف لم تنتهي بعد، لم يأتي عامه الذي يُغاث به .
دخل الوليد في هذه اللحظة وهو يتحدث بكلمات متلهفة وقد عاد بالأخبار كما تعهد لنزار والذي رغم أنه خرج من الجحر إلا أنه لم ينسى قسمه بالانتقام من الجميع :
- نزار اسمع آخر الأخبار لن تصدق لقد ... اشتعل الجحر بكل من فيه و...
توقف فجأة الوليد عن التحدث وهو يبصر وضع نزار الذي لم يكن يسمع ما قيل وكأن الوليد لم يتحدث حتى جواره، فقط ينظر أمامه بلا رد .
جلس جواره الوليد وهو يهزه بهدوء :
_ نزار هل تسمعني ؟؟ لقد أحضرت لك أخبار قد تسعدك و...نزار هل تبكي ؟؟
تنفس نزار بصوت مرتفع وهو يخفض وجهه يغرسه بين أقدامه يمسح دموعه، ومن ثم زفر بصوت مرتفع، ينزع رأسه عن أقدامه ينظر للوليد بهدوء شديد جعل الوليد يتعجب مما يرى لا يفهم ما يحدث .
_ ما الذي حدث يا الوليد ؟؟
_ هل أنت بخير ؟!
ابتسم له بسمة مذبوحة والجزار كان معروفًا، لكن من يلوم الجزار على ذبح الذئب الضار ؟؟
_ نعم بخير حال، دعك مني وأخبرني ما الأخبار التي احضرتها ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد تُعذبهُ في بعضِ دَلالها أشدَّ العذابَ وهي تحبهُ حُبًّا ليسَ عليه صبر!
-الرّافعي.
ويا ليت كان عذابها له مجرد دلال تمارسه عليه، ليته كان دلالًا تسوقه له، لكنه كان ....كان ....
الاسوء أنها لا تجد وصف لما بينهما، لا تجد وصف لما حدث، أخطأت وكان خطيعا اكبر من أن يمر دون عقاب، وما من عقاب أكبر من الاحتراق بنيران شوقها وحبها لرجل لا مرسى لأشرعتها على شواطئه.
مسحت دموعها حينما سمعت صوت استيقاظ والدها وهو يناديها، انتفضت عن مكانها تتحرك بسرعة صوبه ترسم بسمة باهتة على فمها :
_ أنا هنا يا أبي، هل أنت بخير الأن ؟؟؟ أخبرني الطبيب انك ستكون بخير حال وهذه الغشاوة على عيونك ستزول بعد أيام قليلة وربما ساعات.
مد بارق يده وهو يحاول الوصول ليدها، لتمسك هي كفه تقبله بحب شديد وهي تكبت صرخة قهر داخل صدرها ترسم بسمة بصعوبة رغم علمها أن والدها لا يبصرها .
ولم تكد ترفع عيونها له حتى سقطت دموعها على كفه تكشف له ما حاولت مواراته خلف كلماتها منذ ثواني .
_ توبة يا ابنتي ما بكِ ؟!
حاولت توبة أن تبتلع غصتها كي تتحدث بصوت طبيعي لا يثير الفزع بقلب والدها، حاولت وحاولت حتى فشلت وهي تقول بصوت خافت باكي :
_ لا شيء أبي أنا فقط ...
وفجأة انهارت قوى تحملها وهي تنفجر في بكاء مرير تسقط ارضًا جوار فراش والدها تدفن رأسها في الأغطية جواره تهمس بصوت باكي كلمات غير مفهومة .
أما عن بارق فقد انتفض بفزع يتحسس الفراش من الجهة التي يصله منها بكاء ابنته يهتف بلهفة :
_ توبة يا ابنتي ما بكِ، ما سبب بكائك يا ابنتي ؟؟ هل كل شيء بخير ؟؟ أنمار وطفلك بخير ؟؟
ازداد بكاء توبة وقد شعرت أن الحياة تلقي بكل ثقلها فوق اكتفاها ولم تعد تتحمل كل هذه الأوجاع لتصرخ بصوت باكي :
_ ليس بخير ...ليس بخير يا أبي، طفلي ليس بخير ...هز لقد قتله ...لقد رحل .... لقد...
فجأة صمتت حينما استوعبت ما نطقت به في لحظة قهر ويأس مما يحدث معها، ووالدها توقفت يده في الهواء بعدما كان يبحث عنها بشكل محموم، وقد اتسعت عيونه وشحب وجهه فجأة يهتف بعدم فهم :
_ ماذا ؟؟ لا افهم ؟؟ من الذي قتل من ؟؟ من مات ؟؟
ابتلعت توبة ريقها وقد لعنت نفسها في هذه اللحظة وشعرت بقرب توقف قلبها وهي تنظر لوجه والدها ثواني وفي ثواني اسودت الحياة أمامها وعاد الظلام يجتاح حياتها بعد ساعات قليلة من النور ...
دقائق مرت قبل أن تندفع من جناح والدها تركض بشكل هستيري بين طرقات القصر وهي تبكي بصوت مرتفع ورعب وكامل جسدها يرتجف بشكل مجنون، والجميع ينظر لها بخوف وعدم فهم.
تصطدم بهذا وذاك دون أن تتوقف للإعتذار أو التبرير، والجميع يتابعها بخوف حتى أن بعض الحراس لحقوا بها بسرعة ليطمئنوا أن كل شيء بخير .
وهي لا تعي ما يحدث تركض بين الطرقات حتى وصلت للدرج تهرول عليه وهي تكاد تسقط بسبب ثوبها وعدم رؤيتها للدرج أسفل أقدامها .
وحينما وصلت لغرفته أخذت تطرق عليها بعنف وشكل مخيف جعل من بالداخل ينتفض بخوف وقد أشار نزار للوليد أن يختبأ وهو أخفى وجهه خلف اللثام يخفي خنجرًا في ثوبه .
ولم يكد يفتح الباب حتى وجد يد توبة تمتد له وهي تتعلق بثوبه صارخة ببكاء ورعب وتوسل :
_ نـــــزار أغثنـــــي، أبي لا يتنفـــــــــس .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حقًا زمرد ؟؟ بالله عليكِ توقفي عن هذه الأفعال، ألم تنضجي يا امرأة ؟!
حركت زمرد السيف بين يديها وهي تمنح سلمى بسمة واسعة، بينما الأخيرة تقف تضم يديها لصدرها دون أن تحمل سلاحها وقد قررت أنها يمكنها محاربة امرأة مسلحة بسيف دون سلاح ..
- كهرمان هوني الأمر على نفسك عزيزتي، انظري لزوجة أخيكِ أخذتها قطعة وسأعيدها قطعة كذلك، لكنني لا اعدك ما قد يحدث بتلك القطعة .
ختمت حديثها وهي تتحرك صوب سلمى التي ظلت واقفة تنتظر اقترابها وبمجرد أن رفعت سيفها هتفت كهرمان بغيظ وغضب شديد :
- زمرد هل جننتي تحاربين امرأة بلا سيف ؟؟
_ أوليست هي من اختارت ؟!
وما كادت تنهي كلمتها حتى رفعت سيفها تحركه بالقرب من جسد سلمى بحركة عادية لم تكن تقصد منه حتى هجوم، بل فقط كانت تمازحها، لكن يبدو أن سلمى لم تكن في مزاج للمزاح وهي تتحرك بسرعة كبيرة تتجنب اتجاه السيف وقبل أن تستوعب زمرد ما يحدث كانت سلمى تمسك السيف وهي تنظر لها ببسمة واسعة، ومن ثم تبعت البسمة بتحريك قدمها بكل بساطة مسقطة زمرد ارضًا، ومن ثم انتزعت منها السيف وهي ترفعه في وجهها :
_ الأمر ليس بمن يحمل السيف، بل يمن يمتلك عقلًا عزيزتي .
نظرت لها زمرد ثواني طويلة قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فمها وهي تنظر لكهرمان خلفها والتي كانت تتابع ما يحدث باستمتاع شديد وعدم تصديق تهتف بجدية :
- حسنًا أنا احببت هذه المرأة، سنقضي اليوم في القتال .
انتهت من كلمتها وهي تنهض بسرعة تحمل السيف تتخذ وضعية هجوم، بينما سلمى نظرت لها وهي تتخيل مجرد مجرم يحمل سكينًا، وعلى هذا الأساس تعاملت معها.
شرعت زمرد تلقي بضربات ضعيفة متوقعة صوب سلمى خوفًا أن تمسها بسوء والأخيرة لا تحمل سيفًا، وكم كان ذلك الرفق في القتال أمرًا مرهقًا وبشدة، لدرجة أنها ألقت السيف ارضًا تنفخ بضيق شديد .
_ حسنًا هذا ليس ممتعًا، أنصحك بتعلم القتال بالسيف حتى استمتع بالقتال دون أخذ الحيطة، هذا مزعج وانتي ادرب طفلًا .
ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فم سلمى:
_ نعم هذا باعتبار أنكِ تتفوقين عليّ .
_ أنا أفعل يا فتاة و....
وقبل إكمال كلماتها كانت سلمى تمد قدها تعرقلها لتسقط زمرد ارضًا وهي تطلق تأوهًا غاضبًا ترفع عيونها صوب سلمى التي ابتسمت لها بلطف وبراءة .
ضحكت كهرمان عليها، وهي تتحرك كي تساعدها في اللحظة التي كانت ومرد تستعد لبدء قتال آخر، ومن ثم مدت كهرمان يدها تساعدها على النهوض مبتسمة :
_ هيا انهضي .
أمسكت زمرد بيدها وهي تنهض تنظر لها قائلة بهدوء وعيون تطلق نيرانًا :
- لا بأس بكِ يا فتاة .
_ لا بأس بي ؟! يا امرأة لقد طرحتك ارضًا منذ ثواني مرتين وقبل أن تدركي ما يحدث حولك وتقولين لا بأس بي ؟؟
- هذا لأنني سمحت لكِ بهذا، لم أكن اتخذك خصمًا جادًا لي فأنتِ اولًا عزلاء وثانيًا زوجك متجبر، لذا أنا لا أحب المشاكل مع زوجك ولا زوج تبارك فلا تفاهم لي معهم.
أطلقت كهرمان ضحكة مرتفعة وهي تهز رأسها موافقة :
- نعم هي محقة، زمرد وقبل أن تكون زوجة دانيار كانت مجرمة بالمعنى الحرفي وليس مجرد تعبير مجازي .
نظرت سلمى بصدمة لزمرد التي أخذت السيف تنظفه وهي تبتسم بسمة ساخرة :
- آه منها الأيام، لقد كنت استيقظ على جثة وأنام على كفن، لم أكن أنام هانئة البال إلا بعد إصابة خمس رجال بإعاقة دائمة وعشرة بفقدان حياتهم، ذكريات لا تنسى والله .
اتسعت أعين سلمى أكثر:
_ حسنًا أنتِ مرعبة حقًا، ما رأيك بتلقي علاج مجاني معي ؟؟
نظرت لها كهرمان ومن ثم زمرد التي اقتربت منها تربت على كتفها :
_ عالجي نفسك في البداية يا ابنتي، فمن تحب وتتزوج رجل كزوجك تحتاج لعلاج فوري، بالله ماذا وجدتي بالرجل غير الغضب والصراخ والوجه الصخري .
_ هذا أخي زمرد .
_ وهذه الحقيقة كهرمان .
ابتسمت سلمى على كلماتها ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى أبصرت جسد من بعيد يعبر صوب جهة تقبع في نهاية القلعة، وذلك الجسد تعلمه جيدًا، والذي لم يكن سوى لزوجها العزيز .
ضيقت عيونها وهي تسير مبتعدة عن الجميع تقول بلا انتباه لما تفعل :
_ حسنًا يا فتيات لحظات واعود لكما، سأرى شيئًا واعود.
ومن بعد تلك الكلمات اختفت في ذلك الاتجاه الذي سلكه أرسلان منذ ثواني تحت أعين زمرد المتعجبة واعين كهرمان المصدومة إذ كانت سلمى تهرول في هذه اللحظة للجزء الذي كان محرمًا على الجميع أن يطأه حتى مذ كان أرسلان مجرد مراهق يذهب هناك ليختلي بنفسه بعد كل شجار مع والده أو كلما ضاقت به الحياة .
تحدثت زمرد وهي ترى نظرات كهرمان المتيقظة والشحوب الذي بدأ ينتشر على ملامحها :
_ كهرمان ؟؟ ما الذي يحدث ؟!
_ لا ادري، لكن عساه خير زمرد ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى صَديقاً
فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا
إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِذِلَّةٍ
فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا
وَلا تَستَطيلَنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ
وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا
فَما يَنفَعُ الأُسدَ الحَياءُ مِنَ الطَوى
وَلا تُتَّقى حَتّى تَكونَ ضَوارِيا
حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى
وَقَد كانَ غَدَّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا
- المتنبي .
تحركت في أعقابه وهي تتعجب الطريقة التي يتحرك بها وكأنه مخدر وكأنه لا يبصر ما يحدث حوله، يسير دون حتى أن ينظر حوله وكأن أقدامه تحفظ الطريق، وهي تتحرك خلفه بهدوء ولم تكد تناديه تستفسر منه عما يحدث، حتى وجدته يتوقف أمام مبنى صغير يدخل له بهدوء، ومن ثم اغلق الباب خلفه ببساطة .
اقتربت سلمى من المبنى والذي كان بدائيًا بشكل غريب لا يلائم القلعة ولا بنائها الفخم، بناء كما لو أن من بناه لم يكن يهتم لأن يحيا به إنسان .
توقفت أمامه وهي تنادي بصوت خافت مرتاب :
_ أرسلان... أرسلان أنت بخير .
لكن كل ما وصل لها هو الهدوء فقط، هدوء حتى كادت تظن أن من أحضرها هنا هو مجرد سراب ولم يكن أرسلان.
ابتلعت ريقها تخطو للخلف بنية التراجع وهي تنظر حولها تشعر بالغباء والتسرع، لم يكن عليها اللحاق به على أية حال لربما أراد أن....
ومن بين أفكارها تلك انبثقت همهمات وأصوات خافتة جعلتها تتعجب وهي تقترب مجددًا ببطء شديد تحاول أن تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تعلو بشكل غريب، تقترب أكثر من الباب وهي تفتح فمها تناديه مجددًا :
_ ارسلـ....
_ أنا لم أرد أن أكون السبب في موتك، لم أقصد أن أكون كذلك، لم أرد ذلك، لم ابتغي حكمًا ولم اسألك ملكًا لكنني ...كنت مضطرًا أنا آسف أبي.
شهقت سلمى بصوت منخفض وهي تفتح الباب بريبة وخوف مما سمعت، ورغم أن أرسلان من قبل كان قد أكد لها بشكل غير مباشر أن كل ما سبق وسمعته كان صدقًا إلا أن كلماته في هذه اللحظة كانت صدمة لها وهي تخطو لذلك المنزل الصغير تحاول رؤية أرسلان من بين ظلامه .
لتتوقف فجأة وقد هالها ما رأت، أرسلان يجلس في أحد الأركان وهو يمسك بين يديه معطف ويحدثه بصوت هامس.
ابتلعت ريقها تحاول أن تسيطر على صوتها الذي خرج مرتجفًا مرتابًا دون إرادة منها :
_ أرسلان... أرسلان هل أنت بخير ؟!
رفع أرسلان عيونه ببطء لها وفجأة من بين ظلام ملامحه التي كانت سائدة، اطال النظر لها وابتسم فجأة وهو ينظر لها ثواني، قبل أن تتساقط دموعه بلا شعور منه حتى وهو ما يزال ينظر لها بنفس البسمة قبل أن تتلاشى وهو يهمس بصوت موجوع :
_ لست سيئًا سلمى ...
انتفض جسد سلمى تهرول له بفزع وهي تجلس على ركبتيها أمامه تجذب رأسه لها وهي تميل عليه تقبلها بخوف وصدمة من بكائه وقد كانت المرة الأولى التي تبصر بها أرسلان يدمع حتى ولو بدون صوت، تجذب رأسه بفزع وهي تهمس بصوت خافت ملتاع :
_ لست سيئًا، والله لست سيئًا، بل انت الأفضل أرسلان، أنت افضل إنسان في هذه الحياة، اعمى من لا يبصر ذلك.
سقطت دموع أرسلان وقد شعر أنه ولأول مرة في هذه الحياة يبتغي أن يسمعه أحدهم، لأول مرة لا يخجل أن يظهر جروحه لأحدهم، لأول مرة ينهار بين ذراعي أحدهم..
وقد كان ذلك الاحدهم وبعد هذا الزمن الطويل من الكتمان، هي زوجته .
ومن بين دموعه القليلة الصامتة تحدث بكلمات غير مترابطة وكأنه لا يصدق أنه يتحدث اخيرًا بما يدور داخله، لا يصدق أن وقت الإفراج عن أحزانه قد حان .
_ لقد كنت دائمًا الولد السييء الذي لو وقع الاختيار بيده ما كان ليختاره، فعلت كل شيء لأجل أن يفتخر بي بين الجميع، عذبت نفسي بالقتال منذ كنت طفل لا يدرك حتى كيف يشكل كلمات صحيحة، أجبرت نفسي على تحمل الاوجاع والضربات التي كنت اتلقاها حين تدربي مع جنود يفوقونني حجمًا، كنت أبيت ليلتي وأنا أضمد جراحي بنفسي كي لا يبصرها ويغضب لإصابتي بها .
ازداد الوجع في صوته وهو يهمس لها بكلمات جعلت يدها تتجمد في الهواء بصدمة مما تسمع، قرأت يومًا عن ذلك الطفل المسكين الذي جُرّ من طفولته نحو نضج مبكر، لكن في احلك خيالاتها لم تفكر في كل ذلك .
_ والله لم اشتكي يومًا طالما كنت أرى الرضى في عيونه، ولم افعل، لم أر يومًا الرضى في عيونه سلمى، كان ....والد إيفان ووالد سالار جميعهم يفخرون بأولادهم وأنا.....
توقف وقد بدا أن وجع الماضي قد عاد له نفسه، ورغم ذلك لم ينهار في بكاء متوقع منه وكأنه يرفض أن ينهار لأجل ماضي أقسم ألا يهزمه، لكن الألم على وجهه كان قاتلًا يبدو أن جميع أحزانه تكالبت عليه في هذه اللحظة وأمام الشخص الوحيد الذي لم يتمنى يومًا أن يظهر ضعفه أمامه، الشخص الوحيد الذي أبى أن يظهر أمامه اوجاعه بهذا الشكل، لكن يبدو أن سد صبره انهار وفيضان اوجاعه انطلق .
_ كان يجهزني للحكم كما يدعي ووالله لم اطلب حكمًا، طلبت أبًا، لم اطلب شيئًا كثيرًا، لكن ...حينما كنت شابًا وبدأت أنضج وقد كان من المفترض أن يبدأ بإعدادي لتسلمي الحكم، وجدته ذات ليلة يأتيني غرفتي ليلقي بأوامره كالعادة في وجهي .
" أتدري كم كنت انتظر لحظة تنصيبك ملكًا لمشكى ؟!"
رفع أرسلان عيونه لوالده يمنحه بسمة صغيرة ولم يتحدث بكلمة، بل فقط استمع له بصمت، ووالده اقترب منه ينظر له نظرة غريبة :
" عمرًا بأكمله أرسلان، تمنيت أن تكون ملكًا يخلفني ويحكم البلاد بيد من حديد، لكن ..."
صمت ثواني ينظر في عمق عيون ولده والذي كان يناظره بقوة وبأس شديد، قبل أن يلقي في وجهه قنبلته :
" لكن المُلك لا يناسب ذوي القلوب الطيبة والخائنين، يحتاج لمن يحكم البلاد ببأس يا بني، لذا للأسف اكتشفت متأخرًا أنك لا تصلح بأي شكل من الأشكال لهذا المنصب "
رفع أرسلان حاجبه ولم ينتفض أو يثور معترضًا كما كان متوقع منه، بل فقط ابتسم يهز رأسه وهو يقف أمام والده ينافسه طولًا، ينظر له بهدوء مبتسمًا :
" وكيف يا ترى اكتشفت هذا الاكتشاف ومن ساعدك في الأمر ؟! "
" هل تسخر مني يا ولد؟!"
" لم أعد أبي، لم أعد ولدك الصغير، على كلٍ أخبرتك مئات المرات أنني لا يعنيني حكمًا، اطال الله لنا في عمرك لتحكم البلاد سنوات عديدة، وأنا اكتفي بقيادة الجيش كما أنا و..."
" ليس أنا."
" عفوًا"
كانت كلمة متعجبة منه ليلقي له والده بالخبر الذي قلب حياته رأسًا على عقب :
" لن أكون أنا الملك، للأسف لقد اضطررتني لهذا أرسلان، سننقل الحكم من عائلتنا لعائلة عمك ومن سيمسك الحكم بعدي سيكون ابن عمك وبعد شهرين في احتفال الممالك سيتم تنصيبه ملكًا لمشكى "
اتسعت أعين سلمى وهي تسمع كلمات أرسلان الذي كان قد توقف عن بكائه وعاد الجمود يحتل ملامحه وكأنه لم ينهار لحظة واحدة، كانت هي تجلس ارضًا وهو يضع رأسه على قدمها شاردًا بالسقف يكمل حديثه :
- بعد سنوات طويلة أفنى بها طفولتي ومراهقتي وشبابي واضاع احلامي وجعلني أعاني بها كل أنواع العذاب، قرر أبي أنني لا أصلح لأن أكون الملك، وبالطبع كان السبب في إيصال هذه الأفكار له هو عمي العزيز والذي استغل مرض أبي في نهاية حياته ليؤثر عليه، دبر لي مصائب عديدة ليثبت لأبي أنني لست مناسبًا وأن الأصلح هو ولده والذي يشبه أبي كثيرًا .
سلمى كانت فقط تستمتع بهدوء شديد وهي تداعب خصلاته وكأنها تساعده على الصفاء، قبل أن تقرر التحدث بصوت خافت تتوقع إجابة ونالت في المقابل صدمة جمدتها :
_ وهل اعترضت على ما فعلوا ؟؟
_ لا لم أفعل .
نظرت له بتعجب وهو ابتسم لها بسمة واسعة غريبة ينظر في عيونها بقوة قبل أن يهمس بصوت منخفض وهو يمد أصابعه يداعب وجنتها :
_ بل قتلتهم .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف تراقب النساء جميعهن في غرفة واحدة يجلس وكل تضم طفلها، والاعين هي فقط من تنطق بالمعاناة، ثواني فقط وقررت أن تقتحم الغرفة عليهن وهي تبتسم بسمة صغيرة :
_ السلام عليكم جميعًا ..
اتسعت الأعين بصدمة حينما أبصرن الوافدة والتي لم تكن سوى نازين، المتجبرة التي كانت تقف أمام بطش الرجال في الجحر وتغرز أصابعها في عيون من يمد عينه لها بوقاحة وتقتلع لسان من يتحدث بكلمة لا تعجبها على مسامعها.
_ نازين هذه أنتِ ؟! لقد ظننا أن... أن أنمار قد تخلص منكِ .
ابتسمت لهن بسخرية لاذعة :
_ هذا الاحمق جُل ما يفعله هو الصراخ والاختباء خلف رجاله .
تعجب الجميع ثوبها وقد تحدثت احداهن بصوت خافت :
_ كيف جئتي هنا و...منذ متى وأنتِ هنا ؟!
تحركت صوبهن نازين تجلس وهي تراقب الجميع قبل أن تقص عليهن ما حصل باختصار شديد :
- أنا من أرشدت الملك للجحر وأبلغته بمكان تجمعكن كل ليلة ليخرجكن من ذاك المستنقع وينقذكن من يد أنمار الحقير، الملكة أخبرته عنكن وأنا ارشدته للمكان.
ابتسمت إحداهن بامتنان شديد وقد كانت نازين هي أولى النساء اللواتي ينقذهن من بطش أنمار وأمثاله، لكن فجأة تحدثت احداهن وهي تنظر صوب نادين بجدية :
_ ألم تعلمي ما حدث، لم يعد الجحر بيد ذلك الأحمق أنمار، لقد انقلب عليه ذلك الرجل المسمى أصلان وسجنه في سجونه الخاصة وأصبح هو الآمر الناهي هناك، وصدقيني حينما أخبرك أن أنمار كان ودودًا لطيفًا مقارنة بذلك الوسخ المسخ .
اتسعت أعين نازين وهي تسمع من النساء والجميع يقص عليها ما حدث هنا وهي فقط ترهف السمع، ومن ثم بدأ البعض يخبرها عن الملكة وما فعلته هناك لاجلهن ومحاولاتها العديدة لتساعد النساء .
_ رغم أنني لم اقابلها بعد لكنني أدين بالشكر لهذه المرأة لمساعدتكن على الخروج بسلامة .
ابتسم البعض والبعض الآخر كان ما يزال يتخذ لنفسه ركنًا بعيدًا عن التجمع وقد شرد في حياته ومستقبله وكأنه لا يصدق أنهم خرجوا وأخيرًا من ذلك المستنقع .
شعرت نازين بالحيرة الواقعة على البعض وهي تفكر في طريقة لتساعدهن على التأقلم مجددًا مع الجميع، وكأنها هي تأقلمت حتى، لكن وقبل التحدث بكلمة سمعت صوت الطرق على الباب يعلو وصوت زيان ينطلق بهدوء :
_ لتخفض كلٌ حجابها رجاءً نود أخذ الاطفال المتبقيين للعلاج .
تمسكت كلٌ بطفلها في خوف شديد وقد شعرت نازين بترددهن، في اللحظة التي اخفضت كل واحدة حجابها يضمون الاطفال بخوف شديد .
بينما نهضت نازين تفتح الباب في اللحظة التي كاد زيان يطرق مجددًا ليوقف يده في الهواء وهو يبتسم لها بلطف شديد وقد التمعت عيونه لها وهو يهمس بصوت خافت :
_ مرحبًا نازين .
نظرت له نازين بعدم فهم لهذا التحول، يبتسم في وجهها بصفاء وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الزمان عاد بهما وهي في استقباله بعد عودته من المشفى تلتقط منه حقائب الطعام وهو يبتسم لها بحب يرحب بها، المختلف أنه في تلك الذكرى كان يتبع كلماته بقبلة حنون، ومن ثم يتحرك لمساعدتها فيما تريد .
شعرت بالتشوش وهي تحاول فهم سبب تغير مزاج زوجها والذي كان مكدرًا في الآونة الأخيرة، العجب أنه أصبح صافي الآن ؟؟
_ مرحبًا ...مرحبًا زيان .
ابتسم لها بحنان وهو يلمس كفها بحنان قبل أن يرفع عيونه صوب النساء في الخلف يتحدث بهدوء :
- أحضرت بعض العاملات لمساعدة النساء في أخذ أطفالهن صوب المشفى، أريد التأكد أن الجميع بخير .
ابتلعت ريقها وقد وترتها لمسته الرقيقة البسيطة وتشوش عقلها بتصرفه الغريب ذلك، لكنها حاولت تجاوز كل ذلك وهي تستدير صوب النساء تهمس بدون وعي وبصوت حاولت جعله متماسكًا :
_ لا تقلقن سوف يعتنون بالصغار هنا، لا أحد هنا سيؤذي طفل، وهذا ...هذا زيان...هذا ...
صمتت وهي تشير صوب زيان الذي كان يقف على أحد جوانب الباب في الخارج يغض ببصر عن الجميع، وهي فقط حاولت اخراج الكلمة لتتسع بسمته أكثر وهو يسمع ترددها ليتحدث بهدوء من الخارج :
_ هذا زيان زوجها .
اتسعت الأعين بصدمة وتحركت صوب نازين التي احمرت وجنتيها بقوة تحاول ألا تنظر في أعين أحدهم وترى كل الأسئلة التي انطلقت في هذه اللحظة صوبها .
_ نعم هذا زوجي صحيح .
كبت زيان ضحكته وهو يشير للعاملات بمساعدة النساء في إخراج الأطفال تحت نظرات الصدمة مما يحدث فمتى خرج لنازين زوج ومتى أصبحت نازين بكل هذه الوداعة والملامح البريئة بعدما كانت طوال الوقت شرسة تفتك بمن يقترب منها .
أما عن زيان فمال يجذب يد نازين بعيدًا عن الجميع بخطوات ثم مال يهمس لها بلطف :
_ هل تناولتي طعامك نازي ؟؟
رمشت نازين دون استيعاب لما يقول وقد كان ذلك اللقب هو دلالها منذ كانت طفلة وقد ابتكره هو خصيصًا لها :
_ نازي ؟!
_ نعم، هل تناولتي طعامك ؟!
_ زيان ما بك ؟؟
ابتسم لها بحب :
_ ما بي ؟؟
_ هذا ...هذه البسمة وهذا ما هذا أنا لا ...ما الذي يحدث هنا .
ضحك زيان ضحكة صغيرة ونظر حوله يتأكد من أن المكان فارغ قبل أن يميل بسرعة كبيرة يقتنص قبلة من وجنتها ومن ثم همس لها بصوت خافت ملئ بالمشاعر :
- لا يحدث سوى أنني اهتم بزوجتي نازين .
ختم حديثه في اللحظة التي سمع بها صوت الجميع وقد اخرجوا الصغار، ليتحرك هو بعيدًا بعدما همس لها جملة أخيرة :
_ أراكِ حينما انتهي مما أفعل حسنًا؟!
ومن بعد هذه الكلمات اختفى من المكان يتحرك صوب الصغار يحمل طفل صغير منهم يداعب خصلاته بحنان وحب ذكرها بأفعاله مع صغارهم، ومن ثم رحل بعدما التفت لها مرة أخيرة يلقيها بنظرة حنونة تاركًا ضربات قلبها تدوي في المكان حولها ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وتراهُ يصمِتُ كي يُواريَ حُبَّهُ
وبقدر ما تُخفَى المحبَّةُ تُعلَمُ
عبثًا يخبِّئُ سِرَّهُ في صَمتِهِ
من قالَ أن الصمتَ لا يتكلَّمُ."
كانت منهارة جواره وهو يحاول تدارك ما يحدث، والجميع في الغرفة الخاصة بالملك مصدومين مما يحدث، الأميرة توبة تتمسك بمرفق الطبيب وهي تتوسله وتردد بكلمات غير مفهومة ولا أحد يدرك ما يحدث .
توبة تصرخ وتبكي أنها السبب، ونزار يحاول أن يبعد يدها عنه دون أن يتسبب في إحراجها أو التقليل من شأنها أمام الجميع، والضوضاء تكاد تتسبب له في انهيار مماثل لانهيار توبة .
فجأة عم صمت تام في المكان بسبب صرخة الزبير والذي اقتحم الجناح يصرخ في الجميع بصرامة كبيرة :
- ما الذي تفعلونه هنا ؟؟ ما هذا التجمع، للخــــــارج جميعــــًا، للخــــــارج...
انتفضت جميع الأجساد وهروبوا للخارج بسرعة كبيرة بسبب نظرات الزبير والذي لولا تدخله لكان نزار فقد أعصابه من كل تلك الأعين التي كانت ترمق توبة بشفقة وفضول وصدمة، والله كانت لتكون ثواني فقط حتى ينفجر فيهم جميعًا بلا مقدمات .
بدأ الزبير يدفع الجميع للخارج بحدة وهو يفرغ المكان بأكمله إلا من الأميرة والطبيب، ونزار استغل انشغاله بإخراج الجميع ليهمس بصوت خافت وهو يمسك طرف ثوب توبة يبعد يدها عنه بهدوء شديد وعيونه كانت جامدة بعض الشيء يخفي خلفها لهفة وشوق مضني :
_ سمو الأميرة، رجاءً تمالكي نفسكِ، الملك سيكون بخير .
بكت توبة دون شعور وهي تهتف من بين شهقاتها :
_ أنا السبب في كل هذا نزار، لقد انتكس بسببي أخبرته ما حدث مع طفلي ولم يتحمل وفجأة سقط دون أن ينطق بكلمة واحدة و...
توقفت عن الحديث وهي ترى يد نزار تبعد يدها عنه، ومن ثم رماها بنظرة جامدة بعض الشيء، قبل أن يخفض عيونه ينظر صوب الملك يهمس بكلمات أخيرة هادئة باردة بعض الشيء :
_ سيكون بخير إن شاء الله، انصحك بالخروج فوجودك هنا لن يفيده على أية حال .
اتسعت أعين توبة بصدمة من كلماته وهي تنظر ليدها التي كانت تتمسك به دون شعور منها حتى، تحاول أن تستوعب ما حدث منذ ثواني وقد اصفرّ وجهها حتى أصبحت كالطيف الباهت بلا حياة ولا روح .
في اللحظة التي عاد بها الزبير وهو يتحرك ليساعد نزار يهتف بكلمات متلهفة مرتعبة على الملك :
_ هل كل شيء بخير، تحتاج لشيء اساعدك به طبيب ؟؟
نفى نزار برأسه في هدوء وهو يكمل عمله في طحن الاعشاب التي كان يحتفظ بها جوار فراش الملك :
_ كل شيء بخير، لم يحدث شيء هنا، فقط يحتاج لبعض الراحة وسيكون من الأفضل لو جنبتموه أي أخبار سيئة، وتلك الاعشاب يجب اعطائها له ثلاث مرات يوميًا، وسيكون بخير حال .
هز الزبير رأسه، ثم شرع يساعد نزار ليرفع جسد الملك حتى يمكنه من وضع الاعشاب بشكل سليم في فمه، بينما توبة تقف جوار الفراش تراقب ما يحدث أمامها بجسد متجمد واعين شاخصة وقد كانت يدها ترتجف ارتجاف الروح في ليلة باردة وكأنها تستعد للفراق.
سقطت دمعة أخيرة وهي تمسحها بسرعة تحاول التماسك وقد بدأت تلوم نفسها لهذا الانهيار السخيف الذي عاشته منذ ثواني على مرأى ومسمع من الجميع، لكن صدمتها فيما حدث وشيطانها الذي وسوس لها أن والدها رحل مجددًا وهذه المرة للأبد وبسببها جعلوا الجنون يتلبسها .
وقد يصفها البعض بالمجنونة، أو الغريبة، لكن تعامل نزار معها في هذه اللحظة وكأنها كل تلك الأيام بينهما لم تكن، تعامله معها وهو يتحاشى حتى رفع نظراته لها ولو بالخطأ حطم قلبها بقوة .
بللت شفتيها وهي تحاول التحدث، ليخرج صوتها خافتًا تراقب زبير الذي ابتعد كي يغلق الستائر ليساعد والدها في :
_ نزار ....
_ لا .
اتسعت عيونها بصدمة، بينما هو رفع عيونه لها واخيرًا، ويا ليته لم يفعل، على الأقل لم تكن لتبصر جمود وبرود نظراته نحوها بعدما كان ينظر لها وكأنها الحياة له .
_ سمو الأمير، أو الأمير الخائن، أو الحقير، ألقاب كثيرة يمكنك إطلاقها عليّ بدلًا من اسمي المجرد، لم يعد الأمر ممكنًا بعد الآن سمو الأميرة، والآن اعذريني عليّ الرحيل، إن احتجتم لشيء آخر رجاءً أخبروني .
ختم حديثه وهو يخفض نظراته يحرك رأسه لها، ومن ثم رحل ببساطة تاركًا إياها مع والدها والزبير، حتى أنها لم تشعر برحيل الزبير وخروجه من المكان .
لتنظر حولها وهي تشعر أنها وللمرة التي لا تدري عددها خسرت حياتها وأصبحت الدنيا باهتة أمام عيونها، تساقطت الدموع دون شعور وهي تتحرك لتجلس على مقعد جوار فراش والدها تراقبه بأعين دامعة ورغم الصمت كان الصمت أبلغ من مائة صرخة .
أما عن نزار فبمجرد خروجه ظل واقفًا أمام الباب في أحد الأركان ينتظر اللحظة التي يخرج بها الزبير حتى يرحل، وحينما أبصر خروجه تنهد بصوت شبه مرتفع ونظر للباب ثواني بأعين ضبابية، ومن ثم همس بصوت منخفض موجوع :
_ ربما ليس في هذه الحياة توبة، لو كانت الحياة غير الحياة والزمن غير الزمن، ربما حينها، ربما كنت جعلتك حياة اتمسك بها حتى لحظة الموت توبتي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت مجنون كيف تتزوج بامرأة ارتبطت بالفعل بي، أتخطب على خطبة أخيك ؟؟
ازداد المعتصم شراسة وجنونًا وهو يضرب ظهر الشاب في الجدار خلفه وقد اشعلته تلك الفكرة، هذا الرجل أمامه كان من الممكن في أي لحظة أن يختطف منه زوجته ومؤنسه الوحيد في هذه الحياة .
_ يخطب ماذا ؟؟ هذه امرأتي زوجتي، وإياك أن تخطر على رأسك أو تمر في خاطرك ولو بشكل عرضي حتى، وإلا طالبتك بحقي وعرضي الذي تفكر به بلا مروءة وأنت تدرك عقوبة الأمر هنا .
اشتعلت أعين الشاب بقوة ورغم كل شيء إلا أنه لم يتحدث بكلمة فالفتاة أصبحت الآن بموجب الشرع زوجة رجل غيره، وكم تحرقه هذه الحقيقة، فاطمة الصغيرة الرقيقة التي كان يخشى عليها الخدش حتى وأحبها أكثر من ذاته، ومنى نفسه بها كمكافئة يحصل عليها في نهاية الطريق، الآن أصبحت امرأة رجل آخر...
_ هي كانت مخطوبتي في البداية وهذا الاتفاق كان بين والدي ووالدها، و...
_ وماذا ؟؟
صمت إلياس ولم يتحدث بكلمة وقد على القهر داخل صدره وملئت الحسرة عيونه وهو ينظر للمعتصم نظرة من سُرقت منه أنفاسه، وسُلب حقه في الحياة .
_ كانت حلمي الوحيد في هذه الحيا...
وقبل إكمال جملته كانت صرخته تعلو في المكان بشكل مرعب بعدما ضرب المعتصم رأسه في الجدار خلفه وقد بدأت صرخاته تعلو بجنون :
_ قسمًا برافع السماوات إن سمحت لنفسك أن يمر طيفها فقط على خاطرك لأحرقتك حيًا، إلا زوجتي ولا تتجاوز حدودك معي، وإلا أحلت جميع احلامك لكوابيس .
فجأة توقف عن الحديث والصراخ حينما سمع همسها خلفه وهي تقول بصوت مرتجف مرتعب:
_ يا المعتصم ما الذي تفعله أنت ؟!
اغمض المعتصم عيونه بقوة وهو يضغط على قبضته ولم يكد يتحدث حتى سارع الشاب وهو يهتف بغضب وحقد شديد :
_ يحاول قتلي، زوجك يهددني بالقتل فاطمة أي نوع من المجرمين تزوجتي أنتِ ؟! الرجل كاد يحطم رأسي في الجدار خلفي.
حركت فاطمة عيونها بين المعتصم وإلياس، وقد شعر المعتصم بالغضب يندفع داخله بقوة مرعبة، عالمًا أن فاطمة قد تخشاه إذا رأت به شخص قاسي كما يحاول ذلك الرجل أن يخبرها عنه، لذا عض شفتيه بغضب كبير وهو يتحرك صوب الرجل بسرعة وهو يجهز نفسه للصراخ، قبل أن تمسك فاطمة يده بسرعة وهي تنظر له بخوف ذبحه
ليس مجددًا، ليس مجددًا .
يدور بدائرة مفرغة كلما ظن نفسه وصل وجد أنه لم يتخطى نقطة البداية حتى، ابتلع ريقه وهو يجهز نفسه ليبرر لها ما يحدث .
لكن فاطمة قاطعته وهي تميل عليه، تتمسك بمرفقه تهمس بصوت منخفض مرتجف وصل واضحًا للأثنان :
_ لا تقترب منه يا المعتصم، هذا الرجل يبدو خطيرًا، هو ينظر لك بشر، أخشى أن يؤذيك، يبدو شريرًا، انظر له كيف يحدق بك .
اتسعت عيون إلياس بقوة، بينما المعتصم نظر لها بصدمة سرعان ما ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه وهو يحرك عيونه بينها وبين إلياس، يخفض غطاء الوجه الخاص بها، ومن ثم أمسك كفها بحنان شديد ومن ثم نظر صوب إلياس :
- لا تقلقي فاطمة فالرجل الشرير سيرحل الآن، حتى لا يأكله الوحش .
_ أي وحش هذا ؟!
هكذا همست له فاطمة بصوت منخفض ليبتسم المعتصم بسخرية وهو ينظر لإلياس وهو يخفي فاطمة خلفه :
_ الوحش الذي يتناول الأشرار الذين يحاولون الاقتراب من الأميرة .
_ ومن الأميرة ؟!
_ دعينا نرحل من هنا ومن ثم يمكنني اخبارك من هؤلاء حبيبتي.
ختم حديثه وهو يلقي إلياس بنظرة أخيرة يسحب زوجته بعيدًا عنه بهدوء وحينما تأكد أنها دخلت لغرفتهم، حتى عاد بسرعة يرفع إصبعه بتحذير في وجهه يهتف بشر:
_ فقط دعني المحك بجوارها، والله لولا أنني لل أريد أن احمل ذنب اذية شخص لحطمت عظامك، لكن المرة القادمة سأحيلك لرماد...
ابتسم له إلياس بسخرية، ليرد له المعتصم البسمة بالمثل يميل عليه هامسًا :
_ لا تغرنك ملامح الرجل الهادئ فأنا أكثر الرجال حقارة، وكان الله بالسر عليم، فلا تدفعني لإخراج ذلك الشاب الفاسد الذي دفنته أسفل تلال التقوى ها ؟!
أنهى حديثه وهو يربت على كتفه، ومن ثم ابتسم له بسمة صغيرة، ورحل خلف زوجته يلقي له بنظرات تحذير قاتلة والياس فقط يراقبه بضيق شديد .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
«ورُبَّما كانَ الفتى باسِمًا، وكانَ كلُّ الهمِّ في قلبهِ.»
- الرَّافعيّ.
توقفت يد سلمى بصدمة عن مداعبة خصلاته وقد شعرت بتجمد الدماء داخل أوردتها، و انقطعت أنفاسها لجزء من الثانية، قبل أن تشعر بيد أرسلان يجذب يدها مجددًا يضعها على شعره بهدوء، ينظر لعيونها بكل براءة، يهتف بصوت منخفض:
_ أُجبرت على قتلهم سليمى، لم أكن أريد أن تتلوث يدي بدمائهم، معاذ الله أن تتلوث يدي بدماء مسلم، لكنهم لم يكونوا .
ارتجفت يد سلمى وهي تحركها بهدوء في شعره وقد شعرت أنها للحظة نست كيف تتعامل مع مرضاها وكيف تظهر لهم تفهمًا، لكن هذا ليس مريضها، هذا زوجها الذي تكالبت عليه الحياة بكل ثقلها .
ابتسمت له بلطف وهي تداعب خصلاته :
_ أعلم أن هناك سبب قوي لما فعلت أرسلان، لم اشك بك للحظة واحدة .
تنفس أرسلان براحة شديدة وهو ينظر في عيونها وقد بدا أنه وأخيرًا وجد يتفهمه :
_ لقد ...كان عمي خائنًا، أراد بيع البلاد للمنبوذين وقد كان احدهم، لذا في البداية ابتغى الحكم لولده وقد كانت هذه خطوته الاولى، زرعوا في رأس والدي عدم استحقاقي للمُلك ومن ثم بدأوا بزرع الكثير من اعوانهم في الحكم والجيش وقد بدأت البلاد تتدهور والاقتصاد ينهار والحياة أصبحت بين الشعب لا تطاق، كل هذا ووالدي لم يسلم لهم الحكم بشكل رسمي بعد، كنت فقط اشاهد من بعيد نتائج اختيارات والدي واتابع ما يحدث حتى كانت الطامة الكبرى .
" ما الذي تريده مني ؟!"
ظل أرسلان ينظر لوالده بترقب وكأن جملة والده السابقة لم تكن مكتملة، وحينما رأى علامات الهدوء على وجه والده تحرك صوبه يتحدث بذهول :
" ما الذي أريده منك ؟! أخبرك أن هناك منبوذين بين الجيوش وبين الشعب وداخل القلعة، لقد زرعوهم بين اعوانك ومستشاريك حتى، اليوم أمسكت اثنين واعترفوا أن عمي هو من دسهم بين الجيش و..."
" عمك كان محقًا حينما أخبرني أنك لن تصمت على أمر تنصيب ولده كملك وأنك ستخرج بالكثير من القذارة فقط لتمنع ما سيحدث "
" اخرج بكثير من القذارة ؟! يبدو أن السن أصبح أكبر أعدائك يا أبي إذ أنك لم تعد تزن الأمور بذكاء كما اعتدت منك، إما هذا أو أن شقيقك قد غسل عقلك بأكاذيبه "
" هل تتهمني بالخرف أرسلان ؟؟"
" بل اتهمك بالتواطئ معهم يا أبي، تصديقك لهم أكبر داعم لما يفعلون و... أنت لا تساعدني، أبي أنت لم تكن هكذا لقد كنت أشد الرجال على الأعداء، ما الذي حدث لك ؟!"
" ما حدث أنني اكتشفت ما تخطط له أرسلان، لقد صدمتني، تود الانقلاب عليّ وتستغل مكانتك بالجيش ؟!"
اتسعت عيون أرسلان بصدمة وهو يقترب من والده يهتف بعدم تصديق :
" انقلب على من أبي ؟؟ هل ... أنا لم أفعل اقسم بالله لم أفعل، من أخبرك بهذا ؟! شقيقك الحقير الذي تعاون مع أعداء الله ليخرب البلاد و...."
وقبل إكمال جملته قاطعته صفعة والده والتي تركته متجمدًا، عيناه شاخصتان إلى الفراغ، وكأنه فقد القدرة على الحركة أو الكلام. وجهه الشاحب يكسوه تعبير من الذهول والصدمة، جسده يرتجف، والهواء يبدو كأنه قد فرغ من رئتيه، فبات صامتا لا يصدر عنه سوى أنفاس متقطعة .
"لقد أراني عمك كل شيء واعترف عليك الكلاب الذي حرضتهم على خيانتي أرسلان، اتضح أنني ربيت طوال حياتي افعى، أول من بخ به سمه هو والده، كسرت هامتي وكسرت ظهري الذي كنت استند عليه أرسلان، لِم يا بني ؟؟"
رفع أرسلان عيونه لوالده وهو ينظر له ثواني قبل أن يهتف بصوت ميت واعين حمراء غاضبة مقهورة:
" لم أفكر يومًا في الانقلاب عليك يا أبي، ولأجل ماذا ؟؟ حكم لا أطلبه ومُلك لا ارجوه؟؟ تحملت طوال لحياتي ما تشيب له الرؤوس وتنحني له الجبال، ولم ابتأس طالما كان ذلك يرضيه، ويا ليته فعل، تحملت وصمت طالما توقف الأذى عندي "
صمت ثواني قبل أن يصرخ بكل صوته في وجه والده :
" لكن أن يتمادى الأمر لشعب لا ذنب له، فوالله هذا ما لن اسمح له ولو كان المتسبب أنت أو عمي أو المخنث ولده، الافعى التي ربيتها ستبخ سمها يا أبي لكن ليس بك فقط."
ارتفعت صرخاته تهز الارجاء بشكل مخيف :
" بل بك وبجميع عائلتك وسلالتك، والله لن اذر منهم فردًا واحدًا "
شعر بيجان بالصدمة من كلمات ولده وقد بدا أن أرسلان وصل لحافة صبره وقد تفتت اسوار تحمله وفاضت انهار غضبه :
" ماذا تقول أنت و..."
" ربما فشلت في الماضي أن أكون الولد الذي تتمناه رغم كل ما فعلته، إذن دعني احقق كلماتك الآن، والله لن أسقط لك كلمة "
" ماذا تقصد ؟؟"
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة يتحدث بشر وعنف :
" إن كان وجودك عى العرش بوابة لهم ليندسوا بين الشعب ويخربوا البلاد، إذن سأحطم هذه البوابة، أيام حكمك انتهت يا أبي....."
خرج من أفكاره وهو يهمس بصوت معذب ونبرة يكتم بها غصته ومازالت أنامل سلمى تداعب خصلاته بحنان تشعر بمقدار وفظاعة ما حدث له ذلك الوقت .
_ كنت مجبرًا على الأمر، لو تركت له الحكم يومًا آخر لتحولت البلاد لرماد، جمعت رجالي في الجيش ومن أثق بهم، واخبرتهم بالأمر ومن ثم بدأت الانقلاب على حكم أبي واسرت جميع أعوان عمي وكل من أراد بالبلاد سوءًا، وأثبت خيانته وولده و..قتلتهم في ساحة القصر، بيديّ قتلتهم دون أن يرف لي جفن، أما أبي فقد الزمته جناحه ووضعت له من يهتم به من أطباء وأمي كذلك كانت تظل جواره طوال الوقت .
صمت ثم سقطت دمعة منه دون شعور :
_ من بعد ما حدث لقبني الجميع بالاسد الذي انتزع والده من الحكم وطرده من العشيرة ليتفرد بقيادتها، وصفني البعض بالجسور والآخر بالحقير، ولم اهتم بما يقال، بل تركت ما أفعل يجيبهم، وبالفعل مرت أيام بدأت البلاد تتطهر منهم وبدأت تعود لسابق عهدها وبدأت الاقاويل تندثر، حتى يوم وفاة أبي ...
صمت وتساقطت دموعه أكثر وهو يتذكر ذلك اليوم الذي استدعاه به والده ولأول مرة يمد له يده وهو يدعوه لحضن، ظل أرسلان حينها ينظر له وليده بصدمة واعين دامعة، ووالده لأول مرة في حياة أرسلان يبكي وهو يهمس بصوت خافت :
" اقترب يا بني، دعني اضمك لمرة قبل رحيلي "
في هذه اللحظة انهار أرسلان وهو يهرول صوب والده يندس بين أحضانه وهو يعتذر له ما فعل ويطلب غفرانه :
" والله ما فعلت ذلك إلا مجبرًا لأجل بلادي يا أبي، سامحني أرجوك، سامحني أرجوك يا أبي، اقسم بالله لم اكرهك لحظة أو أفكر يومًا في الانقلاب عليك، لا يليق العرش سوى بك مولاي "
رفع بيجان يد مرتعشة يربت على خصلات ولده الكثيفة وهو يهمس بصوت مهتز ونبرة باكية :
" بلى يا حبيب أبيك، يليق الملك بك وفقط، سامحني لأنني لم أكن الأب الذي ترجوه، سامحني لأنني أدركت متأخرًا حينما اكل المرض جسدي أنك كنت أكثر مما اتمنى أرسلان، أنك كنت الابن الاروع بين الجميع والأقوى وصاحب القلب الانقى، رغم كل ما مررت به كنت وما زلت بقلب نقي، سامحني قبل أن انتقل جوار ربي، أعلم أن ما فعلته في حقك كثير، لكن سامحني بني "
سقطت دموع أرسلان وهو يميل مقبلًا يد والده بحب :
" ما غضبت منك لحظة لأسامحك ابي، لولاك أنت بعد الله ما كنت أنا، كنت سببًا اساسيًا لأكون ما أنا عليه اليوم "
" بارك الله بك بني، قلبي راضٍ عنك، اتمنى أن ترضى انت عني وتسامحني أرسلان، أخبر والدتك أنني لطالما احببتها لكنني حرمتها معرفة ذلك مخافة أن يكون حبي ضعفًا، لكنك اثبت لي عكس ذلك، فكنت أكثر من يمنح حبًا وكنت اشدنا قوة، اعتني بوالدتك وشقيقتك الصغيرة كما كنت تفعل طوال الوقت أرسلان، كن لهم ما عجزت أنا عنه بني، وسامحني...سامحني .."
كانت آخر كلمات نطقها بيجان قبل أن يسلم روحه لبارئه، عاش عمرًا طويلًا من التجبر، حتى أكل المرض جسده وتركه طريح الفراش لا يقدر على شيء .
مالت سلمى على أرسلان وهي تقبل وجنته بحب شديد تهمس له بصوت باكي :
_ أنت الافضل أرسلان، الاقوى والاحن، لا عجب أنني لم اقاومك كثيرًا يا ابن بيجان .
رفع لها أرسلان عيونه وهو يهمس لها :
_ من بعد موته أطلق الجميع إشاعة أنه مات بحسرته بسبب ما فعلته، وتحدث الجميع أنني قتلت والدي، و... لأيام كنت اصدق أنني فعلت سلمى لكنني ...
_ لم تفعل، أنت لم تفعل، انظر لعيوني أرسلان .
رفع عيونه لها وهي اطالت النظر له تبتسم له بسمة رقيقة حنونة قبل أن تهمس بكلمات صغيرة وكأنها تجبره على الاستيعاب :
_ أنت لم تغضب والدك ولم تعصي والدك رغم كل ما حدث، أخبرني حينما أخذت منه العرش، هل سجنته ومنعت عنه الحياة ؟؟
نفى برأسه لتكمل بهدوء :
_ هل قاطعته وعاملته بسوء ؟؟
ومجددًا نفى برأسه، لتمنحه بسمة أخيرة :
- إذن ما تعريف البر في عيونك إن لم يكن ما فعلته أرسلان، والدك ورغم كل معاملته لك سامحته قبل موته، وقد كانت طلبه الغفران منك اكبر دليل أنك لم تخطأ يومًا في حقه، فالمخطأ هو من يطلب الغفران، وليس غيره أرسلان .
ابتسمت وهي تميل عليه أكثر تطبع قبلات صغيرة على جبهته وهو يبتسم دون شعور لها :
- والدك كان يحبك كثيرًا، أكثر من الجميع، بدليل أنه لم يطلب لقاء أحدهم قبل موته سواك، ولم يتمنى أن يرحل بين أحضان أحدهم غيرك، يا رجل لقد فضّل أحضانك على أحضان والدتك .
ختمت جملتها بمزاح ليضحك أرسلان دون وعي وهو يشعر بنفسه أشد خفة من السابق بعدما اخرج كل ما يعتمر بقلبه، وقد كانت كلماتها بلسمًا له .
_ أنتِ طبيبة ماهرة سليمى، أشعر بالتحسن حقًا، ليتني استمعت لكِ منذ أول يوم حينما عرضتي عليّ علاج مجاني.
شاركته سلمى الضحك بصوت مرتفع وهي تفسد خصلاته بمزاح :
_ هذا دليل فقط لكل من يشكك في قدرات الطبيبة سول، يا رجل مجرمي البرازيل اجمعين كانوا يركضون خلفي .
_ طلبًا للعلاج ؟!
_ بل طلبًا لروحي، فأنا كنت طبيبة حقيرة .
انطلقت ضحكات أرسلان أكثر وأكثر .
ولأول مرة تحتوي جدارن هذا المبنى ضحكات أرسلان بعدما كانت تضم ذكرياته السوداء وأحزانه، واهاته..
ظلت سلمى تتابع ضحكاته بسعادة كبيرة وكأنها ترى اجمل مشهد في الكون في وجهه الباسم، وكفى بضحكته بلسمًا لروحها .
_ إذن لم تخبرني ما هذا المبنى الغريب وهذه الأرض ؟؟
_ هذا المنزل أنا من بنيته بيدي، أخذ مني بناؤه سنوات طويلة، كنت احقق هنا حلمي بالحصول على منزل عادي وأكون شخص عادي بعيدًا عن القصر والملك.
نفخت سلمى بسخرية مصطنعة :
_ آه يا رجل أنت حقًا محب للفقر، من يترك القصر ليبقى هنا في هذا المنزل .
نهض أرسلان ينزع رأسه عن قدمها وهو ينظر لها بحاجب مرفوع يقترب منها برأسه:
_ لم يعجبك المنزل الخاص بي ؟؟
ابتسمت وهي تقترب منه برأسها حتى أصبحت على بعد صغير منه تهمس بصوت خافت أمام وجهه :
_ يعجبني صاحب المنزل، وكل ما تصنعه يداه أرسلان.
اقترب أرسلان منها بشدة حتى بدأت تتراجع غريزيًا بخجل شديد وقد انسحبت جرأتها تاركة إياها عزلاء أمام عيونه، وهو فقط استند بذقنه على كتفها جوار أذنها هامسًا بصوت أجش خافت :
_ من بیش از یک طرفدار هستم، عشق من.
ختم كلماته يبتعد عنها قليلًا، ثم مال يطبع قبلة صغيرة ومن بعدها نهض بهدوء يساعدها لترتيب حجابها وهي فقط جامدة لا تفهم ما قال لكن نبرته أخبرتها أنه شيء ستموت إن لم تدرك معناه...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خرج من المبنى بعد ساعات قضاها في الداخل يفضي بكل ما في صدره لزوجته، يضم كفها بين كفه، وقد قرر أنه حان الوقت لينهي عزلته التي كانت في البداية مع نفسه لتتحول مع نفسه كذلك، لكن مع الجزء اللين من نفسه ...زوجته .
وبمجرد أن خطى خارج المكان حتى تفاجئ بجسد إيفان ينتفض عن مقعد أمام المنزل ينظر له بلهفة وخوف بعدما أبلغه سالار ما حدث وجاء ليعسكر جوار المبنى ينتظر كعادته أن ينتهي أرسلان من رثاء نفسه والذي لم يكن يحب أن يشاركه به أحدهم، حتى يتلقفه هو بين أحضانه.
ولشدة لهفة إيفان لم ينتبه لجسد سلمى التي تقف خلفه في هذه اللحظة، يتحرك صوبه بلهفة شديدة :
- أرسلان أنت بخير ؟!
ابتسم أرسلان وهو يترك يد سلمى يعيدها خلف ظهره متقدمًا عليها يتلقى أحضان إيفان وهو يربت عليه بحب شديد، بينما إيفان يهمس له بحنان أشد:
_ لا تحزن والله الملك آزار لم يقصد، أنت تعلم أنك افضل ابن في هذه الحياة، والله افضل مني حتى، لقد كنت اقرب لوالدك مما كنت لأبي، أنت الافضل أرسلان والله كنت ومازلت الافضل يا أخي .
اتسعت بسمة أرسلان وهو يزيد من ضمه لإيفان بقوة، يتذكر قديمًا حينما كان يردد لإيفان بأنه سعيد أن والده يحبه، سعيد بأنه لا يعاني مثله، في الحقيقة أرسلان كان سعيدًا، طالما أن المعاناة توقفت عنده، هو لا يتحمل أن يعاني من يهتم لأمرهم، وايفان بلا ريب كان على رأس تلك القائمة لمن يهتم بهم هو وسالار .
_ أنا بخير إيفان، لا تقلق عليّ يا أخي، ثم لا تقل هذا لا يوجد من يماثلك في الأخلاق، أتتذكر كنت أنت طوال الوقت الطفل الجيد وأنا السييء، وسالار كان فقط الطفل الهادئ .
ضحك إيفان بصوت منخفض وهو يقبل كتف رفيقه ومن ثم همس له بحنان :
_ لكنك كنت طوال الوقت الافضل وستظل أرسلان، ليحترق العالم ومن به فرد تلو الآخر ولا تحزن ثانية با أخي، والله اشن حربًا لأجل دمعة من عيونك أرسلان.
اغمض أرسلان عيونه براحة شديدة وهو يزيد من ضمة إيفان قبل أن يهمس :
_ لا أراك الله الحروب إيفان، ولا أراك سوءًا عزيزي .
ابتعد عنه يمازحه بخفة :
_ ثم منذ متى وبكيت يا هذا ؟؟ الرجال لا يبكون تتذكر ؟؟
ضحك إيفان بخفة مرتاحًا من صفاء أعين أرسلان، وكاد يتحدث لولا انتباهه فجأة لزوجة أرسلان التي كانت تقف خلفه تتابعهم ببسمة واسعة غير ظاهرة بسبب غطاء الوجه خاصتها، مال إيفان قليلًا برأسه يحييها:
_ جلالة الملكة اعذريني لم انتبه لوجودك .
هزت له سلمى رأسها بهدوء شديد، ةهي تفكر كيف يمكن لشخص واحد أن يحمل كل هذا القدر من اللباقة والرقي، بينما أرسلان امسك يدها يتحدث بجدية :
_ دعينا نعيدك لغرفتك لتهتمي بما تريدين مع كهرمان وغيرها من النساء، وانتبهي لنفسك لحين عودتي سلمى .
نظرت له سلمى ونطقت بحيرة سؤالها الذي كان على طرف لسان إيفان كذلك وهي تقول بعدم فهم :
_ إلى أين أرسلان ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات طويلة وحينما جن الليل، كان يجلس في شرفته يراقب السماء بشرود كبير بينما الوليد خلفه يتابع حديثه الذي أحضره من جواسيسه بين طرقات المملكة .
_ لقد ... بدأ أصلان في البحث عن مخبأ جديد لهم، ويبدو أنها ستكون أيام معدودة حتى يفر برجاله من الجحر وقد ينقطع الخيط الذي نمسكه بيننا .
صمت الوليد ثواني وقد ضاقت عيونه بتفكير، ثم رفع رأسه فجأة صوب نزار يتحدث بجدية :
- أفكر بالعودة للجحر يا نزار، فأنا لا يمكنني الاستمرار بتلقي الاخبار من مكاني هذا وقد تنقطع بسهولة بمجرد انتقالهم، لذا ما رأيك أن أعود ؟؟
إنك تسمع إن ناديت حيًا، لكن لا حياة لمن تنادي .
وأي حياة به وقد فقد السبب الأخير الذي نقب عنه ليحيا لأجله، الشخص الوحيد الذي شعر به يجذبه من ظلمته .
_ نزار هل تسمع ما اقول ؟؟ نزار ...نـــــــــــــــزار .
انتفض جسد نزار وهو ينظر بأعين ضبابية صوب الوليد :
_ ماذا ؟؟
_ ماذا ؟؟ حقًا بعد كل هذا ؟؟ نزار ما بك ؟؟
تنهد نزار بصوت مرتفع وهو يهز رأسه بلا شيء، ثم اعتدل في وقفته ينظر له بجدية صوبه :
_ ما الذي كنت تردده أنت ؟؟
نظر له الوليد بشك ورغم ذلك كرر نفس كلماته مجددًا:
_ أخبرك أنني أفكر بالعودة للجحر و...
_ سوف أعود معك.
كانت كلمات قليلة قاطعه بها نزار لتتسع عيون الوليد ويبتسم بعدم تصديق :
_ أتبتغي انتحارًا انت ؟؟
_ لا تجادل يا الوليد من البداية أنا لم أكن انتوي الخروج من هذا المستنقع حتى اصل لمبتغايا، ولسبب ما تخليت عن ذلك مقابل حلم، والآن ضاع الحلم، لذا لن اضيع الغاية كذلك ...
شعر الوليد بريبة من كلماته وهو يقترب منه مرددًا بصوت غير مفهوم :
_ وما هي غايتك من كل هذا نزار، ما الذي تريد الوصول له مما تفعل ؟؟
رفع له نزار عيونه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع طرقات على باب غرفته لقلب الوليد عيونه وهو يلقي بجسده على الفراش يهمس بهدوء :
_ ها هو حلمك يطرق بابك، أذهب ولا تدعه ينتظر يا عزيزي .
رماه نزار بشر كبير يتنفس بعمق وهو يتجهز لرؤيتها بعد تصرفه معها ظهر اليوم، يتقدم صوب الباب، وحينما امسك المقبض أخذ نفسًا عميق وفتح الباب، لتتوقف أنفاسه قبل الخروج من صدره وتتسع عيونه بذهول وصدمة وتتجمد الدماء داخل عروقه، وهو يرى الزائر أمامه وبسمته الجانبية المرعبة، وقد صدح صوته يرن في المكان بأكمله يهتف .
_ اشتقت للعم أرسلان؟؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذن ؟؟
اشتعلت الحرب ولا مطفأ لنيرانها سوى الدماء ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية أسد مشكى "ما بعد الجلاء " الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل
الواحد والثلاثون
صلوا على نبي الرحمة ...
ــــــــــــــــــ
انقطع الهواء عن رئته وقد شعر لثواني، ثواني فقط أنه تجمد بالكامل حتى لم يعد قادرًا على تحريك إصبع واحد، ابتلع ريقه وهو يتراجع خطوة للخلف وأصوات حوله لا تصل لاذنه ولا يبصر في الوجوه سوى وجه واحد، أرسلان ...
وصوت واحد يتردد داخل أذنه في هذه اللحظات، جملة واحدة لم تنفك تتردد في كوابيسه منذ شهور طويلة :
"أمي وأختي....نساء القصر، لقد ..... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم ."
والآن...
الوجه الذي لم يبصر صاحبه منذ شهور طويلة، تحديدًا منذ هجوم المنبوذين وإشاعة خبر موته على أيديهم، وقد كان لوالده الفضل في عدم اصطدام طرقهم منذ ذلك الوقت بأي شكل من الأشكال، ويبدو أن أرسلان كان يحترم والده لدرجة أنه تخلى عن قصاصه لأجل الملك آزار وترك محاكمته له.
تراجع خطوات قليلة وهو يحاول التحدث وارسلان اتسعت بسمته بقوة وهو يهمس له بصوت مخيف :
_ مر وقت طويل ها ؟؟ تحديدًا منذ لحظة احتضاري نزار .
ويبدو أن عقل نزار توقف فجأة عن العمل ولم يعد يحسن التفكير في شيء ولولا صرخة الوليد خلفه والذي كسر النافذة يقفز منها صارخًا برعب على نزار :
_ أهرب نزار، أهرب...
ثواني كانت حتى أبصر أرسلان جسد نزار يندفع بجنون مرعب صوب النافذة يقفز منها خارج الغرفة، يهرول على الدرج وهو يشعر أنه على وشك السقوط ارضًا على وجهه، وصوت خطوات معروفة خلفه جعلت ضربات قلبه تزداد وهو يهرول خارج القبو بالكامل حتى وصل لممرات القصر أمامه جسد الوليد وخلفه يركض أرسلان بشكل مرعب حتى تخيل أنه أسد حقيقي سينقض عليه في أي لحظة .
تنفس بصعوبة وهو يخرج للحديقة الخاصة بالقصر، جميع أطراف جسده ترتجف وقد بدأت أنفاسه تعلو أكثر وصوت الوليد يعلو بنبرة مختنقة من الرعب :
_ انتبه نزار انتبه يا أخي .
ولم يكد نزار يعي حتى لتحذيره حتى وجد يد تمسك بذراعه بقوة مرعبة جعلته يشعر أن ذراعه كُسرت، ولم تكن تلك اليد سوى يد أرسلان الذي جذب جسده بعنف صوب الجدار يكاد يخنقه، وفي اللحظة التي كانت رأس نزار تكاد تتهشم على جدار القصر صرخ بصوت مرتفع مرتعب :
_ أهرب يا الوليد أهرب ولا تتوقف، لا تنظر خلفك .
كان يصرخ وهو يبصر نية الوليد بالعودة له، لكنه أوقفه بصرخته، لينظر له الوليد بأعين خائفة ورفض، لكن نزار صرخ بجنون :
_ أهرب يا أخي، أهرب يا الوليد .
ومن بعد تلك الكلمات نظر له الوليد نظرة أخيرة لأرسلان مليئة بالوعيد، ومن ثم هرول يستغل انشغال الجميع بنزار، وقد شُحن صدره بالغضب وتوعد لهم بالويل، وتعهد بتحرير نزار ولو كان ذلك آخر ما يفعله في حياته قبل أن يقتلوه .
_ سأعود لك يا أخي لا تقلق ....
وعند نزار كان يشعر بوجهه يكاد يتلاشى بسبب الاحتكاك بالجدار خلفه وصوت أرسلان يميل عليه وهو يهمس :
_ لم يكن هذا استقبالًا أتوقعه منك نزار، هانت عليك العشرة يا أخي؟!
رفع له نزار عيونه وقد كان الندم والاعتذار يملئ كافة نظراته يهمس بصوت منخفض :
_ والله لم تهن أرسلان.
نظر له أرسلان ثواني بأعين سوداء ونظرات غير مفسرة، قبل أن يتحدث ببسمة ساخرة مذبوحة :
_ لا أعتقد ذلك نزار .
بمجرد انتهاء جملته شعر نزار بضربة قوية لرأسه داخل الجدار خلفه، حتى أنه كتم تأوه عنيق كاد يفلت منه.
_ هنّا، وهان والدك والجميع نزار .
كاد نزار يتحدث بكلمات كان يخزنها داخل صدره، لولا صوت خلفه جعل جسده يرتجف وهو يغمض عيونه بقوة وقد جفت الدماء في عروقه وتمنى لو قُتل قبل عيش هذه اللحظة .
يسمع صوتها يهتف من خلفه برعب ولهفة :
_ أرسلان لقد وعدتني، وعدتني أنك لن تؤذيه و....
توقفت عن الحديث حينما فاضت دموعها وهي تنظر صوب نزار الذي رفع وجهه لها، يبتسم بسمة صغيرة شبه ميتة، يكتم صرخاته ويد أرسلان ما تزال تكبله بقوة من الخلف :
_ لا تتدخلي بما لا يعنيكِ سمو الأميرة، لا احتاج لدفاعك عني فلست طفلًا، ثم ليس لأنني ساعدتك مرة تردينها لي بتوسلك أحدهم لرحمتي .
ختم حديثه بنبرة ساخرة وهو يحاول أن يبتلع ريقه بصعوبة، وقد كانت كلماته التي نطقها كسكاكين تقطع حنجرته، يخشى أن تلقي نفسها في كل مشاكله ويطالها أذى لمساعدته، أن تُعتبر خائنة لأجل اخفاءه عن الجميع .
رفع أرسلان عيونه صوبها، ومن ثم جذب نزار بعيدًا عن الجدار وهو يلقيه صوب المعتصم الذي بدأ يربط يديه يجذبه بعيدًا عن المكان، وتوبة فقط تنظر لأثرهم باكية بقوة تتحرك خلف أرسلان وهي تصرخ برعب مما يمكن أن يحدث وقد لغى الهلع عقلها :
_ أرسلان لقد وعدتني، وعدتني أرسلان، لقد وعدتني أنك لن تؤذيه، لن تفعل لقد وعدتني، هذه كلمتك لي لا تحنث بوعدك أرســــــــلان.
كانت تتحدث بهستيرية وهي تركض خلفه صارخة، وارسلان فقط تحرك خلف رجاله الذين سحبوا نزار، ونزار يصرخ بالمقابل بها :
_ فقط توقفي توبة، توقفي ولا علاقة لكِ بما يحدث، توقفــــــي وعودي لغرفتكِ.
لكن توبة أصابتها نوبة هلع هستيرية وهي تتخيل إعدامه وقتله وفقدانه للأبد، نزلت دموعها بشدة وهي تتوسل أرسلان الذي كان يحاول ألا ينظر لها :
_ لقد تاب وندم أرسلان، اقسم بالله أنه ندم وسيساعدك، لقد ساعدني وساعد الجميع، لقد تاب، لقد ...
وقبل إكمال جملتها توقف أرسلان ونظر لها ثواني يتحدث بهدوء شديد :
_ سمو الأميرة، انصحك بالعودة لغرفتك وعدم التدخل في هذه الأمور، توقفي عما تفعلين توبة، انتهى الأمر وتدخلك في قضية نزار لن يزيدها إلا سوءًا، فقط أدعي أمام الجميع أنكِ لم تصطدمي يومًا بنزار، لأجلك قبلي، اعتني بوالدك ولا تفكري بما حدث.
ختم حديثه وهو يتركها شاحبة الوجه مكانها، دون أن تؤتي ردة فعل واحدة يرحل آخذًا معه نزار الذي كان يحدق بها ببسمة صغيرة وهو يهز رأسه لها وكأنه يبث بها اطمئنان لا يمتلك منه ذرة واحدة حتى .
أما عن توبة فقط ظلت واقفة باهتة الملامح جامدة التعبيرات، لا تكاد تتنفس بشكل طبيعي تحاول الحديث بكلمة تتابع رحيلهم حتى اختفوا عن الأنظار وكان آخر ما نطقته بلوعه هو اسمه....
_ نــــزار ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف تركته يذهب وحده إيفان، لقد ....هو ربما يـ
أوقفها إيفان عن الحديث وهو يربت عليها بهدوء شديد يحاول تهدئتها بكلمات لم تصل لسلمى التي لم تتمكن من التعبير عن رعبها عما حدث وقد وصل لها ما حدث ورغم عدم فهمها للأمر بشكل كامل إلا أن رعبها على ما يمكن أن يحدث لأرسلان قد زاد حينما أدركت هوية ذلك الرجل الذي ذهب لإحضاره .
كانت مستقرة في شرفة القصر تراقب البوابة الخاصة بها وكأنها تنتظر أن يطل من خلفها بخير حال كما تركته قبل رحيله .
وفي الأسفل حيث منتصف للساحة تقف كهرمان مع زوجها تحاول الحصول منه على أي معلومة قد تطمئنها على أخيها.
أما عن آزار وسالار فقد كانا وكأن على رؤوسهما الطير، لا احد يتحدث بكلمة ولا أحد يبدي أي ردة فعل عما يحدث .
كلٌ يفكر بالقادم والهدوء جاء ممهدًا للعاصفة .
ربت إيفان على كف كهرمان يحاول تهدئتها بكلمات قليلة لا يمتلك غيرها في هذه اللحظة :
- سيكون بخير لا تقلقي كهرمان، أنتِ تعلمين أخاكِ، لم ينتهي بعد من حيواته السبع .
ختم كلماته بمزاح يحاول به كسر حدة الاجواء، في حين أن كهرمان كانت تخشى تهور أخيها، أو أن يصاب بسوء اثناء تهوره ذاك .
وعلى عكس كهرمان لم تكن سلمى تظهر أي مما يدور في داخلها تترقب بصمت حتى يظهر هو .
تخشى القادم فالأحزان داخل صدر أرسلان ليست بالقليلة لتتسع لحزن إضافي، صدره لا يتسع لآلام أخرى، جروحه لم تندمل بعد ليجاورها جرح جديد .
تراقب البوابة وكأنها ستسرع من عودته، الاصوات حولها غير واضحة ولا تسمع أحدهم ولا تدرك ما يحدث، حتى شعرت بيد تربت عليها .
استدارت ببطء صوب تلك اليد لتبصر فاطمة والتي كانت تراقبها من بعيد منذ دقائق عديدة، تخشى الاقتراب والتطفل عليها، حتى أبصرت حزنها يزداد على صفحة وجهها، لذا تقدمت لتكون جوارها .
_ لا تحزني كل شيء سيكون بخير بإذن الله، لقد ذهب معه المعتصم وأخبرني أنه سيعتني بنفسه وبمن معه، فلا تخشي على زوجك.
أغمضت سلمى عيونها بوجع وهي تشعر أن الأمور تتعقد أكثر وأكثر، كلما ظنت أن جروح أرسلان بدأت تُشفى، وجدت القيح ما يزال يسكنها ..
تبسمت بسمة صغيرة على كلمات فاطمة وهي تهمس بصوت خافت :
_ الشخص الوحيد الذي أخاف منه على أرسلان، هو أرسلان نفسه، أرسلان عدو نفسه الأول، عسى أن يردهم الله سالمين ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعات مرت وهو فوق حصانه يسير خلف بعض الرجال، حتى وصل واخيرًا صوب هدفه وغايته وقد كانت صدمته مما حدث ما تزال واضحة فوق ملامحه، يشعر أن أنفاسه لم تعد تتحرك داخل صدره بشكل طبيعي .
توقف الحصان ولم يكد يهبط عنه حتى اتسعت عيونه بصدمة يهمس بصوت منخفض مرعوب :
_ يا ويلي ما الذي حدث هنا ..
كان يقف على باب الجحر وهو يحدق بما أمامه، كان المكان رماد، وقد بدا وكأن الجحيم فتح أحضانه للجحر ومن به، ودون شعور تخيل لو أن نزار معه هذه المرة ورأى ما يرى يقسم أنه كان أنهار ارضًا من الضحك .
وعلى ذكر نزار انهمرت دموع الوليد وهو يتحرك وقد شعر بالرعب على رفيقه، وبعد ساعة قضاها في التفكير لطريقة تحريره، أهداه عقله إلى اللجوء لهم، فمن أسر نزار هو أرسلان، ومن يعادي أرسلان هو أصلان...
إذن عدو عدو ...حليفي .
_ أين هو أصلان ؟!
تساءل بجدية وهو يدور بعيونه بين الجميع وقد كانت الاجساد منتفضة تتحرك في كل مكان تحاول تدارك ما يحدث ومنهم من يحاول لملمة ما يخصه من الاغراض قبل أن يطالها شبح الخراب الذي أحدثه المعتصم قبل رحيله .
وما بين هذا وهذاك لم يبصر الوليد أصلان لذا تساءل على أمل أن تأتيه اجابه من رافقه منذ دخل للجحر، لكن كل ما وصل له كان صوت الرجل في الخلف والذي كام يبدو عليه الحنق الشديد وهو يشير صوب شجرة بعيدة شبه محترقة يقبع اسفلها مقعد وعليه يجلس أصلان بهدوء شديد يراقب المشهد أمامه بملامح صافية لا يعكرها سوى افتقاده لبروده المشروب الخاص به، وقد افسدت عليه الحرارة الناتجة من الحريق الأمر.
تعجب الوليد مما يحدث وهو ينظر صوب أصلان الذي كان يتابع الحرائق وهي تلتهم المكان بهدوء شديد .
_ ما الذي يحدث هنا ؟!
كان هذا السؤال صادرًا من الوليد وهو يراقب أصلان، الذي أشار بكأسه صوب الحريق أمامه مبتسمًا بسمة واسعة :
_ الجحر يحترق .
كان يتحدث وكأنه يشرح له مشهدًا لا يراه بالفعل، بينما الوليد شعر بالخوف من تصرفات ذلك الرجل المختل والذي كان يجلس متظاهرًا بعدم الاهتمام بما يحدث بعدما دمر لهم المعتصم وكرهم، أو ربما لم يكن يهتم بالفعل .
اقترب منه الوليد أكثر وهو يحاول التحدث :
_ هل أنت بخير ؟!
رفع أصلان عيونه له وهاله البرود وعدم الاهتمام تحيطه، لكنه ابتسم ببساطة يجيب سؤاله بسؤال في المقابل:
_ أراك وقد عدت بعدما هربت مع سمو الأمير، مالي لا أراه رفقتك ؟! تراه تخلى عنك ؟!
_ بل انقذني وحماني.
_ كم هذا مؤثر، والآن هل مات اثناء محاولته حمايتك ؟؟
غضب الوليد من برودته وهو يتحدث بهذا الشكل يحاول أن يهدأ نفسه متجاوزًا عن كل استفزاز أصلان ذلك:
_ بل أُسر أثناء هروبنا من أرسلان و...
قاطعه أصلان وقد اعتدل جسده وأظهر واخيرًا ملامح وتعابير توحي باهتمامه بما يحدث في الجوار وهو يردد بنبرة سوداء غريبة :
_ أرسلان ؟!
_ نعم الملك أرسلان اكتشف مكانه بطريقة غريبة واسره، لذا جئت اطلب مساعدتك، سأكون معك واساعدك ضد أرسلان، في مقابل أن تساعدني في تحرير رفيقي .
ابتسم له أصلان بسمة غريبة وهو يهتف بصوت منخفض :
_ عادل بما يكفي يا صديقي، أخبرني الآن ما هي المميزات التي قد تدفعني بقبول عرضك ؟؟ هل تنفث نيران من فمك أم تمتلك قدرة خارقة لتكون عنصرًا فعالًا في حربنا ضد الممالك ؟!
شعر بالسخرية تخرج مع حروفه ورغم ذلك حافظ الوليد على ملامحه وهو يردد بهدوء شديد:
_ ليس هذا أو ذاك، لكنني أدرك ثغرات أبى لا يدركها الملك آزار نفسه، كما أن لي اعوانًا في كل الممالك، أنت نفسك لا تدري كم عددهم .
التمعت عيون أصلان بشكل مخيف وهو يهمس ببسمة واسعة :
_ يبدو هذا مثيرًا للأهتمام، إذن اخبرني يا صديقي العزيز كل ما ....
وقبل إكمال جملته وجد أحد الرجال يهرول صوبه ليقلب عيونه وهو يهمس بضيق :
_ ها هي كارثة أخرى تهرول صوبي .
وبالفعل بمجرد أن توقف الرجل حتى هتف بأنفاس منقطعة وصوت مهتز :
_ سيدي لقد ....يبدو أن... أحدهم استغل حالة الهرج تلك وأخرج النساء من الجحر و....كذلك أنمار لا أثر له في المكان ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ زمرد ؟!
استدارت زمرد صوب الصوت لتبتسم دون شعور وهي تتحرك صوب صاحب تهمس بصوت خافت مرهق :
_ كدت أنسى اسمي منك أخي.
ابتسم لها إيفان وهو يتلقفها بين أحضانه بحب كبير يربت عليها بحنان شديد، ومن ثم مال يطبع قبلة صغيرة على رأسها هامسًا بصوت هادئ لطيف:
- مالي أراكِ متعبة منذ الصباح، أنتِ بخير ؟؟
_ مجرد إرهاق ليس إلا أخي، سأكون بخير طالما كنت عزيزي .
ابتسم لها إيفان بحب شديد وهو يزيد من ضمها، يربت عليها ويهمس لها بكلمات عدة غير مسموعة لغيرها، لكن أعين سلمى والتي كانت تبصر ذلك المشهد من شرفة القصر اتسعت وهي تهمس بعدم فهم لكهرمان التي كانت تواسيها منذ ثواني :
_ هل أتخيل كهرمان أم أن زوجك يخونك مع صديقتك في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع ؟!
نظرت لها كهرمان ثواني بعدم فهم تحاول ترجمة الاحرف التي نطقت بها، قبل أن تعيد عيونها صوب الساحة تبصر في أحد الاركان إيفان يضم له زمرد بلطف ويربت عليها وهو يتحدث بكلمات لا تصل لهما.
_ ماذا ؟؟
نظرت له سلمى تهمس بتشنج :
_ ماذا أنتِ ؟؟ أخبرك أن زوجك يعانق الآن امرأة على مرأى منكِ وأنتِ تتساءلين ماذا ؟؟
عادت كهرمان بعيونها صوب ما يحدث في الأسفل ترسم ملامح الصدمة على وجهها بإتقان، تهز رأسها بوجع:
_ وكأن حياتي ينقصها خيانة زوجي العزيز لي .
ربتت عليها سلمى وهي تشعر بالمسؤولية تجاهها، تضمها لصدرها بحنان شديد، تتخذ دور أرسلان في غيابه، تحنو على الشخص الذي يعني لزوجها أكثر مما تعلم هي شخصيًا، وكل من يحبه أرسلان يُكرم لأجله.
_ لا تحزني حبيبتي والله خسرك، أنتِ امرأة لا تعوضين، حينما يعود أرسلان سوف نخبره بما يحدث هنا ليساعدنا في حل كل هذا، ربما يمكنه التحدث مع زوجك وتطليقك منه و....
ابتعدت عنها كهرمان منتفضة بسرعة تصيح بصدمة ننا سمعت :
_ تطليقي ؟؟ من إيفان ؟! يا ويلي ما الذي تتحدثين عنه، عسى ألا يفرقنا سوى القبر، يا فتاة زمرد هي أخت إيفان.
كانت سلمى تسمع كلماتها وهي ترمش بعدم استيعاب لما قالت، بينما كهرمان ضحكت على تعابير وجهها تمسك يدها وهي تقول من بين ضحكاتها :
- زمرد هي الأخت الغير شقيقه لإيفان، لذا لا أعتقد أن هناك مشكلة في عناقه لها، رغم أنني أخبرته سابقًا ألا يعامل هذه الفتاة اللئيمة بهذا الحنان الكبير فهي تتفنن في استفزازي بالأمر، لكن ماذا نفعل والمدللة تستحوذ على نصف قلب زوجي .
كانت تتحدث وهي تدعي حنقًا مصطنعًا تضم يديها لصدرها بغيظ شديد، وما كان من سلمى سوى أن ابتسمت لها بلطف تربت عليها:
_ لا بأس، أنتِ في المقابل تمتلكين قلب زوجي ..
بادلتها كهرمان البسمة وهي تربت على كتفها بلطف مماثل تشفق على هذه الحمقاء التي لا تدرك أن قلب أرسلان كُتب بيعًا وشراءً لها :
_ ليتني أفعل عزيزتي، لكن أخي يحتفظ لكِ بسكن كامل اكبر من مساحة الممالك مجتمعة داخل قلبه، تاركًا لي غرفة خارجية مطلة على الحدائق .
ازداد نبض سلمى بقوة وقد شعرت بجفاف حلقها من سماعها لتلك الكلمات من كهرمان، فما بالكم لو كانت من أرسلان نفسه ؟!
حلم جميل تتمنى لو يتحقق ...
التقطت كهرمان تعابيرها لتهمس لها بصوت خافت :
_ عليكِ رؤية الطريقة التي يتحدث بها أخي عنكِ، أو تبصرين نظراته لكِ، أخي لايحبك، بل يهيم بكِ سلمى فرفقًا به فما زال المسكين لم يستوعب حقيقة عشقه لكِ .
ختمت كهرمان كلماتها تزامنًا مع ارتفاع صوت المنادي في الاسفل يهز الارجاء بكلماته التي انطلقت فجأة ودون مقدمات .
_ الملــــــــك أرســــــــــــــــلان، أفتحــــــــــــوا الأبـــــــواب....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مرحبًا زين، هل اشتقت لي ؟؟
رفع زيان عيونه عن الطفل أمامه ونظر لخالد ثواني قبل أن يعود صوب ما يفعل مجددًا :
- لا لم افعل في الحقيقة .
التوى ثغر خالد دون اهتمام، تحرك صوب الفراش يراقب الصغير الذي كان ينظر بجمود غريب على عمره الصغير صوب السقف يطيل النظر به، ليرفع خالد عيونه صوب السقف يبحث عما يثير انتباه الطفل بهذه الطريقة، لكن لا شيء .
اقترب منه خطوات صغيرة يداعب خصلات الصغير بلطف لم يحرك به شيء، بل ظل جامدًا بشكل مريب، جعل خالد يضيق عيونه بعدم فهم يميل بجسده حتى اصبح رأسه مقابل الفراش :
_ مرحبًا يا صغيري، ما اسمك ؟؟
ومجددًا لا شيء يدل على أن الطفل حي سوى أنفاسه التي يشعر بها خالد .
رفع عيونه بعدم فهم صوب زيان الذي وضع بعض الأعشاب على جروح الصغير فوق معدته:
_ لا ترهق ذاتك فهو لا يتحرك ولا يتحدث .
انكمشت ملامح خالد بحزن شديد، يرفع أنامل الصغير بغرض مداعبة بشرته بلطف :
_ أوه يا صغيري، ترى ما الذي اوصلك لهذه المرحلة يا عزيزي ؟؟
ولم تصل له إجابة او ردة على سؤاله الاستنكاري سوى صوت فتح الباب ودخول أحدهم وقد رن صوت رقيق في المكان :
_ مرحبًا سيدي هل انتهيت من فحص عابد ؟! كل شيء بخير؟!
استدار خالد بهدوء صوب الصوت، قبل أن تتسع عيونه بصدمة يبصرها مجددًا، الفتاة التي لمحها سابقًا، لكن هذه المرة عن قرب يتيح له تأمل ملامحها بشكل أدق، لولا جسد زيان الذي قطع عنه الرؤية متعمدًا .
_ نعم كدت افعل لا تقلقي، يمكنك العودة صوب غرفتك وانا أرسله لكِ مع أحد الممرضين هنا بعدما انتهي .
ابتسمت له بلطف سلب المتبقي من تعقل خالد :
_ لا أريد أن ارهق أحدهم معي، أنا هكذا أفضل شكرًا لك .
_ يا ويلي مما ترى عيوني، أحقيقة أنتِ ؟!
توقفت الفتاة عن الحديث وقد شعرت جمدتها الصدمة مما سمعت والتعجب لما قيل .
_ ماذا ؟؟
استدار زيان بسرعة صوب خالد ينظر له بصدمة مما قال :
_ أنت مجددًا، ألن تتوقف عن هذه الافعال ؟؟
نظر له خالد بتحذير شديد يهمس له بضيق :
_ أنت ما الذي تتحدث به؟؟ ستجعل الفتاة تأخذ فكر خاطئة عني .
_ هل أنت احمق !! الفتاة لا تهتم بكِ من الأساس.
_ اشش فقط لا تتدخل بيني وبين الفتاة وكل شيء سيكون بخير .
اتسعت عيون زيان بصدمة :
_ بينك وبينها ؟؟ أي بين هذا يا بني ؟؟ للتو رأيت الفتاة من الأساس، ومن ثم ما تفعله محظور ومحرم هنا أن تختلط بنساء لا علاقة لك بهن .
ازاح خالد زيان جانبًا :
_ فقط اهتم بالصغير لحين أهتم أنا بشقيقته .
رمش زيان بصدمة لا يصدق ما حدث منذ ثواني، ليرفع سهمًا مصوبًا به على اجنحه خالد التي فردها بتغطرس أمامها كطاووس احمق، وقد أنزله زيان لارض الواقع :
_ هذه ليست أخته، بل والدته يا عزيزي.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت الخيول تجتاز أسوار قلعة مشكى، تحمل فوق ظهورها الجنود، وخلفهم البعض يحيط بنزار الذي كان يخفض رأسه ارضًا، يرفض بأي شكل من الأشكال رفع رأسه والنظر لأعين المحيطين به .
الاصوات حوله متداخلة، لكن أذنه كانت فقط مهتمة بسماع صوت واحد، لكن لم يصل له أي كلمة تحمل بصمة والده، ليبتلع ريقه وهو يحاول أن يدعي عدم الاهتمام .
هبط أرسلان عن حصانه وهو يستقبل سالار الذي تحرك صوبه بسرعة يميل عليه هامسًا ببعض الكلمات القليلة، ليرفع له أرسلان ملامحه المتشنجة، والتي لم تلين إلا عندما أبصر نظرات سالار، ليتنهد بصوت مرتفع :
- ألقوا به في السجن لحين أخبركم أوامر بعكس ذلك .
وبالفعل بمجرد انتهاء جملته أبصر الجميع يسحبون نزار بعيدًا عن الساحة، ومن ثم رفع عيونه يبحث عن الملك آزار الذي كان يقف على بُعد صغير منه يضم يديه لصدره يراقب ما يحدث بلا تعابير تقريبًا، حتى أبصر نظرات أرسلان له ليبتسم له بحنان يحاول محو ما قال سابقًا.
لكن فجأة انمحت بسمته حينما توقف نزار دون مقدمات جوار جسده، رفع له آزار عيونه يدعي برودًا مناقضًا للأشتعال داخل صدره، ولم يكد يصدر ردة فعل على توقف نزار جواره، إلا وتراجع للخلف بصدمة حينما ألقى نزار نفسه بين أحضانه بسرعة وقد امتلئت عيونه بالدموع، يقبل كتف والده بحب ولهفة شديدة جعلت آزار يتنفس بقوة وصعوبة شديدة كي يكبت تأوه وحزنه عن أعين الجميع .
بينما نزار اكتفى بهمسة موجوعة بصوت باكٍ :
_ اشتقت لك أبي...
ولم يكد يكمل كلماته حتى شعر بالجنود يجذبونه بعيدًا عن آزار الذي اغمض عيونه بقوة يبعد وجهه عن نزار مخفضًا إياه ارضًا كي لا يبصر أحدهم دموعه التي كادت تسيل على وجنته .
يراقب من أسفل رموشه وقطرات الدموع تجمعت في عيونه، أقدام ولده تبتعد عن مكانه، يُجر بعيدًا عن الساحة صوب سجون مشكى .
ويبدو أن السجون كانت مصيرًا أبديًا لنزار، من سجون آبى لسجون الجحر لسجون مشكى، واخيرًا سجن الذنب الذي كان اسوءهم .
كان يسير مع الجنود وهو يضم يده أمامه مقيده، لا يبصر الطريق، لا يبصر شيء سوى سواد فقط، أين كان وأين أصبح؟؟
ما الذي فعل بنفسه، ما الذي أوصله لهنا؟؟
حقد وشيطان يوسوس له ...
رفع عيونه ينظر خلفه صوب سالار الذي كان يراقبه بهدوء وبلا ملامح، ليبتسم له نزار بسمة غريبة من بين وجعه، ومن ثم حرك رأسه له بتحية صامتة ساخرة من واقعه .
سالار العزيز، ابن العمة حيث كانت البداية لكل هذا ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غيابك ووجودك، كان محياكِ......
رؤياكِ ولو غابت الشمس، ما غابت....
نبيل محمد " والدي العزيز "
دخل غرفته بسرعة وهو يتحرك في المكان يبدل ثيابه كي يلحق بالجميع في غرفة الاجتماعات، لكن فجأة وقبل أن يشرع فيما يريد شعر بالباب يُفتح خلفه بقوة .
ولم يحتج للأستدارة لمعرفة الفاعل، فمن غيرها يمتلك الجرئة ليفعل كل ذلك ؟!
_ مرحبًا حلوتي .
تحدث وهو ما يزال يعطيها ظهره يبحث عن ثيابه في الخزانة، وهي تقدمت منه ببطء وعلى كتفها يلتصق بها موزي الذي كان في الآونة الاخيرة يسير بين طرقات القصر يعيث بها فسادًا، ومن ثم يبيت ليلته في غرفة خالد حيث لن تصل له ايادي أرسلان.
تعجب أرسلان صمتها خلفه، رغم شعوره باقترابها، ابتسم بعدم فهم وهو يستدير ينظر لوجهها يستفسر عن صمتها، لكن كل ما فعلته أنها مدت اناملها تتلمس الجروح في ظهره تهمس بصوت حنون :
_ كلما أبصرت تلك الجروح لا يتبادر لعقلي سوى سؤال واحد، هل مازالت تؤلمك ؟
نظر لها أرسلان ثواني لا يستوعب سؤالها، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة :
_ لم تؤلمني يومًا سليمى، لم تؤلمني الجروح الجسدية يومًا ..
_ وهذا ....مروع أرسلان، هذا مرعب ألا تشعر ألا تتوجع، ألا تنهار، ألا تبكي، كل هذا مرعب، هذا ....هذا يلغي كل ذرة شعور توحي بأنك حي داخلك.
نظر أرسلان لعيونها وهي تتحدث ليمسك يدها يهتف ببسمة صغيرة وببساطة شديدة:
_ لقد تخيطت ما تتحدثين عنه منذ زمن سليمى، الشيء الوحيد الذي يربط بيني وبين إنسانيتي الآن هو أنتِ، فلا تقطعي آخر رابط لي، حسنًا ؟؟
ختم كلماته بكلمة بسيطة وسؤال ابسط جعل أعين سلمى تتسع من هول ما سمعت، كان الأمر أكبر من مجرد تراكمات ماضي، أرسلان انغمس باحزانه ولم يكتفي بالاعتياد عليها، بل تشربها حتى أصبحت هي المسلك الصحيح الذي يسلكه في حياته، حالته كانت أشبه بمدمن اعتاد ما يتعطاه وتأقلم عليه ولن يقتنع بغيره بديلًا .
على عكس فاطمة التي كان عقلها يتفنن في إبعادها عن الألم وانكاره وصنع عالم يحميه منه، كان عقل أرسلان ينجذب صوب الماضي ووجعه بإرادته بل وينقب عنه ويستمتع بالوجع ليحرص على عدم نسيانه.
كان شحوب وجهها مرعبًا لدرجة انتبه لها أرسلان الذي ألقى ثوبه على الفراش يقترب منها يهمس بريبة :
_ سلمى أنتِ بخير ؟!
رفعت سلمى عيونها له وقد التمعت بنظرة غريبة، لكنها في النهاية ابتسمت بسمة صغيرة وهي تردد بصوت مهتز تعود لسؤالها الأول الذي نطقته حينما دخلت للمكان :
_ هل أنت بخير أرسلان ؟!
ورغم تعجبه أجاب:
_ أنا بخير سليمى .
_ إذن أنا بخير كذلك .
ابتسم أرسلان ابتسامة واسعة صافية وهو يميل عليها مرددًا بحنان :
_ وسأحرص على أن تكوني دائمًا كذلك سليمى .....
تنهد وهو يعتدل بجسده، يشير ثوب المرحاض :
_ سوف أذهب للاستحمام فهناك الكثير عليّ الانتهاء منه، وقد اتأخر مع الرجال في الإجتماع.
_ ما الذي يحدث هنا أرسلان ومن هذا الرجل الذي احضرته، لم افهم الأمر بشكل واضح، فالاحاديث متشعبة وغريبة .
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة قبل أن يتحرك صوب المرحاض :
_ هذه بداية النهاية سليمى ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما حدث في الخارج منذ دقائق سمو الاميرة كـــ....
ولم يكمل زبير كلمته بسبب توبة التي رفعت عيونها له تتحدث بقوة رغم ارتجاف كل عضلة في جسدها :
_ لا أعتقد أنني بحالة تسمح لي بالتحدث عما حدث قائد زبير، ولا أظن أنك في مكانة تسمح لك بمحاكمتي عن افعالي.
اشتدت ملامح زبير بقوة لثواني ولم يتحدث بكلمة واحدة، بل فقط هز رأسه لها، ومن ثم تحرك خطوات مبتعدًا عنها، ولم يكد يخرج حتى سمع صوتًا قويًا يصدح في المكان:
_ تـــــــــوبة ...
انتفض جسد توبة كما قلبها، بينما ظل زبير ثابتًا في محله لا يتحرك خطوة واحدة، كل ما فعله أنه فقط مال برأسه في تحية احترام لملكه الذي كان يتحرك بكل قوة وكأنه لم يمرض يومًا، يسير بهدوء وهو يحدق في وجه ابنته بعد أيام طويلة من الظلام والذي تلاشى منذ ساعات قليلة ولم يجد جواره أحد ليخرج ويكتشف الفوضى في قصره وبلاده.
أما عن توبة فلم تصدق حينما رأت أعين والدها مسلطة عليها لتبتسم دون وعي وهي تندفع صوبه بلهفة:
_ أبي أنت تـ....
منعها بارق من التقدم خطوة بكفه ومن ثم قال بهدوء :
_ لا أعتقد أنني ربيتك يومًا على مثل هذه التصرفات توبة .
ارتجفت توبة من نظرات والدها، والذي رغم طيبته وحنانه، كان صارمًا في كل ما يخص تعاملها مع الغير خوفًا أن يستوطن الكِبر صدرها يومًا .
ارتجفت توبة وهي تنظر ارضًا بخجل تحاول أن تلملم شتاتها وتتحكم بردات فعلها قبل أن تتحدث، بينما زبير تحدث بهدوء شديد كي يكسر حدة الاجواء التي علت في المكان :
_ لا بأس مولاي، استأذنك بالرحيل ..
ولم يكد يتحرك خطوة حتى تقدمت توبة بسرعة بغرض الاعتذار منه وقد شعرت بالخزي من تصرفاتها، لكن والدها كان الاسرع وهو يتحرك صوب المقعد الاول الذي قابله يهتف بجدية :
- انتظر زبير، هناك ما يجب معرفته قبل رحيلك إذ يبدو أن ابنتي تأبى قول الحقيقة وتتهرب مني كلما سألتها.
نظرت توبة ارضًا وهي تضغط على يدها بقوة تمنع ارتجافة كادت تمتد لأجزاء جسدها بالكامل، تلتزم صمتًا احترامًا لوجود والدها، لكن كل الصمت تلاشى وحل محله هياج وصراخ داخلها وهي تسمع سؤال والدها الذي وجهه لزبير :
_ أين هو أنمار زبير ؟!
كان سؤالًا هادئًا وكأنه يتتظر إجابة بعينها، إجابة يتوقعها، وتوبة فقط تتنفس بسرعة، فمنذ صرحت بلا وعي بقتل طفلها ولم تضيف حقيقة أخرى خوفًا على صحة والدها .
ابتلع زبير ريقه وهو يرفع عيونه صوب الملك يتحدث بهدوء شديد :
_ مولاي لقد ...هو لقد ...
_ هو ماذا زبيـــــر؟! ما الــــــذي حــــدث في بلادي في غيابي ولماذا أرى الكثير من جنود آبـــــــى في الجوار ما الذي حدث هنا أخبرني ؟!
نظر له زبير ثواني قبل أن يصرح له بهدوء شديد :
_ لقد ...انقلب أنمار علينا وحاول تدمير البلاد، وقد نشر بين الجيش رجاله الفاسدين وكادوا ينجحون لولا ستر الله ورحمته بنا ومن ثم مساعدة الملوك .
اتسعت عيون بارق بقوة ةقد كان يشعر بالريبة من أمر ذلك الخسيس الذي سلمه ابنته، لكنه أبى في لحظة غضب أن يظلم ابنته وحفيده بسبب شكه .
جلس بارق على عرشه بعد غياب شهور لا يعلم عددها حتى، يستقيم بظهره وقد اسودت عيونه بشكل مرعب يتوقع القادم والذي لن يعجبه بأي شكل من الاشكال .
_ ومن ثم ؟؟ قص لي ما حدث زبير ولا تغفل عن تفصيلة واحدة حتى ...
ومن بعد تلك الكلمات بدأ زبير يتحدث بكل ما حدث بداية من تسميمه والذي اكتشفوه لاحقًا مرورًا باختفاء حفيده وابنته واختطافهم، وتحكم أنمار بكل شيء في البلاد حتى كادت تتحول لرماد، ومن ثم دخول الملك آزار بجيشه لها .
استمع بارق لكل شيء ولم يصدر أي ملامح تدل على صدمته أو حزنه، بل فقط سواد غريب انتشر على ملامح وجهه البشوشة عادة ...
وحينما انتهى زبير لم يصدر من بارق سوى سؤال واحد :
_ وأين أصلان ؟!
نظر له زبير ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد :
_ اختار طريق أنمار وانضم له برجاله .
نظر بارق جواره صوب توبة التي كانت تتابع ما يحدث بوجه شاحب وكأنها تحيا ما حدث معها مجددًا:
- الطبيب الذي عالجني كان نفسه نزار ؟!
نظرت توبة ارضًا بهدوء ومن ثم هزت رأسها، ليبتسم والدها بسمة مريبة :
_ إذن جهز لي الموكب فسأذهب لمشكى ........
ـــــــــــــــــــ
خرج من غرفته وهو يرفع قبضته يجمع خصلاته في رابطة للخلف، ومن ثم رفع رأسه يتوجه صوب غرفة الإجتماعات حيث الجميع .
لكن ما كاد يبلغ الغرفة حتى ارتفعت أبواق صاخبة جعلت القلوب ترتجف داخل الصدور، ابواق تعلو وتعلو بشكل هستيري وصوت المنادي يصرخ بنبرة جهورية :
_ احملــــــــــموا الأسلحـــــــة، هجـــــوم على العــــــاصمة، كـــــــلٌ يحمل سلاحه ...
توقف أرسلان ثواني قليلة قبل أن ينتفض جسده يركض بطريقة مرعبة بعيدًا عن غرفة الاجتماعات التي اندفع منها جسد سالار بسرعة توازي سرعة أرسلان...
كلٌ يركض صوب غرفته ليحصل على اسلحته، الرجال يركضون في الممرات بشكل مرعب وقد بدأ الخوف ينتشر في الأجواء، ورائحة الموت تفوح في الهواء .
والدخان الصادر من منتصف العاصمة يغطي السماء بالكامل وصرخات الشعب تغطي اصوات الرجال في القصر .
كل شيء حدث بشكل غير متوقع، كان هدوئًا جلب خلفه أعاصير انتزعت كل جذور السلام التي تكبد أرسلان الكثير لزراعتها، عواصف أعادت شعب لم يتجاوز بعد ما عاشه سنوات للخلف .
اقتحم أرسلان غرفته بشكل هستيري وهو ينتزع سيوفه وخناجره، ومن ثم حمل حاملة السهام على ظهره، ينطلق صوب الخارج في اللحظة التي أبصر بها سلمى تندفع من غرفتها مرتعبة وهي تصرخ باسمه متمسكه بمرفقه تهتف برعب :
_ إلى أين أرسلان، إلى أين؟! لا تذهب ...
نظر لها أرسلان في عيونها بقوة ينتزع يده عنها :
- إلى بلادي التي يغتالها هؤلاء الخنازير سلمى، ادخلي غرفتي ولا تغادريها أبدًا .
ولم يكد يتحرك خطوة حتى امسكت به سلمى باكية مرتعبة من مظهره وملامحه، كان رجلًا غريبًا لا يمت لزوجها بصلة، رجل مرعب مخيف تشع منه هالة سوداء خانقة، رجل ما تمنت يومًا أن تبصره في زوجها.
وما تمنى هو أن تبصره هي به، وقد حرص طوال الوقت على إبعاد شياطينه عن زوجته، لكن حدث وابصرتها.
نظرت له تحاول التحدث من بين شهقاتها :
_ عد لي أرجوك أرسلان، اعتني بروحك لأجلي أتوسل إليك..
نظر لها ثواني نظرات غريبة، قبل أن يهز رأسه بهدوء مرعب، ومن ثم امسكها يدفع بها صوب غرفته يعطيها سيف خاص به يهتف بنبرة لا روح فيها :
_ كل من يقترب منكِ شبرًا واحدًا انزعي روحه ولا تأخذك به رأفة، سأعود لأجدك بخير، أنتِ قوية وادري ذلك، لذا .... أنا لا اترك سليمى، بل اترك سول التي كان يطاردها المجرمون لأخذ روحها، ولم يستطيعوا.
ومن بعد تلك الكلمة ابتسم لها بسمة غريبة وهو يضغط على يدها التي تحمل السيف، ومن ثم خرج مندفعًا يغلق الباب بقوة صارخًا في الجنود أن يتبعوه لمنتصف العاصمة وابقى البعض ليحمي النساء والاطفال في القصر .
في اللحظة التي ركض بها أرسلان صوب الخارج، كان سالار كذلك يحمل سيفيه وهو يتحرك بشكل مرعب صوب حصانه.
وحينما خرج الإثنان وجدا الملك آزار قد سبقهما يخرج برجاله من القصر باندفاع مرعب.
يتبعه إيفان الذي خرج لتوه بعدما تأكد من تأمين زوجته وأخته وتحرك بسرعة كبيرة معهم، تاركًا دانيار لحماية القصر والنساء، وكذلك ترك أرسلان المعتصم معهم خاصة وهو يعلم علم اليقين ما قد يصيب زوجته في هذه اللحظة .
اندفعت الخيول من قصر مشكى بشكل مرعب تحمل فوق ظهورها ملوك الثلاث ممالك ومعهم بعض جيوشهم صوب ساحة البلاد، تاركين باقية الجنود والقادة يحمون القلعة ومن بها .
وهنا اندلع الجحيم........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الأمر بدايته بدخول الوليد للبلاد متخفيًا بين مجموعة من تجار سبز، وحينما وطأ للبلاد شرع يجمع كل أعوانه، وما هي إلا ساعات قليلة وبدأ الجميع يشعر بحالة غريبة تسود الاجواء، ثواني إضافية وارتفعت اصوات القنابل في الاجواء وانتفضت الأجساد وبدأ الجميع كل يهرع لمنزله عل جدرانه البسيطة تكون اقوى من أسلحتهم..
وقد شكل الوليد برجاله المدسوسين في كل مكان تشتيتًا ممتازًا، حتى يتمكن أصلان من تنفيذ خطته التي املاها عليه .
بدأ الكل يركض لمنزله خائفًا مما يحدث في الخارج، عدا بعض الرجال الذين حملوا العصي وتحركوا بسرعة كبيرة صوب الاصوات العالية وقد بدا أنهم اكتفوا مما يحدث واقسموا ألا يسمحوا بدورة ثانية من الذل ..
وفي اللحظة التي تحرك بها رجال المملكة صوب العاصمة، كان أرسلان يتحرك مع الجميع صوبهم .
في نفس اللحظة التي تحرك بها جزء من رجال أصلان بشكل متخفي صوب قصر مشكى لتحرير نزار كما تعهد أصلان للوليد .
والجزء الثاني بقيادة أصلان كان على أعتاب آبى يدك حصونها مستغلًا غياب الملك، وقد كانت آبى خيارًا أكثر من مناسب لقربها من سبز مركز تجمهرهم ...
وصل واخيرًا أرسلان صوب منتصف العاصمة حيث تجمهر الحميع في معركة غير عادلة بين كائنات بشرية بأسلحة وسيوف، ورجال بعصيّ .
هبط عن حصانه، يخرج سيفه وهو يلوح به في الأجواء وقبل أن يدرك أحدهم وجوده كانت رأس أحد الرجال تصطدم بالأرض أسفل اقدام الوليد، الذي ابتلع ريقه يرفع عيونه ببطء وقلب نابض بالخوف، ليبصر الجحيم متمثلًا أمامه على هيئة " أرسلان"، واكتمل مشهد موته برؤيته لإيفان وآزار، وأخيرًا سالار .....
حرب لم يكن يتمنى خوضها يومًا في الحقيقة.
رفع سالار سيفيه في الهواء ولم ينزلهم إلا ملطخين بالدماء، وقد على الغضب وجهه وهو يمسك بثياب أحدهم يجذبه له يبتسم له بسمة جعلت الرجل يكاد يسقط ارضًا مغشيًا عليه وقد كتب الله له أن يبصر وجه سالار في الحروب والذي لطالما سمع عنه، لكن كل ما سمعه لم يكن يفي حق لحظة الرعب التي يحياها الآن..
أما عن سالار فمنحه بسمة غريبة وهو يهمس بصوت مسموع بصعوبة بسبب اصوات الصرخات والسيوف من حوله يجذب الرجل له بقوة من مقدمة ثوبه :
_ إذن أخبرني ما هو غرضكم من خلف هذه الالاعيب..
اتسعت عيون الرجل وهو ينظر له وقد بدأ جسده يرتجف يهمس بكلمات متقطعة :
_ ارحـــ....ارحمـــ...ارحمني ارجوك .
_ الراحم هو الله يا بني، لكن ربما يزرع الله في قلبي بعض الرأفة بك إن اخبرتني ما الذي تسعون له من خلف هذا التشتيت ؟؟
_ أنا...اااا....أ... أنا لا أعلم شيئًا، لقد ....ارجوك ارحمني .
اشتدت عيون سالار وهو يسحب الرجل له وقد على الغصب وجهه يتحدث بشر:
_ هذه الالاعيب الغبية لا تخيل عليّ، أعلم أن هناك غرض مرجو من خلف كل هذا، لذا كن وسخ جيد وأخبرني ما تبغونه، واعدك أن اتركك وشأنك ولن اقتلك بيدي ..
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وقد كانت كلماته متلعثمة غير مفهومة :
_ يريدون تحرير ...تحرير أحد رجال أصلان في القصر و.... إحتلال آبى مستغلين وجود الجميع هنا.
ختم الرجل كلماته ليلقى به سالار بقوة بعيدًا عنه، ولم يكد الرجل يتنفس الصعداء مستعدًا للهرب حتى شعر بسيف يخترقه لتتسع عيونه بقوة، بينما رفع سالار يده في الهواء ينظر لسيف إيفان الذي اخترق الرجل :
_ وعدتك ألا اقتلك بيدي .
تحرك سالار بسرعة صوب آزار كي يحذره بما يحدث وما خطط له أصلان، في حين أن إيفان اقترب من أرسلان والذي كانت شياطينه ترافقه في الحرب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصوات السيوف بدأت تعلو وتعلو حتى هزت جدران القصر وقد بدا أن رجال الجيش المتبقيين يخوضون حربًا أشد وطأة من الحرب في العاصمة ..
تحرك خالد بسرعة كبيرة في الممرات وهو يتحرك صوب تيّم وقد على الرعب ملامحه يحاول فهم ما يحدث، ليبصره في منتصف الساحة وقد تكالب عليه والجنود الكثير من الرجال، ليهرع له بسرعة يحاول أن يساعد، لكنه كان اعزلًا، لذا تراجع بسرعة وفي ثواني ودون تفكير كان يهرول صوب مخزن الاسلحة يحصل لنفسه على بعض السهام والتي كان الشيء الوحيد الذي يبرع به بعيدًا عن السيوف، وفي طريقه أبصر الفتاة نفسها تحمل الصغير وهي تركض به لنفس الجهة.
وصل للمخزن يبصرها تنتزع أحد السيوف تضم لها الصغير، ولم تكد تخرج من المكان حتى صُدمت بوجود خالد لترفع السيف في وجهه بسرعة ويدها تهتز برعب كبير :
_ لا ...لا تقترب، لا تفعل أنا أحذرك.
رفع خالد يده بسرعة وهو يتحدث بسرعة كبيرة :
_ ما بكِ أنا لست سيئًا، أنا خالد ..
نظرت له الفتاة بعدم فهم وقد تشنجت ملامحها ليهتف خالد بسرعة وقد شعر بالغباء فجأة :
_ اقصد أنني لست شريرًا في هذه الحكاية، أنا بطل هنا لست سيئًا، أنا نفسه الرجل الوسيم الذي كان مع الطفل حينما كان يعالجه زين تتذكرين ؟؟
كانت الفتاة ما تزال ترفع سيفها في وجهه وملامحها مشوشة، وقد شعرت أنها ستنهار في أي لحظة والطفل يتمسك بها في قوة شديدة.
كانت آمنة تضمه بين أحضانها معتقدة أن كل شيء سيكون بخير حتى سمعت اصوات الصرخات والسيوف لتشعر أن حصن امانها على وشك السقوط وهي لن تسمح لهم، أن يدمروا عشها الذي بنته بتضحية شقيقتها، لذا هرولت صوب المكان الذي أبصرته سابقًا وقد كان الجنود يحصلون منه على أسلحة مقررة أن تدافع عن نفسها ضد من لا تعلم بما لا تعرف.
واخيرًا ظهر لها هذا الرجل ذو الثوب الغريب والنظرات الاغرب .
_ أنت...تراجع للخلف ودعني أمر، أنا لست ...لا أثق بك، أنت تبدو لي ...مريبًا .
_ مهلًا يا جميلة أي مريب هذا، هل أصابك العمى ؟! ما بال نساء هذا المكان ؟!
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى سمعت أصوات أقدام تهرول لهم، فدفعها خالد بسرعة كبيرة للخلف صوب الغرفة التي خرجت منها للتو يكتم فمها مغلقًا الباب بسرعة مشيرًا لها بالصمت، وهي نفذت كل ما أمر به مرتعبة من اصوات تعلمها تمام العلم في الخارج، تمنع الصوت من الوصول للطفل ..
وقد بدأ جسدها يرتجف ولاحظ خالد رعبها ذلك فابتعد عنها بسرعة يهمس لها بصوت هادئ مطمئن :
- لا تخافي كل شيء سيكون بخير، فقط التزمي الصمت ....
صمت ثواني قبل أن يتساءل بجدية :
- ما اسمك ؟؟
رفعت له الفتاة عيونها الدامعة وهي لا تدرك ما يريد او ما يقصد وقد شعرت بالفوضى تملئ صدرها في هذه اللحظة من كثر المخاوف التي سكنته، لكنها رغم ذلك همست بصوت مرتجف :
_ حور .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس وهي تضم فاطمة لها بقوة تحاول تهدئتها والأخيرة تتتفض نفضات مفزعة.
لا تعلم ما حدث، لكن فجأة وجدت كهرمان تقتحم الجناح الخاص بارسلان ومعها زمرد التي كانت تحمل سيفها، وتجر خلفها فاطمة الباكية تعطيها لها كي تتولى أمرها .
وكل ما فهمته من كهرمان أنهما أبصرا المعتصم يقف في الممر وهو يضمها بعجز كبير، عجز عن تهدئة زوجته ونوبة الفزع التي أصابتها وعن مساعدة الجيش في الخارج وقد بدأت الامور تسوء، وحينما ابصرهما شعر أنه وجد طوق نجاته ليخبرهم أن يأخذوها معهم للملكة وهي ستتولى الأمر.
وقد حدث ما قال، فبمجرد أن أبصرت فاطمة سلمى، حتى هرولت بسرعة لأحضانها تبكي بعنف وترتجف بخوف من الأصوات في الخارج والدخان الذي بدأ يغطي السماء.
وسلمى فقط تضمها وتهمس لها بكلمات حنونة تهدئها، بينما هي استمرت تهزي بكلمات عن حريق وقتل عائلتها، وتنادي والدتها، بينما كهرمان تراقبها بشفقة وزمرد تبصر ماضي شبيه في الصغير، الفرق أنها عبرت عن خوفها بالقتل والصغيرة اختارت الانطواء .
فجأة تحركت كهرمان حركات بطيئة صوب الباب الخاص بالجناح تحت أعين الجميع المتعجبة، ولكن لم يطل تعجبهم حينما استمعوا لصوت القتال يشتعل في الممرات وقد بدا أن حراس الجناح تم مباغتتهم وقتلهم ...
ارتجف جسد فاطمة أكثر وقد بدأت سلمى تزيد من ضمها وعيونها تلتمع بغضب مخيف، بينما زمرد من يبصر بسمتها في هذه اللحظة يكاد يقسم أنها نالت لتوها هدية كانت تتمناها منذ سنوات .
أما عن كهرمان فهي تحركت تحمل سيفها وهي تتخذ وضعية الدفاع تنظر صوب الباب تنتظر القادم، وزمرد حملت السيف تهمس ببسمة سعيدة :
- نعم هذا ما كنت انتظره، سلمى خذي الصغيرة للمرحاض واختبئوا حتى ينتهي كل هذا
نهضت سلمى بسرعة تجذب معها فاطمة لداخل المرحاض، ومن ثم اجلستها على حوض الاستحمام تهمس لها بلطف :
- فاطمة عزيزتي هل تثقين بي ؟؟
رفعت لها فاطمة أعين باكية وبشفاة مرتجفة همست بخوف ولأول مرة :
_ أريد المعتصم .
ابتسمت لها سلمى ولأول مرة تستغيث وتطالب فاطمة بوجود المعتصم وليس والدتها وهذا شيء جيد ستؤجل فاطمة تحليله لما بعد .
مالت تمسك يد فاطمة تهمس بحنان :
_ فاطمة حبيبتي هل تثقين بي ؟!
نظرت فاطمة لها وهمست وكأنها لا تعي ما يحدث أو تدرك شيء :
_ أريد المعتصم .
_ سوف يأتي المعتصم، هو فقط هو فقط في الخارج يحرص على ألا يصيب احدهم سوءًا، يحرص على ألا يصيب أحدهم ما أصابك فاطمة .
التمعت الدموع بأعين فاطمة وهي تهمس بصوت مذبوح :
_ أشعر بالخوف بعيدًا عنه سلمى، الأصوات في الخارج تشبه الأصوات ذلك اليوم.
_ يا قلب سلمى أنتِ على جثتي أن يمسك أحدهم بسوء عزيزتي، أنا سأخرج الآن سأقف أمام الباب للتأكد أن ما من أحد سيمسك بسوء .
بكت فاطمة وهي تمسك يدها تهمس برعب :
- كذلك أخشى عليك سلمى، أنا لا أريد فقدانك أنتِ أيضًا أرجوكِ، أرجوكِ سلمى
_ لن تفعلي عزيزتي، سأكون بخير لا تقلقي، فقط أبقي هنا ولا تخرجي ابدًا حتى افتح لكِ الباب أنا حسنًا ؟؟
_ لا تفعلي سلمى أشعر بالخوف ابقي جواري كي لا تتأذي .
ابتسمت لها بحنان شديد وهي تربت على يدها تربيته صغيرة، ومن ثم نظرت لعيونها تهمس بصوت منخفض ظنته هادئًا رزينًا، لكنه كان مرعبًا :
_ فاطمة عزيزتي هم من عليكِ الخوف عليهم من الاذية وليس العكس .
ومع انتهاء كلماتها استقامت بسرعة وهي تتحرك خارج المرحاض تغلقة وهي تقف أمامه تنظر حولها لتبصر زمرد ترفع سيفًا وكذلك كهرمان لتتحدث لها الاخيرة وهي تتجهز للقتال وقد أوشك باب الجناح على التحطم بالكامل أسفل الضربات القوية في الخارج :
- تريدين سيفًا ؟!
ابتسمت لها سلمى تهز كتفها بهدوء :
_ لا أعتقد أنني اجيد استخدامه على أية حال .
نظرت لها زمرد بعدم فهم ومن ثم نظرت لكهرمان تتحدث بتعجب:
_ إذن ؟! ما الذي تفعلينه في الخارج هنا ؟! عودي للمرحاض واختبئي، لا يمكنك قتال هؤلاء الخنازير عزلاء .
- من قال إنني عزلاء ؟!
نظرت لها زمرد بعدم فهم وقبل الاستفسار عما تقصد سلمى كان الباب قد تحطم بالكامل واندفع منه رجال كالسيل، ولم تعطهم زمرد الفرصة حتى لاكتشاف ما يقبع خلف الابواب المغلقة وما ينتظرهم حتى كانت دماء أحدهم تسيل أمام الباقيين تبتسم لهم بسمة واسعة :
_ لكم اشتاق سيفي أن يرتوي بدمائكم القذرة .
انطلقت كهرمان بسرعة وهي تقاتل أحد الرجال تحت أعين سلمى المصدومة مما ترى، لكن فجاة أفاقت على أحدهم والذي اندفع بسيفه صوبها لتحمل أول ما طالته يدها والذي كان " شمعدان" معدني تمسكه بسرعة مرعبة وهي تضربه في رأس الرجل متسببه اندفاع دماؤه بقوة في المكان .
وفي ثواني تحول المكان من جناح لأرسلان إلى مجزر، زمرد تقتل كل من يقابلها بلا تفكير وكهرمان فقط تصيب اصابات بالغة، وسلمى تضرب هذا وتحطم رأس ذلك .
حتى وجدت العدد يزداد والأمور تتأزم، وتحرك أحدهم صوب المرحاض حيث كانت اصوات شهقات خفيفة تصدر وكأنه لا يصدق أن هناك امرأة طبيعية هنا تبكي وتشهق كالنساء ويمكنه استخدامها ليخرج من هنا حي .
في اللحظة التي تحرك بها كانت زمرد تجز عنق الرجل أمامها وتحركت بسرعة صوبه، لكن في ثواني تجمدت كما الجميع حينما سمعت صوت صرخات فاطمة تعلو في المكان والرجل يخرج وهو يحمل سيفه عليها يصرخ بصوت جهوري .
_ للأسفل كلٌ تضع سيفها ارضًا ولا تدفعوني لدحرجة رأس الفتاة أمامكم .
ارتعشت فاطمة بخوف وهي تنظر صوب سلمى والجميع باستجداء، بينما سلمى اشتدت نظراتها.
وكهرمان ألقت سيفها دون تردد، أما عن زمرد قاومت وهي ترمقه بشر كبير، لكنها في النهاية خضعت تلقي السيف ارضًا بضيق شديد ..
ابتسم الرجل حينما أبصر الاكفة فارغة يهتف بسخرية:
- جيد والآن يمكنني أن أرى نساء أمامي، السيوف لا تليق بأكفافكن الرقيقة يا سيدات .
التوى ثغر كهرمان تهتف بسخرية :
_ والله الشيء نفسه معك، السيوف لا تليق بأكفافك، كما با تليق الشوارب بوجهك أنت حتى تحمل السيف بشكل خاطئ الآن.
لم يهتم الرجل وهو يشير لمن تبقى من الرجال بسحبهم :
- خذ الجميلات للخارج سوف يسعد سيدي بالصيد الذي نلناه، مجموعة من أشراف نساء الممالك ملكات واميرات، يوم حظنا هذا، هيا تحركوا معه .
تحرك الرجل صوبهن ولم تكد زمرد تجلدهم بسياط لسانها او حتى تميل لحمل سيفها مجددًا ضاربة بتعقلها عرض الحائط .
حتى اتسعت عيونها كما الجميع تراقب سلمى في ثواني وهي تميل بسرعة تزيح طرف فستانها تظهر من اسفله حزام جلدي كالذي تضع به خناجرها، يلتف حول قدمها، لكن الفرق أن سلمى لم تكن تحمل به سيف او خنجر، بل كانت تحمل به....شيء اسود غريب عليها .
كانت ثواني هي حتى استلت سلمى مسدسها العزيز والذي كان رفقتها في الحقيبة الخاصة بها ولم تخرجه إلا اليوم حينما سمعت صوت الانفجارات خارج غرفتها .
انتزعت المسدس من حزامه الخاص واستقامت ترفعه في وجه الرجل تتحدث بنبرة خشنة:
_ فاطمة عزيزتي اغلقي عيونك .
ارتجف جسد فاطمة وهي تغلق عيونها بقوة تشعر بقرب نهايتها، تناجي ربها وتنادي زوجها .
بينما سلمى ابتسمت تهمس بتحذير:
_ لا تتقدم خطوة واحدة .
نظر لها الرجل باستهانة، يمرر عيونه على تلك القطعة السوداء الصغيرة باستهزاء، يواصل تقدمه لها ولم يكد يضيف خطوة على خطواته حتى أطلقت سلمى ودون أن يهتز لها رمش رصاصة بسرعة الضوء لتخترق رأسه ، ومن ثم ضربت رصاصة ثانية في رأس الرجل الذي يمسك بفاطمة ليسقط ارضًا في ثواني جوار فاطمة والتي كانت تغمض عيونها بقوة مرتجفة، عكس أنظار الجميع في المكان والتي كانت شاخصة.
بينما سلمى اطلقت رصاصة ثالثة في الهواء تحذيرًا لمن تبقى منهم تصرخ بصوت مرتفع :
_ الرابعة ستكون في صدر من يتجرأ ويتحرك خطوة لا آذن أنا بها يا بقايا الذكور .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أرسلان كفى، أرسلان كفى، أرســــــــــــلان.
توقف أرسلان عما يفعل وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد بدأ العرق ينتشر على وجهه إذ كان كما لو أنه يحارب وحده ويخشى أن ينال غيره شرف ابادتهم .
نظر حوله يتأكد أن الأمر انتهى بالفعل، ومن ثم رفع رأسه لإيفان يعيد خصلات شعره للخلف يرسم بسمة واسعة على فمه وقد بدا في مزاج جيد في هذه اللحظة يأخذ نفسًا عميقًا وهو يردد براحة شديدة :
_ كان هذا ...رائعًا للغاية .
زفر إيفان بضيق وهو يجذبه بعيدًا عما يحدث يتحدث بسرعة كبيرة وقد بدأ الجنود من حوله يتداركون ما يحدث :
_ دعنا نعود للقصر بسرعة، لقد هجم الكثير منهم عليه و....
توقف أرسلان فجأة بصدمة من ذلك الخبر ومن ثم قال بلهفة وقد افتقد وجود سالار والملك آزار في الجوار :
_ سالار ذهب هناك للمساعدة صحيح ؟!
نفى إيفان وهو يتحرك صوب الحصان الخاص به يدفع أرسلان أمامه وقد تجمد من الرعب عما يمكن أن يصيب زوجته وشقيقته وباقي النساء هناك، وقد كانت ذكرياته السوداء لمقتل والدته في هجوم مماثل تلوح أمام عيونه، وصوت إيفان جاء من بعيد وهو يردد بكلمات غير مفهومة لم يدرك منها سوى أن الملك آزار توجه لآبى مع سالار .
ولم يكن بكامل إدراكه ليسأل عن السبب وهو يلقي بجسده على الحصان ينطلق بسرعة مرعبة وهو يصرخ في رجاله خلفه :
_ مشطوا المنطقة بأكملها وتأكدوا أن لا أحد منهم تبقى .
ختم حديثه يختفي بالكامل من مرمى بصر إيفان الذي فتح عيونه بصدمة، يصعد على حصانه يلحق به وهو يردد بغيظ شديد :
_ يارب رحمتك بي ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت المعتصم قد اجار على كل من توقف أمامه، وعيونه تطلق نيرانًا لشدة الغضب، ذلك الهادئ الرزين تحول في ساحة الحرب لرجل لا يتمنى ولو في اسوء كوابيسه أن تبصره زوجته، والتي ربما تخشاه المتبقى من حياتها إن أبصرت ما يفعل بالرجال أمامه .
كان كوحشٍ سجن بدائيته أسفل ثوب الهدوء واللطف الذي يسير به عادة بين الممرات، إن استثنينا ساحات التدريب من الأمر.
كان يقاتل على الأرض، بينما دانيار يقف في موقعه المميز والمفضل .
اعلى سطح القلعة الشاهق يقف مع سهامه وبعض الرجال خلفه من جيش الرماة في مشكى، يحمل ثلاثة سهام يضعهم في القوس يضيق عيونه وفي ثواني كانت السهام تغادر قوسه صوب رحلة قصيرة حتى استقروا في وجهتهم داخل صدور بعض الرجال في الأسفل .
اتسعت بسمة دانيار وهو يستدير ليحمل المزيد من السهام، لكنه اثناء ذلك أبصر اتساع أعين الرجال خلفه ليبتسم بهم بسمة صغيرة غامزًا يحمل المزيد والمزيد ومن ثم نظر صوب الساحة يسقط أجساد أكثر وأكثر.
وهو يفكر في زوجته لا بد أنها الآن تنتظر في الغرفة فرصتها لتطلق المجرم الصغير داخلها، ولا يدري المسكين أن زوجته في تلك اللحظة كانت بالفعل قد قتلت لها عدد مماثل لضربة من ضرباته ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك الرجل في الممرات وهو يبحث بعيونه عن مدخل للضوء يرشده حيث يريد، فما يعلمه من خلال وجوده داخل القصر أن هذا هو السجن الذي وُضع به نزار .
تقدم خطوات وهو ينظر حوله بتوتر من أن يمسك به أحدهم وتكون نهايته، فجأة وقبل أن يخطو خطوة اضافية داخل السجن شعر بأحدهم يجذب جسده بقوة مرعبة صوب القضبان وصوت خلفه يهمس بشر:
_ أخرج مفتاحك واخرجني من هنا، الآن..
اتسعت أعين الرجل وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ سيدي ...نزار ؟؟
رفع نزار حاجبه بسخرية شديدة :
_ لم أدرك أنني مشهور هكذا لدرجة أن يدرك أحدهم هويتي من صوتي .
_ لقد ... لقد جئت اخرجك سيدي، السيد وليد أرسلني لمساعدتك، الجميع في الخارج يشعل قتالًا كتمويه لخروجك .
جذبه نزار له أكثر حتى كادت القضيان تخترق جسده :
_ حقًا ؟! يا لي من مهم .
_ اقسم لك .
_ تقسم لي ؟؟ وهل لكم من قسم أو ذمة يا حقير ؟!
رفع الرجل المفتاح في الهواء وهو يهمس من بين أنفاسه المسلوبة :
_ لقد حصلت على المفاتيح لإخراجك واحضرت لك رسالة سيدي وليد دليلًا لتصدقني، إذ أنه علم أنك لن تثق بي .
تركه نزار ببطء وهو يراقب الرجل يتنفس بصعوبة شديدة، يمسح ذرات العرق أمام وجه نزار الذي كان يبتسم بشكل مريب يراقبه وهو يخرج مفاتيحه، ثم شرع يجربها واحدة تلو الأخرى، حتى نجح في فتح الباب واتسعت بسمته بقوة يرفع عيونه بحماس لنزار :
_ لقد فُتح .
_ نعم احسنت، والآن اعطني رسالة الوليد ..
مد الرجل يده بسرعة يخرج الرسالة من ثوبه يهتف بلهفة :
_ ها هي، علينا إخراجك من هنا قبل أن ينتهي القتال في الخارج و....
توقفت كلمات الرجل وقد اتسعت عيونه وأطلق شهقة من خرجت روحه، او ربما كان هكذا بالفعل ...
سحب نزار خنجره بهدوء شديد من جسد الرجل، يراقبه يتهاوى ارضًا ببطء قبل أن يبتسم يلوح بالرسالة في الهواء :
_ شكرًا لك يا خسيس .
تحرك بعد كلماته تلك يجذب لثام الرجل بسرعة يغطي به وجهه يقرر الخروج من ذلك المكان دون أن يشعر به أحدهم، ومن ثم يفكر في مكانه وأين يجب أن يتوجه بعد ذلك ..
_ لنرى أي البلاد تقبل بك نزار وقد لفظتك جميع الأراضي......
ــــــــــــــــــــــــــ
هرول بجسد هزيل خارج منطقة الجحر وبسمته تتسع أكثر وأكثر وعيونه تلتمع بشكل مخيف وقد تنفس واخيرًا بحرية خارج ذلك المكان الذي سُجن به لوقت لا يعلم عدده حتى.
توقف جوار إحدى الاشجار وهو يسحب نفس عميق يستند بظهره عليها ومن ثم انهار ارضًا من شدة الارهاق والتعب، يفرك أقدامه المصابة بجروح عدة بالغة لشدة التعذيب الذي ناله من الرجال في الجحر .
ومن ثم اتسعت بسمته أكثر وأكثر حتى تحولت البسمة لضحكات، والضحكات لهستيرية غريبة، ختمها بنظرات حادة يحمل غصن من الأرض وهو يخط بعض الكلمات بأعين مظلمة، قبل أن يترك الغصن فجأة وهو يعبث بخصلات شعره التي كان يربطها بربطة بيضاء تحول لونها للأسود من شدة القاذورات التي تراكمت عليها خلال الفترة الاخير، استخرج منها ورقة شبه مهترئة، تكاد تدوب انسجتها بين أنامله، وهو يدور بعيونه عليها يراقب الاسماء التي دونها منذ طفولته .
قائمة الانتقام خاصته لكل من عاداه يومًا، أو آذاه .
نظر حوله بشكل غريب حتى يأس من إيجاد مبتغاه، فهداه عقله لجرح إصبعه ليخط على الورقة اسم إضافي أدخله في انتقامه " أصلان ".
ومن ثم أخذ يراجع الاسماء بهدوء وجنون وكأنه يمحو من انتهى دوره ليفسح المجال لغيره ممن يريد التخلص منهم .
_ أمي، أبي واخوتي الحمقى جميعهم، الغبي بافل، أرسلان، سالار، إيفان، آزار العجوز، وبارق، توبة الحقيرة، أصلان القذر، واخيًرا أختي العزيزة....زمرد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هبط من حصانه بسرعة الضوء يركض داخل القصر يتجاهل الجثث المترامية حوله والدماء التي لوثت ارضية القصر، والرجال الذين بدأوا يتحركون في المكان للمساعدة في نقل الجرحى للمشفى .
بينما المعتصم يتحدث مع تيم بهدوء شديد:
_ اسحبهم لأي مكان حتى أفكر في أي مقلب نفايات سندفنهم و...
وقبل أن يكمل كلماته كان يبصر جسد أرسلان الذي اندفع بشكل مرعب للداخل ليتحدث له ببسمة صغيرة :
_ مولاي لقد ....
لكن أرسلان لم يتوقف وهو يبعده بسرعة من طريقه دون وعي، ليمسكه تيم بسرعة قبل أن يسقط، ولم يكد يعتدل في وقفته حتى اصطدم بهم إيفان والذي كان يهرول خلفه مرتعبًا على زوجته وشقيقته، ليسقطهم ارضًا بقوة وبشكل كان مثيرًا للضحك بشكل غريب في وسط كل هذه المجازر التي صنعها هؤلاء الرجال منذ ثواني..
تأوه تيم بقوة وهو يدفع المعتصم الذي نفض ثيابه بسرعة يتأكد أن لا أحد رأى ما حدث، ينبث بعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا، لم يتوقف الملك للسؤال على ما حدث واندفع للداخل بشكل غريب وكأن الحرب كانت بالداخل و....
فجاة توقف عن التحدث برعب وقد اتسعت عيونه بشكل غريب يطلق شهقة مرتفعة جعلت تيم يتراجع للخلف بتفاجؤ، لكن لم ينتبه للصخرة خلفه ليتعرقل بها ويسقط مجددًا، في اللحظة التي همس بها المعتصم باسم زوجته وهو يهرول بشكل مرعب خلف أرسلان وايفان .
كان أرسلان يهرول بين الممرات وهو يبعد خصلاته عن عيونه بضيق يشمر اكمامه يستل سيوفه مستعدًا لقتل أيًا كان من يقابله في هذه اللحظة ويعيقه عن الوصول لزوجته، مرتعبًا أن يكون سوءًا قد مسها، يتمنى أنه أصر عليها لتتعلم المبارزة، يقسم باغلظ الإيمان أنه لن يتركها دون تعليمها كل اساليب القتال هنا، لتحمي نفسها من كل حقير قد تسول له نفسه اذيتها .
وايفان خلفه ربما كان أقل قلقًا يعلم جيدًا مهارات زوجته والتي كادت تقطع رأسه خمس مرات سابقًا في قتال سابق، بالاضافة لشقيقته التي تبحث عن القتال بشغف بين اروقة سفيد، لكن الخوف أن تكون مهاراتهن قد خانتهن وهناك من آذاهم ..
والمسكين المعتصم والذي كانت زوجته أبعد ما تكون عن عالم الثلاث نساء الذين سبق ذكرهم منذ ثواني، فعلى عكس عالمهم الصاخب والرصاصي كانت فاطمة في عالم آخر حيث يسود اللون الوردي ولا تسمع سوى زقزقة العصافير، لذا أي خطر جوارها قد ينتهي بموتها ....
في اللحظة التي كان يهرول بها الثلاثة صوب الغرف مرتعبين ، كان دانيار يركض بين الممرات من الجهة الاخرى بحثًا عن اراضي زوجته سعيًا لإنقاذ ارواح من سقط بين يديها .
هتف أرسلان بقوة وصراخ وهو يراقب الممرات خالية من الرجال :
_ لا حراس هنا، لا حراس هنا، قسمًا بالله إن مسهن سوء لأتناسى أي خطة حقيرة تتضمن أي تأني وصبر، وسأسحب المتبقي من جيشي وأُقسم ذلك المخنث المسمى أصلان لنصفين ولن أتوانى عن ....
فجاة توقف في ركضه وتوقف مع الجميع، يلمحون أحدهم يسير جوارهم بهدوء شديد ملوحًا بيده في الهواء :
_ السلام عليكم.
نظر أرسلان صوب إيفان الذي رفع يده يحاول تهدئة الأخير، بينما المعتصم يراقب بأعين متسعة ما حدث منذ ثواني وقد تعرف على هوية الرجل الذي تحرك من أمامهم الآن يشير له بعدم فهم وصدمة هاتفًا :
_ أليس هذا ....هذا ...هذا هو ... الأمير نزار ؟؟؟؟
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو ينظر صوب إيفان الذي رفع كفه يحاول تهدئته مجددًا :
_ استحلفك بالله أن تهدأ لقد ....
لكن أرسلان قطع كلمات إيفان وهو يصرخ بجنون يتحرك بسرعة يسحب نزار من ثوبه صارخًا :
_ نــــــزار أيها القــــــــذر ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما آن للأسرار أن تحرر من سجون الكتمان ؟!
دمتم سالمين
رحمة نبيل.