تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
(أحداث تلك الرواية مأخوذة من مواقف أغلبها حدث بالفعل، لكن تختلف البيئات،والأزمان، وحتى الشخصيات.. كقارئ ربما لن تشعر بالغرابة إن صادفك موقف شعرت فيهأنك عايشت تجربة مماثلة، فكل شيء جائز خلال متابعتك لفصول العمل، ما عليك إلا أنتطلق العنان لخيالك، وتستمتع بالتجربة وتتفاعل مع الأبطال.. هنا أنت لست بقارئ فقط،وإنما جزء من الأحداث.) باقي من الزمن فقط 18 يوم بأمر الله على انطلاق أول الفصول .. في انتظار دعمكم وتعليقاتكم الشيقة .. #الطاووس_الأبيض...
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم Manal Salem
تم طرح استفتاء للقراء على صفحتي بالفيس بوك لسؤالهم عن نشر فصل الغد اليوم أم الانتظار لميعادنا المعتاد، وكانت النتيجة بالإجماع اليوم ..
لذا بناءً على رغباتكم الفصل متاح للقراءة
في انتظار دعمكم
الفصل الخامس والعشرون
أرهفت أذنيها محاولة التلصص على تلك الأحاديث الهامسة بين خطيبة ابنها وزوجة خالها، لم تكن "بثينة" راضية عما يحدث من همهمات مُثيرة للشك، وما أوغر صدرها هو الطمع البائن عند انتقائها لتلك القلادة اللافتة للأنظار وإصرارها عليها، شعرت بالندم لعدم إظهار اعتراضها، وأدركت أن نظرتها لتلك الفتاة منذ البداية كانت خاطئة، وبنظراتٍ ممتعضة ووجه شبه حانق تحركت عائدة للداخل لتجلس بجوار "آمنة" وهي تبرطم بكلماتٍ ساخطة غير مفهومة، نظرت الأخيرة لحماة ابنتها بتمعنٍ، ولاحظت مدى العبوس الظاهر على تعابيرها، فسألتها بسجيتها:
-مالك يا حاجة "بثينة"؟
نظرت لها باستعلاءٍ من طرف عينها قبل أن تجيبها بنبرة موجزة:
-مافيش.
أحست "آمنة" بوجود خطب ما، وتوجست خيفة من احتمالية تصرف ابنتها بثورة غير لائقة مع تلك المرأة مما أزعجها .. تساءلت "خلود" باهتمامٍ:
-ما وقفتيش تتفرجي معاهم على الشبكة ليه يا ماما؟
أدارت رأسها في اتجاهها، وجاوبتها بوجومٍ:
-ماليش مزاج.
استشعرت تبدل أحوالها، فمالت عليها تلاحقها بأسئلتها، ولكن بصوتٍ خفيض:
-هي خطيبة "هيثم" عملت حاجة مش عجباكي؟ قالتلك كلمة ضايقتك؟
أجابتها بصوتها المتزمت وهي تلكزها في جانب فخذها:
-بعدين هاقولك، مش وقته!
تفهمت "خلود" رغبة والدتها في عدم الحديث علنًا، وتغيرت نظراتها الودودة نحو تلك العائلة ليظهر الضيق عليها، توترت "آمنة" من الصمت الغريب الذي حل بين ثلاثتهن فجأة، أحست باختفاء البهجة من حولها، وتضرعت خفية ألا يحدث الأسوأ.. ولجت "حمدية" للداخل أولاً وأساريرها منفرجة، وتلك الضحكة العالية لا تبارح شفتيها، انطلقت منها زغرودة فرحة جلجلت في المكان، ثم هتفت صائحة بغبطةٍ عجيبة:
-ماشاءالله حاجة تشرف بصحيح..
جلست إلى جوار "آمنة" في المقعد الجلدي الشاغر، وقالت بنبرة ذات مغزى تعمدت أن تكون مسموعة للبقية:
-عملت يا "آمنة" زي ما وصتيني مع "هموسة"، مخلتش في نفسها حاجة وماجبتهاش، وخطيبها اسم الله عليه ماتوصاش، ربنا يحميه لشبابه.
ردت تجاملها بحسن نية:
-كتر خيرك
احتقنت عينا "بثينة" ونظرت بغلٍ إلى كلتيهما، الآن اكتمل المشهد السخيف بتلك الجملة المفهومة، ظنت أن "آمنة" خدعتها بإدعاء عدم تدخلها في مسألة شراء الشبكة للعروس، واكتفت بالجلوس لتبدو كالحمل الوديع أمامها، وفي الخفاء هي داهية خططت بمكرٍ لتستحوذ على الأغلى سعرًا والأثقل وزنًا، رمقتها بنظرة احتقارية مهينة، كتمت حقدها عليها في نفسها وكزت على أسنانها تقول في غيظٍ لنفسها:
-ده إنتو طلعتوا عقربتين، وحرباية!
لكنها توعدتها بكراهيةٍ تضاعفت فيها:
-بس أنا قادرة عليكم بأمر الله!
......................................................
حانت من حدقتيه نظرة حائرة على باقي المشغولات المعروضة في الواجهة، كانت تضاهي بعضها البعض في بريقها اللامع وأشكالها الجذابة، لكن بقيت تلك القلادة الوحيدة المتفوقة على الجميع، زفيرٌ بطيءٌ خرج من صدره، وقبل أن يعاود أدراجه للداخل، وتحديدًا عند أعتاب الباب أوقفته "همسة" باعتراض طريقه لتقول بترددٍ:
-ممكن أطلب منك طلب صغير؟
تجمد في مكانه وجال بعينيه عليها، كانت تعبيراتها مختلفة، تظهر الحيرة عليها، تعقدت ملامحه، ثم سألها بنبرة اكتسب إيقاعًا خشنًا، وما زال ضيقه معكوسًا عليه:
-أيوه، في حاجة تانية عوزاها؟
ردت بصوتٍ خفيض وهي تتطلع من فوق كتفه للجالسين بالداخل، وكأنها تحاول استباق الأحداث قبل أن يقع الأسوأ:
-لو ينفع نتكلم برا المحل.
ازدردت ريقها، وانتظرت بقلقٍ رده، لوهلةٍ حدق فيها "هيثم" بنظرة مترددة قبل أن يضع قبضته على ذراعها، دفعها منه للأمام وهو يرد مستجيبًا لرغبتها:
-تعالي.
وقف كلاهما أمام الواجهة، وظلت نظرات "هيثم" مثبتة على وجه "همسة" التي استجمعت جأشها لتقول دفعة واحدة وهي تفرك أصابها في توترٍ، وكأنها بذلك تتخلص من الثقل الجاثم عليها حتى لا يُساء فهمها:
-أنا عارفة إني اللي هاقوله غريب شوية، بس.. ممكن ترجع السلسلة دي، أنا مش عاوزاها!
تفاجأ من طلبها الصادم، وردد بتلك التعابير المندهشة:
-إيه؟ أرجعها؟
أوضحت له بتهذيبٍ رقيق وهي تلعق شفتيها محاولة السيطرة على تلك الربكة التي انتابتها:
-بص هو ده اختيار مرات خالي، وأنا مردتش أحرجها قصاد مامتك، بس أنا مش كده والله، أصلاً مابحبش لبس الدهب، ومش عاوزة حاجة أوفر، فهستأذنك ترجعها.
ضاقت عيناه في تعجبٍ لم ينكره، وسألها بلمحة سخرية:
-بصراحة أنا مستغربك!
تابعت موضحة وقد نكست رأسها في خجلٍ:
-هو أنا بس بتلخبط ومابعرفش اتصرف وقت ما بتحط في الموقف، بس مافيش داعي تشتريها، أرجوك.
كان تصرفها مخالفًا للمعهود في مثل تلك المواقف التي تكشف عن طمع بعض العرائس، أصيب بالدهشة في البداية، لكن تحول ذلك لشعور متعاظم بالسرور، تنحنح بعدها متسائلاً بفضول وهو يتطلع إليها بنظرات متشوقة:
-يعني مافيش حاجة عجبتك نهائي هنا؟
عفويًا انخفضت عيناها على تلك السلسلة الرقيقة التي تتزين بزهرة اللوتس، وأشارت نحوها بيدها قبل أن تجيبه:
-دي كانت عجبتني في الأول.
عمق من نظراته نحو اختيارها البسيط، ثم عاد ليحدق بها وهو لا يزال مندهشًا، ثم ابتسم متسائلاً:
-بس؟
أومــأت برأسها بالإيجاب، وقد لاح على شفتيها بسمة ناعمة:
-أه.
فرك رأسه بيده، وتابع باقتضابٍ:
-ماشي يا ستي
امتدت يدها تلقائيًا لتمسك به، وسألته بتلهفٍ:
-هترجع السلسلة؟
أخفض نظراته ليتأمل يدها الموضوعة عليه، لم تكن كعادتها ترتعش حين يُلامسها، أو حتى تنفر منه، بل بدت أكثر ألفة معه، تحرجت من جراءتها غير المقصودة، وسحبت يدها على الفور، بقيت أنظاره عليها، وابتسم يُجاوبها بغموضٍ:
-ربنا يسهل.
عضت على شفتها السفلى في استحياءٍ، وهمَّت بالتحرك لولا أن سمعت الصوت الرجولي المنادي عاليًا بفظاظةٍ:
-أبو عمـــو!
التفتت لجانبها لتجد أحدهم يعبر الطريق ركضًا وهو يشير بيده لقائدي السيارات حتى يبطئوا من سرعتهم، بدت علامات الدهشة واضحة على "هيثم"، وردد وهو يسير ناحيته:
-"نوح"
احتضنه الأخير وصافحه بحرارةٍ، لم يكن قد التقاه منذ السهرة الأخيرة قبل إعلان خطبته، سأله بنبرة مهتمة وعيناه تتطلعان إلى "همسة"، وكأنها تتفحصها تحت المجهر لتقومها:
-إيه يا عمنا، فينك؟ مش باين ليه؟
رأى "هيثم" نظراته الجريئة نحوها، فجذبه بعيدًا عنها، وسأله بما يشبه الانزعاج:
-بتعمل إيه هنا؟
أجابه مبتسمًا بطريقة لا تبعث على الارتياح:
-ورايا كام حاجة بأخلصها هنا، إنت اللي فينك؟
رد بضيقٍ:
-مشغول شوية.
غمز له متسائلاً بعبثية:
-أها.. مع نسايبك الجداد؟
تصاعد ضيقه وهو يرد:
-أيوه.
أخفض رأسه ليبدو قريبًا من أذنه حين سأله في لؤمٍ:
-دي العروسة؟
رد عليه بصعوبةٍ، وكأن الكلمات تأبى الخروج من جوفه:
-أه.. هي.
نظرة جرئية نفذت منه إلى "همسة" تبعها بقوله الوقح:
-تصدق.. مكنة بصحيح!
لم يقبل بأي شكلٍ جملته المتجاوزة في وصف خطيبته، هاجت دمائه، واندفع غضبه مجتاحًا وجدانه، فانقض عليه، ودفعه خطوتين للخلف، ثم جذبه من ياقته وتوحشت نظراته نحوه وهو يوبخه بقسوةٍ:
-ما تحترم نفسك، دي هتبقى مراتي!!
تصنع الابتسام، وقال مُطلفًا حتى لا يصب جام غضبه عليه أو ينفجر فيه بفعل حميته الذكورية:
-لا مؤاخذة، هنيالك يا سيدي، وعقبالنا.
رمقه بنظرة نارية قبل أن يسأله بتجهمٍ مُضاعف:
-عاوز حاجة تاني؟
رد متسائلاً ببرودٍ:
-مش هاشوفك ولا إيه؟
علق باقتضابٍ:
-أما أشوف ظروفي.
أصــر عليه قائلاً بنبرة مُلحة:
-يا عم تعالى عندي بالليل كده نشوف مزاجنا، ونرجع ليا لي زمان قبل ما تدخل القفص برجليك..
ثم أخفض نبرته ليتابع ممازحًا:
-بعد كده هتتنشق على سهرة من دول.
نفخ مرددًا في سأم:
-ربك يسهلها، يالا من هنا.
غمز له بطرف عينه وهو يكمل:
-ماشي يا عم.. وماتنسانيش في الليلة الكبيرة.
-إن شاء الله.
قالها وهو يدفعه عنوةٍ من كتفه ليزحزحه من مكانه حتى يبتعد ويتمكن من الانفراد بخطيبته وتبادل الحديث اللطيف معها بأريحية، لكن لظرافة "نوح" الزائدة ونظراته غير البريئة التي تجوب عليها بشكل جعل بدنها يقشر، تحرجت "همسة" من الوقوف بلا حول أو قوة، انسحبت في صمتٍ لتعود إلى الداخل وتتخذ مكانها بجوار والدتها وزوجة خالها. لعن "هيثم" مجيء رفيقه الذي أفسد عليه الفرصة، أطلق بعض اللعنات والسباب الخافت وهو يدور حول نفسه ليجعل دمائه الهائجة تحط، بقي للحظة بجوار الواجهة، لكنه استغل وقته وألقى من جديد نظرة متأنية على السلسلة، دار في خلده أن تكون تلك هديته الخاصة لها، لهذا عقد النية على شرائها لها من ماله الخاص الذي كسبه بكده، وليس من النقود التي منحها له زوج خالته "بدير"، أشعرته تلك الفكرة بالرضا، وشــرع في تنفيذها دون أدنى ذرة ندم.
....................................................................
كانت شرارات الغضب تنطلق من عينيها وإن كانت صامتة، فابنها بغبائه الواضح قد ابتاع لتلك الجشعة قطعة أخرى من الذهب بالإضافة للقلادة وخواتم الخطبة وأيضًا سوار عريض، بذلت "بثينة" مجهودًا مُضنيًا حتى لا يظهر حقدها المختلط بحنقها أمامهم، انتظرت انصراف الثلاثة، وأمسكت بتلابيب ابنها توبخه في الشارع بنبرتها المنفعلة:
-كل ده دهب جايبوه للمعدولة؟ إيييه؟ هو مال سايب؟
هتف "هيثم" معترضًا على ما تتفوه به وقد انتزع قبضتيها عنه:
-في إيه يامه، ده بدل ما تقوليلي مبروك؟
تفشت فيها حمى الغضب، وصاحت في تهكمٍ وهي تشيح بيدها لتضعها على جبينها في تعبير مستهجن:
-مبروك على إيه يا إدلعدي؟ ده القرشين اللي جوز خالتك ادهوملنا طاروا في لحظة!
حاولت "خلود" تهدئة والدتها المتعصبة، وقالت بحذرٍ:
-فلوس ومتشالة لوقت عوزة، ماضعوش يعني.
استدارت نحوها محتجة عليها:
-إنتي هيخيل عليكي الحركات دي؟ ده كُهن بنات! الفلوس راحت واللي كان كان
ثم عادت لتنظر إلى ابنها، وزجرته بحدةٍ:
-البت وأمها فضلوا يدحلبوا عليك ونفضوك في تكة
تدخل "هيثم" ليدافع عنهما، فاستطرد محاولاً توضيح الحقيقة لها:
-لأ يامه إنتي غلطانة، "همسة" مكانتش موافقة، و....
قاطعته بصوتٍ أقرب للصراخ وقد اختلج وجهها حمرة غاضبة للغاية:
-إنت هتدافع عنها كمان؟! عشنا وشوفنا، بنت امبارح بقى ليها قيمة عن أمك.
نظر "هيثم" في يأس لوجه والدته الغائم قبل أن يسير مبتعدًا وهو يلوح بيده لأحد سائقي الأجرة، صاحت من خلفه "بثينة" تناديه بصوتها المحموم:
-إنت رايح فين؟ استنى هنا أنا بأكلمك
أجابها وهو يستقل السيارة:
-مش طالبة معايا عكننة، خليني أشوف شغلي، سلام يامه.
ضربت على جانبها بيدها في عصبيةٍ، وتمتمت قائلة بنبرتها المليئة بالغل:
-ماشي يا ابن "غريب"، مسيرك ترجعلي وأفوقك.
وضعت "خلود" يدها على كتف أمها، وتوسلتها:
-اهدي يامه، أعصابك، إنتي ضغطك كده هيعلى.
ردت بأنفاسٍ غاضبة:
-حرقت دمي، لأ والولية مرات خالها واقفة تتشرط وتتنى وتتفرد تقولش شبكتها، عيلة جعانة مشافتش دهب قبل كده!
تفلتت ابنتها حولها في حرجٍ وقد رأت أنظار المارة ترتكز عليهما، أحاطت والدتها من كتفيها، ورجتها بشدةٍ:
-طب بينا على البيت، الناس بتتفرج علينا.
نفضت يدها عنها وهي ترد بعصبيةٍ تزداد حدة كل لحظة:
-اوعي بس ماتمسكنيش!
ردت بهدوءٍ وهي تستدرجها نحو الشارع لتوقف إحدى سيارات الأجرة لكلتيهما:
-حاضر، بس تعالي معايا.
......................................................................
سرى تأثير ذلك المشروب المُسكر في أوصـــاله، منحه دفئًا عجيبًا وحرارة لا بأس بها جعلته يخلع سترته الثقيلة ويغوص بجسده المتعرق في الأريكة، بدأ عقله الواعي في الانسحاب لتحل تلك الهلاوس اللحظية وتملأ فراغات مخيلته، وليبدو التأثير الوهمي بسعادة تفوق الخيال أكثر فاعلية عليه أعطاه رفيق السوء مخدر الحشيش، اكتمل إحساس النشوة المزيف، وتضاعفت الخيالات الجامحة، أسلم "هيثم" نفسه لصديقه وترك له عقله يفسده كيفما يشاء، وأبدع الأخير في سهرته الماجنة تاركًا الخمر يعبث برأسه، فبدا في حالة ما بين الوعي والهذيان، وبــاح بسهولة بعلاقته بخطيبته الخجولة .. تساءل "نوح" مستوضحًا بلسانٍ ثقيل:
-وجبتلها السلسلة يا مغفل من غير ما تاخد منها حاجة؟
هز رأسه يجيبه:
-أه، عملت حركة جدعنة، وأمي كانت هتطق مني.
ضحك "نوح" مستهزئًا به:
-وإنت فييس الصراحة!
انطلقت من "هيثم" ضحكة غير طبيعية، ورد ساخرًا هو الآخر:
-هي كانت فلوس أبويا.
ثم انطفأت ضحكته وساد الوجوم على تعابيره عندما واصل القول:
-إياكش تحن عليا بدل ما هي منشفاها معايا.
رد "نوح" مستنكرًا بنفس النبرة المتلعثمة لتظهر صعوبته في الكلام:
-كمان.. منشفاها؟
قال بعبوسٍ:
-شوفت يا سيدي.
مال نحوه ليلكزه في ساقه بقدمه ليهتز جسده المتهالك، وأضــاف مستخفًا به:
-ولا تلاقيك مش عارف تجيب معاها سكة، شكلك هتطلع بؤ في الآخر وتفضحنا
هتف محتجًا وهو يعتدل في رقدته:
-لأ أنا راجل غصب عن عين الكل!
استحثه بخبثٍ يُشبه فحيح الأفعى:
-بؤ.. وريها هي مش أنا! عرفها إنك راجل!
عبث في رأسه بكلماته الموحية مُزينًا له سوء عمله، وبغباءٍ محكم انساق "هيثم" وراء ضلالاته الخداعة، فنهض وهو يترنح بجسده ليقول:
-هاتشوف هاعمل إيه.
شجعه ببسمته الشيطانية:
-وريها يا أبو المعلمين!
انحنى "هيثم" ليجمع سترته التي ألقاها أسفل قدميه حين تمدد على الأريكة، وضعها على كتفه بإهمالٍ، وســار بغير اتزانٍ قاصدًا الذهاب لبيتها في تلك الساعة المتأخرة من الليل وتلك الرغبة الغريزية تتأجج بداخله وتستعر بشدة كأنها تريد التهامه.
.............................................................................
فــردت السلسلة الرقيقة على كفها ورفعته أمام عينيها لتتأملها عن قربٍ وهي تستلقي على الفراش، فتلألأت بوهجها البراق في انعكاس حدقتيها، سعادة غريبة تخللت إليها وهي تتذكر موقفه معها ملبيًا لرغبتها، ظلت "همسة" تبتسم طوال اليوم كتعبير عن فرحتها بهديته التي فاقت في قيمتها ثمن القلادة الأخرى، تعجبت "فيروزة" من حالة الوَلَه البائنة على خلجات توأمتها، تثاءبت وهي تتقلب على جانبها قبل أن تقول لها:
-يا بنتي ماشبعتيش بص عليها؟!
ردت بتنهيدة بطيئة وهي تستعيد في ذاكرتها مشهد شرائه لها ووضعها في علبة منفصلة:
-أصلي مبسوطة بيها يا "فيرو".
رفعت "فيروزة" رأسها قليلاً وأدارتها في اتجاهها نصف استدارة، وجدتها ساهمة، تعيش في حالة من الهيام الغريب، هزت رأسها بعدم تصديقٍ، ثم قالت بلهجة آمرة:
-طب اطفي النور، عاوزة أنام، الفجر قرب يأذن
نفخت في استياءٍ منها، وقالت بتذمرٍ:
-ياباي عليكي، بتبوظي الجو الشاعري اللي أنا فيه
ردت وهي تلقي الغطاء على رأسها لتغطيه:
-معلش، أنا ماليش في حركات الحبيبة دي
نهضت "همسة" عن الفراش وهي لا تزال ممسكة بالسلسلة في يدها، وضعتها في جيب منامتها، وقالت بصوتٍ تبدل للجدية:
-أنا رايحة أتوضى للفجر.
هتفت لها من أسفل الغطاء:
-ادعيلي
تركتها في الغرفة وتوجهت للحمام لتستعد لصلاة الفجر، لكن وصل إلى مسامعها أثناء سيرها المتباطئ في الردهة -وخلال ذلك الهدوء المتزامن مع توقيت الليل المتأخر- تلك الجلبة الخفيفة، ارتعش بدنها، وخفق قلبها خوفًا، تلفتت "همسة" حولها في ذعرٍ، في البداية اعتقدت أنها حركة سخيفة من توأمتها لإرعابها، عادت إليها فوجدتها نائمة على الفراش، سألتها بصوتٍ متلعثم:
-"فيروزة" هو إنتي صاحية؟
لم تجبها، دنت منها لتزيح الغطاء عن رأسها المخبأ، فوجدتها تعنفها:
-يا بنتي إنتي متسلطة عليا، خليني أنام
همست لها بارتعابٍ:
-أصل في دوشة برا وأنا خايفة
ردت غير مبالية وهي تدفن رأسها في الوسادة:
-تلاقي في فار في المنور ولا حاجة.
أضافت عليها:
-ما جايز يكون حرامي.
قالت ساخرة وهي تبتسم قليلاً:
-هيسرقنا مننا إيه؟ ده احنا ممكن نصعب عليه
ولكي تبدد الخوف من قلبها، تابعت بثقة وببسالة منقطعة النظير:
-اجمدي إنتي بس شوية، ولو في حاجة ناديني، وأنا هاطبق في زومارة رقبته الحرامي ده اللي أمه داعية عليه يوقع في سكتي.
بدا ما قالته منطقيًا وباعثًا على الراحة، نفضت عن رأسها مخاوفها الوهمية، وتحركت نحو باب الغرفة، وقبل أن تطأ خارجها، نطقت توصيها:
-طب ماتناميش
أغمضت "فيروزة" عينيها قائلة بنبرتها التي مالت للنعاس:
-حاضر.
تحركت "همسة" بتمهلٍ حذر تلك المرة نحو الخارج، أرهفت السمع من جديد وخفقات قلبها تتصاعد رهبةً، ما زالت الجلبة تصدر بقوةٍ، بدت وكأنها تقترب من باب المنزل، انتفضت كليًا فجأة وكتمت شهقة صارخة بيديها حين سمعت النقرات عليه، تجمدت في مكانها عاجزة عن الحركة، حتى صوتها انحشر في جوفها، لكن النبرة المألوفة المنادية باسمها خففت قليلاً من حدة خوفها، رجفة أخرى قوية نالت من جسدها وقد تكرر النداء بشكلٍ مريب:
-افتحي يا عروسة، افتحي يا "همسة"!
اقتربت بقدمين مرتعشتين من الباب، ودون أن تنظر من العين السحرية تساءلت بتلقائية:
-مين؟
تداركت نفسها، وشبت على قدميها لتنظر من خلالها، تفاجأت بوجود "هيثم" أمام أعتاب منزلها، شحبت بشرتها، وشُل تفكيرها لحظيًا، حاولت أن تتغلب على خوفها، وتساءلت بصوتها المرتجف:
-إنت جاي ليه السعادي يا "هيثم"
رد عليها يأمرها بصوتٍ خشن ثقيل، وغير طبيعي وهو يطرق بعنفٍ على الباب:
-افتحيلي، أنا مش هامشي قبل ما تسمعيني الأول
خشيت "همسة" من تسببه في فضيحة دون داعٍ، تصرفت بغباءٍ وفتحت الباب له لتسأله بوجهٍ متوترٍ:
-في إيه
أجابها بأنفاسٍ كريهة وهو يترنح في وقفته أمامها:
-عاوزك يا حلوة.
وصلت رائحة أنفاسه المنفرة إلى أنفها فأصابتها بالغثيان، وضعت يدها على فمها، وسألته باشمئزازٍ:
-إنت شارب؟
لم تكن بحاجة لسماع الإجابة منه، فمظهره يؤكد لها ذلك؛ عينان مشبعتان بحمرة غريبة، وقفة غير متزنة، وحركات متشنجة لا تبشر بخير .. تصلبت في فزعٍ وقد أمسك بها من ذراعيها بقبضتيه ليجذبها نحوه وهو يقول:
-إنتي مش بتحبيني؟ ده أنا هابقى جوزك.
ألقى "هيثم" بثقل جسده عليها محاولاً الالتصاق بها واحتضانها بالإجبار، قاومته رغم حالة الذعر المسيطرة عليه لتتحرر منه، وأبعدت رأسها عن رأسه الذي يدنو منها بشكلٍ مقزز، وكأنه يريد تقبيلها بالإكراه، ثم هتفت فيه بصوتٍ خفيض لكنه صــارم ومهدد:
-اِبعد عني! بدل ما أصوت وأفضحك!
ضاعف رفضها لتودده المقيت من رغبته الحيوانية الجائعة في النيل منها، جذبها بكامل قوته إلى خارج المنزل وهو يكمم فمها ليشعر بحرارة أنفاسها المكتومة على يده مما استثاره أكثر، ألصق ظهرها بالحائط وحاصرها، نظر لها بعينين دمويتين وبشكلٍ أرعبها، ودون إنذارٍ أبعد يده عن فمها وهجم عليها مطبقًا بشفتيه على خاصتها ليحصل منها على قبلة عنيفة أصابتها بمزيد من التقزز والغثيان، تراجع ليتلقط أنفاسه وحالته قد ازدادت سوءًا، سيطرت عليه لوسة عجيبة تطالبه بالمزيد من الأفعال المشينة، تلمس جسدها بقوة جعلتها تقشعر وتصرخ، صفعته بألم على وجهه عله يفيق، ترنح "هيثم" من أثر الصفعة، نجحت "همسة" رغم صدمتها من بشاعة تصرفه الدنيء في دفعه بعيدًا عنها من صدره، وقبل أن يتصرف بتهورٍ ويستبيح لنفسه الأمارة بالسوء المزيد من دناءة أخلاقه كانت "فيروزة" تندفع نحوه بكل غضبها المشحون لتبعده عن توأمتها صارخة فيه:
-ابعد عنها يا واطي!
نجدتها من براثنه، واستخدمت عصا المقشة في ضربه على ظهره ودفعه نحو الدرج، تدحرج الأخير عليه متألمًا وقد تفاجأ بقساوة الضربات، طُرح أرضًا شبه فاقد للوعي وهو يهذي بكلماتٍ غير مفهومة، لم تتوقف عند ذلك الحد، هاجمته بشراسةٍ وضربته في أجزاءٍ متفرقة من جسده بالعصا مفرغة فيه ما يعتريها من مشاعر عدائية نحو تلك النوعية من أقذار البشر، رفعت رأسها وبصقت عليه وهي تلعنه بصوتها اللاهث من فرط انفعالها:
-بتتهجم علينا في نص الليل، أنا هوديك في داهية!
تحول صوت صراخها إلى بوقٍ أوقظ جميع من في البيت، اندفع خالها على الدرج بثياب نومه لينظر إلى ما حدث، وهتف مصعوقًا:
-في إيه اللي بيحصل هنا؟
في حين وقفت "حمدية" في مكانها تشرأب بعنقها محاولة رؤية ما يدور دون أن تتدخل، بينما خرجت "آمنة" من منزلها على صوت الصراخ والسباب، شهقت حين رأت ابنتها ترتجف وتبكي في حرقة، احتضنتها ومسحت على وجهها بيدها متسائلة في لوعة:
-مالك يا "همسة"؟ جرالك إيه؟
لم تستطع تبين ما حدث، بالكاد حاولت إمساك ابنتها التي خارت قواها .. ألقت "فيروزة" بالعصا وأشارت بإصبعها نحو "هيثم" تسرد ما حدث:
-الكلب ده جايلنا شارب وبيتهجم على أختي
نظر "خليل" مصدومًا إليه، وتحولت عيناه إلى ابنة أخته المنهارة، وقال مذهولاً:
-إيه؟ اتجنن ده في عقله ولا إيه؟
ردت عليه "فيروزة" تتوعده بكرهٍ بغيض:
-وأنا مش هاسيبه، وهاجيبله البوليس!
التقطت أنفاسها وتابعت:
-اللي زي ده مايتأمنش عليه معها!
رد عليها "هيثم" بصوته الثقيل غير الواضح، وخيوط الدماء تنزف من رأسه:
-أنا عاوز "همسة"، دي.. هتبقى مراتي..
صرخت فيه مهددة ومنهية لأحلام يقظته:
-في المشمش، الخطوبة اتفركشت، واستعد للسجن!
ثم التفتت نحو خالها لتخبره:
-أنا هاطلب البوليس، و....
حملق فيها "خليل" بعينين متسعتين في صدمة، انقض عليها ليمسكها من ذراعها، وسحبها بعيدًا عن الدرج وهو يقاطعها بتوترٍ:
-اهدي بس خلينا نفكر، مش عاوزين فضايح.
عاجلته صائحة باستنكارٍ:
-الفضايح ليه هو مش احنا!
ازدرد ريقه وحاول أن يمتص غضبها بتعقلٍ حتى لا تنفذ ما تريده، وقال بلهجة مغايرة للهجة العدائية المفترض أن يكون عليها:
-أنا هاتصرف، خلينا بس نهدى الأول.
هتفت "فيروزة" بتشنجٍ ونظراتها تلوم خالها الذي اتخذ موقفًا غير مفهومٍ:
-نهدى؟ بأقولك كان بيتهجم عليها!
أعملت "حمدية" عقلها الداهية سريعًا، وبدأت في احتساب توابع إنهاء الخطبة بتلك الصورة المهينة، حتمًا لن تكون النتيجة مرضية لأي طرفٍ، ليس بالتسبب في الفضائح فقط، ولكن بتحطيم أحلام زوجها في امتلاك المحل الجديد، وتدمير أطماعها في شراء الثمين من الذهب، توهجت نظراتها بوميضٍ مرتعد، واعتصرت عقلها لتفكر في حجة تنجيها من تلك الخسارة الحتمية. وكالشيطان الخبيث وجدت السبيل لإثارة الشكوك، فهتفت بنزقٍ محاولة تشويش عقل زوجها، وتلك النظرة الغريبة تطل من عينيها:
-وهي فتحتله ليه السعادي؟ مش جايز متفقة معاه واحنا منعرفش ونايمين على ودنا؟
تعمدت طعنها مباشرة في شرفها لتتحول بين لحظة وأخرى إلى مُدانة لا مجني عليها، هتفت "همسة" تنفي تلك التهمة الباطلة عنها وهي تبكي في حرقة:
-محصلش والله، أنا كنت مع "فيروزة".
زمت شفتيها مرددة ببرودٍ مريب:
-واحنا المفروض نصدقك كده؟!
هدرت بها "آمنة" تحذرها:
-قصدك إيه يا "حمدية"؟ أنا بنتي متربية كويس، الدور والباقي على السكران ده.
علقت عليها بنبرة جافة لتنزع منها ثقتها:
-أنا عارفة، بس لسان الناس محدش بيسلم منه! والله أعلم بالنوايا!
نظر "خليل" إلى الاثنتين بنظرات غامضة غير مفهومة، وقال وهو يبلع ريقه:
-أنا هاتصرف، خشوا جوا دلوقتي.
حدقت فيه "فيروزة" بفمٍ مفتوح، وقد باتت شبه متأكدة أنه سينساق كالأعمى خلف زوجته التي على ما يبدو نجحت في إرباكه بالإدعاء كذبًا على توأمتها، وقبل أن تهاجم معترضة صرخ بها "خليل" يأمرها من جديد بلهجةٍ متصلبة:
-خشي يا "فيروزة" واقفلي الباب، يالا!
جاهرت بنيتها المحسومة مسبقًا، وردت عليه تتعهد له بعينين تقدحـــان بالغضب الشديد:
-ماشي، بس لو إنت سكت، فأنا لأ!
تطلع إليها في صمتٍ وهو لا يزال في حيرة من أمره، تركته في مكانه ولحقت بتوأمتها ووالدتها صافقة الباب بعنفٍ، في حين ثبت "خليل" نظراته على "هيثم" الذي قال بوهنٍ:
-أنا .. هاتجوزها .. دي.. خطيبتي
نظر له باشمئزازٍ قبل أن يقول:
-اتنيل، فضحتنا، مستعجل على إيه؟!
لم يعرف "خليل" كيف يتصرف معه وهو في تلك الحالة من الإعياء الشديد، واللا وعي .. كان يقف مكتوف الأيدي عاجزًا عن حسم أمره؛ فأحلامه الطامعة في كفة، وحق ابنة شقيقته في الكفة الأخرى، لكنه لا يدرك أي كفة سترجح في النهاية! رفع رأسه للأعلى ليجد زوجته تشير له بعينيها، وكأنها تُريد إطلاعه على شيء ما، همست له:
-اطلع عاوزاك حالاً، أنا عندي الحل.
لم تترك له المجال للجدال معها، كان أمرها نافذًا، وربما كان يبحث عن فرصة للتفكير بتروي حتى لا يضحي بكل شيء في لحظة طيش..
لم يعلم بمراقبة "فيروزة" له من العين السحرية للباب، ومع انسحابه أدركت أنه سيخذلها كعادته ولن يتخذ أي موقف سوى ما تمليه عليه زوجته الأفعى، أحست بوخز يضرب كامل جسدها من شدة غيظها، وهتفت تقول لنفسها:
-ماشي يا خالي، مش هاسكت المرادي حتى لو فيها موتي.
.................................................................................
كالسهم المارق اتخذت مع سطوع شمس النهار طريقها للدكان، لم تنسَ أن تأتي معها بما أحضره ذلك الوقح من هدايا غالية وزهيدة، وبوجهٍ حانقٍ وعينان لم تتذوقا طعم النوم بحثت عن الحاج "بدير"، لن تتحدث مع أحد سواه، لتنهي معه الأمر خاصة بعد أن رأت خالها يتسلل خلسة بصحبة "هيثم" وهو يسنده ليبعده عن المنزل ليعلن بذلك ولو ضمنيًا عن اغتيال حقها في معاقبته، توقفت في مكانها لتلتقط أنفاسها، وجالت بنظراتها على المتواجدين بالمكان الذي بدا مزدحمًا رغم تلك الساعة المبكرة، وجدته جالسًا أمام دكانه يرتشف قهوته، انتصبت هامتها، وهدرت عاليًا بصدرٍ متهدج وهي تندفع صوبه:
-يا حــــــاج "بدير"!
انتبه لها وترك فنجانه ليدير رأسه ناحيتها بتوجسٍ، حملق فيها باستغرابٍ وسألها:
-خير يا بنتي؟
وبعصبية مفرطة وضعت متعلقات "هيثم" على طاولته الصغيرة وهي تقول بتشنجٍ:
-قول لقريبك المحشش معندناش بنات للجواز.
حدق فيها مصدومًا لوهلة، حاول أن يستوضح الأمر، وسألها بتريثٍ:
-فهميني في إيه بس؟
نظرت له شزرًا قبل أن تجيبه بوجه مشدودٍ أظهر نفورها:
-اسأله الكلب الجبان ده! ناقص تربية صحيح!
استشعر "بدير" خطورة الموقف، وهتف متسائلاً في قلقٍ:
-عمل إيه؟ كلميني دوغري
ردت بغموضٍ لاعنة "هيثم" وتلك النظرة المشمئزة تعلو محياها:
-هو عارف.. ابقى اسأله الـ.... ده لما يفوق من اللي بلبعه!
لعبت الهواجس برأس "بدير"، وتطلع إليها في حيرة، لكنها لم ترحه وتابعت محذرة وهي تشير بيدها:
-بس يا ريت تقوله لو فكر يقرب من أختي أو يلمسها هاقتله!
لم تلاحظ "فيروزة" في ذروة غضبها زوج الأعين الحانق الذي لمحها منذ أن اقتحمت المكان، اندهش من وجودها، بالطبع ليست من النوع الاجتماعي لتقوم بزيارة ودية، تخلى "تميم" عن عمله ليدنو بحذرٍ منها، لم يقصد التلصص عليها، لكن صوتها الجهوري الغاضب كان كفيلاً باستدعاء المارة من ناصية الشارع، راقب وسمع كل كلمة أخبرت بها والده، صعد الدم إلى رأسه كالبركان الثائر وقد خمن ما ترمي إليه من كلمات موحية استطاع ببساطة أن يفسرها، هاجت عروقه بما اعتراها من ثورة محمومة، كور قبضته ضاغطًا بعنفٍ على أصابعه حتى ابيضت مفاصله من شدة غضبه، انتظرها على أعصاب محترقة حتى انصرفت ليقول بصوتٍ غائم لا ينم عن خيرٍ:
-أنا رايح مشوار يابا وجاي!
............................................................
-يا ساتر يا رب، هو في إيه؟
تساءلت "بثينة" بتلك العبارة في جزعٍ وهي تسرع من خطواتها لتفتح باب المنزلها الذي كاد أن ينهار من عنف الدقات المتتالية عليه، فركت جفنيها بيديها وهي تسد المدخل بجسدها الممتلئ، نظرة استنكار غطت وجهها وقد رأت "تميم" أمامها، عنفته بشفاه مقلوبة ونظرات استهجان:
-إيه الهبد ده على الصبح؟ ما تخبط زي الناس العاقلة؟
التزم الصمت ورمقها بنظرة مليئة بالشر قبل أن يُنحيها عنوة للجانب من كتفها ليمرق إلى الداخل، لاحقته بخطواتٍ متعجلة وهي تلح عليه:
-في إيه يا "تميم"؟ إنت جاي تهد البيت علينا، ما تعبر خالتك وتقولي في إيه!
اقتحم دون مقدماتٍ غرفة "هيثم" ليجده مسجى على الفراش ورائحة كريهة نفاذة تعبق المكان، نظرت له في ضيقٍ، واستطردت توضح له من تلقاء نفسها:
-لو جاي له عشان تصحيه يروح الشغل فاعتبره النهاردة أجازة، أديك شايف رجعلي وش الفجر في الحالة دي مع خال خطيبته، أنا عارفة كان بيعمل إيه معاه!
بسذاجتها وفرت عليه الكثير، حيث تأكد من صحة ما قالته "فيروزة" دون الحاجة لسؤاله، استثيرت حميته أكثر، ورد عليها بصوتٍ قاتم أرجف بدنها:
-لا معلش، أنا هافوقه بمعرفتي
ثم طردها بوقاحةٍ من الغرفة دافعًا إياها نحو الخارج غير مكترثٍ بتساؤلاتها الفضولية ليوصد الباب خلفه، دقت عليه تناديه في لوعةٍ لكنه تجاهلها .. وبكل ما يعتريه من مشاعر عدائية وعنف لا مثيل له انقض "تميم" على "هيثم" يسحبه من على الفراش ليسقطه أرضًا، تأوه الأخير من الألم المفاجئ الذي انتشر في كامل جسده وهو لم يشفَ بعد من آثار اعتداء الليلة الماضية، تساءل بنصف وعيٍ:
-في إيه "تميم"؟
رد عليه بصوتٍ مخيف نابع من أعماقه المهتاجة:
-لو فاكر إن اللي عملته كده هيعدي من غير ما تتحاسب تبقى غلطان
زحف "هيثم" بظهره للخلف ونظراته المتوترة مسلطة على ابن خالته، ازدرد ريقه وسأله بصوتٍ مرتبك:
-إنت بتكلم عن.. إيه؟
أجابه بسباب نابي ودون مراوغة:
-عن ليلة امبارح.. يا ............ !!!
اتسعت عيناه الحمراوتان في خوفٍ وقد فطن إلى ما يقصده، وقبل أن يبرر
وفجـــأة هجم عليه بشراسة ليفتك به، جثا فوقه وشل حركته دون مجهود أو مقاومة تذكر، نال "هيثم"ما يستحقه من لكمات عنيفة عرفت الطريق إلى وجهه فأكسبت بشرته لونًا دمويًا، وحصل باقي جسده على ضربات موجعة جعلته يصرخ معتذرًا ومستغيثًا، لم ينجده أحد من بين يديه، أذاقه ألوانًا مختلفة من الألم ليعي الدرس جيدًا، انتهى منه "تميم"، ونهض عنه لينفض دمائه التي علقت في أصابعه بتقززٍ، اعتدل في وقفته وبصق عليه، ثم هدر به منذرًا إياه مباشرة:
-دي قرصة ودن ليك، سامعني؟
بكى "هيثم" من الألم المبرح وهز رأسه في إذعانٍ عله يرحمه، بينما تابع "تميم" تهديده القاسي بصوته الجهوري المرعب دون أن يرتد له طرف ليصبح كلامه نافذًا كالخنجر المسنون على عنقه فقط إن تجرأ وخالفه:
-لو اتكرر تاني اللي عملته .. هنسى القرابة اللي بينا .................................................... !!
............................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم Manal Salem
محبي قراءة الروايات في كل مكان، كلمة بسيطة قبل ما تقروا الفصل اللي أرجو من الله إنه يكون لطيف ومشوق .. الكتابة مجهود ذهني وعصبي قبل ما يكون مجرد كتابة كلمات، ككاتبة بانتظر بشغف ردات فعلكم مع كل شخصية على حدا، الكلمات البسيطة اللي بتوصفوا فيها مشاعركم خلال الفصل بتشكل فارق معايا، تعليقاتكم، عصبيتكم، حتى تريقتكم، بتحسسني بإن مجهود ساعات مكانش على الفاضي، لأ في قراء تفاعلوا مع الأحداث بشكل عظيم ..أنا عارفة إن أغلبنا مشغول ومش فاضي وفي التزامات، لكن كل اللي بأطلبه من حضراتكم المشاركة في التعليق بعد انتهاء القراءة، مجرد كام كلمة مش هتاخد من وقت غير دقيقة .. كذلك أنا بأضع في عين الاعتبار ملاحظاتكم، بأوضح الجزئيات الغامضة لو لاقيت الشكوى متكررة ومش مفهومة، كمان بأعدل من نفسي.. كل ده بأكتشفه من التعليقات، وحتى الأخطاء في أسماء الشخصيات..فماتبخلوش عليا .. طولت عليكم .. وأسيبكم مع الفصل
الفصل السادس والعشرون (الجزء الأول)
خُيل إليه أنه سمع صوت تكسر عظامه مع كل ضربة عنيفة تلقاها منه، وكان يستحقها بالفعل لأنه ارتكب فعلاً مشينًا في حق تلك المسكينة، وربما فعل الأسوأ بسبب حالة الهذيان المزرية التي سيطرت عليه، عاد إلى وعيه وانتحب وهو يزحف للخلف ليستند بظهره على الكومود، تطلع إليه "تميم" بنظرات احتقارية، وحذره من جديد بصوته القاتم:
-إياك تفكر تتعرضلها، سامعني!
هز رأسه وقال بندمٍ واضح عليه وهو يمسح بظهر كفه الدماء التي أغرقت فكه:
-ماشي.. دي ساعة شيطان، مش هيحصل تاني!
سدد له نظرة مهينة والتفت ليفتح الباب الذي أوصده من الداخل لتدفعه "بثينة" وهي تصرخ به في جنون:
-عملت إيه في ابني يا "تميم"؟
بحثت بعينين مرتاعتين عن ابنها فوجدته مُلقى على الأرض في حالة يرثى لها، شهقت لاطمة على صدرها، ونحته للجانب لتجثو على ركبتيها إلى جواره وهي تنوح عليه:
-حبيبي يا "هيثم"؟ إيه اللي جرالك
ثم رفعت عينيها المحتقنتين وصرخت في "تميم":
-كنت هتموت ابني ليه؟
أجابها بجمودٍ:
-بأربيه!
ارتفعت نبرة صراخها قائلة:
-حرام عليك يا مفتري، هو بقى فيه حيل
رد عليها "هيثم" بصوته الواهن وهو يحاول النهوض:
-خلاص يامه.
نظرت له باندهاشٍ وشكوكها تتصاعد، أخبرها حدسها الأنثوي بوجود شيء ما خطير يُخفيه عنها، فسألته مباشرة:
-إيه اللي حصل عشان يبهدلك كده؟
تطلع إليها في صمتٍ قبل أن يتدلى رأسه على عنقه كتعبير عن شعوره بالخجل، هزته من كتفه مُعاودة تكرار سؤالها:
-يا ابني انطق، متخافش منه!
ابتسم "تميم" في سخرية، وكأنها ألقت دعابة طريفة عليه، استطاعت أذناه أن تلتقط قرع الجرس، فاتجه إلى الخارج وصوت خالته يلعنه من الخلف، لكنه لم يكترث بها، فتح الباب فتفاجأ بوجود أبيه، نظر له مليًا وقد أردف موضحًا:
-اطمن يابا، أنا عملت الواجب وزيادة
هز رأسه في استحسانٍ، وعقب عليه:
-كويس.. بس أنا ليا لي كلمتين معاه.
قال في سخرية:
-ده لو قدر يقف على حيله!
اصطحب "تميم" والده إلى غرفة "هيثم" حيث نهض الأخير بصعوبة ليقف على قدميه، نظرت له "بثينة" باستغراب حائر، والفضول يتضاعف بداخلها، باتت متأكدة كليًا من حدوث كارثة، وإلا لما اجتمع أفراد عائلة "سلطان" في منزلها في تلك الساعة المبكرة، التفتت ناظرة إلى "بدير" وهي تسأله:
-عاوز من ابني إيه يا حاج؟
تركزت نظراته على وجه "هيثم" المتورم، وقال بنبرة جافة وهو يشير بعكازه نحوه:
-أنا جاي أعرف الـ ...... ده إن خطوبته اتفركشت
تلاشت كافة الآلام، واختفت الأوجاع مع تلك الكلمات الصادمة، هتف غير مصدقٍ:
-نعم.. إيه؟
أخبره بنفس الصوت الأجوف المزعوج:
-والجماعة بعتولي الدهب على الدكان من شوية.
لطمت "بثينة" على صدرها مولولة:
-يا نصيبتي! ليه كل ده؟
بينما ردد مصدومًا والدموع تُحتبس في عينيه قهرًا على ما حدث ورافضًا استيعاب حقيقة الأمر:
-مش ممكن، أكيد..في حاجة غلط!
تابع "بدير" مضيفًا بلهجة متأففة:
-أنا مش هاسيبلك الدهب، هارجعه للبنت كاعتذار على اللي عملته فيها، إياكش تحس على دمك.
لم يأبه بأمره بتاتًا، وهتف يرجوه في هلعٍ وقلبه قد انخلع في صدره:
-أنا مش عاوزه، ارميه في الشارع أنا عاوزاها هي..
أظهر عدم اهتمامه بمشاعره النادمة، ونظر له باحتقارٍ قبل أن يسبه:
-نجس
وضع "تميم" يده على كتف والده، وقال له:
-بينا يا حاج، هو خد كفايته.
أومأ برأسه موافقًا، وقبل أن ينصرف استطرد موبخًا "بثينة":
-وابقي ربي ابنك كويس، كفاينا فضايح.
كتمثالٍ من الشمع وقفت لوهلة عاجزة عن التفكير، تحاول استجماع نفسها وربط أطراف الخيوط معًا علها تفهم طبيعة الكارثة التي تسبب بها ابنها، التفتت لتمسك به من كتفيه، وهزته في عصبيةٍ وهي تسأله:
-ما تفهمني إنت عملت إيه؟
توسلها وهو يبكي بطريقة استغربتها:
-كلميه ياما، قوليله يرجعلي "همسة".. أنا هتجوزها!
صرخت به بتشنج حتى يتوقف عن التصرف كالأطفال الذين أفسدوا لعبتهم:
-مش أفهم إنت هببت إيه الأول!
...............................................................
يُمكن أن توصف بأنها ليلة كابوسية مُزعجة تُضاف إلى قائمة الليالي الطويلة الموجعة الخاصة بثلاثتهن .. انتهت "فيروزة" من إعداد عصير الليمون الطازج وأتت به إلى غرفة والدتها حيث تنام توأمتها وهي تحتضن والدتها بشكلٍ يدعو للشفقة، قلبت محتويات الكوب بالمعلقة جيدًا، ومدت به يدها نحوها وهي شبه تأمرها:
-اشربي ده يا "همسة"..
وبيدٍ مرتعشة تناولته منها وبدأت في ارتشافه، سعلت في البداية لدخول بعض قطرات السائل المنعش لقصبتها الهوائية، قبلت "آمنة" رأسها وقالت لها:
-على مهلك يا بنتي.
رفعت "همسة" وجهها الباكي نحو أختها تسألها:
-عملتي إيه يا "فيروزة"؟
أجابتها مبتسمة وهي تجلس إلى جوارها على الطرف الآخر من الفراش:
-اطمني، أنا قولت لقريبه على قذارته، ونهيت كل حاجة معاه، معدتش في حاجة تربطه بينا.
ردت "آمنة" في رضا:
-كده أحسن، خليه يتصرف معاه، كفاية الرعب اللي عمله لبنتي.
سألتها "همسة" بصوتها المذعور:
-طب وخالك؟
جاوبتها بنبرة ساخطة:
-يشرب من البحر
وعلى ذكر سيرته غير المستحبة، انتبه ثلاثتهن إلى طرقاته المصحوبة بصوته على باب المنزل، أنزلت "فيروزة" قدميها عن الفراش، وقالت بشموخٍ:
-أنا رايحة افتحله.
تمتمت والدتها في قلقٍ طبيعي ويداها تحاوطان ابنتها:
-ربنا يستر ويعدي الأيام دي على خير.
بكل سخافةٍ وبرود، وابتساماتٍ مستهلكة ولج "خليل" إلى غرفة النوم ملقيًا نظرة حزينة على ابنة أخته، عــاد إلى ذهنه الليلة السابقة بكامل تفاصيلها، حيث صعد إلى زوجته التي طلبت منه إخماد تلك الفضيحة قبل أن يعلم بها أحد بحجة أن الشاب يطمح في الزواج بأسرع وقت، وما فعله كان مجرد لحظة طيش عابرة لن يكررها ولا داعي لتكبير الأمر، أما إن فعل العكس واتخذ موقفًا مغايرًا لخسر كلاهما مكاسب المستقبل المادية التي ستؤمن حياتهما لسنوات قادمة، ولهذا أعاد التفكير بتأنٍ ورتب حساباته وفق أولوياته هو غير عابئ بمصلحة ابنة شقيقته، وبهدوءٍ تام نزل ليصطحب "هيثم" وعاد به لمنزله في حالة الإعياء الواضحة، وتعلل لوالدته بأنه أنقذه من حادث سير أرعن ورأه بالصدفة وأصر على إيصاله ليطمئن عليه.. أفاق "خليل" من شروده السريع، وهتف مدعيًا اهتمامه:
-عاملة إيه دلوقتي يا بنتي؟
ردت عليه "فيروزة" بوجهٍ مقلوب:
-زي ما إنت شايف يا خالي، أكيد مش عاملة فرح!
نظر لها بضيقٍ وانزعاج قبل أن يبعدها من كتفها ليتجه نحو الفراش وهو يقول:
-طب وسعي بس كده عشان النفس.
كتمت غيظها منه في نفسها، وظلت تتابعه بعينيها المشتعلتين وهو يدنو من "همسة"، مسح على رأسها وقبلها من جبينها وهو يسألها:
-إن شاء الله شدة وتعدي.
احتجت "فيروزة" على عبارته غير اللائقة، وصححت له:
-هي كانت عيانة لا سمح الله، ده واحد ماترباش حاول يعتدي عليها
قال مدافعًا عنه:
-مكانش في وعيه يا "فيروزة"، متكبريش الموضوع
أدركت أنه لن ينصف أختها مهما حدث، فالأفعى الخبيثة قد بخت سمها، والدليل ما رأته بحدث خلسة من تهريب وطمسٍ للحقائق، لذا قررت إفســاد انتصاره الزائف، وقالت مبتسمة بزهوٍ:
-عمومًا يا خالي الموضوع خلص.
لم يستوعب مقصدها، وسألها:
-يعني إيه؟
استرسلت بابتسامة أكثر اتساعًا:
-يعني أنا اتصرفت، وقولت لقريبه الحاج "بدير" على اللي عمله، وفركشت الخطوبة!
بدا كمن ألقى عليه دلو ماء مثلج، حملق فيها بعينين شاخصتين، وردد في ذهولٍ صادم:
-إنتي.. عملتي.. إيه؟
ابتسمت في انتشاءٍ، وتابعت:
-اتصرفت زي ما المفروض كنت تعمل، ارتاح إنت يا خالي، أنا قومت بالواجب وزيادة.
تكاد تُجزم في نفسها حين تطلعت إليه في تلك اللحظة بأن دخانًا كثيفًا كان ينبعث من شدة غضبه أو غيظه، لا تعرف تحديدًا، لكنها أصابته بما فعلته في مقتل، ودمرت كل مخططاته التي بنيت على حساب عائلتها، خرج "خليل" عن شعوره، وصرخ بها بجنونٍ غير اعتيادي:
-إنتي عملتي إيه؟
نظرت له نظرة ذات مغزى، وأجابت بإيجازٍ:
-الصح.. يا خالي!
تدخلت "آمنة" في الحوار، وقالت مدعمة ابنتها:
-اللي حصل امبارح ده مايتسكتش عليه، وده أنسب حاجة تتعمل مع قليل الرباية ده
صرخ بتشنجٍ وهو يضع يديه على رأسه:
-إنتو ضيعتوا كل حاجة بغباءكم.
ردت عليه "فيروزة" ببرود:
-معلش يا خالي، مافيش أغلى من أختي عندنا
ثم تلوت شفتاها بابتسامة مستفزة وهي تسأله:
-تحب أعملك لمون تروق به دمك؟ وشك مصفر ومش عاجبني
هدر بها وهو يشيح بيده:
-امشي من قدامي السعادي.
حركت رأسها متابعة بنبرتها الباردة:
-ماشي يا خالي.
كتمت ضحكتها الشامتة بصعوبة وهي توليه ظهرها، لا تنكر أن رؤيته يغلي كمدًا أثلج صدرها وأشعرها بقليلٍ من الارتياح، تمنت فقط لو عاد لصوابها وتصرف كما يجب أن يكون الخال الحقيقي الذي يعد بمثابة أب ثانٍ للعائلة.
................................................................
-مش هاتطلع معايا يا "تميم"؟
تســاءل "بدير" بتلك الجملة وهو ينظر إلى ابنه الذي أوقف السيارة أمام مدخل بيت خطيبة "هيثم" السابقة، في البداية ظل صامتًا، وكأنه يفكر مليًا في الأمر، وظهر التردد على محياه، أمسك بكلتا يديه على المقود، والتفت ينظر لأبيه قائلاً:
-لا يا حاج، أنا هستناك في العربية
ابتلع ريقه بصعوبة، فما زال ذلك التوتر المريب يجتاح كامل حواسه كلما دنا من منزلها، أو أتى شيء ما على ذكرها، وكأنها تملك عصا سحرية قادرة على تبديل أحواله في لحظة ليصبح فاقدًا للسيطرة على مشاعره، بل ويصبح لا حول له ولا قوة حين تعتريه تلك الأحاسيس الغريبة، تبدو كما لو كانت تتكاتف جميعها وتتعاون في حضرتها بشكل قوي لتجذبه نحوها بصورة غامضة فتزيد من توتره وتضاعف من ربكته .. تنحنح والده بصوتٍ خشن، وقال مستعينًا بالمولى وهو يترجل من السيارة:
-توكلنا على الله، وربنا يقضي المشوار ده على خير.
ورغم معرفة "تميم" المحدودة بـ "فيروزة" إلا أنه كان واثقًا بأنه لا رجعة لها في قرار تتخذه بشــأن أسرتها إلا بحد السيف، لاح على ثغره ابتسامة ساخرة حين حدث نفسه:
-إنت وقعت مع غولة يا "هيثم"!
كان يقصد "فيروزة" بذلك الوصف الذي وجده ملائمًا لشخصها القوي في تلك النوعية من المواقف المصيرية، اقتحم ذهنه صورتها المستبسلة ونظراتها التي لا ترتدع بسهولة، كانت بها هالة غريبة تحثه على استمرار التفكير بها دون مللٍ أو ضجر، اتسعت ابتسامته التي امتزجت مع ضحكة عذبة وهو يستعيد وصفه السابق:
-بس معايا طاووس!
ضحك في مرحٍ وقد ملأ طيف وجهها صفحة خياله، تناقصت وبدأت تخبو بعد لحظة مع رنين هاتفه المحمول، تطلع إلى شاشته فوجد اسم "خلود" يُنير عليه، نفخ في ضيقٍ، وقال لنفسه بامتعاضٍ:
-عاوزة إيه دلوقتي؟
لم يكن بحاجة لتخمين الإجابة المناسبة، فتابع قائلاً لنفسه بصوته المنزعج:
-أكيد أمك بلغتك باللي عملته في أخوكي، وأنا مش ناقص صداع على الصبح!
ترك الهاتف يرن على تابلوه السيــارة غير مكترث بضجيجه المؤذي، وحملق في المنزل بنظراتٍ كانت تبدو في المنتصف ما بين ساهمة وحالمة.
...................................................................
استقبله "خليل" في منزل أخته بحفاوةٍ تناقض طبيعة الموقف المحرج الذي يمس طرفي العائلة، كان من حسن حظه وجوده في ذلك التوقيت، وإلا لمات بحسرته على خسارة بئر نقوده بسبب عناد ابنة أخته المميت .. وبتهذيبٍ وأسف سعى "بدير" لرأب الصدع في العلاقات الودية بين الأسرتين، استأذن يقول له بلطافةٍ بعد أن ارتشف القليل من فنجان القهوة الموضوع أمامه:
-لو مافيهاش تعب هاطلب منك يا "خليل" تناديلي الحاجة وبنتها.
رد عليه متصنعًا الابتسام:
-ده إنت جيتك على راسنا يا حاج، بس إنت فاهم نفسية البت و..
قاطعه وهو يرد بخزيٍ ملموسٍ في نبرته:
-مفهوم.. مفهوم، مافيش داعي تبرر، حقها تنهي الخطوبة.
عاجله مرددًا بتلهفٍ:
-أنا والله اتكلمت معاهم.
تنهد "بدير" معقبًا عليه دون أن يفقد رزانته:
-يا "خليل" أنا مقدر ده كله، بس عاوز البنت في كلمتين مهمين، جاي أقدر أعوضها عن اللي حصل.
وقبل أن يختلق له الأعذار أتت "فيروزة" ومعها "همسة" تسحبها بتمهلٍ من يدها، وقفت كلتاهما على مقربة منه، واستطردت الأولى تقول بجسارةٍ:
-هي جت بنفسها تقول إنها مش عاوزة تكمل الخطوبة دي، ده لو مش مصدقني يا حاج
نهض "بدير" واقفًا، ودارت عيناه على وجه "همسة" الذابل وعينيها المنتفختين من البكاء المتواصل، تقدم نحوها واعتذر منها:
-حقك عليا يا بنتي، امسحي اللي عمله فيا، مافيش حاجة تعوضك عن اللي حصل من الجبان ده، أنا ربيته ولسه هاربيه من تاني
ثم امتدت يده بعلبة من القطيفة الحمراء موضوع بها المشغولات الذهبية التي تخص الشبكة، لوح بها أمامها وهو يقول بكلامٍ شبه نافذ:
-ده حقك، ومش هترجع.
تدلى فكها السفلي في استغرابٍ مما يفعله، ونظرت إلى أختها بحيرةٍ، علقت عليه "فيروزة" رافضة عرضه السخي:
-احنا نهينا الخطوبة، يعني الشبكة ماتخصناش.
أصــر عليها قائلاً:
-بعد اللي حصل، مالوش الواد ده حاجة عندي، خديها، بعيها، اتصرفي فيها، محدش هيلومك
شكرته "آمنة" قائلة من الخلف:
-تسلم يا حاج "بدير" على تقديرك، دي صفحة وقفلناها
ســال لعاب "خليل" وقد رأى مدى سخاء ضيفه الذي يستثير أطماعه بشكلٍ جنوني، ارتعب من تزمت "فيروزة" وعنادها المهلك، لذا دون تفكيرٍ اختطف العلبة من بين أصابعه، وضمها إلى صدره، وكأنه يخشى ضياعها، وبادر يمتدحه ونظراته الطامعة تغطي حدقتيه:
-بصراحة عداك العيب يا حاج "بدير"، أبو الأصول كلها.
استشاطت عينا "فيروزة" من وقاحته، وهبت تعترض بنبرة مختنقة:
-لو سمحت يا خالي رجع الحاجة، احنا مش ناقصنا دهب.
نظر لها بغلٍ وقال متحديًا:
-إنتي عاوزة تكسفي عمك الحاج وتحرجيه؟ مايصحش وهو في بيتنا وجاي لحد عندنا...
والتفت إلى أخته يزجرها بعتابٍ:
-ما تعرفي بنتك الأصول يا "آمنة"!
ردت عليه "فيروزة" بتشنجٍ غير مبالية به وقد اِربد وجهها بحمرته المنفعلة:
-أنا مقبلش إن أختي تاخد آ....
اخشوشنت نبرته وهو يقاطعها بعبارته النافذة:
-"فيروزة" خلاص، أنا قولت كلمة..
ثم أشاح بيده لها يأمرها:
-روحي اعملي قهوة تانية لعمك بدل اللي بردت دي.
بلباقةٍ اعتذر منه "بدير" وهو يهم بالتحرك نحو الخارج:
-مالوش لزوم، يدوب أرجع الدكان.
وضع يده على كتفه كنوعٍ من إظهار الود، وقال مبتسمًا في نشوة:
-استنى يا حاج أنا جاي معاك أوصلك
لاحقه في خطواته ليهرب والعلبة لا تزال في يده، اهتز جسد "فيروزة" في عصبيةٍ جلية، التفتت إلى والدتها التي كانت تتابع الموقف بصمتٍ غريب، وهتفت بحنقٍ:
-شوفتي يا ماما خالي وعمايله؟
ضربت كفها بالآخر، وردت بتنهيدة حائرة:
-والله ما عارفة أقول إيه، أخويا الفلوس لحست عقله
نما إلى مسامع ثلاثتهن صوته المنادي:
-يا "آمنة" تعالي لحظة
أدارت ظهرها لابنتيها وهي ترد بسأمٍ:
-هاروح أشوفه، عديها على خير يا رب.
ســارت بتباطؤٍ فوجدت "خليل" يقف أمام باب المنزل والتلهف يملأ محياه، أعطاها علبة الذهب، وشدد عليها بعدم التفريط فيها ريثما تتضح توابع الأمور، أخذ وعدًا منها بالاحتفاظ بها في دولابها دون أن تُطلع ابنتيها معللاً لها:
-لو "حمدية" شمت خبر إنهم معايا هتاخدهم، وتشبط فيهم وجايز تعمل شوشرة ومترداش تفرط فيهم، سبيهم معاكي يومين كده وأنا بنفسي هارجعهم للحاج "بدير" لما الدنيا تهدى، مش عاوزين نزعل الراجل مننا، مهما كان دي كبيرة عليه إنه يتأسف بنفسه عن غلطة غيره، ماشي ياختي؟
-معاك حق.
كان صــادق النية في النصف الأول من جملته، فأطماع زوجته لا حدود لها، وربما ستحتفظ بهم كأنه حقها المكتسب، في حين أنه دس السم في العسل في باقي عبارته، فما تفوه به كان مجرد أكذوبة مخادعة ودَّ أن تنطلي على شقيقته لتوافق دون تذمرٍ على رغبته، واستجابت له بسجيتها غير المشككة فيه معتقدة أنه يفعل الصالح لابنتيها.
...............................................................................
مضت بضعة أيامٍ حُصرت فيهم ما بين رجاوات وتوسلات ابنها، وبين عصبية وانفعالات هائجة لا حدود لها، في النهاية اضطرت أن تتخلى عن كرامتها من أجله، وتذهب في زيارة استثنائية بدون ميعاد مسبق لـ "همسة" على أملِ أن تُصلح ما أفسده "هيثم"، علها تنجح في مسعاها. لم تتواجد "بثينة" بمفردها، استعانت بابنتها لتكون داعمًا لها، وبالرغم من امتعاضها إلا أنها احتفظت بتلك البسمة اللطيفة على محياها، استقبلتها "آمنة" بترحيب لائق كما اعتادت مع كل زائر يطأ منزلها، وجلست مع ضيفتيها تتجاذب أطراف الحديث العام بعيدًا عن الموضوع الرئيسي إلى أن قالت "بثينة" في الأخير لتظهر ندم ابنها:
-أنا عارفة إن ابني اتصرف بقلة أدب، بس طيش شباب والله، ده هايتجنن على "همسة"، وقلبه محروق عليها من بعد اللي حصل.
سألتها "آمنة" في عتابٍ وتعبيراتها توحي بعدم تساهلها أو لينها:
-طب يرضيكي اللي عمله؟!
نفت على الفور مستخدمة أسبابها للتبرير حتى تسترق قلبها:
-لأ طبعًا، ولو كان لا سمح الله حصل لـ "خلود" كنت قلبت الدنيا، وجبت حقها، بس هو اتربى وخد جزاته، ومش هاقولك الحاج "بدير" عمل فيه إيه، ولا "تميم"، يا لهوي، ده الكل اتكاتر عليه لحد ما رقد يا حبة عيني في السرير من القهرة
تحرجت منها "آمنة"، وبدت مذبذبة نوعًا ما لتجاريها بنفس الأسلوب الجاف في الحديث بعد الذي أفصحت عنه، تجنبت النظر نحوها وردت مبتلعة ريقها:
-مش عارفة أقولك إيه، بس كل شيء قسمة ونصيب.
هتفت ترجوها بقلبٍ ملتاع:
-ده هايموت عليها، مش شايف إلا هي يا "آمنة"، وإنتي أم زيي، والله ما يرضي حد اللي بيحصل ده!
حاولت الضغط على مشاعرها الحنون ربما تنجح في إقناعها، لكنها ما زالت محافظة على صلابتها، وقالت مبتسمة:
-ربنا يرزقه بالأحسن.
احتقنت نظرات "بثينة" من صدها لها وردودها الجافة معها، بذلت مجهودًا عنيفًا لتبدو مستكينة بالرغم من رفضها القيام بذلك الأمر المذل من وجهة نظرها، تدخلت "خلود" حين رأت أمارات الضيق تتصاعد على وجه والدتها، واقترحت بلطفٍ:
-طب ما تناديلنا يا خالتي "همسة" نسألها، يمكن رأيها غيرك.
تطلعت نحوها "آمنة"، وقالت بجدية:
-كلامها مش هيختلف عني!!
ورغم إحراجها عن عمدٍ إلا أنها ألحت بنفس الأسلوب السمج:
-معلش أهوو نسمع منها بردك، عشان خاطري يا خالتي
تنهدت قائلة في استسلامٍ وهي تهم بالنهوض من على الأريكة:
-حاضر.
وقبل أن تخرج من الغرفة كانت "همسة" تقف على أعتابها بقامةٍ منتصبة ووجه حزين، منذ لحظة وصولهما وهي متواجدة بالخارج مع توأمتها، لكنها لم ترغب في الاشتراك بالحوار، استمعت إلى كل كلمة قيلت عنه، وبالرغم من ألمها إلا أنها شعرت بالتعاطف نحوه، وكأن قلبها أبى الانصياع لتعسفها، قاومت ذلك الإحساس الخائن باللين حتى لا يطغى عليها وتتراجع، منحتها "فيروزة" إحساس القوة والثبات إلى أن أصرت "بثينة" على حضورها، شعرت بالخوف يتسلل إليها، استدعت كامل مشهده المؤسف معها حتى لا تظهر بمظهر الضعف واللين أمام تلك المرأة، لا مجال للتراجع في موقف أوضح لها معدن ذلك الرجل كما قالت لها أختها، تحلت بالشجاعة، وغالبت خوفها لتبدو قوية الشكيمة، وبثباتٍ تحركت خطوة للأمام .. وزعت نظراتها بين الضيفتين، وقالت:
-أنا موجودة يا ماما، خليكي مرتاحة.
ربتت "آمنة" على جانب ذراعها لتشجعها على الدخول، وأشــارت بعينيها إلى "فيروزة" لتظل باقية بالخارج حتى لا تتدخل في الحوار وتشعل الأجواء بعباراتها المهاجمة .. دنت منهما "همسة"، مدت يدها لمصافحة الاثنتين أولاً قبل أن تتبادل معهما القبلات والأحضان دون ودٍ ظاهر عليها وهي ترحب بهما:
-أهلاً وسهلاً بيكم.
جذبتها "بثينة" من رسغها لتجبرها على الجلوس إلى جوارها على الأريكة العريضة قائلة لها بابتسامة متشوقة:
-تعالي يا بنتي جمبي كده، ده إنتي وحشاني أوي.
ابتسمت لها ابتسامةٍ متكلفة، وقالت مجاملة:
-تشريف حضراتكم ليا على عيني وراسي..
استطردت تقول لها:
-بصي يا حبيبتي، أنا عاوز أفهمك إن اللي حصل ده كان في لحظة شيطان، مش هاتكرر تاني، وأنا أوعدك بده.
ردت عليها بجمودٍ مصطنع:
-صعب أكمل معاه!
سألتها "خلود" بنبرة متأثرة:
-يا "همسة" هو إنتي لحقتي تعرفيه؟ حرام والله تظلميه!
التفتت نحوها لترد بحرقةٍ ظاهرة في نبرتها:
-ما اللي عمله فيا كفاية إنه يخوفني منه، ده كان شارب، والله أعلم لو أختى ملحقتنيش.. كان...
وجدت صعوبة في إتمام جملتها، ومع ذلك تسلحت بالشجاعة لتقول بحسمٍ:
-أنا مش هآمن لنفسي معاه، مقدرش، أنا أسفة.
استعطفتها "خلود" بصوتٍ شبه مبحوح وبدموع التماسيح التي حاولت جاهدة استدعائها لتبدو مقنعة:
-اديله فرصة تانية، ده ربنا بيسامح، وهو هيتجنن من ساعة اللي حصل.
أضافت عليها "بثينة" لتزيح الصورة السيئة المتشكلة في ذهنها عنه:
-والله ما بياكل ولا بيشرب، وشغله سايبه يضرب يقلب، مافيش على لسانه إلا إنتي، ده ربنا هداه على إيدك وساب الزفت اللي كان لاحس مخه.
لم يكن الأمر بتلك البساطة لتمحوه من عقلها أو لتتأقلم معه وكأنه شيء مُعتاد منه، طفرت دموعها في عينيها، ومسحتها بيدها قبل أن تنهض لتقول بغصة مؤلمة في حلقها:
-معلش يا طنط مضطرية أقوم، ورايا حاجات لازم أعملها، فرصة سعيدة إني شوفتكم
نظرت لها "بثينة" في يأسٍ وهي تفر من أمامها، استدارت نحو ابنتها لتأمرها والحزن يغطي تعبيراتها:
-بينا يا "خلود"، الظاهر مافيش فايدة!
.............................................................
ركضت هاربة وقلبها يُعتصر آلمًا دون أن تعرف إن كانت عشقته حقًا، أم لأنها تكره تلك الذكرى المؤسفة التي لوثت تفكيرها عنه، هربت والدموع تنساب بغزارة من حدقتيها، ارتمت في أحضان توأمتها التي واستها وهونت عليها من الأمر، امتدحت تماسكها قائلة:
-برافو عليكي، أنا عارفة إنه صعب عليكي، بس إنتي أدها
ابتعدت عنها لتنظر إليها بعينين تفيضان بالدمع، وسألتها بنهنهةٍ:
-تفتكري.. أنا ظلمته؟
أجابتها "فيروزة" بردٍ قاطع مظهرة عدم تعاطفها مع موقفه الناد:
-هو اللي عمل كده في نفسه.
أشــارت برأسها للخلف وهي تتابع بنبرة متقطعة بسبب بكائها:
-بس على حسب.. كلام مامته.. شكله لسه.. متمسك بيا.
وضعت كلتا يديها على ذراعيها، هزتها منهما برفقٍ وهي تحذرها بلهجة قوية حتى لا تتراجع:
-اجمدي يا "همسة"، اللي زي ده مايتبكيش عليه.
نكست رأسها في حزنٍ وقالت وهي تتنفس بعمقٍ لتخفف من نوبة بكائها:
-حاضر
ابتسمت لها "فيروزة" في حبٍ، وأضافت بثباتٍ لتشد من أزرها:
-احنا مالناش إلا بعض يا "هموس"، وبكرة هايجي اللي أحسن منه، إنتي متستعجليش، ولا شكلك هتحني ليه؟
حملقت بعينين تعيستين في وجهها قبل أن تنطق بمرارةٍ:
-لأ يا "فيروزة"، ده موضوع واتقفل!
..................................................................
أبلغته والدته برفضها القطعي للعودة إليه وإتمام الخطبة، وكأنها بذلك نزعت فتيل قنبلة جنونه الموقوتة ليهتاج أكثر ويحطم ما تطاله يداه، كانت محقة حين وصفته بالأرعن الأهوج الذي انساق وراء نزواته، ولهذا عليه ألا يلوم أحدًا إلا نفسه، ثارت ثائرته، وفقد عقلانيته ليخرج من المنزل قاصدًا الذهاب إلى رفيق السوء "نوح"؛ ذاك الذي نصحه في غيابات الخمر باستباحة عرضها، لم يكن الأخير متواجدًا في منزله، دق الباب بعنفٍ عليه، أوشك أن يخلع الكتلة الخشبية التي تمنعه من اقتحام المكان، ونجح بعد عدة ضربات قوية من كتفه في إزاحة الباب، وحين تواجد بالداخل، انهال على ذاكرته تفاصيل تلك الليلة المنحوسة، هاج على الأخير وأطاح بالزجاجات الفارغة وهشمها، وركل النارجيلات المتراصة عند الزاوية بكل عصبية لتتحطم وتتبعثر محتوياتها على الأرضية، عاث في المكان الخراب وهو بالكاد يلتقط أنفاسه اللاهثة من فرط انفعالاته، لكن قلبه الموجوع لم يهدأ بعد.
جلس "هيثم" على الركام المحطم وهو يشبك يديه أمام ركبتيه يتطلع أمامه بنظرات غائمة، عــاد "نوح" من الخارج ليتفاجئ بالدمار الذي لحق بمسكنه، وخاصة عدة السهر الخاصة، نظر في صدمة إلى ما افترش الأرض من بقايا زجاجية مختلطة بأحجار الفحم، تساءل في بلاهةٍ:
-هي الحرب قامت هنا ولا إيه؟
في البداية تجمدت عينا "هيثم" عليه، وكأنه يستوعب مجيئه، شحذ قواه الغاضبة ليصبها عليه، أرخى كفيه واستند عليهما لينهض، ثم انقض عليه ليمسك به من تلابيبه وهو يصرخ به في عصبيةٍ:
-إنت السبب، إنت اللي خربتها على دماغي!
حاول "نوح" انتزاع قبضتيه من عليه وهو يسأله مصدومًا:
-في إيه يا عم؟ بالراحة عليا، واحدة واحدة خليني أفهم!
واصل صراخه المهتاج قائلاً دون أن يفلته من بين أصابعه:
-كانت شورة مهببة منك، الله يحرقك البت راحت مني
سأله مستفهمًا:
-هو إنت عملت إيه بالظبط؟
في وسط نوبة انفعاله المتأججة أخبره باقتضابٍ عن تصرفه المتجاوز، ابتسم "نوح"، وعلق بما يشبه التهكم:
-إنت اللي غلطان، أنا مقولتلكش روح اغتصابها، دماغك كانت من الأول شمال معاها!
هتف مدافعًا عن نفسه في حرقةٍ:
-مش حقيقي! أنا.. مكونتش دريان بسبب الهباب اللي بلبعته
نجح رفيقه في تخليص نفسه من قبضتيه، نفض ياقته وعدلها، ثم قال ببرودٍ:
-طيب، إنت حمار وعملت فيها كده، أنا مالي بقى بغباءك ده؟!
نظر له "هيثم" بنظراتٍ مغلولة وهو يكاد يطبق على عنقه من جديد ليخنقه، لكنه كان محقًا، هو من تصرف بوقاحةٍ، وأفسد بيده خطبته مع تلك الفتاة، كز على أسنانه وهو يلعنه:
-منك لله يا شيخ، كانت معرفتي بيك معرفة سودة!
أطلق سبة نابية وهو يوليه ظهره قبل أن يخرج من منزله، لحق به "نوح" ليستوقفه، شده من معصمه مُعاتبًا بخبثه الشيطاني:
-أوام كده هتنسى الليالي الحلوة؟ عامةً مش هاخد على خاطري منك يا "هيثم"، أنا عارف إنك مضايق شوية، يومين هتفك وترجعلي.
استل يده من أصابعه الممسكة به بتشنجٍ، ورمقه بنظرة مطولة من عينيه المحتقنتين بغضبٍ وألم، ثم رد بعدها بغصةٍ متحسرة وهو يهبط الدرجات وإحساس الهزيمة يحتل كامل كيانه:
-ولا تاخد، كله ضـاع خلاص، و"همسة" راحت مني ............................................... !!
..........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس والعشرون (الجزء الثاني)
كالطريد العاجز ســار بغير هدى يجوب الشوارع والطرقات دون أن يحدد وجهته، انتهى به المطاف على الكورنيش، توقف لبرهة ليلتقط أنفاسه، لم يعرف ماذا يفعل تحديدًا، لكنه واصل سيره عليه وعقله المشحون لا يتوقف عن التفكير، تقلصت عضلات وجهه بشكلٍ مريب وكأنه تذكر ما يؤلمه، للحظة انسالت على مخيلته ذكريات قديمة راحت تسطع وتختفي كومضاتٍ من ظلمة الماضي البعيد، عــاد بالزمن للوراء حين كان صبيًا صغيرًا، تجسد في عقله دكان والده بكل تفاصيله، رائحة الطلاء ومشتقاته زكمت أنفه، ما زال يذكر براعة أبيه في إعداد القهوة على (السبرتاية) لتبدو ذات مذاقٍ خاص، آنذاك وقف متذمرًا أمامه يُلح عليه بعناد الصبية الذين نبت لهم خط رفيع ليشكل شاربًا أعلى أفواههم:
-يعني مش هاتيجي معايا؟
نظر له "غريب" في صمتٍ قبل أن يلتهي بخلط تلك المواد العجيبة في علبة الطلاء التي فتحها، ظل "هيثم" ساكتًا وهو يراقبه آملاً أن يذعن لرغبته ويستعطف معلمه الذي تشاجر معه ليضمه إلى مجموعة التقوية التي سبق وطُرد منها، ضجر من عدم مبالاته فهتف بتشنجٍ:
-إنت وعدتني تكلم الأستاذ تاني.
نفخ والده في سأم، ورد بفتورٍ:
-مالوش لازمة يا "هيثم"، اللي اتعلموا خدوا إيه
حك جانب عنقه في إحباطٍ، بالطبع لم يكن من أصحاب العقول النابغة أو متفوقًا بين أقرانه ليهرع الأول لدعمه، كان ببساطة متعثرًا في دراسته، بالكاد ينجح بالمحسوبية والواسطة، تجمدت نظراته عليه وسأله بعبوسٍ:
-طب عاوز أروح سيما مع أصحابي، اديني فلوس تبقى معايا
ترك "غريب" ما في يده وأشــار له بسبابته معترضًا:
-مصروفك كله رايح على القرف ده، خليك واقف معايا واتعلم صنعة تنفعك، ده أنا هودكك على أصول الشغل كله وأسراره وهخليك تكسف بدل الجنية ألف، مايبقاش مخك ضلم في التعليم وأكل العيش...
بتر عبارته حين لمح "بدير" وولده يمران بجوار دكانه فأردف بتفاخرٍ انعكس في نظراته نحوهما:
-شوف ابن خالتك فهلوي إزاي وأبوه بيتبهاهى بيه في كل حتة، خليك كده زيه ناصح والناس عملالك قيمة.
أدار "هيثم" رأسه للأمام لينظر إلى الاثنين بحنقٍ، ثم علق عليه بتنمرٍ:
-هو أنا مابعملش حاجة تعجبك خالص؟ مش لازم أبقى زيه عشان أملى دماغك، أنا ماشي.
ظهر الانزعاج على تعابيره وهو يوليه ظهره مبتعدًا، لحق به والده ليوقفه قائلاً بحنوٍ:
-يا واد استنى.. ما تقفش كده، خد وإدي معايا!
نظر نحوه مُتسائلاً:
-طيب، هتعمل إيه دلوقتي؟
وقبل أن يجيبه كان أحدهم يقف على أعتاب الدكان يلوح بيده مرحبًا، وبيده الأخرى يمسك بطفلة صغيرة:
-سلامو عليكم.
أرخى قبضته عنه ليرحب بالضيف قائلاً:
-وعليكم السلام اتفضل يا عم "علي".
تقدم خطوتين منه، استأذن منه بحرجٍ دون أن تفتر ابتسامته الودودة:
-ممكن يا "غريب" البت تخش الحمام عندك.
أبدى موافقته هاتفًا:
-أه وماله، على إيدك اليمين
رد "علي" يشكره:
-تسلم يا حبيبي.
استدار "غريب" نحو ابنه يأمره:
-وري الكتكوتة مكان الحمام يا "هيثم".
ألقى نظرة شاملة جالت عليها من رأسها لأخمص قدميها.. كانت ملامحها الطفولية حادة، ونظراتها قوية تخترق من تتطلع إليه، حتى ثوبها الصيفي الذي كانت ترتديه يعلوه رسمة طاووس مزركش، وبامتعاضٍ لم يخفه قال:
-ماشي
سارت معه الصغيرة نحو الركن الخلفي من الدكان حيث يتواجد حمام صغير الحجم، في حين مسح "غريب" يده بخرقة قديمة ليزيح بقايا الزيت العالقة بأصابعه وهو يسأل ضيفه الي بدا على معرفة جيدة به في اهتمامٍ:
-قاعدين أد ايه المرادي؟
أجابه مسترسلاً في الحديث:
-أسبوع وبعد كده الجماعة هوديهم البلد لحد ما أرجع من رحلتي
-ربنا يوسع الرزق على عبيده
-يا رب.
أوصــل "هيثم" الطفلة إلى الحمام وتجول في الركن الخلفي دون هدفٍ محدد إلى أن لمح درج النقود الموجود أسفل المكتب الخشبي العريض مفتوحًا، خفق قلبه وومض عقله بفكرة عبثية جامحة، لما لا يستغل فرصة انشغال والده بالحديث مع صديقه ويأخذ بعض النقود على سبيل الاقتراض؟ أليس من المفترض أن يعطيه مصروفًا ينفقه كيفما يشاء؟ برر لنفسه أسباب السرقة، وتسلل بحذرٍ تام ليسحب بضعة أوراقٍ نقدية من فئة بسيطة ودسها في جيبه، استدار فجأة ليجد الطفلة محدقة به بعبوسٍ وهي تكتف ساعديها أمام صدرها، وكأنها تؤكد له أنها رأت ما فعله، توتر ودفع السبرتاية الموضوعة أعلى السطح الخشبي بتوترٍ قبل أن يهرب من نظراتها المراقبة التي حتمًا كشفت سرقته، اندفع نحو الخارج دون أن يتفوه بكلمة مما استرعى انتباه والده الذي صاح يناديه:
-واد يا "هيثم" رايح فين؟
أجاب دون أن يلتفت نحوه:
-راجع كمان شوية يابا.
بعدها ببضعةِ ساعاتٍ نما إلى مسامعه الحريق المروع الذي اشتعل في الدكان وأودى بحياة والده حرقًا، بكى لوعةً على فراقه وإحساسه بالذنب يقتله، تمنى فقط لو أخذه في أحضانه، واعترف له بما اقترفه مبديًا ندمه على فعلته النكراء، آنذاك أقحمت والدته في رأسه فكرة واحدة لتسيطر عليه، فقدان والده كان نتيجة سعيه الدؤوب للإنفاق على أسرته ليعيشوا في حياة كريمة، وأن المال وحده قد يعوض حرمانه من حنان الأب واشتياقه، نعم وحدها النقود تشتري السعادة أيًا كانت ماهيتها، ومع مرور الوقت تناقص اهتمامه بأي شيء مُجدي في الحياة سوى البحث عن الفرص لاصطياد المال السهل.
لم يعول "هيثم" على مستواه العلمي المتوسط ولا على شخصيته لاجتذاب النساء حين بلغ سن الشباب، ظل هاجس المال يتحكم في أفعاله، إلى أن دخلت "همسة" في حياته، اعتقد أنها مجرد صفقة مادية رابحة إلى أن تعرف إليها، كانت تذكره باللحظات التي سبقت وفاة والده، حين كان لا يزال صبيًا يرتكب الحماقات الصغيرة معتقدًا أنه سينجو من عقاب والده، بات مهتمًا لأمرها، خاصة مع يقينه الداخلي إن أفسد الخطبة بأنه لن يحصل على فرصة مثلها، فمن سترضي به وهو متسكعٌ، شبه عاطل عن العمل، يضيع أغلب وقته بالجلوس مع رفاق السوء، لكن بسبب جموحه أضاعها في لحظة طيش .. عاد إلى واقعه الأليم وقد انسابت دموعه دون أن يدري، فَقد كل السبل في استعادتها، هتف يقول لنفسه بإصرارٍ:
-لازم تسمعني، أنا مش هاسيبها.
....................................................................
أحنت رأسها قليلاً لتبحث عن مشبك الرأس الجديد الذي ابتاعته في درج التسريحة، كان مُصممًا على رسمة طاووس ومزينًا بالفصوص اللامعة، اعتدلت "فيروزة" في وقفتها، ومشطت خصلات شعرها بعنايةٍ، ثم أحدثت فارقًا عند الجانب وثبتت فيه المشبك، ضبطت ياقة سترتها البيضاء، وعقدت شرائط بلوزتها البيضاء المتدلية لتصبح أنشوطة، أطبقت على شفتيها معًا لتملأ أحمر الشفاه بهما، تبقى لها ارتداء حذائها على بنطالها الجينز لتبدو مستعدة للذهاب إلى حفل عيد ميلاد رفيقتها "علا"، التفتت نحو توأمتها تسألها وهي تنثر عطرها على جانبي عنقها وثيابها:
-برضوه مش هاتيجي معايا؟
أجابتها "همسة" بفتورٍ وهي تمد يدها بالهدية المغلفة إليها:
-ماليش مزاج.
كانت متفهمة لرغبتها في الانعزال اجتماعيًا عمن حولها، لم تضغط عليها، وقالت مبتسمة وهي تأخذها منها:
-أنا مش هتأخر، هاعمل الواجب وأديها الهدية وهارجع تاني
هزت كتفيها قائلة:
-اتبسطي يا "فيرو".
وعدت توأمتها بحماسٍ طغى على وجهها الناعم:
-وأوعدك بكرة هنخرج مع بعض نتفسح ونروق دماغنا على الآخر
قالت بخفوتٍ:
-إن شاءالله.
ولجت "آمنة" إلى غرفتهما وهي تحمل كومة من الملابس المطوية، وضعتها على طرف الفراش، وألقت نظرة خاطفة على هيئة ابنتها الأنيقة، ثم أوصتها بصوتٍ جاد:
-خدي بالك من نفسك يا "فيروزة"، امشي في شوارع واسعة ونور، وكلمينا كل شوية.
ردت دون اعتراضٍ:
-حاضر.
حذرتها بلهجة أشد جدية:
-وبلاش تأخير، مش عاوزين حد يتكلم.
ابتسمت قائلة في زهوٍ، وكأنها تمتدح ميزة خاصة بشخصها:
-إنتي عرفاني كفيلة أقطع لسان أي حد يتطاول عليا.
أكدت عليها بشدة:
-طبعًا، بس الحرص واجب!!
لم تجادل كثيرًا، وقالت وهي تعلق حقيبتها الفضية الصغيرة ذات السلسلة الرفيعة على كتفها:
-حاضر يا ماما، يالا سلام.
اصطحبتها للخارج لتودعها قائلة:
-في رعاية الله يا حبيبتي
........................................................
أقسم على نفسه بيمين غليظٍ ألا يعاقر الخمر من جديد، وإن كان في ذلك نجاته، كانت يعتبرها النقاء الوحيد الذي أتى إلى حياته المدنسة مصادفة، وصــل بعد مجهود عضلي زائد إلى منزلها، انعطف عند الزاوية ليدخل البناية، لكن صوت "فيروزة" المرتفع جمد قدميه وأصابه بالقلق، خشي "هيثم" أن تفسد محاولته الأخيرة في الانفراد بـ "همسة" ومصارحتها بأخطائه وإعلان توبته إن رأته توأمتها المتزمتة، على الفور تراجع عن الصعود على الدرك، واختبأ في ركنٍ معتم حابسًا أنفاسه حتى انصرفت، تنفس الصعداء وألقى نظرة للأعلى راجيًا بشدة ألا يخفق تلك المرة، تهيأ بدنيًا وذهنيًا لرؤيتها، استجمع نفسه واتجه للدرج ليصعد عليه من جديد، قرع الجرس مترقبًا بشغف أن تطل عليه وليست والدتها.
في تلك الأثناء، ظنت "همسة" أن شقيقتها قد نست شيئًا وعادت لإحضاره، فلم يمضِ على غيابها سوى بضعة دقائق، ودون احترازٍ فتحت الباب لتتفاجأ به مرابطًا أمامها، حلت الصدمة على تعبيراتها، شخصت أبصارها في ذهولٍ مصدوم، رجفة مرتعبة اجتاحت كل أوصالها، تراجعت تلقائيًا للخلف وهي تغلق الباب في وجهه، لكن قدمه امتدت لتحول دون ذلك، توسلها بصوتٍ مختنق:
-استني يا "همسة" ماتقفليش الباب.
صرخت مستغيثة وهي تبذل أقصى طاقاتها لدفع الباب لغلقه حتى لا يقتحم المنزل:
-الحقيني يا ماما.
صاح بها بأصواتٍ لاهثة:
-اسمعيني يا "همسة"، اديني فرصة.
أتت "آمنة" على صوتها المستنجد، استطاعت أن تلمح "هيثم" وهو يقاتل لإزاحة الكتلة الخشبية حتى يلج للداخل، وكاد يفعل ذلك، شهقت في ارتعاب:
-يا لهوي، إنت بتعمل إيه؟
اندفعت دون تفكير لتزيد من الثقل عليه وهي ترجوه:
-يا ابني امشي بالذوق مايصحش اللي بتعمله ده!
هدر بعنادٍ مقاومًا الاثنتين:
-لأ مش هامشي غير لما "همسة" تسمعني.
ردت عليه بصوتها المرتجف:
-احنا مافيش بينا حاجة، كل واحد راح لحاله.
أبدى "هيثم" ندمه الشديد فقال دون تمهيد:
-أنا غلطان، وابن ستين .....، وماليش أي عذر على قلة أدبي معاكي، أنا مكونتش في وعيي ساعتها، بس اقسم بالله ما كنت أقصد أذيكي، اديني فرصة أصلح اللي فات.
وبالرغم من تبريراته التي امتزجت بنحنحة مسموعة إلا أنها قالت مهددة:
-امشي بدل ما أطلبلك البوليس!
لم يرغب في إخافتها فسحب قدمه لتتمكن من غلق الباب، تحمل الألم الشديد الذي أصابه، لكنه لا يقارن بألم قلبه، استطاع أن يسمع صوت غلق القفل من الداخل، استند بكفه على سطحه وهتف بصوته الباكي:
-والله مكونتش في وعيي
ردت عليه "آمنة" بصوتٍ مشفق ترجوه أن يتخلى عن عناده ويبتعد قبل أن يحدث ما تخشاه:
-اللي حصل حصل يا ابني، روح لحال سبيلك.
لوهلة دارت الهواجس في رأسه، وظن أن موقف "همسة" المعادي له راجع فقط لرغبة أختها، كور قبضته بتشنجٍ، ثم صاح بنزقٍ وهو يدق على الباب بعنفٍ:
-أكيد أختك اللي مقوياكي عليا، أنا عارف، إنتي غيرها!
استنكرت اتهامه الصريح، وردت بقوةٍ:
-ملكش دعوة بـ "فيروزة"، ده قراري ومش هارجع فيه
هتف معاندًا برغبة أشد إصرارًا وهو يفترش الدرج بجسده:
-وأنا مش هاسيبك!
اشرأبت "همسة" لتنظر من العين السحرية له، لم تتبينه وسط تلك الإنارة الخافتة، تحسست صدرها المتهدج بيدها، وسألت والدتها بصوتٍ خفيض لكنه خائف:
-هنعمل إيه دلوقتي يا ماما؟
.............................................................
احتضنتها مطولاً بعد أن انتهت من تقبيل خديها، ثم ابتعدت عنها لتنظر إليها في إعجابٍ وقد كانت فاتنة الحفل، ولما لا؟ وهي صاحبة ذلك العيد ميلاد المميز والذي أقيم بالنادي الشهير، تأملت "فيروزة" بإعجابٍ رفيقتها "علا" التي ارتدت ثوبًا براقًا من اللون القرمزي يغطي كامل جسدها بدءًا من عنقها وكتفيها لينتهي عند قدميها بذيل قصير، ابتسمت لها في رقةٍ، وهنأتها قائلة:
-كل سنة وإنتي طيبة يا "لولو"
ردت مجاملة:
-حبيبتي يا "فيروزة"، وإنتي طيبة يا قلبي..
ثم تساءلت في اهتمام:
-أومال فين "همسة" مجاتش معاكي ليه؟
مدت يدها بالهدية الصغيرة، وتحججت قائلة:
-تعبانة شوية، اتفضلي يا "لولو".
تناولت منها الهدية، وسألتها بدلالٍ:
-ولا خطيبها مرضاش؟
اكتسى وجهها بتعابيرٍ واجمة، وضغطت على شفتيها للحظة قبل أن تخبرها:
-لأ مش كده خالص، بس الموضوع آ.....
ابتلعت باقي جملتها حين حضر "ماهر" ليقول بمرحٍ:
-طبعًا أختي الحلوة مستنية هديتها مني.
ردت عليه "علا" بحماسٍ:
-أكيد.
التفت إلى الجانب ليجد "فيروزة" بجوارها، رحب بها بودٍ:
-إزيك يا "فيروزة"؟ عاملة إيه؟
أجابته مبتسمة بلباقةٍ:
-تمام الحمدلله، وحضرتك أخبارك إيه؟
رد بتنهيدة مرهقة:
-يعني.. ماشي الحال
أضافت بتفهمٍ:
-الله يكون في العون، مشاغل حضرتك كتير.
هز رأسه معقبًا وهو يسحب سيجارة من علبتها ليضعها بين شفتيه:
-طبعًا، المشاكل مابتخلصش في شغلنا.
استدار برأسه نحو الجانب المعاكس حين سمع صوتًا رجوليًا يناديه:
-"ماهر" بيه
لوح لرفيقه بيده بعد إشعاله لسيجارته:
-"آسر"، جايلك..
ثم وزع نظراته بين الشابتين وقال:
-عن إذنكم لحظة.
انسحب في هدوءٍ ليلاقي صديقه "آسر" الذي صافحه بحرارةٍ، وقف الاثنان مبتعدين عن الزحام ليتدثا بأريحيةٍ، ارتكزت أنظار الأخير على "فيروزة"، ظهرت علامات الاهتمام بها جلية على قسماته، لفتت أنظاره منذ أن أطلت على الحفل بوجهها الناعم ومظهرها الجذاب رغم عدم تكلفها، كانت ملامحها مألوفة بالنسبة له، تذكر أنه رأها من قبل، اعتصر ذهنه عصرًا ليتذكر أين تحديدًا، لم يحتر كثيرًا، تنشط عقله بوجهها وضحكتها الفاتنة؛ إنها نفس الفتاة التي تواجدت بالمطعم البحري حين جاء للقاء رفاقه به، كانت تبدو غير منسجمة آنذاك مع رفاقها، لم ينكر أنها أثارت انتباهه حينها بثوبها البراق، واليوم حركت فيه نزعة غريبة كانت تزداد توهجًا مع متابعته الكثيفة لها، مال برأسه نحو "ماهر" وسأله بفضولٍ:
-مين دي يا "ماهر"؟
بدا الأخير غير منتبهٍ، فأضاف:
-اللي واقفة جمب "علا".
أجال "ماهر" بنظراته على المتواجدات حول شقيقته قبل أن يجيبه متسائلاً في حيرة واضحة:
-قصدك مين؟
أجاب موضحًا أكثر:
-البنت اللي لابسة جاكيت أبيض وفاردة شعرها دي.
أدرك أنه يقصد "فيروزة" بحديثه، ابتسم له متسائلاً بعبثية:
-دي صاحبة "علا"، مالك بيها؟
أجاب مراوغًا:
-أنا كنت شوفتها معاكو قبل كده، يوم المطعم.
رفع حاجبه الأيسر مؤكدًا صحة ما تفوه به:
-أيوه.
فرك "آسر" طرف ذقنه، وتساءل:
-إنت تعرفها كويس؟
لم يرد بإجابةٍ مباشرة، وقال كأنه يحقق معه:
-ليه في حاجة؟
تنحنح معلقًا عليه ببسمة سخيفة:
-لا عادي..
بدا رده منقوصًا، وافتضح أمره حين تابع من تلقاء نفسه:
-أنا مش شايف دبلة في إيدها.
نظر له في ضيقٍ وهو يكمل محذرًا:
-على طول لحقت تفحصها، بأقولك إيه ملكش دعوة بأصحاب أختي، وخصوصًا "فيروزة"!!!
قال مبتهجًا وقد انفرجت أساريره:
-ده اسمها؟
على مضضٍ رد:
-أيوه.
لكزه في جانبه ممازحًا:
-طب ما تخليك جدع معايا وتعرفني بيها.
غامت نظراته مرددًا في ضيقٍ، وكأنه لا يستسيغ تلك النوعية من التصرفات:
-إنت مابتضيعش وقت؟!
أجابه بابتسامة غامضة وهو يغمز له:
-مش جايز ربنا يهديني وألاقي بنت الحلال هنا.
أنذره "ماهر" بلهجة اكتسبت جدية مُريبة:
-ماشي يا "آسر"، بس إياك تعملي مشكلة، أنا بأحذرك تاني.
قال في حبورٍ، وذلك الإحساس المتحمس يتخلله:
-اطمن .. ده أنا حبيبك.
أعمل "ماهر" عقله حتى يبادر معرفًا به دون أن يثير الشكوك أو يبدو في موقفٍ حرج، دنا من شقيقته وقد تأكد من تواجد "فيروزة" بقربها ليقول بابتسامةٍ عريضة متعمدًا لفت أنظارها:
-يا "علا"! "آسر" وفى بوعده وجه عيد ميلادك مخصوص.
بهجةٌ غير عادية طفت على تعبيراتها وهي ترد:
-مش مصدقة، ده احنا لازم نعمله تمثال!
ادعى "آسر" شعوره بالإحراج وقد وقف في مواجهة "فيروزة" لتصبح شبه قريبة منه:
-يا جماعة مش للدرجادي، إنتو كده بتحرجوني!
ردت عليه "علا" بقليلٍ من المرح:
-مش بعوايدك تلتزم بأي ميعاد.
ثبت عيناه المتفحصان على وجه "فيروزة" وهو يجيبها:
-ده بس عشان أنا لسه موجود ومسافرتش.
توردت بشرتها معقبة عليه:
-ده من حظي بقى
اتخذت "فيروزة" موقف المشاهد الصامت الذي لا داعي من وجوده معظم الحوار إلى أن استطرد "ماهر" يقدمها له:
-دي بقلا يا سيدي صاحبة أختي الأنتيم "فيروزة".
نظرة مشرقة ظهرت في عينيه وهو يرحب بها بودٍ زائد:
-تشرفت بيكي، ماشاءالله اسمك حلو ومختلف
قالت "فيروزة" باقتضابٍ وقد سطع على وجهها تعبير مهني بحت:
-ميرسي.
تساءل "آسر" باهتمامٍ وهو يخطو نحوها خطوة محسوبة ليجبرها على التحرك معه ويوجهها وفق خطواته:
-طالما إنتي صاحبة "علا" يبقى خلصتي دراسة زيها، صح؟
شعرت بعدم الارتياح لأريحيته الزائدة في الحديث معها، وكأنه يعرفها منذ زمن، لهذا ردت بإيماءة مؤكدة من رأسها دون أن تنطق، ومع ذلك تابع متسائلاً بفضولٍ أكبر:
-بتشتغلي يا آنسة "فيروزة"؟ ولا أعدة في البيت؟
لم تحبذ تلك النوعية من الأسئلة التحقيقية التي يفرضها الآخرين عليها ليتدخلوا في شئونها دون مراعاة لعدم رغبتها في الاندماج اجتماعيًا مع الغرباء، أدركت أنها ابتعدت عن رفيقتها بمسافة شبه كبيرة مما وترها قليلاً، لذا أجابته بنوعٍ من الغموض وهي تحاول عدم إحراجه حتى لا تفسد بهجة الحفل بغلظتها:
-كنت.. وسبت الشغل.
سألها كأنه يلاحقها:
-مشاكل ولا محبتيش الشغل؟
تطلعت إليه وقد امتقع وجهها، ثم أجابته باقتضابٍ قبل أن تتركه لتعود لرفيقتها:
-يعني، عن إذنك.
لم يرغب "آسر" أن يصبح ثقيلاً معها، فأشار لها بيده قائلاً بتهذيب:
-اتفضلي، وسوري إن كنت ضايقتك
لم تلتفت نحوه حين ردت:
-مافيش مشكلة.
نفخت في ضيقٍ من أسلوبه وعادت لتقف بجوار رفيقتها، ولكن وسط بقية الفتيات حتى لا يتكرر الأمر إن كان مقصودًا منه، حانت منها نظرة سريعة لتتأكد أنه لا يتطلع إليها، أُصيبت بالذهول والارتباك وقد كان محدقًا بها بابتسامة هادئة، أخفضت نظراتها وادعت انشغالها بالحديث مع من حولها، لكن أخبرها حدسها بأنه ما زال يخترقها بنظراته النافذة .. تزينت الكعكة الكبيرة بالشموع التي ملأت أطرافها، قام "ماهر" بإشعالهم ليلتفت حولها الضيوف ، ثم بدأوا في ترديد أغاني العيد ميلاد الشهيرة، أطفأتهم "علا" جميعًا على دفعتين من الهواء، وتلقت التهنئات من صديقاتها الجميلات، جاء دور "فيروزة" فقالت مودعة إياها:
-كل سنة وإنتي طيبة يا "لولو"، مضطرية أمشي عشان وعدت ماما متأخرش.
انزعجت من انصرافها مبكرًا، وقالت بتذمرٍ:
-هو إنتي لحقتي؟
بررت لها بابتسامةٍ صغيرة ظهرت على شفتيها:
-معلش يا "لولو"، هابقى أعوضهالك، وخليكي إنتي مع ضيوفك.
تفهمت موقفها، وقالت:
-ماشي يا ستي، بس عاوزة أشوفك تاني
-أكيد
رددت تلك الكلمة قبل أن تنحني عليها لتحتضنها لمرة أخيرة، ثم انسلت من بين الحضور معلقة حقيبتها على كتفها، استوقفها "آســر" فجأة وقد ظهر لها فجأة ليعترض طريقها:
-إنتي ماشية يا آنسة "فيروزة".
انزعجت من تطفله عليها، وردت بتجهمٍ شديد:
-أيوه
همت بالتحرك لكنه أوقفها بفرد ذراعه أمامها، رمقته بنظرةٍ حادة وذلك التعبير الساخط منتشر على محياها، تساءل "آسر" بلطافةٍ مهذبة:
-تحبي أوصلك؟ أنا معايا عربية، يعني بدل بهدلة المواصلات وكده
ارتدت قناع الجمود، وسددت له نظرات قوية نافرة لتقول بنبرة جافة:
-لا شكرًا، بيتي قريب
ألح عليها مبتسمًا:
-على فكرة دي حاجة عادية خالص، و...
قاطعته بنظراتٍ صارمة:
-مش هاينفع، وعن إذنك.
خطت للجانب حتى تتمكن من السير، لكنه لحق بها، وسألها بعفويةٍ وعيناها تدرسان قسماتها التي تتباين في ردات فعلها في وقت قياسي:
-طب هاشوفك تاني؟
هتفت توبخه بنظراتها دون أن تتوقف:
-أفندم؟ تشوفني؟
ابتلع ريقه حين قرأ بوضوح تعابيرها المزعوجة، ثم برر بلطفٍ حتى لا تنفر منه:
-قصدي يعني أتمنى أشوفك مع "علا" مرة تانية قبل ما أسافر.
اختلج وجهها بحمرة متوترة، رن صوتها الرسمي في أذنيه حين ردت وحاجباها معقودان في ضيقٍ:
-إن شاءالله.
...........................................................
كان الطقس لطيفًا بالرغم من التجمعات الكثيفة للسحب منذ وقت الظهيرة، اعتقد "تميم" أنها لن تمطر، سيظل الجو غائمًا فقط، ولكن بدأت زخات المطر في الهطول ليضطر أسفًا أن ينهي أعماله في الميناء مبكرًا بعد تعبئة السفن بأطنانٍ من الفواكه والخضراوات، استقل سيارته، وتحرك ببطءٍ في الشوارع الرئيسية عائدًا إلى منزله، ولكنه توقف عند أحد محال البقالة ليبتاع ما ينقص بيته تنفيذًا لأوامر زوجته، وكالعادة أزعجته "خلود" باتصالاتها المتعاقبة على مدار ساعات اليوم الطويلة، أجابها لينتهي من ذلك الكابوس المستمر قائلاً بتبرمٍ:
-يا ستي أنا جبت كل حاجة، ارتاحي شوية.
سألته بدلالٍ لا يستلطفه:
-طب هترجع امتى؟ أنا مستنياك عشان ناكل سوا، يومي ما بيكملش من غيرك!
رد على مضضٍ:
-شوية كده..
-موحشتكش
-أكيد وحشتيني
-طب قولي النهاردة كان آ...
وقبل أن تستأنف باقي أسئلتها كتحقيقٍ متبع خلال يومه الممل هتف منهيًا المكالمة:
-يالا سلام دلوقتي يا "خلود" عشان في لجنة قصادي.
رأى "تميم" بضعة أفراد من الشرطة يقفون على مسافة منه يفحصون كل المركبات السائرة على الطريق ليتأكدوا من صلاحية رخصة قائديها، لم يلقِ بالاً للأمر لالتزامه بمعايير القيادة الآمنة، لكن رنين اتصالات "خلود" الزائد كان مرهقًا بالنسبة له بعد عناءِ يومٍ شاق، ردد مع نفسه في تذمرٍ:
-إيه .. طلباتك مابتخلص!!!
التفت على يســاره ليلقي نظرة خاطفة على المتجمعين أسفل تندة تخص أحد محال الثياب، خفقة مباغتة ذات تأثير قوي داعبت قلبه حين رأها تحتمي بينهم من المطر، تطلع بإمعانٍ ليتأكد منها، لم يكذب الفؤاد، بالفعل كانت متواجدة بشحمها ولحمها تضع حقيبتها أعلى رأسها حتى لا يبتل شعرها، توترت أنفاسه وردد مذهولاً وهو يرمش بعينيه:
-مش معقول، دي هي!
وكأنه أصيب بحمى عجيبة تسببت في ارتفاع حرارة جسده، بل وأصابت عقله بلوسةٍ غريبة، تنفس بعمقٍ ليهدئ من انفعالاته التي اهتاجت فجأة، أوقف السيارة على الجانب المقابل من الطريق وتلك الرجفة تسري فيه، أدار رأسه مرة أخرى لينظر نحوها، كانت تجذب عينيه ليتأملها مليًا دون مللٍ، بدت فائقة الإغراء وقد ابتلت أطراف شعرها، انقبض قلبه من جديد بقوةٍ حين نفضته لتزيح العالق من مياه الأمطار، ضحكة رجولية عالية غير مريحة لفتت انتباهه وانتشلته من تحديقه الواله بها لتتبدل بعدها تعابيره الساهمة لوجوم غاضب، حرك رأسه بسرعةٍ ليجد بعض الشباب يمرحون فيما بينهم، هاجت دمائه من احتمالية تفكير أحدهم في مضايقتها، خاصة أنها كانت بمفردها، لذا دون إعادة تفكير ترجل من سيارته مقنعًا نفسه أنه سيتعامل معها بدافع الشهامة.
وبخطى متعجلة كان يقطع الطريق أشواطًا ليصل إليها، وقف قبالتها، كانت ذات رونقٍ مثير وجذاب بشكلٍ لا يُحتمل جعلت أنفاسه تضطرب، دارت عيناه على ثيابها الأنيقة لتحفر وصفها في مخيلته، بدت بيضاء للغاية، تنفس ببطءٍ ليستعيد ثباته، وبالرغم من كفاحه المستميت إلا أنه حين استطرد يناديها خرج صوته مغلفًا بلعثمةٍ طفيفة:
- آ.. يا .. يا أبلة
تدلى فك "فيروزة" السفلي في اندهاشٍ مستهجنٍ حين رأته أمامها، الآن اكتملت ليلتها برؤيته، غامت نظراتها مرددة بضيقٍ بائن عليها:
-إنت؟!
نظرة واحدة منها كانت كفيلة بإرباكه، توتر أكثر وفقد تركيزه وهو يحاول إيجاد المقدمة المناسبة ليستهل بها حديثه معها، خاصة أنها من النوع المتهور المندفع الذي يتحين الفرص للانقضاض عليه، مرر يده على رأسه وتنحنح قائلاً بتمهلٍ:
-أنا مش جاي أضايقك، بس الجو وحش زي ما إنتي شايفة، ومافيش مواصلات كتير.
نظرت له متسائلة:
-والمطلوب؟
ضغط على شفتيه للحظة قبل أن يجيبها بحذرٍ:
-ماينفعش وقفتك كده.
على الفور حدث ما يخشاه، بدأت فاصلاً من الهجوم عليه، فقالت بتهكمٍ أزعجه:
-وحضرتك مالك؟ أخصك في حاجة وأنا معرفش؟ قريبتك مثلاً؟...
توقفت للحظة عن عمدٍ لتصيبه بالضيق أكثر قبل أن تواصل بنفس الأسلوب الساخر:
-يمكن خطيبتك، أه ولا جايز مراتك؟
راقب عصبيتها بنظراتٍ غريبة، وكأنه يدرسها، ما زالت تثير كلاً من دهشته وتحفظه بالرغم من الحنق المتبادل بينهما، لكنها كانت محقة في كلامها الأخير، لا توجد صلة بينهما، ومع هذا قال بخشونةٍ حتى لا تتمادى في هجومها القاسي عليه:
-في إيه لكل ده؟ أنا كنت عاوز أوصلك، باعتبار إن سكتنا واحدة، حاجة إنسانية يعني.
تقوست شفتاها بضحكة مستهجنة قبل أن تغمغم بوقاحة:
-لما أعوز أركب سفلأة (مجانًا) هاقولك!
صدمه ردها الفظ، وردد بعينين متسعتين:
-نعم!
هتفت باستعلاءٍ، وكأنها تحتقره:
-اللي سمعته!
سدد لها نظرة نارية حانقة، ورد عليها بغلظةٍ:
-يا ستي أنا غلطان، إن شاءالله ما ركبتي..
لكن لانت نبرته بمقدار بسيط حين تابع:
-بس الوقفة وسط الرجالة ماتصحش، مافيش آمان يا أبلة لحد!
نبع خوفه الصادق عليها من قلبه، استشعرت ما ينتابه من قلقٍ، وبعفويةٍ التفتت للجانب لتجد ذلك التجمع الرجولي الزائد، تلبكت من وجودهم الكثيف، أحست بالخطر مُحاوطًا بها وإن كانت تدعي شجاعتها، بعض المواقف تحتاج للتقييم جيدًا قبل اتخاذ القرار الحاسم، انتصبت بكتفيها، وعلقت حقيبتها التي تهدلت سلسلتها على كتفها من جديد، ثم قالت بنبرة عازمة دون أن تنتظر الرد منه:
-خلاص هامشيها، والمشي رياضة!
وبخطوات جمعت بين الثقة والخيلاء بدأت بالسير على الرصيف متجاوزة إياه لتبتعد عنه وهو يكاد لا يصدق أنها فعلت الأسوأ وســارت تحت المطر لتبتل كليًا، ضرب كفًا بالآخر متعجبًا من عنادها وهو يردد لنفسه:
-رهيبة، بالله ما شوفت كده!
أزاحت "فيروزة" بيدها خصلاتها التي التصقت بجبينها، ولم تدرك أنها أسقطت مشبك رأسها بحركتها المتعصبة، لمح "تميم" ذاك الشيء الذي وقع منها وأحدث ارتطامه بالرصيف تناثرًا للمياه، ســار خلفها باحثًا عنه، كان بريقه واضحًا ليتمكن من العثور عليه، انحنى ليلتقطه، تأمله في استمتاعٍ وقال مداعبًا وتلك النظرة الدافئة تلتصق بطيفها المبتعد:
-طاووس فعلاً.
تراءى له بوضوحٍ ما يجب أن يفعله معها دون أن يثير الجلبة، سيتبعها كظلها بسيارته إلى أن تصل إلى منزلها في سلامٍ .. بالفعل منح نفسه الوصاية عليها، ونصب نفسه حارسًا عليها وإن لم تعلم ذلك ................................................... !!
...........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم Manal Salem
لكل السهرانين معانا من كل مكان، فصل صغير كده نسلي بيه وقت الحظر ..
قراءة ممتعة
الفصل السابع والعشرون
شبت منذ نعومة أظافرها على فكرة أن تكون له وحده، لم ترَ سواه .. ولم تعرف غيره! هيأتها والدتها لتكون رفيقة دربه دون أن تمنحها حق الاختيار، بل وتأتي منه بالوريث الوحيد لثروة تلك العائلة ليستريح والدها في قبره، ورضخت بكامل قواها العقلية لإرادتها لكون الأمر على هواها، فأصبح شاغلها الوحيد، وطوال أعوامٍ عاشت بخيالها داخل ما أسمته حبها الأفلاطوني، وإن كان من طرفها فقط وبدون وجوده ليشاركها في تفاصيل حياتها، تأصل بداخلها رغبة أنانية في امتلاك كل ما يخصه؛ قلبه، مشاعره، جوارحه، وحتى أنفاسه التي يتلفظها .. لم تتدرك "خلود" أنها حولت أحلامها الوردية إلى هوس خاص بها ازداد عمقًا بمرور الأيام، وحين أصبح شريكها عجزت عن امتلاكه مثلما طمعت، كان يأبى استحواذها غير المقبول عليه، تحكمها الزائد فيما يخص أمور حياته حتى التافه منه، ولم تمنحه الفرصة لاستيعاب حبها بغير شروط، بل لجأت لحيلة سهلة التنفيذ كما أوصتها والدتها، وحاصرت المشاعر المتبادلة بينهما في الفراش فقط، فأصبحت تجره جرًا إليه لتستنزف قواه أولاً بأول معتقدة بذلك أنها إن نجحت في إشباع رغباته امتلكته.
تفقدت ألبوم الصور الفوتوغرافية الذي جمعت فيه صور حفل الزفاف بعينين حائرتين وهي تستلقي على الأريكة، تأملت وجه "تميم" بدقةٍ، لم يبتسم بسعادة، لم تظهر علامات البهجة على قسماته، كان في أغلب اللقطات إن لم تكن جميعها بلا تعبيرٍ مقروء، رددت بتنهيدة وكأنها تخلق المبررات لنفسها لتقنع عقلها بتقبل جفائه:
-حتى لو مكونتش بتحبني أد كده، فإنت هتفضل ليا!
اعتلى شفتاها ابتسامة واثقة حين أضافت:
-وبكرة لما أجيبلك ابنك وحفيد العيلة اللي من صلبك الضحكة هترجع لوشك، ومش هاتقدر تبعد عني!
استغرقت في أفكارها الحالمة لبعض الوقت إلى أن رن هاتفها المحمول، أخرجت زفيرًا بطيئًا من جوفها وهي تمد يدها بتثاقلٍ لتأتي به من على الطاولة، نظرت إلى اسم والدتها، وأجابت بتكاسلٍ ملحوظ:
-أيوه يامه.
صاحت فيها الأخيرة بضيق انعكس جليًا على نبرتها:
-مابترديش ليه على طول؟ وراكي الديوان وأنا معرفش؟
استغربت من عصبيتها، وتساءلت:
-مالك داخلة فيا كده؟ إيه اللي مضايقك يامه؟ "هيثم" عمل حاجة تاني
ردت بتبرمٍ:
-هو عامل حاجة غير إنه قرفني بالمعدولة "همسة"، تقولش مافيش إلا هي اللي خرطها خراط البنات!
علقت "خلود" في ضجرٍ وهي تغلق ألبوم الصور لتطرحه جانبًا:
-بكرة ينساها، يومين وهيرجع زي ما كان.
استطاعت أن تسمع صوت زفيرها قبل أن تضيف:
-مش باين، قوليلي جوزك رجع ولا لسه برا؟
أجابتها بزفيرٍ بطيء:
-في الطريق.
أكملت متسائلة باهتمامٍ:
-طب كويس، ها طمنيني، في أخبار الشهر ده تفرح؟
عــادت "خلود" لتتذكر تحليل الحمل المنزلي الذي أتت به بالأمس لتختبر سرًا إن كانت تحمل في أحشائها جنينًا أم لا حين تأخرت عليها زائرتها الشهرية يومين، كانت النتيجة لا شيء، واليوم حلت ضيفتها بآلامها لتقلب مزاجها وتنغص أحلامها .. وبنفس الوجوم جاوبتها مبتلعة تلك الغصة المريرة في حلقها:
-لأ، مافيش نصيب
شعرت بنبرتها الحانقة تخترق أذنها وهي تلومها:
-إزاي يا بت؟ طب عملتي اللي قولتلك عليه؟
شردت متذكرة شريط الأقراص الدوائي الأزرق الموصوف لأصحاب الحالات المرضية التي تعاني من ضعف في العلاقات الزوجية، والذي أحضرته لها والدتها بعد بضعة أيامٍ من زواجها، وأمرتها دون نقاشٍ معاها بدسه لزوجها وسط الطعام يومًا بعد يوم لتنشط خلاياه وتعزز من نزعاته الذكورية حتى تزداد رغبته في ابنتها إن كان ينبذها وفي نفس الوقت تتمكن سريعًا من الحمل، تقلصت تعبيراتها وأطلعتها بالتفصيل على ما قامت به، وقالت:
-أيوه، طحنت الأقراص وحطيتهم في الأكل بتاعه، مخلتش في نفسه حاجة إلا وعملتها عشان أضمن إنه ياخده.
خالفت ما أوصــاها به "تميم" من عدم إطلاع أي فرد من عائلتهما على أسرار غرفة النوم، بأن تكون علاقتهما الحميمية منحصرة بينهما لا وسيلة للتداول على الألسن، فعلت النقيض والأسوأ بكثير دون علمه أو مراعاة مدى التأثير الجانبي السلبي عليه لإفراطه في تناول تلك المواد المنشطة معتقدة أنها بذلك تزيد من استحواذها عليه .. سألتها والدتها بتلهفٍ:
-وبياكل ولا بيحصل إيه فهميني؟
أجابتها مؤكدة على مسامعها:
-أيوه، مافيش وجبة فوتها، وبعدها بيحصل المراد يامه.
تساءلت "بثينة" في حيرة:
-أومال في إيه؟ ده المفروض يجيب جيش قرود بعد الطفح ده كله واللي بتعمليه فيه!!
عقبت على مضضٍ:
-هو مقصرش معايا، بيه أو من غيره "تميم" بيقوم بدوره.
قالت لها بنوعٍ من المواساة:
-مش عارفة أقولك إيه بس، لسه الوقت مأزفش..
-أيوه..
استأنفت "بثينة" نصائحها الماكرة، فأوصتها مشددة:
-المهم ابلفيه تحت جناحك بالدلع والشخلعة مرة، بالبرشام والذي منه مرة، ما تخليهوش على بعضه، مش عايزاه يشوف إلا إنتي، اسمعي مني يا "خلود" الرجالة مالهاش أمان، واللي زي جوزك كنز، سهل واحدة تجره ليه لو مكانتش عينه مليانة منك، املي مزاجه وسيطري عليه.
توهجت حدقتاها بوميضٍ غريب، وردت بثقة:
-حاضر، إنتي مش محتاجة توصيني عليه، أنا مهما عمل "تميم" فهو بتاعي، مش هايكون لحد غيري!
......................................................................
فَسد حذائها الأبيض بفعل مياه الأمطار التي اخترقت جلده وتشبعت به فأصبح فعليًا وعاءً تغوص فيه قدميها، ســارت بتذمرٍ وهي تلوم نفسها على تسرعها تلك المرة في اتخاذ القرار، لما لم تُعاند نفسها وتستقل سيارة أجرة، فالشوارع لا تصلح للسير، ولا الأرصفة ممهدة بشكلٍ جيد يقيها من العثرات المفاجئة، بعد عناءٍ وصلت "فيروزة" إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتها، التفتت لتنظر إلى جانبيه قبل أن تعبره، ذُهلت حين رأته يسير بسيارته بهوادة ليبدو قريبًا منها، تجهمت تعبيراتها، وصاحت فيه:
-إنت بتراقبني؟
رد "تميم" ببرودٍ، ومرفقه مستندٌ على حافة النافذة المنخفضة:
-لأ
سألته بضيقٍ وهي تلوح بيدها:
-أومال بتسمي اللي بتعمله ده إيه؟
أوقف محرك السيارة، وترجل منها وهو يجيبها مازحًا بابتسامة صغيرة تعبر عن هدوئه:
-ولا حاجة، وأكيد مش شغال في المخابرات عشان أراقبك!
تقدمت نحوه ورمقته بنظرة قوية قبل أن تخبره:
-يا حضرت إنت ماشي ورايا ليه لحد بيتي.
فــرد ذراعيه في الهواء موضحًا لها بثقةٍ ونظراته المغترة تتراقص في حدقتيه:
-أنا ماشي في شارع الحكومة، أسفلت زي أي أسفلت..
ثم وضع يده أسفل ذقنه مدعيًا التفكير قبل أن يتابع متسائلاً بنبرة ساخرة:
-ولا يكونش من أملاكك وأنا معرفش ومعلقين يافطة كاتبين فيها بالبونط العريض ممنوع الدخول لـ "تميم" عشان الأبلة ماتضايقش؟!
انزعجت من جملته التهكمية، وقالت بعصبيةٍ وهي توليه ظهرها:
-أنا غلطانة إني واقفة هنا أصلاً.
شبك ساعديه أمام صدره، ورد عليها:
-وأنا مش ماسكك، اتفضلي خليني أرجع بيتي.
أدرك على الفور زلة لسانه التي انفلتت دون قصدٍ منه فتوقفت "فيروزة" عن السير وقد سمعتها بالفعل لتستدير نحوه، فأشــار بسبابته مبتسمًا ببلاهة::
-الدنيا أصلها زحمة ومطر وحاجة صعب الصراحة، الواحد المفروض يخليه في البيت
هزت رأسها في عدم تصديقٍ، وتابعت السير بخطواتٍ متعجلة قاصدة مدخل منزلها، تنفس الصعداء وهو يوبخ نفسه على ذلك الخطأ، أرخى ذراعيه وتحسس جيب بنطاله ليبحث عن ولاعته، لكنه تذكر مشبك الرأس الذي وجده، أخرجه من جيبه ليتطلع إليه في حيرة، تردد في إعادته لها وقبض عليه براحته، خشي أن تظن أنه يتمادى معها، قرر الاحتفاظ به لكن عادت ذكرى حادثة منديل الرأس لتنشط عقله، وقال لنفسه بنوعٍ من التحذير:
-كده هعمل مشكلة تاني مع "خلود"، وماينفعش أكدب عليها! المرة اللي فاتت عدت على خير، مالوش لازمة أجيب وجع الدماغ لنفسي!
عقــد النية على قيادة السيارة والالتفاف حول منزلها ليتمكن من اللحاق بها، ومن ثم إعطائها إياه تجنبًا للمشاكل.
................................................................
في تلك الأثناء، جمعت "فيروزة" بيديها شعرها المبتل وكأنه تمشطه حتى لا يلتصق بوجهها، ولجت إلى مدخل المنزل وهي غير منتبهة لذاك الشخص القابع في العتمة، وعلى ما يبدو لم يتوقع هو الآخر رؤيتها، شهقة مباغتة خرجت من جوفها حين لمحته جالسًا على الدرج وهو يحني رأسه على صدره، في البداية ظنت أنه لص قد جاء لسرقة المنزل، ولكن لماذا يجلس هكذا؟ تساءل عقلها بمنطقية قبل أن ينبذ تلك الفكرة، دنت منه بحذرٍ وقد استجمعت شجاعتها، دققت النظر فيه لتتبين ملامحه وهي تتساءل بصوتٍ حاولت أن يبدو ثابتًا حتى لا يظهر خوفها الغريزي:
-إنت مين؟ وقاعد كده ليه؟
رفع "هيثم" رأسه ليجدها أمامه، وكأن كراهية الدنيا كلها قد تجمعت في عينيه بمجرد رؤيتها تحديدًا، تفاجأت هي الأخرى بوجوده، وبادلته مشاعر العداء، استند على مرفقيه لينهض من جلسته المتعبة، هبط الدرج نحوها يلومها بنبرة حانقة للغاية:
-إنتي السبب!
لم تتخلَ عن جأشها، وصاحت فيه دون رهبة:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
بدا "هيثم" في حالة غريبة، منذرة بطوفان من الغضب المكتوم، شعرت بذلك في صوته عندما أخبرها:
-إنتي اللي مخلياها ترفض ترجعلي.
تراجعت على درجات السلم بظهرها لتمنح نفسها مسافة آمنة قبل أن يفكر في الهجوم عليها، وبتمهلٍ حذر ردت عليه:
-روح لحالك .. مافيش نصيب
صرخ بها:
-من الأول وإنتي حطاني في دماغك، بتكرهيني من غير سبب
ابتلعت ريقها وعلقت عليه:
-وأنا في إيه بيني وبينك؟
هدر بها بصوته الغاضب وقد واصل هبوطه متجهًا نحوها:
-وأنا عملتلك إيه؟ مكانتش غلطة حصلت وأنا مكونتش في وعيي ساعتها!
استنكرت استخفافه بتأثير خسته على حالة توأمتها النفسية، وانتفضت تصرخ فيه:
-بتسمي اللي عملته فيها غلطة؟ بتتهجم عليها والله أعلم كان إيه ممكن يحصل لو ملحقتهاش إنه غلطة، المفروض بعد ده نتكسف على دمنا ونسكت ونرضى بيك!!!
رد بألمٍ وتلك الدمعة المقهورة تفر من عينه:
-وخدت جزاتي خلاص، ليه عاوزة تحرميني منها؟
قالت بقساوةٍ وقد هبطت الدرجات بالكامل لتصبح أمام المدخل:
-أختي مش هاتجوزك مهما حصل
توسلها بنبرة تميل للبكاء علها تمنحه الأمل:
-خليني اتكلم معاها، أشرحلها موقفي
رفضت طلبه دون تفكيرٍ:
-مش هايحصل!
يئس من إقناعها بالعكس لتزداد قناعاته بأنها متسلطة ومتحكمة فيما يخص شئون خطيبته السابقة، باح بما ينتاب عقله من هواجس في تلك اللحظة، واتهمها:
-إنتي ضاغطة عليها عشان ماترجعليش، من وقت ما اتقدمت لأختك وإنتي مش راضية بيا، زي الشوكة في الزور!
نظرت له باستحقارٍ قبل أن تقول منهية الحوار معه:
-هي مش عاوزاك، وخلاص ده باب واتقفل في وشك، روح لحال سبيلك، ملكش نصيب، اتفضل.
وقف "هيثم" قبالتها ينظر لها بكل ما يعتريه من غيظٍ وغل، احتقنت عروقه من شدة حقده المتعاظم، رفع يده يهددها بلا وعيٍ:
-وأنا مش هاسيبك تمنعيني عنها .. إنتي السبب!
تحدته بجراءةٍ وهي تبتعد عنه لتقترب من الرصيف:
-لو ما خرجتش بالذوق هاجيبلك البوليس
لحق بها قبل أن تخرج من المدخل وأمسك بها من رسغها ليوقفها، ثم جذبها بقسوة للداخل وهو يأمرها بصوته المحتد:
-استني هنا!
استخدمت "فيروزة" حقيبتها كوسيلة دفاعية لتقاومه بكل شراسة، رفعتها أمام وجهه وضربته بأقصى طاقتها على صدغه لتؤلمه وهي تصيح به:
-ابعد عني!
أحدث قفلها المعدني خدشًا واضحًا في صدغه، استشاطت حدقتاه على الأخير، وتطلع لها بشرٍ مبين، وقبل أن يفكر في الرد عليها كان "تميم" يقف حائلاً بينهما بجسده وهو يناديه بصوته الأجش القاسي:
-"هيثــــم"!
شلت المفاجأة تفكيره ووترته لحظيًا، لم يتوقع ظهوره في ذلك التوقيت، جف حلقه، ونظر له بترقبٍ، في حين استل "تميم" معصمها من قبضته، ورمقه بنظرة قاتمة منذرة جعلته يتراجع على الفور للخلف، ثم سأله بغلظةٍ:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
لم يجبه، ونكس رأسه خزيًا، بينما ردت "فيروزة" من خلفه تتوعده:
-أنا هاطلبله البوليس عشان يتربـ....
التفت "تميم" نحوها يقاطعها بصيغة آمرة:
-اهدي يا أبلة، وخليني أفهم الأول منه!
نظرت له بحنقٍ قبل أن ترد بما يشبه التهكم:
-أه طبعًا، ما هو قريبك لازم تحاميله!
وفجأة سمع كلاهما صوت بكاءٍ حارق جعلهما يتطلعان للأمام ويتشاركان في نفس الصدمة، حيث انفجر "هيثم" باكيًا وهو يجثو على ركبتيه متوسلاً:
-ليه محدش عايز يسمعني أو حتى يصدقني؟ للدرجادي مستحقش فرصة تانية أثبت لـ "همسة" بيها إني اتغيرت؟
حملقت فيه بازدراءٍ قبل أن تغمغم:
-قالوا للحرامي احلف!
صرخ باهتياجٍ وهو يتطلع لها بعينيه الملتهبتين:
-طب اعمل إيه عشان تصدقوا إني ندمان وفعلاً بأحبها؟!!
هتفت فيه "فيروزة" تلوح بذراعها وقد ظهر الاستنكار في صوتها ونظراتها إليه:
-حب؟ دي معرفتها بيك مكملتش كام يوم!
رد بحرقة وذاك الوخز يحز في قلبه:
-أقسم بالله حبيتها من أول نظرة.
قالت بقسوة وبوجه جليدي صارم:
-والمفروض أنا عبيطة وهصدق ده؟
انفلتت أعصابه وفقد القدرة على التحكم في انفعالاته، نهض بمشاعره المحتقنة من على الأرض وتلفت حوله بنظراتٍ غائمة، ثم اقترب من الحائط واستند عليه بكفيه وبدأ بضرب رأسه به بشكلٍ جنوني عنيف ودون توقف وهو يصرخ في إحباطٍ متألم:
-قوليلي أعمل إيه طيب؟ ردي عليا
توترت "فيروزة" من هيئته الهائجة، وانتفض جسدها مع ضرباته المرعبة التي كادت تهشم رأسه، نظر له "تميم" مذهولاً، وأسرع نحوه ليبعده عن الحائط، مرر ذراعيه أسفل إبطيه وسحبه للخلف محاولاً تحجيم نوبة جنونه المخيفة، قيد حركته قائلاً له بما يقارب الرجاء:
-اهدى يا "هيثم"، إنت هتموت نفسك؟!
انسابت خيوط الدماء بغزارة من جبينه لتصبغ كامل وجهه باللون الأحمر القاني، ومع ذلك تابع بصوته المتألم لكن بوهنٍ:
-أنا زبالة وابن .......، وكل يوم بأضرب نفسي بالجزمة عشان كنت نجس معاها!
وبفمٍ مفتوح ونظرات غير مصدقة للمشهد الدموي المقشعر للأبدان رددت "فيروزة" لنفسها:
-ده اتجنن ولا إيه؟
ركز "تميم" عينيه نحوها يأمرها:
-اطلعي فوق دلوقتي
همَّت بالاعتراض لكن صوته الصـــارم واصل القول:
-عجبك حالته دي؟
بالطبع لا، هكذا قالت في نفسها دون أن تنطق، هي ليست بتلك القساوة لتعلن عن غبطتها لرؤيته أحدهم يأذي نفسه بتلك الصورة البشعة، وكأنه يدفع حياته للهلاك، ضغطت على شفتيها بقوةٍ وانسحبت مرغمة لتصعد على الدرج، لكنها توقفت عند المنتصف لتلقي نظرة متابعة للمشهد، رأت "تميم" يلف ذراعه حول كتفي "هيثم" ليرفع جسده عن الأرضية مما يسهل عليه اقتياده نحو الخارج، وظهر الأخير في حالة وهنٍ شديدة، ناهيك عن بقع الدماء التي لوثت ثيابه والأرضية، وللمرة الأولى تشعر نحوه بالأسف والإشفاق.
................................................................................
لوعةٌ أم ارتعابٌ أم كلاهما معًا هو كل ما شعرت به في تلك اللحظة حين أطل عليها زوجها وهو يجر أخيها جرًا للداخل .. كانت رأسه مضمدة بالشاش الأبيض، ووجهه في حالة ذبول وإرهاق، انهالت عليهما بالأسئلة المتواترة وكأنهما في تحقيق رسمي، التزم "تميم" الصمت ونظر لها بعينين تقدحان حنقًا، اضطرت "خلود" أن تبتلع لسانها مؤقتًا وتبعت الاثنين بقلبٍ واجف مرتعد إلى غرفة النوم الفرعية -والخاصة بالأطفال- ليتمدد "هيثم" على الفراش الفردي وقد كان شبه فاقد للوعي، لكن أنينه الخافت لم يتوقف، سحب "تميم" الغطاء على جسده ملقيًا نظرة أخيرة مهتمة عليه قبل أن يدير رأسه في اتجاه زوجته ليأمرها بصوتٍ خفيض:
-كلمي أمك وقوليلها أخوكي هيبات عندنا الليلة من غير ما ترغي معاها كتير في أي تفاصيل!
سألته في تلهفٍ، ونظراتها القلقة ترتكز على أخيها:
-حصله إيه؟ وإيه اللي في وشه ده؟ إنتو كنتوا بتتخانقوا؟
رد نافيًا بصوته الهامس:
-لأ.
نظرة شمولية جابت بها على جسد زوجها، لم يكن مصابًا، أو بوجهه كدمات، سألته لتتأكد:
-إنت كويس؟ حصلك حاجة؟
هز رأسه بالنفي، لكنها تابعت تساؤلاتها المتوجسة:
-أومال إيه اللي حصل؟ "هيثم" عمل مصيبة جديدة؟ فهمني يا "تميم"! ماتفضلش ساكت كده!
أمسك بها من ذراعها ودفعها برفقٍ بعيدًا عن الفراش حتى لا توقظه بضجيج صوتها المرتفع، خرج بها من الغرفة وأغلق الباب بهدوءٍ لينظر لها بعدها بحدة وهو يعاتبها:
-سيبي أخوكي يرتاح الأول.
وضعت يدها على ذراعه وسألته في قلقٍ:
-مين عمل فيه كده؟
أجابها باقتضابٍ وهو يسير في الردهة متجهًا إلى غرفة نومه:
-محدش.
تبعته بخطى متعجلة تُلح عليه:
-ماتسبنيش كده على ناري، احكيلي بالظبط إيه اللي حصله!
لم يكن "تميم" في حالة مزاجية رائقة ليسرد لها بالتفصيل ما فعله خلال الساعة الماضية التي تضمنت تهور أخيها في منزل "همسة"، واضطراره للتدخل وإسعافه على الفور، ثم نقله من المشفى إلى منزله وإبقائه تحت ناظريه بناءً على تعليمات الطبيب المعالج له حتى لا يكرر تصرفه الطائش ويتسبب في إلحاق الضرر الجسيم بنفسه، وحينها ربما لن يتمكن من إنقاذه .. خلع سترته الجلدية نافخًا في ضيقٍ من ملاحقتها له بالرغم من صمته المشحون، واستدار يقول لها بتعبٍ:
-بعدين يا "خلود"، روحي اعملي اللي قولتلك عليه، والصبح هاحكيلك كل حاجة
قالت بنظراتٍ معاندة وهي تمسك به من ياقة قميصه لتديره نحوها:
-لأ دلوقتي.
فاض به الكيل من إصرارها المزعج، لذا أزاح يدها عنه وزفر عاليًا بضيقٍ جم، ثم اتجه للفراش ليجلس على طرفه نازعًا قميصه المتسخ عنه وهو يهدر بها بنفاذ صبرٍ:
-يووه، أنا تعبان يا "خلود"، قدري ده شوية
ردت على مضضٍ وهي تنحني لتلتقط قميصه الذي ألقاه بعصبيةٍ أسفل قدميه:
-حاضر، بس لما أخلص معاها هتقولي على كل حاجة تخصه
-ربنا يسهل
قالها وهو يعاود النهوض ليتجه إلى الحمام ليغتسل، ظلت أنظارها ممسكة به إلى أن ولج للداخل وأغلق الباب خلفه، خرجت من الغرفة واستلت هاتفها المتصل بالشاحن لتخبر والدتها دون إسهابٍ أو توضيح عن مبيت "هيثم" في منزلها، وبالرغم من تذمر "بثينة" من جملها الغامضة إلا أنها التزمت بما أملاه عليها وأوجزت معها، تركت هاتفها في مكانه وعادت إلى زوجها لتجده مستلقيًا على الفراش وقد أغمض جفنيه، وذراعاه معقودان خلف رأسه، نظرت له بحدةٍ والغيظ يتملكها لاستغراقه في النوم وهي تحترق فضولاً أمامه، تقدمت نحوه وسألته:
-إنت نمت؟
أجابها دون أن يفتح عينيه:
-بأحاول.
كزت على أسنانها مدمدمة في تبرمٍ:
-ماشي يا "تميم"، اهرب مني دلوقتي، بس مش هاسيب الموضوع ده يعدي كده من غير ما أفهم إيه اللي حصل لـ "هيثم".
رد باقتضابٍ:
-ماشي.
انحنت لتجمع باقي ثيابه التي تركها بإهمالٍ على المقعد التابع للتسريحة، ألقت نظرة متأنية على بنطاله وقد اتسخ بآثار الدماء، رددت مع نفسها:
-طبعًا كل هدومك محتاجة تتغسل.
تفقدت محتويات جيوبه كتقليد متبع تقوم به الزوجات حين تشرعن في غسل ثياب أزواجهن، أخرجت محفظته من جيب بنطاله الخلفي، وكذلك ميدالية مفاتيحه من الجيب الجانبي، ثم تحسست الجانب الآخر لتشعر بتلك الكتلة المعدنية الصغيرة التي تستقر في قعره، دست يدها فيه وأخرجتها منه لتنظر بعينين متسعتين في اندهاشٍ لمشبك الرأس الأنثوي المميز، انقباضة مصحوبة برجفة عظيمة ومقلقة سرت في ضلوع قلبها، ناهيك عن الهواجس المرعبة التي نخرت في رأسها وقد لبك بدنها، استدارت كالملسوعة نحوه تسأله بصوتٍ مغاير لذلك المتدلل حين تُحادثه بنعومة وهي ترفع المشبك للأعلى ليصبح نصب عينيه المغمضتين:
-بتاع مين ده يا "تميم" ........................................... ؟!
..........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن والعشرون
كان على فراشه الوثير مستلقيًا وفي حالة شبه مسترخية محاولاً استدعاء النوم الذي بات عزيزًا عليه حين اخترقت رنة صوتها الحادة أذنيه لتسأله مباشرة وبعصبية جلية عن ذاك المشبك الذي تناسى أمره كليًا في خضم ما مر به، فتح "تميم" عينيه ليحملق فيها مصدومًا لبرهة، وكأنه يتأكد مما يراه، اعتدل من رقدته ليتطلع إليها بصمتٍ، رمش بجفنيه وبريق ذلك المشبك ما زال ينعكس في حدقتيه، ودون بادرة كذب قرر أن يجاوبها بتعابيرٍ هادئة:
-بتاع الأبلة .."فيروزة"!
لم يدرك أنها المرة الأولى التي يتلفظ بها باسمها، وكأنه يختبر وقعه على مسامعه وبين شفتيه، كان حين نطق به بعفوية مُربكًا، موترًا، وخافقًا لقلبه، ولكن لسوء حظه كان أمام زوجته التي انفجرت غضبًا وغيظًا، أغيرها تنادي شفتاه؟ تنشطت ذاكرتها بذكرى منديل الرأس والمشبك القديم حين اكتشفته مصادفة وظنت والدته أنهما لها، عُقدت المقارنة في رأسها حين تكرر الأمر من جديد، وليست النهاية مرضية كما أخبرها من قبل بأنها متعلقاتٍ تخص لأخته لتنتهي القصة على خير، بل لأخرى غريبة عنه متلونة بشكلٍ أخافها، بالطبع تلك الشابة رأته وأملت نظراتها منه في غيابها، وتبادل هو معها الحديث وإن كان مقتضبًا، ثم أعطته أشيائها ليحتفظ بها وتحترق هي بنيران غيرتها عندما تكتشف الأمر، كان لذلك التفكير المؤلم آثارة عليها؛ حيث غطى الوجوم والحنق كامل وجهها، غلت الدماء في عروقها واندفعت بحممها الملتهبة لتغزي كامل جسدها، تشعبت بشرتها بحمرة ساخنة وظهر ذلك جليًا عليها، احتدت نظراتها وصرخت تسأله وهي تدنو منه:
-بتقول مين؟!!!!
لم تتغير نبرته حين أوضح لها بنفس الثبات الانفعالي، وكأنها لم تتعرف إلى هويتها:
-البنت إياها أخت "همسة" خطيبة أخوكي.. أقصد يعني اللي كانت خطيبته
تحولت تلك الرقيقة الناعمة معه -والتي تُباري قريناتها في الاستحواذ على زوجها بأساليب الحب المشروعة والملتوية- إلى امرأة شرسة غاضبة تكاد تفتك به بنظراتها المظلمة، اندفعت نحوه لتمسك به من ياقته، هزته في عصبية مفرطة وهي تعلق عليه بنرفزة أشد، وكأنها تستجوبه بطريقة غير لطيفة على الإطلاق:
-ما أنا عارفة هي مين، إنت مش محتاج توصفهالي البت دي، والزفت بتاعها ده بيعمل إيه في جيبك؟! ما تنطق!
أزاح -رغم ضيقه البادي عليه من أسلوبها الفظ في التعامل معه- قبضتها بعيدًا عن ياقته، كان إلى حد ما متفهمًا لانزعاجها بشأن ذلك المشبك، من البديهي أن تساورها الشكوك حول شيءٍ أنثوي يخص غيرها، لكنه لم يتوقع أبدًا أن تثور هكذا، نهض عن الفراش وهو يدفعها برفقٍ للجانب ليتمكن من المرور، لم يستدر نحوها وأجاب مسترسلاً ببرودٍ زائف:
-نسيت أديهولها لما وقع منها في الشارع.
دارت حوله لتغدو في مواجهة وجهه الجليدي، سددت له نظرات نارية قاتلة وهي تواصل الصراخ المنفعل:
-نعم .. نسيت؟!!!
تنفس "تميم" بعمقٍ ليثبط تلك المشاعر المنزعجة التي بدأت تتصاعد بداخله، وقال على مهلٍ وبأنفاسٍ شبه ثقيلة موضحًا لها طبيعة الموقف منذ البداية حتى لا يبدو كمن يخدعها:
-بصي أخوكي كان بيتخانق معاها وهيرتكب جناية وأنا لحقته ساعة لما شوفتها و....
لم تتحمل "خلود" أي تبرير، فقدت عقلانيتها وتمكن منها غضبها الأعمى، فقذفت بغيظٍ بالمشبك في وجهه ليخدشه عند جانب صدغه، وصرخت فيه لتقاطعه بتهديد عدائي:
-أنا اللي هارتكب جناية لو مفهمتش حالاً إيه علاقتك بالبت دي!!
نظر لها بقوةٍ رافضًا ذلك الإتهام الباطل، وحذرها بلهجةٍ شديدة غير متسامحة بعد أن تغيرت معالم وجهه للحنق:
-خدي بالك من كلامك ده، مافيش بيني وبينها أي علاقة!
رمقته بنظرة جارحة من عينيها الغاضبتين، وقالت في استهجانٍ متعاظم:
-هو أنا هبلة عشان أصدقك؟ إنت كداب يا "تميم"...
اتسعت حدقتاه مذهولاً من إهانتها القاسية، بينما تابعت بنفس الأسلوب الهجومي المحتد:
-تلاقيك جايبه ليها وعامل الفيلم ده عليا عشان أصدقك!
زجرها بخشونةٍ وقد شخصت أنظاره:
-"خـــــلود"!
دفعته بعصبيةٍ من صدره مواصلة إلقاء التهم عليه:
-طبعًا العانس دي مصدقت لاقت أختها اتخطبت وهي زي البيت الوقف، حبت ترمي شباكها عليك جايز الصنارة تغمز، وملاقتش إلا جوزي تجرب معاه، وإنت اديتها وش فساقت فيها.
نظر لها في استياءٍ ثم أولاها ظهره وتحرك في اتجاه النافذة ليفتحها حتى يستنشق الهواء قبل أن يختنق بحنقه المندلع بداخله، فلم يكن أيًا مما تلفظت به حقيقي بالمرة، بل على العكس كان مزيجًا من الإهانة والتجريح، ردد في عتابٍ علها تتوقف عن استفزازه:
-والله ما عارف أقولك إيه.. أكيد مافيش واحدة طبيعية هاتفكر بالشكل ده!
كانت في ذروة عصبيتها الهوجاء، اليوم اختبرت مشاعر الغيرة لديها أقصى درجات احتمالها، وفشلت في السيطرة عليها، انحنت "خلود" لتلتقط المشبك من على الأرضية، وكالمجنونة لحقت به لتمسك يده، وضعته عنوة في راحته وأضافت:
-خديه يا حبيبي، خليها تشبع بيه.
تحولت نظرات العتاب لديه للومٍ واستنكار، ثم قال لها محذرًا بنبرة أشد بأسًا:
-هي ضربت معاكي جنان على آخر الليل، ولو فضلتي على كده أنا هاسيب البيت وأمشي!
أمسكت به من ياقتيه تهزه بجنونٍ وهي تهدر بصوتها المرتفع الغاضب:
-عشان تروحلها؟! وأنا مش هاسيب واحدة زي دي تخطفك مني، ده على جثتي!
أشفق عليها وقال:
-إنتي مش في وعيك، مافيش حاجة من أساسه!
واصلت هزه بعصبيةٍ وهي ترد بعقلٍ مغيب، وكأنها تُعايش بكامل جوارحها ما رسمه خيالها من أوهــام مخادعة لتعزز من تلك الأكذوبة:
-وأنا مش هاستنى أما يحصل بينكم حاجة، هاروحلها البيت وأوقفها عند حدها الصايعة خراب البيوت!
وضع "تميم" كلتا يديه على قبضتيها المتشنجتين، أبعدهما عن ياقته وحذرها بنبرته الخشنة، ودون أن يرف له جفن:
-فوقي يا "خلود"، مش هاتبقي إنتي وأخوكي هتشبكوا معاهم
اشتعلت الحمرة الحانقة في عينيها، وصرخت به تسأله:
-إنت بتحبني صح؟ رد عليا!
لم يجد من الكلمات ما يجيب به عليها ليعبر لها عن مشاعره الحالية نحوها بعد إساءتها غير المقبولة، تركها واتجه إلى الدولاب ليفتح الضلفة ويخرج منها سترة ثقيلة يرتديها على زيه الرياضي، في حين أكملت صياحها بنبرة بدت غريبة وكأنها تتسول عواطفه:
-إنت اتجوزتني عشان بتحبني أنا لوحدي، ومافيش واحدة غيري تملى عينك، أنا وبس اللي في حياتك، صح؟ قولي كده، إنت بتحبني؟
تنهد قائلاً في يأسٍ من حالها البائس:
-تصبحي على خير يا "خلود".
اعترضت طريقه ووضعت يديها على صدره تدفعه في عنفٍ للخلف، ركزت نظراته عليه متسائلة بحنقٍ:
-إنت رايح فين؟ عندها صح؟
فاض به الكيل من اتهاماتها، وصاح رافضًا ما تقوله:
-إنتي مجنونة؟ سامعة نفسك؟
لكزته في كتفه وهي تتابع صراخها المهتاج:
-رد عليا، إنت رايحلها السعادي، إنت سايبني ورايح عندها؟!!
قال بجمودٍ وهو يزيحها عن طريقه حتى لا يفرغ بها شحنة غضبه التي يعجز عن مقاومتها حاليًا بعد أن بلغت أقصاها:
-ريحي نفسك، أنا هبات في الشارع!
عاجلته في خطواته السريعة لتلحق به متابعة صياحها الآمر:
-ماتمشيش يا "تميم"، استنى هنا.
توقف عن التحرك ليستدير نحوها، ثم رفع سبابته أمام وجهها قائلاً بتحذير:
-أما تحطي مخك في راسك وتوزني الأمور بالعقل نبقى نتكلم، لكن مش هاخد وأدي معاكي في حالتك دي!
اندفعت نحوه لتلتصق به، طوقت عنقه بذراعيها وتعلقت به، ثم هتفت تتوسله:
-ماتسبنيش يا "تميم"، خليك هنا، أنا بأحبك، متروحش عندها وتبعد عني!
أحكم قبضتيه على رسغيها وأبعدهما عنه ليقول كمن يبدو عليه النفور:
-سلام.
وبضيق غير قابل للوصف خرج "تميم" من المنزل صافقًا الباب خلفه، وذلك الإحساس المؤلم القابض للصدر يكاد يفتك بقلبه، لا يعلم إن كانت مشاعره تتضمن إشفاقًا على حال زوجته، أم تحمل أيضًا في طياتها تعاطفًا مع تلك التي نالت دون ذنبٍ نصيبها من الكراهية العمياء.
ارتمت "خلود" على الباب الخشبي تضربه بقبضتها في حرقةٍ، بكت كما لم تبكِ من قبل قهرًا على رحيله المفاجئ، شعرت وكأن هناك حاجزًا قد ظهر من العدم فجأة ليفصل بينها وبين زوجها، لامت نفسها بألمٍ وحسرة:
-أنا هببت إيه بس؟!
لطمت على خديها في لوعةٍ لعدة مرات حتى التهبت بشرتها من فرط عصبيتها، شل تفكيرها فلم تعد ترى أي منطقية فيما تفعله، بل وحجبت غيرتها أي بادرة للتفكير المتزن، ببساطة أحالت حياتها إلى الجحيم، ودون وعيٍ منها لجأت إلى مساعدة والدتها، أمسكت بهاتفها المحمول، وضغطت بعينين تكاد لا ترى بهما شيئًا من سحب الدموع الكثيفة التي ملأتهما على زر الاتصــال بها، هتفت بصوتٍ مبحوحٍ لاهث لكنه هــادر، وكأنه يأتي بصراخه الناري من قعر جهنم:
-ألوو! أيوه يامه، الحقيني .. أنا في مصيبة!
...........................................................
أربكها تلاحق الأحداث في الساعات الماضية وشوش تفكيرها عنه، تصارعت أفكارها وتخبطت، كان يُقاتل من أجل كلمة واحدة يعبر فيها لها عن ندمه، ومع ذلك رفضت الإصغاء إليه، وجلست تنتظر عودة توأمتها لتخبرها بمجيء "هيثم" غير المتوقع، لكنها تفاجأت بها تُعلمها ببقائه بالأسفل ليستعطفها أولاً قبل أن يخرج عن شعوره ويؤذي نفسه بشكلٍ بشع، استغرقت "همسة" في أفكارها محاولة الوصول لقرار محايد يريح ضميرها بشأنه، وكان الاقتراح المناسب الذي انتهى إليه عقلها هو لقاء خارجي معه في مكان عام بحضور طرفي العائلة كفرصة أخيرة للاستماع إليه .. سألتها "فيروزة" بجدية بعد أن أطلعتها على رغبتها:
-إنتي متأكدة؟
جاوبتها موضحة أسبابها بهدوء:
-أيوه، مش عاوزة أظلمه، جايز ندم فعلاً، وأنا هاتكلم معاه وبس، هاشوف عاوز مني إيه، وإيه اللي ممكن يعمله عشان يثبتلي إنه اتغير.
أكدت عليها شقيقتها:
-"همسة" عاوزاكي تفهمي إنه مهما عمل فده مش مبرر يخليكي ترجعيله تاني.
ردت عن اقتناعٍ، وتلك البسمة الباهتة تُزين ثغرها:
-أنا عارفة ده كويس، أنا حابة ضميري يكون مرتاح من ناحيته.
وبالرغم من امتعاض "فيروزة" من قرارها إلا أنها علقت عليها مظهرة دعمها لها:
-تمام، هاكلم الحاج قريبه بحيث يكون معانا، لأن خالك الصراحة مايضمنش.
مسحة من الرقة احتلت تعبيراتها وشفتيها وهي تقول مُرحبة:
-المناسب اعمليه.
تنهدت "آمنة" في حيرة وهي تتابع النقاش العقلاني بين ابنتيها، انسالت على صفحة وجهها مشاهد توسلات "هيثم" المقطعة لنياط القلوب، وإلى حد ما تعاطفت معه بسبب طيبتها المتأصلة فيها، ولهذا لم تعترض على رغبة ابنتها .. أجالت بنظراتها للسماء وتمتمت في تضرع:
-ربنا يهديلكم العاصي يا بناتي ويحفظكم ليا.
....................................................
نظرة شــاردة مليئة بالهموم والحزن دارت على تفاصيل المشبك الصغير وهو يتلاعب به بأصابعه في حركة متأنية حتى لا يسقطه قبل أن يضمه إلى راحته، ثم إذ به يفتح الدرج العلوي للكومود ويضعه في داخله إلى جوار منديل الرأس والمشبك الآخر اللذين وجدهما من قبل، ألقى نظرة أخيرة على ثلاثتهم قبل أن يعاود غلقه، استدار "تميم" برأسه للجانب حين سمع والدته تقول بابتسامتها المشرقة وهي تقلب بالمعلقة الكوب الذي تحمله في يدها:
-اشرب العناب ده يروق دمك.
تناوله منها قائلاً بامتنانٍ:
-شكرًا يامه.
جلس على طرف الفراش يرتشفه جرعة وراء الأخرى، وكأنه كان بحاجة ماسة إليه، أمعنت "ونيسة" النظر إليه، بدت ملامحه تعيسة بشكلٍ مقلق، لذا سألته بفضولها المهتم عله يفصح عما يجول في صدره:
-مقولتليش بردك إيه اللي حصل وخلاك تسيب فرشتك وحضن مراتك السعادي؟
ابتسم لها ليخفي ضيقه، وقال نافيًا:
-ولا حاجة، إنتي جيتي على بالي فقولت أعدي أطمن عليكي
كان فاشلاً في الكذب عليها، وظهر ذلك في طريقة هروبه من نظراتها الفاحصة له، وكأنه يخشى أن تكتشف ذلك، ومع هذا ألحت عليها بغريزتها التي تؤكد لها وجود ما يؤلمه:
-شكلك مخبي عليا حاجة، قولي يا ابني عشان ترتاح.
وضع الكوب على فمه ليتجرع ما فيه، كانت وسيلته المؤقتة للسكوت، ثم رد عليها متسائلاً باهتمامٍ مفتعل، قاصدًا بذلك التغطية على ما لا يريد الإفصاح عنه بحديث آخر:
-صحيح أخبار "هاجر" إيه؟ قربت تولد ولا لسه؟
تفقه ذهنها إلى ما يفعله، وردت تصارحه:
-بتحور عليا عشان ما تكلمش!! ماشي يا "تميم" هاعديهالك، أختك بخير، ولسه هانشوف الزيارة الجاية الضاكتورة هتقولنا إيه.
تنهد معقبًا عليه وهو يسند الكوب الذي فرغ من شرب محتوياته على الكومود:
-ربنا يقومها بالسلامة، ويكرمها..
ثم نهض من جلسته متابعًا:
-يدوب ألحق أرجع البيت.
هبت واقفة من مكانها وتطلعت إليه في استغرابٍ قبل أن تسأله بصوتها المدهوش:
-إنت لحقت تيجي في إيه وتمشي في إيه؟!!
لم يخلو وجهه من ابتسامته الفاترة حين أجابها:
-ما أنا قولتلك أنا جاي أشوفك يا ست الكل..
غلف نبرته قليل من الألم المعاتب جاهد لإخفائه وهو يواصل القول:
-وبعدين ماينفعش أتأخر على "خلود"، مابترضاش تتعشى من غيري.
تأملته بعينين تتحركان في قلقٍ، ونطقت عما يراودها من أحاسيس:
-والله قلبي بيقولي في حاجة حصلت، وإنت مداري عليا.
انحنى "تميم" ليقبل رأس والدته، ثم ربت على كتفها برفقٍ موصيًا إياها:
-خدي بالك من صحتك، سلام يامه
تبعته في حيرةٍ إلى أن أوصلته للخارج وقلبها قلق على أحواله، ودعته بأدعيتها التي لا يتوقف لسانها اللاهج عن الدعاء له بها، ثم عادت إلى غرفتها ووضعت يدها على أسفل فكها تُحادث نفسها بنبرة عازمة:
-بكرة أكلم البت "خلود" أفهم منها في إيه!
..................................................................
جــاب مطولاً بسيارته الشوارع الخالية والمزدحمة آملاً أن تخف وطأة ذلك الحزن الغامض الذي ملأ قلبه، في النهاية لم يكن هناك مفرٌ من العودة إليها .. وإن كانت غاضبة منه فلها أسبابه التي وجب عليه أن يتفهمها، هي تعشقه بجنونٍ وإخلاص، لم ينتقص شغفها أبدًا بالرغم من جفاء مشاعره، انتظرته لسنوات كما لم تفعل غيرها ممن يتخلين في أول فرصة تتاح لهن عن أزواجهن إن وضعوا بالحبس، تفعل كل ما في وسعها لإسعاده، تتلهف لتزيح آلامه، لما لا يعفو لها إساءتها وهي ضحية حبها المتيم به؟ أعاد ما اتهمته به في عقله مرارًا وتكرارًا ليدرك أنه الوحيد المخطئ في الأمر، حين منح جزءًا من تفكيره لغيرها والتهى عنها، وكأنه بذلك يخونها ضمنيًا، زوجته بكل ما تبذله من جهد لنيل محبة متبادلة بينهما تروي بها عطشها إليه لا تستحق تجاهله.. لن يكون من الإنصاف أو العدل ازدراء عواطفها الوالهة!
قرر "تميم" أن يتغاضى عما بدر منها الليلة من تجاوزات وإساءات تقديرًا لمشاعرها المخلصة له، سيحتوي غضبها ويعوضها عن ألم قلبها وإن كان ذلك على حساب نفسه، أوشكت تلك الرسائل المزعجة والاتصالات المتكررة من والدتها أن تفسد ما خطط له، أرغم نفسه ألا يلتفت إليها حتى لا يزداد شعوره بالكدر، دس المفتاح في قفله وفتح الباب ليجد "خلود" متكورة على نفسها على أقرب أريكة للمدخل، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهما بذراعيها، نظر لها مليًا قبل أن يبادر قائلاً بتنهيدة بطيئة:
-سلامو عليكم.
لم تصدق أذنيها حين سمعت صوته يجلجل بالمنزل، رفعت عينيها المتورمتين إليه تنظر له بصدمةٍ، وكأنها استبعدت أمر عودته، قالت بنبرة أقرب للبكاءِ، وبقلبٍ خافق وصدر متهدج:
-حبيبي إنت رجعت، حقك عليا.
احتضنته وشددت من ضمها له لتلتصق أكثر به، ثم استكانت في أحضانه ومرغت رأسها في صدره لتتابع بندمٍ:
-أنا غلطانة، متزعلش مني.
جرفها طوفــان الغيرة الحارق إلى مناطق مظلمة أجبرتها على استباحة أي شيء من أجل الإبقاء عليه، حاولت أن تستميل قلبه نحوها، واعتذرت:
-أنا أسفة يا حبيبي، بس صدقني ده كان غصب عني، لما شوفت الدبوس ده في جيبك مخي طار ومابقتش في وعيي.
رد بهدوءٍ متفهم:
-أنا مقدر ده.
شبت على قدميها لتلتقم شفتيه ومنحته قبلة طويلة حبست فيها أنفاسهما قبل أن تبتعد عنه وتهمس لاهثة:
-أنا بأحبك أوي.
رسم بسمة صغيرة على وجهه، وقال بصوته الهادئ وهو يمسك بيدها:
-تعالي معايا يا "خلود"، هانتكلم في أوضتنا، مش عاوزين نعمل دوشة، ماتنسيش أخوكي نايم هنا
ردت وهي تهز رأسها بخنوعٍ:
-حاضر يا حبيبي، كل اللي إنت عاوزه هاعمله.
خللت أناملها بين أصابعه لتشبك يديهما معًا، وأحنت رأسها على جانب ذراعه لتنام على كتفه، وتعلقت بيدها الأخرى في ذراعه ليظن من يتطلع إليهما أنهما عاشقين ..
ولج الاثنان إلى الغرفة، وشرارات الحب تنطلق من عيني "خلود"، لم تترك زوجها وهو يغلق الباب، ظلت متشبثة به تأبى الابتعاد عنه، وكأنها ترتعد من فكرة رحيله، بصعوبة جعلها تتخلى عن الالتصاق به لتتمكن من الجلوس بجواره على حافة الفراش .. أمسك بكلتا راحتيها بيديه، وداعب جلدهما بإبهاميه، ثم نظر لها مليًا وبصمتٍ للحظات قبل أن يقطع حاجز السكون متسائلاً:
-فاكرة أول كلام قولتهولك إيه؟
هزت رأسها تجيبه بتنهيدة لاهثة:
-أيوه.
سألها بغموضٍ ليبدو كمن يمتحن ذاكرتها:
-كان إيه؟
تخبطت لوهلة في أفكارها وقد عقدت حاجبيها معًا، ابتلعت ريقها وأجابته بتلعثمٍ محاولة خلق جملة مفيدة:
-إننا .. نكون الأمان لبعض وإنك وعدتني هتراعي ربنا فيا وتعاملني كويس و...
حرك رأسه متقبلاً إجابتها وهو يعقب عليها:
-ده مظبوط...
لكن نبرته كانت متشنجة نسبيًا رغم هدوئها عندما تابع:
-بس مكانش أول حاجة طلبتها منك!
أصابها التجهم المصحوب بالتوترٍ وشعرت بتقلصات مزعجة تعتصر معدتها، لعقت شفتيها وسألته في عصبيةٍ وهي تحاول سحب كفيها:
-إنت بتختبر حبي ليك يا "تميم" ولا إيه؟
ظلت قابضًا عليهما وهو يرد بالنفي:
-لأ يا "خلود"، مافيش امتحان ولا غيره!
نظرت له في حيرة، فأكمل بما يشبه العتاب، وذلك الألم يحاول التسلل إلى عينيه:
-بس أنا طلبت منك لو في بينا مشاكل أو حتى خلاف صغير محدش يعرفه، مظبوط؟
ارتبكت وعلقت عليه:
-أيوه..
ترك يديها، وأخرج من جيبه هاتفه المحمول، ثم رفعه أمام وجهها لتنظر إلى شاشته التي امتلأت بعشرات المكالمات الفائتة من والدتها، لم تكن بحاجة لتفسير ما يُلمح إليه، وهتفت مبررة كذبًا وقد انتفضت واقفة:
-دي أمي اتصلت بالصدفة تسأل على "هيثم" وعرفت من صوتي إني كنت بأعيط وفضلت ورايا لحد ما قولتلها.
وضع يده على ذراعها وجذبها منه برفقٍ لتجلس إلى جواره مجددًا وهو يرد باقتضابٍ:
-تمام..
جمدت نظراتها عليه، وسألته بصوتٍ قاتلت ليبدو مختنقًا باكيًا:
-إنت زعلان من اللي عملته صح؟ صدقني ده كان غصب عني؟ دي أول مرة أصلاً أقولها حاجة، وبعدين أنا كنت هاتجنن لما لاقيت الدبوس ده ومعرفتش أتصرف إزاي!
رد بتنهيدة بطيئة دون أن يظهر ضيقه من كذبها الواضح كالشمس في كبد السماء:
-ماشي يا "خلود"، حصل خير، وعرفي أمك إن المشكلة اتحلت.
ضاقت نظراتها متسائلة بتوجسٍ:
-يعني عاوز تفهمني إنك مش مضايقك مني؟!
أجابها ببساطة:
-هايفرق في إيه؟ ما إنتي خلاص حكيتلها...
شعرت بالندم لتسرعها في اللجوء لوالدتها، لكن ماذا كانت تفعل وغيرتها تأكلها؟ أخرج "تميم" زفيرًا بطيئًا من صدره، وطلب منها بما يحمل الرجاء:
-بس مش عاوز الموضوع يكبر، خليه بينا..
تلك الغصة المؤلمة التي تكونت في حلقها ضاعفت من إحساسها بالذنب وهي التي أساءت له في غيابه وتحاملت عليه مع والدتها لتظهر بمظهر الضحية، وتضعه في قالب الزوج اللعوب، لم تتحمل ذلك الشعور المهلك، فبادرت تهاجمه لتقتل ما يراودها من أحاسيس معاتبة:
-يا "تميم" إنت مش مقدر حبي ليك، أنا استنيتك كتير أوي، مش يوم ولا اتنين، دول 7 سنين .. حلمت بحياتي اللي جاية كلها معاك، ده.. أنا مافيش راجل دخل في حياتي بعد أخويا إلا إنت، محبتش غيرك، قدر مشاعري ناحيتك!
تلمس جانب عنقها بكفه وداعب جلده بإصبعه ليخفف من غضبها، ورد مبتسمًا:
-أنا مقدر ده كله، وعارف إنك ضحيتي عشاني، ويعلم ربنا إني بأحاول أرضيكي.
اقشعر بدنها من لمساته الحنون، وهمست بصوتٍ مضطرب خجل كانت واثقة أنه سيؤثر به:
-أنا مش عاوزة رضا منك، أنا عاوزاك تحبني زيي وأكتر، عاوزاك تبقى ليا لوحدي وبس..
أغمض عينيه للحظة مقاومًا ما يتخلل وجدانه من ضيق وتخبط، ثم فتحهما ليرد راجيًا:
-لو تديني وقتي عشان افهمك هــ......
قاطعته وهي ترتمي في أحضانه:
-أنا بأحبك ومش شايفة حد تاني غيرك، هاموت لو بعدت عني.
لم يكن لدى "تميم" أي اختيار أمام اعترافات قلبها المخضب بحبه إلا ضمها إليه، أراد منها فقط أن تستوعب تفكيره، أن تعطيه الفرصة لمبادلتها نفس المشاعر الصادقة دون مبالغة أو خداع، أن يمنحها ما يمليه عليه قلبه ووجدانه دون استجداءٍ منها قبل عقله وإرادته، كان يشعر بالضيق الشديد حين يدعي عكس ما يشعر به نحوها، ما زال يقف عند منطقة المشاعر المبهمة ناحيتها، ومع ذلك قرر أن يفعل المستحيل للشعور بها، تنفس بعمقٍ مرة أخرى قبل أن يستطرد ممازحًا بلطافةٍ:
-كفاية كده جرعة نكد، أنا خدت كفايتي النهاردة، ممكن نكمل بكرة؟
رفعت رأسها لتتطلع إليه بعينين ناعستين وهي تلح عليه:
-اوعدني إنك مش هاتسيبني أبدًا.
أسبل عينيه مداعبًا إياها بكلماته الطريفة:
-وأنا هاروح منك فين إلا لو ربنا خدني!
رددت مستعيذة بقلب منقبض:
-بعد الشر عنك يا حبيبي، إن شاءالله اللي يكرهوك.
سألها بوجه لا يعلم إن كانت لاحظت تعاسته الخفية أم لا:
-طيب ممكن نتعشى ولا هنام خفيف؟
عضت على شفتيها السفلى، واشرأبت بعنقها نحو أذنه لتهمس له بتنهيدة أرادت أن تصل فيها حرارة أنفاسها إلى جلده:
-عشا بس.. حاجة تانية لأ، يومين كده ونستأنف!
هز رأسه مبتسمًا وقد فطن لتلميحها المتواري، منحها قبلة صغيرة على شفتيها، وتابعها وهي تبتعد بنظراتٍ مهتمة إلى أن خرجت من الغرفة، أراح ظهره على الفراش وأسند يده خلف رأسه ليقول لنفسه بتثاؤب وذلك الإنهاك يسري في عضلاته:
-يكون أحسن برضوه، أنا حيلي مهدود ................................................ !!
..............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم Manal Salem
الفصل الثلاثون
استطاع أن يلمح من زاوية الرؤية الخاصة به ذلك التوتر الدائر من خلفها، انقبض قلبه خيفةً وارتعد من احتمالية نشوبِ عراك قريب، خاصة أن شقيقته لم تكن في حالتها الطبيعية، بدت مغايرة لتلك المستكينة المسالمة التي عاهدها أثناء خطبته، وكأنها قد جاءت متحفزة للتشاجر مع "فيروزة"، لذا اعتصــر "هيثم" عقله باحثًا عن المهرب المناسب قبل أن تنتبه هي الأخرى لما يدور من حولها، وببسمة مرتبكة ونظرات تائهة استطرد مقترحًا:
-ما تيجي نبص على البحر من هناك، المياه تحفة الصراحة.
تنهدت قائلة بتعبٍ ملحوظٍ في صوتها بذلت أقصى طاقاتها لإخفائه:
-أنا حابة أفضل هنا.
رد مستنكرًا:
-وتضيعي عليكي فرصة زي دي؟
عللت "همسة" رفضها بحرجٍ:
-بس أصل آ....
قاطعها بإصرارٍ علها توافق على طلبه:
-ده احنا بالنهار، والمنظر بيفرق، صدقيني، تعالي معايا مش هتخسري حاجة، ..
التقط أنفاسه وواصل القول بأسلوبٍ دعابيٍ بحت وهو يشير بيده لظهره:
-ده أنا حاسس إنه هيطلعلي أتب من كتر القعدة، مش واخدة بالك ولا إيه
كتمت تلك الضحكة المرحة على طرفته، وظلت شفتاها تتقوسان ببسمة مهذبة، ثم ردت مستسلمة:
-طيب.
حافظت على ابتسامته المرسومة وهو ينسحب بـ "همسة" نحو الشرفة المطلة على البحر في تلك البقعة المعزولة نسبيًا عن الصخب الدائر بالمكان، لكن ظل قلبه قلقًا من توابع الأزمة التي على ما يبدو لن تمضي على خير، ردد لنفسه في رجاءٍ:
-هاتها معايا جمايل يا رب.
.........................................................
اعتقدت بتفكيرها الأرعن والخاطئ أنها تحمي زوجها من صائدة الرجال بتلك الطريقة المتهكمة المسيئة، فزيفت الحقائق وادعت الأقاويل الباطلة مستمتعة برؤيتها تزداد كمدًا، لكنها في المقابل استهانت بمن منحتها لقب عدوتها، وتلقت إهانة وقحة نالت منها بأسلوب لا يمكن السكوت عنه، استشاطت عينا "خلود" وتطايرت شرارات الغضب منهما، ثم انتفضت واقفة لتصيح فجــأة بصوت مرتفع يحمل الحقد قاصدة إهانتها:
-إنتي واحدة قليلة الأدب ومش متربية.
ردت عليها "فيروزة" بنبرة جليدية دون أن تتأثر ملامحها الجامدة:
-مع أمثالك ببقى كده!
التفت الجميع نحو الاثنتين اللاتين وقفتا في مواجهة بعضهما البعض، ظهرت علامات الكراهية بينهما جلية، وإن كانت الأسباب غير معلومة للبقية، تساءلت "بثينة" في استغرابٍ:
-في إيه يا "خلود"؟ إيه اللي حصل؟!
صرخت وهي تجاوب والدتها مستخدمة سبابتها في الإشارة نحو "فيروزة":
-البني آدمة دي غلطت فيا وفي جوزي، وأنا مش هاسكتلها!
تعقدت ملامح والدتها، وسألتها بنفس الوجه المدهوش:
-نعم؟ ليه إن شاء الله؟!
تطلعت إليهما "فيروزة" بنظرات مستهجنة، ثم ردت عليهما متسائلة بابتسامةٍ ساخطة وهي ترى تلك الحرباء تتلون أمامها لتظهر بمظهر البراءة:
-لوحدي كده؟ يعني هفت على دماغي فجأة إني أهزأك، وأجيب من الأرض وأحط على دماغك؟! مش معقولة بصراحة، للدرجادي أنا مش خبيثة زيك!
وقفت "آمنة" إلى جوار ابنتها ترجوها:
-بالراحة يا "فيروزة" مش كده!
احتقنت نظرات "خلود" أكثر من تطاولها المتواري، وهتفت مستشهدة بزوج خالتها:
-شايف يا عمي طولة لسانها معايا؟
هتفت "فيروزة" مدافعة عن نفسها قبل أن تدور الدائرة عليها، وينساق الجميع وراء أكاذيبها البغيضة:
-أنا مطولتش لساني على فكرة، أنا حطيتك في مكانك الصح، وقبل ما حد يقولي كلمة، أنا كنت قاعدة في حالي، وهي اللي جت لحد عندي تتمسخر وتتمنظر، فمتجيش تزعل لما أرد عليها بنفس أسلوبها.
هتف "خليل" قائلاً بنبرة مضطربة، وقد توتر من بوادر الجدال المحتدم بينهما:
-اسكتي شوية يا "فيروزة"، خلينا نفهم في إيه!
التفتت ناظرة نحوه بعينين ناريتين، في حين نظرت لها "خلود" بحقدٍ، وعلقت بنبرة تميل للاختناق:
-ابلفيهم بالشويتين دول، أل وأنا اللي مفكرة إننا هنناسب ناس محترمين وولاد أصول، لكن آ...
بترت جملتها الأخيرة عن عمدٍ لتجز على أسنانها قائلة:
-طلعتي بنت آ....
وقبل أن تكمل عبارتها قاطعتها "فيروزة" محذرة بلهجةٍ شديدة ألجمت لسانها، وقد تقدمت نحوها خطوة لتنذرها بهجوم بدني وشيك:
-لأ عندك، لو هتغلطي فأنا لوحدى كفيلة أخرسك إنتي واللي يتشددلك!
كان "خليل" مدركًا أن ابنة أخته لن تصمت إن دعس أحدهم على طرفها، لذا اقترب منها وأمسك بها من ذراعها يشدها للخلف وهو يحذرها:
-احترمي وجود كبار العيلة يا "فيروزة".
تدخلت "بثينة" معلقة عليه بكلماتٍ ذات دلالات قوية:
-هي أصلاً فارق معاها حد، ده مافيش احترام خالص، والعينة بينة!!
ردت عليها "آمنة" ونظراتها تحمل العتاب نحوها:
-مايصحش الكلام ده يا حاجة! احنا قبل ما نكون نسايب بينا جيرة وعِشرة!
بينما صــاح "بدير" بنبرته الخشنة ليُلزم الجميع عند حده:
-احنا جايين نتفق على جواز ولا خناق، الكل يسكت خالص.
تحركت "حمدية" من مكانها لتستل ذراع "فيروزة" من زوجها، وقالت بصوت مرتبك وهي تغمز له بطرف عينها حتى لا يمنعها من سحبها إليها:
-ما تصلوا على النبي ياجماعة، في إيه بس؟ ده شيطان ودخل بينا.
صاحت "خلود" قائلة بعنادٍ ووجهها يكسوه تعابيرًا منزعجة:
-الجوازة دي ما تلزمناش و...
هدر بها "بدير" بنبرته الصارمة وقد قست نظراته على الأخير:
-"خلود" اقطمي، مش إنتي اللي هتحددي إيه اللي يلزم وما يلزمش.
تحرجت من أسلوبه الجارح، واضطربت نبرتها معترضة بتلعثمٍ:
-يا عمي آ..
قبضت "بثينة" على ذراعها وشدتها إليها، ثم همست لها بنبرة ذات مغزى:
-اهدي، لينا بيت نتكلم فيه، احنا جايين عشان أخوكي.
علقت عليها بوقاحة وبنبرة أسمعت المتواجدين:
-والله لو أختها آخر واحدة في الدنيا و"هيثم" هيموت عليها، دي تتساب عشان أختها، اللي زي دي استحالة تتعاشر!
ردت "فيروزة" بقوةٍ وقد اشتعلت نظراتها بغضبها:
-تقولش احنا ماسكين فيكو، اتفضلوا بالسلامة.
صاح "بدير" عاليًا من جديد بصوتٍ أظهر انزعاجًا شديدًا:
-أنا قولت إيه؟ الكل يحط لسانه في بؤه ويسكت نهائي!
مالت "بثينة" على ابنتها تهمس لها بمكرٍ:
-اهدي دلوقتي يا "خلود"، جوز خالتك متضايق
بينما قال خليل معتذرًا:
-عندي دي يا جماعة، امسحوها فيا، أكيد مش مقصودة..
ثم التفت إلى ابنة أخته يوبخها:
-بلاش أمور الجنان إياها يا "فيروزة"، خلي اليوم يعدي، احنا بنقول شكل للبيع؟
نظرت له شزرًا قبل أن ترد بغيظٍ مدافعة عن نفسها:
-يا خالي هو إنت فهمت في إيه؟ ولا المدام دي عملت إيه؟!
هتف غير مكترثٍ:
-مش عاوز أعرف، طالما الحاج "بدير" قال كلمة، كلنا نسمعله!
اضطرت مرغمة أن تبتلع لسانها في جوفها احترامًا لذلك الرجل الوقور الذي تقدر مواقفه الجيدة، لكن ظلت نظراتها الحانقة ترتكز على وجه "خلود"، في حين حذر "بدير" زوجة ابنه بصرامةٍ ودون أن تطرف عيناه:
-وإنتي يا "خلود" يا تلزمي أدبك مع ضيوفنا، يا إما هيبقالي صرفة مع جوزك، ولا الأفضل اتصل بيه يجي يلمك؟!
ارتجفت أوصــالها من كلماته الأخيرة، ونظرت في قلقٍ إلى "فيروزة"، كانت تسعى لخلق العدواة بين الاثنين من لا شيء على أمل قطع السبل بينهما، ولكن بطيشها غير المدروس كانت تمهد الطريق لمقابلة جديدة، لذا بما يعتريها من ذعرٍ ردت عليه بنزقٍ:
-خلاص يا عمي، مالوش لازمة تكلمه، عشان خاطرك بس عندي، أنا هتأسفلها كمان
ادعت الابتسام وهتفت بلطفٍ غريب للغاية:
-متزعليش مني يا "فيروزة"، احنا هنبقى عيلة!
تطلعت إليها الأخيرة باندهاشٍ وفكها شبه منفرج، ثم قالت على مضض:
-كويس إنك عرفتي غلطتك.
سألتها "خلود" بنظراتٍ ماكرة:
-مش هتتأسفيلي إنتي كمان؟
قالت بنبرة مستخفة:
-أنا مغلطتش فيكي أصلاً!
وقبل أن تأخذ جملتها على محمل شخصي جاد تخلق به مشكلة أخرى جديدة تنحنح "خليل" مقترحًا:
-خدي بنتك يا "آمنة" واقعدوا على تربيذة تانية، خلوا اليوم يعدي
احتدت نظرات "فيروزة" نحو خالها الذي يضعها دومًا قالب الجانية، وغمغمت في يائسٍ:
-إن شاءالله ما عدى، هنخسر إيه يعني
تحركت "آمنة" من مكانها، وتأبطت ذراع ابنتها لتجبرها على التحرك بعيدًا عن الطاولة الكبيرة، انتقلت كلتاهما للجلوس على طاولة أخرى ثنائية، نفخت "فيروزة" من الضيق الشديد، وسألت والدتها:
-طب ده ينفع؟ احنا متمسكين بالناس دي على إيه؟
ردت عليها والدتها بحيادية:
-القرار في إيد أختك دلوقتي، اللي هاتقوله هانعمله!
ضغطت على شفتيها في عدم رضا، وعلقت:
-ماشي.. أتمنى إنها ترفضـــه!
............................................................
أشاحت بوجهها المتقلص بعيدًا عن تلك النظرات الناقمة المراقبة لها، تعمق بداخلها إحساسًا قويًا بأن تلك المرأة لا تضمر لها سوى الشر، وإن تمت تلك الزيجة غير المتكافئة ستعاني توأمتها من مشاكل جمة بسببها، وضعت "آمنة" يدها على ذراع ابنتها الشاردة، ابتسمت لها قائلة بنبرتها العطوفة:
-متزعليش يا "فيرو" من اللي حصل، كلها شوية ونخلص من الأعدة دي ونرجع بيتنا.
ردت بقليلٍ من الحنق:
-يا ماما إنتي عارفة إن مافيش حاجة تأثر فيا، بس فعلاً أنا بقيت خايفة على "همسة" من العيلة دي، لا هما ينفعونا، ولا طريقتهم مناسبة لينا
علقت عليها بنبرة متوسمة خيرًا:
-ربنا يهدي أختك.
وبحركة تلقائية درات بأنظارها في أرجاء المطعم تتأمل دون هدف معين من متواجد فيه، ارتفع حاجب "فيروزة" للأعلى قليلاً حين رأت صاحب الوجه المألوف يدنو منها وعلى وجهه ابتسامة لطيفة، تحفزت في جلستها وانعكست بوادر الارتباك على محياها، خاصة أنها رأت عزمه على القدوم إليها تحديدًا، نظرة متوترة حانت منها إلى والدتها التي كانت تنظر إلى داخل حقيبة يدها، ازدردت ريقها وتطلعت إلى "آسر" الذي هتف مرحبًا بألفةٍ زائدة:
-يا محاسن الصدف، قلبي كان حاسس إني هاشوفك تاني.
ثم مــد يده لمصافحتها، تحرجت للغاية من جراءته، ثم نهضت لترحب به دون أن تبادله المصافحة، وقالت بلهجة تميل للرسمية:
-"آسر" بيه، أهلاً بحضرتك.
صدفةٌ أم مشيئة القدر، لم يقرر تحديدًا لكن تلك الغبطة التي اكتسحته لرؤيتها كانت تستحق ذلك، لذا هتف بمزيد من المرح الممتزج بضحكاته الحماسية:
-لأ وكمان فاكرة اسمي، ده أنا كده ممكن أتغر.
نظرت "فيروزة" مجددًا إلى والدتها العابسة، حتمًا لم تكن الأخيرة راضية عما يحدث أمام أنظارها، أبعدت عينيها عنها، وتساءلت بنفس اللهجة الرسمية وبتعابيرها الجادة:
-احم.. هو حضرتك هنا مع "ماهر" بيه وباقي العيلة وكده؟
أجابها نافيًا:
-لأ أنا جاي في شغل بأخلصه..
ثم توقف عن الكلام للحظة ليحوز على كامل انتباهها قبل أن يستأنف سؤاله:
-إنتي بقى بتعملي إيه هنا؟
التفتت إلى "آمنة" تجيبه بربكة طفيفة:
-أنا مع والدتي وآ......
قاطعها "آســر" ممررًا يده إلى أمها وهو يرحب بالأخيرة بتهذيبٍ:
-إزي حضرتك يا فندم؟
صافحته متسائلة بفضولٍ واستغراب:
-أهلاً بيك يا ابني، إنت مين؟
تولت ابنتها الإجابة عنه، فقدمته ببسمةٍ متكلفة:
-ده يا ماما "آســر" بيه، ظابط صاحب "ماهر" بيه أخو "علا" صاحبتي
وقبل أن تستشف منها المزيد من المعلومات كان "خليل" يقف على رأس الطاولة متسائلاً بصوتٍ أجش وعيناه محتدتان:
-في حاجة يا حضرت؟
وكالعادة لحقت به زوجته لتشبع فضولها النهم، وتساءلت بابتسامةٍ خبيثة:
-إنتي تعرفي الأستاذ ده يا "فيروزة"؟
استطرد "آســر" موضحًا، ونظراته تدور على جميع الأوجه المحدقة به:
-سوري يا جماعة إن كنت اقتحمت عليكم الأعدة، بس حابب أعرفكم بنفسي، وبالمرة أوضح سوء الفهم اللي حاصل.
.....................................................................
-مين ده يامه؟ اللي واقف مع المزغودة دي؟
قبل لحظات، تساءلت "خلود" في اهتمامٍ مبالغ وعيناها مثبتتان على وجه عدوتها، نظرت "بثينة" إلى حيث أشارت ابنتها ودققت النظر إلى ذلك الشخص الذي يرتدي بدلة أنيقة ويتبادل الحديث الحميمي نسبيًا مع "فيروزة"، مالت عليها وقالت بحيرة:
-ولا أعرف، أنا مشفتوش قبل كده
كزت "خلود" على أسنانها هامسة، وتلك النظرة المشمئزة تكسو حدقتيها:
-بت صايعة بتاعة رجالة، مش ملاحقة تشاغل مين ولا مين! مرة جوزي، ومرة واحد تاني!
للحظة طرأ في بالها فكرة وضيعة كتفكيرها الذي تحول مؤخرًا ليصبح كارثيًا على من حولها، تصنعت البراءة، وقالت بنبرة مرتفعة قدر الإمكان لتضمن سماع الجميع لما تنطق عنه:
-وعلى فكرة يامه دي مش أول مرة أشوف "فيروزة" بتكلم رجالة غُرب، كويس إن ده بيحصل قصادنا، عشان محدش يقول إننا بنظلمها.
استثيرت حمية "خليل" وهتف محتجًا:
-مايصحش الكلام ده يا بنتي، احنا بناتنا متربين! مافيش حد غريب عننا!
هزت كتفيها بحركة مستهزأة، ولوت ثغرها قائلة:
-ما هو واضح إنك مش عارف هما مين، وإلا لكان اللي واقف معاها جه وسلم عليك.
أوغرت ببساطة صدره ناحيتها فانقلبت ملامحه ونهض بأمارات غيظه المتراقصة على صفحة وجهه نحو ابنة أخته قاصدًا إحراجها علنًا، شعرت "خلود" بالنشوة تغمرها من جديد، الآن نالت انتقامها الجزئي منها، وما زال في جعبتها الكثير لأجلها.
............................................................................
ظلت ملامحه هادئة رغم تباين ردات الفعل المنعكسة على الأوجه الناظرة إليه، كان الأمر بديهيًا أحدهم يقتحم جلسة عائلية ليرحب بابنة العائلة دون إظهار احترامه لمن معها، تحتم عليه إصلاح خطأه، وإن تطلب الأمر أكثر من اعتذار، لذا حافظ "آســر" على ابتسامته العملية، وأشــار بيده للجميع مُعرفًا بنفسه:
-أنا أسف يا جماعة إني معرفتكوش بيا، دي غلطتي، بس مش مقصودة، أنا "آسر وهبة" مدير فرع الشئون القانونية للمجموعة العربية للملاحة الدولية في دول الخليج
ومــد يده لمصافحة "خليل" الذي بقي حائرًا لثانية قبل أن يصافحه، في حين نظرت له "فيروزة" باندهاشٍ، وتساءلت وكأنها تفكر بصوتٍ مسموع:
-هو إنت مش ظابط؟!
هز رأسه نافيًا قبل أن يجيبها وهو يدير رأسه لينظر ناحيتها:
-لأ يا آنسة "فيروزة".
لعقت شفتيها وعلقت عليه في حيرةٍ:
-بس إنت كنت مع "ماهر" بيه، والظابط "وجدي"!
أوضح لها ببساطة:
-هما أصحابي فعلاً، ومن زمان من أيام ابتدائي، لكن هما دخلوا شرطة، وأنا دخلت حقوق.
ادعت الابتسام لتخفي حرجها من الموقف برمته، وقالت:
-تمام.. كده فهمت.
حاوطت "حمدية" بذراعها كتفي "فيروزة" لتبدو وكأنها تُكن لها مشاعرًا دافئة، ثم تساءلت بفضولٍ ماكر:
-وعلى كده إنت متجوز يا أستاذ؟
انزعجت "فيروزة" من وقاحة سؤالها ونظرت لها بحدة، في حين ابتسم "آسـر" حين جاوبها بنبرة ذات مغزى:
-لأ لسه.. ومش خاطب كمان!
اتسعت بسمتها اللئيمة وغمزت لـ "فيروزة" بطرف عينها قبل أن تدمدم:
-ربنا يرزقك ببنت الحلال.
سددت لها الأخيرة نظرة نارية مشتعلة، وتنحنحت قائلة بوجهٍ شبه عابس:
-دي فرصة كويسة إننا شوفناك، بس مش حابين نعطلك!
ظلت ملامحه مرتخية وهو يعلق عليها بنوعٍ من الاهتمام البائن عليه:
-مافيش أي عطلة، بالعكس أنا قلبي كان حاسس إني هاشوفك. قصدي إني محظوظ إني اتقابلت مع العيلة الكريمة.
هتفت "حمدية" معبرة بشكلٍ مبالغ فيه وبحنكة ماكرة لتستدرجه:
-ده احنا الأسعد يا أستاذ آ... متأخذنيش أنا ذاكرتي ضعيفة في الأسماء شوية.
نظر نحوها قائلاً بلباقةٍ ليعرف بشخصه مجددًا حتى يتسنى للجميع تذكره:
-اسمي "آسر" يا هانم، "آسر وهبة".
.........................................................................
حملقت في زرقة المياه المغرية بنظرات مطولة شبه ساهمة، كانت تهرب من إحساسها المتزايد بالألم بإمعان النظر في تلك الأمواج المتلاحقة، وامتزج صوته الأجش مع أصوات حركة المياه الثائرة ليحفر ذلك لمشهد بجميع مؤثراته في مخيلتها، باتت "همسة" على وشك الصراخ طلبًا للنجدة، لكنها قاومت قدر استطاعتها معتقدة في نفسها أنها ستتغلب عليه. دنا "هيثم" منها، وبقلبٍ يقفز طربًا سألها، وكأنه لا يجد ما يحاورها فيه:
-مبسوطة؟
التفتت ناحيته تطالعه بغرابةٍ، وردت متسائلة:
-من إيه بالظبط؟
ازدرد ريقه وتابع بارتباكٍ أبله مستخدمًا يده في التلويح:
-من المكان، من الجو.. أي حاجة يعني.
هزت رأسها قائلة وذلك الوخز المميت ينخر في جانبها:
-كله تمام.
لاحظ "هيثم" تلك التقلصات الظاهرة على تعبيرات وجهها، دقق النظر فيها وسألها مهتمًا:
-إنتي كويسة؟
ضغطت على شفتيها معترفة له بصوتٍ بطيء مكتوم يعبر عن مدى تألمها، وقد انحنت قليلاً للأسفل وواضعة ليدها على جانبها الأيمن:
-لأ.. حاسة إني.. بأموت.
تبدلت تعابيره المبتهجة للخوف، وسألها وهو يفحصها عن كثب:
-مالك يا "همسة"؟ في إيه؟
أطلقت صــرخة عميقة من جوفها قبل أن تتكوم على نفسها على الشرفة وهي تبكي بحرقة من شدة الألم الذي يفتك بجانبها. جثا "هيثم" على ركبته أمامها، تفقدها بنظراته، والتفت برأسه مناديًا في لوعةٍ:
-يا جماعة حد يلحقنا بســـرعة!
وعلى إثر صراخها المرعب تجمع المتواجدين بالمطعم، ومن ضمنهم أفراد العائلتين حولها، كانت "فيروزة" الأسبق في الوصول لتوأمتها بعد أن دفعت من يسد الطريق عليها لتبلغها، وضعت يدها على ظهرها وجثت على ركبتيها تسألها في جزعٍ:
-حصلك إيه يا "همسة"؟
رفعت الأخيرة نظراتها الباكية إليها، وأجابتها بصعوبةٍ:
-مش قادرة، بأموت.
اخترقت "آمنة" صفوف المحاوطين لصغيرتها، وهتفت بقلب أم خائف للغاية:
-بنتي، جرالك إيه؟ إنتي كنتي كويسة و..
هتف "هيثم" فجــأة وقد حسم أمره:
-أنا هوديها لأقرب مستشفى، مش هاسيبها كده.
لم ينتظر الرد من أحدهم، حيث أزاح "فيروزة" من طريقه بالرغم من تذمرها، وأحنى نفسه عليها ليمرر ذراعيه أسفل ركبتيها وحول جسدها ليتمكن من حملها، ألقت "همسة" برأسها على صدره وجفناها مطبوقان من شدة الألم، لم تتوقف عن البكاء وقالت له بصوتٍ بالكاد سمعه:
-الحقني.
نظر لها بعينين مرتاعتين، وهتف يعدها بصوتٍ لاهث من فرط خوفه عليها:
-أنا معاكي، مش هايحصلك حاجة!
.......................................................
لحظات عصيبة مليئة بالخوف والترقب مرت على كلتاهما وهما ينتظران في ردهة المشفى ما سيخبرهما به الطبيب بعد الكشف الأولي على حالتها، احتضنت "فيروزة" والدتها، وحاولت تهدئتها بكلماتٍ متفائلة بالرغم من الخوف الذي يسري في أوصالها، لكن عليها أن تبدو قوية الشكيمة أمامها، ألا تنهار مع مصائب الدهر، لتكن هي الحائط المتين الذي تستند عليه، تنهدت قائلة لتشد من أزرها:
-إن شاءالله الدكتور هيطلع ويطمنا عليها، "همسة" هتبقى كويسة ومافيهاش حاجة.
ردت بحزنٍ وهي تمسح دمعاتها المنسابة على وجنتيها:
-يا رب
بالطبع لم يتخلَ "بدير" عن دوره الشهم في مد يد العون لتلك الأسرة، وتواجد بنفسه مع "خليل" و"حمدية" ليطمئن بنفسه على الفتاة المريضة، عرض عليهما بجديةٍ:
-متشلوش هم أي حاجة، المهم نطمن عليها
رد "خليل" مجاملاً:
-كتر خيرك يا حاج "بدير"، والله ما عارف أقولك إيه، أنا حاسس إني إيدي متكتفة، ومش عارف أعمل حاجة
ربت على كتفه مهونًا عليه:
-متخافش، كلنا أهل وجيران
أخفت "حمدية" ابتسامة مستمتعة بالعرض الهزلي الذي يقدمه زوجها، وكأنه يستجدي بذلك عطفه، وإحسانه، والأهم بالطبع نقوده الطائلة، فلا يضطر لإنفاق أي شيء من جيبه بسبب تلك القرابة، تنحنحت تشكره هي الأخرى بوجومٍ زائف:
-احنا غلابة أوي يا حاج، ربنا بعتك لينا في الوقت المناسب
بينما وقف "هيثم" بجوار الباب المعلق أعلاه لافتة (طوارئ) ونظراته مرتكزة عليها، ظل يغمغم بكلمات غير مفهومة، حانت منه نظرة تائهة إلى والدته التي جلست على المقعد المعدني والتصقت بأخته، كلتاهما لم تتوقفان عن الهمس الغامض، استطردت "بثينة" تقول بتذمرٍ:
-مش عارفة لازمتها إيه أعدتنا دي
ردت عليها "خلود" على مضضٍ:
-البركة في "هيثم"، هو اللي مجرجرنا ورا الهانم بتاعته لحد هنا
أخفضت والدتها نبرتها وهي تضيف:
-أنا اتشائمت من الجوازة دي، مش جاي من وراها إلا المصايب
همست تؤيدها، وقد شردت تفكر في مخاوفها غير الحقيقية من "فيروزة":
-ومين سمعك!
أوحت ملامح الاثنتان بأنهما غير راضيتان عن تصرف "هيثم" المليء بالمروءة، تجاهلهما الأخير مرغمًا ليبقى في مكانه منتظرًا من يخرج إليه ليطمئنه، انتصب واقفًا حين لمح إحدى الممرضات تسير عائدة من الداخل، أسرع نحوها ليسألها متلهفًا:
-أخبار "همسة" إيه؟
أجابته بنظرة جامدة وهي تتفحص وجهه:
-مين دي؟
صاح منفعلاً:
-البنت اللي لسه جايبها من شوية، ودخلناها عندكم.
هزت رأسها وقد تذكرت شأنها، ثم سألته بسماجةٍ:
-إنت قريبها؟
أجاب بنفاذ صبر وهو يشير بيده:
-أيوه، أنا خطيبها، وأهلها كلهم هنا.
ألقت نظرة عابرة على الأشخاص الذين انتفضوا في أماكنهم، وتحركوا نحوها ليبدو قريبين منها، وعلقت بنبرة روتينية بحتة:
-دلوقتي الدكتور هيخرج من عندها ويطمنكم.
كان "هيثم" على وشك سبها لبرودها الذي لا يُطاق، لكنه أمسك أعصابه وكظم غيظه داخله، فمن المعروف عن تلك الفئة التي تصادف يوميًا عشرات الأنواع من أنماط البشر الثبات الانفعالي والهدوء التام لاعتيادهم الواضح على ردات فعلهم المختلفة ..
لاحقًا خرج طبيب ما من ذلك الرواق الممتد متسائلاً بصوتٍ مرتفع:
-فين قرايب المريضة "همسة"؟
صاحت "فيروزة" عاليًا لتلفت انتباهه وهي تركض نحوه:
-أنا أختها.
بينما تدخل "هيثم" فارضًا ومعرفًا بنفسه:
-وأنا خطيبها.
رمقته "فيروزة" بنظرة حادة قبل أن توجه سؤالها المباشر للطبيب:
-أختي مالها؟
أجابها بلهجة عملية وبجملٍ مرتبة موضحًا طبيعة حالتها:
-عندها اشتباه في الزايدة، واحنا دلوقتي بنعمل معاها الفحوصات اللازمة قبل ما نجهزها للعمليات.
تفاجأت مما أصابها، وردت في صدمةٍ:
-إيه؟ أنا أختي مكانتش بتشتكي من حاجة!
-عيني عليكي يا بنتي، كان مستخبيلك الهم ده فين؟!!
صرخت "آمنة" بتلك العبارة وهي تلطم على صدغيها في ارتعادٍ وحسرة، رمقها الطبيب بنظرة عادية قبل أن يكمل بهدوء اعتاد التعامل به مع عائلة المريض:
-الأعراض واضحة عليها، وزي ما فهمتك احنا بنعمل الفحوصات اللازمة..
ثم وزع نظراته بين "فيروزة" و"هيثم"، وتابع بلهجته الرسمية:
-من فضلكم حد يعدي على الحسابات ويكمل باقي الإجراءات هناك قبل ما نوديها للعمليات.
ردت عليه "فيروزة" دون تفكيرٍ:
-الفلوس مش فارقة معانا، المهم هي تبقى كويسة.
قال مبتسمًا:
-تمام.. متقلقيش، دي حاجة بسيطة، وكل يوم بنعملها، والمرضى بيقوموا منها بخير.
أحست بالارتياح لعباراته المطمئنة، وقبل أن تفكر في خطوتها التالية هتف "هيثم" بجديةٍ:
-خليكي هنا مع أختك وأنا هاتصرف وأشوف عاوزين كام في الحسابات، ماتشليش هم حاجة.
نظرت له بحدةٍ قبل أن تعترض طريقه لتستوقفه بالإجبار، ورغم صفاء نيته إلا أنها شعرت أنه يمس كرامة عائلتها ويخص شأنهم، لذا رفضت عرضه السخي قائلة بكبرياء:
-شكرًا، الحمدلله مستورة معانا، أختي مُلزمة مني، مش من الغريب!
نطق مستنكرًا تزمتها الفارغ:
-حتى لو أنا غريب دلوقتي، فاحنا جيران ومن حتة واحدة، وماتربناش على كده.
أصرت على موقفها الرافض:
-برضوه متشكرين، وكفاية تعبكم لحد كده..
ثم نظرت إلى والدته وأخته المحدقتين بها، وتابعت بما يشبه التهكم:
-ويا ريت تشكرلنا العيلة الكريمة، قاموا بالواجب وزيادة!
رد عليها معاندًا:
-أنا بأعمل بالأصول.
ابتعدت عنه "فيروزة" وهي عاقدة العزم على ألا تقبل المساعدة المادية منه أو من غيره، ستتكفل بمصاريف المشفى وإن كان ذلك يعني الاستغناء عن الأموال المدخرة لشراء ما قد يلزم لتجهيزها مستقبلاً، الأهم نجاتها من ذاك الألم المميت، لذا طلبت من والدتها الانتظار بجوار أختها ريثما تحضر المبلغ المطلوب .. في حين أرهفت "بثينة" السمع للكلمات الأخيرة التي تلفظ بها ابنها، ثم التفتت إلى "خلود" تشكوها في غيظٍ:
-شايفة أخوكي واللي بيعمله؟
علقت عليها ساخرة منه ونظراتها الحقودة مثبتة على "فيروزة":
-أه يامه، الحبيب بيتكلم! عاوز يكسب بونط معاهم!
تقدم "هيثم" مندفعًا ناحية والدته، ودفعها برفقٍ من ظهرها للجانب، ثم سألها بصوتٍ خفيض:
-يامه معاكي قرشين كده سلف أحطهم تحت حساب المستشفى للبت "همسة"، و آ....
قاطعته معتذرة ومدعية الفقر:
-منين يا ابني؟ أنا على الحميد المجيد، يدوب اللي معايا يكفي مصروف البيت لآخر الشهر، لو كان معايا بزيادة كنت اديتك.
غامت عيناه في ضيقٍ، وردد حائرًا، وكأنه يستشيرها وهو يفتش عن الأنسب بين خياراته المتاحة:
-طب أجيب فلوس منين دلوقتي؟!
قالت ببرودٍ يعكس تهكمها:
-دي مش مسئوليتنا، هي معاها أهلها، هما أكيد عاملين حسابهم ومدكنين قرشين تحت البلاطة لزوم الظروف اللي زيي دي، اسمع مني!
نظر لها في عتابٍ والتزم الصمت غير محبذٍ للتعليق عليها، خاب رجائها فيها، وشرد مستغرقًا في أفكاره باحثًا عن حل سريع، اقترحت عليه والدته ببسمة ماكرة:
-طب أقولك روح خد من جوز خالتك، هو مش هايقولك حاجة، ده ياما بيعمل خير وآ...
ودَّ "هيثم" لو تمكن من مساعدتها دون اللجوء لزوج خالته ليثبت لها أنه قادر على تحمل المسئولية في أشد الأزمات، شعر بالعجز وبقلة الحيلة وهو لا يملك في جيبه ما يكفي لإظهار شهامته، ومرة أخرى يندم بشدة لإنفاقه أمواله هباءً .. ضاقت نظراته بشكلٍ منفر، ولم يتحمل كلام والدته غير المقبول، وقاطعها بتبرمٍ:
-خلاص يامه أنا هاتصرف.
نظرت له بغرابةٍ قبل أن تهتف متسائلة:
-هتعمل إيه؟
تجاهل الرد عليها ليهرع في خطواته متجهًا نحو مخرج المشفى، اضطربت أنفاسه وغص صدره بالبكاء، لكن عاد الأمل ليرفرف فوق رأسه وقد تذكره، ودون ترددٍ أخرج من جيبه هاتفه المحمول، وضع الهاتف على أذنه وقد تطرق إلى ذهنه ذلك الحل الذي وجده مناسبًا له، دار حول نفسه في توترٍ وهو يحاول جاهدًا ترتيب أفكاره قبل أن يبوح بها إليه، ثم هتف دون مقدماتٍ حين أجاب عليه الطرف الآخر:
-"تميم"، أنا عاوزك في خدمة مش هنسهالك طول العمر ............................................ !!
....................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع والعشرون
فُرض عليها دون تكليف أن تكون الراعي -الذكوري- لأسرتها في غياب الأب المنوط بتلك المسئوليات الشاقة، تولت خلفًا للراحل هذا الثقل القاسم للأظهر دون شكوى أو كلل، كانت كدرع الحماية لأمها وتوأمتها، فكلتاهما تتشاركان في سمة ترفض أن تتصف هي بها؛ الخوف من المواجهة، تنفست "فيروزة" بعمقٍ وأعادت ترتيب أفكارها في رأسها لعشرات المرات حتى لا تنسى ما اتفقت عليه مع أختها قبل بضعة أيام، أرادت أن تكون الأمور واضحة منذ البداية حتى لا يُساء فهمها، أو يظن الطرف الآخر أنها تنازلت عن حقها وفرطت في كرامتها، جابت بنظراتٍ متفحصة الواقفين عند الدكان، لم تجد بينهم الحاج "بدير"، وقفت حائرة تفكر فيما ستفعله، رغبت في الحديث معه هو فقط أولاً ليكون شاهدًا على ما سيحدث لاحقًا، تشجعت وقررت السؤال عنه، وبخطى ثابتة تقدمت نحو مدخل الدكان متسائلة بصوتٍ تعمدت أن يكون قويًا:
-سلامو عليكم.
تصلب جسده، وإن كان لا ينظر نحوها، بمجرد أن رنت نبرتها المميزة في أذنيه، لا يعرف ما الذي ينتاب كيانه حين تطل عليه بغتةً، وكأن تيارًا كهربيًا قوي الشحنة يسري في أوصاله، تشبث "تميم" بكلتا يديه بالقفص الذي يحمله رافضًا الاستدارة ناحيتها، بينما دنت هي منه لتناديه:
-يا معلم.. "تميم" .. صح؟
لعبت على أعصابه بتلفظ اسمه لا إراديًا، شعر بتلك الرعشة تجتاحه، أليس من الغريب أن يكون لوقع صوتها فقط كل هذا التأثير المهلك عليه؟ وبمجهودٍ ذهنيٍ خــارق التفت برأسه نحوها مقاومًا رغبة عينيه في تأمل وجهها، بلع ريقه وتساءل بصوتٍ مال للخشونة:
-خير.. في حاجة؟
سألته بوجهٍ شبه عابس، ونظرات ضيقة:
-الحاج "بدير" فين؟
أجابها وهو ينظر في أي شيء إلا عينيها:
-في مشوار وجاي.
ضغطت على شفتيها وكأنها تبتسم بصعوبة لتضيف بعدها:
-طب أنا هستناه.
أحس بخفقة موترة تداعب قلبه وتغازل مشاعره غير المفهومة نحوها، حبس أنفاسه وقد خانته عيناه وتركزتا مع ملامحها الحادة، تنفس الصعداء حين استدارت وبحثت عن مقعد شاغر لتجلس عليه حتى لا ترى تلك الربكة الظاهرة على محياه، اتجه إلى الخلف وهو لا يزال حاملاً القفص بيديه، ثم نادى على أحد عماله ليأمره بصوت خفيض لكنه صارم:
-هات حاجة ساقعة للأبلة، دي مستنية الحاج "بدير"، وخليك قريب منها عشان لو عازت حاجة.
رد وهو يومئ برأسه:
-حاضر يا معلم.
نظرة أخيرة من الخلف ألقاها "تميم" عليها، عاد هاجسه المعاتب ليؤنب ضميره من جديد، كيف يولي الاهتمام لغير زوجته؟ لم يطقه مطلقًا، ولهذا ترك عمله هاربًا من الدكان حتى لا يظل محاصرًا في ذلك التخبط المُربك والذي على ما يبدو بات غير محتملٍ بالنسبة له.
...................................................................
معاملة جيدة تلقتها "فيروزة" من قبل الحاج "بدير" الذي لم يدخر وسعه لإرضائها بغض النظر عن سبب زيارتها له بمجرد أن عاد إلى الدكان ووجدها به، أصــر على تناولها للحلوى الطازجة المخبوزة في الفرن القريب مع كوبٍ من الشاي الساخن قبل أن يتطرقا إلى أي موضوع، شكرته على حسن ضيافته، واسترسلت قائلة بجدية:
-شوف يا حاج "بدير"، أنا جيتلك بعيد عن خالي عشان نتكلم بصراحة.
حرك براحته عكازه دون أن يزيحه من مكانه، ثم رد مبتسمًا وقد استقام في جلسته على كرسيه الخشبي:
-وأنا جاهز أسمعك يا بنتي.
تشجعت وقالت بتمهلٍ حتى لا تنسى ما تدربت عليه جيدًا:
-دلوقتي أختي معندهاش مانع تسمع لقريبك، هي مش هترجعله، بس هتديله فرصة تشوف إن كان اتغير فعلاً ولا لأ، وبعدها هتقرر إن كانت تكمل أوتسيبه.
هز رأسه في استحسانٍ معقبًا عليها:
-عين العقل.
تابعت بنفس اللهجة المتشجعة:
-كل المطلوب منك يا حاج إنك تكون أمين معانا وتراقبه، اعتبر "همسة" زي بنتك و...
قاطعها "بدير" مشيرًا بيده:
-من غير ما توصيني، لو الكلب ده ماتظبطش أنا مش هاقولك هاعمل فيه إيه، كفاية كسفة المرة اللي فاتت
ابتسمت تقول له في امتنانٍ:
-ده العشم برضوه.
واصل القول مؤكدًا:
-متقلقيش من حاجة، طالما أنا محشور في الموضوع فاطمني.
شعرت بالارتياح يغمرها من دعمه وتحفزت للمضي قدمًا في حديثها، لم تفتر ابتسامتها الرقيقة وهي تستطرد بتهذيبٍ:
-وهستأذنك تبلغه إننا هنتقابل بكرة في مطعم "......" هو عارفه!
رد ببساطة:
-حاضر، وأنا هاكون معاه عشان يعرف إن ليكم سند من طرفنا بردك ويعملي مليون حساب
زاد إحساسها بالطمأنينة، وشكرته بتنهيدة حملت في خباياها آلمًا عميقًا:
-شكرًا على ذوقك يا حاج، يا ريت كان في حياتنا ناس زيك، كان هيفرق كتير معانا.
وكأنه استشعر ما يختلج صدرها من أحزان فتقوست شفتاه ببسمة ودودة وهو يخبرها بصدقٍ:
-دي إنتي بنتي، سواء بنسب أو من غيره.
اكتفت بتبادل الابتسام معه، ونهضت من على مقعدها مستأذنة، لم يُصر عليها وودعها بنفس الأسلوب المرحب المليء بالألفة .. لمحتها "خلود" وهي تنحرف عند الناصية فاتسعت حدقتاها في ارتعابٍ، تسمرت في مكانها للحظاتٍ لتتأكد أنها هي، شعرت بالحرقة تضرب أحشائها، كزت على أسنانها بقوة وهي تحاول السيطرة على التشوش الذي أصابها، كانت قد قررت الذهاب إلى الدكان لتفاجئ زوجها بعد خبزت له فطائر شهية لم تنسَ أن تدس له فيها مسحة ضئيلة من مسحوق الدواء لتشعل به الرغبة، لكن صدمتها لرؤيتها أفسدت نهارها وأصابتها بالكدر، اُضطرمت الغيرة الحاقدة في قلبها فأعمت بصيرتها، واندفعت بغضبٍ محمومٍ تصاعد في رأسها إلى مدخله، ثم تساءلت بأنفاس شبه لاهثة تعبر عن انفعالٍ واضح وهي تشير بيدها نحو الناصية التي اختفت عندها "فيروزة":
-البت أخت "همسة" كانت بتعمل إيه هنا يا عمي؟ هي متعودة تيجي على طول ولا إيه؟
ثم اشرأبت بعنقها للأعلى لتجول كالمذعورة بين أوجه المتواجدين داخل الدكان وهي تتابع في عجالةٍ:
-و"تميم" فين؟ كان معاها ولا آ.... ؟!
قاطعها "بدير" بانزعاجٍ مستخدمًا يده الممسكة بالعكاز في التلويح لها:
-ابلعي ريقك يا "خلود"، مالك داخلة على الحامي كده ليه؟!
تنفست بعمقٍ لتحجم من أعصابها التي اهتزت وثارت وتوشك على فقدان السيطرة عليها، ضغطت على شفتيها قائلة له بصوتٍ بدا مضطربًا:
-مقصدش، بس غريبة إنها تيجي هنا؟ وبعدين فين "تميم"؟ أنا مش شيفاه!!!
أجابها بزفيرٍ مطول:
-عنده شغل بيخلصه من بدري برا الدكان.
وضعت "خلود" يدها على صدرها الناهج لتتحسس نبضات قلبها المتلاحقة قبل أن تنطق بتضرعٍ:
-الحمدلله.
حاولت أن تستعيد هدوئها، لكن ظل وسواسها الهوسي ينخر في عقلها ويزرع الشكوك في قلبها نحو "فيروزة"، لذا رسمت تلك الابتسامة الزائفة على وجهها وهي تتساءل بخبثٍ ونظراتها يغلفها ذلك الوميض الغامض علها تستدرجه فيخبرها بما يؤكد أو ينفي ما يدور بداخلها:
-على كده يا عمي البت دي كانت جاية في إيه؟
ودون وعيٍ منها أجابت مباشرة وعيناها تحتدان بشكلٍ مريب:
-لـ "تميم"؟ مظبوط؟
رد "بدير" في استنكارٍ، وتلك النظرة المستهجنة تكسو وجهه:
-وهي مالها وماله؟! دي كانت جيالي أنا عشان موضوع أختها وأخوكي المفضوح.
عادت لتتنفس بأريحية بعد أن بددت هواجسها المزعومة، وقالت بتبرمٍ:
-مكانتش غلطة يا عمي، هو اتعلم خلاص الدرس من اللي حصل، مافيش داعي نكبره!
نظر لها بضيقٍ، وكأن ما فعله "هيثم" من تجاوزات لا أخلاقية يرضيها، لم يتوقع ردة الفعل الباردة منها، وأضاف على مضضٍ وبتعابيرٍ بدت منزعجة:
-طيب.. قوليله يعمل حسابه يـ ... آ..
بتر عبارته عن قصدٍ لينهي الحوار معها مرددًا:
-ولا أقولك أنا اللي هاكلمه بنفسي، مالهاش لازمة نحشر الحريم!
نظرت له باستغرابٍ مستشعرة تبدل معاملته قليلاً، أدركت أنها أخطأت في التصرف بتبلدٍ أمامه، وحاولت تلطيف الأجواء معه، وقالت برقةٍ:
-ماشي يا عمي، الصح اعمله، ده إنت كبيرنا.
لم يكترث بتملقها الزائف، وتركها ليلج إلى الدكان، وقبل أن يلتهي بالأعمال سألها بعينين تنفذان إليها:
-إنتي كنتي جاية ليه؟
ارتبكت وأجابته وهي تشير للعلبة البلاستيكية التي تحملها في يدها:
-كنت.. جايبة لـ "تميم" فطير أنا عملاه بإيدي و...
عــاد إليها ليأخذ العلبة منها قائلاً بابتسامة متحمسة:
-رزق الرجالة اللي شقيانين من الصبح
انقبض قلبها بتوترٍ رهيب، وحاولت منعه مرددة باعتراضٍ:
-استنى يا عمي، ده أنا عملاه مخصوص لـ "تميم" وآ....
هتف مقاطعًا بإصرارٍ:
-مالوش نصيب المرادي، ابقي اعملي غيره، اتوكلي على الله ولما جوزك يرجع هبلغك
فغرت ثغرها في ذهولٍ وذاك القلق الكبير يعتريها، حتمًا ستحدث كارثة غير أخلاقية بين صفوف الرجال إن تناولوه، تابعته "خلود" بنظراتٍ مترقبة آملة ألا ينادي عليهم، لحسن حظها رن هاتفه المحمول فترك العلبة على مكتبه، استغلت فرصة انشغاله بالمكالمة وابتعاده عن المكتب الخشبي لتدلف للمكان خلسةً وعن عمدٍ أسقطت العلبة بعد أن نزعت غطائها ليتبعثر ما فيها ويتمخض بالتراب والأوساخ، انسحبت متسللة كما جاءت وهي تبتسم لنفسها في انتشاءٍ بعد أن أنقذت الجميع من تأثير ذلك الدواء المنشط، كتمت ضحكاتها الهيسترية بصعوبة إلى أن ســارت في اتجاه الناصية، حينئذ اقتحمت صورة "فيروزة" رأسها ومعها عشرات الأسئلة المتواترة، ماذا لو كان زوجها يلتقي بها في غفلة منها؟ أليس من المحتمل أنها تحاول استمالته لتوقعه في شباكها فيغرم بها؟ غامت نظراتها وغطى تعبيراتها وجومًا ممتعضًا، ثم قالت لنفسها بنبرة لا تبشر بخير:
-شكل رِجلك خدت على المكان وأنا نايمة على وداني في البيت! من هنا ورايح هحطك في دماغي، ما هو اللي يقرب من جوزي أنا أكله بسناني!
استغرقت في أفكارها السوداوية وقررت ألا تسأل زوجها عنها حتى لا يستريب في أمرها إلى أن تتأكد مما يدور في رأسها، لن تدعها لشأنها أبدًا، ستزيحها عن طريقه مهما كلفها الأمر، وإن تطلب ذلك استغلال ظروف أخيها لصالحها غير عابئة بتبعات تهورها، فليحترق مَنْ دونها من يحترق، وليمت كمدًا من يمس عشقها الأول والأخير.
.....................................................................
تناولت القرص المسكن ليقتل تلك الآلام التي بدأت في مهاجمتها منذ ليلة أمس، ظنت أنها تعاني من مغصٍ ما، لكن حدة الوخزات لم تكن مُحتملة، ومع هذا تحاملت على نفسها لتخرج إلى تلك المقابلة الهامة التي سيتحدد عليها مصير علاقتها القادمة بـ "هيثم"، لم تتكلف "همسة" في ثيابها، وارتدت ثوبًا مزركشًا أغلب ألوانه داكنة، ووضعت عليه سترة من خامة الجينز الثقيلة لتمنحها الدفء، حتى أنها وضعت القليل من مساحيق التجميل لتعطيها لمحة هادئة .. اقتربت منها "فيروزة" وسألتها:
-ها جهزتي يا "هموس"؟
أجابتها وهي تخفي إحساسها بالألم:
-مش ناقص غير أتسرح، وأعمل شعري ديل حصان وأبقى تمام.
حركت رأسها تثني على جمالها الطبيعي:
-من غير حاجة إنتي زي القمر.
اكتفت بالابتسام لها، وتحسست جانبها الأيمن وهي بالكاد تفتح عينيها، تأملتها "فيروزة" في اندهاشٍ وسألتها:
-إنت كويسة؟
فتحت جفنيها، وأجابت مدعية الابتسام:
-يعني جمبي واجعني شوية، بس دلوقتي يروق
بادرت توأمتها مقترحة عليها:
-لو حاسة إنك تعبانة مش مهم نروح، هاكلم الحاج "بدير" وأعتذرله وآ....
ردت مقاطعة بعنادٍ:
-لأ أنا تمام، احنا أصلاً مش هنطول، هاقول الكلمتين اللي عندي وأمشي
نفخت معقبة عليها على مضضٍ:
-اللي يريحك
أبعدت "همسة" يدها عن جانبها وبحثت عن العطر لتنثر القليل منه على ثيابها، جاهدت لتبدو طبيعية حتى لا تُشعر أسرتها بالقلق، خاصة "فيروزة" التي تبحث عن أي حجة لإلغاء اللقاء.
...............................................................
بوَجْدٍ وشغفٍ لا يستطيع وصفهما كان "هيثم" جالسًا في المقعد المقابل لها على المائدة الثنائية التي جمعتهما، لم يبعد أنظاره عن تأمل وجهها المتقلص قليلاً أو عن عينيها الخجلتان، غمرته حماسة عظيمة أعادت له بسمته المفقودة، كما أنها انتشلته من قاع بؤسه لترفعه إلى عنان السماء حين أُخبر بموافقتها على الالتقاء به، كان كمن بُعث من الموت .. تلبك، واضطرب، وضلت الكلمات الطريق على شفتيه، استجمع نفسه وبادر يقول بربكة عظيمة:
-أنا مش عارف أقولك إيه، أنا أصلاً مش على بعضي، ومش مصدق إنك قصادي.
عضت "همسة" على شفتها السفلى محاولة كتم تأويهة متألمة تريد الخروج لتصرخ بألمها الذي تضاعف، سحبت نفسًا عميقًا وقالت:
-يا ريت تكون اتغيرت فعلاً.
هتف يوعدها دون ترددٍ:
-اقسم بالله ما هيحصل تاني، المدعوق ده أنا توبت عنه، وربك شاهد عليا!
قالت في رضا وهي تومئ برأسها:
-تمام، عشان صحتك مش عشاني
نظر في عينيها مباشرة، وسألها بابتسامة متسعة:
-إنتي خايفة عليا؟
تورد وجهها من جملته الصريحة، وأجابت بحيادية وهي تتحاشى النظر نحوه:
-احم.. يعني طبيعي الواحد يحافظ على نفسه.
قال عن اقتناعٍ مزج فيه بين الجدية والدعابة:
-معاكي حق، وخصوصًا لما نكون داخلين على جواز.
شعرت بالحرج من تلميحاته المتوارية، وصححت له:
-على فكرة أنا موافقتش أرجعلك لسه، كل الحكاية إني هاديك فرصة تانية!
رفع كفيه معلقًا عليها بحبورٍ:
-وماله، أي حاجة منك ترضيني.
ثم دس يده في جيبه ليخرج ميدالية صغيرة مطلية باللون الفضي، قدمها إليها قائلاً بتهذيبٍ:
-اتفضلي
قطبت جبينها متسائلة دون أن تلمسها:
-ايه ده؟
أجاب ببساطةٍ:
-ميدالية بحرف الـ H
التوت زاوية فمها بابتسامة متعجبة، وأضافت:
-ما أنا عارفة، ودي بمناسبة إليه؟
وضعها على الطاولة أمامها ثم دفعها برفقٍ للأمام لتغدو قريبة من يدها المسنودة على الطرف الآخر، وتابع من تلقاء نفسه:
-أصل أنا خدت بالي إننا عندنا نفس الحرف، فقولت أجيب حاجة ليكي تنفعك، وفي نفس الوقت تفكرك بيا.
نظرت له في اندهاشٍ، لم يأتِ ببالها أنه سيدرك تشابه الحرف الأول لاسميهما، بدا الأمر مستبعدًا عن تفكيرها لسبب وجيه، معظم الشباب واقعي غير حالم كالفتيات .. لاحظ "هيثم" ترددها، فقال برجاءٍ يحمل قدرًا من المزاح حتى لا ترفض هديته المتواضعة:
-بالله ما ترفضيها، دي مش غالية، بـ 10 جنية بس!
علقت ساخرة:
-أدفعهوملك يعني؟
اتسعت ابتسامته الطريفة حتى ظهرت نواجذه، وقال في حبورٍ:
-لأ.. اعتبريني محوشهم معاكي.
...............................................................
على الجانب الآخر من المطعم، ضمت طاولة كبيرة أفراد العائلتين .. لم يكن ليحدث ذلك اللقاء دون حضور قطبيه "بدير"، و"خليل"، وبالطبع جاءت "حمدية" مع زوجها لتشبع فضولها الجائع وتقف على رؤوس الأشهاد، وكذلك آتت "بثينة" مع ابنتها "خلود" ليكونا في قلب تطورات الأحداث، وإن كانت الأخيرة تحتفظ لنفسها بمخططاتٍ أخرى شريرة لم تفصح عنها بعد، حتمًا إن نفذتها ستنهي خطبة أخيها قبل أن تبدأ، لكنها ستضمن سطوتها المطلقة على من أسلمت له قلبها، أما عن "تميم" فلم يحبذ التواجد بأي حال في مكانٍ يجمعه مع "فيروزة" حتى لا يخلق المشاكل من العدم بناءً على ما اختبره من وساوس زوجته في تلك الليلة العصيبة، اختفى عن الساحة نأيًا بنفسه عن أي التزامات قد تضعه في مواجهة غير محمودة مع كلتيهما إن حدث ما يخشاه، وأخيرًا وليس آخرًا استقرت في مقعدٍ شبه منزوٍ "آمنة" وإلى جوارها ابنتها الأخرى.
لم تتوقف "خلود" عن التطلع إلى من نصبتها عدوتها، ارتكزت عيناها عليها منذ أن وطأت المطعم، رمقتها بنظراتٍ حانقة كارهة لها، كذلك نمت لديها مشاعر الحقد نحوها بشكل مبالغ فيه، فكرت في احتقارها لتروي رغبتها الانتقامية التي تتعطش للفتك بها، وفي نفس التوقيت تحصل على ما يلزمها من معلومات تخص طبيعة علاقتها بزوجها، لذا قالت كتمهيدٍ مدروسٍ بما يشبه فحيح الأفعى بعد أن انتقلت من مقعدها لتجلس إلى جوارها:
-أقولك على حاجة وما تزعليش مني.
ردت "فيروزة" ببرودٍ وقد انتبهت لها:
-إنتي بتكلميني؟
علقت بنوعٍ من الاحتقار، وتلك النظرة الدونية تعلو عينيها:
-محدش عمره هيبصلك وإنتي كده!
رفعت "فيروزة" حاجبها للأعلى بعد أن اعتدلت في جلستها، وقالت بتحفزٍ ظاهر عليها:
-مش فهماكي؟!
تصنعت الدلال، وقالت بغنجٍ هامس:
-الرجالة بتحب البنات المدلعين، اللي زيي كده، أو حتى أختك، لكن المسترجلة اللي عاملة فيها دكر لأ!
اعتبرتها "فيروزة" إهانة مباشرة موجهة لشخصها، خاصة وضحكات "خلود" الكتومة توحي بأنها المنشودة، لذا بكرامةٍ واستعلاء ردت تهاجمها:
-أفندم؟ الكلام ده ليا؟
هزت رأسها مؤكدة:
-أيوه.
هتفت "فيروزة" في تهكمٍ:
-ده باعتبار إنك شايفة الشنب طاير على وشي مثلاً؟
وبتأفف منفر منعكس عليها، أضافت "خلود":
-أنا عن نفسي بأحاول أبلعك بس بصراحة إنتي مش نزلالي من زور
ردت ساخرة منها:
-ابقي اشربي بيبسي جايز أهضم معاكي!
عمدت إلى اللعب بالنيران لتستفزها، فاستطردت مجددًا بقسوةٍ:
-أنا بأقولك الحقيقة ومن غير زعل، يمكن أنا حاولت أتقبلك.
احتقنت دمائها من تطاولها الصريح، وردت بوقاحةٍ:
-وأنا المفروض أضايق وكده؟
أرادت "خلود" استيضاح نواياها المخبأة، فلجأت للتلميح الكاذب على لسان زوجها علها تكشف أمرها، لذا مالت نحوها لتقول بهمسٍ وقلبها يدق في توترٍ:
-أصل جوزي كمان من الآخر مابيطقكيش خالص، ومرضاش يجي النهاردة بسببك مع إني استرجيته وعمي الحاج غلب يضغط عليه، بس هو كان مصمم، يعني ما تأخذنيش في صراحتي معاكي، بس عشان ما تضايقيش لما يشوفك ومايعبركيش!
ثم تراجعت برأسها للخلف لتنظر بتمعنٍ مترقب لردة فعلها، شعرت بنشوة كبيرة تنتابها وقد رأت علامات الغيظ جلية على قسماتها، أصبحت شبه متأكدة من نجاحها في إيجاد ذلك العداء الوهمي بينهما، ابتسمت بانتشاءٍ لتزيد من استفزازها لها، وبكل حقدٍ علقت "فيروزة عليها:
-ده الحال من بعضه يا مرات المعلم الكبير!
ردت جملتها الأخيرة وقد انتفضت واقفة، رأت تلك النظرة المتغطرسة تتراقص في حدقتيها، شعرت بالغل وقررت أن تناطحها في الرد لاستحقاقها ذلك، لذا رمقتها بنظرات احتقارية تليق بها قبل أن تقول بوجهٍ ممتقع وبما يشبه التهكم المحتقر قاصدة التلكؤ في كل كلمة تتلفظ بها لتشعرها بمدى دونيها ووضاعتها بالمقارنة بها:
-تعرفي! يــا زين ما .. فتوة الحتة نقى واختار عشان يتجوز! ده مش حسد على فكرة!
تطلعت إليها "خلود" بفمٍ مفتوح والبلاهة تظهر على تعبيراتها وهي تحاول فهم مغزى كلماتها، فتابعت "فيروزة" بابتسامة مزهوة وهي تشير بسبابتها إليها، وكأنها بذلك تحتفل مقدمًا بانتصارها عليها في تلك الجولة الكلامية:
-بس فعلاً إنتو Couple (ثنائي) غريب، ورغم كده لايقين على بعض! بصراحة صعب حد يجمع التوليفة دي سوا؛ زوجة غلاوية دمها سخيف ويلطش، وزوج منفسن من واحدة مايعرفهاش، بس إنتو أبهرتونا! وده مستواكم ........................................... !!
........................................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم Manal Salem
لقراء الليل وآخره، استكمال باقي الأحداث الخاصة باليوم في فصل قصير جديد ..
لا تفوتوا متعة التعليق
الفصل الحادي والثلاثون (الجزء الأول)
حزمة من المشاعر اليائسة غزت وجدانه بعد أن أحصى عقليًا وبحسبة سريعة ما يدخره من مال، لم يملك من كده اليومي حين التزم طريق الحلال سوى القليل الضئيل الذي لا يذكر أو حتى يصلح لشراء باقة من الورد لمعايدتها بعد تماثلها للشفاء، فماذا عن دفع تكاليف العلاج بالمشفى؟ لعن "هيثم" استهتاره الدائم الذي أوصله لتلك الحالة من العوز والاحتياج، عبث بشعر رأسه، وتابع مكالمته مع "تميم" قائلاً له على عجالةٍ:
-أنا محتاج منك قرشين ضروري، وهردهوملك أما ربنا يفرجها معايا
بدا على صوت "تميم" الضيق حين سأله مستفهمًا:
-خير يا "هيثم"؟ عملت مصيبة إيه المرادي؟
أجابه بأنفاسٍ غير منتظمة وهو يتحرك في حركة شبه دائرية خارج المشفى:
-دول مش ليا.
استطاع أن يسمع صوت أنفاسه البطيئة عندما تساءل مجددًا بما يشبه الاستنكار:
-قول إنك رجعت تاني للسكة الشمال، والحكاية فيها عوأ (مشكلة) مع حد؟!
هتف نافيًا بصوتٍ مختنق:
-اقسم بالله أبدًا، أنا وعدتك ووعدتها.. ولحد النهاردة ملتزم بكلمتي...
انقطع صوته للحظة قبل أن يتابع بتوسلٍ:
-بس البت هتموت لو ملحقتهاش
على الفور سأله "تميم" وقد تبدلت نبرته:
-بت مين؟
أجابه بتلعثمٍ وتلك النهنهة تختلط بصوته:
-"همسة".. خطيبتي!
رد عليه "تميم" يستحثه على تمالك نفسه:
-اهدى كده، وفهمني في إيه، ومستشفى إيه اللي بتحكي عنها، ومتقلقش هاجيبلك كل اللي إنت عاوزه، وبزيادة.
تنفس "هيثم" الصعداء لدعمه الذي هبط عليه كنجدةٍ من السماء، ومسح بيده الدمعات التي فرت من طرفيه، ثم قال وهو يسحب نفسًا عميقًا:
-حاضر، بس بالله عليك ما تتأخر.
اخترقت نبرته أذنيه وهو يرد عليه:
-أنا جايلك في الطريق.
تنهيدة ثقيلة خرجت من جوف "هيثم" أزاحت معها همًا قابضًا للأرواح جثم على أنفاسه طوال تلك الدقائق الماضية، بدأ يستعيد انضباطه، وســرد له تفاصيل ما حدث في المطعم منذ لحظة انهيار "همسة" وذهابه بها إلى المشفى بصحبة أفراد العائلتين.
...............................................................
لم تمهل نفسها الفرصة لالتقاط الأنفاس، بمجرد أن دست المفتاح في قفل الباب ووطأت داخل منزلها، ركضت "فيروزة" نحو غرفة نوم والدتها، اتجهت إلى دولاب الملابس حيث تحتفظ والدتها في الرف الأوسط بصندوقٍ صغير تضع فيه مدخرات الفتاتين من أجل تجهيزهما حين تحين لحظة زواجهما، كانت تعرف هدفها جيدًا، فلم تضع الوقت في البحث والتفتيش، أزاحت الثياب التي يختبئ الصندوق أسفلها، وفتح الصندوق بالمفتاح الصغير المعلق به، أخرجت جميع النقود الموجودة به، وطوتهم بإحكامٍ قبل أن تحشرهم في جيب حقيبتها، كانت على وشك غلق الدولاب حين لمحت علبة القطيفة الحمراء، رددت لنفسها:
-إيه دي؟
مدت يدها للرف العلوي لتسحبها نحوها، ثم فتحتها لتعلو الدهشة المستنكرة كامل ملامحها، كزت على أسنانها متسائلة في ضيقٍ:
-الدهب ده بيعمل هنا إيه؟ المفروض يكون رجع لأصحابه!
أعادت العلبة في مكانها بالرف العلوي، وتابعت حديث نفسها:
-عمومًا ده مش وقته، هتكلم مع ماما في حكايته بعدين، المهم دلوقتي "همسة" وبس.
أوصدت الدولاب وتحركت بخطوات متعجلة إلى خــارج الغرفة، أغلقت الباب خلفها، ومنه تابعت سيرها السريع نحو باب المنزل، وهي تأمل في نفسها ألا تكون قد تأخرت على توأمتها.
..................................................................
كل ما شغل حيز تفكيره في تلك الأثناء هو كيفية إحضــار النقود المطلوبة دون إضاعة المزيد من الوقت، فالدقائق تكلف كثيرًا في حالة مريض تتوقف حياته على الثمن الذي يدفعه لتلقي العلاج الفعال، كان "تميم" متواجدًا بالدكان أثناء تلقيه للمكالمة الهاتفية، لهذا اتجه إلى الخزانة القديمة الضخمة الموضوعة عند الزاوية ليسحب منها ما يريده من أموال، ركض نحو سيارته، وقــادها بتعجلٍ نحو المشفى الذي لم يكن ببعيدٍ عنه، وظل على تواصلٍ مع "هيثم" ليعرف منه آخر المستجدات، وعندما بات أمام مدخل المشفى قال له بصيغة آمرة:
-اطلع استناني عند الحسابات، أنا هاركن العربية في الجراج وجاي
رد بتعجلٍ:
-ماشي.
وفي المكان المخصص لركن السيارات، صف "تميم" خاصته به، ثم ترجل منها وهرول نحو الدرجات يصعدها دفعات، التقط أنفاسه عند الاستقبال وهو يجوب بعينيه القلقتين على الأوجه المتواجدة، أوقف إحدى الممرضات يسألها:
-الحسابات هنا فين؟
أرشدته وهي تشير بيدها:
-هتطلع من السلم اللي هناك ده، الدور الأول، آخر الطرقة يمين.
-متشكر
قالها وقد شرع يهرول في اتجاه السلم ليكمل صعوده الراكض عليه، وقبل أن يصل إلى الغرفة المنشودة كان "هيثم" ينتظره في الردهة، هلل الأخير فور أن رأه:
-"تميم"! أنا أهوو..
ثم ركض نحوه متسائلاً بتوترٍ:
-جبت الفلوس؟
أجابه وهو يخرج من جيبه مظروفًا أبيض اللون وضع به النقود:
-أيوه، شوف دول يكفوا ولا محتاج بزيادة
تناول منه المظروف وألقى نظرة خاطفة على المبلغ الكبير قبل أن يغلقه لينظر إليه قائلاً بامتنانٍ:
-كده تمام أوي، الله يكرمك يا "تميم"، مش عــارف أقولك إيه، إنت أنقذتني وآ....
لم يكمل جملته الشاكرة له بسبب صوت "فيروزة" المقاطع بحسمٍ:
-محدش يتدخل!
التفت كلاهما نحوها لينظرا باندهاشٍ لتلك التي تركض وعرقها الغزير ينساب على جبينها، حتى خصلاتها تنافرت وتبعثرت بشكلٍ فوضوي، بالطبع ظهر تأثير رؤيتها المفاجئ على "تميم"، إنها نفس الخفقة العجيبة التي تضرب فؤاده وتصيبه بربكة موترة، حَجم من مشاعره التي تضاربت في حضرتها ليسألها بلهجته الصارمة وهو ينظر إلى عينيها المنزعجتين:
-مندخلش في إيه بالظبط؟ الموضوع عندنا!
رمقته بنظرة حادة، ثم انخفضت نظراتها نحو المظروف، خمنت دون سؤال عما يحتويه، وردت بشموخٍ وهي تتطلع إليهما رافضة إقحام أيًا منهما في شئون عائلتها سواء المادية أو المعنوية:
-لأ معلش دي أختي أنا، مالهاش لازمة تتحشروا في أي حاجة تخصنا
هدر بها "هيثم" وقد استفذت طاقته على الاحتمال:
-بأقولك إيه أنا آ......
قاطعه "تميم" بصوته القوي، ومشيرًا بيده دون أن تبتعد نظراته المتأملة عن وجه "فيروزة":
-خلاص، اهدى يا "هيثم"!
رد عليه بنرفزةٍ واضحة:
-إنت مش شايفها يا "تميم"؟ كلامها يفور الدم!
أدار رأسه نحوه يأمره بصوته الآمر دون أن تخبو صرامته:
-روح يا "هيثم" اعمل المطلوب وخلص الإجراءات!
هز رأسه ممتثلاً له، فصرخت به "فيروزة" محتجة:
-استنى عندك!
وكأنها تُحادث الفراغ حيث تابع "تميم" إلقاء أوامره عليه:
-نفذ الكلام، ماتقفش!
تراقصت في عينيه نظرة انتصار وهو يرد:
-حاضر.
أوشكت "فيروزة" على اللحاق به وإيقافه، لكن اعترض "تميم" طريقها بجسده، توقفت عنوة حتى لا ترطم بصدره بسبب اندفاعها المتعجل، نظرت له شزرًا ثم تحركت في الاتجاه الآخر لتتجاوزه، لكنه سده عليها وقد فــرد ذراعيه في الهواء، منحته نظرة نارية من عينيها قبل أن تصرخ به بعصبيةٍ:
-ممكن أفهم إنت بتتحشر ليه؟
رد مبتسمًا، وكأنه يستفزها بهدوئه:
-مش في رجالة موجودين؟ هما اللي بيخلصوا الحاجات دي، فماتتعبيش نفسك.
غمغمت مع نفسها في حنقٍ، وقد شردت تفكر في جملته الأخيرة ذات الدلالة الواضحة:
-الله يسامحك يا خالي، إنت السبب، المفروض تكون بتجري مكاني!
تأمل "تميم" سكونها اللحظي بنظرات متفحصة، كانت كشعلة من النار الملتهبة ألسنتها، والتي يزداد أوجها بشكلٍ مثير حين تغضب، ورغم هذا كانت تجعل كامل حواسه في حالة استنفارٍ عجيبة، وكأنها تحثه بكل ما تملكه من وسائل هجومية على عدم الاستسلام والخوض معها في معركة طويلة الأجل، طالعته بنظرة غريبة حين رأت نظراته الساهمة نحوها، ثم هتفت بتنهيدة محبطة وذلك التقوس المستنكر يعلو زواية شفتيها:
-يعني مش معقول، كده كتير بجد.
حافظ على ثبات نبرته وهو يرد:
-معلش استحمليني.
ابتسمت في سخرية وقد عاد إلى ذهنها مشهدًا ليس ببعيدٍ عنها، حين أخبرتها زوجته بأنه لا يتقبلها مطلقًا، ويكن لها كراهية مفهومة، لم تتحمل سخافة الموقف، وسألته بما يشبه الإهانة:
-للدرجادي إنت منافق كمان؟!
صدمه وصفها الأخير له والمرفوض كليًا، وقال محذرًا وقد اشتدت تعابيره عبوسًا:
-منافق! حاسبي على كلامك.
استرسلت موضحة بكبرياءٍ وقد تصلبت عروقها:
-ما هو مالوش تفسير اللي بتعمله غير كده، أكيد واحد مش طايق يبص في خلقتي، ولا أنا أصلاً بأقبلهن فجأة بقدرة قادر جاي يعمل معروف معايا، لأ شكرًا مش عاوزين حاجة من حد، الحمدلله ربنا ساترها معانا، وموصلش الأمر إننا نشحت على أختي، لأ ومنك!
تطلع إليها في اندهاشٍ متعجب من الأقاويل التي تملي بها أذنيه، وسيطر على غضبه الذي اندلع كردة فعل طبيعية بداخله، سحب شهيقًا عميقًا لفظه دفعة واحدة، ثم قال بتمهلٍ:
-طيب .. أنا مش هسألك على اللي قولتيه ده دلوقتي، أنا مقدر الظروف!
صاحت بنفس النبرة المنفعلة وهي تشيح بيدها أمام وجهه:
-وتسألني ليه أصلاً؟ بصفتك مين؟ ما كفاية مراتك قايمة بالواجب وزيادة
تساءل مندهشًا:
-مراتي؟ وهي مالها بيكي؟!!
نظرت له باحتقارٍ وهي معتقدة أنه يتلاعب بها، ثم قالت بما يشبه السخرية:
-إنت بتهزر صح؟ قالولك عني غبية وبرمي بلايا، إنتو الكلام معاكو خسارة
حاولت تخطيه لكنه احتل الطريق بجسده ومنعها من المرور فلم تجد إلا صدره العريض أمامها، وكأنه بذلك يتحداها، رفعت عينيها إليه فوجدت نظراته المحتقنة مسلطة عليها، وبصوتٍ بدا مشدودًا سألها:
-أنا مش فاهم منك حاجة، قصدك إيه بكلامك ده؟
ضجرت من لغوه الفارغ معها، ومن تلاعبه المستهلك بعقلها، وكأنه بذلك يضيع الوقت عليها، إذًا لتوقفه عند حده إن كان لا يفهم إلا بلغة العنف، ودون أن يتوقع ردة فعلها شحذت "فيروزة" قواها المنفعلة ودفعته من صدره بكلتا قبضتيها لتتمكن من تحريكه من مكانه خطوة للخلف وهي تصرخ به:
-ابعدوا عننا بقى، شيلونا من دماغكم!
تفاجأ من قساوتها العنيفة التي حفزته، أصبحت تعابيره متقلصة للغاية، كانت على وشك تكرار نفس الفعلة الجنونية، لكن امتدت يداه لتمسك برسغيها، ثبتهما للأسفل مستخدمًا قوته الذكورية الكامنة فيه، وشدَّ بأصابعه وعيناه تنظران مباشرة في حدقتيها المحتدتين، استجمع هدوئه، وضبط غضبه، ثم قال لها بصوته الخفيض:
-لو قصدك على خطوبة "هيثم" بأختك، فده اختيارهم، أنا ماليش فيه.
حاولت تحرير يديها من قبضتيه الجامدتين، وهتفت بحنقها:
-واحنا مش عايزين نرتبط بيكم، افهموا بقى!
أرخى أصابعه عنها فسحبت على الفور يديها للخلف، وبدأت تفركهما، تنهد من جديد ثم رفع كفيه أمام وجهها متابعًا كلامه:
-ده مش موضوعنا، المهم دلوقتي نطمن على أختك، مشاكلك مع "هيثم" أو غيره تحليها بعدين.
فتحت "فيروزة" شفتيها لترد عليه بلهجة قاسية شديدة لتلزمه بحدوده معها فلا يتجاوز مطلقًا تحت أي مسمى، لكن الصوت المألوف المنادي باسمها جعلها تدير رأسها للخلف في اتجاه مصدره غير متوقعة ما أبصرته عيناها ........................................ !!
.......................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم Manal Salem
الفصل الحادي والثلاثون (الجزء الثاني)
رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد من هويته، انفرجت شفتاها عن دهشة مصدومة، كان أمر حضوره إلى هنا بالتحديد مستبعدًا عن ذهنها، لم تتصور مطلقًا أنه سيتبعها إلى المشفى بعد لقائها الحرج معه في المطعم، انطفأت شعلة اللهب الغاضبة الظاهرة على صفحة وجهها ليحل بدلاً منها الارتباك والتوتر، التفتت "فيروزة" كليًا نحوه متناسية وجود "تميم" معها، ورددت بعفوية دون أن تنتقص صدمتها:
-إنت ..؟!
تقدم "آسر" بابتسامته المنمقة نحوها، وقال معتذرًا:
-أنا أسف إن كنت مجتش معاكي من الأول..
تأهبت في وقفتها وظلت تتطالعه بغرابةٍ وهو يكمل ببسمته المرسومة بعناية:
-بصراحة مكونتش متأكد إن كانت المستشفى هنا بتقبل الدفع بالفيزا ولا لأ، فروحت البنك أسحب فلوس كاش..
تفاجأت مما فعله، ورأت تلك الحقيبة الجلدية الصغيرة معلقة في يده، وقبل أن يتم جملته للنهاية قاطعته بتلعثمٍ خفيف وقد لانت ملامحها نسبيًا:
-شكرًا يا.. أستاذ "آسر".. مكانش ليها لازمة تتعب نفسك.
رد معتذرًا من جديد بتهذيبٍ واضح:
-تعب إيه بس؟ ده أنا مقصر خالص، كان المفروض أتحرك بسرعة عن كده وأقف جمبك من البداية.
لم يستسغ "تميم" تلك اللطافة الزائدة منه، كانت مصطنعة للغاية، شعر وهو يتابع حواره الكلامي بسماجة فائضة غير مستحبة زادته نفورًا من ناحية شخصه اللزج، ابتسمت له "فيروزة" مجاملة، ورققت من نبرتها حين قالت:
-كتر خيرك، كلك ذوق.
تصاعدت الدماء بقوة في رأس "تميم" وهو يصغي إلى ردها الناعم معه، هي ليست من النوع المتساهل مع الرجال، بل القسوة عنوان صوتها، وتلك النبرة الأنثوية الهادئة استثارت مشاعره بدرجة أكبر، فأصبح في حالة لا يحسد عليها، تنفس بعمقٍ ليضبط انفعالاته التي بدت في حالة ما بين الجنون والغضب الأعمى، كبحها قدر المستطاع علها تحط في أعماقه، نظر لها مليًا بضيقٍ، شعر وكأنها تتعمد استفزازه برقتها الغريبة مع غيره، لذا تنحنح بصوتٍ مرتفع نسبيًا ليلفت انتباهها إلى وجوده فتكف عن إيذائه بذلك الشكل السافر قبل أن يستطرد قائلاً بنبرة جافة مالت للخشونة:
-متشكرين يا حضرت، الرجالة عملوا الواجب وزيادة.
استدارت "فيروزة" ناحيته، حدقت فيه بقسوةٍ، اختفت الرقة من تعبيراتها عندما ردت عليه بعبوسٍ:
-لا معلش، أنا مش عاوزة حد من طرفكم يساعدني.
استقام في وقفته الرجولية فبدا أكثر مهابة وقوة، ثم رد معاندًا إياها:
-ودي مش مساعدة يا أبلة، ده واجب علينا.
قالت بتبرمٍ، وتلك النظرة الحادة تعلو حدقتيها:
-وأنا مش محتاجاه.
ثم التفتت ناحية "آسر" تعتذر منه:
-وبرضوه بأشكرك يا أستاذ "آسر" على ذوقك، لكن مستورة والحمدلله.
هتف الأخير بإصرارٍ:
-يا آنسة "فيروزة"، طبيعي كلنا نقف مع بعض وقت الأزمات، ماتتكسفيش مني..
وبجراءة غير مقبولة مد "آسر" ذراعه نحوها، وأمسك بيدها ووضع النقود في كفها بالإجبار، ذُعرت من حركته المباغتة ونفرت منه، شعرت بالغضب يجتاحها لمحاولته فرض الأمر عليها، احتقن تورد بشرتها، وردت بحدةٍ وهي تحاول إعادة النقود له دون أن تمسه:
-لأ مش هاينفع كده.
شخصت أبصار "تميم" من تجاوزه الوقح، ودون تفكيرٍ انتشل النقود من يد "فيروزة"، ثم خطى للأمام خطوتين نحو ذاك اللزج ليقطع عليه طريق الود المائع معها بجسده المشدود، حجب عنها الرؤية عن قصد، ووجه نظراته المنذرة إليه، ثم قبض على معصمه، ودس النقود بعنفٍ في راحته قاصدًا إيلامه .. سدد له نظرة نارية أخرى أشد حدة قبل أن يقول بصوتٍ أجوف مهدد يعكس قساوة غريبة:
-هما الرجالة اللي واقفين قصادك دول مش ماليين عينك؟ عين فلوسك في جيبك
استنكر "آسر" تصرفه الفظ، وقال بوجه ممتقع:
-افندم..؟
زجره "تميم" بنبرته التي اخشوشنت أكثر:
-سمعتني كويس، ولا تحب أعيد؟!
احتجت "فيروزة" على تدخل "تميم" في شئونها، وإن كانت رافضة لذلك التصرف الجريء من "آسر" لإقناعها بقبول مساعدته، ومع ذلك صبت جام غضبها على الأول، ونهرته بتشنجٍ:
-حد كلمك أصلاً؟ ولا طلب منك تدخل؟ ده شيء يخصني أنا
نظر ناحيتها بعينين غائمتين، ورد بجمودٍ:
-أنا بأعمل الأصول يا أبلة لو كنتي نسيتي...
ثم تركزت كامل نظراته على وجه "آسر" وهو يستأنف تهديده الصريح له:
-في حاجات ماينفعش أشوفها وأعديها، ويحمد ربنا الأخ إنه حوالينا ناس، وإلا كنت خليته يحجز بالفلوس دي سرير في عنبر 6 فوق!
قست تعابير "آسر" وقد فطن إلى كونه يحاول جعل الأمر يبدو استعراضًا للقوة الذكورية، فسأله ببرودٍ متعمدًا تحديه:
-ده تهديد يا أخ إنت؟
تقوست شفتا "تميم" عن ابتسامة مغترة وهو يرد:
-أيوه..
أشــار "آسر" بسبابته نحوه موجهًا حديثه لـ "فيروزة" ليسألها مباشرة، وبقيت نظراته الساخطة مسلطة عليه:
-قبل ما أغلط فيك، قريبك ده يا آنسة "فيروزة"؟ أصل أنا ماينفعش حد يهددني بالشكل ده وأسكتله!
ابتسامة استخفاف احتلت شفتيها قبل أن ترد:
-ولا أعرفه!
تحفز "آسر" للاشتباك معه بعد أن أعاد النقود إلى داخل الحقيبة الجلدية الصغيرة، وقال متسائلاً بنبرة تحمل الإهانة:
-طب حضرتك بتدخل بصفتك إيه؟! إذا كان الآنسة نفسها متعرفكش! رزالة يعني؟ ولا شو قصادنا؟ يا ريت تفهمنا
اربد وجه "تميم" بغضبه المحموم رافضًا أسلوبه التهكمي المستهون بشخصه وبما يمكن أن يفعله إن فقد أعصابه، وخرجت الأمور عن السيطرة، ثم حدجه بنظرة مخيفة من عينيه اللاتين التهبتا بشدة، ورد بجمودٍ وهو يلكزه في كتفه بعنفٍ:
-دي حاجات أكبر من اللي زيك، صعب تعرفها لوحدك.
اغتاظ "آسـر" من تجريحه الواضح لشخصه وتقليله من شأنه، فلجأ لاستحقاره قائلاً بنظرة متعالية:
-خلاص أنا كده فهمت النوع بتاعك، إنت من اللي واخدينها بلوي الدراع.
لم يتحمل استهزاء ذلك الغريب به، فحرك "تميم" ذراعه نحوه ليمسك به من طرف سترته باهظة الثمن، جذبه بقوة نحوه، وكأنه خرقة لا يزن شيئًا، عجز "آسر" عن مقاومته أو الابتعاد عنه، كان غليظًا للغاية في تعامله، ثم حذره الأول بلهجة قاتمة وعيناه تنظران له بشراسةٍ:
-طب كويس إنك عرفت نوعي، عشان لما بأزعل ببقى غبي!
على الفور تدخلت "فيروزة" لتمنعه من الاعتداء عليه، وصاحت فيه بنبرة غلفها الصراخ المهدد:
-ابعد عنه، إنت مابتفهمش غير في البلطجة وبس.
هتف "آسر" يتوعده، وهو يحاول تخليصه نفسه من براثنه، وكأنه بذلك يحاول لم كرامته التي بعثرها بسهولة أمامها:
-خد بالك أنا محامي مهم، أقدر ألبسك تهمة وأنا واقف هنا في مكاني، ده غير إن معارفي كتير، فبلاش اللي زيي يأذيك أحسن.
ضحك "تميم" مستخفًا بجمله المتباهية، وتركه متعمدًا المسح على كتف بدلته كما لو كان ينظفها قبل أن يعلق عليه:
-الصراحة خوفت، وهاجيب ورا.. بس مش عشانك، عشان أخت الأبلة!
ضاقت نظرات "فيروزة" من عبارته المبهمة، في حين عــاد "هيثم" من الداخل وقد انتهى من الإجراءات المادية الخاصة بحالة "همسة"، نظر بغرابة إلى الثلاثة المتشاحنين، وتساءل في فضولٍ ليثير انتباههم:
-خلاص يا ابن خالتي، هو في إيه؟!
وضع "تميم" يده على كتفه وهو يهز رأسه في تفهمٍ، ثم قال ببرودٍ، وعيناه تحدقان في وجه "آسر" بتوعدٍ مريب:
-بينا يا "هيثم"، وقفتنا هنا مالهاش لازمة.
تحركت "فيروزة" لتعترض طريقه، ثم هتفت فيه بصوتها الغاضب:
-استنى إنت رايح فين؟
أخرجت النقود من حقيبتها ورفعتها أمام وجهه متابعة بشراسةٍ:
-خد فلوسك اللي دفعتها، أنا مابشحتش .. !
ثم سحبت شهيقًا سريعًا لتكمل به هجومها عليه:
-ولا دي حركة متفق بيها مع مراتك عليا عشان تعايرونا بيها بعدين؟!
رمقها "تميم" بنظرة مستنكرة، مزعوجة، غريبة، نافذة، ومليئة بالغموض، لم تفهم طريقة تحديقه بها، واغتاظت أكثر عندما دفع ابن خالته للجانب ليبتعدا عن طريقها وهو يأمره:
-يالا..
صاحت من خلفه بصوتها المرتفع:
-فلوسك هترجعلك، سامعني.
تجاهلها مرغمًا ليتابع سيره، بينما حملقت "فيروزة" في ظهره وهو يبتعد بنظراتٍ مغتاظة، ودمدمت قائلة لنفسها:
-أنا مشوفتش في حياتي كده!!
ظلت نظراتها تتبعه إلى أن هبط الدرجات واختفى، في حين هندم "آسر" من سترته التي فسد مظهرها مرددًا بعض العبارات المنزعجة، فاستدارت "فيروزة" ناحيته لتقول معتذرة عن وقاحة ذاك البلطجي معه:
-أنا أسفة يا أستاذ "آسر"، إنت اتحطيت في الموقف البايخ ده بسببي، مش عارفة أقولك إيه!
رد مبتسمًا وهو يحرك رأسه للجانبين:
-ولا يهمك، أنا غرضي أساعد و...
ودون أن تسمع باقي جملته قاطعته في امتنانٍ:
-أنا مقدرة ده.. وبأشكرك على اهتمامك.
سألها في جدية:
-طيب أختك فين دلوقتي؟
خرجت تنهيدة بطيئة من جوفها قبل أن ترد:
-هاروح لماما أشوف الوضع إيه.
استأذن منها بأسلوبه اللبق:
-طب تسمحيلي أكون معاكي؟ يعني عشان لو عوزتي حاجة، ماتبقيش لوحدك وكده.
تحرجت من وجوده والذي لن يكون مقبولاً بالمرة بالنسبة لعائلتها، ناهيك عن ظرافة "حمدية" اللا متناهية، والتي ستسعى لاستدراجه واستخراج المعلومات منه، كما لو كانت تعمل (خاطبة) مما سيزيدها حرجًا، لذا حاولت التملص من عرضه، وقالت بجدية:
-أهلي كلهم هنا، اطمن.
لم يجد بدًا من الإصرار أمام رفضها الواضح، فرد في استسلامٍ:
-أوكي يا آنسة "فيروزة"، مش هاضغط عليكي، لكن لو عوزتي حاجة، فأنا في الخدمة.
رانت على شفتيها ابتسامة لطيفة وهي تشكره:
-ميرسي ليك يا أستاذ "آسر".
بادلها ابتسامة ودودة قبل أن يطلب منها راجيًا:
-أتمنى نشيل التكليف بينا، يعني أنا باعتبر نفسي دلوقتي صديق ليكي .. وآ.. وللعيلة.
ضغطت على شفتيها في ترددٍ، وقالت بحسمٍ:
-أفتكر إن كده أحسن، يعني منعًا للمشاكل، وحضرتك شوفت النوعية الناس اللي عايشين معاهم إيه
قال بما يشبه التغزل بها:
-بس إنتي غير أي حد، مختلفة، ومستقلة، وشخصيتك حلوة.
لم تعرف بماذا تعقب عليه، فقالت وهي تحاول الابتسام:
-شكرًا، هستأذنك هاشوف أختي.
-اتفضلي، وإن شاءالله تبقى كويسة.
لم يمد تلك المرة يده لمصافحتها حتى لا تحرجه، واكتفى بتوديعها بعباراته المهذبة ليبدو حينما تستحضر صورته في ذهنها المحامي المحترم، لوحت له بيدها وظلت متسمرة في مكانها لبعض الوقت، وكأنها قد عادت لتستغرق في أفكارها المهمومة من جديد .. لم تعلم "فيروزة" بوجود من يراقبها من على السلم، أصــر "تميم" على البقاء تاركًا "هيثم" يعود بمفرده، ووقف في بقعة تمكنه من متابعتها دون أن تلتقطه عيناها، توهجت غرائز الفتك والعنف بداخله وكأنه في معركة البقاء للأقوى، كبح ما يعتريه بمجهودٍ عنيف، أنبئه حدسه بعد ملاحظة ما يدور من تلميحات وحركات مفتعلة بأن وراء تلك التعابير الوديعة لذلك الرجل ثعلبًا ماكرًا، ولم يخطئ إحساسه -بشأن أحدهم- يومًا.
................................................................
اتجه عائدًا إلى منطقة الجلوس الخاصة بأهالي المرضى في الردهة الواسعة، جاب بعينيه على أوجه المتواجدين باحثًا عن عائلته، كانت "بثينة" تتخذ المقعد الخلفي وإلى جوارها ابنتها، ســار "هيثم" صوبها وجلس على يسارها ليلتقط أنفاسه، سألته الأولى بفضولٍ وبنبرة أقرب للهمس وهي تتفرس في قسماته المرتخية بشكل ملحوظ:
-كنت فين كل ده؟
أجابها بزفير مرهق:
-موجود يامه هاروح فين.
سألته بخبث وذاك الوهج يحتل عينيها:
-ها عرفت تتصرف في فلوس؟!
هز رأسه يجيبها بغموض:
-أه الحمدلله
لم تتقبل مراوغته في الكلام، فألحت عليه بنظرتها المتشككة:
-منين يعني؟
رد بعفويةٍ ودون أن يفصح عن مصدر مساعدته:
-من باب الله.
ابتسامة غير مريحة داعبت شفتيها وهي تحاصره بأسئلتها:
-قولي، استلفت من جوز خالتك؟ مظبوط؟ إنت روحت كلمته؟
نفخ يجاوبها في سأم:
-يامه متركزيش في الحاجات دي، وادعي ربنا يقوم "همسة" بالسلامة.
زمت شفتيها محتجة بقنوط:
-وأدعيلها ليه؟ ما أمها موجودة! هي عدمتها؟
نظر لها بعينين تلومان قساوة مشاعرها، وعاتبها بضيقٍ ظاهر في نبرته وملامحه:
-لله يامه، لله! ادعي لله!
ضجرت "خلود" من مكوثها غير المجدي، فنهضت من مكانها وعلقت حقيبتها على كتفها لتقول بنبرة عازمة مستخدمة يدها في التلويح:
-بأقولك إيه يامه، أنا هاروح البيت ألحق أعمل لقمة لـ "تميم"، أعدتي هنا زي قلتها.
رد عليها "هيثم" من تلقاء نفسه ودون أن ينتبه:
-لأ متتعبيش نفسك، جوزك موجود هنا.
وكأن يدها لامست سلكًا مكشوفًا يسري فيه التيار الكهربي فأصابعها بصاعقة مميتة، حدث ما لم يخطر على بالها، أو تضعه في الحسبان .. انتفض كامل جسدها وتخشبت في مكانها ساهمة للحظة قبل أن تفيق من دهشتها الكبيرة، حدقت فيه بعينين جاحظتين، ثم عاجلته متسائلة بوجه شاحب وأغلب مخاوفها تقتحم رأسها حاليًا:
-إنت بتقول إيه؟ جوزي بيعمل إيه هنا؟
أدرك "هيثم" أنه بغبائه وتسرعه تلفظ بحماقةٍ ربما تكشف فأمره فبادر يصلح خطأه بالإدعاء كذبًا:
-اقصد.. أنا شوفته مع جوز خالتي، والبت أخت "همسة"، كانوا بيتكلموا سوا.
هتفت "خلود" بصوت مرتجف وقد أصبح الهواء ثقيلاً عليها:
-هـاه! بيتكلموا سوا؟
اكتفى بهز رأسه فتضاعفت مخاوفها، هربت الدماء من عروقها وقد تحقق ما خشيت منه وحدث اللقاء بينهما، فماذا إن تهورت تلك الحقودة وأخبرته بإساءتها إليها؟ أو ما نطقت به لها على لسانه؟ حتمًا ستقع في مأزق كبير، ازدحم رأسها بهواجسها المذعورة، ولم تعد قادرة على تمالك نفسها، تشوشت الرؤية لديها وشعرت بظلام غريب يغلف عقلها، وما هي إلا لحظة ومادت بها الأرض لتسقط فاقدة لوعيها.
....................................................................................
كانت الغرفة غارقة في الهدوء إلا من صوت أنفاسها المنزعجة، ألقت "بثينة" نظرة متحسرة على ابنتها التي ما زالت نائمة على الفراش في حالة سكون عجيبة وإن كانت لا تشكو من شيء جدي، مجرد توتر زائد أتلف أعصابها، تأهبت في جلستها حين سمعت صوت أنينها الخفيض، مالت نحوها ومدت يدها لتمسك بكفها المسنود إلى جوار جسدها المسترخي، واستطردت تنوح في سخطٍ:
-كان مالك بالهم ده يا بنتي؟
مسحت بيدها الأخرى على جبينها حين أدارت رأسها نحوها، ابتسمت في حماسٍ وقد رأتها تحاول فتح جفنيها، نادت عليها بتلهفٍ:
-يا "خلود"! سمعاني يا بنتي؟
ردت بوهنٍ:
-أيوه يامه.. أنا فين؟
جاوبتها بحنوٍ:
-إنتي يا حبة عيني وقعتي فجأة من طولك قصادنا، ونقلناكي على الأوضة دي عشان نشوف جرالك إيه.
ابتلعت ريقها في حلقها المرير، وتساءلت بصوتها الضعيف:
-"تـ.. تميم" يامه..
أجابت بتبرمٍ وكأنها غير راضية عنه:
-مع الضاكتور بره بيطمن منه عليكي.
سألتها في خوارٍ وقد وضعت يدها على رأسها ال:
-عرف حاجة عن خناقة النهاردة؟
قالت وهي تهز كتفيها بالنفي:
-مافتكرش، وبعدين هو احنا في إيه ولا إيه! ما كفاية المصايب اللي نازلة على دماغنا من الصبح.
دقة خفيفة على باب الغرفة جعلت الاثنتان تتوقفان عن الحديث الخافت، وبابتسامة متفائلة ولجت ممرضة رشيقة إلى الحجرة، نظرت في عدم تصديقٍ حين أمعنت النظر في وجهيهما المألوف، وهتفت ترحب بهما:
-مش معقول خالتي "بثينة"، والله ما أعرف إنكم اللي هنا، ألف سلامة على "خلود".
نهضت "بثينة" من مكانها لتحتضن الممرضة "عائشة" والتي تربطها معرفة جيدة بوالدتها الخياطة، حيث كانت تأتي إلى منزلها ومعها الأقمشة المزركشة لتقوم بحياكتها لها، ابتهجت الأولى، وقالت في حبور:
-الدنيا صغيرة بصحيح يا بت يا "عيشة"، مجاش في بالي إنك شغالة هنا.
أخبرتها عن أحوالها باستفاضة:
-أنا لسه منقولة مبقاليش شهرين للمستشفى دي، حبوا يكرموني فجابوني هنا، والحمد لله أنا مبسوطة.
ربتت على ظهرها تدعو لها:
-ربنا يكرمك بالأحسن.
عادت "عائشة" لتطمئنها بثقةٍ:
-متقلقيش يا خالتي على "خلود"، دي حاجة عادية، خليها ترتاح وماتضغطش على نفسها، مافيش حاجة مستاهلة
زمت شفتيها وعلقت:
-قوليلها، دي واخدة كل حاجة على أعصابها ومغلباني معاها
أضافت تؤكد لها:
-عمومًا الدكتور هيجي يشوفها تاني وهيكتبلها على خروج.
تنهدت تدعو لها مرة أخرى:
-ربنا يصلح حالك ونفرح بيكي قريب.
تصنعت العبوس وعقبت عليها:
-أه والنبي ادعيلي، لأحسن حاسة إني هافضل كده من غير جواز.
لكزتها بخفةٍ في جانب ذراعها وهي تضيف بتهكمٍ:
-ياختي اللي اتجوزوا خدوا إيه غير الهم والنكد
أخفضت نبرتها لتقول في دلال وتلك اللمعة تكسو نظراتها المرحة:
-بردك يا خالتي.. حد يقول للجواز لأ.
ابتسمت "بثينة" وهي ترد:
-ماشي يا "عيشة"..
اقتربت الأخيرة من "خلود" لتتابع سريان المحلول في الإبرة الطبية الموصولة برسغها، وألقت نظرة عابرة على "هيثم" الذي دخل الغرفة متسائلاً باهتمامٍ:
-عاملة إيه دلوقتي يا "خلود"؟
ردت بوهنٍ:
-الحمدلله، فين "تميم"؟
جاوبها مازحًا حتى يخفف من توتر الأجواء:
-بيجيب أكل وجاي، ما هو احنا ماشاء الله علينا، معسكرين كلنا هنا، اخدين المستشفى مقاولة لينا.
سألته "بثينة" على مضضٍ:
-وإنت طبعًا كنت لازق للمحروسة وأهلها
قال بشفاه مقلوبة:
-أيوه يامه، والحمدلله خرجت بالسلامة من العمليات
أضافت بنبرتها الساخطة:
-هي يعني كانت أول واحدة تعمل الزايدة؟ إنت بس اللي مدلوق عليهم.
هتف محتجًا وقد ارتفع الكدر في عينيه:
-مش خطيبتي يامه، ده الواجب!
انتهت "عائشة" من مهمتها الروتينية، وقالت بابتسامتها وهي تضع يدها على كتف "بثينة":
-طيب يا خالتي أستأذن أنا.
رمقتها بنظرة ذات مغزى قبل أن تأمرها:
-استني يا بت.
أرادت الأخيرة أن تظهر بمظهرها السخي معها، لذا تحركت صوب "هيثم" وأمسكت به من ذراعه، سحبته نحو الزاوية وهمست له:
-شوفلي معاك عشرين جنية كده.
تقلصت تعابيره، وسألها مندهشًا:
-ليه يامه؟
قالت بلهجة صارمة، لكنها خافتة، وهي تكز على أسنانها:
-هاتهم بس.
دس "هيثم" يده في جيب بنطاله الخلفي وأخرج من حافظته ورقة بفئة العشرون جنية، ثم ناولها إياها، طوتها "بثينة" في راحتها، ورسمت تلك البسمة المستهلكة على شفتيها وهي تدنو من "عائشة"، ثم تأبطت في ذراعها لتدفعها للسير معها، وما إن وصلت أعتاب الغرفة حتى وضعت في راحتها المغلقة النقود، واستطردت قائلة بإلحاحٍ:
-خدي دول يا حبيبتي
تصنعت الحرج منها، وردت:
-مالوش لازمة، خيرك مغرقني يا خالتي.
أصرت عليها بتجهم زائف كتعبير عن عدم تقبلها للرفض:
-يا بت ينفعوا في مواصلاتك، هما دول حاجة
أخذت "عائشة" النقود منها ووضعتها داخل جيب معطفها الأبيض وهي تشكرها:
-تسلميلي يا رب.
علق "هيثم" متبرمًا بعد أن رحلت الممرضة:
-مش لازم الفنجرة الكدابة دي يامه!
نظرت له بتنمرٍ قبل أن توبخه:
-ملكش دعوة.. أنا بأعملنا قيمة.
أخفض صوته وقال متهكمًا:
-من جيبي!
تنفس بعدها بعمقٍ، وأضاف:
-بأقولك إيه يامه أنا هاروح أشوف "همسة" فاقت ولا لسه.
وبخته بنفس أسلوبها الذي يكيل بمكيالين:
-ياخويا اتنيل اقعد جمب أختك اطمن عليها الأول، مسربع على إيه!
رد في انزعاجٍ، وقد ظهر على تعابيره علامات الاستياء:
-ما جوزها معاها، أنا هاعملها إيه
صاحت مستنكرة:
-هو فينه ادلعدي ده؟ محدش شاف طلته البهية.
أولاها ظهره وقد بدأ يتحرك نحو الخارج:
-زمانته جاي.
ارتفعت نبرتها القانطة لتلاحقه حين خــرج من الغرفة:
-طبعًا بيجيب طفح للي ما يتسموا.
أدار رأسه للخلف لينظر نحو باب الغرفة بنظرات مستهجنة، ثم هتف لنفسه ساخرًا، وكأنه يهزأ بقولها:
-أل يعني هيطفحوا لواحدهم، ما إنتو قبلهم!
..............................................................
-دي اللي عملناها للست إياها من يومين يا دكتور؟
تساءل أحد الأطباء بتلك العبارة وهو يضع نظارته على أنفه قبل أن يغوص في مقعده ليتابع باهتمامٍ تفاصيل إحدى العمليات الجراحية التي قام بها لإحدى السيدات اللاتي بلغت من العمر أربعين سنة، رد عليه زميله بجديةٍ، وقد كان مكلفًا بمتابعة وضعها الصحي:
-أيوه، للأسف سنها كبير، مع الجراحة دي كمان فرصها للإنجاب هتقل.
قال في أسف:
-ربنا يتولاها.
في تلك الأثناء، أتت الممرضة "عائشة" لتستدعي أحدهما لمخاطبة مدير المشفى لأمر عاجل، ودون قصدٍ منها أرهفت السمع لحديثهما الغامض منتظرة أن ينتهيا منه، لفت انتباهها حين أضاف الأول متعجبًا:
-مع إن عملية الزايدة تعتبر حاجة بسيطة اليومين دول، لكن مكوناش هنشوف ده ونعرف، أكيد ربنا ليه حكمة محدش عارفها.
علق عليه زميله موضحًا:
-التكيسات عندها على المبايض عالية، وحتى بالعلاج المكثف برضوه مش هاتخلف، فرصتها ضعيفة أوي.
رددت في نفسها باستغرابٍ:
-يا ترى بيتكلموا عن مين؟
وقبل أن تشرد في أفكارها الحائرة رفع الطبيب الأول أنظاره نحوها متسائلاً:
-خير؟ في حاجة يا "عيشة"؟
أجابته بربكة طفيفة:
-سيادة المدير عايزك يا دكتور.
أشار لها بيده قبل أن يرد:
-طيب أنا جاي وراكي.
لم تكن "عائشة" لتلقي بالاً لتلك الحالة المبهمة أو تعبأ بتفاصيلها لولا أن رأت "هيثم" يستوقف نفس الطبيب الذي يسير معها ليستعلم منه عن حالة أجرت الزائدة الدودية اليوم مما استرعى فضولها، انقبض قلبها فجــأة وقد خُيل إليها أنه يتحدث عن الحالة الميؤوس من إنجابها، بهتت ملامحها وقالت لنفسها في جزعٍ وعيناها ترتكزان عليه:
-يا نصيبتي لو طلعت خطيبته!
...................................................................
دموعها الحارقة كانت سلاحها الفعال الذي ينجح دومًا في استرقاق قلبه واستمالته نحوها، بكت "خلود" في لوعةٍ تشكو له انعدام الأخلاق لدى "فيروزة" لتبادر باتهامها بإفساد الخطبة قبل أن تكتمل متمنية التعاسة لشقيقها الوحيد، فما كان منها إلا محاولة منعها في فرض سطوتها على أختها قليلة الحيلة، حقًا كانت بارعة في إعادة سرد المواقف وتطويعها لتضعها في قالب الضحية المتجني عليها، وضعت يديها في حجرها بعد أن أسندت الوسادة خلف ظهرها، وقالت مجازفة وهي تسبل عينيها نحوه:
-أنا حتى خوفتها بيك، بس ولا همها حد.
أرادت بتلك الجملة الضمنية أن تتبين مدى معرفته بتفاصيل المشاجرة التي دارت بينهما في المطعم، لكنه نطق بغموضٍ لم يشعرها بالارتياح وهو يفرك أصابعه معًا:
-ماشي يا "خلود"، هنتكلم بعدين.
لم تعرف ما الذي يشغل تفكيره ليبدو بذلك الوجوم المثير للريبة، كانت عضلات وجهه مشدودة، نظراته غائمة، حتى صوته كان مغلفًا بالقتامة، بلعت ريقها وسألته بحذرٍ:
-إنت كويس؟ في حاجة مضيقاك يا حبيبي؟ أنا بخير متقلقش..
لم ينظر نحوها "تميم"، واكتفى بالتحديق أمامه، لكن تقلصت تعابيره حين أجابها بسؤالٍ مباغت:
-إنتي قولتيلها إيه بالظبط؟
اصفر وجهها وهي ترد بصوت مهتز:
-قولت لمين إيه؟
أدار رأسه ناحيتها، ثم ثبت عينيه المغلفتين بظلمة مُقلقة عليها وهو يوضح:
-للأبلة .. "فيروزة"!
عادت الدماء الهاربة لتغزو عروقها باندفاع غاضب حين رددت شفتاه اسمها من جديد، شعرت بتلك الحرقة تجتاح أحشائها عندما تطرق لسيرتها، استشاطت غيظًا وكمدًا، وبلا وعيٍ صرخت تهاجمه بعصبيةٍ:
-إنت بتنطق باسمها تاني قصادي؟ إنت عاوز تجنني؟ في إيه بينك وبينها؟ ولا الموضوع جاي على هواك؟
هب واقفًا من جلسته ليطالعها بنظراتٍ قوية نفذت إليها وأرعبتها، ثم أشــار لها بسبابته وهو ينذرها بنبرة اكتسبت صرامة شديدة متعمدًا تكرار ترديد اسمها مجردًا دون ألقاب:
-لآخرك مرة بسألك، قولتي لـ "فيروزة" إيه .......................................... ؟!
............................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الأربعون 40 - بقلم Manal Salem
القراء الأحباء، كلمة صغيرة للتوضيح، أنا مكونتش هانشر فصل اليوم، لأن مكانش عندي وقت، وكنت معظم الوقت مشغولة في شراء حاجات للبيت وانتظار طويل ممل لدفع الفواتير في السنترال ..ومع ذلك عشان تستمتعوا بباقي الأحداث كتبت جزء بسيط ..إن شاءالله يحوز على الإعجاب ..وانتظروا البقية في أقرب فرصة
الفصل الثاني والثلاثون (الجزء الأول)
ما عادت تعلم سوى أن نــارًا اسمها "فيروزة" قد اشتعلت في عروقها وحفزت جميع مشاعرها الثائرة لتبدو أكثر غضبًا، جموحًا، وعدائية .. انتزعت "خلود" الإبرة الطبية الموصولة في رسغها لتنهض عن الفراش، تقدم نحو زوجها ووقفت تتحداه بعينين تحبسان دموعًا حارقة، ثم هدرت تعنفه بكل غضبها المستعر في كيانها:
-إنت بتنطق اسمها تاني؟
سحب نفسًا مطولاً يثبط به أي بادرة غضب تلوح في الأفق، كان مدركًا لخطورة غضبه الذي بات على المحك، زفر ببطءٍ، ونظر لها مليًا قبل أن يرد ممتعضًا:
-غيري الموضوع، وامسكي في الهايف!
وضعت يديها على صدره، رفعتهما بتمهلٍ لتطوق عنقه، وتطلعت إليه بنظراتها الملتهبة، ثم صرخت فيه وقد امتزج صوتها الحاد مع نحنحة بكائها:
-إنت ليه مش حاسس بيا؟ عارف إني بأحبك وبأغير عليك من الهوا الطاير، ليه بتختبرني بيها كل شوية؟ ليه بتعذبني معاك؟ ده أنا بأموت فيك يا "تميم"
أراحت رأسها على صدره، وحاولت احتضانه لتؤثر عليه بمشاعرها المضطهدة، لكنه أمسك بمعصميها قبل أن يلتفا حوله، أبعدهما بالإكراه لتنظر له مصدومة، ثم تركها وتحرك مبتعدًا عنها ليتابع سؤالها بوجهه المتهجم:
-برضوه مجاوبتيش عليا، قولتيلها إيه؟
أدركت أن سلاح دموعها الحزينة لن يجدي معه تلك المرة، لتنتقل إذًا لشيء آخر يُحدث أثره عليه، تهدل كتفاها وارتدت قناع التعاسة لتجيبه بصوتٍ خفيض مهموم وهي تمسح دموعها:
-لو ده هيريحك فأنا اتكلمت معاها يا حبيبي، قولتلها تبعد عنك.. أظن ده من حقي...
لكن غلف صوتها قساوة مخيفة وهي تكمل:
-بس باللغة اللي تفهمها أمثالها!
كاد يسير كل شيء على ما يرام لولا جملتها الاعتراضية الأخيرة، كانت السبيل لكشف الجانب المعتم من شخصها الذي لم يعهده، لم تكن بالزوجة الطيعة المحبة الودودة التي تفيض مشاعرها حبًا وحنانًا، بل بدت لأول مرة غريبة عما اعتاد عليه، وكأنه يتعرف عليها من جديد؛ شخصية مناقضة لما عاشرها تتسم بالشراسة والأنانية، صراع رهيب مليء بالتخبط والحيرة دار في رأسه تلك اللحظة، أليست تلك الصفات العدائية ما تزعجه وتثير جنونه إن صدرت من "فيروزة"؟ إذًا لماذا لا يتقبلها من زوجته وهي تمتلك كافة الحق لتدافع عن زواجها إن شعرت أنه مهدد من قبل أحدهم؟ أرجأ ما ينتاب عقله مؤقتًا لحين صفاء ذهنه، وصاح معترضًا على ما قامت به، وإن كان بنية حسنة:
-إنتي عملتيلي مشاكل معاها يا "خلود".
ردت غير مبالية، وتلك النظرة الحاقدة تكسو حدقتيها البراقتين:
-المهم إنها تبعد عنك ومتقربش منك، إنت جوزي أنا وبس.
احتج بضيقٍ على تسلطها المبالغ فيه:
-أنا مافيش بيني وبينها حاجة عشان تتصرفي كده، وبطلي أوهام في خيالك التعبان ده.
عاد الحنق ليندفع فيها وصاحت تهاجمه باستنكارٍ:
-دلوقتي خيالي بقى تعبان ومش عاجبك؟ طبعًا لازم تدور على العيوب اللي فيا عشان تدافع عنها، وتطلعها ملاك، لكن أنا مراتك حبيبتك فيا العِبر كلها!
ضجر "تميم" من قلبها المستمر للحقائق، وهتف ينذرها وقد ضاق ذرعًا بتيبس عقلها:
-"خلود" بلاش تسوئي فيها أحسنلك.. أنا لحد دلوقتي بأتكلم بالعقل! بلاش تخرجيني عن شعوري.
ارتفعت نبرتها أكثر لتبدو أكثر حدة وهي تسأله:
-قول هتعمل إيه أكتر من كده؟!!
طالعها بنظرات غائمة غير مفهومة، أحبط قليلاً مجيء "بثينة" شجاره المحتدم معها، حيث التفت ناحيتها وهي تتساءل في قلقٍ:
-في إيه يا "خلود"؟ صوتكم واصل لبرا ليه؟!
جلست ابنتها على طرف الفراش واضعة قبضتها المتكورة على خدها، لتبدو وكأنها مغلوبة على أمرها، زفيرٌ ثقيلٌ خرج من بين شفتيها وهي ترد باقتضابٍ مكفهر:
-مافيش يامه.
وقفت "بثينة" قبالة زوج ابنتها ترمقه بنظرات عدوانية، وسألتها مباشرة دون أن يطرف لها جفن:
-هو "تميم" زعلك تاني؟
نفخ الأخير بصوتٍ مسموع كتعبير عن استيائه من تدخلها غير المستساغ في حياته الزوجية، ثم تحرك في اتجاه النافذة ليستنشق بعض الهواء المتجدد حتى لا ينفجر بكبته، تابعته "خلود" بنظراتها المراقبة، تنفست بعمقٍ لتعود إلى طبيعتها المسالمة المستكينة، وأجابت ببسمة رقيقة منمقة:
-لأ .. ده بالعكس بيحبني جدًا ويتمنالي الرضا
أدار "تميم" رأسه نصف استدارة ناحيتها ليرمقها بنظرة استنكارٍ، ثم حملق في مشهد الطريق الذي تطل عليه النافذة، بينما تساءلت والدتها في عدم اقتناعٍ وعيناها تتفرسان وجهه:
-أومال مش باين كده؟
ظلت ابتسامتها كما هي عندما استرسلت تخبرها:
-أصل أنا كنت عاوزة أمشي من المستشفى وهو مصمم أفضل هنا، إنتي عارفاني مش برتاح إلا في بيتي ومع جوزي حبيبي.
هز "تميم" رأسه في استهجان وهو يصغي إلى أكاذيبها، لو لم يكن طرفًا في ذلك المشهد الهزلي لصدق بسهولة كذبها، رفت ابتسامة مستهزأة على زاوية شفتيه، بدا مدهوشًا بقدرتها على الالتفاف حول الأمور، ومزعوجًا من مهارتها الخفية في تزييف الحقائق، حقًا كانت تُجيد فعل ذلك وبوسائل إقناع فعالة فتنطلي خدعها ببساطة على المستمع إليها، وبالطبع ستكسب عطف وشفقة الآخرين، في نظره تحول ذلك الحب المستفيض الذي تعبر لأمها عنه إلى مسخ منفر، وحاول أن يرغم نفسه على عدم الإنصات لها حتى لا يتصرف بجهالةٍ، أراد أن يحكم عقله أولاً، نظرة عابرة ألقاها للممرضة "عائشة" التي هرعت تُنادي في تعجلٍ من على أعتاب الغرفة وهي تجوب بعينيها باحثة عن أحدهم تحديدًا:
-يا خالتي.. فاضية شوية، عاوزاكي في كلمة على السريع.
استدارت "بثينة" نحوها، وسألتها بنبرة مهتمة:
-خير يا "عيشة"؟ في حاجة؟
سحبتها إلى خارج الغرفة لتتمكن من الانفراد بها، ثم سردت عليها ما سمعته بحذافيره سواء داخل غرفة الأطباء أو خارجها حين تبادل ابنها الحديث مع ذلك الطبيب، لطمت "بثينة" على صدرها وقد وَجف قلبها، وحملقت فيها بعينين متسعتين وهي تردد في جزعٍ:
-داهية لا تكون هي!
علقت عليها "عائشة":
-أنا قولتلك اللي أنا سمعته، بس الله أعلم إن كانت هي ولا لأ، وحاولت أطأس وأعرف وطلع مافيش حد عمليات النهاردة للزايدة غيرها، شوفوا هتعملوا إيه.
كانت ابتسامتها مبتورة وهي تشكرها:
-كتر خيرك، معروفك ده معايا مش هنسهولك أبدًا.
برزت أسنانها الفاقدة للبياض الناصع من خلف ابتسامتها الخبيثة قبل أن ترد مجاملة:
-أنا في الخدمة يا خالتي.
تسمرت "بثينة" لدقائق في مكانها ونظراتها شاردة، كانت تعيد تكرار ما سمعته في عقلها وكأنها تمحصه وتختبر صحته، نفضت ما يزدحم به عقلها من أفكارٍ متداخلة حين وصلت إلى تفسير يُرضيها، وقالت لنفسها في ازدراءٍ واضح:
-يعني أختها بومة ومطلعة عينيا، وهي أرض بور مهما تزرع فيها مش هتطرح.. لأ وبيتنططوا علينا كمان! ..
توحشت نظراتها، وأضافت بنبرة عازمة:
-أنا ليا لي كلام مع "هيثم"، الجوازة دي مش هاتكمل!
..........................................................................
-أنا مش هاقبل بالفلوس دي يا حاج، ممكن ترجعهم لابنك.
قالتها "فيروزة" بإصرارٍ وقد امتدت يدها برزمة نقود مطوية نحو "بدير" الذي وقف معها خارج غرفة أختها المسجاة على الفراش ليتبادلا الحديث الجاد، نظر لها مطولاً في حيرة، فأخبرته موضحة بحرجٍ:
-هو راح الحسابات يدفعهم مع قريبكم التاني.
ابتسم في لطافةٍ، ورد ببساطة حاسمًا الأمر من جانبه:
-طالما هو اللي دفعهم فأنا مش هاينفع أخدهم منك، ابني مسئول عن تصرفاته!
تجهمت تعبيراتها عندما عقبت عليه:
-وهو مش راضي!
أضاف بهدوءٍ ليشير لمروءته:
-بصراحة وماتزعليش يا بنتي، هو معاه حق، في الأصول "تميم" محدش يقدر يراجعه!
هتفت معترضة ودون أن يعلو صوتها:
-وهو يصح واحد غريب عننا يـ ....
قاطعها بتروٍ محاولاً إقناعها بالتراجع عما تفكر فيه وهو يبعد يدها الممسكة بالنقود للخلف لتضعها في حقيبتها:
-ماتأزميش نفسك، الموضوع مش مستاهل، دي حاجة بسيطة بنعملها مع أي حد نعرفه.
أصرت على موقفها موضحة له:
-دي مسألة مبدأ عندي يا حاج "بدير"، احنا متكفلين بنفسنا.
كان من البادي عليها عنادها غير المستسلم، لذا هتف منهيًا حوارهما:
-عامة يا بنتي ده لا مكانه ولا وقته، نطمن على أختك الأول.
ضغطت على شفتيها في حرجٍ من دعمه الأبوي الكبير الذي تفتقده في حياتها، وابتسمت تشكره في امتنانٍ:
-أنا أسفة إن كنت تعبتك معانا وشغلناك طول اليوم
رد برزانة تليق بشخصه:
-ده واجبي.
تلفتت "فيروزة" حولها متسائلة في حيرة:
-أنا بأدور على خالي مش شيفاه.
أجابها "بدير" وهو يجول بنظراته على الردهة:
-كان هنا من شوية، تقريبًا خد مراته وأمك ومشيوا.
أخرجت هاتفها المحمول واتصلت بوالدتها لتستعلم منها عن مكانها فأخبرتها في تعبٍ:
-معلش يا بنتي، أنا مشيت مع خالك من غير ما أقولك، بس عشان قالي أجهز هدوم لأختك تغير فيهم، وأنا شوية وراجعة.
وضعت "فيروزة" يدها أمام فمها لتخفي شفتيها وهي تقول لها:
-ماشي يا ماما، المهم إنك كويسة
ردت بنبرة مرهقة:
-الحمدلله، خليكي جمبك أختك ماتسيبهاش.
تنحنحت مؤكدة لها:
-اطمني.. أنا معاها.
أنهت المكالمة واستدارت برأسها لتحدق في وجه الحاج "بدير"، ثم عللت بسذاجة حتى لا تُظهر حنقها من فرار خالها الاعتيادي بأي حجة تناسبه:
-ماما تعبت من مجهود اليوم، وكمان عايزة تجيب هدوم لـ "همسة"، فخالي خدها يوصلها.
هز رأسه في تفهم وهو يرد:
-الله يكون في العون.
لم تنكر "فيروزة" أنها شعرت بضيق مقيت يجتاحها بسبب اختفاء خالها المفاجئ -والمعتاد في نفس الوقت- حين يكون الأمر مرتبطًا بالمسائل المادية، لم تكن مرته الأولى التي يختفي فيها من الوَسط المحيط حتى لا يتورط في دفع أي أموالٍ. عاودت وضع النقود في حقيبتها بعد أن يئست من مساعدة الحاج "بدير" في مسألة إعادتها إلى ابنه، ثم ادعت الابتسام لتقول له:
-بأشكرك من تاني على وقفتك معانا، تقدر تمشي يا حاج "بدير"، احنا مش محتاجين حاجة دلوقتي، "همسة" بقت كويسة وأنا موجودة معاها.
رد بحرجٍ طفيف مستخدمًا عكازه في الإشارة:
-طيب يا بنتي، وأنا بردك مش هاسيبك، هتابع معاكي كل شوية.
ابتسم تودعه في امتنانٍ:
-تسلم يا رب.
استندت "فيروزة" على الحائط بظهرها وشعورها بالإحباطِ يتغلغل فيها، فقد أظهرت لها المواقف التي تمر بها معادن الرجال المتباينة، وبالطبع خالها يحتل المرتبة الأخيرة في قائمة الأكثر رجولة إن لم يكن خارج التصنيف.
...............................................................
بوخزٍ وتأويهات خافتة تململت "همسة" في الفراش وقد انسحب كامل تأثير المخدر من جسدها لتعاود فتح عينيها في تعبٍ، تطلعت أمامها فلم تجد أحدهم بغرفتها المتسعة، أنة موجوعة انطلقت من بين شفتيها وهي تحاول التحرك، رفعت يدها لتضعها على جبينها، اعتصرت ذهنها محاولة استعادة المشهد الأخير، كان آخر ما تتذكره هي تلك الآلام المبرحة التي فتكت بجانبها وهي تستلقي على الطاولة المعدنية بغرفة العمليات، أدارت رأسها لجانبها الأيمن وقد سمعت الصوت الناعم يناديها:
-"هموسة" حمدلله على السلامة، كده تخضينا عليكي؟
أبصرت توأمتها وهي تسحب المقعد لتجلس إلى جوارها بعد أن قبلت أعلى رأسها، واصلت الأخيرة القول بحماسٍ:
-الدكتور طمنا، كلها يومين وتخرجي وترجعي زي الأول وأحسن
تساءلت "همسة" بصوتٍ واهن:
-ماما عاملة إيه؟
جاوبتها بما يشبه المبالغة وهي تحاول كتم ضحكتها:
-قلبتها مناحة، وعملت أفلام وحوارات، وهاتك يا عياط، ومسكت في الدكتور.
نظرت لها في غرابة، فلاحقتها مصححة قبل أن تصدق ثرثرتها الزائفة:
-متقلقيش ماما كويسة، هي بس رجعت البيت عشان تجيبلك هدوم، وأنا يا ستي هاتكفل وأبات معاكي النهاردة.
-فوقتي عشان أعرف أتكلم معاكي، ولا لسه مسهوكة على نفسك؟!!!
استدارت "فيروزة" برأسها للخلف ناحية باب الغرفة حين سمعت تلك العبارة الغاضبة تنطق بها "بثينة"، غامت نظراتها نحوها واحتدت بشكلٍ قاسٍ، ثم هبت واقفة لتهاجمها بصوتٍ يعكس ضيقها الشديد:
-في حد يدخل على واحدة مريضة بالشكل ده؟ ولا حتى يقول كده؟!
تحركت نحوها بحنقها الذي استعر وهي تتابع بنرفزةٍ:
-في حاجة اسمها استئذان وذوق، هي مش مفتوحة على البحري!!
دفعتها "بثينة" من كتفها في غضبٍ بائن لتزيحها عن طريقها مواصلة تقدمها نحو "همسة"، وقفت مجاورة لفراشها، وركزت أنظارها الغامضة عليها قبل أن تستأنف بوقاحةٍ منقطعة النظير:
-مش إنتي طلعتي مابتخلفيش؟
تدلى فك "همسة" السفلي في صدمة مرتاعة من جملتها التي فاقت أي تصور منطقي يمكن أن يطرأ على بال أحد، أحست بانقباضة مخيفة تعتصر قلبها من شدة صدمتها، بينما انقضت "فيروزة" عليها وأبعدتها من كتفها عن توأمتها لتهاجمها كلاميًا بشراسةٍ وقد فارت دمائها:
-إيه كلام الجنان ده؟ إنتي بتقولي إزاي كده عن أختي؟
استحقرت نظراتها نحوها، وقالت بجمودٍ وتلك التعابير الساخطة تغطيها:
-ده مش كلامي، الدكاترة اللي عملوا العملية بيقولوا إن المحروسة ما بتخلفش، وأنا جيت أعرفها
صرخت بها "فيروزة" رافضة مجاراتها في افتراءاتها:
-أنا مش هاسمحلك تنطقي بحرف زيادة عن أختي يمسها..
ثم دفعتها بعنفٍ من جانبها نحو باب الغرفة لتطردها منها وهي تهدر في انفعالٍ جم:
-يالا من هنا
نجحت في إخراجها وصفقت الباب خلفها بقوةٍ هزت أركان الغرفة، التفتت ناظرة إلى "همسة" فوجدتها قد انخرطت في بكاءٍ حارق، هرولت نحوها، ثم أحنت جسدها عليها لتضمها بين ذراعيها وفي حضنها محاولة تهدئتها:
-ماتعيطيش يا حبيبتي، دي ست كدابة، مافيش حاجة من دي حقيقية..
ظلام حالك حاوط ببؤبؤيها المتشنجين، كما تبدلت نبرتها المتعاطفة لأخرى قاسية مخيفة حين أكملت بلهجة متوعدة بإحراق الأرض ومن عليها:
وأنا مش هاسكت عن اللي حصل ده، هاجيبلك حق من اللي اتبلى عليكي بكده يا "همسة" ............................................................. !!!
.........................................................................
يتبع >>>>>