تحميل رواية «الصدى الأخير للهاربة 2» PDF
بقلم maryam
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في الاحداث السابقة..بأمر من الملك، يبحث الشابان يوجي وساي، عن كنزه، لكن يكتشفان ان ذلك الكنز هو طفلة تدعى لوسيا، تتملك قوة كبيرة، لذا يتخلى كلاهما عن المهمة، والبدء بتهريبها، ومع سير الاحداث، يكشف ان لدى ساي قدرة على كشف الكذب، ويذهبون الى قرية صغيرة، حيث قتل يوجي صاحب السيرك الذي اغضب لوسيا، ثم يغمى على يوجي، فينطلق الاثنان الى مملكة روهيم حيث اخت يوجي، ويكشف ان داخل لوسيا سحر اسود يحميها، فيبحثون عن شخص يزيل السحر، بعدها يلتقي ساي ولوسيا اكيتو، طفل فقد امه، ومع بداية و نهاية التقاء الطفل، تتكش...
الفصل التاسع عشر: نار الحسم
ساد صمت ثقيل في الساحة بعد كلمات ليا.
الجمهور كله انحنى برقبته إلى الأمام، عيونهم متسعة، همسات متقطعة تتردد:
عائلتها؟ أي عائلة تقصد؟
هل للفتاة أصل خفي؟
ما الذي يحدث؟كارلا رفعت حاجبها بدهشة، ساي قبض على يده بقوة، أما أكيتو فشحب وجهه وكأنه
يحاول فهم اللغز، لكن أحدًا منهم لم يعرف ما الذي تقصده ليا حقًا.تقدمت لوسيا بخطوة، وصوتها امتزج بالغضب والارتباك.
-عائلتي؟… تعرفينها؟
ابتسمت ليا بثقة وقالت: نعم. وأعرف سبب كرههما الشديد لكِ. أتريدين معرفة ذلك؟
تقلصت عين لوسيا، وانطلقت بجسدها نحوها وهي
ترد بحزم.- لا شكراً! أنا لا أهتم بمعرفة أشخاص يكرهونني… ويلقون بي في القاع!
تراجعت ليا بخفة وهي تحاول أن تستفزها أكثر:
ألا تريدين أن تعرفي من هما… وما اسمهما؟
صرخت لوسيا وهي تطلق ضربتها الأخيرة،
طاقة هائلة اجتاحت الحلبة:
ألم تسمعيني؟… لا شكراً!
انفجر الضوء في الساحة، ومع زوال الغبار
كانت ليا ملقاة على الأرض، مهزومة، أنفاسها متقطعة، بينما وقفت لوسيا شامخة، عيناها حادتان وجادتان.
اقتربت منها، ونظرت إليها نظرة حادة وقالت ببرود:
شكراً على القتال… وداعاً.
تعالت أصوات الجماهير، المعلق صرخ مذهولًا:
يا إلهي… إنها معجزة! لقد هزمت لوسيا أقوى وآخر محاربة في سايران! وهكذا… تخسر مملكة سايران المنافسات!
ملك سايران كان يحدق بكارلا بعيون غاضبة مشتعلة،
أما هي فاكتفت بابتسامة صغيرة، تحمل نظرة انتصار
لا تخفى على أحد.بعد انتهاء القتال، اجتمع يوجي وساي وكارلا حول لوسيا. صافحوها وباركوا لها النصر.
قال ساي مبتسمًا بفخر:
هذه هي الروح… لم تستمعي إليها،
وأكملتِ القتال حتى النهاية.
ابتسمت لوسيا بخفة وردت.
-شكراً لك.
المعلق عاد ليهتف بصوت جهوري:
والآن… إلى المواجهة الحاسمة! إن فاز ساي،
تفوز روهيم. وإن فاز كاكوزان… فهو من سيواجه لوسيا في آخر جولة!
دخل الاثنان الساحة، يقفان متقابلين.
كاكوزان ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
لا أريد لهذه المعركة أن تكون مليئة بالكراهية…
فلنقاتل بشرف، يا ساي.
ساي ضحك باستهزاء وأجابه بصوت قاسٍ:
لا داعي لكل هذا التمثيل… أعرف حقيقتك. شرير… ووقح. لن تخدعني بطيبتك الزائفة.
ارتجت الساحة مع صيحات الجماهير، كأنهم انقسموا نصفين: نصف يحيي ساي، والنصف الآخر يصفق لكاكوزان.
بإشارة الحكم، انطلقت المواجهة.
اندفع ساي أولًا، قبضته مشتعلة بطاقة كثيفة، وضرب كاكوزان بقوة، لكن الأخير صد الضربة بذراعه وأرجعها بعزم هائل، الشرر يتطاير.
ساي استدار بسرعة وضرب بقدمه، فكاد يصيب وجه كاكوزان، لكنه تفادى بخطوة هادئة وأمسك ساقه، ثم دفعه للخلف.
سقط ساي أرضًا لكنه نهض فورًا،
يبتسم ابتسامة مليئة بالغضب:
هذا ما أريده… قتال حتى النهاية.
اندفع الاثنان مجددًا، تبادلت الضربات بسرعة،
كل ضربة تهز الأرض تحت أقدامهما، وكل اصطدام يُشعل صيحات الجماهير أكثر فأكثر.
وتوقف المشهد عند اشتباكهما وسط الساحة،
عيون كل واحد مغروسة في الآخر،
والقوة بينهما تتصادم بلا رحمة…
الفصل العشرون: ساي ضد رو
اشتعلت الساحة تحت وقع القتال، صرخات الجماهير تتعالى مع كل ضربة، والملوك يراقبون المشهد بعيون مترقبة.
ساي اندفع بكل قوته، قبضته تشتعل بطاقة حمراء متقدة، بينما كاكوزان وقف بثبات،
ابتسامته الهادئة لم تفارقه.
اصطدمت ضرباتهما مرارًا، صوت التصادم دوى كالرعد، الشرر تناثر في الهواء، والغبار تصاعد ليغطي الأرضية.
ساي هتف بغضب وهو يهاجم بلا توقف:
كف عن هذا الهدوء الزائف! أظهر حقيقتك!
كاكوزان رد بهدوء، وهو يصد الضربات
واحدة تلو الأخرى:
هذه هي حقيقتي… لن أسمح للغضب أن يعميني كما يفعل بك.
اندفع ساي من جديد، ركض بسرعة خاطفة،
وقفز عاليًا قبل أن يوجه ضربة قاضية نحو صدره. لكن كاكوزان رفع ذراعيه المتقاطعتين، وتصدى للهجمة، ثم دفع ساي بقوة جعلته يتراجع مترين إلى الوراء.
أصوات الجمهور تتعارك كما تتعارك
قبضات المقاتلين: ساي! ساي! كاكوزان! كاكوزان!
ساي نهض مجددًا، الدم يسيل من جبهته،
لكنه ابتسم: لن أتوقف… حتى لو كان هذا
آخر ما أفعله!ركض بكل قوته، جمع طاقته في يده،
موجة هائلة من القوة الحمراء غطت الساحة، وأطلق هجمته النهائية. لكن في اللحظة ذاتها، كاكوزان أغلق عينيه، ثم فتحهما وقد تلألأ فيهما ضوء غريب، واندفعت من جسده موجة طاقة ذهبية مظلمة اجتاحت الأرض.
اصطدمت القوتان في منتصف الحلبة، انفجار ضخم هز القصر كله، ألسنة الغبار ارتفعت إلى السماء، والرؤية اختفت لثوانٍ طويلة.
الجماهير صرخت، بعضهم نهض من مقاعدهم، الملوك أمسكوا بأذرع كراسيهم.
وحين تلاشى الغبار… كان ساي راكعًا على ركبتيه،
جسده منهك، أنفاسه متقطعة.
أما كاكوزان، فوقف شامخًا أمامه، يده مرفوعة،
وقوته ما زالت مشتعلة حوله.
حاول ساي النهوض، لكنه سقط أرضًا بلا قدرة على
الحراك.
الحكم رفع يده، وصوت المعلق دوى كالصاعقة:
الفائز هو… كاكوزان من مملكة كو! وهكذا…
لم تستطع روهيم أن تحسم المنافسات بعد!
الجمهور انفجر بالصراخ، نصفه يحتفل، ونصفه يصرخ بخيبة أمل.
كاكوزان تقدم بخطوات هادئة،
نظر إلى ساي على الأرض وقال بصوت منخفض يكاد لا يسمعه أحد:
كنت خصمًا قويًا… أشكرك.
رفع الحكم يده مجددًا، وصوت المعلق عاد يعلو،
محمّلًا بالتشويق:
والآن… سنأخذ استراحة قصيرة…
وبعدها سيبدأ الحدث الذي ينتظره الجميع… النهائي الكبير! المواجهة المصيرية بين…
لوسيا ضد كاكوزان !!!
تعالت الهتافات في الساحة، وكأنها زلزال يهز الأرض تحت أقدامهم، والكل يعلم أن ما سيأتي
لن يكون مجرد قتال… بل معركة تحدد المصير.
الفصل الواحد و العشرون: مواجهة من الماضي
في غرفة صغيرة مظلمة خلف ساحة القتال، جلست لوسيا على كرسي خشبي قديم، رأسها مائل إلى الأرض، ويدها ترتجف وهي تمسك بقبعتها. كان قلبها يخفق بقوة، ليس خوفًا من القتال… بل من الماضي الذي عاد ليطاردها.
تغلغلت الصور في ذهنها رغماً عنها.
-ذلك الرجل… كاكوزان.
تتذكر وجهه البارد وهو يراقبها في صغرها،
تلك اللحظات التي كانت عالقة بين القسوة والرهبة، صوته الغليظ وهو يأمرها بالانصياع، نظراته التي تحمل في طياتها حكمًا بالموت، والليالي التي قضتها وهي تحاول النجاة من قبضته ومن تجاربه.
شعرت بشيء يخنق صدرها، ودمعة ثقيلة انسابت على خدها لتلامس ندبتها القديمة. لم تكن دمعة ضعف،
بل خليط من ألم وحنق دفين.
همست بصوت متهدّج.
-كاكوزان… هذه المرة لن أهرب…
هذه المرة سأُنهي كل شيء.
لكن جسدها بدأ يضعف، كأن الذكريات تسحب منها أنفاسها الأخيرة. رأسها مال للخلف، وأنفاسها أصبحت متقطعة.
وقبل أن تنهار تماماً، شقّ السكون صوت مألوف:
لوسيا! هيا… ستبدأ المنافسة!
كان صوت أكيتو، يطرق باب الغرفة بنبرة استعجال،
لكنه حمل دفئاً أعادها إلى الواقع.
مسحت دموعها بسرعة، تنفست بعمق، ونهضت بخطوات ثابتة. قبضتها أغلقت بقوة، وابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها.
قالت بصوت منخفض، وكأنها ترد على الماضي كله.
-لن أدعك تنتصر هذه المرة… كاكوزان.
فتحت الباب وخرجت نحو الساحة، حيث ستبدأ المواجهة التي ستقرر مصيرها.
كان الجمهور يعلو بالهتافات،
وأعين الممالك كلها موجهة نحوها.
وفي الجانب المقابل، ظهر خصمها… كاكوزان رو.
كان يقف شامخًا، عيناه السوداوان تحملان
صلابة لا تلين.
لم يكن يعلم شيئًا عن الماضي الذي يثقل قلبها… لم يكن يعلم أنه في زمن آخر، كان صدى اسمه يرتبط بالدمار والخيانة.
اقتربا من مركز الساحة، وبينهما مسافة مشحونة بالصمت.
قال كاكوزان بصوت عميق:
سأقاتلك بجدية… فلا تظني أنني سأتهاون لأنك فتاة.
ابتسمت لوسيا ابتسامة باهتة،
لكنها كانت تحمل خلفها ألماً دفينًا.
-هذا جيد… لأنني أيضًا لن أتهاون معك.
رفع الحكم يده معلنًا البداية.
ارتج المكان مع صوت الجرس:
لتبدأ المنافسة!
اندفع كاكوزان أولاً، قبضته كالصخرة تتجه مباشرة نحوها.
قفزت لوسيا إلى الوراء بخفة،
ركلت الأرض لتدور بسرعة، ورفعت يدها لتطلق ضوءًا أزرق من عينها اليمنى التي تحمل الزهرة.
اصطدم الهجومان، وانفجر الغبار في الساحة.
الجمهور تعالت صيحاته، بينما ظلت
نظرات لوسيا مثبتة على كاكوزان…
ليست فقط كخصم، بل كظلٍ من الماضي الذي
لا يعرفه. قالت في سرها وهي تتقدم
خطوة أخرى.
-لن أدع التاريخ يعيد نفسه…
حتى لو لم تتذكر، سأقاتلك كعدو هذه المرة.
أما كاكوزان، فشد قبضته من جديد،
وعلى وجهه مزيج من التحدي والحماس، غير مدرك أن هذه المعركة ليست مجرد منافسة بالنسبة لها… بل صراع بين زمنين.
و في لحظة حاسمة، استطاعت لوسيا أن تنفذ بخطوة سريعة خلف دفاعات كاكوزان،
وبيد ترتجف بين الغضب والعزم، غرزت سلاحها في جسده. صمتت الساحة لوهلة.
جحظت عينا كاكوزان، قبل أن يطلق ضحكة متقطعة، تحولت سريعًا إلى صرخة مدوية.
لقد… أيقظت ما لم يكن عليك لمسه…!
من الجرح بدأ يتدفق دخان أسود كثيف، يغمر جسده ويحيط بالساحة.
الأرض نفسها ارتجفت، والظلام أخذ يتشكل حوله كأجنحة عملاقة.
ارتدت لوسيا إلى الخلف، تحدّق بعينين متسعتين.
لقد فعلتها… لكنها حررت قوة مظلمة كانت مدفونة
في أعماقه.
وهكذا… لم يعد كاكوزان كما كان.
لقد بدأ الظلام الحقيقي بالظهور.
الفصل الثاني و العشرون: قتال دمية
ارتجّت الساحة مع صرخة الظلام التي انفجرت من جسد كاكوزان.
الطاقة السوداء التفّت حوله كعاصفة حية، والجمهور تراجع مذهولًا، بعضهم ارتجف وبعضهم صرخ:
ما هذا الكيان؟! لكن لوسيا لم تتحرك خطوة للخلف.
كانت عيناها تلمعان بصرامة، وهي تتمتم في نفسها.
-إنه ليس كاكوزان... لا أشعر بروحه.
هذا جسد بلا روح... مجرد دمية تتحكم بها قوة خفية.
اندفع كاكوزان نحوها، سيفه الضخم ينزل كالصاعقة. تصدت له بصعوبة، والشرر تناثر بين سلاحين
يتصادمان. ومع كل ضربة، شعرت لوسيا أن الجسد أمامها فارغ، يتحرك كآلة بلا عقل.
قالت في نفسها وهي تتراجع بخفة
-عليّ إيجاد الشخص الذي يتحكم بهذه الدمية المرعبة...الهجوم لم يتوقف.
كاكوزان يقاتلها بوحشية لا تعرف الرحمة. ضرباته منظمة، كأنها مرسومة بخيوط خفية تحركه.
ومع كل لحظة كانت تشعر أكثر أن أحدًا ما وراء هذا الجسد.
بينما كانت تندفع إلى الجانب لتتفادى ضربة مميتة،
رفعت عينيها للحظة، وهناك…!
خيوط رفيعة جدًا، سوداء اللون، تتلألأ بخفوت وسط الضوء. كانت تمتد من جسد كاكوزان إلى أعلى،
ثم تتفرع في الهواء مثل شجرة من الظلال.
شهقت لوسيا بصوت منخفض.
-خيوط...؟
حاولت أن تركز وسط القتال، وفي لحظة خاطفة
قفزت وأطلقت بطاقتها،
قاطعةً أحد تلك الخيوط. توقّف جسد كاكوزان نصف ثانية، تمايل قليلًا، ثم استعاد توازنه.
نجحت... لكن الخيط لم ينقطع تمامًا.
عليّ أن أعرف إلى أين يذهب...
تبعت بعينيها الخيط المقطوع،
تراه يتلاشى في الهواء… يمتد بعيدًا فوق رؤوس الجمهور، ثم إلى المنصة الملكية.
بدأ قلبها يخفق بقوة، وفي داخلها همست.
-هل من الممكن...؟
واصلت قتالها بضراوة، تهاجم الدمية وتتفادى سيفها الثقيل، بينما في ذهنها سؤال واحد يحترق.
-من الذي يقف وراء هذه الخيوط؟ من يحرّك كاكوزان؟
رفعت عينيها مجددًا، تتبعت الخيوط المتشابكة، وفي النهاية رأت ما لم يكن في الحسبان...
الخيوط كلها، كل خيط مظلم ومرعب، كان يتجه نحو مكان واحد فقط.
نحو العرش.
حيث يجلس ملك كو، نظراته الغامضة
مثبتة عليها...
توقفت أنفاسها للحظة، جسدها كله ارتعش، ارتسمت في عينيها ملامح الخوف، لكن سرعان ما اشتعل فيهما الغضب.
تحدّق بالملك من بعيد، نظرة جمعت بين
الرعب والكره، وكأنها تقول:
-أنت... أنت من يقف وراء كل هذا!
الفصل الثالث و العشرون: سيد اللعبة
أنفاسها ثابتة، لكن قلبها يشتعل بغضب مكتوم.
كانت عيناها مثبتتين على خصمها، الدمية التي تحركت بخيوط خفية، لكنها لم تعد لغزًا بالنسبة لها.
-الملك… هو الذي يقف وراءها… هو من يعبث بمصيرنا جميعًا.الجمهور يهتف، بينما لوسيا تهمس في نفسها.
-حسنًا… سأقاتل هذه الدمية، لكن عيني ستبقى على من يحركها.
اندفع كاكوزان-الدمية نحوها
بضربات ثقيلة، ولوسيا تتراجع بخفة، تتصدى تارة وتهاجم تارة أخرى. شرارات القوة تتناثر مع كل اصطدام، وصدى القتال يملأ القاعة.
كانت الدمية مرعبة، قوتها تكاد لا تنفد،
لكن لوسيا لم تسمح للخوف أن يتسلل إليها.
-لن أسمح لك أن تستمتع أكثر، أيها الملك…
فكرت وهي تهاجم بضربة خاطفة شقت صدر الدمية،
ثم تلتها أخرى حطمت كتفها.
توالت الضربات، حتى تهاوت الدمية على الأرض
متصدعة، صمت خيم على الساحة، ثم انفجرت القاعة بالتصفيق والهتاف.
المعلق صاح: انتهى النزال! الفائزة هي… لوسيا!
لكن بينما كانت تلتقط أنفاسها، تصاعدت هالة سوداء كثيفة من بقايا جسد الدمية، جعلت الأرض
ترتج وتصدع بعض الجدران. رفعت لوسيا بصرها
فورًا إلى الملك، لتراه يبتسم لها بهدوء… ابتسامة باردة تزرع الرعب في القلوب.أنت تعلم أنني
اكتشفتك… وما زلت تبتسم؟فكرت وهي
تحدق فيه بعينين جادتين.ثم، وقبل أن تتحرك،
اهتزت الأرض مجددًا… الدمية المحطمة بدأت
تتحرك من جديد! أطرافها المتكسرة عادت للحياة،
تتمايل بشكل مرعب. الجمهور ارتبك،
المعلق صرخ بدهشة: ما هذا…؟ إنها تنهض من جديد
رغم تحطمها! لكن قبل أن تندلع الجولة الثانية،
وقف الملك من مكانه، بخطوات هادئة، نزل بنفسه إلى الساحة. عيون الجميع تلاحقه بذهول،
صمت خانق يخيّم، قبل أن يمد يده ويحطم
الدمية بضربة واحدة فقط.
تحطمت تمامًا، هذه المرة بلا رجعة.
الجمهور جُنّ، الصرخات تعالت بين الدهشة والخوف.
أما الملك، فقد واصل سيره حتى وقف بجانب لوسيا
اقترب أكثر، حتى أصبح على مسافة خطوة، ثم انحنى قليلًا وهمس في أذنها بكلمات لم يسمعها أحد
…
ابتسم، ثم استدار ومشى خارج الساحة ببطء،
تاركًا خلفه لوسيا متجمدة في مكانها.
نظرت إليه بعينين مشتعلتين بالغضب والخوف، قبضتاها مشدودتان، وقلبها يرتجف من ذلك الهمس الغامض.
دخل أكيتو وكارلا وساي مسرعين نحوها،
اقترب أكيتو وقال بلهجة قلقة:
لوسيا… ماذا قال لك؟
لكنها لم تجبه.
اكتفت بالتحديق في المكان الذي خرج منه الملك، وعيناها لا تزالان متوهجتين بالحدة، بينما الصمت يزداد ثقلاً حولها.
الفصل الرابع و العشرون: ما وراء أصداء الاحتفال
تعالت صيحات المعلق بصوت جهوري يملأ الساحة:
بعد نصف ساعة من الآن سيتم حفل التكريم لجميع المشاركين… وتكريم الفائزة العظمى في
القاعة الكبرى! والآن، فليذهب الجميع إلى بيوتهم ليستعدوا للحفل. غادر الحشد بهتافات فرح،
بينما لوسيا، وكارلا، وأكيتو، عادوا معًا إلى
حيث ينتظرهم يوجي. رحّب بهم يوجي بلهفة
وسألهم عن النتيجة، فبدأ ساي يشرح له ما حصل في القتال، وكيف انتهت المواجهة المذهلة. كارلا أضافت بعض التفاصيل بابتسامة واثقة، وأكيتو بدت
على ملامحه الجدية المعتادة.أما لوسيا…
فقد جلست قرب النافذة، صامتة، تحدق في
الأفق بلا كلمة. لم تلتفت لحديثهم،
ولم تشاركهم نشوة الانتصار. ظلّت عيناها
عالقتين في البعيد، كأنها ترى شيئًا لا يراه غيرها.
مرت الدقائق سريعًا، وحانت لحظة التجهز.
ارتدى الجميع ثيابهم الرسمية، ثم استعدوا للتوجه إلى القاعة الكبرى.
نظر يوجي إلى لوسيا مبتسمًا رغم عبوسها وقال: لا تعبسي هكذا… نجمة الحفل يجدر بها أن
تكون سعيدة. رفعت لوسيا نظرها إليه، ورسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها، لكنها لم تصل
إلى عينيها. ثم تحركوا جميعًا نحو القاعة.
كانت القاعة الكبرى مهيبة، أعمدتها الشاهقة مرصعة بالذهب، والجدران مزينة بأفخم اللوحات، والشموع العملاقة تضيء المكان كأنه نهار. امتلأت القاعة بنبلاء المملكة الثلاثة، وجلس الملوك على منصاتهم المهيبة.
وقف منادي القاعة، صوته يصدح:
والآن، سيداتي وسادتي… لنرحب جميعًا ببطلة هذه المنافسات… لوسيااا!
تعالت الهتافات، وارتجت القاعة بالتصفيق.
تقدمت لوسيا بخطوات ثابتة إلى المنصة،
والأنظار كلها مسلطة عليها.
كان أول الملوك المتقدمين هو ملك سايران.
ابتسم لها وقال: أبارك لكِ يا لوسيا بفوزك العظيم. سأمنحكِ أعظم جائزة… لؤلؤة نادرة، جمالها يفوق الوصف. انحنت له احترامًا وشكرته.
ثم تقدم ملك كو، رايزا. نظرت إليه لوسيا نظرة جادة مختلفة عن تلك التي وجهتها لملك سايران،
وكأن عينيها تريدان أن تخترقا روحه. ابتسم رايزا وقال: مبارك لك يا لوسيا… خذي هذا السيف.
إنه أندر وأعظم السيوف، يليق بمقاتلة مثلك.
أخذت السيف بصمت، ثم واصلت طريقها إلى
كارلا التي باركت لها بحرارة، وقدمت لها مفتاح الخزنة الملكية. توالت بعدها الهدايا من النبلاء والحاضرين،
ورود، جواهر، وتذكارات ثمينة.ثم جاء دور يوجي،
فاقترب وأعطاها هدية بسيطة لكنها تحمل في داخلها معاني كبيرة من التقدير. بعده ساي،
بابتسامة هادئة وهدية أخرى.
وأخيرًا… وقف أمامها أكيتو.
لم يقدم لها هدية.
بدلًا من ذلك، اقترب منها وهمس بكلمات
قصيرة جعلت وجهها يتجمد من الدهشة.
-هل هذا… حقيقي؟! همست لوسيا بصوت فرح.
ابتسم أكيتو بهدوء وقال: نعم.
اتسعت عيناها لوهلة، ثم حاولت أن تخفي ابتسامتها الصغيرة.
بدأ الحفل يزداد صخبًا، الألحان ترتفع، والأنوار تتلألأ.
لكن لوسيا… تسللت بخفة من بين الحشود،
اختفت عن أعين الجميع، كأنها انجذبت بقوة خفية نحو مكان معزول.للوهلة الأولى، بدا الأمر وكأنها
ذاهبة لتلتقي أكيتو، خاصة بعدما قاله لها…
لكن .حين وصلت إلى الممر الحجري المظلم
خلف القاعة، وقفت هناك بانتظار الشخص الذي استشعرت حضوره. وما إن
خطت بضع خطوات حتى خرج من الظلال…
لم يكن أكيتو.
كان رايزا.
تجمدت أنفاس لوسيا للحظة، عيناها تحدقان به بحدة، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، لكنها كانت تعرف أنه سيأتي.
الفصل الخامس و العشرون: المعركة الخفية
القمر يتوسّط السماء، مستديرًا كحجرٍ من الفضة الصافية، يسكب نوره على الأرض فيغمرها بهالة بيضاء هادئة. تتلألأ حوله نجوم متناثرة كحبات لؤلؤ في بحرٍ أسود، والغيوم تنزاح ببطء، كأنها لا تجرؤ على حجب ضيائه. مع كل شعاع يرسله، يزداد الليل
سحرًا وغموضًا، حتى يبدو كأن العالم لا يعيش إلا على ضوءه وحده. ومن بعيد، كان القمر ينحدر
بخفة ليغمرهما معًا، لوسيا ورايزا، كأنه وحده
الشاهد على لقائهما، يرسم ظلالهما الطويلة
على الأرض ويمنحهما حضورًا أكبر مما هما عليه.
أصوات الاحتفال الخافتة وضحكات الناس تصل
من بعيد، لكن هنا، في هذا المكان المعزول،
لا يسمع سوى تنفّسٍ هادئ وصوت الريح.
لوسيا وقفت بعين ثابتة، هادئة كأنها لم تتأثر
بكل ما حدث. في المقابل، كان رايزا ينظر
إليها بابتسامة واثقة، ابتسامة تخفي خلفها شيئًا
غامضًا لا يمكن فهمه بسهولة. وبدون مقدمات.
-هيا، لنبدأ القتال.
أخرج رايزا سيفه اللامع، رفعه أمامه بثقة، واتخذ حركة الاستعداد قائلاً بنبرة هادئة وابتسامة لا تفارقه:
أنا مستعد في أي وقت. اندفعا نحو بعضهما،
وتلاقت حدة السيف مع قوة لوسيا في ارتطامٍ أخرج شرارات صغيرة في الليل. وأثناء القتال،
قال رايزا: إذن… إذا خسرتِ، ستعودين إلى "كو".
توقفت لوسيا لحظة، رفعت حاجبها ثم ردت
بصوتٍ بارد. – وإذا أنت خسرت… فسوف
تجعلني أقتلك.ضحك رايزا وهو يصد ضربتها:
أوه يا إلهي… تقتلينني؟ حسنًا… سنرى.
دفعها بعيدًا بضربة قوية، فتراجعت عدة خطوات إلى الوراء، لكنها ما لبثت أن ركضت نحوه بسرعة خاطفة. الهواء اهتز حولها وهي تجمع طاقتها في لحظة واحدة،
ثم قفزت لتضربه بقدمها القوية. قالت بابتسامة
مرعبة وعينها قد اشتعلت بالحمرة.
– رايزا! تصدى رايزا للركلة بيده، توقف جسده للحظة
وهو ينظر إليها بعيون متفاجئة، ثم ارتسمت ابتسامة أخرى على وجهه، ابتسامة تحمل خليطًا من المتعة والدهشة.
يا لها من قوة… تمتم قبل أن يدفعها بعيدًا.
لكن لوسيا لم تتوقف، رفعت يدها نحو السماء، لتخرج منها قوتها . هالتها البيضاء غمرت
المكان، ثم ارتفعت في الهواء، ووجهها يزداد مرحا وابتسامة. صرخ رايزا بابتسامة متحدية: أأنتِ متأكدة
من إخراج هذه القوة؟ ربما لن تستطيعي السيطرة
عليها مرة أخرى !ضحكت لوسيا وهي
تندفع نحوه بسرعة خاطفة، عيناها تحترقان بالتصميم.
– في الواقع… هذا ليس من شأنك. تلاقت الضربات،
قوة ضوء لوسيا ضد سيف رايزا الذي يلمع تحت القمر، فملأت الشرارات والأنفاس الثقيلة الجوّ من حولهما.
وفي الداخل، حيث القاعة المليئة بالموسيقى
والضحكات، التفت أكيتو فجأة. كانت أصوات ارتطامٍ عنيفة تصل من الخارج، كأن معركة تدور خلف أسوار الاحتفال. توقف قلبه لحظة، قبل أن يفتح الباب ويخرج مسرعًا، وعيناه تلمعان بالقلق:
…
لوسيا ؟!
الفصل السادس و العشرون: قوة بلا رحمة
في الخارج، كان الليل ما يزال يحتفظ بهيبته،
والقمر ينثر ضوءه الفضي على الساحة المنعزلة حيث تدور المعركة بين لوسيا ورايزا. أصوات اصطدام
السيوف واندفاع القوى كانت تمزق الصمت الهادئ، وكأن الطبيعة نفسها تحبس أنفاسها لمتابعة
هذا القتال.داخل القاعة الكبرى، كانت أصوات
الموسيقى والضحكات تتعالى، لكن شخصًا واحدًا لم
يكن قادرًا على تجاهل ما يحدث. أكيتو، وقد اتسعت عيناه وهو يطل من بعيد على القتال،
يهمس غير مصدّق: لوسيا...؟في تلك اللحظة،
ظهر خلفه صوت هادئ لكنه جاد: أكيتو...
ما الذي تفعله هنا؟ استدار أكيتو بارتباك، ليجد ساي يقف خلفه، عينيه تحدّقان مباشرةً في انعكاس القتال البعيد على ضوء القمر. تقدم ساي خطوة وهو يقول:
لا تخبرني... تلك التي تقاتل هناك... إنها لوسيا،
أليس كذلك؟
أكيتو ظل صامتًا للحظة، وكأن كلماته عالقة في حلقه. ارتسمت على وجهه ملامح القلق، بينما صوت السيوف البعيد يتعالى. أخيرًا، رد بصوت منخفض:
نعم... إنها هي.
تجمد ساي في مكانه، قبضته ترتعش وهو يرفع
عينيه نحو السماء وكأنه يحاول استيعاب الأمر.
ثم سأل بصوت متهدج، لكن فيه غضب خفي:
ومن الذي تقاتله؟
أكيتو التفت مجددًا نحو ساحة القتال، حيث الشرر
يلمع مع كل ضربة، وقال بحذر: ...إنه رايزا.
ساد الصمت لوهلة، حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف. اتسعت عينا ساي بدهشة ممزوجة بالغضب والقلق، قبل أن يهمس:
رايزا...؟!
تجمد ساي عند سماع اسم رايزا، قلبه ينبض بقوة
حتى شعر أنه سيسمع صداه. لم يمهله الموقف كثيرًا،
إذ انفتح باب القاعة الخلفية بخطوات سريعة.
كان يوجي يدخل وهو يبحث بعينيه عن ساي الذي
تأخر عن العودة.
وما إن وقعت عيناه على الاثنين حتى قال بنبرة
متسائلة: ما الذي تفعلانه هنا؟
لكن عيناه سرعان ما التقطتا البريق البعيد...
انعكاس سيوف تتصارع تحت ضوء القمر. شدّ حاجبيه وقال بحدة: ما هذا؟!
ساي ابتلع ريقه وهو يرد بصوت خافت، يكاد
لا يُسمع: إنها لوسيا...يوجي لم يصدق أذنيه،
تقدم خطوة سريعة نحو المشهد البعيد،
وعيناه تتسعان أكثر: مستحيل... إنها تقاتل...
مع من؟ أكيتو، الذي بدا وجهه متوترًا أكثر من أي
وقت مضى، أجاب بصوت مبحوح: مع...
رايزا.قبل أن ينطق أحدهم بكلمة أخرى، ارتفع صوت أنثوي صارم خلفهم:
هل قلت رايزا؟
التفتوا جميعًا ليجدوا كارلا واقفة، شعرها يتراقص مع نسيم الليل وعيناها تضيقان في حدة. تقدمت
بخطوات بطيئة، لكن هيبتها ملأت المكان، وقالت:
هل تحاولون إخباري... أن لوسيا الآن،
تقاتل رايزا؟
ساد الصمت بينهم للحظة، وكلٌّ منهم تبادل نظرات مرتبكة؛ فهم جميعًا أن ما يحدث يتجاوز حدود
منافسة أو نزاع شخصي.وفي البعيد،
تحت ضوء القمر، كان قوة لوسيا التي اصبحت سيف تشتبك مع سيف
رايزا، يرسلان شررًا يضيء الليل أكثر من
النجوم نفسها.
رايزا، بابتسامة ساخرة، قال بصوت حاد:
لم أظن أن الفتاة الصغيرة أمامي تحمل كل هذا الغضب… هل تعتقدين حقًا أنكِ تستطيعين التغلب عليّ؟ لوسيا، عينيها تتوهجان بالغضب،
ردّت بينما كانت تتفادى ضربة سيفه:.
– لم أعد صغيرة… ولن أتراجع بعد اليوم!
اصطدم سيفاهما
مجددًا، وهما يتحركان بسرعة مذهلة، كل ضربة تهز الأرض تحت قدميهما. شرر يتطاير،
وأصوات الحديد على الحديد تتردد كصدى الحرب في الساحة.رايزا تقدم خطوة للأمام، محاولًا كسر دفاعها:
هذا فقط البداية، لوسيا… أترين كم أنا أقوى؟
لوسيا ابتسمت ابتسامة متوترة، ثم ردّت بضربة جانبية حاسمة.
– القوة ليست كل شيء، من يمتلك العزيمة
يستطيع قلب الموازين!تبادلا الضربات المتلاحقة، وسيوفهما ترقص في الهواء بسرعة لا تُصدق.
كل حركة تترك أثرًا على وجه الآخر، لكنهما لم
يتركوا أي فرصة للوقوف.رايزا هتف بغضب:
لماذا تصمّمين على المقاومة؟! هذه الحرب
أكبر منك! لوسيا تصدت لضربته الأخيرة،
وسيفها ينزلق على سيفه بدقة مذهلة،
وقالت بصوت منخفض لكنه حاد.
– لأن هذه ليست حربًا لأحد… إنها حياتي…
ولن أتركك تتحكم فيها!لحظة قصيرة من الصمت،
ثم انطلقت كل واحدة منهما بضربة أخيرة، تصطدم السيوف في صدى قوي يملأ الساحة، وتنبعث شرارات كأن الليل كله أصبح ساحة لهما.
كان كل منهما يتحرك بلا توقف، عيونها متوهجة بالتركيز، وكل كلمة تقولها تزيد من حدة المعركة،
وكأن كل حوار بينهما سلاح آخر إلى جانب السيف.
وفي لحظة حاسمة، وجدت لوسيا نفسها على مقربة
من رايزا، سيفهما يلتقيان في صراع أخير شرس. استجمعت كل قوتها، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهها بينما كانت تتقدم بخطوة جريئة.
– ستكون نهايتك الآن…!
وفي نفس اللحظة، اندفعت رايزا نحوها،
سيفه يطعنها بسرعة، لكنها لم تتراجع لحظة واحدة،
بل دفعت سيفها في جسده بمهارة وصرخة
حادة تصدح في أرجاء المكان.
شرر ارتفع من الاصطدام الأخير، والليل كله بدا وكأنه يراقب هذا الصراع. من بعيد، وقف ساي، يوجي،
أكيتو، وكارلا، عيونهم مثبتة على القتال بترقب
مشوب بالقلق، لا يجرؤون على تدخل مباشر،
وكل واحد منهم يحبس أنفاسه
بانتظار معرفة الفائز.
الفصل السابع و العشرون: نهاية المعركة
كان الصمت يخيّم على الساحة، لا يُسمع سوى أنفاس لوسيا المتقطعة وهي تقف مثقلة بالجروح والعرق، سيفها ما يزال مغروسًا في جسد رايزا. ضوء القمر انعكس على عينيها، يفضح مزيجًا من الغضب
والانتصار، لكن خلف ذلك الوميض كان هناك ارتعاش خفي، خوف لم تعترف به حتى لنفسها.
رايزا، رغم الألم، ابتسم ابتسامة مشوبة بالسخرية، وصوته خرج مبحوحًا: لم… أتوقع… أن تصلي
إلى هنا…لكن لوسيا ضغطت أكثر على قبضتها
وهي تردّ بصوت يختلط فيه الحزن بالقسوة.
– كان يجب أن تفكر مرتين… قبل أن تواجهني.
من بعيد، كان ساي قد شد قبضته حتى كاد
يحطمها من الغضب، بينما يوجي بدا مذهولًا،
وعيناه لا تفارقان لوسيا، كأنه يراها بشكل مختلف
لأول مرة. أكيتو وقف صامتًا، يعض على شفته بقوة،
غير قادر على الصراخ أو التدخل، أما كارلا فكانت تحدق في المشهد بعينين مليئتين بالجدية والخوف من المجهول القادم.
الهواء نفسه كان متجمّدًا، وكأن العالم ينتظر من سيسقط أولًا. ثم، فجأة، ارتجف جسد لوسيا
وسقطت على ركبتها، أنفاسها تتسارع أكثر، والدماء تتساقط من جروحها. لكنها تمسكت بسيفها بقوة، وصوتها خرج ضعيفًا لكنه مملوء بالعزيمة.
– لن… أسقط… قبله.صدى كلماتها ارتدّ في القلوب، وكأنها تعلن بداية شيء أكبر بكثير من مجرد
قتال فردي.وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع أن
هذه الليلة لن تُمحى من ذاكرتهم أبدًا.
على الرغم من الجروح الغائرة، لم يسقط أي منهما.
لوسيا ورايزا، وهما يسحبان سيفيهما من جسدي
بعضهما البعض، وقفا من جديد يتمايلان، يتنفسان بصعوبة، والدماء تسيل على الأرض.رفع رايزا
سيفه بتحدٍّ، وصوت أنفاسه المتقطعة
يشقّ الصمت: لم… ينتهِ… بعد.
ردّت لوسيا، وعيناها تشتعلان بوميض غامض.
– إذن فلنجعلها النهاية!
في اللحظة التالية، اندفع الاثنان،
جروحهم لم تمنعهم، بل زادت المعركة وحشية.
كل ضربة تحمل ثقل الألم والغضب، كل صرخة
تصدع ليل القمر. لوسيا تحاول إطلاق قوتها، عينيها تتوهجان بشكل غير طبيعي، وشرارات طاقة تتطاير حول سيفها، بينما رايزا بدوره يطلق هالته المظلمة، والهواء بينهما يكاد ينفجر من شدة التصادم.
لكن الوقت لم يرحمهما. قبل النهاية، انهارت قواهما دفعة واحدة، وسقط الاثنان أرضًا، يتنفسان بسرعة، وجسديهما يصرخان من الألم.
رفعت لوسيا جسدها بصعوبة، وقفت متعرجة، وسيفها يتدلّى بيد مرتجفة. بخطوات ثقيلة تقدمت نحو رايزا الساقط، ورفعت سيفها أمام وجهه، ثم قالت بصوت مبحوح، تتخلله نبرة انتقام ممزوجة بدموع
– النهاية… إنها نهاية انتقامي… لكن عليك… أنت… أن تخبرني… لماذا؟ لماذا والداي… تخلّيا عني؟ بصوت ضعيف وحزين، مالذي فعلته؟ هل بسبب لون شعري؟
أو لأنهما لم يريدا توأمًا؟ هل بسبب أسطورة؟ خطأ؟!
صرخت كلماتها الأخيرة، قبل أن تنزل رأسها،
تحاول حبس دموعها التي كانت تفرّ من عينيها.
من بعيد، اقترب أكيتو، وجهه ممتلئ بالحزن والارتباك، يسمع كل كلمة منها، قلبه يتمزق ،
رفع رايزا عينيه بصعوبة، ثم أجاب بصوت خافت،
لكنه واضح: بسبب… قوتك.
اتسعت عينا لوسيا بدهشة، رفعت رأسها المغطى بالدموع، اقتربت منه ببطء، ثم مدت إصبعها المرتجف حتى لامست جبهته. في تلك اللحظة، أطلقت قوتها داخله، متجاهلة استغرابه وصراخه.
مرت دقائق كأنها دهر، حتى صرخ صرخة مدوّية،
ثم أخذ يتنفس بسرعة، يتعرق بغزارة،
وعيناه تتسعان:
– هذه… هذه الذكريات…وقفت لوسيا، أنفاسها ثقيلة، – هذه ذكريات عوداتي بالزمن…
والآن تستطيع التذكر. لكن فجأة، توقف عن الكلام. التفتت نحوه بقلق، لتجده يضحك… يضحك
بصوت عالٍ وهيستيري، كأن الجنون ابتلعه.
ثم توقّف عن الضحك فجأة. وقف بسرعة،
مما جعل لوسيا تتراجع مذعورة، قبل أن يمد
إصبعه إلى جبهتها. قوة مظلمة اندفعت داخلها،
جسدها ارتجف بالكامل، بينما صوته يدوّي ببرود:
كل شيء… داخل هذا… والآن… أنهيت مهمتي.
في اللحظة التالية، سقط جسده بلا حراك فوقها،
ورحل عن الحياة.
أما لوسيا، فقد سقطت بدورها داخل عالم الذكريات، تاركة المكان يغرق في صمت ثقيل…
الفصل الثامن و العشرون: عندما كانت أمي طفلة
فتحت لوسيا عينيها ببطء…
الضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، والجدران القديمة تحمل آثار الزمن. أمامها صفوف من الأسرّة الصغيرة، وأصوات ضحكات تتردد في المكان…
إنه مأوى للأيتام.
رمشت بعينيها في ارتباك، كأنها انتقلت إلى عالم آخر، ورأت مجموعة من الأطفال يلعبون معًا في منتصف القاعة. وسط تلك الضحكات والحركة،
لفت نظرها وجه طفلة صغيرة تجلس على الأرض ممسكة بدمية. توقفت لوسيا عندها،
شعرت بقلبها يضطرب، الكلمات خرجت منها
همسًا دون أن تشعر:
-مَن… هذه؟
اقتربت منها محاولة لمسها، كانت خطواتها بطيئة
وهي تتقدّم أكثر نحو الفتاة الغامضة، وكأن قوة خفية تدفعها للاتجاه إليها. مدت يدها بخوفٍ وتردد، أصابعها ترتجف من القلق، حتى كادت تلمس رأس الفتاة.
لكن فجأة—!
اخترقت يدها الرأس بسهولة، كأنها تخترق ضبابًا بلا شكل. اتسعت عيناها بدهشة، وسحبت يدها بسرعة وهي تتراجع إلى الخلف، أنفاسها تتسارع.
رفعت بصرها إلى الفتاة مرة أخرى، ثم عادت لتنظر
إلى نفسها… لتكتشف الحقيقة الصادمة. جسدها كان شبه شفاف، كالزجاج الذي يمرّ الضوء من خلاله.
قلبها خفق بعنف، حاولت الصراخ لكن لا أحد التفت
إليها.مدت يدها لتجذب أي شيء حولها، لكن
يدها مرت من خلال الكرسي القريب دون أن تترك
أي أثر. حينها فهمت الحقيقة القاسية:
لم يكن أحد يراها.
نادت إحدى الأنـسَـات الطفلة بصوت دافئ: "روجينا!"
ابتسمت الطفلة الصغيرة فور سماع اسمها، ووقفت بسرعة وهي تمسك دميتها بإحكام.
وقفت لوسيا في مكانها، عيناها تتسعان بدهشة،
وقلبها يدق بعنف. شيئًا فشيئًا بدأت الحقيقة تتكشف أمامها… الطفلة الصغيرة التي كانت تحاول لمسها،
لم تكن مجرد طفلة عادية. كانت والدتها عندما كانت صغيرة.
كان احساسها يقول لها. راقبت لوسيا بصمت
كيف اقتربت روجينا من الأنـسَة. فتحت الأنـسَة
ذراعيها، واستقبلت الطفلة بابتسامة دافئة، ثم جاء
معها رجل وامرأة يقفان إلى جانبيها.
قالت الأنـسَة بصوت هادئ، مليء بالحنان:
"هذان سيكونان والداك، روجينا."
ابتسمت روجينا بعفوية، وقالت بصوت طفولي:
"والداي؟ هذا رائع!"
ثم أمسكت بيديهما الكبيرتين، وتوجهت معهما نحو المكان الجديد، بينما لوسيا تتبعها بخطوات هادئة،
قلبها يفيض بمزيج من الفضول والدهشة.
قالت روجينا وهي تلوح بالدمية الصغيرة:
"أنا اسمي روجينا، وهذه لعبتي الصغيرة شهرزاد."
ثم قالت: "أمم… أبإمكان شهرزاد القدوم أيضًا؟"
ابتسمت والدتها الجديدة، ومسحت على رأسها بلطف:
"نعم، بكل سرور!" مع ذلك، لوسيا تتابع روجينا،
وهي تشاهد الطفلة وهي تتوجه
إلى بيتها الجديد.
هناك، استقبلها بحفاوة: أخوها الأكبر وأختها الكبرى، وأخذوا يلعبون جميعًا معًا، يضحكون، يركضون،
وهي تشعر بالدفء العائلي لأول مرة.
ولوسيا بقيت تتابع بخطوات صامتة، كأنها ظل خفي يسير وراء طفولتها.
رأت روجينا تكبر عامًا بعد عام…
صارت تركض في أزقة القرية، شعرها يتطاير
مع الريح، وضحكتها تملأ المكان.
كبرت الطفلة وأصبحت فتاة يافعة، تحب مساعدة الآخرين. كانت تمضي وقتها في المأوى القديم تلعب
مع الأطفال الأصغر منها، وتقص عليهم الحكايات
وهي تحمل شهرزاد – لعبتها القديمة التي لم
تتخلَ عنها.مع مرور الوقت، كوّنت روجينا
صداقات كثيرة؛صديقة مرحة تدعى إيلينا، تحب الغناء وترافقها دائمًا.شاب من أبناء القرية اسمه مارك. يساعدها في إحضار الماء.
وجارتها سارة، التي كانت تشاركها الأسرار
والضحكات.حياتها كانت تبدو عادية، مليئة بالبساطة والدفء.
لكن في أعماقها، كان هناك شعور دائم بالبحث…
بحث عن شيء أكبر من القرية، عن مغزى مختلف لحياتها.ذات يوم، بدأت تتغير ملامح الأحداث…
ازدادت مسؤولياتها مع أسرتها، وأصبحت
أكثر نضجًا وهدوءًا. كانت تساعد والدتها في شؤون البيت، وترافق والدها في الأسواق، تراقب الناس
بعينيها الفضوليتين.لكن ما لم تكن تعرفه روجينا
هو أن قدرها كان يقترب منها بخطوات بطيئة.
ذلك القدر الذي سيتجسد في شخص واحد… جوهان،
الذي سيقلب حياتها كلها رأسًا على عقب.
في أحد الأيام، خرجت روجينا مع مارك لتحضر الماء
من البحيرة العميقة داخل الغابة.
كانت تحمل الدلو الخشبي بين يديها، والهواء البارد يلامس وجهها. أوراق الأشجار تتراقص فوقها،
وصوت المياه يتلألأ في الأفق.
وبينما كانت تقترب من حافة البحيرة،
توقفت فجأة… رأت على الجانب الآخر شابًا واقفًا بصعوبة، جسده مثقل بالجروح، وثيابه ممزقة وملطخة بالدماء.
اتسعت عينا روجينا، رفعت صوتها بخوف وقلق:
"هل… أنت بخير؟"
رفع الشاب رأسه ببطء، وعيناه كانتا مرهقتين لكنهما ثابتتان. لم يجب مباشرة، بل اكتفى بالنظر إليها،
كأنما كان يتوقع أن يراه أحد في ذلك المكان.
تقدمت روجينا خطوة صغيرة نحو ضفة الماء،
قلبها يدق بعنف، تنظر الى عينه، التي بدت غريبة،
واحدة سوداء، والثانية بيضاء، بينما يدها ما زالت
تتمسك بالدلو.
لم تكن تعرف من هو، ولا من أين أتى،
لكنها شعرت أن تلك اللحظة ستكون بداية شيء لا يُنسى.