تحميل رواية «أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الخامس من أحفاد الجارحي ترويض الشرس تركت يدك مرة فواجهتني الحياة بكل ما امتلكت من قوةٍ، وكأنها تخبرني بأنني مخطئة حينما سحبت قوة أماني من بين أحضانك، فاشتقت لضمة قبضتك القوية التي تساندني حينما اتعرقل بين زقاق أوجاعي، عساك تعلم بأن تلك الفتاة البسيطة ستواجه ما سيجعلها تتوق لوجودك لجوارها، ولكن تــــــرى هل ستجدك تشدد من ضمة يدها مثلما كنت تفعل أم ستبعدها عن جحيمٍ كانت سبب في اقتداد نيرانه!!!!!
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_الخامسة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "مريم الشريف"،"أمنية الشريف"،"إيمان عادل"،"علياء عادل"،"شيرين الجمال"،"بشرى إياد"،"رفيدة مصطفى"،"هند حميدة"،"نجلاء محمد"،"أميرة محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
طاولة فخمة طويلة، تحمل أفخم أنواع الأطعمة والعصائر، ومن حولها المقاعد المطعمة بالستان الأسود الباهظ، ستائر النوافذ المحاطة بغرفة الضيافة السفلية تحمل نفس لون المقاعد، وعلى مقدمتي الطاولة جلس ياسين الجارحي من طرف والمقدمة الأخرى يحيى، ومن بينهما الشباب بأكملهم دون وجود الفتيات بضيافةٍ تخص الأغراب، امتلأت القاعة بشباب عائلة الجارحي، على جوانب الطاولة وعن يسار ياسين كان يجلس رحيم زيدان وعن يمينه الجوكر المزعوم، ومن جواره جلس عدي لقربه من مراد، بالرغم من صداقته التي تشمل كلاهما ولكن سيظل مراد الأقرب إليه لتشابه خصالهما، الأغلب بينهم تآلق بالحلى الرسمية السوداء، حتى الفتيان، وخاصة زين وياسين الجالسان جوار يحيى بنهاية الطاولة.
انطلق آذان المغرب ليبدأ الجميع بكسر صيامه، فقام حازم بتوزيع التمر عليهم جميع. اتباعًا لسنةٍ رسول الله الكريم (عليه أفضل الصلاة والسلام).
جذبوا أكواب العصائر والمياه لكسر صيام يومًا شاق، وأشار ياسين بيده مردفًا:
_اتفضلوا.
منحه رحيم بسمة هادئة وبدأ بتناول الطعام المقدم من أمامه، بينما تابع مراد بمزحٍ يخص رفيقه:
_كل واشبع من الأكل البيتي كلها كام يوم وهنسافر.
تساءل عمر بدهشةٍ:
_يسافر فين؟
رد عليه رحيم وهو يلوك قطعة اللحم:
_عندنا مهمة برة البلد ولأول مرة هنجتمع فيها مع بعض.
بدت الدهشة جلية على وجه أحمد، الذي ردد:
_بس تخصص عدي غير تخصصكم، انتوا مخابرات!
أكد عليه مراد، موضحًا:
_نادرًا لما بيحصل، خاصة مع صعوبة المهمة.
هز رأسه بتفهمٍ، واستكملوا تناول أطمعتهم ليجذب إنتباه الجميع حديث الصغار، حينما تساءل ياسين بفضولٍ:
_أنت عايز تكون في أي تخصص يا زين؟
جفف فمه بمنديله الورقي ليزيح بقايا الشوربة بأناقةٍ اتبعت حديثه:
_زي بابي تمامًا.
ارتسمت بسمة صغيرة على أوجه الجميع، فتبادل زين بدوره بسؤالٍ أخر:
_وأنت؟
زم شفتيه بحيرةٍ وهو يخبره:
_لسه مش عارف بس الأكيد إني وقتها هختار اللي يناسبني.
راقبهما ياسين الجارحي بابتسامةٍ هادئة، وردد بصوته الرخيم:
_أنا شايف إن هتجمعكم صداقة لطيفة!
تبادلا النظرات فيما بينهما، فابتسم حفيده وهو يؤكد:
_وأنا حاسس بكده.
وجذب هاتفه ثم ناوله لزين هاتفًا:
_سجلي رقمك يا زين هنكون على تواصل.
جذب منه الهاتف ثم سجل رقمه، وقام بإرسال طلب صداقة باختيار حسابه الشخصي، راقبهما عدي ببسمةٍ خافتة وسأل رحيم باهتمامٍ:
_هو مش زين بنفس مدرسة ياسين؟
هز رأسه باستغرابٍ، وسلطت نظراتهما على الطفلين، فأجاب زين:
_يمكن في class غير اللي أنا فيه.
فصل ياسين الحديث بينهما حينما قال لرحيم:
_انقلهم لفصل واحد.
هز رحيم رأسه وهو يجيبه بتأكيدٍ وبسمته الخبيثة تحيط به:
_اعتبره حصل.
اعترض مراد بسخطٍ:
_لأ، بلاش رحيم هيقتل مدير المدرسة كده، أنا اللي هنقلهم بالحسنى!.
اندهشت نظرات ياسين الموزعة بينهما، وخاصة مع رؤية بسمة الشر تحيط بالاسطورة، لاحت منه ابتسامة هادئة وتناول طعامه بهدوءٍ تام، تاركًا للشباب مهمة التعارف عليهما.
******
أما بالخارج، وبالأخص بالردهة الرئيسية للقصر، حيث تجتمع الفتيات، اتجذبت رحمة لأشجان بشكلٍ أثار فضول الجميع، ظلتا تتوددان طوال تناولهما للطعام حتى بعدما انتقلوا للصالون، وأضافت نور وحنين بمرحهما لمسة ساحرة للاجواء، وخاصة حينما أشارت حنين لشجنٍ:
_أول مرة ألقى حد عنده نفس الكميا، بجد يا نور أنا حبيتك جدًا وشكلك هتبقي البيست عندي وشجن هتبقى بلح!
تعالت الضحكات بينهن، فاستطردت بجديةٍ:
_والله بكلمك جد، لابسالي الوش الخشب طوال النهار لما كرهتني في نفسيتي الظريفة الكيوتة لكن أنتي زيي بالظبط كريزة!
ضحكت نور وهي تجيبها:
_يا بنتي إحنا قيمة لا تقدر جوه العيلتين دول، من غيرنا كانوا هيفضلوا لابسين الوش الخشب طول النهاؤ ومفيش ضحكة عابرة بتمر عليهم.
أوقفتها نسرين باعتراضٍ:
_وحازم وحمايا كانوا قصروا في أيه يا نور!
زمت شفتيها بسخطٍ:
_إحنا بنتكلم عن الصنف الناعم يا بت!
واستدارت تجاه حنين التي ترتشف أحد العصائر، لتشهدها:
_مش كده يا نونا!
هزت رأسها بضحكة واسعة:
_كده ونص يا نوري.
وجذبتها إليها لتتساءل بجدية تامة:
_العصير ده جميل أوي ومميز، مسبقش ليا إني شربته قبل كده مين اللي عامله!
اتجهت نظراتها تجاه آية وهي تجيبها بفخرٍ:
_حماتي السكرة، عندها خلطة باللوز والمكسرات والجوفا واللبن وغيرها من التكات خطيرة.
شكرتها حنين بامتنانٍ:
_بجد تسلم إيد حضرتك يا طنط العصير تحفة، ده تاني عصير أعشقه بعد عصير مراد.
ابتسمت آية وهي تجيبها في حبورٍ:
_ألف صحة على قلبك يا حبيبتي.
جذبتها نور إليها لتتساءل بفضولٍ:
_أيه عصير مراد ده أوعي يكون منكر!
تعالت ضحكاتها وهي تشير لها بالنفي، قائلة بغموض:
_هحكيلك حكاية العصير وبالمرة حكايتي مع الجوكر، أيه رأيك؟
كانت فكرة مغرية للغاية، فجذبت نور أحد أطباق التسالي وجذبتها لركنٍ بعيدًا عن الفتيات، حيث تكون تحت مراقبتها، ورددت بحماسٍ:
_اتفضلي، كلتا أذني صاغية!
******
بينما بالخارج رددت شجن ببسمةٍ واسعة:
_بجد يا رحمة انتي كمان حامل؟!
رمشت بعينيها وهي تبادلها بسؤالها المشكك:
_متقوليش انتي كمان!
هزت رأسها بتأكيدٍ وقالت:
_أنا لسه عارفة من يومين بحملي.
وهمست على استحياءٍ:
_معرفتش حد لسه حتى رحيم!
قوست جبينها وهي تستكمل باسئلتها الفضولية:
_ليه؟
ردت عليها بهمسٍ خافت:
_هعمله مفاجآة في عيد ميلاده بعد عشر أيام.
ابتسمت وهي تدعو لها بصفاء قلبها:
_ربنا يفرحك ويكملك على خير يا حبيبتي.
أمسكت شجن يدها وهي تخبرها بحبٍ:
_وليكِ بالمثل يا روح قلبي.
واستكملت بفضولٍ:
_قوليلي يا رحمة إنتي بتابعي مع مين علشان يكونلنا فرصة نتقابل على طول.
ارتسمت بسمة رقيقة على وجهها وقالت برقةٍ:
_لو عايزين نتقابل هنتقابل من غير أي دكتور، معاكي رقمي هيكون في بينا مكالمات دايمًا لاني بصراحة حبيتك وحسيتك شبهي أوي.
واستكملت بمرحٍ:
_أما حكاية الدكتور ده فالموضوع مضحك ومحير.
تساءلت بعدم فهم:
_ازاي؟
ضحكت وهي تخبرها:
_كلنا بنتابع مع دكتورة هيلينا طول فترة الحمل ولحظة الولادة بتختفي في مؤتمرات فجأة، فبنلجأ لدكتور صديق عمر، حرفيًا بقى متعقد مننا فجأة بيلاقينا في وشه ومعانا حالة الولادة اللي ميعرفش عنها أي حاجة غير إنه بيجمع مننا التفاصيل بسرعة قبل ما يدخل يقوم بمهمته.
تعالت ضحكات أشجان حتى أحمر وجهها، فاسترسلت رحمة بثقةٍ:
_عشان كده المرادي خدتها من قصرها وروحتله من البداية، عشان ميجيلوش صرع مننا بنهاية الشهر.
عادت للضحك مجددًا ومازالت رحمة تقص عليها بعض الطرائف من مواقف الفتيات المضحكة، والاخيرة انسجمت معها حتى انفطرا معًا من الضحك، لتلتقطهما أعين المارة وبالأخص رحيم وعدي الذي يتبعان ياسين الجارحي لمكتبه الرئيسي، ومن بعدهما مراد برفقة أحمد فاتتبه لتلك الثرثارة التي تجلس بعيدًا عن شجن التي لا تفارقها، وتجلس برفقة فتاة رقيقة الملامح على ما يبدو بأنها قد وجدت صداقة جديدة لها، اتبعهم للمكتب، فأشار له أحمد بابتسامةٍ هادئة وهو ينسحب للاعلى:
_ده المكتب يا مراد، عن إذنك أنا.
هز رأسه بتفهمٍ وولج للداخل حيث اللقاء الذي سيشمل العمالقة!
*****
اصطحب ياسين زين لغرفته، فانسجما بممارسة ألعاب القتال والاسلحة الالكترونية، لأول مرة يمضي برفقة أحدًا من الاطفالٍ ويشعر بذلك الارتياح الغريب، مشاركته بنفس تفكيره ونفس هواياته جعله يرغب في أن يمضي أكبر وقتًا ممكنًا برفقته، مضت ساعةٍ كاملةٍ ومازال اللعب مسلي والحديث لا يتوقف عن شخصهم الهادئ الذي يبغض الحديث المتواصل.
ابتسم زين وهو يراقب تسديد ضربة ياسين بالجهاز الالكتروني عبر حاسوبه، فإلتفت إليه وقال:
_بتمنى أنكل مراد يقدر ينقلنا لفصل واحد يا ياسين.
ابتسم وهو يشير إليه بثقةٍ غريبة تنتابه لذلك الغريب:
_هيقدر.
وعادا ليتابعان المعركة القتالية بالجهاز، إلى أن قطعهما صوت دقات الباب، ومن ثم ولجت شقيقته للداخل برفقة مرين، تطلع تجاهها فوجدها تمنحه ابتسامة هادئة ومن ثم انسحبت عينيها تراقب غرفته بانبهارٍ عجيب، وبالأخص من تأمل الرسومات التي تملأها، استغل ياسين انشغالها بتأمل الحائط المكتنز برسوماته، وجذب شقيقته جانبًا وهو يعنفها بغضبٍ:
_انتي ازاي تجبيها هنا، مامي هتزعقلك!
أجابته بضجرٍ بدى على ملامحها:
_هعمل أيه مش عاجبها لعبي كلها، وكل اللي بيعجبها لعب الاولاد بس فقولت تيجي تلعب معاكم أحسن أنا ماليش بالمسدسات والالعاب المملة دي.
وتركتهم رحمة وغادرت بضيقٍ بعدما بذلت مجهودًا كبيرًا لتجعلها تسترخي بجلوسها برفقتها وبرفقة ليان والصغيرات، وبالأخير لم تندمس معهن بما يحملوه من عرائس وألعاب المطبخ وغيره مما يخص الفتيات، كانت نظراتها تحوم بما يحمله الأولاد من ألعاب، لذا اهتدت لأخيها عساه يعاونها على حل تلك المعضلةٍ، خاصة بعد أن شددت عليها والدتها بأن تحرص على بقاء الضيفة سعيدة، حانت منه نظرة إليها فوجدها تتلامس احدى رسوماته بإعجابٍ شديد، وكانت تخص إحدى الجدائل دون رسم وجه الفتاة، تعجبت للغاية من رسمه لمقبض الشعر، يشابه ما كانت ترتديه بلقائهما الأول، استدارت تجاهه وتساءلت باستغرابٍ:
_ده نفس الدبوس اللي بحطه دايمًا!
زم شفتيه بتوترٍ من فرط الاحراج، فقال وهو يدنو منها:
_عجبني شكله فرسمته!
وأشار لها:
_تقدري تأخدي اللوحة لو عجباكي.
تساءلت بلهفةٍ:
_بجد؟
أكد لها بإشارته وعينيه تجوبها باستغرابٍ، نهض زين عن أريكته وصاح بها بعنفوانٍ:
_انزلي إلعبي تحت مع البنات مينفعش تقعدي هنا!
واجهته بوجهٍ عابس، يرفض تحكمات هذا المتسلط بها وبشقيقتها، ولطالما لم تترك له الساحة فكانت تنتصر عليه دومًا، لذا قالت:
_أنا مش حابة ألعب معاهم، ألعابهم تافهة!
وتطلعت تجاه الشاشة بعينين متسعتين بحماسٍ لحق نبرتها:
_خليني ألعب معاكم دور، أنا واثقة إني هكسبك المرادي يا زين!
تجهمت معالمه وأشار لها بغضب:
_مش هتعرفي، المرة اللي فاتت قولتي نفس الكلام وموتي بسلاحك المعفن من أول جولة.
اشتعلت عينيها بلهيبٍ محرق، ودنت منه وهي تواجهه:
_هنشوف، المرادي هكسبك.
تابع ياسين حالة التحدي العارمة بينهما بصمتٍ، فعلى ما بدى له قوة شخصية تلك الفتاة، اعتاد دائمًا على سماع نصائح أبيه حول التعامل مع شقيقته، حيث أن الفتيات رقيقة بطباعها، مازال يتذكر رقة والدته بالتعامل، لم تنحاز يومًا لمفضلات أبيه، بعيدة كل البعد عن هواياته، تلك الفتاة تخرق كل القوانين التي تربى عليها داخل حصن آل الجارحي!
جلست مرين على الأريكة المطولة القريبة من الجهاز، والتقطت القطعة المتحكمة به مثلما فعل زين، بينما جلس ياسين على المقعد القريب منهما، اختار زبن سلاحه بعنايةٍ ولم ينكر ياسين إعجابه الشديد باختياره الخببث، بينما تفحصت مرين الأسلحة بتمعنٍ، خيارها الخاطئ بالمرة الأخيرة جعله يفوز عليها بجدارة، ابتسم ياسين ومال عليها يهمس:
_إختاري السلاح الأبيض.
ضيقت عينيها إليه، يبدو سلاحًا عاديًا، لن يصمد أمام خيار زين، ومع ذلك وجدت ذاتها تختاره، بالرغم من عدم اقتناعها من شكله الصغير.
انطلقت المعركة الدامية بينهما، وتفاجئ ياسين بموهبة كلا منهما بالقتال وكأنهم تربوا على ممارسة ألعاب القتال، وكانت لمرين جزءٍ من المفاجآة مع تجربة السلاح الذي فجأها حقًا، طوال ممارستها لتلك اللعبة لم تحاول استخدام هذا السلاح أبدًا، يبدو بأنه لا يمتلك قوة المواجهة مع باقي الاسلحة الضخمة، والآن بفضل انسياقها خلف خياره تمكنت من الانتصار على زين الذي ألقى جهازه بغضب حينما صفقت بغرور:
_قولتلك هكسبك!
*******
تعالت الضحكات الرجولية بينهم، وخاصة حينما استرسل مراد بحديثه عن أخيه:
_فالبداية كده يا عدي المهمة دي تستبعد فيها رحيم من أي مساعدة ليها علاقة بالجنس الناعم، هيكشفنا على طول.
ومن بين ضحكاته استكمل:
_سلاحه اللي بيتكلم عنه مبيديش فرصة للسانه ياخد ويدي لحد ما يوقع المعلومة!
منحه رحيم نظرة قاتمة، فأشار بسخطٍ وهو يتناول عصيره دون مبالاة:
_الوحش طالع معانا لأول مرة واجب أنبهه عشان تبقى دنيتنا سالكة ونرجع بيتنا سلام نعيد مع الاولاد، مش كده ولا أيه يا ياسين باشا؟
اتجهت النظرات جميعًا إليه، كان مبتسمًا، مستمتعًا بالسماع إليهما، فناب عنه رحيم حينما قال بإعجاب:
_الباشا عنده دماغ عالية ما شاء الله، حقيقي فجأتني بعد ما قدرت تكشف أمجد السلاموني والدول اللي فيها ناس بتسانده برة مصر.
واستكمل بابتسامة تنبع بوقاره واحترامه إليه:
_حقيقي يا باشا لو حضرتك كنت بالداخلية كان فرق معانا كتير، الدماغ دي متكلفة.
استند بجسده العلوي على حافة مكتبه، وقال برزانته الهادئة:
_كلنا كنا سبب يا رحيم.
ووزع نظراته بينهما بثباتٍ وهو يتابع:
_أنا سعيد بالصداقة اللي جمعتكم بعدي.
ونهض عن المقعد وهو يشير إليهما:
_هسيبكم تتكلموا مع بعض في شغلكم.. خدوا راحتكم.
وتركهم ياسين وكاد بالخروج، فعاد ليطل من خلف الباب مجددًا وهو يشير ببسمةٍ غامضة:
_مراد، عايزك!
تعجب من طلبه الغريب ومع ذلك أسرع إليه، ونظرات عدي ورحيم تلاحق كلاهما، فابتعدوا معًا لشرفة المكتب الخلفية، راقب مراد ما سيخبره به باهتمامٍ، فقطع ياسين صمته حينما قال:
_أنا دايمًا عندي بعد نظر، لذا اختارت أتكلم معاك على انفراد وأنا على ثقة إنك هتكون أد المسؤولية اللي هكلفك بيها.
رمش بعينيه بدهشةٍ، وأسرع بقوله:
_أنا تحت أمرك يا باشا.
ربت على كتفه ومن ثم اقترب ليهمس إليه بمكرٍ:
_حفيدي هتكونوا انتوا التلاتة مسؤولين عنه وعن تدريبه بس أنت اللي هتكون مسؤول عنه قدامي لو طلع نسخة منهم بالتعامل مع الجنس الآخر.
وابتعد وهو يردد بخبثٍ:
_أظن فهمتني!
هز رأسه وهو يجيبه بضحكة مرحة:
_عيني، أول دروس هتكون في كيفية التعامل مع الانثى بشياكة!
*******
ولج أحمد لجناحه الخاص، فحرر عنه جاكيته ووضعه على المقعد باهمالٍ، كاد بالتوجه لحمام غرفته ولكنه توقف مندهشًا حينما لمحها تجلس على الأريكة مندمجة بقراءة واردها اليومي من القرآن الكريم، جحظت عينيه صدمة وتساءل:
_آسيل أنتي هنا بجد؟
انتبهت إليه فانتهت من قراءتها وتطلعت إليه وهي تردد بذهولٍ:
_أيوه في حاجة ولا أيه؟!
زم شفتيه وهو يردد ساخطًا:
_مستغرب إن حالة الاغماء مجتلكيش يعني.
ردت عليه ببسمةٍ واسعة:
_أصل النهاردة اتلبخنا في تحضيرات عزومة أصحاب عدي ومقرتيش الورد بتاعي فقولت أعوض بليل.
تلألأت حدقتيه بمكر طاغي، فنزع عنه جرفاته وهو يشير لها:
_ كويس جدًا، خليكي قاعدة أنا هغير هدومي وراجعالك لإني عايزك في موضوع مهم.
ضيقت عينيها باستغرابٍ:
_موضوع أيه ده، قلقتني!
جذب بيجامته وإتجه للحمام وهو يردف:
_دقايق وراجعالك بس أقلع البدلة خنقاني!
هزت رأسها بعدم اقتناع ومع ذاك هتفت:
_أوكي هستناك.
******
دقائق انتهى بها من أخذ حمامه الساخن المريح، وخرج يجفف شعره بالمنشفة والبهجة أعادت لوجهه الدموية من جديدٍ، فما أن خرج إلى الغرفة وأزاح عنه المنشفة حتى جحظت عينيه في دهشةٍ كادت بقتله حينما وجدها تغفو على الأريكة بإسدالها وبين أحضانها مصحفها الصغير، حك أحمد جبهته بغيظٍ كاد بسلخ جلده، فجلس على حافة الفراش يتطلع لها بصدمة، فهمس بغيظٍ:
_أمال لو مش مأكد عليكي!
وزفر بضيقٍ وعينيه تتطلعان إليها بفتورٍ انتقل لنبرته:
_هو صيام من كله، صبح وليل!
ونهض بملل، ثم حملها للفراش بعدما نزع عنها اسدالها، فجذب إليها الغطاء وهو يراقب انغماسها بنومٍ كالاموات، حتى أنها لم تشعر به وهو يحملها من مكانٍ لأخر، أبعد أحمد خصلاتها المتمردة على عينيها ببسمةٍ عاشقة، فابتعد عنها واستقام بجلسته على الفراش وهو يحاول منع ذاته من التطلع إليها، زفر بيأسٍ من محاولته، فعاد يتطلع إليها باستسلامٍ هامسًا بسخريةٍ:
_ودي أتحرش بيها وهي نايمة ولا أعمل أيه؟!
******
كان ياسين بطريقه للأعلى حينما لمح حفيده يقف قبالة غرفته بصحبة فتاة صغيرة سبق رؤيتها برفقة مراد بالأسفل، وعلى ما بدى من لحظة وصولهم بأن هناك شيئًا غامضًا يصيب حفيده الصغير، والآن تأكدت شكوكه حينما وجده يقف برفقتها ويتحدثان عن شيءٍ، اقترب منهما ليتسلل لمسمعه قولها:
_أنا هحتفظ بالرسمة دي مع الهدية اللي أخدتها منك قبل كده.
واستكملت بطفولية ومازالت عينيها تراقب رسمته:
_عندي فضول أشوف باقي رسوماتك.
ابتسم وهو يخبرها:
_أنتي شوفتي جوه جزء من رسوماتي، لو حصل وجيتي هنا تاني هجمعلك الرسومات القديمة بس هي مكنتش ألطف حاجة.
تملكها الحماس وسألته بفضول ولهفة:
_هو أنت تعرف ترسمني؟
ارتبك وهو يحاول إخفاء أمر لوحته السرية، ومع ذلك قال بتوترٍ غريبٍ:
_الفنان لما عينه بتشوف حاجه حلوة بيحاول ينفذها، وأكيد هيجي اليوم اللي أرسمك.
برق ياسين بعينيه بصدمة مما يستمع إليه، لوهلةٍ ظنه شابًا يافعًا لا يتعدى عمره الخامسة والعشرون، هم بالاقتراب منهما حتى بات يقف نصب عينه، لعق الصغير شفتيه بارتباك وهو يجاهد بقول:
_ده جدو اللي كلمتك عنه المرة اللي فاتت.
مفاجآة أخرى أضافها في لائحته، فسحب عسليته المسلطة على حفيده واتجهت لمرين، ليردد بحبورٍ:
_ويا ترى بقا قولتلها عني أيه؟
ابتسمت مرين وهي تجيبه:
_اداني تذكار خاص بحضرتك، لاني هديته سلاح مميز وخاص بأنكل رحيم.
زوى حاجبيه بدهشةٍ خلقت لأجله بتلك اللحظةٍ، فراقب ملامح حفيده الذي ود لو انشقت الأرض وابتلعته من فرط الحرج، هز ياسين رأسه وهو يهمس ببسمةٍ ساخرة:
_عظيم!
ومرر يده بين خصلات شعر ياسين البنية وهو يسترسل:
_في حوارات كتيرة هتجمعنا، خد مرين تحت عن والدتها ميصحش تكون هنا لوحدها.
أومأ برأسه وهبطا معًا للأسفل ومازالت عسليته تراقبه بغموضٍ وبسمة تتسلل بخفةٍ على شفتيه.
******
درس رحيم وعدي جوانب المهمة جيدًا، فأتقن دورهما باجتيازٍ، وسرعان ما اندمج معهم الجوكر موضحًا خطورة تلك المهمة وحساسيتها من كافة النواحي، خاصة بأنها تمس العرب بشكلٍ كبيرٍ، لذا ولأول مرة يتحدى ثلاثة من أكفئ الظباط لحل تلك المعضلة، اتفقوا على المخططات اللازمة استعدادًا للسفر بشكلٍ سري مخيف، لا يعلم ثلاثتهم بأن لتلك المهمة آثرًا سيستكمله أولادهم الثلاثة حتى تكون نهاية للشر ولعصرٍ لن يصدق أحدٌ وجوده في ذلك الزمان، وما يجن العقل بأنه اصطنع من دهاء البشر، عتاولة الشر ستجتمع ومحاربيها لا يستهان بهم، اليوم ذاته الذي اجتمع به الجوكر والوحش والاسطورة هو نفسه بداية لصداقة وعلاقة حب ستهز أرجاء المملكتين، مملكة آل الجارحي ومملكة عائلة زيدان، وهي نفسها لحظة نشوب الشر برحم الشيطان!
شرًا لم يسبق له مثيل، وواجب سيخوضه شرطة المخابرات للقضاء على تلك العصبةٍ التي لم يسبق للعقل البشري تصديقه، ولا لشرطة محاربته، ولكل فيلم ساد به شروره، أبطال قوتهم كافيلة برضخه عن موضعه، ولكن ماذا لو وُلد من بين الشر بذرةٍ خير تكافح للخلاص؟!
(أشباح المخابرات..)
******
انتهت المقابلة بينهم واستعدوا للرحيل، فكان عدي ورحمة أول من قام بوداعهم للسيارة، وما أن ابتعدت كليًا عن مرمي القصر حتى رددت رحمة بشرودٍ بطيف الطريق الخاوي:
_رحيم ده شكله مخيف وله هيبة كبيرة، للحظة شكيت إن اللي جاي يزورنا وزير الداخلية أو شخصية مهمة جدًا!
واسترسلت ببعض الارتباك:
_ شكله مرعب رغم إن ملامحه مش وحشة أبدًا!
زم عدي شفتيه بحيرة من عدم فهم ما تود زوجته قوله، فعادت لتشير إليه بوضوحٍ:
_يعني ياسين الجارحي مخيف بهييبته وحضوره لكن كشكل هو مش وحش، يعني أنا فاكرة اما إتعرفت على العيلة هنا اترعبت منه بس بعد كده لقيت مفيش أطيب من قلبه، صاحبك ده نفس الشيء!
منحها ابتسامة هادئة، وهو يراقب تأثرها بشخص رحيم زيدان الذي مازال يرهب من حوله بلقائه، بالرغم من ذوقه الرفيع بالتعامل مع من حوله، فضمها إليه وهو يخبرها:
_رحيم طباعه صارمة وحازمة شوية، تحسيه شبه الانسان الآلي، بس لما تعاشريه هتلاقيه شخص عظيم زي ياسين الجارحي تمامًا زي ما وصفتيه!
ابتعدت عنه ومازالت تواصل أسئلتها بفضولٍ غريب:
_بس شخصية صعبة زي دي إزاي أشجان مراته بتتعامل معاه، أنا لما اتعرفت عليها لقيتها طيبة جدًا وشكلها مسالم بتتعامل ازاي مع الوحش ده!
تعالت ضحكاته الرجولية دون توقف، وصاح من بينها:
_في أيه يا رحمة، أنتي ليه محسساني إنه مصاص دماء!
وطوفها بذراعه وهو يخطو بها للتراس مستطردًا:
_رحيم ومراته بينهم قصة حب اسطورية زي ما بيقولوا، بيحبوا بعض من الطفولة يعني خوفك مالوش مبرر، لإنك متعرفيش حاجة عن الاسطورة وشجن!
رمشت بعينيها بفضولٍ، اتبع صوتها المتحمس:
_لا احكيلي.
ابتسم وهو يشير إليها:
_نطلع وهحكيلك.
*******
اختبئ خلف الستائر الباهظة بالطابق السفلي يتابع رحيلها باهتمامٍ، وملامح حزينة للغاية، لا يعلم لما يغلبه عاطفته الغريبة تلك، وكأنه يفترق عن شخصٍ يقربه ويجمعه به صلة قرابة، تجهمت معالمه مع اختفاء شبح السيارة الضخمة، فأغلق النافذة وأعاد الستائر والتفت ليغادر، تخشب الفتى محله بتوترٍ حينما وجد ياسين الجارحي قبالة عينيه يراقبه بثباتٍ كان قاتل لمن ينتظر حديثه، صمته كان إنتظار لبوحه عما يخفيه مثلما اعتاد، فقال بحرجٍ:
_أنا آسف إني فرطت في المجسم اللي هدتني بيه وإني خبيت على حضرتك الموضوع.
واقترب منه قليلًا وهو يتابع بدهشةٍ:
_أنا مكنتش هفرط فيه بس هي ادتني هدية غالية جدًا مكنش ينفع أقبلها بدون ما أديها شيء قيم مش حضرتك اللي علمتني ده!
أشار ياسين بيده بالاقتراب، فاقترب منه ليجده يبتسم وهو يردد بمكرٍ:
_متحاولش تتخابث عليا وتفكرني بوجهات نظري، لإني واثق إن مش ده السبب الأساسي اللي خلاك تفرط في شيء جبتهولك.
وتابع بصوته الرخيم:
_في شيء بيدور جوه دماغ حفيدي اللي مازال واقف يلف ويدور على أستاذه!
وابتسم بتهكمٍ وهو يضيف:
_هتتبع نفس طريقة أبوك وتعاندني ولا هترجع عن طريقه وتختار طريقك بنفسك، ونرجع أصدقاء زي ما كنا.
حك أنفه بتفكيرٍ وصمت طال لدقيقةٍ، ثم قال على استحياءٍ:
_أنا إني غلط أقول الكلام ده، بس أنا مبحبش ألعب مع حد، لإني معمريش لقيت حد يشاركني فكري وطريقتي، البنت دي شبههي أوي وميولها كمان شبههي.
وتابع بحيرةٍ:
_حتى لما اتعرفت على زين من شوية ولقيت إنه ممكن يكون صديقي مازلت مشدود ليها!
انزوى حاجييه بسخطٍ لما يستمع إليه من حفيده الذي لا يكاد يصل لمنتصف بطنه، ومع ذلك يتحدث بما يفوقه عمرًا، التقط نفسًا مطولًا وهو يحاول السيطرة على ثباته الثقيل، وقال:
_ياسين أنت لسه صغير على الكلام ده كله، علاقتك بيها هتكون صداقة طيب وبعدين؟
واسترسل ببعض الحدة:
_لا دينك ولا تربيتك تسمحلك بأن يكون في شيء يجمعكم أبدًا، وبعرفك من صغرك الكلام ده عشان تحطه حلقة في ودانك، عمر ما في صداقة تجمع البنت بالولد ولا أي علاقة تانية غير الارتباط الرسمي، الجواز..
وربت بيده على خده بحنانٍ:
_كل ده بعيد عنك تمامًا، طريقك لسه طويل أوي، قدامك أول خطوة دراستك، تاني خطوة تحقق حلمك وتكون زي ما أنت حابب.
وغمز بعسليته المهلكة وهو يتابع بمشاكسةٍ لم يسبق له التحلي بها:
_بعدها لو فضلت لسه في دماغك ومجدش جديد أوعدك أنا بنفسي اللي هخطبهالك، وبلاش تقول لحد ليفكرني بشجعك على الجواز وأنت لسه في العمر ده!
تعالت ضحكات الصغير الذي اندث داخل أحضانه بحبٍ واحترامًا لجده وصديقه المقرب!
*******
بغرفة عدي.
عملت جاهدة على الحاسوب لأكثر من ساعةٍ كاملة، واتجهت للشرفة تراقب الضوء النافذ من غرفة المكتب، وحينما وجدته مازال مضيئًا، اتجهت رحمة للفراش وحركت عدي بهدوءٍ وهي تناديه على استحياءٍ:
_عدي، نمت!
فتح عسليته بانزعاجٍ، وهو يحاول البحث عن صوتها، فاستقام بجلسته وهو يردد ببعض الخوف:
_بتتوحمي على مانجا تاني ولا على أيه المرادي؟ اتحفيني.
كبتت ضحكاتها بصعوبةٍ، وقالت بحرجٍ:
_لا مش عايزة حاجه أنا تمام، بس كنت عايزاك تنزل معايا تحت في المكتب.
بدأ بالافاقة، وسألها بجدية:
_ليه؟!
أشارت على حاسوبها وهي تخبره:
_عمي مكلفني بصفقة تانية ومحتاجة أتكلم في كام نقطة مع ياسين، هو تحت في المكتب وأنا مكسوفة أنزله لوحدي، خاصة إن الوقت إتاخر أوي، انزل معايا معلش.
زوى حاجبيه وهو يردد بغضبٍ:
_على أساس إني مش هعرف أفيدك!
سيطرت على ضحكة كادت بالانقلات منها، وقالت بوضوحٍ:
_ياسين وأحمد أكتر خبرة منك يا عدي.
وحينما وجدته يكاد ينقلب بتحول قتامة عينيه أسرعت تردد:
_وأنت في مجال شغاك باشا، لكل مهمة بطلها يا وحش!
تعالت ضحكاته وهو يرى غمزة عينيها المشاكسة، فنهض عن فراشه وهو يبحث عن قميصه، جذبته رحمة وألقته إليه وهي تخبره ببسمةٍ مشرقة:
_اتفضل يا باشا.
وكأنها طفلة صغيرة تحاول أن تميل والدها للخروج للتنزه، عاونته رحمة على ارتداء قميصه، وجذبت حاسوبها ولحقت به للأسفل.
طرق عدي باب المكتب قبل أن يدلف للداخل، فوجده مازال يعمل بالأسفل ومن أمامه كوب من القهوة، ضيق ياسين عينيه وتساءل باستغرابٍ:
_عدي، أنت لسه صاحي؟
تثاءب بشكلٍ ملحوظ وهي يجيبه على مضضٍ:
_كنت نايم والله يا ابني بس هنعمل أيه، في ناس مجتهدة لازم تذل منافس ناس ملهاش في الليلة دي من أولها.
لم يستوعب حديثه الا حينما دنت منه رحمة، فجلست قبالته على المقعد المقابل لمكتبه، ووضعت الحاسوب من أمامه وهي تخبره بخجلٍ:
_معلش يا ياسين عايزة أستفسر منك عن حاجه في ملف الصفقة الجديدة.
أغلق ياسين حاسوبه، وهو يقابلها ببسمة هادئة:
_أوي أوي، اتفضلي.
تثاءب عدي مجددًا وأشار إليهما وهو يتجه للأريكة المقابلة إليهما بنهاية الغرفة، هاتفًا بنومٍ:
_خدوا راحتكم، أنا هريح هنا شوية.
عرضت رحمة من أمامه معضلتها الوحيدة بعد دراسة الملف، فلم يمل من شرح بعض النقاط الهامة إليها حتى بات أمرها الشاق هين للغاية، شكرته رحمة كثيرًا، ومازالت تراه الأفضل بين الشباب بادارة المقر، ابتسم ياسين وهو يخبرها:
_حقيقي متوقعتش إنك هتباشري شغلك معانا حتى في رمضان وبالنشاط ده.
وتابع مازحًا:
_شوية كمان وعمي هيستغنى عننا كلنا، مكانتنا بقت في خطر.
ابتسمت ورددت:
_لا طبعًا احنا بنتعلم منكم والله.
قاطعهما ولوج يحيى الصغير حاملًا بين يده شقيقته الرضيعة الباكية، تعجب ياسين من رؤيتها بين ذراعيه فهم إليه وهو يتساءل بحيرةٍ:
_واخد ملاك على فين يا بحيى؟
أجابه الصغير بحزنٍ:
_مامي مصدعة ونايمة تعبانه لقيت ملاك بتعيط ومش راضية تسكت فقولت أتماشى بيها وبردو لسه زعلانه يا بابي ومش راضية تسكت!
حملها عنه ياسين بضحكة هادئة، فألقى عليها نظرة متفحصة ثم همس لابنه الذي قهقه عاليًا:
_طبيعي لإنها عملاها!
وعاد ليهمس إليه مجددًا:
_هنضطر نصحي مامي تغيرلها البامبرز.
نهضت رحمة عن مقعدها، فوضعت الحاسوب بيد يحيى وحملت الصغيرة عن ياسين بحنانٍ وهي تخبره:
_لا مدام تعبانه سبوها نايمة أنا هغيرلها.
وطبعت قبلة خافتة على جبين الصغيرة، ذات الوجه الملائكي، فما أن غادرت للأعلى حتى اتجه ياسين بالحاسوب لعدي الذي بدى له يغفو بعمقٍ، فحركه وهو يناديه:
_عدي أنت نمت؟
فجأه برده وعينيه تغفو:
_لا صاحي، سيب اللاب عندك واخلع أنت.
ردد بدهشةٍ:
_أخلع فين، أنت في المكتب!!
فتح عينيه بانزعاجٍ بدى بحدقتيه، فجذب الحاسوب عنه واتجه للخارج وهو يصيح بسخطٍ أضحك ياسين الذي لحق به:
_هو الواحد مش عارف ينام جوه البيت ده، وفيها أيه لو نمت في أوضة المكتب هقع في المحظورات!!
رد عليه وهو يلحق به:
_هتعتبر مطرود وده لا يليق بسمعتك يا وحش!
منحه نظرة ساخطة فكبت ياسين ضحكاته وهو يردد:
_آسف!
********
انقضى اليوم مثل المعتاد عليهم، وانتهى بجلوس الجميع على طاولة الطعام يترقبون انطلاق آذان المغرب، وحينما فرغوا من طعامهم اجتمع الشباب بالأعلى للانتهاء من العمل العالق على كهلهم.
_خلاص كده يا أحمد، أنا ظبطت كل حاجة وواقفة على توقيع عمي ياسين.
كلماتٍ هدر بها رائد وهو يغلق حاسوبه، فاكتفى أحمد بإشارة صغيرة من رأسه، ثم التفت برأسه تجاه معتز متسائلًا بفضولٍ:
_وأنت يا معتز عملت أيه في العرض اللي حضروه البنات للمناقصة.
أجابه وهو يلتهم أحد قطع (القطايف) :
_عملين عرض عظمة بصراحة أنا خايف إن عمي يستغنى عننا، البنات ثابتين نفسهم وبزيادة.
ضحك ياسين وردد ساخرًا:
_هما لسه هيثبتوا نفسهم! ما خلاص بقوا بيناطحونا الراس بالراس!
شاركه أحمد بجاذبية ابتسامته، مضيفًا:
_عندك حق.. فاضل إنهم يستلموا ادارة المقر بدالنا!
مال برأسه تجاه الصالون فوجد مازن وأخيه مازالوا بصراع اللعب على جهاز (البلايستيشن)، فتمدد على الأريكة بتعبٍ ثم تساءل:
_أمال فين جاسم؟
لاحت على وجه معتز ابتسامة خبيثة، فأسرع باجابته:
_بيحب تحت في مراتك.
انتفض بجلسته جراء نطقه لتلك الكلمة الخطيرة، فعاد ليتساءل:
_بتقول أيه أنت؟
حدجه ياسين نظرة مشككة لحالة ادراكه، فقال باستهزاءٍ:
_أنت فاقد الذاكرة ولا أيه يا أحمد.. جاسم يبقى أخوها يا حبيبي.
نهض عن الأريكة ثم اتجه للاسفل وهو يصيح بانفعالٍ:
_سيب توازن العلاقات دي للضرورة!
همس رائد بسخطٍ وهو يراقبه يهرع للاسفل والشرار يتطاير من عينيه:
_هو الصيام تقريبًا قصر مع الكل حتى أحمد الطيب!
بالأسفل.
كان يتابع التلفاز بتركيزٍ، ويده تعبث بخصلات شعر شقيقته المستندة برأسها على قدميه، فجذب طبق الفشار الشاخن ثم بدأ بإلتهامه وهو يتابع الأحداث باهتمامٍ، حانت منه نظرة جانبية تجاهه فوجدها تضم يدها اليها بانزعاجٍ، خلع جاسم عنه جاكيته ثم داثرها به بحنانٍ، فلاحت على شفتيها بسمة هادئة لشعورها بالدفءٍ، انحنى تجاهها ثم طبع قبلة على جبينها، وحينما استقام بجلسته انخطف لونه من مجابهة تلك النظرات الحادة التي تخترقه، سحب نفسًا مطولًا قبل أن ينفثه بضيقٍ:
_فزعتني يا أحمد!
وزع نظراته المشتعلة بينه وبين زوجته التي تحتضن جاكيته، فاقترب منه وهو يشير اليه:
_قوم عايزك.
ردد باستغرابٍ:_دلوقتي!
صاح بعصبية بالغة:
_قولتلك قوم.
حمل رأس شقيقته عن قدميه ثم وضعه على الوسادة الصغيرة، وانتصب بوقفته أمامه، آن منه أحمد وهو يحرك رقبته يسارًا ويمينًا محاولًا السيطرة على انفعالاته، فقال بصوتٍ يخادع هدوء زائف:
_آآ... أنت بتعمل أيه هنا؟
رغم غرابة سؤاله الا أنه أجابه:
_مفيش بشوف المسلسل اللي بتابعه.
وضع يده ليميل عليها برقبته ومازال يتحلى برزانته:
_وأنت معندكش شاشة بجناحك!
ضيق عينيه وتساءل بدهشةٍ:
_مالك يا أحمد.. فيك أيه؟
اصطكت أسنانه ببعضها البعض وراح يهدر بضيق:
_أنت كنت بتعمل أيه من شوية؟
حك أنفه وهو يحاول تذكر ما يقصده، فقال:
_أنا مش فاهمك.. وده غريب عنك لانك صريح وواضح!
تحرر عن ثباته، فجذبه من تلباب قميصه ثم صاح بغضب:
_كل ما حد بيتخطى حدوده معايا يقولي أصلك طيب وصريح وواضح... طيب بما أني واضح هقولهولك بوضوح تام لو لمحتك بتقرب لآسيل تاني هشنقك في نجفة القصر يا جاسم.
برق بعينيه في صدمة.، ففشل بكبت ضحكاته ومع ذلك هز رأسه بتفهم:
_حاضر هتبرى منها!
ترك القميص عن يده ثم هندمه بيده وهو يشير له:
_كده تعجبني..
وتطلع تجاهها ثم عاد ليحدجه بغضب بعدما جذب حجابها ليخفي شعرها المحاط لخصرها:
_سايبها من غير حجاب ليه افرض حد نزل.
مازال يكبت ضحكاته، فقال بصعوبة الحديث:
_كلكم بتشتغلوا فوق ومحدش تحت فقولت اسيبها تنام براحتها.. وأكيد لو حد نازل هيعمل أي صوت زي ما اتعودنا.. بس أنت اللي فزعتني بصراحة نازل شبه الاشباح!
تجاهل حديثه وجذب جاكيته ثم القاه بوجهه وهو يردد بغدافيةٍ رغم برودة نبرته:
_داليا أولى بيه.. مراتي حضني يدفيها.
وحملها عن الأريكة ثم صعد بها للاعلى ومازال يحدجه بنظرة جعلت الاخير ينهار من الضحك ومازال لا يستوعب ماذا أصاب أعقل شابًا بنسل الجارحي!
******
بالخارج.
اجتمع عز ورعد وحمزة وآدهم يحيون أمجادهم بالحديث عن شبابهم، فتفاخر عز بما كان يصنع مرددًا:
_هو كان في حد زيي ولا في شقاوتي، أنا كنت واد حريف!
لوى حمزة فمه بسخطٍ:
_الله يرحم لما كان بيتزل للمزة من دول عشان ياخد رقم تليفونها!
ضحك رعد وردد:
_دي مش ذكريات شقاوة دي ذكريات منيلة بنيلة، ولو حد سمعها البيت هيتخرب بعد السنين دي، اتلموا وسيبوا حاجة متدكنة.
ابتسم آدهم وقال بمشاكسة:
_مين ده اللي بيتكلم الله يرحم البنات اللي كانت بتتحدف عليا يا عم المغرور.
على التفاخر وجهه وهو يهمس بصوت خافت:
_آه والله زمن.
وتابع بمزحٍ:
_محتاج بنت من دول دلوقتي تجددلي شبابي اللي بقى في ذمة الله!
عبث عز بمعالمه:
_سلمت نمر بدري كده إخس!
لكزه بغضب:
_مش الوقاحة اللي في دماغك دي، أنت متنفعش تصوم معانا رمضان ده أنت إبليس متبري منك!
صاح بهما آدهم:
_الشباب جوه يسمعونا.
ردد حمزة مدعيًا صرامته بالحديث:
_سبهم يا آدهم مهما مش محترمين وجودي ولا عاملين ليا أي احترام!
واسترسل بحدة وهو يطرق على الطاولة فسقطت أكواب العصائر من فوق أقدامهم:
_في نظام لازم يتحط هنا حتى لو كنتوا في أواخر أيامكم!
_متخفش يا حمزة يا حبيبي النظام ده هيشملك أنت كمان وهيحتويك أحلى احتواء!
ابتلع ريقه برعب وهي يردد بصوت يكاد مسموع:
_الصوت ده مش غريب عليا، تقريبًا صوت تالين!
ارتعبت نظراتهم حينما وجدوا زوجاتهم تحيط بهم، فلفت دينا ذراعها حول رقبة زوجها الجالس على المقعد، ورددت من بين اصطكاك أسنانها:
_عايز واحدة ترجعلك شبابك يا رعودة وأنا موجودة!
نفى باصبعه ورأسه، فجذبت الكوب المسكوب وهي تقربه منه صارخة بصوتٍ خرج الشباب فور سماعه:
_أنا هرجعلك أيامك والذي مضى بس اديني فرصتي!
ابتلع عز ريقه برعبٍ حينما وجد يارا تجلس على المقعد المجاور إليه بعدما ركض حمزة تجاه أحمد الذي يقترب منهم ليعلم ماذا هناك، فصاحت به:
_أيام الشقاوة ها؟!
بينما لطمت شذا الطاولة أرضًا وهي تصرخ:
_بقى انتوا قاعدين تفكروا بالمنكر بدل ما ترتبوا لحياة أولادكم.
وتابعت تالين وهي تركض خلف زوجها:
_ده انتوا عندكم أحفاد قربوا يبقوا طولكم يا منحرفين!
وقف أحمد مصدومًا مما يحدث أمامه، وخاصة حينما تمسك به حمزة ليسلطه بوجه والدته التي تصيح بغضب:
_أبعد يا أحمد من وشي.
شدد حمزة من التمسك به وهو يؤمره:
_ولد أوعى تتحرك من هنا، سامع!
أتى الشباب بأكملهم للخارج، فتساءل حازم وهو يلقي بقايا التسالي عن فمه أرضًا:
_عملت أيه يا ميزو، شكلك لعبت بديلك في رمضان!! يا راجل مكنت تستنى لبعد العيد وإحنا ننحرف سوا!
لكزه أحمد وهو يصيح بانفعال:
_غور من هنا يا حيوان، وقتك ده!
وأبعد يد تالين عن أبيه وهو يردد:
_ماما من فضلك مينفعش كده، خلينا نتكلم طيب.
صاحت بحدة:
_أحمد مالكش دعوة بالخناقة دي، ثم انك مش شبهه ولا شبه أخوك يبقى متقفش في صفهم وتخسرني!
كبت عمر ضحكاته بصعوبة وتدخل قائلًا:
_طيب فهمونا أيه اللي حصل؟
أضاف رائد وهو يحاول ابعاد الكوب عن وجه أبيه:
_ماما من فضلك كفايا!
صرخت بانفعال:
_اسكت انت ما أنت على طول واقف في صف أبوك وسايبه قاعد يحب وينوي على الخيانة وفي رمضان!
سحب رائد نظراته لرعد وهمس بخفوت:
_في رمضان يا بابا في رمضان!
أجابه وهو يحاول ابعاد الكوب عن وجهه:
_الكلام أخد بعضه والله العظيم.
ردد جاسم بسخطٍ:
_الحمد لله انهم قفشوكم والا كان شوية ونجبكم من الكباريهات ولا شقق مفروشة.
صاح آدهم به:
_اخرس يا عديم التربية.
لكزته شذا بغضب:
_بلاش أنت يا متربي.
نجح معتز بالفصل بين أبيه ووالدته مرددًا بإرهاق وأنفاس لاهثة:
_افتكريله أي لحظات حلوة في حياتكم، يا يويو ده زيزو اللي مقطع الدنيا حب فيكي نسيتي ولا أيه؟
رددت بسخط:
_لما يحكيلي عن أيام الشقاوة دي أبقى أفتكرله العدل!
همس مازن بصوت مسموع للجميع:
_عيلة تشل!
ركله عز بقدميه وهو يصرخ بعنف:
_ده بدل ما تيجي تحجز عن نسيبك واقف تعر في العيلة يا منحط، أنا هطلق بنتي منك وفي أسرع وقت!
جحظت عينيه صدمة فاندفع ليخلصه تمامًا وهو يصيح:
_لا يا طنط مسمحلكيش تتكلمي عن عمي بالشكل ده، هو كان بيلعب بديله زمان بس قطعه.
سحبه عز إليه بعنفوان:
_ديل أيه يا حيوان.. تصدق اني كنت صح في قراري.
جذبه عمر للخلف وهو يحذره:
_متتدخلش انت بتطين الدنيا أكتر.
صرخ حمزة صرخة مداوية جعلتهم يتابعونه باهتمام، بعدما ألقت تالين مقعد السباحة فوق رأسه فاهدر بعصبية بالغة:
_كده طيب كلنا لينا ماضي ومزز وخروجات وسهرات بيضة وحمرة والسيدهات معايا!
جحظت أعين الزوجات وارتعب الشباب مما سيحدث هنا، فاحتدت المعركة بينهم، حتى باتت تشتعل أمام سيارة ياسين الجارحي فهبط من بابها والباب الآخر هبط عدي بعد أن انتهى من مشواره الهام برفقة أبيه وعمه يحيى الذي هبط من مقدمة السيارة يهمس بصدمةٍ:
_أيه اللي بيحصل هنا ده!
......... يتبع......
#ختامية_آل_الجارحي_بقلمي_آية_محمد_رفعت..
ترقبوا ملحمة #أشباح_المخابرات... ومتنسوش تحتفظوا بالاسكرين الخاص بجزئية أشباح المخابرات... بحبكم في الله ❤
****_____****
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم آية محمد رفعت
يفصلنا على ختام آل الجارحي ختامتين، وأقدر أكتب بكل فخر تمت بحمد الله، حزينة أوي ولأول مرة أحس إني بفارق شيء عزيز عليا، بس المؤكد إن المرادي بعد كلمة تمت مش هيكون في عودة، أنا الخاتمات اللي فاتت ضميت كل خاتمتين في خاتمة، والتفاصيل اللي كنت حابة أوضحها نجحت في طرحها، حماسي بيشدني لاشباح المخابرات لانها نوع جديد عليا وفرصة إنكم تشوفوني بنوعية مختلفة عن المعتاد، هخوض فيها تحدي مع نفسي للمرة اللي مبقتش عارفة عددها وواثقة بإذن الله إننا هنقدم شيء محترم، حابة أكد للمرة المليون أشباح المخابرات رواية جديدة كليًا، فيها أدوار رئيسية لزين وياسين ولابطال جداد تمامًا، طيب بالنسبة للناس اللي قسمت الادوار، وقالوا رحمة بنت عدي لزين وكلام كتير أوي حولين العيلة اللي ظهرلها اقتباس لجاك اللي بيمتلك أجنحه، عايزاكم تثقوا فيا وفي اللي هقدمه وتتأكدوا إنه شيء مختلف ومميز، الرواية هتكون كبيرة وصعبة بس أنا مبقتش ألقى رحتي بالكتابة السهلة، عندي رجاء أخير ليكم الفترة دي صعبة عليا نفسيًا من فضلكم ادعموني زي ما اتعودت منكم، وبالاخص في اعلاني الورقي اللي هينزل في شهر واحد، وبالأخص يوم 10/1،بإذن الله عايزكم جنبي في كل خطوة زي ما اتعودت، المرادي الخطوة جديدة عليا في كل حاجه سواء الكتروني أو باختياري العمل الورقي السنادي، فكرة خارج الصندوق وهزعل لو ما أخدتش النجاح اللي تستاهله، أخيرًا بشكركم لسعة صدركم... وترقبوا أخر خاتمات الجارحي... بحبكم في الله ♥
#Aya
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم آية محمد رفعت
قيل على ألسنة عمالقة آل الجارحي ❤.. تجميع القارئة المميزة زهراء دويدار ❤
: أنا مش عايش عشان
جوايا قلب بينبض أنا عايش لأنك جانبي
وساكنه جوا روحي ....أوقات وجعي قربك
هو الشفا ليا مش الأدوية والعقار ..بسمتك
البلسم لكل جرح أو خطوة أتكسرت
من السلم اللي خطيته طول حياتي ...كأنك
بتشديني عشان أكمل ...عشان أقف من
بمحى وجعي عشان مشفش نظرة
حزن في عيونك ....نظرة الدفا اللي بلمحها
أول ما عيوني بتتعلق بيك كافيلة أني أقف
من جديد ...عشقي ليك مكفهوش السنين
دي كلها بالعكس محتاج الف سنة عشان
أقدر أوصفلك أد أيه أنا بحبك ووقتها ممكن
مقدرش أعبرلك !
جدید
أنت مش مجرد زوجة وأم لأولادي أنتِ
حياة ! ....❤️🫂
#عز الجارحى
#سلسله احفاد الجارحي
#ايه محمد رفعت
: _عيونك غريبة أوى فيها بساطة وطفولة وطيبة
وخجل حاجات كتيرة للاسف قليل ما
تشوفيهم بالبنات ....❤️🥰
#ياسين الجارحى و أيه
# أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: كان عندك حق لما قولتيلى أن الحب دا أجمل أحساس بيخطفنا لعالم تانى عالم خیال أنا من أول نظرة وقعت خايف أقوم من
الحلم دا❤️
#حمزه الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: "عمر" بأبتسامة عذباء : -أول مرة أشوف حد بيحب يرجع للضلمة تاني ! ...
إبتسمت وهي تزيح القماشة : -أنا محبتش الضلمة دي غير عشان الأمان اللي كنت بحس فيه بوجودك يا عمر ...
رفع يديه على وجهها بعشق : -بس أنا عايزك تشوفي النور وتبصي حوليكي ...
تعلقت عيناها به كالمغيبة : مش شايفة غيرك ...
❤️🫂
#عمر ياسين الجارحى و نور
#سلسله أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: مقدرش بتوحشيني لحد رجوعي فيمكن صوتك هو اللي بيديني أمل أكمل يومي ...🥰🥰
#عمر ياسين الجارحى و نور
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: -متمنتش حد غيرك حتى بأحلامي بتكوني فيها لأنك جزء من روحي وكل حاجة فيا..🫂🥰
#أحمد حمزه الجارحى و أسيل أدهم الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: أيه:- "ياسين" أنت كويس؟..
ياسين:-المرحلة دي بكتير لما بسمع صوتك بيردد اسمي❤️🥰
#ياسين محمد الجارحى و أيه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: رحمه:-ساكنة بقلبك ومعاك بكل وقت وكل ثانية ، بحس بزعلك وبسمع ضحكتك ... يكون معاك بأغلب اليوم ولما بصحى بلاقي نفسي في حضنك يعني تقريباً بتكون معايا في كل نفس...
عدى: -غلبتيني بالكلمتين دول أو بمعنى الأصح ضحكتي عليا بس برضو بعشقك...❤️🥰
#عدى ياسين الجارحى و رحمه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: لما تعشق حد أكثر من روحك نفسها هتحس بكل شيء بيحس بيه من قبل ما يتكلم أو يشتكى ..❤️.
#عدى ياسين الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _اه منه العشق يبهدل النفوس ويفضل زي الكنوز صعب الوصول❤️🥹
#مازن
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: الأكبر من التهديد بالموت هي دموعك يا أيه و طول ما أنت جانبي هعدي أي حاجه في الدنيا❤️🥹
#ياسين محمد الجارحي و أيه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _ نظرات البراءة اللي بعيونك دي حتى بعد ما كبرنا بالعمر بخاف أشوف فيهم حيرة وخزف من اللي جاي يمكن دا السبب اللي بيخليني أبعدك أنك تعرفي أي مشاكل ❤️
#يحيي أحمد الجارحى و ملك رضا الجارحي
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _عشان بخاف عليك أكثر من نفسي ...أنتِ أضعف نقطة بحياة "ياسين الجارحي"...لأنك حياتي وروحي وأساس عيلتي كلها يا "آية"❤️😭
#ياسين محمد الجارحى و أيه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: أحلى حاجه بتعجبنى فيكِ لماضتك دي❤️😂
#ياسين محمد الجارحى و أيه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: أنا بحس بيكِ يا "رحمة" بحس بكل نفس خارج منك ... بحس بكل دمعة وكل ألم وكل جرح كل شيء ممكن يلمسك بيعلم فيا أنا ❤️🥹🥰
#عدي ياسين الجارحى و رحمه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: : _حتي القمر ضوءه معتم مقابل النظر ليك ! ... كأنه أشتاق يشوف عيونك🥰🥰
#عمر ياسين الجارحى و نور
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: : _ملامحك اللي بحفظها بقلبي قبل عيوني ...🥰🥹
#نور ل عمر ياسين الجارحي
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _الخير اللي بيتعمل بيفادي شر أكبر ...❤️
#عدي ياسين الجارحي
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: ("أنا أمانك مهما أنكرتي وبعدتي وعاندتي ... دايماً بتناديني حتى لو صنعتي فروق وحواجز بينا ... قلبك مش بينبض غير وأنا جانبك حتى لو فرقنا أميال ومسافات بسمع نبضه بسمعك وأنتِ بتناديني ببقي على يقين أن نهاية البعد لقاء .... نهاية العذاب دفئ مبحسهوش غير معاكِ أنتِ .... مهما حاولتي تبعدي بقرب مش بمزاجي لا بقلبي وجوارحي وروحي لأنك ساكنة القلب والهوى ... ساكنة كل ذرة كيان بقلب "ياسين الجارحي")❤️🥰
#ياسين محمد الجارحى و أيه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _ الستات دي ليها الف لغز عاملة زي اللب الاسود اللي جوه البطيخة.. ومن كتر حبك فيه مضطر تاكله حتى لو اللب الرزل هيضايقك ويمغص عليك عيشتك المطينة بطين❤️😂
#حمزه الجارحى
#أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: " أكثر ذكرى محفورة بذكرياتي كانت لما فكرت أني خلاص مستقبلي هيتدمر على أيد سفاح كنت خطيبته في يوم من الأيام ... أتمنيت الموت وأستسلمت لحد ما لقيت "أدهم" بيدفع عني بكل قوته وبيحميني ورا دهره ساعتها حسيت أن دا أماني وسندي وأتمنيته من ربنا❤️🥹" .
#شذا ل أدهم الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _"رعد من أول ثانية ظهوره في حياتي وهو أماني وسندي .... ظهوره كان غريب بالنسبالي وأنا بدافع عن راجل عجوز بيعاني من الضربات اللي بيدخدها بسبب شوية شباب طايشين أتدخلت وأنا معرفش أيه نهاية اللي بعمله دا لحد ما خلاص كانوا هيضربوني أتفاجئت بشاب وسيم أوى بيدافع عني وأنا معرفوش ولا هو يعرفني .. عمري ما هنسى دقة قلبي وهو بيسبني وبيمشي حسيت أني هشوفه تاني!...❤️🫂
#دينا لرعد الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: حازم:بتثقى فيا يا نسرين؟
نسرين:بثق فيك أكثر من نفسي ...❤️🫂
#حازم حمزه الجارحى و نسرين
#أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: " في البداية مكنتش بشوفه أماني بالعكس كنت بحس بالرعب لما بشوفه كنت بخاف من نظراته ليا وحركاته ، أول لما كان بيقرب مني كنت بحس بقلبي بيقف من الخوف لحد ما قررت أني أكسر الحاجز دا وأهرب بعيد ، هربت وأنا كل خطوة يبعدها عنه قلبي كان بيخرج من مكانه ،هربت وأنا حاسة بأحساس غريب كاني اول مرة أعرف يعني أيه خوف ، كنت فاكرة أن في قربه كنت بخاف بس اكتشافت أن دا هو الأمان! كان نفسي أقف وأرجعله تاني بس خوفت من عقابه ليا فملقتش خيار تاني غير أني أكمل طريقي اللي اختارته ، كنت أتمنى أشوف نظراته ليا ولو حتى بيسكنها الغضب ، أتمنيت أشوفه بس بدون أي عقاب ، خوفي بدأ يكبر وأنا شايفة النظرات بتحاوطني من كل جهة ، أتمنيته يظهر عشان أحس بالأمان اللي كنت فاكراه خوف وضعف ... حسيت مع قربهم مني أني خلاص دي نهاية لحياتي البائسة ..... حسيت بأنهزامي اللي فجأة أتحاول النصر لما ظهر ادامي ، أتحميت فيه ومهمنيش خوفي ولا غضبه رددت اسمه لأول مرة وأنا يبكي وندمانه أني فكرت في لحظة أبعد ، فرحت لما شوفت الخوف بعيونهم منه حسيت أنه الحمى ليا ، أول ما قرب مني ونظراته كانت كلها غضب لقيت نفسي بترمي في حضنه وأنا بيكي ساعتها بس عرفت أنه أماني .. أتعرضت بعدها لأكثر من موقف وأكثر من مصيبة بس كنت عارفة وواثقة أنه مش هيسبني كنت يكون على يقين أنه هيوصلي كنت ينتظر وأنا مطمنة أنها مسألة وقت لأن ببساطة محدش يقدر يقف عائق في طريقه ، ثقته بنفسه مش من فراغ..."❤️🫂
#أيه عن ياسين الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: انا مش عايز اي مخلوق يتدخل في علاقتي بيك... لأن مستحيل حد
يفهم اللي بينا...
احنا مش مجرد اتنين متجوزين وبينهم اولاد وبس.. احنا بينا الف قصة مستحيل عقل أي حد يستوعبها.❤️🥹
#عدي ياسين الجارحى و رحمه
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: "الحياة بالنسبالي "عز" هو الآمان ليا من أول ما فتحت عيوني وأنا شايفاه ليا كل حاجة ، أكثر حاجة حطمتني كان أنكاره حبي اللي في الأخر كسر الحاجز دا وأعترفلي بحبه ، هو الأمان بالنسبالي بكل ثانية بعشها ... مقدرش انسي لما كنت محتاجاله وأتحدى الدنيا كلها عشان يطمني ... عشان يقولي ببساطة بحبك أنت"❤️🫂
#يارا الجارحى عن عز الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: " السؤال غريب لأن الأمان والاحتواء دول صفات "يحيى" كل موقف عدى عليا كان جانبي فيه خطوة بخطوة ، مش عارفة أحدد موقف واحد لأن كل موقف كان معايا فيه ... بس أكثر حاجة معلمة جوايا لحد دلوقتي لما كنت هنتحر وجدي رفع أيده عليا بس يحيي أخد القلم مكاني وي ما متعود دايماً يأخد آلامي وجراحي" ...❤️🥹
#ملك الجارحي عن يحيي الجارحي
#أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: فكره إن حد يمنحك السند و الأمان و السند جميله بس لما يقدملك الحياة والفرحة والحب والأولاد وكل شيء في الوجود .... فكرة أن واحدة أتحكم عليها تعيش حياة ملوثة كلها خطايا ... حمزة الوحيد اللي مدالي أيده وفتحلي درعاته ، وقف جانبي ووهبني حياة كريمة من غير ما يبص للماضي بتاعي ، حارب الكل عشاني بقى سندى ودنيتي وحياتي "
#تالين عن حمزه الجارحي
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: كل ما قلقي كان بيزيد كنت بطمن بوجودك.. مكنتش بسمح للخوف يحاوطني وأنت موجود جنبي يا ياسين.❤️🫂
#ايه لياسين الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
: _ القلب لما بيحب بيعشق كل تفاصيل حتى لو كانت عيوب أنا حبيت فيها قلبها الصافي الأبيض، نظرتها في الناس اللي حواليها حتى لو مكنتش مخونة للشر، حبيت فيها قربها من ربنا وابتسامتها اللي عمرها ما فارقتش وشها حبي ليها اتحول لجنون ويمكن هي السبب اللي غيرتني كده.❤️🫂🥰
#ياسين الجارحى عن أيه
#أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: « فوق درب الغرام تسابقت الأماني، وكل أمنية نسجها حلم اللقاء بك، وها أنت اليوم تجتاز منتصفه ولا تعلم ما الذي تريده ؟! تحارب تلك العاطفة القاتلة، ومشاعرك لا تضلك عن عشقك الصريح لي، والآن أمازلت تكابر؟!
اليوم سيتبرأ عنك الغرور، وستكن لتواضع حبي سيدًا، ترددها علنا، وربما حينها سأخبرك بأنني لم أسمعك جيدًا، سأجعلك ترددها كثيرا حتى يعتاد قلبك على سكنة لم يسمح لها يومًا ❤️🫂!»
#رانيا لرائد رعد الجارحى
#أحفاد الجارحى
#ايه محمد رفعت
: كلنا بنحارب وبنعافر عشان حبنا وعشان حياتنا ... دا اللي يفرق عيلة "الجارحي" عن الكل .... وكلنا مرينا بصعوبات بس نهايتها كانت انتصار ....❤️🫂
#جاسم أدهم الجارحى
#أحفاد الجارحى
#أيه محمد رفعت
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_السادسة
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"وفاء وحيد"،"آية الجندي"،"دعاء محمد"،"هدى رشاد"،"نوال أحمد"،"ضحى فؤاد"،"راندا الدخاخنني" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
حالة الهرج والمرج المنتشرة بين جموع العائلة أثارت الريبة لهم، فكان عدي الأسرع بينهم، حينما أغلق باب السيارة وهرع إليهم يتساءل بريبةٍ:
_في أيه؟
انتبهوا لوجود ياسين ويحيى بينهم، فلعق حمزة شفتيه وهو يردد بإرتباكٍ:
_دي خناقة بسيطة متخدش في بالك!
ردد يحيى بصدمة:
_خناقة!
ضيق ياسين عينيه بنظرةٍ حانقة، طالت حمزة الذي يحمل المقعد بين يده، فما أن رأه حتى ناوله لعدي مرددًا برعبٍ:
_أحمد كان هيلقفه لأخوه وأنا أخدته منه وقولتله ميصحش!
واسترسل بحدةٍ:
_الأولاد مبقوش عاملين ليا أي إحترام يا ياسين!
بدت تعابير وجوههم ساخطة على تفسير حمزة الغير منطقي، وبدى الجميع متأهب لما سيفغله، فانفلت عنه انفعالًا لم يسبق له التحلي به:
_هو أنت مش هتعقل أبدًا يا حمزة!
ارتعبت نظراته، فسحب عينيه لعدي مرددًا بحزنٍ مصطنع:
_شوفت أبوك يا عدي خلص حربه معاك ومبقاش قدامه غير حمزة المسكين!
كبت عدي ضحكة ساخرة كادت بالانفلات منه، ومال برأسه إليه وهو يهمس له:
_بصراحة يا عمي محدش بيقدر يخرج ياسين الجارحي عن شعوره غيرك، وده في حد ذاته إنجاز لازم تفتخر بيه.
ارتسمت بسمة فخر على وجهه وردد بفخرٍ:
_قولتلهم كده والله محدش صدقني!
مال إليهما أحمد ليردد بسخريةٍ:
_الفخر ده هيتلاشى أول ما ياسين الجارحي يعطس، ووقتها مش هتلاقي حد ترمي عليه مصايبك يا ولدي العزيز!
قاطع حديثهم خروج آية مرددة ببسمتها المشرقة وهي تقدم صينيتها:
_عملتلكم شوية قطايف إنما أيه.
وطوفتهم بنظرة شاملة، فرددت بقلقٍ:
_هو في أيه؟!
التقط منها يحيى ما تحمله، وتناول الحلوى بنهمٍ، مرددًا وهو يلوكها:
_خسارة فيهم والله يا آية، سبيلي أنا الصينية دي.
وأشار لياسين ببسمةٍ واسعة:
_إدخل رايح أنت يا كبير وسبلي أنا المواضيع التافهة دي متشغلش بالك إنت بيها، أنا هحلها!
منحهم ياسين نظرة ساخطة قبل أن يتجه للداخل برفقة زوجته، بينما اتجه يحيى للطاولة الضخمة التي تتوسط الحديقة، مشيرًا لهم ومازال يتناول الحلوى بتلذذٍ:
_شرفوا هنا قدامي.
وتابع للشباب بمرحٍ:
_متشكرين على مجهودكم المبذول، اطلعوا ريحوا قبل السحور وسيبولي الليلة دي!
*******
إنسحب عدي من بينهم حينما لمع هاتفه برسائل من الاسطورة، يحسه على ضرورة الاستعداد للسفر في التو والحال بعدما أحدثت بعض التطورات العاجلة، وضع هاتفه بجيب جاكيته الأسود وكان بطريقه لجناحه إلى أن تسلل إليه صوتًا مألوفًا بالقرب من الجراج الخاص بالقصر، ضيق عينيه بدهشةٍ زادت حينما اقترب ليجد نور تجلس داخل السيارة التي قام بإهدائها إليها، ومازالت تتحدث بشكلٍ صارم، ظن ببدأ الأمر بأن هنالك أحدٌ بصحبتها، فانتقلت عسليته للمقعد المجاور لها فاندهش حينما وجده فارغًا، فطرق بإصبعيه على النافذة، حتى انتبهت إليه نور ففتحت نافذة السيارة وهي تردد ببسمة ترحاب:
_أهلًا يا وحش.
تغاضى عن ترحابها الساخر، وانحنى بقامته إليها ليعيد نظرة خاطفة للسيارة وحينما تأكد ببقائها المنفرد تساءل:
_كنتِ بتكلمي مين يا نور؟
أشارت بيدها لدريكسون السيارة:
_بكلم بسنت.
رمش بعينيه وهو يجاهد لرسم ابتسامة مصطنعه:
_معلش في السؤال مين بسنت؟
مسدت بيدها على إطار السيارة وهي تجيبه:
_عربيتي!
حك ذقنه النابتة كمحاولة للتحكم بانفعالاته، ومن ثم عاد لثباته وهو يردف:
_عربيتك! أمممم
واستقام بوقفته وهو يحرر بابها مشيرًا بإصبعيه:
_انزلي حالًا.
وهمس بسخطٍ:
_وأنا اللي كنت فاكر عمر بخيل لما رفض يجبلك العربية طلع أعقل مني!
إنصاعت إليه وهبطتت لتقابله، لتطرح نظريتها بتفاخرٍ:
_أنت مش فاهم حاجة ولا عمرك هتفهمني.
كز بأسنانه على شفتيه السفلية بغيظٍ، ومع ذلك تحكم بأعصابه مشيرًا ببرودٍ:
_اتفضلي فهميني أنا بنصت للي قدامي كويس!
اتسعت ابتسامتها وعدلت من اسدالها بغرورٍ وهي تشرح له:
_دلوقتي يا ابن الحلال لو واحد مكتئب وعنده تراكمات مش لذيذة بيروح فين؟
زم شفتيه وهو يشاكسها:
_لو الواحد ده عاقل يعني!
أكدت بإشارة رأسها، فقال بتريثٍ:
_ممكن لدكتور نفساني.
صفقت بيدها فجأة ففزعته وخاصة حينما صاحت:
_براڤو عليك، وأنا عملت نفس الشيء.
ضم شفتيه معًا باستسلامٍ لفهم زوجة أخيه، فعادت لتوضح له الأمور الغامضة بالنسبة إليه:
_بس أنا ذكية حبتين بدل ما أدور على دكتور نفساني يعالجني ويسجلي اعترافاتي الخطيرة اللي تودي لحبل المشنقة، وبعدين يساومني عليها بكل الفلوس اللي أمتلكها، إختارت الشخص الصحيح اللي يسمع البلاوي والأسرار الخاصة بيا بدون ما يفتح بوقه والضمان قدامك..
وركلت السيارة وهي تشير له:
_جماد لا يسمع لا يتكلم لا يتحرك!
هز رأسه بخفةٍ وهو يردد ببسمة مخيفة:
_اقنعتيني!
ووضع يديه بجيب جاكيته وهو يدنو منها قائلًا:
_أسف للمقاطعة بس هو أنتي عملتي أيه بالظبط يوصلك لحبل المشنقة، اعترفيلي يمكن أقدر أساعدك قبل فوات الأوان.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ مضحك، وخاصة حينما شددت عليه:
_أقولك بس توعدني متقولش لأخوك.
منع تلك البسمة من الظهور، وقال بصرامةٍ وجدية:
_اعتبريني مشوفتكيش.
ابتسمت وهي تخبره بأريحيةٍ تامة:
_يعني أوقات بتجسس على عمر وهو في الشغل، الاحتياط واجب بقى أنت عارف.
ضيق عينيه بصعوبة فهم ما تقصده بأي مدى يصل حد مراقبتها، فقالت:
_زراعاله كاميرا بمكتبه.
جحظت عينيه في صدمةٍ وخاصة حينما استكملت:
_وأحيانًا بسرق فلوسه ولبسه.
وراقبت الطريق من حولها قبل أن تفصح عن أخر أسرارها:
_كل ما بيطلب هدوم أون لاين بستلمها بداله من الكريدت كارد بتاعه وبأخدهم لنفسي لإنه كده كده بينسى هو طلب أيه!
اغتاظت تعابيره، فأشار لها بغضبٍ رغم ثبات انفعالاته:
_اطلعي نامي يا نور بدل ما أعتقلك أنا حالًا!
*********
استمع يحيى لجميع الأطراف والملابسات، وانتظر من حوله سماع حكمه المنصف بالنسبة للسيدات، مرر يده على فمه عدة مرات، وكأنه يحاول إخفاء سخريته التي ظنها غير واضحة، وقال ببسمة هادئة:
_أنا حقيقي عاجز عن الرد، ومش عارف أقول أيه!
هز حمزة رأسه بتفهمٍ عجيب لحق رزانة جملته:
_أيوه فعلًا هو الموضوع صعب وميتعرفش يتقال فيه أيه.
استدار تجاهه وأشار إليه بغضبٍ:
_أنت بالذات متتكلمش خالص، لإنك سبب أي مصيبة بتحصل وهتحصل جوه قصر الجارحي!
لطم صدره بصدمةٍ:
_أنا!!
احتقنت عين يحيى بإشارةٍ مزلزلة، جعلته ينساق خلف صمته، فصاحت يارا بعصبية:
_لا يا أبيه يحيى خليه يتكلم ويقولنا على الأسرار اللي مخبيها عنهم.
واتجهت نظراتها لعز وهي تصيح بانفعالٍ:
_عايزة أعرف أيه اللي مستخبي عني بالظبط!
أكدت شذا حديثها:
_صح يا يارا، محتاجين كلنا نفهم أيه اللي كان بيحصل من ورانا!
رد عليها رعد موضحًا:
_لا مش من وراكم من قبل ما نعرفكم أساسًا وده في حد ذاته مش مهم!
طرقت دينا على سطح الطاولة بغضب قاتل:
_وماله يا أخويا نسمع ونقرر مع بعض إذا كان مهم ولا مش مهم!
تأزم على يحيى الموقف برمته، خاصة مع توتر الأجواء، لذا بدأ يلتزم بجديته مع إتخاذ الأمر للخطورة بينهم، فقال:
_يا جماعة من فضلكم بطلوا تبصوا على الماضي، لإنكم عارفين إن ماضينا كلنا سييء.
ورفع عينيه لبنية القصر الشامخ وهو يتابع بغصة حزن طالت نبرته:
_القصر ده زمان كان متاح فيه كل شيء محرم قبل دخول آية ودينا وشذا، اللي حصل زمان مينفعش نتحاسب عليه دلوقتي، إحنا اتولدنا من تاني وإبتدينا نبص على الحلال والحرام اللي عمر عتمان الجارحي ما وضعه حد لينا، قوانينه وقواعده كانت بتجمع شمالنا وأملاكنا عمرها ما جمعت قلوبنا ولا جمعت طاعتنا لربنا عز وجل.
وتابع بتأثرٍ شديد:
_كلنا كنا غارقنين بالمعاصي حتى لو في مننا مرتكبش الكبائر بس مكناش ملايكة، الدنيا لهيتنا ونستنا حساب ربنا وغضبه علينا.
وتجولت عينيه بينهم فوجدهم يستمعون إليه بانصات وحزن يتلون على الوجوه، فعاد يلتشح ببسمته الساحرة من جديدٍ:
_متبصوش لزمان بصوا لدلوقتي، قدرنا نربي أولادنا على قيم ومبادئ دينهم اللي إحنا متربناش عليه ده في حد ذاته إنجاز.. لإن هما اللي هيمدوا نسلنا لسنين جاية، هما اللي هينقلوا تربيتنا ليهم، دلوقتي بنحاول نكون مثالين بس جوه كل واحد مننا شيء يخص الماضي اللي فيه ذنوب، وواجبنا نتوب عنه مش نعاير بعضنا بيه.
وتابع وهو يبعد مقعده عن الطاولة:
_ربنا ستر خطايانا وعيوبنا مينفعش نيجي بعد العمر ده كله ونفضح اللي ستره، خليكم متأكدين إن ربنا بيحبنا وأكبر دليل وجودهم حولينا، لإن ربنا سيحانه وتعالى كان عايزنا نتغير وهما كانوا السبب في ده.
تركهم يحيى وصعد للأعلى، فانتقلت نظرات رعد لدينا، سكنت عينيه داخلها، تذكر كل لحظةٍ مضاها برفقة تلك الفتاة البسيطة التي أرغمت كبريائه وغروره وجعلته ينحني إليها، تذكر معاناته بترويضها وكيف كانت تتلذذ حينما تكسر قاعدة من قواعد عنجهيته المعتادة، كيف كانت تبتسم خلسة حينما يتخلى عن سيارته ويرافقها بالباص أو تصطحبه لأحد الأماكن الشعبية، كيف نقلت تربيتها لابنائه رائد وداليا وجعلتهما أفضل منه، بالرغم من تمسك رائد ببعض الغرور الموروث عن أبيه ولكنه بالنهاية يحمل منها الخصال العظيمة، التي ترغمه على الاعتذار بصدر رحب دون أي غرور منه، تسللت يده من أسفل الطاولة لتحاوط خاصتها فمنحته ابتسامة أشرقت حياته القادمة لألف عامًا!
لطالما كان آدهم الرفيق المخلص لرعد، حتى كان رفيقه برحلة شروده، انتقلت لفتاته المحتشمة بعدما اعتادت عينيه على مظهر النساء المرتبط بالعري، وكأن الثراء بين الطبقة المخملية مرتبط بالملابس الفاضحة، فأتت إليه تلك الحورية لتهز عرش قلبه، مازال يتذكر أول صدفة جمعته بها ومن صدفة المصعد لصدفة المكتب حينما تفاجئت بأنه مديرها، إلى ذاك اليوم الذي خلصها من هؤلاء اللعناء وكيف بعدها وجد ذاته يعبر لها عن حبه العتيق الذي أثمر عن فتاته الجميلة آسيل وابنه المشاكس جاسم، كيف تمكنت بمفردها من زرع نبتة لم يتمكن هو من مساعدتها بزرعها لإنه لم يتربى عليها من البداية، ضمها آدهم إليه وهو يهمس لها بحنانٍ:
_آسف.
وإن ذُكر الغرام سيذكر العز ومعشوقته بالمرتبة الأولى، ذاك العشق الخالد الذي وُلد منذ الطفولة، أحبها وأحبته حتى وإن كان غليظًا فظ، ولكنه بأغلب أوقاته عاشقها الرومانسي الذي لم يدع فرصة التقرب إليها، ذاك العاشق الذي عانى لوعة الهجر ظنًا من أنها من تسكن قلب أخيه الوحيد يحيى، وهو ذاته الذي عاد للمعركة بعدما انسحب منها تاركًا لأخيه رأية الانتصار، فعاد حينما ألمه قلبه، عاد إليها وفرحته ازدادت فور كشف حقيقة حب يحيى لملك، أحبها وأرادها لنفسه فقط، أصابه الجنون وهو يحاول أن يمنع عنها نظرات المحاطين حتى وجدها تبتعد عن ثيابها المتحررة وتختار الحجاب بإرداتها، فشعر بأنها وأخيرًا وجد الراحة برؤيتها هكذا، هي تخصه فقط ولا تخص غيره، فتنتها المهلكة تلك لا ينبغي لغيره رؤيتها، وتتبع عشقهما ثمارهما معتز ومروج، مازال يتذكر كم بذلوا من مجهود ليجعلهما تربية صالحة تختلف عما نشأوا به وبالرغم من التعسرات الا أنهما نجحوا بالنهاية، جذبها عز لكتفه فمالت برأسها عليه ببسمةٍ هادئة، وقد صفيت الاجواء بينهما كمعتادها
انتهت تلك الملاحم بمشاكس العائلة، راقب الجميع بذهولٍ وانتهى بزوجته تالين التي ترمقه بضيقٍ، فاقتربت منه تهمس إليه:
_كان لزمتها أيه الكلمتين دول، كنت هتولع النار بينهم.
حاوطها بذراعه وهو يخبرها بغرورٍ:
_الحياة متحلاش غير بشوية بهارات..
وأشار بيده إليهم:
_مش مهم البداية كانت أيه المهم النهاية وصلوا لفين، وكل ده بفضلي أنا!
زمت شفتيها بسخطٍ:
_بس أنا بقى زعلانه منك يا حمزة ومتحاولش تلجئ لأحمد أو للمغفل للتاني أنا مستحيل هسامحك بعد ما كنت عايز تحدفني بالكرسي!
هو الآن يدعي صدمته من الأمر باجتيازٍ، وخاصة حينما ردد باستنكارٍ:
_مين.. أنا.. معقول أنا أرميكي بالكرسي يا تالي، أنا لو كنت رميتك صحيح فأنا رميتك جوه قلبي يا بت!
ابعدته عنها وهي تصيح بانفعالٍ:
_ابعد أنا مش مصدقاك ومش هتقدر تضحك عليا المرادي.
عاد ليحكمها داخل أحضانه من جديد وهو يهمس لها بمكرٍ:
_كده يام أحمد يا غالية عايزة تضيعي علينا فرحة العيد!
_لسه على العيد بدري، لما يقرب أفكر أصالحك.
قالتها وهي تنهض عن الطاولة، فلحق بها وهو يصيح:
_ الكلام أخد وعطا، طيب استني طيب أنا مش حمل الجري بتاع المراهقين ده إرحمي قلبي يا ملتهمة الكيوي بقشره!!
******"
تعالت ضحكات من يراقبهم من الأعلى، فصاح لمن يجاوره:
_يستاهل، هو سبب الخناقة تالين هتقتص منه!
رددها يحيى وهو يقف جواره يراقبان الموقف من أعلى التراس، فابتسم ياسين وهو يتابعه، مازال منحني على السور الحديدي يراقب أثر كلماته التي ناشدهم بها بالأسفل، فاستقام يحيى بوقفته بعدما تأكد نجاح مهمته، ليجد ياسين يراقبه بصمتٍ ونظراته تلفظ سخرية مبطنه، فقال بتحذيرٍ:
_متستهونش بالموضوع مكنش سهل على فكرة!
بقى ثابتًا أمامه، فنال منه حينما تركه وولج للداخل قاصدًا غرفة الضيافة المجاورة لهما، فإتبعه يحيى وهو يردد:
_طب حيث كده بقى متبقاش تلجئ ليا تاني في حل المواضيع التافهة حل إنت كل شيء.
تمدد ياسين على السرير المجاور للجهة اليمنى، بعدما نزع عنه سترته، وجلس يحيى على السرير المقابل إليه يراقب هدوئه بغيظٍ، فردد بهمسٍ:
_مفيش فايدة فيك هتعيش وتموت وأعصابك في التلاجة!
اتسعت ابتسامته، وتخلى عن صمته تلك المرةٍ:
_خايف من كتر نقك ده لما أموت يدخلوني الفرن!
انتابه ذعر مقبض، فصاح به:
_متجبش سيرة الموت تاني! ، ربنا يديك طولة العمر.
وتابع بمرحٍ يحاول إخفاء به دمعة عينيه:
_ثم إنك هتخش الفرن ليه ما أنت ماشي على الصراط المستقيم أهو ولا تكونش لسه بتلعب بديلك أنت كمان يا دنجوان!
ضم يديه معًا أسفل رأسه على الوسادة، ثم قال وهو يهيم بسقف الغرفة الغريبة التي يرتابها للمرة الأولى:
_أنا عمري ما كان ليا علاقة محرمة بواحدة ست يا يحيى وأنت عارف كده كويس.
تمدد بجلسته على الوسادة قبالته، وهام بذكريات الماضي، فابتسم وهو يردد باستغرابٍ:
_كان متاح لينا كل شيء ومع ذلك عمرنا ما ارتكبنا الذنب ده، تفتكر أيه اللي منعنا عن كده؟
وتابع وكأنه يتناقش مع ذاته:
_عتمان الجارحي كان مش حابب فينا كده، أوقات كنت بحسه هينطقها بشكل مباشر ويقولنا إلعبوا بديلكم بقى!
وتطلع تجاه ياسين وهو يتساءل:
_تفتكر كان عنده شك في قدراتنا؟!
قهقه ياسين بعدم تصديق لما يقوله، فتعالت ضحكاته الرجولية التي يفرج عنها بالمناسبات الخاصة قط، وقال بصعوبة من بينها:
_كان عايزنا ننحرف تقصد!
هز رأسه بتأكيدٍ، وأضاف:
_مهو كان عارف بمصايب ولاد عمك وساكت!!
وأضاف بمرحٍ:
_كنت فاكر إنه شايفنا عاقلين كفايه طلع متضايق مننا ومش طايقنا.
وضحك وهو يخبره:
_كان نفسي أقوله حفيدك الكبير المبجل متجوز في السر حل عننا بقى!
سلط عسليته إليه ومال بجسده حتى بات يقابله، فقال ببسمةٍ ساخرة:
_قصدك القفا اللي علم على رقبتي لأول وأخر مرة.
وتابع بثبات مقبض:
_والله أعلم لو مكنتش آية دخلت حياتي في نفس التوقيت كان حالي هيكون إزاي.
والتقط نفسًا مطولًا وهو يستطرد:
_مكنتش هسمح لأي واحدة إنها تدخل لحياتي من تاني، خاصة بعد اللي روڤان عملته معايا، يمكن عشان كده سمحت لتالين إنها تحكي للأولاد كل شيء خاص بالماضي، مكنتش حابب إنهم يتفاجئوا بشيء وخصوصًا عدي وعمر وأحمد وحازم متنساش إنها بالنهاية كانت خالتهم حتى لو كانت بالسوء والبشاعة دي.
هز يحيى رأسه بتفهمٍ، واستقام بجلسته حينما وجد ياسين يحيطه بنظرة زرعت داخله القلق، فتساءل:
_في أيه!
وكأنه عاد بذاكرته لشيءٍ هام، فقال بضيقٍ:
_لو كنت حكيتلي من البداية مكنش كل ده حصل!
ابتسم يحيى وقال بغرور:
_لو كنت حكيتلك مكنتش قابلت آية ولا حبيتها، أنا قدمتلك خدمة كبيرة على فكرة!
عاد ليتمدد مجددًا، وأغلق عينيه باستسلامٍ للنوم، فتمدد يحيى باستقامة على الفراش وصاح بدهشةٍ:
_هننام هنا!
لم يأتيه ردًا صريحًا منه، فأغلق عينيه وهو يهمس بنومٍ:
_لو صحيت الفجر صحيني أشرب، لإن مستحيل حد هيعرف إننا هنا!
وسرعان ما غفى لنومةٍ مريحة، ففتح ياسين عينيه يتأمله ببسمةٍ هادئة، ثم أغلقهما ليغفو هو الآخر!
*********
طوى ثيابه ووضعها بالحقيبة الموضوعة على الفراش من أمامه، فعاونته رحمة حينما جذبت عطره الخاص وبعض متعلقاته، وضعتهما بحقيبته ومازالت تدعي ثباتها أمامه، التقط عدي منها ما تحمله، ووضعه جانبًا ثم قربها إليه فأخفضت رأسها حتى لا يرى دموعها، رفع ذقنها إليه فأفرجت عن دمعاتها أمامه، ضم يديه ليزيحها عن وجهها مرددًا بصوته الرخيم:
_مش مضطرة تخبي خوفك عليا يا رحمة، من حقك تخافي عليا لإنك ليا فيا أكتر ما أنا ليا في نفسي.
وحاوط وجنتها بحنانٍ وهو يستطرد:
_هرجعلك في أقرب وقت أوعدك.
مالت برأسها على صدره فضمها إليه بكل قوته، وقد عاد ليهمس لها:
_خلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك.
هزت رأسها بهدوءٍ وقالت بتوسلٍ:
_حاول تكلمني وتطمني عليك حتى لو مرة واحدة يا عدي.
طبع قبلة عميقة على جبهتها وقال:
_هكلمك لإني أكيد هحتاج أسمع صوتك.
وأشار لها بابتسامته الساحرة:
_لسه معانا وقت نقعد ونرغي، كده كده مش همشي غير بعد الفجر.
وإقترب منها وهو يغم بخبثٍ وعينيه لا تترك شفتيها المغرية:
_ما تيجي أديكي تذكار وداع!
وقبل أن تستوعب مغازلته الجريئة كان يحملها بين ذراعيه ليطفو بها لعالمهما دون مناقشة عابرة، الحديث بتر والأفعال تكفي لتزف أقصوصة حبه لها.
********
مر اليوم سريعًا واقترب موعد آذان المغرب، ومازالت تنتظر عودته للقصر، فما أن وجدته يهبط من السيارة أسرعت إليه تخبره بضيق:
_جاسم أنت نسيت صح.
ضيق عينيه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_نسيت أيه!
منحته نظرة محتقنة وتركته وولجت للداخل فلحق بها وهو يخفي بسمته الماكرة، فجلس قبالتها على طاولةٍ الطعام، خرج معتز من المطبخ يحمل الأطباق، فصاح إليه بغضب:
_ما تقوم ما عم تساعد بدل ما أنت قاعد مريح كده.
لوى شفتيه بسخطٍ، وهو يجذب عنه الاطباق للطاولةٍ، ولج ياسين من الخارج فأسرع إليه رائد يلحق به، فزفر بضيق:
_قول اللي عايز تقوله يا رائد وخلصني.
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يخبره:
_في مؤتمر مهم جدًا، جايلنا دعوة لحضوره وطبعًا أحمد وأنت الأنسب لحضور النوعية دي من الاجتماعات.
بدأ يشعر بالفتور من شرحه المفرط، فصاح به:
_لخص.
أخرج من جيب جاكيته كرت الدعوة وهو يخبره بكل سرور:
_أحمد زي ما أنت شايفه كده مش مظبط، لذا مفيش أنسب منك إنك تحضر المؤتمر وده مكان الفندق.
واستطرد بتقدم اغراءات عرضه:
_أشيك بدلة وصلة من تركيا لصاحب النصيب اللي هيحضر المؤتمر ويكون وجهة مشرفة لشركات الجارحي طبقًا لأوامر ياسين الجارحي هخلي حد من الخدم يوصلهولك لحد باب جناحك، ها كده متفقين؟
جذب الدعوة منه وهو يدفعه بضيق:
_طب غور بقى مش عايز أشوف وشك لبعد الفطار!
*****
بغرفة المكتب الرئيسية للقصر.
طرقت على الباب قبل دلوفها للداخل، فجلست قبالته تترقب فور انتهائه من توقيع الملفات من أمامه، فأغلقها وهو يردد ببسمة صافية:
_بنفسك جاية تناديني للفطار؟
هزت رأسها نافية وهي تخبره:
_لا مش جاية عشان كده.
زوى ياسين حاجبيه وهو يتساءل بفضول:
_طيب أيه؟
ابتسمت آية وهي تخبره على استحياءٍ:
_جيت أفكرك بوعدك قبل كل عيد، نسيته يا ياسين.
نهض عن مكتبه وإتجه إليها بخطواتٍ واثقة، فحرر جاكيته وهو يجلس قبالتها مرددًا:
_مستحيل أنسى طبعًا، يومين أرتب نفسي وننزل نشتري للدار كلها لبس العيد، فرحتهم بدخولنا كل عيد متتعوضش يا آية.
اتسعت ابتسامتها وصاحت بحماسٍ:
_أنا بأحبك أوي وحبي ليك بيزيد يوم عن يوم.
دنا منها حتى بات قبالتها، فهمس وعينيه لا تفارقها:
_وأنا بعشقك!
*******
بالخارج
اجتمع الشباب حول الطاولة، يتناولون طعام الافطار بعدما انطلق الآذان، فما أن انسحب ياسين ويحيى وكبار العائلة حتى جذب جاسم كوب العصير الفارغ والملعقة، فطرق ليستحوذ على اهتمامهم مردفًا:
_انتباه يا ســـــــــــادة... انتبـــــــــــاه.
ردد حازم بسخطٍ:
_أيه هتوزع علينا التموين ولا العيدية!
جذبه رائد بغضب:
_ يا عم اتنيل لما نشوف حكايته أيه هو كمان.
صاح عمر بضجر:
_عدي سابنا وفلسع هنشوف مواهب!
نهض جاسم عن الطاولة وإتجه لزوجته التي تراقبه بضيقٍ، فتفاجئت به يجذبها إليه وهو يصيح:
_النهاردة كلكم معزومين برة على حسابي بمناسبة عيد جوازنا أنا وداليا.
تعالت صيحات الفتيات المحمسة، وكانت آسيل أول من تحدثت بينهن:
_بجد يا جاسم طلعت بتفهم، أخيرًا هنخرج.
جحظت عين أحمد بصدمة:
_مين اللي بيتكلم! حبيبتي أنتي مش هتلحقي تطلعي تلبسي هيغمي عليكي كمان شوية.
جذبت داليا القهوة الساخنة إليها، قائلة بحزم:
_اشربي فنجانين تلاتة كده وفوقي عشان ورانا طالعه!
راقبها أحمد وهي ترتشف الكوب بنهمٍ، وصاح ساخرًا:
_وفري مجهودك يا داليا مستحيل حاجة هتقصر فيها!!
******
بالأعلى وبالأخص بغرفة ياسين.
ولجت مليكة للداخل ببعض الارهاق، فتفاجئت بوجود كيس من القماش الفخم على الفراش، فتحته وهي تراقب تلك الحلة الفخمة السوداء، لوهلةٍ اختلط عليها الأمر بينها وبين البذلة الانيقة التي إرتداها بليلة زفافهما، فأسبلت بتوترٍ، وخاصة حينما لمحت لجواره دعوة خاصة لأحد الفنادق الفاهرة، انقبض قلبها ورددت بارتباكٍ:
_رايح يقابل مين!.
.......... يتبع........
ترقبوا الخاتمات الأخيرة من سلسلة #أحفاد_الجارحي..
ملحوظة لم يتم اتخاذ قرار بشأن تحديد عدد الخاتمات المتبقية بعد 🙂🫢🫣....
******_______*********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي..
#الخاتمة_السابعة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"بسملة مصطفى"،"سمر محمد"،"فايدة كامل"،"مي محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
جاب القاعة الرئيسية ذهابًا وإيابًا، وهو يتابع ساعة يده بتذمرٍ، إتجه جاسم للدرج وعاد يصيح بإنزعاجٍ:
_يالا يا جماعة إتاخرنا!!
ركضت داليا للأسفل وهي تحمل طرف فستانها الأزرق الفضفاض، مشيرة له بسعادةٍ:
_خلاص أهو يا حبيبي، أنا جهزت.
مد يده لها وهو يحني قامته الطويلة لها، وكأنه يستقبل أميرته التائهة، فتعالت ضحكاتها وهي تراقبه يلثم أصابعها بشفتيه برقةٍ جعلتها تسحبها على استحياءٍ، واتجهت للصالون الملحق بالردهةٍ قائلة:
_هستنى البنات هنا.
أومأ برأسه بخفةٍ، وتابع الدرج وهو يعود لحالته المتعصبة:
_مينفعش كده يا جماعة ساعتين بتلبسوا، يا معتز... يا رائد الله!
هبط "أحمد " للأسفل على مضضٍ، وهو يعدل من جاكيت بذلته الأنيقة وإتجه لأقرب أريكة ، جلس وهو يراقب جاسم الذي عاد يردد بضيقٍ:
_يالا بقى يا جماعة كل ده بتلبسوا!
تحرك عن صمته حينما قال بضجرٍ:
_إقعد بقى فلقتنا، أديني هاودتك ولبست أهو وأنا متأكد إني مش هعرف أخرج معاكم بسبب آسيل!
تحرك جاسم عن عمود الدرج الرئيسي تجاهه، قائلًا ببسمة واسعة:
_بعد الكوبيتين القهوة دول مستحيل، شوية وهتلاقيها نازلة.
زم شفتيه بسخطٍ:
_متتعشمش عشان متنقهرش!
******
بالطابق العلوي وبالأخص بجناح ياسين.
وقفت شاردة أمام المرآة، ومازالت تلك الدعوةٍ تقتحم أفكارها الغريبة، انتهت مليكة من ارتداء حجابها فتعلقت عينيها بإنعكاس صورته بالمرآة بعدما حرر باب الخزانة ليطل إليها بوسامةٍ تخطت المعهودة عنه، وكأنه اليوم عريس يستعد لحضور حفلة زفافه، حضوره يحفه الرجولة والثراء، لم يعتاد يومًا إرتداء مثل تلك الحلى الفاخرة، مشط ياسين خصلات شعره بحرافيةٍ ونثر البرفنيوم الخاص به على جاكيته الأسود، ثم جلس على المقعد يرتدي حذائه الأنيق، وحينما وجدها صافنة بالمرآة لفترةٍ طويلة قال بذهولٍ:
_في حاجة يا مليكة؟!
استدارت إليه وعينيها تكاد تلتهمه حيًا، ومع ذلك رسمت بسمة خافتة وقالت بثباتٍ:
_غريبة إنك متشيك على الأخر كده عشان مشوار عادي زي ده!
استقام بوقفته ودنى للكومود يجذب هاتفه ومتعلقاته ويدثها بجيب بنطاله مرددًا:
_مهو أنا عندي مشوار مهم كده تبع الشغل، هقضيه وهجيلكم على هناك.
ضمت شفتيها معًا وحركت رأسها وهي تردد بمكرٍ:
_أممم... مشوار شغل!
ضيق عينيه باستغرابٍ لطريقتها الغريبة، وما كاد بالحديث حتى أوقفته قائلة:
_تمام يا ياسين، عن إذنك.
وتركته وهبطتت للأسفل ومازال يراقب طيفها بدهشةٍ، اعتصر رأسه في محاولةٍ لتذكرٍ أي شيءٍ قد فعله أثار ضيقها منه، ولكنه لم يصدر منه ما يجعلها تعامله بتلك الطريقة، كاد ياسين بأن يلحق بها فما أن فتح باب جناحه حتى وجد رائد قبالته، يردد ببسمة مشاكسة:
_ابن حلال مصفي، كنت لسه في طريقي ليك.
زوى حاجبيه بغضبٍ:
_خير، عندك أيه تاني!
انحنى رائد يعقد رابطة حذائه الأبيض وهو يتابع حديثه الهام:
_المؤتمر هيكون لمدة 25دقيقة وبعده هيكون في حفلة جوه الفندق، وزي ما أنت عارف الحفلة دي سرية ومش هيحضرها كل رجال الأعمال عشان كده هيكون في تشديدات على كروت الدعوة، فخليها معاك متنسهاش.
وتابع بتحذيرٍ:
_لازم على الأقل تكون في الحفلة نص ساعة، عشان الشكل بس.
وربت على كتفه بتسليةٍ:
_يعني المشوار الروتيني الكئيب ده يتلخص في ساعة الا ربع.
أزاح ياسين يده عن جاكيته بعصبيةٍ لحقت نبرته المستنكرة:
_هو أنت ليه سعيد وأنت بتنقلي المعلومات دي، لو حسيت إنك شمتان فيا للحظة مش هخطي برة البيت ووريني بقى هتقنع أحمد يروح إزاي!
برق بعينيه بصدمةٍ، فهبط عن غرور نبرته المتفاخرة وقال بتوسلٍ:
_لا يا ياسين أنا مبحبش أحضر التجمعات اللي من النوع ده، ما أنت عارفني مش اجتماعي ودبش!
شملته نظرة رضا وهو يردد بعنجهيةٍ:
_كويس إنك عارف قدر نفسك!
*******
هبطتت مليكة للأسفل تبحث بين الشباب عنه، فما أن وجدته حتى نادته بحرجٍ:
_أحمد، عايزاك دقيقة لو سمحت.
نهض أحمد عن الأريكة ولحق بها وهو يردد بدهشةٍ:
_أيوه يا مليكة.
حافظت على انتظام تنفسها حتى وإن كانت تضم بركان ثائر داخلها، وقالت وهي ترسم ابتسامة هادئة:
_بقولك يا أحمد هو إنتوا جاين معانا انت وياسين ولا عندكم شغل.
انكمشت تعابير وجهه بذهولٍ من سؤالها الغريب، البديهي إنه يخص زوجها، ولكن كالعادة النساء غامضة دائمًا، ربما هناك ما يعكر صفوهما لذا لجئت لسؤاله هو،لذا أجابها بهدوءٍ:
_أنا عن نفسي جاي معاكم، وأعتقد إن ياسين كمان مش هيروح المقر النهاردة والا كنت هكون على علم بده!
ازدادت شكوكها التي خلقت من العدم، ووجود أحمد هنا أكبر دليل إليها، أفاقت مليكة من غفلتها القصيرة على سؤال أحمد المتردد:
_في حاجة ولا أيه؟
هزت رأسها وهي تخبره ببسمتها الزائفة:
_لا أبدًا، أنا كنت بسألك عادي.
واتجهت للصالون الملحق بالردهة مرددة:
_عن إذنك.
تابعها أحمد بدهشةٍ حتى اختفت من أمامه، وما أن استدار حتى وجد عمر قبالته يتهامس بالهاتف بصوتٍ منخفض، انتظر أحمد أن ينتهي من مكالمته فتساءل بذهولٍ:
_شكلك يخوف، أوعى تكون بتحضر لكارثة أنت كمان!
ارتسمت ضحكة على وجهه الوسيم، فمال إليه يجيبه:
_عيب يا أحمد أنا وش كذلك!
وتابع بمكرٍ:
_ثم إني بحاول أحترم ذاتي في غياب عدي لياسين الجارحي يعمل مني بوفتيك.
شاركه المزح الرجولي مرددًا:
_متقلقش عدي لو مش موجود فأخوك رقبته سدادة.
ربت على كتفه باستحسانٍ:
_طول عمرك سداد يا حبيبي.
انضم إليهما رائد ومعتز وياسين فتبادلوا الحديث والمرح بينهم لا يترك مجلسهم، تلاشت ضحكة أحمد تدريجيًا بصورةٍ ملحوظة للشباب، فوجدوه يتأمل الدرج بصدمةٍ، تأملوا ما يجذب انتباهه لتلك الدرجة فوجدوا آسيل قبالتهم تهبط للأسفل ومازالت على قيد الحياة، لم تفقد وعيها ككل ليلةٍ، بل ترنو بكامل نشاطها، كبت عمر ضحكة كادت بالانفلات منه وهو يراقب صدمته العارمة، تجهمت معالمه حينما وجدها تقف قبالة أخيها وهي تشير له بفرحةٍ:
_شوفت خلصت في ثانية إزاي!
كز على أسنانه بغيظٍ، واندفع نحوها وهو يصيح بانفعالٍ واضح:
_أيه اللي أنتي لابساه ده يا هانم!
بدى للشباب بأنه قد وجد معاناة البحث عن حجةٍ مقنعة لسحبها لشجارٍ، مرر جاسم نظرة سريعة إليها، وردد بصدمة:
_ماله لابساها!
جذبه ياسين للخلف وهو يهمس له ببسمة ماكرة:
_متتدخلش إنت، أنا فاهم حالته كويس!
ضحك عمر هو الآخر وقد تسنى له فهم مغزى حديث ياسين، فقال هو الآخر:
_خليك بعيد يا جاسم.
تابع الحديث بينهما بصمتٍ، فوجدها تشير له بدهشةٍ:
_ماله لبسي!
ورفعت ذراعيها مرددة:
_ده اسدال شبه فراشة! شبه الملحفة!! يعني شوية وهطير!
وتابعت وهي تبرر:
_واخده من ماما ويعتبر أوسع حاجة في لبسي كله يا أحمد.
كاد بأن يدمي شفتيه وهو يردد من بين اصطكاك أسنانه:
_أنا قولت إطلعي غيري اللبس ده يبقى كلامي يتسمع بدون نقاش!
خرجت الفتيات على صوته المرتفع، فقالت رحمة:
_خلاص يا آسيل إطلعي غيري هدومك وانزلي بسرعة وإحنا هنستناكِ.
أومأت برأسها باستسلامٍ، وصعدت للأعلى مجددًا ومازالت نظرات أحمد المغتاظة تلاحقها، ومن خلفه عمر وياسين اللذان يكادان ينفجران من الضحك، وخاصة حينما ركض من خلفها للأعلى!
********
أسرعت لخزانتها لتبدل ملابسها سريعًا قبل أن يغادر الجميع، فارتدت فستان بسيط من اللون الزهري واتجهت سريعًا للخروج، فاندهشت حينما وجدت أحمد قبالتها، يغلق باب الجناح ويقترب منها، ظنته أتى ليخبرها بالاسراع، ولكنها وجدته يرمقها بنظرةٍ غاضبة، تراجعت آسيل للخلف تلقائيًا حينما وجدته يرنو إليها دون توقف، فرددت بخفوتٍ:
_مالك يا أحمد؟ في أيه؟
لاحت على شفتيه بسمة ساخطة، وراح يردد ساخرًا:
_مالي يا حبيبتي ما أنا زي الفل أهو، مستحملك طول الأيام اللي فاتت وبحاول أتعامل مع الغيبوبة المتكررة اللي بتجيلك.
وكز على أسنانه وهو يردد ببسمة مخيفة بمعنى الكلمة:
_صابر ومستحمل عشان عارف إن الأمر خارج عن إرادتك، بس بدل ما تحسي بيا وبصبري اللي طال ده يوم ما تفوقي من غيبوبتك قررتي تقضي اليوم مع أخوكي عشان تحتفلي بعيد جوازه بدل ما تنقذي جوزك من الحرمان اللي هو فيه!
عبست بعينيها باستغرابٍ، وهي تجاهد لفهم ما يلقيه إليها، فقالت بذهولٍ:
_حرمان أيه! أنا مش فاهمه أنت بتتكلم عن أيه؟!
التقط نفسًا مطولًا، يبعد عنه ذاك الغيظ المميت، وتابع باقترابه منها، وتوقف فجأة وهو يمرر يده على جبهته مرددًا بتحكمٍ:
_استغفر الله العظيم وأتوب إليه!
ثم أبعد يده وهو يشير إليها:
_أنا مش عارف مالي، شكلي كده أعصابي مش تمام.
أقبلت عليه بخوفٍ وهي تتمسك بيده وتتساءل بلهفةٍ:
_مالك يا حبيبي ، أيه اللي تعبك؟!
حدجها بنظرة باردة تخفي غضبه الثائر، فقبض على خصرها ليقربها إليه مستندًا بجبهته على جبهتها، وصوته الدافئ يلفح وجهها:
_أنتي بتخلصي حقك مني يا آسيل!
وراقب شفتيها بنظرةٍ جعلتها ترتجف بين ذراعيه، وخاصة حينما همس بصوته العذب:
_أنا بعيش أيام معشتهاش أيام المراهقة!
أسبلت جفنيها بصدمةٍ، أرغمتها على الضحك وقد تبين لها باطن حديثه، فابتسم وهو يردد لها بخبثٍ:
_مبسوطة وأنتي معذباني كده صح!
ومد يده يزيح عنها حجابها فحاولت إبعاد يده عن خصرها وهي تصيح بضيقٍ:
_بتعمل أيه يا أحمد، هنتأخر على جاسم!
ردد ساخرًا:
_أخوكي مش هيحتاجك النهاردة، الليلة كلها تخصه هو ومراته!
اعترضت قائلة:
_بردو مينفعش لازم أكون معاه، ثم إن البنات مستنيني تحت.
رفع أحد حاجبيه بغضبٍ لحق نبرته:
_مش هتخرجي برة الباب ده يا آسيل وكلامي مفيش بعده نقاش!
عادت للمحايلة من جديد ومازالت تكبت ضحكاتها بتمكنٍ:
_عيب يا أحمد ميصحش!
أفرجت شفتيه عن بسمة مستهزئة:
_حبيبتي أنتي مخلتيش فيها يصح ولا ميصحش!
تعالى رنين هاتفها، فجذبته من حقيبة ذراعها وأشارت له قائلة:
_شوف رحمة بترنلي.
جذب منها الهاتف وأغلقه أمامها، ومن ثم جذب هاتفه من جيب سرواله وأغلقه هو الآخر، ثم ألقى بهما على الكومود مرددًا ببرودٍ:
_وأدي التليفونات، صدقتي إني قراري اللي هيمشي ولا محتاجة إثباتات تانية؟
أخفضت عينيها بخجلٍ حينما دنى منها مجددًا وعينيه لا تفارق خاصتها، رفع كف يده يحتضن به وجهها ليرغمها على رفع رأسها إليه، فدق قلبها كقرع الطبول حينما بدأ بأول طائفة جمعت عشقهما ومن ثم حملها إليه لتشاركه جنون عشقهما الفريد من نوعه، وبالنهاية انتصر باضرام قراره الحاسم بعدم الرحيل عن جناحهما!
*******
زفر جاسم بضيقٍ وهو يعيد الاتصال بأحمد للمرة الثالثة، ومازال عمر يراقبه بصمتٍ، هز الهاتف بعنفٍ وهو يردف:
_تليفونه مقفول!
أتت رحمة من خلفه تردد هي الأخرى:
_وتليفون آسيل كمان مقفول.
أشار لها عمر ولجاسم قائلًا بضحكة ماكرة:
_يلا يا جاسم أحمد مش جاي.
ران للشباب الأمر، ومازالت رحمة محلها تردد بقلقٍ:
_ما تطلع تشوفهم يا عمر، أنا قلقانه يكون أحمد إتخانق معاها!
ضحك معتز وردد بمشاكسةٍ:
_أحلى خناق بينهم حاليًا.
ركله عمر بغضبٍ:
_وقح!
وأشار لزوجة أخيه ببسمةٍ هادئة:
_متقلقيش مفيش خناق ولا حاجة، يلا عشان هنتحرك.
اتبعته للخارج فوجدته يستدير إليها وهو يتساءل باستغراب:
_فين نور!
ضحكت وهي تخبره:
_مصممة تيجي معانا بعربيتها.
ردد بصدمة:
_ازاي دي لسه متعلمتش السواقة!
هزت رأسها وتابعت بسخرية:
_لا ومصممة أركب معاها مستغنية عن عمري أنا واللي في بطني!
طرق بيده على جبينه وصاح بغضب:
_هتجنني أنا عارف!
وفتح باب السيارة لرحمة، فما أن أستقرت بمقعدها بالخلف حتى تحرك قائلًا:
_هشوفها وراجع.
******"
راقبت مليكة ياسين وهو يغادر بسيارته، فاستغلت انشغال الشباب بمساعدة زوجاتهم بالصعود للسيارات المصفوفة أمام البناية الخارجية لقصر آل الجارحي، فاتجهت لأحدى السيارات وطلبت من سائقها باتباع سيارة زوجها، تعلم بأنه لن ينحضر لذاك المستوى الدنيء ولكن شيئًا غريزيًا داخلها يحرضها على تتبعه، ثمة سلاحًا كان بمثابة السطو المسيطر عليها، فجعل غيرتها تزداد أضعافًا مضاعفة، ودت لو أرغمته على البقاء خشية من أن يراه أحدٌ بتلك الجاذبية المهلكة غيرها، رؤيتها لتلك الدعوة أفتكت بما تبقى بعقلها، هي بالنهاية أنثى تغار وغيرتها تتخطى الجنون أحيانًا، مثل ما يحدث لها الآن.
توقفت سيارة ياسين أمام أحد فنادق القاهرة الفاخرة، فترك بابها لفرد الآمن الذي صعد محله ليصفها بچراچ الفندق المخصص، تراجلت مليكة وطلبت من السائق الانصراف، ثم لحقت به خلسة وبحذرٍ شديد، مضت أكثر من ربع ساعة تبحث عنه وسط الوجوه، فكان يجتمع عددًا غفيرًا من رجال وسيدات الأعمال، وفجأة انصرفت مجموعة من باب صغير يؤدي لمطعم راقي للغاية، توارت مليكة وسط مجموعة من السيدات حتى تمكنت من الولوج معهن للداخل، فوقفت جوار إحدى الأعمدة المزينة وأخذت تراقب الوجوه، حتى تمكنت من رؤيته أخيرًا يجلس على الطاولة الرئيسية، ومن جواره عدد صغير من رجال الأعمال، وأمام كل رجلٍ تجلس امرأة، الا هو كان يجلس بمفرده يعبث بهاتفه تارة ويتابع حديثه مع رجلًا كبيرًا بالعمر يجلس جواره تارة أخرى، شعرت بالارتياح وندمت لما فعلته، لذا ودت أن تنسحب سريعًا قبل أن يرأها حينها لن يسامحها أبدًا.
على بعدٌ منها.
كان يقف رجال الآمن يحرصون ألا يدلف أحدٌ لا يحمل بطاقة الدعوة لمجلسهم السري، بعد أن تلاقوا أوامر مشددة من منظمي الحفل، فالتقطتها أعينهم، وارتابوا لأمرها، خاصة بأنها كانت مختبئة خلف احدى الأعمدة منذ لحظة ولوجها للحفل، وكأنها تتلصص على أحدًا، فعلى الفور إتجه لها كبيرهم، فوقف من خلفها وهو يردد بخشونة أرعبتها:
_بطاقة دعوتك لو سمحتي يا آنسة!
*******
استند عمر على جسد السيارة الأمامي بإرهاقٍ بعد محاولاتٍ عديدة لاقناعها بأنها لن تتمكن من القيادة بمفردها، فتركها تحاول وإستند على الجزء الأمامي بقلة حيلة، طرقت على الدريكسيون بغيظٍ، وهبطت إليه لتشير له بأن يحملها لتجلس جواره، فرفعها على صندوق السيارة الأمامي جواره، عبثت بقدميها بصمتٍ مطبقٍ، وشفتيها تتدلى للأسفل بضيقٍ استفز عمر فصاح بعدم تصديق:
_وكمان إنتي اللي زعلانه!
منحته نظرة مغتاظة، وصاحت بضجر:
_أنت جاي ورايا ليه يا عمر، أنا بعلم نفسي بنفسي وواحدة واحدة هكتشف الموضوع.
برق بعينيه لوهلة، وصاح باستهزاءٍ:
_تستكشفي أيه بالظبط! هي طبخة وهتحاولي تستكشفي مكوناتها!
ردت بتعصب:
_هحاول أحسن ما أتحوجلك تعلمني.
زوى بيده أنفه وهو يحرر بالأخرى رابطة عنقه هامسًا بخفوتٍ:
_الصبر على ابتلائي يا الله.
واعتدل بوقفته إليها:
_نور بلاها عناد النهاردة بذات عشان خاطري، احنا إتاخرنا عليهم، خلينا نمشي ولما نرجع أوعدك هعلمك عشان أخلص.
اتفقنا؟
طرقت بيدها على خدها بتفكيرٍ، ثم مدت يدها إليه مرددة ببسمة واسعة:
_اتفقنا، نزلني بقى وحاسب على الفستان.
ابتسم وهو يراقب طرف فستانها الأسود الطويل، فلف طرفه على ذراعه وجذبها إليه بالأخر وهو يهمس لها بحبٍ:
_الا الفستان، أنا أفديكم بروحي لو حكمت.
طوفت رقبته بيديها معًا وهي تشاكسه بمرحٍ:
_خف من رومانسياتك يا دوك إحنا في رمضان!
أشار باعتراضٍ:
_احنا بعد الفطار وانتي حلالي فين المشكلة!
ضحكت وهي تخطو خطوتين للخارج مشيرة له بغمزة ساحرة:
_شيل الفستان وتعالى ورايا، هنتأخر.
انحنى عمر وجذب طرف فستانها الطويل، ليتبعها باستياءٍ لحق قوله:
_دي خروجة عادية مش مستهلة الفستان المهلك ده!
*******
ابتلعت مليكة ريقها الجاف بصعوبة بالغة حينما وجدت الحارس يقف قبالتها، صمتها جعله يعيد مطلبه على مسمعها من جديدٍ:
_بطاقة الدعوة من فضلك!
حاولت التماسك بانفعالات وجهها المشدود وقالت بخوفٍ:
_آآ.. أنا نسيت الدعوة..
تعصبت ملامح وجه الحارس بصورة أفزعتها، وخاصة حبنما قال بحدةٍ:
_ودخلتي هنا إزاي من غير بطاقة دعوة!
وردد بالجهاز الذي يحمله بصرامة وغضب:
_هاتلي الأتنين اللي واقفين على الباب فورًا.
ارتعبت مليكة من تصاعد الأمر الذي ريثما سيصل لزوجها، فقالت بتلعثمٍ وهي تتجه بضعة خطواتٍ للخروج:
_مفيش داعي أنا كده كده كنت خارجة.
تهاونه مع الأمر قد يعرضه لعقوبةٍ شديدةٍ، خاصة بأن الحفلة تضم أشخاصًا هامة للغاية، لذا أمسك بيدها وهو يصر بحدةٍ:
_مفيش خروج من هنا غير لما نعرف حكايتك، فمن فضلك اتعاوني معانا بدل ما يحصل مشاكل.
لعقت شفتيها الجافة وهي تحاول التفكير بما قد ينجدها، فشعرت وكأن الدماء قد غادرت عروقها، ما ظنته لن يصل له حتمًا سيصبح ساطعًا كضوء الشمس، شرودها بما سيحدث لها على يد زوجها جعلها لا تلاحظ فرد الأمن الذي مازال يقبض على معصمها، وكأنها لصة قامت بسرقة شيئًا ثمينًا، وتأوهت فجأة حينما شعرت بتصلب عروق بارزة فوق يد فرد الأمن ليواجه غضب ياسين يحيى الجارحي، وخاصة حينما صاح بصوته الذكوري المتعصب:
_إنت إزاي تجرأ تمد إيدك ال** دي على مراتي!
جحظت عينيه في صدمةٍ، من المعتوه الذي لا يعلم بشأن نفوذ عائلة الجارحي، كاد بأن يصلب محله من فرط خوفه، فأخذ يبرر إليه برهبةٍ:
_أنا آسف يا باشا مكنتش أعرف إن الهانم تكون مرات حضرتك، بس والله هي متكلمتش ولا قالت شيء، واقفتها كانت غريبة فلما طلبت منها البطاقة آ...
يعلم بأنه ليس مخطئ، المخطئ هي من تقف قبالته، لذا منحه الغفران حينما قاطعه بحزمٍ:
_روح شوف شغلك أحسنلك.
غادر من أمامه وهو يردد:
_بكرر أسفي مرة تانية، عن إذنكم.
ما أن غادر من أمامهما حتى شعرت وكأنها مجردة أمام عينيه الملتهبة بحمرةٍ غضب قاتل، فوقف قبالتها يرمقها بحدةٍ وهو يردد بصوت مازال يتحكم بانخفاض مستواه:
_مصدقش عيني أول ما شوفتك!!
وجذب معصمها إليه فارتد جسدها لصدره تلقائيًا وهو يصيح بحدةٍ:
_بتراقبيني يا مليكة!
رفعت عينيها الباكية إليه، وبصعوبة قالت:
_آآ... أنا كنت بآ..
وابتلعت باقي كلماتها وهي تفرك أصابعها الباردة برعبٍ، التقط ياسين أنفاسه الهائجة بانفعالٍ، لا يعلم ماذا سيفعل بتلك اللحظة؟
لا يتوجب عليه ترك الحفل في الدقائق الأولى، ولم يعتاد إليه اختراق قانون ياسين الجارحي الأساسي إليهم بحضور زوجاتهم لمثل تلك الحفلات التي يملأها الخمر والعري ونظرات الرجال الكاسرة لحاجز الرجولة، ود لو أن يقتلها في تلك اللحظة، وخاصة حينما اقترب منهما مؤسس الحفل برفقة زوجته الغربية، ليتساءل باهتمامٍ:
_في حاجة يا باشا، شايفك واقف مع أفراد الأمن من ساعتها، لو في مشكلة عرفني بيها.
وانتقلت عينيه لتلك الفاتنة جواره وهو يعود ليتساءل:
_مين دي؟
أجابه وهو يضم يدها إلى يده:
_ مفيش مشاكل، زوجتي مكنتش عايزة تقعد معانا على تربيزة الشغل عشان الملل، بس غيرت رأيها وحابة تنضم لينا.
تفحصتها نظرات تلك المرأة الجريئة، كانت ترتدي فستانًا قصيرًا للغاية بالكد يخفي ركبتها، وصدرها مكشوف بشكلٍ مقزز، ومع ذلك هي من تقابلها بنظرات مستحقرة لحجابها وملابسها المحتشمة وكأنها من تتعرى هنا وليس هي!
فرسمت بسمة متكلفة وهي تشير للطاولة:
_أهلًا بكِ عزيزتي، انضمي إلينا وأعدك ألا تشعرين بالملل برفقتنا.
ومالت تقبل زوجها بجراءةٍ:
_أليس كذلك عزيزي.
بادلها الرجل الغرام المتدني بطريقة جعلت مليكة تشهق بصدمةٍ، فرفعت عينيها لزوجها فوجدته يصوب إليها نظرة نارية لما وضعت ذاتها به، ومع ذلك عليه بالحفاظ على ثباته كونه وجهة آل الجارحي المشرفة، فأجبرها على الخطى معه للطاولة، وأجلسها على طرفها وهو يعبث بالسكين من أمامه ليصدر صوتًا حادًا يسكن نيرانه المقتادة، ارتعش جسد مليكة رعبًا فلأول مرة تراه بتلك الحالة الغاضبة، ليت تلك الليلةٍ الباردة تمر مرور الكرام، راقبت المكان بنظرةٍ متفحصة فلم تجد سوى المحرمات في شهرٍ فاضيل هكذا، فمرت بعينيها على مقعد ياسين الحامل لجاكيته فوجدت أمامه كوبًا من العصير وكأنه المنفرد من بينهم جميعًا، شعرت بالذنب وبخطيئة ما ارتكبته بحقه، ولكن ماذا ستفعل أمام بركانه الثائر!
_هل تسمح لي السيدة الفاتنة برقصة؟
ما كان ينقصها سوى هذا اللعين الذي يعرض عليها أن تشاركه الرقص، ابتلعت مليكة ريقها بصعوبة، وانتقلت نظراتها تلقائيًا لياسين، الذي أدمى شفتيه معًا ويده تطوف سكينه المعدني القريب من طبق اللحم أمامه، وكونه عاقلًا لن يسمح للصحافة الممتلئة للمكان من حوله بالتقاط تلك الاساءة بحق عائلته، لذا تصرف بعقلانيةٍ ورسم بسمة خافتة وهو يشير إليه:
_أعتذر لك، زوجتي ستشاركني أنا بالرقص.
ونهض عن الطاولة ثم جذبها للمنصة حتى لا يتيح لأحدٌ عرض الرقص عليها، لا يود اختلاق أي نوعًا من المشاكل، يترقب مرور الثلاثون دقيقة بفارغ الصبر ليغادر بها الآن في تلك اللحظةٍ، اختياره للرقص معها كان أبشع قرار يتخذه لا يريد لاحد رؤيتها أو لمحها، ولكنه مجبور حتى يتلاشى المشاكل التي ستخلق حتمًا.
اعتصر خصرها بين يده وصوته المحتقن يهدر من بين اصطكاك أسنانه:
_اللي عملتيه النهاردة ده عقوبته عندي أكبر مما تتخيلي.
وطعنها بنظرة قاتلة وهو يتحرك بها:
_انعدام ثقتك فيا جريمة مش هسامحك عليها مهما كانت أسبابك.
انهمرت دمعة من عينيها، فرسم بسمة مصطنعة لاحد رجال الأعمال الذي يتابع الرقص برفقة زوجته لجوارهما، وعاد ليردد:
_الحفلة ملانة صحافة، شوفي بقى لما ياسين الجارحي يشوفك على غلاف المجلات والجرايد، ويعرف إنك جيتي هنا برجليكي.
واسترسل بحدة:
_ياسين الجارحي عمره ما سمح لحريم بيته يظهروا في أماكن زي دي، مانع ظهوركم معانا في أي حفلات فيها القذارة اللي تستباح حريم بيته، هينبهر لما يلاقي بنته اتخطت قوانينه.
ولفها إليه وهو يتابع:
_أوعدك مش هحميكي من غضبه لإنك تستاهليه.
أشعل ضوء الكاميرا هاجسها، فالتفتت لتجد أحد الصحافين يلتقط إليهما صورة، انقبض جسدها وارتجف بين يديه وتدفقت دموعها دون توقف، فتوقف عن الحركة بها، وإتجه للطاولة فجذب حقيبتها وألقاها إليها ثم جذبها للخروج فاتبعته السيدة مرددة باستغراب:
_إلى أين سيد ياسين، مازال الحفل بالبداية!
استدار لها وأخبرها بلباقةٍ:
_أعتذر منكِ سيدة أماندا، ولكن زوجتي لا تعتقد بأنها بخير.
تقبلت دعواتها المزيفة بالشفاء العاجل ببسمة رسمتها بصعوبة واستجابت ليد زوجها القابضة عليها، فما أن خرجت معه حتى توقف بها، فتركها وعاد لأحد رجال الأمن يهمس له بشيءٍ لم تستطيع سماعه، ثم عاد لها فجذبها مجددًا لخارج الفندق ينتظر السيارة التي أتت إليه برفقة أحد العمال، فصعدوا إليها وظل ياسين داخل سيارته لدقائق، حتى عاد إليه الأمن يقدم له شيئًا لم يكن واضحًا لمليكة، كل ما تمكنت من رؤيته حزمة المال الذي قدمها ياسين للرجل، وبعدها انطلق عودة للقصر.
طوال الطريق ساد الصمت بينهما، صوت أنفاسه المتعصبة كانت تعلو كالجمرات المشتعلة، اهتز كف يدها وهي تقربه من يده الموضوعة على متحكم الفرامل، فأطافته بيدها وصوتها المبحوح يناديه:
_ياسين!
سحب كفه بعيدًا عنها وهو يشير لها:
_مش عايز أسمع صوتك وده لمصلحتك عشان مأذيكيش!
ابتلعت باقي كلماتها بجوفها، والتزمت الصمت حتى توقف بسيارته داخا چراچ القصر، فاستدارت بجلستها إليه تتوسل له ببكاءٍ:
_ياسين عشان خاطري متقولش لبابا حاجة.
استدار بوجهه إليها، وردد بعدم تصديق:
_ده اللي فارق معاكي!!
أخفضت وجهها للأسفل حرجًا، فصاح بعنفٍ لم يسبق لها رؤيته منه:
_مش فارق معاكي اللي عملتيه، مش فارق معاكي شكلي قدامهم كان أيه مع إني حاولت أنقذ كرامتك وشكلك قدامهم بس الكل كان عارف أنك جاية ورايا بتراقبيني!!!
وصرخ باهتياجٍ:
_مش فارق معاكي إن أهنتيني بشكوك ومراقبتك ليا!!
وسألها بغضب:
_قوليلي شوفتي أيه مني يخليكي تراقبيني؛!
وصرخ بها:
_ساكتة ليه ما تنطقي!!!
******
بالحديقة..
كان يجلس ياسين وآية برفقة الأولاد بعدما غادر جميع من بالقصر، كعادته يستمتع بلحظاته برفقة أحفاده وبالأخص برفقة رحمة وحلا، كان يحمل إحداهن على قدمٍ والآخرى على قدم، يستمع لرحمة وهي تخبره بطفولية:
_جدو أنا نفسي يبقى عندي اسطبل خيول.
ابتسم وهو يتساءل بفضولٍ عن سبب حلمها الغريب:
_ليه؟
أجابته ببسمة واسعة وهي تراقب يحيى الذي يجلس بعيدًا عنهم يتابع قراءة كتبه التي لا تفارقه أينما كان:
_عشان أدي ليحيى خيل أبيض وآ..
بترت جملتها ببسمة جعلت ياسين يبتسم هو الآخر، فطبع قبلة على جبينها وقال بخبث ومرح:
_يحيى عايز مكتبة كتب مش خيل يا رحمة!
تعالت ضحكات آية وهي تراقبهما، فحملت حلا عن قدمه وطبعت قبلة على خديها، ثم أشارت لزوجها بضجر:
_كده يا ياسين مش قولت هنطلب لبس الأولاد أون لاين عشان بعد بكره هنقضي اليوم معاهم بالدار ونقدملهم الهدايا واللبس.
منحها نظرة حنونة ثم أشار على حلا ورحمة:
_أنتي شايفة بعينك أهو، أول ما لقونا قاعدين تحت قاعدة رايقة لفوا حولينا!
ضحكت وهي تخبره:
_بيحبوك وبيحبوا يقعدوا معاك.
غمز بعسليته:
_معايا أنا بردو!
صححت له بحب:
_معانا.
هز رأسه وأشار لرحمة بحنان:
_روحي إلعبي مع مريم وليان يا حبيبتي.
ركضت الصغيرة لمشاركة الفتيات اللعب، بينما على مسافة منهم كان يلعب الأولاد بمفردهما دون مضايقة الفتيات أو الاختلاط بما هو حد خطير لهم، وعلى بعد منهم يجلس ياسين برفقة آية، يحاول مساعدتها في اختيار ملابس العيد لدار الأيتام الخاصة بها «آية الرحمن»، كما نسبه هو لها، ذاك الملجئ الذي كان سببًا في عودة حفيده الأكبر ياسين، مازال يحمل معزة كبيرة تخصه، بعدما زرع الخير وحصده بعودته لأحضانه..
قطع مجلسهما عبور تلك السيارة فرددت آية باستغراب:
_هما رجعوا بدري ليه كده؟
ضيق عينيه في محاولة تحديد كناية السيارة، فقال بصوته الرخيم:
_دي عربية ياسين.
لم يتسنى مرور الدقائق وتسرب لهما صوت ياسين المنفعل، فنهضت آية واتجهت إليهما بقلق وخاصة حينما لمحت مليكة تبكي لجواره.
******
سحب ياسين مفاتيح سيارته وهبط منها ليتجه للأعلى، فكادت مليكة بأن تلحق به إلى أن أوقفها صوت والدتها المنادي:
_مليكة!
التفتت إليها بارتباكٍ تضاعف حينما رأت أباها يجلس على بعدٍ منهما، فازدردت ريقها الجاف وهي تحاول اخفاء دموعها:
_نعم يا ماما.
اقتربت منها آية وتساءلت بشكٍ:
_في أيه وياسين متعصب ليه بالشكل ده؟
واسترسلت بدهشة:
_وبعدين إنتي مش كنتي مع عمر وجاسم والبنات، أيه اللي مرجعك مع ياسين!
وصاحت ببعض الحدة:
_فهميني في أيه بالظبط؟
ارتعبت وكادت أن تقتل ببطءٍ وخاصة حينما نهض ياسين عن مقعده وكان بطريقه إليهما، لم ترى زوجها الذي توقف عن استكمال طريقه للأعلى ووقف يراقبهما، فما أن وجد ياسين الجارحي بطريقه لزوجته حتى هبط وحاصرها بذراعه وهو يمنح آية بسمة هادئة لا تناسب حالته بالمرة:
_ممكن أخطف منك مراتي، أنا لسه خاطفها من وسط الشباب عشان نقعد مع بعض شوية!
منحته نظرة مندهشة، هي لم تتوهم سماع صوته المتعصب، ومع ذلك لم ترغب بالتطفل عليهما فقالت بلطفٍ:
_طبعًا يا حبيبي اتفضل.
صعد بها ياسين للأعلى، ومازالت آية تراقبهما بدهشةٍ، أفاقت من شرودها على يد ياسين الممدودة إليها وهو يسأله بنظراته المتفحصة:
_واقفة كدليه يا آية؟
تطلعت إليه وهي تردد بتشتتٍ:
_ياسين أنا متأكدة إني سمعتهم وهما بيتخانقوا!
وبقلقٍ قالت:
_إطلع وراهم وشوف في أيه أنا خايفة على البنت.
ابتسم وهو يضمها إليه، مرددًا وعينيه تراقب الدرج بنظرة عميقة اتسعت نبرته:
_بنتك متجوزة راجل قادر يحميها من أقرب الناس ليها تفتكري مش هيحميها من غضبه!
ورفع وجهها المبتسم إليه وهو يردد بغرور وثقة:
_أنا عارف أنا إختارت لبنتي مين!
*****
بالأعلى.
ما أن ولج لجناحه حتى إنفك عنها، فحل رابطة عنقه بغضبٍ وفتح أزرار قميصه عل الهواء يصل لقصبته المشتعلة، جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا بثورةٍ تكاد تحرق ملامحه، ومازالت تقف ورأسها مطموس بالأرض، جلس ياسين على حافة الفراش يتطلع إليها بصمت طال بينهما فقطعه بصرامة:
_منتظر إجابة لسؤالي.
رفعت عينيها إليه بعدم فهم، فصاح بها بهدوء حذر:
_شوفتي أيه يخليكي تشكي فيا وتراقبيني!
بكت بصوتٍ مسموع ومن بين بكائها رددت:
_أنا آسفة يا ياسين صدقني أنا معرفش عملت كده إزاي.
حرك وجهه يسارًا ويمينًا وقدمه يهتز بعنفٍ، في محاولةٍ بائسة للتحكم بكافة انفعالات جسده المتعصب، فنهض فجأة تجاهها لدرجة جعلتها ترتد للخلف وهي تخفي وجهها برعبٍ جعله يقف مصعوقًا، متخشبًا محله، طال بها السكون فاعتدلت بوقفتها تتفحصه فوجدته يبرق لها بصدمة، تحرر عنه لسانه ليخبرها بوجعٍ استطاعت لمسه جيدًا من كلماته:
_ثقتك فيا مش مهزوزة من الخيانة بس، لا من كله!
وتابع بألمٍ:
_أنا بحاول أشوف الصورة الجديدة اللي في عيونك ليا وهتبقى كارثة لو طلع إحساسي صح! انتي متخيلة إني ممكن أمد إيدي عليكي بجد!!!
وكور يده بعصبية جعلتها تكاد تنفجر من شدة قوته، فتلجلجت الكلمات عن منطقها لذا عاد للفراش يسحب جاكيته من جديدٍ وإتجه ليغادر المكان بأكمله قبل أن يحدث ما لا يحمد أبدًا، لحقت به مليكة للخارج باكية، فنادته ببكاء:
_ياسين استنى، أنا آسفة.
_ياسيــــــــن أرجوك اسمعني.
لم يعيرها إنتباهًا فاتجه للمصعد ليستقله، فكانت فرصة لها بأن تصل إليه قبل أن يدخل إليه، فتمسكت بذراعه وهي تردد ببكاءٍ:
_خلينا نتكلم من فضلك آ...
ابتلعت باقي كلماتها بصدمة جعلت ياسين يتطلع داخل المصعد، تحديدًا لما تتطلع إليه، ليجد ياسين الجارحي يقابله، ونظراته تحيطهما، ومن ثم خرج صوته النافذ بثباتٍ:
_حرم كمال السواح بتتصل مخصوص عشان تطمن عليكي، قالت إنك تعبتي في الحفلة النهاردة!
جحظت عينيها صدمة، فتراجعت للخلف وبالأخص خلف ظهر زوجها، يدها معلقة بقميصه، تحثه بصوتٍ مهزوز، متوسل:
_ياسين!
.......... يتبع......
#ختامية_آل_الجارحي.. #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
****_____*****
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي..
#الخاتمة_الثامنة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أشرقت عبد السلام"،" ألاء عبد السلام"، "سما سيد"،" بسملة أحمد"، "سهيلة الشناوي"،"أميرة أيمن" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تصلبت يدها على قميصه الملتصق بجزءه العلوي تأثرًا بقوةٍ تشبثها به، ورعشة يدها تنقل له ما تشعر به في تلك اللحظةٍ، رأسها مطموس أرضًا خجلًا مما فعلته فإلتصقت بظهر ياسين الذي تمكن من الشعور من شهقاتها المكبوتة، فمد يده للخلف يتمسك بيدها ويمرر إبهامه على أصابعها برفقٍ وطبطبة تطمنها بأنه لن يتخلى عنها حتى وإن هددها مسبقًا بأنه لن يساندها أمام عقاب ياسين الجارحي الغاضب.
سُلطت نظراته الثابتة عليهما، والصمت يعتلي ملامحه فخضعت ياسين إليه حينما قال بتوترٍ:
_عمي محصلش حاجة، أنا منعت الصحافين ينشروا أي صورة خاصة بمليكة، وأوعدك إن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني.
لم يحيل نظراته عن ابنته المتخفية خلف زوجها، فطال صمته مجددًا ومعه ازداد توتر ياسين المترقب لسماع ما سيقول، فمزق جلباب صمته المهيب حينما قال بهدوءٍ:
_سبني مع بنتي شوية .
ازداد تعلقها به، وكأنها تتوسله بإشارة يدها الأ يتخلى عنها، فظل محله صامدًا أمام ربكة مخالفة أمره، وردد بحرجٍ:
_عمي أرجوك الموضوع بسيط.
بالرغم من وداعة ملامحه الأ أن نبرته حملت بعض الصرامة حينما قال بخشونة:
_إرجع جناحك يا ياسين، متعودتش تعارضني في شيء عشان تعملها دلوقتي.
كانت معركة يغلبها انطباعه لاحترام عصب العائلة، ولو كانت خسائره قلبه المتألم، سيصمد على أمل عشرته لياسين الجارحي الذي لم يلجئ للعنف قط بتربيته الإيجابية لأبناءه، فعاد يشدد بإبهامه على أصابعها وكأنه يبث لها الأمان، وتحرك بخطواته الواسعة لجناحه ويده تنقبض بغضبٍ قاتل للموقف السخيف الذي وضعتهما به، فولج لجناح يخطو ذهابًا وإيابًا دون توقف، فشعر وكأنه على وشك الجنون من فرط تحليه بالصبر لعودتها إليه.
تنحيه عنها جعلها تشعر وأنها عارية دون ستار يحمي جسدها من السقيع القارص، فأدمت وجهها للأرض خجلًا لما فعلته، انقبض قلبه حينما تقدم منها أبيها، فبات لا يفصلهما الكثير، راقبها بنظرةٍ ثابتة ويده موضوعة بجيب سرواله، مازالت تترقب سماع صوته الغاضب لما إرتكبته، فأتاها يلبي إنتظارها حينما ردد بهدوءٍ عاكس توقعاتها:
_بتتحامي في جوزك مني يا مليكة!
رفعت عينيها إليه على استحياءٍ، وتحرر لجام لسانها الثقيل حينما قالت:
_أنا أسفة يا بابا، أنا غلطت وعارفة ده.
فتح ذراعه إليها وضمها إليه بحركةٍ فجأتها، غلبتها عاطفتها لما تعرضت له بداية من وقوع الدعوة بيدها ونهاية من مطاردتها له، فتعلقت به وهي تفرغ ما كبت داخلها من بكاءٍ صداه مسموع، كالطفلة الصغيرة التي تتعلق بأبيها باكية بصوتٍ صاخبٍ، ومع ذلك بقى صامتًا لم يعاتبها بعد بخطيئتها التي تعدت على أحد أبنائه، وليكن منصفًا أقربهما، لا يعلم بمعزة ياسين بقلب ياسين الجارحي سوى رفيقه يحيى، لذا لم يجد لابنه إسمًا يضاهي تلك المعزةٍ سواه، ربت بحنانٍ على ظهرها حتى هدأت تمامًا بعد قرابة العشر دقائق، ولم يبعدها عن ثدره قط الا حينما ابتعدت هي لتزيح دموعها بيدها وهي تستطرد بحرجٍ:
_أنا مكنتش قاصدة أحرج ياسين ولا أحرج حضرتك.
وعبست بطرف حجابها المنسدل بإهمالٍ وهي تخبره:
_وكنت متأكدة إن ياسين مش بيعمل حاجة غلط بس معرفش ليه مشيت وراه!
تثنى له مفهم مغزى حديثها، والمفهوم شمل مضمون خروجها من المنزل وصولًا للحفل، أنصت لها جيدًا والمبشر بصبره خضوعها للخطأ الذي إرتكبته دون أن يكون حازمًا معها، لذا بدى ودودًا يستمع لها حتى أنتهت، فرفعت عينيها إليه تترقب ما سيقول بارتباكٍ، فأشار لها لأقرب مقعدين مجاورين للنافذة الزجاجية العمالقة، جلست قبالته تنصت لما سيخبرها به، فقال ببسمةٍ هادئة:
_الغيرة اللي جواكي دي شيء غريزي في أي ست، بيجي لحظات كتيرة الست بتحس فيها إن جوزها مقصر معاها ومش شايفاها، فبتبتدي تفسر كل تصرفاته بالطريقة اللي تناسب تفكيرها، مثلًا لو اتخانقوا بسبب أي شيء يبقى أكيد عمل كده عشان يخرج من البيت أو عشان أي سبب يرضي العاصفة اللي دايرة جواها، واللي حصل بينك وبين ياسين مكنش له توابع قبل كده، أنتي بنفسك قولتي إنكم مكنتوش متخانقين يبقى كل ده إتخلق جواكِ من العدم!
ابتلعت ريقها بتوترٍ، فاسترسل على نفس الوتيرة:
_الست لازم تكون عاقلة يا مليكة، أولًا ياسين مش الشخص اللي الشيطان خيلك إنه ممكن يكون كده ولا حد من ولاد عمك فيه الطبع ده أنا عارف أنا ربيت أولادي إزاي!
ثانيًا إنتِ باللي عملتيه ده مش بس عرضتي جوزك للإحراج بيه إنتي عرضتي نفسك قبله وده شيء ميلقيش ببنت ياسين الجارحي!
وتعمق بالتطلع لعينيها وهو يردد ببطءٍ يجعلها تستوعب ما يقول:
_أنا سمحت ليكم تنزلوا المقر والشركات بس عمري ما سمحت إنكم تنزلوا الحفلات اللي من النوع ده، لإني عارف اللي بيحصل فيها وقادر أتوقع الغضب اللي كان جوه ياسين في اللحظة دي.
وبقسوةٍ اعتلته فجأة صاح:
_أنا لو حد لمح مراتي بعين هصفيله التانية.
سرعان ما استرد ثباته حتى لا يزيد ألمها، فقال برتابةٍ:
_أنا واجبي كأب هقدملك النصيحة وعمري ما كنت قاسي معاكي إنتي بالذات عشان أجي وأعملها دلوقتي.
وابتسم وهو يردد:
_ إنتي بنتي الوحيدة لو قسيت على الدنيا كلها مش هقدر أعملها معاكي!
رمشت بعينيها بحزنٍ، فاستكمل وهو يربت على يدها الموضوعة على ساقها:
_إختارتلك ياسين من بينهم بس قبل ما أعمل ده هو سبقني وإختارك.
وتابع وهو يشير لها:
_ إرجعي جناحك وإعتذريله، أنتي لو كنتي ناضجة كفايا كنتي شوفتي الخوف اللي مالي عيونه عليكي من أبوكِ نفسه، وهتشوفي أد أيه إنك هبلة لما سمحتي لشكوك تدخل لعقلك من نحيته!
رسمت ابتسامة صغيرة على وجهها الباكي، فنهضت ونهض معاها يحثها على العودو لجناحها، خطت خطوتين وعادت إليه مجددًا، تحتضنه بلطفٍ فابتسم وهو يحيطها بذراعيه، هامسًا بمرحٍ:
_الحضن ده ياسين اللي محتاجه مش أنا!
ضحكت بصوتٍ أشرق وجهه الباسم، فأحاط خدها بحنان وهو يشير بعسليته:
_يالا روحيله.
وبخبثٍ استطرد:
_قبل ما يجراله حاجة وهو بيفترض اللي هعمله فيكِ!
هزت رأسها وإنصاعت إليه، فغادرت لجناحها ومازالت عينيه تراقبها حتى تخفت من أمامه، فما أن استدار حتى وجدها تقف من خلفه ببسمتها الرقيقة، فاقتربت منه ولفت يدها حول يده قائلة بحزنٍ مصطنع:
_أنت سيطرت على الأولاد كلهم يا ياسين حتى عدي بقى معاك ودلوقتي مليكة، سبتلي أيه أنت بقى فهمني!
استدار إليها ليضمها بنظرة عينيه العاشقة، هامسًا بصوته المغري:
_سبتلك قلبي مش كفايا؟!
*******
جاب الجناح ذهابًا وإيابًا وللمرة الثالثة منع نفسه من العودة إليها خشية من أن يدمس إحترام عمه، فلم يكن من السهل عليه التحكم بانفعالاته وعقله اللعين يرسم له ألف سيناريو سييء، رُدت روحه إليه حينما وُجد الباب يفتح وتدنو للداخل إليه، أسرع ياسين إليها يتساءل بلهفته:
_مليكة عملتي أيه؟
لم تجيبه بقيت تتقدم للداخل بصمتٍ دفعه ليتساءل مجددًا بسؤالٍ أكثر وضوحًا:
_عمي قالك أيه؟
بقت ساكنة ودمعاتها تنسدل بخنوعٍ، فتقدمت من الفراش وجلست منخفضة الرأس، باكية بندمٍ لما فعلته، وما يؤلمها رؤيته يكاد يقتل من الخوف عليها بعد ما تسببت هي له.
حالتها تلك دفعته لافتراضات قاتلة، فانحنى بقامته قبالتها يرفع رأسها إليه ويعود لسؤالها من جديد بقلقٍ :
_قوليلي اللي حصل أنا على أعصابي، عملك حاجة؟
هزت رأسها نافية، وبالرغم من صمتها الا أنه وجده مؤشر جيد لمتابعة أسئلته:
_طيب عاقبك بشيء؟
منحته نظرة منكسرة وانخفضت عن الفراش للأرض زاحفة لأحضانه، تبكي وهي تردد بألمٍ:
_أنا أسفة، سامحني يا ياسين.
أغلق عينيه بقوةٍ وهو يجابه قلبه الخائن، لم يعتاد يومًا ردعها بعيدًا عنه، فأحاطها بذراعيه بحنانٍ، حتى إستكانت تمامًا على كتفيه، لدرجةٍ أوحت له بغفلتها، فنادها برفقٍ:
_مليكة إنتي نمتي؟
قالت بتعبٍ بدى بصوتها المحتقن من فرط بكائها:
_هنام إزاي وأنا وجعاك وجاية عليك.
أبعدها عنه ليتمكن من رؤية عينيها المتورمة، فقال بحنانٍ:
_أنا مش زعلان منك عشان أتوجع.
برقت بعينيها بدهشةٍ، فتابع مرددًا:
_أنا كل اللي شاغلني أنتِ شوفتي مني أيه خلاكي تفكري كده، أنا مسبقش اديتك فرصة توصلي لمرحلة الشك يا مليكة!
وتابع وهو يزيح دموعها بأنامله عن وجهها:
_وكل ما بهدى وبحاول أحتويكي تعملي شيء ينرفزني أكتر، وخصوصًا لما حسيت بخوفك مني!
وسألها بألمٍ لم يتمكن باخفائه:
_هو أنا سبق ومديت إيدي عليكي عشان أعملها دلوقتي!
أنا طول عمري راجل معاكِ مش عليكي!
واستطرد موضوحًا جملته الأخيرة:
_مش هفرض رجولتي عليكي بإني أمد ايدي عليكي يا مليكة وده اللي وجعني مش اللي عملتيه!
أخفضت عينيها أرضًا مجددًا وهي تردد:
_حقك عليا أنا بس استغربت لما لقيتك آ...
وبترت كلماتها بتوترٍ جعله يستقيم بجلسته الغير مريحة، فنهض بها للفراش وهو يتابع باهتمامٍ:
_أيوه بقى استغربتي من أيه، أفهم!
رمشت بعينيها بحرجٍ، فصاحت به وهي تشير على ما يرتديه:
_نازل ومتشيك كأنك رايح تتجوز مش نازل شغل!
زوى حاجبيه بصدمةٍ، فألقى على نفسه نظرة سريعة قبل أن يردد بدهشةٍ:
_يعني أنتي عملتي كل الليلة دي عشان البدلة!
وتابع ساخرًا:
_لو عجبتك أوي كده هخلي رائد يجبلي الكولكشن كله.
لكمته بغضبٍ وهي تهدر بانفعالٍ:
_يبقى مش هتنزل من هنا لشغلك تاني.
ابتسم وهو يراقبها بنظراته الجريئة، فتهربت من لقاء عينيه وخاصة حينما قال بمكرٍ:
_طب بالمنطق لقيتني لابس شيك غازليني قوليلي كلمتين حلوين مش ترميني بتهمة قاتلة زي دي!!
حدجته بنظرةٍ مغتاظة فتعالت ضحكاته وهو يشير لها بأنه سيتوقف عن السخرية، فحاول إلتزام الجدية وهو يسألها:
_قوليلي ياسين الجارحي قالك أيه طيب؟
كبتت ضحكة كادت أن تنفلت منها، ففركت يدها وهي تخبره على استحياء:
_قالي حضن جوزك أولى بيكِ.
قهقه عاليًا وهو يضمها إليه متعزلًا بخبث:
_وماله يا روحي تعالي!
ضمها إليه طالبًا وصالها بكل عشقٍ، فلبت دعوته بصدرٍ رحب، لاحتياجها إليه لجوارها، وفجأة انطلق هاتفه وتوالى رنينه دون توقف، فأبعدته وهي تشير له:
_تليفونك بيرن!
أجابها مازحًا:
_ما يرن، أكيد جاسم.
حذرته بجدية:
_شوف مين يا ياسين.
ابتعد وهو يحدجها بغيظٍ، فإتجه للمقعد ثم جذب هاتفه من جاكيته، فهمس باستغرابٍ:
_ماما!
ورفع صوته قليلًا وهو يتساءل:
_هي مش ماما في القصر يا مليكة؟
جذبت مئزرها وهمت إليه،مرددة:
_معرفش، أخر مرة شوفتها كانت هنا!
حرر زر الإجابة وهو يجيبها:
_ألو.. أيوه يا حبيبتي.
تقوست معالمه فجأة وقال:
_أيه مالك!!
حاضر هجيلك بس قوليلي إنتي فين!
بملامح مندهشة قال:
_السطوح! تمام أنا جاي.
وأغلق الهاتف وإنحنى يرتدي قميصه مجددًا، فتساءلت مليكة باستغرابٍ:
_مالها طنط ملك؟
زم شفتيه وهو يجيبها:
_معرفش، بس بتقول إنها فوق.
وطبع قبلة على جبينها مرددًا ببسمة جذابة:
_شوية وراجع.
هزت رأسها بتفهمٍ، فعاد ليقترب منها مجددًا غامزًا بمكرٍ:
_أطلبلها بابا يطلعلها ونكمل كلامنا.
دفعته مليكة عنها وهي تحذره بعصبيةٍ:
_لا أنا مش هسمحلك تنشأ بيني وبين طنط ملك عداوة الحموات، من فضلك إطلع شوفها عايزاك ليه!
ردد ساخرًا:
_أنشأ عداوة! ماشي طالع.
وفتح الباب ثم استدار إليها يحذرها:
_أوعي تنامي!
ضحكت بصوتها كله، وقالت بمرحٍ:
_متخافش يا حبيبي أنا مش آسيل!
ضحك هو الآخر وغادر على الفور، فجلست على الفراش تراقب طيفه ببسمة هادئة.
******
بالمطعم..
اجتمع الجميع حول الطاولة التي تحوي العصائر وقالب الجاتو الضخم، ومن حولها كانت تجلس الفتيات برفقة الشباب، يتناولون الجاتو بجوٍ من المرح، إلى أن قطع معتز الاحاديث الجانبية بينهما مردفًا بذهول:
_نور أنا شايفك اليومين دول كده هادية ومش بتثيري أي مشاكل هو في أيه أنتي كويسة؟
لكزه رائد بغيظ:
_في أيه يا عم أنت هتحسدها ولا أيه!
ضحك الجميع، فرددت نور بعنجهيةٍ:
_لأ متفرحوش أوي كده، أنا قولت إحنا في شهر فضيل كفايا عليكم شهور السنة.
وتابعت وهي ترتشف عصيرها بتلذذ:
_لينا عودة في العيد إن شاء الله.
زم حازم شفتيه غاضبًا:
_يا ريتك مسألت.
وتابع بضيق:
_لو الأهلى إعتزل نور عمرها ما هتعتزل حزب الحفاظ على حقوق المرأة اللي مورطنا فيه ده.
ضحك رحمة ورددت:
_في أيه يا حازم أنت داخل حامي على نور ليه، دي حتى قاعدة محترمة ومش بتضايق حد نهائي.
ابتسمت لها وهي تصيح بغرور:
_قوليلهم يا روما، دول مش بيحمدوا ربهم أبدًا ويسيبوني كده أعبد ربنا في شهره الفضيل بدةن ذنوب النم على مصايبهم!
انفجر الجميع من الضحك، فصاح جاسم بحزم:
_لا بقولكم أيه بلاش تزعلوا نور السهرة لسه في بدايتها بلاها نكد.
ومال على زوجته يهمس بحبٍ:
_كل سنة وإحنا مع بعض يا حبيبتي.
برقت بعينيها وهي تشير له:
_جاسم احنا مش لوحدنا الله.
تساءل مازن باستغراب:
_هو فين عمر؟!
أجابه رائد بدهشة:
_مش عارف كان هنا من شوية!
******
أعلى القصر.
وصل ياسين للأعلى يفتش عن والدته، فتفاجئ بوجود عدد مهول من البلالين الحمراء والشموع التي تحيط بالطاولة المزينة بحرافيةٍ، أجواء شاعرية استحاذت على إعجابه، وسقطت عينيه عليها توليه ظهرها ومن جوارها والده يحاول إرضائها، اقترب منهما وتنحنح عساهما يشعرون بوجوده، فما أن استمعت إليه ملك حتى أسرعت إليه تشكوه:
_ياسين تعالى يا حييبي شوف أبوك واللي بيعمله فيا.
اتجهت نظراته لأبيه الذي كز على أسنانه بغيظٍ، قائلًا:
_هو أنتي مش بترتاحي غير لما تشكيني لأي ياسين في القصر، مرة ياسين الجارحي ومرة لابنك المرة الجاية هتشكيني لابن عدي!
كبت ياسين ضحكاته بصعوبة، وتساءل بتسليةٍ:
_عملت أيه يا حاج، أنا سترك وغطاك متقلقش.
زفر وهو يوليه ظهره بغضب، فصاحت ملك بغضب:
_أبوك المحترم طول النهار بيطردني من أوضتي وبيعاملني معاملة قاسية أوي ويوم ما يقرر يصالحني مطلعني فوق السطوح مستكتر عليا يخرجني بره في أي أوتيل، يرضيك كده!
قالت كلماتها الأخيرة وهي تنساق لذراعه تبكي عليه، فأحاطها إليه وهو يقطع ضحكاته بعدم تمكن، وكأنها تشكوه لوالده وليس ابنه، فردد بثبات مخادع:
_معلشي يا ماما يمكن مكنش عنده وقت يخرج مع حضرتك!
هدرت بانفعال:
_وكان عنده وقت يحطلي شموع والكلام الأهبل ده!
ضحك بصوته كله وقال بصعوبة بتوضيح حديثه:
_عندك حق.
وأشار اليها قائلًا:
_طيب سبيني أوضحاله أنا.
هزت رأسها بتأكيدٍ، فتركها ودنى ليقف جوار أبيه المبتعد عنهما، فتحلى بالصمت لجواره إلى أن وجد الوقت المناسب فقال:
_متخرجها في مكان كويس زي ما هي عايزة!
استدار تجاهها بغيظٍ تمرد ليجعله غاضبًا للغاية، وفجأة تلاشى عنه حينما وجد ذاته مغلوب على أمره وبالنهاية قد أقحمته ملك بالأمر، فقال بتريث:
_يا ابني أخرجها فين الفجر قرب يأذن مش هنلحق نرجع البيت ولا آ...
واستدار عنه وهو يطرق ساقه بنزقٍ من الحديث مع ابنه عن أمر لن يستعبه، ولكنه أخطئ بالحكم عليه سريعًا وقد أتى له خلاف ذلك حينما وجده يضحك دون توقف، فمنحه نظرة تحذيرية، فمنع ذاته عن الضحك وهو يردد:
_خلاص أنا آسف.
ثم مال عليه مردفًا بخبث:
_ خرجها النهاردة تنال الرضا بكره!
صفق كف بالاخر وهو يصيح به:
_أخرجها النهاردة وأرجع أطردها تاني بكره ونصالح بخروجه تانية وتالتة والحال هيتعدل أمته يا حبيبي!
ضم ياسين كفه بمقدمة أنفه وقد تساقطت دموعه من فرط الضحك، حتى يحيى تحول بعدما كان ساخطًا على ضحكاته انجرف معه للضحك فمال بجسده عليه، سانده ياسين بقوة ومازال يضحك هو الأخر، ليأتيهما صوت ملك المتعصبة:
_بقى أنا مطلعاك تشوفلك حل مع أبوك واقف تحكي وتضحك معاه، مفيش فايدة فيك يا ياسين هتنصر أبوك عليا العمر كله.
ابتعد عنه ياسين وهرول إليها حتى بات قبالتها يهمس بغمزة خبيثة:
_كنت بتكلم معاه يخرجك ووافق.
اتسعت ابتسامتها وهي تردد بعدم تصديق:
_بجد؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فجذبه يحيى من تلباب قميصه ليهمس بأذنيه بغيظ:
_وافقت أيه، أنت معايا ولا معاها.
حرر ياسين قميصه الثمين من قبضة أبيه، ولف ذراعه من حوله وهو يهمس له متصنعًا الضحك لوالدته التي تتابعهما بدهشة:
_مشي أمورك يا باشا، قضوا السهرة في أي كافيه وبعد كده باتوا في أي فندق وإن شاء الله تلحق السحور وصلاة الفجر.
حسب ما قال بتمعنٍ وحينما وجده حل مناسب لهما ربت على كتفه ببسمة ماكرة:
_ذكي زي أبوك.
وأشار لها بحبٍ:
_أنا عيوني ليكي يام الغالي، أحلى سهرة في المكان اللي تحبيه.
أشرقت شمسها المنطفئة واتبعته للخارج، فتركها وعاد للخلف يشير بيده:
_أبقى لم الليلة لأتفضح!
ضحك ياسين وهو يخبره:
_متقلقش، هقوم أنا ومليكة بالليلة بدالك!
بادله يحيى الضحك وهو يغمز له مردفًا:
_ناس تتعب في الطبخة وناس تأكل على الجاهز، يلا اعتبرها مكافأة ليك بعد ما رضيت الحاجة على الحاج المسكين.
همس ساخرًا:
_الحاج اللئيم!
*****
دق هاتف نور للمرة الثالثة، ولم تستطيع سماع صوت عمر المتصل من صوت الزحام حولها، فأشارت لرحمة قائلة:
_هطلع أكلم عمر بره وجاية مش سامعاه من الدوشة اللي هنا.
أومأت برأسها، فما أن نهضت نور من مقعدها حتى أشار رائد لحازم قائلًا:.
_خليك وراها يا حازم، مينفعش تقف بره لوحدها من غير راجل
هز رأسه بتفهمٍ ولحق بها للخارج، وفجأة تلقى رسالة نصية على هاتفه جعلته يعود بملامح ممتعضة، بينما استكملت نور طريق خروجها، فأختارت زواية منعزلة عن الابواب الخارجية ورفعت هاتفها تطلبه، انتظرت لدقيقةٍ ولم يأتيها رده فأعادت الهاتف لحقيبتها واستعدت للعودة، فتصلب جسدها حينما أحاطتها يد تكبت فمها عن الصراخ، وقوة تحبرها على التراجع بعيدًا عن مرمي البصر وخاصة بتلك الزواية المتوارية عن الأعين، ارتحف جسدها وانخطف لونها بشكلٍ مقبض جعل الأخير يديرها إليه وهو يردد:
_متخافيش يا حبيبتي ده أنا!
استردت أنفاسها رويدًا رويدًا، واستندت على الحائط من خلفها بانهاكٍ جعل عمر يردد بندمٍ:
_أنا آسف متعمدتش أخضك، أنا كنت محضرلك مفاجأة وآ..
تخلت عنه كلماته حينما وجدها تطالعه بذعرٍ مازال يسيطر عليها، فانفجرت به:
_خضتني يا عمر أنا كنت هموت من الرعب.
لمس ذلك باصفرار وجهها، فأحاط وجهها بيديه وقال بلهفة:
_طيب خلاص آهدي وخدي نفس.
هدأت أنفاسها قليلًا وما أن استعادت جزء من اتزانها حتى تساءلت بحماسٍ:
_مفاجأة أيه بقى اللي عاملهالي أنا كنت عارفة إنك مستحيل هتفوت عيد جوازنا بالبرود ده.
ابتسم وهو يراقب فرحتها، وقال:
_بصراحة يا نور أنا كنت بحضرلها من سنة ونص تقريبًا وحظك إنها انتهت في رمضان وقرب عيد جوازنا.
واستطرد قائلًا:
_ومش أنا لوحدي اللي عاملتها، بابا وماما وعدي مشاركين معايا فيها.
طاق بها الفضول، فتساءلت بنفاذ صبر:
_طيب ما تتكلم أنا اتحمست.
أشار بوجهه للسيارة المصفوفة جانبًا:
_يلا بينا.
********
بالداخل.
جلس حازم باهمال على المقعد، فنهره رائد وهو يبحث حوله باستغرابٍ:
_نور فين؟
زفر وهو يخبره بضجر:
_معرفش.
جحظت عينيه بصدمة، وصرخ بانفعال غير مصدق لبروده بالحديث:
_يعني أيه متعرفش أنا مش منبه عليك متسبهاش!!
جذب حازم هاتفه وألقاه إليه على مضض، ليجد رسالة عمر إليه تنير الشاشة
«ارجع مكانك يا هازم اللذات، مش عارف استفرض بمراتي!!»
أعاد له الهاتف بضحكة مشاكسة، فردد حازم بسخط:
_واحنا هنقعد ليه ما تقوموا نرجع!
تطلع له معتز وجاسم ومازن باستغراب، فصاح ساخرًا:
_عدي مسافر، ياسين ومليكة واختفوا، أحمد وآسيل طالعوا اتقتلوا فوق، ودلوقتي عمر ونور والله العظيم العيال دي بتفهم أنا عن نفسي هأخد مراتي وراجع وخليكم بقى احتفلوا باستاذ جاسم لحد ما الفجر يأذن عليه هنا.
وجذب نسرين المنصدمة عن المقعد وهو يتمتم:
_في حد ييحتفل في رمضان بره بيته أيه الغباء ده!
وغادر تحت نظرات الجميع المندهشة، فنهض معتز هو الأخر وهو يشير لزوجته مرددًا بمزحٍ:
_والله الواد ده أول مرة يقول حاجة صح، كملوا سهرتكم.. هخلع أنا.
وغادر بها هو الأخر.
فجذب مازن مروج ولحق به وهو يصيح:
_استنى يابو نسب معيش عربيتي هتسبنا نرجع مواصلات!
خلت الطاولة من الشباب الا رائد وجاسم الذي ردد بضيق:
_شوفت ولاد عمك الواطين.
حك جبهته وهو يجيبه:
_أنا بقول نلم الليلة ونرجع احنا كمان، مش طفينا الشمع ولبستها العقد اللي جبتهولها فل أوي كده، بينا نرجع عشان شكلنا بقى مش تمام واحنا قاعدين على أكبر تربيزة فاضية!
_انت شايف كده؟
هز رأسه بتأكيدٍ وهو يضيف:
_ده الصح، أنا هأخد رحمة ورانيا وأنت هات مراتك وحصلني.
وغادر رائد بهما وهو يخفي ضحكاته، حتى وصل لسيارته واتبعه جاسم من خلفه بسيارته.
******
أدمعت عينيها تأثرًا بما تراه، فعادت تتطلع إليه بعدم تصديق، فأكد لها بهزة رأسه وصوته الدافئ:
_حلمك يا نور.. وزي ما رسميتها بالظبط حتى الألوان من جوه تحبي تشوفيها؟
انهمرت دمعاتها تباعًا بعدم تصديق، لحق نبرتها المرتجفة:
_مش معقول يا عمر.. مش قادرة أصدق!
أشار عمر للحارس الذي فتح البوابة من أمامهما لتصبح في مقابلة الحديقة المفعمة بالأزهار التي لطالما عشقت رائحتها، ومن أمامها تلك البناية المزينة باللون الزهري والتي تحمل لافتة عريضة «مدرسة نور للمكفوفين»
رفعت قدميها لتعبر إليها فتفجأت بعدم وجود الدرج من أمامها، جسر من الحشائش الخضراء الناعمة أحاطت بقدميها، فجعلتها تبتسم بعدم تصديق هي كما رسمتها حقًا، حينما صنعت نموذج صغير وضعت به كل ما كان يأذيها حينما كانت كفيفة كانت تتلاشاه برسمتها لتلك الحالات التي فقدت أمل التعافي مثلما تعافت هي، استدارت لزوجها الذي يراقبها باهتمامٍ، فهبطت إليه تحتضنه وهي تردد بفرحةٍ:
_أنا بأحبك أوي.
وابتعدت تتمسك بيده وهي تشير للجسر:
_زي ما رسمته بالظبط.
ابتسم وهو يخبرها:
_ولسه من جوه.
وجذبها ليصعد بها للأعلى، مرددًا:
_تعالي.
اتبعته نور للداخل فتفاجئت بألوان الحوائط المبهجة، وتنظيم حافة الدرج بقماش مقوي حتى لا تتأذى الأقدام، ترقرقت دمعاتها من عينيها حينما تذكرت حديثها مع عمر سابقًا عن حلمها ببناء مشفى لعلاج المكفوفين وبعد فترة وحيزة من حقق حلمها، وعادت تخبره مرة أخرى بحلمها بمدرسة تتبنى تعليم المكفوفين، بما حُرمت منه وها هو يعود من جديد ليفاجئها، أفاقت من شرودها على صوته الرخيم:
_كانت المفروض تخلص من زمان بس إنتي عارفة الظروف اللي عشناها الايام اللي فاتت مع عدي كانت عاملة ازاي.
أمسكت يديه وتطلعت تجاهه بحبٍ يفوق ما تكنه داخلها، مرددة:
_أنا مش عارفة أقولك أيه يا عمر، الفرحة دي كبيرة أوي عليا، أنا بأحبك أوي وآ.
تلاشت كلماتها ورددت بتوتر:
_مش عارفة أعبرلك عن حبي ليك.
اقترب منها وهو يتأمل لمعة عينيها بسعادةٍ، فطبع قبلة على جبينها وهو يردد:
_فرحتك دي عبرتي عن كل شيء يا حبيبتي، عايزك كده دايمًا سعيدة.
هزت رأسها وهي تمازحه بمشاكسة:
_سعيدة وهادية صح.
واستطردت بفخر:
_وعشان تصدق إني عدت بسمع كلامك بطلت أطلع عين ولاد عمك وسبتهم في حالهم تمامًا، كده أفضل.
تلاشت ضحكاته وعاد للوجوم وهو يتفوه بتريثٍ:
_لا عايزك ترجعي تاني تبقي زعيمة العصابة، أهو على الأقل بتكلمي بني آدمين أفضل من لجوئك لبسنت!
إندهشت من معرفته للأمر، فبرر قائلًا:
_عدي موصيني عليكي قبل ما يسافر، وحكالي أخر حكايات جنانك!
لكمته بغضب:
_إخص عليك يا عمر أنا مجنونة.
_لأ أنا يا روح قلبي متزعليش.
وأشار لها وهو يرفع ساعته إليها:
_يلا نرجع نكمل كلامنا في القصر النهار هيطلع علينا هنا، وفي كلام كتير لسه هنقوله!
*********
تلاشى ضوء القمر المعتم وتلألأت الشمس بردائها الأصفر المتوهج لتعلن عن يومًا جديد بعد أن مر أكثر من أسبوعين قامت به آية بإختيار الملابس المخصصة لأطفال الميتم، واليوم هو المعهود للعائلة بقضائه كاملًا مع الأطفال، فبعد أن انتهت العائلة من السحور حتى استيقظ الجميع لترتيب أفخم وأجود أنواع الأطعمة بكميات هائلة، أشرفت عليه آية والفتيات بأنفسهن، حتى انتهوا من صنع ما يتعمى الربُعمائة واجبة، ومنها إنتهى الشباب من شراء الألعاب والحلوى، فتجهزت السيارات بالألعاب والطعام، وتحركوا جميعًا لميتم "آية الرحمن"، فالتف الأولاد من حولهم بفرحة، فقام عمر وياسين وأحمد والشباب بتوزيع الألعاب، بينما شارك ياسين الجارحي حفيده بتوزيع ملابس العيد برفقة الشباب.
أما الفتيات فتعاونوا جميعًا بصنع مائدة ضخمة من الطعام، استعدادًا لآذان المغرب الذي أوشك على الانطلاق، فوضعن العصائر والمقبلات والواجبات على السجاد المطول أرضًا بحديقة الميتم النظيفة، وجلس آل الجارحي أرضًا متفرقين بين الأطفال والفتيان، يشاركونهم الطعام، الابتسامة لا تفارق وجوههم وبالأخص ياسين الجارحي الذي مسد على ظهر حفيده وهو يخبره:
_الملجئ ده خليه في أساسياتك دايمًا يا ياسين، أنا بعز المكان ده وعايزك أنت كمان تهتم بيه.
ابتسم الصغير وأجابه:
_أكيد يا جدو، أنا مش ناسى إنه كان السبب في رجوعي لبابا.
ومال إليه يهمس بفرحة:
_تيتا حكيتلي لما حضرتك شيلتني وسكت معاك!
وتابع بابتسامته المبهجة:
_عشان تعرف إني بعزك من وأنا بيبي!
ضحك ياسين وأجابه:
_مش عارف طالع لمض لمين؟!
جذب الملعقة المدموسة باللحم، يتناول ما به بثباتٍ، انتقل لجملته:
_مش عايز أطلع لحد غيرك!
ابتسم وهو يتابع كل رد فعل ولو صغير لحفيده، ومن ثم تعلقت عينيه بزوجته التي تطعم الصغار بسعادة تسر قلبه هو، وللشباب بأكملهم، لا يعلم لماذا انتابه الحنين بتلك اللحظة لشبله الشرس، الا يكفيه فراق خمسة عشر يومًا وقد أصبح العيد على المشارف، لقد وعده مسبقًا بأنه سيعود بأقرب وقت، أفتقده... أفتقده كثيرًا ويود أن يضمه لصدره، ابتسم ياسين حينما تذكر مشاكساته المتبادلة معه على الدوام، ليته يعود فقد توحش صدره ألمًا لفراقه..
_مستحيل كنت أفوق يوم زي ده!
كلمات ترددت على لسان عدي الذي أخفض حقيبة ظهره عنه، فاستدار ياسين للخلف ليجده يقف قبالة عينيه، ركض حفيده إليه وهكذا اندفعت رحمة الصغيرة لأحضانه، فانحنى يضمهما إليه ونظراته تحيط بأبيه الذي نهض واقترب إليه مسرعًا، وكأنه قد تخلى عن مكانته ورزانته المعتادة، فنهض ورنا إليه، ليتفاجئ به يضمه إليه وهو يعاتبه بكلماته المقتضبة:
_فين وعدك ليا؟!!
..... يتبع...... #ختامية_آل_الجارحي...
قراء الواتباد، أنا طالبة دعمكم لأول مرة، مش عارفة أنسخلكم لينك اعلاني الورقي، ومحتاجة لوجود كل قرائي جنبي، لو سمحتم ابحثوا على الفيس عن مدينة الأدباء للنشر والتوزيع هتلاقوا إعلاني وإسم روايتي الجديدة، أو شوفوا البيدج بتاعتي أو حسابي الشخصي عليه الاعلان، وعرفوني بالكومنتات إنكم بتقروا من الواتباد عشان أعرف أكونتاتكم.. شكرًا مقدمًا.. بحبكم في الله ❤
****______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_التاسعة.
(إهداء الفصل لقارئات الواتباد الغاليات "رزان روزي"،"حسناء محمد"،"سلمى أحمد"،"أمنية عادل"،"فاطمة صبحي"،"بشرى كرم"،"هنا أيمن"،"فاطمة علي،"مروة محمد"،"دعاء سويلم"،"مريم ياسر"،"عزة إبراهيم" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أحاط قلبه الطمأنينةٍ فور رؤيته يقف قبالة عينيه، سالمًا، معافًا، لا يصيبه خدشًا ولو صغيرًا، ابتسامته تنير وجهه الذي لا تحول عنه عينيه، استقبله بجملته التي تكررت على مسمعه بوضوحٍ:
_وعدتني إنك هترجع على طول، ده وعدك ليا يا عدي؟
منحه ابتسامة هادئة وهو يخبره:
_متأخرتش دول هما كلهم 15يوم!
بقى هادئًا أمامه وعسليته لا تحيل عنه، فمزق ذاك الصمت حينما قال بوجعٍ:
_كانوا 15 سنة بالنسبالي، وجودك جنبي بخير وسلامة كان كفيل يخليني أحط رأسي على مخدتي وأنام وأنا مرتاح.
سابقًا كان يخشى البوح بحبه الكبير لإبنه حينما كان شرسًا لا يقوى أحدٌ على ترويضه، والآن وبعدما تمكن من ذلك لا ينفك يستغل كل لحظة بينهما ليعلمه كم يعني له؟ ، جذبه ياسين لاحضانه، فلمعت عين عدي تأثرًا حينما وجد أبيه يحتضنه بقوةٍ شابٍ لا يتعدى عمره الثلاثون، شعر بقوة عضلاته التي كادت بتهشم جسده، فأوحت له بمشاعره الجياشة، فانهمرت تلك الدمعة على خده ويده تضمه إليه، وما أن وجد والدتم ترنو إليهما حتى أزاحها بإبهامه سريعًا، وابتعد يقابلها ببسمةٍ هادئة، فانزوت بأحضانه وهي تردد بفرحةٍ:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبي، كنت خايفة متحضرش معانا العيد السنادي.
ابتسم وهو يجيبها:
_ودي تيجي، العيد ميبقاش عيد غير وسطيكم.
وانحنى يقبل يدها باحترامٍ، فأحاطت خصلات شعره بأصابعها، وتحركت جانبًا حينما اتجه الشباب بأكملهم يحاوطنه بسعادةٍ ويتبادلان السلامات، ومن خلفهم كانت تقف رحمة تراقبه بعينٍ مشتاقة، متلهفة إلى لمحه من وسط ذاك التجمع الرجولي، أغدفت عينيها حزنًا حينما لم تلمح سوى كتفيه، انقضت خمسة عشر دقيقة ومازالوا يتبادلون المزح، إلى أن إستأذن عدي من بينهم وإتجه إليها، اتسعت ابتسامتها فرحةٍ، وبدت مرتبكة بما ستفعله، وجودهما بحضرة الجميع يكتف نطاقها المسموح، لذا تمسكت بيده وهي تناديه بلهفةٍ:
_عدي!
شدد من ضمه لأصابعها الرقيقة بين جلده الخشن وهو يهمس لها بعاطفةٍ:
_وحشتيني.
تهربت من ضمة عينيه الجريئة، وهي تردد على استحياء:
_وأنت كمان وحشتني أوي.
واسترسلت بارتباكٍ:
_كنت زعلانه إني مش هقدر أقدملك هدية عيد ميلادك بس الحمد لله إنت رجعت.
احتل ثغره ابتسامة عذباء، ورفع يده يحتضن وجهها المفعم بطيات الخجل، ليخبرها بمشاعرٍ مغرية:
_إنتي هديتي.
مرر عينيه بنظرةٍ خاطفة للخلف، وحينما لمح انشغال الشباب باللعب برفقة أطفال الميتم، اقترب منها فتراجعت للخلف استجابة ليديه التي تدفع يدها كتفيها للخلف، حتى توارت عن الأعين خلف مجموعة الأشجار الصغيرة المحاطة للدار، فما أن ابتعدوا عن مرمى الجميع حتى ضمها إليه وتمسكت هي به بقوةٍ أيقظت رغباته العاشقة إليها، ربت بحنان على حجابها وهو يعود لهمسه الهادئ:
_مفيش داعي للبكى أنا خلاص رجعت!
قالت ومازالت تستند على صدره:
_رجوع مؤقت، أنت خلاص رجعت شغلك يعني دي مش أخر مرة هتسافر فيها!
ابتسم وهو يخبرها:
_فترة البعد القصير دي بتقوي علاقة الحب.
وابتعد وهو يغمز لها بمشاكسةٍ:
_حلوة اللقاء بعد الغياب لحظات نادرة، كفايا الحضن ده!
ضحكت وهو تضرب صدره بيدها:
_عدي!
مال برأسه ليستند على جبينها وهو يردد بحبٍ:
_وحشتيني والله!
*******
بالخارج.
جلس ياسين على الطاولة والمقعد البلاستيكي، يتابع فرحة الأطفال بالالعاب المقدمة إليهم من الشباب، فقام أحمد وياسين بفتح العلب لهم، بينما استمتع حازم بالركض وهو يحمل أحد الأطفال المعاقين على كتفيه وهو يفرد ذراعيه كأنه يحلق به والصغير تتعالى ضحكاته الصاخبة، أما الفتيات فأحاطن نور وشروق ومليكة لتزين أظافرهم بطلاء الأظافر وبعض تسريحات الشعر التي تسر قلوبهم للغاية، بينما ترافق بعض الصغيرات مريم ورحمة وليان باللعب بالدمى، وتبقى هو يرتشف قهوته بهدوءٍ وهو يتابع الجميع بنظرة رضا وخاصة زوجته التي تنحني رغم كبر سنها لتعاون أحد الأطفال بارتداء وانتقاء ما بناسبه من ملابس العيد دون ملل، انتبه ياسين لابنه يقترب منه، فجذب المقعد وجلس قبالته يردد:
_خلاص يا بابا وزعنا كل اللعب واللبس.
منحه ابتسامة محبة وهو يربت على يده:
_عظيم.
وعاد يرتشف من كوبه بشرودٍ، ثم تساءل بتذكرٍ:
_قدمت الهدية لنور؟
ابتسم عمر وهو يخبره:
_في يومها على طول.
اتجهت عسليته إليه ليعود سؤاله بحماسٍ:
_وعجبتها؟
هز رأسه موكدًا:
_جدًا جدًا.
ربت مجددًا على يده بحنان:
_ربنا يسعدكم يا حبيبي.
واعتدل بجلسته وهو يخبره بجديةٍ احتلت معالمه:
_عمر أنا عايزك تفكر في نور شوية.
برق بعينيه بدهشةٍ، جعلته يزدرد ريقه وهو يتساعد بقلقٍ:
_هي نور اشتكت مني ولا أيه يا حاج.
ابتسم وهو يجيبه بمكرٍ:
_يا ريت، مفيش شكاوى بتجيني منك نهائي يا عمر، طول عمرك مش بتاع مشاكل وفي حالك وعمري ما اتدخلتلك في شيء لإنه مش موجود.
التقط نفسًا مطولًا وهو يردد براحةٍ:
_طب الحمد لله.
وحينما وجده يتطلع إليه بثباتٍ قاتل، فزم شفتيه برعبٍ:
_يعني أقلق!
ألقى جسده العلوى للطاولة حتى يضمن اقترابه من ابنه، ثم قال بصوته الرزين:
_نور بتحاول تكون كويسة بس الحقيقة عكس كده.
باهتمامٍ قال:
_مش فاهم حضرتك عايز تقول أيه؟
أوضح له، حينما قال:
_هدوئها ده مش من طبيعتها، قرب من مراتك وشوف مالها.
شرد بكلماته، يمتلك كل الحق، نور ليست ذاتها صاحبة المئة وسبعون مشكلة، هي ليست تلك الفتاةٍ المشاغبة التي لا تنفك عن صنع شجارًا مع أبناء عمه، وإن لاحظ ياسين الجارحي بذاته الأمر فهذا يعني بأنه ملحوظ للجميع ولم ينتبه هو إليه! إتجهت عينيه إليها ليجدها مازالت تضع طلاء الأظافر لطفلة صغيرة تمنحها ابتسامة عذباء والاخيرة تبتسم لها بفرحةٍ، صفن بها مطولًا ومازال يبحث داخله عن مفتاح مغارة المرأة السرية!
******
ركل الطفل الصغير الكرة للأخر، الذي فقد السيطرة عليها فانجرفت تجاه قدم أحمد الذي تلقفها وخطى بها بحرفيةٍ، ليشارك الأطفال لعبة كرة القدم، فتعالت صيحات الاطفال بحماسٍ، وخاصة حينما دفع أحمد الكرة تجاه الشباب مناديًا:
_ياسين.
تلقفها ياسين بقدمها وهرع إليه يشاركه باللعبة، وانضم إليه جاسم ومعتز وحازم ورائد بمرحٍ، فعادت المعركة تحتدم بينهم حيث لا مجال لمشاركة الصغار، فاصطفوا جانبًا يصفقون بحماسٍ ومراقبة لمهارتهم، ركض معتز وهو يصيح لحازم العالق بفريقه أمام المرمى:
_خلي بالك يا حازم.
كان يقصد أن ينتبه لأحمد الذي يركض بالكرة ليصوبها بالمرمى، فشل حازم بصد الكرة، فصاح به جاسم بغضب:
_غبي قولنالك خلي بالك!
ضحك وهو يحك جبهته التي تلقت ضربة الكرة مرددًا بحزنٍ مصطنع:
_مينفعش أردهاله ده أخويا الكبير بردو يا جدعان!
أشار معتز لجاسم بغضبٍ:
_شيل الحيوان ده وأقف مكانه هنتغلب كده!
ترك حازم المرمى وهو يصيح بانفعالٍ:
_هتطردني من الجنة يعني، أنا أساسًا لاعب حريف ماليش أقف هنا.
عادت المعركة لشراستها، فسدد ياسين الكرة بالشبكة ولم يتمكن جاسم من سدها، صاح حازم بغرور:
_متزعلوش طول ما أنا معاكم هنتساوى.
وركض بالكرة بكل حماس متجهًا ليسددها تجاه جاسم الذي يشير للجهة الاخرى صارخًا:
_مش هنا يا غبي، بالشبكة التانية عند مازن! أنا في فريقك!
اتجهت الكرة لتصيبه أسفل بطنه بعدما ركلها حازم بكل بسالةٍ وتفاخر، سقط جاسم أرضًا يتأوه ألمًا مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_هقتلك، وربي لأقتلك.
كبت معتز ضحكاته بصعوبة، فربت على كتف جاسم وهو يتساءل:
_أنت كويس؟!
منحه نظرة مغتاظة جعلته يشير إليه:
_هقف بدالك.
اعترض مرددًا بعصبية:
_لأ.. أنا عايزك تطلعه بره الفريق!
********
راقبان معًا ما يحدث بدهشةٍ وعدم تصديق، فاستكان عمر بجلسته جوار عدي الذي تساءل ساخرًا:
_ملعبتش مع الشباب ليه؟
استدار برأسه إليه وهو يردد بغضبٍ:
_ألعب!! أنا دكتور محترم ماليش في لعب الكرة أنا.
التقط عدي حبات التسالي يلتهمها، مشيرًا بإعجابٍ:
_لا عاقل يا دوك!
على رنين هاتفه، نهض عمر عن مقعده وهو يشير بيده:
_شوية وراجع.
وإتجه بهاتفه للسور الجانبي بعيدًا عن أصوات الشباب الصاخبة في محاولةٍ للحديث من المريض بمكانٍ هادئ..
على الجهة الأخرى كانت الكرة خاضعة لفريق ياسين وأحمد، حتى أصبحت تتدحرج أسفل قدم حازم، فرفع ساقه في محاولةٍ لإدعاء الحرافية، وإصابت أعلى الشبكة مثلما يفعل المحترفون، فمرت الكره من فوق السياج الحديدي مندفعة بقوة ليد عمر الحاملة للهاتف، فسقط للأسفل من قوتها، ارتعب الجميع حينما هوى جسد عمر عن السياج للأسفل، ليختفى عن أعين الجميع.
هرع ياسين عن طاولته وهو يصيح بذعرٍ:
_عمر... ابني!
ركض الجميع تجاه السياج المحاط بالدار من جميع الاتجاهات الا من ذاك الجزء المتهالك، فكان من السهل الانحراف عن مساره ليسقط به على الرصيف، ركضوا خارجًا فكان عدي الأسرع إليه حينما عاونه عن النهوض، والأخر يتأوه وهو يحمل ذراعه الأيمن، فما أن وجد الجميع يحيط به بقلقٍ كان بارزًا على وجه أبيه الذي تساءل بلهفةٍ:
_أنت كويس؟
أجابه ببسمةٍ هادئة يخفي بها ألمه:
_وقعة بسيطة.
جذب حازم ذراعه يتفحصه قائلًا بحزنٍ:
_مقصدتش والله يا عمر، وريني دراعك كده.
تأوه بصوتٍ مسموع، جعل ياسين يشير لعدي:
_خد أخوك للدكتور يشوف ده كسر ولا كدمة.
هز رأسه وأحاطه بذراعه، فأسرع أحمد للسيارة قائلًا:
_هسوق أنا.
اعترض عمر على مبالغة الأمر، فقال:
_يا جماعة الموضوع مش مستاهل أنا كويس جدًا.
رد أبيه بقلقٍ وهو يتفحص ذراعه:
_إيدك ورمت، شكله كسر.
وشدد على أوامره بصرامةٍ:
_اتحرك يا عدي.
إنصاع إليه وتحرك به للسيارة، فأصرت نور على الذهاب برفقتهم، ولم يتمكن أحدٌ من إقناعها بالبقاء، فصعد عدي جوار أحمد وبالخلف عمر ونور، ليتحرك بهم سريعًا للمشفى.
******
عاد الجميع للقصر بعد وداع حافل بالمحبة لاطفال الميتم، وإتجه البعض للجناح الا ياسين بقى بالأسفل يترقب عودتهم بقلبٍ يكاد يقفز من بين أضلعه، حمد الله بأن لم يلاحظ أحدٌ ما حدث لعمر الا نور والشباب، والا كانت ستصيب آية بالجنون لجواره، خطى بخطواته التي تصدح على رخام القصر بصوتٍ مسموع حتى وصل للشرفة الزجاجية فما أن وجد السيارات تعود لچراجٍ القصر، حتى أسرع إليهم، هبط عدي أولًا ففتح الباب لأخيه الذي هبط يلف ذراعه بالجيبرة، إلتاع قلب ياسين لما رآه، فصاح غاضبًا:
_كنت عايز تطنش الموضوع!!
فشل باخفاء ضحكة فلتت منه، فحدجه ياسين بنظرةٍ قاتمة جعلته يحاول السيطرة على ضحكاته بصعوبة، يشعر وكأن ياسين الجارحي قد جُرد من كل شيء ليصبح ذاك الأب الذي يخشى على ابنه الصغير بينما يجابهه بالطول، فتنحنح وهو يردد بحزن مصطنع يخفي من خلفه سعادته:
_وفي النهاية سمعت كلام حضرتك، صح يا عدي؟
هز عدي رأسه وهو يربت على كتفه ساخرًا:
_طول عمرك محترم وبتسمع الكلام.
رددت نور بغضب:
_أنت بتتريق عليه وانت شايفه بالحالة دي من سبق وحش كاسر لا تشعر بالاخرين.
وأحاطت ذراعه السليم وهي تردد بحنان:
_تعالى يا حبيبي أنت تعبان ومحتاج ترتاح.
رفع أحد حاجبيه باستهزاءٍ:
_أنا ايدي اللي اتكسرت مش رجلي!!
وهمس لها وهي تصر على أن تسانده للأعلى:
_نور سبيني أنا بمشي!!
أجابته بعناد:
_مش هسيبك أنا لما بتعب مش بتتخلى عني!
ابتسم وهو يضمها إليه، ليصعد من خلفها للقصر ومن خلفه الشباب، فلحق بهم حازم وهو يردد بتأنيب:
_أنا مكنتش أقصدك أنت كنت حابب أسجل في التاريخ ضربة محترمة جات فيك أنت بقى.
تعالت ضحكات الشباب الرجولية، فقال ياسين بمرحٍ:
_أنت فاشل في كل حاجة حتى الكرة!
صاح متعنجهًا:
_أهو الفاشل ده خلى ياسين الجارحي يفقد زمام أموره قدام اصابة الواد عمر التافهة.
ضيق عمر عينيه بغضبٍ، وصاح بشراسةٍ:
_طب أيه رأيك أكسرلك دراع ونشوف الأمر تافه ولا أيه الدنيا.
ابتلع ريقه بارتباكٍ، وأسرع من خطواته وهو يشير له:
_مين قالك إني هظهر قدامك تاني!
*******
بالخارج.
بقى عدى بمفرده يخطو بالحديقة شاردًا، مازال عقله شاردًا بالمهمة التي وُكل بها حتى بعد أن انتهوا ثلاثتهم منها على أتم وجه، ولكن بقى ذلك الخيط عالقًا بذهنه لا يتركه أبدًا، فعاد بذكراته لما حدث بالأيام الأخيرة وبالأخص بتلك الليلة.
##
ولج للداخل مسرعًا، فأغلق الباب من خلفه، ثم هرول تجاه الفراش، في محاولةٍ بائسة لايقاظ أحدًا منهما، وحينما فشل، صاح بعنفوانٍ:
_اللي خططنا ليه كله طلع وهم... يعني تحالف الشياطين اللي بنفتخر بيه طلع في احلامنا الوردية بس!
ازاح عدي عنه الغطاء، ومنحه نظرة من عينيه الناعسة، فجاهد النوم مرددًا بتكاسلٍ:
_نام يا مراد.. والصبح نبقى نشوف حكايتك أيه!
ومال بجانبه حتى لا يتمكن الجوكر من ايقاظه مجددًا، مط مراد شفتيه بصدمةٍ من رد فعله، فاتجه للجانب الاخر، وهز أخيه وهو يصيح به:
_رحيم.. المهمة فشلت من قبل ما تبتدي!
زفر بضجرٍ، وابعد يده عنه ثم مال بجسده جوار عدي، فكاد مراد بأن يكرر فعلته، ليتفاجئ به ينهض بجسده ليحذره بشراسةٍ:
_ايدك لو جت عندي تاني هتطلع من غيرها.. طفي النور ده وخلي يومك يعدي.. مهمة أيه اللي فشلت ده في أحلامك.
حاول الحديث ليخبره بالجديد بعد مراقبته لاخر التطورات، فحذره بزيتونية عينيه بالا يصدر الضوضاء مجددًا، وجذب الغطاء ليتقاسمه بينه وبين عدي، وزع مراد نظراته المغتاظة بينهما، فجذب سلاحه وتطلع للضوء بنظرة ماكرة:
_عايزين هدوء.. عنيا.
واطلق رصاصه فانهمرت شرارة الضوء على الفراش، لينتفض كلاهما بفزعٍ ونظراتهما الخطيرة تجوب الجوكر الذي ينفث فوه سلاحه بانتصارٍ وتحدٍ، وبشراسةٍ صاح بكلاهما:
_جيورت اللي جاينا من مصر عشانه اتقتل هنا في نفس الاوتيل.
رمش عدي بصدمةٍ، وتساءل:
_اتقتل ازاي؟
وأضاف رحيم بدهشة:
_وأيه اللي جايه الاوتيل اللي إحنا فيه!
وزع نظراتهما الساخطة بينهما، وجلس على المقعد باسترخاءٍ تام بعدما نجح بايقاظهما، وبعد قليل من اسدال صمته صاح:
_مفيش غير إجابة واحدة بس، إن اللي وراه عرفوا إننا كشفناه فبالنسبالهم بقى كرت محروق عشان كده قتلوه.
هز رحيم رأسه بخفوت، وأدمى شفتيه السفلى بغيظٍ:
_عملتهم في الفندق ده بالذات غرضها إنهم يبينولنا إنهم كشفونا!
نهض عدي عن محله، وهمهم بغضب:
_يعني أيه هنرجع مصر من غير ما نكشف عن الإرهاب ده!
قال مراد بثباتٍ:
_مش هيحصل، اللي حصل دمر طرف الخيط اللي كنا هنمشي وراه بس على هندور على طرف جديد ونهايته هيكون كشف الاقنعة عن الشياطين دول.
اقترب رحيم من الشرفة، يحررها عن مخضعها وهو يحاول التحكم بغضبه، واستدار فجأة إليهما يخبرهما:
_الناس دي مستحيل تكون موجودة هنا في بريطانيا، رجالتهم هنا لكن مش ده مكانهم.
ردد عدي بعد تفكير:
_هنحاول نجمع أي معلومات خاصة بجيورت ال** ده أكيد هنوصل لحاجة.
فرقع رحيم بأصابعه وهو يردد:
_بالظبط.. ولازم نتحرك من دلوقتي.
إتجه كلا منهم لخزانته لانتقاء ما يناسبهم، وتفرقوا جميعًا للبحث عن أي شيء يساعدهم بالعثور على طرف خيط جديد يدلهم على هؤلاء اللعناء الذين ابتكروا نوعًا مدمرًا من السموم البيضاء لم يسبق لافراد الشرطة بالتعامل مع تلك الأنواع، وما زاد الأمر تهربيها لداخل مصر وغيرها من البلاد العربية، وأسوء ما يحيط بهم من تمكن من صنع ذاك العقار المدمر!!
الأيام مرت حتى تمكنوا معًا بالقبض على مجموعة من الاطباء يترأسهم شاب صغير، عالم تمكن من ابتكار ذاك العقار، والذي اعترف بجريمته كاملة وقدم دفتر يحوي طريقة صنع هذا المخدر القاتل، نجحوا ثلاثتهم بمهامهم وعادوا لمصر ولكن عقله لم يرتاح أبدًا حتى تلك اللحظة.
التقط عدي هاتفه، طلب رقمًا وترقب سماع صوت الجوكر الذي أجابه ساخرًا:
_لحقت أوحشك!
بجدية تامة لا تحتمل أي نقاش قال:
_مراد قابلني حالًا بعربيتك.
تساءل بقلقٍ:
_في حاجة ولا أيه؟
اتجه لسيارته وهو يسترسل حديثه عبر الهاتف:
_لما هقابلك هتعرف، قابلني في مطعم***، عازمك على السحور.
أجابه ساخرًا:
_متنازل عن السحور ده يا عم!
******
بالأعلى وبالأخص بجناح عمر.
تمدد على الفراش بتعبٍ شديد، وسرعان ما غفى بنومه، وبين أحضانه نور التي تتمسك به ومازال النوم لم يزور منامتها الغير مريحة، انقضت ساعة كاملة ومازالت تحاول، اعتراها حزنًا جعل عينيها تدمعان من فرط كا يشغلها بتلك اللحظة، فتسللت عن الفراش وعينيها تراقب عمر لتتأكد من غفوته، فتسللت خارج غرفة نومهما للردهة الفاصلة بين غرفة الاطفال وغرفة النوم، فاتجهت للأريكة الموضوعة بأحدى الاركان، وبيدها ألبوم من الصور جذبته من الداخل بحذرٍ، لتقضي وقتها خلسة باصطحاب أوجاعها.
شعر بانسحابها من جواره وحرصها الشديد الا يشعر بها، فاتبعها عمر للخارج، ليجدها تجلس باكية وعينيها لا تترك شيئًا غير واضحًا إليه، فتسلل ليقف خلفها بالتحديد فوجدها تتأمل صور ابنتهما الراحلة "حلا" ، صدق أبيه حينما أخبره بأنها ليست على ما يرام والآن يجد البرهان أمام عينيه، وضعت نور يدها على فمها وضغطت بكل قوتها حتى لا يخرج عنها أي صوتًا قد يوقظه، لم تعلم بأنه شعر بها منذ الوهلةٍ الأولى.
برقت بعينيها بصدمةٍ حينما أحاطت يده كتفها، فاستدارت للخلف ببطءٍ لتجده يقف قبالتها، أغلقت نور الصور بفزعٍ، فنهضت عن الأريكة تخفي خلفها الألبوم وهي تجاهد لرسم بسمة صغيرة والتحلي بنبرتها المرحة:
_لسه بدري على السحور أيه اللي قومك؟!
منحها نظرة تخللت داخلها، وخطفها ليدها الموضوعة خلف ظهرها، فانتشل ما بيدها وهو يردد بحزنٍ:
_بتخبي عني أيه يا نور؟
ترقرقت الدموع على عينيها خشية من أن تثير حزنه، لطالما كان يتوسل لها الا تحفر بتربة الماضي المؤلم، هو أيضًا مازال يتألم بالنهاية ابنته.. فلذة كبده، ولكن ماذا سيفعل تلك هي إرادة الله عز وجل.
بقى صامتًا قبالتها، عينيه هي من تعاتبها فخرجت عن صمتها حينما رددت ببكاءٍ:
_غصب عني يا عمر، بقالي فترة بشوفها بالحلم.
وانفجرت باكية وهي تردد:
_احساس الذنب مش راضي يسبني، أنا اللي كنت السبب في موتها يا عمر، أنا السبب.
خرج عن طور هدوئه حينما قال:
_تاني يا نور تــــــــاني!
جلست على الأريكة تبكي دون توقف، وكلما احتد بها البكاء تزيحه سريعًا قبل أن تثير عصبيته تجاهها، راقبها عمر بضيقٍ، فجذبها إليه بذراعه السليم وهو يردد بحزن:
_لما بتدارى وجعك مني ده بيوجعني أكتر!
وربت بحنانٍ على كتفيها وهو يسترسل:
_حبيبتي اللي حصل ده مكنش بايدك ولا بإيدي، ده مقدر ومكتوب، وربنا سبحانه وتعالى خصنا إحنا بيه.
وطبع قبلة على جبينها وهو يخبرها:
_ربنا عوضنا بحلا وعدي في أحسن من كده؟
رفعت رأسها تتطلع إليه بحبٍ، بالرغم من محاولتها للتغلب على حزنها، فمنحته ابتسامة هادئة وانزوت بأحضانه وهي تهمس له:
_أنا بحبك يا عمر، ومش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أشوفك سعيد ومرتاح معايا.
ضمها إليه بقوةٍ، وبعشقٍ قال:
_هبقى سعيد ومرتاح لما تبطلي بكى وابتسامتك متفرقيش أبدًا.
وأبعدها عنه ليقترب منها ملثمًا رموشها بقبلةٍ، مسترسلًا بحنان:
_مش عايز أشوف دموعك دي تاني يا نور.
هزت رأسها وهي تختبئ داخل أحضانه من جديدٍ خجلًا من نظراته وحبًا بالبقاء داخل أسارير أمانها.
********
توقفت سيارة مراد مقابل المطعم المشار إليه هاتفه، أغلق باب السيارة واتجه للداخل يبحث عنه حتى وجده يجلس على أحد الطاولات المقابلة للمياه، سحب مراد المقعد وجلس قبالته طارقًا بيده بغيظٍ:
_اديني سبت كل شيء وجتلك، خير؟
حدجه عدي بنظرةٍ غاضبة، جعلت الاخير يتدلى ببسمة مغتصبة:
_اتفضل قولي مالك وأنا سامع!
زفر بمللٍ، وبدأ يحرك ساقه بعصبية وكأنه يحاول الاستعداد لما سيقول، ففاه:
_مراد أنا طلبتك هنا عشان أنت هادئ وعاقل وهتقدر تفهمني، أخوك مش هيديني فرصة أتكلم أساسًا.
ضم شفتيه معًا، وأشار:
_اتكلم يا عدي في أيه، قلقتني؟!
التقط نفسًا مطولًا وهو يتساءل:
_فاكر أخر يوم لينا في الفندق ده، لما في ولد صغير إختفى ووالدته كانت عاملة دوشة في المكان.
هز رأسه وهو يستطرد بتذكرٍ التفاصيل:
_أيوه ووقتها طلعوه غرقان من البحر، ربنا يرحمه ويصبرها.
وعاد يتساءل بحيرةٍ:
_أيه دخل الحادثة دي باللي أنت عايز تقولهولي!
راقب عدي المكان من حوله، واقترب بنصفه العلوي من الطاولةٍ حتى بات قبالة الاخر، ليستمع لما سيقول جيدًا:
_الولد ده دراعه كان مليان أماكن لأبر حقن كتيرة، وكأن موته دي مكنتش طبيعية.
زوى حاجبيه بضجرٍ، وصاح:
_يا سلام، ما جايز كان مريض وبيتعالج.
أجابه عدي بنفس الثبات:
_أماكن الأبر كان كتير أوي يعني الشخص ده مريض مرض مزمن، أيه يخلي أبوه وأمه يروحوا مكان للمصيف وابنهم حالته خطيرة كده!
واسترسل بحدةٍ:
_جرى أيه يا مراد ده انت ظابط مخابرات والتفاصيل المفروض متفوتكش، أنا ظابط عادي وهرشت الموضوع!
بدى حائرًا لا يعلم ما يود الاخر قوله، فردد بنفاذ صبر:
_أنت عايز تقول أيه؟
رد عليه بحزمٍ بعدما جمع الخيوط باكملها:
_وجود جيورت بالفندق ده مكنش متدبر، لإن الفندق ده تابع ليهم، وده معناه اننا متكشفناش من أصله، وإن الدكتور الساذج ما هو الا واحد منهم شال الليلة عشان الموضوع ينتهي، والدليل الولد اللي مات في نفس الفندق وشكوكي نحيته إنه فار تجارب ليهم، يعني الموضوع أكبر مما نتخيل، الموضوع مش مرهون على السم اللي اخترعوه الموضوع مرهون على حاجات أكبر من كده بكتير أوي يا مراد، اللي فات ما هو اللي بداية لشيء مخيف جاي!!!
(أشباح المخابرات... احفظوا المشهد ده بإسكرين عندكم..)
.... يتبع...............
#ختامية_آل_الجارحي... #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
حبايبي رواية #مزرعة_بني_يعقوب.. هتلاقوها في صالة1.. جناح A53.. مع دار مدينة الأدباء للنشر والتوزيع.. ولو مش هتقدروا تحضروا المعرض تقدروا نحجزوا نسختكم دلوقتي على رقم الواتساب 01019978066 وهيوصلكم النسخة أيام المعرض، سعيت اني اوفرلكم الرواية بسعر بسيط في وسط موجة الغلاء دي فالرواية ب80ج.... ان شاء الله تنال اعجابكم لانها مختلفة وفكرة خارج الصندوق، الرواية فكرتها مبنية على الألغاز حتى عنوانها نفسه لغز كبير، قايمة على قصة عشق كبيييرة ستخلد بالتاريخ... بتمنى العمل ينال إعجابكم بحبكم في الله ❤
******_______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية _آل_الجارحي..
#الخاتمة_العاشرة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "شيماء أشرف"،"إيناس قمري"،"بسملة أيمن"،"جهاد محمود" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة ❤)
مع اقتراب آذان الفجر، أسرعت تالين وشذا بتحضير السحور وتعاونت يارا وملك بحمل الأطباق للطاولة بالخارج، فأسرعت إليهما شذا بعلب الزبادي وهي تصيح بتوتر:
_مش فاضل غير ربع ساعة بس والأولاد لسه مصحوش!
حملت عنها يارا العلب، بينما صعدت ملك الدرج وهي تخبرها:
_متقلقيش هطلع أصحيهم.
وبالفعل صعدت ملك للطابق الثاني، فوجدت أبواب الغرف بأكملها مغلقة، فقضاء تلك السهرةٍ جعل الجميع متعبون للغاية، تهللت أساريرها حينما فُتح أخر باب ليطل حازم من خلفه وهو يفرد ذراعيه بتثاءب، أشارت له ملك وهي تهمس ببسمةٍ خبيثة:
_مضطرة ألجئ ليك لإن فعلًا معتش وقت!
دنى منها حازم وهو يردد بنعاسٍ:
_صباح الخير يا طنط السحور جهز.
هزت رأسها بتأكيدٍ، وقالت:
_جاهز بس صحي الشباب الأول لان معتش وقت.
وتركته وهرولت للأسفل على الفور، وكأنها تخشى أن يلمحها شهود العيان وهي توكل حازم بجريمةٍ جديدة، حك حازم جبينه بإرهاقٍ وفاه بحيرةٍ وهو يتفحص ساعة يده:
_مش هلحق!!
لمعت إحدى أفكاره الشيطانية المخيفة، فابتسم وهو يفرقع أصابعه:
_بس لقيتها!
وأسرع تجاه سلة القاذورات، فحملها وهو يشعل القداحة بعدد من الأوراق، ثم رفعها وقربها من الإنذار الخاص بالحرائق بعد أن حرص بأن يلزم الأمان الطابق المخصص للشباب فقط، انطلق إنذار صاخب يضرب الأجواء، وقبل أن يستوعب أحدٌ ما يحدث انفلت شلال المياه يغزو الغرف بأكملها، وخاصة فوق الأسرة!
******
بالجناح الخاص بأحمد.
انتفض عن فراشه بفزعٍ حينما إنسابت المياه على جسده، فأبعد الغطاء عنه وهو يتفحص ما يحدث حوله بقلقٍ، فهرع يتفحص جناحه ليتأكد من عدم وجود أي حريق، التقط أنفاسه ببعض الراحة حينما تأكد من سلامة المكان، ولكنه مازال بحاجة للإطمئنان من سلامة الطابق الثاني بأكمله، فأسرع للخروج وفجأة توقف بعدما تعلقت عينه بالسرير، برق مندهشًا حينما وجد آسيل تغط بنومها العميق رغم تلك المياه التي تغطي جسدها بأكملها وكأن شيئًا لم يكن، إتجه إليها بخطواتٍ بطيئة، حائرة، لا يعلم أيتركها هنا لحين تأكده من الأمر بمفرده أم يوقظها حتى لا تمرض، اهتدى أحمد لفكرة محايدة، فحملها للأريكة وهو يردد ساخرًا:
_لا فارق معاكي زلازل ولا أمطار، مش فاهم أنا الاستجمام ده جايلك منين!
******
بالجناح المخصص لجاسم.
سقط عن فراشه فور سماعه صراخات داليا المزعجة، فحاول أن يبعد الغطاء الذي يكتف جسده متسائلًا باختناقٍ:
_في أيه؟
صرخت وهي تحاول أن تستوعب الأمر:
_ساعدني يا جاسم، إلحقني!!!
ردد بنفورٍ ومازال يجاهد للخلاص من معركته الحاسمة بين الغطاء الملتف حول جسده كالحية:
_مش لما ألحق نفسي الأول!
واستطرد بقلقٍ:
_حاولي تشرحيلي الموقف عما أنول الخلاص!
صاحت وهي تبتعد عن الفراش في محاولة للبقاء بعيدة عن المياه التي طالت الجناح بأكمله:
_باين القيامة قامت!! هو النهارده الجمعة؟!
نجح أخيرًا في تخليص ذاته، فاستقام بوقفته وهو يتأمل المياه التي مازالت تتساقط فوق رأسه، فردد وهو يسرع للخارج:
_ده انذار الحريق!
*******
خرجت تركض من المرحاض وهي تصرخ بفزعٍ بزوجها الغافل براحةٍ:
_معتــــــــــز، البيت بيغرق.
عبس بعينيه ومازال لم يستعب ما تقول:
_مش هتسحر يا شروق أنا تعبان ومحتاج أنام.
أعادت صراخها مجددًا:
_ابقى إتسحر في الآخرة يا حبيبي، قووووم بقولك في سيول هنا!
أزاح عن رأسه الغطاء بنفورٍ وهو يستقيم بجلسته، فاستقبل جسده المياه التي تصببت من فوق رأسه فجعلته ينتفض عن الفراش وهو يتساءل بصدمةٍ:
_هو في أيه؟!
ألقت المنشفة بوجهه وهي تردد بسخطٍ:
_بتسألني أنا!!
*******
كان يغفو بجسده فوق الطاولة، جوار حاسوبه بعدما ظل لساعةٍ كاملة يعمل على أحد الملفات الهامة، فرمش بانزعاجٍ فور سقوط بضعة قطرات المياه على وجهه، استقام ياسين بجلسته، وهم بالوقوف وعينيه تراقب ما يحدث بتمعنٍ، وعند استيعابه الأمر ركض للخارج مناديًا بذعرٍ:
_مليـكة!
خشي أن يطولها السوء فهدأت تعابيره المشدودة حينما وجدها تنام على فراشها بسلامٍ، وبدأت للتو بالاستيقاظ فور أن تبلل جسدها بالمياه، فصاحت بخوفٍ:
_ياسين!
ركض تجاهها وهو يطمنها:
_متقلقيش با حبيبتي، الظاهر في عطل في الانذار..
ونهض للخارج قائلًا:
_هروح أشوف في أيه!
******
حرك جسدها بقوة وهو يصيح:
_رانيــــا قــــــــومي بسرعة خدي الاولاد وانزلي تحت، إنذار الحريق شغال.
ارتبكت فور سماعها ما يقول، فتفحصت المكان من حولها وهي تتساءل بتوترٍ:
_من أيه ده؟
أجابها وهو يسرع لقميصه:
_مش عارف ربنا يستر وميكنش في شيء تحت.
وأشار لها وهو يسرع للخارج:
_إلبسي وهاتي الأولاد وانزلي ورايا.
وتركها وهرع للخارج مسرعًا.
*******
مازال يجلس على الأريكة قبالة الشرفة، جفاه النوم بعد رؤيتها تبكي حسرة على فراق ابنتهما، يلوم نفسه على إهماله لها وعدم ملاحظته لما يحدث معها بالفترات الماضية، والآن مازالت تبذل قصارى جهدها لتريحه بأنها أصبحت على ما يرام، كان يخطف لها النظرات بين الحين والآخر وهي تغفو بمفردها على الفراش بعدما تسلل من جوارها ليبقى حزينًا، وحيدًا، وفجأة تبددت عصبته فور اقتحام المياه مخضعه الخاص، فانتفض للفراش يجذبها عنه بذراعه الأيسر وهو يناديها بفزعٍ:
_نــور، فوقي!
فتحت عينيها لتقابل قطرات المياه المزعجة، فصاحت بعنفوانٍ:
_كده يا عمر بتصحيني بالمية يا قاسي القلب والمشاعر والأحاسيس!
عاونها على الوقوف وهو يشير لها بجدية:
_ده وقته، ثم إني هصحيكي بالمية ليه يا ست شادية!!
فركت عينيها بنومٍ وهي تجيبه:
_يعني تصحيني بالمية أرميك بالورد وشغل الرومانسيات ده!
صاح بها وهو يتجه للخروج:
_فوقي من أحلامك الوردية دي، وتعالي ورايا نشوف في أيه بره!
******
انفتحت الأبواب تباعًا، وخرج الشباب بأكملهم للخارج، يتلفتون حولهم بريبةٍ لمعرفة مكان الحريق، فإلتقطت أعينهم ذاك الذي يجلس على مقعده بثقةٍ وغرور، واضعًا قدمه فوق الأخرى ويتطلع إليهم بعنجهيةٍ قاتلة، جعلتهم يعلمون من المتسبب في ذاك الحادث المزعج، هموا معًا إليه في حلقة دائرية، ومازال يلهو بسبحته ويحرك قدميه بتعاليٍ، قبض رائد على ياقة قميصه، ثم جذبه ليقف أمامهم ليوجه إتهامه إليه مباشرة:
_أنت اللي عملت المقلب السخيف ده، مش كده!
هز رأسه وهو يجيبه بكبرياء رجل لن يترك ساحة الشدائد عبثًا:
_أيوه أنا ومفيش داعي للشكر، الأفضل تجروا تشربولكم بوق مية ده إن لحقتم.
ورفع ساعة يده إليه وهو يطرق بإصبعه بسخطٍ:
_لإن تقريبًا مفيش قدامكم غير عشر دقايق والفجر يآذن.
كمشه جاسم من ياقة قميصه المدفون أسفل التيشرت وهو يصيح بشراسةٍ:
_ده وقت خارجتك من الدنيا كلها، إتشاهد على روحك!
وناوله لكمة قاسية طالت فكه، فاهتز جسده يسارًا ويمينًا كالسكير، وفجأة قابله معتز بلكمة أخرى وهو يصرخ بتعصبٍ:
_تقطع الخلف عشان نقوم نشرب بوق مية، ده أنت يومك شبه قرن الخروب!!
بينما تلقفه مازن المبتل بالمياه، ليجذب دورق ضخم من المياه الباردة، فسكبها عليه وهو يسأله ببسمةٍ واسعة:
_حبيبي يا زوما قولت أفوقك بعد الضرب ده عشان تقدر تنزل السلم وتفوق للسحور.
استمرت الحفلة بين الشباب وحازم لثلاثة دقائق، ومن خلفهم كان يقف عمر وياسين وأحمد يتابعون ما يحدث بتشفي، حتى الفتيات خرجن بعدما أبدلت كلا منهن ثيابها لاسدال الصلاة، متلهفات لمعرفة ما يحدث بالخارج فما أن رأوه أسير لقبضة أيدهم زف إليهن عما إرتكبه تلك المرة، فانسحبن للأسفل ومن خلفهن الشباب، فافترش حازم الأرض أمام أحمد وعمر وهو يصيح بانفعالٍ:
_أنا غلطان إني صحيتكم تشرب يا بلطجي منك له، لو بطنكم كانت اتعسرت من الجوع وريقكم نشف من قلة المية والخيار والزبادي كنتوا عرفتوا قيمتي!!
منحه عمر نظرة ساخطة وأشار إليه ساخرًا:
_إنزل بميتك كده عشان لو دخلت تغير هدومك ريقك أنت اللي هينشف يا زوما.
استند على الطاولة التي تحمل الهاتف في محاولة للنهوض، فسقط أرضًا والهاتف من فوق رأسه، ليتأوه بألمٍ جعل عمر وأحمد يضحكان بعدم تصديق، فانحنى عمر إليه يعاونه بذراعه وهو يحذره:
_متحملش أوي أنت شايف دراعي التاني مش همشي لافف الاتنين!!
استقام بوقفته وهو يحاول فرد ظهره بألمٍ جعله يتأوه بصراخٍ، فمرت نسرين من جواره بعدما حملت صغيرها أحمد، لتحدجه بنظرةٍ محتقنه وهمهمت وهي تتجه للدرج:
_إنسان مزعج وتستاهل كل اللي جرالك!
لف رأسه لعمر الذي يكبت ضحكاته بتمكنٍ:
_شوفت الولية يا عمر، بدل ما تيجي جري تسند جوزها وتأخد حقه بتتشفى فيه!
هز رأسه وهو يردد:
_شوفت يا حبيبي، معلش.
وكأنه قدم إليه الكثير بتلك الكلمة، فقال بصدرٍ رحب:
_والله العيلة دي ما فيها غيرك يا دوك.
ابتسم وهو يردد بصوتٍ منخفض:
_لو دراعي كان سليم كنت أول واحد علمت عليك!
أوقفهما أحمد بذراعه الممدود وهو يصيح ببسمة شيطانية مخيفة:
_على فين يا زوما، أنا لسه مسلمتش عليك.
رمش بعدم تصديق وصاح:
_هو لسه في مكان لسلامك!
أرغمه على الانحناء ولطم رقبته بصفعة قوية وهو يصيح:
_عشان تحرم تجرب فينا مقالبك السخيفة دي، المرة الجاية هرميك من فوق سور القصر سبع مرات.
وتابع تحذيره المخيف:
_كل مرة تحاول فيها ترتكب شيء تافه زي ده افتكر تهديدي كويس.
ضيق عينيه بسخرية:
_ما تقتلني من دلوقتي أحسن لإني عارف نفسي أمارة بالسوء ومش ممكن تتوب!
كز على أسنانه وهو يقترب منه بغضبٍ جعل عمر يشير له:
_خلاص يا أحمد، حازم جدع وعااااااقل ومعتش هيعملها تاني، صح يا زوما؟
استند على ذراعه وهو يستكمل طريقه هامسًا:
_هفكر!
ساعده عمر على التوجه للمصعد فاندهش حينما لم يجد أحمد يلحق بهما، فرفع صوته ليصل لمسمعه بعدما كاد بالدخول لجناحه:
_مش جاي ولا أيه؟
رد عليه قائلًا:
_هشوف آسيل وجاي، أو الجثة الهامدة اللي ممددة جوه دي.
تعالت ضحكات عمر الرجولية، وأشار له بإبهامه:
_ربنا معاك.
*******
بالأسفل..
اجتمع الشباب بأكملهم حول الطاولة المستديرة، بعد أن انتهى ياسين الجارحي ويحيى وباقي كبار العائلة من تناول الطعام، فتوجهوا جميعًا للمسجد لحين أن يلحق بهم الجميع، وضعت يارا وملك العصير قبالتهم، بينما خرجت آية تحمل الفواكه فوضعتها على الطاولة وهي تسأل رحمة باستغراب:
_أمال فين عدي؟
أجابتها وهي تتناول الشطائر:
_إتسحر بره مع صديق ليه، زمانه على وصول.
هبط حازم برفقة عمر، فتسلطت الأعين الغاضبة عليه وهو يجذب أحد المقاعد جالسًا متأوهًا بألمٍ جعلهم متشفين بما أحدثوه به، بينما اتجهت نظرات آية لعمر فرددت بصدمة:
_عمر، أيه ده؟!
إتجه لمقعده المجاور لزوجته وهو يجيبها ببسمة هادئة:
_متقلقيش يا ماما دي حاجة بسيطة.
صاحت بانفعالٍ:
_يعني أيه حاجه بسيطة.. حصلك أمته وإزاي محدش يعرفني!!
رد عليها رائد:
_محبناش نقلقك يا طنط، الحمد لله هو بقى كويس.
لم يكن العذر منطقي لها، تحالفهم جميعًا لعدم علمها بالأمر جعلها تثور غضبًا، فتساءلت بشكٍ:
_ياسين اللي طالب منكم تخبوا عني صح؟
صمت الشباب فهزت رأسها وهي ترد بعزمٍ:
_ماشي يا ياسين!
******
بالأعلى.
بذل أحمد جهدًا عظيمًا ليتمكن أخيرًا من إيقاظها، ففتحت عينيها الثقيلة وهي تردد بنومٍ:
_سبني يا أحمد بقى عايزة أنام!
جذبها إليه ليخرج بها عن المرحاض قائلًا باستهزاءٍ:
_أنا نفسي في سر الخلطة اللي بتضربيها دي، لا فارق معاكي سيول ولا برق ولا أي شيء بيحصل حواليكِ، تعرفي أنا فعلًا بحسدك!
مالت برقبتها على كتفه وهي تسترخي بوقفتها لجسده:
_طب وديني السرير وإحسدني براحتك.
برق بعينيه دهشة:
_سرير أيه الأوضة كلها متبهدلة بالمية!
لعقت شفتيها الجافة قائلة:
_مية أيه؟
وعلى ذكر المياه أضافت:
_هاتلي مية أشرب قبل الفجر ما يأذن أنا عطشانه.
أسندها حتى وصل للبراد الصغير، فحمل لها زجاجة من المياه الباردة، فتحت غطائها وما كادت برفعها حتى إنطلق الآذان يزيح ثقل الهموم عن القلب بصوت الشيخ الخاشع، تركته عن يدها وهي تزم شفتيها بحزنٍ، فردد ساخرًا:
_كملي نومك وسبيني أحسدك وأدعي عليكي طول اليوم!
******
نال حازم غضبًا حارق حينما اضطر الشباب للنوم بغرف الضيافة، بعد أن ابتلت الأجنحه، وبالصباح الباكر باشر ياسين وأحمد ورائد العمل بالأسفل، فتح ياسين حاسوبه بتعبٍ بدى بنبرته:
_هو مينفعش نأجل الشغل لبعد الفطار، الحسابات في الوقت ده مجهدة جدًا.
تمعن أحمد بالملف من أمامه ثم قال:
_بالعكس يا ياسين الوقتي أفضل بعد الفطار بنفصل!
وتفحص المكتب من جواره وهو يتساءل باستغراب:
_ملف صفقة ال... كان هنا راح فين؟
نهض رائد عن مقعده مشيرًا بيده إليه:
_تقريبًا نسيته فوق.. هطلع أجيبه وراجع.
أكد عليه ياسين:
_متتأخرش.
أومأ برأسه وهو يتجه مسرعًا للأعلى، ففتح باب جناحه وولج للداخل قاصدًا غرفة مكتبه الخاص، وحينما استدار ليغادر تفاجئ بزوجته تهرع لأسفل الطاولة، ضيق رائد عينيه باستغرابٍ وترك ما بيده وإتجه إليها، يناديها بدهشةٍ:
_رانيا!
لم يأتيه أي ردًا منها على الرغم من أنه يراها بوضوحٍ تامٍ، كاد بأن بدمي شفتيه السفلى من فرط ضغطه على شفتيه، فصاح بتعصبٍ:
_رانيا بتعملي أيه عندك، إخرجي!
وحينما لم تستمع إليه إنحنى بعدما رفع الغطاء المنسدل فوق الطاولة، فجحظت عينيه صدمة حينما وجدها تحمل صينية مستديرة بأصناف متعددة بالمحاشي، وقطع اللحم الشهي، ووجهها تكسوه الحمرة جراء محاولتها البائسة لمضغ الطعام الذي بجوفها، وحينما حاولت لمرتها الاخيرة سعلت بقوةٍ جعلت الأخير يطرق على ظهرها حتى استكانت بجلستها، فلعقت شفتيها وهي تشير له:
_شكرًا.
حرك يده وهو يردد من بين اصطكاك أسنانه:
_اخرجي..
زحفت خلفه حتى نهضت، فجلست على الفراش باستحياءٍ لتجده يمنحها نظرة ساخطة مردفًا:
_لزمتها أيه الدراما دي ما أنا عارف من بليل!
أسبلت بجفنيها بصدمةٍ، وفجأة استقامت بوقفتها وهي تردد باستياءٍ:
_أنت قليل الأدب.
وتركته وغادرت من أمامه في طريقها للباب الشبه موارب، فصعقت حينما وجدت داليا قبالتها تهمهم بغضب جعلها لا ترى أخيها:
_بقالنا ساعة بننادي عليكي، أيه طمنينا النظام أيه؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وتساءلت:
_نظام أيه؟
زمت شفتيها بنفورٍ:
_يا حبيبتي ركزي أنا صايمة ومش قادرة أقف، احنا مش ادناكي صينية بأنواع الأكل تدوقيه وتشوفي ملحه مظبوط ولا لا، إنجزي عشان طنط تالين وماما عايزين يقفلوا على المحشي ومستنين يطمنوا منك اتظبط ولا لسه، طلعتي واختفيتي أيه مفيش تقدير ولا إحساس بإخواتك الصايمين لحد ما دورهم يجي!
_ما شاء الله هو أنتوا عندكم اللي بتتعذر بتنول مهمة شرف تناول الطعام!
جحظت عين داليا بصدمة ومازالت معلقة بعين زوجة أخيه، آبية الانزلاق تجاه الصوت الرجولي، فرددت بتلعثمٍ:
_اللي سمعته صح، ده صوت رائد؟
هزت الأخيرة رأسها وهي تكاد تبكي من فرط الخجل، فاستدارت وغادرت على الفور ومن خلفها ركصت رانيا، والأخير يتبعهما وصوت ضحكاته لا تتوقف عن مسمعهما!
******"
جابت الجناح ذهابًا وإيابًا وعينيها تراقبه بغضبٍ، ظنت بأنها يغفو بنومه المريح ولا يدري بوجودها بالجناح، وبالرغم من انغلاق عينيه الا أن صوت أفزع حنقها:
_اتكلمي باللي مضايقك مني يا رحمة عشان ترتاحي!
انتفضت بوقفتها وعينيها المتسعتان متسلطتان على الفراش بصدمة، فوجدته يفتح عسليته ويستقيم بجلسته قبالة عينيها المندهشة، ازدردت ريقها بتمكنٍ واقتربت منه قائلة بحزنٍ:
_آه زعلانه منك وجدًا كمان، لإن استكترت إنك تقعد معايا بعد سفرك وخرجت ومرجعتش غير بعد الفجر ودلوقتي نايم ولا على همك.
منحها ابتسامة هادئة وهو يخبرها:
_حبيبتي لو مكنش خروجي ده مهم أكيد مكنتش هخرج، وخلاص أهو رجعت وقاعد معاكي وفي وشك.
ايتدارت بوجهها للجهة الأخرى وهي تردد بضجر:
_متحاولش أنا زعلانه منك بجد.
وبمكرٍ لمع على وجهها قالت:
_ولو عايز تصالحني بجد تيجي معايا دلوقتي نأخد الاعادة بتاعتي.
ومررت يدها على بطنها الغير بارزة وهي تردد بحماسٍ:
_تطمن على البيبي ونفطر في أي مكان، ها أيه رأيك؟
رفع أحد حاجبيه بمكرٍ:
_راسمة الزعل وكل الحوار ده عشان عايزة تخرجي معايا برة، طيب وليه الطيب أحسن.
ونهض عن فراشه وهو يخبرها:
_اعتبريني جهزت!
ارتسمت السعادة على وجهها، وأسرعت بتبديل ملابسها استعدادًا للذهاب برفقته للطبيب، فعاونها عدي على الجلوس جواره بالسيارة ثم تحرك بها حتى وصلا للعيادة الطبية، فما أن خرجوا من المصعد لداخل العيادة حتى صعق عدي وهو يراقب من يجلس أمامه، وردد بعدم تصديق:
_إنت!!
نهض المصعوق الآخر وهو يجاهد لخروج كلماته:
_عدي!
لاحت بسمة واسعة، تزف شماته وهو يردد بغمزة خبيثة:
_يا أهلًا بالأسطورة... منور عيادة النسا!!!
......... يتبع...............
#ختامية_آل_الجارحي... #آية_محمد_رفعت..
بشكركم من قلبي على دعمكم الغالي لروايتي الورقية #مزرعة_بني_يعقوب.. وبتمنى العمل ينال إعجابكم لإنه اتكتب من القلب هيوصل لقلوبكم جميعًا بإذن الله..
الرواية يا بنات سردها فصحى وحوارها عامي بيخدم نوعية الرواية، هتلاقوها في صالة1.. جناحA53 مع مدينة الأدباء، وأنا هكون موجودة بإذن الله يوم 2/2 وبانتظاركم، ولو حد راح قبل كده يبهتلي صور الرواية أنزله اهداء بتوقيع الكتروني.. بحبكم في الله ♥
#Aya..
******_______******"
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي..
#الخاتمة_الحادية_عشر.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "نهى عاطف"،"بسملة أيمن"،"إيمان بركات"،"آية العربي"،"عزيزة عيسى"،"حنين عيد"،"شروق أحمد""منة مجدي"،"أمنية الشاذلي"،"ريهام ناجي"،"مريم أسامة"،"دينا عاطي" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اليوم لم يكن سهلًا بالنسبة إليه، قضاه بالمرور برفقةٍ يحيى على الشركات والمقر الرئيسي، وقد تسنى له العودة قبل موعد الإفطار بساعتين، ولج ياسين لغرفة مكتب القصر، ليضع ما بحوذته من أوراقٍ هامة بخزانته، فوضع الأوراق على سطح المكتب إلى أن حرر مفتاحها برقمها السري، وما كاد بوضع الأوراق حتى تفاجئ بها تقتحم مكتبه وعينيها الغدافية تعلن عن نشوبٍ معركة دامية لم تحدث قبل!
استقام بوقفته بثباتٍ قاتل، وهو يجابه أُنثاه التي توشك أن تهاجمه بمخالبها الآن، وترقب لحظة تحرر كلماتها ليعلم ماذا يحدث معها بالتحديد؟ فأتت تلبي ندائه حينما صاحت باندفاعٍ:
_هو أنت ليه دايمًا بتحسسني إن الأولاد مسؤوليتك أنت لوحدك! وإني مينفعش أعرف أي شيء يخصهم!
ورفعت أصبعها تحذره وهي تضيف غاضبة:
_أنا ليا فيهم زي ما أنت ليك بالظبط ويمكن أكتر، كل مرة أكتشف شيء مخبيه عني بتجنن ده مش سر من أسرار مغارتك عشان تداريه عني، خرج أولادي بره دايرة غموضك يا ياسين يا جارحي!!
تهدلت شفتيه عن بسمةٍ شبه ساخرة، جعلتها تحتد لذورةٍ غضبها، وخاصة حينما لم تجد أي رد فعل منه، راقبها بكل هدوءٍ ورزانة كمعتاده، وتحرك ببطءٍ ليستكمل عمله بنقل الأوراق لخزانته، فأتبعته وهي تصرخ بغيظٍ:
_أنا مش بكلمك، فهمني المرادي خبيت عني اللي حصل لعمر ليه؟!
أغلق باب الخزانة، ثم إلتفتت إليها يمنحها نظرة مطولة قبل أن يتجه للأريكة الجلدية السوداء، يتمدد عليها ببعض التعب ويده تحل جرافاته المرافق الدائم للمناسبات الرسمية، واضعًا معصمه على جبينه مغلقًا عينيه باستسلامٍ للنوم، تاركًا تلك الأعين الملتهبة تكاد تحرقه حيًا، لتنفجر عن صمتها حينما دنت منه:
_ياسين أنا بكلمك!!
رد عليها بجمودٍ:
_لما تهدي من عصبيتك دي وقتها يمكن أرد!
جحظت عينيها بدهشةٍ، وإلتهمت فمها بغيظٍ كاد بأن يفجر أوردتها من بروده، التقطت آية نفسًا مطولًا ووقفت تراقبه لدقائق، خضعت إليه بنهايةٍ المطاف فاتجهت بهدوءٍ للمقعد المجاور لأريكته، وجلست بهدوءٍ تامٍ، جعله يبتسم برضا، فنهض عن الأريكة وجلس قبالتها وهو يراقب تحكمها بعصبيتها باجتيازٍ، فقال:
_شوفتي كده النقاش يكون لطيف، بدون ما تتعبي نفسك وتخرجي عن طبيعتك الهادية اللي ممكن تنسيني إنك مراتي!
واستكمل بخبثٍ وهو يفرك جبينه:
_ثم إن دي مقابلة تقابليني بيها وأنا بره طول اليوم وصايم في عز الحر!
رأف قلبها به ولكن عقلها مازال يجذبها لدوافع متعصبة، فذمت شفتيها بسخطٍ:
_كلنا صايمين وبنشتغل محدش قاعد هنا!
طوفها بعسليته بنظرةٍ متفحصة، فعلم أن غضبها لا يستهان به، لذا كان عليه التعامل بحذر لحل الأمر، فدنى منها مجددًا حتى بات مجاور لها، ثم قال بصوته الرخيم:
_محبتش أضيع عليكِ فرحة اليوم اللي قضيته مع الأولاد في الدار وأنا عارف إنتي بتستنيه إزاي.
رمشت بعينيها بارتباكٍ وقد بدت تهدأ عن غضبها، فأضاف بحبٍ:
_والحمد لله الموضوع كان بسيط والولد كويس وبخير لزمتها أيه أقلقك!
ردت عليه بحزنٍ:
_لازم بردو أعرف، حتى لو كان أيه.
واستكملت بصوتٍ أشبه لاختناق البكاء:
_ياسين أنا بقيت خايفة من كل شيء حواليا، بخاف لما أشوف حد من الأولاد متغير أو مهموم ويكون وراهم شيء أنا معرفوش وأنت مخبيه عني!
وتحررت تلك الدمعة المتحجرة وهي تخبره:
_أنت أجبرتني مسألش حد فيهم مالك لإني واثقة ومتأكدة إن لو فيهم شيء محدش هيتكلم، حتى الموضوع اللي حصل مع عدي معرفتوش غير بالصدفة! أي مشاكل بيواجهوها مش بعرفها!
انتظر انتهاء حديثها وقال برزانة:
_ده مبيحصلش غير مع عدي وعمر يا آية وده أنا متعمده لإنهم مش زي مليكة، الراجل لو إتعود من صغره يجري يشكي لامه اللي مزعله هيجي في يوم يخرج أسرار بيته بره والأسرار دي تخص مراته حتى لو كنا كلنا كويسين مع بعض، بس بالنهاية دي حياتهم الخاصة مينفعش حد يعرفها، تفاصيل شغلهم ومشاكله كل ده لازم يكون خاص بيهم الا لو في مشكلة وصلت لينا كلنا بدون تدبير وقتها هنتدخل وهنحل بس وجودنا في حياتهم مش لازم يكون دايم.
واستكمل ببعض الهدوء:
_انتي ربيتهم كويس وبقوا رجالة متجيش دلوقتي وتفكري في اللي ممكن يفسد التربية دي.
وأحاطها بذراعه وهو يستكمل بحنان:
_حبيبتي إنتي بتخلطي زعلك من اللي حصل مع عمر باللي إنتي زعلانه منه طول الفترة اللي فاتت، وده غلط، دول أولادك وليكي حق فيهم أكتر مني أنا بحاول أفهمك إنهم كبروا ومش محتاجين لوجودنا في حياتهم بكل تفاصلها، هيكون لينا تفاصيل معاهم طبعًا بس خاصة بينا احنا.
شككت بحديثه حينما قالت:
_بس أنت موجود دايمًا في أغلب مشاكلهم، إزاي بتطلب مني شيء أنت نفسك مش بتعمله؟
رد عليه بعقلانيةٍ:
_قولتلك إن لو الظروف أجبرتنا هنتدخل، وأنا على الرغم من إني بحاول أكون بعيد الا أن الظروف اللي بتجبرني أكون موجود دايمًا حوليهم، ومتنسيش إني ليا واجبات تجاه البنات ومقدرش أخذل تعشمهم فيا لإن مفيش أب بيتخلى عن بناته ولا أولاده في نفس الوقت، بحاول أخد قرارات متجيش على الطرفين، وفي نفس الوقت أحل بيها المشكلة الاساسية بينهم حتى لو هبان في عين الشباب إني بنصفهم، فأنتِ لازم تقدري إني بتصرف بالعقل ومتحاوليش تقارني مسؤولياتك تجاههم بيا.
تطلعت له بنظرةٍ ساهمة، فضمها إليه وربت على خصرها بحنانٍ، وهو يخبرها:
_مش عايزك تشغلي بالك بأي شيء، أنا هنا وطول ما فيا نفس مش هخليكي تعيشي جوه الدوامة دي بعينها، خليكي متأكدة إني بحميكي من متاهة مش هتبعد عنك الفكر!
هزت رأسها وابتعدت عنه بخفةٍ، فمنحها ابتسامة صافية أرغمتها على أن تبتسم له، فقال وهو يبتلع ريقه الجاف:
_ها طمنيني عملتوا فطار أيه النهاردة؟
******
كانت الصدمة متبادلة بين الطرفين، وخاصة بعدم توقع رؤية كلاهما بمكانٍ هكذا، على عكس الزوجتين بدت كلاهما بأن هناك إتفاق مسبق بينهما بالأمر، ولج عدي للداخل وجذب المقعد المجاور إليه فجلس يراقبه ببسمةٍ حملت السخرية بوضوحٍ، حتى صاح الأخير متعصبًا:
_هتفضل باصصلي كده كتير!
حك أنفه ومال يهمس إليه:
_بحاول أستودعب إني شايفك قدامي شحم ولحم!
راقبه بغيظٍ وخاصة حينما استطرد عدي بمكرٍ:
_قولي يا رحيم هو مراد عارف إنك هنا؟
كز على أسنانه بقوةٍ جعلت صوت اصطكاهما مسموع لمن يجاوره، فضحك وهو يردد:
_شكلك أول مرة تيجي المكان ده، بس متقلقش هتتأقلم.
واسترسل بشكٍ:
_إنت متأكد إنك مش جاي هنا تحت تهديد السلاح!
أغدفت زيتونته بغضبٍ جعل الأخير يبتلع جملته خلف ضحكاته المنفلتة، فتخلى رحيم عن صمته حينما قال بسخريةٍ:
_ده ترتيب احترافي متعرفوش إنت، ترتب وتدبر وتقابل مراد لوحده الصبح وتلاقيني في وشك بليل، شغل مخابرات بقى يا سيادة المقدم!
زوى حاجبيه بمكرٍ وصاح:
_أنت وصلت بيك إنك تراقب أخوك وفي رمضان يا رحيم! ، أنا حقيقي مشوفتش ثقة عظيمة زي اللي بينكم حاجة تشرف!
ضحك بصوتٍ مسموع، وانحنى إليه يهمس له:
_مش العدو بس اللي بتراقب خطواته يا عدي، شغلك غير شغلنا، لما تشتغل في المخابرات هتتعلم تراقب نفسك مش عيلتك!
وعاد يستند بظهره للمقعد الوثير، وهو يستطرد بجديةٍ:
_أي مهمة عملناها لو وشنا اتكشف لحد مؤكد إن حياة واحد فينا في خطر، عشان كده مهمتي إني أحميه.
وعاد يستند لكتفه ليهمس مجددًا:
_أنا بعترف إني خسرت كتير من اللحظة اللي نهيت فيها العداء بيني وبين الجوكر وبقى للأسف الشديد أخويا، من يومها الحياة بقت مملة ومفيش فيها اللي يحمسني!
راقبه عدي بسكونٍ وفجأة تعالت ضحكاته بصورةٍ جعلت الأخير يبتسم، فأشار إليه:
_خلاص سيبك من مراد وتعالى حاربني أنا ووقتها هتعرف إن في الأصعب من أخوك.
نجح برسم علامات الذعر على وجهه وهو يجيبه بصدمةٍ:
_مجنون أنا عشان أواجه أسد شرس بيلتهم أي شخص يحاول يبص نحية شبله!
ضيق عينيه بدهشةٍ من فهم مغزى حديثه الغامض، فاسترسل رحيم موضحًا:
_أنا عاقل كفايا إني أختار طريق نهايته ياسين الجارحي!
******
لجوارهما.
مالت عليها رحمة تهمس بضيقٍ:
_هو ده اتفقنا!
أجابتها شجن بهدوءٍ وعينيها تراقب زوجها المنشغل بالحديث:
_أنا مصدومة والله، رحيم نادرًا لما كان بيجي معايا عند دكتور النسا، أول لما عرف إني رايحة صمم يجي معايا.
واستدارت إليها متفوهة بسخريةٍ:
_وبعدين ما أنتي كمان جايبة عدي وأنتي جاية!
ابتلعت ريقها بتوترٍ، قبل أن تخبرها بخجل:
_بصراحة أول ما قالي أجي معاكي فرحت ومصدقتش أصل عدي نفس اللي قولتيه عن جوزك، مجاش معايا في حملي الأول غير يوم الولادة عشان كده بحاول أستغل كل لحظة هو حابب يكون فيها جنبي.
منحتها ابتسامة صافية، ورددت بحبٍ:
_ربنا يعوضك خير يا حبيبتي.
واستكملت بمرحٍ:
_مش مهم نتبقى نرتبها ونتقابل مرة تانية.
******
بغرفة مكتب القصر..
انتهى الشباب من أعمالهم المتعلقة بالمقر معًا، فتمدد حازم على المقعد بانهاكٍ بدى على معالمه، وانتقل لصوته الشاحب:
_لسه كام ساعة على الآذان.
رفع معتز ساعة يده وهو يجيبه:
_ساعة الا ربع إجمد يا وحش.
لعق شقتيه الجافة وهو يردد بسخريةٍ:
_أجمد أيه أنا هموت من العطش النهاردة.
رتب أحمد أوراق الملفات وما أن انتهى حتى جذب أحد المقاعد ليجلس جوار أخيه، فابتسم قائلًا:
_ساعات بحس إنك عيل صغير وبتصوم لأول مرة! ما تنشف كده، وبعدين النهاردة مفيش نوم نهائي.
اعتدل حازم بجلسته وهو يتساءل بقلقٍ:
_ليه هو الشغل مخلصش؟
أجابه ياسين بنزقٍ من ذاكرته التي تتلاشى تدريجيًا حينما يزوره الجوع القارص:
_احتمال إن النهاردة تكون ليلة القدر، وزي كل سنة هنقيم الليل ولا عايز تضيع أجر الليلة العظيمة دي؟
ابتسامة عذباء انفرجت على شفتيه:
_لا طبعًا مستحيل، هنقضيه زي كل سنة بالمسجد ولا هنرجع هنا؟
أجابه رائد:
_مش عارف بس أعتقد عمي هيروح المسجد وإحنا أكيد وراه.
اقترب منهم مازن، وقال ببسمة حنين:
_أكتر حاجة كنت محروم منها برة مصر جوه الألفة والعيلة اللي جوه كل بيت على صينية فطار رمضان.
واستكمل بصوتٍ حزين:
_أنا اكتشفت إن صوت المساجد بالطراويح أعظم بكتير من هدوء غريب متعرفش إذا كان الآذان أذن ولا لا الا من ساعة موبيلك!!
وطوفهم بنظرة عنيقة أتبعها نبرته الدافئة:
_وأنا وسطكم بحن لأيام طفولتي لما كنت بقعد مع عيلتي على سفرة واحدة قبل ما نتفرق وكل واحد فينا يسافر شغله في بلد شكل.
واسترسل بحبٍ:
_انتوا عوضتوني عن أحاسيس كتيرة اتدفنت من وقت طويل.
أحاطه معتز بذراعه، ليخبره ببسمة مرحة:
_لو محستش كده وسطينا تبقى عيبة كبيرة في حقنا، وبعدين أنت مالك مكبر المواضيع كدليه ما أنت واحد مننا كفايا إنك الوحيد اللي ادنله الأمان وبنت مننا!
أجابه ببسمة ممتنة:
_حبيبي يابو نسب
جلس رائد على الأريكة جوار جاسم وهو يراقبهما بنظرة شك، فقال:
_معتز ومازن بيحبوا في بعض تيجي من أنهي زاوية دي!!
أجابه حازم وهو يفرد قدمه على المقعد قبالته باستهزاءٍ:
_ده تأثير الصيام تعالى بعد الفطار واتفرج على المذبحة اللي بينهم، والله مروج بنت عمك دي بتصعب عليا يا جدع، مبتبقاش عارفة تقف في صف أي طور فيهم!
إلتهبت أعيناهما واتجهت إليه، فمال برقبته على المقعد باسترخاء وهو يردد بعنجهيةٍ:
_أخويا الكبير قاعد جنبي يا طور منك له!!
********
انتهوا كلاهما من الدخول برفقة زوجاتهما للطبيبة، فأصر عدي على الذهاب معًا لتناول الإفطار معًا، فاجتمعوا على الطاولة يترقبون سماع الآذان لتناول التمر المقدم مجانًا من للمطعم للصائمين سنة عن الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام، فتناولوه ومن ثم ارتشفوا القليل من المياه وبدأوا بتناول طعامهم، وما أن انتهوا نهضت شجن ورحمة لحمام السيدات للاغتسال، فوقفت رحمة تعدل حجابها إلى أن تنتهى شجن من تنظيف يدها، استدارت إليها وهي تردد ببسمة ماكرة:
_مقولتليش عرف أمته إنك حامل؟
فور تذكرها الأمر ارتسمت على ملامحها بسمة حياء، اصطحبها ارتباك واقتضاب بالرد:
_بعد ما رجع من المهمة، وصمم يجي معايا عند الدكتورة.
ابتسمت قائلة:
_المهم إننا اتقابلنا، أنا عندي كلام كتير أوي عايزة أقولهالك.
جذبت حقيبة يدها وهمست لها بعد تفكير:
_سبيهم يحكوا لبعض بطولاتهم المملة وتعالي نقعد على تربيزة تانية.
هزت رأسها وهي تخبرها:
_يلا.
******
بقصر الجارحي.
اجتمع الجميع على المائدة بعد أداء صلاة المغرب بالمسجد، فعادت الصغير في غياب أبيه اعتياده بالجلوس محله بالقرب من جده، اعتلت الفرحة معالمه حينما علم بأنه سيتناول طعامه بالخارج هذا اليوم، فأراد أن يكون لجواره على المائدة، بدأ الجميع بتناول الطعام ونظرات ياسين مُسلطة على عمر الذي يحاول قطع اللحم بسكينه وبالنهاية فشل، فأشار لياسين الصغير ببسمة هادئة:
_حبيبي إرجع مكانك وخلي إنكل عمر يقعد مكانك.
امتعضت ملامح الصغير بانزعاجٍ حينما تلاشت آماله بالجلوس جوار جده الحبيب، فترك المقعد وهو يراقبه بنظرةٍ حزينة لم يلاحظها ياسين، انتقل عمر للمقعد باستغرابٍ من طلب أبيه حتى الشباب تطلعوا لبعضهم البعض بذهولٍ، ازداد على الأوجه حينما قطع ياسين قطع اللحم بسكينه لقطع صغيرة، ثم نقلها لطبق عمر ليتمكن من تناول طعامه بسهولةٍ، راقبه عمر ببسمةٍ صغيرة، فتمعن بالتطلع إليه بحبٍ يتلألأ بعينيه ليجده يشير بشوكته للطعام متسائلًا:
_أصغرلك اللحمة عن كده؟
هز رأسه نافيًا وتناول طعامه وابتسامته لا تتخلى عنه، وعن وجوه الشباب ويحيى الذي يراقب ما يفعله صاحب القلب الذهبي رغم صرامة هيبته.
******
اندمج عدي مع رحيم بالحديث، حتى صاح الأخير وهو يتناول الحلوى ببطءٍ وتلذذ:
_مش ناوي تقولي سبب تجمعك المفاجئ بمراد أيه، ولا أعرف بطريقتي؟
مسح بمنديله الورقي بقايا الحلوى، وبنبرة خشنة صاح:
_هتعمل أيه هتراقبني زي ما بتراقب أخوك ولا هتسلط عليا اتنين بلطجية!
ضحك بصوته الرجولي، وأكمل تناول طعامه، فلازمهما هدوء انتهى حينما قال بجدية تامه:
_االلي بتفكر فيه ممكن يكون صح يا عدي، بس للأسف وجودنا هناك مش هيديهم فرصة إنهم يكملوا اللي بيعملوه، يعني بالمعنى الصريح طرف الخيط اتقطع.
زفر بمللٍ، واقترب بجلسته من الطاولةٍ وهو يردد بهدوءٍ:
_رحيم أنا واثق من كلامي الناس دي وراهم الأخطر من اللي احنا وصلناله، دي البداية لشيء مخيف.
ترك الملعقة عن يده، ودفع الطبق بنفورٍ مما يستمع إليه، فقال وهو يحاول التحلي بالهدوءٍ:
_ولتفترض يا عدي، الموضوع متتهي لو دورنا وراهم ألف سنة مش هنقدر نوصل لحاجة، لإن اللي اتدفن في قبر مش هتتعرف عليه الا لما ريحته تفوح، والله أعلم هيحصل أمته! (أشباح المخابرات..)
هز عدي رأسه باقتناع، ومال برأسه يتفحص المكان من حوله وهو يتساءل باستغرابٍ:
_هما إتاخروا ليه؟!
أبعد رحيم مقعده عن الطاولة يتفحص من حوله حتى سقطت زيتونته عليهما.
فنهضوا إليهما، فجذب عدي المقعد ورحيم المقعد المقابل إليه، ارتبكت رحمة وشجن حينما وجدهما لجوارهما، وخاصة حينما قال عدي بمكرٍ:
_مش مضطرين تدوروا على حجج عشان تتقابلوا.
ابتسم رحيم وهو يردد:
_معاك..
*******
صعد أحمد لجناحه، فإتجه لمكتبه الصغير الموضوع بأحد زوايا يفتح حاسوبه ليعيد إرسال الملف لياسين، فوجد آسيل تخرج من الخزانة حاملة ملابسها متجهة للحمام، ابتسم وهو يصيح بسخرية:
_غريبة متقتلتيش النهاردة بدري ليه؟
أجابته ببسمةٍ واسعة:
_بعد الشاور متقلقش.
هز رأسه بيأسٍ منها، وعاد يستكمل ما يفعله بهدوءٍ تام.
بالداخل.
جمعت خصلاتها المتمردة برابطة، ثم فتحت الصنوبر تغسل يدها أولًا، فتأملت انعكاس صورتها بالمرآة قبل أن ترفع يدها بالمياه لتنظف وجهها، ومن ثم جذبت المنشفة تجفف المياه، تحاملت على الصنوبر حينما اهتز جسدها فجأة، فارتدت للخلف جراء ذاك الدوار الغريب، برقت بعينيها وهي تحاول التقاط صورة منتظمة للمرحاض الملتف من حولها، فتعلقت بالستار الملتف بالدُش، ازدادت ضربات قلبها بشكلٍ ملحوظ فسقطت على قدميها ورددت بصوت خافت:
_أحمد.
صوتها الواهن لم يكن مسموع إليه، فاستجابت لدوار رأسها الشديد ويدها مازالت متعلقة بالستار الذي استجاب لها فسقط معها مصدرًا ضوضاء كانت صاخبة لأحمد الذي هرع لباب الحمام يطرق وهو يصيح:
_أيه الصوت ده يا آسيل؟
لم يأتيه أي رد، فعاد يطرق على الباب مجددًا وهو يناديها بقلقٍ:
_آسيـل، سامعاني؟!
لم يحتمل بقاءها صامته هكذا فردد بفزع:
_أنا هفتح الباب...
وحينما لم يستمع أيضًا لصوتها، حرر مقبض الباب فجحظت عينيه صدمة حينما وجدها مُمددة أرضًا، أسرع آليها يرفع جسدها عن الأرض وهو يصيح بقلقٍ:
_حبيبتي مالك؟!
لم يأتيه أي ردًا، فحملها للخارج ثم جذب ملابسها الموضوعة بالحمام، ليعاونها على ارتدائها بقلق يقتص من ملامحه المنقبضة، فردد بخوف:
_ردي عليا متقلقنيش عليكي عشان خاطري!
ما أن انتهى حتى هرع لهاتفه يطلب الطبيب مشددًا بضرورة حضوره في التو والحال.
*******
عاد عدي للقصر برفقة زوجته، فوجد ياسين يجلس بالحديقة على الأرجيحةٍ، ويبدو عليه الحزن الشديد، أشار عدي لرحمة مرددًا:
_اطلعي أنتِ يا حبيبتي وأنا شوية وجاي.
أومأت برأسها بخفةٍ، وصعدت للأعلى.
اقترب عدي منه، يتأمل معالمه الحزينة بذهولٍ، فقطع شروده حينما قال:
_لسه صاحي لحد دلوقتي ليه يا ياسين؟
نهض الصغير عن الأرجيحة وهو يردد بهدوءٍ:
_محستش بالوقت أنا أسف
واتجه خطوتين للداخل وهو يستطرد:
_حالًا هطلع..
أارد أن يعلم ما به ولكنه لم يجد فرصة لذلك، رفع رأسه عاليًا يتأمل القصر بنظرة متفحصة،فوجد الضوء يحيط بالنوافذ بأكملها، فابتسم حينما تذكر بأن اليوم السابع والعشرون من رمضان، احتمالية ليلة القدر المباركة، الجميع مستيقظون بغرفهم للعبادة، ولا شك بأن "ياسين الجارحي" والشباب بالمسجد الآن، لذا توجه للمسجد على الفور لصلاة قيام الليل ما قبل صلاة الفجر.
*******
بالأعلى..
انتهى الطبيب من فحصها، وجذب القلم يدون الأدوية المطلوبة لحالتها التي لم تستغرق دقائق لفهم ما أصابها، ومازال أحمد يجلس جوار زوجته، يده بيدها ورأسها على قدمه بانهاكٍ شديد، يترقب ما سيقوله بلهفةٍ، حتى آدهم وشذا وتالين التي كانت الأولى بسؤالها:
_طمني يا دكتور، مالها؟
أجابها وهو يعدل من نظاراته الطبية:
_سوء تغذية وده مش لطيف مع بداية الحمل.
ضيق أحمد حاجبيه بذهول:
_حمل!
رمشت آسيل بعدم استيعاب لما يقول، فأكد مجددًا:
_أيوه مدام آسيل حامل في شهرها التاني.
تهللت أسارير الجميع واتبع آدهم الطبيب للخارج، بعدما قدم له مبلغ من المال مرددًا بفرحة:
_شكرًا يا دكتور.. اتفضل.
مالت آسيل على أحمد تتساءل بصدمة:
_سمعت اللي سمعته؟
ارتسمت بسمة جذابة على شفتيه وأكد لها بحب شديد:
_سمعت ومش مستغرب من كرم ربنا علينا.
اتكأت على ذراعه حتى استقامت بجلستها تردد بعدم تصديق:
_يا أحمد الدكتور مأكدلي بعد ولادتي أويس إني مش هعرف أحمل طبيعي تاني!!
بنفس بسمته الهادئة قال:
_وأكدلنا بردو بعد خسارتنا الجنين الأول إنك مش هتعرفي تحملي طبيعي تاني وربنا كرمنا بآويس ودلوقتي من علينا بهدية تانية.
واسترسل وهو يضم وجهها بيده:
_عطايا ربنا عمرها ما بتنتهي يا آسيل، وأسبابها معروفة تربيتك لليان واحتوائك ليها، ربنا سبحانه وتعالى بيعوض.
أدمعت عينيها تأثرًا بكلمانه، فرددت بامتنان:
_الحمد لله.
وعادت تستند برأسها على صدره ويدها تمسد على بطنها كمحاولة للتصديق، ضمها أحمد إليه بعشق، وهمس لها ممازحًا إياها:
_طلع في سبب عذري لنومك الغريب!
انفجرت ضاحكة والأخر يشاركها الضحك، فغمز لها بخبث:
_طب أيه؟
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_أيه؟!
أكمل بدهاءٍ شيطاني:
_أنتي لسه صاحية لحد دلوقتي وده حدث عالمي، ما نحتفل!
تقوست معالمها بغضب، فابعدته عنها وجذبت الغطاء وهي تشير له:
_الراجل لسه بيقولك حامل وتغذية وبتاع، لا يا حبيبي روح إعتكف في المسجد مع بابا والشباب وإبقى عدي علينا بعد السبوع يكون ربنا سهلها من عنده!
برق بعدم تصديق، وردد:
_بقى أخرتها كده؟
جذبت الغطاء على رأسها وهي تشير له بعدم مبالاة:
_شد الباب وراك!
********
بالمسجد.
صعد عمر برفقة الشباب للمسجد، فتوقف حينما وجد عدي على بعدٍ منهم، فترك الشباب وبقى محله ينتظره حتى صعد الدرج إليه، فردد بمشاكسة:
_مستنيني بنفسك!
ابتسم عمر وهو يلحق به للداخل، فانحنى عدي يخلع حذائه ثم وضعه جانبًا في الاستناد الخاص بالاحذية، رفع عمر قدميه في محاولة لنزع حذائه فكاد بالسقوط على وجهه، أسرع إليه عدي وهو يغمز له بسخرية:
_إجمد يا دوك البرستيج هيبقى في ذمة الله.
وجذب أحد المقاعد البلاستيكة ثم أشار له:
_اقعد هتكرم وأساعدك.
رفض عمر بحرجٍ صريحٍ:
_لا أنا هعرف.. متقلقش.
وجلس على المقعد يخلع حذائه وما كاد بخلع الاخرى حتى وجد أخيه يخلعها عوضًا عنه، وربت على كتفه وهو يشير إليه:
_هيقيموا الصلاة!
لحق به على الفور، فوجده يبحث عن أبيه، ليسرع عدي بالوقوف على جانبي ياسين الحارحي الأيسر، بينما انضم عمر لجانبه الأيمن، وكأنهم يكملان جوانب حصنه القوي لتزداد قوته بعزوتهما!
............. يتبع إلى الخاتمة ما قبل الأخيرة.....
القراء الكرام، غدًا بإذن الله هكون موجودة في معرض القاهرة الدولي، مع مدينة الأدباء صالة١.. جناحA53لتوقيع أهم أعمالي #مزرعة_بني_يعقوب، هكون متواجدة من الساعة الحادية عشر مساءًا للخمسة المغرب، بانتظار تشريفكم الكريم، وهسبلكم اقتباسين من الرواية للي لسه مقراش منها شيء واللي مش هيقدر يحضر المعرض تقدروا تطلبوا الرواية أون لاين وهتوصلكم بوقت قصير بشهادة القراء، الطلب متاح لجوه مصر وخارج مصر على رقم 01019978066..
الاقتباس الأول ❤
دفن رأسه فوق يدها، ومازالت يده الأخرى مضمومة على يدها، أصابعه تندمس بين أصابعها، عينيه لا تفارقها، يراها وتراه، ليس يتوهم رؤيتها تلك المرةٍ، خنعت عينيه العاشقة لفيروزتها، فضربتها عاصفة من المشاعرٍ والعاطفةٍ، أَراقَت بدمعاته على خديه، وصوته الجذاب يجاهد ليصل لمسمعها:
_أنا مش بتوهم، أنا لمسك بين إيديا، أنا شايفك قدامي!
وانخفض برأسه مجددًا على يديها يبكي كصغيرًا، يمرمغ ذاته مقبلًا أصابعها برفقٍ، هامسًا بصوته الشَجِيَ:
_صبري منتهاش ولو للحظة، كنت صابر على فراقك وجوايا أمل إني هشوفك من تاني.
ورفع عينيه يشكو لها:
_محدش صدقني، قالوا إني مجنون، ميعرفوش إني مسحور وإنك ملكتي قلبي وروحي!
مزقت جلباب الصمت وأجلت أحبالها، أرادته أن يسمع صوتها المحتبس لسنواتٍ، فحذرته بريبةٍ:
_إمشي من هنا يا يعقوب، أرجوك إمشي المكان ده ملعون ووجودك فيه خطر كبير على حياتك.
منحها من بتلات العشق أنهارًا، وروحه تئن لوعة بين الوصل والهجر، يلتحف برداء غرامها ويرفض التخلي عنها بتلك اللحظة، فأردف من بين ابتسامته:
_هحارب العوالم كلها عشانك!
#مزرعة_بني_يعقوب... ❤❤
الاقتباس الثاني😍(ظهور البطل الثاني للرواية ❤)
ابتسامته تلك أعادت قلب يعقوب لمجراه بعدما كاد يضرم عن طبيعته، باتت تلك الذكرى حليفته، وأصبح ينصت جيدًا لحديثه حتى وإن لم يكن مهم، خُتمت الآن بدمعةٍ انسدلت على خديه، فأزاحها وهَمَ إليه يحركه مجددًا ويناديه دون استسلام:
_يزيد فوق أنا جنبك!
فتح عينيه ببطءٍ محاولًا التأقلم مع هذا الضوء الخافت، تهللت أسارير يعقوب، فعاونه على الجلوس، فصرخ مردد بتعبٍ:
_بالراحة عليا ضلوعي متكسرة.
واشرأب بعنقه يتفحص جسده باطمئنان، ثم عاد ليتمدد مجددًا، مال يعقوب برأسه فوق صدره يضمه، فأبعده يزيد مردفًا بآلمٍ:
_أنا كنت في معركة مع شبح بعضلات من شوية إظهرلي شوية تعاطف وإبعد عني!
ضحك رغم أن وجهه مازال يحتفظ بأثر الدموع، وقال بتوعدٍ:
_أنا نفسي أديك قلم على القلق اللي بتسببهولي ده.
واستقام بوقفته ليطرح سؤال مشكك لحالته:
_قادر تمشي عشان نكمل رحلتنا؟
رفع رأسه إليه، ليخبره باستياءٍ:
_أنت مش بس معندكش تعاطف لا معندكش دم!!
#مزرعة_بني_يعقوب
(العنوان بأكمله لغز وعليك عزيزي القارئ البحث عن مضمونه داخل المزرعة برفقة يعقوب ويزيد..)
من أكتر علاقات الصداقة اللي حبيتها في كتاباتي كلها علاقة يزيد ويعقوب حقيقي فخورة بكل حرف جوه الرواية وبالأخص ظهور شخصية يزيد بتفاصيلها الغامضة... متنسوش ان الرواية هتكون موجودة مع مدينة الأدباء للنشر والتوزيع صالة1.. جناحA53.. الرواية ب80ج... واللي مش هيقدر ينزل المعرض تقدر تطلب الرواية أون لاين على رقم 01019978066..
بحبكــــــــــــــم فــــــــــــي الله ♥❤
*****______________********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الخمسون 50 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_الثانية_عشر(#الأخيرة..)
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أسماء ربيع"،"روان الوكيل"،"أسماء فتحي علي"،
" انجي حسن السيد"،"روان مكي" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
لم يتبقى على العيد سوى يومًا واحد، اليوم هو المتمم للشهر المبارك وغدًا عيد الفطر المبارك، وبالرغم من سعادة استقبالهم للعيد الا أن الحزن كان يلتهم أوجوههم، بداخل قلب كل منهم رجاءًا وأملًا الا يغادر الشهر الفضيل أبدًا، لدرجة تجعل الفتيات تبكي في هذا اليوم، جلسوا جميعًا يتناولون أخر إفطار بآلية تامة، والحزن يتوغل علة الأوجه، الا من الأطفال المتحمسون للغد باستقبال العيد بلهفةٍ وحماس، كسر صوت يحيى الصمت القاتل بينهم فقال:
_كل سنة وأنتوا طيبين.
أجابوه معًا على صوتٍ واحد:
_وأنت طيب وبخير.
قال عز وهو يتفحص أوجه الشباب بتمعنٍ:
_ها يا رجالة خطتوا هتقضوا يومكم فين بكره؟
أجابه معتز بحماسٍ:
_لسه، بس تقريبًا هنخرج لملهى الألعاب زي كل سنة.
ترك رعد الملعقة عن يده، وصاح بصرامةٍ:
_الإلعاب للأولاد بس لو عرفت إنكم ركبتوها مش هيحصل كويس، ميبقاش الواحد أطول مني ويوصلني كلام إن فخر العيلة بيتمرجحوا!
تبادل الشباب نظراتهم المرتبكة لبعضهم البعض، وانتهت لحازم الذي فضح سرهم بالمرة الأخيرة، فتحرر لسان رائد عن الصمت حينما دافع عنهم قائلًا:
_على فكرة في ألعاب صعبة جدًا وتخص أصحاب القلوب الشجاعة مش الأطفال.
أجابه حازم بسخطٍ:
_حلل تفاهتكم بقى!
رددت رانيا ساخرة:
_عرفت ليه محدش فيهم بيرضى ياخدنا معاهم.
أجابتها شروق بحنكٍ:
_عشان يتهيفوا براحتهم ومن غير ازعاج.
عزمت نور على خطتها حينما قالت:
_طب على فكرة السنادي هنخرج وهنستمتع بالعيد بطريقتنا ومن غير رجالة ولا أولاد ولا قرف.
حمستها مليكة قائلة:
_براڤو يا نور ما إحنا مش هنقعد كل عيد في الييت وشنا لبعض.
بينما أضافت داليا:
_خططي وشوفي هنروح فين واحنا معاكي يا زعيمة.
ترك عمر طبقه وصاح بضيقٍ:
_زعيمة!! تاني يا نور تاني!
أجابته بعدم مبالاة وهي تلتقط قطعة من اللحم:
_الظروف اللي بتجبرني يا ابني، إنت مش شايف تجبر ولاد عمك وطغيانهم!
رد عليها أحمد بحزن مصطنع:
_متجمعيش يا نور، بمنتصف التربيزة بالظبط في ناس في حالها لا بتتشعبط في مراجيح ولا في جر شكلك.
حانت منها نظرة متفحصة لمنتصف الطاولة حيث يجلس أحمد وياسين وعدي، فهزت رأسها مرددة بخبث:
_بكره نشوف يابو ليان، وإحنا يعني هنكره نشوف حد محترم مكمل في احترامه!
ضحك ياسين بعدم تصديق، بينما اندفع جاسم يردد:
_واحنا يعني بلطجية العيلة، ما تشوف مراتك يا عمر!
صاح بضجر:
_نفسي أطلقها وأخلص والله يا ابني بس ما باليد حيلة عليها توصية من فوق أوي.
تمرد ياسين عن صمته حينما ردد بحزم:
_تربيزة الأكل مش ساحة قتال هي!
ابتلع الجميع ألسنتهم واستكملوا طعامهم بصمتٍ قاتل، حتى مزقته ملك وهي تنهض عن الطاولة تطرق على كأس عصيرها الفارغ بالملعقة:
_أكلتوا وخلصتوا أكل، من فضلكم مش عايزين نشوف هنا أي راجل، قهوتكم وشايكم هيجيلكم بره لحد عندكم.
تذمرت الوجوه كاعتيادهم كل عام البقاء لساعات طويلة بالداخل، فنهض آدهم ورعد ويحيى وعز للخارج بصمت ومن خلفهم الشباب بصحبة حمزة الذي يصيح بضيق:
_كل واقفة ترمونا برة بالساعات ما تنجزوا من الصبح ميحلاش الموضوع يعني الا بعد الفطار!!
أجابته شذا بمرح:
_هنعمل أيه واحنا صايمين مش بنقدر نركز.
منحها نظرة عابثة وهو يلحق بالشباب للخارج، حتى الصغار نسبوا أنفسهم لخانة الرجال ولحقوا بهم وبقى ياسين الجارحي يرتشف كوب قهوته بثباتٍ جعلهن يتهمسان بخوف، فأشارت لهن آية واقتربت من مقعده الرئيسي تردد على استحياء:
_هي ساعة واحدة بس يا ياسين.
خطف عسليته إليها، فتوددت إليه بهمسٍ مضحك:
_مش هتتنازل عشاني، صورتي هتتهز قدام البنات!
حمل كوبه وغادر للخارج بخطوات واثقة، فأغلقت الفتيات باب القصر الداخلي وأشارت يارا بحماس:
_يلا يا بنات ورانا شغل كتير.
فور نطفها بتلك الجملة حتى هرولت الفتيات للاعلى وهبطن بأدوات هائلة من التجميل والمسكات الطبيعية للاستعداد للتزين واختيار الفساتين .
*******
بالخارج.
استند ياسين على السور الخارجي وارتشف كوبه بثبات، فاقترب يحيى منه يحك أنفه ليخفي ضحكته الساخرة:
_ياسين الجارحي اتطرد زينا ولا أيه؟
عبث بعينيه بضيقٍ، وعاد يتطلع أمامه وهو يردد:
_بالنهاية أنا زوج ولازم أخضع لبعض الأوامر.
تعالت ضحكات يحيى بعدم تصديق، فسدد له الأخير نظرة قاتلة، جعلته يصيح بخوف:
_آسف.
بجوارهم.
جلس الشباب على الطاولة الضخمة المتوسطة للحديقة، يتأملون مكينة القهوة وبراد الشاي الموضوع من أمامهم بحيرة، فتبرع ياسين وقام بصنع أكواب القهوة، بينما وضع جاسم السكر وسكب الشاي الساخن مرددًا بسخرية:
_مدام طلعوا مكنة القهوة بره يبقى قدامهم لنص الليل!
صاح رائد بغضب:
_ما يتحبسوا في جناح واحد كلهم، لازم ياخدوا القصر كله ويرمونا بره كده.
ضحك أحمد وهو يجيبه:
_عايزين ياخدوا راحتهم عشان الشغل يبقى على نضافة.
حذره عمر ساخرًا:
_اجمد وعدي بدل ما مش هتلحق ليلة العيد.
مال مازن للطاولة بانهاك متفوهًا بضجر:
_أنا كان مالي ومال الليلة دي ما كنت مرتاح في بيتنا وقادر أمشيه صح، أخرتها اتطرد بمكنة القهوة بره!
ارتشف عدي قهوته بتلذذ وقال:
_متقولش مطرود عشان بيرستيجك نازل لبعد الأرض، سميها قاعدة خشنة مينفعش فيها حريم.
ضحك الشباب على حديثه، فكسر حاجزهم سؤال عمر:
_هو حازم فين؟؟!
******
انتهى حازم من جمع البللاستيشن، فحمل الحقيبة الضخمة واتجه بها للمصعد، فما أن توقف بالطابق السفلي حتى تخشب محله صدمة جعلت شفتيه تتهدل للأسف.
والدته تجلس على الأريكة باسترخاءٍ ولجوارها ملك ويارا ووجوههم ملطخة بمسك فحمي مخيف، ناهيك عن المنشفة التي تحيط بوجوههم، بينما أقدامهم موضوعة بوعاء بالماء الورد وتقوم شذا وداليا وشروق بفرك أرجلهم بشيءٍ غامض لم يتمكن من رؤيته جيدًا، بينما تقوم رحمة بكي شعر زوجته التي اختفت معالمها من فرط الادخنة الصاعدة من الاداة المستعملة، ولجوارها نور تحمل خيطًا طويلًا وتقوم بتنظيفات للبشرة لآسيل، ووضع على الأرض حوض للاستحمام بلاستيكي ضخم كانت تجلس به رانيا ومروج، ودينا التي تقوم برسم الحنة السوداء على ذراعها، حتى الصغيرات كانت تقوم رحمة بوضع طلاء الأظافر بحرافية لليان، وكأن اليوم عالمي للنظافة المرأة، ناهيك عن ادوات التجميل المحاطة على طاولة الطعام الضخمة، والحامل المعلق عليه فستانين كثيرة يصعب على عقله توقع عددها، ومن أمامها تحتار مليكة فيما ستختاره لوالدتها التي تقف لجوارها رافضة لكل فستان تخرج به، وهي تخبرها بأنه قصير، وفجأة استدارت الرؤؤس إليه وأعينهن تبرق بصدمة من وجوده، وإذ فجأة يعلو صريخ صاخب جعل الشباب بالخارج ينتفضون بفزعٍ وكلا منهم لا يجرأ على التقدم لمعرفة ما يحدث بالداخل، الجميع يقف أمام الباب الخارجي يحاولون معرفة ما يحدث بالداخل، وفجأة انفتح الباب ورُكل إليهم حازم ومن خلفه حقيبته، فسقط أسفل أقدامهم.
تربع بجلسته ومازال يتأمل الباب الموصود بصدمة، فاستدار للجانبين المحاط الشباب بهما ثم عاد يتطلع للباب بصدمة، هزه أحمد بغضب:
_أنت كنت بتعمل أيه جوه؟
الصمت حاله والصدمة لا تتركه، فنغزه عمر بضيق:
_ما تنطق يالا، أيه بلعت لسانك.
أبعدهما معتز ودنى منه يتساءل بفضول:
_شوفت أيه جوه بالظبط اشرحلنا.
رمش بعينيه ومازال يحاول استيعاب ما رأى والدته وزوجته به بالداخل، جذبه جاسم ليقف على قدميه وسأله بضجر:
_هنتحايل عليك عشان تنطق، ما تتكلم!
تساءل مازن باستغراب وهو يتفحص الحقيبة:
_وأيه اللي أنت خارج بيه ده أنت مهاجر!
فتح الحقيبة يتفحصها باهتمام، بينما لازم حازم الصمت فاقترب منه عدي وردد بسخرية:
_هما قطعوا لسانك ولا أيه؟!
******
لاحظ ياسين انسحاب حفيده من مجلس الأولاد، حتى اليوم لم يختار الجلوس لجواره على طاولة الطعام كعادته، فلحق به حتى وجده يجلس بالحديقة الخلفية بحزن يلمع على عينيه، فاقترب منه وردد بحنانٍ:
_ممكن أعرف حفيدي الغالي زعلان مني ليه؟
زوى حاجبيه بحركته المتوارثة عنه، ليمنحه نظرة حزينة من عسليته القاتمة، وأدلى بوجهه لجهة الاخرى، ضم ياسين شفتيه معًا وهو يردد بثبات مخيفٍ:
_محدش يقدر يتجاهل سؤال طرحه ياسين الجارحي، وغفراني ليك يدل على معزتك الكبيرة عندي!
تطلع إليه مجددًا، فتساءل تلك المرة بحنان ماكر:
_عدي نفسه يتدخل بينا هتديله الفرصة وتفرحه فينا!
أزاح الصغير دمعة كادت بالانفلات عنه وردد بضيقٍ واضح:
_من يوم ما دراع إنكل عمر انكسر وحضرتك مهتم بيه زيادة عن اللزوم حتى إنك نسيت خروجتنا بتاعت كل أسبوع، وخليته يقعد مكاني على الأكل وآ...
لم يكمل حديثه واكتفى بمراقبته بصمت وغيظ جعل ياسين يرمش بعدم تصديق، وقد استرد لمخيلته ما حدث بالاسبوع الأخير، فاقترب ليجلس جواره على الأريكة الخشبية، ثم قال بتمعنٍ وابتسامته لا تفارق وجهه:
_أنا مقدر حزنك ده، بس لازم تعرف إن عمر زي عدي بالظبط، يعني بالنهاية زي والدك.
وضمه إليه بحركة مباغتة، فمسد على ظهره بحنان ورأسه مسنود على ظهره وهو يردد:
_ياسين أنا عارف انك بتحبني ومتعلق بيا جدًا، وأنا كمان متعلقتش بحد من أولادي زي ما اتعلقت بيك بس مش عايزك تكون أناني، لازم تعرف إن لكل فرد من العيلة واجبات مفروضة عليه ولازم ينفذها.
ابتعد عنه الصغير يتأمله باهتمام، فاستكمل ياسين بنفس ابتسامته الهادئة:
_بمعنى إنك عليك واجبات لوالدتك واختك وكل اللي حواليك وأنا كذلك، لازم تكون عاقل وقادر توزن الأمور كويس، أنا مش عايزك تتصرف التصرفات الطفولية دي تاني أنت أعقل من كده، وجود والدك وعمك وأي فرد من العيلة جنبي مبيمحيش مكانتك ولا حبي ليك، وبكره تفهم كلامي ده كويس.
ابتسم وهو يراقب كل رد فعل يصدره، يحاول قدر الامكان التعلم من قدوته، ولم يبخس عليه ياسين شيئًا يحاول دائمًا منحه ما يراه يهتم به، يشعر بأنه سيكون على نفس وتيرته بيومٍ ما ويعاونه بكل ما يمتلك، مسح بيده على شعره الطويل وهو يستكمل:
_بعد امتحاناتك هتسافر كام يوم مع رحيم ومراد، عايزك تفهم كل اللي هيقولهولك كويس، وتتعود إن في كل اجازة ليك هتسافر معاهم.
وسأله باهتمام:
_مش أنت عايز تحقق حلمك وتكون ظابط.
صحح له الصغير بارادة وعزم:
_ظابط مخابرات.
ابتسم وهو يؤمي برأسه:
_ظابط مخابرات حقك عليا.
واسترسل بعزيمة تحمسه:
_بداية طريق حلمك إنك تسمع وتستوعب الدروس اللي هتاخدها منهم.
هز رأسه بتأكيد وتساءل بحيرة:
_طب ليه بابا اللي ميدنيش الدروس دي.
رد عليه بحذر بانتقاء كلماته:
_عدي له دور ومسؤوليات تجاهك بس لسه مجاش دوره، لازم تفهم إني بختارلك المناسب واللي هيقدر يساعدك توصل لحلمك والمناسب ليك حاليًا الجوكر والاسطورة.
وضم وجهه بيديه معًا وهو يخبره كلمات عميقة صعب للصغير مسها:
_الأب مهما كان قوي وشأنه عظيم ميقدرش يقسى على ابنه فمستحيل يقدر يساعد!
*****
مال أحمد برقبته على المقعد وزفر مرددًا بملل:
_هنفضل كده كتير؟
ابتسم عمر وشاكسه ساخرًا:
_ادعي ربنا ينفخ في صورتهم بدري بدري.
أضاف رائد ضاحكًا:
_المشكلة إن الكبار مشاركينهم في هبلهم ده، وكأن الواقفة دي اتعملت للنيولوك الجديد.
مال جاسم عليه يهمس له بضيق:
_أتمنى بس متصرعش بالنهاية، العيد اللي فات أختك صبغتلي شعرها بتنجاني وبتقنعني إنه حلو عليها وهي حرفيًا شبه البلياتشو.
تعالت ضحكاته الرجولية حتى أدمعت عينيه فتساءل مازن باستغراب:
_أيه اللي بيضحك للدرجادي!
لوى معتز فمه بتهكمٍ وأضاف:
_الضحكة دي مفهومة بالنسبالي، كان عندي نفس اللون العيد اللي فات وعملت ثورة لحد ما تم تغيره بفضل الله!
زفر عدي بملل، فمال ياسين إليه يردد:
_أنا عارف إنك مالكش في الجو ده يا سيادة المقدم بس معلش مضطر تتعود علينا دلوقتي ويوم تكريمك لاننا السنادي هنكون معاك كلنا بأمر من الباشا ياسين الجارحي.
اعتدل بمقعده وتساءل بجدية:
_بابا!
أكد له بهزة من رأسه وأضاف:
_مأكد علينا الصبح إنك بعد العيد هتتكرم وكلنا هنكون معاك
ارتسمت بسمة سعادة على وجه عدي، وقال:
_غريبة مقاليش.
ضحك قائلًا بمرحٍ:
_أنا قولتلك.
*******
بالداخل.
صاحت باصرارٍ:
_والله اللون تحفة عليكٍ يا مامي واسألي رحمة.
حانت منها نظرة لرحمة التي أكدت لها بإبماءة رأسها:
_والله جميل عليكِ ومصغر حضرتك جدًا.
ألقت على ذاتها نظرة متفحصة ثم قالت بخجل:
_بس اللون فاتح وأنا مش متعودة ألبس فواتح.
فرقعت مليكة أصابعها وهي تخبرها:
_وده المطلوب التغير.
وأضافت:
_صدقيني اللون ده هيعجب الباشا جدًا.
تركت ساحة المرآة وجلست جانبًا وهي تردد:
_أنا مكسوفة أظهر كده قدامه.
جذبت مليكة المقعد وقربته منها قائلة بانهاكٍ:
_الظاهر إن لسه في مهمة أصعب وهي اقناعها.
******
بالخارج.
طالت الساعات ومازال الجميع بالخارج، والشباب يتمددون على المقاعد، ولجوارهم أبناءهم الذكور، غفى يحيى برأسه على قدم ياسين، فمرر يده بين خصلاته وهو يردد بانزعاجٍ:
_طب كانوا سابوا الاولاد يطلعوا أوضهم!
أجابه عمر ساخرًا وهو يحاول تهدئة صغيره الرضيع:
_يعني هما خرجوا عدي أبو كام شهر على إعتبار إنه راجل ولا يجوز له البقاء وهسيبوا إبنك اللي في نظرهم محتاج الجواز!
ضحك وهو يشير له:
_ستات دماغها غريبة!
اقترب منهما أحمد وهمس وعينيه تجوب المنطقة المحظورة بجانبهم:
_ده حتى ياسين الجارحي خرجوه!
ضحك عمر وهو يردد:
_هموت وأعرف عملوها ازاي!
****
على جانب منهم، زفر يحيى بغضب:
_وبعدين بقا يا ياسين هنفضل كده كتير، بقالنا أربع ساعات قاعدين القعدة دي، يطلعونا ننام أحنا مش صغريين على البهدالة بتاعت كل سنة دي!
استدار برأسه إليه ثم قال ببسمة هادئة غير منزعجة:
_إصبر كام ساعة وبعدها تنول المراد.
سدد نظراته القاتمة إليه، وبشكٍ قال:
_مالك النهاردة يا ياسين، هادي كده ومش متعصب ولا حازم مع الجماعة اللي اتمادوا دول كعادتك.
ربع يديه خلف رأسه وهامت عينيه بالسماء مرددًا بصوته الرخيم:
_حرام أتحرر من الوش اللي لابسه ده وأحتفل بالعيد زي أي إنسان طبيعي.
تعالت ضحكاته وقال بصعوبة بالحديث:
_هو فين الاحتفال ده، حبيبي احنا مطرودين بره في الهواء الطلق!
غمز بعسليته بمشاكسة:
_هتحلو دلوقتي.
فُتح الباب على مصرعيه فعلم الجميع بانتهاء فترة الحجر المفروض، وهموا جميعًا للداخل فتوجهوا بالاولاد للاعلى أولًا وتوجه كلا منهم لجناحه الخاص.
*******
بالجناح المخصص لياسين الجارحي.
ولج للداخل يبحث عنها، فتفاجئ بها تقف خلف الستار المخصص للشرفة، راقبها بنظرةٍ ماكرة وبسمته ينجح باخفائها، فوضع يده بجيب بنطاله القماشي وتساءل بخشونة:
_واقفة عندك بتعملي أيه؟
منحته بسمة مرتبكة وهي تجيبه:
_مش أنا مليكة اللي صممت ألبس الفستان ده، وشكله مش لطيف عليا.
مجددًا يكبت ضحكاته، ومع ذلك لم يخسر ثباته الذي يخبرها:
_إخرجي يا آية وسيبك من لعب العيال ده.
ابتلعت ريقها بإرتباكٍ، وبتوترٍ حررت الستار عن يدها وظهرت من أمامه، تفحصتها نظراته التي شملتها من الأعلى للأسفل، ضربت رغباته في مقتل وهو يراها متألقة بفستان من اللون القرمزي الفاتح، تاركة لشعرها العنان، وجهها مزين بالقليل من المستحضرات، كانت فاتنة، تحاول الاستيلاء على قلبٍ ملكٍ لها من البداية.
صمته المطول زاد من قلقها، أرادت أن تستمع لتعليقه عما أجبرته بارتدائه، وجدته يقترب منها فأغلقت عينيها بقوةٍ وقلبها يزيد من دقاته، وقف قبالتها يتمعن بها عن قرب، ومن ثم قال ببسمة هادئة:
_متعارضيش مليكة تاني وإلبسي أي شيء تختاره ليكِ!
تطلعت إليه بحماسٍ تشكل بسؤالها:
_بجد حلو.
رفع يده يضم وجهها وإبهامه يمر على شفتيها ببطءٍ قاتل، وهمس صوته المغري يصل لها:
_إنتِ تحلي أي شيء تلبسيه!
ودنا منها وعينيه العاشقة لا ترى سواها، تلك الفتاة التي أضرمت النيران بقصره العاصي، لتفيضه بنورٍ متأجج طال قلبه أولًا ومن ثم تسلل لمن حوله!
******
أول شيء بحث عنه كان غطاءٍ سميكٍ يحمي جسده من البرودة التي أثلجته بالخارج، تمدد يحيى على الفراش وداثر ذاته بالاغطية جيدًا وهو يهمس بضيق:
_لو حبسونا في غرفنا مش كان أحسن من البرد ده!
أتاه سؤالًا مستنكر لما يفعله الآن بتلك اللحظة:
_يحيى أنت هتنام؟
أجابها من أسفل الاغطية:
_مش حابب أجاوبك على سؤالك في الوقت الحالي، سبيني فرصة أخد وأدي مع نفسي كده وبعدين أجاوبك.
أزاحت ملك عنه الغطاء بغيظٍ:
_أنا بقالي أربع ساعات بعمل التسريحة دي عشان تعجبك.
ردد بضقٍ:
_مكنتيش محتاجة لشيء أنا شايفك جميلة من غير حاجة، فمكنش في داعي للتزنيبة دي وآ..
بترت كلماته حينما رآها تقف أمامه بجاذبية فتاة تبلغ الثمانية عشر من عمرها، كان من الصعب أن يحيل عينيه عنها، حتى حينما جلست لجواره والتقطت الغطاء وهي تردد بحرج:
_بصراحه أنا كمان بردانه بس هعمل أيه مليكة اللي صممت تلبسني الفستان القصير ده!
خرجت الكلمات على لسانه بصعوبة فقال:
_ملك انتي صغيرتي كده ازاي!
منحته نظرة قاتلة قبل أن تهاجمه:
_قصدك أيه أنت كنت شايفني ازاي قبل كده؟
رمش بتوتر وهو يعدل من كلماته:
_لا مقصدش بس أنتِ خدتيني لعمرك العشريني بجمالك ده.
ابتسمت على استحياء وسألته:
_يعني أستاهل الأربع ساعات!
لعق شفتيه بارتباك وهو يدنو منها:
_تستاهل عشرة يا باشا.
واستطرد بمكر:
_حالا هشكر مليكة إنها صممت تعمل فيكي كده!
******
نجح أخيرًا بنقل ابنه لغرفته الخاصة، واتجه لجناحه، فوصلته مكالمة والده الذي يعبر عن امتنانه لزوجته، وذكر له بأنه كان يود أن يبلغها بنفسه ولكن هاتفها مغلق، الأمر ذاته الذي أخبره به ياسين الجارحي منذ قليل، لوهلةٍ شعر وكأن زوجته مصممة أزياء عالمية وبدأت للتو لاستقبال جماهيرها العريقة وليس أي جمهور، عمالقة آل الجارحي بأنفسهم، اتجه ياسين لجناحه متلهفًا للقاء زوجته المشهورة، فوجدها تجلس على الأريكة بهدوء لا يتناسب مع عملها الحديث، برق بعينيه بصدمة لما ترتديه وصاح متجهمًا وعينيه تجوبها من أعلاها:
_بقى ياسين الجارحي وبابا يشكروني بنفسهم على ذوق في اختيار اللبس وفي الأخر لابسالي ملحفة!
كبتت ضحكاتها بصعوبة وتصنعت عدم مبالاتها بما يقال:
_بجد بابا وأنكل يحيى كلموك!
اقترب ياسين منها وجذب طرف الاسدال وهو يتساءل مجددًا بخيبة أمل:
_أيه ده فهميني!
جذبت الاسدال عنه وإتجهت للاريكة مجددًا وهي تخبره:
_أيه يا ياسين النهاردة أخر يوم في رمضان اتقي الله يا أخي.
زوى حاجبيه بسخطٍ وجلس جوارها وهو يحاول التحكم في ذاته، فرسم بسمة واسعة وهو يردد:
_كل سنة وأنتي طيبة، العيد بكره!
هزت رأسها بفرحة وهي تؤكد له:
_آه ما أنا عارفة إن العيد بكره.
ضرب كف بكف وهو يصيح:
_العيد بكره يا مليكة مش هنحتفل احنا كمان؟!
تابعته بصمتٍ، فقال بتذمر:
_يعني حنيتي على والدي وعمي وأنا أيه وضعي معاكي؟
فركت أصابعها بارتباكٍ لحق نبرتها:
_اديني وقتي لو سمحت.
ضيق عينيه بعدم فهم:
_وقت أيه!
وجدها تنزع عنها اسدالها ليتفاجئ بما ترتديه، فستان قصير من اللون الأحمر، وحذاء يلتف حول ساقها، شعرها مفرود من حولها بمظهر سلب قلبه وجعله لا يستطيع رؤبة شيء سوى عينيها، وتلك البسمة التي سيطرت على عواطفه الكامنه، همست مليكة إليه بخجل:
_كنت تحت فأكيد مش هنزل كده، ويدوب لسه داخله لقيتك ورايا.
وبمرحٍ قالت:_ أنا قلبي ميقساش عليك يابو يحيى.
ابتسم ياسين ودنى منها يردد أمام اغرائها:
_قلبك قسى لما بعدك عني المسافة دي.
وأشار لها بمكرٍ:
_حني وقربي!
اقتربت إليه، وانطوت بين أحضانه، فضمها إليه بعشقٍ سحبها بعالمهما الذي لم تتخلى عنه عاطفتهما المتبادلة، خاصة بهذا اليوم.
*****
بجناح عمر.
أزاح رابطة يده الملتفة حول عنقه ليريح يده قليلًا، وإتجه لخزانته فجذب البنطال وارتداه بصعوبة، ومن ثم ارتدى قميص البنطال المنزل وحاول باستماتة قفل أزازه، وفجأة وجد يدها تعاونه على ففل الأزرر، ابتسم وهو يتأملها من هذا القرب الخطير لمشاعره، وما كادت بغلق نصف الأزرر حتى أوقفها، فأحاط يدها بيده، ورفعها عاليًا ليجبرها على أن تلف بفستانها الطويل، مطلقًا صفيرًا إعجابًا:
_أيه الجمال ده كله.
ايتسمت نور وتساءلت بخجل:
_بجد، عجبك الفستان.
لفها بذراعه حتى ارتطمت بصدره وهمس لها:
_ده يعجب الباشا يا باشا.
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا حينما تذكرت أمرًا، وصرحت به على الفور:
_عندك فين عديتي؟
انكمشت تعابيره بغضب:
_ده وقته يا نور، الصبح يا حبيبتي هديكي العدية!
أشارت بالنفي وباصرار قالت:
_إن كنتوا اخوات اتحاسبوا يا حبيبي، عديتي من فضلك.
ردد ساخرًا:
_إخوات!
ومال لجاكيته المعلق ومن ثم جذب مبلغًا من المال، قدمه لها عمر وأغلق باقي أزراره ثم اتجه للفراش ليغفو بهدوءٍ غريب، لحقت به وهي تتساءل باستغراب:
_هتعمل أيه؟!
رد عليها بسخرية:
_مش بتقولي اخوات يبقى أنام أحسن.
ألقت المال إليه ورددت بغضب:
_لا الكلمة دي مش مقصرة معاك أكتر من المبلغ اللي ادتهوني، أنا عارفاك مكار، خد فلوسك والصبح هعرف أخدها منك وبطريقتي.
نهض عن الفراش وانحنى يلتقط المال، ثم قدمه لها وهو يخبرها بجدية ابتسامته الساحرة:
_العيد ميحلاش غير لما تكوني أول واحدة واخده عديتها يا نور.
واستطرد برجاء:
_بلاش طريقتك دي لانها مش بتضرني لوحدي، خليكي عاقلة كده زي ما كنتي طول الشهر وسيبي الشباب في حالهم.
التقطت منه المال وهي تخبره بخبث:
_هفكر.
ردد بتريثٍ وهو يضمها اليه:
_مش مرتحلك!
ابتسمت وهي تخبره بمكر:
_هضطر أعاملهم كويس لإني محتاجة لمساعدتهم، انت ناسي إن لسه كام يوم على عيد ميلادك.
تلاشت ذاكرته للعام الماضي وبالأخص ليوم عيد ميلاده السابق
##
ولج لمكتبه بخطوات سريعة قد تكون أشبه للركض، إلتقطت السكرتيرة الحقيبة من يديه، فبدأ بفك زر جاكيته، ليستعد لأرتداء البلطو الطبي فور دخوله، إستعداداً لدخول العمليات بعد أن تم إستدعائه لحالة طارئه فأتى على وجه السرعة، ولج لمكتبه ليجد الظلام يعبئ المكان، كاد بتشغيل الأضاءة ولكنه تفاجئ بمن تضيء الشموع بالغرفة، ليظهر وجهها على ضي أحد الشموع، نور قلبه التي إستحوذت عليه منذ النظرة الأولى، أغلق "عمر" باب مكتبه ثم إقترب ليقف أمامها بذهول وقد بدأ بأستيعاب ما يحدث حوله، حملت قالب الكعك وإقتربت منه ببسمة مشاكسة، لتتغندج بوقفتها بدلال مردة «كل سنة وأنت طيب»
رسمت البسمة على وجهه وهي تدور حوله بسعادة وفرحة تكاد تقفز من عينيها، مدت يديها أمام لتشير له ببسمة هادئة:
_طفي الشمعة...
حمل منها القالب ليضعه على مكتبه، ثم قربها منه ليحاوطها بين ذراعيه مردداً بسخرية:
_يعني كان لازم تدبي معايا شكلة الصبح عشان أصدق إنها مفاجأة؟
إبتسمت بخجل لقربه منها فمازال الحياء يتمكن من قلب المرأة حتى وإن عاشت دهراً كاملاً مع الرجل:
_عشان الخطة تنجح، وبعدين المكان هنا حلو بعيد عن دوشة القصر..
إقترب منها بخبث ليردد بمكر ونظراته تهلل بالخطر لها:
_والله؟
تراجعت للخلف لتدفعه بخفة قائلة بأرتباك:
_مش هنطفي الشمع ولا أيه؟
ضيق عينيه بتفكير:
_على حسب، فين هديتي؟
عدلت من فستانها بغرور:
_لا مش هنا هديتك بالبيت
إقترب منها بمكر وهو يغمز لها بنظرات تعرفها جيداً:
_وأنا مش هطفي الشمع من غير ما أخد هدية..
تراجعت للخلف بتعثر وهي تجيبه بضيق:
_مجبتش هدايا معايا قولتلك حضرتها بالبيت..
كادت بأن تتعثر بفستانها الطويل فوجدت ذراعيه تطوف بجسدها، تلاقت نظراتهم لقليل من الوقت قطع بفتح الباب على مصراعيه ليطل من خلفه شباب الجارحي بأكملهم، فمرر "جاسم" قالب الجاتو الذي يحمله قائلاّ بنبرة رجولية مناسبة:
_كل سنة وأنت طيب يا شبح..
توقفوا جميعاً ليتطلعوا إليهم بصدمة لتحل وابل الأسئلة والمرح فيما يينهما ليعلو صوت "حازم" بسؤالا يطوف على جميع العقول:
_أنتوا بتعملوا أيه؟!
أجابه عمر بغضب:
_خليك في نفسك، ثم انك جاي هنا تعمل أيه؟
ضحك وهو يخطف قالب الجاتو ويهرول للخارج:
_جاي أكل تورته.
وما زاد من صدمة عمر بأن الشباب بأكملهم ركضوا جميعًا خلف حازم بأرجاء المشفى التي زفت خبره الساخر على الألسنة «الطبيب الذي أتى بعائلته للمشفى للاحتفال بعيد ميلاده فسرق أحد أفراد العائلة قالب الكعك وهرول بالمشفى يلتهمها»
عاد من مجلد ذاكرته يشير لها بتحذير:
_مش عايز أعياد ميلاد تاني في حياتي كلها يا نور!
*****
فرك عينيه مرتين وهو يحاول التأكد مما يراه، فردد بتشتتٍ:
_أنا أكيد بهلوس مش معقول.
ابتسمت من تراقبه وبقيت محلها جوار الطاولة المزينة بالورود والشموع الحمراء، تراقبه على استحياء، دنى منها أحمد حتى بات قبالتها، يخطف نظرة للطاولة وقال بعدم تصديق:
_ورد وشمع!
ونقل بصره إليها وهو يستطرد:
_وصاحية لحد دلوقتي، لأ في حاجه غلط!
ابتسمت إليه وقد أشرقت الحياة ببسمتها الرقيقة، معشوقة طفولته وصديقته الوحيدة، من كان لها زوجًا وحبيبًا وصديقًا، لم يقصر يومًا بواجباته تجاهها ومازال نفسه الحبيب الذي لم يكسره واجبات الزوجية وتعاسة ما يواجه بعدها، اقتربت منه ويدها تطوف رقبته بدلالٍ وجدته معه والآن يشاركها به، ضمها إليه فهمست آسيل بخجل:
_بحبك.
لف ذراعه حول خصرها ليضمها كُلها إليه، وأنفاسه تكاد تحرق آذنيها:
_أنا بعشقك!
*****
زفر بمللٍ وهو يجوب غرفته ذهابًا وإيابًا، يتفحص ساعته وهو يصفق كفًا بالأخر، فاندفع لباب الحمام يطرقه بقوةٍ وهو يصيح:
_بقالك ساعة حابسة نفسك جوه، انتِ كويسة طيب!
أتاه ردها المرتبك:
_أنا كويسة صدقني بس مش طالعه غير لما تنام.
مرر معتز يده على وجهه بعصبية جعلته على وشك تحطيم هذا العائق، فصاح بغضب:
_طب افهم طيب ليه؟!
واستطرد بغضب وهو يزيد من طرقه:
_شروق افتحي الباب ده وحالًا.
خشيت أن تزداد الأمور سوءًا بينهما، ففتحت الباب وطلت برأسها من خلفه مرددة برجاء:
_طيب ممكن تجبلي الروب من عندك.
ربع يده أمام صدره وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_لأ..
لم تستلم أمام مطالبها، فعادت تخبره:
_طب غمض عينك.
أدمى شفتيه السفلية وقال:
_اطلعي بدل ما أنا اللي هخرجك وبطريقتي!
فتحت الباب وأجبرت ذاتها على الخروج، لتقف أمامه بخجلٍ، فر الغضب عن معالمه فور رؤيتها، فلف من حولها وهو يحاول استيعاب بأنها ذاتها زوجته، لأول مرة يراها بهذا الفستان الجريء، وينتبه لخسارتها وزنها بالايام الماضية، أهلكته للتو بجاذبيتها التي تحاول إخفاءها عن عينيه، فقالت بارتباكٍ:
_اشتريته من فترة بس آآ... عنته للعيد يعني وآ... معرفش حاسة انه ضايق.
وهرعت للخزانة وهي تردد:
_هروح أغيره حالًا.
سد طريقها، وببسمة عريضة قال:
_تغيري أيه ده انتي أخيرًا ابتديتي تفهميني!
تراجعت للخلف بارتباك وهي تردد:
_عيب يا معتز.
نزع عنه جاكيته وهو يشير ساخرًا:
_هو انتي ليه تصرفاتك غريبة جدًا النهاردة، ده أنا جوزك بقالي عمر مش لسه ضاربين ورقة عرفي امبارح!
لكمته بقوة:
_ألفاظك!!
مال إليها وبمكر همس:
_أغيرها عشان عيونك يا جميل.
ارتبكت أمام نظراته فكادت بالسقوط على الفراش، ساندتها يده وأحاطتها بقوة، وسبقها بقوله الخبيث:
_حاسب يا وحش.
بتذمرٍ قالت:
_مش هقع في البحر أنا!
نزع يده بسخطٍ:
_حقك عليا.
صرخت حينما سقطت على الفراش، فلحق بها حتى تمدد جوارها، اعتدلت إليه ورددت بانفعال:
_هان عليك تسبني!
نزع عنه قميصه قائلًا بمكر:
_ما أنا رميت نفسي وراكي!
واقترب منها فتراجعت للخلف وهي تشير له بالتوقف:
_انت رايح فين؟
ضحك وهو يقربها إليه:
_ده سؤال بذمتك!!
*******
تردد جاسم في الدخول إليها، فظل أمام باب الجناح لوقتٍ لا بأس به، وحينما استدار انتفض حينما وجد أبيه قبالة عينيه، فتساءل باستغراب:
_واقف كده ليه؟
ابتلع ريقه بهدوءٍ وهو يخبره:
_مفيش بفكر أدخل ولا أخلع لأي جناح.
ردد أدهم بدهشة:
_تخلع ليه! هو انتوا اتشاكلتوا تاني؟!!
_عاشر يا حاج تقصد عاشر.
زفر أدهم بسخطٍ من ابنه الذي لا يكف عن مشاكساته التي لن تتخلى عنه مطلقًا، فردد بهدوء متوازن:
_يا ابني ارحمني بقا الله يكرمك، داليا جدعة وبتحبك بس أنت إسلوبك اللي دبش.
أشار لذاته بتأثرٍ:
_أنا دبش!!
أومأ برأسه بتأكيدٍ، وأضاف:
_اتعلم مني أنا وأمك، أو من أحمد وأختك بلاش أحمد بص لأي شاب من شباب الجارحي المحترمين المهم تتعلم العقلانية والتعامل الراقي مع مراتك.
وحينما وجده ينصت له جيدًا، قال:
_انزل اشتريلها ورد، هاتلها بوكس فيه هدية شيك بمناسبة العيد، اتحرك كده أنا اللي هعلمك!
_بقى أنا بقالي ساعتين قاعدة أستناك وانت واقف تدي محاضرات لابنك!!
صرخت غاضبة فيه بكل طاقتها، جعلته ينتفض للخلف محتضنًا ابنه الذي همس إليه:
_كان بودي أقولك شوشو وراك بس مجتش الفرصة!
انتبه لذاته فابتعد عنه وهو يعدل من جرفات بذلته بثبات مخادع، وقال:
_متأخرتش يا شذا أنا لسه راجع من برة حالا.
رمقته بنظرة محتقنة وصاحت:
_بدل ما أنت بتدي نصايح لابنك المتهور اللي مفيش منه رجا كنت علم نفسك يا حبيبي ما أنت راجعلي ايد ورا وإيد قدام!
حك جبهته بحرج، فناوله جاسم زهرة موضوعة بالڤازة المجاورة له وهو يخبره بصوت منخفض:
_طلعت إنت اللي محتاج مساعدة يا والدي، رضيها بيها ومتقلقش عليا!
التقط منه الزهرة ثم دنى منها وهو يردد ببسمة واسعة:
_لأحلى وردة في الدنيا كلها.
التقطتها ببسمة رقيقة وخاصة حينما مال عليها يمدح بجمالها الرقيق وتميز طالتها، فغادرت برفقته لجناحهما، فما أن غادروا حتى ردد جاسم بسخرية:
_حتى ماما طلعت بتتثبت!!
واسترسل بضيق وهو يتأمل الباب الموصود:
_خايف أدخل أتفاجئ بلون صبغة تعكنن يومي.
ومرر مقبض الباب وهو يهمس:
_يا رب ميكنش أخضريكا.
بحث عنها وهو يتمنى أن لا يرأها، فبرق بحدقتيه حينما لمحها تجلس على الفراش، اطمئن قلبه فور رؤية شعرها مازال أسود اللون كطيبعته، فابتهجت ابتسامته وصاح:
_يا ما أنت كريم يا رب.
وما أن دنى منها حتى تبلدت بسمته فور أن جذبت شعرها لكتفيها، فردد بصدمة:
_أيه ده انتي قصيتي شعرك!!
ابتسمت بسعادة وكأنه يمدحها:
_حلو مش كده.
كز على أسنانه بغيظ:
_هو انتي يا تصبغي يا تقصي مفيش حل وسط!
توسطت يدها خصرها وصاحت بنفور:
_أنت مش بيعجبك حاجة أبدًا، أعمل أيه تاني عشان أعجبك!
خشي أن تنتزع ليلته وحينها سيسخر منه أبيه، فأسرع يتمدد جوارها وهو يصحح كلماته:
_مين قال إنه وحش انتي زي فلقة القمر يا دودو.
أشرقت ابتسامتها مجددًا:
_بجد.
هز رأسه بتأكيد، ففركت أصابعها بخجل وهي تحاول القاء قنبلتها القادمة، والاخر يتقرب إليها بشوقٍ، فهمس برغبةٍ:
_وحشتيني أوي.
ابعدته وهي تخبره:
_في حاجة لسه حابة أقولك عليها.
ردد بهيام بعينيها:
_لسه في مصيبة تانية غير شعرك!
أكدت بإيماءة رأسها، فكور يده وهو يحدث ذاته:
_اهدى خالص واسمعها بقلبك مش بعقلك.
وأشار لها بالحديث فقالت:
_ألف مبروك عليك أنا حامل.
رمش بعينيه ببعض الصدمة، وردد:
_هو فعلا مبروك عليا!
ولطم ساقه بغيظ كاد باسقاط أسنانه،فتراجعت بجسدها للخلف وهي تتساءل بخوف:
_انت كويس يا جاسم؟
رسم بسمة حقن بها غيظه المحترق وقال:
_كويس.. كويس جدًا.
وتحررت ابتسامة اخرى وهو يجذبها اليه مرددًا باصبعيه:
_بصي مهما حاولتي تنزعي عليا ليلة العيد مش هعدهالك، هنحتفل وهنحب في بعض وبكره نتخانق مهو بصي هتتثبتي يعني هتتثبتي الحاج آدهم أبو وردة سلف مش أحسن مني!!
******
_شيلي البتاع ده عن عيوني هتعمي كده!
ضحكت وهي تراقبه يحاول إزاحة القماش عن عينيه، فابعدته رانيا عن عينيه وهي تشير له بتتابعها للداخل، لحق بها رائد فتفاجئ بصندوق أسود موضوع على الفراش ومن حوله ورقات من الأشجار الرقيقة، فتح هديتها فوجد احدى زجاجات العطر التي كان يستخدمها سابقًا، استدار لها وهو يتساءل باستغراب:
_اشمعنا ده؟!
رفعت كتفيها بدلال:
_بحبه عليك.
فتح العلبة ونثر منها على قميصه، ثم قربها إليه وهو يردد أمام وجهها:
_مش هحط غيرها بعد كده.
لفت ذراعيها حول رقبته، ويدها تعبث بالريموت الصغير، فتحرر لمسمعه صوت موسيقى هادئة، تحركت برفقته بخفةٍ ورأسها موضوع على كتفيه، فضمها إليه بحنانٍ وترقب لانتظار اللحظة التي تدعوه بها لعالمهما السري.
******
_مش حاسس بتغير يعني، شكلك زي مهو!
قالها بعدما سئم من سؤالها المتكرر عن رأيه بما فعلته بذاتها، فحطم حازم سقف أمنياتها حينما قال ذلك، فجلست على الفراش بحزنٍ ولحق بها وهو يخبرها بمشاكسة:
_فكري وركزي شوية، أنتي مش شايفة البنات بقوا عاملين ازاي.
عبست بعينيها بصدمة من حديثه وصاحت:
_قصدك أيه يعني؟
أخبرها بضحكة خبيثة:
_سبيلي نفسك وأنا هخرجك مزة.. بعدها مش هتعرفي نفسك تاني وبعد كده هتتحايلي عليا إني أتمملك على الأوت فيت بتاعك.
أسرعت إليه بحماس:
_بجد يا حازم.
أشار لها وهو يتجه للخزانة:
_جد الجد يا روحي، بينا اختارلك فستان منحرف أقصد محترم.
وولج للداخل حاملًا عصا رفيعه، فدار على الخزانة الطويلة، مشيرًا على مجموعة متتالية قائلًا:
_قيسي ده وده وده.. وتعالي بره أقولك رأيي.
وخرج ينتظرها على مقعده حاملًا طبق من التسالي وعينيه تراقب الخزانة حتى خرجت إليه بفستان وردي اللون كان يبرز جمال عينيها، ولكنه لم يصل لغايته فأشار لها:
_لأ... شوفي التاني أحسن.
عادت للداخل ثم عادت مجددًا ترتدي فستانًا أخر، فأشار بعصاه بأن تعود للداخل مجددًا، ظلت هكذا حتى انتهت من أكثر من خمسة عشر فستانًا، فخرجت بالسادس عشر تستند على الحوائط وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، فسقطت أرضًا وهي تحاول الاستقامة بقامتها كعارضات الازياء المشاهير، فقال قبل أن يلمحها:
_لسه مجاش اللي في بالي جربي غيره وياريت يكون قصير، أنتي داخلة على لائحة الطوويل مفيش واحد منحرف عندك جوه، ده حتى رمضان خلص وكل سنة وانتي طيبة!
تلونت حدقتيها بالاحمر القاتم، فجذبت العصا عن يده وانهالت عليه وهي تصرخ بغضب:
_تكونش صدقت نفسك يا انسان يا عديم الضمير والمبادئ، ثم اني ازاي اسمع كلام واحد متحرش وعينه زيغة زيك.
نهض عن المقعد وهو يحتضن ذراعه بألمٍ:
_عيب يا ولية حد يسمعك يقولوا عليا أيه، هو الواحد حيلته أيه غير سمعته اللي زي البفتة البيضة.
أشارت لذاتها باستنكارٍ:
_ولية! ده تمامك بعد كل اللي قسته قدامك ده وعمالة أصبر نفسي وأقول سبيه يمكن يحس بالاتنين كيلو اللي خستهم لما يشوف فرق الشكل من فستان للتاني وأنت معندكش دم.
ردد ساخرًا:
_ليه بتقسي وتقلعي في المقطم، ده الفرق بين الخزنة والصالة فردة رجل!
طالته العصا فاجتازت كتفه، والاخرى تصيح به:
_ده أنا هخلي يومك أسود من الخروب.
ركض للخارج وهو يصيح بها:
_عيب يا نسرين اعقلي، احنا في ليلة مفترجة.
ركضت خلفه فتعركلت قدميها بطرف فستانها الطويل، فسقطت أرضًا ومع ذلك لم تتركه، حملت طرفه وركضت خلفه مجددًا، فخرج للتراس فقال وهو يلتقط أنفاسه:
_أعتذرلك طيب ونحل الأمور؟
تحملت على ذاتها وهي تركض بتعبٍ من خلفه:
_مش هسيبك يا حازم، رقبتك تمن الليلة دي يا منحرف!!
طالته عصا أخرى، فهرول مسرعًا لابواب الاجنحة الخلفية، فاختار الباب الزجاجي المخصص لجناح والده، فتح الباب وهرع للداخل فسقط على الفراش، فوق حمزة الذي يستعد لنزع قميصه، فصعق حينما وجد وزنًا يفوق طاقته فردد بصعوبة بالحديث:
_انتي تخنتي كده ليه يا تالي!
رفع عنه الغطاء فصعق حينما وجد حازم يقابله والاخر يحيه:
_مساء الزبيب يا ميزو.
لف الغطاء حول جسده وكأنه يراه متعري، ليصيح بانفعال:
_أنت دخلت هنا ازاي يا حيوان!
أجابه وهو يرفع الغطاء عنه ليتمدد جواره ومن فوقه الغطاء ليتخفى عن أعين زوجته التي مازالت تبحث عنه بالخارج:
_من الباب هدخلك منين يعني.
دفعه حمزة بصدمة:
_اطلع بره أنت ازاي تيجي في وقت زي ده!
كلما حاول حمزة رفع الغطاء ليبعده، تمسك حازم بالغطاء وهو يترجاه:
_اهدى وداريني هنا نسرين هتموتني.
جحظت عينيه صدمة حينما لمح من تقتحم الغرفة، فتخفى جوار حازم وهو يحاول اغلاق ازرار قميصه مرددًا بذعر:
_عملت أيه يالا، الله يخرب بيتك يا شيخ زي ما أنت هتخرب بيتي في ليلة العيد!
وجذب الغطاء يداثر ذاته به، وحازم يجذبه ليخفي ذاته، فردد حمزة بغيظ:
_استر أبوك يا حيوان!!
أجابه حازم وهو يتخفى أسفل الغطاء:
_الصحة أهم من الستر!
تفحصت نسرين الغرفة وهي تصرخ بعصبية بالغة:
_اطلع يا حازم هتستخبى فين يعني، هي خلاص كبرت في دماغي وهقتلك يعني هقتلك.
همس حمزة لحازم من أسفل الفراش:
_اخرج وخلي عندك ذوق هتقتل معاك!
همس له:
_هتتخلى عني عشان عصايا!
تساءل بخوف:
_هي معاها عصايا!!.
صحح مفهومه الخطئ:
_شومة يا حاج!
هز رأسه بأعين مذعورة، فرفع ساقه ودفعه خارج الفراش وهو يصيح به:
_حل مشاكلك برة أوضتي يا حيوان.
صرخت نسرين بصدمة حينما وجدت حمزة قبالتها يحاول اغلاق أزرر قميصه، فالتقطت عينيها حازم الذي يهرول للخارج فاتبعته مرددة بصراخ:
_تعالى يا جبان يا عديم المنفعة.
وما كادت بالخروج حتى تراجعت لتردد بحرج:
_لامواخذة يا عمي.
أشار بيده من أسفل الغطاء:
_خدي راحتك ياسو بس براحة على الواد يخليلك عيالك مفيش مستشفى فاتحة النهاردة، احنا مش حمل بهدالة يا بنتي.
أشارت بالعصا وهي تهرول خلفه:
_متقلقش.
فتحت تالين باب الحمام وخرجت تتساءل بصدمة:
_ده صوت نسرين صح!!
********
ركضت خلفه للأسفل فوجدته يجلس على الاريكة بانهاكٍ، جلست جواره وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، التقط حازم زجاجة المياه وقدمها لها فارتشفتها باكملها ومازالت تلتقط أنفاسها، منحته بسمة رقيقة وهي تردد:
_شكرًا.
اعادها للطاولة وهو يجيبها:
_العفو يا حبيبتي، أجبلك ميه من المطبخ تانية؟
هزت رأسها بالنفي ومالت على كتفه بتعبٍ، ثم قالت:
_لو تطلعني الاوضة تبقى مشكور معتش قادرة أتحرك، بيني عجزت يا حازم.
ردد بسخط:
_كل الجري ده وعجزتي!
_بتقول حاجة؟
_أبدًا، بقولك عيوني يا قلبي.
واكمل بينما ينحني ويحملها بتعب:
_بس الحكاية كده انتهت كفايا الجري والشيل، أشوفك العيد الجاي إن كان لينا عمر.
هزت رأسها باقتناعٍ وهي تميل على كتفه لتغفو سريعًا وكأن شيئًا لم يكن!
******
بغرفة مازن.
سئم من انتظار انتهاء مكالمتها المتبادلة مع والدتها يارا، وأشار لها كثيرًا بأن تغلق ومع ذلك مازالت مستمرة، فتسلل من جوارها لخارج الغرفة ثم اتصل بعز الذي أجابه بغضب:
_عايز أيه أنت التاني!
كبت مازن ضحكاته ثم قال بخبث:
_على ما يبدو بأن الغضب اللي بينا متبادل يا حمايا عشان كده لازم نتكاتف لحل تلك المشكلة.
_أعمل أيه يعني؟
أجابه بمكر:
_افصل شبكة النت، أرمي الفون، اعمل نفسك تعبت فجأة، اتعصب واقلب التربيزة أعمل أي حوار.
_ومتعملهوش أنت ليه؟
_أنا الجهة الضعيفة أنت الأقوى
_مش مكسوف من نفسك!
_هعمل أيه ما بنتك اللي مفترية!
_بنتي أنا اللي مفترية ولا أنت اللي مش عارف تمشي دنيتك.
_هنتاقش بعدين نحل الاساسي دلوقتي، اتصرف يا باشا.
_اقفل أنا هشوف حل.
وبالفعل أغلق مازن وحينما ولج للغرفة تفاجئ بها تحمل الهاتف وتعبث بأزراره مرددة باستغراب:
_النت فصل عندها! هحاول أرن فون
حان وقت تدخله فجذب الهاتف من يدها وهو يردد:
_عيب يا موجة، أكيد مامي مبقتش فاضيلك.
ابعدت يده عنها وهي تجيبه:
_لأ في موضوع مهم بنتكلم فيه.
أكد لها:
_زمانها مش فاضيلك دلوقتي يا حبيبتي اسمعي مني.
وجذبها جانبًا وهو يقربها إليه بمكرٍ:
_احنا لينا موضوع مهم احنا كمان!
******
مالت على ذراعه ومازال يجلس بها جوار الشرفة، يده تحتضن يدها وابتسامته لا تفارق وجهه، قطعت أجوائهما الرومانسيه حينما قالت:
_فاكر لما ركبت المبكروباص معايا لأول مرة!
امتعضت ملامحه بغضبٍ، فسحب رعد ذراعه عنها وخاصة حينما لم تتمكن من السيطرة على ذاتها من الضحك، اخشونت نبرته المتعصبة:
_ما خلاص بقا يا دينا مسكهالي ذلة من سنين ومش عايزة تنسيها.
برقت بعينيها بصورة مضحكة:
_ودي حاجة تتنسي يا باشا.
صاح بجدية تامة:
_دينا خلصنا!
هزت رأسها بتقبل وعادت تميل برأسها على كتفه، فاحتضنها بحبٍ، قضت بأحضانه دقائق نعمت بعشقه، وبعدها رفعت رأسها إليه مجددًا تخبره وتدعي البراءة:
_بس كان شكلك لطيف وانت جنبي في المواصلات والله يا رعد!
ذم شفتيه معًا وحينما وجدها تضحك غرق بالضحك برفقتها وخاصة حينما بدأت تخبره بتفاصيل متعلقة بذاك اليوم.
*******
راقبته وهو يقف بالشرفة وتسللت بخفة في محاولةٍ لأن تفزعه، ابتسم وهو يرتشف عصيره مرددًا:
_حبيبتي متفكريش تعمليها تاني مع ظابط شرطة!
واستدار إليها ليجد خيبة الأمل على وجهها وشفتيها المتدلية للأسفل، فابتسم وهو يتأملها بعشقٍ زف بنبرته الرخيمة:
_لو فجأتيني بأنا اتفاجئت فعلًا بجمالك وسحرك ده.
دنت منه بابتسامتها الرقيقة، فضمها عدي إليه وهو يقربها من السور الخارجي بين ذراعيه، دفن رأسه بين خصلات شعرها يشم عبيرها الذي يتسلل إليه كلما داعب الهواء خصلاتها، استدارت رحمة إليه تطل لعينيه وتتمعن بها، ابتلعت ريقها بارتباكٍ غريب، شعرت بالتيهة لحالها الغريب، لم تجرأ يومًا أن تبادر بالبوح بمشاعرها إليه، كانت تترك له مهمة دعوتها كل مرةٍ، تمنت يومًا لو تمكنت من فعلها، ولكنها كالعادة تقف ثابتة متبلدة أمامه.
اقتربت رحمة منه ومازال يراقبها بثباتٍ عجيبٍ، ينجح في قراءة غموض عينيها، يستمع لحربها المرتبكة ويتمنى أن تفعلها يومًا وتطالب وصاله، ومع انزعجه من تحفظها الشديد الا أنه كان يراعي دائمًا بأن زوجته الشرقية، التقية، عذراء المشاعر لا تعرف الكثير عما يود تجربته يومًا معها، وها هي الآن تحاول للمرة التي فشل بمعرفة عددها.
تجمد جسده فجأة حينما فعلتها، شعر بأنه يفقد زمام أموره جنونًا لعاطفته التي انساقت خلفها، فحملها وولج بها للداخل وهو يخبرها بعشقٍ:
_بحبك.
********
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذُرّيّة سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا».
الأجواء مبهجة للغاية، وصوت التلفاز يعلو داخل قصر الجارحي،الشباب يهبطون للأسفل بالجلباب الأبيض وكلا منهم يحملون سجادة الصلاة الخاصة بهم، حتى الفتيات جذبن السجادات ذات اللون الوردي وارتدين الاسدال وهبطوا خلفهم، فاجتمعت العائلة بأكملها وذهبوا برفقة الأطفال لاداء صلاة العيد، وما أن انتهت الصلاة وقفت رحمة ونور ومليكة وباقي الفتيات توزع على الأطفال الألعاب والشوكولا كمعتادهم كل عام، وكلما نفذ الكرتون أسرع إليهم الحارس بكرتون أخر، فنجحوا بزرع البسمة والسرور على أوجه عددًا كبيرًا من الأطفال.
وبالرغم ما فعلوه وقفت الفتيات جوار أزواجهم تنتظرن بحماس انشقاق القماش الضخم الذي يحوي عددًا ضخمًا من البلالين أعلى المسجد، فما أن حرر الرجال الخيط عنه حتى صرخن بحماس لازواجهن ليحصلوا على البلالين، وكأنهم في سباق طاحن، سرت الوجوه وخاصة الاطفال بهذا اليوم المميز، الجميع يتبادل السلام وجملة لا تترك الألسنة
«كل سنة وأنت طيب، عيد مبارك»
عاد الجميع للقصر، فصعد الشباب للاعلى ليبدلن ملابسهم، فتسابقت الفتيات بتنفيذ مخططاتهم لحين هبوطهم للاسفل.
******
كان رائد أول الشباب هبوطًا للأسفل، فتفاجئ بالكمين المنصوب بحرافية على مدخل الدرج، فابتلع ريقه بتوتر مصطنع وهو يتساءل:
_في أيه؟
صدمته تشكلت بسؤاله المطروح حينما وجد الدرج مقفول بعدد من الألواح، بنهايته فتحة صغيرة بالكد تسمح بمروح شخصًا واحدًا، توجه رائد للمرور، فتفاجئ بالفتيات يتجمهرن خلف الالواح، ومن أمامه مكتب ضخم يسد طريقه، على ما يتذكر بأنه مكتب ياسين الجارحي نفسه الخاص بغرفة المكتب الرئيسي، يترأس الآن المكتب من أمامه نور والفتيات، ابتلع ريقه بتوتر من تجمعهم الغفير، وردد بخفوتٍ:
_خير يا نور؟!
نهضت عن مقعدها، ومرت من حول الطاولة بعصاها الغليظة، ومن ثم هوت على الطاولةٍ وهي تصيح:
_فين البقشيش؟
رفع أحد حاجبيه متسائلًا بدهشة:
_بقشيش أيه؟
مالت بالعصا جوار رقبتها وهي تشير لشروق التي تحمل دفتر وقلمًا:
_اكتبي عندك معدوم الملاحظة.
وعادت لتصرخ به:
_العيدية يا حضرت مش النهاردة العيد؟
جحظت عينيه صدمة، فدس يده بجيب جاكيته وهو يهمس بذعرٍ:
_كل ده عشان العيدية، ما كنتي تقولي من الأول بدل الرعب ده؟!
أشارت له بحدة:
_وباقي البنات؟
أومأ برأسه وهو يوزع لكلا منهن مبلغ من المال، فأشارت لرانيا بغمزة ماكرة:
_عديه يا رانيا.
واتجهت نظراتها للدرج مشيرة اليهن:
_اللي بعده... استعدوا عايزين نعمل ثروة النهاردة.
بعد قليل هبط أحمد بصحبة ياسين، فصعق مما رأه، استدار تجاهه الاخير مرددًا:
_ده كمين وأنا مش مطمن!
تقوس حاجبي أحمد بمللٍ، وهبط أولًا ليتبعه الآخر فما أن اقترب من الفتحة حتى تلقفته العصا لتصرخ به:
_على فين يا حضرت مش في لوحة قدامك مكتوب عليها ممنوع المرور؟
عبث بحدقتيه بدهشة:
_مرور أيه هو أنا داخل أطلع بطاقة!
تعالت ضحكات ياسين فلحق به متسائلًا بفضول:
_خير يا نور، النهاردة مزاجك جايب أيه؟
وتابع بمكر:
_ده احنا حتى أول يوم العيد وكل سنة وانتي طيبة.
اجابته مليكة تلك المرة بسخرية:
_متنفعش حاف يا حبيبي، طلع العيدية بما يرضى الله.
كبت أحمد ضحكة كادت بالانفلات منه، وقال هازئًا:
_وهو شغل البلطجة ده يرضي الله بردو!
اشارت له آسيل بملل:
_أحمد لسه ورانا غيرك شخلل وعدي يا حبيبي متقرفناش!
تعالت ضحكاته الرجولية، فدس يده بجيب سرواله القماشي ثم وضع لكلا منهن المال، واتبعه ياسين مردفًا باستهزاء:
_عنيفات انتم!
صاح أحمد بسخرية:
_نعدي ولا لسه في تفتيش.
صاحت رحمة بضحك:
_عدوهم يا بنات.
فتحت نسرين مشيرة اليهما:
_جنب اخوكم هناك متعطلوناش عن شغلنا الله يكرمكم.
انفجروا ضاحكين ولحقوا برائد الجالس على الاريكة المقابلة للدرج يتابع ما يحدث بصدمة، فقال مستهزئًا:
_اتقلبتوا ولا لسه؟
اشار ياسين بحدة:
_واحنا نقدر نقول لا..
راقبت الفتيات الدرج، فاستمعن لصوت اقدام تدنو منهم فقالت نور:
_استعدوا في واحد نازل اهو.
ليتسلل اليهن صوت صارم من خلف الالواح:
_هتدفعوني أنا كمان!
ارتعبت نظرات الشباب، وخاصة حينما همس رائد بشماتة:
_ياسين الجارحي هيدكم أحلى عيدية!
ارتعبت نظرات الفتيات، وخاصة حينما انفجر يحيى ضاحكًا، فأشار لياسين قائلًا:
_أخرتها كمين وبمكتبك يا باشا.
وهبط للاسفل يضع المال وهو يشير اليه:
_عديها وكل سنة وانت طيب.
هبط ياسين للأسفل، فتراجعت نور وهي تشير لهن بحزم لم يكن مصيري منذ قليل:
_طريق للباشا وهو معدي يا بنات.
زوى حاجبه بنظرة جعلتها ترفع يدها كتحية تعبيرية:
_هنرجع المكتب بعد ما نخلص لم العيديات يا باشا، ولو تحب هشيله حالا وأرجعه بس والله اتزنقنا ومالقناش حاجة تسد فجوة السلم العريق ده غيره.
وتابعت بمزحٍ:
_مهو الفخم ميقعدش غير على الفخم اللي زيه.
ابتسم ياسين وهو يراقبها تعود لطبيعتها، كان منزعجًا طوال الأيام الماضية حينما لزمت الصمت، والحزن ينبع داخل حدقتيها، أمرها يعنيه والفتيات بأكملهن يعنيه، ابتسامته جعلت الفتيات مسرورة، أخرج ياسين من جيب جاكيته ظرف مغلف سكبه على المكتب فتحرر منه عدد من الفيز البنكية وأخبرهما بثبات:
_أنا مش هديكم عيدية أنا هديكم حق تعبكم في شغل المقر، الفلوس اتحولت بحساب بنكي في حساب كل واحدة فيكم، بتمنى بعد العيد نرجع للشغل من تاني.
وتركهم وغادر، فسحبت كل فتاة الفيزا المدونه باسمها، فرددت داليا بمزحٍ:
_دي فرجت أوي.
صاحت شروق اليهن:
_في صوت.. حد نازل!
دفعوا المكتب مجددًا فوجدوا حازم يهبط للأسفل وهو يتناول الشوكولا وبعض التسالي، فضحك فور رؤيتهن، وصاح بسخرية:
_ناقصكم فرع الشجرة اللي بيبقى مرمي قدام العربية قبل ما ينقض البلطجية على المارة.
اقتربت نسرين منه ورددت بغضب:
_هتدفع ولا ترجع.
زم شفتيه بسخطٍ، ومد يده بجيبه في محاولات عسيرة للحصول على المال، فوضع عن يده الشوكولا على المكتب وأخرج التسالي على المكتب، ومن ثم أفرغ جيبه الأخر بحبات(الترمس) ، والفول وغيره من المكسرات فصاحت مروج باستهزاء:
_أنتي معبي البونبنيرة كلها وإنت نازل!
لطمت نسرين صدرها مرددة بقهر:
_شقى عمري كله ضاع على جيوبك، أنا مزينة الجناح قبل ما أنزل عشان نقضي انا والبنات السهرة فوق.
رد عليها وهو يلقي قشور الفول أرضًا:
_وهما البنات أحسن مني في أيه، ده أنا لسه امبارح شايلك ومطلعك السلم ده كله بطولي!
_ليه وإنت كنت محتاج حد يساعدك!
قالتها رحمة بسخرية، فتعالت ضحكات الفتيات، بينما صاحت نسرين بتذمر:_ما تنجز في يومك الله.
قال بنفور:
_ما أنتي شايفاني أهو بحاول!
ضحكت مليكة قائلة:
_ملقيش معاك كحك وبسكوت يا حازم.
أجابها بجدية تامة:
_كان معايا وكلته والله.
ونطق بحماس:
_بس لقيتها.
وأخرج الفيزا ثم ألقاها إليهم مرددًا:
_55522
أجابته نور:
_ده أيه يا خفيف؟!
أجابها وهو يعيد التسالي لجيبه مجددًا:
_الرقم السري، واسرقوا بضمير ورايا اقساط لسه!
جذبت رانيا الفيزا مرددة:
_وماله مش بطال، عدي يا حازم.
جذبت مروج المكتب مشيرة له بالمرور، فوجد الشباب يتابعون ما يحدث على الاريكة، جلس برفقتهم وهو يتناول التسالي قائلًا بشماتة:
_الجيش كله هنا ومتعلم عليه، شاطرين تفردوا عضلاتكم علينا بس!
اجابه رائد بسخط:
_اذا كان باشا القصر بنفسه دفع، تفتكر احنا هنعترض.
بصق القشور التي بفمه وهو يجيبه بثقة:
_الوحش مش هين، هيعلم عليهم الوقتي.
دقائق مبسطة وهبط عدي للأسفل، فتفاجئ بما يحدث ومع ذلك استكمل طريقه بكل ثقة، وحينما وصل للأسفل ردد بثبات تام:
_خير على الصبح؟
اجابته نور ببسمة عريضة:
_زي ما حضرتك شايف يا وحش ضرايب وفلوس ومديوع وحوار طويل.
واسترسلت بمكر:
_ولو مدفعتش شكلنا هيبقى وحش وهيتقال اننا بنميز ناس على ناس يرضيك.
زوى حاجبيه وأجبرها ببرود:
_مهو أنا مش بدفع شيء غصب عني وانتوا عارفين الكلام ده.
حكت خديها بتمعن، فهبطت للاسفل ودفعت رحمة قائلة:
_ادخلي انتي اتفوضي معاه.
ارتبكت رحمة حينما باتت قبالته، ففتحت يدها وهي تدعي القوة:
_خليك متعاون.
ضحك بصوته كله، وحرر جاكيته ثم وضع لها ظرف من الجلد الثمين مكتوب عليه «عيد سعيد زوجتي الحبيبة» ، التفت الفتيات من حولها يتأملن الظرف باعجاب، وخاصة حينما منح عدي كلا منهن ظرف مطوي مدون باسم الاخت.
في ذلك اليوم المبارك صمم ياسين ويحيى بالذبح واطعام الفقراء والمساكين، واتاحة جزء مخصص لعمال المصانع التابعة إليهما، كان يومًا لا ينسى برفقة الأبناء والاصدقاء والعائلة بأكملها، اجتمعوا جميعًا بساحة القصر الخارجي، وقد انتهت آية ودينا، شذا، يارا، ملك، تالين من صنع الطعام لاعتيادهم تناول الغداء باكرًا.
جلسوا على طاولة ضخمة شملت العائلة بأكملها ومن حولهم الاطفال يمزقون اللعب الجديدة التي قدمها إليهم رعد وعز، رافضين للطعام المقدم (الفتة، الكفتة)، فقدمت لهم رحمة البيتزا وبعض الواجبات السريعة، ليتمكنوا من تناول الطعام والمرح بالالعاب.
ومن بينهم نهض حازم ليلتقط صورة مفاجئة للعائلة دون أن ينتبه إليه أحدٌ، فوجوده يهرع إليهم وهو يشير لمكان الكاميرا، فصعقوا جميعًا ولم يتمكن احدٌ من أخذ وضعية تناسب التصوير، فمنهم من برز ضاحكًا ومن يحاول ابتلاع الطعام، ومن يتوعد لحازم بالهلاك ومن حولهم الاطفال تزين صورتهم المحفلة بجوٍ مميز لا يخلوه الحب والتسامح..
............ يتبع للمشهد الختامي.....................
اوشكت الرحلة على الاكتمال...
#سلسلة_الجارحي...
#آية_محمد_رفعت...
****_____******