تحميل رواية «أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الخامس من أحفاد الجارحي ترويض الشرس تركت يدك مرة فواجهتني الحياة بكل ما امتلكت من قوةٍ، وكأنها تخبرني بأنني مخطئة حينما سحبت قوة أماني من بين أحضانك، فاشتقت لضمة قبضتك القوية التي تساندني حينما اتعرقل بين زقاق أوجاعي، عساك تعلم بأن تلك الفتاة البسيطة ستواجه ما سيجعلها تتوق لوجودك لجوارها، ولكن تــــــرى هل ستجدك تشدد من ضمة يدها مثلما كنت تفعل أم ستبعدها عن جحيمٍ كانت سبب في اقتداد نيرانه!!!!!
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس...(#أحفاد_الجارحـي5...)
#الفصل_السابع_والعشرون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "رشا محمود"،"الاء السيد"،"منى جمال"،"هنا خالد"،"نورهان رضا" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تنقلت نظراته الحائرة بينهما، ثم عادت لتستقر على أبيه بتعجبٍ، محاولة جديدة يخوضها الآن، يحاول بها استكشاف ما يود فعله تلك المرة، ما يراه منه نقيض ما فعله طوال الفترة الماضية، بعدما بذل مجهوًا كبيرًا لحمايته، والآن يخالف ما يفعل ويسمح له بالعودة بمنتهى البساطة، وجود التمثال الغريب الذي لا يحتوي على رأس وملامح ويحمل ثيابه الخاصة، وكل ميدالية حصل عليها من حمله، جمعها على صدره كوسام شرف، تكريمًا لما بذله من مجهودٍ طوال تلك المدة، وعلى ما بدى إليه اتخاذ أبيه لهذا القرار مسبقًا، جاهد عدي للخروج عن بؤرة صمته وذهوله، فأجبر لسانه الثقيل على تردد:
_يعني أيه؟
أحاطته نظرات ياسين الدافئة، وهو يسبر أغوار أسئلته التي تحاصره بتلك اللحظة، فحاول أن يميل حواره للبساطة دون التخفي لمكره وثباته الخبيث:
_يعني خلاص يا عدي، اللي أنا كنت عايز أغيره فيك حصل، وبقيت الشخص اللي أقدر أمن إنه يكون سند للاحفاد من بعدي.
ثم وضع يده على كتفه وهو يسترسل ببسمةٍ هادئة:
_كل ابن من أولادي عنده شخصيته المختلفة اللي بتميزه، بداية من عمر وياسين وأحمد لحد حازم، كلهم بالنسبالي ميتخافش منهم الا أنت، كان جوايا احساس مخليني مرتبك طول الوقت، محدش جواه العند والغرور اللي عندك، لذا أنا قررت أخوض الحرب دي ضدك ومعاك في نفس الوقت، عشان تبقى الشخص اللي واقف قدامي دلوقتي.. شخص رزين قادر يلبي احتياجات عيلته وفي نفس الوقت مبيقصرش في شغله وقادر كمان يفصل بين الاتنين..
وقربه اليه وهو يخبره بحبٍ لم يبذل مجهود ليجعل ابنه الحبيب يشعر به:
_الفترة اللي قضتها مع ولاد عمك هنا في المقر قربتك من كل واحد فيهم، شافوا اللي كنت بتحاول تخبيه عنهم، وقفت جنبهم وضحت بحياتك عشان واحد منهم (رائد) ، وساعدت اللي محتاجالك ولما جيه الدور عليك ووقعت في اللي، كنت فيه كانوا هما أول ناس تمدلك ايدهم بالمساعدة.
وأشار بيده وهو يستطرد:
_كانوا في ضهرك عن قناعة، بدون ما حد ينفذ وصية أخدها على لسان تربيته، مش فرض انهم يساعدوك لمجرد اننا ربيناهم انكم سند لبعض!
واتجهت نظراته للزي العسكري، فطال به تأمله ليكسر حاجز صمته بنبرته الغامضة:
_دلوقتي أقدر أسمحلك ترجع لكيانك وأنا مطمن انك هتلبس بدلتك بس وأنت شخص مختلف.
وربت على يده وهو يحثه قائلًا:
_ولازم تعرف اني مش حابب أي حد يدرب حفيدي.. أنا عايزك بنفسك اللي تبقى معاه خطوة بخطوة لحد ما يحقق حلمه.
واستدار ليتجه للمغادرة قائلًا:
_خليك مع اصدقائك.. هنكمل كلامنا بعدين.
وتركه واتجه للخروج، وقبل مغادرته تبادل الصفح المرحب بالجوكر والاسطورة، فوجه شكره الخاص إليهما بكلماته الممتنة:
_مساعدتكم فرقت معايا جدًا، فحقيقي أنا عاجز عن شكركم.
قابله رحيم ببسمةٍ هادئة، اتبعت صوته الثابت:
_بالعكس احنا اللي واجب علينا نشكر حضرتك بعد ما ساهمت بالكشف عن الشبكة الدولية اللي كان بيديرها ال** ده، وبالرغم من إن حياة عدي كانت في خطر الا إن حضرتك صممت وأصريت اننا نكمل الطريق اللي بدأناه ووجهت مصيرك معاه.
وتابع مراد قائلًا:
_أنا لو مكنتش سافرت أمريكا وروحت المستشفى اللي حضرتك بلغتني عنها مكناش قدرنا نكشفه ولا نوصل للي وراه، فالفضل يرجع لحضرتك بعد ربنا سبحانه وتعالى، ويمكن أكون زعلان من اللي حصل لعدي بس سعيد في نفس الوقت إنها كانت فرصة إني أتعرف على شخص عظيم زيك.
منحهما ابتسامة راقية، وانحناء رأس تقابل اطرائهم بكل تواضع، ثم همس إليهما قبل توجهه للخروج:
_لسه وراكم مهمة أكبر.
وأشار بعينيه لمن براقبهم بفضولٍ لسماع ما يحدث بينهم، غادر ياسين الجارحي وتركهم بمفردهم، فاقترب منهما عدي بنظرات واجمة، كبت رحيم ضحكاته، وبدى صلبًا لا يهزه القلق مما سيحدث هنا، بينما عبث الجوكر بهاتفه، وأشار لرحيم مداعيًا صدمته:
_يا خبر 33 مكالمة من حنين أنا قلقت على البنات، هسبق أنا وأنت حصلني يا رحيم.
وكاد بالخروج خلف ياسين، فأوقفه عدي حينما جذبه بقوة جعلت الاخير يراقب ذراعه المصاب، فتساءل باستغرابٍ:
_متأكد ان صابعك مكسور!
منحه عدي ابتسامة ماكرة، اتبعت سؤاله الخبيث:
_أنا كويس متقلقش عليا.. القلق المفروض يكون من نصييك.
منحه بسمة ساخرة، وهو يهمس بتأكيدٍ:
_في دي عندك حق.. انجز ولخص في الليلة اللي كلها مشقة دي!
اتاه ملبيًا لدعواته بالفصح عما بجوفه، فقال بغضبٍ:
_أنت كنت بتمثل عليا وواقف في صف ياسين الجارحي؟
أشار له باعتراضٍ صريح:
_لا عندك.. أحنا كلنا كنا في ضهر ياسين الجارحي.. اسالني ليه؟
حك جبهته بغيظٍ:
_ليه؟
أجابه ببسمة واسعة تشق طريقها على وجهه:
_لانه شخص ذكي، بالك لو اتعين مكان اللواء كان زمانه مقشط البلد من البلطجة والنصب أول بأول.. نفسي تتعلم منه التوازن والثبات، يا أخي عنده طالة وبعد نظر وآ...
بتر كلماته وهو يرى نظرة غريبة تفترس ملامح عدي الذي بات على وشك أن ينقض عليه الآن، فقال بنفاذ صبر:
_عايز أيه من الأخر يا عدي، مش قضينا عليهم ورجعت بخير وفوق كل ده والدك سمحلك ترجع شغلك في أحسن من كده كلام؟
أجابه باستنكارٍ لتهربه مما فعل:
_في الأبشع.. انك سبتني متغفل ومحاولتش توضحلي اللي حصل، على الأقل رحيم لمحلي وبفضله مكنتش وصلت لحقيقة ال** ده!
ابتسم رحيم وهو يجيبه بعنجهيةٍ:
_تسلم يا وحش.
وتابع ببسمة خبيثة وهو يرفع يده على كتفه:
_أنا بس عايزك تعرف اني ظهوري ليك مكنش بهدف التلميح.. عشان تكون في الصورة اللي مبحبش أهرب منها.
رمش بأهدابه بعدم فهم، فجذب رحيم خنجره الصغير، ثم نزع عن عدي قميصه، فاظلمت عينيه بغضب تام وهو يكتشف الآن ماذا فعل بالتحديد قبل أن يمسه مشرطه، نزع عنه رحيم جهاز التتبع وهو يخبره بمكرٍ:
_كان لازم أمنك كويس، صحيح القوات خدت وقتها لما وصلتلك بس الحمد لله ولاد عمك عملوا الواجب وبالأخص ابن عمك الصغير، أنا لحد الآن مش مستوعب انه قدر يمشي وراهم من غير ما حد يحس بيه، حقيقي الشخص ده ذكي جدًا.
كبت عدي ابتسامة كادت بالانقلات منه في وقتٍ ليس بالمناسب بالمرةٍ، وقال بحدة لجئ اليها ليسترد حقه:
_بجد اللي عملتوه معايا زعلني جدًا، بابا طول عمره مش مفهوم ليا، لذا أنا مستغربتوش لكن انتوا سبتوني على عمايا ومحدش فكر يرسيني على الحوار.
وتركهما واتجه للاريكة القريبة من النافذة، فجلس عليها بإهمال وحزن ارتسم على معالمه، تبادلا الجوكر والاسطورة النظرات الحائرة، وحسموا الأمر بنظرة مفهومه بين الأخ وأخيه، فاتبعوا خطاه، ليجلس كلاهما جواره، فقال مراد ببسمة هادئة:
_عدي أنت عارف إننا على طول في ضهرك، اللي عملاناه كان لحمايتك.. صدقني الموضوع مكنش سهل وتفكير والدك كان في محله.
تابع رحيم بهدوءٍ لا يتعاهد مع شخصه المهيب:
_مهاب كان راسمها صح بداية لظهوره في العرض والصفقة اللي أخدها بالبداية لحد ما وصل هنا، كان باين انه دارس عنك كل شيء وبديهي عارف كل تحركاتك واللي تقدر تعمله، لذا كان لازم تفضل زي ما أنت واحنا اللي نلاعبه.
واستطرد قائلًا:
_الموضوع مكنش سهل، ركز وبص كويس، مهاب أبو العزم واللي وراه منتهتش امبراطوريته بالساهل، شوف كام قوة هاجمته عشان تهد اللي بناه طول السنين دي، أنت لوحدك مكنتش هتقدر تعمل كل ده، كنت هتدمر نفسك وعيلتك بايدك لان الموضوع مكنش هينتهي بموته، لان وراه ناس ساندينه بره مصر، فهرجع واقولك تاني تفكير ياسين الجارحي كان صح.
وأضاف مراد:
_عايز تقطع الشجرة متسبش أساسها وتقطع الأغصان، لازم تشيلها من الجذوع وده اللي حصل، اتحادنا وهاجمنا كلنا في وقت واحد وانتصرنا بفضل الله، ودلوقتي مستانينك ترجع بينا من تاني.
ضحك رحيم وهو يشير لكتفه الغائر بالدماء:
_بس تتعالج الأول.
قال مراد بمرحٍ وهو يتابع اصابته:
_وكأنك الشر اتجمع كله في كتفك الشمال يا عدي.. هو بينه وبينك تار!
ارتخت معالمه المشدودة، فرسم بسمة فاترة وهو يجيبه:
_لا وأنت الصادق أخوك مختار الموقع الصح لاجهزته اللي ماشي يزرعها بين خلق الله.
ضحك رحيم بصوته الرجولي، وقال بسخطٍ:
_ميبقاش قلبك اسود يا صاح!
ثم نهض عن الأريكة ليشير لاخيه قائلًا:
_أنا بقول كفايا عليك كده النهاردة، ارجع البيت وريح واسبوعين تلاته القيك بتكلمني عشان ترجع لمكتبك.
استقام بوقفته قبالتهما، فوداعهما ببسمةٍ تحمل شكر وامتنان اتبع نبرته المحبة:
_أنا بشكركم على كل اللي عملتوه عشاني.
رد عليه مراد وهو يعانقه:
_متقولش كده يا عدي.. سبق وانقذت حياتي من الموت وقدمتلي أكتر من معروف بدون مقابل.
ابتسم عدي وهو يغمز له:
_الصداقة مفهاش ديوان ولا أيه؟
طرق يده بيده وهو يشير له:
_مفهاش غير المحبة والتضحية بالدم.
راقبهما رحيم بضجرٍ:
_سيادة الجوكر المزعوم لو خلصت فقرة صداقتكم المملة نقدر نرجع القصر، أنا محتاج للراحة ده لو مش هزعج جنابك!
ضاقت زورقة عينيه بخبثٍ:
_بتأمر ولا بتبلغني؟
وضع يديه بجيوب جاكيته الأسود وهو يجيبه بتسلطٍ:
_الاتنين!
أشار الجوكر لعدي الذي يكبت ضحكاته بصعوبة:
_شايف طريقته يا عدي! ده متهزش اننا بقينا كل واحد بيشتغل لوحده، أنا بفتقده وأنا بتأوي جثث المجرمين!
ضمه رحيم اليه وهو يهمس له بنفور:
_هو أنت ليه بتشتاق ليا وقت الدم والقتل، بمعنى أوضح ليه رابط حبك ليا كأخ بالجثث أنا توبت من زمان عن حمايت التوابيت وتفكيك الاسلحة، أنا حاليًا فاتح صفحة بيضة مع شجن وبحاول أحافظ عليها عشان تفضل بيضة من فضلك متحاولش تلوثها.
أجابه بنفس هدوء نبرته وبمكرٍ يفوقه:
_عشان كده بطلت تطلع معايا وطلبت من اللوا يفصلنا عن بعض، عشان خايف أوصل اجرامك لاشجان.
برق بزيتونية عينيه بذهول:
_أنا ظابط شرطة مش قتال قتلة!
ضحك بسخرية:
_اثبتلها ده بتثبتلي أنا!
فصل بينهما عدي بضحكاته المرحة:
_انتوا جاين تحلوا مشكلتي ولا مشاكلكم!
ابتعد عنه رحيم وهو يشير برزانة زائفة:
_لا مش بنتخانق ده مهما كان اخويا للاسف، بيجمعنا بيت وسقف واحد، المهم أنت اهدى كده وكلمنا أول ما تحس انك جاهز.
أومأ برأسه ببسمة صغيرة، فودعه مراد قائلًا:
_هبقى أكلمك اطمن عليك.
وغادروا معًا، تاركين من خلفهما الوحش يحاول حسم أمره حول العودة أم البقاء، فتعلقت عينيه بوسام شجاعته على مر السنوات وسؤاله مازال يلح عليه وينتظر جوابًا صريح منه!
*******
اجتمع الشباب بغرفة المكتب الخاص بهم، الا ياسين ورائد، اتجهوا للغرفة السرية ليطمئن كلًا منهما على زوجته، ما أنا وجدت رانيا زوجها قبالتها حتى أسرعت تجاهه باسئلتها المغتاظة:
_ممكن تفهمني في أيه، مليكة مالها؟ وليه طلبت مني معرفش حد!
أجابها ياسين وهو يهم للفراش بلهفةٍ ليطمئن على ملاكه:
_أنا اللي شددت عليه يقولك متعرفيش حد يا رانيا... طمنيني هي عاملة أيه؟
استدارت تجاهه، ثم قالت:
_بتفوق وبتنام تاني ومفيش على لسانها غير عدي!
والتفتت لزوجها مجددًا ثم تساءلت:
_قولولي في أيه؟!
طوفها بذراعه، وحثها على تتبعه:
_تعالي هحكيلك كل حاجة.
وخرج بصحبتها للخارج، بينما اقترب ياسين ليجلس جوارها، ضم يدها اليه وهمس لها بحبٍ:
_أخدت حقك يا حبيبتي، اللي كسرلك رقبتك قطعتله أيده ولو كان بإيدي اقطعله رقبته مكنتش هتردد!
_أنت ازاي تخبي عني اللي حصل لبنتي!
كلمات صارمة نطق بها من يقف خلفه متلهفًا، مفزوعًا، لما علم به الآن، نهض ياسين عن المقعد، وارتد للخلف وهو يجيبه بارتباكٍ:
_حضرتك مكنتش بحالة تسمح اني احكيلك عن حاجة يا عمي، وبعدين الحمد لله مليكة كويسة وبخير.
تجاهل كلماته وهرع اليها، فجذب مقعده ليعتليه وهو يفتش بها بهلعٍ، فلم يجد سوى اصابة رقبتها، ضم خديها المتورد بيده وهو يناديها بقلقٍ:
_مليكة؟
رمشت بعينيها بانزعاجٍ، ففتحتهما على مهلٍ، وما أن وجدته قبالتها حتى انسدلت دمعاتها ورددت ببكاءٍ:
_بابا... عدي أخدوه!
ترك المقعد وجلس جوارها على الفراش، ثم حملها لصدره بحرصٍ، وهو يهدهدها بين ذراعيه كالطفلة الصغيرة:
_عدي بخير يا حبيبتي، المهم انتي!
وابعدها عنه ليسألها بخوفٍ:
_قوليلي حاسة بأيه؟
والتفت تجاه ياسين يأمره بغضب:
_جهز عربيتك هننقلها للمستشفى حالا.
أوقفته حينما قالت:
_أنا كويسة يا بابا.. الدكتور لسه ماشي من شوية.
ثم تساءلت بلهفة:
_عايزة أشوف عدي.
لبيت رغبتها بسرعة البرق، حينما على طرق باب الغرفة، فولج عدي للداخل، أشرق وجهها ببسمة واسعة، ودموع سعادة تلمع بحدقتيها، فرددت بفرحة:
_الحمد لله انك بخير.
جلس عدي جوار أبيه على الطرف الأخر من الفراش، ثم أمسك معصمها وهو يخبرها بحبٍ:
_أنا كويس المهم انتي يا حبيبتي.
وزعت نظراتها بين أبيها واخيها ثم قالت:
_بقيت كويسة لما شوفتكم قدامي بخير..
وتساءلت بقلق:
_فين عمر؟
أجابها زوجها:
_عمر في سابع نومة، تقريبًا كده بيقول الليل داخل.
سأله ياسين باهتمامٍ:
_فين؟
أجابه على الفور:
_بمكتب أحمد.
نهض ياسين وهو يربت على يد مليكة المتعلقة به، واتجه لمكتب أحمد على الفور.
******
بمكتب أحمد.
كان يحاول تهدئة آسيل بكافة السبل، فخشى أن يزعج عمر بصوته، لذا تسلل للشرفة بخفة، ثم أغلق بابها من خلفه ليقود معركة عتيقة مع زوجته، في ذاك الحين ولج ياسين للداخل، باحثًا بعينيه عنه، فوجده يستكين بالأريكة المتحركة لفراشٍ، ابتسم وهو يتطلع اليه مطولًا، فدنا منه بخطواتٍ متهدجة، لا يعلم لما رأه في تلك اللحظة طفلًا صغيرًا لا يتعدى عمره الحادية عشر، جلس جواره ثم انحنى بجسده فمرر يده بين خصلات شعره الأسود، وطبع قبلة عميقة على جبينه، فتح عمر عينيه فاعتدل بجلسته سريعًا وهو يردد بنومٍ:
_بابا! أنا أسف محستش بيك.
لم تختلف نظراته تجاهه، تعمقها به جعل الأخير يندهش ويتابع ما سيقول بأهتمامٍ، وخاصة حينما قال:
_أنت عارف أنا بحب والدتك ليه؟
سؤاله كان غريبًا للغاية، ومع ذلك ابتسم وهو يجيبه:
_القلب لما بيحب بيعشق كل تفاصيل حتى لو كانت عيوب.
هز رأسه بثباتٍ، وتابع بنفس اتزان ملامحه:
_مش صحيح، أنا حبيت فيها قلبها الصافي الأبيض، نظرتها في الناس اللي حواليها حتى لو مكنتش مخونة للشر، حبيت فيها قربها من ربنا وابتسامتها اللي عمرها ما فارقتش وشها، حبي ليها اتحول لجنون، ويمكن هي السبب اللي غيرتني كده.
تابعه عمر ببسمة هادئة، فاستطرد ياسين:
_لما عرفت انها حامل اتمنيت من قلبي اللي في بطنها يطلع في نقاء قلبها، وربنا سبحانه وتعالى استجاب لدعواتي، بس مش ليكم انتوا الاتنين.
ضيق عينيه بعدم فهم، فتابع قائلًا:
_عدي طالعلي وأنت طلعت لآية بطيبتها وقلبها وكل الحلو اللي فيها.
ورفع يده ليحيط به وجهه وهو يتابع بنبرة ساكنة ببسمته:
_كل ما ببصلك مش بشوف فيك غير الطيب والخير اللي عملته آية في دنيتها، وبحمد ربنا انك طلعتلها، يمكن يحيى أقرب حد ليا ويعرف عني كل حاجه بس أنت كمان صديقي اللي مبقدرش أخبي عنه شيء، وأنا واثق انه هيفهمني وهيقدر اللي بعمله بدون ما حتى ما أشرحله أنا عملت كده ليه؟
وابتسم وهو يتابع بسخرية:
_أوقات بحس انك بعقلك ده أكبر من أخوك بسنين مش هو الأكبر منك بدقايق لا تحسب.
وتابع بحنان:
_مش عايزك تخسر طيبتك دي مهما شوفت يا عمر ولا تخسر حنيتك على الناس وعقلك، عشان كده أنا عايزك ترجع تتابع شغلك يا دكتور.. عايز أرجع أفتخر بيك وأنت بتداري الخير اللي بتعمله عني ومتعرفش اني شريك معاك النص بالنص، لحد ما تتعود ولما أموت تشارك بينا الأجر ومتنساش تكونلي الأبن الصالح!
لمعت عينيه بالدمع، فقبل يد ياسين وهو يردد:
_الف بعد الشر على حضرتك، ربنا يديك طولة العمر ويباركلنا في صحتك.
ثم قال بصوت شبه باكي:
_أنا مش عايز ارجع.. عايز أكون هنا جنب حضرتك.
ضمه ياسين اليه بقوةٍ، وهو يهمس له براحة:
_خلاص يا عمر النهاردة حاسس بالراحة ولأول مرة، لاني وأخيرًا قدرت أكسر عناد أخوك.
ابتعد عنه وهو يتطلع له بشكٍ:
_الوحش مش بيتراوض يا ياسين باشا.. صدقني.
ضحك بصوت مسموع وهو يغمز له:
_اعتبرني رواضته.
وتابع وهو يتعمق بالتطلع إليه:
_أنا خايف أكون ظلمتك لما أجبرتك تكون هنا وعدي هو اللي كان هدفي.
اعترض على حديثه حينما قال:
_لو أنا اللي كنت مكان عدي وهو اللي كان مكاني مكنش هيتردد يعمل نفس الشيء، أنا مبفكرش غير باللي عدناه يا بابا، الحمد لله عدي بخير وحضرتك كمان بخير ده بالنسبالي كافي.
طبع قبلة على جبينه وهو يخبره:
_وانت كمان خرجت منها بخير أنت وأختك.. ربنا النهاردة كان بيختبرني أصعب اختبار عدى عليا، اختبار فيكم انتوا التلاتة، والحمد لله انه فداكم وقادر أشوفكم قدامي بخير.
استقام ياسين بوقفته عن الفراش، وتنحنح وهو يستعيد ثباته مشيرًا له:
_يلا نادي لاحمد وانزل عشان هنرجع القصر.
*******
بمكتب معتز.
مازالت محاولاتهم لن تجدي بالنفع، فبالرغم من أن المبرد يجتاح درجاته الا أن مازن مازال يصرخ بهما:
_حران يا بشر حران أنتوا أيه مش بتحسوا!
تطلع جاسم لمعتز بتفكيرٍ، ثم التقط الملفات المبعثرة على مكتبه وأشار له بالاقتراب مرددًا:
_مروحة صناعية قد توفي بالغرض، لو مبقاش كويس بعدها طفي التكيف وسيبه يتكل على الله العملية مش ناقصة فرهدة!
التقط منه معتز الملف، ثم أخذ يحركه تجاهه ليحصل على الهواء، فأغلق مازن عينيه ثم حاول فتحهما، وكل مرة كان يحاول بها فتحهما كانت تزداد دهشته ليختمها بقوله:
_أنتوا كام!!
استدار معتز لجاسم ثم صاح بغضب وهو يلقي الملف:
_يا عم ده بيودع مفيش منه أمل.
جذبه ليقف جواره ويستكمل ما يفعله محذرًا:
_نحاول عشان أحمد على أخره مننا.. صدقني ده في مصلحتنا!
جذب الملف بسخطٍ وهوى بغيظٍ فوق وجهه، فاحتك الملف باصابة رأسه، فصرخ بوجعٍ قابض، أتى حازم من الخارج مسرعًا على أثره، ليتساءل باستغرابٍ:
_مات؟!
جذب مازن المصباح الكهربائي المنبعث من الأباجورة، ثم ألقاها تجاهه وهو يصرخ بعنفوان:
_الملافظ سعد يا فقري!
تفادى حازم الضربة ثم قال بسخرية:
_بتتشطر عليا يا اخي كنت اتشطر على اللي نزل عليك بالشومة لحد ما علم عليك، والمصيبة انك كنت ظابط بوليس، يعني لو مكنتش عملت فيها صاحب صاحبك وفضلت بالشرطة ومسبتهاش وفاءًا لعدي كان زمانك مكسر مغارة الاشباح دي فوق دماغهم بس تقول أيه غبي ومعندكش عقل تفكر فيه!
احتقن تنفسه، وشعر بقبضة قوية تزيد من ختق رقبته، فحاول الاستدارة للخلف، ليتفاجئ بعدي من أمامه، فقال ببسمة مغتاظة:
_أنت مش ناوي تجبها لبر يا حازم!
هز رأسه وهو يشير له:
_هجبها للشط مش للبر.
أبعد يده عنه ثم قال:
_روح جهز العربية عشان هنمشي.. بدل ما أنت واقف تشد في خناق البشر كده!
أشار بأصبعه على عينيه:
_بس كده عيوني.. أنت تؤمر يا وحش.
وتركهم وهرول للأسفل، فلحق به معتز وجاسم، ليبقى مازن بصحبة عدي الذي كبت بسمته بصعوبة، لتظهر بقوله الرجولي الثابت:
_أيه اللي وصلك لكده؟
أجابه ساخرًا وهو يحرك رأسه بعنف جعله يصرخ ألمًا:
_كنت حاسس بملل فقولت ألعب البخت على وشي..آآآه..
واعتدل بجلسته وهو يسترسل باندفاع:
_أنا من يوم ما شوفت خلقتك والمصايب بتلاحقني، وكل مرة بإصابة شكل مش عارف المرة الجاية وضعي هيكون أيه!
حك أرنفة أنفه وهو يخفي ابتسامته الخبيثة، فقال بجمود مصطنع:
_أنا كنت جاي أقولك على خبر بس حاليًا أشك انه هيعجبك!
ابتلع ريقه بتوترٍ وهو يتساءل:
_خبر أيه اتحفني!
أجابه بنظرة متفحصة:
_بابا سمحلي أرجع الشغل.
جحظت عينيه صدمة، فنهض عن الفراش ببطءٍ جعل الأخير يتابعه باستغرابٍ، وخاصة حينما انحنى وحمل حذائه، ليتوجه للخروج، فاتبعه عدي وهو يتساءل بحيرةٍ:
_أيوه أنا كده فهمت أيه؟ يا مازن أقف هنا بكلمك!
هبط الدرج ثم استدار إليه وهو يصيح به:
_مش راجعين يا عدي.. أنت عايز تضحي بيا كيف الفروجة!!
تمردت ضحكاته الرجولية، فاتبعه وهو يردد بصعوبة بالحديث من بين ضحكاته:
_فروجة أيه يا مازن أنت عندي أغلى من كده يا جدع!!
وقف قبل انحنائه للدرج القادم، ليصيح به:
_انت مش مكفيك اللي حصل فيا، ثم انك محتاجالي في أيه أنت عندك امكانيات تخليك تستغنى عن أي حد، سيب الغلابة اللي زينا يعيشوا ياكلوا عيش.
هرول للأسفل من خلفه وهو يتحكم بضحكاته بسيطرة تامة، وبجدية تامة أخبره:
_هتتخلى عني يا مازن بعد العمر ده كله؟
كز على أسنانه بغيظٍ وهو يشير له:
_سبني في حالي الله يكرمك أنا عندي عيال وعايز أربيهم!
أشار له بإستنكارٍ:
_وأنا يعني اللي عندي أرانب!
احتضن رأسه بتعبٍ وهو يشير له:
_وهل ده بيعنيك مثلا، أنت مش بتختار غير المهمات المستحيلة بتحسسني انك بتحلل لقمة عيشك، فتمامك الجوكر والاسطورة هما وش اجرام زيك، أنا مش سكتك!
تعالت ضحكات عدي فهرول للدرج من خلفه وهو يردد بصوته العذب:
_خلاص يا ميزو هنختار ونتشاور مع بعض، المهم انك متسبش الطريق اللي بدأناه سوا أمال ليه عملتلي فيها صاحب صاحبك وسبت الشغل والدنيا عشانك كنت بتشتغلني ولا أيه؟
لوى فمه بحنقٍ، فهمس بازدراء:
_افهمه ازاي ده.. أطلق بنت عمه ونخلص من النسب الاسود ده ولا أعمل أيه عشان يقتنع!
وتابع ركضه للأسفل حتى وصل لخارج المقر، فاصطدم برائد وزوجته، فسأله بريبة وهو يوزع نظراته بينه وبين من يلحق به:
_في أيه؟
أشار له بسخطٍ:
_ابن عمك عايز يرجع للشغلانة بعد ما إعتزل!
ابتسم رائد بفرحة، فترك باب سيارته مفتوح، واحتضن عدي وهو يهنئه بسعادة:
_بجد يا عدي.. عمي وافق؟
أشار له بتأكيدٍ فضمه بفرحةٍ، ومازن يوزع نظراته بينهما بصدمة، ارتفع ضوء مصباح سيارة تقترب منهم، فهبط منها عز ورعد وأدهم بعد عودتهم صباح هذا اليوم، فتساءل رعد بقلق:
_في أيه يا ولاد مرجعتوش القصر لسه ليه لحد دلوقتي، البنات قالبين الدنيا عليكم!
أجابه رائد ببسمة مشاكسة'
_كنا جميعًا بنشارك في بطولة جماعية لتحرير مصر من الادغال.
رفع ادهم حاجبيه بذهول:
_ادغال مين وبطولة أيه؟
فتح رائد باب سيارته الخلفية وهو يشير لهما:
_اتفضلوا وأنا هحكيلكم كل حاجة، الطريق طويل وهنتسلى!
كاد عز بتتابعهم بسيارته فأوقفه مازن حينما قال:
_عمي.
استدار عز تجاهه، فصعق مما رأه وتساءل بدهشة:
_أيه اللي عمل فيك كده؟!
أجابه مازن بضيق:
_انا عايز نفض النسب ده بالمعروف زي ما دخلاناه عشان ولاد اخواتك يحلوا عني بالذات حازم.
ضحك عز بصوته كله، ففتح باب سيارته وهو يشير له بتسليةٍ:
_واضح انها حكاية مسلية فعلا اركب اركب.
لوى فمه بتهكمٍ وهو يراه يقلب الامور بمزحٍ بالرغم من رؤية ما حدث بوجهه من أضرار، لذا انصاع اليه بهدوءٍ وصعد جواره.
********
بالقصر.
كانت تجتمع الفتيات بأكملهن حول حمزة الذي عاد مسرعًا بعد محادثته مع آسيل، فطرح وجهة نظره بالأمر حينما قال:
_الغريبة ان ياسين معاهم، لو مكنش معاهم كنت أقسمت انهم بيعملوا بلوة.
وأجاب على ذاته مرددًا:
_يكونش ياسين بيتجوز وواخدهم شهود!
جحظت عين آية بصدمة فتحررت عن طور هدوئها وردائها الملائكي:
_حرام عليك يا حمزة، أنت جاي تخفف عننا ولا تجلطني.. ياسين عمره ما رفع عينه في عين واحدة هيجي يعملها بعد العمر ده كله!
ضحك وهو يخبرها:
_بحاول ألطف الاجواء يام عدي.
قالت تالين بحنقٍ:
_بلاش يا حمزة الموضوع مش متحمل.
اضافت ملك:
_أنا عارفة أخويا مفيش فايدة فيه هيفضل زي مهو.
ضحكت شذا وأضافت:
_بلاش تظلموه بيحاول يخفف عننا.
ردت دينا بضيق:
_يخفف أيه بس انا قلقانه على الولاد أول مرة يعملوها، دول من امبارح لحد الآن مظهروش.
تساءلت يارا بقلق:
_محدش رد عليكم يا بنات.
أشاروا جمعهن بالنفي، فقالت آسيل:
_أحمد رد عليا وقالي انهم راجعين.
انتبهوا جميعًا لصوت أبواق السيارات، فأسرعوا للتراس، ليراقبون ما يحدث، وأول ما جذب انتباههم اصابة مازن ومليكة البادية للجميع، وبعض الخدوش المتروك أثرها على الوجوه، هموا سريعًا اليهم، فالتفت الفتيات حول مليكة، وتساءلت آية بلهفة:
_في أيه... ايه اللي، حصل؟
لم يجيبها أحدٌ، حتى مروج اتجهت لمازن تتساءل عما أصابه، التقطت عين رحمة اصابة ذراع عدي بعدما استرد عافيته فاتقبض قلبها وغارت عينيها بالدموع، الصمت حال الجميع والترقب يعلو مؤشراته تمعنًا بياسين، الذي خرج عن سكونه حينما قال:
_حضروا الفطار.
لم يجرأ أحدٌ على الاعتراض، فجلسوا جميعًا على الطاولة بصمت قاتل، بدأ الرجال بتناول طعامهم والفتيات تراقبهم بقلق نخر قلوبهم، فكسرت ملك صمتهم هذا حينما تساءلت بقلق:
_فهمونا في أيه؟!
أجابها يحيى ببسمة هادئة:
_مفيش حاجه يا حبيبتي.
اعترضت يارا على حديثه:
_مفيش حاجه ازاي وكلكم راجعين بكدمات!
الصمت سيطر مجددًا، فقالت آية بخوف:
_اتكلم يا ياسين في أيه؟!
منحها نظرة هادئة فعلمت بأنه سيخبرها بمفردهما، لذا صمت الجميع باستسلام لعلمهن بأن الامر متعلق بأمر ياسين الجارحي لذا لن يجرأ أحدٌ عن الحديث، فقال رعد في محاولة لتلطيف الاجواء:
_اللي المفروض نعرفه اننا عندنا أبطال يترفع ليهم الرأس.
تطلع أحمد لياسين ومن ثم لعدي وعمر، وانتقلت النظرات بين الشباب، فهمس حازم بصوت منخفض:
_بلطجية يتباهى بيهم.
فور نطقه لتلك الكلمة حتى انفجر الشباب ضاحكين، وكلا منهم يحاول جاهدًا السيطرة على ضحكاته بحضور ياسين، والصادم بالأمر بأنه لم يقوى على ضبط انفعالاته وشاركهم الضحك، تعالت ضحكات يحيى وهو يجيب رعد:
_لو حد محتاجنا في أي خناقة احنا في الخدمة، وأهو كله بثوابه.
أضاف ادهم:
_فاتنا الليلة دي بس تتعوض.
قال عز ساخرًا:
_سبها تفوتنا احنا العضمة كبرت ومبقاش ده زمانا.
تساءلت دينا بغضب:
_طب فهمونا طيب بتتكلموا عن أيه؟!
أجابها يحيى:
_عن بطولات الشباب... والله ما قصروا ورفعوا رأسنا وكله كوم وابني كوم تاني، ما شاء الله واخدها تشريح!
أخفى ياسين ضحكاته، فهمس عمر له:
_هحتاجك وردية بليل بالمستشفى هتفعنا أوي.
دعس قدمه بحذائه، فتلوى ألمًا، ابعدهما أحمد عن بعضهما وهو يهمس بصدمة:
_عمي قاعد احترموا وجوده.
رد عليه ياسين باستهزاء:
_ما احنا بلطجية بقا!
انتهت الاحاديث الجانبية حينما ردد ياسين بحزمٍ:
_اطلعوا أوضكم كلكم محتاجين للراحة.
فور انتهائه لحديثه صعد الجميع تباعًا، ولم يظل على الطاولةٍ الا هي، راقبت الطريق من حولها، فما أن خلت بهما القاعة، حتى هرعت بالجلوس جواره، فتمسكت بذراعه الحامل لقهوته، لتتساءل بلهفة:
_طمني يا ياسين، أيه اللي حصل؟
منحها ابتسامة تبعد عنها ذاك التوتر القاتل، ثم طبطب على يدها بيده وهو يخبرها:
_الكابوس انتهى يا آية، والمجرم مبقاش له وجود!
*******
بغرفة عمر.
أغلقت الباب من خلفها، وهرعت من خلفه، فوجدته يتمدد على الفراش بتعبٍ شديد، دون أن ينزع ملابسه أو يعتدل بمنامته، حركته نور بعصبية بالغة:
_أنت هتنام وتسبني بحط افتراضات كده يا عمر.. قوم كلمني!
همس لها بنومٍ:
_انا تعبان يا نور.. هريح شوية وهقوم احكيلك على كل حاجة.
أشفقت عليه، فتركته وحملت عنه جاكيته الثقيل، ثم اتحنت وخلعت عنه حذائه فاعتدل بمنامته، ليجدها تجذب الغطاء لتداثره به، جذب يدها فطبع قبلة رقيقة على أصابعها وهو يهمس بعشقٍ:
_حبيبتي.
ابتسمت نور وانصاعت ليده التي تجذبها، فمالت برأسها على صدره وغفت بهدوءٍ مفروض عليها تلك المرة.
********
بغرفة ياسين.
وضعها على الفراش، ثم اتجه لسرير الصغيرة فوجدها هائمة بنومٍ مريحٍ، بعد أن قامت والدته بالاعتناء بها، فجذب ملابسه واتجه لحمام غرفته، ابدل ثيابه أولًا ثم تمدد جوارها على الفراش، فسألها بلهفةٍ:
_لسه حاسة بوجع؟
أشارت له بالنفي، وحاولت الاستدارة تجاهه فقابلت عناء بما ترتديه برقبتها، ساعدها ياسين، فتطلعت لعينيه بصمتٍ قاتل، صمت يغلب على شفتيها وما يدور بعينيها يعاكسه، لم يكن بالأحمق يومًا ليفشل بقراءة ما تفكر به، عقله ميزه بالمنصب الهام الذي يديره بالمقر من البداية لذا الحمق والغباء بعيدان كل البعد عنه، قرب ياسين يده من خدها، فمررها على وجهها بحنانٍ، ثم قال:
_بتفكري في أيه يا حبيبتي؟
نفت ذلك حينما قالت:
_مش بفكر في حاجة.
مازحها حينما غمز بمشاكسة:
_على بابا!
زمت شفتيها بضيقٍ جعله يضحك بصوته كله، فاعتدل بمنامته، حتى استقر يغفو على ظهره، فحملق بسقف الغرفة وهو يردد بثباتٍ:
_أمممم... خليني أخمن.. أكيد حازم نقلك اللي حصل فاترعبتي مني وفكرتيني قتال قتلة صح؟
اتكأت على معصمها حتى زحفت بجسدها ويده تحتضن ما يلف رقبتها بانزعاجٍ، فحاولت وضع رأسها على صدره لتستكين بنومتها، وحينما فشلت جلست بتأففٍ وهي تخبره:
_لا مزعلتش عشان الحيوان ده مد ايده على عدي وكان هيقتلني!
التفت اليها فضمها بحنانٍ، ابتسمت بانتصار حينما شعرت بقربها منه دون أن تحيل رباطة عنقها بينهما، فأغلق عينيه باستسلام لنومٍ قاتل وهو يردد بنعسٍ:
_مفيش مخلوق هيمسك طول ما أنا جنبك يا ملاكي.
ابتسمت وهي تراقبه، فوجدته غفى بنومٍ عميق ومازالت يدها تحتضن جسدها إليه، اشرأبت بعنقها قليلًا، فطبعت قبلة على جبينه وهي تهمس بحبٍ:
_ربنا ميحرمني منك ياحبيبي.
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه، وكأنه يشعر بوجودها، فاستسلم لنومه ولحقت به بإرهاقٍ هي الاخرى.
*****
بغرفة آسيل.
جابت الغرفة ذهابًا وايابًا، وعينيها تراقب الفراش بغيظٍ، استمعت لخطبته الطويلة بالا تزعجه لارهاقه الشديد وبوعده القاطع لها بأنه سيقص كل شيء بمجرد استيقاظه، حاولت تهدئة ذاتها لتنتظر استيقاظه ولكنها لم تستطيع، فأخذت تراقبه بحنقٍ شديد، زفرت آسيل بغيظٍ جعلها تكاد تبتلع ذاتها، فرفع أحمد الغطاء عنه، ثم مال بجسده ففتح مصابحه الجانبي وقال بابتسامة ساخرة:
_عايزة تعرفي أيه يا آسيل عشان يجيلك نوم وتسبيني أرتاح أنا كمان!
تهللت تعابيرها، فركضت اليه وصعدت فوق الفراش بعشوائيةٍ كادت باسقاطها، تعالت ضحكاته وهو يساندها مرددًا بعدم تصديق:
_طب براحة هو أنا ههرب.. أمال لو كنت من الرجالة القفوشة اللي مش بتتكلم مع زوجاتها كنتي هتعملي أيه؟
جلست جواره واجابته:
_كنت هقتلك يا حبيبي، أنا بحب الرغي وطول عمرك بترغي معايا وبتحب تسمعني ولا اتغيرت.
تلاشت معالم مزحه تدريجيًا وقال ببسمةٍ عاشقة:
_ولأخر حياتي هفضل أسمعك وعمري ما همل حتى لو كان كلامك أغلبه تافهة، هحاول أشاركلك كل تفاصيلك وهجتهد في ده.
ابتسمت برضا، وتناست كلماته حينما صوبت له سؤال مباشر:
_قولي كنتوا فين بقا؟
ضيق عينيه بمكر:
_مش عمي قالكم كنا بنحارب!
جاهدت انغلاق عينيها للنوم بعدما قضت ليلها بانتظاره، فقالت وهي تقاوم:
_حرب أيه.. اديني تفاصيل!
جذب أحمد الوسادة فوضعها خلف ظهرها ثم بدأ بقص ما حدث عليها، وحينما انتهى واستدار تجاهها وجدها تغفو بنومٍ عميق، تعالت ضحكاته الرجولية، وردد ساخرًا:
_هو أنا بحكيلك حدوتة قبل النوم!
ثم تمدد جوارها وجذب الغطاء فوقهما وهو يهمس بنومٍ:
_المهم انها هتسبيني أنام في سلام!
******
خرج من حمامه الخاص فاتجه لخزانته لينقي ما سيرتديه بعد حمامه الساخن، فوقفت رحمة بالخارج وهي تردد:
_كنت فين كل ده يا عدي، وليه مكنتش بترد على موبيلك أنا قلقت عليك!
جذب بنطال أسود فارتداه وهو يجيبها:
_أنا كويس وده المهم.
لحقت به للداخل بعدما أيقظ كل طاقة غضب اختبأت خلف وجهها الرقيق، فصاحت به:
_يعني أيه كويس! انا بسألك كنت فين دي مش اجابة لسؤالي يا عدي، وايدك أيه اللي حصلها!
قالت جملتها وهي تشير ليده، فجحظت عينيها في صدمة حقيقية جعلت فمها ينفتح على مصراعيه، ضمت يدها على فمها وهي تراقب أثار الاحمرار العميق على صدره وظهره، وبعض الخدوش السطحية، رفعت عينيها المغرقتان بالدموع وهي تشير له:
_ده أيه؟
ارتدى التيشرت الخاص به، ثم دنى منها وهو يضمها اليه:
_رحمة أنا كويس والله.. ده موضوع صغير واتحل الحمد لله.
ابعدته عنها وهي تردد برهبةٍ:
_المجرم ده اتعرضلك صح.
ضيق عينيه بذهولٍ، وقد باتت الخزانة ضيقة تخنقه رويدًا رويدًا، فعادت كلمات ذاك الأرعن تتشكل من أمامه حينما أخبره بأمر مصطفى وما فعله بزوجته، استجمع الآن كل الخيوط، فتطلع لها مطولًا قبل أن يردد بدهشة:
_ده السر اللي كان بينك وبين بابا؟ مصطفى مش كده!
برقت بدهشةٍ، فهزت رأسها نافية بخوف وبكاء، جعلها تردد بارتباك:
_مصطفى مين، أنت بتقول أيه يا عدي أنا معرفش أنت بتتكلم عن أيه؟
تألم للغاية وهو يحاول تخيل ما مرت به بدونه، ما واجهته لأجله، دون أن تطالب سنده ومأمنه بعيدًا عن هذا اللعين، ضمها اليه بقوةٍ جعلتها تنهار باكية بين ذراعيه، فربت عليها بحنان وهو يخبرها:
_كل شيء انتهى يا رحمة، ومصطفى أخد جزاته اللي يستاهلها.
فاضت اليه بما خبأته طوال تلك المدة، فوجدته يضمها ويحتوي جروحها، يكفيها حالة الهلع التي خاضتها دونه، أبى لها البعد بتلك اللحظة العظيمة من المشاعر والعواطف، فاقتبس من رحيقها وتركها تغدو منه، لتصبح رغباتهما محرمة للأعين التلصص عليها!
*********
لم تكن بحاجة لسماع مبرراته، تعبه كان بادي على وجهه وضوح الشمس، لذا تركته نسرين يرتاح، وحملت ثوب نومها ثم اتجهت لحمامها الخاص، علها تشعر بالتحسن قليلًا لما يهاجمها بالفترة الاخيرة من وجعٍ حاد، خاصة بعدما باتت بمنتصف الشهر التاسع من حملها، فاستندت على الحائط حتى ولجت للحمام، فضغطت على مكبس الدوش، ثم انغمرت أسفل المياه لدقائقٍ شعرت بها بتحسن ملحوظ، فجذبت قميصها القطني الطويل، وارتدته بهبوطٍ شديد أصابها فجأة، فشعرت بأن الحوائط الأربعة تلتف بها، ووجعًا عظيمًا يطعن أسفل بطنها، تمايل جسد نسرين للخلف حتى استسلمت لجلوسها أرضًا خشية من أن تسقط فيتأذى جنينها، وحينما بات ألمها غير محتمل، صرخت باكية:
_حـــــــــازم!
اعادت تكرار اسمه ببكاءٍ مرة تلو الاخرى، حتى انزعج بمنامته، فانتفض بالفراش وهو يردد بهلعٍ لسماع بكائها:
_نسرين!
أشغل اضواء الجناح بأكمله وبحث عنها بخوفٍ، حتى تسلل صوتها اليه، فطرق على الباب عدة مرات وهو يتساءل:
_نسرين أنتي جوه؟!
أتاه صوتها الخافت تستغيث به:
_الحقني يا حازم.. مش قادرة هموت!
سماعه لبكائها جعله يكاد يفقد صوابه فتساءل بقلق:
_ابعدي من ورا الباب!
كانت بالفعل بعيدة عنه، فاندفع تجاهه بجسده بكل قوته، عدة مرات حتى انصاع خضوعًا إليه، فأسرع حازم للداخل فوجدها تجلس أرضًا وملابسها ممزوجة بالمياه والدماء، سقط قلبه بين قدميه، فحملها بين ذراعيه ثم جذب اسدالها ومفاتيح سيارته وهبط بها لسيارته وهو يخبرها:
_متخافيش أنا جانبك!
.......... يتبع........
#الجارحي5.. #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
رواياتي الورقية موجودة في معرض الرياض مع ابداع للترجمة والنشر والتوزيع ❤
***_____****
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس...(#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_الثامن_والعشرون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "إيمان السعيد"،"منى الشحات"،"رانا خالد"،"غادة عبد الرازق"،"أماني النجار"،"شهد عبد الرازق"،"مريم كامل"،"اسراء أسامة"،"داليا ابراهيم" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
قابله أحد الحرس فأسرع بفتح باب سيارته، وضعها حازم بحرصٍ بالمقعد الخلفي، ثم صعد جوارها وهو يقذف مفتاح السيارة للحارس ليأمره بضيقٍ:
_أنت لسه هتتفرج عليا، اطلع على أقرب مستشفى بسرعة!
التقط المفاتيح ببراعةٍ، وأسرع للمقعد الأمامي، فتحرك به للمشفى على الفور، والاخيرة مازالت متشبثة بزوجها، وتهمس بوجعٍ قاتل:
_مش قادرة يا حازم.
ضمها إليه غير عابئ بإتساخٍ ملابسه، فانحنى تجاه نافذة السيارة يراقب الطريق، وتساءل بقلقٍ:
_لسه كتير؟
هز الحارس رأسه وهو يجيبه:
_لا يا باشا خلاص قربنا أهو .
وبالفعل ما هي الا دقائق معدودة حتى وصل بهما لمشفى خاص، هبط حازم ثم انحنى بجسده تجاهها فعاونها على الهبوط، ثم حملها بين ذراعيه، وأسرع بها لداخل، فهرول تجاهه الممرضين، عاونها على الجلوس على المقعد المتحرك المجاور لباب الأستقبال، ثم دفعوها للداخل، بينما طالبه موظف الاستقبال ببعض البيانات التي قد تعاون الاطباء بسرعة اسعافها داخل العمليات، فطالبوه بهويته ومبلغ دفعة أولى من حساب المشفى، مرر يده على جيب بنطاله بعصبيةٍ بالغة حينما تذكر هبوطه المسرع بها دون اللجوء لهويته أو حتى لمحفظته، فقال للموظف:
_دقايق هطلب حد من البيت يجبلي البطاقة.. بس من فضلك شوفوا حالتها الأول.
أجابه الموظف بلطفٍ:
_أكيد.. الدكاترة جوه بيشوفوا الحالة.
ابتعد حازم عن مكان الاستقبال، ثم نادى الحارس فاستعمل هاتفه بمكالمة طارئه، طلب أخيه وترقب اجابته بصبرٍ زهق عنه، يود بتلك اللحظة التوجه خلفها للداخل للاطمئنان عليها، حمد الله بتلك اللحظة حينما أتاه صوت أحمد يجيب:
_الو.
أجابه مسرعًا:
_أحمد أنا حازم.
باستغرابٍ تساءل:
_رقم مين ده؟!
=مش وقته.. عايزك تجيلي على مستشفى... حالًا، وهات معاك بطاقتي ضروري.
نهض عن الفراش بصدمة وهلعًا:
_بتعمل أيه في المستشفى أنت كويس!!
أجابه بإيجازٍ:
_نسرين بتولد وأنا معاها لوحدي ونسيت بطاقتي وفلوسي.
=متقلقش أنا جايلك حالا
_متقولش لحد أنت شايف الوضع عندك بنفسك.
=حاضر زي ما تحب.. بس ابعتلي الموقع.
انهى مكالمته معه، وأسرع لحمام غرفته، ابدل ملابسه لبنطال رمادي وقميص أبيض أنيق، وجذب مبلغ من المال من خزانته الخاصة وهويته، ثم اتجه للمغادرة، فتوقف فجأة حينما استعاب حاجة أخيه لبطاقته لتقيد المولود واتباع الاجراءات اللازمة، جز بأسنانه على شفتيه السفلى بتفكيرٍ قاطع، كيف سيسمح لنفسه بالدخول لجناح أخيه الخاص، كُل محرم تواجده بالجناح الخاص وبالأخص غرفة النوم لا يسمح لأي شاب مهما كانت مكانته بتجاوز هذا القانون الا لأضيق الحدود بوجود الزوج والرجال أحيانًا، رفع أحمد ساعته اليه ليجدها السادسة مساءٍ، وبالطبع بعد عودتهم بالصباح مازال الجميع بسباتٍ عميق، اتجهت نظراته لزوجته التي تتمدد الفراش بإرهاقٍ، فلم يمتلك أي حلول أخرى سواها، أسرع ليجلس قربتها، فأبعد خصلات شعرها المنسدلة لتخفي ملامحها عنه، تردد بإيقاظها لعلمه حالتها المضحكة التي تستحوذ عليها حينما يحاول ايقاظها ومازالت لم تأخذ حقوقها كاملة بالنوم، ومع ذلك حاول مضطرًا لذلك، فهمس بصوته هادئ وابتسامة مضحكة تسبقه:
_آسيل!
عاد ليناديها مجددًا:
_آسيل اصحي محتاج مساعدتك.
كانت كالتمثال المستلقي، فإن حركها شمالًا تنصاع إليه وللجانب الأيمن تنصاع له، ضحك وهو يردد بمكرٍ:
_أنا آسف بس مضطر صدقيني!
وحملها بين ذراعيه ثم ولج بها لحمام غرفتهما، فأسندها أمام حوض المياه، وبذراعه الأخر جذب المياه ليدفعها بوجهها برفقٍ، فتحت عينيها بصعوبةٍ وهي تردد بنومٍ:
_أيه يا أحمد.. حرام عليك سبني أنام أنا استنيتك للظهر ولسه نايمه.
واستندت برأسها على صدره لتغوص سريعًا بالنوم غير عابئة برزاز المياه المنسدل فوق رأسها، أغلق أحمد الصنبور وأبعدها عنه فترنحت على ذراعه، وبذراعه الاخر لطم وجنتها وهو يحاول السيطرة على ضحكاته قدر المستطاع فقال بحزمٍ مصطنع:
_آسيل فوووقي... نسرين بتولد بالمستشفى ومحتاج بطاقة حازم من أوضته وشوية لبس للبيبي ولنسرين!!
فتحت نصف عين وهي تتساءل بنوم:
_مين؟
أجابها بضجرٍ:
_نسرين!
لفت ذراعيها حول رقبته وهمست وهي تنصاع خلف أحلامها الوردية:
_وديني السرير وغطيني وهي هتبقى زي الفل بكره.. عادي بتحصل بتحصل.
برق بعينيه لوهلةٍ وهو يحاول يستوعب ما تقول، ظنها تخبره بأن يساعدها على ارتداء جلباب محتشم لتخرج وتساعده بصدر رحب وفزع ينتابها لمعرفتها بما قال، فدفعها للخلف وهو يصيح :
_فوووقي وركزي.. حازم هناك لوحده والبيت كله نايم!
حكت شعرها بضيقٍ وغيظٍ ينتابها، فتحركت للخارج بخطواتٍ شبه متعثرة، ثم فتحت خزانتها فجذبت جلباب أسود فصفاض ينغلق بأزرر لنهايته، ارتدته واستندت برأسها على باب الخزانة فغفت محلها، راقبها أحمد بصدمة، فصاح بها:
_آسيـل!
اهتز جسدها وكأن أصابها زلزل، فجذبت الحجاب وطرحته باهمال على خصلات شعرها فسقط أرضًا من خلفها دون أن تراه، واستكملت طريقها اليه وهي تخبره بنعاسٍ:
_لبست أهو!
وزع نظراته بين ححابها المترنح أرضًا وخصلاتها المنسدلة، وتساءل بتذمرٍ:
_هتخرجي كده؟
صاحت بعصبية بالغة:
_والله العظيم أسيبك وادخل أنام أنت خنقتني مش كفايا أنت السبب في سهري وقلقي طول الليل راجع تكمل عليا وتقلق منامتي انت ومرات أخوك!
تعالت ضحكاته فأشار لها بهدوءٍ وهو ينحني ليجذب هو الحجاب ويعقده حول رأسها:
_أنا آسف يا روحي.. أنا فعلا اناني وقلبي جاحد اني أزعجتك، وعد مني هسيبك تريحي يومين وههتم بالاولاد لحد ما تعوضي الليلة دي.. مرضية كده.
اكتفت بإيماءة بسيطة وهي تغلق عينيها دون رؤيته، فأشار لها بالانصراف.
ولجت آسيل للجناح الخاص بحازم ونسرين، قضت بالداخل أكثر من ثلاثون دقيقة ومازال أحمد بالخارج يمضي طريقه ذهابًا وإيابًا وكأن زوجته هي التي تخضع لجراحة المولود وليست زوجة أخيه، فهمس بسخرية:
_ممكن تكون نامت جوه!
خابت ظنونه حينما فتحت الباب وخرجت للخارج بخطواتٍ متعثرة، كادت بها بالسقوط، أمسك بها أحمد وهو يردد بضحكة:
_أشهد أن لا اله الا الله... أنا افتكرتك نمتي جوه!
استندت على ذراعه ورددت بتكاسل:
_مش بيجيلي نوم غير في سريري!
تطلع لها بصدمة، وبداخله يحمد الله بأنها كذلك فربما كانت ستغفو بالداخل فوق الأساس ان اضطر الأمر، تمسك بها أحمد وحاول فتح الحقيبة بذراعه الأيسر، فوجدها تخص ملابس المولود ونسرين، أغلقها وهو يتفحص ما أحضرته، فوجد بالمكان الصغير الخاص بالحقيبة جواز السفر الخاص بحازم وقسيمة زواجه، وبعض من متعلقاته الخاصة كأوراق تعليمه ودراساته، وأخيرًا وجد بطاقته الخاصة، انتقلت نظراته إليها فقال ساخرًا:
_أنتي عبيتي كل الاوراق اللي في الخزانة!
وتابع وهو يفصل الاوراق الغير هامه:
ده لو طالع هجرة مش هيحتاج كل المستندات دي!
همست له آسيل وهي تترنح خلف انحناء جسده لوضع الاوراق على الطاولة القريبة من جناح أخيه:
_رجعني سريري بقا.
أشار له وهو يتجه للدرج:
_أنا اتاخرت يا آسيل، أنا همشي وانتي ارجعي كملي نومك.
أومأت برأسها بخفةٍ، فحمل الحقيبة وأسرع للمصاعد، ففتح باب أحداهم وكاد بالولوج، استدار تجاهها فوجدها تجلس على أحد المقاعد وتحتضن الطاولة بجسدها، وتغوص برحلة منامتها غير عابئة بما يحدث حولها، ترك الحقيبة عن يده ثم دنا منها، فحملها وهو يردف:
_أنتي بني آدمة تانية وأنتي نايمة.
وضعها بالفراش وجذب الغطاء ليداثرها، ثم كاد بالخروج فتوقف مجددًا وهو يتجه اليها ببسمة عاشقة تتأمل تفاصيلها، كاد بتحريكها فتوقف وهو يمرر يده على وجهها حتى لا يفزعها للمرة الثانية، فردد بهمس خافت:
_آسيل.
انزعجت معالمها بطريقة تمردت ضحكاته لاجلها، وخاصة حينما قالت:
_عايز أيه تاني يا أحمد!
طبع قبلة على جبينها وهي يخبرها من بين ضحكاته:
_لا مش عايز حاجة.. أنا راجع أقولك اني موبيلي فاصل شحن وبيشحن قدامك أهو عشان متقلقيش عليا زي امبارح.. تمام؟
فتحت نصف عين وهي تخبره:
_أنت رايح فين؟
سقط فوقها من فرط الضحك وردد بصعوبة:
_آسيل عشان خاطري فوقي عايز أمشي ومش هيهون عليا قلقك تاني.. أنا رايح المستشفى عشان نسرين بتولد.. عشان أيه؟!
هزت رأسها وهي تردد كمن يلقنها درسًا تحاول حفظه:
_نسرين بتولد.
ابتسم وهو يشير لها باعجابٍ:
_براڤو... يلا كملي نومك.
وتركها وغادر على الفور، ففتحت نصف عينيها وهي تتأمل الغرفة، فرددت بنومٍ:
_هو كان بيقول أيه؟
وهزت كتفيها بعدم مبالاة، ثم تمددت لتغوص ببحرها العميق وجسدها يحتضن الوسادة براحةٍ
*****
هبط مسرعًا الطابق السفلي، فأسرع بخطاه للخارج، توقف فجأة حينما استمع لصوتٍ خشن يناديه:
_أحمد!
التفت للخلف فوجد ابيه يجلس جوار الشرفة وبيده الجريدة وكوب من القهوة، وضعها عن يده ونهض اليه يتساءل بدهشةٍ:
_رايح فين دلوقتي أنت مش راجع تعبان؟
أجابه سريعًا:
_نسرين بتولد وحازم محتاج بطاقته.. لازم أروحله حالًا لاني اتاخرت.
أسرع إليه حمزة، وهو يجذب جاكيته الملقي على الأريكة:
_استنى يا ابني أنا جاي معاك.. ربنا يسترها وتقوم بالسلامة يا رب.
خطى خطوتان تجاه باب الخروج واستدار اليه يخبره:
_تمام بس حازم مش حابب حد يعرف الوقتي.
أجابه وهو يرتدى جاكيت بذلته الداكنة:
_متقلقش.
*******
بالمشفى.
بقى بالخارج بمفرده يترقب سماع أي خبر من الاطباء، أخر ما وصل إليه بأنه إن تعثر وضعها ستلجئ الطبيبة لاجراء ولادة قيصرية، دثوا المحاليل بأوردتها ومنحوها ثلاث ساعات كمهلةٍ أخيرة، جابت عينيه الردهة المطولة حتى استقرت عينيه على باب المشفى، فوجد أخيه يدلف بصحبة والده، أسرع حمزة تجاهه فجلس لجواره وهو يسأله باهتمامٍ:
_طمني يا ابني؟
رد عليه والقلق يبدو بارزًا بنبرته:
_الدكتورة معاها جوه لسه.
ربت على ساقه وهو يخبره ببسمة هادئة:
_خير يا حبببي.. ان شاء الله تقوم بالف سلامة.
منحه بسمة صغيرة وهو يردد:
_يا رب يا بابا يا رب.
جلس أحمد من جواره، فهزه بمشاكسة:
_الاولاد مش بيجوا بالساهل، اجمد عشان اللي جاي يا زوما.
رسم ابتسامة صغيرة وهو يخبره:
_تقوم بس بالسلامة وأنا جاهز لأي شيء والله.
أكد له بتفائلٍ:
_هتقوم هي والبيبي بالف سلامة.. متقلقش.
منحهما ابتسامة هادئة، وعقله مازال شاردًا بحالتها الآن، صراخها وتأوهاتها الخافتة بين ذراعيه مازالت تتردد داخله، عينيه تترقب باب الغرفة بلهفةٍ، يحسب كل دقيقة بعنايةٍ، ففتح الباب من أمامه وخرجت احدى الممرضات للخارج، أسرع حازم إليها، فتساءل بقلقٍ:
_طمنيني.
منحته بسمة تحمل البشارة ومن خلفها خبره المفرح:
_حمدلله على سلامتها، ولدت وجابت ولد زي القمر.
حملت السعادة لقلب حمزة، فردد بفرحة:
_ما شاء الله تبارك الله.
ولج حازم للداخل على الفور، فوجدها تغفو بالغرفة على فراشها، وجهها كان يصب عرقًا كمن ركضت ألف ميل، حملت الممرضة الصغير لحازم المنشغل بتأملها، فقال دون أن يتطلع تجاهها:
_خديه لوالدي وأخويا بره من فضلك.
انصاعت إليه وغادرت به للخارج، بينما أسرع حازم إليها، فاحتضن كف يدها وهو يناديها:
_نسرين!
فتحت عينيها بإرهاقٍ شديد، ومالت برأسها تجاهه، فمنحته بسمة باهتة، جذب منديلًا ورقيًا، وأزاح عنها عرقها، فدخلت الطبيبة اليهما بعدما انتهت من خلع زي الجراحة، ثم قالت ببسمة عملية:
_حمدلله على سلامتك.. الحمد لله اننا ملجناش للقيصرية..
اكتفت ببسمةٍ صغيرة، واتجهت نظراتها لمن يجلس جوارها، مال برأسه على جبينه وطبع قبلات متفرقة على يدها، وعاتبها بنبرةٍ خافتة:
_قلقتيني عليكي!
أغلقت عينيها بتعبٍ، وهمست اليه:
_أنا كويسة متقلقش.. هتسمي الولد أيه؟
تابعها باهتمامٍ فوجدها أغلقت عينيها باستسلامٍ لنومٍ بعد عذاب قضته لساعاتٍ، اعتدل حازم بجلسته حينما وجد أحد الممرضات تدنو منها لتساعدها بتغير ملابسها، التقط منها الحقيبة بلطفٍ وبإختيار كلمات مناسبة قال:
_من فضلك تقفلي الباب أنا اللي هغيرلها.
منحته ابتسامة عملية صغيرة، ثم خرجت وتركته بمفرده.
*******
بالقصر.
استعاد نشاطه فقرر الهبوط للأسفل، لانجاز بعض الأعمال المتعلقة بالمقر نيابة عن الشباب، هبط رعد للأسفل، ثم اتجه لغرفة المكتب الرئيسية، فاندهش من رؤيته للضوء يغمره، فتح بابه فوجد ابنه يغفو على الأريكة الجانبية السوداء، ضيق عينيه بذهولٍ، فاقترب منه ثم ناداه باستغراب:
_رائد!
فتح عينيه بتكاسلٍ، فاعتدل بجلسته سريعًا وهو يردد بخفوتٍ:
_بابا!
جلس جواره وسأله بشكٍ:
_رانيا طردتك؟!
منحه نظرة ساخطة، بدت اجابة صريحه لسؤاله، فضرب كف بالاخر وهو يردد بعدم تصديق:
_انتوا لحقتوا!!!!
خرج عن هدوئه حينما صاح بانفعالٍ:
_نفس اللي قولتهولها.. مع انها راكبة معايا وسمعاني وانا بحكي اللي حصل لحضرتك لا مصرة تسمع تاني مني وأنا راجع مش قادر أفتح عيني.
ازاح عنه جاكيته ثم حرر جرفاته، فانتظر سماع باقي الاحداث، وحينما وجده صامتًا، فقال:
_وبعدين؟
امتعضت معالمه وهو يسترسل:
_قالتلي شوفلك مكان تنام فيه لحد ما تفوق وترجع تحكيلي اللي حصل فنزلت هنا!
هز رأسه بسخرية، لحقت نبرته:
_انتوا مش ناوين تكبروا وتعقلوا بقا، دي مريم بقت عروسة!
أجابه باستنكار:
_أنا تربيتك وعاقل هي اللي مخها طاير منها!
رد عليه رعد باستهزاءٍ:
_مهو لو تربيتي طمرت فيك مكنتش وصلت للمرحلة دي مع مراتك.
ولف يده حول كتفيه وهو يدنو منه ليهمس بحديثه الهام:
_يا ابني الستات دول زي البسكوتة، عايزة معاملة خاصة، بمعنى انك تكون حريص في التعامل معاها، وذكي لان أهم حاجة الذكاء مش العناد!
واستطرد بمزحٍ:
_يعني تعرف ازاي تبقى الشاي السخن اللي تدوب البسكوتة فيه، وازاي تبقى اللبن البارد اللي مستحيل يقصر فيها، فهمت حاجة!
لوى شفتيها وأخبره بسخرية:
_احنا هنقلبها سوبر ماركت!، أنا وضعها ده خنقني ولازم تتصرف يا رعد باشا عشان ابنك خلقه كنز!
جذب الملف الموضوع على الطاولة جواره، ثم قذفه بوجه من تمدد استعدادًا لنومٍ مريحًا غير عابئًا بمن يوجهه، استقام بجلسته مجددًا، فتابع رعد بغضب:
_أنت غبي ومتستاهلش المحاضرات اللي قاعد ادهالك.. أنا هقعد أكمل شغل أفضل.
وتركه واتجه للمقعد الرئيسي الخاص للمكتب، فلحق به حتى جلس قبالته على أحد المقعدين، فلعق شفتيه وهو يتساءل بغيظٍ:
_طب أنا أسف قولي أعمل أيه وأنا هعمل!
*****
بالأعلى.
شعر بأظافر حادة تخترق ذقنه النابتة، ففتح عينيه بتكاسلٍ، ليتفاجئ بصغيرته تستقبله بأروع ابتسامة، تململ جاسم بفراشه، وهو يردد ببسمةٍ واسعة:
_مساء الجمال يا تولي.. طبعًا انتي معرفتيش تنامي خالص صح؟
وضعت الرضيعة (البيبرونة) بفمها، وصوته الرفيع يعلو بضحكاتها، التفت جاسم تجاه داليا فوجدها تتحرك بالفراش بانزعاجٍ شديد، فسحب قميصه الملقى على المقعد المجاور اليها ثم ارتداه وحملها للشرفة، وهو يهمس لها بطريقة مضحكة:
_هوووش مامي نايمة وش الصبح وبتتلكك لابوكي، يرضيكي يتنكد عليا دلوقتي؟
تعالت قهقهة الصغيرة ومعها ضحكاته، فقال بدهشة ومازال مستمر بضحكاته:
_أيه اللي يضحك في كده؟!
وبشكٍ قال بعدما وضعها على سور التراس وحاصرها بيده جيدًا:
_شكلك بتنبسطي لما مامي تهزقني صح!
عادت الصغيرة لضحكاتها، فتصنع جديته بنظراته الحادة، فما أن تهدل فمها بغضب طفولي، فكادت باللجوء للبكاء حتى تهللت اساريره وتعالت ضحكاته بنصر:
_أيوه كده لازم تكون مشاعرنا متصلة ببعض مينفعش قلبك يبقى جاحد عليا ده انتي بنتي الوحيدة!
_طب وأنا!
همساتها خافتة لامست أذنيه، ويدها كانت تحتضنه من الخلف، ابتسم جاسم والتفت للخلف، فوجدها استيقظت، تحركت داليا للامام فجلست جوار ابنتها وحركت قدميها بعشوائيةٍ وهي تخبره:
_أنا مش بنتك الكبيرة ولا أيه؟!
حمل الصغيرة عن السور اليه، ثم احاطها بذراعه وهو يغمز لها بمكرٍ:
_انتي بنت قلبي وفلذة كبدي وكل الاجهزة الحيوية.
تعلقت برقبتها، ثم مالت لتحتضنه، فردد بصوت منخفض:
_الرضا الغريب ده مش طبيعي، أنتي كويسة؟!
ابتعدت عنه باستغرابٍ، فاشار لها بالاقتراب وهو يقرب خده منها، وضعت خدها فوق وجنته فتفحص حرارتها وهو يردد بدهشةٍ:
_أمورك تمام أهو أمال أيه الدنيا؟
أعادت خصلة تمردت على عينيها وهي تخبره بنظرة خبيثة:
_مفيش.. قررت أجيب أخ لتولين، مش حاباها تكون لوحدها.
جحظت عينيه صدمة، فسألها بقلقٍ:
_متأكدة من قرارك ده؟
أومأت برأسها والارتباك يبدو على معالمها فقال بتعصب وهو يحمل الصغيرة ويدلف للداخل:
_لا أنا مش موافق يا داليا.
لحقت به وهي تردد بتعجبٍ:
_أيه!
قال باصرار:
_زي ما سمعتي كده انتي نسيتي اللي حصل معايا بسبب ولادتك ولا ايه؟!
وحمل الصغيرة واتجه للاسفل على الفور، فما أن غادر حتى انفجرت من الضحك حينما عاد اليها طيف ذكرى ما حدث بولادتها الاولى.
****
كان بطريقه للاسفل ومازال يهمس بكلمات لازعة، عينيه كانت تراقب باب غرفته ظنًا من أنها ستلحق به، اصطدم جاسم برائد فصاح به بانفعال:
_مش تفتح يا معتوه هتوقع البنت منك!
معالمه كانت مشدودة بشكلٍ استدعى الاخير لسؤاله المتهم:
_في أيه.. اتخنقتوا عاشر؟
اتجهت نظراته اليه، فقال ساخرًا:
_وأنت ورانيا الحب بينكم مولع في الاجنحه!
لوى فمه بحنكٍ، فتركه واتجه للاريكة القريبة من الدرج وهو يخبره:
_الستات كلها خلقت للنكد!
حمل جاسم صغيرته واتجه ليجلس جواره، فربت على كتفه وهو يقول:
_ ربنا كبير قادر يهديهم.
هز رأسه باقتناع، والتفتت تجاهه ليسأله باهتمام:
_طب قولي انت وداليا متخانقين ليه؟
قال وهو يربت على الصغيرة:
_مفيش.
دفعه برفق:
_يا عم قول أنت هتخبي عليا.
منحه نظرة مشككة، لا يرغب بالبوح له لما سيحدث هنا، فقال بتماسكٍ:
_أختك عايزة تخلف تاني!
ما أن تفوه بكلماته حتى شدد عليه:
_متضحكش!!
كبت رائد ضحكاته بصعوبة وهو يشير له بتقبله للامر وبقائه صامدًا، ولف رأسه للجهة الاخرى ثم تعالت ضحكاته حتى أحمر وجهه، فانتصب جاسم من جواره وهو يصيح به:
_أنت انسان تافه زي أختك.. فكرك اني مجنون هساعدها وبعد كده تفضحني عشان تحفلوا عليا سنة لقدام زي ما عملتوا!
نهض عن مقعده وهو يشير له بثبات يجاهد له:
_أنا مقدر موقفك.. بس هنعمل أيه ده حقها يا حبيبي!
جحظت عينيه صدمة، فقال باستنكار:
_حقها تقوم تسيحلي في نص الشارع وانا واخدها للدكتور بعد ما جالها الطلق بنية سليمة، تقوم تصرخ وتلم علينا الناس وتقولهم اني اتحرشت بيها!!
واستطرد بعصبية:
_انت عارف عملوا معايا أيه في القسم، دول رموني مع المجرمين وأقسمتلهم اني جوزها محدش مصدقني!! كل ده ليه عشان الهانم مش قادرة تتحمل وجع الولادة!!
وارتخت معالمه وهو يخبره:
_عارف لو كنت اتاخرت عليا انت وياسين شوية المجرمين كانوا هيعملوا معايا أيه؟!
انفجر ضاحكًا فربت على كتفه وهو يخبره بصعوبة بالحديث:
_متخافيش يا حلوة شرف العيلة لسه زي البفتة البيضة!
دفعه للخلف بعصبية:
_بتهزر.. أنا اتبهدلت بسبب اختك واترجتها تتكلم وتقول الحقيقة قلبها قسي بسبب وجع الولادة وافترت عليا، حلفت للظابط اني جوزها وانه يشوف البطايق ولا عبر.. ثم اني هتحرش بيها ازاي وهي عاملة زي القنبلة المؤقتة!!
ربت على ظهره ومازال يجاهد لثبات قامته من فرط الضحك:
_ميبقاش قلبك أسود أمال، اللي فات مات.
وضع الصغيرة بين يده ثم قال بسخط:
_خد دي.. روح لاختك عقلها حمل تاني لا الا لو هتضمنلي إني أكون بره مصر وقت ولادتها.. ومش راجع الا لما ترجع لطبيعتها وتبقى بني آدمة تاني!
حمل عنه رائد الصغيرة وراقبه وهو يهرول للاسفل، فاتحه بها خلفه وهو يناديه بدهشة:
_جاسم.. خد هنا.. احنا بنتناقش يا بني آدم!
*******
بالمشفى..
نُقلت لغرفة مريحة بعد الولادة، فما أن استعادت وعيها حتى وجدت حازم وأحمد لجوارها، واستدارت تجاه السرير المتحرك الخاص بالصغير، فوجدت حمزة يحمله بين ذراعيه بحنانٍ، فقابلها ببسمة هادئة وهو يخبرها:
_حمدلله على السلامة يا حبيبتي.
منحته ابتسامة هادئة، ثم قالت:
_الله يسلمك يا عمي.. تسلم.
حمل عنه أحمد الصغير، فطبع قبلة على جبينه وردد بفرحة:
_ما شاء الله تبارك الله قمر.. ربنا يباركلكم فيه يا رب.
لف حازم يده حول كتفيه ثم قال بمشاكسةٍ:
_بص يابو حميد أنت تتكفل بالواد ده عشان بطلع محترم وطيب زيك كفايا خالد بقى منحل زيي.. لذا مينفعش تتخلى عنه سامعني.
قال حمزة بسخرية:
_كويس انك معترف بجنانك وانحرافك، وعلى فكرة انا بنفسي اللي هخلي أحمد ابني يريبه أنت غير مسؤول ومؤهل بده.
تعالت ضحكات نسرين وهي تتابعهما بتسليةٍ، فقال حازم:
_كده يا موزة وأنا اللي كنت هسمى الواد حمزة عشان نستبارك بيه!
رمقه بنظرةٍ حانقة وهو يردد بغضب:
_لا يا حبيبي أبعد عني أنا زي الفريك محبش شريك.. سميه أحمد على اسم أخوك العاقل المحترم، اياكش بس تبعد عنه وتسيبه يطلع لاخوك كفايا خالد اللي يا قلب أمه مقضيها وراك حلبة مصراعة، الولد بقى محتار المرة الجاية هيحدفك بأيه من كتر الابتلاء اللي بقى فيه.
ضحك حازم، وأشار له بجدية:
_عيوني هسجله أحمد أنا أطول انه يطلعله.
ابتسم أحمد اليه، واقترب ليضعه بيد نسرين قائلًا بمحبة:
_ربنا يجعله بار بيكِ، ويحميه من كل سوء.
أمنت بود:
_يا رب.. تسلم يا أحمد.
أشار حمزة لحازم قائلًا ببسمته الهادئة:
_هنخلص أنا واخوك الاجراءات وأنت جهز مراتك عشان هنرجع البيت.
******
لساعاتٍ طويلة حاول بها النوم، ولكنه لم يستطيع، لذا نهض عن فراشه وصعد للطابق الاخير، افتقد وجوده بتلك الغرفة التي تحمل كل ما يخص عمله، ابتسم عدي بتهكمٍ وهو يتأمل الغبار يملأ صالته الرياضية المنعزلة عن الجميع، كان يرفض مشاركة ابناء أعمامه بالصالة الخاصة بهم، كان الجيم لا يناسبه تمامًا، فكان يراهم يمارسون رياضة لا تناسب مستواه كظابط شرطي، تدريباته كانت مختلفة تمامًا عنهم، لذا كان يلجئ للتدرب هنا منعزلًا عن الجميع، يقف بذاك المكان متخبطًا لا يعلم هل يشتاق لبقائه هنا منعزلًا أم لا يشعر بذلك للفترة التي قضاها بصحبتهم، خطى ليصبح بمنتصف الصالة، فمرر يده على جهاز الركض الخاص به وعاد بذكرياته للخلف، ابتسم وهو يردد بغموض:
_مش هتبطل تمشي ورايا وتراقبني؟!
خرج من خلف الباب يجيبه بتذمرٍ:
_يا أخي أنت مركب عيون ورا؟!
استدار اليه عدي، فدنى عمر منه ثم قال بابتسامة يملأها الفرحة:
_طبعًا لازم أكون جانبك واشاركك فرحة رجوعك للشرطة يا حضرة المقدم!
رفع عدي يده على كتف أخيه ثم قال:
_أنا اللي سعيد انك هترجع لشغلك يا عمر.. كنت حاسس بالذنب طول الوقت لما عرفت ان بابا بعدم عن شغلك بسببي.
تلاشت ابتسامته وقال بعتاب:
_لو مكنش عمل كده مكنتش هستمر في شغلي، أنا معاك دايمًا ومشاركك في كل قرار سواء في صفك أو جاي عليك.
وبمزحٍ استطرد:
_وكان نفسي أكون معاك بنفس الكلية والشغل بس أعملك أيه دماغك مش جايبة غير الاسلحة والمجرمين وأنا دكتور محترم!
ضحك بصوته كله، وقال وهو يضمه اليه:
_في دي عندك حق..
_بابا جدو قالي ان حضرتك رجعت الشرطة!
كلمات متلهفة قالها ياسين الذي ركض للاعلى بكل طاقته، ابتعد عمر عن عدي، فوجد ابنه يلتقط أنفاسه بصعوبة، والفرحة تجعل عينيه يلمعان بسعادة، فاتجه اليه وهو يهز رأسه ببسمة صغيرة:
_ياسين باشا سامحلي بده بس لسه قدامي عقبة تانية.
تساءل الصغير بدهشة:
_عقبة مين؟
واتجهت نظراته لعمه فسأله بحزن:
_أنت يا أنكل عمر!
رفع يده بمزحٍ:
_لا والله أنا عقبة بالفراولة يا ياسين!
ضحك الصغير رغم قلق موقفه، فاخبره عدي بضحك:
_مامي لسه معرفتش بالقرار ده.
ضم الصغير شفتيه معًا، وصمت قليلًا يفكر بالامر، وقال بعد حيرة:
_حاول تقنعها يا بابي، أنا عايزك أنت اللي تعلمني عايز أكون زيك أنت.
انحنى عدي اليه وضمه بقوةٍ، وهمس اليه بحب:
_هتكون أحسن مني يا حبيبي!
لاحظ عدي من يقف قبالته، فرفع عينيه ببطءٍ فوجد أبيه يراقب ما يحدث بثبات، فاستقام بوقفته وهو يمسك يد ياسين، فتحرر عن صمته وهو يسأله باستغراب:
_ليه مقولتلهاش لحد دلوقتي؟
أجابه وهو يتطلع لاخيه الذي يشير له بالبوح عل المساعدة تأتيه من القوات العليا (ياسين الجارحي) ، فقال:
_مش حابب أزعلها في وقت زي ده.
دنى منه ياسين بخطواتٍ متهدجة، فرفع عينيه اليه بصرامةٍ تلازم نبرته:
_بالعكس ده الوقت المناسب انها تعرف قراري، عشان متفكرش انك خبيت عليها.
واسترسل قائلًا بمكر:
_أنت تقدر تخلي أي وقت يناسبك ويناسب الكلام اللي هتقوله.. وأنا هقولك تعمل أيه بالظبط!
******
تململت بنومتها بقلقٍ، فانحنت بجسدها تجاه المصباح الصغير المجاور لها، ما أن ساد الضوء الغرفة حتى بحثت عينيها عنه بدهشةٍ، تفاجأت رحمة بعدم وجوده بالغرفة، ولاحظت تحرر مقبض الباب، ليطل بهالته من خلفها، يدفع طاولة صغيرة متحركة، حتى أصبحت مجاورة للفراش، وزعت رحمة نظراتها المستنكرة إليه تارة وإلى الطاولة تارة أخرى، فرسم بسمة جذابة على شفتيه وقال بحنانٍ:
_حضرت غدا صغير خاص بينا.
برقت بعينيها بدهشةٍ، ورددت بعدم استيعاب:
_أنت اللي حضرته!
هز رأسه ونظراته الثابتة تحيط بها، رمشت بعينيها بعدم تصديق، فرفعت اصبعها تجاهه:
_طب ممكن ثانية واحدة.
حاول عدي فهم ما تود فعله، فتفاجئ بها تجذب هاتفها تعبث به وترفعه لأذنيها بذعرٍ، فما أن استمعت لصوت المتصل به حتى خبأت شفتيها بيدها ظنًا من أنه لن يستمع لحوارها الهامس:
_حضرتك عملت أيه في عدي بالظبط؟
صمتت تستمع اليه وقد بات توقعه اكيد بأنه ياسين الجارحي، وخاصة حينما قالت بنفس صوتها المنخفض:
_تخيل محضرلي الغدا بنفسه؟
تفاجئ الطرف الأخر، فأكدت له قائلة:
_أنا مقلقة ومش مطمنة!
ضيق عينيه بغضب، جعلها ترسم ايتسامة مخادعة اليه، فجذب الهاتف عن يدها ثم ابتعد عنها للشرفة، فهمس لابيه:
_شوفت بنفسك لما نفذت اقتراحك حصلها أيه.. كان ممكن أقولها على الموضوع من غير الدخلة دي كلها!
اتاه صوت ياسين الجارحي الرزين يردد:
_اهتم بالتفاصيل تنال الرضا!
احتضن وجهه بيده ثم قال بتريث:
_هحاول.
وأغلق الهاتف، ثم عاد إليها والابتسامة مرسومة على وجهه، فنقل الطعام للطاولة المستديرة القريبة من الشرفة، وأشار لها بالجلوس، جلست قبالته وهي تراقبه بدهشةٍ واستغراب، خاصة حينما جذب العصير وسكبه بالكوب، فقدمه لها، تأملت رحمة الكوب بشرودٍ جعله يردد:
_مش حاططلك سم أكيد يا رحمة!
رفعت رأسها اليه ورددت بتوتر:
_لا أنا بس مستغربة.
واتخذت الطريق المباشر حينما قالت:
_هو في حاجه يا عدي؟
ترك الملعقة عن يده، ثم زفر وهو يخبرها:
_أنا قولتله الطريقة دي مقبضة أكتر من انها تدي أمل رومانسي في الموضوع مصدقنيش..
والقى المنديل الورقي عن قميصه الابيض، ثم قال:
_من الاخر بابا وافق اني أرجع لشغلي تاني.
تجمدت تعابيرها لوهلةٍ، فلعقت شفتيها بتوترٍ، جعله يمسك يدها وهو يخبرها بحنانٍ:
_أنتي عارفة اني سبت الشغل علشانك ومستعد أعملها تاني وعاشر ومليون، صدقيني أنا ميهنيش غير راحتك.
ونهض عن الطاولة وهو يخبرها ببسمة صغيرة:
_اعتبريني مقولتلكيش حاجة.
وترك الطاولة وكان بطريقه للخارج، فتوقف حينما قالت:
_لو هترجع هترجع بشروطي!
توقف عن المضي قدمًا، واستدار تجاهها وهو يرمش بعدم تصديق لجرائتها بوضع قوانين مفروضة عليه، نهضت رحمة عن مقعدها ولحقت به، فقالت بابتسامة رقيقة:
_أنا كنت واثقة ان بابا هياخد القرار ده في يوم من الايام، وواثقة بردو انه اتاكد من انك اتغيرت عشان كده هيسمحلك ترجع، فأنت دلوقتي مضطر تخضع لشروطي الاخيرة.
رفع أحد حاجبيه وهو يردد باستنكارٍ:
_شروطك!
هزت رأسها اليه، فتحكم بانفعالاته وهو يشير اليها بالحديث، فقالت:
_أولًا.. مفيش رجوع غير لما تبقى كويس.
وتابعت قبل أن تهاجمها عاصفته:
_ثانيًا.. موبيلك ممنوع منعًا باتًا تتجاهل مكالماتي لاني ببقى هموت عليك حرفيًا..
مال برأسه وهو يتساءل بثبات:
_وثالثًا؟
ارتبكت وهي تشير اليه:
_لا هما شرطين حلوين أوي.
بدد ربكتها ابتسامته الصافية، فجذبها لاحضانه وهو يخبرها:
_شروطك مقبولة وأوعدك هعمل بيها.
ابتعدت عنه وهي تردد بعدم تصديق:
_ياسين الجارحي غيرك فعلًا!!
******
بجناح مروج.
رأسه الثقيل جعله يغفو بنومٍ مرهق، ففتح عينيه وهو يردد بتعبٍ:
_مروج.. اعمليلي قهوة من فضلك!
لم يستمع لصوتها فظنها بحمام الغرفة، نهض مازن عن الفراش، ثم اتجه للشرفة فظل بمحله لعشر دقائق يتأمل غروب الشمس التي تلامس الأشجار بدلالٍ، فأغلق عينيه باستمتاعٍ حينما داعبت أنفه رائحة القهوة، التي وضعت من أمامه، ارتشف منها على الفور واستدار اليها في نية صريحة لضمها، فسكب ما بفمه بوجه من يقف أمامه، جحظت عينيه صدمة لما رأه، فتراجع للخلف حتى وصل للتراس فالقى يجسده عن السور وهو يصرخ برعبٍ:
_الحقونـــــــــــي!!
صعق من أمامه حينما وجده يلقي بنفسه عن السور المرتفع عن الارض بثلاث طوابق، فنزع عنه قناع البومة التي يرتديها وتمسك بجسد مازن الواشك على السقوط وهو يخبره ببسمة عريضة:
_صلي على النبي يابو نسب.. ده أنا ميزو!!!
.......... يتبع.............
ترقبوا الفصول الاخيرة من أحفاد الجارحي، على أمل اللقاء مع النوفيلا الختامية لسلسلة أحفاد الجارحي، بحبكم في الله... ❤
#آية_محمد_رفعت.
******_________********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس...(#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_التاسع_والعشرون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "وصال العزوزي" و " فاطمة ريان " نونا العوادلي "،"إيمان حسن"، Nona elawadly,Mahmoud kandil, reham zaghloul, yomna waleed ,sondos ali al-yazji ,نور الرحمن الرحمن ,محمد ابراهيم محمد ابراهيم ,ام حمزة ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
توقفت سيارة أحمد مقابل السيارة الداخليه للقصر، فحمل حمزة الصغير بين يده، بينما حمل حازم زوجته، أغلق أحمد أبواب السيارة من خلفهما، ثم جذب الحقائب ولحق بهما للداخل، ما أن ولجوا للقصر حتى تجمع الجميع من حولهم، والدهشة والحيرة تجتاز الوجوه، فعاتبته تالين بضيقٍ:
_انت ازاي متبلغنيش يا حمزة!
أجابها بارتباكٍ ظاهري مضحك:
_أنا ماليش دعوة ابنك اللي قال متقولوش لحد.
مال حازم على كتفه وهو يردد بصرامةٍ مصطنعه:
_متخافش يا حمزة محدش يقدر يكلمك طول ما فيا النفس وحيًا أرزق، اللي عايز يتعارك يعاركني أنا ابني مالوش ذنب في حاجة.
دفعه حمزة للخلف وهو يصيح به بانفعالٍ:
_أنت بتقول أيه يا ولد يا عديم التربية!
جحظت عينيه بصدمة، فضمه اليه وقال وهو يربت على ظهره:
_ميزو يخرب عقلك بدافع عنك تقوم تقل بأصلك معايا.. وده كلام بالذمة!
تلاشت عنها غيمتها القاتمة، وانفرجت شفتيها بالضحك، حمل أحمد الصغير عن أبيه ثم اتجه بها لوالدته التي حملته بفرحةٍ، فرددت:
_بسم الله ما شاء الله قمر..
انحنت آية ثم طبعت قبلة على جبين الصغير، قائلة بحزن:
_ربنا يباركلها فيه يا رب، بس بردو مكنش ينفع متعرفناش يا حازم يعني أكيد نسرين كانت لوحدها من غير ما نكون جنبها في وقت زي ده!
رد عليها ببسمةٍ هادئة:
_كفايا اليوم الصعب اللي عشناه امبارح، محبتش أزود عليكم، الموضوع بسيط الحمد لله وادينا رجعنا بخير.
حملت شذا منهما الصغير، فاحتضنته وتساءلت:
_هتسموه أيه؟
رد عليها حمزة بابتسامةٍ واسعة:
_أحمد بإذن الله.
أضاف حازم بمكرٍ وهو يدعي ثباته ورزانته:
_احتار بالاسم وأخويا موجود، ثم انه طالع شبهه جدًا فقولت اسميه على اسمه عشان لما يربيه يبقى شبهه قلبًا وقالبًا.
ضحكت دينا فأشارت لاحمد بمرحٍ:
_ده داخل على طمع يا أحمد خد بالك.
ابتسم وهو يخبرها:
_معنديش مانع لو هيتسمى على اسمي فعلًا!
وضعه حازم بين يديه وهو يؤكد له:
_اتسمى يا باشا من دلوقتي.. أنت بايدك تنقذ العيلة وتربيلنا حد يكون عاقل عشان يلم مصايب خالد ويحاسب على مشاريبه ولا نسيت؟!
منحه نظرة مقززة قبل أن يتجه للاعلى، فتابعه حازم ببسمة حالمة، وكأنه يرى مستقبل ابنه الباهر يلوح له مع كل خطوة يصعدها أحمد للأعلى.
*****
على التراس.
أمسك به جيدًا فحال بينه وبين السقوط عن السور، والأخير مازال مصر على القاء ذاته، يختار الموت عوضًا عن مواجهة الشبح الذي يطارده، أبعد "معتز" عنه القناع وهو يشير له من وسط ضحكاته:
_مش عارف قبلوك في الشرطة ازاي وأنت عقلك في ذمة الله كده... ده المجرم عنده شجاعة عنك.
اشتعل الغضب بمقلتيه، فركله بقدمه ببطنه، فترنح معتز للخلف ومازال يحارب ضحكاته الصاخبة، حملت مروج كوب القهوة الساخن، وهرعت للتراس فوجدت أخيها مستلقي أرضًا، وزوجها ينحني بجسده على التراس، فتساءلت بريبة ونظرات الشك تحيطهما:
_في أيه؟
استقام مازن بوقفته، وأشار اليه بعصبيةٍ:
_أخوكي ده مش طبيعي.. مختل عقليًا ولازم يتعالج.
وتركهما وولج لغرفته، فاتبعه معتز وهو يخبره من وسط ضحكاته:
_أنا بردو اللي محتاج أتعالج، ده انت اللي محتاج تأخد مقويات عشان تقوي قلبك الجبان ده..
استدار اليه وهو يجذب حقيبة سفره، فصاح به باستنكار:
_حقيقي مشوفتش بجنانك أنت وولاد عمك.. بس أنا اللي غلطان اني لسه قاعد هنا انا حالا هرجع دبي أفضل ألف مرة من اني اكون هنا وسطكم.
رد عليه معتز بتسلية وهو يجذب قهوته من يد شقيقته:
_مالنا يا حبيبي، صقور الداخلية بتوعك معملوش نص الواجب اللي عملوه رجالة الجارحي مع المجرمين.
وتابع بعنجهيةٍ:
_ثم ان ليك الشرف انك الوحيد اللي سمحناله يناسبنا، مستكترناش عليك موجة بالرغم من أننا مبنحبش ندي بناتنا لحد، بس هنعمل أيه احترمنا انك صاحب عدي وفكرناك وحش كاسر زيه أتريك مش محصل حمزة القط!
تساءلت مروج بدهشة:
_مين حمزة القط ده يا معتز.
أشار لها بمكر:
_نخلص الخناقة وأشرحلك.
أومأت برأسها بخفة ثم عادت لتتابع اجواء المعركة الحماسية بين زوجها وأخيها، ترقبت دوره بفضولٍ، فوجدته يكز على أسنانه بغيظٍ كاد باسقاطهم، فأشار بحدة:
_أهي عندك شوفلها عريس مناسب.. أنا بعد اللي عملتوه فيا محتاج هدنة من النساء ومن العالم كله.
وجذب ملابسه من الخزانة، ثم ألقاها بالحقيبة المفتوحة على الفراش بإهمالٍ، لحقت به مروج فجذبت منه الحقيبة والملابس التي يضعها، مرددة بصدمة:
_بتعمل ايه يا مازن بعد كل اللي حصلنا هناك عايز ترجع تاني.. لا أنا مش هقبل بكده ولا هقبل إني أتغرب وأسيب أهلي تاني.
منحها نظرة قاتمة قبل أن يغلق سحاب الحقيبة، فجذبها ثم قابلها بنظرةٍ جادة تباعدت عن مشاكسته مع معتز كليًا، وقال:
_ده المتوقع يا مروج.. انك دايمًا مش حابة تقدمي أي تنازلات عشاني، مستقبلي ممكن يتدمر عادي بالنسبالك، مش مهم المهم انك لقيتي الحجة المناسبة عشان نرجع من هناك زي ما كنتي حابة من البداية.
واستطرد وهو يجذب يد الحقيبة:
_متقلقيش أنا المرادي مش هجبرك تيجي معايا في مكان.
جحظت عينيها في صدمةٍ، أصابتهما دمعات لامعة مما استمعت اليه، لحق به معتز وحال بينه وبين باب الغرفة، ليسأله بدهشة:
_أيه اللي بتقوله ده يا مازن.. أنت في واعيك؟!
أبعد يده عنه وهو يشير له بنفاذ صبر:
_المرادي أنا في واعيي يا معتز.. وعارف أنا بقول أيه كويس.. أختك عمرها ما فكرت في شيء يخصني.. وطول ما كنا في دبي مكنتش بتفوت فرصة غير وبتحسنني فيها بالذنب انها بعيد عنكم، ودايمًا مكنش على لسانها غير انها عمرها ما بعدت عنكم ولا قادرة تعيش بعيد عنكم، أنا مقدر أن أي بنت بتشتاق لاهلها في الغربة بس على الاقل وجود جوزها جنبها المفروض انه يفرقلها، وهي محاولتش تحسنني مرة اني عارف أحتويها واعوضها ولو جزء بسيط عن فراقكم... دايمًا كانت بتحاول تفكرني بالجميل العظيم اللي عملته انها سابت كل ده وجيت معايا.. مع إن اللي اعرفه ان الست مكان ما بيكون جوزها بتكون معاه ولا أيه؟
تقوس جبينه بانفعالٍ من اتهاماته الخطيرة المندفعة تجاه شقيقته، فصاح باندفاع متهور:
_ده ميدلكش الحق انك تتكلم عليها بالشكل ده في وجودي، اللي بينكم شيء يخصكم مينفعش تهينها بأي شكل حتى قدام أي حد حتى لو الحد ده أنا!
واستطرد بعصبية وهو يحاول ابعاد مروج التي تمسكت به خوفًا من تهوره المعتاد فخشيت أن تزداد الامور سوءًا:
_يمكن تكون غلطت بس أنت كمان غلط يا مازن، أنت عندك غرور انك تشتغل نفس الشغل اللي بتشتغله بره هنا معانا واحنا طالبينك أكتر من مرة لكن عادي بالنسبالك تشتغل في شركة مش شركتك وبتأخد فيها مرتب زيك زي أي موظف.
عارضه حينما قال:
_أنا شريك فيها يا معتز مش شغال عند حد.
ابتسم ساخرًا:
_بنسبة ٢٠ ٪ متبقاش شريك يا أستاذ!
جابهه بحدة:
_بالنسبالي أفضل ألف مرة من اني اشتغل معاكم.. اي منصب هوصله هيبقى معروف لاني جوز المدام!
واسترسل ساخرًا:
_وأكيد هتزودوا مرتبي اكرامًا لاني متجوز حفيدة عتمان باشا الجارحي!
كور قبضته بعصبية بالغة، ودنا منه وهو يصرخ بعصبية:
_متعصبنيش يا مازن.. سبق واتكلمنا في الحوار ده أكتر من مرة واتناقشنا فيه بما فيه الكفايا راجع تفتحه تاني ليه، يبقى أكيد مش واثق من نفسك ولا من شغلك عشان كده بترمي كل حججك على نفس الشماعة.
واسترسل متحديًا:
_اللي أعرفه انك بدل ما كنت تهرب وتجري على دبي عشان تثبت نفسك كنت دخلت وسطينا وعملتها، كنت تحاول كل لحظة تثبت فيها نفسك للي حوليك خصوصًا انك هتكون مسؤول عن نقاط حساسة في المقر والشركات، وحمايتهم شيء مش سهل.. اختارت تبعد وتروق دماغك بعيد عن الحوارات دي، لكن عدي طلع أفضل منك بالرغم من اني كنت بشوفه غلط قرر يواجه وأثبت نفسه بجدارة لحد أخر لحظة.
واستكمل ببعض الهدوء بعدما استعاد اتزانه وهو يحتضن شقيقته ويربت عليها لتهدأ قليلًا بهدوئه:
_حتى بعد ما صحتله فرصة يرجع للشرطة اتخليت أنت عنه، مع انك سبق وعملتها عشانه!
أجابه مازن بعدما استمع لحديثه الصائب بعناية:
_لاني لقيت نفسي بره مجالي، انا اشتغلت في دبي ولقيت راحتي هناك أكتر من الشرطة، كفايا اني كنت بأمن على أولادي ومراتي وأنا عندي ثقة ان مفيش شيء سييء هيحصلهم!
ردد ساخرًا:
_واللي عمله مهاب الكلب ده ضمنت انه يحصل!
صمت قليلًا وهو يوزع نظراته بينه وبين مروج الباكية داخل أحضانه، فاستطرد معتز قائلًا:
_أنت مشتت ومش عارف أنت عايز أيه ده ميدلكش الحق ترمي انفعالاتك وغضبك على أختي، مهما كان واصل بيك الحال اتحكم بأعصابك، ولو افترضت انك معاك حق في كلامك فمقدرش ألومها،احنا اتربينا في البيت ده واتعودنا كلنا نكون مع حد، وفعلا بعدها التام عن البنات وعننا ده فعلا شيء فوق طاقتها ولازم تقدر ده كويس، متحاولش تقارن تماسكنا ببعض بأي حد تاني احنا غير أي حد، يبقى تهدى وتفكر كويس وتشوف أنت عايز أيه بالظبط.. تشتغل بدبي ولا ترجع للشرطة تاني.. ولو اختيارك كان دبي يبقى هتشتغل هنا معانا وايدك في إيدنا ولو سمعت منك اعتراض يا مازن هكمل كسر باقي عضامك وشوف لو فيك حيل تدافع عن نفسك بقى.
رفع احد حاجبيه بسخطٍ:
_أنت بتهددني؟!
أكد له بصدر رحب:
_أكيد وباللي عملته مع مروج قدام عيني هيكون في أفعال مش أقوال، تحب تشوف؟
غلبته بسمة صغيرة على شفتيه، فحك ذقنه النابت وهو يشير له:
_وعلى أيه، الطيب أحسن.
وأخفض ذراع الحقيبة وهو يشير له:
_رجع الهدوم رجع..
جذب عنه الحقيبة ثم القاها على الفراش، ففتح سحابها وهو يتساءل بفضولٍ:
_أيوه يعني اختارت أيه؟
أحاط زوجته بذراعها، فقبل وجنتها وهو يهمس لها باعتذارٍ صريح اليها، ثم تطلع تجاهه وهو يردد بكلمات ثقيلة:
_هفكر لسه بس تقريبًا هجرب حظي معاكم الأول!
تهللت أساريرها بما استمعت اليه، وأخيرًا رضخ زوجها لما كانت تود به منذ البداية، فعاد يضمها اليه وهو يهمس لها:
_ حقك عليا.. متزعليش.
ابتسمت وهي تخبره:
_مش زعلانه بالعكس فرحانه بقرارك ده أوي.
تابعهما معتز ببسمة هادئة، فتسلل بخفة ليتركهما بمفردهما، ليتشارك رومانسيتهما المنعزلة، فما أن أغلق الباب وكان بطريقه لجناحه، حتى وجدها تهرول من خلفه راكضة، تناديه بلهفة:
_معتز.
استدار اليها وهو يتساءل بغضب:
_قالك حاجه تاني؟
هزت رأسها نافية وهي تزيح دموعها، فعانقته بفرحةٍ اتبعت نبرتها:
_ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي.. أنا أول مرة أحس انك عقلت وكبرت كده.
أبعدها عنه ببسمة تلاشت للغضب، فقال بشكٍ:
_ليه أنا كنت مجنون.. هقلب عليكي وعلى جوزك تاني!
تعالت ضحكاتها، ورددت من بينها:
_حقك عليا.
ضمها اليه ببسمته الهادئة، وقال بحنان:
_ربنا يهديلك الحال يا حبيبتي
******
ولج لغرفته بتعبٍ وإرهاق فاق طاقته، نزع عنه جاكيته ، وحرر قميصه ثم تمدد جوارها، فشعرت به ففتحت عينيها بنومٍ وسألته باستغرابٍ:
_أحمد، كنت فين؟
ابتسم وهو يردد بنعاسٍ:
_ياااه يا آسيل.. دي قصة طويلة أوي وأحلى ما فيها انك نمتي لحد ما رجعت.
وضمها اليه ثم أغلق عينيه باستسلامٍ:
_الصبح هحكيلك مغامرتي الشيقة مع شبحك الناعس وحازم، بس دلوقتي أنا محتاج أدخل في غيبوبة نوم!
*******
الظلام المعتم كان سائد على الجناح بأكمله، فحاول الوصول للوحة المصابيح، فما أن ضغط عليها حتى برقت عينيه في دهشةٍ صريحة، الغرفة الخاصة بهما كانت تغمرها البلونات الحمراء، وبمنتصفها الطاولة تحمل قالب من الكعك، والشموع تملأ المكان بأكمله، بحث بعينيه عنها، فوجدها تخرج من غرفة الملابس الجانبية بفستانها الأحمر الطويل، وشعرها منسدل بحريةٍ من خلفها، تطل عليه بأبهى زينتها المعتادة بجناحهما الخاص، والآن تفرد سيطرتها الكاملة عليه، اقترب منها هائمًا بتفاصيلها، حتى بات قبالتها لا يفصلهما الكثير، أمسك يدها وعينيه لا تفارقها، فقال بعدم تصديق:
_أنا كنت لسه بفكر أصالحك إزاي؟
منحته رانيا أجمل ابتسامة قد يحظى بها بحياتهما يومًا، وهمست إليه على استحياءٍ:
_بصراحة أنا اللي اتعمدت أتخانق معاك عشان تسيب الجناح وأقدر أحضر الحاجات دي علشان أفاجئك بعيد جوازنا.
وجذبت العلبة الصغيرة المغلفة، ومنحته اياها وهي تخبره:
_كل سنة وأحنا مع بعض لأخر العمر يا حبيبي..
تناول منها العلبة،ثم وضعها جانبًا، احتضن وجهها بيديه معًا، وقال ببسمة عاشقة:
_كل سنة وانتي روحي وقلبي وأم أولادي وكل ما بملك في الدنيا.
ثم انحنى تجاه الطاولة، فجذب أحد الزهرات الحمراء، ثم وضعها بين خصلات شعرها وهو يردد ببسمة مرحة:
_دي لاني معرفتش بعيد جوازنا ومعرفتش أجبلك هدية زي ما جبتيلي.
ضحكت وهو تخبره:
_كل مرة بفاجئك يا رائد!
شاركها الضحك وهو يخبرها:
_المهم انك فاكرة وبتفكريني.
تلاشت ابتسامتها حينما رأته يحاصرهل بنظرات عينيه الرمادية، رفع يده يضم جانب وجهها، وانجرف خلف طوفان عاطفته فمال إليها يرنو من رحيق بلسمها مطولًا، وهو يهمس إليها:
_بأحبك.
ابتعدت عنه وهي تتأمل عينيه بشرودٍ، وباتت لا ترى سوى دفوف عشقها تناشدها بأرق الكلمات وأعذبها، فابتعدت عنه ثم اتجهت للطاولة،فجذبت ورقة بيضاء مطوية بحرصٍ، ثم قدمته له وهي تهمس له:
_كتبتها علشانك.
وتركته وغادرت للشرفة خجلًا من رؤية تعابيرته فور قراءته لما دونته إليه، فتح الورقة وهو يقرأ ما دونته باهتمام والبسمة تتسلل لشفتيه رويدًا رويدًا، وقلبه يسبقه بخفقاتٍ شرسة عنيفة
« فوق درب الغرام تسابقت الأماني، وكل أمنية نسجها حلم اللقاء بك، وها أنت اليوم تجتاز منتصفه ولا تعلم ما الذي تريده؟!
تحارب تلك العاطفة القاتلة، ومشاعرك لا تضلك عن عشقك الصريح لي، والآن أمازلت تكابر؟!
اليوم سيتبرأ عنك الغرور، وستكن لتواضع حبي سيدًا، ترددها علنًا، وربما حينها سأخبرك بأنني لم أسمعك جيدًا، سأجعلك ترددها كثيرًا حتى يعتاد قلبك على سكنةٍ لم يسمح لها يومًا!»
ترك رائد الورقة جانبًا، ثم اتبعها للخارج، فمال على رقبتها وهو يضمها اليه، قائلًا بخبث:
_بقى أنا مغرور؟
التفتت إليه وهي تؤكد لها بضحكة تعلو صداها:
_أيوه دي الحقيقة، أنت كنت ومازالت مغرور يا رائد باشا.
وأشارت له بعدم اهتمام:
_بس ده ميهمنيش.. المهم انك آ...
قاطعها حينما قال بهيامٍ:
_اني عشقتك ومستعد أسيب كل شيء عشان عيونك.
وضيق عينيه بحركة مضحكة وهو يتابع:
_صحيح اني مندفع شوية بس طيب وغلبان والله.. والاهم اني بحبك ولا أيه؟
هزت رأسها بابتسامة رقيقة، فضمها إليه بقوةٍ، وحملها مرددًا بغمزة ماكرة:
_نكمل كلامنا جوه أحسن هنا الجو برد ومش مريح!
تعالت ضحكاتها وهو يركض بها للداخل ويغلق باب الشرفة بقوة كادت باسقاط زجاجه، فأغلق الستار لينزوي بعشقه معها لعالم لا ينبغي لأحدٍ مشاركتهما به!
*******
تغلبت الشمس بقوة ضيائها على عتمة الليل المظلم، لتنشط يومًا جديد، فاستيقظ الجميع باكرًا على غير عادتهم لنومهم الباكر منذ الأمس، فهبط الشباب للاسفل للاستعداد للعودة للمقر...
بالأعلى..
خرج عمر من حمام غرفته، يجفف المياه عن وجهه، ثم اتجه لغرفة الملابس لينتقي ما يناسب عودته للمشفى باليوم الأول، وبداخله سعادة لا يتقاسمها مع أحدٌ، تفاجئ بنور بالداخل، تضع أحدى البذلات الأنيقة والحذاء على المقعد، فجذب ما اختارته وهو يقول ببسمته الجذابة:
_صباح الخير يا روح قلبي.
تركته واتجهت للخزانة، فجذبتها وأخذت تختار البرفيوم إلى أن اختارت غايتها فوضعتها على الطاولة واتجهت للمغادرة بصمتٍ لم يعتاد به منها، ارتدى عمر بنطاله على عجلة من أمره، وخرج خلفها وهو يناديها بلهفةٍ:
_نور!
توقفت عن استكمال خطواتها، فوقف قبالتها وهو يتساءل باستغراب:
_مالك؟!
هزت رأسها وهي تخبره:
_مفيش.
وعقدت حجابها ثم كادت بالتوجه للاسفل، فأمسك يدها وهو يتساءل بقلق:
_مفيش ازاي إنتي مش طبيعية قوليلي مالك؟
جذبت يدها منه ثم رسمت ابتسامة مصطنعة وهي تخبره:
_صدقني أنا كويسة.. هنزل أحضرلك الفطار عشان ما ينفعش تتأخر في أول يوم ليك بالمستشفى
تجعد جبينه بدهشة من علمها بعودته للمشفى، فابتسمت وهي تشير له بغرور:
_ياسين الجارحي قالي كل حاجة يا دكتور.
وتركته وهبطتت للأسفل سريعًا، حتى لا يرى دمعاتها التي تحاول تخبئتها، لا تود أن يتعكر صفوه بأول يوم عودته للمشفى، يكفيها رؤية الفرحة تتراقص بعينيه بعد وقتٍ طويل، هبطت نور للأسفل، فوجدت الشباب يتناولون طعام الافطار، فاتجهت للمطبخ ثم عادت بطبق لزوجها، وأخذت تضع ما يحب عمر بتناوله، تابعها الشباب والفتيات باستغرابٍ، لم يكن الهدوء أبدًا من طباعها، تطلع ياسين لاحمد، الذي قال ببسمة هادئة:
_أيه يا نور مفيش صباح الخير ولا أيه؟
اتجهت نظراتها اليه، ورددت بنبرة كانت حزينة للجميع:
_صباح الخير.
حاول ياسين مشاكستها، فقال:
_شكلك كده عملتي حزب جديد يا نور، طمنينا الشكاوي المرادي على أيه؟
وضعت مليكة كوب العصير عن يدها وهي تشير له بتعبٍ:
_مفيش شكاوي والله.
أكدت شروق هي الاخرى:
_لا احنا براءة يا ياسين ملحقناش نشتكي لنور في حاجة!
جلست نور على المقعد، وحاولت جاهدة رسم ابتسامة مخادعة، ولكن صعب عليها الأمر، فانسدلت دمعاتها المخبئة عن الجميع، هرعت رحمة إليها، فضمتها وقد ايقنت ما يصيبها في الحال، فقال جاسم بقلق:
_نور أنتي كويسة؟ لو تعبانه نطلبلك دكتور!
لم تجيبهم مازالت تبكي بصمتٍ، فقال حازم:
_يبقى عمر مزعلك صح!
أضاف معتز بضيق:
_لو هو والله نوحي عليه عدي، هو فوق هطلعله حالا..
مازن بغضب:
_يا عم اقعد بقى أنت كل حاجة عندك بتتحل بالضرب والتربية ارحمنا!
صاح بهما رائد:
_ده وقته!!
وتساءل بحزن:
_نور ممكن تبطلي عياط وتقولي في أيه؟
تغلبت على بكائها واستقامت بوقفتها بعيدًا عن المقعد، وقالت قبل أن تغادر للحديقة:
_مفيش حاجة يا جماعة، أنا عايزة اقعد لوحدي شوية.
وتركتهم وغادرت والجميع بات القلق ينهشهم، فتساءل أحمد بشكٍ لعلمها بالامر:
_في أيه يا رحمة؟
أجابته بحزن:
_ذكرى وفاة والدتها النهاردة.
تجمع الحزن على وجوههم جميعًا، فتلك الفتاة بالأخص يعزها الجميع، حتى الشباب هي بالنسبة اليهم المقربة من الفتيات، مشاكستها الدائمة ومحاولاتها بحل الامور بينهم كانت مقبولة اليهم حتى وإن اعتبره البعض تدخل بالخصوصية، حتى ياسين الجارحي يعاملها معاملة خاصة، لأنهم جميعًا يعلمون بأنها لا تود سوى رؤيتهم بخيرًا، لا ترغب في رؤية المشاكل تجتاز حياتهم الزوجية، رفض ياسين وأحمد المغادرة للمقر حتى رائد وجاسم ومعتز، فخرجت الفتيات أولًا إليها، حاولت رحمة أن تجعلها تكف عن البكاء ولكنها لم تستطيع، حتى مليكة ورانيا، فقالت شروق بمرحٍ:
_يعني بالذمة ده كلام، نسرين ولدت امبارح وبدل ما نطلع نتلم حوليها ونفرح بالبيبي قعدين منكدين على بعض.
أزاحت نور دموعها وهي تتساءل بدهشة:
_بجد نسرين ولدت، امته وازاي ده؟
قالت آسيل بسخرية:
_هي حكاية قد تكون علقت معايا كتير عشان استوعبها بس هحكيلك.
قاطعتهما رانيا قائلة:
_قبل الحكي والطلوع قومي نفطر الأول ونروق كده.
ركضت مروج تجاههم، وجلست جوار نور وهي تدفع الشطيرة لفمها قائلة بمزح:
_وتدخل تفطر ليه انا جبتلها الاكل وجيت أهو، على الاقل تأكل بالهواء الطلق.
ردت عليها داليا بغيظٍ:
_انتي بتعلي علينا يعني، هدخل اجيب العصير وأجي واهو بردو هينفع بالهواء الطلق مفهوش مشاكل
تعالت ضحكات الفتيات، واصطحبنا نور بينهم للضحك، وما أن تأكد الشباب من نجاح الأمر حتى هبطوا اليهم، فجذبوا المقاعد ووضعوها حول الطاولة المستديرة، فقال ياسين ببسمة هادئة:
_أيوه كده.. الزعل مش لايق عليكي احنا واخدين على آ...
قاطعته نور بغضب:
_هتقول لساني الطويل زي عمر هزعل وأقلب الحزب عليك وعليهم.
ضحك وهو يشير لاحمد:
_حصل مني ده يابو ليان؟
ابتسم أحمد وهو يردد بجدية:
_متسمحيش للحزن انه يسيطر عليكي يا نور.. انتي مش لوحدك احنا كلنا حواليكي.
وقال رائد بتأثرٍ:
_صحيح مفيش حد هيقدر يعوض مكانة والدتك الله يرحمها بس كل اللي حوليكي بيحاول يكونلك الأم والأخت.
وقال جاسم بمشاكسة:
_والأخ أهم حاجة الأخ!
تابع معتز بعصبية بالغة:
_أنا بردو مازلت مصر لو الواد عمر هو السبب في زعلك قوليلي الوحش فوق في عرينه نلحقه قبل ما يروح في أي مكان.
لكمه من كان بطريقه اليهم، وهو يصيح به:
_هو أنت فاكرني زيك يا ويزو، لم الدور واركن على جنب.
واتجه عمر ليجلس جوارها، فلف يده حول مقعدها وهو يردد بحنان:
_احنا عندي أغلى من نوري عشان أعكنن عليها ولا أخليها تشيل مني!
ردد حازم بسخرية:
_شجرة واتنين ليمون يا ابني.. يا أخي احترم نفسك ده احنا مترشقين حوليك!
ضحك عمر وهو يشير له:
_يلا يلا كل واحد على عربيته وعلى المقر، أنا خلاص افراج رسمي!
قالت رحمة بمكر:
_هما بيرحوا براحتهم يا عمر أنت اللي للأسف ليك مواعيد وتقريبًا اتاخرت!
تفحص ساعته بصدمةٍ، فتركهم وهرول لسيارته وهو يردد بصوت مرتفع:
_سلام مؤقت.
وغادر بسيارته سريعًا، فذمت نور شفتيها وهي تردد بسخطٍ:
_يعني لو كنت قولتلكم ان عمر مش راضي يحققلي حلمي الوحيد كنتوا هتجيبولي حقي منه بجد ولا كلام!
ردد معتز بفرحة:
_جربينا.
وزعت نظراتها بينهم بحيرةٍ، ثم قالت ببكاء مضحك:
_أنا بقالي أربع سنين بتحايل عليه يشتريلي عربية بينك من غير سقف مش راضي، يرضيكم!
تطلع الشباب لبعضهم البعض وكادوا بالضحك، فتطلع اليهم ياسين بنظرة صارمة قبل أن يقول:
_لا غلطان والله..
وأضاف أحمد وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
_متزعليش يا نور هو أكيد خايف عليكي.
عاتبته باستنكارٍ:
_مانا كنت هتعلم السواقة يا أحمد.
شاركتها آسيل بغضب:
_ده مبررك ما كلنا بنسوق وعندنا عربيات، حرام عليه المفروض يسبها تأخد حريتها.
طرق ياسين بيديه:
_أيه يا آسيل احنا متجمعين نحل مش نسخن الامور.
انتهى من ركضه لساعة كاملة، واستند على المقعد القريب منهم، صوت أنفاسه القوية كانت مسموعة للجميع، فاتجهت اليه، وضع عدي زجاجة المياه على الطاولة، ثم جفف عرقه بالمنشفة التي يحملها، فوضعها ودنى منهم بعدما علق ذراعه برباط المتصل لرقبته ليريحه قليلًا، فجلس على احد المقاعد قائلًا بثباتٍ:
_بليل هتكون عندك العربية يا نور.. وعمر مش هيتكلم ولا هيكون عنده أي مشاكل.
تهللت أساريرها، وتساءلت بفرحة:
_بينك؟
ابتسم وهو يشير لها:
_بينك وسقفها مفتوح!
صفقت بيدها وأشارت له بسعادةٍ:
_روح يا شيخ الهي ربنا يشفيلك دراعك اللي مبيلحقش يطيب ده.
تعالت ضحكاته الرجولية، وردد بصعوبة من بينها:
_اللهم آمين..تسلميلي!!
سعادتها جعلت الفتيات بأكملهن سعداء، فهمست رحمة اليها:
_اترضيتي أهو بينا نطلع نطمن على نسرين بقى.
أشارت لها:
_يلا.
وبالفعل غادرت الفتيات للاعلى، فأشار أحمد للشباب قائلًا:
_المقر يا شباب.. ياسين الجارحي هناك من بدري مش عايزين مشاكل.
اتجه كلا منهم لسيارته، فأوقف عدي ياسين قائلًا:
_أنتوا نازلين النهاردة ليه كنتوا ريحوا!
اجابه ببسمة هادئة:
_اليوم بيفرق معانا يا وحش، ما أنت عارف.
ابتسم وهو يخبره:
_ربنا معاكم.
*******
جلس بالداخل يتناول طعامه بشرود، فمازال لا يعلم نتيجة قراره هذا، ربما ما يعنيه سعادة زوجته التي لمسها حيال ذلك، ولج عدي للداخل فوجده يجلس على طاولة الطعام وحيدًا، فجذب المقعد المقابل اليه ثم تساءل:
_قاعد لوحدك ليه يا مازن؟
لم يستمع إليه، شروده كأنما صنع حوله هالة منعزلة، فصاح به مجددًا:
_مـازن!
انتبه اليه، فقال باستغرابٍ:
_بتناديني يا عدي؟
ردد ساخرًا:
_لا بغني ليك.. بقالي ساعتين بكلمك وأنت مش معايا خالص!
وضع الشوكة عن يده ثم قال:
_أنا معاك أهو.
تفحصه بنظرة تعمقت به، فقال:
_في أيه؟
زفر وكأنه يخرج ثقل عظيم عنه، وانهاه حينما قال:
_أنا تعبت من التفكير، بس خلاص أنا هقسم نفسي اتنين عشان أكون مرتاح.
رفع أحد حاجبيه وهو يقول بتريثٍ:
_مش فاهم.
نهض عن الطاولة وهو يطرق الطاولة بعزيمة:
_هشتغل معاك ومع معتز ولازم أبلغها قراري وحالا.
وتركه وصعد للأعلى، فراقبه عدي بصدمة وهمس بعدم تصديق:
_اتجنن ده ولا أيه؟!
******
بالمشفى..
سعادته بتلك اللحظة لم يكن هنالك ما يوصفها، عودته لمكتبه ولعمله كان كالحُلم البعيد، وها هو يتحقق من أمامه، جلس عمر على المقعد المخصص له براحة تغمرها كليًا، بهجة استقباله اليوم جعلته قادرًا على العمل لآلآف الساعات المتواصلة إن شاء الأمر، عبثت أصابعه في اللافتة الحاملة لاسمه "الدكتور عمر الجارحي" ، كم اشتاق لذلك اللقب المنسوب إليه كثيرًا، والآن قد عاد دون أن يجرح أخيه ببعده عن عمله، واستقبل أول كشف له بعدما تناول كوب قهوته، فاستعد بابتسامته لاستقبال أول مريض، تلاشت ابتسامته تدريجيًا بعدما فتح الباب من أمامه، فردد بدهشة:
_بابا!
وقف ياسين الجارحي جانبًا شامحًا للحارس، بأن يمر من جواره حاملًا باقة من الورود، وضعها على المكتب وغادر على الفور، اقترب ياسين ثم سحب المقعد وجلس وهو يخبره:
_مبروك رجوعك يا دكتور عمر.
لحق به عمر، فجلس قبالته وهو يردد بفرحة:
_مش مصدق ان حضرتك جاي بنفسك تباركلي.
وانحنى ليقبل يده بامتنان:
_وجودك هنا شيء كبير ومهم بالنسبالي يا بابا.
ربت بحنان على رأسه ثم قال:
_الواجب مفيش عليه شكر يا عمر... كان لازم اكون موجود جنبك في يوم زي ده!
_مش لوحدك اللي عليك واجبات يا ياسين، أنا كمان عليا واجبات ولا أيه؟
قالتها آية بعدما ولجت للداخل بجلبابها الأسود الرقيق، وكانت تحمل بين يدها باقة صغيرة من الورود، ومصحف صغير من نفس اللون، وضعته بأول درج من الخزانة ليكون قريبًا من يد ابنها، احتضنها عمر وقد غمره اليوم سرورًا لا يضاهي أحدٌ، فقال:
_أنا مش قادر أصدق انكم في مكتبي أخيرًا.
ابتسمت آية وربتت على كتفه:
_حبيبي ربنا يفرحك بخير الدنيا كله.. احنا مش هنطول عليك عشان الناس اللي بره.. وبليل ان شاء الله هشوفك.
نهض ياسين عن مقعده، ثم احنى يده فوضعتها بيده، همس لها بمكرٍ وهو يراقب عمر المتصنع لانشغاله بالهاتف:
_كويس انك جيتي.. بقالنا كتير مخرجناش مع بعض.. تحبي تروحي فين؟!
ضحكت وقالت وهي تراقب عمر بخجل:
_على النيل طبعًا.
غمز لهم عمر بمشاكسة:
_أيوه يا حاج واكلة معاك
استدار اليه بنظرة قاتمة، فابتلع ريقه بصعوبةٍ، فجذب البلطو الطبي الخاص به وتصنع انشغاله بارتدائه لحين مغادرتهما!
*****
بالمقر الرئيسي لشركات الجارحي.
عاد أحمد وياسين للمكتب الخاص بعدي، لتوالي أمور المقر مثلما كان يفعلان، مضى أكثر من أربعة ساعات ومازالوا يعملون على ملفات الصفقات الاخيرة بعنايةٍ، حتى بعد مغادرة الشباب المقر، طرق الباب يد خافتة، جعلت أحمد يردد بانشغالٍ:
_ادخل.
ولج للداخل ونظراته متعلقة بمكتبه الخاص الذي رفض ياسين وأحمد الجلوس عليه، فنقلت مكاتبهم بمحاذاة الجانب الأيمن للغرفة، ابتسم عدي وهو يتابع انشغال كلا منهما حتى لم يهتم أحدٌ لمعرفة من القادم، اتجه عدي لمكتب ياسين القريب منه، فجذب المقعد وجلس قبالته يتأمله ببسمة هادئة، رفع ياسين عينيه عن الملف ليتأمله بدهشة اتبعت كلماته:
_عدي انت بتعمل أيه هنا؟!
أجابه بنفور:
_حسيت اني مش مرتاح.. فقولت أجي أبص عليكم.
ترك أحمد الحاسوب وقال بدهشة:
_من أول يوم حنيت؟
واسترسل ساخرًا:
_ويا ترى بقا حنيت لينا ولا للمقر.
لم تتلاشى ابتسامته قط وهو يخبره:
_معرفش.. يمكن ليكم انتوا الاتنين.
وجذب أحد الملفات الموضوعة من أمامه ثم اتجه لمكتبه ليتابع عمله، وكلاهما يتابعانه بصدمة!
******
ذاك المكان المحبب لقلبها، عاد يجمعهما من جديدٍ، يجلس أمامها بهيبته التي عشقت تفاصيلها، تأملته بحبٍ وقلب يعود لصباه عاشقًا، حتى وإن تملكها الشيب مازال حبها له شابًا حيويًا، منحها ابتسامة جذابة، فاستند بيده على يدها الموضوعة على الحجارة، وسأله بصوته الرخيم الجذاب:
_بتفكري في أيه؟
التقطت نفسًا مطولًا وهي تخبره:
_في اللي مرينا بيه الفترة الاخيرة، الحمد لله انه عدى وانزاح.. متتصورش أنا كنت ببقى عاملة إزاي من أول ما عدي بيخرج لحد ما بيرجع بليل.
وشددت من ضم يده وهي تستطرد :
_كل ما قلقي كان بيزيد كنت بطمن بوجودك.. مكنتش بسمح للخوف يحاوطني وأنت موجود جنبي يا ياسين.
تعمق بتطلعه إليها، فود لو تمكن من ضمها اليه لينزع عنها كل ذرة قلق داخلها:
_كل اللي مر في حياتنا يا آية كان مدبر من ربنا.. اختبار ورا التاني وكنا صامدين لاننا مع بعض وهنفضل كده لحد أخر نفس خارج مني.
زوى حاجبيه باستغرابٍ، حينما وجدها شاردة عنه، نظراتها تكاد تنقلب لجحيم دامي، استدار ياسين تجاه ما تتطلع إليه، وعاد ليتأمله ببسمة ساخرة:
_كبرت على الغيرة دي.. دول في عمر مليكة يا آية!
بعدت يدها عنه، ثم قالت بضيق:
_يا ريت هما اللي يخلوا عندهم دم، دول من ساعة ما قعدنا وهما عنيهم علينا.
ابتسم وهو يشاكسها:
_يمكن عاجبهم قعدتنا الرومانسية.. عمومًا لو حابة نغير المكان أنا جاهز.
هزت رأسها بالنفي، فمنحها نظرة ثابتة مغزاها خبيث وخاصة حينما قال:
_بقولك أيه.. أنا كنت حابب أصبغ شعري أهو على الأقل البنات دول يكون عندهم الجرءة يطلبوا رقم موبيلي!
منحته نظرة قاتلة جعلت ضحكاته تتمرد بالتتابع، فاستعادت اتزانها وقالت بعدم مبالاة:
_لو كنت واحدة قدرت تاخدك مني كانت عملتها من زمان.. أنا جوه قلبك ومحدش هيقدر يخرجني منه بسهولة!
رفع يدها إليه، فطبع قبلة رقيقة على أصابعها وهو يهمس لها:
_محدش قدر يعملها ولا هيعملها!
اتسعت ابتسامتها وثقتها به وبعشقها تمرد على العوالم بأكملها، تلك الفتاة البسيطة التي تمرد قلب ياسين الجارحي لاجله، تحدثت عينيها إليه ونظراتها تتوزع بين أعين الفتيات الفضولية بتأمل ذاك الرجل الذي يحمل رومانسية ورقي تعامل مع زوجته بهذا العمر، تحدتهم نظراتها وكأنها تخاطبهم بتحدٍ
وإن سألك أحدٌ ماذا فعلت به؟
أخبرهم بأنني احتليت وطنك وبات قلبك لي أسيرًا، ومن أرادت قلبك عليها بمحاربتي أولًا لتفوز بك!
*******
عاد عدي من المقر بصحبة أحمد وياسين، فصعد لجناحه الخاص، بحث عنها بعينيه فوجدها تجلس على الفراش بملامحٍ هادئة للغاية، جذب المقعد القريب منها، ثم اتجه ليضعه قبالتها، فابتسم وهو يسألها؛
_أخدتي كفايتك من النوم؟
أومأت برأسها ومازالت رأسها منكس أرضًا، ويدها تلهو بغطاء الفراش بعشوائيةٍ، فقال بنبرةٍ تعمد أن يجعل كل حنان وحبًا إمتلكه اليها به:
_طيب ممكن أعرف مخبية وشك مني ومش حابة تبصلي ليه؟
ظلت كما هي تعجز حتى عن رفع رأسها، فاحتضنت يده يدها، ثم وضعهما على قدميها، طالبًا منها:
_طيب بصيلي طيب وعاتبيني في اللي عايزاه براحتك.
وخمن بعد طيلة صمتها:
_أنتي مترددة من حوار رجوعي للشغل يا رحمة؟
هزت رأسها بنفي، فأصابته بالتخبط والحيرة،
تدفقت دمعاتها تباعًا فلامست يده، فانتفض بجسده ليسرع تجاهها، فقال بلهفةٍ وهو يرفع رأسها اليه:
_رحمة؟!
تفاجئ بعينيها تملأها حمرة بكائها فبدت أشبه بالمتورمة، ضم خدها بيده وهو يسألها بقلقٍ:
_في أيه؟ صدقيني لو مش عايزاني أرجع مش هرجع أبدًا.
واقترب منها، فطبع قبلة على جبينها وهو يستطرد:
_قولتلك قبل كده أنا ميهمنيش غيرك!
عادت برأسها للأسفل مجددًا وجسدها ينتفض من البكاء، فشك أن هناك أمرًا أخر يفوق عودته للعمل، أجبرها مجددًا بالتطلع إليه حينما رفع عنها خصلات شعرها ثم رفع خدها اليه، ليسألها بخوفٍ:
_أيه اللي مزعلك بالشكل ده، اتكلمي؟
أزاحت دمعاتها عنها، ثم تحركت بجسدها تجاه الكومود، وعادت اليه بما تحمله، وضعته بين يديه، فوزع نظراتها بينها تارة وبين ما يحمله، عجز عن تحديد ذاك الشيء الصغير الذي يحمله، فكان بنهاية طرفة قطعة زرقاء بلاستكية، نزعها رائد عنه، فأسبل بعينيه بدهشةٍ حينما رأى خطين من اللون الأحمر بنهايته، استعاد معلوماته المتعلقة بهذا الشيء فانفرجت شفتيه بدهشةٍ لحقت سؤاله:
_ده أيه؟
اجتمعت علامات الذعر بحدقتيها، فقالت بخوفٍ مقبض:
_متعمدتش إن ده يحصل والله، أنا كنت بأخد الحبوب في مواعيدها!
حاول عقله اختصار فهم ما يحدث أمامه، فردد بعدم تصديق:
_انتي حامل؟!
.............. يتبع..........
حبايبي متنسوش فلسطين الحبيبة من دعواتكم، ربنا عالم الفصل اتكتب ازاي في ظرف الظروف اللي أحبائنا بيمروا بيها، بس أنا حابة ارتاح من الرواية واخد فترة راحتي... انتظروا الفصل الاخير من الجزء الخامس من أحفاد الجارحي، وبعد فترة راحتي هنرجع بإذن الله نستكمل احداث مهمة بالسلسلة بالنوفيلا الختامية لسلسلة الجارحي، وهيكون فيها تسليط الضوء على بعض النقاط الهامة.... بحبكم في الله ♥
#آية_محمد_رفعت..
******_______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس! ...(#أحفاد_الجارحـي5... )
#الفصل_الثلاثون(والاخير الجزء الاول..)
(إهداء الجزء لمتابعين سلسلة أحفاد الجارحي الداعمين لاستمرار أجزاء الرواية منذ 2019، إلى الآن ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
مرت من أمامها كل ذكرى مؤلمة متعلقة بحملها الأول، كيف خسرت حبه الكبير لها وعنت من شدة قسوته، لا قلبها ليس قادرًا على خوض تلك المعاناة مجددًا، تعلم بأنه كان يخاف عليها في كل مرةٍ ذكر الطبيب أمر حياتها المهددة بخطر حملها المتعسر، ولكنها الآن لن تقوى على المحاربة بعد تعرضها لكل تلك الموجات، انهمر الدمع على خديها وارتجفت شفتيها وهو تحاول نطق تلك الكلمات الثقيلة:
_والله ما أعرف حصل ازاي يا عدي.. أنا أسفة.
وأزاحت دمعاتها بأصابعها، ثم التقطت نفسًا مطولًا يعينها على قول ما طاف بخاطرها:
_أنا ممكن أنزله!
رمش بعينيه وهو يحاول استيعاب الأمور بداية من حملها ونهاية باقتراحها الغير مقبول إليه بالمرةٍ، فقال بصدمةٍ:
_أيه الجنان اللي بتقوليه ده!
واحتضن وجهها بيديه، ثم قال بنبرةٍ حنونة:
_اللي شوفتيه مني زمان مش هيتكرر تاني يا رحمة.. أنا عندي ثقة كبيرة في ربنا إنه مش هيخليني أخسرك بعد كل الاختبارات اللي مرينا بيها مع بعض.
وابتسم وهو يستطرد:
_حملك وراه رسالة من ربنا وأنا فهمتها.. أنا كان نفسي أعوض اللحظات اللي عشتها بعيد عنك في أكتر وقت كنت محتاجالي فيه وربنا عوضني بحملك.
وضمها إليه بقوةٍ، ويده تعبث بخصلات شعرها:
_أنا جنبك ومستحيل هتخلى عنك ولا عن اللي في بطنك، ولو ربنا أراد اننا نمشي مشوار تاني هنمشيه بس المرادي وأنا جانبك وايدي في ايدك.
أغلقت عينيها باستسلامٍ لذاك الأمان الذي يداعبها، لم تصدق ما تسمعه حتى وإن كان يستمر بحديثه إليها، أجبرت يدها على التعلق به، وكل ما تتمناه أن يظل هكذا، وإن تخلت روحها عنها لن تريد بعدها أي شيء.
******
استندت على الكومود حتى استقامت بوقفتها، خطت خطوتان تجاه حمام غرفتها بتعبٍ مازالت تشعر به بعد ساعاتها القليلة من ولادتها، اتجهت لحمام غرفتها بصعوبة، فاستندت برأسها على الحائط وهي تجاهد ذاك الدوار الطفيف الذي يهاجمها، شعرت بكف قوي يضم يدها فرفعت رأسها تتأمل من يقف أمامها ببسمة خافتة:
_حازم!
أسندها إليه وهو يتساءل بدهشةٍ:
_أيه اللي قومك من السرير.
أشارت له على حمام الغرفة، فأسندها حتى ولجت إليه، ثم عاد بها للفراش مجددًا، جذب حازم الغطاء عليها، ثم حمل خالد الغافل جوارها لغرفته، وتمدد هو لجوارها، راقبته نسرين ببسمةٍ هادئة، فأبدل ملابسه ثم تمدد لجوارها، فسألها بتعحبٍ:
_بتبصيلي كدا ليه؟!
ابتسمت وهي تخبره:
_محتارة فيك.. مفيش في حنانك وطيبة قلبك يا حازم.
وانحنت بجسدها حتى استلقت على صدره، فأغلقت عينيها وهي تردد:
_ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك يا حبيبي.
حاوطها بذراعيه ثم قال ببسمة ماكرة:
_انتي بتحبي فيا في الاوقات الغلط!!
******
أريكتها الجلدية المريحة تضعها لجوار شرفتها الزجاجية المفضلة، لا يفصلها شيئًا عنها، الشموع البيضاء تحيط بالحائط الصغير المجوف فتصنع اضاءة ساحرة للغاية، ضمت ساقيها إليها رأسها مستند عليها وخصلات شعرها تلامس أطرافها، ابتسامتها لا تترك شفتيها وعينيها تراقب القبعة المجوفة التي تعلو القصر، هائمة بتلك الذكرى التي تنعش قلبها العاشق، خرج من حمام غرفته، يجفف رأسه بالمنشفة، فما أن أزاحها عنه حتى انتبه لوضع زوجته، فدنى منها وهو يتساءل بدهشةٍ:
_ملك! سرحانه في أيه؟
استدارت برأسها إليه، وأشارت له بالاقتراب، اقترب يحيى منها، فأمسكت يده وحثته على الجلوس لجوارها ثم قالت ببسمةٍ هادئة وهي تشير على سطح القصر:
_مش بيفكرك بحاجه المكان ده؟
ضيق عينيه بعدم فهم، فمالت برأسها وعادت لتهيم بالمكان مجددًا وهي تخبره:
_هنا كنت هنهي حياتي بعد تفكيري الأهبل انك كنت بتخوني، ووقتها انقذتني مرتين، مرة من الموت ومرة من عقاب عتمان الجارحي، أخدت القلم بدالي ومهتمتش بشكلك قدام اللي بالقصر ولا همك أي شيء غير انك تحميني من الضربة اللي ممكن تأذيني.
وعادت لتتطلع تجاهه وهي تستطرد:
_الذكرى دي لسه في بالي لحد النهاردة يا يحيى مش قادرة أنساها.. ولا قادرة أنسى كل تضحية قدمتها عشان تحميني، حبك ليا حماني من كل شيء وحش.
طلت وسامته ببسمته الصغيرة رغم كبر عمره، فضمها إليه وهو يتساءل بمكرٍ:
_أيه السبب اللي خلاكي تفكري في كل ده الوقتي.
اختبأت بأحضانه وهي تهمس باستنكارٍ:
_مين قالك اني نسيت حاجة عملتها عشاني!
وارتفعت بجسدها اليه، فطبعت قبلة خاطفة على خده وهي تكرر همسها الخافت:
_انت الشيء الحلو في حياتي كلها يا يحيى، واللى بيفرحني أكتر ان ياسين ابني طالع شبهك في كل حاجة.
وامتعضت ملامحها فجأة، فلم تسيطر على دمعاتها وهي تردد بخفوتٍ:
_أنا أوقات بخاف انك تسبني يا يحيى، خايفة من لحظة الفراق والموت، خايفة ان يومك يكون قبل يومي وقتها ممكن أموت نفسي.
ازاح دمعة خائنة من عينيه وهو يخبرها ببسمة صغيرة:
_أيه اللي بتقوليه ده يا ملك!
ابتسمت وهي تخبره رغم نبرتها الباكية:
_هعمل أيه لازم أفكر باللحظة دي، انت عارفني طول عمري دبش ومش بعرف أفكر بالكلام بس أنا يعني بقولك اني كنت كل ما بفكر ان ياسين نسخة منك وإنه هيصبرني الايام اللي فضلين ليا لحد ما ربنا يفتكرني قلبي يوجعني أكتر، فملقتش غير اني ادعي ربنا يخلي يومي قبل يومك.
وانغمست بالبكاء، فشدد من ضمه لها، وقال بصوته الرخيم:
_متفكريش في الموت تاني يا ملك،استغلي كل لحظة بتجمعنا مع بعض كأنها الاخيرة.
وأبعدها عنه لتقابل نظرات عينيه التي مازالت تملك سحرها الخاص حتى بعد مرور هذا العمر، فباغتها بنبرته الجذابة:
_وأنا أعاهدك اني هفضل أحبك لحد أخر نفس خارج مني!
وترك ديوان عشقه يكتمل بأقصوصة اضافية تحملهما معًا في ختام صفحته الطويلة.
********
بالجناح الخاص بمعتز.
عمل جاهدًا على حاسوبه، فكان يود الانتهاء من الملف الاخير قبل صباح اليوم الجديد، مرت أكثر من ثلاث ساعات عمل بها بهدوءٍ تام دون أن تثير الضجة جواره بثرثارتها المعتادة، لا يعلم لماذا اشتاق لها فجأة، وكأن فعلتها التي لا تعجبه بات يشتاق لها ويفتقدها، خرج معتز من غرفة مكتبه للغرفة الرئيسية، فوجدها تجلس على الفراش وتعمل على حاسوبها ذو اللون الوردي، كان يبدو عليها الانشغال التام بعد عودتها للعمل بالمقر، تمدد لجوارها بعد انتهائه من عمله، فقرر خوض معاركتها الدائمة لانشغالها التام عن بدأها، فقال بنبرةٍ شبيهة لها:
_كالعادة هتقضي يومك كله قدام اللاب ولا كأن في واحد قاعد من الصبح يستناكي عشان نقعد مع بعض!
أبعدت شاشة الحاسوب عنها، لتحدجه بنظرة بلهاء، غمز لها بمشاكسةٍ اتبعت حديثه:
_هو أنا مش بصعب عليكي! يعني طول اليوم برة البيت وفي الشوية اللي راجعة فيهم هتسهري قدام الزفت ده.
فشلت بالسيطرة على انطباع وجهها المتصلب، فانفجرت ضاحكة وأشارت:
_ده أنا صح! بتتريق عليا يا معتز.
ابتسم وهو يتابع ضحكاتها، فزحف على الفراش حتى بات جوارها، جذب عنها الحاسوب ثم وضعه على الكومود، وجذب يدها إليه يقبلها برفقٍ، ثم رفع عينيه إليه ليخبرها:
_فرحان انك بقيتي معايا ومشاركاني كل حاجة حتى الشغل.
وابتسم وهو يشير لها بمكرٍ:
_ده غير اني ملاحظ انك بقيتي مهتمية بنفسك وخسيتي جدًا من أول اسبوعين!
انخطف لون وجهها من فرط سعادتها، كأغلب النساء التي تسعد قلوبهن باهتمام زوجها لادق تفاصيلها، ناهيك عن ملاحظته بفقدانها للوزن، فركت منخارها كمحاولة لاخفاء بسمتها، واصطنعت الجدية وهي تخبره:
_معتز اديني اللاب لو سمحت لسه ورايا شغل!
ابعده عنها وهو يشير لها بتذمرٍ مرح:
_لا يا حبيبتي شغلك في المقر، هنا أنتي ملكي أنا وبس مش ملك الشغل!
وقربها اليه سريعًا ليفاجئها بسرقته العاطفية، فشهقت بخجل، وابتسم وهو يجذبها أسفل الغطاء هامسًا لها:
_الموضوع أصله خطير وده بدايته، تعالي لما أكملك اللي حصل!
********
طالت ظلمة الليل الكحيل حتى أشرقت سماء يومًا جديد، اجتمع فيه جميع أفراد العائلة على مائدة الطعام الكبيرة، الذي يترأس طرفيها ياسين الجارحي قبالة رفيق الدرب، غمز له يحيى وهو يبتسم بمكرٍ جعل الاخير يجذب هاتفه، ويرسل له
«أيه سر السعادة الغريبة دي!»
انتقلت نظراته للهاتف المضيء، فسحبه وقرأ ما دون برسالة ياسين، فأجابه
«وأخيرًا اتخلصنا من المشاكل كلها يا صاحبي، بس تفتكر لسه في مصايب تانية مستناية دورها؟!»
عشرات المقاعد تفصلهما، ومع ذلك يبدو بعد المقاعد قريبًا بعض الشيء، جذب ياسين هاتفه فعبث به وهو يرتشف قهوته بثبات
«مفيش حياة بدون مشاكل يا يحيى، بس المهم اننا قادرين نواجهها واحنا مع بعض ولا أيه؟»
منحه ابتسامة واسعة، وجذب كوب العصير خاصته فرفعه عاليًا وكأنه يقدم له تحية صباحية تشاركه كل عركلةٍ معًا، انطلقت الاحاديث المرحة المتبادلة بين الشباب والفتيات،فهبطت رحمة للأسفل بصحبة نور، فجذبت كلا منهما مقعدها، وجلسن يتناولان الطعام، تساءلت آية باستغراب وعينيها تحيط بمقعد عدي الفارغ:
_فين عدي يا رحمة؟
أجابتها وهي تجاهد ذاك الدوار الصباحي المعتاد لأي امرأة بشهورها الأولى من الحمل:
_معرفش يا ماما أنا صحيت ملقتهوش!
صدح رنين هاتف نور، فجففت يدها ورفعت الهاتف وهي تردد بدهشةٍ:
_ده عدي.
أشار لها عمر قائلًا:
_طب ردي شوفي في أيه!
أجابته نور فقالت:
_أيوه يا عدي!
جحظت عينيها بذهولٍ، والابتسامة تحررت على شفتيها، فابعدت مقعدها وهي تردد بفرحةٍ:
_بجد، فين؟!
استمعت لما قال، وتركت الهاتف وهي تشير اليهم بحماسٍ:
_عدي جابلي العربية.
وتركتهم وهرولت للخارج، فلحقت بها الفتيات والشباب راكضًا، تبادل الجميع النظرات بدهشةٍ، فقال رعد بسخريةٍ:
_عمرهم ما هيكبروا أبدًا... مش عارف حقيقي هيعقلوا أمته ويتصرفوا بمسؤولية شوية دول أباء وأمهات!
جذب عز الشطيرة فغمسها بالعسل الابيض، وتناولها وهو يخبره:
_ما تسبهم يعيشوا حياتهم.. هما يعني عندهم كام سنة لكل ده، العمر قدامهم طويل.
وأضاف أدهم ببسمة هادئة:
_بالعكس أنا شايفهم عاقلين كفايا وشغل المقر يشهد على كلامي ولا أيه يا يحيى!
انتهى من مشروبه، فوضع الكوب وهو يشير لرعد:
_سبهم يا رعد.. هو في أجمل من أن الواحد يعيش حياته بالطول والعرض، أنا بفكر بعد اللي حصل ليهم بالفترة الاخيرة نديهم اجازة من المقر يطلعوا اسكندرية أو بورسعيد يغيروا يومين قبل رمضان.
واستدار تجاه رفيقه يتساءل:
_ولا أيه يا ياسين؟
مرر سكينة على الجبن الأصفر، فتناول بشوكته القليل، وقال بثباتٍ:
_معنديش مانع.. خليهم يطلعوا يومين تلاته.
جحظت عين حمزة بصدمة:
_وشغل المقر.. متقولش احنا اللي هنشيل!
تعالت ضحكات عز، فقال بمشاكسةٍ:
_وماله منشلش ليه ولا أنت اخدت على الراحة؟!
اعترض أدهم على حديثه ومنح خيارًا أخر:
_لا يا عز.. العضمة كبرت عند حمزة ومبقاش حمل الشغل فرامي اتكاله على أحمد وفرمه بالشغل.
وضعت تالين الملعقة عن زبادي الحليب، ثم قالت بضيق:
_هو أخد على كده يا أدهم، لما الولد يا قلبي مبقاش بيرجع البيت اللي وش الصبح.
صاح بهم بعصبية:
_أنا يعني اللي متكل عليهم لوحدي ما كلنا كده ولا أيه؟
ترك ياسين المنشفة الورقية باهمالٍ فوضوي، فالتزم الجميع بالصمت، ليحطم هو جلبابه العتيم حينما قال:
_كلنا أهملنا شغلنا ورمينا المسؤوليات على الاولاد، عشان كده أنا مع قرار يحيى نخليهم يغيروا جو كام يوم واحنا هنشيل بدالهم بالفترة دي.
نغزت دينا ذراع رعد، فتأوه بصوتٍ مسموع وتساءل بحدة:
_في أيه؟
قالت بغضب:
_طب واحنا مش هنطلع يومين نغير جو ولا احنا مالناش نفس يعني!
حدجها بدهشةٍ:
_يعني لو بايدك اختيار خروجة حلوة هتختاريها لنفسك ولا لاولادك؟
اجابته ببسمةٍ عريضة:
_ليا طبعًا ودي فيها كلام.
انفجر الجميع ضحكًا، فقال عز بمكر؛
_والله أنا شايف ان دينا معاها حق، احنا كمان لازمنا تغير جو ولا أيه؟
حدجه الجميع بصمتٍ، فقال وهو يتطلع اليهم:
_يبقى تمام على العيد نسافر كلنا مكان كويس ومحدش هيقدر يعترض كلامي.
رد عليه حمزة بخبثٍ:
_ليه ياسين الجارحي؟
ابتلع ريقه بخوفٍ مصطنع، ونظراته لا تفارق ياسين المتكئ على يديه برزانةٍ قاتلة، وقال:
_لا معايا وسطة وعلى رأي المثل يا بخت اللي نسيبه ياسين الجارحي وأخوه يحيى الجارحي ولا أيه!
نهض يحيى عن المقعد ثم قال بتريثٍ:
_هروح أبلغ الاولاد بقرار سفرهم.
********
بالخارج.
ركضت مسرعة للسيارة، فالقت بذاتها داخلها، ثم وقفت على مقعد القيادة وأخذت تلوح بيدها بالهواءٍ بفرحةٍ طفولية، ابتسم عدي وهو يراقبها، فهمس عمر اليه:
_ارتحت لما نفذلتلها اللي هي عايزاه أهو محدش عاد هيعرف يكلمها من هنا ورايح.
رد عليه أحمد بضيقٍ:
_وفيها أيه يا عمر هي عملت جريمة ما أغلب البنات عندهم عربياتهم الخاصة!
ضحك ياسين وردد بمرحٍ:
_انت ليه محسسني انها هتقود حياتك مش على الرصيف!
لوى فمه بتهكمٍ، وخاصة حينما أسرعت نور تجاههم، فصاحت بسعادة:
_والله ما عارفة أشكرك ازاي يا عدي، لو ينفع كنت حضنتك بس للاسف لا يجوز!
تعالت ضحكاته الرجولية، فقال وهو يشير اليها :
_مفيش داعي مشاعرك وصلة بدون أحضان!
اتجهت نور خطوتين حتى باتت تقف جوار زوجها، فوزعت نظراتها بينه وبين السيارة، فردد بعدم فهم:
_نعم!!
قالت بدهشةٍ:
_العربية جت فاضل نتعلم السواقة.
رفض مساعدتها بصدر رحب:
_قلبي رهيف عشان تتعلمي السواقة لازم حد قلبه ناشف بحيث لو اتخبطتي لقدر الله يبقى قادر يستوعب ويكمل تعليمك عادي.
رددت مليكة بصدمة:
_انت بتفول عليها من دلوقتي!
اشارت لها نور بغضب:
_شوفتي أخوكي.. هو نفسه في كده أصلًا.
واستطردت وعينيها تختار غايتها:
_عمومًا أنا هخلي حازم هو اللي يعلمني، شوفته بيعمل حركات بالعربية يخربيت كده.
رد عليها جاسم بسخرية:
_مش لما تتعلمي تطلعي بالعربية الاول يا نور تبقي تتعلمي الحركات!
واضاف مازن:
_لا وما شاء الله عندها طلة في اختيار الشخص اللي هيعلمها!!
رد عليه حازم بسخطٍ:
_وماله الشخص اللي اختارته يا سي مازن!
تدخلت مروج بملل:
_مازن أنت بتحاول تخلق مشاكل مع المديرية كلها اسكت أحسن!
ضحك معتز وشيد على حديثها:
_أيوه اسمع كلام مراتك واسكت، انت كلامك بيعملك مشاكل ووشك أساسًا معتش حملها!
أشارت نور لحازم بحماس٠:
_طب يلا يا حازم علمني.
أشار لها بالصعود للسيارة بينما ولج لمقعد السائق، كادت نور بالدخول اليها، فأوقفها أحمد حينما قال:
_نور بلاش حازم ده متهور بالسواقة، خلي رائد يعلمك أفضل سواقته هادية وعاقل.
خرج حازم برأسه من نافذة السيارة فصاح به:
_متخليك محضر خير يا أخ، ماله حازم مش ده اللي كان السبب في انقاذ الوحش، لو كنتوا اتكلتم على اللوا كان زمانهم خلصوا عليه.
منحه عدي نظرة صارمة، جعلته يزحف برأسه للداخل في صمتٍ، فأشار لنور التي صعدت جواره وتحرك بها للحديقة الخلفية الشاسعة، بينما تجمع الشباب والفتيات بالخارج حول الطاولة المستديرة، فتساءل ياسين بفضول وهو يتفحص ملابس عدي الرسمية:
_أنت خارج ولا أيه يا عدي؟
أشار له وهو يجيبه:
_أيوه، هنزل مكتبي النهاردة أشوف الدنيا ماشية ازاي، وهرجع على طول.
نهض أحمد عن مقعده ثم أشار للشباب قائلًا:
_عجبتكم القعدة ولا أيه، يلا اتاخرنا.
وقف الشباب جميعًا وقبل تحركهم أوقفهم صوت يحيى القريب منهم، حينما قال:
_يا شباب.. قرار عاجل ومفاجئ.
همس جاسم بخوفٍ:
_استر يا رب.. كارثة جديدة على الصبح!
جذب يحيى المقعد الاساسي للطاولة، وجلس يلتقط أنفاسه، فتساءل عمر بدهشةٍ:
_خير يا عمي.. هنرجع المقر تاني ولا في قرارات جديدة؟!
غمز بمكرٍ:
_لا قرار جديد بس متقلقش يا عمر هيعجبك.
بلهفة قال:
_كل الآذان صاغية.
ضحك وهو يخبرهم بمرحٍ:
_قررنا نحن كبار عائلة الجارحي،وذلك بعد موافقة السيد ياسين الجارحي، باعفائكم من عملكم الشاق بالمقر لمدة لا تتجاوز الثلاث أيام، وذلك بمنحكم افراج رسمي لكلتا المدن السياحية لقضاء وقتٍ ممتع يعوض ما عاناه الجميع بالفترة الماضية.
فور انتهائه من اخبارهم، صاحت الفتيات بفرحة:
_يعيش... يعيش.
قالت آسيل:
_هو ده الكلام ولا بلاش.
أضافت داليا:
_والله كلنا محتاجين نغير جو ولا أيه يا رانيا؟
أكدت لها بتأكيدٍ:
_طبعًا مين مش محتاج يخرج لمكان على البحر يغير بيه جو.
وأكدت مليكة:
_أهم حاجة يكون على البحر يا عمي.
ابتسم وهو يخبرها٠:
_اقعدوا رتبوا مع بعض واتفقوا على المكان اللي حابين تروحه.
ونهض وهو يستطرد٠:
_عن اذنكم.
وتركهم يتشاوران بالامر ثم عاد للداخل، وبعد مشادات من الجدل تم الاتفاق على الاسكندرية، واتفق الشباب على السفر الباكر بالغد أما اليوم سيستعدون جميعًا لذلك، واستغل عمر اليوم بالذهاب للمشفى، وصعد عدي بسيارته ليتجه لوجهته الهامة، وتبقى الشباب بالمنزل، يستعدون بالمعدات التي ستكفي غرضهم بالرحلة، فجلسوا يتقاسمون المهام بينهم، الى أن قاطعهم صوت اصطدام قوي وتليه صوت صراخ نور، فهرعوا للخلف سريعًا ليتفاجئ الجميع بالسيارة مصطدمة بالشجرة العملاقة، وزجاجها الأمامي محطم كليًا، وزعت نور نظراتها المنصدمة بين السيارة وبين حازم الذي ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يشير لها:
_هصلح الموقف وقسمًا بالله.
انهالت عليه بالضرب، وهي تصرخ بعصبية:
_عمال تقولي أنا حريف! كسرت العربية ده أنا لسه مفرحتش بيها.
حاول أن يتفادى يدها، فصاح بها:
_هعوضك بعربية زيها أو هتكفل بتصالحها!
تدخل أحمد على الفور، ففتح الباب الجانبي للسيارة وأشار لها بالهبوط وهو يردد بنوعٍ من الشماتةٍ:
_قولتلك بلاش حازم!
منحته نظرة غام بها الندم، فهبط حازم خلفهما قائلًا بسخطٍ:
_هي اللي على الله حكايتها، عمال أقولها دوسي فرامل وهي في دنيا تانية!
كزت على أسنانها، فبحثت حولها عما يمكن استخدامه في تلك اللحظة العصيبة، فلم تجد الا أداة خاصة بتنظيم حديقة القصر، جذبتها نور واتجهت اليه وهي تتساءل بإنذارٍ خطر:
_يعني هتصلحها ولا تستلقى موتك.
جحظت عينيه صدمة، فصاح بخوفٍ:
_هصلحها وقتي!
******
الانجازات المتتابعة تلخصت بكل وسام حمله هذا الحائط، ميدالية تليها الأخرى، ولجوارها شهادة تقدير، وقلادات ثمينة تشيد بإسم المقدم "عدي الجارحي" ، وها هو الآن يعود بعد انقطاعه التام، ليس ليباشر عمله فمازال ينفذ وعده القاطع بعودته بعد تماثله الشفاء بشكلٍ كلي، ولكنه يحن للعودة والتواجد على هذا المقعد الذي ينقله لذكرياتٍ محمسة لعودته مجددًا، مرر عدي يده على المقعد والبسمة لا تفارق وجهه، فاستمع لطرق باب غرفته، فردد:
_ادخل.
ولج الموظف والابتسامة البشوشة لا تفارق وجهه مرددًا:
_نورت مكتبك يا باشا..
واقترب ثم وضع كوب القهوة بعنايةٍ على سطح المكتب، ثم قال:
_مظبوطة زي ما بتحب يا باشا.
ابتسم وهو يجيبه:
_تسلم يا صالح.
حمل الموظف الصينية ثم غادر على الفور، تاركه يعيد كل تفاصيل يرغب بها، وجذب الكوب ثم بدأ بارتشاف قهوته بتلذذٍ عجيب، ليقطع لحظاته الهادئة رنين هاتفه اللامع بإسم "الاسطورة" ، حرر زر الاجابة قائلًا:
_قلبك حاسس اني رجعت ولا أيه؟
تعالت ضحكاته الرجولية، وقال من بينها:
_يا حبيبي الاخبار بتوصلني من قبل ما تخرج من بيتك!
وتابع بمكرٍ:
_اكتفيت بمكالمة بما إن زيارتك سريعة لكن مع رجوعك هتلاقيني معاك بنفسي أنا ومراد وسيادة اللوا.
ضيق عينيه متسائلًا بشكٍ:
_في حاجة لازم أعرفها ولا أيه؟
ابتسم وهو يخبره:
_مهمة بنجهزلها من فترة وفي وقت التنفيذ هنكلمك ترجع يا وحش، ولازم تعرف انها تمس آمن الدولة.
وبصوتٍ جاد للغاية تساءل:
_جاهز يا صاح؟
ابتسم جراء كلماته الاخيرة التي جعلته يشعر وكأنهما مجرمين، فقال:
_جاهز يا كفاءة.. وبالمناسبة لما هشوفك قريب هفهم منك أكتر.. لانك انت ومراد معزومين عندي على الفطار أول يوم رمضان ومش لوحدكم الحكومة الزوجية هتكون معاكم والأولاد.. أظن فهمت.
همس بسخطٍ مضحك:
_لزمتها أيه النكد!
وزفر وهو يخبره على مضضٍ:
_تمام هقول لمراد وهنيجي أكيد منقدرش نفوت فرصة اللقاء بياسين الجارحي تاني!
ردد عدي ببسمة صغيرة:
_سلام مؤقت.
وأغلق الهاتف ثم استند بيده على الطاولة، يفكر بأمرٍ جعل ابتسامته تتلاشى، فعبث يده بالهاتف شمالًا ويمينًا، حتى استقر بعد تفكيرٍ لما يريد، فجذبه مجددًا ثم طلبها وما أن أجابته حتى قال:
_حبيبتي البسي، هعدي عليكي نروح للدكتور عشان نطمن عليكِ أكتر!
*******
أعدت الفتيات الحقائب استعدادًا للسفر بالصباح الباكر، فانشغلت كلا منهن بغرفتها بجمع الاغراض، بينما تركت مليكة مهمتها لزوجها، الذي انتهى من وضع ما سيحتاجوه طوال الثلاث ليالي، وقبل أن يغلق سحاب الحقيبة تساءل:
_هتحتاجي حاجة تانية يا ملاكي؟
مررت بصرها على محتويات الحقيبة، وهزت رأسها نافية وببسمة رقيقة قالت:
_أكيد مش هينقصني حاجة عملتها أنت بنفسك.
منحها ابتسامة جذابة، ثم دنى من مقعدها، فأبعد عن رقبتها ذاك الرباط المتحرك، لترتاح قليلًا، واستغل فرصة قربه منها، فطبع قبلة خاطفة على جبينها، ثم همس إليها:
_هنزل أصلي الظهر وبعدين نخرج نتغدى في أي مكان.. فرصة اني اجازة النهاردة من المقر.
هزت رأسها وهي تردد بفرحةٍ:
_هجهز نفسي لحد ما ترجع من المسجد، بس متتأخرش!
جذب سجادة الصلاة خاصته وغمز لها بخبثٍ:
_أنا رجعت يا باشا!
********
كان ياسين بطريقه للأسف، فامتعضت ملامحه بمللٍ حينما وجد المشهد المعتاد بين جاسم وداليا، وتلك المرة اختاروا انحناء الدرج كمنصة للمشاجرة، فاستمع لجاسم يحذرها:
_اعقلي يا داليا وبطلي لعب العيال ده، احنا بينا اتفاق ولا نسيتي!
ردت عليه باستنكارٍ:
_بس لما فكرت لقيت اني كنت غلط لازم يكونلنا طفل تاني يا جاسم.
ضرب كف بكف:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يا حبيبتي انتي مش لما كنتي في أوضة العمليات حلفتي انك لمل تطلعي هتقطعي علاقتك بيا ومش هتكرري الغلطة دي تاني، أيه اللي غير نظرتك للأمر؟
ابتلعت ريقها ببعض الخوف، واجابته:
_ومازلت بصراحة.. بس لازم أحاول!
انتهى ياسين من الدرج حتى بات جوارهما، فجذب ذراع جاسم وهو يجبره على الهبوط قائلًا بسخطٍ:
_القصر كله في هدوء تام الا ازعاج خناقتكم كل يوم... تعالى صلي يمكن تطرد الشيطان اللي مش يسيبكم ده.
وزع جاسم نظراته بين يد ياسين التي تسحبه للاسفل وبين نظرات زوجته المغتاظة، وابتسم بعدم تصديق بأنه تحرر بمنتهى السهولة، فلحق بياسين وهو يخبره بصوتٍ منخفض:
_جميلك ده مش هنسهولك العمر كله.
فتح ياسين الباب، ثم تابع بهبوطه للخارج ليمنحه نظرة غاضبة اتبعها قوله:
_أنا هموت وأعرف انت طايق نفسك ازاي يا أخي! ده انا أوقات بحس ان حازم أعقل منك في تعامله مع مراته!
وضع يديه بجيوب جاكيته ثم أشار له بعنجهيةٍ:
_دي شكليات يا ياسو.. الحياة متحلاش غير بجرعة النكد الصباحية المعتادة ولا أنت مش من الحزب المتنكد يوميًا ولا أيه؟
صعد سيارته وصعد لجواره جاسم، فمنحه نظرة من طرف عينيه قبل أن يجيبه:
_متقارنيش بحد فيكم يا حبيبي!
******
انتهت رحمة من ارتداء فستانها الأسود الرقيق، ثم وضعت ححابها وجلست تتطلع لذاتها أمام المرآة بخوفٍ يجعل قلبه يخفق بضعف، تجمعت الدموع بملقتيها فحاولت منعها مرارًا، تخشى أن يصرح الطبيب بخطر حملها تلك المرة فتعود لنفس رحلتها السابقة حتى وإن صرح لها عدي بعدم عودته لما حدث بينهما سابقًا، ولكن رغمًا عنها تجتابها الخوف والقلق، شرودها جعلها لا تستمع لطرقات الغرفة الفاصلة بينها وبين ابنائها، مما دفع الصغير الولوج للداخل، فاقترب منها بدهشةٍ وقلق دفعه لازاحة دمعاتها فانتبهت رحمة لوجوده، وازاحت دمعة عينيها الاخرى وهي تردد ببسمة نجحت بصنعها:
_ياسين!
سألها بقلق:
_في أيه يا ماما... بابا اتخانق مع حضرتك تاني؟
هزت رأسها نافية لذلك:
_لا خالص!
ودفعته برفقٍ ليجلس قبالتها على الفراش، وانتظرت قليلًا تفكر فيما تود قوله، لم تعتاد يومًا أن تخفي أي شيئًا عنه، لطالما شعرت وكأنه شابًا في الثلاثون من عمره على الرغم من كونه طفلًا صغيرًا، ولكنه يمتلك عقلًا وحكمة تجعلها عاجزة، لذا قالت بهدوءٍ:
_أنا كنت هجيلك أنت ورحمة عشان أفرحكم وأقولكم ان قريب ربنا عيرزقنا بأخت أو أخ ليكم.
ابتسم الصغير ومع ذلك اخبرها بشكٍ:
_وهو ده خبر يزعل حضرتك!
تلاشت ابتسامتها، وأفاضت بما يقبض صدرها:
_انت عارف يا ياسين ان حملي فيكم مكنش سهل وكان فيه خطورة على حياتي، فعدي مكنش متقبل الحمل ده عشان كان خايف عليا، أنا دلوقتي مش عارفة هل هواجه نفس المصير ولا لا، ولو ده حصل هترجع الحياة بينا زي فترة حملي الأول ولا لا!
منحها الصغير ابتسامة جذابة، ثم رفع يده ليزيح دموعها مجددًا، وقال بثقة:
_خليكي متفائلة إن مفيش أي شيء من ده هيحصل، بداية من زيارتك للدكتور اللي إن شاء الله هيطمنك، ونهاية ببابا لان ياسين باشا غيره ١٨٠ درجة، وأعتقد إن الفترة اللي عاشها مش هيحب إنه يكررها تاني لإن الدرس مكنش قاسي على حضرتك بس لا هو كمان أتعذب وعلم معاه.
رمشت بعينيها بعدم تصديق، ومع ذلك لم تكن دهشتها كبيرة لاعتاديها عليه بتلك الرزانة، فابتسمت وهي تهمس:
_ياسين الجارحي اللي قدامي.. مستحيل!
ضحك الصغير وأخبرها بمكرٍ:
_أنا اسمي ياسين الجارحي فعلًا يا مامي!!
ثم قال وهو يشير لها بضيق:
_وبعدين عندي تعليق، ده فستان تخرجي بيه مع عدي باشا! بسيط جدًا وميلقش على الخروجة دي، اختاري شيء مميز لأن النهاردة مميز ولا أيه؟
ضحكت وضياء وجهها ينير، وتساءلت:
_هتساعدني في الاختيار؟
حك جبهته بحيرةٍ، ثم قال:
_هحاول!
جذبته للخزانة وبعد رحلة من الصبر والاختيار، نجحوا باختيار فستان أزرق تحفه فراشات بيضاء، رقيقًا للغاية ولكنه يمنح طالة فخمة لاقت بها، هندمت حجابًا أبيض وحذاء أبيض بسيط، ثم استدارت تجاهه وتساءلت بفضولٍ:
_ها أيه رأيك كده... لبست الفستان اللي إختارته ملكش حجة؟!
سماعه لتلك الكلمات أمام باب جناحه، دفعه لفتح الباب باستغرابٍ من حديث زوجته عن شخص تجرأ ليختار لها فستان داخل جناحه المحظور، لوهلة شعر وأنه أخطئ سماعها ولكن كلماتها كانت واضحة، ففتح الباب وولج يبحث باستغراب، حتى سقطت عينيه على ابنه يجلس على الفراش ويشير لها بأعجابٍ قائلًا:
_كده أحلى وأشيك بكتير.
اتجهت عينيه تلقائيًا تجاه من تقف أمام المرآة المطولة، فانفرجت شفتيه دهشة وهو يتأملها، وكأنها ذاتها تلك الفتاة التي جمعهما القدر على متن طائرة واحدة بالأمس، انعكس طيفه بالمرآة، فالتفتت للخلف لتردد بتوترٍ:
_عدي أنت طلعت.. أنا كنت نازلة أهو!
واشارت تجاه ياسين وكأنها تلقي اللوم عليه:
_بس ياسين هو اللي أخرني وخلاني أغير هدومي تاني!
ابتسم الصغير وهو يراها تتهرب وكأنها هي الصغيرة هنا، فقال بمكر:
_كده هتتفدي من العقوبة مثلًا.
ثم تطلع لعدي الذي يراقبه بصمتٍ:
_أنا بعتذر للتأخير نيابة عن والدتي اللي بتصدرني للوجهة!
رسمت ابتسامة هادئة على شفتي عدي، فعبث بخصلات شعر ابنه البني ثم قال بمحبة:
_اختيارك حلو ومريب.
وختم بسؤاله المندهش:
_انت ليك في اختيار اللبس ازاي!
أشار له ليحني رأسه اليه ثم قال:
_لما حضرتك ترجع هعلمك!
ضحك عدي بصوته كله، ثم عرض عليه وهو يطبع قبلة على خده:
_طب أيه رأيك تيجي معانا أنت ورحمة.
تطلع الصغير لوالدته التي تراقبهما باستغرابٍ، ثم همس إليه بمكرٍ:
_أنا بقول دي خروجة متنفعش فيها حد، بس لو حضرتك هتعوضهالنا بإنك تاخدنا معاك اسكندرية التلات أيام دول هقدر تضحيتك جدًا!.
انفجر عدي ضاحكًا، فتعالت ضحكاته بعدم تصديق لسماعه تلك العرض الماكر، راقبتهما رحمة بفرحة حتى وإن لم تستطيع سماع ما يحدث بينهما ولكن على الأقل رؤيتهما هكذا تجعلها سعيدة عمرًا باكمله، وخاصة حينما وجدتهما يتبادلان الصفح وعدي يخبره:
_موافق على العرض يا سيادة المقدم.
ابتسم الصغير حينما مجده أبيه بضمه لاكثر شيء يريد تحقيقه، تقبل ابيه للامر ووضعه كمقياس قبالته جعله سعيدًا ويود تحقيق هذا الحلم عن جدارة، فأستأذن منهما وغادر لغرفته، انتصب عدي بوقفته وتابعه وهو يغادر ببسمة صغيرة ختمها حينما تطلع لرحمة وقال:
_مش شبهي لأ... ده كله ياسين الجارحي على نسخة أكتر خطورة!!
*******
وضعت آسيل الحاسوب على الفراش، ثم تمددت قبالته وهي تتابع حديثهن، فاقترحت مروج ما يمكن اصطحابه معهن بالحقائب:
_أكيد هنحتاج واقي من الشمس وكام نظارة.
تساءلت شروق:
_طب واللبس؟
اجابتها رانيا:
_أكيد لبس محتشم وعادي لاننا كلنا طالعين مع بعض.
قالت نسرين بتعبٍ:
_بس أنا مش هقدر اطلع معاكم والله.. حتى لو كانت ولادتي طبيعية فأنا لسه حاسة بارهاق وتعب كفايا إن احمد مش بينام طول الليل ومسهرني معاه.
تعالت ضحكات آسيل وقالت:
_متقلقيش يا سلفتي هبقى أطوع وأشيله عنك شوية وأدي أويس ابني لأحمد يتحمل مسؤوليته.
على ذكرها لاسمه، ابعد عينيه عن شاشة حاسوبه الماسد امام مكتبه المجاور لغرفتها ، فقال:
_بتناديني يا حبيبتي؟
صاحت بصوت مرتفع تجيبه:
_لا ده أحمد الصغير مش أنت.
رددت داليا بمرح:
_العيلة كلها بقت أسماء متشابه!
اقتربت مليكة من كاميرا الهاتف، ثم قالت:
_أيه رأيكم يا بنات.. الفستان حلو ولا ضيق؟
تأملت الفتيات بأكملهن ما ترتديه، فقالت رانيا:
_جميل أوي يا مليكة بس ابقى طولي الطرحة شوية.
وأكدت شروق:
_فعلا والله تحفة عليكي أوي.
بينما تساءلت مروج بخبث:
_فكك من حلو وبتاع.. انتي راحة فين كده؟!
أجابتها على استحياء:
_ياسين حابب اننا نتغدا بره النهاردة.
ضحكت نسرين ثم قالت بسخرية:
_يا عم يا عم الرومانسيات ما احنا هنسافر بكره ولا عايز ينفرد بالكريز لوحده النهاردة!
ضحكت الفتيات على حديثهن، وتساءلت مروج بدهشة:
_بنات فين رحمة ونور؟ مش ظاهرين من الصبح!
اجابتها داليا:
_رحمة قالت انها راحة للدكتور مع عدي لان زي مانتوا عارفين عرف بحملها وحابب يطمن.
رددت آسيل بقلق:
_ربنا يطمنها يا رب.
تساءلت مليكة هي الاخرى:
_طب ونور؟
ردت عليها داليا:
_لا معرفش، بس مدام مختفية كده أكيد بتعمل كارثة!
******
بغرفة نور.
مازلت تصر عليها بالهاتف بسرعة حضوره للمنزل ليحضر حقائبه استعدادًا للسفر، وحينما أخبرها بأنه لن يستطيع ارسلت له فيديو وهي تلقي بملابسه عن الخزانة، مما دفعه للعودة للقصر، فاندفع لجناحه بضيقٍ يجعل ملامحه عابسة مخيفة، فتح عمر غرفة نومه، فتفاجئ بها تجلس أرضًا بين كومة من الملابس الملقاة بكل زواية بالغرفة، ووجهها متجهم للغاية، كاد بالتوجه اليها ولكنه توقف حينما عاد هاتفه بإرسال شعار مجددًا، وما ادهشه حينما راى فيديو مسجل أخر من حسابها، حانت منه نظرة اليها فوجدها مازالت تجلس محلها، فاتجه للنافذة القريبة تجاه الملتقط منها زواية التصوير، فابتسم حينما وجد ابنته الصغيرة تعبث بهاتف زوجته بعشوائيةٍ، فتارة تحمله بفمها وتارة تدفعه أرضًا، فظن بأن الفيديو المرسل إليه ما هو الا انتقام شنيع لعدم رغبته بالعودة وإن كانت قد فعلت ذلك، ولكن هناك من قام بفضح ما تفعله بملابسه بغيابه، استقام عمر بوقفته وانتظر حتى تنتبه لوجوده ولكن على ما يبدو انشغالها التام بحسبة تستغرق تفكيرها، وضع يديه بجيب سرواله والتقط نفسًا مطولًا قبل ان يناديها بخشونةٍ:
_نــــــــور!
انتفضت بجلستها فحاولت الوقوف ولكنها سقطت محلها، فرددت بغضب:
_خضتني!
أشار لها بغضب:
_أيه اللي عملاه في الأوضة ده.
وأشار على ملابسه بالتحديد:
_وإزاي ترمي هدومي بالشكل ده؟!
قالت بعدم اهتمام وهي تدخل للخزانة مجددًا:
_أيه اللي رجعك بدري مش كنت مش عايز ترجع دلوقتي وبتقولي مشغول!
تفادى أن يلامس حذائه بذلاته الآنيقة الملقاة أرضًا بإهمالٍ يجعله يود قتلها بتلك اللحظة، فاتبعها وهو يصيح بها:
_ربنا اللي بعتلي إشارة من الملاك الصغير دي عشان أكتشف اللي بيحصل، لا وأنا اللي محتار هدومي بتتكسر ليه مع أنها مكوية!!
لم تفهم مغزى حديثه الا حينما تطلعت لابنتها فوجدت هاتفها بيدها، وكعادتها من المؤكد فعلها لكارثة، لذا لم يعنيها معرفة ما حدث، فجذبت بعضًا من ملابسه ثم القتها بوجهه وهي تصيح بغضب:
_تبًا ليك ولبنتك وابنك يا شيخ! مش كفايا اللي أنا فيه!!
تفادى (شماعة) الملابس التي كادت بإصابة وجهه، فحمل الصغيرة وركض لغرفتها ليضعها جوار ابنه الرضيع، ثم عاد اليها، ليجدها مازالت تلقي ما بالخزانة، تسلل للداخل بحرافية حتى لا تطوله ما تقذفه بجنون، فاقترب منها وتساءل بحزمٍ:
_في أيه؟ أنا مش سايبك كويسة وفرحانه بالعربية البينك!
منحته نظرة لا تمت للبراءة التي تتحاول تصنعها بذلك الوقت، ثم انخفضت بجسدها عن الخزانة التي تقف داخلها كالسلم الخشبي، فوقفت قبالته ومن ثم انفجرت ببكاء لا يعلم كيف استحضرته بتلك البساطة، وقالت:
_معتش حاجة داخلة عليا.. أنا تخنت موت يا عمر!
رفع أحد حاجبيه بصدمةٍ، هل أصيحت كفيفة مجددًا؟ أم عاد إليها بصرها الآن! ، وزنها كان بزيادة تدريجية طوال فترة حملها إلى وضعها لعدي ابنها الصغير، فجأة تكتشف بزيادة وزنها! ، فرفع يديه بإشارة اصبعيه الاثنين معًا وقال:
_هرمونات!
ثم أخفض ذراعيه ونفث الهواء العالق داخله عله يستجمع شجاعة الدخول لتلك المعركة الحساسة لدى النساء، فقال ببسمة واسعة مبالغ بها:
_مين قال كده! انتي زي القمر في كل حالاتك يا روح قلبي، ولو على اللبس ننزل حالًا نشتري اللي يناسبك للرحلة.
ازاحت دمعاتها بضحكة غريبة، وقالت:
_بجد يا عمر؟
تسلل من بين الملابس متعمدًا الخطى فوق ملابسها دون التعرض لما يخصه، فما أن وصل اليها حتى حاوطها اليه، فضمها وهو يخبرها:
_بجد يا روحي انتي دايمًا جميلة بعيوني.
وعاد ليتطلع لارضية الغرفة ثم قال بتردد:
_بس انا عندي سؤال، انتي مشكلتك الوقتي مع هدومك ذنبي أنا أيه!
ازاحت دمعاتها باطراف أصابعها وهي تخبره:
_مانا كنت بقيس كام حاجة من عندك يمكن تنفعني بس منفعنيش حاجة!
وعادت بالبكاء على صدره مجددًا، كز على أسنانه بغيظٍ فكاد بأن يهوى على ظهرها بضربة قوية، ومع ذلك اهتدت حركة يده الى أن ضمتها إليه وقال من بين اصطكاك أسنانه المغتاظة:
_ولا يهمك.. البسي وننزل تجيب لبس مناسب للرحلة.
أشارت له وهي تتجه للجانب الايمن من الخزانة لتنقي ما يناسب خروجتهما السريعة، فلفت انتباهها وجود الميزان الخاص بالوزن، حملته نور ثم وضعته أرضًا، وما كادت بالصعود عليه حتى خطفه عمر من أمامها ليشير لها بتحذير:
_لا.. أنا مش ضامن أيه اللي هيحصل بعد كده.. الميزان ده عدوي اللدود.
وقذفه فوق الخزانة وهو يشير لها بتعصب:
_أنا مش جاهز لمرحلة اكتئاب الاوزان دلوقتي كفايا عليا كده!!
********
انتهى الطبيب من فحصها، والتأكد من حملها أولًا، فاكتشف بأنها ببداية الشهر الثاني للحمل، وإن كان صغيرًا وغير باديًا على الجهاز، فكتب لها بعض الادوية والفيتامينات، فقطع الورقة عن دفتره الخاص ثم قدمه لمن يجلس قبالته، قائلًا ببسمة هادئة:
_الادوية دي لازم تأخديها بمعادها، وإن شاء الله أشوفك بعد اسبوعين نطمن على الجنين.
التقط منه عدي الروشتة، ثم تطلع لرحمة الصامتة فناولها المفتاح المجاور إليه وقال:
_حبيبتي انزلي تحت في العربية استنيني وأنا شوية وجاي.
وزعت نظراتها المندهشة بينهما، ثم التقطت المفتاح واتجهت للأسفل، وما ان تأكد عدي من هبوطها حتى قال بقلقٍ:
_دكتور من فضلك صارحني، حملها الأول أنت شوفت بنفسك الخطورة اللي كانت فيها، حملها المرادي هيعرضها لنفس الخطورة؟
رد عليه الطبيب:
_أنا شايف ان حملها طبيعي جدًا، ولازم تعرف إن اللي عرضها للخطورة دي حملها بتؤام، والمرادي حملها في جنين واحد يعني إن شاء الله مفيش خطورة.
تهللت تعابيره فرحة فنهض عن مقعده ليصفحه اليد وشكره بإمتنانٍ، هبط عدي للاسفل وصعد لسيارته فوجدها تنتظره والارتباك يستحوذ عليها، فما أن صعد جوارها حتى تساءلت بريبةٍ:
_قالك أيه؟
انحنى تجاهها،فطبع قبلة خاطفة على يدها قائلًا والابتسامة تطيب قلبها:
_قال إن مفيش داعي للقلق.. وانك انتي والجنين بخير.
رددت بخفوتٍ:
_الحمد لله.
شغل محرك سيارته وتحرك بها، فعلى رنين هاتفه برقم عمر، جذب الهاتف واجابه باستغراب:
_خير؟
اتاه صوته يجيب:
_رحمة معاك صح؟
ضيق عينيه بدهشةٍ:
_بتسأل ليه؟
ردد باستغاثة:
_هاتها وتعالى مول ***، نور مطلعة عيني!
سأله بريبةٍ:
_ليه؟
قال بسخط:
_كل ما بتخيرني بين فستانين بحاول أساعدها والله بس مش عاجبها ذوقي ولو متدخلتش بتتخانق بردو، مش راضية تشتري حاجه وأصحاب المحلات قربوا يطردونا من المول كله.. تعالى فورًا الله يكرمك.
ضحك وهو يخبره باستهزاء:
_محتاجة مساعدة ياسين ابني هي كمان!!
وانجرف بسيارته في طريق المول، فما أن وصل اليه فوجدوا عمر يقف أمام احدى المحلات، يجوب الطريق ذهابًا وإيابًا وأما أن وجدهم حتى هرع اليهما يتساءل بغضب:
_اتاخرتوا ليه؟
اجابه عدي بسخريةٍ:
_أنت ليه محسيني انكم اتمسكتوا وانتوا بتسرقوا! اجمد كده اللي يبصلك بعين نصفهاله!
تركتهما رحمة واتجهت للداخل لتعاون نور برحلتها الشاقة لشراء ما يناسبها، فبقى عمر برفقة عدي بالخارج حتى انتهت الفتيات..
*******
جذب عدي رحمة لأحد المحلات الجانبية، فتساءلت بحيرةٍ:
_في أيه يا عدي؟
اخرج ما يخفيه خلف ظهره، فتفاجئت رحمة بما يحمله بين يده، جحظت عينيها بعدم تصديق وبالرغم من معرفتها بما يحمله الا انها تساءلت ببلاهة:
_ده أيه؟
ابتسم وهو يخبرها:
_لبس بيبي ينفع للولاد والبنات.
بللت شفتيها بلعابها، فهمست وهي تهم بالخروج:
_أنت مش طبيعي!
كادت بالعثر، فأمسك بها عمر، ثم قال:
_حاسبي يا رحمة.. واخدة في وشك وبتجري على مين؟
تطلعت خلفها بذعرٍ، وكأن هناك شبحًا يلاحقها، فقالت وعينيها لا تفارق من يدفع ثمن ما اشتراه لاول مرة:
_أحلف إن ده عدي جوزي!!
واستكملت وهي تتطلع اليه:
_اتصلي بياسين الجارحي بسرعة!
......... يتبع الجزء الثاني من الفصل الاخير....
#الجــارحــــــــــي5... #بقلمي_آية_محمد_رفعت...
*****______*****
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم آية محمد رفعت
#أحفاد_الجارحي5..(#ترويض_الشرس!...)
#الفصل_الثلاثون..(الجزء الثاني والأخير..)..
(إهداء الفصل لمتابعات سلسلة أحفاد الجارحي الداعمات لها منذ أول جزء حتى بات يجمعنا خمسة أجزاء ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
حمل عدي الملابس من البائع، ثم خرج خلفها يكبت ضحكاته بتحكمٍ، فوجدها تخبر أخيه عن تغيره الصادم، ومازالت تصر على طلبها مرددةٍ:
_اطلبلي ياسين الجارحي فورًا!
أتاها صوتًا من خلفها يجيب:
_أنا هنا هل من شكاوي أخرى؟
استدارت رحمة للخلف بدهشةٍ انتقلت للوجوه بأكملها حينما وجدوا ياسين الجارحي يقف قبالتهم برفقة آية، فردد عمر بذهولٍ:
_بابا حضرتك بتعمل أيه هنا؟!
كادت آية بإجابته فسبقتها نور التي صاحت بغرورٍ:
_أنا السبب في تواجد الباشا وحرمه!
واسترسلت بعنجهيةٍ:
_بصراحة كده أنا اللي ألحيت على عمر يطلب من عدي يجيب رحمة تساعدني وفي نفس الوقت كلمت ماما آية وقولتلها تيجي تساعدني في اختيار اللبس، يعني كل ده مدبر ومخطط له من البداية.
رفع عدي أحد حاجبيه باستغرابٍ:
_أيوه كل ده ليه يعني؟
ردت عليه بابتسامةٍ رقيقة:
_عشان نفسي نتجمع كلنا كده بره البيت.
واستطردت على استحياء:
_أنا أسفة لو كنت عطلتلكم أو ضايقتكم بدون ما أقصد..
هنا تمرد عن صمته حينما قال ببسمةٍ هادئة تفتر على طرفي شفتيه:
_بالعكس أنا حبيت أننا نقضي وقت مع بعض، فكري بالطريقة دي دايمًا يا نور.
ابتسمت آية وأشارت لها باستفهامٍ:
_يعني خلاص اختارتي اللي يناسبك ولا لسه محتاجة مساعدتي؟
ردت عليها قائلة:
_رحمة ساعدتني وخلصنا.. نطلع بقى على أي مكان نتغدى فيه ولا أيه؟
سألها عدي باهتمامٍ:
_حابين تتغدوا فين؟
حدجه ياسين بنظرة غامضة، اتبعها قوله الماكر:
_مكانك السري أنت ووالدتك، اللي بتهربوا ليه كل فين وفين!
برق بعينيه بدهشةٍ، فتطلع لآية فوجدها ترفع يدها وتهمس اليه:
_مبعرفش أخبي عنه حاجة!
قاطعهما عمر حينما تساءل بدهشةٍ:
_أيوه أيه المكان ده، وفين؟
مقاطعة أخرى كانت لصالح مليكة التي دنت منهم مسرعة ومن خلفها ياسين الذي يلحق بها، فتفاجئت بوجود العائلة لجوارها مما دفعها لتتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا نور؟ قلقتيني!
اتجهت جميع الأعين تجاهها، فرفعت يدها وهي تشير لهم ببسمةٍ عريضة:
_كده كملنا ومعتش حد ناقص!
******
على طاولة مستديرة في أحد الأحياء الشعبية، تدللت رائحة المشويات والطواجن الشهية، لتزقزق البطون الجائعة التي تشتهي لتذوق ما تتبعه تلك الروائح الطيبة، حمل الشاب اليافع العديد من الطواجن على صينية مستديرة، ثم اتجه للطاولة التي تضم عائلة من أشهر عائلات الطبقة المخملية، قد يجهل كنايتها هذا العامل، ولكنه اعتاد على تقديم واجبه على أكمل وجه للزبائن، فوضع الطواجن قبالتهم، ثم شرع بوضع المقبلات والخبز، غادر من امامهم ليترك الذهول يتمكن من بعض النظرات والصدمة من بعضهم، رمشت آية بعينيها بتوترٍ، ومع ذلك رسمت ابتسامة خافتة وهي تقرب منها أحد الطواجن مشيرة لزوجها:
_ده بقى الطبق المفضل عندي أنا وعدي، طاجن ورق عنب بالكوارع.
أسبل ياسين الجارحي بعينيه وتحلى برداء الصمت، بينما جذب عمر الطاجن وكان أول من تساءل بدهشةٍ وهو يتأمل الزيت الطاغي على سطح الطعام:
_بتأكلوا كمية الدهون دي ازاي!
جذب عدي احد الطواجن قبالته وشرع بتناوله وهو يردد:
_طعمه يغني عن التأملات!
جذبت نور الطاجن المقابل اليه، وبدأت بإلتهام أصابع ورق العنب الشهي، فأبدت اعجابها:
_أول مرة أدوقه بالكوارع بس طعمه جامد بصراحة.
وزع ياسين نظراته بين عدي وما وُضع أمامه ، فجذب الشوكة القريبة منه ثم وضعها بأحدى الورقيات، وما كاد بتناولها فتوقف وسأل عدي بفضولٍ:
_الرياضة هتقدر تقاوم كمية السعرات دي؟
تناول ما بيده وهو يشير لابن عمه بغرورٍ:
_باين ان جسمي اتقصرت بيها؟
شرع بتناول طعامه هامسًا بقلقٍ:
_ربنا يستر!
مالت آية على كتفي ياسين، فوجدته لم يبدأ بطعامه، فتساءلت بحيرةٍ:
_مأكلتش ليه يا ياسين؟
منحها ابتسامة هادئة، قبل أن يجيبها:
_عشت عمري كله بحافظ على جسمي وصحتي، فأعتقد الموضوع محتاج تفكير.
منعت ضحكة كادت بالانفلات عنها، ثم قالت بإستنكار:
_ أنا على طول بعملك ورق العنب!
جذب الملعقة ثم حمل ما يعلوه طبقه، مرددًا:
_بس مش بكمية الدهون دي!
ورفع عينيه إليه ليعاتبها بحدةٍ:
_وانتي ازاي كنتي بتأكلي الأكل ده.. صحتك يا آية؟!
ارتبكت ولم تجد الا الحل الأمثل للهرب من طوفانه:
_أنا مش بأكل الاكل ده على طول كل فين وفين كده.. وبسبب الحاح عدي.
سعل بقوةٍ وهو يحاول مضغ طعامه بعد سماعه ما قالت، فانتهى مما يتناول، ثم انتقل بمقعده اتجاه الجانب الأيسر لابيه، وقال وعينيه لا تفارق والدته:
_بتشديني لساحة حرب ياسين الجارحي ليه واحنا واخدين هدنة!
ضحكت بصوتها الرقيق، وجذبت طبقها، قائلة:
_مفيش مانع تدخل معاه حرب جديدة في سبيل ان ميزعجنيش وأنا بلتهم الطاجن المخصص ليا!
قرب وجهه منه أذنها، وهمس فيها بنبرة مثيرة:
_أنا ولا الطاجن؟
التفتت تجاهه فتقابلت عينيها بعسليته الآسرة، بدى ارتباكها جليًا لمن يتابعهما ببسمةٍ صغيرة، فتراجع ياسين للخلف ليعود لهيبة جلوسه الصارمة، وتابع حواره مع عدي، الذي انتصب بوقفته بعيدًا عن مقعده، فجذب طبقًا فارغ ثم سكب الزيوت الزائدة عن طاجن أبيه، وقدمه اليه وهو يشير له بمكرٍ:
_اتفضل حليت لحضرتك مشكلة الدهون.
وتابع ببسمة هادئة وهو يجذب هاتفه:
_لو حابب أبحثلك عن فوايد الكارع تساعدك في اتخاذ قرارك؟
منحه نظرة غامضة، قبل أن يجذب ما أمامه فدث شوكته بالطعام وبدأ بتناوله، راقبه عدي بتمعنٍ، فمال عليه ليهمس له:
_مش بطال!
ضحك وهو يشير له بما يحمله بشوكته:
_ ده أفضل اختراع في التاريخ يا ياسين باشا.
ابتسم ياسين وهو يراقبه بحنانٍ، فقد طوال حياته أهم لحظات قد تجمعه بابنائه واليوم بفضل نور تجمعا ولأول مرة على طاولة واحدة، فحانت منه نظرة دافئة لها، ثم مررها جميعًا لابنائه، ابتداءًا من عمر الذي يتناول طعامه بخوفٍ ويضع كل ما يقابله على طبق نور التي تلتهمه بمرحٍ، ونهاية بياسين الذي يحاول اقحام مليكة بالأمر ورفضت ذلك بتصميم، ثم اخبرته:
_اطلبلي حاجة تانية يا ياسين، أنا مصدقت وزني نزل بعد الولادة.
مال عليها وهو يهمس لها بعشقٍ:
_ولو زدتي مية كيلو صورتك في عيوني عمرها ما هتتغير يا ملاكي!
وجذب بشوكته أحد أصابع الملفوف، ثم وضعها بفمها، فتناولتها على استحياءٍ وهي تردد بصوتها المنخفض:
_ياسين!
أجابها بهيامٍ:
_لما بتنادي اسمي مش هتنجحي تحظريني لشيء، لأني بفقد عقلي وكل تركيزي وعيوني مش بتشوف غيرك وقتها!
اصطبع وجهها بحمرة طفيفة، فوضعت المنديل الورقي أمام شفتيها، لتتصنع مسحها لفمها بينما تخبئ وجهها الأحمر، فرفعت عينيها لوالدها الذي يراقبها، فمنحها بسمة صغيرة من طرفي شفتيه، ابتسمت له مليكة ورددت بتوتر لمن جوارها:
_عجبك كده بابي بيبصلنا!
رفع ياسين رأسه تجاه ياسين الجارحي، فمنحه نظرة تحذرية بعدم الضغط على ابنته بتناول ما لا تحب، فتنحنح بخوفٍ مصطنع وهو يشير له بالطاعة، ثم أشار للعامل الذي أتى إليه، ليخبرها بانصاتٍ:
_اطلبي اللي تحبيه يا حبيبتي، عشان متتعبيش.
حافظ على الكمية المسموح لجسده بتناولها، وأبعد ياسين عنه باقي الطاجن ثم بدأ يتناول اللحم المشوي(الكفتة) بالخبز والسلطة الطازجة، راقبه عدي بتمعنٍ، فرفع ساعديه ليستند بفكيه، مخفيًا تلك الابتسامة العابثة، فلم يستطيع السيطرة على كلماته المندفعه على لسانه، فقال:
_صدقني الطاجن كله مش هيقصر على حضرتك؟
حانت منه نظرة خبيثة اليه، قبل أن يوجه اتهاماته الصريحة:
_أنت نفسك أفقد جسمي اللي فضلت طول السنين دي أبنيه، هتموت وتبني العضلات اللي عندي!
تأمله عدي بتيهةٍ، يحاول تفسير كلماته المبهمة رغم وضوحها، فانفجر ضاحكًا، وأشار له بصعوبة بالحديث:
_لا في دي حضرتك عندك حق.
ثم أشار لقميصه وهو يتابع:
_ في عضلات محتاج أبرزها في جسمي عشان توصل لشكل جسم حضرتك.
لم يكف عن مراقبته لثوانٍ، مستمتعًا بمراقبته لعضل جسده البارز أسفل قميص حله السوداء، بعد رياضته العنيفة الذي اتخذها منهاجًا لحياته، فقال وهو يمنحه نظرة تسلية:
_محتاج لسه وقت.
استكمل عدي ما يلتهمه وهو يشير لابيه، مرددًا:
_فعلًا.
تابعه بعسليته وهو يستكمل تناول الدهون بالرغم من حديثهما المتشارك عن الرياضة والطعام الصحي لتو، فقال وهو يمنحه نظرة قاتمة تتوزع بينه وبين الطبق الذي يتناوله:
_واختيارك لنوعية الأكل.
ابتسم عدي وقال وهو يستكمل طعامه:
_أنا مش بأكل النوعية دي كتير، يعني كل ما زوجتك المصون تحب تيجي هنا بأخترق القوانين مش لأجلي لأجل ست الحبايب!
أفتر وجهه عن ابتسامة اتبعها قوله الساخر:
_لا بتضحي فعلًا!
أكد له وهو يتابع تناول طعامه:
_طبعًا يا باشا، بينما أنت منشغل بتمارينك الرياضية لمنافسة ابنك البائس هو منشغل بترضية والدتي.
تعالت ضحكاتهما الرجولية معًا والجميع يراقبهم باستغرابٍ، صوتهم منخفض للغاية ولم يستمع اليهما أحدٌ، انتهى عدي من تناول طعامه وفتح أحد الزجاجات الغازية، فراقبه ياسين بصدمة وأضاف:
_كمان؟!
ضحك وهو يرتشف القليل منها، مستكملًا حديثه:
_الأكلة دي لزمها حاجة نبلع بيها يا دنجوان!
غام بعينيه، فاعتدل بجلسته عاقدًا ذراعيه على الطاولة، متسائلًا بحيرةٍ:
_وصلك لقب الشقاوة ده منين؟
أجابه وهو يستكمل تناول مشروبه:
_من عمي يحيى.
وتابع قائلًا:
_متقلقش الشباب كلهم عارفين أمجادك السابقة، تقريبًا عمي حمزة مكنش له سيرة عنها طول فترة وجودي بالمقر.
انفرجت شفتيه عن ابتسامة، فوضع عدي الكوب عن يده، ثم دنى منه ليخبره بجدية تامة:
_النهاردة شوفت نفسي في ياسين ابني.. ويمكن عذرت حضرتك كتير.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ، فتابع عدي بإيضاحٍ:
_يعني خوفه على رحمة من غضبي، بالرغم من اني لو اتعصبت على الدنيا كلها بجي عندها وبكون حد تاني.
وقابله بنظرة غامضة، وهو يسترسل:
_نفس حضرتك تمامًا!
وابتسم وهو يتابع:
_ومع ذلك مكنتش متضايق منه أبدًا، بالعكس ابتسمت وانا بفتكر موقفي معاك اللي مكنتش قادر أفهمك فيها!
جذب ياسين كوب القهوة من العامل، ثم ارتشفه بتلذذ يشعر به بفرحة ما يستمع له بذاك الوقت المميز، فمنحه نظرة دافئة قبل أن يخبره:
_كنت عارف إن الوقت ده هيجي وهتقدر تفهمني.
ووضع الكوب عن يده، ثم التفت بجسده تجاهه وهو يحذره باشارة غاضبة:
_ياسين مش شبهك عشان ميختلطش عليك الأمر، حفيدي طالعلي وده شيء أنا واثق منه.
كبت عدي ضحكة كادت بالانفلات منه، وأكد له دون عناد:
_بالعكس أنا معترف بده.
******
كبتت رحمة ضحكاتها بصعوبة وهي تتابع مليكة الغير محتملة لنوعية الطعام المقدمة إليهم، فوضعت نور قبالتها القليل من (المنبار المحشي) ، وأكدت عليها:
_متكتريش عشان الحمل.
حدجتها بنظرةٍ ساخرة قبل أن ترد:
_لسه جاية دلوقتي تراعي الحمل، أنتي من ساعتها نازلة عليا بالسمين كله!
بعدم مبالاة أجابتها:
_وماله خلي الواد يتغذى.
انخرطت بموجة من الضحك، فتناولت ما وضعته أمامها وهي تشير بإعجاب:
_لذيذ أوي.. شبه اللي ماما كانت بتعمله.
وتلاشت ابتسامتها وهي تذكرها بدعوة:
_ربنا يرحمها ويغفر لها.
توغل الحزن لمعالم نور، وحدها تعلم ألم فقدان الأهل، لذا أرادت اتنشالها من تلك الدوامة الموجوعة، فقالت:
_لو كنت أعرف إن ماما وعدي لما بيخرجوا بيجوا هنا مكنتش سبتهم أبدًا.
أجابتها رحمة:
_الأكل يستاهل بصراحة.
قرب عمر رأسه اليهما ثم تساءل بريبة:
_بتتفقوا على أيه تاني؟
اشارت له رحمة بصدمة:
_إتفاق! أنا بتفاجئ زيي زيك والله!
أقحم ياسين ذاته بالنقاش المتبادل، فقال ببسمة هادئة:
_بس بجد خروجة لطيفة، تسلم دماغك يا نور.. تقريبًا أول مرة نتجمع في مكان زي ده.
أشارت نور لعمر ثم عاتبته باستنكار:
_شوفت الناس الذوق اللي بتفهم.
حذرته مليكة:
_عمر متجادلش نور هنا، ياسين بابا موجود وهيقف في صفها!
غمزت لها نور وكأن برقبتها دينًا اضافيًا لمساندتها لها الآن، ثم تابعت بقولها:
_أختك وجوزها فاهمين الدنيا ماشية ازاي مش عارفة حقيقي هتقدر تفهم أمته يا دكتور!
نظراته العاشقة منحتها عاطفة جعلتها تتحاشى التطلع إليه، فالتهت بتناول طعامها خشية من أن يفضحها ارتباكها الصريح.
****
تعلقت عينيها بوجود أولادها الثلاث بفرحةٍ، تتابع حوار زوجها مع عدي وقد بدى لها تطور علاقتهما أخيرًا، من يراهما يظنهما صديقين مقربين للغاية، وعادت بعينيها لعمر الذي يهمس لنور فتتهرب منه خجلًا بحديثها المرح مع رحمة، وانتهت بابنتها المدلالة التي مازالت تصر على ياسين بمغادرتها لذلك المكان، فأقنعها أخيرًا بتناول البيتزا، فتفاجئت بتوفرها بمكانٍ هكذا، وبدت الفرحة جلية على معالمها بعد تناول ما طلبه ياسين إليها، انتفضت آية بجلستها فزعًا حينما شعرت بيدٍ تمتد لتحاصر خاصتها، فالتفتت تجاهه، فوجدته يمنحها ابتسامة اعتادت ظلمتها بإشراقته المميزة، تابعهما منذ بداية تأملها لاولادها بفرحةٍ وراحة، وشاركها بضمة يده إن لم يستطيع ضمها لصدره، أطبقت أصابعها بقوةٍ على أصابعه وبسمتها الرقيقة تجعله أسيرًا تأملها، فابتلع ريقه وهو يجاهد تلك الربكة المغرية التي تدفع به إليها، يود لو ضمها واختطفها ليخلو بها بعيدًا عنهم، فنهض عن الطاولة وأشار لهم بالاستعداد للرحيل، فصعد كلا منهم بصحبة زوجته لسيارته، وانطلق السائق الخاص بياسين الجارحي للقصر ومن خلفه السيارات الثلاث.
*****
اتبع عمر السيارات الثلاث عودة للقصر، فوضعت نور يدها على ذراعه ثم نادته:
_عمر.
التفت اليها، فشددت من ضغطها على ذراعه وهي تخبره:
_مش عايزة أرجع القصر ممكن؟
ضيق عينيه بدهشةٍ، فأوقف سيارته جانبًا على طرف الطريق، ثم سألها باستهزاءٍ:
_أمال عايزة تروحي فين يا محللة عيلة الجارحي، يكونش وراكي اجتماعات عائلية تانية في مكان تاني؟
ابتعدت عن مجال المرح المتبع بتلك اللحظة، وقالت بجدية:
_عايزة أكون معاك.
جحظت عينيه في صدمة، فردد بعدم تصديق:
_يا فرج الله، وأخيرًا هينوبني من الحب جانب.
وتساءل بمرحٍ:
_يعني خلاص حليتي مشاكل العيلة كلها ومبقاش وراكي أي حد متخانق أو رافع دعوة؟
ملامحها الحزينة، جعلته يتراجع عن مزحه، فرفع ذقن وجهها إليه، ثم أحاط خديها بيده وتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا نور؟
اصطنعت ابتسامة صغيرة ثم أردفت:
_هتأخدني المكان اللي هقولك عليه؟
بدت غامضة للغاية، ومع ذلك شغل محرك السيارة وقال:
_عايزة تروحي فين؟
******
تناول كوب قهوته الثاني ليتمكن من التركيز فيما هو مكلف به، عبث بحاسوبه وهو يراجع الأوراق المرسلة على حساب الواتساب الخاص به، فقاطعه رنين هاتفه، حرر زر الاتصال ليستمع لرعد يخبره:
_ها يا أحمد قدرت تحدد الغلطة فين؟
تمعن بتركيزه على الشاشة المعروضة من أمامه، وبدأ بشرح الخطأ المقصود بالملف، لذا جعل رعد يتعسر بالبداية لحسبة المبلغ المحدد للصفقة بأكملها، فلجئ لأحمد وكان خيرهم، انتهى أحمد من شرح خطأ الملف المعقد، وختم حديثه:
_عشان كده كان في عجز بحسبة حضرتك يا عمي.
حياه بنبرة اعجاب:
_ده انت اللي عمي وأستاذي!
رد بحرجٍ:
_العفو يا عمي.. أيه اللي حضرتك بتقوله ده؟
=بقول الحقيقة، أنا فخور بيك وبدماغك دي ما شاء الله... حقيقي حمزة محظوظ انك ابنه..
_ربنا يكرمك يا عمي ويباركلنا فيك يا رب
ابتسم رعد وابلغه:
_تسلم يا حبيبي، يلا اقفل وخدلك ساعتين راحة قبل السفر.. تصبح على خير.
_وحضرتك من أهله.
أغلق أحمد هاتفه، ثم اغلق الحاسوب وجمع أوراقه لدرج خزانته، واتجه لغرفته فبحث عنها بعينيه، وجدها تجلس على الأريكة القريبة من الشرفة، متكأة بجسدها العلوي على حافته ورأسها مسنود على ذراعيها المتربعة خارج حافة النافذة، جلس لجوارها فوجدها شاردة حتى لم تشعر بوجوده، فطرقع أصابعه أمام وجهها وهو يتساءل:
_سرحانه في أيه؟
رمشت بعينيه بفزعٍ، فذمت شفتيها بسخطٍ:
_خضتني يا أحمد!
جذب الوسادة المطولة الخاصة بالأريكة، وأبعد قدميها للداخل، ثم تمدد قابلتها وهو يعود لنفس سؤاله:
_كنتي بتفكري في أيه؟
ابتسامة بلهاء ارتسمت على شفتيها، فعقدت صفقة صغيرة معه حينما قالت:
_أقولك ومتضحكش؟!
وضع الوسادة على قدمه واستند عليها وهو يردف:
_اتعودت أتحكم بانفعالاتي وقت ما بسمع تفاهتك.. فاعتبريني جاهز!
ربعت قدميها ثم زحفت بجسدها حتى باتت جواره، وقالت ببسمة واسعة:
_كنت بفكر في غبائي وحاسة اني عايزة ارجع لسنين كتير ورا وأضرب نفسي قلم يفوقني وأرجع تاني.
ضيق عينيه بتعجبٍ، فابدى نجاحًا باحكامه أعصابه، وقال:
_طب وترجعي ليه ما تخليكي مع نفسك شوية لحد ما تصلحي نقاط غبائك كلها!
لوت فمها وعينيها تبرق بغضب:
_بتتريق عليا؟
مرر يده أعلى أنفه وكأنه يدلكها قبل أن يربع قدمه هو الأخر ويقترب إليها وهو يتساءل ببطءٍ:
_طب فهميني عايزة تعاقبي نفسك ليه؟ أيه اللي عملتيه ومحسسك بالذنب بالشكل ده.
تأملت عينيه بنظرة مطولة، قبل أن يتبعها همسها المغري:
_أنت.
عبس بعينيه بعدم فهم:
_أنا!
هزت رأسها مؤكدة، وأضافت:
_كل ما بفتكر إنك كنت جنبي طول الوقت وأنا مكنتش حاسة بيك ببقى هتجنن، ومش عارفة لو كنت ضايعتك من إيدي كنت هعيش ازاي!
واتكأت بمعصمها حتى استقامت بجلستها بعيدًا عن مواجهته وهي تستطرد:
_بس لما بفكر بردو بلاقيك غلطان لانك محاولتش تلفت انتباهي ليك ولحبك!
رد عليها مستنكرًا حجتها الماكرة:
_بعيدًا عن اللي بتقوليه ده كله بس إنتي جاية بعد كل السنين دي وتفتحي في اللي عدى! ده احنا بقا معانا عيلين يا آسيل!!
تجاهلت ما يقول، وكأنها لم تستمع إليه من الأساس، فاسندت رأسها ليدها وهي تهمس بصوتٍ كان مسموعًا إليه:
_يعني شاب وسيم زيك وحنين وذكي، ورومانسي ازاي مقدرتش أحس بيك من البداية مؤكد اني غبية!
طوفها بنظرةٍ متفحصة، ثم تعالت ضحكاته الرجولية بعدم تصديق، فاتجهت نظراتها النارية تجاهه، وضع أحمد يده على فمه وهو يشير لها:
_آسف.
ثم اقترب منها وفجأها حينما حملها عن الاريكة، فصاحت به:
_موديني فين.. في كلام كتير مقولتوش لسه!
رد عليها وهو ينجرف بها بين يديه على الفراش، فسقطوا معًا، جذب بيده دبوسها الأسود فانفرد شعرها من خلفها، وتساقطت خصلاته فوق عينيها، أبعده عنها وتمعن بالتطلع إلى لؤلؤتيها، ثم همس لها بشوقٍ:
_كملي كلامك هنا أحسن.
أسبلت بعينيها بارتباكٍ، ولسانها يردد بتيهةٍ:
_ها؟
ابتسم وهو يخبرها لها بمشاكسة:
_كنتي بتعاكسي فيا.. كملي!
هزت رأسها نافية، فجذبها اليه حتى بات يحاصرها إليه، ثم غمز لها بمكرٍ:
_أكمل أنا اللي وقفتي عنده!
******
توقف بشارع جانبي بأحد زقاق شوارع القاهرة الشعبية، ففتحت نور باب سيارته الجانبي ثم هبطت تتأمل ذاك المبنى المقابل لها ذو الخمسة طوابق بأعينٍ دامعة، هبط عمر خلفها، اتبعها وتساءل وهو يراقب المكان بدهشةٍ:
_نور احنا فين؟
تغاضت عن اجابته وصعدت الدرج الجانبي حتى وصلت للطابق الثالث، اتبعها عمر حتى وجدها تقف أمام احد الأبواب الموصدة، وعينيها تلمعان حتى باتت لم تحتمل تجمع تلك الهالات فانحدرت على خديها بصمتٍ قاتل، أمسك بيدها ليدفعها لمقابلته، وسألها بلهفة:
_مالك يا نور، وجبتينا هنا ليه؟
خلعت طوقها ثم فتحته لتحرر منه مفتاحًا صغير، دثته بفتحة الباب الذي أصدر صريرًا مزعجًا للغاية لفتحه بعد سنوات عديدة، ولجت نور للداخل بصمت مازالت تتحلى به، فلحق بها عمر بقلبٍ مكلوم، هو يعلم بأن تلك الحالة التي تبدو عليها الآن غريبة وغرابتها تطعن مخاوفه، لا يرغب بأن تعود لما كانت عليه منذ بداية علاقتهما، أحبها مرحة تحب مشاغبة الجميع، واقحام نفسها فيما لا يعنيها في سبيل رؤية جميع عائلته سعداء، وجدها تلامس كل قطعة أثاث بالمنزل الغريب عنه، وانتهى بها الأمر أمام صورة كبيرة بعض الشيء، ازاحت عنها الغبار ثم أشارت بعينيها له بالاقتراب، فانضم جوارها، ليجدها أخيرًا تنزع لحظاتها الصامتة حينما قالت ببسمة تعاكس دمعاتها:
_ده بابا.
رجلًا على ما يبدو في نهاية العقد الثالث، يغزو الشيب بعض خصلات رأسه، وخطت التجاعيد خطوط منعرجة لتترك أثر المعاناة التي قضاها بالكد لكسب قوت يومه، وبيده فتاة صغيرة تتمسك به وابتسامتها كإشراقة شمس يومًا طالت غيومه، شعرها منقسم لجدائل قصيرة، وعلى ما بدى قرب ملامحها لحبيبته جعل أمرها معروف إليه، حدجت نور بالصورة قليلًا، وقالت بحزنٍ يذبح فؤادها:
_دي كانت أخر صورة جمعتنا بعدها بكام شهر جالنا خبر موته.
واستدارت لتقابله بعينيها الباكية وهي تستطرد:
_وقتها مكنش في حد جنبنا أنا وماما، كنا لوحدينا ولحد ما فقدت بصري بعدها مبقاش ليا شيء في الدنيا، هي كانت بصيرتي وحياتي، كنت بخاف أفكر في اليوم اللي هيجي عليا وهي فيه مش جنبي وخصوصا لما تعبها كان بيزيد عليها وبتحاول تداري عني، كانت فاكرة اني مش عارفة اللي فيها وانا كنت بسمعها كل يوم وهي بتتألم ومكنتش قادرة أساعدها ولا أساعد نفسي يا عمر!
انحرفت دمعة خائنة عنه، وهو يتابع ارتجاف شفتيها وما تحاول اخباره به، فرفع وجهها بيده وبيده بالاخرى حاوط خصرها ليضمها بقوةٍ، وذقنه تجبر رأسها الميل على صدره، تمسكت به نور وأطلقت العنان لما انحسر داخلها، فتحرر نبرته متقطعة تأثيرًا لبكائه المكبوت:
_يا رتني كنت جنبك من زمان!
تعلقت بقميصه ويدها تضمه اليها بكل قوةٍ، ظلت لدقائقٍ تستمد طاقتها للحديث، فرفعت اليه رأسها ومازال يصر على ضمها إليه، فابتسمت وأخبرته:
_انت مكنتش زوج ليا بس يا عمر، أنت ادتني كل حاجة، عيلة كاملة... ادتني أم عظيمة بشوف فيها والدتي..وأكتر من أخ وأخت.
ابتسم وهو يزيح دمعاتها بيديه، فاسترسلت بغمزة مرحة:
_وياسين الجارحي.. اللي للاسف مش هقدر اوصفه ببابا الراجل الطيب الغلبان، له مكانة كبيرة صعب أوصفها.،والأهم انه هو اللي بيسندني قدامكم كلكم من غيره كنتوا قتلتوني.
أبعدته عنها ثم وضعت يديها بمنتصف خصرها وهي تخبره:
_ثم إني بيك قوية ومفترية!
رفع أحد حاجبيه بذهوٍ، ثم انطلقت ضحكاته فضمها اليه وهو يردد:
_أيوه انا عايزك كده، ضحكتك متفارقش وشك أبدًا، أنا مبيهونش عليا يومي غير ابتسامتك دي يا نور.. بفرح وأنا شايف الكل جوه قصر الجارحي بيعزك وبيميزك لانك تستاهلي.. هما قادرين يشوفوا قلبك الطيب وحبك لغيرك.. عمري ما اتضايقت من تداخلك في حياة حد لاني عارف انهم يهموكي وبتحاولي تشوفيهم مبسوطين ومرتاحين في حياتهم، من الأخر أنا محظوظ بيكي يا نور.
قال كلماته الاخيرة ويده تجذب اليه يدها، فطبع قبلات متفرقة على باطن يدها، ابتلعت ريقها بتوترٍ من لمساته الرقيقة إليها، فطالعته بحبٍ كبيرٍ، وقالت ببسمةٍ هادئة:
_عمر أنا اتحرمت من طفولتي وعشتها جوه بيتك ومعاك.
وتراجعت للخلف ويدها تقيدها خلف ظهرها بدلالٍ، ثم تابعت:
_بيقولوا إن اللي يلاقي الدلع وميتدلعش يبقى عبيط وأنت دلعتني ورجعتني طفلة عندها تسع سنين يبقى تستحمل جناني بقى!
وضع يده بجيب بنطاله القماشي، ودنا منها ببطءٍ مهلك، وابتسامته تقتص من بعدها باجتيازٍ، وخاصة حينما قال:
_أنا حابك بكل حالاتك حتى لو رجعتي طفلة بدفرتين!
تعثرت قدميها بالسجادة فكادت بالسقوط أرضًا، ضم كفيه خلف ظهرها فانحنى جسده فوقها، تعمق بالتطلع لعينيها والابتسامة الماكرة تلاعب شفتيه بخبثٍ:
_بس دلوقتي عايزك تكبري كام سنة كده عشان نقدر نتفاهم!
تعلقت برقبته فكاد بأن يختل توزانه بها للارض، فرفع ذراعه الأخر للحائط ليرفعها بجسده للاعلى، ليتفاجئ بها تسبق خطاه لدرج الغرام المتيم، تتجرأ بإثبات حبها إليه وتناديه فيأتيها بكل جوارحه، خيمتهما عاطفة جياشة حتى وإن كان الغبار يحف بهما، فكانت تلك المرة الاولى الذي يزوار عمر منزلها البسيط وكان لديهما ذكرى خاصة بعشقهما المتعلق بمقولة "عشقًا من النظرة الأولى!"
******
مع سطوع يومٍ جديدًا، اجتمع الشباب بأكملهم بالباص العملاق المخصص للرحلات الصيفية، فنادرًا ما يتم استخدامه، توالى معتز القيادة بالتناوب مع جاسم وبقيت الفتيات بالطابق السفلي من الباص أما الشباب فكانوا بالطابق العلوي برفقة الاطفال بعد أن صمم عدي باصطحاب جميع الاطفال، بالرغم من معارضة الشباب للامر، فدفع حازم ابنه خالد بغضب:
_يا ابني اقعد بقى قرفتني، هتتنيل تقع وتلبسني مصيبة!
بينما جذب مازن صغيره عز وهو يشدد عليه برجاء:
_عشان خاطري يا حبيبي اقعد بادبك
..يا تنزل لمامي تحت أضمن!
جذب الصغير يده من أبيه وهرول لنهاية الباص الطويل،فجذبه أحمد وأحاطه بذراعيه مشيرًا له:
_خلي بالك يا حبيبي..هتقع!
كاد آسر الصغير بالنهوض عن مقعده ليشاركهما اللعب، فجذبه رائد بسخط:
_اقعد مكانك..
وذم شفتيه بعبسٍ:
_عرفش صممت ليه يا عدي نجيب العفاريت دول معانا.. دي خروجه بعد زمن!
رد عليه عدي وهو يشير لابنه الجالس جواره على أحد معالم اسكندرية الشهيرة، فقال:
_خرجنا كتير يا رائد وجيه وقت الاولاد.. لازم نقضي معاهم وقت لان ليهم علينا حق ولا أيه؟
اجابه أحمد وهو يحمل ابنه الرضيع عن قدم ليان ابنته ويجذبها لصدره:
_عندك حق يا عدي.. احنا مقصرين جدًا.
ابتسم ياسين وهو يراقب يحيى الغافل على قدميه وبيده احد الكتب التابعة للروائي العظيم د. أحمد خالد توفيق، فخلع جاكيته وداثره به خوفًا عليه من تيارات هواء اسكندرية السقيع، ثم قال:
_ده حتى يوم الاجازة مبقاش اجازة!
اسرع حازم اليهم بالمقاعد المتوسطة للباص، فقال وعينيه تحد أخر المقاعد المتقاربة:
_هو عمر كان فين طول الليل من ساعة ما ركب الباص وهو في سابع نومة!
رفع عدي احد حاجبيه بسخط:
_وانا ايش عرفني ما تروح تسأله!
لعق حازم شفتيه هامسًا برعبٍ:
_خلاص خلاص بس بلاش تقلب حواجبك وتقلب لياسين الجارحي يا عم!
*****
بالاسفل.
اخرجت مروج ومليكة ما يحملانه من حلوى وتسالي، بينما جذبت داليا بعض العصائر من حقيبتها، فاضافت لهم شروق الترمس والمقرمشات، تابعتهم نسرين بازدراء ورددت:
_هو ده الاكل اللي هتنفسوني بيه!
تعالت ضحكاتهن، فقالت رانيا:
_ودي تيجي عملت حسابك في ربع فرخة وشوية لسان عصفور.. حتى شوفي!
وأخرجت من حقيبتها طبق صغير يحوي قطع الدجاج وشوربة ساخنة، جحظت رحمة عينيها بصدمةٍ:
_بتهزري يا رانيا جايبة بالاتوبيس فراخ وشوربة!
اجابتها بضحك:
_هعمل أيه ما هي صعبت عليا وخوفت لتقول اننا جايبنها نجوعها!
جذبت نسرين منها الطبق وتركتهما يتعاركن فيما يخص طعامها وبدأت بالتهام قطع الدجاج، تفادى معتز احد المطابات فسقطت الشوربة عليها بأكملها، ومازالت تحمل الملعقة لشفتيها بصدمةٍ جعلتها كالتمثال المتحجر، ضحكت شروق وهي تشير لداليا المتحكمة بضحكاته مدعية حزنها التام لما أصابها، ومرة واحدة انفجرت الفتيات بأكملهن من الضحك، فجذبت نسرين المناديل الورقية وأخذت تذيح عن فستانها وهي تقسم اليهن بالاسوء، فحذبت المياه والقتها فوقهن وهي تردد:
_انتوا عالم بتحبوا الشماتة قد عنيكم.. رحلة أيه اللي طالعنها ده انتوا مش فالحين غير في النم على خلق الله.
ردت عليها آسيل بمرح:
_وحد قالك اننا طالعين نعمل عمرة عشان نتوب ولا أيه؟!
ناولتها بعض من المياه، فصرخت بها بتحذيرٍ وهرعت للخلف حتى التصقت بنور الغافلة بعمقٍ، فانحنت آسيل لتتفادى المياه، فكانت من نصيب نور، التي سقطت عن المقاعد المجاورة وهي تردد بخوفٍ:
_ها.. مين.. فين؟
تأملتها نسرين باستحقارٍ اتبع نبرتها:
_انتي شاربة جرعة منوم وانتي طالعه.. ما تقومي ياما!
تركت نور المقاعد واتجهت لتجلس جوار رحمة وآسيل، فمالت على كتفيها، دفعتها آسيل تجاه رحمة واتبعت رحمة نفس السياسية لتحمي مستوطنها، فتحت نور عينيها وهي تردد بانزعاجٍ:
_ما تثبتوا خلوني انام!
ردت عليها آسيل ساخرة:
_حد قالك اننا سرير هزار!
واستطردت بمكر:
_ثم اني سألتك كنتي فين وراجعة وش الصبح مردتيش يبقى اركني على سلفتك.
هزت رأسها بتأييد لفكرتها فاتجهت لرحمة التي مالت برأسها عليها بتعبٍ، وهمست اليها ببسمة هادئة:
_ارتاحتي لما روحتي؟
هزت رأسها وهي تخبرها بما لا تخفيه عنها:
_جدًا يا رحمة.. أول مرة ادخل البيت بعد جوازي.
واستكملت بفرحة:
_البيت لسه زي مهو، كأني لسه سايباه امبارح.. ذكرياتي كلها محفورة لسه جواه.
ادمعت عين رحمة وقالت بنغزة تعيق صدرها:
_البيت مش موجود عشان يكونلي فيه ذكريات... ربنا يسامح اللي كان السبب.
حمدت الله حينما وجدت نور بسبات عميق لم يمكنها من سماع ما قالت، لا تريد نزع فرحتها بما أراحت به بالها، أمسكت رحمة بطنها بتعبٍ وهي تجاهد دوارها المفاجئ، فاتكأت على العصا المتفرقة بجوانب الحافلة، حتى وصلت لمقعد السائق بالامام، فنادت بصوتها الواهن:
_معتز.
استدار اليها وتساءل بتعجب لرؤيتها:
_رحمة.. في حاجة؟!
قالت بتعبٍ وهي تميل برأسها على يدها المتعلقة بالعصا العلوية:
_من فضلك وقف الاتوبيس شوية.
سألها جاسم بنظرة متفحصة:
_انتي كويسة؟
هزت رأسها بأنها على ما يرام ولكن لم يبدو اليهما ذلك، انجرف معتز لجانب الطريق، فانحنت رحمة على الدرج الخارجي للاتوبيس، فجلست عليه وهي تحتضن رأسها.
أرسل جاسم رسالة لعدي، فهبط من الاعلى على الفور، فمر من جوارها ثم انحنى تجاهها وهو يتساءل بلهفةٍ:
_في أيه يا رحمة!
رفعت رأسها الذي يدور اليه، ثم قالت بهبوط:
_دايخة أوي
أمسك يدها ثم جذبها اليه، ليعاونها على الهبوط، ثم جذبها للخارج قاصدًا الوقوف بها أمام امواج البحر، استندت على يده وأغلقت عينيها تحارب ذاك الدوار، أنعشهت الهواء قليلًا، وخاصة حينما احاطها عدي بذراعيه فشعرت بدفئه بعدما احاطها جزءًا من جاكيته، لاحظ عدي ارتجاف جسدها، فنزع عنه جاكيته ثم أحاط جسدها به، فتطلعت اليه ببسمتها الرقيقة، تساءل وهو يتفحص نظراتها الهادئة:
_أيه؟!.
قالت ببسمة ساحرة:
_عجبني جو الافلام الرومانسي الجاكت في وقت البرد ده!
ضحك بصوته كله، وضمها اليها خوفًا من أن تفقد واعيها فتنجرف عن الصخرة للمياه، ثم قال:
_متقارنيش اللي بينا بأي فيلم لانها قصة ملهاش سيناريو!
أشارت له على الصخرة الجافة القريبة منهما، فجذبها لتجلس عليها، تأملت رحمة تلاطم امواج البحر بانبهارٍ، فلم يرد ازعاجها عما تتأمله، فجلس جوارها بسكونٍ مطول، الى أن قطعته متسائلة بفرحة ويدها تضم بطنها:
_هنسمي البيبي أيه لو جيه ولد.
ردد ساخرًا:
_عمر عامل مظاهرات من اليوم اللي اكتشفنا فيه حملك.. ومصمم اردله الاسم اللي سماه لابنه!
تعالت ضحكاتها، وقالت:
_خلاص لو جالنا ولد هنسميه عمر بإذن الله.
رفع اصابعه يبعد تلك الخصلة المتمردة من أسفل حجابها، فجذب حجابها للامام ورتبه قليلًا وهو يسألها بصوته الرخيم:
_ولو بنوتة شبهك وفي رقتك هتسميها أيه؟
ابعدت يده عن وجهها بخجلٍ، ثم رسمت بسمة مرتبكة:
_لا رحمة مصممة لو جت بنت هي اللي هتختارلها الاسم وأنا مستحيل ازعل بنتي زي مانت مستحيل تزعل أخوك!
تمردت ضحكاته بصوتٍ أسرها وخاصة حينما أشار لها باستسلامٍ:
_اقنعتيني!
سندت رحمة رأسها على كتفيه ومازالت يده تحتضن كفها، ظلت ثلاثون دقيقة شعرت بهم باسترداد اتزانها، فعاد بها للحافلة مجددًا وتلك المرة رفض تركها والصعود للاعلى، ورفض الجلوس بالخلف حتى لا يحرج الفتيات، لذا توالى قيادة الحافلة ولجواره تمددت رحمة على المقاعدين الامامين.
******
قطعت الحافلة نهاية رحلتهم بوصولها للفيلا الخاصة بعائلة الجارحي، فصفها عدي بالچراچ، واتجه الجميع لغرفهم لنيل ساعات قصيرة من الراحة، ومن ثم اجتمعوا بالمساء بالخارج، حيث توالى أحمد وعمر أمر الطعام، فقاموا بنصب شواية ضخمة تحمل شتى أنواع اللحوم المشوية، وتولت الفتيات أمر المقبلات والسلطات، بينما جذب جاسم وحازم غطاء ثقيل ضخم وفردوه أرضًا جوار البحر تقريبًا، أما ياسين ومعتز ومازن حاولوا خلق أجواء مميزة للاطفال داخل الفيلا خاصة بأن الاجواء باتت باردة بالخارج ليلًا، وقام عدي باشعال النيران جوار مكان مجلسهم ليمد الجلسة ببعض الدفء، حملت الفتيات أطباق الطعام وقاموا بوضعها على الأرض، وجلست مليكة وآسيل تعدان بعض الفطائر والسندوتشات الخفيفة للاطفال.
اجتمع الجميع حاول الطعام وتشاركوه وسط جو من المرحٍ ومشاركة كلى الاطراف ما وضع أمامهم، وختام جلستهم بدعوة رانيا:
_عقبال ما نتجمع أول يوم رمضان على الفطار.
رددوا جميعًا بتمنى وترقب لهذا الشهر المنتظر المبارك:
_ يا رب.
انتهى جمع الطعام من أمامهم، ووضع عمر بعض الموسيقى الهادئة ليتشارك كل ثنائي الرقص الهادئ دون حركات تدين رجولة الشباب قبل أن تفتك بزوجاتهن، فاختاروا الرمال القريبة من البحر، حيث لامست المياه الاقدام بخفةٍ، جذب عدي رحمة اليه فسكنت كتفيه باستسلامٍ لسكينته، أما نور فمازالت تتبع مشاكستها المعتادة فقالت بمرحٍ:
_كفارة يا دكتارة فينك من الصبح.
رفع حاجبيه بمكرٍ يتبع ابتسامته الشيطانية الخبيثة:
_ ابدًا كان عندي جراحة دقيقة في القلب ولسه في بعض التوابع لترميم الجراحة، أيه رأيك نرمم هنا ولا هناك تاني؟
لكزته بكتفيه فتعالت ضحكاته، وابتعد عنها ليتفادى ضرباتها المنفعلة بصعوبةٍ..
****
راقبت آسيل ما يحدث بين نور وعمر الذي كاد بالسقوط بالمياه، فضحكت رغمًا عنها وهمست:
_مجنونة يا نور!
تابع أحمد ما يحدث ببسمةٍ هادئة ثم عاد ليتأملها عن قربٍ جعلها تحاول الابتعاد للخلف قليلًا، فاشارت له بتحذير:
_خلي في مسافة بينا يا أحمد الناس حولينا!
اجابها بمكرٍ:
_متقلقيش محدش هيركز معانا بالذات.
ضيقت عينيها باستغرابٍ:
_ليه؟
اجابها وهو يحيطها بذراعيه:
_لان العاقل محدش بيدقق وراه!
مالت برأسها أسفل ذقنه، وهمست إليه بخبثٍ وهي تغفو على صدره:
_حيث كده تصبح على خير.
****
حاصر عينيها وأفتك بها كلما حاولت الهرب منه، فأشارت اليه بارتباكٍ:
_أنت بتتعمد تسبلي قدام ولاد عمك عشان تحرجني يعني!
ضحك ياسين ومال بها، فطافت ذراعيه بها مرتين، تمكنت بهما رؤية ما يحدث حولها، فكل منهم بعالم منعزل عن الاخر، لا يرى ما حوله، عادت اليه مجددًا بعدما انتهت رحلتها بين ذراعيه ليدفعها اليه، فاستندت بيدها على صدره، شعرت بوضوحٍ بخفقاتٍ قلبه السريعة أسفل يدها، فتسائلت بقلقٍ:
_ياسين أنت كويس؟
هز رأسه وهو يجيبها:
_لأ.
انتابها قلقًا صريحًا، فاقترب منها يهمس اليها بشيءٍ جعلها تتورد خجلًا وتلومه بنظراتها، فاحتضن اصابعها ثم جذبها بعيدًا عن الاعين لغرفتهما الخاصة.
*****
حاولت محاذاة خطاه بنعال حذائها العالي، فاستغرقت وقتًا تراقب فيه خطاها حتى فشلت برؤية نظراته الهائمة بها، لذا انحنى رائد إليها، وازاح عنها حذائها ثم استقام بوقفته بغرورٍ، راقبت رانيا حذائها الملقي ارضًا بصدمة:
_رائد انت عملت ايه؟ هقف كده ازاي؟!
رفعها اليه، فلامست حذائه، ثم تحرك بها وذراعه يطوفها من الخلف، راقبت عينيه الرمادية عن قربٍ خطير، فهمست اليه:
_نزلني!
هز رأسه نافيًا، وهو يشير لها:
_السهرة لسه في بدايتها.. مفيش هروب!
ضحكت وهي تجيبه:
_مش بهرب بس مش مرتاحة من غير الجزمة.
ابعدها عنه ثم خلع حذائه وجذبها لداخل المياه التي ارتطمت باقدامهما، فسألها حينها:
_أيه رايك؟
احابته بفرحةٍ وهي تتأمل المياه التي يلامسها ضوء القمر الخافت عن قربٍ:
_ولا أجمل من كده..
ابتسم وهو يخبرها:
_أنتي الأجمل في نظري!
******
تناغمت اجسادهما على ايقاع الموسيقى الهادئ، لدرجة جعلت انفاسها منتظمة على كتفيه، فناداها بعاطفةٍ:
_داليا... نمتي؟
هزت رأسها نافية ومازالت تستكين ذراعيه، فرفع وجهها اليه وهو يحذرها:
_لا فوقي كده بدل ما أرميكي بالمية!!
ابتسمت وهي تخبره بدلالٍ:
_وأهون عليك.
تهدلت معالمه وهو يخبرها بحبٍ:
_عمرك ما هونتي ولا هتهوني على قلبي..
وضمها اليه وهو يهمس بعشقٍ:
_بحبك!
*******
حاولت ابعاد فستانها الطويل عن حذائه، لتتفادى دعساته المتكررة، وحينما فشلت للمرة الاخيرة، زفرت بيأسٍ:
_معتز فستاني يا معتز؟
اتجهت نظراته للاسفل، وردد دون معاتبًا:
_قولتلك بلاش ده من البداية!
رفعت عينيها اليه بندم:
_للاسف طلع عندك حق مكنتش متوقاع هيكون طويل كده.
ابتسم وهو يدنو منها بخبثٍ:
_اللي اختارتهولك احلى.
اجابته بتوضيحٍ:
_مينفعش تحت ده.
دنى منها وهو يهمس بمكرٍ:
_مهو ده المطلوب.. نكمل سهرتنا بيه فوق.. يالا..
كادت بالاعتراض ولكنه حملها للاعلى، فتعالت ضحكاتها بعدم تصديق!
******
طوفت رقبته بذراعيها، وعينيها لا تفارق عينيه العاشقة لتفاصيلها، فكانت اول من تحدثت اليه:
_بقالنا كتير معشناش في هدوء زي ده!
ابتسم وهو يخبرها:
_الهدوء ده طبيعي تحسي بيه يا مروج لانك وسط أهلك.
خشيت أن يعود لتلك النقطة التي احزنت قلبه، فعلم ما تفكر به وأسرع بقول:
_أنا كمان بحس بالراحة وسط اهلك.. ناس قلوبهم صافية ونادرة وجودهم..
منحته ابتسامة صغيرة قبل أن تحيط برقبته:
_احساسي ده لانك انت كمان جنبي يا مازن... أنا متخيلش حياتي وانت مش فيها لحظة.
جذب يدها اليه، فضمهما الى قبلته الحنونة، قبل ان يردد:
_أنتي كل حياتي يا مروج!
******
بعيدًا عن تلك الاجواء، جلس لجوارها على المقعد المجاور للمياه، يراقب ما يحدث أمامه بغيظٍ، فأشار لها بضيق:
_ما تقومي نعمل أي حركتين نثبت بيهم وجودنا كده!
رفعت نسرين القبعة عن وجهها، ثم أشارت له بعصبية:
_إبعد عني يا حازم السعادي.. مش صممت انت والبنات تجبيوني يبقى عايز أيه تاني!
اجابها بصدمة:
_عايز ايه؟! ... عايز شوية مشاعر دافية يا بومة! مش خلصنا من هرمونات الحمل لسه أيه تاني!
اغلقت عينيها باسترخاءٍ وهي تحيبه:
_لسه نكد زيادة الوزن لحد ما ربنا ياخد بيدك وأنزل لوزني ساعتها هترجع حياتك وردية تاني.
_ده على سنة كام ان شاء الله؟
قالها باستهزاءٍ، فوجدها مازالت تسترخي ببرود تام وتخبره:
_أنت وعزيمتي بقا الامل كله متوقف عليها.
جذب القبعة فوق رأسها مجددًا بسخطٍ:
_نامي نامي.. يا رب يطلع عليكي قنديل البحر ولا انثى الجمبري تفترسك يا بعيدة.
انتفضت بجلستها، فلحقت به وهي تستدير خلفها بفزعٍ، صارخة:
_حــــــــــازم... متسبنيش!
اشار بيده بسخطٍ وتركها، فركضت خلفه حتى باتت تحتجز ذراعه فابتسم بمكر وهو يقربها اليه مرددًا:
_متخافيش عروسة البحر هتدافع عنك بس لازم في طقس معين تعمليه عشان تتوكل بحمايتك زي ما بنوكل محامي يترافع عننا في البلاوي السودة، واخدة بالك؟
راقبت المكان من حولها وهي تشير برأسها بفزعٍ، فقال بتسلية:
_اعملي زي ما هقولك بالظبط.
هزت رأسها من جديدٍ، فضم ركبتيه لبعضهما ثم تصاعد بجسده وهو يخبرها:
_خبطة لمين وخبطة شمال.. ادي!
فعلت مثلما يفعل، فردد:
_شاطرة زيدي القفزات عشان تدافع عنك بضمير.
جحظت عينيها بصدمة حينما بدأت بالاسترخاء وفهم مغزاه الوقح من فعلتها خاصة حينما وجدته يصطحبها بعيدًا عن الجميع، فتوقفت عما تفعله وهي تخبره بمكر:
_حازم يا حبيبي ممكن تغمض عنيك.
فرك اصابعه ببعضهما وهو يردد:
_يا فرج الله.
وأغلق عينيه وهو يستكمل:
_كنت عارف انك هتفاجئيني.. يلا وريني.
دفعته بكل قوتها فسقط بالمياه، سبح حتى خرج عن المياه بانفاسٍ متسارعة، فقالت بسخرية وهي تركض من امامه:
_معلش بقى انثى الخرتيت قفشة شوية ومحتاجة ونس ليها!
خلع التيشرت عنه ثم قذفه تجاهها، فهرعت للداخل وضحكاتها تعلو لتغمر دقات قلبه فارغمته على الابتسامة!
*******
صعد عدي بها للاعلى بعد أن غفت على ذراعيه، وضعها على الفراش ثم جذب الغطاء عليها وازاح حجابها عنها، انحنى عدي طابعًا قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس لها:
_تصبحي على خير يا حياتي.
ثم نهض ليتجه للشرفة، سكن قبالتها قليلًا، فازعجه صوت هاتفه برسالة من الجوكر فتحها ليجده يدون له
«في مفاجآة ليك يا وحش، لما أشوفك على الفطار أول يوم رمضان هبلغك بيها، عايزك جاهز للي جاي لانه مش سهل، واللي متأكد منه إن تحالفنا المرادي تحالف شيطاني هيدمر أي شيء يقف في وشه!»
............ يتبع للنوفيلا الختامية.......
انتهت رحلتنا بالجزء الخامس ويتبعنا رحلة أخرى بالنوڤيلا الختامية لسلسلة أحفاد الجارحي، ومن ثم يلحق بها رواية كاملة ستضم ياسين عدي الجارحي، وأبناء الجوكر مراد زيدان والاسطورة رحيم زيدان اصحاب سلسلة (الجوكر والاسطورة)، اتمني اكون قدرت أصحح في شخصيات الرواية والاهم شخصية عدي، وأكون دائمًا عند حسن ظنكم الجميل فيا.. قسطًا قصيرًا من الراحة ولنا عودة قريبة مع اعلان النوڤيلا الختامية... بحبكم في الله ♥
#آية_محمد_رفعت.
تمت... بتاريخ 27/10/2023م
*******_______******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي..
(#الخاتمة_الأولـى)
(إهداء الفصل للقارئة الغالية "أشواق يسري" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة..بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
رائحة التُمور والخروب تحيط بالشوارع، وكأنها لم تترك شبرًا الا وأحاطته، الزقاق يملؤها الزينة الرمضانية، ويتوسطها الفَوَانِيس التي تضيء بتآلقٍ، وشملت بهجة تلك الأجواء قصر آل الجارحي، تفردت الزينة على حوائطه وإمتدت للداخل، بأطراف القصر من جميع الإتجاهات، الأضواء الخافتة تشع بالأرجاء، يحدها حامل المصحف الموضوع قبالة رعد ومن حوله اجتمع صغار آل الجارحي يستمعون إلى صوته العذب في ترتيل القرآن الكريم، ويتسابقون بإظهار أصواتهم المميزة وتطبيق ما تعلموه على يد شيخهم الماهر، فقد حرص ياسين على تقوية حفظهم لكتاب الله طوال تلك السنواتٍ، وعلى مقربةٍ منهم وبالأخص بمطبخ القصر، حيث اجتمعت العائلة بأكملها، يضعون كميات هائلة من الطعام، موزعة على عددٍ من الأطباق البلاستيكة، ولكلُ منهم مهمته، فكانت آية توزع اللحوم للأطباق، ويتبعها أحمد بسكب الأرز، ومن بعده عمر بالمعكرونة، وجاسم بأصابع اللحم المفروم (الكفتة)، أما ياسين فنزع اللاصق عن كرتون العصائر، وناولها لمليكة التي تضم كل عُلبةٍ لطبق الطعام ، وتناولها لداليا التي تمررها لرائد فيضعها في كيس بلاستيكي، يتناوله منه معتز ليضع به مبلغ من المالٍ، ومن ثم يمررها لحازم ومازن فيقومان بوضعه بالكرتون الضخم، وما أن يكتمل يحملانه لعدي بالخارج فيضعه بصندوق السيارة، مشيرًا لهما بعدما تفحص ساعته:
_بسرعة يا شباب مفضلش وقت كتير على الآذان.
أشار له مازن وهو يعود للمطبخ سريعًا:
_متقلقش لسه ساعة كاملة هنلحق بإذن الله.
وعاد للمطبخ مجددًا، يتساءل بريبةٍ:
_ها يا جماعة كده خلاص ولا أيه؟!
تقدمت منه يارا وهي تشير على الكرتون المتبقي:
_فاضل الكرتونة دي.
انحنى أحمد وحملها مرددًا:
_سبها يا مازن هخرجها أنا.
واستطرد بإهتمامٍ:
_شوف الشباب كده خلصوا ولا لسه؟
وتركه وخرج لعدي، فأسرع إليه مردفًا:
_حطها في عربية عمر فيها مكان لسه.
أومأ برأسه بخفةٍ، وإتجه لسيارته فوضعها بحرصٍ وانتصب بوقفته قبالته، أعلق عدي باب السيارة تابعًا وهو يمشطه بنظرةٍ متفحصة:
_هدومك أتوسخت، اطلع غير هدومك بسرعة عشان نتحرك.
أومأ برأسه وإتجه للداخل، فرفع عدي صوته محذرًا:
_متتأخرش يا أحمد، عايزين نلحق نوزع الكمية كلها.
أجابه وهو يسرع للمصعد:
_عشر دقايق ونازل بإذن الله.
ولج عدي للداخل بعد إنتهائه من مهمته التي تكلفت بتوزيع الصناديق على سيارات الشباب، فطوف المطبخ بنظرةٍ متفحصة، فوجد التعب والإرهاق يشق الطريق على الأوجه، الجميع بعملون منذ الصباح، بعد أن تكفل ياسين ويحيى بالذبح باليوم الأول من رمضانٍ المبارك، وصممت آية وشذا ويارا والفتيات بعدم تدخل أحدٌ من الخدم بطهي الطعام للمساكين والفقراء، فساهم الشباب بالمساعدة فلم يبخسوا أبدًا تقديم الدعم منذ الصباح حتى مع إقتراب مفارقة الشمس وبزوغ موعد الآذان، انتقلت عينيه لمعشوقته التي تجلس أرضًا وتفرغ قطع اللحم من الصواني ثم تمررها للفتيات فيضعونها على الطاولة العملاقة حيث تتم ترتيب الأطباق، بالرغم من تعبها لشهور حملها الأولى الا أنها مازالت تصر على المساهمة في هذا العمل الخيري، اتجه إليها ثم انحنى ليقدم لها يده، فأتكأت عليه ببسمة هادئة حتى استقامت بوقفتها فهمس لها:
_اطلعي غيري هدومك وارتاحي شوية لحد الآذان.
أومأت برأسها لشعورها بحاجتها للراحة بعد هذا العناء، فأشار عدي للفتيات قائلًا:
_وانتوا كمان اطلعوا غيروا هدومكم واستريحوا شوية.
أكدت دينا على حديثه:
_أيوه عدي معاه حق، انتوا تعبتوا جدًا.
أجابتها شروق بإرهاقٍ:
_كله يهون في سبيل فرحة الغلابة في يوم زي ده.
أكدت رانيا حديثها:
_فعلا معاكِ حق يا شروق.
واستدارت تجاه رائد تستسمحه على استحياءٍ:
_ينفع أجي معاكم وانتوا بتوزعوا الأكل؟
بدى غير مرحبًا بفكرتها، فأسرعت آسيل بالحديث:
_أكيد هيكون في ستات وهتحتاجوا لوجودنا.
رد عليها عمر:
_مش حابين نتعبكم كفايا وقفتكم طول اليوم بالمطبخ.
ردت عليه نور برجاءٍ:
_والله هنقعد في العربية ومش هنعمل أي حاجة.
واستدارت تجاه آية التي تتابع حوارهم ببسمةٍ هادئة، قائلة:
_قولولهم يا ماما.
ربتت بيدها على كتف رائد وعمر، قائلة:
_متزعلهمش عشان خاطري، هما حابين يشوفوا تعبهم هيروح فين بعنيهم.
ابتسم عدي وهو يتابع بسمة وجهها البشوش، فقال:
_خلاص يا شباب الأمر جايلنا من زوجة ياسين الجارحي بنفسه!
ضحك رائد وأردف بمشاكسةٍ:
_منقدرش نتكلم.
أضاف ياسين بمرحٍ:
_نفسي يا طنط تتدخلي على طول كده بينا هتحلي مشاكل الدول بابتسامة صغيرة بس.
لكزته مليكة بغضبٍ:
_أنت بتعاكس مامي واحنا وقفين.
تعالت ضحكاته الرجولية، متلفظًا بخبثٍ:
_أكيد مش جاني على نفسي يعني، ثم إني معايا قمر الكون كله هعوز أيه تاني؟
هزه جاسم ساخرًا:
_احنا في رمضان يا أخ، صيامك زي السيف أوعى تتخلى عنه مهما تعرضت لاي إغراءات!
تعالت ضحكاتهم جميعًا، فأشار لهم رائد:
_طب يلا غيروا هدومكم بسرعة واحنا برة.
غادر الشباب للسيارات، بينما صعدت الفتيات لتغير ملابسهم لاسدالات الصلاة، وتبقى عمر وعدي برفقة آية بالمطبخ، فتساءلت باهتمامٍ:
_أصدقائك هيوصلوا أمته يا عدي؟
أجابها وهو يتابع ما تفعله من تنسيق أطباق مخصصة إليهم:
_اعتذرولي من شوية وأجلوا المعاد لبعد بكره.
منحته ابتسامة مشرقة وصوتها الحنون يخبره:
_يجوا في الوقت اللي يحبوه، البيت مفتوح بأي وقت.
انحنى ليدها يقبلها باحترامٍ وحب:
_رلنا يباركلنا فيكي يا ست الكل.
مال عمر بجسده على الطاولة، مشيرًا له بسخطٍ:
_أشوف ياسين الجارحي قفشك ويبقى رمضانك بالجنة إن شاء الله!
انتفضت آية من دعوته المازحة، وصاحت بغضبٍ:
_بعد الشر يا عمر متقولش كده على أخوك.
غمز له عدي بمكرٍ، وتابع لجوئه لاسلوبه الماكر:
_ابنك مش قادر يستوعب إني بقيت أنا وياسين الجارحي زي السكينة في الحلاوة!
_حبيبي تعالى بره نشوف قصة السكينة والحلاوة لحد ما المغرب يأذن!
صوت ياسين الجارحي اقتحم مجلسهم الخاص، فضحك عدي وخرج إليه ومن بعده عمر، بينما تبقت آية بالمطبخ تحاول إعداد الطعام لتقدمه على السفرة لحين عودة الشباب والفتيات من الخارج.
*******
بالخارج.
انتهى رعد من درسه لليوم الأول، فأغلق المصحف الشريف مشيرًا للاطفال بحماسٍ:
_كلها ساعة ونتجمع على الفطار، اللي هيكون صادق وهيحافظ على صيامه للوقت ده هيكافئه مكافأة كبيرة جدًا، ودلوقتي روحوا العبوا شوية لحد ما الآذان يأذن.
رد عليه ياسين ببسمة هادئة:
_المكافأة الأكبر أكيد من ربنا عز وجل يا أنكل.
مرر أصابعه فوق خصلات شعره البني، وهو يمنحه ابتسامة هادئة، موكدًا له:
_أكيد يا حبيبي.
وأشار لهم وهو ينهض عن الأرض:
_يلا روحوا ألعبوا.
غادر الصغار من أمامه للحديقة للعب، بينما استدار ياسين متجهًا للصالون حيث يجتمع أبيه وعمه بياسين الجارحي، فولج للداخل ليسحب أنظار ياسين، ليهيم به بسعادةٍ، جلبابه الأبيض الذي أنار وجهه بشكلٍ ملحوظ، دنا إليهم فاستقبله ذراع ياسين لينطوي حفيده إليه، فضمه بحبٍ لم يسبق لعدي رؤيته بعين أبيه هكذا، مزق جلباب الصمت صوت ياسين حينما قال:
_اطلع غير هدومك وإنزل عشان تروح مع الشباب وهنا بيوزعوا الواجبات.
ابتسم وهو يجيبه:
_اعتبرني جهزت.
وكاد بالتوجه للاعلى، ولكنه توقف وتطلع تجاه أبيه ليسأله بدهشةٍ ماكرة:
_هو أنكل مراد مش جاي ولا أيه؟
ضيق عسليته بشكٍ في مضمون سؤاله الخبيث، وردد بهدوءٍ:
_لا مش جاي.
واسترسل بمكرٍ:
_بناته كمان هيجوا معاه في المرة الجاية.
ارتبكت نظرات الصغير الواضحة لياسين الجارحي، فتابع حوارهما باهتمامٍ وصمت غلبه حينما غادر الصغير، فقال:
_تقصد أيه بكلامك؟
ضحك رغمًا عنه وقد تسابق لساحة معركتهما التي لا ينغلق بابها أبدًا وخاصة حينما يطول الأمر حفيده المقرب، فقال:
_حفيدك المصون حاطط عينه على بنت مراد وهو لسه شبر ونص!
زوى حاجبيه بغضبٍ برز بتصلب عروقه:
_حفيدي عارف حدوده كويس، إلزم أنت حدك معاه بالكلام ده طفل متنساش ده!
كبت عدي ضحكة كادت بالانفلات منه، وخاصة حينما لمح عمر يشير له برجاءٍ، ويحثه على التوقف عما يجتازه بتلك اللحظة، مكورًا يديه أمام شفتيه التي تهمسان إليه:
_بلاش ياسين!
استقرت مقلتيه لابيه ومنحه ابتسامة هادئة اتبعها قوله الرزين:
_أنا واثق في تربيتك يا بابا، وعارف كويس ياسين بالنسبالك أيه فده شيء مش مزعلني بالعكس مفرحني جدًا.
واستكمل بنفس نبرته الهادئة:
_أنا متعمتدش شيء من كلامي، وعمومًا بعد بكره مراد وبناته جايين وهتلاحظ بنفسك الانجذاب الغريب من ياسين لإنه بالطبيعي مش بيهتم يلعب مع حد!
ابتسامة داعبت شفتيه ونظراته الغامضة تحيط الدرج بعدما خلف أثر حفيده، فعاد ليتطلع إليه قائلًا بحزمٍ:
_اهتم بياسين يا عدي، أنا عايزه يحس أن حلمه سهل مش مستحيل، وعارف إنك تقدر تعمل ده.
واسترسل بغموضٍ:
_وأنا ليا كلام تاني مع مراد ورحيم لما أشوفهم!
قبضت نظراته على عمر المستكين بجلسته براحةٍ، بعدما ظن بأنه نفد من حصار أبيه، فقال بصرامةٍ:
_بالك مش هيكون رايق كتير، حلا وعدي أنت مسؤول عنهم قدامي من دلوقتي!
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ بالغة، وحاول التفوه ب:
_أطفال يا والدي... أطفال لسه!!
وجدها حجة ستسهل عليه الهروب من عرينه، فقطعها إليه حينما صاح:
_من يوم ولدتهم لو تحب نرجع بالزمن لورا!
حالة الصدمة التي تغلبته جعلت عدي يكتم ضحكاته بتمكنٍ، ليقطع جلستهم صوت يحيى الذي اقترب إليهم بعد انتهائه من أداء صلاته، فردد بضيقٍ:
_أيه يا ياسين أنت مش عاتق الأولاد حتى في رمضان يا أخي!
حدجه بنظرةٍ ثابتة، انتهت بحديثه الصارم:
_في أي وقت المهم إنهم ياخدوا بالهم من أحفادي زي ما أنا مازلت بتبع مسؤولياتي تجاههم لحد اللحظة دي!
منحه عدي ابتسامة مسالمة اتبعها قوله الخبيث:
_دول في عنينا يا باشا، كفايا إنهم عليهم توصية من القيادات العليا.
واستدار تجاه يحيى مرددًا:
_مش كده ولا أيه يا عمي؟
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يتابع نظرات ياسين المهتمة لسماع ما سيقول، وفجأة قطع مجلسهم صوت صراخ عاصف:
_ ياسيـــــــــن الحقنـــــي!
انتفض بجلسته بفزعٍ، فصاح عمر بقلقٍ:
_ده صوت ماما!
اندفع ياسين تجاه المطبخ على الفور، ومن خلفه يحيى وأبناءه، فما أن فتح باب المطبخ حتى وجدها تتمسك بسترته بقوةٍ، فحاول أن يستدير إليها ليتأكد من سلامتها، فتشبثت به راغمة إياه على الوقوف أمامها كالستار العازل بينها وبين هاجسها، فتساءل عدي بذعرٍ:
_في أيه يا ماما؟
أشارت بيدها تجاه البراد، فتوجهت نظراتهم معًا إليها، فتفاجئوا بوجود الصغار ومن بينهم خالد الحامل لقطةٍ سوداء اللون، ومن بعد اشارتها صوت صراخها المذبذب:
_أنا عندي فوبيا من القطط، خلوهم يطلعوا بيها بره بدل ما يجرالي حاجة وأنا واقفة!
أشار لها يحيى وضحكاته بارزة كبزوغ الشمس:
_طيب طيب اهدي أنا هتصرف.
واقترب من الصغار مشيرًا لهم:
_انتوا جبتوا القطة دي منين يا ليان؟
أجابته وهي تشير على ابن عمها:
_خالد اللي جابها يا أنكل يحيى.
دنا منهم عدي، فإتكأ على رخام المطبخ بجسده العلوي يتابعهم باهتمام اتبع سؤاله المستنكر:
_جبتها منين يا خالد؟
رد عليه الصغير وهو يحتضنها بخوفٍ:
_شوفتها بالحديقة كانت متعلقة بالشجرة.
رد عليه عدي بهدوءٍ:
_طيب يا حبيبي مينفعش تحتفظ بيها لإنها مش مطعمة وكمان البنات بيخافوا منها.
تمسك بها الصغير رافضًا لاقتراحه، فحركت آية يدها على ظهر ياسين المستمع برؤيتها كذلك:
_اتكلم يا ياسين أنت مش ليك كلمة مسموعة هنا!!
وهمست إليه بصوتٍ منخفض ظنته غير مسموع:
_أنا بخاف منهم جدًا، هبقى نكتة القصر لو فضلت هنا حافظ على برستيجي الله يكرمك!
تهدلت شفتيه ببسمته الساحرة، وأشار لعدي فتابع حديثه في محاولة اقناع الصغير:
_طيب يا خالد أيه رأيك نحطها في الغرفة اللي بالحديقة الخارجية ووقت ما تحب تروحلها هنخلي حد من الحرس يفتحلك.
وزع الصغير نظراته بينهم بتفكيرٍ، وحرك رأسه بالموافقة على مضضٍ، عارضًا شروطه:
_بس تدوها أكل لحسن جعانه أوي!
أجابه يحيى ببسمة صغيرة:
_إحنا عنينا ليك وللحيوانات اللي تخصك
وتابع بسخرية:
_جدك كان تخصصه الفيران وأنت دخلتنا في القطط معرفش نسل حمزة عايز مننا أيه!
ضحك عدي وأشار للصغار:
_يلا اخرجوا بها من هنا.
حملوها وركضوا بها لباب الخروج، فتراجعت آية بياسين للخلف وهي تصرخ بهلعٍ:
_لأ... لأ... مش من الباب ده!!
تراجعوا للخلف فاتجهوا للباب الخارجي للمطبخ مثلما دلفوا منه غادروا، ابتلعت آية ريقها الجاف على مهلٍ، فهمس لها من يراقبها من هذا البعد القريب، المعاكس لطبيعتها بوجود أحدٌ:
_ممكن تسبيني بقى!
تطلعت إليه ببلاهةٍ وانطلقت نظرتها لجاكيته المحاصر ليدها، فحررته وهي تسترد ثباتها بخجلٍ، راقب عمر ملابس أبيه بصدمةٍ اتبعت اشارة يده:
_أعتقد إنك لازم تغير هدومك، لإنها بقت كلها زيت من الحلويات!
زوى حاجبيه بعدم فهم، فانتقلت نظراته ليد آية فوجدها ملطخة بالسمن البلدي، عاد عمر يهمس إليها بخوفٍ:
_إجري عند عدي هيحميكي!
توترت نظراتها الساكنة بعسلية عينيه الثابتة، فمنحها ابتسامة وهو يخبرها بصوته المغري:
_فداكِ ألف بدالة.
رمش يحيى بعينيه وتابع ببسمة ساخرة:
_فكك إننا في رمضان مدام لسه في حدود الأدب لكن الأولاد اللي حوليك دول وضعهم أيه؟!
واستطرد بسخطٍ:
_كفايا صدمة وجودك بالمطبخ ليهم، مش متعودين يشوفوك بوشك اللي مبيظهرش غير لآية هانم ده.
ردد عمر بضحكة واسعة:
_لا أخدين على كده من بدري.
وأشار بحنقٍ:
_ياسين الجارحي له معاملة ووش مع كل شخص على حداه، وبحمد ربنا إنه لطيف معايا.
ضحك يحيى وشاركه بتأكيد حديثه:
_فعلا معاك حق يا عمر، بس الأساس كله رايح لوالدتك.
خلع ياسين جاكيته، فوضعه جانبًا وهو يتساءل بنظرة خبيثة:
_أنت بتغير يا يحيى ولا أيه؟
تعالت ضحكاته وأشار لعدي بغرورٍ:
_قول لأبوك أنا مين؟
أتاه رده مرحبًا باستعانته به:
_الصديق الصدوق والمعاملة الخاصة كلها.
ضم شفتيه معًا وعدل من جاكيته بعنجهيةٍ:
_بيفهم.
ابتسم ياسين وأشار له:
_طب تعالى عايزك.
أومأ برأسه وخرجوا معًا، فاتبعهما عدي وكاد عمر باللحاق بهم فأوقفته آية مشيرة إليه:
_استنى يا عمر.
توقف محله واتبعها متسائلًا بمحبةٍ:
_أيوه يا حبيبتي!
منحته زجاجة من الحليبٍ، مشيرة له:
_اديهم يا ابني اللب ده عشان مشالش ذنبها.
تفحص ما يحمله وردد بمرحٍ:
_مفيش سمكتين بايتين بالمرة؟
صاحت بحدةٍ رافضة لسخريته:
_عمر!
هز رأسه في طاعةٍ:
_حاضر، هوصلها ليهم وبنفسي!
*********
صعد الشباب لسيارتهم، وتحركوا مستهدفين الأماكن المخصصة بالطبقات الفقيرة، فتفرقت السيارات عن بعضها البعض، في سبيل تغطية أكثر من مكانٍ، فقادت آسيل سيارة أحمد وتوقفت به بزقاق احدى الحارات الشعبية، فهبط وفتح صندوق سيارته الخارجي وبدأ بتوزيع الطعام على المساكين والفقراء حتى انتهى من الكمية بأكملها، فعاد للسيارة مجددًا فتحركت به آسيل مرددة بفرحة:
_أنا بستنى رمضان عشان توزيع الأكل اللي طنط آية بتعمله.
استند برأسه على المقعد وأجابها بصوته الرخيم:
_الاسبوع الجاي هيكون عليا الدور ووقتها هخليكي تشرفي على كل حاجة.
ابتسمت بسعادةٍ، فمال برأسه تجاهها وهو يراقبها بعشقٍ يلمع بحدقتيه، فهمس لها:
_بتمنى رمضان ده تتغيري فيه يا آسيل وتبطلي عادتك المعتادة.
تلون وجهها بحمرة الخجل، ورددت على استحياء:
_أنت ظالمني يا أحمد، رمضان اللي فات كان أويس لسه صغير ومن تعبي كنت بنام جمبه.
ضيق عينيه بنظرة شك ولم يستطيع منع كلماته المندفعة على لسانه:
_حبيبتي أنتي من قبل جوازنا وأنتي بتفطري من هنا وبتسافري لدنيا تانية من هنا، بحس انك بتتقتلي حرفيًا!
زمت شفتيها بحزن مصطنع:
_كده يا أحمد، بتظلمني الظلم ده واحنا في رمضان.
ابتسم وهو يتابعها بهيامٍ، فسحب نظراته عنها للجهة الاخرى هامسًا بغيظٍ:
_اللهم إني صائم!
******
إتجه رائد لأحد المَلاجئُ، فهبط عن السيارة واتبعته رانيا، حمل الكرتون وصعد بها للأعلى، فقضى عشر دقائق في الحديث مع المسؤول، فما أن تأكد من هويته وبما يحمله حتى استقبلوه بترحابٍ كبيرٍ، فهبط ليحمل باقي الكراتينُ، فابتسم حينما وجدها تحاول حمل إحدهم بمفردها لتعاونه، حملها عنها رائد وهو يشير لها بحنان:
_اقعدي في العربية يا حبيبتي أنا هنقلهم متقلقيش.
أجابته بخوفٍ لمع بمقلتيها:
_عشان متهبطش وأنت صايم، سبني أساعدك.
ضحك وهو يغمز لها:
_جوزك مش خرع متقلقيش.
منحته ابتسامة صغيرة وإتجهت لمقعدها تنتظره، حتى انضم لها فتحرك بها للقصر، أمسكت رانيا يده مرددة بلهفة:
_أقف يا رائد.
أوقف سيارته باستغرابٍ، فأشارت له تجاه أحد الباعة مرددة:
_عايزة عرق سوس وتمر.
تابع ما تشير إليه وعاد ليتمعن بتطلعه إليها متسائلًا بدهشةٍ:
_ما ماما عاملة بالبيت!
أشارت له برجاءٍ:
_أنا عايزة من ده بيكونله طعم تاني.
منحها ابتسامة صغيرة، وصف سيارته جانبًا وهو يردد:
_عيوني حاضر.
تعجبت حينما فتح صندوق السيارة مجددًا، وتبدلت ملامحها لبسمة خافتة حينما وجدته يدنو من البائع ليقدم إليه أحد الواجبات، ومع اصرار الرجل بعدم قبول المال مقابل ما اشتراه منه ازداد إصرار رائد بدفعه لثمن ما اشتراه، مطبطبًا بيده على ظهر العجوز وهو يمنحه بسمة واسعة، وعاد إليها بما يحمله، فالتقطت الأكياس مرددة بدهشةٍ:
_أيه كل ده؟
أجابها وهو يحرر مقود السيارة:
_لو حد في البيت حابب يجرب من بره مع إن ده هيعرضني لمخالفة من ماما بس كله يهون عشان عيونك يا جميل!
تعالت ضحكاتها وقالت بعشقٍ:
_أنا بحبك على فكرة.
غمز لها مؤكدًا بغرور ورثه عن أبيه:
_قولي حاجة معرفهاش!
********
وقف معتز بالسيارة الكبيرة التي تحوي كميات هائلة من الكراتينُ، فهبط حازم ومازن وجاسم وبدأوا بتوزيع محتوياتها لمدة طالت لنصف ساعة كاملة، استدار حازم تجاه الرصيف فلمعت عينيه بالدمع حينما وجد فتاة صغيرة تجلس دون حذاء وبملابسٍ ممزقة، لم يستطيع اخفاء تلك الدمعة، ومع ذلك أزاحها راسمًا ابتسامة صغيرة وهو يسألها:
_أنتي اسمك أيه يا حبيبتي؟
أجابته الصغيرة بخوفٍ:
_اسمي أشرقت.
ابتسامته لم تتركه وهو يتابع:
_اسمك جميل أوي.
وعاد ليتساءل باهتمامٍ:
_انتي في المدرسة؟
هزت رأسها نافية، فتأثر بحديثها وتابع وهو يتفحص الزقاق بعينيه:
_بيتك هنا؟
أومأت برأسها بخفوتٍ، فأمسك يدها وهو يحثها على الخطى:
_طب وريهوني.
شعرت بالبداية بالتوترٍ، فانحنى حازم لمستواها وهو يمرر يده على خصلات شعرها بحنانٍ:
_متخافيش أنا عايز أعرف عنوانكم عشان أبعتلك لبس ولعب كتير.
تهللت أساريرها فاحتضنها بتأثرٍ، والدمع مازال يتهاوى بمقلتيه، فاستقام بوقفته واتبعها حتى يعرف طريق منزلها ليتوالى رعايتها على نفقته الخاصة منذ تلك اللحظة.
******
استغل ياسين آذان المغرب الذي غمر الأجواء برائعة صوت المأذون، فاتجه بسيارته أمام أحد المساجد، وهبط مسرعًا ليجذب العصائر والواجبات، فكادت أن تختل الكرتون منه فأسرعت مليكة لمساندته دون تردد بالرغم من تحذيره المسبق لها بالبقاء بالسيارة لوقوفه أمام مدخل المسجد الرجالي، أسبلت بعينيها بتوترٍ من ضيقه منها، ولكنها وجدته يمنحها ابتسامة صغيرة، وأشار بيده:
_خليكي هنا.
هزت رأسها متفهمة وراقبته وهو يسرع لمدخل المسجد، فوزع ما بيده بمحبةٍ كبيرةٍ، حتى انتهى مما يحمله فقال:
_خليكي في العربية، أنا هصلي وراجع على طول.
أومأت برأسها بخفة، وعادت للسيارة تنتظر رجوعه، وما أن عاد إليها حتى توجهوا معًا للقصر.
*****
تعاونت الفتيات على حمل أطباق الطعام للسفرة، فسكبت رحمة أكواب العصائر، ووزعت نور وآسيل الاطباق قبالة الشباب، فقامت يارا وملك بتوزيع الطعام، والمياه، وجلسوا جميعًا جوار بعضهما البعض، بانتظار عودة الباقية، وكان أخرهما ياسين ومليكة، تجرع الصغار المياه بعد تردد دعواتهم الخالصة بتلك الساعة المستحبة من كسر الصيام، وبدأوا بتناول الطعام معًا، تجرع حازم زجاجة كاملة من المياه، فصاح به حمزة بغضبٍ:
_كفايا مية أيه بتسقي زرع!
وضع الزجاجة عن يده فارغة، وأشار لاخيه أن يناوله زجاجة أخرى مرددًا بأنفاسٍ لاهثة:
_عطشان... عطشان يا عم الحاج.
جذب أحمد الزجاجة وألقاها إليه، فصاحت به نسرين بصدمة:
_متدلوش مية يا أحمد!!
أشار لها ساخرًا:
_على أساس إني اللي بتحايل عليه يشرب!
سحب منه عز المياه مغمغمًا بحدة:
_يا أخي كفايا إنت مفطوم جديد!
مرر يده على بطنه بتعبٍ:
_عطشان يا عمي.
ونهض عن المقعد في محاولةٍ للتماسك بوقفته، وفسقط عليه بإهمالٍ وأخذ يراقب بطنه المنتفخ بصدمةٍ، فحرر لسانه المرهق قائلًا:
_جماعة في سمك بيلعب جوه!
وحاول الوقوف مجددًا، فعاد لمقعده وهو يؤكد:
_صدقوني في شيء بيتحرك مع المية وأنا لسه مكلتش!
تعالت ضحكات تالين وشاركتها الفتيات، فقالت داليا:
_متقلقش كل دي أعراض طبيعية بعد الازازتين اللي بلبعتهم.
بينما أردف جاسم بسخطٍ:
_العيال الصغيرين مبيعملوش عمايلك!
ردد يحيى بحزمٍ لا يليق به:
_كفايا كلام على الأكل، كملوا فطاركم عشان نجهز للتَّرَاوِيح.
بحثت نور بين أصناف الطعام، وتساءلت باستغرابٍ:
_فين القطايف؟
أشار لها رعد بدهشة:
_مش لما تخلصي أكل الأول يا بنتي!
نهضت عن الطاولةٍ واتجهت للبوفيه الجانبي، جذبت غايتها وعادت تجيبه وهي تقضم قطعتها:
_مهو ده أكل بردو يا باشا.
وناولت قطعة لآسيل التي التهمتها مرددة بتأكيدٍ:
_أحسن ما نشبع ومنلحقش نحلي.
وزعت رحمة نظراتها بين أصناف الطعام بنفورٍ جاهدته، فانقضى وقتًا لم تذق به الا عصيرها، مال عليها عدي ليتساءل بلهفة:
_مبتكليش ليه؟
منحته بسمة صغيرة وهي تجيبه:
_بأكل أهو.
زوى حاجبيه بضيقٍ من خداعها القصير إليه، فتركت ملعقتها باستسلامٍ ومالت لكتفيه تخبره:
_حاسة إني لو أكلت هتعب.
وتابعت بخجل:
_عايزة أكل حاجة تانية.
تساءل باهتمامٍ:
_زي أيه؟
أخفت ابتسامتها وهي تجيبه بصدقٍ:
_معرفش!!
*******
تركت شروق الطاولة وأسرعت لفتح السماعات والأغلب يتابعون ما تفعله باهتمامٍ، فرفعت من صوت المذياع والابتسامة تعلو ثغرها فشاركتها الفتيات الغناء بفرحة غمرت قلوب الأزواج، وخاصة ياسين الجارحي الذي يتكأ بيديه على الطاولةٍ مستمتعًا برؤيتهن
«مرحب شهر الصوم مرحب لياليك عادت في أمان
بعد انتظارنا و شوقنا إليك جيت يا رمضان
مرحب بقدومك يا رمضان ونعيش ونصومك يا رمضان
بعد انتظارنا و شوقنا إليك جيت يارمضان
زيك مفيش بين الأيام كلك حسانات
بيزيد معاك نور الإسلام فضل و بركات
لياليك محلاها يا رمضان و يا محلي بهاها يارمضان
بعد انتظارنا و شوقنا إليك جيت يا رمضان
مرحب شهر الصوم مرحب لياليك عادت في أمان
بعد انتظارنا و شوقنا إليك جيت يا رمضان
مرحب بقدومك يا رمضان ونعيش ونصومك يا رمضان
بعد انتظارنا و شوقنا إليك جيت يارمضان»
الابتسامة لم تفارق الافواه، رؤيتهن بتلك السعادة تنير القصر فرحةٍ، وخاصة بمشاركة الصغار، مازال المذياع يردد أغانيه المرحبة بالشهر الفضيل، والشباب يقومون بواجبهم على أكمل وجه بحمل الأطباق للمطبخ ومعاونة الفتيات على التنظيف خلف الأطفال وما تركوه من خلفهم، جذب عمر أطباق الحلويات ووزعها عليهم جميعًا، بينما قامت مروج بغسيل الاطباق في حين الانتهاء غسالة الأطباق مما داخلها، جلسوا لنصف ساعة وسرعان ما حمل الشباب سجادتهم مسرعين لتأديةٍ صلاة التَّرَاوِيح، أوقفت ملك الشباب قائلة:
_ انتوا نسيتوا اتفاقنا في رمضان ولا أيه؟
تطلعوا جميعًا لبعضهم البعض، ليقطع صمتهم عدي:
_لا ازاي منسناش، هنبدأ من عند ياسين.
تأفف ياسين بضيقٍ:
_اشمعنا ياسين، أنا حابب أصلي أول يوم بالمسجد.
أجابه عمر:
_يا ابني كل واحد له دور، كلنا هيجي علينا يوم نأم بيهم التراويح.
ابتسم أحمد وهو يراقب تذمر ياسين، فتدخل قائلًا:
_خلاص روح أنت يا ياسين وأنا اللي هبدأ.
ابتسمت تالين وضمته لصدرها مرددة:
_حبيب قلبي ربنا يباركلنا فيك.
ردد حمزة بسخطٍ:
_الابن البائس المضحي.
وهبط للاسفل وهو يشير لابنه بتأففٍ:
_هأخدك معايا السنادي بس وربي لو عملت أي حركة كده ولا كده هرجعك البيت، ده بيت ربنا مش الملاهي!
ربتت نسرين على ظهر الصغير،وأخبرته:
_لا يا حازم أنا شرحتله وهو بقى فاهم مش هيعمل زي السنة اللي فاتت.
أشار له بالخروج هامسًا بتهكمٍ:
_لما نشوف!
أمسك يحيى ذراع أبيه ياسين، بينما اتجه ياسين لعدي فحاوطه بذراعه واتجه به للخارج، تابعتهما رحمة ببسمة رقيقة حتى خرجوا جميعًا من المنزل.
*****
وقف بهن أحمد إمامًا، يتلو القرآن بصوته الخاشع المقشعر للأبدان، ومن خلفه تقف آية _دينا_شذا_يارا_ملك_تالين، ومن خلفهن تقف الفتيات الأصغر سنًا آسيل، رحمة، نور، داليا، رانيا، نسرين، مروج، شروق، ومن خلفهن الأصغر، مريم، ليان، رحمة، وباقي الفتيات، انتهت صلاتهن من خلفه وتفرق الجمع، كلا منهن تلجئ لواردها اليومي، حتى عاد الشباب بصحبة ياسين ويحيى ورعد، فصعد كلا منهم لغرفته للتلاوة، بحث أحمد بعينيه عنها بين الفتيات، فاقتربت منه نور لتشير له بضحك:
_آسيل مقلوبة على الكنبة اللي هناك من بعد التراويح.. المفروض تحفظ مكانها كل رمضان!
استدار تجاه ما تشير إليه، فانكمشت تعابيره بصدمةٍ، ليجتازه صوت جاسم الغاضب:
_رمضان اللي فات دهري اتقطم بسببها، رمضان ده بقى تغضب عليها وتسيبها وتطلع مش هنقلها من مكانها.
هز رأسه ساخطًا:
_أختك بتعوض نوم السنة كله في رمضان!
تعالت ضحكات رانيا، فقدمت لهم ما بيدها مردفة:
_في بنات كده بعد الصيام والأكل بتتقلب مكانها.. متزعلش يا أحمد خد كنافة خد.
حمل أحمد الطبق منها ثم ناوله لجاسم بعدما تناول قطعة صغيرة، ليخبره بحنقٍ:
_بفكر أطلق اختك في رمضان وأبقى أردها بعد العيد!
جذب جاسم قطعة من الكنافة ليؤكد له بتحذير:
_تطلق، تخلع ماليش فيه شيل مش هشيل!
وتركه وصعد للأعلى، فدنا منه حازم ليمنحه نظرة مستحقرة جابته من رأسه لأخمص قدميه واتبعه قوله الحازم:
_أخص عليك، أخص، الناس كلها بتيجي في رمضان تتوب وتعقل وأنت حالك بيتشقلب مع إنك في الطبيعي ملاك، تهون عليك مراتك ترميها بعد العمر ده إكمنها دماغها تقيل بعد الفطار حبتين؟
منحه نظرة مشككة، فحانت منه نظرة جانبيه للاريكة وعاد ليعدل من حديثه:
_حبيتين تلاتة، فيها أيه اما تستحملها لحد العيد فيها أيه؟
أتى عمر من خلفه يلكزه بمرحٍ:
_باركاتك يا شيخ حازم، فتح الله عليك يا ابني والله.
وأشار لاحمد وهو يصعد الدرج لجناحه:
_شيل يا أحمد شيل، حتى تهضم الأكل!
صعد عدي من خلفه بصحبة ابنته التي يحملها بين ذراعيه يراقبها بالاسدال المشابه لما ترتديه زوجته، فأشار بوجهه لأحمد:
_عديها ده أحنا في أول يوم!
رد عليه بنفور:
_مش أول يوم بس دي هتفضل كده ال٣٠يوم!!
ربت رائد الصاعد من خلف عدي على كتفه يحمسه:
_عاش يا بطل عاش.
منحهما نظرة ساخطة، قبل أن يتجه إليها فحملها لصدره وإتجه للمصعد، فما أن ولج حتى وزع نظراته عليها مرددًا بسخرية:
_ده وعدك ليا!
*******
ساد القصر هدوءًا، إنقطع مع اقتراب موعد آذان الفجر، هبطت آية بصحبة رحمة ونور للأسفل، ليصنعوا السحور، فما أن انتهوا حتى أشارت آية لنور:
_روحي يا بنتي شوفي حد من الشباب صحي بره كده يصحي الباقي.
اشارت باصبعها لعينيها:
_عيوني.
خرجت نور تبحث بالصالون عن أحدهم، حتى استقرت نظراتها على حازم المشغول بتأمل هاتفه، فنادته قائلة:
_حازم تعالى كلم ماما آية.
أبعد الهاتف عنه وهو يردد بنومٍ:
_عايزين مني أيه تاني، أنا كنت طالع أنام.
اتاه صوت آية من خلفها:
_اطلع يا حازم صحي الشباب يتسحروا قبل ما يروحوا المسجد.
ضيق عينيه بتفكيرٍ:
_ودول هصحيهم ازاي دول؟
واحتضن بيده فكه يفكر في حل بتلك المعضلة بعدما فشل بالوصول إليهم عبر الهاتف، ففرقع أصابعه وهو يردد ببسمةٍ واسعة:
_لقيتها!
******
بالطابق الثاني حيث يعم الهدوء والسكينة، انطلق صوت صاخب يصدر عن مفتاح معدني ضخم باحتكاكه باحدى الاواني المعدنية، ومن خلفه صوتًا يعرفه الجميع يصدح بغلظة:
_اصحى يا نــــــــــايـــــــــــم، واحد الدايم رمضـــــــــــــان كــــــــــــريم...
وتابع بصوت جمهوري:
_يا أهـــل الجوارحــــــــــه قومـــــــــــوا الفجر قــــــــرب يــــــــــأذن.
وعاد ليصرخ تلك المرةٍ بصوت صاخب جعل جميع الاضواء تنير بالغرف:
_رمضـــــــــــــــان كريــــــــــــــــــــم!
انفتحت الأبواب وخرجت الأعين المشتعلة بغضبٍ سيفتك به لا محالة، وخاصة حينما اجتمع الشباب أمام أبواب الغرف ونظراتهم تحيط به بجموحٍ!
............يتبـع........
#الجارحـــــي5.. #الختاميـة... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
قرائي الكرام، لا أخفيكم سرًا الفترة الماضية التي قضيتها بعيدًا عن الكتابة كانت الأطول على الاطلاق، بتلك الفترة وفقني الله لكتابة أهم أعمالي الورقية التي سيكون لي الحظ بمشاركتها بمعرض القاهرة عام 2024،استنزفتني واستهلكت من طاقتي وشعرت بعدها بفتور غريب واجهته بكل قوتي، لذا رجاء خاص مني بدعمكم لي سواء بريفيو أو بكومنت تشجيعًا لعودتي للكتابة من جديدٍ، ومازالت أعلن بأن بدايتنا ستكون مع مطلع العام الجديد مع رواية جديدة كليًا بإسم #أشباح_المخابرات، على وعدٍ أخر بأنها ستكون مميزة للغاية، أحبكم في الله وبإنتظار تفاعلكم وتعليقاتكم الطيبة ❤
آية محمد رفعت..
********____________********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_الثانية.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"بسمة أحمد"، "سما سيد"،"زهراء دويدار" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
انتفضت بفراشها بفزعٍ جعل عروقها تتصلب، فاتجهت نظراتها لزوجها الذي أسرع إليها، فضمها إليه وعينيه تتفحص الجناح في محاولةٍ لكشف مصدر الصوت المزعج، تشبثت مليكة بالتيشرت الخاص به وإرتجف صوتها المردد:
_ده أيه يا ياسين؟
مرر يده على شعرها المنسدل من خلفها باهمالٍ وهو يحاول احتواء خوفها:
_متخافيش يا روحي، أنا هخرج أشوف في أيه!
وتركها بالفراش وإتجه للخارج، فاندهش حينما وجد حازم يطوف بالطابق بأكمله ومازالت يده تطرق الوعاء المعدني بكل قوةٍ، وكأنه يدق الدفوف ليعلن عن حربٍ تكاد تفتك بحياة الجميع، اتجهت نظراته المغتاظة للباب المجاور له ومن أمامه يقف عمر عابس الوجه وعينيه لا تفارق هذا الأبله، وكلما مرت الثوانٍ لحق بحضرتهم شابًا أخر حتى خرج الشباب بأكملهم للخارج وأخرهم كان عدي الذي أنهى حمامه سريعًا بعد طرقات عديدة من زوجته المرتعبة من سماع صوتًا كذلك، فاىتدى ملابسه باهمالٍ جعله يتغاضى عن غلق سحاب سترته السوداء، لتطيح عسليته بالمتسبب بتلك الفوضى، والعجيب بالأمر استمراره بالطرقٍ حتى تلك اللحظة، برزت عروق رائد بغضبٍ جامحٍ، فدنا منه ثم جذب عنه الوعاء ووضعه على رأسه ومن ثم جذب منه المطرقة وهوى بها فوق رأسه صائحًا بعصبيةٍ بالغة:
_الجيران هيطلبولنا البوليس يا حقير!
جذب معتز من المطرقة باستأذن راقي:
_تسمح؟
منحه رائد المطرقة بصدرٍ رحب، فجذبه معتز إليه وهوى فوق رأسه بها مرات عديدة، مصرحًا له عن خطورة ما أصابه:
_التقوة غالبة قلبك إنزل صحي الناس في الشارع، إنت هنا في بيت محترم!!
رفع حازم الوعاء عنه بصعوبةٍ، فتحركت حدقتيه يمينًا ويسارًا دون توقف تأثرًا بضرباتهم المستهدفة لرأسه، خرجت الفتيات من خلفهم بعد ارتدائهن الإسدال الفضفاض، ليرمقانه بنظراتٍ نارية، ومع ذلك مازال يجاهد بتبرير ما فعله:
_طنط آية اللي قالتلي أصحيكم، المفروض أمشي على كل الأوض دي وأصحيكم ومش فاضل غير نص ساعة عن الفجر ده أنا لو سوبر مان مش هلحق أصحي غير أربع خمس أوض!!
اقترب منه عدي فتراجع للخلف ببطءٍ شديد، وبعد تفكير قصير، صاح يذكره:
_إحنا في رمضان والمسامح كريم!
لف يده حول رقبته ساحبًا قبعة التيشرت الخاص به، ثم لفه حول يده مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_بجتهد إني أحترمك وخصوصًا إنك مبقتش صغير وبقى عندك أولاد طولك بس للأسف بتخرجني عن طور هدوئي وبتخليني أنحرف وأنا أساسًا جوايا عرق بلطجة!
ابتلع حازم ريقه بصعوبة بالغة، وهوى بالوعاء إليه عل الهواء البارد يزيح عصبيته البالغة، قائلًا بصوتٍ خافت:
_استهدأ بالله وإنزل كل زبادي هيطري على قلبك!
تحولت عسليته للبني القاتم مما زاد من رعب الأخير، فمال برأسه لمن يقابله بنظرةٍ حانقة، وردد بنبرة مثيرة للشفقة:
_أحمد أنا أخوك!
زم شفتيه بسخطٍ اتبع نبرته:
_أنت ابتلائي في الدنيا!
وأطلق نظرة خاطفة لعدي ليأمره بجحودٍ:
_مش عايز أسمعله صوت ال٢٩ يوم الباقين، ده هيخلي صيامنا يضيع.
ردد باستنكارٍ:
_ليه إزازة خمرة!
توقف المصعد أمام الطابق المخصص للشباب،فاتجهت جميع الأعين في استعداد لرؤية القادم، صعقوا جميعًا حينما خرج ياسين من المصعد واتبعه بحيى، فصاح بغضبٍ تراقص بين ثبات نبرته:
_أيه الدوشة دي؟
افترس الصمت الوجوه، فصاحت داليا بحنقٍ:
_آسر يا عمي بيصحينا للسحور بالحلة!
تلقائيًا اتجهت عينيه لتلتقط ما يحمله هذا الأحمق بيده، فارتفعت نظراته لتحيط بعينيه المرتعبة من ترقب مصيره، ومررها ببطءٍ ليد عدي القابضة على عنقه، زوى حاجبيه بنفس الحركة التي ورثها عنه عدي، وقد هاج الغضب بمقلتيه، ومع ذلك حركة جسده مازالت رزينة صارمة بتحركه للدرج، ظن حازم بأنه نفد حينما رأه يتوجه للهبوط للأسفل بصحبة يحيى الذي يمنحه نظرة محذرة من إعادة ما فعله، فتوقف قلبه حينما عاد خطوتين للخلف حتى بات قبالتهما بالتحديد، ونصبت عينيه تجاه عدي متلفظًا بدقةٍ كلمته:
_دلعه!
إشارة صادمة للجميع وسعيدة لملامح الوحش الذي هز رأسه في حبورٍ:
_عنيا يا باشا!
استكمل طريقه للأسفل بينما استكمل عدي ما يفعله، فسدد له لكمة أحاطت بعينه وهو يصيح بانفعالٍ:
_مش هسيبك الا لما تعقل، البرود اللي حاولت إتمسك بيه من نحيتك طول السنين دي نزعته بإيدك.
تأوه بألمٍ وردد ببسمة مصطنعة:
_نركبلك لوح تلج جديد يا باشا ولا يهمك.
واتجهت نظراته لابناء عمه مستنجدًا:
_إلحقني يا معتز.
عاد بجسده للأريكة، يتابع ما يحدث له دون مبالاة، فاتجهت نظراته لآخر منهم:
_جاسم متبقاش واطي زي أخويا.
رفع شفتيه بازدراء:
_ تستاهل كل اللي يجرالك عشان بعد كده تستخدم عقلك اللي مالوش وجود في حياتك ده!
تعالت ضحكات الفتيات، وبدأت حفلة مشاكستهن، فقالت شروق:
_والله صعبت عليا يا حازم وشكلي هتوسطلك عند عدي.
اعترضت مروج برفضٍ قاطع:
_لأ يستاهل اللي جراله أنا اترعبت وقولت القيامة قامت!
ضحكت نسرين وهي تشير بشماتةٍ:
_والله حظك من السما النهاردة أنكل ياسين بنفسه اللي مشدد بعقوبتك يعني مالكش منفذ!
حاول تحرير ذاته من قبضة عدي، وصاح بها بتريثٍ:
_أنتي فرحانه فيا بقى ده أخرتها!
ابتسمت رانيا وتدخلت بقولها:
_خلاص يا عدي سماح المرادي.
أضافت مليكة بجوعٍ:
_سيبك منه يا عدي وخلينا نلحق السحور قبل ما الفجر يأذن.
ابتسامة ماكرة لاحت على شفتيه، فقربه إليه ليستمع لعقابه:
_هما عندهم حق، بس عقابك بقى ممنوع أشوفك على السحور لمدة أربع أيام، عشان لما تقدر نعمته تحترم كل ما يخصه!
برق بعينيه بصدمةٍ، وكأنه يخبره بأنه سيحرم من الطعام مدى الحياة، فردد بدهشةٍ:
_أنت بتهرج، إزاي يعني متسحرش وأشربلي ازازة ميه ده أنا أروح فيكم في داهية!
بحزمٍ أجابه:
_اللي عندي قولته!
وحل وثاقه مشيرًا للجميع بالهبوط للأسفل، واتبعهم وهو يشير باصبعيه على عينيه مردفًا:
_لو لمحتك تحت هعلقك في نفس الفانوس اللي قطم ظهرك في تعليقه!
بلل شفتيه بلعابه بقلقٍ من ذاك التهديد، فحاول اللجوء لأخر طريقة لاستمالته:
_يعني هيهون عليكم تسيبوا أخوكم جعان!
استند ياسين على درابزين الدرج، وأشار له ببسمة واسعة وهو يضع بين يده بوادر عملته المخزية:
_معاك مغرفة وحلة يمكن ينفعوك زي ما ساعدوك بالازعاج الراقي اللي حصل من شوية.
وتركه الجميع وهبطوا للأسفل، بينما توجه أحمد لجناحه الخاص وعلامات الصدمة تحتل وجهه مما دفع جاسم ليتبعه بقلقٍ من الحالة التي سيطرت عليه فجأة دون سابق إنذار!
*******
وقف بجناحه الخاص وبالتحديد قبالة فراشه، يلقي نظرة منصدمة لتلك التي تنعم بنومٍ دافئ، لا تشعر بالمدفع الذي وصل صداه ليوقظ جيرانهم على بعدٍ كبيرٍ، ومازالت تغفو بأريحيةٍ تامة، أصعب من مهمته كل رمضانٍ بحملها هي لحظة إفاقتها للسحور، طوف أحمد جبهته بيده يفركه برفقٍ، ومازال يحاول التفكير بسياسيته التي سيتبعها بتلك اللحظة لايقاظها، فقطع صمته الرزين صوت جاسم المتساءل بريبةٍ:
_أحمد أنت كويس؟
منحه نظرة هادئة عكس توتر حركة جسده مما دفع الأخير ليتساءل:
_أمورك تمام ولا أيه؟!
منحه ابتسامة خبيثة قبل أن يتجه للخزانة، فجذب منها تيشرت ، وأشار له:
_صحي آسيل عما أغير هدومي.
ضم حاجبيه وأخبره بذهولٍ:
_هي ازاي مصحتش بعد المهرجان اللي حازم المسحراتي عمله!
ابتسامة ساخرة ارتسمت على محياه، فهز الأخير رأسه بحيرةٍ ومازالت الدهشة تعرج لقسماتٍ وجهه، فانحنى تجاه الفراش بقامته في محاولةٍ لايقاظها، لا يعلم كم مرةٍ ناداها بالتحديدٍ، ولكنه تخطى تلك المرحلةٍ ليلكزها بعنفٍ وهو يصيح بها:
_أنتي شاربة منوم! آسيـــــــــــــل!
صراخه الشبيه للازعاج الذي تسبب به حازم منذ قليلٍ لم يجدي نفعًا بتاتًا، ومع فشله للمرة الثانية جذبها بكل قوته إليه وهو يرطم وجنتها بغيظٍ:
_قومي يا بنتي الفجر خلاص هيأذن؟
فُتح باب الحمام وخرج منه أحمد يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة يحملها بين يده، فأبعدها وهو يراقبه بسخطٍ، كان يحمل علامة مؤكدة بفشله الذريع بإيقاظها، ومع ذلك أحسن الظن، فمنحه نظرة عابسة ليبادله الاخير بوجومٍ قاتم اتبعه بتعليماتٍ طرحها إليه:
_اتصل بالدكتور يا أحمد، أنا ابتديت أقلق عليها.
انحنى للسراحة جاذبًا مشطه الخاص، وأخذ يصفف شعره بعنايةٍ قائلًا بفتورٍ:
_متقلقش أختك اللي نومها شبه الأموات.
وزع نظراته بينه وبينها بتعجبٍ، ختمه بقوله المستنكر لتلك الحقيقة:
_بجد!! بس آسيل مكنش نومها تقيل!
هز رأسه بخفةٍ، وأجابه باستهزاءٍ:
_طول عمرها كده بس بعد الجواز والخلفة زادت.
ضم شفتيه معًا بحيرةٍ:
_طب دي هنصحيها إزاي.
ابتسم وهو يجيبه بثقةٍ:
_لا متقلقش أنا اتعودت وبعرف أتعامل!
راقبه جاسم باهتمامٍ، فوجده يحملها عنوة بين ذراعيه، ثم إتجه بها للحمام المقابل إليه، ليساندها إليه لحينما يحرر الصنوبر، ومازالت غافلة على صدره بالرغم من حركة جسدها الغير مريحة للنوم بالمرةٍ، مرر أحمد يده بالمياه على وجهها مرارًا حتى بدأت تستجيب إليه قليلًا، فرددت بتيهةٍ وكأنها كانت فاقدة للوعي:
_بتصحيني ليه يا أحمد، عايزة أنام!
رفع بصره لمن اقترب ليراقب ملامحها بعدم تصديق، ليخبره ببسمة صغيرة:
_لسه مفاقتش.
وعاد ليجذب المياه لوجهها مجددًا حتى فتحت عينيها، فطوفت كتفيه بذراعيها وقابلته ببسمةٍ مهلكة لجوارحه، وصوتها الخافت يردد برقةٍ:
_صباح الخير يا حبيبي.
_حمدلله على السلامة ياختي، ده لو ميت كان زمانه حس بينا!
جحظت عينيها بفزعٍ، واستدارت بوجهها للصوت المجاور لها، فابتعدت عن أحمد بارتباكٍ حينما وجدت أخيها يقف قبالتها ويمنحها نظرات يشع بها الضيق، فتحرر لسانها الثقيل مرددًا:
_جاسم أنت هنا من أمته؟
لوى فمه بتهكمٍ:
_من بدري وشوية والفجر هيأذن وهدعي عليكي طول النهار وأنا صايم ودعوتي مش هتترد بإذن الله.
تطلعت لاحمد بعدم فهم لما يقول، فأشار لها مرددًا:
_البسي الاسدال عشان ننزل معتش وقت.
أومأت برأسها وتركتهما وولجت للخزانة ترتدي اسدالها، فمال جاسم على أحمد المستند على حافة الاريكة بإنتظارها، فحك مقدمة أنفه بتوترٍ وهو يجاهد لخروج كلماته:
_بقولك يا أحمد.
تركزت نظراته المهتمة إليه، فتابع الأخير حديثه بشفقة حملها لابن عمه الملاك من وجهة نظره:
_ما تطلقها وإخلص من الذنب ده!
*******
هم عمر بحمل الأطباق من والدته، ووضعها على الطاولةٍ، فقام ياسين بتوزيع سلطة الزبادي بالخيار على الأطفال، مرددًا ببسمة واسعة:
_متنسوش الزبادي بالخيار مبيعطش!
أجابه مازن ساخرًا:
_متضحكش على الأولاد، كده كده هيعطشوا.
رد عليه عز وهو يغمسُ لقمته بالعسل الصافي:
_الشعور بالعطش والجوع جزء من أساسي من ثواب الصيام يا مازن.
تساءلت مريم بحيرةٍ وهى تستكمل تناول طعامها:
_بابي هو مش ربنا حنين علينا وبيحبنا، طب ليه بيعذبنا طول اليوم من الجوع والعطش؟!
انتقلت النظرات لرائد الذي ترك مقعده وإتجه لأخر الطاولة الضخمة حيث يجلس الصغار، فجذب المقعد المجاور لها ثم مسد على ظهرها بحنانٍ اتبع نبرته الهادئة:
_ربنا سبحانه وتعالى عادل ورحيم يا مريم، الصيام سببه إننا نحس بالناس الغلابة اللي مش لاقية تأكل ولا تشرب، الصيام درس لصحاب القلوب الجاحدة لو في وقت شافوا بعنيهم حد محتاج يمكن الجوع والعطش اللي جربه بصيام يوم واحد بس يخليه يحس بجوع الانسان اللي قدامه.
انتقل عمر بمقعده جالسًا جوار ياسين ورحمة مسترسلًا حينما وجد الصغار تتابع حديث رائد باهتمامٍ، وكأنه يحمل الجواب على أسئلة لا حصر لها داخلهم، فقال:
_ربنا عز وجل لما أمرنا بالصيام كان للسبب اللي قاله رائد إننا نحس بغيرنا، وكمان الصيام في حد ذاته مش امتناعنا عن الأكل والشرب بس.
قوس خالد عينيه وتساءل بعدم فهم:
_أمال عن أيه؟!
رد عليه بابتسامةٍ بشوشة:
_غض البصر وعدم ارتكاب أي معصية، ربنا عز وجل منحنا الشهر ده عشان نحاول نفوق ونبعد عن معصيته، يعني الانسان العاصي اللي مكنش بيصلي مش هيهون عليه صيامه يضيع بسبب اهداره للصلاة أو مثلًا صيامه يضيع بسبب شتيامه أو أفعاله اللي مش كويسة بصفة عامة، يمكن رمضان يكون بداية توبته بعد ما يحط الصيام وأجر اليوم في حساباته، فيطلع من الشهر المبارك ده شخص تاني!
أضاف عدي موضحًا نقطة هامة قد يختلط على الصغار فهمها:
_بس ده ميمنعش إن العبادة المثالية تكون برمضان بس، عبادة ربنا طول أيام السنة واجب ولابد منه، بس زي ما عمر قال في أشخاص بيكون رمضان بداية لتوبته وفي أشخاص ربنا نزع عنهم رحمته لا فارق معاه رمضان ولا أي شيء يساعده بالرجوع عن المعصية.
ارتسمت ضحكة مماثلة ارتسمت على جميع الوجوه المحاطة للحديث المتبادل بين الشباب والاطفال، فانتقلت عينيه تلقائيًا لها، تلك التي كان لها الفضل بعد الله عز وجل لزرع تلك القيم بنفوس أولاده وحتمًا ستوارث لاحفاده مثلما يرى برمة عينيه، رفعت آية عينيه إليه باستغراب من بسمته الهائمة بها، منحته ابتسامة خافتة وهي تناوله كوبًا من المياه كما ظنته يحتاج، فتعمد ملامسة يدها المحاطة للكوب برفقٍ، تلك اللمسة التي تعمد بها أن يمسد على أصابعها أشعرتها وكأنه يضمها لأحضانه، يقربها من قلبه المتملك، نظرة..همسة..لمسة يدها.. القليل منه يكفي، اهتمامه القابع بمقلتيه حتى وإن عجز لسانه عن شرحه لها.
مازال الحياء يورد وجهها كسابق عهدها، من قال أن الشيب يفني جمال المرأة، من يعشق يرى جمال الكون برمته بعين زوجته، حتى لو لم تمتلك جمال عارضات الأزياء والممثلات اللاتي يبذلن مجهودًا وثروة لتبدو صغيرات سننًا، الجمال الحقيقي يكمن بامتلاك قلبًا وروحًا ستدوم معك للأبد، حتى وإن ذبل الجسد والوجه ستظل هي رفيقتك إلى أن يفرق الموت بينكما!، لم يستاء ياسين يومًا من عدم اهتمامها بفعل المحال ببشرتها لتعود صغيرة بالسن حتى وإن حرص هو على ممارسة الرياضة وإتباع الأكل الصحي الذي يحافظ على جسده وصحته فيبدو أصغر من عمره الافتراضي، يجدها رقيقة، سيدة نساء كونه، زوجته ومعشوقته للرمق الآخير!
سحبت يدها منه على استحياءٍ، فتقبل حرجها قبالة عائلته، لذا لم يخفض كوبه الا وأرتوى منه، فكيف لا يفعلها وهي من قدمته لها بذاتها، إنضم أحمد وآسيل وجاسم لهم، فابتسمت نور مرددة بمرحٍ:
_دايمًا كده يا آسيل بتكوني أخر الناس على السحور وأولهم على الفطار!
جلست على المقعد تفتح عين وتغلق الأخرى، فدفع معتز طبق الجبن والشطائر قبالتها برفقٍ، قائلًا بمزحٍ:
_خدي لحسن تقضي سحورك كله مخلل بتوهانك ده.
تعالت الضحكات بينهم فحملت شذا بعض الطعام إليها، وربتت على خصرها مردفة بحنانٍ:
_صباحك فل يا حبيبتي.
منحتها ابتسامة هادئة وتناولت طعامها ونظرات أحمد تحيط بها، جذب عدي طبقًا فارغًا فسكب به الجبن وسلطة الخضار، وغيره من الطعام ثم قدمه لنسرين هامسًا لها بحرصٍ من عدم سماع أحدٌ له:
_اطلعي لحازم خليه يتسحر قبل الآذان.
وضعت كوب العصير عن يدها وتناولت منه الطبق بابتسامة هادئة، من يمتلك قلبًا رقيقًا متغلفًا بملامح صارمة وأوامر لا تحتد نقاشًا سواه، أومأت برأسها وإتجهت للمصعد، بينما مال ياسين إليه ليخبره بخبثٍ:
_مش محتاج توطي صوتك احنا عارفين إن قلبك رهيف يا وحش!
منحه نظرة مغتاظة فكبت ضحكاته وهو يشير له بكوب العصير:
_اشرب العصر قبل ما الفجر يأذن!
********
بالأعلى.
ولجت لجناحها تبحث عنه لتقدم له الطعام قبل آذان الفجر، فصعقت حينما وجدته يجلس قبالة البراد الصغير لغرفة نومهما، واضعًا من أمامه أطباق الفاكهة والتسالي وغيرها من العصائر، ورأسه مغموس بثمرة البطيخ، يلتهمها بطريقة مقززة جعلتها تشعر بالتقيء، والادهى تردديه الساخر:
_فاكرني هتأثر يعني بالعقاب ده، ولا بيهمني!
وعاد ليدفن رأسه بين لحم البطيخ، ينهشها كالذئب المنقض على فريسته، وهو يسترسل حديثه الساخر مع ذاته:
_لأ وياسين الجارحي بيتفق مع ابنه وبيقوله دلعه، وماله مأنا بدلع نفسي أهو مش محتاج توصية!!
تمكنت أخيرًا من استرداد صوتها المنسحب عنها بصدمةٍ، فصاحت بغضبٍ:
_كان حقه يأمر بقطع رقبتك عشان إنت انسان عديم الاحساس!
استدار برأسه الخلف بعدما اِلتقطت آذنيه هذا الصوت المألوف، فوجدها تضع طبقًا تحمله على الطاولةٍ، وتدنو منه بغضبٍ يقتاد بحدقتيها، مشيرة بيدها على ما حوله:
_أيه اللي أنت عامله في الأوضة ده، أنت مصاص دماء صح؟
رد عليها بحيرةٍ:
_يمكن، لما بجوع بقلب بعد عنك.
وأشار برأسه تجاه الطاولة متسائلًا بفضولٍ:
_معاكِ أيه وريني!
كانت الأسرع الطبق منه، فحملته وهي تصيح به:
_مش هتأخده الا لما تنضف الفوضى اللي عملتها دي يا حازم، وده أخر كلام!
حك رأسه بتفكيرٍ، فوجد بأن طاعتها أمرًا مثاليًا، لذا جمع الأغراض وأعادها للبراد مجددًا، ومازالت تراقبه بدهشةٍ، ينصاع لأمره ليتناول ما بالطبق بالرغم ما تناوله من كمياتٍ تكفيه لصيام رمضان بأكمله، ومع ذلك مازال يعيد تنظيف المكان وهو يلوك أحد قطع الشوكولا الباهظة، وفجأة تصلبت عروقه وفتح فمه بما يحمله حينما صدح صوت الآذان، فألقى ورقة الشوكولا من يده وكأن أحدًا سيكمشه يحملها فيظنه كسر صيامه، وأشار لها بريبة:
_أبلع ولا أجري على الحمام!
كبتت ضحكاتها على مظهره الطفولي، ومع ذلك تماسكت بقولها الجادي شفقة لما أصابه:
_إبلع عادي يا حازم ربنا مبسطهالنا!
ابتلع ما بجوفه واتجه لحمام الجناح مرددًا بضيقٍ:
_مش عارفة تيجي بدري شوية! يلا أروح أتوضى عشان ألحق صلاة الفجر!
ما أن ولج للداخل حتى انفجرت ضاحكة على كلماته التي لا تليق بعد حفلته الفارهة بالطعام!
******
بالأسفل.
خرج الشباب لأداء الصلاة بالمسجد، بينما قامت داليا وشروق والفتيات بتنظيف الطاولة، فتسللت رحمة الصغيرة بيد آية ووالدتها للخارج من خلفهما، فأشارت آية لزوجة ابنها قائلة:
_يلا ناديله.
مالت إليها تهمس باستنكارٍ:
_مش اتفاقنا إن حضرتك اللي هتقوليله يا ماما.
برقت آية بعينيها بدهشةٍ مخادعةٍ:
_حصل أمته ده!
وزعت رحمة الصغيرة نظراتها الحائرة بين والدتها وجدتها بضجرٍ من نقاشهما الذي ما أن سينتهي سيكون أبيها وجدها خارج القصر، فنادته نيابة عنهما:
_بابــي!
تحولت نظراتهما إليها ومن ثم إلى عدى الذي استدار ليجدهما يتبعانه للحديقة، فاستأذن من الشباب وعاد يتساءل بريبةٍ:
_واقفين كده ليه يا ماما؟
أشارت بيدها ببسمة واسعة:
_رحمة عايزاك.
جحظت الأخيرة عينيها بصدمة من تخليها السريع عنها، فزوى حاجبيه وهو يوزع نظراته بينهما باستمتاعٍ، لينهى تلك الحرب الباردة بينهما:
_في أيه؟
تنحنحت الصغيرة لتجيبه:
_عايزين نروح معاكم المسجد يا بابي.
أخفض نظراته لتلك لصغيرته الفاتنة، التي لا تحمل منه سوى عسليته، ملامح وجهها بأكملها تشبه تلك التي تسكن قلبه بتمكنٍ، فمرر يده يخفي تلك الخصلة المتمردة من أسفل حجاب اسدالها المحاط بورودٍ كالتاج الذي يزينه، طابعًا قبلة على خدها وهو يردف بحنانٍ :
_هاخدك معايا وهستناكي تحت قدام مصلى السيدات.
وحملها وانطلق للأسفل بعدما أطلق كلماته الخبيثة التي جعلت زوجته تصيح بضيقٍ:
_قالتلك نروح يعني الطلب جماعي يا سيادة المقدم!!
استدار تجاههما مجددًا ليمنحهما نظرة ثابتة لا تحيل عنهما، وصرح:
_مش الباشا الكبير مصرح إن الصلاة ليكم تكون بالبيت وده الأصح!
تمردت آية على صمتها تلك المرةٍ حينما قالت:
_عارفين طبعًا الكلام ده، بس أنا ورحمة حابين نخرج نشم هوا نضيف، وأنت عارف الجو بعد الفجر بيكون نقي وبالأخص في رمضان تحسه ريحته مسك كده.
ابتسم وهو يتابع حديثها، فترك صغيرته عن يده وأشار لها بالذهاب لعمر الذي يشير لها خارج البوابة الخارجية للقصر، بينما دنا هو منها ليسألها بخبثٍ:
_ماما إنتِ عايزاني أواجه ياسين الجارحي بحرب تانيه؟
أفلتت بسمة خافتة على شفتيها وهي تشير له بتأكيدٍ، وكأنها تستغيث لوالدها بالدفاع عنها أمام أستاذها البغيض، تعالت ضحكات عدي وردد بمكرٍ:
_وأنا اللي كنت فاكرك سعيدة بحالة السلام اللي بينا!
وضم يده لصدره وهو يشير لها:
_بينا نواجهه مع بعض وربنا يستر!
تعلقت آية بذراعه واتبعتهما رحمة بسعادةٍ، لتوقفها نور التي تعلقت برقبتها تعاتبها بسخطٍ:
_كنتوا هتمشوا من غيري!!
ردت عليها باستهزاءٍ:
_شايفانا أخدنا الأذن، واحد وافق لسه التاني.
تساءلت وهي تخطو جوارها بمحاذاةٍ:
_مين وافق ومين لسه؟
ابتسمت وهي تخبرها بالمتبقى:
_ياسين الجارحي.
صمت شفتيها معًا وهي تردد بيأس:
_يبقى الموضوع كبير!
*******
تفاجئ ياسين بخروج زوجته برفقة عدي للخارج، فتساءل وهو يوزع نظراته المشككة بينهما:
_خير؟
منحه عدي نظرة مطولة، ثم ضمها إليه واستدار بها بعيدًا عن ياسين الذي يحاول استكشاف ما يود ابنه الشرس فعله تلك المرةٍ بعد محاولاته المستميتة لترويضه، انحنى عدي لطول والدته القصير عن قامته الطويلة، ليخبرها بعقلانيةٍ جعلتها لا تصدق ببداية الأمر:
_بصي يا حبيبتي أنا كده كده معاكِ وفي دهرك وحضرتك عارفاني مبيهمنيش حد، بس أعتقد إنك لو اتكلمتي معاه أنتِ مستحيل يرفضلك طلب، أنا لو عملت كده هيفكرني رجعت أتحداه من تاني!
رفعت أحد حاجبيها بذهولٍ:
_تفتكر؟
أومأ برأسه مؤكدًا، فمنحته ابتسامة هادئة ثم استدارت تجاه ياسين الذي يتابعهما واضعًا يده بجيب سرواله القماشي وعينيه لا تفارقهما، فما أن اقتربا منه حتى صاح بوجومٍ:
_بتخططي لأيه أنتِ وابنك المرادي!
رفعت كتفيها ببراءةٍ مصطنعة، فتسلطت عسليته لشبله طارحًا السؤال القادم إليه:
_كلتا آذني صاغية.. اتفضل!
ابتسم وهو يشير لزوجته:
_ده موضوع خاص بيكم أنا ماليش أتدخل بيه، يلا يا حبيبتي هيقيموا الصلاة.
أسرعت رحمة ونور خلفه ومازال ياسين يقف محله يراقبه بغموضٍ، انتقل لزوجته التي ما أن تأكدت من رحيله حتى حررت ضحكاتها التي سيطرت عليها بتحكمٍ، فابتسم ياسين وهو يراقبها بنظراته العميقة بعدما تسلل إليه مفهوم ما حدث بينهما، فقال بصوته الرخيم:
_أقنعتيني إنك جاية معايا المسجد إنتي والبنات وعملتي حوار على ابنك، أفهم أيه أنا من لعب العيال ده؟
ضحكت حتى أدمعت عينيها، وأخبرته بدهشةٍ:
_كنت بحاول اقتنع ان عدي إتغير بس دلوقتي اقتنعت.
اقترب منها وأبعدها بذراعه عن الطريق لتخطو محله ويصبح هو خارج الطريق، فاتجهوا معًا للمسجد القريب من القصر وهو يشير لها:
_سامعك!
بدأت بقص ما حدث إليه وخاصة بحديث عدي العقلاني، فابتسم وفاه براحةٍ:
_ابتدى يفهم!
**********
ردد الإمام الآذان بصوته الخاشع ومن بين تردده نطق جملة تقشعر لها الأبدان من لذة معناها
«الصلاة خيرًا من النوم.. الصلاة خيرًا من النوم»
تلك اللذة التي تداعب قلوب من يهم فجرًا لقضاء فرض الله عز وجل، الا يكفيه بأنه في معية الله وحفظه طوال اليوم، رزق الله على العبد لا يعد بالثروة والمال، رزقه يكمن بصلاته، محبته تكمن باستيقاظك ليلًا حينما يرحل عنك النوم وتقرر بتلك اللحظة قضاء صلاة القيام أو الفجر، عز وجل أرادك أن تهم إليه تدعوه بما يضيق صدرك، يريد سماع صوتك، يريدك مهرولًا إليه وإن كنت تقدمت إليه شبرًا يقترب منك ذراعًا.
انتهت الصلاة وخرج الرجال من المسجد أولًا لإتاحة خروج غير محرج للنساء كما اعتادنا نحن العرب، أمر ياسين الشباب بالعودة للقصر ووقف جانبًا بإنتظار حفيدته وزوجته وبناته، فوجد عدي ينضم إليه بتلك الزواية البعيدة عن مخرج السيدات ويراقبه ببسمةٍ هادئة، فبادله ياسين نفس الابتسامة بعدما قرأ بعينيه ما يود قوله، فتحرر عن خبثه معلنًا عن كشفه:
_شكل تعليمي ليك طول الفترة اللي فاتت مرحش هدر!
ابتسم عدي وهو يشير لذاته بإطراءٍ وغرور:
_أنا طول عمري ذكي بس حضرتك مش مدي نفسك فرصة إكتشاف شخصيتي.
وانحنى ليهمس له ببعض الغيرة التي تعمد ابرازها عن عمد:
_التفاهم والحنان كله رايح لحفيدك.
ضحك بصوتٍ مسموع، وسأله بجدية رغم مرح الاجواء بينهما:
_بتغير من ياسين يا عدي!
التفت خلفه يتفحص انشغال صغيره برفقة عمر، وعاد ليجيبه:
_بغير طبعًا لما بشوفكم متفاهمين ومفيش مشاكل بينكم.
رفع أحد حاجبيه بذهولٍ:
_وأيه المشاكل اللي بيني وبينك؟
أجابه ببسمةٍ خببثة وقد وصل لمغزاه:
_بصراحة أنا بمهد لسفري.
تقوس جبينه بدهشةٍ:
_سفر أيه؟
رد عليه عدي بوضوحٍ:
_في مهمة مطلوبة مني أنا ورحيم ومراد، هسافر عشر أيام وأكيد بجمعتنا مستحيل تفشل، فلما أجي أتكرم المرادي من الادارة عايز حضرتك تكون موجود معايا وجنبي.
تأمله بنظرة طاف بها الحزن، هل كان يوده مشاركته تلك اللحظات من قبل! ، كيف غفل عن تلك الاحداث؟، لم يسبق له يومًا الاهتمام بحضور حفل تكريمه ولم يسبق له التفكير بهذا الاساس، كل ما يتذكره مشاركته الدائمة مع عمر بالمشفى وبأي مشروع خيري يقيمه لرغبته بالتقرب من الله عز وجل، رفع ياسين يده على كتفه يحثه ببسمة هادئة:
_المرادي هتلاقيني بهنيك وسط زمايلك وأنا فخور بيك، أوعدك بده!
ارتسمت بسمة حماس على وجهه، فاستطاع ياسين رؤية فرحة طفولية ترفرف داخل عينيه بالرغم من خشونة قوامه الرجولي، فعلقت كلمات آية بذهنه حينما أخبرته
« مهما كبر الأولاد واتحملوا من مسؤوليات بيحتاجوا لوجود الأب والأم جنبهم، يحمسه ويقوله براڤو أنا فخور بيك وباللي بتعمله، كلنا بالنهاية بنحتاج لكتف حنين!»
قطع شروده احتضان حفيدته له، فتراجع جسده الساهم خطوة للخلف، ثم عاد يحملها بين ذراعيه وهو يسألها باهتمامٍ:
_صليتي ولا لعبتي بالمسجد يا رحمة؟
أشارت برأسها تؤكد:
_صليت مع مامي وطنط نور.
ضمها لصدره بحنانٍ، ومن ثم مال بها لعدي الذي التقطتها واتبع خطى رحمة ونور للقصر، فحافظ على المسافة بينهما، بينما انضمت آية لياسين الذي مازال شاردًا بابنه الذي يبتعد عنه رويدًا رويدًا، فرددت بقلقٍ:
_سرحان في أيه يا ياسين؟
استقام بوقفته وهو يجيبها:
_أبدًا.
وأشار بيده:
_يلا نرجع القصر.
خطت جواره ببطءٍ شديدٍ جعله يستدير إليه بتعجبٍ، فأبطئ من خطاه أكثر من مرةٍ حتى يكون على محاذاة خطاها، وفجأة توقف عن المشي وهو يردف بتذمرٍ:
_آية إنتِ مش عايزة ترجعي البيت صح؟
لعقت شفتيها بإرتباكٍ، ومن ثم اعترفت إليه:
_بصراحة حابة أشوف الشروق، أنا مش بخرج كل يوم ومستحيل أفوت الفرصة دي يا باشا.
دنا منها وهو يراقب السماء ببعض الضجر، وعاد ليسلط عسليته إليها مردفًا بتفكيرٍ:
_وهنقعد فين لحد ما ده يحصل!
استطرد بعدم تصديق:
_الشارع!!!
هزت رأسها تؤكد له ببسمة واسعة، مشيرة على المقاعد المتطرفة على جانبي الطريق، فهز رأسه ضاحكًا:
_ما كفايا الامتيازات اللي حصلتي عليها، لسه عايزة تعملي فيا أيه تاني!!
ترجته بخبث الانثى المغرية التي تخفيها كل امرأة لوقت ضرورتها:
_عشان خاطري يا ياسين!
خطى لجوارها باستسلامٍ تامٍ حتى جلس على المقعد يراقبها وهي تراقب السماء بحماسٍ، وصوتها الخافت يهمس:
_سبحان الله!
تتابع السماء بانبهاءٍ بينما هو يراقبها، شاردة في ملكوت الله وعظمته وشاردًا هو في إبداعه في خلقها، لكلٍ منهما شروده وواديه الخاص، وبالنهاية يجمعهما مقعد واحد بشوارع المنطقة الراقية القابعة بها قصر آل الجارحي!
******
ولج أحمد لجناحه، فخلع عنه سترته ووضعها على مشجبه الخاص، ثم إتجه لغرفته فبرق بعينيه بدهشةٍ حينما وجدها تجلس على الأريكةٍ وبيدها مصحفها الشريف، فما أن شعرت به حتى صدقت ورددت ببسمة مشرقة:
_أنت رجعت يا حبيبي؟
زم شفتيه باستهزاءٍ:
_فوقتي من الغيبوبة الحمد لله.
تجعد جبينها في محاولةٍ لفهم مقصده، فقالت:
_آه فوقت من النوم عشان الورد القرآني بتاعي، أنا بحب أصحى طول اليوم في رمضان وأعمل كل شيء بالنهار لاني بليل بسافر دنيا تانية.
جلس على طرف الفراش ونظراته المغتاظة مازالت تحيطها، فهمس بوجومٍ:
_صيام من كله!
وتابع بغيظٍ:
_هونها ال٣٠يوم دول يا رب!
نهضت عن الاريكة واقتربت منه وهي تتساءل:
_بتقول حاجة يا أحمد؟
منحها بسمة مصطنعة يرسمها بالكد، وزحف بجسده ليصل لمقدمة الفراش متمتمًا:
_ولا حاجة.
اتجهت إليه، فرفعت عنه الغطاء باستغرابٍ:
_هتعمل أيه؟
أجابها ببسمة ساخطة:
_هتقتل زيك في عندك مانع!
انكمشت تعابيرها غضبًا لطريقته الغريبة بالحديث، فأشرأب بعنقه لها وهو يعيد رسم تلك البسمة السمجة:
_متستنزفيش روح الملاك اللي جوايا،لسه طريقنا طويل مع بعض لنهاية الشهر، روحي كملي با حبيبتي أنا هريح شوية!
أدلت شفتيها بتعجبٍ من حديثه الغير مفهوم لها بالمرةٍ واتجهت للاريكة مجددًا ومازالت نظراتها تحيطه بدهشةٍ
*****
بجناح ياسين.
وجدها تغفو بسكينةٍ لجوار ابنته الرضيعة، اقترب منها ياسين وحمل عنها الصغيرة ثم أعادها للسرير الصغير الموضوع بجانب الغرفة، هامسًا بحنوٍ وهو يفرد الغطاء عليها:
_تصبحي على خير يا ملاكي!
وإتجه للفراش فجلس باستقامةٍ ثم جذب مصحفه الشريف بتابع قراءة ورده اليومي لدقائقٍ متتالية، مستغلًا ذاك الهدوء الطابق على الجناح، ولم يدوم طويلًا حينما انتفضت مليكة بنومتها وعينيها لا تحيل عنه بغضبٍ قاتل، لدرجة أرعبته فسألها:
_ في أيه؟
أشارت للقرآن الكريم بحزنٍ:
_إنت بتخون الاتفاق اللي بينا يا ياسين، عايز تسبقني!
تهدلت معالمه باسترخاءٍ، ومنحها بسمة خافتة:
_وماله يا حبيبتي ما أنا هنزل المقر كمان ساعتين وهسيبك تقري أكيد هتسبقيني بردو!
كشرت عن أنيابها وسحبت منه المصحف واضعة إياه على الكومود، ثم هرعت أمام نظراته للحمام وخرجت بعد أن أتمت وضوئها لترتدي اسدالها سريعًا وتعود للفراس مشيرة له:
_خليك مكانك هقرأ اللي سبقتني فيه ونكمل مع بعض.
وجذبت الغطاء على قدميها وهي تخبره بحماسٍ:
_لازم نختم القرآن المرادي أكتر من عدد الشهر اللي فات.
منحها نظرة هادئة وهو يتابع احكام يدها على المصحف الخاص به، فقال:
_على أساس أني مش حافظ القرآن.
اعتدلت إليه بجلستها مرددة بحزن واستياء:
_ماشي يا ياسين، إنت معندكش اتفاق عادل.
ابتسم وهو يخبرها بعتابٍ:
_رمضان اللي فات ختمتي مرتين أكتر مني ومكنش في منافسة شريفة ولا نسيتي.
ردت عليه تبرر فعلتها:
_أنا أسبقك أنت لأ، يهون عليك ازاي تأخد حسنات أكتر مني!
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ من حديثها، فلمعت عينيها بدمعٍ استحضرته بكل طاقتها:
_مش هتكون ثقتي فيك يا ياسين صح؟
تعالت ضحكاته بعدم تصديق لما يحدث، فجذب الوسادة وتمدد جوارها مشيرًا لها بحبٍ وهو يغلق عينيه:
_اقري بصوت عالي، بحب أسمع صوتك في التلاوة.
أومأت له بحماسٍ، وبدأت ترتل القرآن بصوتها العذب والأخر يستمع لها باستمتاعٍ حتى غفاه النوم على صوتها المحبب إليه.
******
بغرفة عمر.
جابت الغرفة ذهابًا وإيابًا في محاولةٍ بائسة ليغفو صغيرها، وحينما فشلت بذلك، وضعته بالفراش الصغير مرددة بتعبٍ:
_يا أخي حرام عليك بحاول أخليك تنام شوية أنا اللي نمت منك!
واتجهت نظراتها تجاه عمر الذي يغفو بعمقٍ وكأن ما يحدث حوله بمنزلٍ أخر غير الذي يسكنه، خطر لها فكرة خبيثة، فتسللت بين ذراعيه حتى أصبحت باحضانه، منحها ابتسامة ومازالت عينيه مغلقة، فطوفها إليه ومال برأسه إليها، همست إليه بنبرتها الماكرة:
_عمر أنا بأحبك أوي.
مسد بيده بحنانٍ على كتفيها:
_وأنا كمان يا قلب عمر بعشقك!
بخبثٍ قالت:
_اثبتلي كلامك.
فتح نصف عين وهو يحاول التطلع إليها محاربًا نومه المغري:
_أثبتلك ازاي إحنا في رمضان!!
وعاد ليضمها إليه وردد وعينيه تنغلق مجددا:
_بعد الفطار عنيا.
لكمته بيدها على صدره صارخة بغضبٍ:
_أنت مش محترم، أنا أقصد شيء تاني.
فتح عينيه بانزعاجٍ لحق نبرته المتريثة:
_عايزة أيه يا نور اخلصي!
تسللت من جواره مجددًا، حاملة الصغير إليه، وغمزت بمشاغبةٍ وهي تعود لتتمدد على الفراش بإريحيةٍ:
_اسهر مع ابنك يا دوك!
وزع نظراته المنصدمة إليها تارة والى ذاك الذي يلهو بيديه ويبدو أنه على استعدادًا للجلوس للصباح تارة أخرى، فجذب عنها الغطاء فوجدها تغط بنومٍ عميق، زفر بعصبيةٍ لحقت صوته المحتقن:
_نور متهزريش!
******
توسطت الشمس كبد السماء لتنسدل خيوطها بخفة على الأرجاء لتلامس ذاك المقعد الذي يضمهما، مازالت تراقب السماء بانبهارٍ وعينيه لم تغفو عنها ولو لحظةٍ، فكسر صوتها ابمتحمس جلستهما الصامتة حينما قالت:
_ شايف الجمال ده يا ياسين؟
_مفيش أجمل منك!
استدارت تجاهه فأحاطتها نظراته، ابتلعت ريقها بارتباكٍ وخاصة حينما قال:
_دخولك لحياتي زي نور الشمس الصافي لما بيقطع ظلام الليل، وبالرغم من سكونه الإ إنه بيحتاج للحظة اللي بيعانق فيها نور قرص الشمس في سماه، أنتِ كُلي ومن غيرك مبقاش، أنا عمري كله ابتدى بنظرة من عينيكِ!
تلألأ الدمع بعينيها، كانت عاجزة حتى عن الحديث لا تعلم ماذا يتوجب عليها قوله، رفع أصابعه يزيح عنها دمعة فرحها بحديثه وتابع قائلًا:
_كل يوم بعيشه معاكِ بيضفلي عمر جديد يا آية!
منحته ابتسامة وليس لديها ما تمنحه سواها، فابتسم وهو ينهض عن المقعد مشيرًا لساعته:
_لازم نرجع!
أومأت برأسها وعادت معه للقصر، صعدوا لجناحهما الخاص وبعد ساعات قليلة اضطر ياسين الهبوط للمقر، فاستعد حينما ارتدى بذلة من اللون البني الداكن، وخرج متوجهًا للمصعد، فتفاجئ بملك تناديه باستياء برز بنبرة صوتها:
_ياسين.
استدار إليها فوجدها تدنو منه وعينيها تحمل أثر الدموع، مما دفع الاخير ليتساءل باهتمامٍ:
_في أيه يا ملك؟
رفعت يدها تزيح دموعها، واندفعت بالحديث إليه:
_طول عمرك بتعاملني زي يارا، والنهاردة أنت لازم تأخدلي حقي!
ضيق عينيه بدهشةٍ من حديثها، ومازال يجاهد لاستكشاف المغزى، فقالت ببكاءٍ:
_يحيى من امبارح وهو بيطردني برة الجناح ومش همه حد، يا تتدخل وتشوفه بيعمل كده معايا ليه يا هروح لابني وأصغر نفسنا قدامه واللي يحصل بحصل بقى.
رمش بعينيه بعدم استيعاب، فاتفلتت منه ابتسامة صغيرة جعلتها تردد بضيقٍ:
_بتتريق عليا يا ياسين!
حك أنفه وهو يستعيد ثباته القاتل:
_لا طبعًا بس مستغرب عمركم ما دخلتم حد في مشكلكم عشان تعملوها بعد العمر ده.
واسترسل بسخرية:
_أو يمكن لإن تركيزنا كان على مشاكل الشباب!!
فتحت باب جناحها وهي تشير إليه بغضب لم تستطيع السيطرة عليه:
_ابن عمك جوه ادخل اتكلم معاه والا والله العظيم هلم هدومي وأسيبله الجناح كله.
منع تلك البسمة بصعوبة، وسألها برزانةٍ:
_هتروحي فين يا ملك؟
عبست بعينيها وهي تفكر في ضالتها، فهزت كتفيها بحيرة:
_أي مكان جوه القصر يعني هروح فين!
هز رأسه وأسنانه تبتلع شفتيه الباسمة بسخرية على ما يحدث أمامه، فعادت لتشير إليه:
_ادخله.. أنا نازلة!
وتركته وهبطت للأسفل، فمنع تلك البسمة عن شفتيه واستعاد هيبته وهو يتجه للداخل، قاصدًا المقعد المقابل لفراش يحيى الذي تقلب بفراشه بانزعاجٍ حينما ضغط ياسين على الزر الإلكتروني فارتفع الستار عن شرفة غرفته الزجاجية، فصاح يحيى بضيق:
_يووه يا ملك قولتلك اطفي النور وإنزلي تحت!!
وحينما لم يجد منها أي رد فعل فتح عينيه ليتفاجئ بمن يجلس أمامه مرددًا ببسمة ماكرة:
_صباحك شكاوي!
......... يتبع.........
#ختامية_آل_الجارحــــــــــي... #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
******__________*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي..
#الخاتمة_الثالثة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "بسملة محمد"،"إبتسام فهمي"،"أسماء يونس"،نشوى جمال"،تقى الدين"،"عبير رزق"،"رباب مصطفى" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
_ياسين الجارحي بنفسه جوه جناحي ده أكيد تأثير الصيام!
كلمات لفظ بها يحيى بعدم تصديق، فاعتدل بنومته يفرك عينيه وهو يردد بعدم تصديق:
_أنت خرجت من الحلم للواقع!
أخفض ساقه عن الأخرى ببطءٍ شديد، ثم نهض عن مقعده ليتجه إليه بخطواتٍ ثابتة تناهز ثبات نظراته التي تحيط بها، انحنى ياسين تجاهه والأخير يراقبه بصدمة وعدم استيعاب، وخاصة حينما قال:
_بعد العمر ده كله جايلي شكوة منك!
جحظت عينيه صدمة إتبعت دهشة سؤاله:
_مني أنا!
زوى حاجبيه بضيقٍ جعل يحيى يشير له بقلقٍ:
_النظرة دي مش ليا يا ياسين إحنا كبرنا على الكلام ده، ده أحنا بقى عندنا أحفاد يا راجل!
صوته الثاقب تردد دون مبالاة بحديثه:
_يحيى!
تنحنح بجدية اتبعت سؤاله المستنكر:
_مين اللي شكاني ومستعجل على أضحية العيد!
رد عليه وعسليته لم تحيل عنه:
_ملك بتشتكيلي من معاملتك ليها.
تطلع له قليلًا يحاول استكشاف نبرته وما يتوارى خلفها، وعاد بنظراته للجناح باحثًا عنها وحينما لم يجدها همس لياسين بخفوتٍ:
_أنا فعلًا اليومين دول بطردها كتير بره الجناح بس ده مش تغير في المعاملة ده لعدم اهدار معاناتي!
عاد يزوي حاجبيه من جديدٍ، فأشار له يحيى بالاقتراب حتى لا يستمع لحديثه أحدًا، فاحنى ياسين قامته قليلًا إليه فهمس الأخير بضيقٍ:
_راحة جاية قدامي وأنا صايم ولا عارف أغض بصري ولا مشاعري!
عبس بحدقتيه ليطعنه بتلك النظرة الشرسة، فابتعد عنه للخلف وهو يردد بخوفٍ:
_هو أنا قولت حاجه غلط ولا أيه؟!
بقى على نفس جموده، وتابع بصوتٍ صارم:
_أنت مش لوحدك اللي صايم في الكون، إتعلم تتحكم في مشاعرك أحسنلك، ومتضطرنيش أعاملك معاملة مسبقش ليا إني إتعاملت معاك بيها.
أبعد عنها الغطاء واستقام بوقفته أمامه، يسأله بعدم تصديق:
_الكلام ده لصديقك الوحيد يا ياسين؟
وضع يده بجيب سرواله القماشي وهو يجيبه بحدةٍ:
_ملك أول مرة تلجئ ليا في شيء فتأكد إن المرة الجاية كلامنا مش هيتوقف عند النصيحة.
وتركه وغادر ومازالت نظرات يحيى مصوبة على باب الجناح، فما أن اختفى من أمامه حتى ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه وهو يتابع دخوله للمصعد واختفائه التام من الطابق بأكمله.
*******
بأحد محلات الملابس الشهيرة.
وقفت تراقبه بتأففٍ وضيق، مازال يبحث عن غايته بالمحل الخامس منذ الصباحٍ، وما زادها غضبًا عدم رضاه بما يجده قبالة عينيه فردد بفتورٍ:
_مش اللي في دماغي بردو!
وقفت نسرين محلها، رافضة الانصياع من خلفه مجددًا، وصاحت بانفعالٍ:
_أنا عايزة أفهم بالظبط أنت عايز تشتري أيه، من صباحية ربنا ساحبني وراك شبه الجاموسة واحنا في صيام ونادرًا أساسًا لما بنلاقي حد فاتح.
وقطعت المسافة المتبقية بينهما لتقف قبالة عينيه تخبره:
_فهمني حالًا أيه اللي عايز تشتريه ومش لاقيه والا هندم إني وافقت أنزل معاك يا حازم!
هم إليها وهو يشير بيده:
_هتفضحينا يا بنتي وطي صوتك شوية الناس حولينا!
كزت على أسنانها وأردفت بغيظٍ:
_وأنت يهمك حد!
زفر بغضبٍ، ورضا الأمر الواقع، فقال:
_طيب بصي أنا عايز اشتري لبس لطفلة بس للأسف مش عارف سنها، بس هي تقريبًا في جسم ليان بنت أحمد.
ضيقت عينيها باستغرابٍ:
_بنت مين دي؟
امتنع عن اجابتها وبحث بين الملابس المعروضة من أمامه، فلحقت به وهي تمتم بحنقٍ:
_ده أنت عمرك ما اشتريت لحد من ولادك لبس، بتسبني أطلبلهم أون لاين اللي أنا حباه!
وتابعت باستنكارٍ حينما وجدته يتجاهل حديثها:
_فهمني يا حازم بنت مين!
صاح بحماسٍ وهو يجذب أحد الفساتين المعروضة:
_ده مقاسها والاستايل اللي في دماغي.
جذبت منه ما يحمله وقالت بضجرٍ:
_عايزة أفهم ممكن؟
منحها ابتسامة هادئة تمتص غضبها المشتعل، ثم قال بحنوٍ لا يليق بشخصه:
_هفهمك كل حاجة يا نسرين، بس ساعديني نخلص عشان نرجع القصر قبل الفطار وأنا أوعدك على العيد هأخدك إنتي والأولاد وهنزل معاكم تجيبوا اللي نفسكم فيه.
تخليه عن مرحه وحديثه الجاد جعلها تشعر بجدية ما يفعله، فانصاعت إليه وانتقت أكثر من طقمٍ متكاملٍ بنفس المقاسات المنطبقة للفستان الذي يحمله، قضت أكثر من ساعة ونصف بانتقاء ما يلزم لفتاةٍ بعمرٍ كذلك، وما زاد ريبتها حينما اشترى حازم حقيبة دراسية وأغراض خاصة بالدراسة، كانت تشعر وهي بصحبته بأنه يستعد لاستقبال فتاة لعائلته، انتابها هاجس مرضي حول ما يفعله، وخاصة بما فعله أحمد مع ليان، سابقًا حينما عاد للقصر يحمل فتاة رضيعة بين يده، قام بتربيتها حتى باتت ابنة تتقبلها آسيل، ولكن الفارق هنا بأنها لم تكن ابنته بل توالى هو تربيتها، ولكن ماذا لو كان زوجها قد أخطأ بالفعل؟
كونها فتاة من العائلة المتوسطة، لطالما كانت تسمع عن مقولة دائمة عن الرجال، بأن المال الذي أحاط بالرجال لا يعيقه الزواج مرة أخرى، أشباح تلك الهواجس تلاحقها منذ لحظة خروجها من المحلٍ وصعودها لسيارته التي تتحرك لمكانٍ يبعد عن القصر كثيرًا، تختطف النظرات إليه، فتتعلق على شفتيه التي تردد لها الحديث طوال الطريق ومع ذلك لم تسمع أي مما كان يخبرها به، حتى توقفت السيارة أخيرًا بزقاق أحد الحارات الشعبية، ومع ذلك لم تنتبه لتردد جملة حازم:
_وصلنا يا نسرين إنزلي!
تائهة هي بين ما يطرحه عقلها من هواجسٍ، تخشى من تلك اللحظة التي يريها بها فتاة ويقدمها كابنة له، صنع لها عقلها عالم يذبحها كلما مرت الدقائق عليها، أفاقت من غفلتها على هزة يد زوجها وهو يردد بقلقٍ:
_نسرين؟
إنتبهت له وهتفت باستيعابٍ:
_وصلنا؟!
قال ونظراته تحيطها بدهشةٍ:
_مالك يا حبيبتي سرحانه في أيه؟
هزت رأسها تنفي ما يعتريها، وأخبرته بجمودٍ:
_إنزل نروح مشوارك المهم.
هز رأسها بخفة رغم جدية نبرتها الجافة، فهبط من السيارة يجمع الأكياس من المقعد الخلفي، ثم إتجه للزقاق الجانبي، اتبعته وقلبها يزيد من ضغطه العارم عليها، تشعر وكأنها على بضعة خطواتٍ تفصلها عن وجعٍ سيصيبها لا محالةٍ، انتهى بها الأمر عند ذاك الباب المتهالك، وحينما طلت من خلفه تلك الفتاة الصغيرة بملابسها الشبه ممزقة والمتسخة، ومن خلفها عجوزًا تستند على عصا خشبية، يبدو لها بأنها جدتها، انحنى تجاهها حازم، فداعب ذقنها بيده برفقٍ وهو يخبرها ببسمة هادئة:
_قولتلك إني هرجع ومعايا لبس كتير.
فتشت الفتاة بين الأغراض بسعادة رسمت على وجهها مع كل زي تتأمله، فرحتها زرعت الابتسامة والدمع بأعين حازم، فمسد على شعرها بحنانٍ، وناولها أخر كيسًا بلاستيكيًا وهو يؤكد عليها:
_هترجعي المدرسة تاني، أنتي وعدتيني يا أشرقت؟
أومأت برأسها عدة مرات وهي تتابع جدتها لتمنحها الإذن بما تود فعله، تعجب حازم وهو يراقب ما يحدث بينهما، فتخشب جسده حينما ارتمت الصغيرة بأحضانه بأمانٍ حصلت عليه بعد تعامله الحسن معها، بالبدايةٍ كانت تخشاه من تحذيرات جدتها المشددة بعدم الوثوق بأي شاب أو رجل كونها فتاة تتعلم من الصغرٍ الحفاظ على ذاتها، ضمها حازم إليه بسعادةٍ وعينيه يسكنه الدمع تأثرًا بتلك الفتاة التي حاذت بعاطفه وحنانه منذ أول نظرة.
ومن بين تلك الأعين المراقبة لما يحدث بينهما، كانت تتابعه زوجته التي تراقبه بدهشةٍ وعينيها تلتمعان بدموعٍ واحترامًا يزداد لشخصه المميز والنادر من بين أعمدةٍ الجارحي الشامخة، زوجها مميز لدرجةٍ تجعلها تطيل بسجودها وهي تشكر الله بمنحها زوجًا مثله، استقام حازم بوقفته وأستدار إليها وهو يحثها بالاقتراب مرددًا بصوتٍ محتقن من كبته للدموع:
_خليني أعرفك على نسرين مراتي، أكيد هتحبيها.
أزاحت دمعاتها وأسرعت إليه تقابلها بابتسامةٍ هادئة، فانحنت إليها وهي تطبع قبلاتها على جبينها بتأثرٍ، شعرت الفتاة بالراحة لوجودها وشعورها بحنانها الغير زائف، قدم حازم للجدة مبلغ ضخم من المال، وغادر على وعد القدوم من الوقت للأخر للاعتناء بالفتاة الصغيرة، وتركهما وانضم لنسرين التي تنتظره بالسيارة، فما أن صعد لجوارها حتى ارتمت بأحضانه باكية، أسبل بعينيه باستغرابٍ، فأبعدها عنه وهو يسألها بلهفةٍ:
_في أيه؟
أزاحت دموعها وهي تخبره بحزنٍ:
_أنا أسفة يا حازم.
رفع أحد حاجبيه بذهولٍ:
_على أيه؟!
ازداد نحيبها، فجذب المناديل الورقية الموضوعة على تابلو السيارة وقدمها لها مرددًا بفزعٍ:
_طيب اهدي وفهميني مالك؟
جذبت المنديل منه وجففت دموعها، بينما تابع هو بفضولٍ عما أصابها، فقال:
_محتاجة فلوس وسرقتيني وبتعتذري بعد ما حسيتي بالندم مثلًا؟!
هزت رأسها نافية، فلكم دريكسيون السيارة وهو يحك رأسه لمجاهدة بالوصول لسبب ما يصيبها، فقال بعد تخمين:
_مخنوقة مني من حاجة وقررتي فجأة نتكلم فيها خاصة بعد ما قلبك قسي عليا!
هزت رأسها مجددًا فزفر بضجرٍ:
_يا بنت الحلال أنا صايم ومرهق مش قادر أفكر في شيء، فقوليلي في أيه عشان نلم اللي نقدر عليه قبل ما فضيحنا تنتشر بالقصر أكتر من كده!
أزاحت دمعاتها وهي تهمس من بين بكائها الخافت:
_بأحبك.
ضيق نصف عين بقلقٍ من نبرتها المريبة، فعاد ليتساءل ببلاهةٍ:
_وده سبب اعتذارك ولا ندم لحبك ده؟
عادت لتتحلى بالصمت فصاح بمللٍ:
_اخلصي يا أمي، فجأيني بالمصيبة اللي بعد كده أنا عارف الحالة دي وشامم ريحة مش تمام.
وأشار بيده:
_هلي عليا بمصيبتك بس واحدة واحدة الله يكرمك إحنا في صيام!
عادت لأحضانه من جديد، فابتسم رغمًا عنه وهو يضمها لصدره، متكئًا بوجهه على رأسها، وصرح لها بصوته المنخفض:
_طيب أيه؟ إحنا في صيام!!!
واسترسل بمرحٍ حينما وجدها تفارق أحضانه بخجلٍ:
_مش هيبقى فعل فاضح بالطريق العام هيبقى أداب!!
لكزته بضيقٍ فتعالت ضحكاته خاصة حينما شاركته الضحك، قاد حازم سيارته ليعود للقصر وحينما وجدها هدأت تمامًا لجواره سألها باهتمامٍ:
_ها مش هتقوليلي بقى مالك؟
اعتدلت بجلستها إليه وقالت وهي تفرد فستانها الملتصق على ساقيها:
_بصراحة يا حازم أنا ظلمتك.
حال عينيه عن الطريق إليها:
_انتي طول عمرك ظلماني وجاية عليا.
واسترسل دون أن يترك لها مجالًا:
_بس كنت واثق إن هيجيلك يوم تحسي بغلطتك البشعة تجاه العبد لله.
تقوست شفتيها بضيقٍ اتبع نبرتها المحذرة:
_حازم!
غمز لها بمشاكسةٍ لم تتركه:
_وماله المهم إنك حسيتي بالنهاية.
ورفق يده على حجابها بحنان وهو يحثها بمشاغبته الغير مجدية بالنفع ابعادها عن شخصه الشبابي:
_احكي وإتأسفي واندمي براحتك يا روح قلبي، أنا سامعك للفجر لأ للمغرب عشان فقرة الفطار!
_كنت فاكراك متجوز عليا!
تلاشت ابتسامته بشكلٍ صاعق، فأوقف سيارته فجأة بصورة جعلتهما يرتدون للامام معًا، والاخيرة تصرخ به:
_حاسب يا حازم!
التفت إليها بنظرةٍ قاتلة وكأنها ألقت بوجهه قنبلة نارية وتركتها له، فصاح بعنفوانٍ:
_اتجوزت عليكِ!! يخربيتك هو أنا لحقت، أنا ارتبطت بيكِ من قبل حتى ما أتخرج من الجامعة! ده أنا زمايلي لسه بيفكروا يرتبطوا وأنا معايا عيلين!!! هلحق أتجوز أمته؟!
حالتها المتعصبة جعلتها تخشى أن يصيبه شيئًا، فأشارت له مرددة:
_حازم حبيبي أنا لسه بتكلم، اهدا واسمعني.
منحها نظرة ساخرة قبل أن يحرك مفتاح السيارة لتتحرك به مجددًا، فابتسمت حينما انصاع لأمرها وقاد بهدوءٍ فعادت لتستطرد:
_أنا فخورة بيك يا حازم.
تطلع إليها بتشتتٍ لا يعلم ماذا تود قوله بالتحديد، إتهمته منذ قليلٍ بزواجه ومن ثم تخبره بفخرها الشديد به، فقال بفتورٍ:
_حبيبتي أنا اللي فاتني السحور النهاردة مش إنتِ، فقوليلي كده التخاريف دي جيالك من إيه؟!
وقرب يده لرأسها يتفحص حرارة جبينها، متلفظًا بحيرةٍ:
_مفيش سخونية أهو أمال مالك؟!
مدت يدها على يده تهاتفه بجدية:
_حازم أنا كنت مستغرباك الصبح وأنت بتشتري الهدوم وعقلي خيلي حاجات كلها ألعن من بعض، لحد ما شوفتك بعيني بتعمل أيه، أنا بأحبك وبحترمك أوي.
وزع نظراته بينها وبين الطريق، فقرب رأسها لصدره طابعًا قبلة على جبينها، لم يفرقها عنه طوال الطريق يرغب في ضمها عمره بأكمله، شرد بالطريق ابتسامته لم تفارق محياه حينما تذكر غضبها واستيائها منذ الصباح وهي تتجول بصحبته، فما أن ثف سيارته بالقصر، أبعدها عنه وهو يخبرها بابتسامة هادئة رغم مرح نبرته:
_هو أنا بشوف الستات دول ستات عشان أتجوز عليكي، أنا بشوفهم زي الشاويش عطية بالظبط!
ضحكت وهي تستمع إليه باستمتاعٍ، فهز رأسها بخفة وهو يتابع بمشاكسةٍ:
_أنت التوب والباقي فوتوشوب!
تعالت ضحكاتها حتى أحمر وجهها، فقالت بصعوبة وهي تبعد يده عنها:
_بطل بقى طريقتك اللي اتهرست دي يا حازم.
غمز لها بخبثٍ:
_وماله نجدد عشانك يا وحش!
ضيقت عينيها باستنكارٍ:
_هو مش أنت لسه قايل انك محترم نفسك عشان احنا في رمضان، كلامك راح فين؟
أغلق محرك السيارة وهبط مسرعًا ليفتح بابها، متعمدًا استغلال قربها منه، ليهمس بمكرٍ:
_بليل نكمل كلامنا!
منحته ابتسامة عاشقة قبل أن تغادر للداخل، فاتبعها قاصدًا مكتب القصر حيث يتجمع الشباب.
********
انزعجت بنومتها فاستيقظت لتجد الساعة الرابعة عصرًا، لا تعلم لما قضت وقتها هذا بالنومٍ، فجذبت اسدالها وهبطت للأسفل بأعينٍ ناعسة، ولجت مروج لمطبخ القصر تردد بنومٍ:
_صباح الخير.
أجابتها الفتيات وهن يتابعان اعداد الطعام بنفس السياق:
_صباح النور.
بينما يستند معتز على حافة رخام المطبخ الجانبي يتابع حديثه مع شروق، وما تمليه عليه من طلباتٍ تحتاج إليها، فسلطت أنظاره لشقيقته التي تدنو من براد المطبخ جاذبة زجاجة من المياه تلتهم نصفها تقريبًا بإريحيةٍ تامةٍ، مستنكرة لنظراتٍ الفتيات المنصدمة من أمرها، وخاصة حينما صاحت آسيل بسخطٍ وهي تشير لوجود معتز بينهن:
_فإذا ابتليتم فاستتروا، إنتي أيه معندكيش منطق!
رمشت بعينيها بعدم فهم، وكأنها ارتكبت جريمة بتناولها المياه بعد نومًا طويلًا هكذا، وما لفت انتباهها ضحكة معتز الساخرة، فأتت إليها ذكرى شهر رمضان المبارك تهرول لذكرياتها، فسكبت المياه عن فمها وهي تشير إليه بصدمة:
_إنت فاهم غلط والله أنا نسيت إننا في رمضان!
بذل مجهودًا ليجعل ملامحه تصدق كلماتها وإن مال رأسه للعذر الشهري، فقال ببسمة يجاهد لاخفائها:
_عادي يا حبيبتي معاكم رخصة بده!
هزت رأسه باعتراضٍ وهي تؤكد له:
_لأ أنا كويسة صدقني بس نسيت!
أكد لها وإن كذبتها تعابيره وبسمته الساخطة:
_مصدقك!
وتابع بخبث:
_ده أنا أخوكي يا موجة ستر وغطا عليكي متقلقيش محدش هيعرف.
همست بصدمة:
_يعرف أيه؟! بقولك نسيت والله إننا في رمضان!
_عارف.. عارف!
وبالرغم من وداعة حديثه ولكن خبث نظراته وابتسامته الساذجة جعلتها تستشيط غضبًا، فاتجهت لتترك المطبخ نهائيًا فلحق بها وهو يردد بتسليةٍ:
_هاتي الازازة طيب، الشباب برة هتفضحي نفسك بالقصر كله!
ألقت الزجاجة بوجهه بغيظٍ فتعالت ضحكاته حتى أوقفته دينا بضيق:
_حرجت البنت يا معتز!
ردت عليها يارا بعتابٍ:
_هو طول عمره كده ميرتحش الا لما ينرفزها، معرفش بيعاملها كدليه دي أخته الوحيدة!!
أعاد وضع الزجاجة للبراد وهو يردد ببراءةٍ مصطنعة:
_أنا يا ماما! هو أنا اللي اتقفشت بالازازة من شوية!
صاحت به شروق بتذمرٍ:
_مفيش فايدة فيك!
وشددت من الاجواء الحادة إليه حينما قالت ليارا:
_أنا متأكدة يا طنط إنه هيجي وقت الفطار وهيفضحها!
برق بعينيه بصدمةٍ، وقال بثباتٍ مخادع:
_أيه الهبل ده أنا مستحيل هقل من أختي حبيبتي، وبعدين إنتوا مكبرين الموضوع ليه هو إحنا لسه عيال صغيرين ومش فاهمين يعني أيه عذر شهري!
تلونت وجوه الفتيات خجلًا، فانسحبن جميعًا من المطبخ تباعًا، ليبقى بمفرده برفقة والدته ودينا اللاتين يرمقانه بغضبٍ، وخاصة حينما قال وهو يتابع هروبهن باستغرابٍ:
_هو أنا قولت حاجة غلط!!
*******
كان بطريقه للأعلى بعد عودته من المقر، حينما وجدها تجلس على طاولة الطعام، تعيد لف رقاق الجلاش بما تحمله من المكسرات بحرافيةٍ، حتى صنعت كمية كبيرة، راقب رائد القاعة من حوله ودنا حتى جذب مقعد مجاور لها، فتابع ما تفعله باهتمامٍ اتبع سؤاله:
_بتعملي أيه؟
رفعت عينيها إليه قائلة ببسمةٍ رقيقة:
_حمدلله على السلامة يا حبيبي.
وأشارت عما بيدها مردفة:
_مفيش بجهز الجلاش عشان نحلي بعد الفطار بس يارب يطلع حلو!
اتنقلت نظراته ليدها وردد بهمسٍ ساحر:
_كفايا إنك عملاه من إيدك، أكيد هيبقى طعمه مالوش مثيل!
ابتسمت رانيا ومنحته نظرة خجلة قبل أن تشير له:
_إطلع غير هدومك وانزل عشان تحفظ مريم القرآن الشيخ زمانه على وصول وأنا مقدرتش أحفظها النهاردة.
نهض عن مقعده ثم جذب حقيبته ليخبرها بصدرٍ رحب:
_ولا يهمك أنا هحفظها النهاردة وبكره كمان خدي استراحة.
لفت رأسها إليه حينما صعد الدرج فقالت بصوت يصل لمسمعه:
_ربنا ما يحرمني منك.
ظنته لم يستمع لها، فعادت لتستكمل ما تفعله، ولكنها تفاجأت به يخبرها قبل اختفائه للطابق العلوي:
_ولا منك يا روح قلبي!
*******
تعالت ضحكاته وهو يتابع مكالمته الجماعية برفقة أصدقائه، فقال بتشددٍ:
_بكره تكونوا هنا في المعاد، مش هقبل أعذار تاني!
أكد له مراد ورحيم بحفاظهما على وعدهما المطلق، وتبادلا الحديث الهام عن المهمة التي تثير ريبة العميد واللواء، وبضرورة التحضر للسفر بأسرعٍ وقتٍ ممكنٍ، كان يتابع حديثه الهام برفقتهم حينما لمح رحمة تقترب من مجلسه المنعزل للمرةٍ الثالثة فزرعت داخله القلق حيال أمرها، لذا قال بحزمٍ:
_هكلمكم بعدين.
وأغلق هاتفه ثم إتجه إليها يتساءل بقلقٍ:
_محتاجة حاجة يا رحمة؟
بدت مرتبكة قليلًا، قبل أن تخبره:
_أنا آآ..
هز رأسه بهدوءٍ ليحمسها على قول ما تود قوله، فقالت:
_أنا من الصبح شامة ريحة مانجة يا عدي.
عبث بعينيه وهو يردد بذهولٍ:
_مانجة في الصيام!
هزت رأسها مؤكدة له، وتابعت باستياءٍ:
_دورت هنا ملقتش وده مش موسمها أصلًا!
كاد بالضحك فأوقفته بإشارة تحذيريه:
_متضحكش عليا!!
إرتدى قناع ثباته القاتل الذي ورثه عن أبيه بجدارةٍ، وتابع بتريثٍ:
_هضحك ليه! بعد الفطار هتصرف!
*******
بمكتب القصر.
اجتمع جاسم وعمر وحازم باستراحة المكتب يتنبادلون الحديث الهام فيما بينهم، وعلى بعدٍ منهم كان يعمل ياسين وأحمد على مراجعة الملفات التي ذهب رائد وأحضرها من المقر لمتابعة العمل من القصر طوال رمضان، خطف ياسين نظرة سريعةٍ لأحمد المستند برأسه على يده منذ فترةٍ، فسأله بقلقٍ:
_أحمد أنت كويس!
أبعد عينيه عن مراجعة تلك الحسبة المعقدة وهو يجيبه:
_كويس يا ياسين.
ووقع العقد وقدمه له مردفًا:
_خلصت الملفات وواقفة على توقيع عمك.
سحبها منه ياسين ليضعها جانبًا، ثم أشار له وهو يتابع شحوب بشرته بخوفٍ:
_إطلع ارتاح إنت وأنا هكمل!
لم يجابهه بل انصاع إليه على غير عادته، فما أن استقام بوقفته حتى شعر برأسه تدور به، وكأن الغرفة تدور بحلقتها الدائرية من حوله، قبض بيده على المقعد حينما شعر بأنه على وشك السقوط، فسأله ياسين مجددًا بشكٍ:
_أحمد أنت فيك أيه؟
رسم بسمة باهتة وهو يجيبه:
_صدقني أنا كويس.
وتركه وإتجه للخروج، ففتح باب المكتب ومازال يحارب ذاك الدوار، فاستند بجسده على الباب الذي انفتح على مصرعيه جراء ثقله، فهرع إليه حازم يسانده وهو يصرخ به بدهشة:
_أحمد!!
أغلق عينيه بتعبٍ شديد فأسرع الشباب إليه بفزعٍ، ليصيح ياسين بانفعالٍ:
_كنت من الأول شاكك إنك فيك شيء!
سانده عمر حتى تمدد على الأريكة، وأزاح عنه سترته وحل أزرر قميصه حينما شعر بأن تنفسه بطيء للغاية، انقبض قلب حازم وهو يتابعه ويتساءل بلهفةٍ:
_ماله يا عمر؟!
أجابه وهو يتفحص نبض يده إعتمادًا على ساعته:
_بشوف أيه يا حازم اهدأ.
جاهد أحمد لفتح عينيه، وما يستطيع رؤيته ازدحام الغرفة من حوله بالفتيات وأولهن آسيل التي جلست أسفل قدميه تردد باكية:
_أحمد ماله؟
سأله عمر باهتمامٍ:
_أنت أكلت أيه على السحور يا أحمد؟
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، وردد بواهنٍ شديد:
_يا جماعة أنا كويس، أنا بس شربت قهوة بالسحور ولعبت رياضة الصبح وأنا صايم فيمكن ده اللي عمل فيا كده!
صاح به عدي بشراسةٍ:
_بتستهبل حد يلعب رياضة وهو صايم!!
بلل شفتيه الجافة بلعابه وهو يردد بصوتٍ متقطع للغاية:
_مش هكررها تاني صدقني.
ردد حازم برهبة ومازال يمسك بيد أخيه:
_هو ينفع يكسر صيامه يا عمر، أنت شايف حالته عاملة ازاي أهو؟
أجابه بحيرةٍ:
_مش عارف يا حازم!
قاطعهما أحمد بحزمٍ غير قابل للنقاش:
_مستحيل، مش فاضل على الآذان غير ساعة أنا هقدر أستحمل!
شدد حازم على يده بعصبيةٍ كادت بأن تقرب للبكاء:
_أنت مش شايف حالتك!
همس له وهو يستسلم لقسطٍ من النومٍ:
_أدام قادر فهكمل صيامي، سيبوني بس أرتاح لحد المغرب.
خرج الجميع وتركوه يغفو قليلًا الا آسيل بقت محلها تراقبه ببكاءٍ حارقٍ، طوال تلك السنواتٍ لم ترى زوجها بهذه الحالة، كان دائمًا قويًا صامدًا لا يهزه شيئًا، حتى وإن كان مريضًا كان يرفض البقاء بالمنزل والفراش، يجابه مرضه بصلابةٍ، تسللت شهقاتها إليه فتقلب على الأريكة وتراجع لمسندها، وهو يشير إليها بالاقتراب منه، فعلت على الفور فأشار بيده على المسافة المتبقية جواره، تمددت آسيل لجواره، فهمس لها ومازالت عينيه مغلقة:
_أنا كويس يا حبيبتي، متقلقيش عليا!
ووضع يده من حولها ثم غفى سريعًا ومازالت هي لجواره تراقبه بخوفٍ لم تستطيع التغلب عليه حتى وإن أكد لها هذا، لا تعلم كيف انقضت تلك الساعة، عادت الدماء لأوردتها حينما وجدته يجلس برفقة الشباب يتناول كوب العصير الذي أعاد الحيوية لوجهه الشاحب ومن ثم بدأ بتناول طعامه بهدوءٍ حمدت الله كثيرًا بأن حالته الصحية توقفت على تناوله الطعام والا كان سيصيبها الجنون.
مال حازم على أخيه يسأله بلهفةٍ:
_أحسن دلوقتي يا أحمد؟
منحه ابتسامة هادئة وهو يتابع القلق الذي يتراقص بين حدقتيه، فمازال لم يتناول الطعام بعد، يراقبه أولًا ليطمئن بأنه على ما يرام مثلما يخبره، فأشار له وهو يقرب طبقه منه:
_أنا بقيت كويس يا حازم كل.
ومازحه قائلًا:
_مش هتبدأ بالمية؟
غمز له وهو يلتقط دورق العصير، مرددًا:
_هعوض بالعصير.
منحه نظرة ساخرة وهو يلتهم العصير بأكمله، وكعادته امتنع عن تناول الطعام بعدما ثقلت بطنه بالعصير عوضًا عن المياه!
*******
ما أن إنتهى الشباب من أداء صلاة التراويح حتى إتجه أحمد للأعلى ليخلد للنوم قليلًا، وما كاد بغلق باب جناحه حتى أتاه جاسم يهرول:
_استنى يابو نسب نسيت حاجة مهمه!
فتح الباب على مصرعيه وهو يراقب ماذا يقصد، فتفاجئ به يدلف للجناح حاملًا آسيل الغافلة بين ذراعيه، فوضعها على الفراش واستقام يثني ظهره بتعبٍ اتبع نبرته المحذرة:
_النهاردة بس عشان تعبان، متأخدش على كده بقى!
وتركه وغادر ومازال أحمد يراقبه بسخطٍ، كاد بأن يغلق الباب من خلفه فتفاجئ بوجود حازم قبالته، فردد بنفاذ صبر:
_نعم عايز أيه أنت كمان؟
بدت تعابيره جادة للغاية حينما أشار له:
_ممكن تخرج بره نتكلم شوية.
أغلق أحمد باب جناحه وخرج إليه يتساءل:
_في أيه؟
ضم شفتيه باستياءٍ، وانتهى من ارتباكه أخيرًا حينما قال:
_ممكن تبات النهاردة في أوضتك القديمة.
رفع أحد حاجبيه باستغرابٍ:
_ليه؟
رد عليه بتوترٍ:
_عشان أبات معاك النهاردة.
تجعد جبينه بدهشةٍ، فاستطرد حازم بمحايلةٍ:
_بعد اللي حصلك النهاردة مش هتطمن أسيبك تنام لوحدك.
وتابع برجاءٍ:
_خليني جنبك النهاردة عشان لو رجعلك الدور ده تاني أقدر أتصرف،آسيل مش هتقدر تعملك حاجة.
راقبه حتى انتهى من حديثه، فربت على كتفه بحنان يتسم ببسمته العذباء:
_حازم أنا كويس جدًا ولو لقدر الله حسيت بشيء هتصل بيك.
تجهمت تعابيره غضبًا، ومع ذلك لجئ للين بقوله:
_عشان خاطري يا أحمد مش هستريح كده!
زم شفتيه بحيرةٍ، فأشار بيده بانصياعٍ:
_اتفضل وأمري لله.
عادت سعادته تسكن وجهه المرح، فاتبعه لغرفة أحمد القديمة، ليغفو من جواره باستسلامٍ، كبت أحمد ضحكاته وهو يراقب حازم يضع قدمه فوق قدميه ويغفو من فوق كتفه وكأنه سيتخذ من جسده فراش خاص به، انتهت ضحكاته حينما ضمه إليه، هو يعلم بأنه ليس مجرد الشقيق الأكبر إليه، يعلم المعزة الكبيرة بقلب حازم إليه، لوهلة شعر وكأنه يحتوي ابنه الصغير أويس بين أحضانه، فغفى هو الأخر ويده تضمه لكتفه الأيمن!
راقبهما الشباب بدهشةٍ، فكادوا بالانفجار بالضحك ليوقفهم ياسين بصرامة:
_بس كفايا.
وأشار لعدي الذي أشار لهم:
_اطمنتوا على أحمد وكله تمام يلا كل واحد على جناحه.
همس جاسم ساخرًا:
_أنام جنبهم النهاردة بليز.
دفعه رائد للخلف وهو يهمس له بحزم:
_روح جناحك جنب مراتك يا خفيف
تعالت ضحكات مازن شماتة به،فدفعه جاسم للخلف وهو يحذره:
_بلاش نبتديها خناق في أول رمضان الشهر طويل!
اندفع بينهما معتز وأبعد جاسم عنه وهو يصيح بعنف:
_عندك ايدك متتمدش على نسيبي بدل ما أعلقك هنا.
تابعهما عمر بمللٍ، وهمس لهما بنفس مستوى الصوت المنخفض:
_ما نصحيهم أفضل من الزعيق بصوت واطي كده!
ياسين بغضب:
_كملوا خناقكم بره أحمد تعبان!
ذكره لامره جعلهم ينصعوا لأمره فما أن خرجوا من الغرفة حتى صاح بهم عدي بصرامة:
_اللي هلمحه قدامي هنزله يكمل يومه سحور بالمقر!
ذكر العمل بذاك الوقت جعل جمعهم يتشتت سريعًا فلم يجد أمامه سوى ياسين المبتسم بثقة، فبادله الابتسامة وقال وهو يتفحص ساعة يده:
_الوقت إتاخر.. تصبح على خير.
رد عليه في حبورٍ:
_وأنت من أهله يا وحش.
*******
خيم على القصر هدوء مخيف، فالجميع كانوا بحاجة للاستراحة قبل الفجر، كان عدي بطريقه لجناحه قبل أن تقع عينيه على عمر يقف بالتراس ويتحدث بالهاتف، على ما يبدو بأنها إحدى حالاته تستشيره بأمرٍ ما، لذا لم يرغب ازعاجه واستدار ليغادر لجناحه فتفاجئ برحمة تهم إليه وعينيها لا تفارق يديه وكأنها تبحث عن شيءٍ معه، وحينما وجدته يقف فارغًا انكمش وجهها بغضبٍ اتبع نبرتها المزعوجة:
_فين المانجة يا عدي؟
برق بعينيه حينما تذكر طلبها، فقال بحرجٍ:
_معرفش نسيت ازاي، حقك عليا يا روح قلبي، حالًا هنزل أخلي حد من الحرس يجبلك اللي أنتي عايزاه.
وكاد باستكمال هبوطه للدرج حينما أوقفته بصدمةٍ:
_استنى هنا! أنت عايز تفضحني للحرس!
زوى حاجبيه بدهشةٍ من حديثها، وخاصة حينما قالت:
_مش مكسوف من نفسك لما تهز طولك وتنزل تقولهم معلش المدام بتتوحم!!
وتابعت بحدة:
_مسألتش نفسك شكلي هيبقى أيه قدامهم!! هيبقى مهزلة يا سيادة المقدم!
لوى شفتيه بسخطٍ وتلفظ:
_وشكلي أنا اللي هيبقى شيك وأنا راجعلك بكام كيلو مانجة! ، ثم إنك ليه محسساني إني نازل أقولهم يجبولي كام فرش حشيش للمدام!
وضعت يديها وسط خصرها وهي تصيح بانفعال:
_الرجالة المصرية كلها بترجع لمرتاتها محملة شيء وشويات، ثم إني مطلبتش منك حاجة ده ابنك المسكين اللي نفسه يأكل مانجة!
كز على أسنانه في محاولة لتهدئة ذاته، فقال بحب وهدوء مصطنع:
_وأنا معترضتش يا روح قلبي، بقولك دقايق وهيكون عندك أفخم أنواع المانجو!
كادت أن تمزق شفتيها السفلية، ورددت بغيطٍ:
_اسمها مانجة يحبيبي.
ولوحت بيدها وهي تشير له بحزم:
_وفر تعبك ومجهودك أنا مش عايزة منك شيء، هخرج بنفسي أجيب اللي أنا عايزاه.
والتفتت من حولها وهي تهمس بسخرية:
_فاكرني مش هعرف أتصرف من غير الحرس بتوعه!
ارتسمت بسمة واسعة على شفتيها حينما لمحت عمر يقف على التراس، فأشارت له بالقدوم وبالفعل أنهى مكالمته سريعًا واقترب منهما، فتعحب حينما وجد نظرات أخيه حادة للغاية وكأنه على وشك الانفجار، فوزع نظراته الشك بينهما قبل أن يتساءل:
_انتوا متخانقين ولا أيه؟
تجاهلت رحمة سؤاله وطالبته برفقٍ:
_عمر من فضلك ممكن تيجي معايا الماركت!
ضيق عينيه باستغرابٍ، وخاصة حينما تطلع لساعة يده:
_في الوقت ده يا رحمة؟
أكدت له وهي تفرغ ما يزعجها:
_حابة أكل مانجه وأخوك عايز ينزل يفضحني للحرس ويخليهم يروحوا يجيبولي مانجه الساعة 12بليل!!
واستجدت به قائلة:
_ينفع كده يا عمر؟
أسبل بعينيه بدهشةٍ ومع ذلك صاح معترضًا:
_لا طبعًا مينفعش، اللي عمله ده ميصحش أنا لو منك أشتكيه لياسين الجارحي في التو والحال.
واتجهت نظراته لاخيه الذي يبذل قصارى جهده للتحكم بأعصابه:
_بقى يا عديم المسؤولية عايز تفضح مراتك الساعة 12بليل بالمانجة... بالمانجة يا عدي!!
أشارت له رحمة بحزنٍ وكأنها على وشك البكاء:
_شوفت يا عمر، ده يموت وميخسرش بيرستيجه حتى لو الولد طلعله مانجه في نص رأسه بسبب الوحم!
كبت عمر ضحكاته ومال عليها يهمس لها:
_رحمة لسه بدري على الوحم! فأنا بقول كفايا عليه لحد كده وبينا نروح الماركت قبل ما يتجن ويقتلنا، أخويا بلطجي صدقيني!
هزت رأسها باقتناعٍ وصاحت بصوتٍ مسموع:
_يلا قبل ما الماركت يقفل.
تطلع لها وهي تهبط للاسفل، فردد بضحكة مكبوتة:
_احنا في رمضان بيفتحوا للصبح متقلقيش!
وهبط درجتين حتى بات يقف قبالة أخيه الصامت، فهمس له:
_مضطر ألم وراك، بس ده مش لأجلك لأجل عمر الصغير!
وتركه وهبط من خلفها ومازال عدي يراقبهما بسكونٍ عجيب يموج بعسليةٍ عينيه القاتمة.
*****
لم تصدق عينيها حينما وجدت أصناف من المانجو بوقت سابق لموسمه، فوضعت بالعربة الصغيرة التي يدفعها عمر عدد من الحباتٍ، حتى كادت بأن تفرغ الرف بأكمله بالعربة، فردد عمر بصدمةٍ:
_رحمة كفايا أنتي كده هتموتي!
استمرت بوضع المانجو بالعربة وهي تشير له بكذبٍ بارز:
_البنات بيحبوها يا عمر!
هز رأسه بعدم اقتناع، وترقبها وهي تضم أكثر من لونٍ، وتطلعت إليه ببسمة واسعة:
_خلصت.
وزع نظراته بينها وبين العربة الممتلئة ببسمة ساخرة نجح بإخفاءها حينما ردد بخشونة صوته:
_تمام، اتفضلي.
سبقته للكاشير ولحق هو بها وهو يدفع العربة حتى وصلوا لذاك الشاب الذي ابتسم لفهمه ما يحدث بينهما، وكأنه يرى زوجين أمامه حملها الحديث يرغب الزوج بالهبوط لشراء ما تود، لم يعني عمر كثيرًا تفسيره لتلك النظرات ما يشغله بتلك اللحظة الخروج بالكميات تلك للسيارة، تعلقت نظرته لرحمة التي جذبت من حقيبتها الصغيرة الفيزا لتقدمها للشاب، فجذبها عمر منه واستدار لها وهو يرددد:
_ثواني لو سمحت.
واستدار تجاه رحمة يردد:
_ده الكريدت كارت بتاع عدي!!
أومأت برأسها بتعجبٍ، فسألها بنفس صدمته:
_مش انتي لسه متخانقة معاه من شوية ولا أنا فاقد الذاكرة!
أشاحت بيدها ببسمة فخر:
_الحاجات دي ملهاش دعوة بالخناق!
ضحك بصوت مسموع وهو يشير لها:
_فعلًا؟
وأخرج من جيب بنطال ترنجه الرياضي المال، وهو يعيدها لها:
_معايا كاش،ثم إنك مش خارجه مع رجل كنبة!
أومأت برأسها بحرجٍ، وانتظرته بالخارج حينما ينتهي العامل من وضع الاغراض بالأكياس، رأته رحمة يخرج بعدد مهول من الأكياس البلاستكية، فهرولت إليه تحاول حمل الاغراض منه، اعترض عمر وهو يشير لها:
_لا مينفعش تشيلي شيء، الأكياس تقيلة.
وأشار على المفتاح العالق بيده:
_خدي المفاتيح وافتحي الصندوق.
أشارت له بخفة، والتقطت منه المفتاح، فوضع عمر الأغراض بصندوق السيارة وما كاد بغلقه حتى وجدها تسحب كيسًا من الأغراض فتساءل بدهشة:
_هتعملي بيه أيه ده!
أخرجت أحدى الثمرات وإلتهمتها أمام عينيه وهو تخبره:
_هعمل كده، أنا مش هقدر استنى لحد ما نرجع القصر مش كفايا أخوك معشمني من الصبح إنه هيجيبلي بعد الفطار على طول!
ضحك وهو يتابعها، ففتح باب السيارة وهو يشير لها ممازحًا:
_طب خشي خشي قبل ما حد يشوفك وإنتي بتلتهمي المانجا بالشكل المخيف ده.
انصاعت إليه وصعدت جواره قائلة:
_هيحصل إيه يعني؟
صعد جوارها وقاد السيارة وهو يهمس لها:
_احنا في منطقة راقية ألف مين يأخدلنا لقطة ويبلغ الصحافة عننا.
جحظت عينيها وأشارت بيدها:
_اطلع بسرعة الله يكرمك مش ناقصة مصايب!
تعالت ضحكاته وهو يسرع بالسيارة، حتى وقف بها أمام البحر، فقالت بامتنان:
_والله ما عارفة أشكرك ازاي، مانجة وبحر وهوا مش عارفة من غيرك كنت هعمل أيه؟
حرر حزام الأمان وهو يتابعها بصدمة، فانتشل عنها الكيس وهو يحذرها بحزمٍ:
_كفايا يا رحمة كترها وحش ومش مفيد للجنين!
أزاحت القطع الصغيرة المتناثرة حول حجابها وهي تشير إليه بضيق:
_أنا مكترتش منها، هات الكيس مفضلش غير واحدة!
جحظت عينيه صدمة فبحث بالكيس ليجد بأنها قد انتهت بالفعل من الكمية، ولم يتبقى سوى واحدة فأشار لها بصرامة:
_مش هتأخديها لو هيحصل أيه، أنا المسؤول قدام عدي لو جرالك حاجة، كمية الأملاح اللي فيها مش صح ليكِ.
زمت شفتيها بغضبٍ، وجلست بهدوءٍ فأعاد عمر الكيس للخلف حتى يضمن عدم حصولها عليه، وأشار لها:
_عندك مناديل امسحي ايدك كويس.
أومأت إليه وهي تزيح العالق عنها وتتابع المياه من النافذة، فاستدارت إليه تخبره بتعبٍ:
_بقولك أيه يا عمر.
تطلع إليها باهتمامٍ فوجدها تخبره على استحياءٍ:
_ما تيجي نأخد السكة مشي لحسن أنا حاسة إني تقلت بالمانجة حبتين.
ردد بسخرية:
_حبتين، ده أنتي إلتهمتي أكتر من تلاتة كيلو!
حدجته بنظرةٍ غاضبة، فكبت ضحكاته وهو يشير لها بالهبوط:
_متزعليش انزلي.
هبطت للأسفل وجلست على الاستراحة الموضوعة قبالة المياه، فجلس عمر على مسافة معقولة منها، يتابع الاجواء باستمتاعٍ، فلمح محل عصائر على بعدٍ منه، فأخبرها وهو ينتصب بوقفته:
_رحمة خليكي هنا هجيب عصير وراجع، على الأقل نعوض الموالح اللي أكلتيها دي بشيء مفيد!
أومأت برأسها وظلت محلها، فشدد عليها:
_متتحركيش من هنا أنا مش هتأخر.
أكدت له وهي تعبث بهاتفها:
_حاضر.
ابتعد عنها عمر ليطلب لها عصيرًا صحيًا وبين الحين والآخر كان يتابعها، وجدت رحمه عدة رسائل من زوجها، فابتسمت وهي تجيبه بغرورٍ
«عمر ونعم الأخ جابلي مانجا أشكال وألوان، أبقى خلى الحرس ينفعك يا حضرة المقدم»
أرسل لها عدي
«بقى كده، ماشي يا رحمة مصيرك راجعالي!»
وأرسل لها بجدية تلك المرة
«المهم إن ميبقاش نفسك في حاجة يا روحي، يلا إرجعي أنا محضرلك مفاجأة هتعجبك.»
ارتسمت ابتسامة عاشقة على محياها وأرسلت له
«عمر بيجيب عصير وراجع، وهنتحرك على طول.»
وأغلقت هاتفها ثم أعادته لحقيبتها، فانتبهت لذاك الصوت المقبض:
_أيه يا جميل قاعد لوحدك ليه؟!
رفعت رحمة عينيها تجاه مصدر الصوت فوجدت رجلًا بملامح مقززة، يرتشف من سيجارًا غليظة غير طبيعية البنية، واتبعه رفيق السوء من خلفه يردد:
_شكلها كده مدام قاعده قدام البحر السعادي يبقى بتفكر تنتحر يا أفندينا!
غمز لها بحقارةٍ:
_احنا أولى بيها من البحر وقرشه!
تراجعت رحمة للخلف برعبٍ، فجذبت حقيبتها وهرولت في إتجاه عمر، فولجت لداخل المحل الزجاجي وحينما وجدته يجذب العصير من العامل اتجهت لتقف جواره ويدها تتشبث بجاكيته الرياضي، انتبه لها عمر فوجد الدماء غادرت وجهها للتو، الفزع والهلع يتشكلان بحرافيةٍ عليه، فسألها بلهفةٍ:
_في أيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:
_مفيش أنا لقيتك اتأخرت خوفت.
وتابعت بذعرٍ:
_يلا نرجع القصر.
ترك الأكواب عن يده وهو يتساءل مجددًا بشكٍ:
_في أيه يا رحمه؟
اتجهت نظراتها للباب الزجاجي تراقبهما، فتابع عمر ما تتطلع إليه وقد وصل له مضمون ما أصابها فردد بغضب:
_في رمضان يا ولاد ال×××
وكاد بالاندفاع للخارج فأوقفته رحمة وهي تترجاه ببكاءٍ:
_عمر بالله عليك خلينا نمشي من هنا.
أشار لها بأن تهدأ، واستدار من حوله فوجد باب خلفي للمحل، فجذب العصير ومنحه إياها ثم خرج بها للسيارة، فما أن صعدت حتى كاد بصعوده فتوقف حينما وجدهما يضايقان المارة من النساء، ضغط بأسنانه على شفتيه بضيقٍ، فأغلق سيارته وهو يشير لها بتحذير:
_أوعي تنزلي سامعاني!
لم يمهلها فرصة للحديث، ولم يستمع لرجائها، انطلق مندفعًا تجاههما، فسدد لكمة أسدت بوجه هذا الأرعن، ليواجهه الآخر بسكينه الصغير، تفاداه عمر بحرافيةٍ، ورفع جسده ليصيبه بركلةٍ حادة، أصابت الاخير بوجعٍ قاتل، فلف يده حول رقبته وهو يصيح به:
_لو لمحتك بتضايق حد تاني هقطع رقبتك سامع!
هز الرجل رأسه برعبٍ، وهرول زاحفًا خلف صبيه، فعاد عمر لسيارته مجددًا حينما تأكد من مغاردتهما، فما أن صعد حتى اندفعت رحمة بوجهه:
_أيه اللي عملته ده يا عمر، أنا نبهت عليك افرض كانوا عملوا فيك حاجة!
ابتسم وهو يحرك مفتاحه بالمحرك:
_أنا كويس يا رحمة متقلقيش.
وبجدية قال:
_ثم انك عايزاني أسكتلهم ازاي وهما بيضايقوا اللي رايح واللي جاي!
رسمت بسمة هادئة وهي تشير إليه بإعجابٍ:
_لا بس فجأتني.
وهمست بسخرية:
_أنا افتكرت إنهم هيعلموا عليك.
تعالت ضحكاته وهو يخبرها بصعوبة بالحديث:
_ليه مفكرة إن جوزك بس اللي بلطجي ولا عشان أنا دكتور محترم يبقى ماليش في اللذي منه.
وتابع وهو يشير إليها:
_متقلقيش جوه قصر ياسين الجارحي قبل ما تبلغ بتكون ملم بمعلومات القتال كلها.
انقبضت نظراتها وتخشب جسدها لنافذة السيارة التي تخص مقعد عمر، فردد بخوف:
_في أيه يا رحمة!
اتبع خطى نظراتها ليراقب ماذا هناك؟ ، فوجدها تتطلع لسيارة سوداء تقترب منهما حتى توقفت قبالتهما، لينخفض زجاجها الخلفي ويطل من خلفه من يراقبهما عن كثب، فردد عمر بذهولٍ:
_بابا!
....... يتبع.......
#ختامية_آل_الجارحي_بقلمي_آية_محمد_رفعت..
رجاء التفاعل على الخاتمات لان القراء بيشتكوا من عدم وصول المنشورات ليهم، وشكرا لحضراتكم على التفاعل على الاقتباس الاخير من #أشباح_المخابرات، ووعد مني في أقرب وقت هنزلكم اقتباس كمان لزين زيدان ومارال، اللي مشافش الاقتباس بتاع امبارح اللي يخص رواية ياسين عدي الجارحي ومرين وزين ومارال اللينك أهو ❤
***____***
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم آية محمد رفعت
#ختامية_آل_الجارحي.
#الخاتمة_الرابعة.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "علا أشرف"،"ميسان عماد"،"زينب الخطيب" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ابتلع ريقه بتوترٍ جليٍ، حينما وجد سيارة أبيه تدنو منه، فأزاح عنه حزام الآمان وردد بتحذيرٍ مسبق لها:
_رحمة بابا مش لازم يعرف اللي حصل من شوية.
هزت رأسها وهي تشير إليه بتأكيدٍ، زُف بحديثها:
_متقلقش مش هتكلم في حاجة!
فتح باب سيارته وخرج منها وهو يخبرها:
_خليكِ هنا أنا راجع.
تابعته بهدوءٍ وهو يدنو من السيارة، متوجهًا للمقعد الخلفي جوار ياسين الجارحي، إنغلق باب السيارة من خلفه وانقطعت عنها الرؤيا، فلم ترى سوى الزجاج اللامع المعتم، إسترخت بجلستها وهي تفكر عن سبب وجوده بذاك الوقت، وأكثر ما شغل عقلها هل رأى ما فعله عمر بهؤلاء؟!
*******
بسيارة ياسين الجارحي.
استقر جواره بالمقعد الخلفي للسيارة بالتحديد، حيث يراقبهما السائق بفضولٍ كان يشتعل بعينيه المتلصصة عليهما من مرآة السيارة الأمامية، يبدو بأنه كان شاهدًا على بطولة عمر منذ قليلٍ وبالطبع شاركه أبيه الأمر، ولكنه حاول استبعاد تلك الشكوك وتمنى أن يكون مرورهما عابرًا لم يتطفل على فعلته، فتنحنح وهو يتساءل بإرتباكٍ صريح:
_هو حضرتك كنت فين؟
مازالت عسليته تراقب توتر معالم ابنه باستمتاعٍ، وكأنه إفتقد لأيام طفولته المثالية، تردد نبرته الثابتة مجيبة على سؤاله:
_كنت في ميتنج وإتاخرنا بالرجوع.
واستند بيده على ساقه الموضوعة فوق الأخرى وهو يسدد إليه سؤاله:
_ بتعمل أيه هنا في الوقت ده؟
حديثه الهادئ ينافر غموض عينيه التي تكشف شيئًا لا يرغب بتأكيده، ومع ذلك أجابه:
_رحمة كانت محتاجة طلب من بره وطلعت معاها.
هز رأسه بتفهمٍ، وأشار إليه:
_هات عربيتك وحصلنا.
فتح باب السيارة وما كاد بإنغلاقه حتى استمع لنداء أباه الخافت:
_عمر.
انحنى من نافذة السيارة يرى ماذا هناك؟ ، فمنحه ياسين بسمة خبيثة وإتبعها صوته الرخيم:
_اللي عملته ميتخفش منه.
برق بعينيه بصدمةٍ، ففقد القدرة على التعبير بما يود قوله، تجاهل ياسين حالته تلك، وردد بحزمٍ للسائق:
_إطلع يا فؤاد.
تحركت السيارة نصب عينيه ومازال يقف محله، فما أن غادرت الشارع الرئيسي حتى تهدل فمه بابتسامةٍ خاطفة، عاد عمر للسيارة مجددًا، ليجدها تسارع بأسئلتها الفضولية والقلق يناهزها:
_طمني يا عمر، عمي عرف حاجة؟
منحها ابتسامة ساخرة قبل أن يحرك مقود السيارة، مردفًا بتهكمٍ:
_هو في حاجة هو ميعرفهاش!!
********
طال وقوفها بالشرفة ومازالت تنتظر عودته، حاولت الإتصال هاتفيًا به كثيرًا ولكنه خارج التغطية، طوفها سكينة فور أن اهتدت عينيها بسيارته التي تنهب الطريق حتى باتت داخل حدود القصر، فأسرعت نور للأسفل لتستقبله بذاتها.
هبط عمر من السيارة متجهًا للصندوق، فحمل الأكياس بين يده، وتلك المرةٍ عاونته رحمة بعد رفضها التام بأن يحمله بمفرده، ولج للداخل متجهًا للمصعد وهي من خلفه فتفاجئ بنور تسرع للأسفل، فدنت منهما متسائلة باستغرابٍ:
_كنت فين يا عمر؟
وتحركت بنظراتها لمن تقف جواره، مرددة بدهشةٍ:
_هو في حاجة ولا أيه؟ قلقتوني!
حك جبهته بمللٍ من اسطوانته المكررة كلما رأهما أحدٌ، فقال بضجرٍ:
_كنا في الماركت يا نور.
ارتسمت بسمة واسعة على محياها، وتساءلت بحماسٍ:
_وجبتلي أيه من هناك بقى؟
رمش بعينيه بدهشةٍ، وكأنه يخبرها بأنه هاجر لبلاد الغرب بزيارة سريعة وعاد إليها، لم يجد ما يجيب به فناولته عمر أحد الأكياس متوسط الحجم وهي تشير له بأن يقدمه لها، تابعها بذهولٍ ومع ذلك نفذ ما تمليه عليه من اشارات مبطنة، فقدمها لها، فتحت نور الكيس البلاستيكي بفضولٍ لمعرفة ما بداخله، فجحظت عينيها بفرحةٍ وصاحت بعدم تصديق:
_أيه ده مانجا معقول!
وضمته وهي تشكره بسعادةٍ غريبةٍ:
_كده بدأت تفهمني وهبدأ أحبك، مع إن رحمة اللي مساعداك بس ولا يهمني مش هخلي شيء يأثر على فرحتي!
ابتسم عمر وصاح ساخرًا:
_سهلة كل ما تزعلي مني أدخلك باتنين تلاتة كيلو!
غمزت له بمكرٍ:
_بدأت تدخلي من ثغراتي!
تعالت ضحكات رحمة، وهمست لعمر بغرورٍ:
_عد الجمايل.
قالتها وهي تلج للمصعد، تاركته يحتضن نور التي كلما وجدت نوعًا جديدًا من ثمار المانجو كانت تعود لمعانقته، فجذب الكيس البلاستيكي وولج لاحد غرف الطابق السفلي وهو يهمس لها بمكرٍ:
_تعالي جوه نكمل كلامنا، هنا ميصحش!
*******
انتهى بها المصعد بالطابق الثاني، فحملت الأكياس وتوجهت لجناحها الخاص، وإبتسامة الحماس مشتعلة على معالمها، كادت بالوصول لمبتغاها حينما توقفت على صوتٍ رجوليٍ يناديها:
_رحمة!
استدارت لتتفاجئ بياسين يدنو منها سريعًا، وعاد ليهمس لها وهو يلتقط منها الأكياس:
_تعالي معايا فورًا.
ضيقت عينيها باستغرابٍ، وتساءلت:
_في أيه يا ياسين؟!
خطى تجاه جناحه وهو يشير لها بتحذيرٍ:
_ادخلي جوه وهنتكلم.
وجدته مريبًا للغاية، خاصة وهو يكبت ضحكاته بصعوبةٍ، فاقتربت وهي تتساءل:
_طيب فهمني، مليكة كويسة؟
فتح الباب وهو يشير لها لتطمئن:
_مليكة جوه.
وبنفاذ صبرًا قال:
_ادخلي قبل ما عدي يلمحك!
مجرد نطقه لتلك الجملة حملت طرف اسدالها الطويل وهرولت للداخل برعبٍ إجتاز تعابيرها.
أغلقت مليكة مصحفها الشريف وتأملت تلك التي تهرع للداخل برعبٍ، نهضت عن فراشها وأسرعت إليها، توزع نظرات الدهشة بينها وبين زوجها ومن ثم تساءلت باستغرابٍ:
_في أيه يا ياسين؟
وضع الأغراض عن يده أرضًا، ثم إتجه للمقعد المقابل إليهما وقال بضحكة فشل بكبتها:
_عدي خرج يشتري برفيوم وشوية حاجات خاصين بيه وبعد ما خرج بنص ساعة لقيته بيتصل بيا وكان شكله متعصب جدًا، فروحتله ودفعنا المبلغ بس طبعًا عرف إن رحمة اللي عملت فيه كده!
ضربت بيدها على فمها بصدمةٍ، وعينيها تتطلعان إليه بذعرٍ، جلست مليكة جوارها بهدوءٍ تامٍ وهي تراقب ما فعلته، مرددة برعبٍ:
_عملتيها ازاي دي يا رحمة!
واسترسلت بحدةٍ:
_ما بابا عمالنا حساب بنكي ومعاكي الفيزا بتاعتك!
أجابتها بحزنٍ رغم مرح نبرتها:
_كنت عايزة أحرق قلبه على فلوسه زي ما حرق قلبي على المانجا!
وبضيقٍ استرسلت:
_بس للاسف عمر هو اللي دفع الحساب!
ضحك ياسين بصوته كله، فحانت منها نظرة ضيق إليه، فرفع يده واستعاد ثباته وهو يردد:
_آسف.
ونهض عن المقعد وإتجه للغرفة الصغيرة الملحقة بالجناح، متلفظًا ببسمته الجذابة:
_عندي شوية شغل هخلصهم، لو احتاجتم حاجة أنا جوه.
تركهم ياسين وولج للداخل يستكمل عمله، فعادت لتتطلع لمليكة التي تساءلت بحيرةٍ:
_طب هتعملي أيه دلوقتي!
هزت كتفيها بضجرٍ وهي تسحب إحدى ثمار المانجو تلتهمها بشرودٍ:
_ولا أعرف بس تقريبًا هستخبى في أي أوضة، القصر مفيش أكتر من الأوض فيه!
جذبت منها مليكة الأكياس، ثم التقطت إحدى الثمار تتناولها وهي تشير بضجرٍ:
_على أساس إنه مش هيجيبك!
جذبت رحمة المناديل الورقية تجفف بها ملابسها وعادت لتخبرها بعد تفكيرٍ:
_يبقى خليني هنا أنا في أمان، ويمكن يفكرني لسه مجتش!
هزت رأسها بتفهمٍ، ثم عادت لتردد:
_مش بتقولي إن عمر كان معاكي يبقى برجوعه عدي هيتأكد إنك هنا وآ..
ابتلعت باقي جملتها حينما تعالى الطرق على باب الجناح الخاص بهما، تعلقت رحمة بمليكة وهي تتوسل إليها:
_مليكة عشان خاطري أوعي تفتحي!
هزت رأسها تؤكد لها ومازالت تراقب الباب بحيرةٍ، فاتجهت لغرفة المكتب الملحقة بالجناح تنادي بصوتٍ خافت:
_ياسين تعالى، شكل عدي بره!
أبعد المقعد عن مكتبه الصغير وهم للخروج فأسرعت تجاهه رحمة، تسأله بصدمة:
_هتسلمني ليه يا ياسين!!
ابتسم رغمًا عنه وكأنها لصة سيقوم بتسليمها للشرطة، فابتعد عن منفذ الباب وهو يشير إليها:
_خليكي هنا واقفلي على نفسك الباب.
وكاد بالخروج ولكنه عاد إليها يخبرها بجديةٍ تامة:
_بصي يا رحمة عدي لازم يعرف انك رجعتي القصر عشان ميقلقش عليكي، ممكن أخليه ميدخلكيش ده اللي هحاول أعمله وربنا يستر.
هزت رأسها بموافقةٍ سريعةٍ، فإتجه للخارج صافقًا الباب من خلفه، فتح ياسين باب جناحه فتفاجئ بمن يقف قبالته وعينيه تجوب الجناح بالكمال وسؤاله يتردد بثباتٍ وحزمٍ:
_نادي لرحمة يا ياسين، وبطل حركات العيال دي!
اندفعت مليكة بحديثها:
_رحمة مش هنا يا عدي، دور عليها بمكان تاني.
منحها ياسين نظرة محذرة لبلاهتها، تقف أمام شرطيًا ماهرًا وأخبرته بغبائها عما يود علمه دون جهدًا منه، خرجت نبرته صارمة تلك المرةٍ:
_من فضلك يا ياسين خليها تخرج والا هدخل بنفسي لجوه.
ضم شفتيه معًا بحيرةٍ لتأزم الموقف، فابتعد عن باب الجناح مشيرًا إليه بهدوءٍ:
_هي جوه يا عدي بس من فضلك بلاش العصبية هي أكيد مكنتش تقصد اللي حصل!
داعبت بسمة خافتة شفتيه، وردد بعدم تصديق:
_هو أنت فاكرني هعمل فيها أيه؟
أجابته مليكة بضيقٍ:
_باين من عصبيتك وطريقة كلامك يا حبيبي!
منحها نفس تلك الابتسامة الثابتة، واستكمل طريقه للداخل قاصدًا غرفة المكتب الخاصة بياسين، فتح بابها ليتفاجئ بها تجلس على الأريكة الجلدية السوداء تتناول حبات المانجو بخوفٍ وشرود، وكأن أحداهما يجبرها على تناول العقاقير رغمًت عنها!
رفعت رأسها لتجده يقف قبالتها، فابتلعت ما بجوفها ونهضت عن الأريكة تشير له برهبةٍ:
_ما حصلش حاجة يا عدي لما استلفت منك الكريدت كارت، والله فلوسك زي ما هي ما أخدت منك مليم أحمر!
وتابعت وهي تضع المانجو عن يدها:
_ثم إنك رجعت بالسلامة ومحصلكش شيء، وإن كان على برستيجك فبدل ما كان هيضيع بشرا المانجا ضاع بالبرفيوم وهنا تفرق!
زوى حاجبيه بسخطٍ، وضم يده معًا لصدره يستمع لمبرراتها التي مازالت تلجئ إليها، وكلما طال صمته تبتلع ريقها بتوترٍ وتبحث عن حجة أخرى، وأخرهما حينما أشارت على بطنها بحنانٍ:
_ابنك اللي طالب مانجا مش أنا والله.
وتابعت حينما وجدته يتطلع على بطنها المنتفخ من فرط ما تناولته، فظنته قد تعاطف معها فاسترسلت:
_أنا عمري ما كان ليا طلبات، تفرق!
ضم يده لمقدمة أنفه بتعبٍ وصداع يضرب رأسه من ثرثارتها المزعجة، وأنهى سكونه حينما أشار بيده على الباب:
_لو خلصتي ممكن نرجع جناحنا!
ابتلعت ريقها بخوفٍ تام، ورددت:
_هتعمل فيا أيه؟
ردد بحزمٍ:
_رحمة بطلي شغل العيال ده ويلا نكمل كلامنا في جناحنا.
هزت رأسها باستسلامٍ واتجهت لتمر من جواره ثم عادت تهرول وهي تردد:
_المانجا!!
وحملت الأكياس ثم خرجت معه بهدوءٍ، لتجد مليكة وياسين بالخارج، فقالت بسخرية:
_متشكرين على الواجب ده يا ياسين، سلمتني من أول دقيقة فكرتك هتصمد ساعتين تلاته!
ضحك وهو يشير لها مرددًا:
_النمرة غلط، نمرة ياسين الجارحي الصح، لو ضاقت أوي رنيله!
منحه عدي نظرة حادة جعلته يتراجع وهو يردد بهمس خافت:
_اطلبي البوليس أفضل!
*******
ما أن ولجوا معًا للجناح حتى أسرعت إليه تضع بين يده الكريدت كارت، وتختبئ بأحضانه وهي تردد بخوفٍ:
_معاك الكريدت كارت وأنا اعتذرتلك خلصنا يا باشا.
انتظرت أن يحاوطها بذراعه مثلما يفعل كل مرةٍ، ولكنه بقى متخشب كما هو، فهمست بصوتٍ كان مسموع إليه:
_لسه ساعتين على الفجر أغريه عشان ينسى اللي عملته، ولا أعمل نفسي مغمي عليا وهو أكيد قلبه هيحن!
انحنى بقامته الطويلة إليها ليهمس لها بمكرٍ:
_أنا مع الحل الأول، لإنك لو اشتقلبتي وعملتي نفسك ميتة مش هيخيل عليا!
رفعت رأسها إليه وقد انكمشت تعابيرها لتردد بسخطٍ:
_حرام عليك لما تستفرض بيا، وكل ده ليه عشان كان عندي وحم بريء!!
تأمل عينيها للحظةٍ، ثم انفترت بسمته فأرغمتها على الابتسامة، وضع عدي الفيزا جانبًا ثم سألها وهو يراقب عينيها عن كثب:
_أكلتي مانجا أد أيه يا رحمة؟
تلاشت ابتسامتها واستدارت عنه حتى لا يرى مكيدة عينيها:
_مش فاكرة بس مش كتير متقلقش.
قطع عليها تهربها الماكر، حينما أدارها إليه ليشير إليها:
_هتقوليلي الحقيقة ولا أعرفها بطريقتي!
زمت شفتيها وهي تخبره باستياءٍ:
_كتير والله ومش هعمل كده تاني.
وببراءة مصطنعة قالت:
_ممكن أروح أنام بقى لحسن أنا راجعة تعبانه أوي.
أوقفها حينما سألها بتريث:
_رايحة فين مش قولتي هتغريني؟!
وضعت يدها على بطنها الممتليء وهو تردد على استحياءٍ:
_أجلها لبكره لحسن أنا هموت وأنام!
حرك رأسه بخبثٍ وهو يتابع:
_هسمحلك تنامي طبعًا بس إحنا لسه متكلمناش عن سرقتك للكريدت كارت بتاعي! ولا على الموقف السخيف اللي حطتيني فيه من شوية!
لعقت شفتيها بتوترٍ، وادعت الانفعال حينما صاحت:
_مهو الحمد لله رجعت زي الفل أهو ومحدش إتعرضلك.
زوى حاجبيه مجددًا وهو يصيح بشراسةٍ:
_مين ده اللي يقدر يتعرضلي!
همست بمللٍ:
_هيرفعلي حواجبه بقى زي أبوه وأنا راجعه حاسة إني دايخة ومعنديش نفس للمناهدة.
ثم رفعت صوتها قائلة:
_عدي والله أنا نفسي أنام عايز تتخانق إتخانق، تعاقب اتفضل عاقبني وريحني بس بسرعة الله يكرمك أنا تعبانه ومحتاجة للراحة!
منحها نظرة طافت بها قبل أن يقول:
_احنا اتجرأنا أوي!
هزت رأسها ببسمةٍ جعلته يبتسم وهو يشير لها:
_أوكي يا رحمة نامي وبكره نكمل كلامنا.
ارتفعت بجسدها على أطراف أصابعها وهي تطبع قبلة على جبينه وتهمس له:
_ربنا يخليك ليا يا وحش.. تصبح على خير.
وتمددت على الفراش وهي تحتضن بطنها المنتفخ بإرهاقٍ لما تناولته، فكانت تشعر وكأنها تحمل شيئًا ثقيلًا يعجزها تمامًا عن الحركةٍ، بدى عدي مرتبكًا بوقفته لا يعلم كيف سيخبرها بما يود قوله، فتمدد جوارها،وعسليته تراقبها بحيرةٍ ختمها حينما ناداها:
_رحمة!
فتحت عينيها بإرهاق، فتقلب بجسده تجاهها ثم قال وابتسامته تجعل جاذبيته تهاجمها بكل قوتها:
_مهنتيش عليا.
عبست بعينيها بعدم فهم، فانحنى بجسده للخزانة ليخرج منها طبقًا من المانجو مقطع بحرافيةٍ تامة وبشكلٍ راقي، قدمه لها فاستقامت بجلستها على الفراش وفمها يسقط للاسفل ببلاهةٍ، فوزعت نظراتها بينه تارة وبين ما يحمله تارة أخرى،لا تعلم كيف حملت عنه الطبق،فرددت بصدمة:
_أنا بحلم صح!
ابتسم وهو يشير لها بالنفي،فعادت لتخطف نظرة سريعة لما تحمله وقالت:
_بص هو شكله شيك وفخم وميوحيش إنها مانجة بس بالنسبة إنك تنزل وتجبهالي بنفسك فدي بالنسبالي كبيرة أوي، ومن فرحتي حقيقي عايزة احتفظ بيها ومقربلهاش.
ضحك وهو يردد:
_مش للدرجادي!
وضعته جانبًا واتجهت إليه، تحتضنه وهي تردد بحبٍ:
_أنا بأحبك أوي يا عدي.
ضمها إليه بحنان أحاطها بهالةٍ من الدفء، وحينما وجدها تندثر إليه بعاطفةٍ، سألها بهمسه المغري:
_إنتي تعبانه بجد ولا كنتِ بتهربي مني؟
رفعت رأسها إليه بضحكة مغرية فجذب الغطاء عليهما وهو يردد:
_مطلعتيش لصة بس لا كمان مخادعة يا بيبي!
شملها بعاصفة حبه ولم تمانع أن تشاركه، حتى بات حبهما المفتاح لعبور عالمهما الخاص.
*******
اندلاع قرآن الفجر جعله يفق من منامته، فهز أخيه وهو يشير إليه:
_حازم فوق يلا عشان صلاة الفجر.
هز الأخير رأسه ونهض عن الفراش مغلق العينين، وإتجه ليخرج من الغرفة، ثم استدار إليه وهو يتساءل بجدية:
_طمني أحسن دلوقتي؟
هز رأسه وهو يخبره بابتسامته:
_بخير والله، يلا روح اتوضى وإنزل وأنا كمان هغير وهحصلك.
خرج كلاهما واتجهوا لأجنحتهما، فولج أحمد للداخل ليجدها مازالت تنعم بنومها الثقيل، ابتسم بتهكمٍ وأشمر عن ساعديه وهو يهمس باستهزاءٍ:
_استعنا على الشقا بالله.
وحملها عن الفراش، ثم إتجه بها لحمام الغرفة، ليكرر فعلته المعتادة بالمياه، فتحت عينيها بانزعاجٍ وما أن استردت وعيها حتى احتضنت وجهه بيدها وهي تتساءل بلهفةٍ:
_أحمد حبيبي طمني عليك أنت كويس؟
ضم شفتيه بسخريةٍ اتبعت حديثه:
_وفري مشاعرك الرقيقة دي، الفجر فاضله دقايق.
لم تفهم مغزى حديثه وخاصة حينما تركها وخرج يرتدي ملابسه، فلحقت به وهي تتساءل:
_لو حاسس بحاجة بكره نروح لدكتور.
استدار إليها، وقال وهو يرتدي جاكيته:
_أنا كويس يا حبيبتي.
وأشار لها:
_إلبسي إنتِ وانزلي يلا عشان السحور!
********
اليوم كان مميزًا للغاية بتحضر أطيب أنواع الطعام لاستقبال أصدقاء عدي الهامين، قامت آية بالاشراف على الطعام بنفسها تلبية لرغبة ابنها، فصنعت ما لذ وطاب لأجلهما، ومع اقتراب موعد الافطار جددت الفتيات تنسيق القصر لاستقبال الضيوف على أتم الاستعداد، وبناء على التعليمات الملحقة بالقصر تم الاستعانة بالطاولة الاحتياطية بغرفة منعزلة لتخص الرجلين الغريبن حتى لا يختلط بمجلس النساء، فقامت رحمة ونور بترتيبها بمساعدة آسيل وداليا، وقد حرصت مروج ورانيا على الا ينقص الغرفة شيئًا من عصائر ومياه وفواكه وغيره من المقبلات قبل أن تضع شروق ونسرين الطعام على السفرة..
*****
وبعيدًا عن أجواء آل الجارحي، وخاصة أمام الحاجز الخاص بالقصور الخمس التابعة لعائلة زيدان العريقة، وقفت سيارة فخمة كبيرة الحجم تترقب خروج مسؤولي العائلة الجوكر والاسطورة، لتتحرك بهما لمشوارهما الهام، مازال الحارس ينتظر خروجهما بتأهبٍ تام ومن خلفه سيارتين تخص الحراس المجهزون على أعلى مستوى، وبداخل تلك الامبراطورية وقف الجوكر بالخارج يتآلق ببذلته الرمادية الآنيقة، يجوب طرقات قصره بغضبٍ وضيقٍ يلحق نظراته المتفرقة على ساعة يده، هامسًا بضيقٍ:
_بتعمل أيه كل ده! أنا منبه عليها متتأخرش!
_أنا هنا يا حبيبي، اشتاقتلي صح؟!
قالتها القصيرة ذات اللسان السليط مثلما لقبها الجوكر المزعوم، فالتفت إليها وهالات الغضب تحتل عينيها، فتلاشت كطيفٍ عابرًا حينما رأها تقف قبالته بفستانها الرمادي المتناسب مع لون حلاه، وحجابها الأسود الطويل، وابتسامتها تلك التي تنبع بمشاكسةٍ مازالت تلاحقها حتى اليوم، تلك المشاغبة التي احتلت قلبه منذ أن فرض عليه حمايتها وباتت تصارحه بحبها الشديد إليه منذ أول مرة، أرغمته على الخضوع إليها رغمًا عن ارداته، ربما لم يكن من الهين الوقوع بغرامها، ولكن لين يعد ذاك الجنتل الخبير بتعامله مع النساء على عكس أخيه المنفر من أي تعامل يخص تاء التأنيث.
إعتاد التعامل مع أنواعٍ عديدة من النساء وتلك الفتاة هي من طرقت بابه وسكنت مبناه العتيق، إقترب منها مراد وقال بضيقٍ سعى لأن يبرزه بنبرته:
_ساعة عشان تجهزي يا حنين!
ابتسمت وهي تشير له بعنجهيةٍ:
_مش مهم الوقت المهم النتيجة يا روح قلب حنين.
وأضافت باستنكارٍ:
_والنتيجة مرضية وزي الفل.
وهزت كتفيها بدلالٍ وهي تخبره:
_ولا أنت مش واخد بالك!
وضع يده بجيب سرواله وهو يتابعها بعينيه الساحرة التي كادت باصابتها بالفتنة، فأطلق صفيرًا متغندج بجمالها:
_القمر نزلي من السماء على الأرض.
أخفضت رأسها خجلًا، وطرقته بحقيبتها الصغيرة بخفةٍ:
_عاكس بعد الفطار وأنا هوافقك.
ضحك وهو يغمز لها بمشاكسةٍ:
_أموت فيك وأنت فهمني!
ابتسمت وهي تنحاز بوجهها عنه، فتفحصت طرقات القصور وعادت لتتطلع إليه صارخة بحدةٍ:
_أخوك العم إبليس وشجن كآبة منزلوش لسه يعني! أنت مش شاطر بس غير تتشطر عليا ونازل رن على الموبيل لدرجة إني حسيتك شوية وهتطلع تخنقني!
أتاها صوتًا رجوليًا يجيبها:
_وبعدهالك يا حنين مش هتبطلي لفظ إبليس اللي لازقهولي ده!
قالها من هبط الدرج يضم كف معشوقة طفولته يدًا بيدٍ حتى لا يعيقها فستانها الطويل، فابتسمت أشجان وهي تراقب معركتهما الواشكة على الابتداء، فأجابته حنين:
_والله بحاول أناديلك بشيء تاني بس هعمل أيه يابو زين إبليس هو اللي لازق على لساني.
ضحك مراد وهو يتابع زيتونية أخيه المشتعلة، فأبعد رحيم نظراته الغاضبة عنها وإتجهت لاخيه ليردد بسخطٍ:
_عاجباك أوي!
هز رأسه وهو يضم شفتيه ساخرًا، فردد بثباتٍ لزوجة أخيه:
_ممكن نستبدلها بأي ألقاب تانية.
صاحت حنين بحماسٍ:
_رحيم توابيت أفضل أيه رأيك؟
تحولت عينيه لاحمرار قاتم وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_متنادليش تاني يا حنين.
وتركها واتجه للخارج فلحق به أخيه، وظلت شجن لجوارها تحاول منع ضحكاتها التي تلاشت حينما وجدتها تصيح بصوت عالي:
_في لقب أحسن آ...
كممت شجن فمها سريعًا وهي تصيح بها:
_عدي الخروجة دي على خير يا حنين أبوس إيدك، بلاش تجري شكل رحيم إحنا في رمضان ومش حمل مناهدة.
هزت رأسها تؤكد إليها، فربتت على ظهرها ببسمة واسعة:
_شاطرة.. بينا بقى ليتعصب علينا.
لحقت بها وهي تشير باشمئزاز:
_انتوا اللي نازلين متأخر مش احنا أيه البجاجة دي متأخر وهيتعصب علينا كمان أهو ده اللي كان ناقص!
******
بالخارج.
استقبل الحرس الجوكر والاسطورة بفتح أبواب السيارة لهما، صعدوا من كل جهة، ليتفاجئوا بزين ومرين يجلسان على الأريكة المطولة المقابلة لمقعدهما، جحظت عين مراد صدمة وراح يردد:
_أيه ده؟!
وتابع بنفس الدهشة:
_مش مارال اللي كانت جاية معانا..
انحنى إليه رحيم يهمس إليه هو الاخر:
_مرين من أمته بتحب تخرج معانا!
همس الاخير بصدمة:
_أنا نفسك مصدوم ومش عايز أستوعب لاني لو استوعبت هبتدي أخاف على بناتي الاتنين!
لم يفهم مغزى حديثه الا حينما تساءل بصوت مسموع للصغرين:
_فين مارال؟
تطلعت مرين لابن عمها بحدةٍ، ومن ثم قالت:
_زين زعقلها ومخلهاش تيجي يا بابي، زعقلها وطلعها.
انتقلت زيتونيه لابنه تلقائيـًا، فكاد مراد بسؤاله المندفع تجاه هذا الصغير المتسلط على ابنته منذ ولادتها ولكن منعه رحيم حينما ناب عنه وسأل إبنه:
_أيه اللي حصل يا زين؟
جابه أباه بنفس زيتونته الجذابة، وصاح بضجرٍ:
_بابي حضرتك بتغير على مامي ومسؤول عن كل البنات جوه القصر، يبقى أنا كمان من حقي أغير عليها، نازلة لابسة فستان مبين جسمها ولا محترمة اننا في رمضان ولا إنها خارجة معانا!
وتابع بفخر بقراره الحازم وكأنه رجلًا يبلغ من العمر ما يهيأه لذلك:
_عشان كده زعقتلها وخليتها تطلع أوضتها.
جحظت عين مراد صدمة، وكز على أسنانه وهو يشير لاخيه بعصبيةٍ:
_إبعد ابنك عن بنتي يا رحيم أنا لحد الآن هادي وعاقل بتعاملي معاه بس بعد كده هفقد أعصابي وأنت عارفني لما بتحول!
حك جبهته وهو يخفي ابتسامته، وقال برزانة لم تتخلى عنه حتى بضعف موقفه:
_وماله يا مراد، الولد خايف على بنت عمه ده بدل ما تشكره إنه غيور وبيدافع عن نخوة العيلة قصاد الأغراب!
برق بعينيه وصاح بدهشة:
_نخوة أيه وغيور أيه، رحيم متستفزنيش دول لسه أطفال أنت سامع نفسك!
غمز له بمكرٍ:
_الحب في السن ده شيء مفروغ منه اسمع مني أنا خبير!
كز على أسنانه وهو يصيح بغيظٍ:
_اللهم طولك يا روح.
واتجهت عصبيته للصغير مردفًا:
_زين إبعد عن مارال ده تحذيري الأخير ليك، انتهينا!
ضحك الصغير وهو يهمس له:
_هحاول بس مش هوعدك يا إنكل!
ضحك رحيم واستشاط مراد، وخاصة حينما انضمت إليهم زوجاتهما، فجلست كلا منهما جوار زوجها، فمالت عليه حنين تخبره الضربة القاضية:
_مراد أنا مستغربة جدًا من مرين، عمرها ما قبلت تخرج معانا في مكان، وأول لما عرفت اسم صاحبك اللي ريحنله ده لبست ونزلت على طول!
استقام بجلسته وهو يهمس برعبٍ من القادم على بناته:
_أهلًا.. كده كملت!
******
انتهى طريقهما بعد دقائق قليلة، لتتوجه سيارتهما الفارهة أمام بوابة قصر الجارحي، فإنفتحت على مصراعيها واستكملت الطريق للداخل وكلا من الفتيات تراقبن الحدائق والقصر بانبهارٍ، حتى انتهت السيارة من طريقها لتتوقف أمام مدخل القصر الداخلي حيث يقف عدي الجارحي وزوجته باستقبالهم، ولجواره صغيره المتآلق ببذلة آنيقة مماثلة لما يرتديها أبيه، فما أن رآها تهبط حتى تهللت أساريره بشكلٍ أذهل من يراقبه من الشرفة، وقد بدى له صدق ما أخبره به عدي، وما كان منه الا ترسخ خطته نحو مستقبل حفيده المقرب!
........... يتبع.....
#ختامية_آل_الجارحي_بقلمي_آية_محمد_رفعت..
"*********_______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الأربعون 40 - بقلم آية محمد رفعت
بنات في جزئية مهمة أوي بالخاتمة الخامسة فيها تلميح لرواية أشباح المخابرات أقروها بتمعن وركزوا فيها مش هقدر أساعدكم بشيء لإن كده هحرق فكرة الرواية بس ركزوا فيها وخدوها اسكرين عندكم لان هتكون قايمة عليها ألغاز كتيرة أوي هتلاقوني كتبالكم تحتها (أشباح المخابرات) أقروها بتمعن وركزوا فيها ، لإن فيها خلاصة لبداية رحلة عظيمة جوه رواية أشباح المخابرات اللي فيها فك للألغاز ولشفرة الكلمات، ومتنسوش إن معادنا إن شاء الله الساعة 9 مساءًا بحبكم في الله
آية محمد رفعت.. ❤