تحميل رواية «أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الخامس من أحفاد الجارحي ترويض الشرس تركت يدك مرة فواجهتني الحياة بكل ما امتلكت من قوةٍ، وكأنها تخبرني بأنني مخطئة حينما سحبت قوة أماني من بين أحضانك، فاشتقت لضمة قبضتك القوية التي تساندني حينما اتعرقل بين زقاق أوجاعي، عساك تعلم بأن تلك الفتاة البسيطة ستواجه ما سيجعلها تتوق لوجودك لجوارها، ولكن تــــــرى هل ستجدك تشدد من ضمة يدها مثلما كنت تفعل أم ستبعدها عن جحيمٍ كانت سبب في اقتداد نيرانه!!!!!
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشرس! ...(#أحفاد_الجارحي5)
#الفصل_السابع_عشر!
(إهداء الفصل للمصممة الرائعة "يمنى الباسل" لما قدمته من أغلفة راقية لسلسلة أحفاد الجارحي، والقارئة الغالية "تقى حسام" كل سنة وأنتِ إلى الله أقرب عزيزتي ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم...قراءة ممتعة 💙)
ضمة حنونة على أصابعها، قبلات متفرقة على جبينها، أنفاس دافئة لفحت جبتها، والمميز رائحة البرفنيوم الخاص به، استحضرتها حواسها إليه، فرددت بهمسٍ ومازالت عينيها مغلقة:
_ياسيـن!
هلل إليها صوته الرجولي المحفور داخل ذهنها قبل أن يحتل غرف قلبها الاربعة، توثب إليها وهو يردد:
_حبيبتي!
فتحت عينيها بتعبٍ يبدو على انزعاج قسماتها، فوجدته قريبًا بمقعده منها، عاد ليلثم أصابع يدها المتعلقة بيده برقةٍ، وهو يعاتبها بألمٍ وضيق:
_ازاي متعرفنيش يا مليكة، أنا هتجنن وأنا بتخيل اني مكنتش جنبك في يوم زي ده!
منحته ابتسامة مشرقة، وبعدها نبرة يغوص بها عدم الانزعاج:
_عمر، كان جنبي.. أنا كويسة الحمد لله والبنت كمان بخير.
ضم وجهها بين يده وهو يقربها كليًا إليه، فتأوهت ألمًا حينما تحرك جسدها، أعاد رأسها للوسادة مجددًا وهو يشير لها بندم:
_مقصدتش أنا أسف!
عادت لتمنحه ابتسامتها الهادئة، فجلس ياسين لجوارها ثم جعل ذاته قاعدة صلبة لمرساها، فحملها اليه لتتكأ على صدره، حاوطها بذراعيه ومال على رقبتها وهو يخبرها بحزن:
_حتى لو عمر كان جنبك طول الوقت، ده ميمنعش اني لازم أكون موجود جنبك.
ابتسمت وهي تهمس له بمزحٍ:
_نعوضها المرة الجاية.
ضحك وأخبرها وهو يستند لرأسها:
_معتقدش اني هتحمل أشوفك كده تاني... يحيى وملاك نعمة وفضل كبير من ربنا.
مالت برأسها اليه كليًا، وهي تردد بدهشةٍ:
_ملاك!
ضمها لصدره وهو يجيب تساؤلاتها:
_قولتلك هختار اسم يقربني منك يا ملاكي!
تعلقت به بقوةٍ، فضمها ويده تعبث بخصلات شعرها المفرود، حانت منه نظرة جانبية لمن يغفو على السرير المجاور لها محتضنًا الصغيرة بين يديه، وكأنه يخشى أن يختطفها أحدٌ بعدم وجود أحدًا من العائلة، ورغبته الواهنة للنوم جعلته يستسلم بتعبٍ شديد، نهض ياسين ثم عاونها على التمدد بعدما رفع مستوى السرير للأعلى، فوضع وسادة من خلفها وجعلها تسترخي بجلستها، دنا من عمر فحاول سحب يده عن الصغيرة ليحملها بين ذراعيه، ولكنه فشل بتحريرها من بين ذراعه، فخشى أن يوقظه وهو يعلم كم غفى تعبًا لما بذله، لذا هبط على ساقه ليكون على نفس مستوى السرير، وتأمل صغيرته بعاطفة وسعادة كبيرة، فمرر يده على ذقنها الصغير وهو يردد بصوتٍ منخفض:
_ملاك وأنتِ ملاك تبارك الله.
طرقة سريعة وبعدها تحرر مقبض الباب ليظهر "ياسين الجارحي" من خلفه، بصحبة يحيى الذي انتهى من اجراءات المشفى، اندفع تجاه فراش ابنته، فانحنى وطبع قبلة على جبينها قائلًا:
_حمدلله على السلامة يا حبيبتي.
اتسعت ابتسامتها فرحًا وهي تردد بسعادة:
_الله يسلم حضرتك يا رب.
تراجع للخلف بينما دنى منها يحيى وهو يقدم باقة من الزهور البيضاء، وعاتبها بمشاكسةٍ:
_كده يا مليكة مش تعرفينا نكون جنبك؟
التقطتها منه بامتنانٍ، ثم قالت بحبورٍ:
_جت صدفة والله لولا قابلت عمر بالتوقيت ده مكنتش عارفة هتصرف ازاي!
تلقائيًا انتقلت الاعين تجاه السرير الذي يحتله عمر بالصغيرة، فاسرع يحيى اليه وأشار لياسين:
_حابب أشيلها.
ضحك وهو يخبره:
_مش عارف أسلكها من عمر.. تقريبًا بيقرأ كتير عن الاطفال اللي بتتسرق وبتتبدل من المستشفيات!
تحرك ياسين الجارحي تجاه عمر بنظرة عميقة أحاطتها الشفقة، فهزه برفقٍ وهو يناديه:
_عمر.
مجرد سماعه لصوت أبيه نهض عن الفراش سريعًا وهو يجيبه بنومٍ يجاهد بإخفاء أثاره عن عينيه:
_بابا.. عدي عامل أيه دلوقتي؟
وضع ياسين يده على كتفه الأيمن وهو يشير له بحزمٍ:
_ارجع القصر كمل نومك.. ومتقلقش عدي خارج النهاردة.
كاد بالاعتراض فسحب العالق على لسانه حينما رأى نظراته الصارمة، جذب جاكيته وأشار لياسين قبل أن يغادر:
_مبارك ما جالك.. تتربى في عزك ان شاء الله.
منحه ابتسامة هادئة وهو يجيبه:
_تسلم يا عمر.. حقيقي مش عارف أشكرك ازاي.
أشار له بابتسامة صغيرة، وغادر وهو يجاهد تمزق أضلاعه وصداع الرأس الذي لا يفارقه منذ الأمس، حمل ياسين الجارحي الطفلة ببسمة تسللت اليه، قبلها على خديها ثم قال بمحبة:
_شبهك يا مليكة.
زمت شفتيها وهي تردد باستياء:
_كنت عايزها شبه حضرتك.
رفع احد حاجبيه بمكر، فقال وهو يضعها بين يدها:
_معتقدش.. ميولك الاكبر لياسين مش ليا.
احمر وجهها خجلًا، فابتسم ياسين وهو يتأملها بحبٍ، استقام بوقفته فاضاء هاتفه برسالة جعلته ينسحب على الفور بضيق شديد..
********
كان عليه ادارة المقر بمفرده بعد غياب "عدي" و"ياسين" و"رائد"، فعاونه "جاسم"، و" معتز"، فرك "أحمد" رأسه بتعبٍ شديد، فحرر جرفاته باختناقٍ يجاهده وهو يعمل بتخبط على عدد من الملفات، فبحث عن ريموت (التكيف) حتى يرفع من درجاته قليلًا، فاستمع لصوت اشارته وبالفعل علت درجاته دون أن يستعمله، التفت جانبًا فوجد "حازم" من قام برفعه، ثم اقترب من مكتبه فجذب احد المقاعد وهو يشير لمن يتابعه:
_خليني اساعدك.. هراجع الحسابات وأنت راجع ورايا.
رفع أحمد حاجبه بشكٍ:
_من أمته ده؟
ابتسم وهو يخبره:
_صعبت عليا وجاي أساعدك.. ثم إني ملزوم بواجبات تجاه أخويا الكبير!
منحه أحمد ابتسامة هادئة وراقبه وهو يراجع الحسابات بمهارةٍ واتقان، فعاون أحمد على انجاز عدد ضخم من الصفقات المؤجلة، ولج "جاسم" للداخل وعلى ما يبدو بأنه يحاول استيعاب ما يحدث بالداخل والسبب الذي أتى به لمكتب احمد مهرولًا، تغاضى عما يحدث مع حازم بتلك اللحظة ورفع الورقة أمام أحمد الذي تساءل بدهشة:
_ده أيه؟
قال بانبهارٍ وذهول تام:
_أنت اللي المفروض تفهمني الفاكس ده وصلنا ازاي والصفقة اخدها مهاب أبو العزم!!
التقط احمد الفاكس منه بسعادة، وانتصار تلألأ على حدقتيه، فوضعه جانبًا واسترخى بجلسته وهو يرد على سؤاله:
_ الرد المناسب على اللي عمله الكلب ده.. خطف مروج مكنش ينفع نعديه بالساهل، هو كان فاكر انه اخد المناقصة ميعرفش اني عشت عمري كله بالسوق وعارفه أكتر منه، عدي اداه الضربة الصح وأنا كملت عليه بتعديلات عرض رائد أظن ان الدرس اللي أخده دلوقتي هيعلمه ازاي يتعامل مع شركات الجارحي كويس!
رمش بعينيه عدة مرات وهو يحاول استيعاب ما يحدث هنا، فقال:
_يعني عايز تفهمني أن مهاب ده خسر المبلغ الكبير اللي دفعه مقدم للمناقصة!
هز رأسه بتأكيدٍ، فألقى جاسم الفاكس عن يده وانحنى فوق المكتب حتى لامس كتف أحمد، فصاح بحماسٍ:
_دماغ معلم بصحيح.
تأوه أحمد من شدة الضربة، فانتصب جاسم بوقفته وهو يشير له بمزح:
_حقك عليا... بس أنت دماغك دي دهب والله العظيم.. اللي عملته مع مهاب هيسمع في السوق كله لان العرض اللي اتقدم منك للشركة كان بإسم أحمد الجارحي.
غامت عينيه بشعلة من الغضب، فردد بشراسةٍ:
_اللي خلاني اعمل كده يا جاسم لاني حسيت ان الكلب ده هو اللي ورا اللي حصل لعدي.. مش عارف ليه عندي احساس قوي انه حب ينتقم منه بعد اصراره انه يكمل في المناقصة، أنا مهمنيش الخسارة اللي هتحملها في تقليل المبلغ اللي قدمته بالعرض عشان اضمن انه أفضل من عرض شركة مهاب حتى لو هدفع الخساير من حسابي الخاص بس المهم ان الصفقتين مطلعوش بره شركات الجارحي.
قاطع حازم حديثهما حينما قال:
_انا كمان شكيت انه يكون ورا اللي حصل لعدي، بس لما فكرت كويس في كلام رائد حسيت اني توهت، ليه عايز يتخلص من رائد طالما عدي اللي لاعبه على تقيل!
رد أحمد بحيرةٍ:
_مهو ده اللي أنا مش فاهمه.. بس الاكيد ان عمي عارف بكل الحوارات دي من الاول عشان كده داخل عدي قصاد مهاب.. في شيء احنا منعرفهوش!
فتح معتز الباب وهو يجيبه ساخرًا:
_بمناسبة كلامك عن ياسين الجارحي فهو اول ما وصل من دقيقة طلبك لمكتبه حالًا.. وحالًا دي تقلق!
ابتلع حازم ريقه بصعوبةٍ بالغة، فتعلق بذراع اخيه وهو يشير له:
_بلاش تروح يا أحمد.. هتتعلق.
انفجر جاسم ضاحكًا، وردد بسخرية:
_خايفة على، أخوكي يا بيضة.
لكزه بعنفٍ وهو يتابع حديثه بمرحٍ:
_بص يا أحمد انت صعبت عليا وأنا قررت اساعدك على هذا الاساس، لكن ياسين الجارحي والحوارات اللي اكبر مني دي مقدرش انجدك منها.. روح شوفه عايزك ليه وأنا هستناك هنا لحد ما ترجع.
وزع نظراته بينهما بسخطٍ، فتركهما وكان بطريقه لمكتب ياسين حينما دق هاتفه للمرة الثالثة، رفع احمد الهاتف قائلًا:
_أيوه يا حبيبتي.
انكمشت تعابيره بدهشةٍ:
_دلوقتي! لا صعب يا أسيل انا مشغول جدًا روحي انتي المدرسة وشوفي في أيه!
مرر يده على جبينه وهو يحاول حجر انفعالاته:
_يعني يا أسيل من غيري مش هتعرفي تحلي الموضوع.. أنا نفسي أحس انك يعتمد عليكي مش عندي تلات أطفال.
جز على شفتيه من نبرته القاسية، وعاد لاتزانه مجددًا وهو يخبرها:
_دقايق وهكون عندك.
وأغلق الهاتف ثم اعاده لجيب سرواله البني، وتابع الصعود للاعلى حتى ولج لمكتب ياسين الجارحي.
*****
هاجمته عواصف رعدية جعلته مخيفًا وهو يعبث بسلاحه الأسود، ومع ذلك استجمع الرجل شجاعته وهو يسترسل حديثه الغير مرغوب بسماعه بتلك اللحظة:
_الادارة باعتتلنا فاكس الصبح ووقفوا تنفيذ العرض لصالح شركة تانية.
بثباتٍ قاتل قال ومازال يلهو بسلاحه فوق ذاك المقعد الذهبي:
_شركة مين؟
ازدرد الرجل ريقه الجاف بصعوبة بالغة، وهو يصرح عن أخر اسمًا قد يود سماعه:
_الجارحي... أحمد الجارحي اللي قدم العرض.
رفع يده بكل سلاسة واطلق الزناد ليغزو رصاصه صدر من أمامه يحاول استعاب الصدمة والألم الحاد الذي توغل لصدره للتو، ارتعب من حوله وهم يراقبون مصير زميلهم لمجرد نقله لهذا الخبر اللعين، نهض "مهاب" عن مقعده وهو يصرخ بعصبية فاقت الجنون:
_معتش ورايا غير عيلة الجارحي.
وعاد ليطلق نيرانه عليه من جديد، فاصابه مجددًا بكتفه الايسر حتى أغلق عينيه استسلامًا للموت، فاستكمل صراخه المريض:
_بتكلمني عن خسارة الصفقة بكل برود..بروح أمك دول ٣٠مليون دولار!!!
واستدار تجاه من يراقبه ليصيح بانفعال:
_كمال... انا عايز كل اللي يخص الواد ده حالا... لازم يدفع تمن الخساير دي.
هز رأسه بخفة، ومن ثم قال بترددٍ:
_يا باشا العيلة دي مش سهلة، كل ما هتفكر تقف في وش واحد فيهم هتلاقي اللي يأذيك ومش هتعرف الاذية جيالك منين.
واسترسل حديثه حينما وجده يتابعه باهتمامٍ:
_أول حاجة لازم تخلص من عدي لانه هو الشوكة اللي هتصيب ياسين الجارحي، صدقني بعدها مس هتلاقي اللي يقفلك.
هز رأسه نافيًا وهو يتابع نسخة العقد الذي قدمه أحمد من أمامه:
_الواد ده باين عليه مش سهل، ولو قرر يضربني في شغلي مش هيكون عندي اللي اتسند عليه عشان اكمل اللي في دماغي.. اعرفلي عنه كل حاجة.
استسلم لما يجوب برأسه وغادر لينفذ ما يريد... عساه بات على عتبة الخلاص من ذاك العالم برحلة نهائية لا عودة منها.
******
بمكتب "ياسين الجارحي"
طرق أحمد مرتين متتالتين، وحينما استمع لصوته الرخيم يأمره بالدخول، ولج للدخول بخطوات مرتبكة، فوجده يجلس أمام الشرفة ويرتشف قهوته بثباتٍ قاتل، دنى منه أحمد ثم تنحنح بتوترٍ:
_حضرتك طلبتني؟
رفع عينيه عن النافذة ثم تطلع له بنظرة ثاقبة، فألقى على الطاولة التي تفصل بينهما نسخه من عقد الاتفاق وقال بصرامة:
_فهمني أيه ده؟
رمش بعينيه بارتباكٍ وهو يراقب العقد، ثم قال:
_ده رد معتبر على الحيوان ده بعد اللي عمله، مهو أكيد مش هنسكت بعد اللي عمله مع مروج وعدي... أنا واثق ان اللي حصل لعدي كان هو اللي وراه يا عمي.
نهض ياسين عن مقعده بغضبٍ، جعل احمد يضع عينيه أرضًا بوقارٍ له، فتحررت كلماته الحازمة:
_خليك برة الحوار ده يا أحمد ومتحاولش تتدخل بأي شكل من الأشكال.
رفع عينيه تجاهه ثم قال باستنكار:
_ازاي وهو كان هيقتل أخ من اخواتي! هو مش حضرتك علمتنا ندافع عن بعض ولو وصلت للحرب هنحارب عشان واحد مننا ميمسوش مكروه!
اقترب منه ياسين ثم قال بهدوءٍ تحلى به بعد سماعه:
_الحرب دي لو أنا مش موجود فيها يا أحمد، أنا بنفسي اللي هحل الموضوع ده.
وأشار على العقد وهو يسترسل بنفس نبرته :
_أنا عارف انك ذكي وقد ثقتي فيك، وجودك انت وياسين بالمقر هو أساس كمالة اللي عملته انا ويحيى، بس بلاش تدخل شغلك في رهان هيجي عليك وعلى اللي يخصك.. الانسان ده مش سهل اللعب معاه يا أحمد أنا اللي فاهم دماغه وعارف هو بيفكر ازاي، واللي عملته ده هيكون له ردة فعل أنا هكون جاهز ليها..
انتابه الشك أكثر بعد سماع ما قاله، فسأله بلهفة:
_هو أنا ليه حاسس ان حضرتك عارف حاجة خطيرة عن مهاب ده وساكت.. فعلا اسلوبه وطريقته مع عدي مش مفهومه!
وضع ياسين يده على ذراعيه ثم قال:
_متشغلش بالك بالموضوع ده.. انا عايزك تفوق للمقر لحد ما الدنيا ترجع زي الاول.
هز رأسه بتأكيدٍ، واستأذن بالانصراف للذهاب لمدرسة ليان ليعلم ماذا هناك، بعد رحيل أحمد ولج يحيى للداخل وعلى ما يبدو بأنه كان يستمع للحوار المتبادل بينهما من البداية، فاقترب منه ثم قال بملل:
_وبعدين يا ياسين حوار مهاب ابو العزم ده طول أوي ولازم يتحطله حد.
استدار تجاه النافذة من جديد، ثم وضع يده بجيب جاكيت بذلته الانيقة، ليجيبه بضيقٍ:
_عثمان قدر يعرف المكان اللي مستخبي فيه ولما اخد الحرس وراحوا المكان مكنش له وجود!
جلس يحيى على الاريكة الجانبية وهو يردد بتفكير:
_تفتكر أمجد السلاموني ده اللي بيحميه!
ضيق عينيه بغموضٍ تام:
_بالعكس امجد السلاموني متداري ورا اسم مهاب أبو العزم والحياة الجديدة اللي هو بناها وسط كبار رجال الاعمال.
واستطرد بغضب:
_اللي عمله أحمد الكلب ده مش هيعديه بالساهل، وخصوصًا وجود مصطفى عندي، هيكونله رد فعل والاكيد ان القصر مبقاش أمان بالوقت الحالي، على الاقل البنات وأولادهم يكونوا بمكان بعيد عن القصر.
سأله يحيى بدهشة:
_وهنعمل ده ازاي؟
مرر يده بين خصلات شعره البني الذي يكسوه اللون الأبيض بتناغمٍ:
_ده اللي بفكر فيه!
******
رأته يقف أمامها برأس تشبه الأفعى، سمه الخبث يموج فكاد بأن يصل إليها، تراجعت للخلف وهي تتوسل له بالا يزيد من قربه البغيض، ومع ذلك كان يتعمد الاقتراب منها، البرودة تسللت لأطرافها رويدًا رويدًا، حتى لسانها كأنه أصيب خلف حاجز من البرودة جعلته يحجز عن الحديث، حررت صرخة كبتت داخلها رغمًا عنها، فتسللت لمسمع الغافل جوارها، نهض "عدي" عن فراشه بصعوبةٍ، ثم تحرك للسرير المجاور له، تفاجئ بتصلب جسدها الغريب، فأمسك يدها وهو يناديها بفزعٍ:
_رحمة فوووقي مالك؟
وعاد يناديها من جديدٍ بصراخ تسلل اليها:
_رحمـة!
فتحت عينيها الباكيتين على مصرعهما، وهي تبتعد عنه ظنًا من إنها مازالت محاصرة بنفس الحلم اللعين، استعادت واعيها الغائب وتمعنت بمن أمامها، انهمرت دمعاتها وهي تزحف تجاهه، فالقت ذاتها بين احضانه تبكي كالصغيرة التي تشكو مما رأته، فرددت بانهيار:
_عدي!
ضمها اليه بذراعه الايسر وقد اعترته الشكوك لما يحدث لها، وبنسبة قليلة ظن بأنها مازالت تخاف أن يحدث السوء اليه، حتى وان تراقصت ظنونه حول ما يحدث معها قبل الحادث، فضمها اليه وهو يهدهدها بصوته الهادئ:
_متخافيش أنا جنبك... حاولي تستوعبي اننا عدينا المرحلة دي يا حبيبتي.. خلاص كل شيء انتهى وانا هنا جانبك!
ابتعدت عنه وهي تجاهد لرسم ابتسامة صغيرة، فخشيت بأن يعلم بما تخفاه لذا أشارت له وهي تتفحص ساعتها:
_هقوم اتوضى وأصلي الظهر قبل ما السواق يجي يرجعنا القصر.
اكتفى بإيماءة بسيطة لها، فتابعها حتى ولجت لحمام الغرفة بغموضٍ!
********
وصل أحمد لمدرسة ابنته الخاصة في دقائقٍ معدودة، فصف سيارته على طرف الطريق، ثم التقط الكيس الذي يحوي الحلوى والشوكولا، وهبط مسرعًا للداخل، قاصدًا غرفة المديرة، طرق الباب مرتين متتاليتين وحينما استمع صوت يأذن له بالدخول، ولج للداخل وهو يبحث بعينيه عن زوجته وابنته، فحانت منه نظرة جانبية لفتاة تبكي وتتعلق بيد والدتها التي تصيح بوجه آسيل بانفعالٍ:
_حتى لو بنتي غلطت بنتك ملهاش الحق انها ترفع ايدها عليها!
احتضنت آسيل ليان ثم قالت مدافعة عما فعلته ابنتها:
_بنت حضرتك هي اللي استفزتها بالكلام ومش دي أول مرة تعملها، ليان سبق وحكتلي انها بتتعمد تناديها باسمها الكامل وتقولها ليكي أبين!!
واسترسلت حديثها بشراسةٍ واندفاع:
_المفروض تربي بنتك الاول ازاي تتكلم مع زمايلاها قبل ما تقفي وتغلطي بنتي!
تدخل احمد على الفور، بعدما تسرب لمسمعه صورة مختصرة لما حدث هنا، فقال برزانةٍ:
_مفيش داعي للعصبية دي في وجود البنات، ممكن نحل الموضوع بطريقة أفضل من كده.
ارتحت تعابيرها المشدودة حينما وجدته لجوارها، فتركت له الساحة باطمئنان، أسرعت ليان تجاهه، فتعلقت بيده وهي تتابع بكاء زميلتها بنظراتٍ حزينة، تطلعت تجاهه الأم وتساءلت بهدوءٍ غريب لا يلامس حالتها التي كانت بها منذ قليل:
_حضرتك والدها؟
أجابها ويده تشدد على يد ليان الصغيرة:
_أيوه.
ثم اشار لهم وللمدير قائلًا:
_لو ممكن هاخد بنتي بره شوية أعرف منها اللي حصل وبعد كده نحل الامور.
نهض المدير عن مكتبه وهو يشير للباب بصدرٍ رحب:
_اتفضل حضرتك.. خد راحتك.
خرج بها أحمد، واختار الجلوس على الأريكة المزخرفة برسومات كرتونية مبهجة وسط ساحة المدرسة، جلست ليان جواره بصمت والضيق يتمكن من ملامحها الغاضبة، جذب احمد الحقيبة التي يحملها، ثم جذب قالب من الشوكولا وقربه منها، فحملته بابتسامةٍ واسعة، ضمها اليه وهو يخبرها :
_مش عايز أشوفك زعلانه تاني.
هزت رأسها بانصياعٍ، فاستغل فرصته حينما قال:
_قوليلي أيه اللي حصل.. وفعلًا انتي رفعتي إيدك على البنت؟
عادت لتهز رأسها حرجًا لما فعلته، لم يبعدها عن احضان حنانه، واسترسل حديثه بهدوءٍ:
_مهما كان اللي قالته أو عملته مينفعش ترفعي ايدك عليها يا ليان.. حبيبتي أنا عارف انتي بتواجهي أيه بس عايزك قوية.. تقفي في وش أي حد وتجوابي على سؤالهم اللي مش هتخلصي منه طول حياتك.
ورفع وجهها اليه وهو يستكمل:
_عرفيهم أن الأب هو اللي ربى وكبر وإني باباكِ حتى لو اسمي مش ورا اسمك.
ازاح دمعاتها عن وجهها، وطبع قبلة على خدها الرقيق ثم قال بحزنٍ:
_لو أنتي ضعيفة قدامهم محدش هيرحمك.. ودلوقتي عايزك تعتذري عن اللي عملتيه.
وناولها قطعة اخرى من الشوكولا مماثلة لما تحملها وهو يشير لها:
_اعطيها لزميلتك.
أزاحت دمعاتها عنها ثم نهضت وتعلقت بذراعيه فعادوا معًا للداخل، تفاجأت آسيل حينما وجدت ابنتها تعتذر وتقدم الشوكولا للفتاة، التي بدورها اعتذرت لها هي الاخرى فضمت كلا منهن الأخرى، لينتهى هذا الجدال سريعًا، شكرته والد الفتاة متعمدة ابداء اعجابها بشخصه المتزن، فقالت باعجابٍ:
_أنا بشكر حضرتك انك اتفهمت الموقف وحلته بدون ما يكبر، حقيقي اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ احمد.
كبت أحمد ضحكة كادت بالانفلات منه وهو يراقب النيران تكاد تتقاذف من عين آسيل التي تراقبها بغيظٍ، شكرها بعملية باحتة ثم استأذن المدير بالانصراف، رفضت آسيل الصعود لسيارة أحمد، فسألها بتعجب:
_أنا غلطت في أيه دلوقتي!
ضحكت ليان ثم قالت بمكر:
_كنت عارفة إن مامي هتتضايق من طريقتها مع حضرتك بالكلام.
أشار لها بابتسامته المرحة:
_سبينا نتناقش بالموضوع يا ليو.. اركبي انتي.
صعدت الصغيرة للسيارة بالمقعد الخلفي، فانفجرت آسيل بما خبئته بداخلها بغيظ:
_اتشرفت بمعرفتك يا استاذ أحمد.. كان ناقص تقولك هات رقمك عشان متبقاش أخر مرة نتعرف فيها!
تقمص دور الحزين بامتيازٍ، حينما قال:
_كده مش انتي اللي اتصلتي بيا وطلبتني أجي!
ذمت شفتيها بسخطٍ:
_وياريتك مجت ضيعت حق البنت.
أوقفها باشارته الجادة:
_الاتنين غلطنين..ومكنش ينفع انك تتعصبي على البنت بالشكل ده!
ثم أشار للسيارة بضيق:
_اركبي نقعد في أي مكان ونتكلم.. هنا مينفعش.
واسترسل حديثه وهو يعبث بازرار هاتفه:
_انا هكلم حد يجي ياخد عربيتك ويرجعها القصر.
استسلمت لما قال، وصعدت جواره بالمقعد الامامي، فاتجه بهما لاحد المطاعم التي تحبها ليان كثيرًا لوجود مكان خاص بالاطفال، يحوي الكثير من الألعاب الشيقة، فما ان انتهت من تناول طعامها حتى اتجهت للحديقة تلهو أمام أعينهم، فاستغل أحمد بقائهما بمفردهما، وقال بصوته الرخيم:
_آسيل.. أنت اتضايقتي من طريقة كلامي معاكي على الموبيل؟
التفت برأسها تجاه ليان متعمدة الا تجيبه، فاستدار جانبًا وهو يتفحص المكان من حوله، ثم تسلل بيده ليدها التي تضم كوب العصير، تفاجأت به، فتطلعت تجاهه لتجده يمنحها أجمل ابتسامة تعشقها، وهو يخبرها:
_حقك عليا كنت بايخ بصراحة.. بس لازم تعرفي ان ده بوادر الارتباك قبل دخولي لمكتب ياسين الجارحي.
بررت سبب استيائها حينما قالت:
_لا مزعلتش.. أنا اللي مضايقني المواقف اللي بتمر بيها ليان.
قرب مقعده منها وحاول قدر المستطاع البقاء قربها علها تلامس صدق حديثه:
_اللي بتمر بيه مش سهل.. بس انا مش هتخلى عنها يا آسيل هكون جنبها دايمًا.
ابعدت كوب العصير عن يدها وهي تخبره بسخرية مؤلمة:
_لحد امته يا أحمد... هنكون جنبها ازاي بره البيت ولو دافعنا عنها مرة هنقدر التانية! الموضوع ده لازم يتحل انا مش مستعدة اشوف بنتي بالحالة دي.
واستطردت حديثها قائلة:
_انا أساسًا قدمت ورقها في مدرسة تانية وهتتنقل ليها من أول الشهر الجديد.
قال باستنكار لحلها الذي تعتقد كونه مثالي لحالة ابنتها:
_وده الحل!
تعمقت بالتطلع لعينيه وهي تجاهد السيطرة على دمعاتها، ان نجحت بتخبئة الأمر عن زوجها كيف ستنجح بالصمود أمام صديق طفولتها الذي يعلم ما بها من قبل أن تخبره! ، ضيق أحمد عينيه بدهشة وهو يتابع تلك التجمعات بعينيها الدامعة، فردد باستغرابٍ:
_اللي حصل ميستهلش كل ده!
تدفقت تلك الدمعة لتحرر معاناتها، فتساءل أحمد بقلقٍ:
_مالك يا آسيل؟
سحبت يدها عنه وابعدت مقعدها وهي تدنو من الحديقة مرددة بفزعٍ:
_ليان فين؟؟ ... فين ليان يا أحمد؟
نهض خلفها ثم جذبها لتكون قبالته:
_ليان بتلعب قدامك.. قوليلي بتخبي عني أيه وخايفة عيونك تفضحه!
رفعت عينيها تجاهه ثم قالت بصوت باكي:
_أأأنا.. أنا.
وتركته واتجهت لحقيبتها ثم جذبت ملف وقدمته له، التقطته منها ثم فتح محتوياته فصعق مما رأه، رفع الشهادة التي يحملها تجاهها ثم قال:
_ازاي قدرتي تعملي كده؟!
أجابته بصلابةٍ مخادعة:
_قدرت... قدرت وانا مبفكرش غير في المعاناة اللي بنتي عايشاها.. أنا بنتي كل يوم بترجع من مدرستها ودموعها في عنيها، أنا خلصتها من أكبر عذاب هتعيش فيه.
جحظت عينيه في صدمةٍ، فصاح بعصبية بالغة:
_وأنا مكنتش قادر اني اكتبها باسمي واعمل اللي عملتيه؟!
والقى الشهادة ارضًا وهو يصرخ بها:
_ده غلط وربنا محرمه ازاي ترتكبي ذنب كبير زي ده ومن ورايا بتخططي وتنفذي من ورايا يا آسيل؟
وجذبها من معصمها وهو يسترسل:
_ويا ترى بقا دفعتي رشوة كم عشان تعملي كده!!
وزعت نظراتها بينه وبين الناس التي تجمعت من حولهم، حتى ليان اتت اليهما مسرعة، استعاد أحمد ثباته بصعوبةٍ بالغة، فاتجه للطاولة ثم وضع مبلغ من المال واتجه للخارج سريعًا، جمعت اسيل الاوراق واسرعت من خلفه حتى صعدت للسيارة، لزم الصمت طوال الطريق، حتى هي خشيت الحديث أمام الصغيرة فتستمع لحديثهما، وما أن وصلوا للقصر حتى ولجت من خلفه لغرفة المكتب الرئيسية، نزع عنه جرفاته ومن ثم خلع جاكيته واستدار ليكون قبالتها، فاوقفها قبل ان تلفظ بحرفٍ وهو يشدد على كلماته:
_أي وسيلة هتحاولي تبرري بيها اللي حصل هتسقطك من نظري أكتر يا آسيل... متحاوليش!
ترقرقت عينيها بالدموع وهي تشير له:
_على الاقل اسمعني يا أحمد.
_اسمع ايه! الموضوع ده مخلصش في يوم وليلة انتي مرتباله بقالك كتير أنا كنت فين من حساباتك دي كلها!
قالها مشدوهًا وهو يحاول استيعاب ما فعلته، قطعت المسافة القصيرة بينهم، ثم وضعت يدها على يده الموضوعة على المقعد من أمامه، وقالت بصوت متقطع من البكاء:
_يا أحمد اسمعني أنا آ.
سحب يده منها، واستقام بوقفته وهو يخبرها بجفاءٍ:
_اللي عملتيه ده مش مشكلة هتتداري فيا وهحميكِ، ده ذنب وعقابه كبير عند ربنا أنا ولا أنتي نقدر نقف قصاده!
ببكاء رددت:
_واللي بيحصل مع بنتي ده أيه؟ حلال!
اعاد خصلاته المتمردة للخلف بعصبية بالغة:
_دي انساب يا آسيل ولما انا كنت حابب اعمل ده سمعت لشيخ من الأزهر واتراجعت.. انتي ليه مش قادرة تفهمي!
_في ايه يا ولاد صوتكم عالي وطالع لما لبره!
سؤال طرحه أدهم الذي أسرع اليهما بقلقٍ من سماع صوت شجارهما الصاخب، وحينما لم يستمع لجوابٍ واضح لسؤاله دنى منهما وهو يطرح سؤاله بشكلٍ مباشر:
_في أيه يا أحمد؟
لم يعتاد أن يكون في واجهتها وضدها حتى تلك اللحظة يكاد يقتل ببطءٍ على أن يشكو مما فعلت لأبيها، لذا جذب جرفاته وجاكيته وقال باحترامٍ قبل أن يتوجه للخروج:
_أنا آسف يا عمي.. الموضوع عند آسيل لو هي حابة تتكلم ليها حرية الاختيار لكن أنا مش هقدر اتكلم.. عن إذن حضرتك.
وكاد بتركهما فاوقفه ادهم قائلًا:
_لو مش حابب تتكلم يبقى على الاقل تستنى وتسبني أشوف بنتي غلطت في أيه؟
أومأ برأسه فاختار الجلوس على اريكة بنهاية الغرفة، اما ادهم فجلس على المقعد القريب من ابنته، ثم أشار لها بالجلوس، جلست وهي تخفض عينيها أرضًا خشية من مواجهة ابيها، فركت اصابعها بتوترٍ بالغ مما ستخبر به أباها، فقال بخوفٍ من حالتها الغير مبشرة بالمرة، خاصة وانه طوال تلك المدة كان بين الحين والاخر يتدخل بحل بعض المشاكل المتبادلة مع ابنه جاسم وزوجته داليا، ولكن لم يسبق له ولو لمرة التدخل بين ابنته وأحمد الزوج المثالي الذي كان يقدم لها حماية تطوف بها عن أهلها حتى وان كانت مخطئة كان يصر على المواجهة بينهما دون أن يتدخل طرف ثالث، والآن رغمًا عنهما قد ذاع عنها، وزعت نظراتها بينه تارة وبين ابيها تارة اخرى، تمنت لو تدخل أحمد للدفاع عنها مثلما كان يفعل دومًا ولكنه بقى صامتًا يتابعهما بسكونٍ، ترقب ادهم ما ستقول فخرجت عن صمتها حينما قالت بتوترٍ:
_أنا غيرت شهادة ليان يا بابا.
انتابه غضبًا شديدًا ببدأ الامر مما فعلته، ولكن حالتها جعلته يسترخي ويتحكم بانفعالاته، فقال بثباتٍ:
_مش هسالك ليه عملتي كده لاني عارف هتقولي أيه، بس قوليلي انتي راضية عن اللي عملتيه!
رفعت عينيها تجاهه وانفطرت بالبكاء وهي تجيبه:
_لو ده هيحميها من المشاكل وهيخليها سعيدة فانا راضية.. أنا عارفة ان ربنا رحيم وميقبلش الظلم.. مش هيهون عليه يشوف بنت صغيرة بتعاني.
بعقلانية اخبرها:
_ولنفترض ضمير ابوها صحي بيوم من الايام ورجع يطالب ببنته ساعتها هتعملي أيه؟
انتفضت عروقها بانفعالٍ قاتل، ورددت بشراسة:
_محدش هياخد مني بنتي ولو على موتي... انا عملت كل ده عشان احميها منه ومن اللي عايز يعمله؟
صعق كلا منهما، فتساءل ادهم باستغرابٍ:
_يعمل أيه؟
ابتلعت ريقها بتوتر قاتل، فنهض احمد عن الاريكة واقترب منهما وهو يتساءل بشكٍ:
_أنتي مخبية ايه تاني يا آسيل... اتكلمي!
بكت بصوت مسموع وهي تحاول الحديث من وسط نوبة بكائها:
_من فترة بيوصلني رسايل تهديد منه انه هياخد ليان مني لو محولتوش كل أول شهر المبلغ اللي بيطلبه، ونبه عليا اني معرفش حد بالموضوع وفعلًا كنت ببعتله الفلوس بس الموضوع زاد عن حده بقى يظهرلي في كل مكان اروحه!
كانت صدمة لهما ولكن لاحمد النصبب الاوفر، فقال بغضبٍ جامح:
_يعني بتكلميه وبتبعتيله فلوس وزورتي شهادة ميلاد للبنت وكل ده وأنا فين من حسابــــاتـك!! كنت مستانية أيه عشان تقوليلي مستانية الكلب ده يخطف البنت ولا يطلب شيء منك ألعن من الفلوس مهو شايفك سهلة معاه وبتلبيله كل طلباته!!
وضعت يدها على فمها تكبت شهقاتها صدمة مما استمعت اليه، فاستدارت لابيها الذي قال بحزن:
_كلامه صح ومغلطش في حاجة، انتي غلطتك كبيرة ومفهاش عفو.. على الاقل عرفي جوزك او حد فينا انتي مش عايشة لوحدك!
جذبها احمد من معصمها وهو يتساءل بشكٍ:
_مين اللي ساعدك تعملي الشهادة، انتي متعرفيش تتصرفي التصرف ده لوحدك؟ قوليلي مين؟
_أنا اللي عملت كده.. لكن مكالماته ليها مكنتش اعرف عنها شيء.
صعق أحمد وادهم حينما ولج جاسم للداخل وهو يعترف بمساعدته لشقيقته التي لجأت اليه، ولم يقوى على تحمل رؤيتها بتلك الحالة، فانصاع اليها وقدم كل مساعدته اليها، منحته آسيل نظرة اعتذار لما جعلته يخوضه من موقف لا يحمد بالوقوف أمام ابيه وأحمد، وخاصة حينما تقدم ادهم ليكون قبالة ابنه فردد بصدمة:
_أنت بدل ما تعقل أختك وترجعها عن الغلط ساعدتها تعمل كده؟ لو مكنتش عارف تتصرف على الاقل كنت ترجعلي!!!
واسترسل بحدة:
_انا ممتش لسه!!
رد مسرعًا:
_بعد الشر على حضرتك.. بس أنا عملت اللي شوفته مناسب.. ليان وآسيل بيعانوا لحد النهاردة انا كنت حابب اساعد مش أكتر.
تدخل احمد بالحديث حينما قال بضيقٍ:
_تصرفك غير مبرر يا جاسم.. انت عاقل كفايا عشان تميز بين الصح والغلط.
وجذب الهاتف عن يدها وهو يردد:
_انا اللي هوقف ال** عند حده.
وغادر من أمامهم، ليترك مجال الحديث بينهم، تطلع ادهم اليه بصرامة اتبعت حديثه الحاد:
_اللي عملته انت واختك غلط وحقيقي انا مش عارف أقول ايه لاحمد؟
ارتمت آسيل على صدره تبكي بانهيار وهي تردد:
_غصب عني والله يا بابا أنت متعرفش اللي أنا بحس بيه وانا شايفة ليان بالحالة دي!
ضمها ادهم اليه بحزن، فربت على ظهرها وهو يخبرها بحنان:
_ده ميمنعش انك غلطتي.. مش عارف أحمد هيحل المصيبة دي ازاي!
وأبعدها عنه وهو يشير لها:
_هنتكلم بعدين.. اطلعي ورا جوزك أهم.
هزت رأسها بتفهمٍ، مسحت دموعها واسرعت خلفه للاعلى، لم يبقى سواهمت بالغرفة، نظرات أبيه كان بها عتاب قاسٍ، لذا تخلى جاسم عن صمته حينما قال باستسلام:
_ممكن اكون اللي عملته غلط بس حسيت انه هيريحها وآ..
قاطعه بحسمٍ دون جدال بتلك النقطة:
_الحرام والحلال مفهوش حسيت بالراحة! ، وبعدين مسألتش نفسك لو الواد ده قدم بلاغ انه أبوها الحقيقي مصيرك ومصير اختك كان هيكون أيه؟
واستكمل بسخط:
_هيبة عيلتك ومكانتها مش فوق القانون يا جاسم.. انت بمساعدتك دي زودت الفجوة بينها وبين جوزها.. والعلم لله هتتحل ازاي!
******
توقفت سيارة حازم قبالة الدرج الداخلي للقصر، فهبط معتز أولًا ثم عاون عدي على الهبوط، وانضم اليه حازم يعاونه، صعد عدي بصحبتهم حتى وصل للمصعد ومن خلفه آية ورحمة.
*****
فتحت باب الغرفة، ثم بحثت عنه بعينيها فوجدته يجلس على المقعد الخارجي للتراس، ولجت للداخل ثم وقفت تراقبه بعينين دامعتين، تخشي الاقتراب أو حتى مناقشته بما فعلته، وإن كانت تعلم بخطائها، انحنت آسيل على قدميها، وحبت على ركبتيها حتى وصلت إليه، حضنت ساقه وأراحت رأسها فوق قدمه، وقالت بإنكسار وصوتها الشاحب يصف حالتها:
_أنا غلطت سامحنى يا أحمد.. صدقني كنت بموت من قلقي وخوفي لحظة ما تعرف باللي عملته.. أول مرة أخبي عنك حاجة بس والله مكنت قادرة أواجهك.
أعاد رأسه للخلف باستسلامٍ وردد:
_لانك عارفة اني مش هوافقك!
رفعت وجهها الغارق بالدموع إليه لعل قلبه العاشق يرق لها، فجابهها بنظرة قاسية ترأها لاول مرة، فهمست بخفوتٍ:
_أحمد!
نفث ذاك الهواء العالق بتثاقل على صدره، ومن ثم استقام بوقفته وهو يجذبها معه، ابتسمت وهي تظنه سينهي هذا العذاب، ولكنها وجدته يبتعد حتى اتجه للخروج من الغرفة، هرعت من خلفه فحالت بينه وبين باب الغرفة، قائلة بتصميمٍ:
_مش هتخرج غير لما تسامحني أو على الأقل تديني فرصة.
برق بعينيه بقسوةٍ تابعت نبرته:
_فرصة!! انتي مش مستوعبة حجم اللي عملتيه؟!
انهمرت دمعاتها فتماسكت قليلًا:
_أنت عمرك ما كنت بالقسوة دي يا أحمد.. أنا حبيتها أكتر من ابني، أنا خوفت انه لم ياخد الفلوس اللي هو عايزها ياخدها مني أنا مفكرتش بالحل ده غير عشان خوفت... خوفت عليها اكتر لو انسان زي ده اخدها أيه اللي هيحصلها! محدش هيقدر يمنعه فكرت انت المعاناة اللي هي هتعشها ولا احنا هنقدر نتحمل ده ازاي!
واقتربت حتى مالت برأسها على منتصف صدره ويدها تشدد على يده المتهدلة باستسلامٍ، أفرغت وجعها مع بكائها الحارق، فرفع يده ببطءٍ وأحاطها بين ذراعيه، ابتسمت وهي تزيد من تعلقها به وتهمس بصوتها الشاحب:
_آسفة..
ثم رفعت رأسها اليه تستشفيه عشقًا، تسحب عواطفه ومشاعره رويدًا رويدًا مع تلك البتلات الرقيقة التي تزور رقبته تارة ووجهه تارة أخرى، حتى وجد ذاته يسلم رايته، ويقود هو تحت جناح عشقه الذي صمد ومازال يصمد أمام تلك العقبات!
******
بغرفة عدي.
ضحك من قلبه وهو يرى ما تقدمه له صغيرته، فحذرته حينما ارتفع صوته قائلة بخوف:
_ياسين كده هيعرف يا بابي.
كبت ضحكاته بصعوبة وهو يتطلع للرسومات التي أخفاها ياسين وهو ببداية تعلمه للرسم قبل أن يتقنه بمهارةٍ، وكلما تفحص رسمة جديدة ضحك مرة أخرى ثم قال:
_أعرف بس جبتي الرسومات دي ازاي؟
أشارت له بالاقتراب قليلًا فهمست اليه قائلة:
_سرقتها!
جحظت عينيه متعمدًا ابداء الصدمة على معالمه:
_لا مينفعش يا رحمة تعملي كده.. رجعيها فورًا واحترمي خصوصيات أخوكي!
هزت رأسها وهي تحمل اللوحات وتسرع للغرفة الملحقة بغرفته، ثم عادت وهي تشير له بمرحٍ:
_بريء يا باشا.
تعالت ضحكاته وهو يتابع تلك التي تراقبهما بغيظٍ، فقالت ساخرة:
_أنت من ساعة ما رجعت من المستشفى وانت مش شايف غيرها.. على فكرة هي واخدة اسمي بس مش مكانتي صح ولا أيه؟
ابتسم وهو يشير لها:
_محدش يقدر يأخد مكانتك يا روحي!
منحته ابتسامة هادئة ثم ارتدت حجابها، فسألها بدهشة:
_راحه فين!
قالت وهي تعقد الحجاب من خلفها جيدًا:
_مليكة رجعت من المستشفى، هشوفها وبالمرة هعدي على نور كانت تعبانه الصبح.
ضيق عينيه بذهولٍ:
_مليكة بالمستشفى ليه؟!
انتبهت لعدم معرفته بما يحدث، فسبقتها ابنتها بالحديث:
_طنط مليكة جابت ملاك.
تساءل بلهفة:
_هي مليكة ولدت؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فجذب كم قميصه ثم حاول ارتدائه وهو ينهض عن فراشه:
_ازاي محدش يقولي.
اسرعت تجاهه فحاوطته وهي تشير له بخوف:
_مينفعش تتحرك يا عدي.. خليك مرتاح هي أكيد مقدرة حالتك.
قال وهو يجاهد شعوره بالألم:
_هي بتاني دولة.. جناحها جنبي.
ثم انتصب بوقفته وهو يشير لها بالابتعاد لحاجته بالاعتماد على ذاته، ارتسمت السعادة على وجهها وهي تراه يمضي خطواته بمفرده، تهللت تعابيرها وهي تلحق به حتى وصل لجناح مليكة.
*******
اتجه حازم لغرفته، ليبدل ملابسه بعد قضاء يومًا كان مهلك للغاية، اندهش حينما وجد غرفته تسودها الظلام الحالك، أضاء انوار الغرفة، فتفاجئ بنسرين تغفو على الفراش ويبدو عليها الارهاق، اسرع تجاهها، فحركها وهو يناديها بقلق:
_نسرين انتي كويسة؟
أجابته ومازالت عينيها مغلقة:
_تعبانه شوية يا حازم.. سبني انام.
انقبض قلبه وهو يراقبها بلهفة:
_طب قومي البسي نروح لدكتور.. لتكوني بتولدي انتي كمان!
جذبت الغطاء على جسدها وهي تخبره بنومٍ:
_لا لسه بدري.. سبني اريح بس مش قادرة.
أغلق الضوء وهو يشير لها:
_نامي بس لو حسيتي بحاجة ناديلي.
أومأت برأسها فتركها وابدل ثيابه، وبين الحين والاخر كان يراقبها، منح الغرفة بعض السكينة حتى لا يزعجها شيئًا، فاتاه الازعاج يرنو على حافة من الأذى حينما ولج خالد للداخل بدراجته التي تصدر صوتًا مزعج، أسرع حازم اليه فحمله بالدراجة خارج الغرفة وهو يشير له بتحذير:
_متدخلش جوه تاني.. ماما نايمة تعبانه مش عايزين نعملها دوشة.
ضحك الصغير بمكر وهو يفكر جاهدًا كيف يستغل ذاك الامر، فقال بخبث:
_على شرط تنزل تلعب معايا بالجنينة!
لوى فمه بتقززٍ، ومع ذلك انصاع اليه حينما حمله من تلخلف بملابسه وبيده الاخرى جذب الدراجة.
********
حمل عدي الصغيرة بين يده بسعادةٍ شعر بها فور حملها، فطبع قبلة على جبينها وناولها لمليكة قائلًا:
_ربنا يباركلك فيها حبيبتي.
ادمعت عينها وهي تتفحص ذراعه المصاب بتأثرٍ، فقالت بصوت واهن:
_كنت هموت من القلق عليك.. أنا كان نفسي اطلع اشوفك بس مقدرتش من الوجع حقك عليا.
نهض عن مقعده، وجلس جوارها للفراش، وضمها اليه فتعلقت به، ربت عليها وهو يخبرها بدفءٍ نبرته:
_أنا كويس يا حبيبتي.. شيدي حيلك انتي أنا تمام.
قاطعه صوت قادم من الخلف:
_خيانة لسه أنـا.
تعالت ضحكات الفتيات التي تحيط بسرير مليكة حينما اندفع تجاههم عمر، بعدما قدم صغيرته حلا لشروق التي حملتها عنه، مال بجسده على ذراع عدي المصاب فتأوه الما وهو يدفعه للخلف:
_ايدي يا عمر.. انت مش طبيعي!
ضحك وهو يضمه مرددا بحماس:
_اتعصبت! مرحب برجوعك يا وحش.
ضحك ياسين وهو يتابعهما ثم قال:
_ناقص بس تشتم وهيبقى حمدلله على السلامة بالجامد كمان..
استند عدي على ذراع عمر، فاتبعهما ياسين وهو يتساءل:
_على فين؟
رد عليه عدي وهو يجاهد لفرد ذراعه:
_هنزل الحديقة شوية اتخنقت من السرير.
اشار له ببسمة واسعة:
_يلا الشباب كلهم تحت اساسًا.
فتح ياسين باب الغرفة، فوجد نور امامه تحمل صغيرها، ابتسمت حينما وجدت عدي يقف قبالتها، فقالت:
_حمدلله على سلامتك يا عدي.. نورت بيتك.
منحها ابتسامة صافية، فرفع الغطاء عن وجه الصغير وهو يتأمله بفرحة، انتهت بقوله:
_ما شاء الله.. ربنا يحميه ويباركلكم فيه.
اشارت له بعنجهيةٍ:
_سميته عدي عشان يطلع جان وكارزما كده زيك.
ضحك وهو يعيد الغطاء على جسد الصغير مجددا:
_هيبقى احسن مني.
تركتهم ودلفت للداخل، لتجتمع الفتيات احتفالا بمليكة...
أما بالاسفل.
قام معتز وجاسم بفرد سجادة ضخمة بأرضية الحديقة، واجتمع الشباب باكملهم، منهم من يتمدد ارضًا ومن من يعبث بهاتفه، انتبهوا جميعا لعدي الذي يستند على ياسين، فعاونه أحمد حتى تمدد جوارهم أرضًا، انزعج الجميع من صراخ حازم وهو يركض خلف درجة ابنه ويطالبه بالتوقف قبل السقوط بالمسبح، جذب رائد قدم معتز ثم استكان برأسه عليه واغلق عينيه استسلامًا للنوم، فحاوطه الاخير بذراعه ثم قال بمشاكسةٍ:
_مش عارفة تخشي الجناح وهي مش فيه يا حلوة... نامي يا ضنايا عشان تحرمي بعد كده تتعصبي على خلق الله!
فتح عينيه ومنحه نظرة ساخطة، فنهض عن قدميه، جذبه جاسم ليعفو على قدمه وهو يشير له بسخرية:
_نام نام فكك منه... قال انت حرمت يا رائد وشعرت بالندم ولا أيه دنيتك؟
لكمه رائد بقوة اطاحت به أرضًا، فانفجر ضاحكًا وهو يخبره:
_وانا مالي يا عم ياسين الجارحي اللي نفاها من القصر!
تساءل عدي بجدية:
_ده بجد؟
اجابه عمر بتسلية وهو يلتهم حبات العنب الاحمر:
_فاتك حاجات كتيرة يا وحش.
ضحك أحمد وهو يجذب طبق الفاكهة بعيدًا عنه:
_كفايا عليك تعب المستشفيات سبلي انا الحلو يا حلو!
وتطلع تجاه عدي وهو يخبره بمرح:
_كنت عايزك في سبقة يا وحش.. نستغل انك كنت ظابط وليك معارفك حابب اعلم على واد ابن ***
تعالت ضحكاته الرجولية وهو بشير له بيده:
_عيوني هيتروق بس مين المحظوظ ده؟
أشار له وهو يلتهم حبات العنب الذي يحاول عمر جاهدا الحصول عليه:
_هوفيك بالتفاصيل فيما بعد.. حاليا مش فاضي!
دنت منهم مريم، فأشارت لهم بالجيتار الذي تحمله:
_تحبوا تسمعوا أخر تدريباتي!
اشار لها ياسين بالجلوس :
_طبعًا طبعًا يا أنسة مريم..اتفضلي.
خلعت حذائها وتسللت عنهم جميعًا لتختار الجلوس جوار عمر وعدي الذي استقبلته بقبلة على خديه.. فهمس معتز لرائد ساخطًا:
_هموت واعرف العيال بيحبوه ازاي ومش بيخافوا منه!
منحه نظرة محتقنة بالغضب، فجذب كوب العصير ثم ارتشفه بتلذذٍ، بدأت مريم بالعزف على الجيتار، وكلًا يميل بسماعها، تمتلك حقًا الموهبة باطراء تلك الاجواء الحماسية..
******
بالاعلى..
راقبت القتيات ما يحدث بالاسفل، وكلا منهن تحاول تهدئة صغيرها، فدنت نور منهن ثم وزعت نظراتها المغتاظة بين الشباب والفتيات البائسات، فقالت بغضب:
_يعني هما يقعدوا تحت يسمعوا العزف واحنا هنا بنلحن قصاد العيال!
سألتها آسيل بدهشةٍ:
_يعني هنعمل ايه يا نور؟
قالت بابتسامة شيطانية:
_انا هقولك نعمل ايه؟
ونادت بصوت صاخب:
_يا عمــــــــــر!
انتبه الشباب جميعًا لصوت نور، فتفاجئوا بزوجاتهن يراقبن ما يحدث بالاسفل، نهض عمر ثم ارتدى حذائه وأسرع ليقف اسفل شرفة مليكة، ليسألها بدهشة:
_في أيه؟
قالت بغيظ:
_اطلع خد بنتك.. انت سايب البت والواد عليا وقاعد تحت تسمع موسيقى، خدها يا حبيبي تتمزك معاك.
صك على اسنانه وهو يخبرها:
_اخدها فين!
رفعت الصغيرة بتهديد:
_هتخدها ولا احدفلك انا لسه قايمة من ولادة وخلقي اد خرم الابرة!
اشار لها بصدمة:
_هي الهرمونات منصرفتش خلاص خلاص طالع.
وبالفعل صعد وحمل عنها الصغيرة، فولجت للغرفة ثم جلست على المقعد واضعة قدمًا فوق الاخرى بتعالي وغرور:
_شوفتوا!
هزوا رؤؤسهم، وبدأت أسيل بتنفيذ مخططها حينما نادت ليان ثم ناولتها الصغير وهي تشير لها:
_خدي اويس لبابي واقعدي معاه تحت في الهوا شوية..
بينما وضعت داليا تولين ليحيى ابن مليكة واخبرته بحملها لوالدها، راقبتهم رحمة بغيظ فاشارت لابنتها التي تلهو بهاتفها ثم قالت بصرامة مصطنعة:
_انتي كمان سيبي موبيلي وانزلي الحفلة مع باباكي..
*******
بالاسفل..
امتلأت الجلسة المريحة بالاولاد، فالقى حازم كل ما تتلقفه يده وهو يشير لهم:
_مش تبعي دي.. انا تايب من زمان..
واخرهما وضعها بيد معتز وهو يشير له:
_تبعك العينة دي يا ميزو.
ردد جاسم بتقزز:
_الواد مازن خدها من الاخر وخد مراته وعياله وخرجوا ينفسحوا قال مشفوش البلد من قرن!
سئم حازم من مناولة الاولاد فصاح بغضب للشرفة التي تضم الفتيات:
_انتوا يا عالم ياللي بتحدفوا العيال من فووق... اتلموا بقا مفيش مكان تحت هنا الله!
تحركت رحمة تجاه ابيها، فضمها اليه ثم حاوطها بالشال الصوف ليمنحها دفء من البرودة، بينما حمل احمد الصغير الباكي وهو يحاول تهدئته فعاونته ليان حينما مسكت لعبة صغيرة وحركتها من امامه، فربت على ظهرها ببسمة هادئة، اما معتز فدفع صغيرته يارا عنه وهي تحاول اصابة وجهه بالخدوش، اما عمر فاخذ جوار المسبح ذهابًا وايابًا عل صغيرته تغفو، اشار رائد لمريم بمتابعة العزف، فابتسمت واكملت براحةٍ، تمدد ياسين ارضا باسترخاء وهو يكبت ضحكاته لما يراه، فنجده يحيى حينما صعد للجلوس مع ابن عدي، مرت ساعة كاملة عليهم فاشار عدي لعمر بحمل رحمة التي غفت على ذراعه، تطلع له بدهشة ثم قال:
_بقى انا رايح جاي من الفجر عشان البت تنام وانت تشيل رحمة يجيلها تخدير لا ارادي!
واشار له:
_طب ثواني..
وحمل رحمة ثم قدم له حلا وهو يشير له ببسمة مصطنعة:
_الله يعينك يا وحش.. سلام.
اهتدت نظراته الحانقة فور رؤيته لابتسامة الصغيرة، قبل اصابعها وصوت ضحكاتها ترتفع فتجعل من حولها يضحك على صوتها اللطيف، وضع عدي وسادة ثم تمدد عليها ووضع حلا بين ذراعه فاستجايت لنومٍ عميق، ومن جوار غفى احمد وابنه وابنته بين ذراعيه، بينما مازال معتز يبذل مجهودًا للسيطرة على ابنته وحينما فشل نادى يحيى وطالبه بالعودة بالصغيرة للاعلى، اما حازم فنال عدد من الضربات مع جاسم الذي يحاول تهدئة الصغيرة حتى غفوا معًا تاركين الصغيرة تلهو بمفردها...
عاد ياسين الجارحي للقصر بصحبة يحيى وعز بعد الانتهاء من عشاء العمل مع احد رجال الاعمال، فتفاجئوا بما يحدث بحديقة القصر، ردد يحيى بصدمة:
_هما حولوا الحديقة لملجئ ولا أيه؟
هز عز راسه نافيًا وهو يؤكد له:
_دول مطرودين باين!
.......... يتبع....
#احفاد_الجارحي5.. #بقلمي_ملكة_الابداع_اية محمد..
انا مقدرة كلامكم الجميل ودعمكم ليا بس انا فعلا حزبنة البوست عملته مرتين واتحظر واخد حذف، المرة الاولى اتعمل سنة ٢٠١٨.. والمرادي عملته واتحذف ومع ذلك هعمله للمرة التالتة وبتمنى تتفاعلوا عليه البوست ده جديد ونازل حالا.. رجاء ارفعوه بالتعليقات واللايك وشكرا ليكم
اللينك ❤
*****___________*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـــض_الشرس! (#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_الثامن_عشر!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "دعاء صقر"، والقارئة"حنين محمد"،"نورهان"،"رحمة حسين"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم يا قمرات...قراءة ممتعة 💙)
وضع ساقًا فوق الأخرى، وهو يتفحص الصور الموضوعة من أمامه ببسمة يسكن الشر بخلاياها، وكأن حياته باتت سوادوية لا يملأها نقطة من لون الصفاء، تفحص ما بيده بنظرةٍ ساخطة، فرفع بصره لمن يتابع ردة فعله، ثم قال:
_ده اللي قدرت أوصل ليه، أحمد الجارحي فمفيش له أي شيء يدينه أو نلوي بيه دراعه.
القى الظرف على الطاولةٍ المقابلة له وهو يشير له ببسمةٍ ماكرة:
_يمكن ده ميفدناش بحاجة بس على الأقل هيتوجع..
واسترسل حديثه بأمرٍ خبيث:
_الظرف ده يكون على مكتبه بكره الصبح.
أومأ برأسه وهو يجمع الصور بالظرف من جديدٍ، وأغلقه ثم جذب القلم الموضوع جانبًا، ليدون عليه بخطٍ عريض "إلـى أحمـد الجـارحـي".
*******
كاد "عز" بالاقتراب منهم لمحاولةٍ إيقاظ أي منهم، فأوقفه "ياسين" بإشارته وهو يخبره:
_متقلقش حد فيهم.
والتفت تجاه حارسه ليشير له بإشارة أصبح يترجمها بامتيازٍ:
_عثمان.
اتصرف من أمامهم، وعاد بعد دقائق معدودة بعدد من الأغطية، فوقف بينهما، تبادل "عز" و"يحيى"النظرات الحائرة، وقد باء رحيل "ياسين" بمهامهما، فجذب "عز" و"يحيى" أحد الاغطية وشرعوا بفرده بحرصٍ على الشباب، ضحك "يحيى" وهو يحاول فرد الغطاء على ياسين الذي يبعده عنه بقدميه مثلما كان يفعل وهو صغير، فهمس بسخريةٍ:
_كبرت ومكبرتش!
فجذب الغطاء وداثر حفيده جيدًا، ثم استقام بوقفته ليتجه للقصر، فتفاجئ بعز يتمدد لجوارهم، سأله بدهشةٍ:
_بتعمل أيه؟
أجابه وهو يخلع جاكيت بذلته ويلقيه أرضًا:
_التغير حلو والعيال دي بتفهم.. أنا عمري ما جربت نومة غريبة بالشكل ده ومش هسيب في نفسي حاجة.
وداثر ذاته بالغطاء، فانحنى يحيى وجذب جاكيته الملقي أرضًا، فحمله وهو يخبره باستهزاءٍ:
_هيبة البدلة راحت في الأرض!
وتركه يغفو جوارهم ثم اتجه للقصر الداخلي..
*******
توقف المصعد للطابق المنشود، فخرج متجهًا لجناحه الخاص، كاد "ياسين" بتحرير مقبض بابه، إلى ان استمع لصوتٍ هامس يناديه:
_عمي!
استدار تجاه الدرج الضخم، فوجد احدى بناته تناديه من الطابق العلوي، اتجه للدرج وصعد درجاته وهو يتساءل باستغرابٍ:
_رحمة! أيه اللي مسهرك لحد دلوقتي.. الوقت إتاخر جدًا!
عبثت بأصابعها بارتباكٍ يحتل قسماتها الشاحبة، فاستكمل الدرج صعودًا وهو يعود لسؤالها من جديدٍ بقلقٍ:
_في أيه؟
رفعت عينيها تجاهه، وهي تجاهد بطرح سؤالها الذي يقلق منامتها إلى الآن:
_أنا ينفع أسأل حضرتك سؤال محيرني.
نظراته الدافئة جعلتها تسترسل بدمعٍ لمع بحدقتيها:
_هو مصطفى ورا اللي حصل لعدي؟
قطع طريقها الذي يقبض روحها، حينما قال بثباتٍ:
_سبق ووعدتك يا رحمة انه مش هيكون له ظهور لا في حياتك ولا في حياة ابني.
تدفقت دمعاتها وببكاءٍ قالت:
_أمال ليه حصل معاه كده.
واستطردت بخفوتٍ:
_اللي حصل معاه مكنش حادث عادي هو نفسه شاكك في كده.
سُلطت نظراته الجادة عليها، فسألها باهتمامٍ:
_هو قالك كده.
أشارت له بالنفي، فبدى خوفها وتلعثم نبرتها بأنها تخفي شيئًا، اجلت ريقها وهي تخبره:
_امبارح سمعته في المستشفى كان بيتكلم مع شخص وبيطلب منه يحقق في الموضوع ويعرف مين اللي ورا الحادثة وأكدله انها محاولة قتل مش حادثة عادية.
ما خشاه يحدث رغمًا عنه الآن، كل خططه المحكمة لم تجدي نفعًا مع ابنه الشرس الذي لا ينفك يريح عقله، ومع ذلك لم يستسلم أبدًا في تلك الحرب التي ستكون خسائرها روحه وقلبه وكل شيء يمتلكه، لذا استعاد اتزانه وهو يباغتها بسؤاله:
_مين الشخص ده؟
عصرت رأسها لتتذكر ماذا ناداه، وبعد صمت دام لدقيقة قالت:
_اعتقد انه كان بيقوله جوكر!
ردد بهمسٍ:
_مراد زيدان!
عادت بسمة الثقة تحتل ثغره، فأشار لها بهدوءٍ:
_اطلعي كملي نومك يا رحمة ومتقلقيش وأنا موجود.
التفت ليغادر، فاوقفته حينما نادته من جديدٍ:
_عمي.
استدار اليها مجددًا فوجدها الخوف يبتلعها بجوفه البارد، فقالت بتلعثمٍ:
_أنا حاسة ان حضرتك بتخبي عني حاجة كبيرة، الموضوع مش بس مصطفى ابن عمي... ارجوك صارحني أنا تعبت من التفكير.
التفت بجسده اليها، ثم دنى من الشرفة الزجاجية التي تفصل كلا الطوابق، واضع يديه بجيوب بنطاله الأسود، وعينيه تتايع الحديقة بنظرة أحاطت عدي الذي يغفو حاضنًا ابنة أخيه بحنانٍ، ظل هكذا لدقائقٍ كانت تقتل رحمة رويدًا رويدًا وهي تترقب سماع أي جملة تريح توترها، ليقطع هذا الصمت صوته الرخيم:
_ كل واحد من أولادي له طباعه اللي بتميزه عن التاني، وبالرغم من ان عدي أعند واحد فيهم الا إن قلبه صافي، أوقات بشوف في عيونكم كلكم اسئلة ملهاش أخر عن طريقة معاملتي الغريبة ليه مع انه أول فرحتي، محدش هيقدر يفهمه أدي.
واستدار اليها ليسترسل:
_ابني لو عرف ان حياته في خطر وشخص بيحاول يتخلص منه هيروحله برجله وهيواجهه، وده اللي التاني عايزه.. عايزه يروحله برجله عشان يعرف ينتقم منه صح.. عشان كده انا بحط قدامه الف عائق مش عايزه ياخد الخطوة دي.
واستكمل حديثه وهو يخبرها:
_أظن كده انتي اخدتي جواب صريح على سؤالك يا رحمة.. مصطفى وراه شخص شبيه بالشيطان.. وأنا بحاول بشتى الطرق أوصله.. في اللحظة اللي عدي هيعرف فيها الكلام ده هتكون نفسها لحظة انتصار ال*** ده.. وأنتي شايفة الحالة اللي هو فيها لسه متعافاش من اصاباته وهيصمم يخوض حرب أكبر منه!
جحظت عينيها في صدمةٍ، تحاول المحاربة لاستيعاب ما يخبرها به، وخاصة حينما قال:
_زي ما شتت عقله عن كل اللي بيحصل حوليه قبل كده هعمل كده تاني وتالت، وأنتي لازم تساعديني يا رحمة.
هزت رأسها بأكثر من إشارة تؤكد له ذلك، وفجأة تسلل لمسمعه صوت شهقات باكية تصدر من خلفه، بات يعلم مصدرها قبل أن يستدير، ليجدها تقف أمامه، فحينما كاد بفتح باب غرفته شعرت به، وتعجبت حينما لم تجده بالداخل، فارتدت اسدالها وخرجت تبحث عنها، فوجدته يقف أعلى الدرج بصحبة رحمة، صعدت "آية" الدرج لتستمع لحوارهما دون قصدًا منها، أسبلت بعينيها بصدمةٍ، فصعدت ما تبقى من الدرج حتى باتت قبالتهما، فرددت بصوتها المتقطع:
_مين اللي عايز يأذي ابني يا ياسين؟
اتجه اليها ثم حاوطها بذراعه وهو يحسها على الهبوط معه، حتى ولجوا معًا لغرفتهما، فعاونها على الجلوس لجواره، انهمرت تلك الدامعات اللامعة بحدقتيها، وخاصة حينما قبل جبهتها وهمس لها:
_صدقيني مش هسمح لحد يمس شعرة واحدة من أولادنا... أنا افديهم بروحي يا آية.
بكت بصراخٍ جنوني:
_ بتوعدني بأيه يا ياسين.. أنا بخاف عليك زيهم وأكتر!
ضمها إليه فتشبثت به بقوةٍ، وهي تردد بانهيار:
_عدي كل ما بيمر باختبار بيلاقي الأصعب منه... فوضت أمري ليك يا رب.
غمرها بين ذراعيه حتى استكانت تمامًا، ثم قال بحبٍ:
_ابنك بخير وقدام عنيكِ.. صدقيني مش هيحصل حاجة.
رفعت عينيها الباكية اليه، قائلة بحزن:
_أنا مش هقدر اتحمل حاجة تحصله تاني يا ياسين.
مرر يده على خصلات شعرها القصير، وهو يخبرها بصوته الرجولي العميق:
_مفيش حاجه هتحصل يا حبيبتي.. أوعدك.
*******
بالأسفل.
فتح عينيه بنومٍ، وأبعد عنه الغطاء ثم أعاده على أخيه، اتكأ بمعصمه حتى استقام بوقفته الغير متزنة، وقبل أن يتحرك عن محله استمع لصوت أخيه الناعس:
_رايح فين؟
التفت حازم تجاهه ثم انحنى وهو يهمس له وكأن الاخير سينتبه لنصائحه بالساعة الثالثة فجرًا:
_طالع أشوف نسرين كانت تعبانه، خليني أقولك نصيحة نام هنا وفكك من نكد الحريم.. والمهم من كل ده خلي بالك من الواد لما أرجعلك ده إن رجعت.
أغلق أحمد عينيه ثم جذب الغطاء وانقلب بجسده ليوليه ظهره، بعدم اكتراث لما يقوله، فهز حازم رأسه وهو يردد بسخطٍ:
_مفهوم.
وتركه يغفو ثم صعد للأعلى، أضاء ضوءًا خافتًا حتى لا يزعجها، اقترب من الفراش وهو يتأملها بنظرةٍ متفحصة، فوجد وجعها مجعد من فرط شعورها بالالم، انكمشها على ذاتها جعله يعلم ماذا يصيبها بالتحديدٍ، وخاصة حينما رأى قدمها متورمة، اتجه للسراحة ثم جذب الكريم الطبي، واقترب منها ثم فرك أصابع قدمها بلطفٍ بالكريم الطبي، ارتخت معالمها لشعورها بالراحة، وخاصة حينما حملها ووضع الوسادة المطولة حول خصرها، فتحت "نسرين" عينيها بتعبٍ فوجدته يجلس أسفل قدميها، ويده تدلكها برفقٍ، سحبت "نسرين" ساقيها إليها وهي تردد بحرجٍ:
_حازم! بتعمل أيه؟
فرد ساقيها إليه مجددًا، ثم وضع القليل من الكريم الطبي، ليعود لفركهما من جديدٍ، أمسكت يده ومنعته مما يفعله وهي تشير له على استحياءٍ:
_بقيت أحسن.. خلاص.
منحها ابتسامة وهو يغمز لها بمشاكسةٍ:
_متأكدة انك بقيتي كويسة.. الواد وزعته تحت مع احمد.
لكزته بضيقٍ، فاحتضن صدره وهو يتأوه مرددًا بمزحٍ أضحكها:
_طول عمرك دبش ملكيش في الرومانسية المتدكنة!
عاد ليجذب قدمها مجددًا، فقالت بضيقٍ:
_أنا مش حابه انك تلمس رجلي..أنا هدهن لنفسي.
تطلع لها بنظرةٍ حنونة اتبعها قوله المرح:
_وأنتي وصلتي للحالة دي بسبب مين.. أنا تقريبًا حفظت كلامك اللي بتقوليه كل حمل... واتقبلت اني السبب ورا اللي البشمهندس عامله فيكي ده فعلي الاقل خليني أريحك على قد ما أقدر..
وعاد ليكرر فعلته فارخت جسدها براحة وامتنان له، ساد الصمت لدقائقٍ قبل ان يحطمه بمشاكسته:
_نسرين.
_أمم..
_تفتكري الواد ده هيجي شبهي ولا شبه ابنك البلطجي؟
_وهو ابني البلطجي طالع لمين يا حازم؟
بدهشةٍ تساءل:
_بجد! لا يا شيخه فكرته طالعلك وأنتي صغيرة عشان كده تقبلتي الوضع وعملتيها تاني يمكن تصيب المرادي والواد يجي شبهي!
جزت على اسنانها وهي تشير له قبل أن تنفلت أعصابها:
_انزل كمل نوم جنب أخوك يا حازم.
اقترب منها وهو يخبرها بمكرٍ:
_بقى بعد كل ده تتخلي عني وتطرديني، دي أخرتها يا نسرين؟
اعتدلت بجلستها أمامه وهي تخبره من بين اصطكاك اسنانها:
_اللي في دماغك مش هيحصل!
غمز لها بخبثٍ ومازال يقترب منها وتزحف هي للخلف:
_هو أيه اللي في دماغي؟
دفعته بقوةٍ وهي تصرخ بغضب:
_حـازم الله!
كادت بالسقوط للخلف عن الفراش، فأمسك خصرها بين يديه وقربها إليه، تعلقت عينيها به وهو يبادله تلك النظرات العاشقة، التي تسللت لشفتيها المرتعشة تأثيرًا لقربه، ضم وجهها بيده فمالت برأسها على كفه الذي رحب بها بعاطفةٍ، مال على رقبتها وهو يهمس لها بكلماتٍ جعلتها تبتسم باستحياءٍ، فانصاعت ليده وتمددت جواره على الفراش، تاركة ذاتها تخطو خطوة تجاه عالمًا ينجح هو بسحبها عنوة إليه.
*********
بددت الشمس عتمة الليل الكحيل، فأشرقت بضياءها الساطع لتغمر الحديقة باشعتها الذهبية، اهتز هاتف "أحمد" ليعلن عن موعد المنبه الرسمي باستيقاظه بالسادسة صباحًا، بحثت يده عن هاتفه، فأغلق المنبه ثم نهض بتكاسلٍ، اتجه لجاسم أولًا، فايقظه حتى يستعد للذهاب للمقر، وحرك معتز وهو يشير له بصوتٍ خافت:
_معتز قوم راجع العرض اللي هتقدمه بالمناقصة.. وأنا وجاسم هنسبقك على المقر.
جلس وهو يفرد ذراعيه بنومٍ، وبدأ بفتح عينيه فتفاجئ بأبيه لجواره، قال جاسم بدهشةٍ:
_عمي بيعمل أيه هنا؟!
حركه معتز وهو يناديه:
_بابا حضرتك جيت هنا ازاي؟!
اجابه وهو يعبث بعينيه بتكاسل:
_عجبني النومة قولت أجرب هي جيت عليا..
عاونه جاسم على النهوض وهو يمازحه:
_يا عمي لو كنت بس عرفتني كنت جبتلك سرير مكانك بدل بهدلة الارض دي وآ..
بترت كلماته حينما استمع لصوت مندفاع قادم باتجاههما، ولم تكن سوى يارا التي صاحت بصراخ ايقظ الجميع:
_30سنة يا عز عمرك ما في يوم نمت ليلة واحدة بعيدة عني.. حتى لما بتسافر كنت بتاخدني معاك ودلوقتي بتتخلى عني واحنا في أخر حياتنا!!
جحظت عينيه بصدمةٍ، وهو يحاول تبرير موقفه:
_أنا!! يا حبيبتي انا محبتش اسيب ابنك ينام لوحده ليبرد فقولت خليني جنبه!
رفع معتز حاجبيه بسخطٍ، فغمز له عز وحينما لم يستجاب دعس قدمه بحذائه، فتأوه ألمًا وهو يجاهد لقول:
_صح أنا اللي اترجيته ينام جنبي لاني بخاف من الضلمة!
انفجر رائد وعمر من الضحك، فتحولت نظرات عز اليهما وهو يشير بتحذير:
_ولد عيب.. ميصحش تتريقوا على عمتكم بالشكل البشع ده!
لكزهم ياسين وهو الاخر يتحكم بذاته، فصاحت يارا بانفعالٍ:
_خليهم يضحكوا على عمايلك... من النهاردة اللي بينا انتهى يا عز.
وتركته واتجهت للداخل، فلحق بها وهو يردد بصدمة:
_انتهى أيه ده احنا بقا عندنا احفاد!! استني طيب كبرنا على الجري والكلام الفارغ ده.. يا يـــــــــارا استنــــــــــي!
فور أنا غادرت تحررت الضحكات الرجولية بين الشباب، حتى عدي ضحك وهو يرى عمه يكاد يسقط ارضًا من فرط ركضه، توقف عز عن استكمال طريقه والتفت تجاههم ثم قال بسخرية:
_اضحكوا هنشوف مين هيضحك على مين دلوقتي.. على الاقل انا راحت عليا.. انتوا استلموا محضر الشكاوي اللي هتنزل لياسين الجارحي دلوقتي!
تهجمت الوجوه وبالاخص رائد الذي سيطر عليه غيمة الحزن والشوق لزوجته، زحف عدي بجسده متفاديًا عمر وياسين، حتى أصبح جواره فربت على قدمه وهو يخبره:
_متقلقش هوصل لمكانها وأبلغك.
صاح بحماسٍ وهو يعتدل بجلسته تجاهه:
_بجد يا عدي.. هتتكلم مع عمي!
نفى ما قال باعتراضٍ:
_لا طبعًا، بابا تصرفه كان صح لانك غلطت يا رائد ودي مش أول مرة، ولو فكرت فيها بهدوء هتلاقيه ساعدك بدون ما تأخد بالك..
تطلع له بعدم فهم فاستطرد:
_رانيا زعلها وحش انت ناسي السنين اللي بعدتها عنك وحرمتك من بنتك بسبب غرورك وعنادك.. على الاقل مش هتقدر تعمل كده هي بمكان بابا يعرفه تحت عينه ويقدر بسهولة يقولك عليه!
واسترسل وهو يهم بالنهوض:
_أنا معاك انك ندمت عشان كده هوصل لمكانها من بعيد بدون ما يعرف حاجة.. يمكن لما تقابلها الامور تتصافى بينكم.
انتصب بوقفته واقترب منه وهو يشكره بامتنان، فربت على كتفه وهو يشير له:
_حاول توصلها على الموبيل، او على الاقل تسجلها صوتك عشان تعرف الحالة اللي انت فيها.
وغمز له ببسمةٍ تتربع على شفتيه:
_يمكن الفويسات دي تشفعلك لما تشوفها!
ابتسم الاخير وهو يفهم مغزى حديثه، فتركه عدي واتجه للاعلى، لحق به ياسين، فسانده وهو يسأله باهتمامٍ:
_معقول هترجع تتحدى عمي تاني يا عدي... مساعدتك لرائد هتقوم النار تاني بينكم.
فتح باب المصعد ودخلوا معًا، فمنحه عدي نظرة غامضة اتبعها قوله الثابت:
_اللي بيني وبين ياسين الجارحي صعب حد يفهمه يا ياسين.. بابا لو شايف اني بعمل كده لصالح العيلة واخويا مش هيقف قصادي.. زي ما هو بيقوم بواجباته تجاه بنت من بناته هيسبني اقوم بواجبي ومش هيعترض طريقي.
اعاد هاتفه لجيب بنطاله وهو يسترسل اسئلته الفضولية:
_وامته يعترض طريقك؟
شرد عدي بسؤال ياسين وكأنه يصغى لكل حرفٍ يتردد على لسانه دون أن يتفهمه، فقال بشرود قاتل:
_لما أكون مش شايف الصح وهو عايزاني اشوفه!
توقف المصعد امام الطابق المخصص للشباب، فاتجه ياسين لجناحه، بينما استكمل عدي طريقه لجناحه هو الاخر، فاوقفه أحمد وهم بالاقتراب منه وهو يغلق جاكيته ويستعد للمغادرة للمقر، فقال:
_كويس اني لحقتك.
منحه نظرة متفحصة ثم قال وهو يتفحص ساعة يده:
_نازل بدري ليه كده؟
رد عليه وهو يربط حذائه الأسود جيدًا:
_ياسين مش هينزل غير لما مليكة تتحرك من السرير وتتحسن، ورائد عقله أصلًا مش معاه، وعمر مستحيل يسيبك وأنت بالحالة دي، لذا أنا مضطر بمساعدة جاسم ومعتز نكون بدالكم.
ابتسم وهو يخبره بثقة:
_أنت لوحدك اد المسؤولية وبزيادة يا أحمد.. حقيقي أنت رجل أعمال ناجح وذكي جدًا.
ضحك وهو يعدل جرفاته بعنجهية مصطنعة:
_الوحش بنفسه بيثني على شغلي.. لا أنا كده اتشهرت!
ابتسم وهو يسأله بتذكر:
_كنت عايزني ليه؟
حلت الجدية ملامحه، فقال بتريثٍ:
_آسيل ارتكبت غلطة كبيرة وأنا عايزك تساعدني.
اشار عدي للاريكة القريبة من النافذة:
_اقعد واحكيلي في أيه؟
******
بغرفة معتز.
بعد ساعة متواصلة من مراجعة العرض وتأكد بأن لا ينقصه شيئًا، ترك الحاسوب مفتوحًا ثم خلع ملابسه وارتدى بنطاله وهو يتابع المراجعة ويرتدي قميصه الأبيض، اتجه لحمام الغرفة ليضبط خصلات شعره بكريمه الخاص، وحينما انتهى اتجه للغرفة مجددًا فوجد زوجته تعبث بالحاسوب، برق بعينيه في صدمةٍ، وصاح بها:
_شروق متلعبيش في حاجة!!!
ابتعدت عن الحاسوب بتوترٍ، وخاصة بعد أن لمحت عينيها كلمة "تم حذف الملف بنجاح"، صعق معتز وهو يحرك ازرار الحاسوب فرفع عينيه اليها وهو يردد بصدمة:
_ايه اللي هببتيه ده؟!
ابتلعت ريقها برعبٍ وهي تحاول الحديث بصوتها الشاحب:
_أنا أسفة مقصدتش احذفه.. انا كنت عايزة اخرج من الملف وآ..
_وآيـــــــــــه!!!!
صوته المرتفع جعلها تبتلع باقي جملتها، القى معتز حاسوبه وهو يصيح بعنف:
_تفهمي انتي ايه في شغلي عشان تلعبي في اللي ميخصكيش!
لمع الدمع بعينيها واحتقن صوتها المردد:
_أنا استغربت بس أيه اللي واخد عقلك على اللاب من ساعة ما طلعت وانت متحركتش من قدامه حتى وانت بتلبس!
العذر الذي لجأت اليه كان أقبح من فعلتها، اقترب منها ثم قال ساخرًا:
_فشكيتي اني مثلا على علاقة بواحدة وبحب فيها بالنهار في بيتي وفي اوضة نومي ومن لاب شغلي صح؟!
تدفق الدمع بعينيها وهي تشير اليه:
_طب اهدى أنا هعرف ارجعلك الملف.
تبسم ساخرًا:
_لا بجد.. يعني أنا مكبر الموضوع على الفاضي!! ولا انتي اللي بتفهمي في شغلي أكتر مني!!
خرجت عن هدوئها حينما ردت بضيق:
_بطل تحسسني اني أقل منك.. أنت متجوزني وأنا بشتغل واظن وجودي في المقر من قبل علاقتنا دليل اني مش أي حد.
وبدموع شقت قلبه نصفين قالت:
_أنت بتلومني اني اتخلت عن شغلي عشانك وعشان بنتي.. أنا مش قليلة يا معتز!
وانحنت ارضًا ثم جذبت حاسوبه، وأخذت تضغط على أكثر من زر، وفي أقل من عشرة قائق استعادت الملف، وضعت شروق الحاسوب بين يده، فراقب الملف بانبهارٍ وعدم تصديق، ظل لثلاثٍ دقائق يفحصه ولم يفق من شروده الا على صوت انغلاق باب غرفته، حاول اغلاق ازرر قميصه الابيض وهو يسرع من خلفها، فصعق حينما وجدها تحمل حقيبة سفر صغيرة الحجم وتتجه ناحية المصعد، هرول من خلفها وهو يناديها بصدمة:
_شــروق!!
انتبه عدي وأحمد لما يحدث أمامهما، وخاصة حينما وجدوها تحمل حقيبة، وقف قبالتها وهو يلتقط انفاسه بصعوبة لحقت نبرته:
_انتي مجنونة.. واخده الشنطة دي وراحه على فين؟
منحته نظرة قوية قبل ان تردد بغضب:
_لسه حابب تهني وتقلل مني قبل ما أمشي ولا خلاص اللي عملته كفايا.
نهض احمد ثم اسرع اليهما وهو يردد ببسمة هادئة:
_في أيه يا جماعة.. صلوا على النبي كده واهدوا.
ومال على معتز وهو يهمس بغيظ:
_هببت أيه انت كمان احنا لسه بنلم في مصايب رائد!
اشار له بالانتظار، وقال وهو يجذلها برفق:
_شروق خلينا نكمل كلامنا في اوضتنا.
جذبت ذراعها منه عنوةٍ وهي تردد ببكاء:
_مفيش شيء نتكلم فيه... دي مش أول مرة انك تهني بالشكل ده يا معتز.. من النهاردة مش هتشوفني تاني لا أنا ولا بنتك..
يقال إن الانثى تحتمل وتغفر أي ذنبًا يقترفه الزوج بحقها، الا حينما يقلل من شأنها، تشعر وكأن العالم الذي ضمهما معًا رسب بسرابٍ قاسٍ، نهض عدي عن الأريكة بارهاقٍ، ودنا منهم ثم قال بهدوءٍ:
_طب اهدي يا شروق وفهمينا بس ايه اللي حصل؟
انهمرت دموعها وهي تحاول جاهدة الحديث دون البكاء:
_في إن ابن عمك مش بيفوت ولا فرصة عشان يحسسني اني اقل منه.. واني مينفعش غير اني أكون ام وزوجة بالبيت بس رغم اني كنت بشتغل طول عمري من قبل حتى ما أعرفه.. وكنت في يوم سكرتيرة ليه.. وده مش أول موقف ولا أول مرة يعملها يا عدي.
التفت عدي تجاهه فوجدها يتهرب من لقائه، فعاد ليتطلع اليها وهو يتحاشى رفع بصره تجاهها، وقال برزانة:
_هو غلط.. بس أكيد ميقصدش.. وبعدين في حلول تانية غير انك تسيبي البيت.
واستكمل بمكر:
_مش هو اللي قلل منك يبقى من بكره تنزل معاه الشغل وتثبتيله نفسك أفضل ما تسيبي البيت.
لمعت حدثتيها ببريقٍ مميزًا، هدأ بكائها ووضعت الحقيبة عن يدها، وقالت بصوتٍ رقيق ساكن:
_بس هو مش هيرضى ينزلني معاه المقر.
التفت عدي لمعتز بنظرة جعلته يهز رأسه وهو يخبرها باستسلامٍ:
_موافق.. بس المهم متسبيش البيت.
ابتسمت بسعادة وهي تزيح دموعها، فاتجهت للغرفة وهي تهمس له:
_هات الشنطة يا معتز.
بسمتها أفتكت به، فراقبها وهي تدلف للغرفة بنظرةٍ تملأها الرغبة، وحينما استدار ليحمل الحقيبة، القاها احمد بوجهه بعنفٍ، وهو يردد ساخرًا:
_شيل قرفتونا في حياتنا.. مش عارف ياسين الجارحي هيعمل معاكم أيه تاني عشان تتظبطوا!
وتركه وغادر للمصعد بسخطٍ، فابعد معتز الحقيبة عن وجهه وهو يتأمل عدي الذي يراقبه بثباتٍ مهيب، فرسم ابتسامة مصطنعه وهو يردد:
_حقيقي من غيرك مكنتش عارف هتتحل ازاي يا وحش.. بس يعني انا مكنتش حابب انها تنزل تشتغل آآ..
وقطع كلماته وهو يردد ببسمة واسعة:
_بس اهو حل أفضل ما كانت تسيب البيت وعمي يعرف واتعلق.. كده أفضل..عن اذنك اروح اصالحها بقا.
توقف محله حينما جذبه عدي من ياقة قميصه ليشير له:
_أنت مش وراك عرض هتقدمه؟
هز رأسه بتأكيدٌ، فدفعه عدي بذراعه الأيسر وهو يشير له بحزمٍ:
_ودي الشنطة وفكك من الغرغرينة اللي لاعبة جوه رأسك.. وأحسنلك تلتزم بمواعيدك بدل ما أنا اللي اطلع بروحك!
هز رأسه وهو يكبت ضحكاته بصعوبةٍ، وهمس قبل أن يركض لغرفته:
_كل ده بدراع واحد.. كتر خير صاحب التريلا انه سابلك دراع سليم عمل فينا جميل!
احتدت نظرات عدي، فأشار له معتز وهو يغلق باب الغرفة قليلًا:
_ميصحش اقفل الباب في وشك يا وحش تعالى كده او كده!
أكمل طريقه لغرفته بعدما شيعه بنظرةٍ قاتمة، فأغلق الاخير باب الغرفة بضحكة هادئة.
******
فتحت نسرين عينيها فوجدته يغفو جوارها ويده تحاوطها، ابتسمت بعشقٍ وهي تتأمله، فمررت يدها على وجهه وهي تناديه:
_حازم.. مش هتنزل النهاردة المقر؟
حرك رأسه للناحية الاخرة بانزعاجٍ، ومن ثم ردد بنومٍ:
_لا هنزل للاسف.
واستقام بجلسته وهو يجاهد لفتح عينيه، فجذب التيشرت الخاص به ثم ارتداه على مضضٍ:
_كنت زمان بروح اتسلى واطلع عينهم دلوقتي بضطر اعقل عشان الوضع مش مستحمل.
ضحكت وهي تخبره بسخرية:
_معلش هتتعب فترة وترجع لراحتك.
ابتسم وهو يميل تجاهها ليطبع قبلة على جبينها:
_هما عارفين اني ماليش في جو رجال الاعمال ده.. مع اني بحاول حطي تحت بحاول دي خطين وشرطة حمرا!
عادت لنوبة ضحكها، فغمزت له بمشاكسة:
_أنت قدها وقدوم يا زوما.
منحها نفس البسمة والغمزة الماكرة:
_أنا قد حاجات كتيرة بس انتوا اللي متعرفوش امكانياتي.
وتركها وجذب احد البذلات ليستعد للتوجه للمقر.
*****
ولج عمر لغرفته، فوجدها مازالت تغفو جوار الصغير، فوضع حلا بغرفتها، ثم جذب ملابسه واتجه لحمام الغرفة ليغتسل.
نهضت نور عن فراشها بنومٍ، فاتجهت لخزانتها وجذبت اول ما تلقفته يدها، واتجهت للحمام بآلية تامة، وعينيها مازالت تجاهد للاستيقاظ، انحنت للحوض الابيض تغسل وجهها بالمياه، تصلب جسدها فجأة حينما وجدت ذراع يحاوطها، التفتت خلفها سريعًا فوجدته هو من يقابل عينيها المتلهفة، التقطت انفاسها على مهلٍ، وهي تردد بصوتٍ مرتعش:
_خضتني يا عمر!
ابتسم وهو يضمها اليه حتى ابتلت ثيابها من قطرات المياه التي تهبط عن خصلات شعره، وبصوته المغري قال:
_مين اللي يتجرأ يلمسك غيري!
ابعدته عنها وهي تشير له بغيظ:
_كده بلتني!
ورددت بصدمة:
_ثم انك دخلت عليا الحمام ازاي.
واستعابت ما يحدث هنا، فاخفت وجهها خلف يدها وهي تردد بعدم تصديق:
_معقول لا.. انا مكنتش اعرف انك جوه والله..
ضحك بصوته كله، واقترب منها وهو يردد بمكر:
_يبقى لازم تصلحي غلطتك ونتجوز.. مينفعش لو حد عرف يطير فيها رقاب!
كزت على اسنانها بغيظ:
_بتتريق عليا!.. ماشي يا عمر.
واستدارت تبحث عن غايتها ومازالت تردد:
_ماشي اصبر عليا.
وجذبت المياه ثم القتها عليه، فحمل عنها خرطوم المياه المعدني ليغرقها به، ضحكت وهي تتلمص بين يده حتى سقطوا معًا اسفل المياه والعين بلقاء تسطره العاطفة حتى وإن لم يحظى بها كاملًا يكفيه انها بين يده لحين ان ينتهي عذرها بعد ولادتها!
******
بغرفة عدي.
ولج للداخل فتفاجئ بالظلام يغمر الغرفة باكملها، اضاء الانوار، واتجه للفراش عله يمعن عينيه برؤيتها، انعقد حاحبه بدهشةٍ حينما وجده مرتب كما تركه بالامس، بحث عنها بالجناح بأكمله بلهفةٍ، فوجدها تغفو على مقعد مجاور للشرفة، دنا منها عدي فحرك المقعد الهزاز بخفةٍ جعلتها تفتح عينيها على مصراعيها، فوجدته جوارها، ابتسمت وهي تتسأل:
_عدي.. طلعت امته؟
اجابها بابتسامةٍ صغيرة:
_لسه حالا.
وضيق عينيه بنظرة متفحصة لملامح وجهها:
_انتي منمتيش كويس ولا أيه؟ شكلك كده معرفتيش تنامي بعيد عن حضني!
اكتفت برسم ابتسامة باهتة على وجهها، واتجهت للخزانة، فجذبت بنطال اسود وتيشرت رمادي، جهزت له طقم كامل وأشارت له ببسمة رقيقة:
_هحضرلك الحمام.
تلاشت ابتسامته تدريجيًا، فلحق بها وهي تجذب الشامبو الخاص بها والبرفيوم، وما ان استدارت حتى وجدته مقابل عينيها، كادت بالمرور فوضع يده ليمنعها ومن ثم رفع وجهها اليه وهو يتعمق بالتطلع لعينيها التي تتهرب منه، وقال:
_لأول مرة مقدرش اعرف اللي جواكي ولا أقرأك زي ما اتعودت.. ويمكن دي المرة الاولى اللي تحاولي تتهربي من عيوني وكأني هكشف شيء بتحاولي تخبيه عني يا رحمة!
بللت شفتيها بارتباكٍ، فابعدته عنها وهي تبتسم:
_ايه اللي بتقوله ده يا عدي.. هخبي ايه بس!
وولجت للحمام سريعًا تضع اغراضه ثم خرجت اليه فوجدته مازال يحاصرها بنظراته، فاشارت له بتوتر:
_حمامك جاهز.. هطلبك القهوة.
تركها ومضى للداخل، فترك جسده يغمره المياه عله يزيح دوامة فكره، وللحظة تذكر حديث مراد (الجوكر) عن يارا ابنة خالته الطبيبة النفسية، وارساله لرقمها، فحسم امره بالاتصال عليها ليتساءل عن توابع حالة رحمة وما يحدث معها تلك الفترة، انتهى عدي من حمامه، وخرج فوجدها ترتدي ثيابها لتستعد للهبوط، جلس على المقعد المقابل للشرفة، بينما كانت تعقد حجابها، فاستمعت لطرق الباب، فهمست وهي تتجه اليه:
_القهوة جهزت.
حملتها من الخادمة واتجهت للشرفة الضخمة الخاصة بغرفتها فتوقفت عن المضي قدمًا حينما وجدته يتحدث للهاتف وسماعته الخارجية مفتوحة فتسنى لها سماع المتصل وهو يخبره:
_الموضوع مكنش مرتبله يا عدي أنا بنفسي حققت مع صاحب التريلا.. كان شارب مش اكتر..
بتعجب سأله:
_بس ده مكنش كلامك يا مراد.. قولتي ان الموضوع فعلا مش طبيعي.. غيرت رأيك فجأة مش غريبة!
برر الجوكر رد فعله بثبات:
_قولت كده بناء عن كلامك واللي حصل من رجل الاعمال مهاب ابو العزم.. بس صدقني انا اللي حققت مع صاحب التريلا بنفسي!
التقط نفسًا مطولًا ثم زفره على مضضٍ:
_لو دي مش ردة فعل مهاب يبقى اكيد هيكونله رد فعل ولازم أكون صاحي للخطوة اللي هياخدها وآ.
بتر حديثه حينما استمع لصوت صاخب يأتي من خلفه، وحينما استدار تفاجئ بها تجمع الزجاج المنكسر من كوب القهوة الذي سقط عن يدها، فقال بثبات:
_هكلمك تاني يا مراد.
وأغلق الهاتف ثم اتجه اليها، فقالت بارتباكٍ وخوف:
_أنا اسفة مقصدتش انه يوقع مني.
أشار لها بقلقٍ:
_مش مهم.. سيبي الازاز هيأذيكي!
وجذبها لتقف قبالته، فرفعت عينيها المرتبكة اليه، تمعن عدي بعينيها وما رأه تلك المرة جعله في قمة صدمته فقال:
_رحمة انتي كنتي بتتصنتي عليا؟
هزت رأسها نافية:
_لا انا كنت جايبالك القهوة ولما سمعتك بتتكلم عن الحادثة أ..
_هشش
قالها ويده تلامس شفتيها، شعر وكأنه يتمادى بما يفعله، فضمها اليه قائلًا:
_دي مجرد شكوك وزي مسمعتش ملهاش وجود.. أنا عارف انك لسه متخطتيش اللي حصل..
وابتعد عنها وهي يخبرها ببسمة صغيرة:
_بس أنا هساعدك تتخطي كل اللي جواكي ده يا رحمة.
عادت لتتعلق باحضانه لتخفي دمعاتها فضمها اليه بكل قوته.
*****
بالمقر الرئيسي لشركات الجارحي.
ارتشف القهوة بتركيزٍ بامضته على العقود، فاستمع لطرق باب مكتبه، فردد بعملية:
_ادخل.
ولج حازم للداخل وهو يردد ببسمةٍ واسعة:
_صباحو فل يابو حميد.. ها بدأت الشغل من غيري ولا لسه؟
رفع حاجبيه بدهشة:
_لا أنا مش بحلم بقا.. معقول يومين ورا بعض هتساعدني فيهم لا الدنيا مش بخير خالص.
جذب احد المقاعد جواره، ثم جذب رصة الملفات اليه بعدما خلع جاكيته هامسًا بمرحٍ:
_استعنا على الشقا بالله.
والتفت اليه وهو يخبره بغرور:
_انا بس اللي كريم وطيب.هتطوع واساعدك لحد ما الشباب ينزلوا.
ضحك وهو يقدم اليه كوب من القهوة، فارتشفها وهو يشير له بكبرياء:.
_كده نشتغل بضمير رجال الاعمال الكبار جدًا.
تعالت ضحكاتهم الرجولية ليعمل كلا منهما بتركيزٍ تام..
****
طرق على باب الغرفة، فجذبت الحجاب ارتدته وهي تفتح بابها، فابتسمت وهي تزيحه عن خصلاتها الممزوجة بالابيض:
_عدي.. تعالى يا حبيبي.
ولج للداخل حاملًا بين يده علبة الشوكولا، فقدمها اليها، تناولتها منه آية، وهي تتساءل باستغراب:
_معقول شوكولاته!
هز رأسه وهو يهمس لها بعدما مشط الجناح بعينيه ليتأكد من عدم وجود ياسين الجارحي:
_عندي من زمان وكل ما افتكر اجبهلك تحصل حاجة.. المهم انها سايحة زي ما بتحبيها.
تعالت ضحكاتها وهي تهمس له بنفس النبرة:
_محدش بيهتم بالتفاصيل غيرك.
اكد لها بجدية:
_شوفتي بقا.. عشان تعرفي بس اني بحب حضرتك اكتر من ياسين الجارحي نفسه.
_بتقول ايه يا ولد!
استدار عدي للخلف بدهشةٍ، وعاد ليتطلع لوالدته فهمس بخفوت:
_مقولتليش انه هنا!
بتوتر رددت:
_انت مسألتش! بس ولا يهمك.
تساءل بفضول:
_ليه!
قالت بثقة:
_هتحامى فيك طبعًا ودي فيها كلام!
ضحك عدي وشاركته الضحك، فردد ياسين بغيظٍ وهو يوزع نظراته الصارمة بينهما:
_أيه اللي بيضحك.. كان بيقولك ايه؟
احتضنت العلبة وهي تشير لها:
_بيقولي انه جايبلي شوكولاته وانا بشكره ده مهما كان ابني الكبير ولا ايه يا عدي؟
لم يستطيع السيطرة على ضحكاته، كأنه يقبض عليها مع رجلٍ غيره، ومع ذلك قال بصوت رجولي عميق:
_صح طبعًا.
استعاد ياسين ثباته مجددًا، فقال:
_هنرجع للجو ده تاني يا عدي!
اشار له باستسلامٍ وهو ينهض بعيدًا عن والدته:
_يا باشا انا كنت بوصل امانه ووصلت.. عن اذنكم.
وتركهما وغادر والابتسامة لم تتخلى عن وجه ياسين وآية التي استدارت اليه وهو تمتم بغضب:
_تاني يا ياسين.
زرر جاكيته، ثم رفع نظاراته لعينيه واستعد للمغادرة وهو يخبرها:
_لما يعاملوكي بحدود هفكر أتغير!
*****
بالمقر..
نهض أحمد عن مقعده واشار لحازم وهو يراجع الملف:
_شوية وراجع يا حازم..هراجع الورقة دي مع عمي يحيى وراجع.
أومأ برأسه وهو يعيد حساب تلك المعادلة الصعبة، وفور مغادرة احمد ولج للداخل احد رجال الامن يتساءل بوقار:
_كنت عايز احمد باشا.
تساءل حازم بانشغال:
_مش هنا ليه؟
قال وهو يشير له بالظرف:
_جاله الظرف ده واللي بعته مأكد انه يستلمه بنفسه.
رفع حازم عينيه عن الحاسوب، وقد لمعت عينيه بمكرٍ:
_طيب هاته وانا هسلمه ليه.
نازله اياها ثم غادر، فابتسم حازم وهو يحرر الظرف مرددًا بمرح:
_شكلك عامل بلوة وجتلي لحد عندي.. انا قولت الوش البريء والطيبة الزايدة عن اللزوم دي وراها خيانة عظمى.
وحرر ما بداخلها، فامسك مجموعة من الصور مقلوبة عن وجهها، فقال بخبث:
_والله ووقعت يابو حميد.
لف الصور تجاهه فتلاشت ابتسامته تدريجيًا، والصدمة والغضب هما السبيل المتدفق لعينيه التي احاطتها حالة من الجمود والحسرة، فكاد بتلك اللحظة بأن يصرخ من فرط ما يشعر به!!!
*****
دق هاتفه بمكالمة هامة، فرفع ياسين هاتفه ليستمع للمتصل، ثم ابتسم وهو يردد بغموضٍ:
_بشكرك على مساعدتك.. وقريب جدًا هيكولنا لقاء يا مراد!
......... يتبع.....
#الجـارحــــــــــــي5... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
********______******
.
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! ....(#أحفاد_الجارحـي5..)
#الفصل_التاسع_عشر.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "ليان زين"،" مروة الشوادفي"،"منال محمود"،"شيرين محمود"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم الراقي...قراءة ممتعة 💙)
أي جراحٍ ستفتك بنياطٍ قلبي سوى الفراق، وأي فراقٍ هذا الذي سيغتال مشاعري وجوارحي سوى فراقك، هل أخبركِ بما يحدث داخلي! عساكِ تشفقين على عاشق ود لو لم يأتي عليه هذا اليوم اللعين الذي سينهي سعادته، هذا اليوم الذي حُرمت من لقاء عينيكِ.
هل أخبركِ سرًا؟
أنا دونك بلا روح... أنا دونك جسدًا يتحرك دون غاية أو ادراك منه... أنا الضائع في بحر تاه فيه قاربه وبات يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومع ذلك يتمسك بقشة نجاة قد تصلني للنجاة .. وما النجاة سواكِ!
لمعت عينيه بالدمعٍ وهو يتأمل الطاولة التي أصابت يدها، لطالما كان يخشى البقاء بجناحه لفتراتٍ طويلة، ما يقضه لاجل تبديل ملابسه لا يقتصر سوى على خمسة دقائق ، لا يعلم لما اتجه للرواق الرئيسي فخانته عينيه لمكان سقوطها، ألمه قلبه وهو يتخيل رؤيته لدمائها، جذب "رائد" هاتفه ليتفحص رسائله فانتابته فرحة حينما رأها قد قرأتها بالكامل، حتى وإن لم تجيبه، فسجل لها تلك المرة رسالة صوتية
«حبيبتي عشان خاطري ردي عليا، أنا هموت من قلقي عليكي، أنتي مش متخيلة الحالة اللي أنا فيها، أنا مقصدتش أذيكِ، طلبت منك تخرجي وتسبيني لاني عارف اني لما بتعصب ببقى غبي وأعمى، أنا آسف وعارف اني لو فضلت أعتذرلك من هنا لسنة قدام مش هيكفي على اللي عملته ده، بس عشان خاطر اولادنا يا رانيا تردي عليا، أو على الأقل طمنيني انك بخير»
عساها تمكنت من قراءة رسائله دون فتح المحادثة، فارساله للتسجيل أثار فضولها، او ربما اشتاقت لسماع صوته، حتى ولو اجتمع السخط والغضب منه بقلبها، فتحت التسجيل فتهللت اساريره، فلم يتوقف عن ارسال الرسائل اليها، استغل كل ثانية كانت بها داخل المحادثة، عله يتمكن من استفزازها للرد، ولكن صمتها ذبحه أكثر مما كان يعانيه!
******
عقله توقف عن استيعاب ما يحدث أمام عينه بتلك اللحظة، تسلل لمسمعه صوت دعسات حذاء يقترب من باب المكتب، لا يعلم كيف تمكن بتلك اللحظة من استجماع ذاته، فجذب الصور من أمامه ثم اعادها للظرف، ووضعه بجيب جاكيته، أغلق "أحمد" الباب من خلفه ودنا من المكتب وهو يراقب التغيرات الطارئة البادية على أخيه، فجذب مقعده المقابل إليه وجلس وهو يتساءل بدهشةٍ:
_مالك! تعبت ولا أيه؟
اشار له بإيماءة بسيطة:
_أنا كويس.
وجذب حاسوبه ليتصنع انشغاله بالحسابات التابعة للملف الذي يراجعه، بينما عقله شارد بعيدًا عن مجلس عقله، اتجه أحمد للبراد الصغير ثم جذب زجاجتين من المشروب، وضع احداهما أمامه والاخرى أمام حازم، وقال وهو يعتدل بجلسته:
_مشروبك المفضل.. تقدر تعتبرها مكافاة لمساعدتك اللي لحد الآن بشكك فيها.
لم يأتيه ردًا مشاكسًا اعتاد عليه، فتأكد بأن شكوكه بمحلها، فناداه بصوتٍ مرتفع عله ينتبه اليه:
_حازم.
استدار برأسه تجاهه، فقال بشكٍ:
_لا أنت مش طبيعي.. في أيه قلقتني!
ابعد المقعد عنه، ثم جذب جاكيته ليرتديه على مضضٍ، واتجه للمغادرة وهو يخبره:
_أنا تعبان شوية ومش هقدر اكمل معاك النهاردة.. هرجع اريح شوية ولو اتحسنت كمان ساعتين هرجع.
انتابه القلق، فنهض خلفه يتساءل بلهفةٍ:
_تعبان مالك؟ تحب اطلبلك دكتور؟
منحه ابتسامة دافئة وهو يربت على كتفه:
_الموضوع مش مستاهل ، هرجع اريح شوية والدنيا هتظبط.
تعجب من نبرته الجادة وثباته الذي بدى له غير مبشر بالمرةٍ، ومع ذلك تركه ليغادر، عله ينال قسطًا من الراحة قبل أن يحاصره بأسئلته.
******
خلع عنه الحاجز الطبي الذي يريح كتفه الأيمن، ثم حرك يده ببطءٍ ببعض التمارين الطبية، علها تحظى على تحسن ملحوظ، ركوده يجعل الملل يشد متاعه ويحكم من اغلاقها حوله، تصبب عرقًا من شدة الألم ومع ذلك مازال يحاول، يكره استسلامه للتعب وقتًا طويلًا، فكيف سيصمد للبقاء كل تلك المدة بالمنزل، تمدد عدي أرضًا، ثم بدأ بلعب تمارين الضغط دون اللجوء ليده المصابة، ورغمًا عنه اختل توازنه فاستعان بها، ليتنحى جانبًا وهو يتأوه من شدة الألم، هرع إليه من كان بطريقه للاطمئنان اليه، فعنفه بعتابٍ:
_بذمتك في حد قايم من حادث موت يفكر في رياضة!
وعاونه عمر على الوقوف ثم جذب أحد المقاعد اليه وهو يسترسل بضيقٍ:
_أعملك أيه تاني طيب ده انا اخدت اجازة طويلة عشان أكون جنبك وأمنعك من أي تصرف.. ومع ذلك بتعاند وبتتفذ اللي في دماغك!
تلاش الألم عن نطاق حدوده المسموح، ورسم ابتسامة باهتة وهو يخبره:
_الحق عليا برجعك لذكريات الطب والاشراف على المرضى اللي نستهم وسط الحسابات والمقر!
جذب احد المقاعد ثم جلس جواره وهو يردد ببسمة هادئة:
_بتقول فيها ده أنا وحشني البلطو والمستشفى وكل حاجة!
واسترسل بمرحٍ:
_بس عوضت كل ده وانا بشرف على حالتك البائسة.
رفع احد حاجبيه بسخطٍ:
_بائسة!
هز رأسه ليؤكد له، فمنحه ابتسامة هادئة وهو يتابع تأثره بالحديث، وفجأة قاطعهما صوت طرقات الباب الخافتة، لتطل صغيرته من خلفه، فولجت للداخل حاملة ابنه عمها بين يدها، ثم قربتها منه وهي تخبره بابتسامة رقيقة:
_طنط نور بتقول لحضرتك حلا عاملة مشاكل وعدي بيعيط.
حمل عنها الصغيرة وهو يردد بتأففٍ:
_ما أنا قعدت للاستاذة حلا اللي كل ما أروح مكان القيها سابقاني فيه.
ضحكت الصغيرة بصوت مسموع، خاصة حينما التفت تجاه من يشاكسها، قدم لها عدي اصبعه فتعلقت به ومازالت البسمة تنير شفتيها الوردية، راقبه عمر ببسمة خبيثةٍ، ومن ثم حملها ليضعها بيده وهو يردد ماكرًا:
_حبيبة عمه.. روحيله بقا.
واتجه مسرعًا للخروج ليشير لمن يراقبه بصدمةٍ لما فعل:
_مش ممكن البنت واقعة في غرامك يا وحش.. هروح أنا اشوف مليكة وياسين.
ابتلع ما كاد بالتفوه به، وانتقلت نظراته لابنته التي تعالت ضحكاتها لترسم ابتسامة ساحرة على شفتيه، فسألها بفضولٍ:
_فين ياسين؟
اجابته وهي تلاعب الصغيرة:
_تحت في الحديقة... كلنا بنلعب تحت وهو كالعادة واخد جنب لوحده.
أشار لها عدي وهو يحمل الصغيره:
_تعالي ننزلهم.. يمكن حلا تسكت تحت.
أمسكت يده واتجهوا معًا للمصعد، فتفاجئوا بنور بالداخل، فما أن رأته يحمل ابنتها حتى التفتت للجهة الاخرى قائلة بتذمر:
_جبتها ليه يا عدي أنا مصدقت صرفتها، عايزاني اشيلها وأقف وأنا تعبانه ومش قادرة.
انحنى عدي تجاه اللائحة وقال ساخرًا وهو يضغط على زر الطابق الاول:
_على أساس انها مش سامعة صوتك! متخافيش مستحيل تتعلق بيكِ وهي معايا.
اعتدلت بوقفتها لتتفاجئ بالصغيرة غير عابئة بوجودها، فاتسعت ابتسامتها وهي تخبره بحبورٍ:
_انا هبعتهالك كل يوم مع رحمة.. أو مع عمر المهم اني أنام بليل براحة تامة.
مازحها قائلًا:
_أنا قعدت لانسة حلا ولا أيه؟
ضحكت ثم تساءلت باهتمامٍ:
_فين رحمة؟
اجابها بتريث:
_مش عارف.. بس أكيد تحت.
توقف المصعد فتركها وغادر، بينما اتجهت هي للبحث عنها.
*******
المدة التي قضاها بسيارته لم تكن بالقصيرة لاتخاذ قرارًا هامًا كهذا، ما يقع على عاتقه ضخمًا لدرجة جعلت رقبته تلتوي لما يحمله، لذا قاد سيارته بأقصى سرعتها متجهًا لشركة هذا الأرعن، نجح أخيه بتسديد ضربة قاتلة اليه ومازال يتخفى تحت رداء العمل والمنافسة المتوقعة بين رجال الأعمال فيما لا يلومه أحدٌ، بينما هو يختار المواجهة وجهًا لوجه وليفعل ما شاء، توقفت سيارته امام الشركة، فرفع رأسه تجاه اللافتة الضخمة التي تحوي اسم "مهاب أبو العزم" بنظرةٍ ساخرة، ومن ثم فتح باب سيارته واتجه بكبرياءٍ لا يليق سوى برجل أعمال بحجم امبراطورية "الجارحي" ، اتجه بكل عنجهية لمكتب السكرتارية الخاص به ثم قال:
_عايز أقابل مهاب أبو العزم اديله خبر.
رفعت السكرتيرة رأسها اليه، وهي تخبره بأسفٍ:
_الباشا برة مصر.. حضرتك تقدر تسيب الكارت بتاعك ولما يرجع يحدد المعاد المناسب للمقابلة.
ضيق عينيه بنظرةٍ أربكتها، فاخشوشنت نبرته المتعصبة:
_كلميلي أي مسؤول يجيلي هنا.
ابتلعت ريقها بتوترٍ حينما عاينت الحالة التي تسيطر عليه، فرفعت سماعة الهاتف وهي تردد بإيجازٍ:
_استاذ فؤاد هو النائب عنه.. ثواني هكلمه.
وبالفعل ما هي الا ثواني معدودة حتى أجابها، فأخبرته عن وجود شخص يريد مقابلته بأمرٍ هام، فسألها عن كنايته، وبدورها نقلت سؤالها إليه فقالت:
_أقوله مين؟
حدجها بنظرةٍ قاتلة، متعمدًا تجاهلها، وتحرك بكل ثقة تجاه باب المكتب المقابل اليه، ومازالت السكرتيرة تراقبه وهي تحمل السماعة بين يدها بدهشةٍ.
فُتح الباب على مصراعيه، فانتفض الاخير على مقعده وهو يتأمل ذاك الغريب الذي يستكمل مسيرته اليه، رمش بعينيه بحيرةٍ وهو يحاول التعرف عليه، سبق له التعرف على أفراد عائلة "الجارحي" وبالاخص الشباب ولم يكن له سابق التعرف على اصغرهم، الذي يفضل البقاء بعيدًا عن امور المناقصات واجتماعات كبار رجال الأعمال، الذي حرص جميع الشباب بالحضور باستثنائه هو، لذا فشل بتحديد هويته، فقال بعصبيةٍ بالغة:
_أنت مين وازاي تدخل عليا بالشكل الهمجي ده!
جذبه حازم من تلباب قميصه، ليضع جسده على المكتب بعدما ألقى محتوياته أرضًا بفوضويةٍ، وتحرر صوته الرجولي الخشن وهو يصيح به:
_أنت لسه مشفتش الهمجية اللي هتحصل هنا.
زرع الرعب داخل حدقتيه وهو يستمع لحديثه المقبض، فقال بصعوبة بالحديث:
_انت مين!
اجابه وهو يناوله لكمة أصابت فكه فاطاحته بالدماء:
_أنا اللي هشرب من دمك ودم اللي مشغلك.. الجبان اللي بيتحامي بألعيبه ال** خايف يواجهنا راجل لراجل.. بعد ما العرض اتسحب منه لجئ لطريقة فتحت عليه أبواب جهنم وأنا اللي هحدفه فيها بايدي.
وسدد له لكمة أخرى وهو يصيح باندفاعٍ:
_كنت عايزين الظرف يوصل لاحمد بس حظكم المنيل وقعكم في الاوس* منه.
وركله أسفل معدته فسقط بالمقعد أرضًا، فاتت السكرتيرة راكضًا، فما ان رأت ما يحدث هرولت للمكتب لتطلب رجال الامن، زحف "فؤاد" بجسده للخلف وقد استوعب الآن ما يحدث، فجذبه "حازم" ليقف قبالته، ولف يده حول رقبته وهو يصيح بتهجمٍ مخيف:
_الا بيتعدى على حرمة عيلة الجارحي مالوش غير الموت... وأنتوا ارتكبتوا الابشع لما فكرتوا تستغلوا والدتي وتدخلوها في الدايرة اللي هتتقفل فوق رؤؤسكم.
ورفعه عن الأرض حتى ازرق وجهه وهو يتملص بين يده بصعوبةٍ، مجهادًا ليلتقط أنفاسه، لولا تدخل رجلين من الأمن لكان لاقى حتفه بالتو، ابعده أحد الرجال للخلف، بين لكمه الاخر جوار عينيه، فسعى الاخير لتكتيفه، ركل حازم قدميه ببراعةٍ، ثم دفع رأسه ليصيبه بجبهته، وناوله لكمات متفرقة أصابته في مقتل، وحينما حاول الاخر الدفاع عن زميله، جذب حازم الحاسوب الملقي أرضًا وسط فوضة الاوراق المبعثرة، وهوى فوق رأسه بضربتين متتاليتين حتى سقط مغشي عليه، ولم يتبقى سواه هو وفؤاد الذي يزحف برهبةٍ وفزع، فأشار له وهو يكبت دماء رأسه:
_انا ماليش دعوة.. انا عبد المامور تارك عند مهاب باشا أنا هنا بشوف أكل عيشي!
ضيق حازم عينيه باستمتاعٍ، فوضع يده بجيب سرواله ثم رفع قدميه على حافة المقعد، ليخبره ببرود:
_ده تمام الحريم لما بتتحط في وش المدفع، بتخاف وبتتراجع لورا.. عشان كده يا فوزية عايزك توصلي الكلام اللي هقولهولك ده للبغل اللي مشغلك.. ومتتساش تضيف على كلامي انه يشغل معاه رجالة ويدورلكم على بيت العدل بعد ما يحجبكم!
وانحنى ليكون قبالته والاخير يزدرد ريقه الجاف برعبٍ، حتى تحررت الكلمات المقبضة على لسانه:
_قوله إن الحرب بينا بقت على المكشوف، وإن الصور دي تمنها رقبته وده وعد من أصغر شاب جوه بيت الجارحي يمكن اللي حصل بمكتبه هنا ده يخليه يفكر مرتين قبل ما يحاول يتحدى أسياده.
وأشار للرجلين المفترش باجسادهما الضخمة الارض:
_خليه يتحامى ورا كوم العضلات النفخ دي.. احنا مش محتاجين اللي يحمينا وهيشوف مصيره هيكون ايه.. اعلان الحرب ابتدت بكلمة مني.. واللي جاي خراب عليه وعلى الشركات اللي أسسها هنشوف هيقدر يصد قدام الامبراطورية اللي ميحلمش ينطق اسمها ولا لا.. وكل ده حسابه منفرد بعيد عن اللي عمله ويخص والدتي.
وحرر اخر كلماته بلكمة اخيرة جعلته يفقد وعيه ويترنح جوار رجاله:
_متنساش ولا حرف من اللي قولته!
وانتصب بوقفته ثم اتجه للخروج بخطواتٍ تلامس الأرض بقوةٍ، متعمدًا احداث جلبة عظيمة من خلفه، ففتح باب المكتب ليغادر، فوجد السكرتيرة تختبئ أسفل الطاولة، انحنى تجاهها ثم عاونها على الوقوف، فاحتضنت وجهها بيدها وهي تردد برعبٍ:
_معرفش حاجة والله.
ابتسم وهو يشير لها ساخرًا:
_مبضربش أشباه الحريم.
ثم أشار بإبهامه للداخل:
_اتصلي بالاسعاف تيجي تسعف فوزية عشان بوصل رسالتي للباشا اللي مشغلك.
أومأت برأسها بهستريةٍ عله يرحل قبل أن تتلقى مصيرًا مشابه، فوضع نظارته القاتمة بغرورٍ محاولًا تقليد عدي وياسين الجارحي بقامتهم المثالية، فتحرك خطوةٍ ثم عاد ليقف قبالتها، فقال وهو يشير لها بتقززٍ:
_وابقي استري نفسك انتي نازلة تشتغلي في كبارية ولا شركة محترمة صاحبها سفاح!
أسرعت للبلطو الخاص بها، فارتدته لتخفي فستانها العاري، ونظراتها المرتعبة تراقبه، تركها وغادر بهدوءٍ لا يتناسب عما خلفه من فوضى وهلاك بمثابة تهديد صريح لذلك الأرعن!
*****
جلس أرضًا جوار الصغار، مشاهدتهم وهم يلعبون من حوله بسعادةٍ جعلته يشعر المثل، وخاصة حينما عزفت مريم على البيانو شعر وكأن قلبه يرفرف مع كل لحن تعزفه بحرافيةٍ، لا يعلم لما تذكر بذاك الوقت اللقاء الأول الذي جمعه بمعشوقة قلبه، وكأنها تشبه ذاك اللحن المحمل بقيثارةٍ من شوقٍ، ود لو استمع اليها مطولًا لينعم بصفاء النفس الذي يطوفه، انسحب من عالمه الوردي ليوزع نظراته بين الاولاد، فتعجب حينما لم يجد ياسين من بينهم، حتى يحيى كان يجلس على الطاولة البعيدة يعيد مذاكرة دروسه على حاسوبه الخاص، نهض عدي ثم بدأ بالبحث عنه فوجده يقف بركنٍ منعزل، يضع به لوحاته وألوانه، ويرسم احدى رسوماته بتركيزٍ تام، دنى منه حتى بات خلفه فتفاجئ به يرسم فتاة بملامحها الرقيقة بحرافيةٍ، رفع احد حاجبيه وهو يردد بدهشةٍ:
_مرين!
صوته جعل ياسين ينتبه لوجوده، فنهض بعيدًا عن مقعده، ونظراته المرتبكة لم تترك أبيه الذي حمل اللوحة ليراقب ما نقله ابنه باحترافٍ، ابعد نظراته عن اللوحة بدهشةٍ اتبعت حديثه:
_دي بنت مراد اللي شوفتها.. معقول لحقت تحفظ ملامحها وترسمها بنفسك!
لعق الصغير شفتيه بارتباكٍ، قطعه حينما قال:
_متعودتش أنسى ملامح حد اداني شيء.. وهي ادتني هدية أنا حابتها.
لاحت على شفتيه ابتسامة ماكرة، فهمس بصوتٍ غير، مسموع:
_شكل موضوعنا مخلصش يا مراد.. ده بدايته!
ثم قال وهو يحك جبينه بسخريةٍ:
_ياسين مش عايزك تركز في الهدية وصاحبتها.. الاهم دراستك ومستقبلك ولو اصحاب الهدايا بياخدوا اهتماماتك وعد مني هجبلك صفقة أسلحه هنا.. عشان متبطلش ترسم غيري.
ضحك الصغير وهو يهز رأسه بتأكيدٍ، فمرر يده بين خصلات شعره البني ثم انحنى ليضمه اليه وهو يخبره بحزنٍ لمسه ياسين بنبرته:
_عايزك تكبر وتحقق حلمك.. ومهما حصل اوعى تتخلى عنه.. خليك واثق ان اللي بيتعب ربنا بيقدر تعبه وأنت هتتعب وهتوصل لحلمك وحلمي اللي لسه وقف في نص الطريق ومقدرتش أكمله.
وابعده عنه ليطوف وجهه بيده بحنان:
_عايز أشوف نفسي فيك. يا ياسين.. مش بس الشبه لا أنا عايزك تحقق حلمي اللي عجزت عن تحقيقه.. مستعد تعمل كده؟
لمع الدمع بحدقتيه العسلية، وهز رأسه وهو يجيبه بصوت باكي:
_أكيد.. بس وحضرتك جنبي.
ضمه مجددًا وهو يخبره ببسمة هادئة:
_أكيد يا حبيبي جنبك وعمري ما هكون غير جنبك.
الابتسامة الساحرة تسللت لشفتي من يراقبهما من الاعلى، للحظة شعر بلمعة عينيه تأثرًا بسماع ما دار بين ابنه وحفيده، اغلق ياسين الجارحي نافذة مكتبه الخاص بعدما استمع للحوار المتبادل بينهما، وظل سؤال يطارده
«هل ما فعله بحق ابنه منصفًا؟
وفي حين سماحه لحفيده بتحقيق حلمه بالالتحاق بالشرطة لماذا يحرم ابنه من هذا الحلم!»
شعر بتأنيب الضمير ولأول مرة يشعر بأنه أخطأ بحق عدي، ولكن ماذا سيفعل؟
اللعنة على ذاك القلب الذي يأبى الخنوع خوفًا من أن يصيبه السوء، فيعاتب ذاته مرتين ان أصابه شيئًا، عساه الآن لا يعلم أي طريق سيكمل مسيرته!
******
عاد أحمد للقصر ليطمئن على حازم، وخاصة بعد محاولاته للاتصال هاتفيًا به، وكل مرة كان يحاول بها الاتصال به وجده مغلقًا، كان بطريقه للصعود اليه، فانتبه لوجود الفتيات بأكملهن بالاسفل، فاتجه للقاعة ثم قال وعينيه لا تفارق الارض:
_السلام عليكم ورحمة الله.
انتبهن لوجوده فاعتدلن بجلستهن، بقاء عينيه ارضًا منحتهم فرصة الاستعداد لوجوده، اجابوه السلام فاتجهت عينيه لنسرين ليسألها بقلقٍ:
_حازم عامل ايه دلوقتي.. بحاول أكلمه مش بيرد؟
بدد القلق معالمها، فنهضت عن الاريكة ودنت منه بخطوات بطيئة تتناسب مع حملها المرهق:
_ماله حازم.. مهو كان كويس الصبح وهو نازل المقر!
تساءل باستغرابٍ:
_هو مش فوق!
هزت رأسها وهي تجيبه:
_لا لسه مرجعش! طمني ماله؟
رسم ابتسامة صغيرة وهو يخبرها ما تريح به أعصابها المشدودة:
_لا مفيش أنا افتكرته رجع.. بس يمكن خرج مع معتز وجاسم.
وتركهم واتجه ليصعد للاعلى، فاوقفته داليا حينما نادته قائلة:
_أنا شوفت حازم من شوية كان طالع فوق.
هز رأسه بإيماءة بسيطة، وأسرع للاعلى ليلحق به، وصل للطابق الثاني، فوجده يخرج من المصعد، وعلى ما يبدو بأنه كان باتجاهه لجناح أبيه وما أن رأه حتى عبث بخصلات شعره بفوضوية تخفى اللكمة التي تترك أثرها جوار عينيه اليسرى، قطع احمد المسافة بينهما، حتى بات يقف قبالته، فسأله بلهفة:
_كنت فين يا حازم؟
تعمد الا يتطلع اليه حتى لا يكشف اصابة وجهه، فقال:
_كنت بتمشى شوية.
وتركه وكاد بالمرور من جواره ليستكمل وجهته، امسك معصمه واجبره على الوقوف، فتمعن بالتطلع لوجهه وردد بدهشةٍ:
_أيه اللي في وشك ده!
ابعد يده عنه ثم قال:
_مفيش ده خدش صغير.
لم تمر عليه خدعته، فجذبه ليقف قبالته ثم صاح بانفعالٍ:
_بطل تلف وتدور عليا.. أنت مش طبيعي من الصبح.. قولي حالًا فيك أيه؟
جذب يده بنفاذٍ صبر:
_أحمد أرجوك أنا مش متحمل خناقات بينا حاليًا سبني في حالي.
وكاد بالمغادرة فنجح أحمد بإيقافه مجددًا، وصرخ بغضبٍ:
_مش هسيبك الا لما تقولي مالك؟
منحه نظرة قاتمة اتبعها تعصبه الشديد:
_عايز تعرف مالي... اتفضل.
وقال كلمته الاخيرة وهو يلقي تجاهه الظرف المطوي، فتحه أحمد وهو يتساءل بدهشةٍ:
_ده أيه؟
تعلقت عينيه بما يراه بصدمةٍ، كانت الصور تحوي والدته مع عدة رجال وهي بوضع مخل، وملابس تكاد تكون عارية، اعادها أحمد للظرف سريعًا قبل أن تسقط بيد أحدٌ، وجذبه بغضب كاد بقتله بين يده:
_جبت منين الصور دي يا حازم!
اجابه على مضض وهو يحاول ان يتخطاه ليدلف لغرفة والدته:
_مكافاة مهاب ابو العزم ليك.. ومتقلقش وصله الرد المناسب.
وتركه تلك المرة وتوجه لباب الجناح الرئيسي، طرق عليه حتى استمع اذن الدخول، فاتجه للداخل باحثًا عنها، اغلقت تالين مئزرها وهي ترحب بابنائها ببسمة مشرقة:
_ايه الزيارة المميزة دي.
أمسك احمد يده وهو يهمس له بصوت منخفض:
_بلاش يا حازم.. خلينا نتكلم الاول.
تطلع له بنظرةٍ ساخطة، اتبعها قوله المستهزأ:
_ليه خلينا نتكلم هنا ونعرف أيه اللي بيحصل بالظبط... الصور دي مش متفبركة يا أحمد.
وزعت تالين نظراتها الحائرة بينهما، ثم تساءلت بدهشةٍ:
_صور أيه.. انت بتتكلم عن أيه يا حازم؟
أشار له أحمد برجاءٍ، ولكنه لم ينصاع اليه، فجذب الظرف ثم جذب الصور الموضوعة بداخلها ووضعهم من امامها على الطاولة، انحنت تالين والتقطت ما ناولته يدها، فجحظت عينيها بصدمةٍ مما رأت، اهتزت الغرفة بحوائطها من حولها، فتراجعت بجسدها للخلف، اسرع احمد لمساندتها وهو يردد بخفوت:
_ماما!
ابتعدت عنه ثم جلست على المقعد وعينيها تنهمر بالدمعات، الموقف الذي وضعت به الآن يعد الأصعب على الاطلاق، اخفضت عينيها أرضًا بحرجٍ، لا تمتلك القوة لمواجهة ابنائها، الماضي الذي ظنته قد دفن تحت الانقاض، عاد ليلاحقها بتلك اللحظة، والأبشع من ذلك من يواجهها به.
ما حدث لها طعن قلبه بسلاحٍ نجح ذلك المعتوه بقصد قلبه هو بالأخص بعيدًا عن شقيقه، اقترب منها حازم وانحنى على قدميه ليقابل عينيها الباكية، بعينيه الغارقة بالدموع، فطوف يدها معًا بين يده، كانت هناك عاصفة تقبض روحه وتهز أعماقه، يود معرفة ما الذي دفع والدته لتكن بيومٍ من الأيام كذلك، ولكن مجرد رؤيتها منكسرة أمامه، ضعيفة، لا تقوى على مواجهته اخترق قلبه نغزة حادة كادت باسقاطه ذبيحًا، ضم يدها ثم مال برأسه على ساقيها وقال بصوتٍ محتقن:
_انا مش عايز أعرف حاجه عن الصور ولا عن الماضي.. انا اللي يهمني انك اعظم أم بالدنيا متفكريش إن اللي حصل ده هيقلل من مكانتك عندي أنا بس كنت مشوش.. حقك عليا.
وقبل يدها تاركًا دمعاته تلامس كفها، رفعت تالين يدها وازاحت عنه الدموع، واحاطت وجهه بيدها ثم قالت بصوتها الشاحب الحزين:
_محدش بيقدر يهرب من ماضيه يا حازم، لازم تعرف اني اتجبرت اعيش بالشكل ده، بس أول ما لقيت فرصة اني اتغير وأرجع عن الطريق اللي كنت فيه ده متترددتش ومسكت في ايد باباك اللي مدهالي وبعدت عن كل حاجه يا حازم... والدليل تربيتي ليكم وانكم عمركم ما سمعتوا عني اللي يخليكم توطوا راسكم.
ضمها اليه وقبل جبهتها وهو يردد بحزن:
_انا أسف اني وريتك الصور دي.. حقك عليا متبكيش عشان خاطري.
ابتعدت عنه وهي تمنحه ابتسامة هادئة، تلاشت حينما استعابت شيئًا فسألته:
_بس ازاي وصلك الصور دي.
تلاشت ابتسامة احمد الذي يراقبهما بأعين دامعة، تدخل احمد على الفور حينما جذب الصور ليعيدها بجيب جاكيته وهو يهمس لهما:
_بابا خارج.
انتبهوا معًا لحمزة وهو يخرج من حمامه الخاص، برق بحدقتيه بدهشةٍ:
_أيه اللي بيحصل هنا.. انتوا جيتوا أمتى؟
اجابه أحمد وهو يرسم بسمة هادئة:
_من شوية.
اشار على اخيه بسخط:
_بيعمل ايه الواد ده.. ماله لزق في أمك كدليه.
كبت احمد ضحكاته وهو يشير لحازم:
_قوم يا عم متجبلناش التهزيق الله يكرمك.
انتصب حازم بوقفته، ثم قال ممازحًا اياه:
_أمي ويحق ليا احضنها وأبوسها وأفعل ما شئت.
تهجمت ملامح حمزة، فاقترب من المدفأة ثم جذب سيخ الحديد المطول، وأسرع تجاهه وهو يردد بغيظ:
_وانا يحقلي أقتص منك ما شئت..
هرول حازم للخارج واتبعه أحمد، فما ان ابتعدوا عن محيط الغرفة حتى سأله بجدية تامة:
_احكيلي حالا عملت ايه وازاي اتصابت بالكدمة دي؟
استقام بوقفته أمامه، وهو يسأله بشكٍ:
_ثباتك لما شوفت الصور وطريقتك جوه تدل انك كنت تعرف ده من زمان!
رد عليه بنفور من تصرفه الاحمق:
_ايوه يا حازم كنت على علم بماضيها.. وباللي اختها عملته زمان مع ياسين الجارحي، ومفكرتش للحظة أواجهها عشان محطهاش بالموقف اللي انت حطتها فيه.. أنا مش عارف مخك ده كان فين وانت بتعمل كده!
وعاد ليتحكم بانفعالاته، فربت على كتفه وهو يخبره:
_سيبك من كل ده الوقتي واحكيلي كنت فين!
******
بالأسفل..
استغلت نور انسحاب الفتيات للخارج لتفحص الأولاد بالحديقة، فجلست قبالتها وهي تتأمل شرودها بنظرةٍ حزينة، فقالت بتريثٍ:
_رحمة..
عادت لتناديها من جديدٍ، فانتبهت اليها:
_بتناديني يا نور؟
قالت ساخرة:
_بقالي ساعة بناديلك.
انتقلت من مقعدها لتجلس جوارها على الاريكة، ثم قالت بوضوح:
_انتي فيكي ايه... قوليلي.
كادت بتصنع نبرة دافئة تخبرها بها بأنها على ما يرام، فاوقفتها نور حينما قالت:
_اللي قولتيه ودخل على ماما آية بالمستشفى مش هيدخل عليا يا رحمة.. انا كنت عارفة انك بتكدبي واستنيت الفرصة المناسبة عشان اتكلم معاكي ونكون على راحتنا.
ترقرقت عينيها بالدموع، وجاهدت للبوح عما يضيق صدرها، فقالت بتلعثم:
_نور أنا شوفت مصطفى.
انقبض قلبها لسماع ما قالت، فرددت بعدم استيعاب:
_مصطفى مين؟ ابن عمك!
هزت رأسها فجحظت نور عينيها بصدمةٍ، وخاصة حينما قصت رحمة عليها ما حدث بالتحديد، واتفاقية ياسين الجارحي معها والزامها بالصمت، وختمت حديثها بالمٍ:
_انا بين نارين لا عارفة اصارح عدي باللي عرفته ولا قادرة أخبي عنه أكتر من كده.. خوفي وتفكيري بيفضحوني يا نور.. غير اني هموت من قلقي عليه.
لعقت شفتيها بتوترٍ، وهي تجاهد للحصول على حل مثالي لما تخوضه، فقالت:
_أنا من رأيي تعملي زي ما عمي قالك يا رحمة، عدي عنيد ومش هيقدر يحل الموضوع ده بالعقل.. وانتي شايفة حالته.
قالت ببكاءٍ حارق:
_مهو المشكلة اني مش عارفة ادارى عنه.. عدي عارفني أكتر من نفسي يا نور، لما بيبصلي قلبي بيتقبض يعرف اللي خبيته عنه صدقيني لو عرف اني كنت عارفة وخبيت عنه مش هيعدهالي!
_هو أيه اللي مش عايزاني أعرفه وياسين باشا محظر عليكي الكلام معايا فيه!
صعقت حينما وجدته يستند على الطاولة المطولة، وعلى ما يبدو بأنه يتابع حوارها منذ البدايةٍ، ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة وهي تردد بصوتٍ يكاد مسموع:
_عـدي!
قطع المسافة بينهما، وهي تتراجع للخلف بارتباكٍ وخوف يلمع بحدقتيها، فاستدارت تجاه نور التي تراقبهما بصدمة تماثلها، وانسحبت على الفور تأتي بنجاتها، بينما بقت رحمة في مرمى البصر أمامه، لم يعد هناك مفر من الهروب، وخاصة حينما أمسك راسخها، واجبرها على الاقتراب منه ليسألها بصوت على الرغم من كونه هادئ الا أنه خطير بالدرجة التي جعلت جسدها يرتجف بين يده:
_مخبية أيه عني طول الفترة اللي فاتت دي، أنا كنت واثق إنك بتداري شيء خطير وخايفة أكشفه!
وتحررت عصبيته بنجاحٍ حينما صرخ بها:
_ودلوقتي حالًا هتنطقي وتقولي أيه اللي ياسين الجارحي مش عايزني أعرفه؟
أغلقت عينبها برهبةٍ من صراخه، وترجته بنبرتها المرتجفة:
_عدي..
ذم شفتيه وهو يحركها بين يده بعنفٍ:
_دموعك مش هتشفعلك يا رحمة، انك تخبي عني حاجة ياسين الجارحي عارف بيها دي عندي كبيرة!
استندت بيدها على صدره الذي يعلو دقات قلبه بعصبيةٍ أسفل يدها، وقالت بصوتٍ خافت:
_مقدرش ده موضوع يخص عمي وهو منبه عليا متكلمش فيه.. أرجوك قدر موقفي!
تجمع غضب العالم بأكمله ليسكن عسليته القاتمة، فرفع ذقنها اليه وهو يبعدها عن أحضانه:
_لا مش هقدر.. أي شيء خاص بيكِ يبقى يخصني، الموضوع اللي مراتي فيه ميبقاش سر وهتنطقي بكل حاجة.
_ابعد ايدك عنها فورًا.
صوته الصارم تحرر ليلقي أوامره على من يجابهه بنظرة عند وشراسة، احتدت نظرات ياسين تجاهه، ومازال يحتجز وجهها بين أصابعه، فعاد ليكرر أمره بحسمٍ:
_سمعت أنا قولت أيه؟
اخفض عدي يده عنها، فانتقلت نظرات ياسين لرحمة الباكية وأشار لها:
_اطلعي لمي هدومك وانزلي لعثمان تحت هو عارف هيوصلك فين.
جحظت عينيها في صدمةٍ، فكيف ستتخلى عن زوجها وهو لم يتعافى كليًا، ترجته بنظراتها فلم تجد سوى نظرة جعلتها تهز رأسها في طاعةٍ، وتحركت بجسدها لتتجه للدرج، وفجأة وجدت من يمنعها بالصعود، أمسك يدها بقوةٍ جعلتها تتصنم محلها، ونظراتها المرتعبة تتوزع بينه تارة وبين ياسين الجارحي تارة أخرى!
ودت لو انشقت الارض وابتلعتها، كلا الاختيارين أصعب من الاخر، ولتكن صادقة كفة أي ميزان مقابله ستختل أمامه، هو وكفى، هو العالم بالنسبة اليها، أمانها.. قربه كالاكسجين وبعده سام كثاني أكسيد الكربون، قربه يعني حياتهما معًا، ارتعشت اصابعها فوق قبضة يده القوية، فحاولت ان تحرر يدها عنه ونظراتها تترجاه خلسة، عسليته تمكنت من قراءة ما ترسله له بسريةٍ تامة، يده اهتزت من فرط رجفتها فخشى أن يصيبها السوء لما تتعرض له بتلك اللحظة، فخفف يده عنها، رأها تهرول للأعلى باكية، فسن قلبه وكأنه ينازع بالا ينشق تحت قبضة ذاك الجلاد، اجتمع من بالقصر جميعًا من حولهما، فها قد عاد المشاغب لحلبة تحدياته التي لا تنتهي، هبط عدي الدرج الفاصل بينهما، فوقف قبالته وهو يتساءل بثبات قاتل:
_ممكن افهم ايه اللي بيحصل وانا معرفوش!
بادله النظرات بصرامةٍ، والصمت هو سبيله، فعاد عدي يتساءل:
_من فضلك يا بابا محتاج أفهم اللي بيحصل.. أنا مش عيل صغير عشان حضرتك تخبي عني وتجبر مراتي انها تعمل كده!!
ارتعب الجميع من الدخول لتلك الدوامة المغلقة، فخاضت آية تلك المعركة بمفردها، حينما اندفعت تجاه ابنها، فحاوطت وجهه بيدها معًا، اجبرته على التطلع اليها ثم قالت:
_عدي عشان خاطري تهدى.. ياسين عمره ما بيفكر غير في مصلحتك.. عشان خاطري تعالى معايا..
رفض الانصياع اليها وبقى كما هو، وجهه محاصر بين يدها وعينيه تحاصى عين أبيه، اجبرته آية على التطلع اليها، وهي ترجوه بدموعٍ انهمرت على خدها:
_عشان خاطري... بلاش تقف في وش باباك زي ما بتعمل.. صدقني هتندم يا عدي.. تعالى معايا.
اخفض عينيه عنه بصعوبة ليتطلع لها، فانصاع ليدها التي تدفعه لغرفة المكتب، وفي ذلك الوقت انتهت رحمة من اعداد حقيبتها، وما أن اتجهت للخارج حتى لحقت بها نور وهي تحمل صغيرها، وقبل ان تتفوه بكلمة واحدة قالت:
_مستحيل اسيبك لوحدك وانتي بالحالة دي.. انا قولت لعمر، وموافق اني اروح معاكي.
لم تترك لها المجال للبقاء بمفردها، لحقت بها حتى لابعد مكان تظن الذهاب اليه، وتبقى الوحش ثائرًا لا سبيل لتهدئته سوى معرفة ما يحدث بالتحديد!
******
وصل لمهاب ابو العزم ما حدث بمكتبه بالقاهرة على يد أصغر ابناء عائلة الجارحي، فود لو طالت يده رجاله ليضرم فيهم النيران بنفسه، ربما كان يسدد لهم الضربات خلسة ولكن الآن قد اعلنوا الحرب عليه بمنتصف الساحة، وما هزمه بتلك اللحظة تلاقيه اخر ضربات سددها له "ياسين الجارحي" بنفسه، حينما وصلته احدى مكالماته من رجاله بايطاليا يخبروه بتسجيل صوتي
«ما فعله أحمد الجارحي سبب لشركاتك الكثير من الخسائر، وليس أمامك سوى تلك الصفقة، عليك بكسب ذلك العرض لصالح شركتك والا ستعلن افلاسك، وما تسنى لنا معرفته بأن ياسين الجارحي سيقدم عرضين لشركتين مختلفتين، سمعت بأن العرض الاول المقدم باسم عدي الجارحي وياسين يحيى الجارحي، وأكثر من شاب، أما العرض الثاني المقدم يخص شركة جديدة باسم مليكة الجارحي وعدد من الفتيات، اعتقد بأنه لن يفوت تلك المناقصة سيفوز بعرضٍ منهما لا محالاة!»
كز على أسنانه بقوةٍ كادت باسقاطهما، من كان يفكر بالأمس القضاء عليه يغلبه بالغد دون ترك له مجال كيفية التخلص منه، انتابته رهبة مخيفة من مواجهة ذلك الرجل لذا لم يجد أي حل يلجئ له سوى ما يحيل رأسه منذ اللحظة التي قرر بها الانتقام من عدي الجارحي، خرج عن شروده على صوت احد رجاله وهو يتساءل بقلق:
_هنعمل ايه دلوقتي؟
ابتسامة خبيثة دنست وجهه الشيطاني المخيف، واتبعت فحيحه وهو يردد:
_هنعمل اللي كنا عايزين نعمله من البداية... هنساوم ياسين الجارحي بابنه، بس الفترة دي خلينا نلاعبه على الهادي لحد على الاقل ما اكسب المناقصة دي.
ارتعب وهو يسأله:
_بس ياسين الجارحي داخلها!
اجابه بسخط عظيم:
_ الصفقة دي هتعوض الخساير اللي الشركات اتعرضت ليها لازم نكسبها مفيش قدامنا اي اختيارات تانية... وبعدها هنعمل اللي قولتلك عليه وساعتها مش بس انتقامي من عدي هيكمل.. ياسين الجارحي بنفسه هيجيلي هنا زليل!
...... يتبع.......
#احفاد_الجارحي5.. #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
دخلنا على الجد.. #الاقوى_قادم... #ترقبوا.
متنسوش ان رواياتي الورقية في معرض رأس البر
في جناح مؤسسة ابداع اول خيمه في اول ممر
بخصومات معرض القاهره مازلنا مستمرين بعروض ابداع
العنوان بجوار اللسان وفندق النصر الممشي السياحي
*******_______******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية محمد رفعت
#تـرويـض_الشـرس! ...(#أحفاد_الجارحـي5..)
#الفصل_العشرين!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"ميادة محمد"،"إسراء نبيه"،"إيمان المليجي"،"إيمان أحمد"،أسماء محمود"،"إيمان ذكي"،"روان محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
كان على عاتقها مهمة شاقة، خاصة بأنها تقودها أمام ابنها الشرس، العنيد الذي مازال "ياسين الجارحي" بذاته يبذل مجهودًا شاقًا لتغيره، جلست "آية" جواره على الأريكة الجلدية السوداء، ثم أحاطت كف يده بقوةٍ، وكأنها تخشى أن يتركها ويعود للخارج فيحدث جدال جديد بينه وبين أبيه، تألم عدي وهو يراقب نظرات خوفها، فردد بسخطٍ:
_نفس نظرات الخوف اللي في عيون رحمة.. كلكم بيكون عندكم نفس النظرة قدام ياسين الجارحي.. الخوف وده أبشع شيء مبقدرش استحمله.
رفعت يدها على خده وهي تنفي ما يتودد لاعتقاده:
_الخوف ده عليك أنت يا عدي.. عشان خاطري اهدى واوزن الأمور بالعقل.. باباك عمره ما فكر غير بمصلحتك وبس.
بهدوءٍ يماثل نبرتها قال:
_ومصلحتي انه يبعد مراتي عني! فاكرني زي رائد هبلع وهسكت!
ضغطت بيدها على وجهه، وشددت على كل حرفٍ تنطقه:
_لا.. لا يا عدي.
واسترسلت بحدةٍ يراها لاول مرة:
_كل مرة بتعارض فيها أبوك بتندم لما بتعرف أيه اللي ورا معاملته وطريقته.. أرجوك بلاش ترجع لعندك وغرورك ده تاني.. يا حبيبي باباك مفيش في حنية قلبه وأنت شوفت بنفسك كتير عشان خاطري يا عدي بلاش تقف في وشه تاني.
انهمرت دمعاتها على خديها، فرفع اصابعه يزيحها عنها وهو يخبرها بحزن:
_طيب ممكن تهدي.. أنا مش هعمل أي حاجة تزعلك وعد.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، فضمها عدي اليه، اختبئ جسدها الهزيل داخل جسده الضخم، وكأنها ابنته التي يضمها اليه بحنانٍ، انتبه "عدي" لمن يقابله بالنظرات الهادئة، فبقى محله يحتضن والدته وعينيه تتطلع اليه بضيقٍ، اقترب ليبدو قريبًا منهما، فاعتدلت آية بجلستها وهي تهمس بخفوتٍ:
_ياسين!
انتصب عدي بوقفته، ثم دنى ليصبح قبالته، ظل الصمت يلهو بينهما الى أن قطعه عدي حينما قال:
_هستنى لحد ما حضرتك تقولي اللي رحمة مخبياه بنفسك.. ومش هحاول أضغط على حضرتك.
وتركه وصعد للأعلى وياسين يراقبه ببسمةٍ صغيرة، باءت جهوده الشاقة بثمارها وها قد تمكن أخيرًا من ترويض شبله الشرس!
عينيه تكبت غضبًا عظيم، والف كلمة تتردد على لسانه العاقد لها، ومع ذلك انسحب بكل هدوء وكأنه رفض الخوض بتلك المعركة التي ستجني على علاقته الشبه مثالية بابيه، تابعه ياسين بنظرة حنونة وقد بات الآن نسخة تكاد تقترب منه على حقٍ، الآن تمكن من السيطرة على انفعالاته الطائشة، التحلي بالقليل من الصبر سمة لم تكن تمسه البتة، والآن تعلم اللجوء لاول درجاتها!
انتبه ياسين لمن تستند برأسها على ذراعه، فضمها إليه ثم طبع قبلة أعلى رأسها وصوته الجذاب الهادئ يخبرها:
_اطلعي أوضتك يا آية ومتخافيش على ابني.. كل شيء ماشي زي ما خططتله وصدقيني الكابوس ده هينتهي وقريب أوي.
رفعت رأسها اليه وهي تمنحه أجمل ابتسامة قد يتمنى رؤيتها بذاك الوقت، فهزت رأسها بخفوتٍ وتركته واتجهت للمصعد، اتجه ياسين لمقعد مكتبه، فجلس وهو يترقب بابه بنظرات غامضة، جنت ثمارها حينما ولج أحمد وحازم للداخل بعد أن أمر جاسم باخبرهما بالذهاب خلفه لمكتبه الخاص.
العشرة وحفظ الطباع كانت كافيلة لمعرفة سبب استدعاء ياسين الجارحي اليهما، لذا لم يريد اقحام أخيه بالأمر فقال:
_عمي أنا بعتذر عن اللي عملته بس الصور اللي شوفتها خرجتني عن هدوئي، ماما سبق وحكتلي أنا وأحمد عن ماضيها بس مقالتش تفاصيل خاصة بعلاقاتها السابقة، أنا لما واجهتها كنت حابب أعرف منها أيه اللي ممكن تكون مخبياه تاني ويستغله حقير زي ده عشان أقدر امنعه.
استمع إليه بهدوءٍ قاتل جعله يسترسل بألمٍ:
_تخيلت للحظة إن الصور دي وقعت في ايد حد من ولاد اعمامي موقف والدتي قدامه كان هيكون أيه، والاصعب ان الكلب ده متعمد ينتقم من اللي عمله أحمد.. يمكن لو لجئ للانتقام بالشغل كانت هتكون منافسة رجال أعمال لكن اللي حصل ده واللي سبق وحصل لمروج مينفعش يتسكت عليه.
نهض ياسين عن مقعده ثم دنى ليصبح قبالته، فقال برزانةٍ:
_متعتذرش على شيء مقلش منك.. شباب الجارحي رجالة ولو مكنتش عملت كده كنت هعاقبك بنفسي.
ابتسم حازم وهو يتابعه بنظرةٍ مهتمة لسماع ما يقول، فاستطرد ياسين وهو يشير له:
_الظرف اللي معاك يتحرق وخليك واثق انه مستحيل يلجئ للكارت ده تاني.. وجودك هنا أنت وأحمد مش عشان السبب ده.
واتجه لمقعده مجددًا، فجلس وهو يخبرهما:
_أنتوا اديتله درس ميتنساش يعني اخدتم حقكم وبايدكم.. سبيوني أنا اللي أصفى باقي الحساب..مش عايزكم تتدخلوا بأي شكل.. سامعني يا أحمد؟
هز رأسه بطاعةٍ، فانتقلت عيناه لحازم الذي أكد له احترامًا لقراره:
_مش هعمل حاجة بدون اذن حضرتك.
منحه ابتسامة هادئة، فاستأذن كلاهما بالانصراف، فتسلل ندائه الخاص لصاحبه:
_خليك أنت يا أحمد.
توقف عن استكمال طريقه، فاستأذن حازم وانصرف على الفور، أشار ياسين له بالاقتراب، فجلس على المقعد المقابل اليه، جذب ياسين ملف أسود من خزانته الخاصة، ثم وقع على الاوراق، ورقة تلو الاخرى، وأحمد يراقبه بدهشةٍ وعدم فهم، انتهى ياسين مما يفعله، فوضع الملف من أمامه، تفحصه أحمد وهو يتساءل باستغرابٍ:
_ده أيه يا عمي؟
أجابه وهو يسند ظهره لخلف مقعده بكبرياءٍ:
_توكيل عام بادراة المقر ليك ولرائد.. أما ياسين فتعمله توكيل خاص بادارة شركة جديدة باسم مليكة ورحمة ونور وباقي البنات.
ضيق عينيه بذهولٍ، فتساءل بحيرةٍ:
_أيوه بس ليه؟
رد عليه بثباتٍ فشل يومًا بالتخلى عنه:
_لانكم الاجدر بتولي المناصب دي ومتسألنيش في حاجة تانية.
واسترسل بصرامة:
_وطلبي الأخير منك هتنفذه.
تساءلت نظراته بلهفة عن ذاك الطلب، فأتاه رده السريع:
_المناقصة اللي داخلينها ممنوع انك تتدخل وتساعد عدي فيها بأي شكل من الأشكال.. عدي لازم يعتمد على اللي درسه في فترة وجوده بالمقر.. حابب أشوف تعليمك انت وياسين له نهايته أيه.
ابتلع ريقه بتوترٍ وصدمة لمعرفته بما كان يحدث بينهم، فداعبت شفتيه بسمة ساخرة وهو يراقب حالته، فتهرب أحمد من لقاء عينيه الثاقبة حينما قال بتشتتٍ:
_هو حضرتك أسست شركة جديدة!
نهض عن مكتبه ثم حمل هاتفه الخاص ومفاتيحه، واتجه للصعود وهو يردد بغموضٍ:
_هتعرف كل حاجة بالوقت المناسب يا أحمد!
********
نهبت السيارة الطريق المتخلل للهواء المنعش، والاشجار تتمايل تناغمًا للتيارات الهواء البارد، الحقول من حولهم سرت لتنعش قلوبهما، وهن يتأملن نوافذ السيارة بانبهارٍ، حتى توقفت أمام منزل كبير يحاوطه الحقول والمزراع، والأشجار الشاهقة، أسرع السائق وعثمان الجالس لجواره بفتح أبواب السيارة، فهبطت رحمة ونور التي تحمل صغيرها وتحاوطه بغطاءٍ ثقيل يحفظ جسده الصغير من تلك الرطوبة، ولجوا معًا خلف عثمان الذي يشير اليهما وعينيه لا تفارق الأرض، دث مفتاحه بالباب العتيق فانفتح من امامهما، ومن ثم وضع الحقائب وعاد بغلقه بعدم حرص بالتأكد على عدم حاجتهما لشيءٍ، الاساس المرتب بعنايةٍ جعل المنزل مريح للعين والنفس بآنٍ واحد، كان يخلو من الطراز المتقدم وجماله متقن ببساطته الساحرة، ابتسمت رحمة وهي تردد باستمتاعٍ:
_المكان ده جميل أوي.
فتحت نور النافذة وهي تتأمل الحدائق بانبهارٍ:
_فعلًا والله المكان يسحر..تسلم قرارات ياسين الجارحي.
_أيه ده نور ورحمة مش معقول!!
صوتها افزعهن، فلكزتها نور بغيظٍ:
_خضتينا يا رانيا.. دي دخلة بذمتك!
احتضنتها رحمة باشتياقٍ، وضمتها نور وهي تخبرها بجدية:
_وحشتينا والله.. بس لما شوفت الجنه اللي انتي عايشة فيها عذرتك.
ابتسمت وهي تخبرها بوجعٍ فشلت باخفائه:
_الجنة في بعده نار يا نور.
رفعت حاجبها بسخطٍ، فوضعت الصغير على الأريكة ثم توسطت بيدها خصرها وهي تصيح بهن:
_اسمعي ياختي منك ليها.. بالصلاة على النبي كده مفيش محن تاني، حكم أنا مش تايهة عنكم بالذات البت رحمة أول ما عدي يسبلها تنسى اسمها، انتوا هنا غضبنين ومقهورين مش طالعين رحلة ولا شهر عسل.. يبقى تتلموا كده وتسبيوني اخططلكم واشوفلكم المناسب لتربية الزوجين المتهورين دول... اتفقنا؟
تطلعت كلا منهن للاخرى ثم انفجروا ضاحكين فشاركتهم نور الضحك، ثم اشارت لرانيا قائلة:
_تعالي وريني الاوض عشان انيم عدي وأغير هدومي..
أسرعت رانيا بحمل الصغير، واتبعت نور التي انحنت لحمل حقيبتها، فقالت بلهفة فشلت باخفائها:
_طب قوليلي رائد عامل ايه؟
توقفت عن صعودها للدرج، فجذبت منها الصغير ورفعت الحقيبة وهي تشير لها بغضبٍ:
_قولتلك ماليش في المحن.. هاتي الواد وانزلي لصاحبتك اساليها واندبوا مع بعض للصبح.
وتركتها فارهة الفاه واسترسلت طريقها للاعلى، فأشارت لها رحمة بالهبوط بسخريةٍ، ثم قالت وهي تتمدد على المقعد:
_متسأليش نور عن حاجة تاني.. بلاش تعصبيها الفترة اللي هنقعدها هنا.
سألتها بفضولٍ:
_انتوا جيتوا هنا ليه؟
ردت عليها بحزن:
_اتخانقت انا وعدي وعمي قالي احضر شنطتي.
ارتسم الحزن على معالم رانيا، فربتت على يدها وهي تخبرها بحب:
_معلشي عدي بيحبك ومهما كان هيجيله الوقت اللي هيعرف غلطه.
قال باحتقان باحبالها الصوتية:
_هو مغلطش معايا يا رانيا.. انا اللي غلطانة ومش عارفة أبرر حتى موقفي.
تدفقت دمعاتها فضمتها رانيا اليها وهي تحاول التخفيف عنها، بينما قلبها يتمزق من لوعة الفراق هي الاخرى.
*******
يا ويل قلبي من عشقٍ ملأ أعماقي، ليت غيمة الحب تمطر وتزهر الأشواق، ليأتي الغد وتلقاني، فيختتم فراقنا باللقاء، فالشوق إليكِ مشتاق، ليتك ترق لقلبي وتهوى لقائي، ألم تكتفي من البعد أم أن قلبك مازال يلوذ بقيود الصمت الشَّاجِي!
رسالة تتبعها الاخرى، ولم ينتابه الملل ولو للحظاتٍ، الليل قد غسق بظلامه الكحيل، وظلمة قلب رائد تزداد وتشرق مع تحول رسالته لمقروءة، وتارة يرى أعلى شاشته خاصية «يكتب» ، فيشرق قلبه بنور عشقها، ويترقب ما سترسله اليه، فيخيب ظنه من جديدٍ حينما لم ترسل بشيءٍ، وكأنها تتردد بالضغط على الارسال، فارسل هو لها:
_قولي اللي مترددة تقوليه يا رانيا.. عشان خاطري كلميني.
خاب ظنه للمرة التي فشل بعدها، فتمدد على الاريكة وعينيه لا تفارق فراشه الذي رفض التمدد عليه وهي ليست تشاركه نومته!
*****
أغلق عدي الهاتف مع مازن، بعد أن أخبره بأنه اتجه للساحل برفقة مروج ليعوضها فراقهما عن مصر لسنواتٍ، فالقى هاتفه على الفراش بملل، جفاه النوم وهي بعيدة عنه، وما يقتله ببطءٍ ما تخفيه عنه، كم مرة أمسك هاتفه وحاول طلبها وهو يعلم بأنها ستجيبه، ولكنه رفض مواجهتها وبقلبه كل ذلك الغضب، فأبعد الرباط عن يده وهو يشعر بحاجته للرياضة علها تشفي نيران قلبه، نجح باداء بعض التمارين التي لم تحتاج لذراعه المصاب حتى انتهى فجلس على المقعد المستدير وهو يحاول التفكير في الامر، فعزم امره بأنها لربما تخفي عنه أمرًا يخص حادثه الغريب الذي يوسم بأنه مدبر سابقًا، فان كان رجل الاعمال مهاب أبو العزم خلف ذلك للانتقام مما فعله به اذن عساه يعود للانتقام واستغلال بعد رحمة عنه، شعر بالاستياء لقرار ابيه ببعدها في حين انها لربما وجهة للخطر، لذا جذب هاتفه وحرر اتصاله حتى استمع لصوت متصله:
_باشا. ليك وحشة!
املى أوامره دون أن يعبأ بحديثه:
_هبعتلك عنوان عايزك من بكره تاخد رجالتك وتحاوط البيت وتحمي اللي فيه.. سامعني.
_علم وينفذ يا باشا.
اغلق عدي الهاتف ثم القاه على الفراش، واتجه لحمامه الخاص عله ينعم ببرودة المياه لتزيل ارهاق العودة للرياضة بعد انقطاع أيام.
*******
توسطت الشمس كبد السماء، لتعلن عن زوال ذاك الليل الجاف، استعد الجميع للذهاب للعمل ومن بينهم معتز، ارتدى سروال أسود وقميص أبيض اللون، وجاكيت الأسود، ثم استعد للهبوط للاسفل، فتفاجئ بشروق تجذب حقيبتها الصغيرة وتلحق به، ضيق عينيه وهو يتساءل بذهولٍ:
_على فين؟
ضيقت عينيها بدهشةٍ لعدم تذكره وعده القاطع لها، فقالت:
_أنت نسيت ولا أيه.. انت مش قولتلي هنزل معاك المقر من بكره؟
تسنى له تذكر تلك الحلقة الغير محببة، فرسم ابتسامة مصطنعة وهو يجيبها:
_آه افتكرت طبعًا.
وبغيظٍ كبته داخله، أشار:
_اتفضلي يا حياتي.
وضعت حقيبتها على معصمها، واتجهت للمصعد بدلالٍ رقيق:
_ميرسي.
لحق بها وهو يدعو أن تمر الامور علة ما يرام، فكيف سيحتمل عملها هذا وأغلب موظفي المقر رجال، السيدات تشغل مناصب ليست كثيرة، إن لم يقدم وعده لها لكان تغاضى عن الأمر في الحال، وأخيرًا وصلت سيارته للمقر، فصفها بالجراج التابع لمقر الجارحي، ثم اتجه اليها، فوجدها مازالت تقف بالخارج بانتظاره، والارتباك يسمو عليها كالوحش المفترس، وقف جوارها وهو يتساءل بقلقٍ:
_انتي كويسة يا حبيبتي؟
هزت رأسها اليه، وحركت اصابعها امام وجهها علها تحصل على الهواء، ورددت بخفوت:
_مرتبكة بس.. أنا بقالي سنين مجتش هنا.
أمسك يدها وهو يمضي جوارها، فمنحته نظرة ممتنة، حتى وصل أخيرًا لمكتبه الخاص، فأشار لها على مكتب السكرتيرة الخاص به ثم قال على مضضٍ:
_مكتبك.
وضعت شروق حقيبتها على سطحه، ثم جلست على المقعد تتحرك به بفرحةٍ، وهي تتفحص المكان من حولها باعجابٍ، استند معتز على حافة مكتبها العلوي، ووزع نظراته على من حوله بضيقٍ، وخاصة حينما أسرع تجاهه احد الموظفين فقال:
_لو مش هعطل حضرتك في اوراق مهمة محتاجة توقيعك.
عينيه الفضولية حانت منها التفاتة تجاه الفتاة التي استلمت العمل جديدًا، ومع ذلك سحبها باحترامٍ وهو يتابع رئيسه الذي انكمشت تعابيره تجهمًا، فأشار له بغضب:
_سبها على مكتبي ولما هخلص هبعتلك خبر.. ويا ريت تركز في شغلك وتبطل تبص شمال ولمين.
شعر بالحرج الشديد بالرغم من كونه شابًا مهذب، لم يصدر عنه السوء قط، وهذا بعث الصغينة لقلب معتز الذي حمل ذاته ذنب هذا الشاب، فكز على أسنانه وهو يحاول التحكم في غضبه، انتبه لصوت شروق التي تناديه وهي تردد باستغرابٍ:
_أنت هتفضل واقف كده كتير.. ما تخش شوف شغلك وخليني أشوف شغلي أنا كمان!
استدار تجاهها بنظرة جافة تعحبت للغاية من رؤيتها، وخاصة حينما قال:
_يا ريت تتعاملي بحدود مع الموظفين انتي ست متجوزة ومش متجوزة أي حد.
عقدت حاجبيها بصدمةٍ من حديثه، ولم يسبق لها على ذاك المقعد سوى خمسة دقائق، فنهضت وهي تشير له بغضب:
_تقصد أيه يا معتز! أنا لو مكنتش متجوزة يعني كنت هساير حد!! دي لا أخلاقي ولا تربيتي.
واسترسلت بعصبية بالغة:
_خد بالك من طريقتك وبالذات هنا.. انا لا هستحمل اسلوبك ولا طريقتك دي معايا.. حتى الشاب اللي كان واقف معاك من شوية أيه اللي حصل منه عشان تعامله بالطريقة دي!
تأثر صوتها من الحزن الشديد التي شعرت به، فجذبت حقيبتها وقالت:
_أنت عملت كل ده في أول خمس دقايق من قعدتي على الكرسي ما بالك لو استمريت أكتر من كده.. أنا قولتلك قبل كده مش هرضى باهاناتك مهما كان التمن.. وأنا بنفسي رافضة وجودي هنا لو هتعاملني بعدم احترام.
وتركته مشدوهًا واتجهت لتصعد للمصعد، فلحق بها وهو يردد بدهشةٍ:
_انتي رايحة فين؟ شكلك بتتلككي!
منحته نظرة ثاقبة قبل أن تضغط على الزر الارضي للمصعد، فغادرت باحدى سيارات الأجرة للمكان الذي توجب عليها الذهاب إليه منذ الأمس، فلم تعد رانيا فقط بصحبتها.. نور ورحمة لجوارها أيضًا.
******
بغرفة "أحمد"
شعر بأنفاسها تلفح وجهه، ففتح عينيه ببطءٍ فوجدها تتأمله بابتسامتها الساحرة، ابتسم وهو يميل تجاهها ليطبع قبلة على جبينها:
_صباح الخير يا حبيبتي.
أغلقت عينيها بحبٍ جعل نبرتها ترسل بترنيمٍ خاص:
_صباح الورد.. أتاخرت في النوم وأنا محبتش ازعجك.
انحنى بجسده ليجذب ساعته الموضوعة على الكومود، فأعاد خصلات شعره للخلف وهو يردد بدهشةٍ:
_أنا ازاي اتاخرت بالشكل ده.
وجذب الهاتف وهو يتفحصه بصدمة:
_المنبه مرنش ازاي وأنا عمله بايدي!
جذبت آسيل الساعة والهاتف منه، ثم وضعته على الكومود المجاور لها، ومالت برأسها على صدره وهي تخبره بضيق:
_أنا اللي عملت كده عشان تقعد معايا النهاردة.
حاوطها بحنان وهو يقربها منه، فمال برأسه عليها ثم قال بدهاءٍ:
_لو عليا نفسي أقعد عمري كله جنبك يا نور عيوني.. بس أنتي شايفة وضع عدي ورائد حتى ياسين مبقاش يجي الفترة دي المقر .. الشغل كله عليا ولازم عمي والمدراء ميحسوش بتقصير في غيابهم.
ابتعدت عنه وهي تتطلع اليه بطفولية، فضحك وهو يمنحها وعدًا:
_خلاص هحاول أخلص شغل بدري واعدي عليكي نسهر بأي مكان.
عاد وجهها ينير دنياه من جديدٍ، فضمها براحةٍ بعدما نجح بامتصاص غضبها، فنهض وأسرع للخزانة، ثم جذب احدى الحلى الكلاسكية، ارتدت آسيل مئزرها، ثم اتجهت اليه لتعاونه بغلق أزرار قميصه وهو يتابعها بشغفٍ وابتسامة ترسم فور رؤياها، رفعت عينيها اليه وهي تحاول القاء سؤالها المتردد على لسانها، فقال بنفس ابتسمته:
_قولي اللي عندك.. أنا سامع.
وكأنها كانت تنتظر سماع ذلك، فقالت:
_كنت عايزة أسالك عملك أيه في موضوع ليان؟
جلس على المقعد وهو يربط رباط حذائه وقد لاح الضيق على وجهه، كان يود اخبارها بالامس ولكنه فضل الصمت، فقال بتريثٍ:
_عدي حل الموضوع.
أسرعت تجاهه وبدت الصدمة عالقة على ملامح وجهها:
_حله ازاي!
قال وهو يستقيم بوقفته:
_يعني وقعه في شر اعماله وقبضوا عليه وهو رايح برجله يشتري مخدرات تكيفه بفلوسنا، وقدر انه يتخلص من الشهادات المزورة اللي انتي بدلتيها بالسجل.
ابعدت يدها عنه وهي تجاهد تلك الصدمة، فقالت:
_يعني انت رجعت اسمها تاني لابوها الحقيقي اللي بقى رد سجون!!
_بلسانك نطقتيها يا آسيل أبوها الحقيقي.. وسبق واتكلمنا قبل كده وقولتلك اني عمري ما هكون معاكي في اللي يغضب ربنا!
قالها مشدوهًا من استيائها لما فعله، وخاصة حينما صرخت بانهيارٍ به:
_انت ازاي تعمل كده يا أحمد.. انا قولتلك انا اللي متحملة الذنب.. أنت ايه مش بيهون عليك زعل بنتك!
واستطردت بعدم تصديق لما فعله:
_طب مجاش في دماغك انه بكره يخرج من السجن ويرجع يبتذنا تاني ويطالب ببنته!
قوس حاجبيه بصدمةٍ وهو يتمنى ان تكف عن الحديث، فصاح بها بانفعالٍ تام:
_أنا مش مصدق اللي بسمعه.. من يومين كنتي منهارة تحت رجلي عشان اسامحك والنهاردة بتجادليني.. يعني انتي مكنتيش معترفة بغلطتك من البداية وبتلعبي بيا عشان أعدي اللي عملتيه!
وجذبها اليه وهو يسترسل بغضب:
_شايفاني عيل صغير ولا طيبتي وحبي ليكِ حسستك اني هفق!
بكت وهي تحاول تبرير خطأها:
_قولتلك قبل كده هعمل أي حاجة عشان بنتي وآ...
قاطعها بنفورٍ وقد ضاق صدره من الحديث بالامر:
_مش عايز اسمع حرف منك... أنا مصدوم ومش مستوعب اللي بتقوليه ده.. ده بدل ما تحمدي ربنا ان عدي نجدك من الغلطة اللي كانت هتشيلك ذنب كبير لباقي عمرك!
وجذب حقيبته الموضوعة على مكتبه بطرف الغرفة، واتجه للمغادرة وهو يشير لها بحزمٍ:
_النقاش معاكي في الوقت الحالي بدون نتيجة.. هسيبك تفكري مع نفسك يمكن تحسي بغلطتك بجد من غير تمثيل!
وتركها وغادر وهي تتأمل الباب الذي تركه مفتوح من خلفه بعدم تصديق، مجرد تحطيم ما فعلته جعلت النيران تتقاذف اليها دون رجعة، ظنت بأنها اخمدت نيرانه وفعلت ما ارادت فمزق أمالها بما فعله، الهبها الغضب، ولم تجد سوى الابتعاد لفترةٍ تحسم بها امورها.
*******
بالمقر الرئيسي لشركات "ياسين الجارحي"
أسست الطابق العلوي بأكمله وتم تجهيزه خصيصًا للفتيات، وتم الاهتمام بالغرفة التي ستضم المكاتب، فتم تحضريها بالمعدات بفترة زمنية لا تصدق، تحت اشراف شخصي من "يحيى" و"رعد"..
******
بالجناح الخاص بمليكة..
استند بجسده على حافة السراحة، ثم وضع كلتا يديه بجيوب سرواله القطني، ونظرات عينيه الساحرة تحاصر تلك التي تتصنع العصبية باجتيازٍ، بسمته تلك استفزتها، فقالت بدموعٍ تتصنعها:
_أنت بتتريق عليا يا ياسين؟
أشار لها بملامح شبه جادة:
_أنا يا ملاكي! بالعكس بسمعك بمنتهى الاهتمام... كملي كنتي بتقولي أيه!
عادت ملامحها للغضب وهي تصيح بانفعالٍ شرس:
_كنت بقول انك مش شايف غير شغلك أنا مبقتش بشوفك غير صدفة!
اتسعت ابتسامته، وقال بنبرة باردة:
_حبيبتي أنا معاكي هنا من يوم ما ولدتي ما خرجناش من الجناح نهائي!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وهي تهمس بصوتٍ ظنته غير مسموعًا:
_آه.. صح.
وعادت لتتصنع تعصبها مجددًا وهي تشير له بغضب:
_بس ده ميمنعش انك مش مهتم بيا ولا بتفاصيلي ولا آ..
قاطعها حينما قال برزانة نبرته الرجولية:
_مليكة أنتي بتتلككي عشان تروحي للبنات صح؟ أنا ابن عمك وفاهمك كويس!
ضغطت باسنانها على شفتيها بقوةٍ، فمالت برأسها على صدره تبكي بصوتٍ جعله يتمادى بالضحك، غير مصدقًا لما يحدث هنا، وخاصة حينما رددت ببكاءٍ:
_مش عارفة اقعد من غيرهم يا ياسين..كانوا كل دقيقة واحدة تخبط عليا وتقعد معايا.. أنا خايفة انزل تحت مالقيش رحمة ولا نور.. حتى آسيل وشروق كلموني وقالولي انهم طفشوا وراهم.
ضحك بصوته كله وهو يردد بعدم تصديق:
_طفشوا!! وانتي بقا عايزة تطفشي وراهم فقولتي أدور على حجة محترمة صح؟
فتحت نصف عين وهي تراقب انفعالات وجهه جيدًا، وحينما وجدته يتقبل الامور بصدرٍ رحب قالت:
_هو كده بالظبط.
رفع وجهها اليه ثم قال ساخرًا رغم ثبات نبرته:
_وعلى أيه كل ده يا روحي.. بديكي الأذن انك تروحيلهم بدون ما تحصل بينا خناقات والذي منه.. بس بليز خليكي فاكرة اننا مفيش بينا شيء يزعل عشان لو نور حبت تقلبك عليا انا كمان!
تحول بكائها المصطنع لابتسامة مشرقة، ثم عادت مجددًا للبكاء على صدره، فبرق بعينيه بدهشةٍ دفعته ليتساءل:
_في أيه تاني؟
قالت من وسط عويلها:
_مش قادرة البس واروحلهم.. مش عارفة نور بتتحرك بطلاقة وكأنها كانت في رحلة مش طالعه من ولادة.. انا تعبانه يا ياسين ومش قادرة اتحرك!
ضحك مجددًا وتلك المرة أحمر وجهه من فرط ضحكاته المتكررة، فقال بصعوبة بالتماسك:
_بس كده.. انا بنفسي هحضرلك شنطة صغيرة وهنزلك لحد العربية وده أخري للأسف ياسين الجارحي عمل هناك حظر تجوال ومحدش يعرف بيودكم فين.. وان كان على يحيى أمره سهل انا وهو هنحاول نتأقلم مع بعض.
ابتسمت وهي تتأمله بحبٍ، فأحاطت رقبته بذراعيها، وهمست بفرحةٍ:
_تعرف اني بحبك.
طوف خصرها بيده والاخرى يبعد عن عينيها خصلاتها المتمردة:
_حبي فيا عشان اغير رأيي وأخليكي تدوري على حجة بجد عشان تمشي.
وابتعد عنها ثم جذب الحقيبة الصغيرة، فوضع بها بيجامات خاصة بها واسدالها الخاص، والاهم من ذلك وضع سجادتها الخاصة ومصحفها الشريف الذي يحمل نفس لون السجادة البينك، وقبل أن يغلق الحقيبة قال وهو ينحني فوق الحقيبة:
_وده يا ستي الروب بتاعك عشان لو الجو برد بليل تلبسيه.. لو في حاجة نسيتها قوليلي؟
هزت رأسها نافية والعشق لذاك الرجل الحنون يتلألأ بحدقتيها، دنى منها ياسين، فضمها اليه ثم قال بصوت رخيم:
_خدي بالك على نفسك وعلى ملاك.
أومأت برأسها بخفةٍ، فانحنى ليساعدها بارتداء حذائها، ارتدته على استحياءٍ فما ان اعتدل بوقفته حتى أمسكت كف يده ثم طبعت قبلة خافتة على يده لما قدمه من مساعدة لها، مرر يده على شعرها بحنانٍ ومازحها قائلًا:
_استمتعي بس براحة وانتي بتنمي عليا.
ضحكت وهي تعقد حجابها، فضمها اليه ليعاونها على الهبوط والخادمة تكفلت بحمل الحقيبة والصغيرة، هبطوا معًا للاسفل فوجدوا الشباب بالاسفل، راقب عمر الحقيبة وتساءل بدهشة:
_على فين العزم؟
حدجته مليكة بنظرة مشاكسة، فاجابه معتز ساخرًا:
_لباقي الحزب يا حبيبي.. شكلهم متفقين.
ضحك جاسم وقال:
_تستاهل انت اللي غيور بزيادة عن اللزوم.
وما كاد باستكمال حديثه حتى وجد داليا تسرع خلفها على الدرج وهي تحمل الصغيرة لتناديها بلهفة:
_استني يا مليكة انا جااااية معاكي هتسبيوني هنا لمين؟
ضحك معتز ليرد له الصاع بينما راقب عمر ما يحدث بذهولٍ، مال حازم على نسرين فدفعها برفق وهو يجذب عنها طبق الحلوى:
_انتي مستانية ايه انتي كمان قومي شيدي رحالك!
منحته ابتسامة واسعة وهي تشير على الحقيبة الموضوعة جوار الاريكة:
_شداها من بدري يا حبيبي وكنت بستنى مليكة تخلص..
ونهضت وهي تشير لهن بحزم:
_هيا بنا يا فتيات.
توافدوا خلف بعضهما البعض والشباب يراقبن ما يحدث بصدمة والاخر انقلب الامر عليه بالضحك كياسين ومعتز، بينما عدي صمته كان مخيفًا للغاية.
جلس ياسين جوارهم، فحل الصمت عليهم جميعًا الى أن وصل أحمد بسيارته فولج للداخل بصحبة رائد، جلسوا قبالتهم فسأله ياسين بفضول:
_ايه اخبار المقر يا شباب؟
اجابه رائد وقد بدت الحيرة تتراقص به:
_في حاجات غريبة بتحصل هناك.. عمال بيشتغلوا في الطابق اللي فوقنا وبيجهزوا مكاتب جديدة.
رفع عدي حاجبيه بدهشة:
_مكاتب لمين؟
_للبنات.. لانهم من بكره هينزلوا يشتغلوا وزيهم زيكم بالظبط.
رد قاطع أتى من يحيى الذي كان بطريقه للاعلى، صدم الشباب الا أحمد لم يتأثر بما استمع اليه لعلمه مسبقًا، ابتسم عدي وهو يردد بسخرية:
_وده طبعًا قرار ياسين الجارحي... عشان كده مشوا واحدة ورا التانية لان أكيد الموضوع ميحلاش بالنسباله غير بالتحديات.
اجابه يحيى:
_لا يا عدي الفرع اللي هيمسكوه تابع لشركاتنا برضه.
واسترسل وهو يتجه للدرج:
_عمومًا الكل لازم يكونوا موجودين بكره بالمقر.. في موضوع مهم ياسين هيكلمكم فيه... عن اذنكم.
وتركهم وصعد للاعلى والجميع بدهشة مما يحدث، فقطع دخول مازن جلستهم، فجذب احد المقاعد وضمها اليهم، فسأله معتز بدهشة:
_انت مش كنت بالساحل مع مروج يا ابني!
رد بغيظٍ وهو يكاد ينفجر:
_البنات كلموها وراحتلهم!
همس عمر ساخطًا:
_الحزب اكتمل!
*****
بالمنزل الخاص بالفتيات.
استمعوا اليهن جيدًا، وما ان انتهوا من قص ما حدث، قالت رحمة بعتابٍ:
_شروق ممكن تكون معاها حق في تصرفها لكن انتي لا يا آسيل، أحمد معاه حق.. مينفعش تحلل اللي حرمه ربنا ولا نقبل بيه بأي شكل من الاشكال!
انكست رأسها بحزنٍ، وقالت والدموع رفيقتها:
_غصب عني يا رحمة.. أنا مش جاهزة أعيش التجربة دي تاني.. أنا ببقى ضعيفة ومش قادرة أقوى ليان!
ربتت رانيا على كتفها بحنانٍ:
_معلشي ربنا هيقدرك وهتكونلي ليها ام عظيمة تصبريها على اللي هتتعرض ليه.. وزي ما أحمد قالك عوديها انها تكون قوية وقادرة تواجه كل اللي هتتعرض ليه.
واضافت نور:
_سبيوها دلوقتي يا بنات.. لما هتهدى وهتوزن الامور هتعرف انها غلط وإن أحمد عمل كده لمصلحتها.
واتجهت النظرات تجاه شروق الباكية، فقالت نور بمزح:
_قولتلك الف مرة جوزك ده عايز يتحط مع رائد في حبس منفرد.. الاتنين لا يصالحوا للجواز عايزين اعادة تأهيل من أول وجديد.. وأنا اللي هساعدكم بعون الله..
ضحكت رحمة وهي تشير لها بسخطٍ:
_طلاقهم على ايدكم بعون الله!
قاطع جلستهم صوت طرقات باب المنزل ومن بعده حرر عثمان المفتاح الخاص به، فولجت الفتيات معًا للداخل، صعقت نور ورحمة حينما وجدوا مليكة وباقي الفتيات أمامهن!
******
بالقصر.
أخبر عدي رائد بالمكان الذي نقل به ياسين الجارحي للفتيات، وأخبره بالا يذهب الآن وينتظره بالصباح سيذهب بصحبته لرؤية رحمة، جفاه الشوق ولم يرف له جفن، فأتصل بحازم وجاسم ومعتز وطالبهم بالمساعدة، وكان منهم ان استعدوا جيدًا لسطو المنزل ورؤية زوجاتهم، صعدوا للسيارة وتحرك بهم رائد متبعًا الموقع الذي أرسله له عدي، فما ان وصلوا حتى احاطوا المنزل لأكثر من ساعة كاملة حتى حددوا غرف الفتيات، فوضعوا السلم الحديدي وعاونوا رائد على الصعود لغرفة رانيا، وجده تتمدد على الاريكة وتتأمل شاشة هاتفها باهتمامٍ، على ما يبدو بأنها تهيم برسائله دون أن تهتم باجابته، انتفضت بجلستها بفزعٍ حينما رأته يقف أمامها، تراجعت رانيا للخلف بصدمةٍ اتبعت نبرتها الخافتة:
_دخلت هنا ازاي؟
اجابها ومازال يدنو منها بقربٍ خطير:
_فاكرة اني مش هعرف اوصلك!!
استدارت راكضة لباب الغرفة وهي تصيح:
_نور... رحمة.. بنات!
كمم فمها جيدًا، ودفعها للحائط الذي بات معتقل اليها، يده تمنع حديثها واليد الاخرى تقيد حركتها المنفعلة، رمادية عينيه تشكو جفائها، وبحزنٍ شديد أخبرها:
_ازاي قدرتي تبعدي عني يا رانيا؟ ازاي قدرتي تعمليها؟
تهاوت دمعاتها على خدها فلامست يده التي تحركت عن فمها لتزيحها ومن ثم احتضن وجهها بيديه معًا وهو يقطع اخر مسافة بينهم وبصوته الرجولي المجروح قال:
_عارف ان غلطي كبير.. مش طالب منك غير فرصة اصلح بيها غلطتي... انا متعمدتش أتسببلك بالجرح ده.. صدقيني غصب عني!
ابعدت يده عن وجهها وابتعدت قليلًا وهي تشير اليه:
_امشي يا رائد... امشي قبل ما انكل ياسين يعرف بوجودك هنا.
جذبها بقوةٍ اليه وصاح بعصبية بالغة:
_بعدتي مرة وعاقبتيني ونتيجتها ايه حرمتني من بنتي سنين طويلة، المرادي عايزة تعاقبيني بأي شكل على غلطة مقصدتهاش يا رانيا!
احتدت عينيها بنظرة قاتمة لحقها نبرتها الساخرة:
_عصبيتك دلوقتي بتأكدلي انك عمرك ما هتتغير يا رائد... يلا مد ايدك عليا وارجع اتأسف تاني وقول مقصدتش!
مرر يده على خصلات شعره بجنونٍ، ثم تلبسه رداء هدوئه وهو يخبرها:
_آسف.. بس أنا نفسي تحسي بيا أنا بقالي فترة قالب الدنيا عليكي وانتي بتشوفي رسايلي ورافضة حتى تطمنيني عنك!
واقترب مجددًا وهو يحتضن وجهها، وأجبرها على التعمق بعينيه وهو يهمس بصوته الحنون:
_قدرتي تبعدي ازاي وأنا في الحاله دي.. قدرتي تنسيني وتدوسي عليا بالسهولة دي!
فقدت قدرتها على مفتاح قلبها الذي يملكه هو، فتحررت دمعاتها من جديد وبهمسٍ ذبح قلبه رددت:
_مقدرتش.. أنا مقدرتش لانك ساكن في كل نفس بأخده.. ساكن في قلبي وجوه روحي.. انا كنت بموت وانت بعيد عني!
ضمها اليه بقوةٍ جعلتها تنصاع اليه، همساته خدرت جسدها بين يده، وصوته الدافئ يخبرها بعاطفة:
_وحشتيني!!
كادت بأن تستسلم اليه بطوفان عشقهما الخالص، فقاطع صفوهم صوت صفير قوي من جوار شرفتها ومن بعدها صوت جاسم المتعصب:
_انت يا عم روميو... انجز السلم هيقع فوق نفوخنا كلنا!
رمشت بعينيها بصدمة:
_ده صوت جاسم!
ضحك وهو يغمز لها بمشاكسة تجاه النافذة، فهرعت لتتفاجئ بجاسم ومعتز وحازم، يحملون سلم معدني يتصل لشرفتها، فاشار لهم معتز بسخرية:
_انجزوا لسه لينا دور!!
اضاف حازم بسخطٍ:
_انا بقا متنازل عن دوري مش طايق اشوف خلقتها اساسا انا جاي هنا بالغصب وتحت تهديد السلاح لكن انا مصدقت اني طفشتها!
اضاف جاسم ساخرا:
_على أخر الزمن هنعيش زمن المراهقين من تاني!
واشار للاخير بحدة:
_انجز بقا بدل ما ياسين الجارحي يعلقنا..
_ايه اللي بيحصل هنا ده!
انتفضوا جميعًا على الصوت القادم من خلفهم، ابتسم معتز وهو يردد بخفوت:
_ده عثمان... يعني اعتبروا الخبر في عب ياسين الجارحي..
صرخ بهم حازم وهو يترك السلم المعدني الذي بدأ رائد بسلكه فسقط أرضًا يصرخ ألمًا، بينما هوى حازم تجاه عثمان مسؤول الحرس بالمطرقة الموضوعة جانبًا وهو يردد:
_اقتلووووه بسرعة قبل ما يبلغ عننا!
احتضن المطرقة وهو يتراجع للخلف بصدمة، حاول ابتلاع ريقه بصعوبة فلم ينجح لذا استدار اليهم وهو يشير بأعين كادت بالتحول عن مسارها:
_طلع هنا... ياسين الجارحي هنا!
قالها ثم تمدد ارضًا فاقدًا للوعي، ركض معتز وجاسم تاركين رائد يتأوه ارضًا وهو يشير لهم بالعودة لحمله، فتعركلت قدميهم ليسقطوا من فوقه ومن ثم تفاجئوا بعثمان ولجواره ياسين الجارحي الذي وزع نظراته القاتلة بينهم، نهضوا جميعًا واقتربوا ليقفوا امامه، كالاطفال المرتكبين لذنبٍ فاضح أمام استاذهم، اسند ياسين يده لخلف ظهره وهو يوزع نظراته ببطءٍ بينهم، فشق صوته جلباب الليل العتم:
_اظن أنا منبه ان ممنوع حد يجي هنا.
ردد رائد بحرج:
_يا عمي.
اوقفه باشارة يده وهو يسترسل بثبات تام:
_زي ما واضحلي مين اللي وصلك لهنا يا رائد.
اجابه بحزن:
_أنا بس كنت حابب اعتذرلها وآ..
أوقفه باشارة مجددًا وهو يشير لهم بصرامةٍ:
_امشوا من هنا فورًا... وبكره في الاجتماع ليا كلام تاني معاكم.
فور انتهائه مما قال غادروا جميعًا بلمح البصر، فاستدار ياسين تجاه عثمان وهو يشير له:
_مش عايز نملة تعدي من قدام البيت يا عثمان.. بالذات الفترة الجاية فتح عينك وخليك جاهز لاي حركة يعملها مهاب..
أومأ برأسه عدة مرات، وغادر على الفور فاستكمل ياسين طريقه للاعلى، فتح باي المنزل ليجد الفتيات بانتظاره على طاولة الطعام الصغيرة، جذب ياسين المقعد الاساسي وهن من حوله يرقبونه ببسمة ممزوجة حب واحترام، فقال وهو يوزع نظراته نظراته بينهم:
_جاهزين تشوفوا مكاتبكم من بكره!
واسترسل بخبثٍ:
_اعتقد اننا خدنا أول خطوة... الخطوة الجاية عليكم!
........ يتبع........
#الجــارحــــــــي5 #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
هتلاقوا رواياتي الورقية في معرض رأس البر
في جناح مؤسسة ابداع اول خيمه في اول ممر
بخصومات معرض القاهره مازلنا مستمرين بعروض ابداع
العنوان بجوار اللسان وفندق النصر الممشي السياحي...
******_________*********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! ..(#أحفاد_الجارحـي5.)
#الفصل_الحادي_والعشرون!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"تقى أحمد"،"منة مصطفى"،"أسماء يونس"،"بسملة مصطفى"،"أمل خالد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
الليل في ثلثه الأخير، ومازال الجميع بخصامٍ مع النومٍ، وكأنه عدوهم الغير مرحب به بذاك الوقت، الهموم تهرول من خلفهم فتجعل الراحة أخر مسعاهم، هبط "عدي" للأسفل حينما جفاه النوم دونها، اختار الجلوس أمام النافذة العملاقة، بالقاعة الرئيسية للقصر، مضى لدقائق قبل أن يشعر بخطواتٍ تقترب منه، وقبل أن يستدير ردد:
_لسه صاحي ليه؟
ابتسم عمر وهو يجذب أحد المقاعد ليصبح قريبًا منه:
_حسيت انك صاحي.. روحتلك اوضتك ملقتكش فقولت أكيد هلاقيك تحت!
أجابه بضجرٍ يحاوطه:
_مجاليش نوم.
انتبهوا معًا لاحمد الذي دنا اليهم بالمقعد الخاص بالسفرة، فوضعه محاذاة لمقعد عمر وهو يردد بمزحٍ:
_الظاهر ان الموضوع جماعي.. ياسين نازل ورايا.
اتبعه ياسين ومازن، فجلسوا جوار بعضهم البعض، فقال مازن ساخرًا:
_فين باقي الحزب؟
اجابه ياسين:
_يمكن نايمين.
اردف عدي باستهزاء:
_محدش فيهم هنا.
ضيق عمر عينيه بدهشةٍ:
_راحوا فين بالوقت ده؟!
اتاته الاجابة صريحة حينما صدح صوت السيارات بالخارج، ومن ثم خرجوا معًا واتجهوا للداخل، جلسوا جوار بعضهم على أريكة مطولة، يراقبون نظرات باقي الشباب بتذمرٍ، وخاصة حينما اخبرهم حازم بما حدث هناك، فردد أحمد بسخريةٍ:
_كنت فاكر إن حازم بس اللي مش بيفكر بعقل طلع في عدد يفرح ما شاء الله.
منحه معتز وجاسم ورائد نظرة ساخطة، فردد ياسين بضحكةٍ مشاكسة:
_هموت وأشوف منظركم قدام ياسين الجارحي كان عامل ازاي!
أضاف عمر ساخطًا:
_بتعيدوا المراهقة من تاني ولا أيه! المفروض اننا بنعقل انتوا فاهمينها بأي طريقة!
خرج رائد عن صمته بنفاذ صبر لما يستمع إليه، ما كان ينقصه شيئًا حتى يستمع لسخريتهم، فقال من بين اصطكاك أسنانه:
_اللي عنده كلمة يحتفظ بيها لنفسه، احنا مغلطناش ولا ارتكبنا ذنب!
رفع عدي احد حاجبيه ساخرًا:
_ولما تطلع على السلم في نصاص الليالي ده الصح يا عاقل!
انكس رأسه أرضًا بحرجٍ، فاستطرد عدي بحدةٍ:
_أنا قولتلك استنى للصبح أنا والشباب كنا هنروح معاك بس أنت اللي اتصرفت من دماغك!
فصل مازن بين الطرفين، حينما ردد بمللٍ:
_خلاص يا عدي.. اللي حصل حصل.. المهم دلوقتي هنعمل أيه؟
تساءل معتز بعدم فهم:
_في أيه يابو نسب؟
وضع الوسادة المطولة عن يده، ثم قال بضيقٍ يعتريه:
_أنا كنت راجع دبي أنا ومراتي أيه اللي رجعني هنا معرفش!
اتكأ جاسم للمقعد بأريحيةٍ، ثم قال ساخرًا:
_سفر أيه.. خليك هنا مصر محتاجة لشباب في طيبة قلبك يا ميزو.
كبت أحمد ضحكة كادت بالانفلات منه، وقال بجدية مصطنعة:
_جاسم معاه حق يا مازن.. سفر أيه اللي زعلان علشانه صدقني هنا أفضل من برة كتير.
قاطع حازم حديثهم حينما أتى من الخارج مسرعًا، ليخبرهم وهو يحاول التقاط أنفاسه:
_ياسين الجارحي وصل!
فور انتهائه من اخبارهم كان الجميع يهرول لاعلى، حتى ياسين وأحمد وعمر، الوقت بات متأخرًا وذاك أهم قانون بقاموس قواتين قصر ياسين الجارحي، فإن رأهم مستيقظين لذلك الوقت، باتت القاعة أكثر هدوئًا بمغادرة جميع من حوله، ومع ذلك لم يتبقى سواه، هو من قرر المواجهة في تلك اللحظة بعد ان كشف أبيه مساعدته لرائد.
كان بطريقه للصعود للأعلى، فتوقف عن استكمال طريقه حينما وجد عدي يجلس على الأريكة المقابلة للدرج، اتجه بخطواتٍ بطيئة حتى أصبح قبالته، فتساءل وعينيه تحاوطه بجمود، وبثباتٍ تساءل:
_مهربتش زيهم ليه!
ابتسامة صغيرة داعبت شفتيه، فاستقام بوقفته ثم دنا ليصبح قريبًا من أباه، ثم قال:
_وأهرب ليه.. أنا معملتش شيء يخليني أهرب من مواجهة حضرتك!
رفع أحد حاجبيه بحركته المعتادة، فكشفت أهدابه الطويلة عن عسلية عينيه، فقال بصوته الحازم المعتاد على القاء أوامره:
_اطلع نام.. كلها كام ساعة وهتنزل المقر.
والتفت ليغادر وسرعان ما توقف محله حينما قال الاخير:
_سبق وقولت لحضرتك اني مش هرجع المقر تاني، وأعتقد حضرتك اتقبلت ده!
ابتسامة غامضة تشكلت على طرفي شفتيه، فعاد ليجابهه من جديدٍ، وتلك المرة قال برزانةٍ:
_عمرك شوفت تلميذ مدخلش الاختبارات بعد مذاكرة ودراسة طول السنة؟
فشل بفهم مغزى حديثه، فاستطرد بمكرٍ:
_وأنت كذلك لو عايز تسيب المقر يبقى لازم تنجح في المناقصة اللي هيتعرض تفاصيلها بكره، وبدون ما تلجئ لمساعدة حد، وأظن إن المدة اللي قضيتها مع أحمد وياسين كفيلة تخليك تنجح، وقتها أوعدك أفكر في كلامك.
واستدار بجسده كليًا ليتجه للدرج وهو يردد:
_تصبح على خير.
تسلل خيوط الفجر مع اشراقة آذانه الهادئ الذي تسلل لأعماقه، لا يعلم لما ود أن تتحقق احدى امنياته التي فشل بتحقيقها في صغره، أسرع عدي خلف أبيه فمنعه من استكمال طريقه حينما ناداه:
_بابـا.
توقف عن صعوده، والتفت إليه يطالعه باهتمامٍ، فقال بتردد بدى بثقل كلماته:
_الفجر أذن، في مسجد قريب من هنا لو تحب حضرتك نروح مع بعض.
ضيق عينيه وهو يراقب ما يحاول ابنه الغامض فعله، فهبط الدرجات المتبقية بينهما، ثم قال بهدوءٍ:
_المسجد اللي سبق ونمت فيه قبل كده.. واضح انك بترتاح فيه وأنا حابب أصلي فيه.
وتركه مندهشًا واتجه للخارج، فتحرك عدي من خلفه ليتبعه بخطواتٍ سريعة، حتى أصبح على محاذاته فتبطئت خطاه، الهواء المنعش كان يلفحهما، والشوارع الخالية منحتهما السكينة، ربما قلة ما تشاهد ياسين الجارحي دون سيارته الفارهة، الآن يسير على قدميه جوار ابنه الذي يحارب ما بداخله من مشاعرٍ متصاربة، لا يعلم لماذا لا يستحضر غضبه وسخطه على ما فعله أبيه، وكأنه بات على ثقة بكل قرار يتخذه حتى وإن أراد ابداء غير ذلك، انحنى ياسين ليخلع عنه حذائه، فوضعه جانبًا جوار حذاء عدي الأبيض الذي يليق بزيه الرياضي، ثم ولجوا معًا للداخل، توضأ كلاهما وانضموا لصفوف المصلين، وأدوا فريضتهم خلف الأمام، وكأن الله عز وجل أرسل أراد أن يرشده بطريق ضالته، فأراد أن يشد على يده ليتمكن من رؤية ما فشل برؤيته، فقال بخشوعٍ يهز القلوب قبل المس بالابدان
«وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»
لا يعلم لما ادمعت عينيه خلسة وهو يشعر كلمات تلك الآية، لطالما كان بار بوالدته، ولكن أباه لا يعلم اجابته الصريحة على سؤاله، مجادلته وعناده الدائم جعله في موقف حيرة، لا يعلم إن كان ينطبق على أبيه نفس الذي ينطق على والدته، كل ما يعلمه بتلك اللحظة أن عقله انجرف عن طريقه الدائم، ربما نظرته لصغيره جعلته يفق لمعاملة أباه، فنظرته لابنه مماثلة لنظرة أبيه، ومن المؤكد هو مثله لا يرغب الا بالأفضل إليه، انتهى الامام من صلاته وهو يسلم يمينه ويساره ومن خلفه المصليين، وتشتت جمعهم بعدها، منهم من جلس جانبًا بصحبة القرآن الكريم يقرأ وارده قبل عودته لمنزله، ومنهم من غادر المسجد لمنزله، أما عدي فاعتدل بجلسته وقد نوى باريحية جلسته البقاء، وحينما شعر ياسين بذلك اعتدل لجواره هو الاخير، وفجأة اندهشت تعابيراته حينما وجد عدي يتمدد واضعًا رأسه على ساقه، تحير من تصرفه الشبيه للطفولي ومع ذلك جنى الخوف ثماره داخله، فمرر يده بحنان فوق خصلات شعره البنية، وما تعجب له حينما غفاه النوم سريعًا، ابتسم ياسين وهو يتأمله بشرودٍ، لم يسبق له يومًا الشعور بذاك الاحساس الدافئ، ابنه المشاكس يغفو على قدميه ببراءةٍ طفلًا صغيرًا مسالمًا، لا يسعى لخلق المشاكل بينهما، شعر وكأنه هو الذي يفتقد ذلك الشعور وليس ابنه، مرت أكثر من ثلاث ساعات ولم يحاول ياسين افاقته أبدًا، يده مازالت تعبث بخصلات شعره الثقيل، ويده الاخرى تراسل زوجته التي انتفضت فزعًا فور عدم رؤيتها له عند استيقاظها، عبث بعينيه بانزعاجٍ، ففتحهما ببطءٍ، برق بحدقتيه التي لمحت سجاد المسجد، فانقشعت غيمة التيهة حينما تذكر أخر احداثه، استقام عدي بجلسته وهو يتطلع لياسين بضيقٍ لحق نبرته:
_أنا آسف.. أكيد حضرتك تعبت.
وبرر بحرجٍ:
_أنا معرفش راحت عليا نومة ازاي!
نظراته كانت تتلهف لمعرفة شيئًا يبعد كل البعد عما يشغل عدي بتلك اللحظة،فقال بإِكْتَرَاثٍ:
_عمرك ما عملتها حتى وأنت صغير... طمني انت كويس؟
هز رأسه ببسمةٍ صغيرة، وقال بهمسٍ شبه ساخر:
_حبيت أعوض اللي فات من طفولتي.. ولا ياسين بس اللي مسموحله بده!
وبجديةٍ تامة ادهشت ياسين ، تساءل:
_هو معقول حضرتك تكون بتحبه أكتر مني فعلًا!
اتسعت بسمة على معالمه الثابتة، فاعتدل بجلسته ليبدو قريبًا منه، عله يستمع لحديثه الهام:
_وتفتكر أنا بعز ابنك واولاد اخواتك ليه؟
ابتسامة بلهاء رسمها وهو يحك رقبته، فاستند ياسين على مرفقيه ثم انتصب بوقفته وهو يشير له ومازالت الابتسامة تداعب شفتيه:
_يلا نرجع القصر.. آية قلقانه ومش جايلها نوم.
أومأ برأسه ولحق به، فتوقف ياسين عند باب الخروج، ثم دث يده بجيب جاكيته وأخرج من مبلغٍ، ثم وضعه بالصندوق المدون عليه "كفالة اليتيم" ، وانحنى بالخارج يجذب حذائه، وفور انتهائه من ارتدائه، بحث حوله بغرابةٍ حينما لم يجد عدي يلحق به، فتطلع لداخل المسجد، ووجده يضع مبلغ من المال بنفس الصندوق، اتسعت ابتسامته وهمس بصوتٍ غير مسموع:
_لما كل ده ينتهي اوعدك يكون بينا تحديات تانية بس المستفاد منها اللي يستحق الصدقة والخير!
خرج عدي ثم شرع بارتدائه (الكوتشي الأبيض) ، وما أن انتهى حتى خرجوا معًا للقصر، فصعد كلا منهما لجناحه الخاص.
*******
اعتلت الشمس عرشها الذهبي بتألقٍ، وكأنها تزف بداية هذا اليوم الهام، اجتمع الشباب بأكملهم بالمقر، بالغرفة الرئيسية للاجتماعات بإنتظار ياسين الجارحي، مرت عليهم الدقائق بمللٍ، حتى فتح الباب الزجاجي عثمان الحارس الشخصي، ومن خلفه دخل ياسين بصحبة الفتيات، فاتجهن للجلوس على الجانب الأيمن لمقعده الرئيسي، وعلى يساره كان يجلس الشباب في حالة من الحيرة والتخبط لما يحدث هنا، رفع عدي عينيه بها فوجدها تتهرب من التطلع إليه، وكأنها لا تحتمل عتابه القاس، حتى آسيل كان لها النصيب الاكبر حينما وجدت أحمد يتجاهل وجودها رغم جلوسها قبالته!
وشروق فطالعته بقوةٍ والغضب يسيطر على حدقتيها باحترافٍ، أما نور فلوحت بيدها بسعادةٍ لعمر الذي ابتسم باستهزاءٍ عليها، أما رانيا فاحتقن وجهها بحمرةٍ غامضة وعلى ما بدى لرائد بأنها لا ترتاح بجلستها، افتقد ياسين لوجود مليكة، فحينما هاتفها بالصباح أخبرته بأنها مازالت لم تسترد عافيتها بعد لذا ستحظى ببعض الراحة لحين تعافيها الكامل.
خيم السكون عليهم والنظرات بأكملها تتجه للمقعد الرئيسي بترقبٍ لما سيخبرهم به، مزق صوته الحازم رداء الصمت العتيق، فقال بخشونةٍ:
_سبق وأخدت قرار بتدخل البنات بادارة المقر والشركات، واللي حصل انهم مخدوش الموضوع على محمل الجد، حاليًا الأمور اختلفت والمقر محتاج ليكم كلكم، عشان كده من النهاردة مفيش تهاون.
ووزع نظراته بين الطرفين وهو يستطرد بجدية تامة:
_الامبراطورية اللي سعينا ليها أنا وابائكم على المحك بسبب مناقصة كبيرة نظمتها أكتر من شركة غربية (أجنبية) ، ومفيش قدامنا أي حلول تانية غير ان العرضين يكونوا لينا لان مينفعش حد تاني يشاركنا في المشروع المرتبط بالمناقصة دي.
وارتشف من كوب القهوة الموضوع من أمامه على مهلٍ، ثم تابع:
_فاكرنا أنا ويحيى كتير عشان كده لقينا ان الحل الأنسب يكون لينا شركة بلوجو مختلف، والشركة دي هيكونلها أكتر من فرع تابع للمقر بس خاص للبنات.
والتفت برأسه تجاه الشباب وبدأ باملاء أوامره:
_ ياسين وأحمد اللي هيتولوا تدريب البنات وتجهيز العرض الخاص بيهم.
واتجهت نظراته للمحترف الثالث، ثم قال بغموضٍ:
_وأنت يا رائد حضر نفسك للسفر، الشركة طلبت تنفذ العرض بتاعك ولازم تكون هناك بنفسك.
اتسعت ابتسامة عدي وهو يلهو ذاته بتأمل حاسوبه، كانت خطة محترفة من أبيه لابعاد الأكثر خبرة من حوله، ليجعله عاجزًا، ليعتمد كليًا على ذاته، عساه لم يعلم عنه الكثير، لم يكن بالضعيف يومًا ليعتمد على أحدٌ من قبل، ولكنه كان بحاجة ليجمع خبرة تمكنه من قيادة المقر بحرفيةٍ تفوق أبيه، وها قد حان وقت الاختبار وله ذلك، هدوئه واتزانه أصاب الشباب بالتخبطٍ، توقعوا ثورته العارمة تجتاح قواعد ياسين الجارحي، ولكنهم زادوا دهشة حينما قال وهو يتفحص قائمة رجال الأعمال المشاركين بالمناقصة:
_مهاب أبو العزم مشارك!
تحرك مقعد ابيه الهزار تجاهه، فأكد له بحديثه الغير مباشر:
_المرادي مش هيخسر عرض واحد الاتنين!
منحه بسمة صغيرة، وحمل الحاسوب بذراعه الأيسر ثم اتجه للخروج وهو يردد:
_خسرهم من دلوقتي.
وترك القاعة وغادر لمكتبه بثقة وثبات سبب حالة من الحيرة للجميع، وعلى رأسهم عمر الذي بات لا يعلم ماذا يدور برأس أخيه!
أنهى ياسين اجتماعهم حينما قال:
_تقدروا تكملوا شغلكم.
وتابع للفتيات ثم قال:
_احمد وياسين هيكونوا معاكم متقلقوش.
اشار لأحمد الذي نهض عن مقعده وأشار لهن قائلًا:
_اتفضلوا معايا.
لحقوا به جميعهن وتبقى ياسين محله، التفت إليه أحمد وتساءل باستغرابٍ:
_مش جاي؟
اجابه بوجومٍ تغلل ليجعله حزينًا:
_هحصلكم.
أومأ برأسه بتفهمٍ، واستكمل طريقه للأعلى، فاختبأ رائد بالخارج، واستغل أن زوجته كانت الاخيرة بينهم فجذبها للرواق الطويل التابع لمكاتب الشباب..
بينما بداخل قاعة الاجتماعات.
راقب ياسين الجارحي نظراته المتوترة بتمعنٍ، فقرأ ما يتردد داخل حدقتيه قبل أن يتحدث لسانه، فخلع عنه جاكيته ثم القاه على طرف المقعد الجلدي، ومنحه اذن الحديث:
_عايز تقول أيه يا ياسين..سامعك.
ترك مقعده الاخير بين الصفوف، ودنا حتى جلس جوار عمه، لعق شفتيه بارتباكٍ وهو يبحث عن مدخل لائق بما يود قوله، واخيرًا استجمع شجاعته وقال:
_عمي أنا عارف إن حضرتك بتعمل كده مع عدي عشان يكون مسؤول وقادر إنه يتحمل مسؤولية المقر لوحده، وعارف كمان إن حضرتك عمرك ما فرضت على، حد فينا يكون موجود هنا احنا دخلنا من البداية الكليات اللي تخدمنا وتضيف للمقر وللشركات، زي ما عدي وعمر اختاروا اللي حابين يكونوا عليه.. اللي بقوله ده لسبب اني أفهم حضرتك انك لو بتعمل كده عشان محدش فينا يبص لعدم مساعدتهم لينا بالمقر فأنا مش لاقي سبب مقنع لده لأن حضرتك اللي ربيتنا وعارف اننا مستحيل نكون بالشكل ده.
وانقطع لبرهةٍ ثم استكمل بحزنٍ:
_عمر مخنوق كل ما بيحاول يبان انه كويس بيفشل في ده.. أما عدي فحضرتك بتحاول تكسر جناحته اللي اتعود يطير بيها.. أرجوك يا عمي تعيد نظر في قرارك ده بلاش تجي عليهم عشانا احنا قابلين وراضين ووجود البنات معانا هيساعدنا كتير فمفيش داعي لوجودهم.
ورفع عينيه اليه وهو يردد بتوترٍ:
_سامحني لو تجاوزت حدودي مع حضرتك بالكلام، بس أنا خلصت ذمتي.
صمته أثار قلقه بشكلٍ كبيرٍ، وخاصة غموضه الغير مرهون، يفشل في فهم مغزى هذا الصمت إن كان تقبل للأمر أم غضبًا لما تفوه به، لمسة يد ياسين على يده هو من طمئنت قلبه، وخاصة حينما تابع ببسمةٍ هادئة تزيد وقاره وقارًا:
_أنت مورثتش من أبوك غير قلبه الطيب يا ياسين، بحس دايمًا بالسعادة لانك اختيار مليكة بنتي، ومتأكد ان ربنا بيحبها عشان كرمها بشخص زيك.
ونهض عن المقعد ثم جذب جاكيته، واتجه للخروج وهو يخبره:
_اطلع للبنات وخليك جنبهم.. وخليك واثق اني دايمًا بختار الأفضل ليكم كلكم.
وتركه يراقب فراغه وغادر لسيارته على الفور، فانسحب ياسين للاعلى ليتابع ما كُلف به.
*******
جذبها لتقف أمام عينيه، ونظراته الثاقبة تحيط وجهها، استندت على ذراعيه، وهي تتطلع اليه باستغرابٍ اتبع سؤالها:
_في أيه يا رائد؟
وبخوفٍ مصطنع، رددت:
_أنت هتتحول تاني ولا أيه!
رد عليها بعصبية بالغة:
_خليني أنا اللي أسالك فيكِ أيه؟ احنا مش اتصالحنا امبارح وكله تمام ومقضين الليل كله حب بالموبيل!
هزت رأسها تأكيدًا لما أحضره من دلائل قاطعة، فاسترسل بغضبٍ:
_أمال قاعدة مش على بعضك ليه وعمالة تبصيلي من فوق لتحت!
أخرجت ما كبتته بداخلها حينما اندفعت تبكي على صدره وهي تطرد ما بداخلها بانفعالٍ شديد:
_أنا هموت من الوجع، نور الله لا يسامحها ملبساني كعب أطول من حياتي وقال أيه لازم نبان اننا كسيدات أعمال راقين.
ابتسم رغمًا عنه ومع ذلك ساندها، فانهارت وهي تشير له على قدميها:
_الحقني يا رائد مش قادرة أقف.
انحنى تجاهها فحملها بين يديه، ثم اتجه لاقرب غرفة ففتح بابها، والاخيرة تصرخ بها:
_مكتوب عليها عمر الجارحي!
اجابها وهو يضعها على سطح المكتب بعدما أبعد الاوراق عنه:
_مش مهم.. وريني.
انحنى على قدميه تجاهها، فرفع الصندل الذي ترتديه بصدمةٍ، ما يعرفه عن زوجته بأنها تمقت ارتداء الكعب المرتفع، ناهيك عن ذاك الارتفاع القاتل، حرره عنها وهو يعاتبها بضيقٍ:
_انتي لازم تسمعي كلامها يعني!
قالت وهي تتأوه ألمًا:
_انا كنت حابة أجرب الكعب العالي مع الجيب والجاكيت ده عشان أغريك وانتقم منك.. بس اتريني انتقمت في نفسي.
قالت جملتها الاخيرة ببكاء جعله يضحك تلقائيًا، فاستقام بوقفته ثم ضمها اليه وهو يوسيها بطريقةٍ مضحكة:
_يا ستي أنا بني آدم بيتغري بالكعب الأرضي عادي جدًا، انتي بس اللي مضخمة الامور انتي ونور!
تعلقت به بشوقٍ لوجوده لجوارها، فضمها بحنانٍ، ومع فتح باب المكتب دفعته عنها بخجلٍ، صعق عمر مما رأه فرفع يده وعينيه تتحاشى التطلع تجاههما مبررًا موقفه الذي ظنه سخيفًا:
_أنا بعتذر الظاهر اني غلطت وفكرته مكتبي.. خدوا راحتكم.
وخرج على الفور ثم أغلق الباب من خلفه، وعاد ليفتحه من جديدٍ وهو يردد بسخطٍ:
_لا ثواني أنا صح مش بهلوس.. ده مكتبي فعلًا!
انزعج رائد لحالة الخجل المسيطرة على زوجته، فاراد تخفيف حدة ما تشعر به، فثار بغضبٍ:
_تعالى اتفضل شوف أخرة عمايل مراتك.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ، فأشار له بتقززٍ دون سماع شكواه:
_أنا already متبري منها.
ثم دنا ليصبح قريبًا من رانيا التي مازالت تفرك بأصابع قدميها المتورمة، انكمشت ملامحه فزعًا، فتساءل بقلقٍ:
_ده من أيه؟
حمل رائد الحذاء الثقيل وقدمه لعمر الذي برق بعينيه بصدمةٍ، فشدد الاخير على اخباره:
_نور اجبرتها تلبسه.. ولازم حالا تصلح غلطة مراتك وتعالجها.
لوى فمه بازدراء:
_هو انتوا ليه بتحسسوني اني ساحر!
وجذب ورقة من على سطح مكتبه، ثم جذب أحد الاقلام ودون مرهم طبي ثم قدمه لرائد وهو يشير له بضيق:
_ابعت حد يجبلها المرهم ده، ويفضل انك تروح بنفسك عشان تشتريلها حذاء طبي.
هز رأسه ثم وضع الورقة بجيب جاكيته الرمادي، وحملها بين يديه ثم اتجه للمصعد، وهي تصرخ به:
_نزلني هتفضحني قدام مين تاني!
ابتسم وهو يصعد بها للاعلى ويهمس بغمزة مكر:
_للبنات بس.
وولج بها للطابق المخصص للفتيات ثم وضعها بغرفة المكتب.
********
بالمكتب الخاص بالفتيات.
بدت هناك بعض المشاغبات باختيارهن للمكاتب وكأنهن ينتقون فساتين يرتدونها، ضغط أحمد ييده على مقدمة أنفه بانزعاجٍ لما يحدث أمام عينيه، فمال بجسده على الطاولة وأخذ يراقب ما يحدث بعدم استيعاب، تطورت الامور بينهن فقالت شروق بغضب:
_أنا عايزة المكتب اللي جنب الشباك بتنخنق أنا!
اجابتها نسرين بغضب يفوق حالتها:
_أنا مش عاجباكِ بالكورة اللي قدامك دي، أنا أكتر واحده محتاجة المكتب ده.
ردد أحمد ساخرًا:
_على أساس انكم قاعدين تحت الأرض ولا المكيف الله يرحمه ولا أيه مش فاهم!
طرق ياسين على الباب ثم استأذن بالدخول وهو يتساءل بغرابةٍ:
_في أيه؟
أشار له أحمد بنفاذ صبر لتلك المهمة الشاقة التي كلفوا بها:
_تعالى حل الخناق اللي من أولها ده.. أنا حقيقي استسلمت!
كبت ياسين ضحكاته، واتخذ الوضع الحازم فقال بصلابة:
_احنا هنا جاين نشتغل مش نتخانق.. وبعدين انتوا مترضوش ان الشباب يشمتوا فيكم من أول يوم شغل ولا أيه؟
وزعت الفتيات نظراتها لبعضهن البعض، وكأن حديثه أفاقهم لنقطة هامة أتت كل واحدة منهن لاجلها، لذا وبهدوء أدهش أحمد الذي بذل أقصى ما بوسعه انسحبت كل فتاة لاقرب مكتب إليها، برزت ابتسامة ياسين وهو يردد بإعجابٍ:
_هايل.. كده نقدر نفهم بعض!
خلع ياسين جاكيته ثم حرر جرفاته، وثتى قميصه وكأنه على وشك الالتحاق بملحمة تاريخية،بينما اتجه أحمد لمكتبه الذي يترأس الغرفة مقابل مكتب ياسين بنهاية الغرفة، وعلى طرفي الغرفة صف من المكاتب الخاصة بالفتيات، كادت آسيل بأن تقتل من تجاهله الشديد اليها، وخاصة حينما قال ياسين:
_تلاته هيكونوا مع أحمد وتلاتة معايا.
قاطعه أحمد حينما استغل قرب المكاتب منه :
_نور وشروق ورانيا معايا.. هما القريبن مني.
اخفى ياسين ضحكته وهو يراقب ملانح آسيل التي كادت بقتله حيًا، فحملت حاسوبها الوردي واتجهت لمكتب ياسين بكبرياء عجيب،اتبعتها نسرين وكذلك حملت رحمة جهازها ولحقت بهم، فتكون حلقات جماعية حول ياسين وأحمد، الذي بدأ كل منهما بشرح طبيعة العمل المطلوب منهما وما قد يساعدهن بانشاء خطة العرض، فكان عليهم استغلال العشرة أيام المتبقية بتدربيهم بالعمل على أكثر من ملف، ومراجعة ما تم اصداره سابقًا من شركات الجارحي، فجذبت كل فتاة حاسوبها وبدأت بتدقيق احد الملفات وطرح وجهة نظرها بالكتابة بالورقة البيضاء التي قدمها اليهن ياسين وأحمد، وجلسوا معًا ينتظرون ما سيقدمون، نهض ياسين عن مكتبه ثم اتجه لاحمد الذي يعبث بهاتفه متجاهلًا نظرات آسيل المحتقنة، فجلس على المكتب قبالته ثم قال بمشاكسةٍ:
_ملعوبة يا فنان.
أبعد أحمد هاتفه وهو يمنحه ابتسامة خبيثة، فاخفض صوته اليه:
_الغلطان يستحمل الخصام!
تعالت ضحكاته الرجولية، وقال بصعوبة بالحديث:
_اهدى عليها كفايا نور زمانها قايمة بالواجب وزيادة معاهم.
ابتسم ثم تلبس الجدية وهو يسأله بشكٍ:
_كنت عايز عمي في أيه؟
اخبره بضيقٍ:
_قولتله اللي واقف على لسانا كلنا.. بس كالعادة مخدتش منه عقاد نافع.
بإستنكارٍ قال:
_المعروف عن ياسين الجارحي.. لسه أول مرة تكتشفه ولا أيه؟!
_على رأيك.. هروح أشوف عملوا أيه!
واعتدل بوقفته ثم اتجه ليرى ماذا فعلن، فاتجه لنسرين أولًا، فوجدها مازالت تراجع معلومات الملف، ثم اتجه لآسيل، فقدمت له وجهة نظرها المدونة على الورقة البيضاء، ضيق ياسين عينيه وتساءل بذهولٍ:
_الميزانية مالها؟
ردت عليه آسيل وعينيها تمسك بمن يتابعها خلسة:
_الميزانية اللي اتحطت للمشروع ده كانت مبالغ فيها، حسيت ان اللي جيه من وراه مش مغطي المصاريف اللي اتمول بيه المشروع.
ابتسم وهو يردد باطراءٍ:
_برافو عليكي يا آسيل.. شكلك مش هتتعبيني.
ثم أشار لها على احد الملفات الموضوعة على طرف مكتب أحمد المسؤول عن الملفات بأكملها:
_خدي ملف من دول وخليه معاكي لما ترجعي البيت لان صعب تخلصيه هنا، الملفات دي اتقل من اللي رجعتيها وزي ما عملتي هنا هتعملي بالبيت، ورقة بيضة وتحللى المميزات والعيوب اللي نقدر نتخطاها بالمستقبل.
اكتفت باشارة صغيرة من رأسها، ثم اتجهت لمكتبه وقلبها يخفق بشدةٍ، تتمنى أن يمنحها نظرة واحدة، الأمر ليس هين بالنسبة اليها، اعتادت على ابتسامته التي تقابلها فور لقاء الأعين، تعذب قلبها وهي تراه يعمل على حاسوبه في صمتٍ تام، فسحبت أول ملف قبالتها وفي طريق عودتها فتحته لتتفحصه بفضولٍ، انتبهت آسيل لتوقيع كل ورقة كان تحوي على توقيع "رائد الجارحي" ، هتيقنت بأن أولى المراحل هي مراجعة الملفات التي تمت عن طريق موظفي الشركات ذو المناصب الهامة، والمرحلة الثانية مراجعة عقود الصفقات التي تمت عن طريق المدراء، لاح على وجهه بسمة واسعة، فعادت سريعًا لمكتب احمد الذي أغلق الحاسوب وراقبها باستغرابٍ، احدثت حالة من الفوضى، فقامت بفتح الملفات بأكملها وهي تراقب التوقيع حتى وقع بيدها الصفقة التي تمت على يد زوجها "أحمد الجارحي"، الملف الذي حملته جعله يفهم الآن ما تفعله، فابتسم وهو يهمس لها بسخريةٍ:
_متحاوليش.. مستحيل تطلعيلي غلطة في شغلي!
كونه تحدث إليها جعل قلبها يرقص على أوتار صوته التي ترأفت بحالتها، ومع ذلك قالت وهي تتصنع تحديه:
_هنشوف.
وتركته وعادت لمكتبها ونظراته تراقبها بشغفٍ
*******
شوقها اليه كان يمزق نياطها، يتوسل لها بأن تتشيع منه وتستغل تلك الدقائق التي جمعتهما معًا، ليت ما تنمناه يعود، تلك اللحظات التي لومت بها ذاتك على فعل كنت تود القيام به لن تعود مهما فعلت، وأكثر ما يقلقها هو صمته الغير معهود بالنسبة اليه، افاقت رحمة من حزنها العميق على صوت ياسين الذي يناديها للمرةٍ الثالثة:
_رحمة!
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تنبه لوجوده، فرفع ياسين ورقتها الفارغة وهو يتساءل بذهولٍ:
_فين ملاحظاتك؟
تلألأت الدمعات بعينيها، فقالت بصوتها المحتقن للبكاء:
_أنا أسفة مرجعتش حاجة.. لو ممكن يا ياسين تسمحلي أخد الملفين معايا وبكره بإذن الله هيكونوا جاهزين.
اعترض لما قالت وبرر قائلًا:
_بس كده هيبقى صعب أوي عليكي يا رحمة.
منحته ابتسامة فشلت باخفاء حزنها:
_هقدر بإذن الله.
لم يرد الضغط عليها أكثر من ذلك، خاصة وقد اتضحت له حالتها النفسية الغير مستقرة، فوافق على اقتراحها ثم سلمها الملفين..
********
حملت "نور" الورقة ثم اتجهت لمكتب أحمد، الذي قام بتفحص ما ابدته من ملاحظات نالت اعجابه، وخاصة رانيا التي ابهرته واخبرته بعنجهيةٍ:
_كنت بساعد رائد كتير بشغله واتعلمت منه كتير.
ابتسم وهو يراجع ما فعلته:
_باين بصراحه.
واسترسل وهو يتابع باقي الاوراق الخاصة بشروق:
_شروق انتي حقيقي مش محتاجة مرجعة ما شاء الله متقنة جدًا.
اجابته نور بسخط:
_طبعا لانها كانت بتشتغل هنا.. يعني المفروض يا مستر تتوصى بيا لاجل الدرجات.
ضحك بصوته كله ثم قال مازحًا:
_عيوني يا نور.. بص ركزي انتي بس وفكك من الاحزاب اللي بتشنيها ضدنا دي وصدقني ربنا هيباركلك والله.
منحته نظرة مغتاظة، فضحك وهو يسلمهم الملفات ثم سمح لهم هو الاخر بالذهاب، واتجه لمكتبه.
*******
أغلق "أحمد" باب مكتبه من خلفه، فوجدها تلحق به، منحها نظرة ساخطة، ثم اتجه لمكتبه فصعدت فوق سطح المكتب مقابله ثم قالت بحزن:
_دي مقابلة تقابلني بيها.
أبعدها عنه ثم قال بجفاءٍ وخشونة:
_وعايزاني أقابلك ازاي وانتي سايبة البيت بدون إذن مني! قولتلك قبل كده بلاش تقللي مني ولا تستغلي حبي وطيبتي معاكي لانك هتشوفي مني الابشع مني!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ من جحيم عينيه القاتم، ومع ذلك لم تيأس، لجئت لاخر طريقة تود بها استعطافه، فقالت بضيق:
_أنا مش جاية أتكلم مع زوجي.. من فضلك انصرف وهاتلي صديق طفولتي المقرب اشكيله حالي.
رفع احد حاجبيه باستنكارٍ، فاقتربت بجسدها اليه وهي تردد بدلال:
_أنا محتاجه مساعدتك.. جوزي زعلان مني وعايزة اشتريله هدية شيك كده، وبما انك راجل هتقدر تختارلي شيء قيم أصالحه بيه.. لاني غلطت فيه جامد وكل اللي حواليا مغلطنيني حتى نور.
برق لعينيه للحظة، فردد بعدم تصديق:
_ناصفة النساء وكارهة رجال آل الجارحي ضدك!
هزت رأسها عدة مرات، فابتسم وهو يهز رأسه بعدم تصديق، ذمت شفتيها وهي تسترسل:
_ها قولي أصالحه ازاي.
أثنى اصبعه فاقتربت اليه تلبية لاشارته، فقال بخبث:
_قربي منه.. وبوسيه.. وقوليله وأنا أسفة.. بسيطة.
جحظت عينيها صدمة، فقالت بغضب:
_أنت بقيت قليل الادب على فكرة وبتستغل الصداقة اللي بينا لصالحك كزوج!
وضع قدمًا فوق الاخرى بتعالي، وهو يشير لها:
_بالعكس أنا بحاول أساعدك لضعف موقفك.
تلاشت ابتسامتها وجلست فوق قدميه، ثم اختبأت باحضانه وهي تردد بصدقٍ نقلته له مشاعرها:
_أنا آسفة يا أحمد.. حقك عليا.
ربت بحنان على ظهرها ومال برأسه على خصلات شعرها، فاستكانت بين ذراعيه بصمتٍ اطبق على كلاهما.
******
بمكتب عدي
مضت الساعات عليه ولم يشعر بمن حوله، صب تفكيره على العرض المبدئي الذي وضعه بنفسه، لم يشغل باله بأي شيئًا أخر سوى التفكير بهزيمة مهاب أبو العزم، كان عليه رد الصاع اليه مجددًا، وهو يعلم بأنه الخلاص له من ذاك العمل الغير محبب اليه، تسلل اليه طرقات باب مكتبه ومن بعدها ولج ياسين للداخل وهو يتساءل بحيرةٍ:
_مش مروح ولا أيه.. الشباب مستانين تحت.
أشار له وهو يغلق حاسوبه:
_جاي.
ثم رفع هاتفه ليمرر اتصاله باحدهم، وهو يخبره:
_استنى أنت والرجالة هناك وأنا مسافة السكة وأكون عندك.
ضيق ياسين عينيه باستغراب، فساله باستفهامٍ:
_مين دول يا عدي!
نهض عن مقعده ثم جذب جاكيته، فعاونه ياسين على ارتدائه:
_دول حرس امني يا ياسين... أنا مش ضامن مهاب أبو العزم اللي كان ورا اللي حصل معايا أنا ورائد ولا لا، وبما إن البنات بقوا جزء من الشغل والصفقة فلازم نأمن ليهم حماية خاصة انهم بالوقت ده بعيد عن القصر!
قال بتعجبٍ:
_لو كلامك صح تفتكر إن عمي كان هيسيبه حي!!
اشار له بتخبطٍ:
_مهو ده اللي مش فاهمه.. بس بحاول اتصرف على الاساس ده
واسترسل وهو يتجه للخروج:
_يلا نتحرك.
******
صعق ياسين حينما علم من عثمان بما يخطط عدي لفعله، وخاصة بعد ان تلاقى تفاصيل المناقصة، ما خشاه وابعده عنه بكل قوته يقترب منه عدي بذاته مثلما يريد هذا الارعن، صدمته زادت اضعافًا حينما علم بأنه كلف احد رجاله بمعرفة كل شيء متعلق بمهاب ابو العزم، وانه يود اللقاء به باسرع وقت للتفاوض بينهم بامر هام!!، فامره بضرورة التدخل ومنع ذلك الرجل من الوصول لشركة مهاب وبالفعل تمكن عثمان من ذلك وقد وصل لعدي خبر بما فعله ابيه!
******
اجتمعت الفتيات بالغرفة العلوية للمنزل، وكلا منهن تجلس أمام حاسوبها ومن أمامها أوراق الملف، اكتفت مليكة بمراقبتهم بصدمة وخوف من مصيرها، فهي لا تحبذ الخوض في تلك المشاقة، ولكنها سعيدة كونها ستكون برفقته، ولجت مروج للداخل، فوضعت صينينة السندوتشات والعصائر على الطاولةٍ ثم قالت بغرور:
_عشان تعرفوا بس اني بحبكم.. ياريت متنسوش الواجب ده.
جذبت شروق احد الفطائر ثم قالت:
_انتي ومليكة اللي خلعتوا.
اجابتها بمرح:
_حبيبتي انا مالي بيكم.. كلها كام يوم وهرجع انا وميزو دبي! انا بنفسي رفضت واقنعت عمي بصعوبة اني مش تبعكم.
رددت نسرين بسخط:
_نفدتي يا بت والله.. بس مليكة كلها كام يوم وتشرف.
قالت رانيا بمزحٍ:
_لو تلاحظوا يا بنات مليكة كل ما تولد عيل عمي يصمم ينزلنا المقر المرة اللي فاتت نفدنا وكلنا اتلبخنا في الاولاد المرادي معتقدش عمي مصمم اننا يكونلنا مكان.
قالت نور بجدية:
_بصراحه شايفة انه معاه حق.. انتوا مش مليتوا تشفوا نفسكم غير ستات بيوت.. من حقنا يكون لينا طموحات واحلام نحققها ونسعى ليها.
اكدت مليكة عليها:
_فعلا يا نور معاكي حق.. بس دي مسؤولية صعبة جنب مسؤولية الاولاد.
ردت عليها داليا قائلة:
_الست بطبعها بتستحمل اي حاجة يا مليكة... والاولاد عمر ما هيجي عليهم وقت تنتهي فيه مشاكلهم ولا وقت مش هيحتاجونا فيه لذا انا مع نور جدًا اننا لازم يكون لينا هدف نسعى له.. على فكرة انا جاسم رفض اني اطلع معاكم النهاردة عشان كده فضلت عنده بالمكتب وعلمني حاجات كتيرة جدًا، بصراحه اتفاجئت بيه.. هو مش بس زوج مثالي لا ذكي جدًا وعجبتني دماغه.. حقيقي استفدت منه جدًا.
نور بملل:
_دخلنا في المحن اهو... البداية كانت حلوة وتحمس نهاية الكلام معجبتنيش.
ضحكوا جميعًا، فتخلت رحمة عن صمتها ثم قالت بغضب:
_ما تسيبي البت تحب في جوزها ايه مشكلتك معاها كمان!
كادت بأن تجيبها ولكن فجأة تخلل اليهم مسمع صوت قوي قادم من الاسفل، ارتعبن جميعًا وتسللن للاسفل لمعرفة ما يحدث، لم تكن الفتيات تمتلكن شجاعة تأهلهن للسيطرة على الأمر، وخاصة بأنهن من تركوا القصر وتمردن على أزواجهن، فقد خطط "ياسين الجارحي" جيدًا للبقاء بمنزل منعزل عن الشباب بعد أن وكلهم بالوقوف أمام الشباب بتلك الصفقة، فازدادت الامور ربكة بينهم، لذا قرروا بترك القصر والانعزال بذلك المنزل حتى تتم المحاربة بينهم على ألهبة من النيران، وها قد أتت لحظة ملأها الندم لاتخاذ مثل هذا القرار الأحمق، كسر الصمت المطبق بينهن أسفل منضدة الطعام المطولة صوت "مليكة" المرتجف وهي تهمس اليهن:
_تفتكروا ده حرامي!
ردت عليها "آسيل" برعبٍ:
_حرامي هيدخل يسرق أيه من بيت زي ده يا مليكة!
قالت "شروق" برهبةٍ:
_طب يعني الصوت ده مصدره ايه، مهو الناس اللي برة دي مش جايلنا زيارة يعني!
ابتلعت "رانيا" ريقها الجاف بصعوبة بالغة، وهي تطرح خيارًا اضافيًا من امامهن:
_تفتكروا الشباب يكونوا بينتقموا من اللي عملناه فيهم فبعتوا ناس تخلص مننا؟
أكدت "نسرين" الأمر:
_أنا مع رانيا، اكيد طبعا بعد ما قلينا معاهم واستقوينا بعمي ياسين حبوا يخلصوا مننا خالص.
قالت مروج بندم:
_انا مش عارفة ايه اللي خلاني اسمع كلامكم بس، طب انا لا ليا لا في شغلكم ولا لخططكم ايه اللي مشاني ورا كلام نور وخلاني اسيب بيتي وأولادي واجي هنا!
رددت شروق بخوفٍ:
_اخرتها موتة شريفة رحيمة وبنت ناس ومحترمة لينا وللي شار علينا الشورة المهببة دي.
صاحت "داليا" بغضبٍ سيطر عليها:
_كله من نصايح استاذة رحمة والمؤرخة نور اللي عملنا فيها جيمس بوند دي.
اجابتها "نور" بحدةٍ:
_تصدقوا انا غلطانه اني بعملكم كيان وقيمة قدامهم.. دول لغوا شخصياتكم خالص، وبعد ما خليناكم تثبتوا نفسكم قدامهم تلومونا.. ايه ذنبنا ان رجالتكم طلعوا قتالين قتلة؟
لكزتها رحمة بغضب:
_قطع لسانك عدي مستحيل يكون كده، هو بس واخد على خاطره مني بس متوصلش لدرجة انه يقتلني!!
كزت مليكة على اسنانها بعصبية بالغة:
_ده وقت خناق.. هتفرحوا يعني لما يلاقوا مكانا ويخلصوا علينا!!
تهدلت معالمهم بيأس، فقالت رحمة بصوتٍ اشبه للبكاء:
_طب نعمل ايه دلوقتي، اتصل بعدي يجي يلحقنا هو خبير بالتعامل مع المجرمين وهيعرف يتصرف!
كادت "آسيل" بأن تدك عنقها وهي تصرخ بانفعال:
_بتسألينا نعمل ايه وانتي ووش الندامة دي السبب ده انا هطلع بروحكم النهاردة.
فصلت بينهن مليكة وهي تصيح بتريث:
_بس يا بت منك ليها، احترموا وجودي الله..
التفت نور اليهم لتشير لها بسخرية:
_انتي من اول وقعة كده عايزة تجري لاحضان سي عدي ما تنشفي كده امال.
اجابتها بنفس النبرة الساخرة:
_انشف!!.. نور يا حبيبتي انتي ليه مش مقدرة اللي احنا فيه يا ماما. في مجرمين برة داخلين علينا باسلحة واحنا لوحدينا من غير راجل!!
رمشت بعينيها بمللٍ:
_وفيها ايه احنا يعني منعرفش ندافع عن نفسنا!
قالت "رانيا":
_نعم هندافع عن نفسنا ازاي يعني واحنا مستخبين زي الفار المبلول، لا احنا نتصل بيهم افضل انا مع حل رحمة.
اشارت لها بتفاؤل:
_بصي على النقطة الايجابية احنا مستخبين بالمطبخ حيث الاسلحة وما يلزم استخدامه من مسحات وحلل ومقشات واهمهم السكاكين!
اشارت لها نسرين بصدمة:
_سكاكين هي الحكاية هتوصل للدرجادي... لا انا على وش ولادة ابوس ايدك روحيني.
ربتت نور على كتفيها وهي تمنحها ابتسامة غريبة:
_خلاص هنديكي مقشة احسن.. المهم تكوني مرتاحة للسلاح اللي هتحاربي بيه عشان تقدري تستهدفي اصابة صح.
ثم اتجهت نظراتها لهن لتبدأ بتوزيع المهام:
_وانتي يا شروق هنديكي الغطيان بتاعت الحلل، عايزكي تمسكي الراس كده بالغطا خبطة شمال وخبطة يمين بحيث يجيله ارتجاج بالمخ فهماني؟
جحظت عينيها في صدمةٍ، وقبل ان تستوعب ما تقول تسللت نور من أسفل المنضدة ثم بدأت رحلتها بالبحث بالمطبخ عما يمكن استخدامه، فناولت شروق اثنين من غطى الاوعية، ولنسرين ورانيا عصا استخراجتها من المقشات اليدوية، بينما قدمت لرحمة خبازة معجبات البيتزا الضخمة، ولمليكة منحتها وعاء يحمل خليط من توابل الشطة والفلفل الاسود، وهي تؤكد عليها استهداف الاعين، بينما منحت مروج ومليكة شوكات حادة وما يتوفر لديهم من سكاكين صغيرة الحجم، واستخدمت هي مفتاحًا خاص بالانابيب ثم وزعت نظراتها بينهن وهي تردد باعجاب:
_كده تمام... توكلنا على الله.
اوقفتها رحمة بصدمة:
_هو احنا اللي هنهجم كمان!
اشارت لها بتاكيد:
_طبعا امال نستنى لحد ما يخلصوا علينا!
اقتربت منها مليكة ثم قالت بارتباك:
_طب ما نكلم بابا أحسن.
صاحت بها بانفعال:
_ونقلق عمي ليه الله الراجل لسه راجع من المقر هلكان بعد ما سلمنا المهمة، نشده لجريمة هو بغنى عنها.. احنا نخرج ونقولهم احنا تبع ياسين الجارحي على طول ونديهم درس مينسهوش.
ثم اتجهت ناحية الباب وهي تشير لهن، فاتبعوها للخارج..
خشى كبير الحرس من أن يكون أصابهن السوء،خاصة لعدم سماع أي صوت بالداخل،فاقتحم وهو ورجاله المنزل،انتهى بعض الرجال من البحث عنهم بالاعلى وحينما لم يجدوهم هبطوا لاستكمال البحث بالاسفل، فتسللت الفتيات بقيادة نور من خلفهم ثم رفعت نور ما تحمله وهي تصرخ قائلة:
_بينا يا بنــات.
وهبطوا بما يحملوه فوق رؤؤسههم والاخرون بصدمة كبيرة لم يتمكن احدًا من الافاقة بما يحدث هنا وخاصة بمن يقفوا على الباب وصدمة ما يحدث لرجاله قد كممت الافواه، تأوه أحد من الرجال حينما لطخت عينيه بمزيج من الشطة الحارة فصاح بصراخ:
_عيــــــــــــني... الحقــــــــونا.
ضحكت الفتيات بثقة لما تمكنوا من احداثه، فقالت نور بغرور:
_بقوا انتوا سايبن الدنيا كلها وجايين عندنا برجليكم... ده احنا سيدات أعمال قويات.... خد دي.
وقامت بلكمه بالمفتاح الحديدي، فصرخ نجدة برئيسه الذي يقف بالخارج مصدومًا:
_الحقنا يا عدي باشـا.. أبوس ايدك!!
رددت رحمة بدهشة:
_وده يعرف عدي منين؟
قال أحد من الرجال بسرعة لينجو بحاله:
_عدي باشا وأحمد باشا وعمر باشا وياسين والله نعرفهم كلهم.
قالت رحمة بشك:
_يبقى انتوا استغليتوا اننا بعيد عنهم وجاين تنتقموا مننا ، اكيد انتوا تبع الراجل اللي خطف مروج .. اتوصوا بالرجالة يا بناااات...
انصاعت لها الفتيات وتحمسن حينما افتكت بهم ضرباتهم أو هكذا ظنوا فان شاء الرجال لابرحوهم ضربًا ولكنهم يخشون حتى مجرد مقاومتهم خوفًا من رئيسهم، فقطع تلك الفوضى صوت بات صادمًا للجميع اتاهم من خلفهم يردد:
_ما شاء الله.. بقيتوا بلطجية كمان!
استدرت الفتيات للخلف فصعقوا حينما وجدوا الشباب من خلفهم، افواههم تكاد تصل للارض، فاقترب احمد من اسيل ثم جذب الشوكة التي تحملها وهو يردد بصدمة:
_دي ايه يا اسيل انتي هاجمه على طبق سلطة!
اضاف حازم ساخرا:
_المقشات لا يعلى عليها بس مش لحرب فيها اسلحة!!
وردد ياسين بغيظٍ:
_ارمي يا حبيبتي خلة السنان اللي انتي ماسكها دي وتعالي جنبي هنا.
القت مليكة السكين الصغير عن يدها ثم أسرعت هي واسيل لتقفن خلف نور ورحمة التي كاد قلبها بالتوقف رعبًا، اشتعلت نظرات عدى غضبًا وصاح بمن جواره:
_ساعدوهم.
انصاع اليه جاسم ورائد فاسرعوا تجاه الرجال وكلا منهما يحاول ايقاف الاخر، فخطو ببطء خلفهم، وقف زعيمهم أمام عدي ثم قال بفزع:
_أنا نفذت اوامرك وجت هنا يا عدي باشا بس زي ما حضرتك شوفت اتبهدلنا انا ورجالتي.
اجابه وهو يحك مقدمة انفه بحرج:
_معلش يا صلاح انا هعوضك انت ورجالتك عن الهبل ده.
اخبره عمر الذي تمكن من السيطرة اخيرًا على صدمته:
_استنوني برة انا هعالج الجروح بنفسي..
هز راسه بوقار لهم ثم كاد بأن يلحق برجله ولكنه استدار تجاه الفتيات ثم تطلع لعدي قائلًا:
_ دول مش عايزين حراسة ما شاء الله يحرسوا مديرية.
أسرعت نور تجاهه، فتراجع الرجل للخلف بخوف ولكنه وجدها تخبره بابتسامة واسعة:
_شكرا لشهادتك الغالية دي يابوصلاح خد بالك بقى من نفسك ومتعملهاش تاني وتدخل بيوت الناس من غير استأذان وخاصة لو كانوا ستات يكفيك شرهم وشر طريقك.
هز الرجل رأسه عدة مرات، ثم غادر على الفور بينما منحها عمر نظرة نارية ثم قال من بين اصطكاك اسنانه:
_عملت ايه في حياتي عشان ربنا يبتليني بيكي!
وأمسك بها من قبعة البيجامة التي ترتديها ثم هبط بجسدها للاسفل وهو يصيح:
_عملالي فيها زعيمة عصابة، بتضربي الرجالة يا نور!!
قالت بخوف:
_هما دول رجالة دول كسر حرب!
فصل عدي بينهما وهو يصيح بشراسة:
_عمر ارجع مكانك.
استمع اليه وعاد ليقف محله، بينما خرج عدي عن زمام رزانته حينما اخشوشنت نبرته:
_ارموا لعب العيال اللي في ايديكم ده واتفضلوا غيروا هدومكم وحالا على العربية مفيش بيات هنا بعد النهاردة وشوفوا بقى مين اللي هيقدر يوقفني عن قراري ده..
_أنا اللي هوقفك!
اتجهت جميع الأنظار تجاه الصوت الذي يعد مذبحة قابضة للشباب ونجاة للفتيات، فرمش "عدي" بعينيه عدة مرات وهو يحاول السيطرة على انفعالاته التي لن تجدي نفعًا أمام أبيه، بل قد تزيد الامور سوءٍ أمام شخصان يمتلكان نفس العناد، فبالنهاية لن يناطح أبيه، وبالتأكيد سيبدى رأيه ولكن باحترامٍ يستحقه من أمامه لذا اختار جيدًا ما أجابه به:
_وأنا أكيد هحترم كلام حضرتك بس اللي حصل هنا يخليني أخد قرار زي ده، فلنفترض أن في حد فعلًا اتهجم عليهم انهم يواجهوه تصرف صح!!
نظرات صلبة متحجرة، لم تنخضع ابدًا لذلك المبرر الغير مقبول منه، فحرر لسانه لينقل عنه جزء من ثباته المعهود:
_لما تعلم رجالتك الأول تحترم البيت اللي دخلينه تعالى وحاسبني على تصرفاتهم.
وأشار "ياسين" بيديه على باب المنزل وقد علت نبرته لتصبح أكثر من ذي قبل:
_في باب يتخبط عليه أكتر من مرة لحد ما واحدة فيهم تفتحه.. اللي حصل ده حسابه عندك وعند الكلب اللي دخل هنا.
ثم تابع بحدةٍ:
_أما بقى بالنسبة لقرارك بالرجوع فأنا مش هجبر بنت من بناتي انهم ينخضوا لقرار حد، كل واحدة عاقلة كفايا انها تقرر اللي هي عايزاه.
وأشار بيديه بغضبٍ قد سكن عسلية عينيه الساحرة:
_مش عايز أشوف حد فيكم هنا، وخليك مطمن أنا أعرف ازاي أحمى حرمة بيتي مش مستنيك تبعت الاغبية دول يحرسوا بيت من بيوت ياسين الجارحي.
يعلم بأن ما ارتكبه بحق أبيه كان خطًا ولكن مازال حتى تلك اللحظة يدفع ثمنه هو والشباب، انسحب الشباب بأكملهم للخارج خوفًا من أن تتطور الامور بينهم وبين "ياسين " وخاصة بأنه لن يمرر ما حدث هنا بسهولة، أما عدى فمنحها نظرة أخيرة تتوق لضمها إليه، فقلبه يئن لوعة لفراق عشقها، ثم كاد بالخروج خلف أبناء عمه ولكنه توقف والتفت تجاه أبيه الذي يقف بشموخٍ يضاهي الجبل الصامد بقرار اعتزاله رؤية العالم من حوله، فقال بحزن التمسه ياسين بلهجته:
_حتى لو أنا غلطت في اللي عملته فالشباب ملهمش ذنب يدفعوا تمن الغلطة دي معايا، أنا اللي أخدت القرار ده وأنا المسؤول عنه.
ثم اتجه للخروج فتوقف فور سماعه امره الصريح:
_مكانك.
استدار اليه عدي فوجده يدنو منه حتى أصبح قبالته، فتطلع اليه بنفس تلك الأعين التي ورثها عن أبيه، وترقب سماع ما سيقول....فاختلى ياسين بالصمت وكأنه ملكًا يتحكم به فمزقه حينما قاطعه قائلًا:
_ الخسارة عمرها ما كانت فلوس وبس، لو فاكر أن غضبي وعقابي ليك دلوقتي سببه العرض تبقى متشبهنيش في شيء، كيان الجارحي مش بس مصدر قوته الفلوس والممتلكات، العلاقة اللي زرعناها بينكم تعبنا أوي عشان تكون بالقوة والترابط ده، ومساندة ولاد عمك ليك دلوقتي أكبر دليل على نجاحي باللي عملته طول السنين اللي فاتت والمفروض انك تكون مكاني بالنسبالهم .
ورفع اصبعه أمام وجهه وهو يستطرد بانفعالٍ:
_أنت بالذات مينفعش تغلط... لأنك مسؤول عنهم لو غلطت هتوقع الكل والخساير مش هتكون صفقات ولا فلوس الخساير هتبقى أكبر من كده.. والمؤسف ان كل اللي بنيته انا ويحيى متوقف عليك وغلطة تاني زي دي هتهد كل اللي اتبنى، ويمكن المرادي أنا لحقت الموقف ومنعتك توصل للكلب ده وتتفاوض معاه بس الله أعلم المرة الجاية اذا كنت هقدر ولا لا..
ودنى منه قليلًا وهو يردد الكلمات ببطءٍ حذر:
_مش هسمحلك تغلط تاني يا عدي... حتى لو كانت قسوتي عليك هتكرهك فيا.
برر له قائلًا:
_مكنتش هتفاوض معاه.. دي حجة عشان اقابله في حاجات كتيرة محتاج اعرفها.. الشخص ده من وقت ما ظهر وفي حاجات كتيرة بتحصلي وللي حواليا!!
توترت نظراته وقد غامت بغضب ساكن فصاح به:
_ بطل تداري فشلك ورا تحقيقات الشرطة اللي ملهاش مكان وسط رجال الاعمال دي.
وبجمود استرسل:
_حصل ولاد عمك.
تعمق بالتطلع اليه قبل أن يلحق بهم للخارج، بينما استكمل ياسين خطواته الثقيلة للداخل ثم جذب أحد المقاعد ليجلس بمنتصف الردهة مقابل الفتيات التي تتشبثن ببعضهن البعض في توتر لحوار ياسين الصارم، فخشين أن يطالهم غضبه المخيف ولكنهم تفاجئوا حينما ارتسمت ابتسامة جذابة على طرفي شفتيه وهو يثني عليهما بصوته الرخيم العذب:
_أنا فخور بيكم!
القت الفتيات ما تحمله من اسلحة مضحكة واجتمعوا من حوله، فقالت مليكة :
_كنت واثقة ان حضرتك هتيجي.
ضمها اليه وهو يشير لها بحنان:
_أنا مقدرش اتخلى عنكم يا حبيبتي.
ثم اشار لهم بمزحٍ:
_انا طلبت اكل لينا كلنا... نتعشا مع بعض واطلعوا كملوا شغلكم مش عايزهم يشمتوا فيكم.
ضحكت الفتيات وبالفعل شاركهم ياسين العشاء ثم غادر للقصر مجددًا، فصعدت الفتيات باكملهن للاعلى للنوم بعد ان قضوا ساعات الليل بالعمل على الملفات، وتبقت رحمة بالاسفل تجمع الاطباق وتنظف المكان جيدًا بعد محاولتها للنوم الفاشلة، فقامت بتنظيف الردهة الرئيسية وفجأة استمعت لطرقات خافتة على باب المنزل، تطلعت للساعة الموضوعة على الحائط فوجدتها الثالثة صباحًا وقبل ان تتجه لتيقظ الفتيات استمعت لصوته يأتي من خلف الباب:
_رحمة أنا عدي افتحي!
ابتلعت ريقها بتوترٍ، فاتجهت لتحرر مقبض الباب، ولج عدي للداخل يتطلع لحدقتيها التي لا تفارق عينيه، اخفضت عينيها عنه وهي تردد بتوتر:
_رجعت تاني ليه يا عدي انت مسمعتش كلام عمي!
اخرجته عن هدوئه، فصرخ بها باندفاع:
_يعني انتِ اختارتي ياسين الجارحي وفضلتيه عليا يا رحمة!
ازدردت حلقها الجاف بصعوبة بالغة، وهي تحاول استجماع كل ذرة شجاعة امتلكتها يومًا، فقالت:
_مين قال كده!
قوس جاجبيه ساخرًا:
_اللي مخبياه عني ووجودكم بالبيت ده تسميه أيه!!
رفعت عينيها اللامعة بالدمع، فصاحت بصوت مرتفع يفرغ ما بداخلها:
_سميه ثقة في قرار أخده والدي، أو اختيار الصح ليا وليك، التهور والاندفاع اللي انت فيه ده يا عدي اخرته صعبة.
جحظت عينيه صدمه، فجذبها اليه وهو يردد بعدم تصديق:
_انتي شايفاني كده يا رحمة!
هزت رأسها وهي تؤكد له:
_الكل شايفك كده.
شدد من ضغطه على راسغها وهو يردد بتصميم:
_اوكي... شوفيني زي ما تحبي بس أنا مش ماشي من هنا غير لما تقوليلي بتحاولي تداري عني أيه.
دفعته بعيدًا عنها وهي تفرغ ما بداخلها:
_كفايا بقى كفايا... انا مبقتش حمل نظراتك وكلامك.. مبقتش قادرة ادافع عن نفسي قدامك.. بقيت بكره ضعفي وبحاول ابرر لكل اللي حواليا انك أحن انسان عليا حتى بقيت ببرر لنفسي يا عدي... انا بقيت بكره تحكماتك وشخصيتك الصعبة، عشت عمري كله بخاف من ابن عمي اللي كان محاصرني من كل اتجاه وجيت انت وعملت نفس اللي بيعمله بس الفرق بينكم اني حبيتك..حبيتك وأنا بتمنى اتغير من جواليا بوجودك.. نفسي استقوي بيك زي ما أي ست بالدنيا بتستقوى بجوزها.. انا بخاف حتى من اني اتعشم في الامل ده.
وخرجت عن رزانتها حينما دفعت الزجاج المحاط بها، فتهشم واسقطت الطاولة وهي تصرخ بانهيار:
_كفايـــا حرام عليكم.. انا بني آدمة ومن حقي اقول لا مش حابة اتكلم في شيء يخصني لانه ببساطة يخصني.. مش عايزة اخاف من حد غير من اللي خلقني.. مش عايزة اخاف منك ولا من غضبك الغريب.
ابعدها عدي عن الزجاج وهو يشير لها بصدمة:
_طب اهدي... هتتأذي باللي تعمليه ده!
كان يعلم بأنها تتعرض لبوادر ازمة نفسية حادة، ولم يتمكن من احتوائها زاد من الامر سوءًا وها قد يحصد ثمار عصبيته، ابعدته رحمة عنها وعادت لصراخها ببكاء يفطر القلوب:
_علاقة حبنا ملهاش مثيل.. قصة غريبة مستحيل حد يصدقها، بس فيها عيب يخلي محدش يتمنى يعيشها.. الخوف والرهبة اللي عايشاهم بسببك يا عدي..
وببطءٍ رددت:
_أنا بسببك بقيت أضعف من الاول... بقيت بخاف من خيالي.. بخاف من صوت الباب بليل وانا لوحدي، يمكن بتطمن لوجودك بس لما بتغضب بحس انك بتكسر العالم اللي عيشتني جواه.. انت شايف ان رائد متهور انا شايفاك ابشع منه... يمكن تكون اتغيرت بالفترة الاخيرة بس انا مش قادرة اشوفك غير بالصورة اللي اتعودت عليها.
ولكزته بقوة وهي تخبره :
_اطلع بره... اخـــرج بره!
ليت انحطام قلبه يصدر مثل تلك الاصوات التي نتجت عن الزجاج المكسور، اخرجت تلك الضعيفة كل ما كيت داخلها، وها هي تمضي على اول خطوات علاجها النفسي مثلما أراد ياسين، تمضي وقلبها يزداد ألمًا، استدار ليغادر فمضى بخطواتٍ ثقيلة حتى وصل لسيارته، القى بثقل جسده على الدركسون، احتضن وجهه لقليلٍ من الوقت عله يتمكن من معافرة كل ما يناطحه، جسده لم يعد بحاجة لاستقبال المزيد من الجروح، جرحه بات نفسي وجسدي، حرك عدي مفتاح سيارته ليتحرك بها عائدًا للقصر، فتفاجئ بها تقف أمام سيارته باكية بصوت صاخب، فاتكأت على مقدمة سيارته وارتمى جسدها منه للارض ولسانها يردد جملة واحدة:
_متمشيش!
أسرع خارج سيارته، ليحملها عن الارض بفزعٍ، فوجدها تفقد وعيها تدريجيًا وكلماتها تعيد على مسمعه من جديدٍ:
_متمشيش!!!
.............يتبع.......
#كلام_مهـــــــــــم..
السلام عليكم حبيباتي، متابعات صفحتي الخاصة وجروباتي عارفين اني بمر بوعكة صحية، وهي عيوني الورمة، وطبعًا تابعتوا معايا كلام الدكتور واصراره على البعد التام عن الموبيل، والله انا عيوني حرفيًا مش بتلحق تتعافى من الادوية بسبب الموبيل، ولو بقيت كويسة بتتنكس تاني للاصعب، فبعد رجاء خاص مني لزوجي ولافراد عائلتي وعدتهم اني مش هبعد عن السوشيل ميديا لفترة غير لما اختم رواية الجارحي عشان محدش ينتقدني بالشكل البشع اللي مش حابة اوصل ليه، لذا بجتهد وربي يعلم اني اكتبلكم اخر عشر فصول بالجارحي ازاي، بس عندي مشكلة اني سبق ووعدتكم اني هعملكم بالجزء حلقات عن ايام رمضان والعيد، وبما اني ربنا قدرني وقدرت اوفي بوعدي ليكم وانزلكم نوفيلا لحظات خاصة عشر فصول والجزء ده هيكون 30فصل باذن الله هخلص معاكم الجزء واخد الاجازة لحين اتعافى باذن الله ولما هرجع هنزلكم نوفيلا ختامية تليق لسلسلتنا الجميلة احفاد الجارحي، النوفيلا هتكون من خمس لعشر فصول خاصين برمضان والعيد عندهم وهتكون بعد فترة من احداث الجزء بمعنى ان الجزء هيتقفل تماما ومفهوش احداث معلقة عشان محدش بتضايق مني، ويكده هنكون قدمنا نوفيلا افتتاحية (عشر فصول) ، وجزء كامل (30فصل) ، ونوفيلا ختامية واكون وفيت بوعودي ليكم ومقللتتش من احترامي ليكم.. واخيرا شكرا لدعواتكم ولرسايلكم سامحوني مش قادرة ارد على كل الرسايل.. ويارب الفصل يكون عجبكم... بانتظار رايكم.. بحبكم في الله ♥
#Aya..
**********_______***********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويــض_الشرس!...(#أحفاد_الجارحي5...)
#الفصل_الثاني_والعشرون!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أشرقت أحمد"،"أميرة محمد"،"بسملة مصطفى"، "دعاء صقر"،"أمل إبراهيم"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أسند رأسها بين يده، وهو يراقب انغلاق جفن عينيها ببطءٍ، ولسانها يردد دون توقف:
_متمشيش ... عدي!
تثاقلت رأسها على ذراعه، فاحنى يده أسفل ساقيها، وحملها اليه، عاد بها للداخل، فشمل المنزل بنظرةٍ خاطفة، خشى الصعود للأعلى فيجرح خصوصية الفتيات خاصة بعدم معرفته بأي الغرف تنتمي، لذا فضل البقاء بالأسفل، فولج لاحد الغرف الجانبية المخصصة لاستقبال الضيوف، كانت تشمل عددًا من الأرائك المريحة، فاختيار ياسين للمنزل كان غريبًا للغاية، المنزل كان بسيطًا لا يتسم بمظاهر الثراء، تحيط به الحقول من جميع الاتجاهات، وبعيدًا عن المارة، اختياره كان الامثل ليحفظ سلامتهم وربما هذا ما زرع الشك بداخل عدي، لذا اتخذ قرارًا متهورًا هكذا، أبعد عدي الوسادات الصغيرة، ووضعها بحرصٍ عليها، ثم عاد لسيارته مجددًا، فبحث بالدرج المجوف لها عن حقيبته السوداء الصغيرة، فتحها وعبث بما تحتويه من مشط صغير وغيرها من ادوات خاصة به، فجذب زجاجة عطره الصغيرة، ثم عاد اليها مجددًا، اسندها عدي اليه ثم قرب يده الممتلئة بالبرفيوم اليها، تسلل اليها دفءٍ اجتاز مغارتها، كانت تركض وهي تسعى لايجاد طريق للخروج من تلك المتاهة، حتى اهتدت به وإليه، تمسكت بذاك الطيف بكل ما اتت به من قوةٍ، حتى أخرج بها مما خاضته، ففتحت جفنيها الثقيل لتقاوم نوبة نومها بوقتها الغريب هذا، وجدته يضمها اليه، فاستدارت لتقابله وهي تردد بتوترٍ:
_عدي.
منحها نظرة نجح باخفاء حزنه فيها، فرددت بصوتها الشاحب:
_أنا أسفة.. معرفش أنا قولت كده إزاي!
ملامحه الصامته لم توحي لها بالكثير، ومع ذلك حاولت ان تعلم ما الذي يضمره لها، اعتدلت بجلستها حتى باتت قبالته، تتمعن به وتترقب أي رد فعل قد يصدؤ عنه، تحرر لسانه الثقيل حينما تساءل بألمٍ:
_إنتي شايفاني كده يا رحمة!
عاد الخوف يتدفق اليها من جديدٍ، فازداد ألمه ضعفين وهو يراها تشير له بالنفي، قرب يده منها ثم ضمها اليه، احاطها بذراعيه فاخرجت ما بداخلها من بكاءٍ حرق قلبه قبل أن تصل دمعاتها لقميصه الأسود، فرددت بصعوبة:
_أنت اللي بتحسس اللي حواليك بشخصية مش شبهك.. محدش قادر يكون فكرته عن شخصيتك بسبب تصرفاتك!
تدفقت دمعاتها الصامتة وقلبها يعاكس ذاك السكون، يصرخ داخلها علها تفيض بالمزيد، إن تراجعت الآن ستخسر ما خاضته من البدايةٍ، فقالت بترددٍ:
_انا مش عايزاك تكون غامض ومش مفهوم يا عدي، عايزة اقدر افهمك وأفهم ايه اللي ممكن تعمله واللي يخليني اقف وأقول انك متعملش كده بكل ثقة، لو فكرت في كلامي هتلاقي ان اللي حواليك دايمًا بيفهموك غلط لانك مش قادر تبني ليهم انطباع خاص عنك.
فتح أزرر قميصه حينما شعر بالاختناقٍ يهاجمه، فتابعت قائلة:
_أنا يتيمة وماليش حد، بعتبرك الورث الوحيد ليا في الدنيا دي، انت وعيلتك، ربنا رزقني بأب عظيم عوضني عن حرمان الاب اللي فقدته وانا عندي ١٨سنة، صدقني انا لو ابويا موجود لحد النهاردة مش هيعمل اللي عمي ياسين بيعمله معايا..
وانهارت بالبكاء وهي تسترسل:
_هو الوحيد اللي فهم الحالة اللي انا فيها، اخدني لدكتورة نفسية قعدت معايا وبعد كده طلبت انها تكون معاه لوحدهم، معرفش قالتله ايه بس اللي واثقة منه ان وجودي هنا وشغلي في المقر هما جزء من علاجي!!
رفعت جفنها لتتطلع اليه، وعاتبته بحزنٍ:
_اللي انت عايز تعرفه مش هقدر اقولهولك لأنه ائتمني عليه، مقدرش أخون الامانة دي وبالذات بعد ما وصفتلك اللي بحسه نحيته!!
احاط خدها الأيمن بلمسة يده الحنونة، وقربها اليه ثم قال بصوتٍ عذب طبطب على خوفها وحالتها الغير مستقرة:
_مش عايز أعرف حاجة... كل اللي عايزك تعرفيه ان مفيش في الدنيا شيء يهمني غيرك انتي.
واستكمل بدمعة لمعت بعسلية عيناه:
_لو انا مكنتش الزوج المثالي ليكي بعد كل الوعود اللي ادتهلك فالغلط من عندي انا.
بسمة صغيرة احاطتها، وباستنكارٍ تساءلت:
_تفتكر انا وصلت للدرجة المجنونة دي في حبك ليه! اكيد لانك أعظم راجل أنا حبيته، كفايا انك ابن ياسين الجارحي!
اتسعت حدقتيه على وسعهما، فردد وهو يتمادى بالضحك:
_بصراحة انا شايفه سبب مقنع!!
كزت على لسانها بأسنانها، وحينما وجدته يضحك شاركته الضحك، ضمها عدي اليه ثم جذب احد الاغطية الموضوعة جانبًا، فاحاطها به جيدًا، اتكأت برأسها على صدره حتى غفت تمامًا، بينما ظل هو مستيقظًا، تسجيلاته تمر ببطءٍ، فتريه ملخص سريع لعلاقته بعائلته، ما أخبرته به كان صائبًا للغاية، ربما لذلك يبذل أباه كل ذلك المجهود المفرط ليبدل عقيدته، وربما ما حدث بينه وبين رائد ومعتز كان لذلك، انغمس برحلة لم تكن هينة قط، حتى تسلل ضوء الشمس النافذ من الشرفة فغمرتها بضوئها، وبحذرٍ شديد نهض عدي عنها، ثم اعاد طرح الغطاء الخفيف عليها، ومن ثم منحها نظرة أخيرة قبل ان يجذب مفاتيح السيارة ويغادر سريعًا خشية من أن تهبط الفتيات للأسفل دون علمهن بوجوده بالأسفل، عل أحداهن لم تكن ترتدي ثيابًا مناسبة.
******
صف عدي سيارته بالأسفل، ثم اتجه لجناحه الخاص، فما أن ولج للداخل حتى وجد عمر يغفو على المقعد الجانبي للصالون الخاص به، عقد حاجبه بدهشةٍ، فهزه وهو يناديه بذهولٍ:
_عمر!
فتح عينيه بانزعاجٍ، فانتصب بوقفته بعيدًا عن المقعد، وهو يردد بنومٍ:
_رجعت أخيرًا.. أنا بستناك من بدري.
جلس على الاريكة المقابلة له وهو يتساءل باستغراب:
_مستنيني أنا ليه؟
احتل مقعده من جديدٍ، ثم قال بتريثٍ والضيق يضجر معالمه:
_كنت عايز أعرف عملت أيه مع بابا وليه اتاخرت لحد دلوقتي.
منحه نظرة ساخرة قبل أن يخبره:
_هو ياسين الجارحي بيتعمل معاه حاجة يا عمر!
ترنحت منه ضحكة كانت مسموعة لمن تبدل نظراته للصرامة، فأشار له الاخير بحزمٍ:
_الحمد لله ان المعلومة دي أخيرًا وصلتلك.
ونهض عن مقعده وهو يخبره بابتسامةٍ واسعة:
_كده أنا اتطمنت عليك أروح أنام بقى.
راقبه بأعينٍ متسعة، لا تصدق البرود الذي أحاطه فجأة، فرفع ساعته يتفحص الوقت، فوجدها السادسة صباحًا، جذب عدي حاسوبه الخاص ثم عاد ليستكمل عمله على ملفه الخاص، عله يحصل على الخلاص من العمل بالمقر مثلما قال أبيه!
*******
بالوكر الخاص بالأفعى الخبيثة.
زرع طلب عدي برؤيته لمهاب خوفًا وقلقًا عظيمًا، فنفث دخان سيجاره بشراسةٍ وهو يستمع لحديث فؤاد بعنايةٍ، انهاه حينما أشار له بانفعالٍ:
_لا معتقدش انه عايز يتفاوض معايا زي ما قال، عدي الجارحي مش سهل ولا ضعيف انه يستسلم بالسهولة دي، أكيد وراه شيء أكبر من كده الا لو كان كشفني وعرف انا مين!!!
ارتعب من يستمع اليه، وتلقائيًا تساءل:
_طب والحل يا باشا.. هندور على طريقة نخلص منه تاني.
نفى اقتراحه بتشددٍ:
_لا طبعًا مستحيل اخلص منه بالبساطة دي... كل اللي بفكر فيه اكسب المناقصة دي ووقتها هتنفذ اللي انا قولتلك عليه.
واسترسل بوجومٍ:
_ولحد ما ده يحصل لازم نتلاشى أي غلطة ممكن يمسكها علينا هو أو أبوه لحد ما أفوقلهم!
*******
ملأت رانيا وشروق الطاولة المستديرة بالطعام والشاي الساخن، فجلست الفتيات يتناولن طعام الافطار قبل الاستعداد للذهاب للمقر، لاحظت نور ملامح رحمة الباهتة، فحاولت مرارًا معرفة ما أصابها، وكل ما تخبره به بأنها على ما يرام فقط لم تحظو بالنوم المثالي، وحينما فرغن من تناول الطعام تحركن للمقر على الفور..
*******
استعد الشباب للذهاب للمقر، وتبقى عدي بغرفته يعمل على حاسوبه بانجذاب، جعله يتناسى ساعته المحددة، وحينما انتهى اغلق الحاسوب واسترخي بجلسته وهو يفرد ظهره بوجعٍ، فرفع ساعده ليتفاجئ بتأخره الملحوظ، ولج سريعًا لحمام غرفته، فابدل ثيابه ليستعد للهبوط، كان بطريقه لسيارته حينما لمح عمر يسرع من خلفه، فتساءل بدهشةٍ:
_أنت لسه هنا ليه!
رفع احد حاجبيه بسخطٍ:
_وأنت يعني رايح أول الناس! ثم اني مش رايح دلوقتي في مشوار مهم كده هقضيه على السريع.
تجعد جبين عدي وتساءل باستفهامٍ:
_ليه رايح فين؟
ارتدى نظارته السوداء بعنجهيةٍ وهو يشير له بتعالي:
_لما أجي هتعرف... عن إذنك.
وتركه مشدوهًا وغادر، فاستقل عدى سيارته وتحرك للمقر.
********
بالمقر..
اجتمع الشباب بالطابق العلوي المخصص للفتيات، وما أن وصلت الفتيات حتى ردد جاسم بسخرية:
_العصابة وصلت.
اتجهت نظرات الجميع لهن، فنشبت حرب شرسة بين كلا الطرفين، وخاصة حينما قال معتز بسخطٍ:
_المرة الجاية مش هتبقى خناقة بالمقشات واللذي منه، هتبقى حرب أسلحة!
تعالت الضحكات بينهم، فاضاف حازم:
_ولسه في مواهب متدكنة تقريبًا ياسين الجارحي اللي بيساعدهم على خروجها.
اتجهت كل فتاة لمكتبها بصمتٍ تام، مما دفعهم للتمادي، فقال رائد باستهزاءٍ:
_الهدوء القاتل ده مش لايق عليكم... شكلكم بتخططوا لكارثة جديدة مش مستريح بصراحة!
خرجت نور عن طور هدوئها:
_هو في أيه يا أستاذ منك له، أنتوا فاكرين سكوتنا ده ضعف لا ثواني كده.
ورفعت سماعة الهاتف ثم استدارت تجاه ياسين الجالس جوار أحمد يراقبان ما يحدث بصمتٍ تام، وتساءلت:
_رقم ياسين الجارحي كام يا ياسين، خليه يجي يشوف اللي بيحصل هنا بنفسه.
اسرع حازم تجاهها، فأغلق سماعة الهاتف وهو يردد بخوفٍ:
_الطيب أحسن يام عدي.
لاح على وجهها بسمة عريضة، وبغرورٍ قالت:
_أيوه كده اتعدلوا.. احنا مش لوحدنا على فكرة.. صح يا بنات؟
اجابوا معًا:
_صح.
اتجهت نظرة كل شاب لزوجته، فحملت توعد ووعيد، فأصبهن وابل من الفزع لما هو قادم، نهض أحمد عن مكتبه ثم قال بضجرٍ:
_لو خلصتم المهزلة دي كل واحد يروح يشوف شغله.. احنا مش فاضين للعب العيال ده!
فور انتهاء جملته غادر الشباب الطابق بأكمله، واستعد أحمد وياسين لاعادة طرح ما يفيدهن بالعمل المبدئي قبب الاستعداد للعرض، استغلت آسيل انشغال ياسين مع داليا وانسحبت تجاه أحمد، وضعت الملف من امامه ثم قالت بصوتٍ منخفض:
_احمد عشان خاطري ساعدني أطلع عيب واحد.. شكلي هيبقى أيه قدام ياسين أنا طول النهار براجع فيه ودماغي حرفيًا قفلت.
ضحك حتى ظهرت غمزات وجهه، وقال مستنكرًا:
_سبق وقوللك مش هتلاقي.. أنتي اللي صممتي تاخدي ملفي!
ذمت شفتيها بضيقٍ اتبع تعصب نبرتها:
_يعني أيه هتتخلى عني!.
ضحك وهو يخبرها:
_عمرك شوفتي شخص بيقدر يطلع عيوب في شغله.. لو حابة استعيني بمساعدة اخوكي يمكن يفيدك!
وجدتها فكرة ليست سيئة، فاخرجت هاتفها ثم التقطت صور للملف بأكمله، وارسلتها لجاسم، فتفاجئت به يجيبها
«خلي الليدر بتاعتكم تساعدك 🙂»
أرسلت اليه
«هتتخلى عن أختك الوحيدة يا جاسم 😔»
رد عليها
«وعن أبويا نفسه لو اتحالف مع نور يا حياتي 😉»
القت هاتفها بغضبٍ أصبح بدرجة خطيرة فور رؤيتها ابتسامة شماتة تتسع على شفتيه، كزت على أسنانه بغيظٍ، فالتقت الملف وأسرعت تجاه مكتب ياسين وهي تناديه بحنقٍ:
_يــاسيـــــــن.
رفع رأسه مسرعًا اليها، فالقت الملف من أمامه وهي تخرج ما قد يجعلها بالأمس مترددة من قوله الآن:
_معرفتش أطلع عيوب في الملف ومش مضطرة اتزلل لحد يساعدني!
سألها بملامح جادة:
_هل أنا رفضت مساعدتك؟
أشارت له بالنفي، فقال باستهزاءٍ:
_يبقى براحة طيب اتخضيت من الداخلة!
جذبت أحد المقاعد ثم جلست على بعدٍ منه تستمع ما يخبرها به للايقاع بأي عرضًا يقدم لها حتى وإن كان احترافي مثل زوجها، ومن ثم منحها ملفًا أخر، لتطبق درس اليوم مثل الفتيات، ولم يتبقى إليه سوى رحمة، لاحظ ياسين ارتباكها أمامه، واجتهادها للحديث، فقالت بحرجٍ:
_أنا ماليش عين حتى أعتذرلك يا ياسين، حاولت والله بس مقدرتش.
ابتسم وهو يردد بمرحٍ:
_انتي شكلك ناوية على طردي من المقر يا رحمة، ياسين الجارحي مش هيعجبه الحال ده.
واسترسل بهمسٍ ساخر:
_أنتي بالذات عليكي توصية زيادة!
رسمت بسمة باهتة، وحانت منها التفاته جانبية تراقب من حولها انشغال الفتيات بالعمل، وعادت تتطلع اليه وهى تجاهد لاخبره ما تود، فقالت بتوتر:
_ياسين أنا كنت عايزة أسالك عن حاجه وأتمنى انك تساعدني.
اعتدل بجلسته وهو يجيبها باهتمامٍ:
_لو أقدر مش هتأخر أكيد!
كان عليها فهم اللغز الغامض الذي فشلت بفهم مغزاه، فقالت بارتباكٍ جعل حديثها غير مرتب:
_امبارح عمي كان زعلان من عدي جدًا، وكانوا بيتكلموا عن تفاوض عمله عدي وده اللي خلى عمي متعصب.. أنا مش فاهمه يعني أيه تفاوض وهيتفاوض مع مين وليه!
استمع اليها بحرصٍ، وقد بدأت الخيوط تتصل ببعضها حتى تكونت فكرته الكاملة عما حدث بالتحديد، فقال برزانةٍ:
_بصي يا رحمة، التفاوض ده بيتم بين رجال الأعمال، بيكون بمبدأ تنازل وتعويض بمعنى لما تكون في مناقصة هتفيد حد من الطرفين أكتر من الطرف التاني بيطلب منه ينسحب منها مقابل شيء بيتفقوا عليه، في رجال أعمال ممكن تنسحب من المناقصة مقابل مبلغ محترم وفي اللي بينسحب وعنده اليقين بالرد والتعويض في مناقصة تانية تجبر اللي انسحب عشان ينسحب هو كمان.
واسترسل موضحًا اهم نقاط هذا العرض الغير محبب:
_بس المبدأ نفسه مرفوض عند كبار رجال الأعمال وبالأخص شركاتنا لانها تعتبر في عيون الخصم ضعف وعدم ثقة انك قادر تواجهه!
رددت بعدم استيعاب:
_طب ليه عدي يعمل كده مع مهاب ده، ليه يطلب منه ينسحب ويعرض مكانة المقر لشيء زي ده!
أجابها بملامح بدت أكثر حزنًا:
_أنا فاهم عدي كويس، عدي مطالبش يشوف مهاب عشان يتفاوض معاها، عدي شاكك انه ورا الحادثة اللي حصلتله واختفائه الغريب مأكدله ده، واللي ميعرفوش ان عمي فاهم دماغه ومش عايزه يوصل للنقطة دي... من الأخر اللي حسيته من طريقة عمي انه مش عايز يخلي عدي يكون عداوة ليها في المجال ده.
كانت تعلم السبب الحقيقي وراء ما يفعله ياسين الجارحي، لذا لجئت للصمت والشرود فيما هو قادم!!
*******
بالمكتب الرئيسي لمقر شركات الجارحي.
كان يجلس ياسين على مقعده باسترخاءٍ، حينما استمع لطرقات باب مكتبه، فسمح للطارق بالدخول، فتح الباب وولج للداخل بخطوتٍ متهدجة ربما أقرب للثقة بقراره تلك المرة، جذب المقعد المقابل لابيه ثم وضع من امامه الحاسوب، عقد حاجبيه وهو يتابعه بريبةٍ، يحاول دراسة تعابيره ليستكشف ماذا هناك؟
فتح عدي الحاسوب، ثم قربه من أبيه وأشار له بهدوءٍ غريب:
_كنت حابب أخد رأي حضرتك في العرض اللي حضرته.
رمش بعينيه وإن كانت حركة جسده ثابتة، فسحب عينيه لشاشة الحاسوب، ليتتقل من صفحة للاخرى وملامحه يكسوها الانبهار، تابعه عدي ببعض القلق، وخاصة حينما انتقل بعينيه اليه، وبثباتٍ قال:
_اعتبر إن أول صفقة هتكون لينا بالعرض ده.
ابتسامة صافية رسمت على وجهه، فمنحه ياسين بسمة هادئة، ومن ثم أغلق الحاسوب وهو يخبره بغموضٍ:
_العرض كفيل يهزم مهاب وعشرة زيه، فياريت متلجئش للمقايضة دي تاني.
كاد بأن يجيبه فقاطعه بحزم لينهي ما خلق داخله:
_مش مهاب اللي ورا اللي حصل معاك يا عدي... شيل الاوهام دي من دماغك وركز للي جاي.
هز رأسه بتقبل تام لما قال، وردد بحيرة:
_حسيت ان الموضوع مش طبيعي.
وحينما وجد نظراته تحتد رويدًا رويدًا، قال:
_أنا مش حابب أشغل دماغي بيه.
وعبث باصابعه باللافتة الصغيرة التي تحمل اسم اباه بشرودٍ، انهاه حينما قال بترددٍ:
_أنا ممكن أعرف الدكتور اللي رحمة راحتله شخص حالتها بأيه؟
لم يكن مندهشًا لمعرفته بالأمر، بل لزم رزانته وهيبته حتى في اجابته البسيطة:
_مش لازم.. اللي بعمله وهعمله هو الأهم ليها خليك واثق في ده.
منحه ابتسامة صغيرة، ثم نهض يحمل حاسوبه ويتجه للخروج، فتوقف حينما نداه ياسين قائلًا:
_عدي.
التفت اليه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_حضرتك بتناديني!
هز رأسه وهو يخبره بابتسامةٍ صغيرة:
_أنا فخور بيك وبالعرض الفريد من نوعه ده.. أثبتلي انك تستحق ادارة المقر من غيري.
ابتسم وهو يمازحه بضيق مصطنع:
_يعني ده معناه أيه لاني ابتديت اقلق، اتفاقنا كان إن العرض لو عجب حضرتك والمناقصة رست علينا هأخد حريتي!
عاد بجسده لمقعده ثم تابع العمل على الاوراق من أمامه وهو يخبره بثباتٍ:
_أنا مبرجعش في كلامي وأنت عارف.
اتسعت ابتسامته وبنبرة ملأها الحب قال:
_عارف.. عن إذن حضرتك.
اكتفى باشارة من يده فما أن خرج وأغلق الباب من خلفه، حتى ترك ياسين الاوراق من يده والابتسامة تتراقص على شفتيه الباسمة!
********
اجتمع الشباب بالمكتب المخصص اليهم بالمساء بعد مغادرة الفتيات وأغلب الموظفين، فتساءل أحمد بقلق:
_فين عمر من الصبح مش باين!
اجابه معتز وهو يلتهم الشطيرة بجوعٍ:
_معرفش مجاش المقر النهاردة.
قال ياسين باستغراب:
_غريبة اول مرة يعملها!
واشار لحازم قائلًا:
_كلمه كده شوفه فين؟
جذب حازم هاتفه ثم طلب عمر فانطلق مسمع صوته اليهم، فتح الباب وولج للداخل وهو يشير اليهم بغرور:
_لسه فاكريني!
سأله رائد باستغراب:
_انت كنت فين من الصبح!
مشط الغرفة بعينيه ثم سأله بحذر:
_عدي هنا.
اجابه احمد:
_لا مشى من زمان... فهمنا بقا في أيه!
هرع للاريكة، فجلس جوار جاسم واحمد، ثم اخرج من جيب بنطاله جهاز صغير، قام بتوصيل اسلاكه لهاتفه، اجتمع الشباب من حوله فتساءل ياسين بدهشة:
_ده ايه؟
وزع نظراته بينهم ثم قال:
_مش عايزين تنتقموا من اللي حصل امبارح.
بات امره غامضًا للجميع، فردد حازم بعدم فهم:
_انتقام ايه متيجي سكة ودغري يا دكتور المسالك انت!
اشار لهم بغرور:
_هفهمكم.
ورفع الازرر، ثم بدأ بتحريك اصابعه على عدد من الازرار، وفجأة انطلق صوت الفتيات من المسجل الصغير بحوزته، واستمعوا لصوت شروق تصرخ وهي تردد:
_الحقووووني يا بنااااات تعالوا..
حرك عمر اللوحة مجددا فتعالت صراخهن، جذبه احمد وهو يشير لما يحمله:
_ده أيه فهمني.
قال وهو يعدل قميصه بكبرياء:
_هما مش عاملين فيها ابطال الحرب القومي، انا روحت وزرعت في البيت كله اجهزة هتخليهم يلفوا حولين نفسهم وشوية وموبيلاتكم مش هتبطل رن وطلب النجدة مع التوسلات هو بس اللي هنسمعه...
واشار لهم على الهاتف وهو يسترسل:
_انا ربطته بموبيلي بس طبعا مش هنقدر نفتح كاميرا فهنسمع اللي هيحصل بس.
صمتوا جميعًا ليستمعوا لما يحدث..
*******
بالمنزل..
جحظت عين رانيا وهي ترى اسدالها ترتديه امرأة تحمل رأسها بين يدها وتهرول من حولها وكأنها تزفها، تخشب جسدها وهي تحاول الصراخ لداليا الغافلة على السرير المقابل لها، وفجأة انطلق صوتها يستنجد:
_داليـــــا
فتحت عينيها فزعًا، فاستقامت بجلستها وهي تردد بحنقٍ:
_نعمين أنا عارفة اني مش هعرف انام منك النهاردة... في أيه؟
برقت بعينيها للحائط عل الاخيرة ترى نا تراه، فصرخت بنفاذ صبر:
_ما تخلصي عايزة أنام.
اتبعت نظراتها تجاه الحائط فانتفضت بجلستها بفزعٍ وخاصة حينما قامت المرآة بركلها برأسها المحمولة بين ذراعيها، ولكن لم يصيبها شيئًا ملموس، لم يكن سوى اشكالا الكترونية لشريط العرض المتحكم به عمر، هرولت الفتيات للاسفل، خرجت نور على صوت صراخهم، فتساءلت بانزعاجٍ:
_خير يا بت منك ليها!
وجدتهن يهبطن جميعًا للاسفل ومن خلفهم يركض الشبح الحامل لرأسه كالكرة بين يده، كاد بالهبوط من خلفهم ولكنه توقف فور رؤيته نور تحمل وساداتها وتتطلع له باعين ترفض تصديق ما تراه، فرفعت اصبعها تشير للدرج وهي تهمس بصوت شبه مسموع:
_نزلوا.. نزلوا من هنا.
هرع الشبح للاسفل، وترك راسه تدور من خلفه فنادته الاخيرة بشحوبٍ:
_كابتن رأسك وقعت!
وحينما تفهمت مجرى الامور سقطت ارضًا وهي تنادي بصراخ:
_رحمــــــــــة الحقيني يا رحمة... اتصلي بالبوليس بسرعة او بالكهنة في شبح خرج من فيلم هندي ومش عارف يرجع!
خرجت رحمة على صراخها، فوجدتها تزحف ارضًا ومن خلفها تزحف رأسًا بكيس قماشي، التقطت اذنيها صراخ من الاسفل، فطلت برأسها من الدربزاين لتجد الجسد بالاسفل يلاحق باقي الفتيات، استجمعت شتات امرها ثم هرعت مرة واحدة لغرفتها فاغلقتها من الداخل وانطلقت تحرر صرخاتها حتى صمت الاذان..
*******
رفع عمر قدميه على حافة المكتب واسند ظهره للخلف، مستندًا بيده على رقبته، وبتعالي قال:
_راقبوا موبيلاتكم وعدوا من ١ لتلاتة.
وقبل أن ينتهي من جملته انطلقت حفلة جماعية من الرنين المتوسل للاجابة وصراخ الفتيات بالنجدة هو المسموع!!
*******
صف سيارته على جانب الطريق، ثم هبط من سيارته واتجه ليقف قبالة النيل، خلع عدي جاكيت بذلته الانيقة ثم جلس أرضًا على الصخور وعينيه شاردة بالمياه القاتمة من أمامه، ربما كان يفضل البقاء بمفرده على الدوم ولكنه الآن يشعر بأن ثمة شيء ينقصه لا يعلمه هو، المكان كان يعج بالمارة من حوله، حتى الباعة بكافة، تسلل لانفه رائحة الذرة المشوي الذي يعشق تناوله وبالأخص حينما يجلس بذلك المكان، وكأنه يحمل مصباح سري ليجد يدًا ممدودة بالذرة، التفت جواره فتفاجئ بمن يجلس جواره، التقط منه الذرة ثم قال ببسمة غامضة:
_عرفت مكاني ازاي!
......... يتبع......
#الجــارحي5.... #بقلم_آية_محمد_رفعت...
حبيباتي بعتذر لقصر الفصل بس انا قررت اكون مسؤولة عن احتفالية جروبي(ملوك الابداع في الروايات آية محمد رفعت)، وليا الشرف بمشاركة عدد كبير من الكاتبات، وان شاء الله هشارك بقصة قصيرة وبرواية مفاجأة ليكم #أباطرة_الغرام... انتظروا التفاصيل بحبكم في الله واقدر اقولكم ان الفصل ال٢٤ وال٢٥ فيه زلزل قوي هيفهمنا مكنون الجزء الخامس كله... بحبكم في الله ❤
******______********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس.....(#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_الثالث_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سلمى خالد"،"ضحى عمار"،"ابتسام حربي"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
_عرفت مكاني منين؟
سؤال حائر تردد على لسانه، ومازال يراقبه بفضولٍ، فرفع كوز الذرة إليه، ليلتهم جزءً منه وهو يراقب المياه الراكضة من أمامه، متجاهلًا فضول الأخر بمعرفة الاجابة عن سؤاله، فوجوده هنا وبالوقت ذاته يعجز عقله عن التفكير بالأمر، وضع الاسطورة ما بيده جانبه، ثم استدار برأسه تجاهه ليخبره بنبرة ثابتة كتجلي المياه عن ثرثرة ميائها الغائرة:
_شخص دخل وسطنا ميسألش السؤال ده يا عدي!
هز رأسه ببسمةٍ ساخرة، ثم عاد يستقيم بجلسته بجمودٍ، فتابع"رحيم" قائلًا:
_الحالة اللي أنت فيها دي أكدتلي إن كلام مراد صح!
قال وعينيه تراقب الفراغ بجمودٍ:
_حالة أيه؟
رد عليه ومازالت عينيه لا تفارقه، فكادت بالتهامه عن قرب يستطلع به عما أصابه:
_أنت من غير شغلك ميت يا عدي.. قدامي بس روحك مش موجودة.
ورفع يده على كتفيه الأيسر وهو يحثه بكل عاطفة صداقة امتلكها بحقه:
_ارجع.. صدقني ياسين الجارحي بنفسه مش هيعارضك في قرارك وهو شايفك بالحالة دي!
اتسعت تلك البسمة الخافتة، فالتفت ليقابله العين بالعين، وتناطحه كلماته إن شاءت:
_مينفعش يا رحيم.. أنا بمكاني هنا بعيد عنكم وعن الشرطة وعاجز اني أعرف اللي بيدور حواليا.
واسترسل بغصة هاجمته بشراسةٍ:
_مش عارف انا مالي، بحس إن رجال الاعمال اللي اتعاملت معاهم كلهم مجرمين ووراهم كوارث، معرفش ده بسبب شغلي اللي اتعودنا إن الشكوك تكون جزء منه ولا إني خسرت أكون انسان طبيعي!
تفهم ما يمر به جيدًا، فصمت قليلًا يختار كلماته جيدًا، ثم بدأ بالحديث:
_انك تأخد حذرك بالتعامل مع كل اللي حواليك ميزة مش عيب يا عدي، بس لا ده مكانك ولا العالم اللي هتقدر تتكيف فيه.. ارجع وعيش في البيئة اللي انت بقيت جزء منها.
ونهض عن الحجر الضخم، فاستقام الأخير بوقفته حتى بات قبالته، وضع رحيم يده بجيوب جاكيته الأسود، ثم قال بحنكٍ:
_لو كان لينا لقاء تاني مش عايز أشوفك بالشكل ده... أنا واثق انك قادر تواجه والدك وترجع لمكانك.. سبق ليا واتعاملت مع ياسين الجارحي شخصيًا وقدرت أكون فكرة عن شخصيته.
انتبه لكلماته بحرصٍ، فاستطرد الاسطورة قائلًا:
_اصراره انه يدخلك المقر مع ولاد عمك غريب قصده بيه شيء تاني، يمكن عايز يعلمك حاجة أو يبعدك عن أذى وظيفتك المحاوط بيك.. بس حتى السبب ده مش منطقي لانك في دايرة الخطر من اللحظة اللي قبلت بيها بوظيفتك الا لو حس إن الخطر زاد عليك!
أراد أن يرسل إليه رسالة مبطنة، وقد نجح بزرع شكوكه داخل من يستمع إليه بحرصٍ، غادر رحيم وتركه يعيد حسابات حديثه جيدًا عله ينتبه لما يدور من خلفه، اتجه لسيارته السوداء، فما أن اقترب منها حتى أسرع السائق بفتح بابها استقبالًا لسيده، صعد رحيم لسيارته، ثم خلع نظارته القاتمة لتظهر زيتونية عينيه الساحرة، حرر زجاج النافذة رغم برودة الأجواء، ولكنه كان بحاجة للهواء النقي يصل إليه، على رنين هاتفه فتناوله وهو يجيب على مضضٍ بعد رؤية اسم المتصل، ليجده يردد بانفعالٍ:
_عملت اللي في دماغك يا رحيم وروحت لعدي!!
وحينما لم يجد رد من أخيه المتعجرف، فاض بضيقٍ:
_قولتلك والده بنفسه أصر عليا انه ميعرفش حاجة.. أنت مش مدرك ان حياته في خطر!
استمع اليه بجمودٍ تام، حتى انتهى من ذروة غضبه، فقال بصلابة:
_أنا عارف أنا بعمل أيه يا مراد، عدي لازم يأخد احتياطاته ويفوق للي بيحصل حواليه.. ال*** ده هيهاجمه في اقرب وقت وساعتها لا أنا ولا أنت ولا حتى ياسين الجارحي نفسه هيقدر يحميه، هو كفيل انه يحمي نفسه عدي مش ضعيف!!
بغيظٍ دامي ردد:
_رحيم زيدان مستحيل هتدي لنفسك فرصة تسمع اللي حواليك.. قرارك من دماغك مع اني نبهتك يا أخي!
بعنادٍ قال:
_أنا صح.. وبعدين اللي أنا عملته من شوية يخليك تمدح في الاسطورة لسنين جاية قدام.
بفضولٍ تساءل:
_عملت أيه؟
ابتسامة ماكرة تشكلت على طرفي شفتيه المقوسة، فاسترخى بجلسته بخبثٍ تسلل لوجهه رويدًا رويدًا.
******
ساعده بفتح عينيه لشيءٍ هام،ما يحدث حوله ليس طبيعيًا بالمرةٍ، وبالأخص الحادث الذي كاد بقتله هو وابن عمه، تراجع عدي للحجر وهو يحمل كتفه الأيسر بألمٍ مفاجئ اكتسح أعلى كتفه، فحاول أن يحرك ذراعه ولكن الآلآم جعلته كالعاجز، دقيقة كاملة استغرق بها الألم رحلة شاقة حتى انتهت مفعولها سريعًا، ومازال يتفحص كتفه بدهشةٍ وسبب الألم ليس معروف إليه بالمرة، كاد بخلع قميصه ليتفحص جلده بعنايةٍ، ولكن رنين هاتفه برقم رحمة جعله ينشغل عما أراد فعله!
******
بسيارة الاسطورة.
فتح الحاسوب الخاص به، وهو يتابع اشارات التعقب الذي زرعها بكتف عدي دون أن يدرك ذلك، لعبته التي لطالما برع بها وأضافت لاحدى مميزاته، لجئ اليها الآن ليضع تحركات عدي نصب عينيه، حتى يتمكن بالفريق المشكل بقيادته بالقبض على المجرم الهارب من العدالة، ابتسامة الرضا احاطته وهو يراها تعمل بحرفيةٍ ليبدو الآن بأن مهمته بتأمين رفيقه تمت على أكمل وجه!
******
بالمنزل الخاص بالفتيات..
وجد الشباب الباب شبه موصود، فدفعه رائد بقدميه، ثم ولجوا جميعًا للداخل، الهدوء والظلام كان يخيم على المنزل، وكأنه خالي من سكانه المشاغبات، شق صوت جاسم الغبار المتهالك وهو يتساءل بحيرةٍ:
_هما راحوا فين؟
اتاه صوت أحمد الساخر يجيبه:
_تحت التربيزة!
انطلقت النظرات لأسفل الطاولة الخشبية العتيقة، فوجدوهن يترصون أسفلها، يكادون يكتمون أصوات رجفتهن بصعوبةٍ بالغة، رفع عمر ومعتز الغطاء المنسدل على طرفي الطاولة، فصرخن الفتيات رعبًا، وسرعان ما افرغت كلًا منهن ما تحمله بزجاجتها الخاصة في أعين الأشباح المتطفلة عليهن، إلتهبت أعين الشباب فجأة حينما استقبلت وابل الشطة الحارقة، فتراجعوا للخلف وصوت تأوهات خافتة تحيط بمن كان في مقدمة العاصفة القاتلة، فكان عمر، وحازم، ومعتز، وجاسم من أوائل من تعرضوا لتلك الغارة، بينما ظل أحمد وياسين يرقبون ما يحدث باستغرابٍ، اتجه رائد للائحة الكهربائية، فشغل المصابيح، فردد ياسين بغضب:
_اخرجوا وبطلوا شغل العيال ده؟
سماع صوته البشري أفاض بقلوبهن الطمأنينة، فخرجوا خلف بعضهن البعض، ليتأملوا ما أصاب الشباب بصدمةٍ، جذب أحمد زجاجة مياه من البراد وأخذ يسكب على أعينهم بمساعدة رائد، فقال معتز بعصبيةٍ:
_دول لا نافعهم بلطجية ولا أشباح!
بينما صرخ حازم بألم وهو يفرك عينيه:
_آه عيني منكم لله.. حسبنا الله ونعم الوكيل.
نجح جاسم بفتح أحد عينيه، فقال بعتاب يستميلهم لما فعلوه من بطولة مشهودة:
_ده جزائنا اننا جينا على ملى وشنا نطمن عليكم، بتروشنا بالشطة!! ده انتوا لو بتهاجموا طبق كشري مش هتعملوا كده!
شعور الذنب بات مضاعفًا داخل كل فتاة، فوقفن يتأملن أزواجهن بخزيٍ، تفرق جمعهم تاركين رئيسة القيادة عزلاء، واتجهت كل فتاة لزوجها بالمنشفة الورقية، تحاول مساعدته، بينما ظلت نور بمفردها تتأملهم بغيظٍ، فصاحت باندفاعٍ:
_ده مكنش اتفاقنا!
تجاهلها الجميع، فدنا عمر منها ثم قال بسخطٍ:
_منظرك مش لطيف بصراحة!
استهزأ به جاسم:
_ده تمامك يعني! المفروض تاخد موقف قوي بحيث تتراجع عن اشعال الثورات تاني، هي أساس كل البلاوي دي اتعامل على هذا الأساس!
وقف جوارها، ثم همس وهو يشير لها باصبعه:
_عجبك كده... جايبلي الكلام من الكل.. نفسي أعرف بس أنتي كان طموحاتك أيه في الحياة.. لو حابة تعملي حزب سياسي وثورة على نظام الحكم يبقى بره بيت الجارحي مش جواه انتي كده مش هتلحقي تدخلي المعتقل!
جلست على المقعد المجاور لها وعدلت من طرف فستانها الأسود بعنجهيةٍ لحقت نبرتها المتغطرسة:
_أنا مستمرة وهستمر في قمح ظلم الرجال المستبدة اللي زيك وزي ولاد عمك، لحد ما تلجئوا للتوبة الأكيدة وعلى ايدي بإذن الله.
خرج عن رزانته، فكاد بالسقوط بها للخلف وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
_والله محد مستبد غيرك.. اعقلي يا نور وفكك من شبح ريتشارد قلب الأسد اللي ساكن جواكي ده، الشباب لو حطوكي في دماغهم هيكرهوكي في نفسك.. لو عدي فاقلك هيفرمك.
دفعته بقوةٌ للخلف وهي تصيح بانفعالٍ نجح بجرف قدميها اليه:
_عدي مين.. احنا معانا الكنج يا حبيبي، مكالمة واحدة لياسين باشا الجارحي يقعدكم في البيت.
راقب الشباب ما يحدث بضجرٍ وملل ينتابهم حينما يحاول أحدٌ منهم التوصل لحل حيادي مع قوة زعامة النساء داخل نسل الجارحي، فتدخل أحمد بينهما، حينما قال بتريثٍ:
_أيه اللي يراضيكِ يا نور وصدقيني مش هنختلف.
ابتسامة واسعة تسللت على شفتيها، فغمزت بمكر لعمر ومن ثم جذبت المقعد المجاور لها، واتجهت لمنتصف الردهة، وضعته وجلست عليه لتكون قبالتهم، وجذبت ورقة وقلم واخذت تدون أشياء مجهولة زرعت القلق بالنفوس، عما تخطط له، ومن ثم قالت:
_نبدأ بالأكبر سننًا فالأصغر... ومعانا ياسين.
رمش بعينيه بذهوٍ، ومع ذلك بدى ساكنًا بإشارة أحمد المتوسلة له، فتابعت نور قائلة:
_والله يا بشمهندس سجلك نضيف لدرجة إني زعلانه وأنا بناقشك بالشكوة التافهة دي،بس ما علينا..
وتنجنحت وهي تسترسل بصوتٍ خشن:
_ الزوجة تشتكي إنك أحيانًا بتقصر بواجباتك كزوج وإنك بتخرجها كل فين وفين، مع ذكر مميزات كتيرة تخلينا ممكن نتغاضى عن أخطائك.
ردد بصدمة:
_اخطائي!!
أشار له أحمد مجددًا، فرسم ياسين بسمة مصطنعة وهو يخبرها:
_حاضر يا نور، هحاول أخد بالي من النقطة دي.. أي نصايح تانية؟
هزت رأسها بالنفي، وأشارت له وهي تمزق صفحته من دفترها:
_براءة.
وجذبت ورقة أخرى ثم قالت:
_أستاذ احمد.
كبت أحمد ضحكة كادت بالانفلات منه، وقال بثباتٍ:
_خشي في العيوب على طول يا نور، انتي قريبة منهم وهتقدري تسمعي عيوب احنا منعرفهاش عن نفسنا.. فالافادة خيرًا من المؤامرة.
ابتسمت وهي تخبره:
_سجلك أبيض وبورد فوشيا.
وضع يده على موضع قلبه بمرحٍ:
_اللهم لك الحمد.
رفعت القلم تحذره:
_بس عندك ثغرة لازم تاخد بالك منها.
ضحك تلك المرة وهو يخبرها:
_سامعك اتفضلي.
قالت وهي تطوي صفحته:
_اسمع الولية وسامح يا عم.. ده رمضان داخل المسامح كريم وكل سنة وأنت طيب.
وقبل أن يجيبها، فتحت صفحة جديدة وهي تتطلع للشخص المقصود:
_الأخ رائد بقا ما شاء الله كل تاريخه أسود، مفيش حاجة شفعتلك خالص.
أشارت رانيا الى نور لتتوقف عن حديثها هذا، ففضحت أمرها حينما قالت:
_بتشاورلي ليه مهو ضعفك وحبك الزايد ده اللي مخليه شايف نفسه عليكي يا خايبة، لو كنتي مشيتي معايا في جلسات علاجه وعملتي لنفسك قيمة وكاريزما كان زمانه الوقتي بيعض أصابعه ندمًا، لكن من أول يوم بوظتي خططنا وراحة تتكفي على وشك قدامه بوظتي كل شيء!!!
كز رائد على أسنانه فكاد بأن يجيبها بكلماتٍ لازعة، لولا اشارة أحمد المتحكم بانفعالات الجميع، فقال ببسمة ساخطة:
_أوعدك اني هتغير.
مزقت الصفحة وهي تردد بنزقٍ:
_هنشوف ياخويا.. كل شيء هيتكشف ويبان.
ودونت على الصفحة الاخرى قائلة:
_كابتن معتز بقا.
قاطعها بتوعد:
_بلاش أنا يا نور عشان زعلي وحش.
هدرت بغضبٍ:
_على نفسك يا حبيبي قولت انا مسنودة من ياسين الجارحي... وبعدين انتوا محتاجين حد يواجهكم بعيوبكم عشان تفوقوا للجواهر اللي معاكم دول، حياة رجال الأعمال دي متلزمناش انا بحارب عشان الغلابة دول!
تطلعوا تجاه الفتيات بناء على إشارة اصبعها، فوضعت كلا منهن بخاخة الشطة الحارقة من يدها، وتوسدن ملامح البراءة المصطنعة، استرسلت نور قائلة:
_انت يا أخ معتز مش قادر تفرق بين كيان المرأة وبين طقم السكرتارية اللي محدش طايقك فيهم.. الكلام جايلي وأنا في قلب الحدث ومع ذلك مصممة اساعدك تتغير، يبقى تاخد بالك وتلم الجلافي اللي ملهاش صاحب دي وتأخد بالك من الغلبانه اللي قررت تحارب عشان كيونة المرأة.
_أيـه!
تساءل عمر بدهشة، فقالت وهي تمزق صفحته:
_كيان المرأة يا دكتارة روق.
اتجهت أعين عمر لنظرات الشباب المتوعدة له ولزوجته، فقال بخوفٍ:
_مستعد أطلق!
رددت نور بصوتٍ عالي:
_أستاذ جاسم.
أجابها بنفورٍ:
_مش موجود.
تجاهلت ما قال وأخذت تدون وهي تردد بصوت مرتفع:
_انعدام المسؤولية.
جحظت عينيه بصدمةٍ، فاسترسلت:
_مينفعش ترمي مسؤولية البيبي على مراتك طول الوقت، دي بنت ناس اتجوزتك واتشاركتوا معًا في عملية الانجاب كونك تخلع من مسؤوليتك بعد كده يخليك أب غير مسؤول بالمرة.
أمسك جاسم معصمه، حينما شعر بأنه على وشك مهاجمتها في الحال، وهمس إليه:
_عدي المركب تمشي.. دي الريسة يا باشا.
ابتلع ما تردد على لسانه وقال بهدوءٍ زائف:
_ماشي يا نور.. هاخد بالي حاضر.
مزقت الصفحة من أمامها، ثم دونت الأسم التالي وهي تردد بضجر:
_حازم باشا انت صفحة واحدة لا تكفي العيوب اللي قدامي، أنت عايز مجلد يمتد إلى ما لا نهاية، أنا حقيقي والله مكسوفالك، بكبورت شكاوي تم لصقه في صفحة شكواك لدرجة اني عاجزة اعاتبك عن أيه ولا أيه.
برق بعينيه، فوزع نظراته بينها وبين زوجته التي تناطحه النظرات بكل برود، وكأنها لا تهرب من فعلتها، فتحرر لسانه عن لجام تحكمه:
_كل ده شكاوي ليه يا بنتي هو القسم قصر معاكي في أيه؟ اطلعي واعمليلي بلاغ اني متحرش بالمرة!
أغلقت نور الدفتر ثم قالت:
_احنا هنا مش للخناق يا حضرت احنا هنا عشان نحل المشاكل بالعقل والرقي.
لوى فمه بسخطٍ:
_رقي! هو لو في رقي هيبقى في المهزلة دي.
وشكك بمصدقيتها حينما طعنها بسؤالٍ فضح نواياها:
_طب وفين استاذ عمر من المجلدات والسيدهات دي! حالًا اطلعيلي بصفحته!
بسمة شبه ساخرة ارتسمت على معالمها، واتبعها نبرتها الساخطة:
_تفتكر انا محتاجة اعمل مجلد.. أنا بتناقش معاه أول بأول لكن انتوا اللي حسيت اني قصرت في التحقيقات شوية بسبب انشغالي بالحمل والولادة والامور اللي أنا في غنى عنها.
كاد باستمرار المعركة بينهما، فقاطعهما أحمد:
_حازم خلاص..
واستدار تجاهها ثم قال بجدية تامة:
_نور أنا عارف إنك قريبة من البنات أوي، وبعترف اننا كلنا قصرنا بالفترة الاخيرة، عايزك تعرفي اننا مش مضايقين من مساندتك للبنات، بس ياريت كمان توضيحي ليهم انهم كمان غلطنين زيهم زينا.. الغلط عمره ما كان عيب، العيب اننا منعترفش بيه أو نرمي مسؤوليته على الطرف التاني.
ردت عليه قائلة:
_هم خدوا نصيبهم.. ثم اني مبقولش شيء مش باين لينا كلنا.. مشاكلكم يا محترمين مسمعة للقصر كله حتى رحمة الملاك اللي محدش كان بيعرف عنها حاجة انضمت للحزب.
وتساءلت بتركيزٍ:
_هي فين رحمة صحيح؟
اجابتها آسيل:
_طلعت من أول ما النور رجع.
هزت رأسها بخفوت، ثم اغلقت الدفتر وهي تتابع بمرحٍ قصدته من البداية:
_عمومًا اعتبروا ان الدفتر اتقفل ومش هيوصل للباشا الكبير، بس بعد كده انا بنفسي هاخد توقعيه بعد استلام الشكاوي.. وده لاني جدعة وأخت عظيمة.
ناطحها حازم بغيظ:
_أخت عظيمة أوي بصراحة.. انتي شاطرة بس كل سنتين تقومي علينا الحزب وآ..
ضمه رائد اليه وهو يغمز له:
_ما خلاص يا حازم بتقولك هنفتح صفحة جديدة.
رددت نسرين بغضب:
_سيبه يتكلم ويقول اللي عنده.. مهو الموضوع مش على هواه!
تدخلت داليا قائلة:
_خلاص يا نسرين نبدأ صفحة جديدة وربنا يستر وتفضل بيضة.
دنت رانيا منهما ثم قالت:
_ان شاء الله هتفضل بيضة يا بنات.. وبعدين انتوا من شوية اول ما لجئتوا لجئتوا لمين؟!
عم السكون بينهن الى أن قالت شروق:
_يبقى لو كلامهم صح وفتحنا صفحة جديدة يبقى نشتغل كلنا مع بعض وخصوصا بالعرض اللي عمي طالبه.
أجابها رائد:
_مفيش مشكلة.
تطلع كلا منهن للاخرى، ثم رددوا معًا:
_واحنا كمان معندناش مشاكل.
******
أخر لقاء جمعهما كان محبطًا للغاية، عبروا لمنتصف الطريق به وتركوا قلوبهما من خلفهما معلقة، تمنت لو تمكنت من رؤياه بالمقر، عساها تحظى بلقائه، تخشى أن تكون تسببت كلماتها بوجعٍ يزيد ألمه ألمًا، وربما ازدادت تلك الآلام بداخلها هي فعنفتها بقسوةٍ لما تفوهت به، كل ما تريده الآن أن يضمها إليه، ويخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام، فحاولت الإتصال به مرارًا، وفي كل مرة لم يجيبها كانت تشعر بغصة تذبح صدرها، فأرسلت إليه رسالة قصيرة، تطالبه بالقدوم لرؤيتها فهي ليست بخير، لجأت لأخر طريقة تعلم بأنها لربما ستجدي نفعًا معه، عشقه الجنوني إليها سيجعله يعبر البحور السبع إن تطلب الأمر لذلك، وقد كان لامنيتها التحقق بسماع بوق سيارته، تمهلت بخطاها وضربات قلبها تعلو بعنفٍ، فشعرت بأنها لن تستحمل التحمل على قدميها لأكثر من ذلك، جلست رحمة على الأريكة المقابلة لباب الغرفة، عينيها متعلقة بمقبض الباب بلهفةٍ تسبقها إليه، دقائق طعنت وحدتها رغم تأكدها بأنه هنا، رغم رؤيتها لسيارته بنفسها، رغم سماع صوته بالأسفل يسأل عنها، رغم كل شيء مازالت لا تحتمل تصديق وجوده هنا_لجوارها_ فُتح باب الغرفة، وعينيها التي تلامس أرضية الغرفة ترى حذائه اللامع بوضوحٍ، انتقلت ببطءٍ لتغدو قبالة عسلية عينيه المضطربة، ولسانه يتحرر لينطق بقلقٍ:
_انتي كويسة؟
انصهرت مشاعرها المتجمدة، ورددت بخفوتٍ:
_عدي!
أغلق الباب من خلفه، وهرع إليها، تخشبها بمقعدها جعله يتفحصها بعنايةٍ وهو يتساءل:
_قادرة تتحركي؟!
هزت رأسها وهي لا تعلم إن كانت تؤكد له أم تنفي، وجوده لجوارها هنا يربكها فحسب، أمسكت رحمة يده تستند عليها حتى استقامت بوقفتها وانطوت داخل ذراعيه تبكي وهي تردد بحزنٍ شديد:
_أنا حاسة انك لسه زعلان من الكلام اللي قولته، أنا بالغت في كلامي عنك يا عدي.. متزعلش مني أنا غلطت.
طالبته بالاحتواء ووجدته يرحب بها بحبٍ، حاوطها بذراعيه، ومال برأسه عليها، فعاتبها بإستنكارٍ لحالتها تلك:
_سبق واتكلمنا عن الحوار ده يا رحمة وقولتلك اني مش زعلان.. أنا مبسوط إنك ماشية كويس على خطوات علاجك.
اندهشت من حديثه، فابعدها عنه ثم ذهب بها للجلوس على الأريكة، فأبعد عن شعرها حجابها المنفرد، ثم تمعن بالتطلع لحدقتيها قبل أن يخبرها ببسمةٍ زرعت البهجة داخلها:
_أنا كنت بحاول أكون مختلف في علاقتي معاكِ بعيد عن عصبيتي وتهوري الغبي بس الظاهر إني فشلت، ومواجهتك ليا هو السلمة اللي هتتعالجي منها واللي هتكون بداية اني أفوق وأخد بالي من تصرفاتي كويس.
واسترسل بصرامة مخادعة بعدما استجمع طرق علاجها كاملًا:
_ثم انك هتسيبي شغلك والعرض اللي وراكي وهتقعدي تفكري فيا ولا أيه؟ لا كده مش هينفع لو ياسين الجارحي شم خبر هيقعدك في البيت تاني!
ابتسمت وهي تجيبه:
_جاهزة اقعد في البيت وفي الحبس نفسه لو أنت راضي عني ومش زعلان.
سكن الحزن عينيه وهو يرى عشقها يعمي عينيها عن أي شيء حولها، العالم بالنسبة اليها لا يتشكل من غيره، هو وكفى، وليذهب العالم بأكمله للجحيم، تمددت رحمة على الأريكة، واضعة رأسها فوق ساقه، فعبث بخصلات شعرها الطويل حتى غفت تمامًا، فرفض تركها تلك المرة، وحملها للفراش الصغير الذي يتوسط الغرفة، تمدد لجوارها وهو يضمها اليه ربما لأنه هو الذي بحاجة لها على عكس ظنونها باحتياجها الدائم لوجوده وحنانه الدافئ!
*******
انتهى رائد وجاسم من صنع أكثر من خيمة، بعدما قام عمر ومعتز بعزل الأساس بغرفة منعزلة بالأسفل، فحسبة الغرف كانت ضئيلة بالنسبة لعددهم، لذا لجئوا لهذا الحل البديل، ليقضي كل منهم ليله بصحبة زوجته، فكان اختيار الأربع غرف ينطبق لحازم ومعتز، لحصول زوجتهم الحوامل على الراحة، ولياسين لأن مليكة مازالت لم تتعافى بشكلٍ كلي، وبالطبع كان الخيار الرابع لعدي دون سماعه لترشيحات أحدٌ، انتهى الشباب من صنع ما بدأوا به، فراقبهم عمر بضيقٍ اتبع نبرته:
_شباب اللي عنده رومايتزم ولا أي مرض عضوي يروح ينام في فرشته بدل نومة الأرض دي الله يكرمكم العملية مش ناقصة خنقة ولا جري وش الفجر!
منحه كلا منهم نظرة ساخطة قبل ان ينحنوا لخيمتهم ليظل بالردهةٍ بمفرده!
*****
بالأعلى وبالأخص بالغرفة الخاصة بمليكة..
كان يحمل صغيرته بحنانٍ، يقتطف القبلات على خديها الناعم، انزعجت الصغيرة من لحيته النابتة، فابتسم وهو يراقب انفعالات وجهها بحبٍ، وضعها ياسين على الفراش مجددًا، ثم استعد للتمدد جوارها، فأخذ يهددها بطبطبة يده، وتسلل اليه ضحكة خافتة، جعلته يستدير فوجد مليكة تراقبه، فدنت حتى تمددت قبالتهما ثم قالت ساخرة:
_حبيبي انت بتبذل مجهود يحترم بس البنت نايمة من ساعتين!!
وزع نظراته بينها وبين الصغيرة، فابتسم وهو يخبرها:
_صح.
وحملها بين يده ثم وضعها بفراشها الهزاز، وعاد ليتمدد قبالتها، حيث احتلت حرف الفراش وهو يجلس بمقدمته، وكلا منهما يواجه الاخر، انتظر ياسين فرصة جلوسهما بمفردهما ليخبرها ما يشغله، فقال بمكرٍ:
_أنا شايفك بقيتي ما شاء الله افضل من الأول كتير ومع ذلك مجتيش المقر مع البنات ولا مرة!
بدى الارتباك يغلب وجهها الصافي، فقالت بتلعثمٍ:
_بصراحه يا ياسين مش حابة أنزل معاهم.
اعتدل بجلسته وهو يسألها باهتمامٍ:
_ليه يا حبيبتي.. حد ضايقك؟!
اجابته سريعًا:
_لا خالص.. بس مش حابة المبدأ نفسه، أنا عايزة أكون جنب يحيى وملاك مش عايزة أقصر معاهم بشيء.. وشغلي هيجبرني أقصر.
ارتخت معالمه المشدودة وقال بتفهمٍ:
_فاهم بتفكري في أيه، بس ده مش مبرر يا مليكة لازم تحافظي على كيانك، مش عايزك تنسي نفسك ولا تركني شهاداتك لمجرد انك تكوني أم ناجحة!
واسترسل ما بداه قائلًا:
_ولو على المسؤولية فأنا كمان ليا واجبات زيك بالظبط، مينفعش أشيل ايدي منها.. تربية الاولاد عليا وعليكي، وليكي عليا يا ستي لما تنزلي تشتغلي معانا هروحك بدري ساعتين تلاته بحيث متحسيش بالتقصير مع إن وجود ماما وطنط آية مش هيخلق أي نوع من التقصير بس لو هيريحك فانا معنديش مشاكل نهائي.
تسللت الراحة اليها، فنمت عن ابتسامتها الرقيقة، دنت منه وهي تخبره ببسمتها الفتاكة:
_أنا مش بحبك من قليل.
منحها ضحكة هادئة، وبادلها القرب منها بكلامه المعسول:
_حبي ليكِ صعب يتوصف يا ملاكي.
********
أغلق أحمد الستار القماشي جيدًا، ثم زحف ليتمدد أرضًا بصمتٍ تام، فاجئ به آسيل، فلحقت به حتى باتت ملصقة به لضيق خيمتهما المؤقتة، تمددت جواره وأغلقت عينيها مدعية انغماسها بالنومٍ، وما مر عليها سوى دقائق بسيطة حتى زفرت بمللٍ وهي تردد بشكٍ:
_أحمد هو أنت لسه زعلان مني!
وضع يده أعلى جبينه، وأغلق عينيه بهدوءٍ تام، جعلها تنحني بجسدها تجاهه فطرقت بيدها على صدره وهي تناديه:
_أحمد.
أحاط بها فجأة، ففتح عينيه وهو يشير لها بالصمت، هامسًا بمزحٍ:
_بيفصلنا عنهم حتة قماش.. صوتك!!
فهمت مقصده بعد وقت من التفكيرٍ، فطرقت بيدها على جبينها بحرجٍ، وانفجرت ضاحكة فكمم يدها وهي يردد بمرح:
_أخوكي في الخيمة اللي جنبنا!
******
جلس رائد وزوجته، وجاسم في انزعاج داخل الخيم البائسة التي تقع خيمة عمر منتصفهما، فكانت صوت المشاجرة لا يعلو عليه شيء، وخاصة صوت نور كان يتردد بأنحاء الردهة بأكملها وخاصة حينما صاحت به:
_بتحاسبني على أيه يا عمر.. ولاد عمك افتروا على خلق الله.. أنت لما تقعد مع البنات وتسمع منهم قلبك هيرق.
صاح بها بانفعال تام:
_مينفعش تتدخلي بينهم يا نور.. انتي بتفضحي أسرارهم يا بنتي! لو واحدة قالتلك كلمتين تعرفي جوزها باللي قالته؟
أشارت باعتراض:
_لا في فرق.. اللي حصل قدامنا كلنا نعرفه مش شيء خاص.. وبعدين أنا كل اللي بعمله ده عشانهم والله.. بصراحة يا عمر حاسة إن ولاد عمك بياكلوا بعقول البنات..عكسي تماما معايا شخص بيقدر النعمة وعمره ما جيه عليا.
كز على أسنانه بغيظ وأهدر من وسط اصطكاك أسنانه:
_يا مغرورة هانم.. انزلي على الأرض وبطلي تخلقي مشاكل بين العالم انا معرفش هما مستحملينك ومتقبلين عمايلك المنيلة دي.. واخده عليهم زلة!
قالت بعنجهيةٍ:
_لا هما عارفين اني بلطف ليهم الاجواء مع البنات بس بعد ما يعترفوا بغلطتهم.
خرج عن رزانته:
_نـور.. ابعدي عن المشاكل ودور ناشطة حقوق المرآة دي عشان هتزعلي من تصرفاتي صدقيني!
خرج رائد من خيمته، فحاول ان يطرق على قماش خيمتهم، فوجد جاسم يزحف جواره وهو يشير له بالحذاء الملقي لجواره ساخرًا:
_اضرب فردتين ببعض عشان تعلن وجودك.
منحه نظرة صارمة، فتابع بسخط:
_اضرب خلينا ننام في الليلة ال** دي.
انصاع اليه وأخذ بصدر صوتًا يجذبهما لوجوده، ومن ثم قال:
_يا عمر احنا مسامحينها ومدينلها الأذن تتدخل وتحل بينا، من فضلك ما تتدخلش بينا وسيب نور ترتاح وتريحني من الصداع ده.. ورانا شغل بكره.
واستشهد جاسم:
_نور بتسعى لنشأ امبراطورية جوه الامبراطورية ومدام معاها اذن الباشا الكبير يبقى ازاي أنت هتعترض، نام واسكت يا عمر العملية مش ناقصة!
وعاد كلا منهما لخيمته ظنًا من أنهم سيحظون بنومة هنيئة بعد محاولات فض النزاع، وشتان بين ذلك انطلق النزاع تلك المرة بينهما حتى سقطت خيمتهم بصحبة الخيم بأكملها!
******
كان صباح هذا اليوم ينتظره الجميع بصبرٍ كبير، للخلاص من نومةٍ لم تكن مريحة بالمرة، كُلف معتز وحازم بشراء طعام الافطار، فما كان منهما بالاستعداد للخروج، ففتحوا الباب ليغادروا معًا، تراجع حازم للخلف بفزعٍ حينما وجد عثمان يقف قبالته يحمل العديد من الأكياس البلاستيكة بثبات فزع من يقف قبالته، وكأنه رأى شبحًا يطالعه بثباتٍ، فقال برعبٍ:
_في أيه يا عم على الصبح؟!
قدم لهم الأكياس وهو يجيبه:
_الباشا بعتني بالفطار ده.
تناول منه الأكياس وهو يشير له بارتباكٍ:
_طب انصرف انصرف.
حمل عنه معتز بعض الأكياس ثم وضعها فوق الطاولة الخشبية، وعقله شارد بصورة كانت ملحوظة لرائد الذي دنى منه وهو يردد بنومٍ:
_مالك مش على بعضك ليه؟
أجابه وهو يشير على الأكياس:
_عمي ياسين بعتلنا فطار.. وواضح من حجم الأكل انه عارف بوجودنا هنا!
تثاءب أحمد وهو يستقيم بوقفته بنومٍ:
_يعني تفتكر إنه ميعرفش حاجة زي كده!
وأشار لهم وهو يتناول أحد ثمار التفاح الأحمر:
_وزعوا الأكياس واستعدوا عشان هنتحرك.
****
لأول مرة منذ بدأ عملهن بالمقر تأتي كل فتاة بصحبة زوجها، توقفت السيارات بالچراج الخاص بالمقر، وتوفدوا تباعًا للطابق المخصص للشباب حيث اجتمعوا جميعًا بمكتب واحد، فنقل الشباب بنفسهم المكاتب للأسفل باستخدام المصعد، عملوا معًا كفريق جماعي لايجاد معطيات مثالية للعرض المؤكل الفتيات به، وخاصة بعد أن تم قبول عرض عدي، فجلست الفتيات تراجعن العقود جيدًا، وكلا منهن تحاول وضع مقترحاتها لأجل انشاء العرض، انشغلت رحمة بتدقيق جزء خاص بالملف الذي تحمله، فقالت بعد تردد بدى عليها، وكأنه يلجم لسانها عن الحديث بالأمر، بداخلها صوتًا غريبًا يخبرها بأن النقطة التي ستتحدث بها ليست هامه بالمرة، ربما ستحرج ذاتها بالحديث عنها، ولكن لا تعلم لما قالت ببعض الحرج:
_هو ليه كل العمال اللي في المصانع رجالة؟
انتبه الجميع اليها، فترك الشباب مجلسهم البعيد عنهم بقليل، واقتربوا ليجلسون على الطاولة الضخمة المحاطة بعدد ضخم من المقاعد، كقاعة الاجتماعات، فأجابها احمد قائلًا:
_لأن الشغل في المجال ده صعب أوي يا رحمة.
أضاف رائد قائلًا:
_هو مش من مبدأ التفرقة بس كمان المصانع على الطريق الصحراوي أعتقد مفيش ستات هتقدر تروح المشوار ده كل يوم وترجع!
واستطرد جاسم:
_أنا نفسي روحت هناك قبل كده المشوار بعيد وصعب.. بس في نفس المكان مكانه مثالي عشان الادخنة اللي ممكن تسبب مخلفة لو اتعاملت بمنطقة فيها ناس.
هزت رحمة رأسها وحاولت اقناع ذاتها، فقالت بعدم اقتناع:
_نقدر نعمل كده بدون ما ننقل مكان المصانع، لو وفرنا وسيلة مواصلات ثابتة ليهم وظبطنا المواعيد ومرتبات كويسة أيه اللي هيمنعهم من إن يكون ليهم تواجد جوه المصانع..
واستكملت بتردد:
_أي مكان مفيش فيه لمسة للست جواه بيبقى شبه السجن.. يعني أكيد المصنع مش أنضف حاجة حتى لو عمال النضافة شغالين فيه ليل نهار.. يمكن وجودهم اضافة كبيرة.. حتى لو هنعملهم فرع ومكان مخصص ليهم.. متنسوش أن في ستات كتيرة مطلقة ومحتاجة للشغل ده ويمكن كمان احتياجهم للمسكن يخلينا نعملهم مكان جوه المصنع للسكن وده اختياري، لو واحدة حابة ترجع بيتها وترجع تاني مفيش مشكلة.
الصمت أطبق عليهم جميعًا، والفكرة تتراقص بعقولهم، ابتسم لها عدي ثم قال:
_ياسين نفذ فكرة رحمة عملي.. ده هيقوي من فكرة العرض خاصة لو نتيجتها ونجاحها ملموس على الواقع.
وفتح محفظته الجلدية ثم اخرج منها الفيزا الخاصة به قائلًا:
_انا اللي همول المشروع ده بنفسي.
أخرج عمر الفيزا الخاصة به قائلًا:
_المشروع ضخم وهيحتاج سيولة كبيرة.. أنا معاك في تنفيذه.
نهض احمد ليضع خاصته هو الأخر قائلًا بمشاكسة:
_الموضوع محتاج مجازفة.. بس كرجل أعمال المجازفة جزء من شغلي.
اتبعه رائد ومعتز وحازم وكذلك ياسين وضع الفيزا الخاصة به مثلهم جميعًا وهو يردد بفخر:
_رغم إن سكونك مكنش مبشر بالبداية بس ابهرتيني يا رحمة.. حقيقي براڤو مشروع زي ده هيفتح بيوت ناس كتيرة أوي.. خاصة إن زي ما قولتي في جزء كبير من السيدات المطلقات واللي محتاجة لشغل ومسكن فعلا.
ابتسمت بامتنان وعينيها لا تفارق أعين أول من كان الداعم لها... زوجها وشريكها في كل نبضة امتلكتها يومًا.
******
ومن خلف الزجاج الشفاف المعاكس لما يحدث بالداخل، كان يراقبهم بنظرة ثاقبة، نادرًا ما تعكس خفياها، ومن جواره رفيق دربه يشاهد بعينيه عظمة جني ثمار تعب ياسين الجارحي بما فعله، فقال يحيى بفخرٍ:
_مكنتش قادر أفهمك بالبداية يا ياسين.. دلوقتي فهمتك!
................ يتبع.........
#أحفاد_الجارحي5..... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
بنات الاردن الحبيب 🇯🇴 هتلاقوا رواياتي الورقية في المعرض مع ابداع للترجمة والنشر..
التفاصيل 👇🏻
باقي من الزمن 5 أيام على لقائنا بجمهورنا الحبيب في الأردن الشقيقة...
نلتقيكم يوم 21 سبتمبر في جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع في #معرض_عمان_الدولي_للكتاب_2023 في الفترة من 21 حتى 30 سبتمبر 2023
********
مكان المعرض: أرض معرض عمان الدولي للسيارات في طريق المطار في عمان الأردن.
********
رقم الجناح D33
********
مواعيد المعرض من 10 ص من يوم 21 سبتمبر حتى 30 سبتمبر
********
للتواصل في عمان
واتساب الرقم 00201001631173 - 00201004022774
*****________*****
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس..(#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_الرابع_والعشرون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "منى وجيه"،"رشا السعودي"،"سها منصور"،"علياء اسماعيل"،"هبة السيد"،"علا عاطف" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
انتصارًا جديدًا يحققه اليوم، ويشهد على مجهوداته رفيق دربه، الذي يتابع اتحاد الشباب لمساندة أزواجهن، وبالأخص رحمة، استقام ياسين بوقفته ورفع الريموت الإلكتروني ليغلق شاشته المرئية التي تفصله عنهم، ثم اتجه بخطاه المتهدجة لمقعد مكتبه الرئيسي، ليلحق به يحيى، الذي تهاوى على طرف لسانه الكثير من الكلماتٍ التي تهاجم قوله في تلك اللحظة، حانت منه نظرة جانبيه فقال بثباتٍ:
_اتكلم يا يحيى.. أنا عارفك مش هتسكت عن اللي حابب تقوله.. اتفضل سامعك.
لم يفقد يومًا بسمته التي تنير وجهه البشوش، حتى وإن كان في أسوء حالاته، رسمها تلك المرة بفرحةٍ حقيقية، وقال ليستعطف قلب رفيقه:
_ياسين أنت شوفت بنفسك عدي نجح يعمل أيه مع الشباب، يعني فعلا قدرت تغيره، أو على الأقل تبرز الشيء اللي جواه ليهم وبقوا فاهمينه أكتر.
استند بذقنه على كفه وهو يشير إليه:
_متلفش وتدور يا يحيى.. عايز تقول أيه؟
استجمع قوته ليخبره بشيءٍ قد يزعجه:
_رجع عدى لشغله.. بلاش تظلمه وتبعده عن الطريق اللي مشى أغلبه.. بلاش تحرمه من حلمه يا ياسين.
وأسرع ليغلق عليه مساره:
_عارف إن مهاب ال*** ده حطه في دماغه وعايز يأذيه وانه متحالف مع أمجد السلاموني.. بس اللي واثق منه انك زي ما قدرت تحميه وهو في وش الكلب ده قادر تحميه في وكر الشياطين نفسه.
التقط نفسًا مطولًا يفرغ به ما يكتمه داخل قلبه الذي يئن لوعة قلق لما قادم، فقال بصلابة مازال يلجئ لها مثلما يفعل كل مرةٍ:
_اللي فات كوم واللي جاي كوم تاني يا يحيى، بمجرد ما نكسب المناقصة دي هتبتدي الحرب.
اجابه برده القاطع:
_وليه نبدأها.. ننسحب منها لو ده هيعرض حد من الاولاد للخطر!!
غامت عينيه بغموضٍ تام وهو يخبره:
_عشان القلق ده ينتهي لازم الحرب.. ومفيش اختيار غير الانتصار.. مش هسمح لل*** ده يمس شعرة من ابني طول ما أنا حي، يتخطاني الأول قبل ما يأذيه!
*******
من اللحظة التي تبنى بها الشباب الفكرة التي قدمتها رحمة وبات العمل عليها يُقام على قدمٍ وساق، تكاتف الشباب لبناء مصنع متكامل في زمن قياسي، فازداد عدد العمال وكأنهم خلية نحل نشطة تسعى لخلق عشهم بعنايةٍ، والجدير بالذكر تواجد الشباب معهم باستمرار، في حين مباشرة عدي وياسين والفتيات ادارة المقر بمفردهم، ويخص أحمد وعمر بالاشراف على مشروع رحمة، بينما وُكل معتز وجاسم بالتحالف مع مجموعة من سائقين الحوافل، لإيصال العمال بالأوقات المناسبة لساعةٍ العمل، أما رائد وحازم كانت مهمتهم استقطاب النساء الأنسب لهذا العمل، من حيث احتياجهم للمال بشكلٍ شهري، نجحوا في اتمام عرضًا متكاملًا تم تنفيذه على أرض الواقع ولأول مرة، فكان اقتراح عدي بالتنفيذ السريع يخدم قوة عرض رحمة الذي نُفذ عمليًا، وفي تلك الفترة كان عدي وياسين يحاولان مساعدة الفتيات وبالأخص رحمة ومليكة التي لم يسبق لها العمل معهن من قبل..
الايام مضت سريعًا وخلالها حققوا الشباب نجاحهم الخاص بسعيهم واجتهادهم، واليوم هو المميز إليهم على الاطلاق، اليوم سيكون لهم الزعامة على رجال الأعمال بأكملهم، ينقصهم تقديم العروض الموثوق بها فحسب، ولهذا توافد جميع رجال أعمال الشرق الأوسط لحضور مناقصة الأهم بتاريخ الصناعة، والتي يعد رابحها محظوظ للغاية، اجتمعوا بصالة ضخمة يعد مساحتها 20,000متر مربع، تقسم المساحة داخلها كالدرج العملاق، كل درجة تحمل ملفوف من المكاتب الفخمة، وأمام كل مكتب ميكرفون باهظ الثمن، وكوب من القهوة والمياه الباردة، وبعض المناديل الورقية، كانت تحوي حوالي أربعون درجة عريضة، كل درجة تحتوي على ثمانية عشر مكتب يصطف جوار بعضهم البعض، وكان الصف الأول لياسين الجارحي، ويحيى، رعد، عز، حمزة، أدهم،ومجموعة من رجال الأعمال فارهي السلطة والثراء، وبالصف الذي يليه كان يخص الشباب، أما الفتيات اختار لهم أحمد أخر صف حتى لا يكونوا محاط الأنظار، بدأت المناقصة بترحيب احد الاتراك بجميع لغات العالم، ومن ثم أخذ بالحديث مباشرة اعتمادًا على ما يضعوه رجال الأعمال من سماعة تترجم لهم لغته التركية، ومن أوائل رجال الاعمال الذين تم ذكرهم كان ياسين الجارحي وامبراطوريته التي تستحق الثناء، اكتفى "ياسين الجارحي" بهز رأسه بإيماءة بسيطة تتقبل تقديره اليه، في حين أن عينيه لا تفارق الباب الرئيسي للقاعة، كان من الغريب عدم حضور مهاب، وذلك ما أكد له ظنونه، مال عليه يحيى وهمس:
_لو مجاش يبقى كلامك صح يا ياسين، هيخاف ان مصطفى يكون اعترف بحاجة.
ابتسامة شبه ساخرة ارتسمت على شفتيه وهو يردد:
_أكيد بعت حد ينوب عنه بتوكيل.
مر على الاجتماع الضخم ثلاث ساعات كاملة، يقوم بها رجال الأعمال بتقديم عروضهم، إلى أن أتى دور شركة مهاب أبو العزم، وقد لاقت ظنون ياسين محلها،حيث صعد على المنصة فؤاد الذي تابع بتوتر من هيبة هذا الرجل الذي يحاوطه بعينيه:
_بالتوكيل ده هكون نائب عن الباشا مهاب أبو العزم.
وبدأ بتقديم عرضه الذي أعجب أغلب رجال الأعمال،حتى المسؤولون عن المنصة وصالة العرض، أخذ ما يقرب الثلاثون دقيقة لتقديم العرض الشبه مثالي للجميع منذ أن بدأ رجال الأعمال بتقديم عروضهم، ومع ذلك لم يهتز رمش لفردٍ من عائلة الجارحي، إلى أن أتى الدور على شركات الجارحي الأخير بناء على طلب ياسين أن تظل شركاته للعرض النهائي، فصعد أحمد للمنصة وهو يعدل من جرفاته الأسود التابع للحلى الأسود الآنيق، وبدأ بحديث اللغة الانجليزية قائلًا بثقةٍ:
_أرحب بالسادة الحضور، اليوم يجتمع كبار رجال الشرق الأوسط ولأول مرة، فالحدث اليوم مميز للغاية، ويسعدني أن تتواجد شركات الجارحي معكم اليوم بعرضين.
تعالت الهمسات بين الحضور، فاحتمالية مشاركة الشركة بعرض واحد فقط، كيف سيشارك بعرضين!
ابتسامة ماكرة تشكلت على فم ياسين، وهو يتابع ما أحدثه أحمد من قلقٍ وعلامات استفهمام فضولية، فاخفض رأسه باشارة جعلت أحمد يتابع حديثه وبسمة الخبث لا تغادره:
_العرض الأول تابع لشركة السيد ياسين الجارحي والسيد يحيى الجارحي وشركائه، والعرض الثاني خاص لشركة مؤسسها السيدة مليكة الجارحي، والسيدة آسيل الجارحي وشركائهن.
وابتسم وهو يسترسل بمرحٍ:
_لن يطول حديثنا بالكشف عن أسماء الشركاء لذا فلتعلموا أن جميع افراد عائلة الجارحي تدير الشركات، والآن فلنقدم عرضنا الأول إليكم.
صعد عمر للمنصة، وبدأ بشرح عرض عدي بجدارةٍ، والانبهار يثقل الأَذْهَانٌ، فلم يحتاج أحدٌ لتخمين من الرابح اليوم، من المؤكد فوزهم بالعرض الأول، ويتبقى فرصة واحدة لاحدهم ليفوز عرضه بالعرض الثاني، ولكن مفاجآتهم كانت مربكة للجميع، وخاصة حينما صعد ياسين المنصة ليعلن عن العرض الثاني فقال:
_العرض الثاني مقدم بإسم مؤسس الشركة "مليكة الجارحي"، وستنوب السيدة" رحمة الجارحي" بشرح عرضها بنفسها، والجدير بالذكر بأنه ولأول مرة يقدم عرض سبق تقدميه فعليًا على أرض الواقع، وقد حقق بالفعل نجاحًا في مصر، سنكتشف المزيد بالعرض الفعلي.
واسترسل وعينيه تجوب الصفوف ليتحدث بالعربية:
_رحمة اتفضلي قدمي عرضك بنفسك.
جحظت عينيها في صدمةٍ غير متوقعة وهي تستمع لياسين يرشحها لتنوب شرح عرصها بنفسها بناء على طلب "ياسين الجارحي" منه، فقد أخبره سابقًا، أن يجعلها هي من تقدم العرض أمام كبار رجال الأعمال، اتجهت جميع الأعين إليها، فشحب وجهها المتعرق وهي تتمسك بنور التي تدفعها بدهشةٍ:
_يلا يا رحمة، قومي الناس بتبص علينا!
تمسكت بها بكلتا يديها، وهمست بارتجافٍ:
_لا مش عايزة أطلع.. أنا عايزة أرجع القصر.
تعالت الصفقات المحمسة لها والجميع ينتظر لحظة صعودها للمنصة الرئيسية المقابلة للجمع الغفير، وعلى رأسهم بالصف الأول ياسين الجارحي، شعر ياسين بالحرج وهو يناديها للمرة الثانية،ففشل بفهم ما تواجهه بالخلف، فانحنى أحمد تجاه الميكرفون وقال بصوته الرخيم:
_اتفضلي على الاستيدج من فضلك يا رحمة.
انطلقت الهمسات الجانبية مجددًا بين كبار رجال الاعمال، وتلك المرة تدين اختيارهم الغير موفق لتلك الفتاة، فاصابهم الهدوء بعد احداث العرض الأول لقلقٍ صريح زعزع النفوس، وأغلبهم يهمس بأنه من المستحيل لتلك الفتاة الخجولة بوضع عرضًا قد يثير اهتمام أحدٌ ، انطلقت الاحاديث الهامسة بين الصفوف، ومن بينهم عدي المذهول مما يحدث، وفجأة انقطع الهمس مع هبوط رحمة بصحبة نور التي تتعلق بها بخوف هزم قلب عدي وجبروته المصون، صعدت رحمة الدرج القصير المؤدي للمنصة التي يحتلها ياسين وأحمد مقدمي عرض الفتيات، فاصفر وجهها وتبدل لون بشرتها الخمري بصورةٍ ملحوظة فور عودة نور لمقعدها بالخلف، توترت قدميها بمنتصف الدرج، فكادت بالعودة من خلفها هي الاخرى، لولا وجود ياسين جوارها يحثها على استكمال صعودها، فتطلعت تجاه "ياسين الجارحي" بارتباكٍ، منحها بسمة صغيرة جعلتها تتحمل جزء من قوة مجهولة، فلحقت بياسين حتى وصلت لاحمد الذي أشار لها بالوقوف محله، قدمت خطوة وسحبت الاخرى، والوقت ليس في صالحها، وقفت رحمة محل أحمد أمام الميكرفون الضخم، فانتقل الضوء الابيض ليحاصرها، برقت بعينيها وهي تتأمل هذا الحشد المخيف بتوترٍ جعلها تكاد تفقد وعيها، وزعت نظراتها بينهم بهلعٍ، فجلوسها بالخلف منحها مخضع أمن،عكس بقائها أمام الكاميرات والاضواء والصحافة، والكثير من الأعين التي تحاصرها باهتمامٍ لسماع ما ستقول، اخفضت رأسها للأسفل تبكي بصمت جعل الجميع في ريبة وفضول من أمرها، كل ذلك يحدث وعدي منعزل عن الجميع، يحاول مجابهة تلك الصدمة القاتلة، تراه لم يكن ليعلم ما الذي تمر به رحمة بالتحديد الا الآن، ريثما رأى ذاته قوة وعظمة تضاف اليها، والآن يرى حبيبته الهاشة ضعيفة تختبئ خلف قناعه المخادع، هي دونه لا تقوى حتى على محاربة ذاتها، ليته قتل ولم يرى تلك اللحظة التي اتنزعت قلبه من صدره لتمزقه بكل قسوة، التفت ياسين الجارحي ليقابل عدي بنظرةٍ جعلته يعلم ما الذي دفعه لتظل رحمة بالمقر، وتحتل الصدارة بتقديم عرضها الناجح، كان يود أن تهزم خوفها وتواجه هواجسها، ما فعله ياسين جعل به عدي عاجزًا، عاونه ليكتشف جانب رحمة المعتم الذي تحاربه بمفردها بعيدًا عنه..
بكائها جعل الفتيات تشاركها البكاء، فكادت نور بالصعود لاجبارها على الهبوط دون حاجة منها لتنوب العرض بذاتها، وحينما كانت بطريقها للصعود، توقفت حينما اعتلى عدي المنصة بذاته، فانطلقت صفقات الجمع ترحبيًا بوريث امبراطورية الجارحي الأول، دنى عدى من المكتب الخشبي الحامل للميكوفون الضخم، فتراجع أحمد للخلف ببسمةٍ ترحيب، وترك له حل تلك المعضلة لينقذ موقفهم المحرج أمام الجميع.
تمنت الأرض تنشق وتبتلعها من الحرج القاتل الذي تتعرض له حتى تلك اللحظة، أطبقت أصابعها على فستانها ومازالت عينيها أرضًا عسى أن لا يرى أحدٌ دمعاتها، وفجأة وجدت يد رجولية تشدد على يدها، والمكتب يحجب نصف أجسادهما عن الجميع، فلم يكن ظاهرًا الا وقوفهما جوار بعضهما البعض، أبعد عدي يدها عن فستانها ودمس أصابعه بين اصابعها، دبلتها التي تزين يده جعلتها تعلم من يقف جواره قبل أن ترفع رأسها اليه، تلقائيًا رسمت ابتسامة صغيرة، ورفعت عينيها اليه فوجدته يتطلع للامام بثقة ولسانه يهمس لها حتى ان لم يكن يتطلع تجاهها:
_ارفعى رأسك يا رحمة.
وتلك المرة استدار ليشملها بنظرةٍ حملتها بين جفنه وأرسلت إليها السلام النفسي، وخاصة حينما ردد وعسليته تتوجهها:
_واثق إنك هتنجحي مرة تانية زي ما عملتيها قبل كده..قدمي عرضك.. أنا جنبك!
كلماته قدمت لها رداء من الصوف أحاطها في ليلة تعج بالثليج، فمنحها الدفء والأمان ليجعلها تبدأ حديثها بأريحيةٍ:
_العرض الذي وضعته شركتنا اليوم، يخدم المرأة بشكل خاص، وقد سبق لشركاتنا تنفيذ جزء من مخططاتنا المذكورة بالعرض، وسنقوم بعرض الانجاز الذي قمنا به خلال الفترة الماضية على الشاشة.
ربط عدي الشاشة بالحاسوب وعاونها على طرح الصور بتناسيق احترافي على الشاشة، فغمز بطرف عينيه وهو يشير لها باستكمال حديثها، بدأت رحمة بشرح فكرة العرض بجراءة جعلتها كسيدات الاعمال الناجحات، لاقت استحسان من الجميع وخاصة ياسين ويحيى والفتيات، فما أن انتهت من حديثها حتى انتقلت نظرات ترقبها بين الصفوف، فكان ياسين الجارحي أول من صفق لها واتبعه الجميع على نفس منهجه، حتى أحمد وياسين وقفوا جوارها ويدهم تأيد ما فعلته بتصفقاتٍ مشجعة، وما جعل عينيها تدمعان فرحة رؤية عدي بنفسه ينضم للحضور بتشجيع ما قالت، وما زاد قهر الاعداء وانتصار ساحق اكتساح العرضين التابعين لشركات الجارحي، وفوزهم المستقيل، كان الفوز شبه متوقع ولكن لاحد العروض، كان الاحتفاء ضخم يليق بامبراطورية كالجارحي، فانطلقت التهنيئات من رجال الأعمال اليهم، انسحب الشباب ليساعدوا بخروج الفتيات من القاعة واتجهوا للمقر للاحتفال بما حدث اليوم..
*****
نقل فؤاد ما حدث بالتفاصيل المعقدة لرئيسه، فجن جنونه لخسارته لمبالغ طائلة كانت تسانده طوال تلك المدة، والخطير إليه خسارة أموال الداعمين اليه، فسيعد هذا بمثابة اعلان دفوف الحرب ضده، فلم ينتصر عليه عدي قط، بل أصابه بضرر لن يمرءه أحدٌ له أبدًا، خرج عن طور هدوئه المخادع الذي انغمس به عنوة طوال الفترة الماضية، كان يصب تركيزه الكامل على المناقصة التي قد تعوض خسائره الفاضحة وجردته بأخر ما امتلكه، ثار العالم من أمامه ولم يعد يرى الا دمائه تفور من أمامه، لذا ردد على هاتفه للمتصل:
_نفذ.. سامع.. عايزه زليل هنا قدامي.. وأنت عارف هتعمل أيه بالظبط!
******
اجتمع الشباب بالمقر، فصنعوا طاولة عملاقة وضعوا عليها قالب الكيك الضخم، ومن حوله أكواب العصير في كؤؤس راقية، سكبت نور، وداليا العصاير، بينما قطعت رانيا وشروق قالب الكعك، وحرصت رحمة ومليكة على توزيع قطع الكعك، رفع عمر كأس عصيره ثم قال بفرحة:
_اللي عملاناه النهاردة يستحق الاحتفال يا شباب.
سحب جاسم كأسه، فتجرعه وهو يردد:
_الفضل لربنا ثم رحمة قدرت تعجز الناس عن الكلام.
اكد معتز حديثه:
_فعلا معاك حق.. انا نفسي انبهرت من طريقة شرحها.. خاصة ان دخلتها مكنتش تمام أوي.
ابتسم أحمد ثم قال:
_مش مهم الداخلة المهم الخارجة.. والخارجة طلعت بقلم عظيم على قفا مهاب أبو العزم.
تعالت ضحكات حازم فجذب من زوجته قطعة الكيك، وتناولها بنهمٍ وهو يخبرهم:
_يستاهل.. وباعت فؤءة تنوب عنه الجبان خايف يظهر لنأكله حي!
تابعهم ياسين بصمتٍ تام، الى أن فُتح من أمامه ما يخص مهاب أبو العزم فقال بتريثٍ:
_الموضوع مقلق مش مفرح.. الشخص ده لئيم اختفاءه ده وراه مصيبة.
وضع رائد كأسه على الطاولة، ثم قال:
_هيعمل أيه يعني يا ياسين.. زيه زي اي رجل أعمال دخل صفقة مكسبهاش!
غموض هذا الرجل وعدائه يضع ألف علامة استفهام، ما قاله رائد كان صائب، لماذا يضمر عداء مثل هذا، وعمله يحتمه بالمواجهة المعتادة بينه وبين كبار رجال الأعمال، اللغز مازال يتخفى حول غايته الحقيقية!
اجتمعت الفتيات حول الطاولة، فتعالت ضحكاتهن فرحًا لتحقيق هذا النجاح، اللذة التي تحيط بهن غريبة وفريدة من نوعها، فلم يكتثروا بتجمع الشباب بنهاية القاعة، يرغبون بالحصول على بعض الخصوصية ومنحوهم ذلك، فقالت نور بسعادة:
_مبروك يا بنات.. معقول حد يصدق ان رحمة اللي تطلع وتتكلم بالثقافة والرقي ده!
قالت رانيا بحزن:
_متفكرنيش يا نور أنا زعلت عشانها وافتكرت انها مش هنقدر تتكلم ولا تشرح بس فجاتيني يا رحمة.
ابتسمت وهي تردد:
_الموضوع مش سهل على فكرة، انك تلاقي نفسك واقفة قدام العدد ده كله شيء يخض ويربك أي حد.
مالت شروق بكتفها عليها وهي تخبرها بمكرٍ:
_بس المساعدة اللي جاتلك مش من أي حد.. ولا ايه يا نسرين؟
قالت من بين ضحكاتها المرحة:
_عيون رحمة كانت بتطلع قلوب حمرا.. حسيت انهم أول مرة يتقابلوا!!
دافعت عنها مليكة بغضب مصطنع:
_بص يا بت منك ليها.. مالكم كده سنين سكاكينكم عليها ليه!
ضحكت داليا ثم قالت بخبث:
_اركني انتي يام ملاك الا السكاكين تتجه اليكي.. ما أنتي بقالك كام يوم راسمة دايرة غرام انتي وياسين وقال أيه بيعلمني عشان معرفش حاجة!! ده احنا مبقناش نشوف وشك.. واللي زايد بيروحك قبلنا كلنا واسطة ورشوة!
اجابتها شروق بمرح:
_مليكة محاطة بالواسطات... وسطة جوزها وياسين الجارحي باشا وعدي باشا والدكتارة بتاع العيلة.
ضحكت رانيا.. ثم قالت:
_مسنودة اوي البت دي!
لوت فمها بازدراء:
_لا ارجعوا لرحمة وفككوا مني!
نهضت نور عن مقعدها ثم اشارت لهم:
_تعالوا نروح نحتفل معاهم وبالمرة نشوفهم بيقولوا ايه؟!
لحقوا بها، وانضموا اليهم، فبحثت رحمة بعينيها عن عدي، وحينما لم تجده سألت عمر:
_فين عدي يا عمر؟
اجابها قائلًا:
_معرفش.. قال رايح مشوار وجاي!
*******
توقفت السيارة أمام مكان نشط قلبه لذكرياتٍ محببة، نغزة تطرق شريانه من الحين والأخر، وقدمًا ثقيلة يصعب عليها التحرك عن سيارته ليكمل طريقه، هو بنفسه أبلغ صديقه بالا يخبره بما طلب معرفته وأنه سيزوره بنفسه، وها هو يقف أمام مركز الشرطة الذي كان يقصده يومًا، بزيه الذي يحمل ميداليات الشرق وتكريمات خاض بها ألف قصة وكان هو بطلها الوحيد، هبط عدي عن سيارته بعدما انتصر على وجعه المستجد، وتابع خطاه للولوج للداخل، طعنته تحية العساكر اليه، وابتسامتهم المرحبة به بعد غياب وفراقًا طويل، لم يجرأ أحدٌ منهم على ان يركض تجاهه ويبادله العناق، شخصه الحازم الذي خلف سجله من خلفه جعلهم مازالوا يضعون الحد والحذر، ابتسامتهم وفرحتهم بوجوده كانت من القلب فوصلت لقلبه بسرعة البرق، ومع ذلك تخطى هيبته وصرامته الجافة، وبدأ بالسلام هو عليهم، كان الجميع بحالة من الدهشة ولكن اقصى ما فعلوه الترحيب الذي يليق بضابط شرطة عظيم مثله، والجمل الوحيدة المنطلقة:
_نورت القسم يا باشا..
_ليك وحشة والله..
_ياريت ترجع المكان محتاجك.
اكتفى بابتسامته الهادئة واتجه لمكتب زميله المقصود، طرق على بايه، فنهض عن مكتبه ليستقبله بنفسه، جلس عدي قبالته ثم بدأ بحديثه:
_قولي باللي عرفته.
ارتعب "عادل" ، الزميل السابق لعدي قبل أن يتم ترقية عدي لقسمٍ أخر ورتبة أعلى، فنهض عن مقعده ثم أغلق باب مكتبه وعاد ليجلس قبالته من جديد، فقال بتردد:
_لما كلمتني وقولتلي ادورلك ورا اسم المجرم اللي بعتهولي.. كنت فاكر إن الموضوع سهل!
تقوس حاجبيه باستغرابٍ:
_قصدك ايه؟
بلل شفتيه بلعابه وهو يجيبه:
_الملف بتاعه مالوش وجود... جاي اوامر من فوق أوي إن محدش يقدر يوصل لمعلومة تخص أمجد السلاموني، واللي بيحاول ينبش وراه بيتعرض للمحاكمة العسكرية!
برق بعينيه بدهشةٍ:
_للدرجادي!
هز رأسه وهو يسترسل:
_اللي ممكن يكون باين لينا كلنا انه مجرم دولي خطير ومعلومات زي دي مينفعش حد يعرفها، لكن لما تعمقت بالبحث عرفت انه هرب والقوات مكتمة على الخبر ده بس ليه الله أعلم.
بسمة شبه ساخرة تشكلت على جنبي شفتيه، فارتخى جسده على المقعد وهو يهمس بصوتٍ خافت:
_بس أنا عارف ليه!
*******
بالمقر..
استعد العمال لقضاء صلاة العصر جماعة، حتى الشباب لحقوا بهم، وغادرت الفتيات المقر عودة للقصر، بعد أن سمح لهم ياسين الجارحي بالعودة، وحينما كانت مليكة تستعد لقيادة سيارتها، اكتشتف فقدانها لهاتفها، فرددت بضجرٍ:
_نسيته فوق على مكتب ياسين! يا ربي!!
فتحت باب سيارتها البيضاء، وهبطت ثم اتجهت للمصعد لتستعد للصعود، كادت بالولوج للداخل، فأوقفها صوت صراخ قوي يأتي من خارج الچراچ، فاتجهت لترى ما سبب تلك الصراخات الخافتة الغريبة، انقبض قلبها رعبًا حينما تسلل اليها صوتًا صاخب تصور لها بأنه طلقًا ناري، تراجعت مليكة للخلف بخوفٍ حينما رأت خيال لعدد من الأشخاص تقتحم الجراج خلسة، تراجعت بظهرها وببطءٍ حذر، تصلب جسدها فجأة حينما شعرت بيد تكمم فمها وتسحبها بكل قوة للخلف!!
******
عاد للمقر بعدما أمسك بيده طرف الخيط، جعله رحيم على بداية طريقًا سلط كل تفكيره على شخصٍ واحد، وقد تحققت شكوكه حينما أكد له زميله هروبه، ولربما عداء مهاب الغريب يكون خلفه هروب هذا اللعين، ولج عدي بسيارته للجراج الخاص فاندهش حينما لم يجد أفراد الآمن بالخارج على غير عادتهم بالتواجد، بالاضافة لحرس أبيه، لم يشغله الأمر كثيرًا، تابع القيادة للداخل على نفس سرعة السيارة، اختار المكان الخالي ليصف سيارته به جوار سيارة أحمد، جحظت عين عدي صدمة من هول ما رأى، ظن ببدء الأمر بأنه لم يستوعب رؤيته جيدًا، فتمعن جيدًا ليتأكد رؤيته لمليكة مقيدة على مقعد خشبي، فمها مكمم ويدها يعيقها حبال تصل لقدميها وكأنه يحتجز جسدها للابد على هذا المقعد، اختل توازن قيادته، فانجرف سريعًا عنها حتى يفاديها من صدامه المحتوم، فاخترقت سيارته أحد الأعمدة الحجرية التي هدأت من سرعة السيارة، فاستجابت سريعًا للفرام، أبعد عنه حزام الامان وفتح باب سيارته، هرول راكضًا وهو ينادي بذعرٍ ولهفة:
_مليــكة!!
بكائها وارتجافها بين ايدي هؤلاء كان يقشعر الابدان، لم يقوى عقله العاجز بربط الاحداث بتلك اللحظة، ثورته كالأعصار حينما رأها مقيدة هكذا، أسرع إليها فحركت جسدها بالمقعد بعنفٍ وهي تحاول تحذره من شيءٍ، وقف عدي محله بثباتٍ قاتل وحدقتيه تحوم من حوله كالوحش المفترس الذي يتأهب لقتل فريسته، اذنيه التقطت دعسة حذاء حذرة تخطو من خلفه، ورفعة معصم يعلو فوق رأسه بالتحديد، على الفور تقدم للامام ليتفادى ضربة عصا غليظة كادت باصابة رأسه، فلف يده حول رقبته متحكمًا بالعصا ليخنق تنفسه، فنجح بسلب روحه بين يده، ليلقي جسده أرضًا، وسرعان ما ثبت قدمه بقاعدة المعركة، سُلطت عينيه على مرآة احد السيارات، ليستعلم عن أماكن ثلاث رجال يختبئون خلف السيارات، انحنى بخفة وجذب العصا، ثم القاها على زجاج السيارة الامامية فاخترق زجاجها أعين الذي يختبئ بمحاذاتها، فصرخ ألمًا جعل الاخرون يسرعون اليه، فاستهدفهم عدي بعصاه وركلة قدميه، وما ان انتهى منهم حتى هرع اليها، أزاح عنها ما يكمم فمها، فبكت وهي تردد بصوتها المرتجف:
_عدي!
سألها وهو يحتضن وجهها بلهفة:
_انتي كويسة؟ حد عملك حاجة؟
اشارت له بالنفي، ومازال جسدها يرتجف دون توقف، ازاح عنها الحبال ومازالت رأسها تستكين على كتفيه، عاونها على الوقوف وحملها بين ذراعيه، ثم ركض بها تجاه المصعد فاشار لها بحزمٍ:
_اخرجي من هنا ومترجعيش فاهمه.
اشارت بالنفي وهي تشير له بتصميم:
_مش هسيبك ليهم لوحدك.. تعالى معايا.
ابتعد عنها حينما وجد احداهما يستعيد وعيه وصوته يصرخ بها:
_اطلعي من هنا فورا يا مليكة.
اشتبك مع من كاد باستخدام سلاحه، ففتك به، وما أن استدار حتى تجمدت أطرافه حينما رأى السلاح ملتصق بوجه شقيقته، ومن خلفها يظهر رجلًا يراه لاول مرة منذ بداية اشتباكه معهم، اعتاد على دراسة قوة العدو، وقوة هذا الرجل تظهر بالذكاء المحاط بهالة عينيه، وان لم تكن شقيقته أسيرة بين يده فلم يعنيه ذكاء ولا قوة سينتهي من أمره وهو على ثقة من ذلك، دموعها... فزعها... شفتيها الزرقاء المرتجفة... كل تلك الانفعالات أيقظت داخله براكين هلاك لطالما دفنها بداية من لحظة دخوله للمقر، هؤلاء استحضروا أسوء كوابيسهم، قذف عدي سلاحه أرضًا ثم قال بنظراته الثاقبة:
_أظن اللي بعتك قالك هو عايز مين... سبها تخرج من هنا وأنا أهو قدامك ولوحدي.
ابتسم حتى برزت أسنانه الصفراء جراء ما يتناوله من سمومٍ قاتلة، وقال بصوته الخشن المخيف:
_القوة مبقتش بالدراع يا باشا.. بقت بالسلاح!!
واسترسل وهو يشدد من ضغط سلاحه برأس مليكة التي تأوهت ألمًا وازدادت بالبكاء:
_ونقطة ضعفك اللي هتخليك تنحني للي عايزينه.
رفع حاجبيه بدهشةٍ جعلته يندفع بعصبية:
_أيه اللي انتو عايزينه!! بقولك سبها وانا أهو قدامك ومش خايف من اللعبة اللي في ايدك!
أشار بعينيه تجاه السيارة السوداء التي اقتحمت الجراج فجأة، فخرج منها ثلاث رجال أقوياء البنية، اقتربوا منه بحذر، فابتسم ساخطًا لما يفكر به هذا اللعين، جذب احدهم حقيبة سوداء ثم أخرج منها محقن غليظ، ودانا من عدي، فلكمه بشراسةٍ قبل أن يصل اليه، زحف للخلف برعبٍ، فاستدار عدي تجاه الاخير وقال بتحذيرٍ:
_لو مسيت شعرة منها مش هتخرج من هنا حي لا أنت ولا اللي وراك... سبها وأنا هعمل اللي انت عايزه.
أشار له وهو يتراجع بها للخلف:
_ما انت مش بتساعدني... سبب الرجالة تحقنك بهدوء وساعتها أختك هتبقى في أمان.
صرخت بصدمة:
_عدي... لأ!!
استطرد قائلًا:
_احنا عبد المأمور اللي باعتنا ليك هو اللي هيصفي حسابه منك... احنا هنوصلك بيه.
يعلم بأنه في أعظم حروب العالم يستغل الخصم نقاط الضعف، ولكن تلك ليست نقطة ضعفه، تلك التي ستجعل الشبل يقبل ترويضه دون عذاب أحدٌ، وجوده في مكانٍ هكذا جعله يخشى ان تصل الامور لابناء عمه، فخوفه الأعظم أن يطول أحدهم الاذى، إن كانت تلك معركته سيخوضها ولكن بمفرده، ان أصابته الجروح لا بأس، إن قُتل لا بأس، ولكن ما قد يؤلمه أن يُصيب أحدٌ من عائلته، ثم مد ذراعه له بثبات مخيف، جعل الاخير يده ترتجف وهو يغرس الأبرة بوريده، بدأت الرؤيا مشوشة أمامه، وبدأ الظلام يبتلعه تدريجيًا، حتى تلقفه بردائه المقبض، فترنح جسده ارضًا، وحتى في غفوته صنع الرعب بقلوب من يحاول حمله للسيارة، خوفًا من أن يعود بشجاعته لساحة المعركة.
رؤيتها لاخيها يضحى بذاته لأجلها جعلتها تقودها للجنون، صرخت بانهيار وصوتها المبحوح لا يردد الا اسمه:
_عــــــــــــدي!!!
خشى أن ينتبه اليهم أحدٌ من صوتها، فهوى على رأسها بحافة سلاحه، قاصدًا أن يجعلها تفقد الوعي، استجاب جسد مليكة لضربته وتمددت أرضًا فاقدة للوعي، وحجابها الأبيض بات مختلط بدمائها، ومازالت دموعها تنساب على خديها!
******
كان على ياسين ويحيى الجلوس بصحبة كبار رجال الاعمال، القادمون من الخارج، مقابلات روتينية معتادة بينهم، فاختار ذلك الأرعن الوقت المثالي فعل فعلته، لعلمه بعدم سماع ياسين بأن يصل الآذى لابنه، الوقت بالنسبة له مناسب لانشغاله التام داخل القاعة الرئيسية بعيدًا عن المقر، رغم كره ياسين الشديد لحضور مثل تلك الاجتماعات، فاخرج هاتفه ليجد أكثر من ثلاثون مكالمة، وأخرهم رسالة صوتية مسجلة من الجوكر "مراد زيدان" من ساعتين، فتحها ليجده يردد بأنفاسٍ لاهثة:
_مهاب أبو العزم هو نفسه أمجد السلاموني..أنا في أمريكا وجبت المعلومات دي من المستسفى اللي اجرى فيها عملية التجميل، عدي في خطر كبير لان مهاب ده محاوطه... ارجوك امنع عدي يدخل المناقصة!!
جحظت عينيه صدمة، والعالم التف به بتلك اللحظة، كان يضع افتراضات وجود علاقة بين مهاب وهذا السفاح، ولكن الأمر تغاضى ظنونه، ليس ساحرًا ولا منجمًا ليكتشف هذا الأمر، فعل المستحيل طوال تلك الفترة ليكشف أمره ونجح بحماية ابنه مرارًا ولكن الآن الامر خرج عن طوعه رغمًا عنه، استند ياسين على حافة المقعد القريب منه حينما شعر بأنه ليس على ما يرام، فسلطت عينيه على شاشة هاتفه حينما دق برقمٍ مجهول، رفعه ببطءٍ اليه ليستمع لصوت يخبره:
_ياسين الجارحي... بعظمتك وهليمانك اللي بتفتخر بيه ده مقدرتش تحمي ابنك مني...ودلوقتي لو عايزني أشفق على ابنك واسيبه حي، تجيلي لحد عندي على العنوان ده لوحدك ، ومعاك مصطفى أصلي مبقدرش استغنى عن رجل من رجالتي.. وانت عارف يا باشا باقي الكلام اللي مش هاخد من وقتك واشرحلك لو بلغت البوليس أو لعبت كده أو كده ابنك هيحصله أيه!
*******
كان عليه الذهاب للقاعة الرئيسية، فهبط أحمد بالمصعد للجراج حتى يستقل سيارته، اتجه إلى المكان الذي صف به السيارة، فصعق حينما وجد زجاج منكسر يملأ الأرضية، وخط رفيع من الدماء جوارها، جابت عينيه المساحة الخلفية فوجد ابنة عمه تفترش الأرض باهمالٍ،ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، فركض نحوها، انحنى بقامته وجذبها اليه وهو يناديها بخوف:
_مليكة... مليكة سامعاني؟!
شعر بشيءٍ لزج أسفل يده الموضوعة أسفل رأسها فساندها بذراعه الاخر، ليرفع يده، ازدادت صدمته حينما وجدها مختلطة بالدماء، فوضع رأسها على ساقه ثم جذب هاتفه من جاكيته، اتصل بعمر وترك الهاتف من يده وهو يحاول مساندة رأسها بحرصٍ حتى لا تتأذى..
بالاعلى..
كان عمر والشباب يعملون على الحاسوب بتركيزٍ تام، الى ان دق هاتفه ففتحه وهو يجيبه على مضضٍ:
_أيوه يا أحمد.
صوته المفزوع كفيل بنقل حالاته المريبة:
_عمر انزل حالا على الجراج... مليكة فاقدة الوعي وحجابها كله دم.. بسرعة من فضلك.
انتصب بوقفته وصاح بخوف:
_مالها مليكة!
ما قاله ادهش من حوله وبالأخص ياسين الذي ترك مكتبه وهرع الى عمر يهزه بعنفٍ:
_في أيه.. مليكة مالها؟!!!
لم يجيبه كان يحاول سماع ما يقوله أحمد، فجذب ياسين عنه الهاتف ووضعه على أذنيه فما أن سمع ما قاله حتى هرع للاسفل على الفور والشباب بأكملهم من حوله..
توقف المصعد ومعه أخر دقة قلب يمتلكها، ركض مسرعًا تجاهه، فصعق حينما وجدها تتمدد كالجثة الهامدة بين ذراع أحمد، حملها عنه وهو يتساءل بصدمة:
_في أيه يا احمد؟
استقام بوقفته وأجابه بحزن شديد:
_معرفش انا نزلت لقيت الدنيا متبهدلة كده ولقيتها بالحالة دي.
صاح رائد بغضب:
_ازاي حصل كل ده والحرس والامن كانوا فين؟
وتركهم واتجه للخارج ليعنفهم فلحق به معتز، انحنى تجاهها عمر، وأشار لهم بالاستدارة، تفهموا ما يوده وتركوا له المجال ورؤؤسهم للخلف حتى اشاح عنها حجابها ليتفحص حجم اصابتها، استغرق الامر دقيقتين مروا على ياسين ببطءٍ شديد وخلالها اتصل جاسم بالاسعاف، انتهى عمر مما يفعله ثم قال وهو يلتقط انفاسه بتثاقل:
_متقلقش اصابتها سطحية، شوية وهتفوق..
هدر بعنف:
_وايه اللي وصلها لكده... ده حد اتهجم عليها يا عمر!!
كز على أسنانه وهو يحاول استيعاب ما حدث هنا، هم اليهم رائد ومعتز بملامح مرتبكة، فقال معتز:
_الحرس والامن مضروبين بالنار يا ياسين!
صمت عمر وصدمته جعلت اعين الجميع تتجه اليه وخاصة حينما زحف أرضًا حتى وصل لشيءٍ، حمله بين يده وهو يردد بصوت شبيه للبكاء:
_دي ساعة عدي!
............. يتبع............
#الاقـوى_قادم.... #الجــــارحي5... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
للحبايب في الأردن الشقيقة هتلاقوا رواياتي الورقية في معرض عمان الدولي للكتاب من اليوم الخميس وحتى 30 سبتمبر 2023
في أرض معرض عمان الدولي للسيارات طريق المطار.
جناح مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع رقم D33
وخصم خاص جدا لمتابعينا على اسعار جميع الروايات بالمعرض.
والمعرض من 10 ص حتى 10 م كل يوم عدا الجمعة من 4 عصرا حتى 10م.
للتواصل في عمان ⬇️
هاتف رقم 0781475406
واتساب رقم
00201001631173
00201004022774
*******_______********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس! ...(#أحفاد_الجارحي 5..)
#الفصل_الخامس_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "هدير أحمد"،"حبيبة السيد"،"مروة زغلول"،"جومانا عمر"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تناسى نفوذه وما يمتلكه ويمكنه فعله،" ياسين الجارحي" اسمه ذاته يصعب على عدوه نطق حروفه، ومع ذلك هو الآن عاجز، يضعه القدر بعد كل تلك السنواتٍ بإختبارٍ يماثل ما تعرض له، ذاك الوجع النابض بين صدره سبق تجربته من قبل، حينما كان عاجزًا عن الاختيار بين زوجته وبين يارا، وحينها إختارها قلبًا وقالبًا، لم تكن أخته فقط بل ابنته وصديقته وكل ما يمتلكه بتلك الحياة، والآن الاختيار يمس فلذة كبده ، ابنه وولي عهده، لكل ابن من الابناء مكانة خاصة، ولكن تضعك اللحظة الأولى أسيرًا لحبٍ خاصٍ رغمًا عنك، تستميلك لأول ضمة.. أول قبلة.. أو من رأت عينيك من نسلك، وكان عدي أول من حمله ياسين بين يده، كان أول من تعلقت عينيه به، أول من جعله عاجز عن التعامل مع عظامه الصغيرة، فكان يخشى أن ينطوي بين ذراعيه من فرط خوفه الشديد وحبه إليه، ربما كُل يبرع بمجاله، فتمكن ياسين من الانتصار على مهاب أبو العزم بجدارةٍ حينما خاض معركة تخص مجال رجال الأعمال، والآن يحقق هذا الحقير انتصارًا يثبت مدى جدارته بعالم الجريمة، قاد سيارته بمفرده للمخازن، مما زرع القلق بقلب عثمان، فطلب يحيى وهو يخبره بقلقٍ:
_الباشا طلب انه يسوق بنفسه وقالي أني ممشيش وراه أنا والحرس.. انا حاسس يا باشا إن في شيء غلط..
أمره يحيى بحزمٍ وهو يهرع لسيارته ليتجه للمخازن:
_خليك وراه أنت ورجالتك يا عثمان.. أوعى تسيبه!
******
بالمقر الرئيسي لشركات الجارحي.
انتهى الطبيب من فحصها، وعلاج جرح رأسها، فوضع عازل بين رقبتها وجسدها تحسبًا لوجود كسور في الرقبة، ثم تركها ترتاح بالغرفة السرية التابعة لمكتب الشباب، وجمع أغراضه الطبية، فداثرها عمر بالغطاء بصمت قاتل مازال يستحوذ به من اللحظة التي حالت الشكوك بأخيه، هم ياسين بالطبيب يتساءل بريبة:
_طمني عليها يا دكتور.. أرجوك.
منحه ابتسامة عملية، وهو يخبره:
_متقلقش زي ما قال دكتور عمر اصابتها سطحية.
نبرته مالت للعصبية وهو يصيح به:
_لو إصابتها سطحية مش بتفوق ليه؟!
تفهم الحالة التي تلتهم قلبه البادي عشقه الشديد لزوجته، فوضع يده على كتفه وهو يخبره:
_الخبطة كانت شديدة عليها فطبيعي انها تفقد الوعي.. بس وضعها دلوقتي مستقر.. شوية وهتفوق بإذن الله.
هز رأسه وهو يشير له:
_إن شاء الله.
وتركه واتجه ليجلس جوارها، فقبض يدها بين يده وهو يناديها بلهفةٍ:
_مليكة.. أنا جانبك يا حبيبتي فوقي عشان خاطري.
جلس عمر على المقعد القريب منه هائمًا خلف كوابيسه، متابعًا السيناريو المقبض الذي يطرحه عقله من أمامه، طرقات على الباب اصطحبها ولوج أحمد ومعتز، فقال وهو يدنو من الفراش:
_الدكتور قال أيه؟
اجابه ياسين بجمودٍ وعينيه تتعلق بزوجته:
_كويسة.
واتجهت نظراته اليه وهو يتساءل بقسوةٍ افتكت عن شخصيته الهادئة:
_فرغت الكاميرات؟
رد عليه معتز قائلًا:
_رائد نزل مع جاسم من نص ساعة.
والتفت للخلف وهو يشير له:
_أهم جيهم.
ملامحهم كانت مقبضة للغاية، وخاصة حينما ردد جاسم بصوتٍ بدى مرتجفًا:
_عدي اتخطف.
انتفض ياسين بوقفته وهو يردد بصدمة:
_اتخطف!! أنت بتهزر!
رد عليه رائد بحزن:
_اللي حصل صعب يتحكي يا ياسين.
وجذب الحاسوب من جاسم، ثم انتقل للملف المسجل، فطرح من أمامهم تسجيل ما حدث منذ لحظة هبوط مليكة، إلى لحظة تخلي عدي عن قوته واختياره الأمان والسلامة لاخته الوحيدة، وتقبل ما سيواجهه بمفرده، سال الدمع على أعين معتز وجاسم بينما صاح أحمد بعصبية بالغة:
_ازاي كل ده يحصل واحنا فوق ومش حاسين بحاجة!!
ومرر يده على شعره بغضبٍ كاد باقتلاعه:
_مين اللي يجرأ يعمل كده؟
أجابه ياسين بصلابة وعينيه القاتمة مازالت تقابل الشاشة متعلقة بلحظة ضرب هذا الرجل لزوجته، حفرت معالمه داخل قسمه اللعين بقتله ألف مرة، وصوته الخشن يردد:
_هيكون مين غيره!
استرسل رائد:
_مهاب أبو العزم!
ركل أحمد المقعد بقدميه وهو يصيح بغضبٍ قاتل:
_الكلب وقسمًا بالله ما هنسيبه لازم يدفع تمن اللي عمله ده وغالي.
قال معتز بقلق:
_طب هنعمل ايه.. هنبلغ عمي ولا هنتصرف ازاي.
صاح ياسين بانفعال:
_لا.. محدش هيعرف حاجة باللي حصل، لو الموضوع وصل لطنط آية ولا لرحمة حالتها هتسوء تاني، احنا لازم نتحرك بدون ما حد يعرف بحاجة من اللي حصلت.
تساءل جاسم وهو يشير بعينيه للفراش:
_طب ومليكة!
حانت منه نظرة حزينة تجاهها، ونبرته الخافتة عكست ضعفه المقبض:
_مليكة هتفضل هنا معايا محدش هيعرف بحاجة متقلقش.
اتجه أحمد لعمر المنعزل عنهم، فوضع يده على كتفه وقال بشكٍ نجح بنقله للشباب:
_إنت كنت متوقع إن كل ده يحصل!
ظل هائمًا بالفراغ بجمودٍ جعل الاخير يحركه بعصبية:
_رد عليا يا عمر؟
نهض عن المقعد ببطءٍ جعل الأخير يسانده خشية من سقوط حركه جسده المترنحة، فقال بصعوبة بالحديث:
_الموضوع أكبر من مهاب أبو العزم .. عدي في خطر أكبر مما نتوقعه.
اقترب منه ياسين بتمهلٍ والشكوك تتراقص بين حدقتيه، فردد بحزمٍ:
_مخبي أيه عننا يا عمر؟
********
فُتحت المخازن من أمامه، فاستكمل خطواته الثابتة للداخل، ليقترب من الماسد على أحدى الاعمدة مقيد بالحبال، فتح مصطفى عينيه بإرهاقٍ تام، وحرك لسانه ليردد بتعبٍ:
_اقتلني وريحني من العذاب اللي أنا فيه ده يا باشا.
تحركت نظراته الثاقبة لاحد رجاله، فقام بحل وثاقه، لف ياسين يده حول رقبته فكاد بخنقه، جاهد لانتظام أنفاسه بين يده المقبضة، فرفع حدقتيه اليه ليجده يخبره بصدر رحب:
_هيحصل قريب وعلى ايدي..بس في مشوار مهم ليك.. اعتبره مشوارك الأخير!
وجذبه ياسين بقوة كادت باسقاطه أرضًا، ففتح صندوق سيارته ثم ألقاه داخلها، وما كاد بصعوده للسيارة وجد سيارات تحاط به، فهبط منها عثمان وهو يهرع إليه ويخبره بتوترٍ:
_مش هينفع اسيبك لوحدك يا باشا.. أنا والرجالة ضهرك في أي مكان.
أشار له بعينيه بالتنحي جانبًا وهو يخبره:
_هتحرك ولوحدي.
وضع عينيه أرضًا بخوف جعل اصطكاك أسنانه مسموع وهو يخبره:
_يحيى باشا أمرني مسبش حضرتك.. هو زمانه على وصول.
ضيق عينيه بنظرةٍ رعبت رجاله بأكمله، وخاصة حينما سحب سلاح عثمان على غفلة منه، فتفاجئ به يصوبه تجاهه، وتلك المرة كان أمره مفتعلًا بتهديد قاطع:
_أنت هنا عشان تنفذ أوامري أنا وبس، ولو هتعارضني أنا بنفسي اللي هخلص عليك.
تراجع عثمان الخلف واتبعه رجاله، فالقى السلاح أرضًا، واستكمل خطاه بثباتٍ، حتى استقل سيارته وغادر من أمام الجميع..
******
أصبح الجميع على علمٍ بما أخفاه ياسين الجارحي، فازداد خوفهم على عدي أضعافًا، نجحوا باختراق قوقعة عمر فشاركوه خوفه العظيم وقلقه القاتل، جلس أحمد على المقعد بإهمالٍ ثم قال برعب:
_يعني عمي على علم بكل ده من البداية، وممكن يتدخل بدون ما يعرف حد!
احتدت نبرة ياسين وهو يهدر بانفعالٍ:
_هنجيبه لو في أخر الدنيا.. المهم ان محدش لازم يعرف باللي بيحصل.
وأشار لمعتز قائلًا:
_اطلب مازن وخليه يجي حالا بدون ما يحسس مروج بحاجة.
أومأ برأسه ثم التقط الهاتف وأسرع بطلبه، أغلق عمر عينيه وهو يعتصر تلك الدمعة التي كادت بفضح ضعفه، خفقات قلبه تتثاقل بشكلٍ يجعل رئتيه لا تستجيب للهواء المنعش المنبعث من المبرد، يشعر بأن الخطر يحوم بأخيه فينعكس عليه ما يشعر به بتلك اللحظة، فتح عينيه الباكية وصوته الهامس يتضرع لله:
_يا رب!
وأضاف بحزن:
_رحمة مش مبطلة تسأل عليه كأنها حاسة ان في حاجة.
قال أحمد:
_قولها اننا في اجتماع مهم.
أجابه ببسمة ساخرة:
_بتحاول تصدق كلامي!
بدأت الغمامة السوداء تنقشع عنها تدريجيًا، فبدت الصورة غير مرئية، سكنة جسدها المرهق جعلتها تعود لغلقهما من جديدٍ باستسلامٍ لنومٍ آمن، فما أن اخترق مسمعها صوت زوجها حتى جاهدت لفتحهما من جديدٍ، فتمكنت تلك المرةٍ من رؤيته، يقف على مسافةٍ منها بصحبة أبناء أعمامها، ابتلعت ريقها الجاف لتجلي أحبالها الصوتية، فرفعت يدها تجاهه وهي تناديه بصوتٍ خافت للغاية:
_ياسين.
التفت تجاه الفراش بلهفةٍ، فابتسم بفرحة حينما وجدها استردت وعيها، أسرع اليها فمال بجسده قبالتها على الفراش، وضع يده على رأسها وهو يردد بشوقٍ:
_فوقتي يا حبيبتي.. حمدلله على سلامتك.
مررت عينيها بالغرفة وهي تحاول تذكر كيف أتت إلى هنا، أو بالأحرى ماذا حدث بالتحديد، احاطها الشباب ليطمئنوا عليها، فتعلقت نظراتها بعمر وتلقائيًا رددت بصدمة استيعابها الكامل:
_عدي!!!!
بحثت عنه بينهم وقد تسرب لها أخر مشهد ختمته عينيها قبل أن تفقد الوعي، انهارت باكية بصوت مرتفع ومن بين شهقاتها رددت بصراخ:
_عدي..
احاطها ياسين وضمها اليه، فشعر بدمعاتها تتنقل لحدقيته اللامعة بالدمع تأثرًا بحالتها الغريبة التي يرأها بها لأول مرة بحياته، فقال:
_اهدي.. احنا مش هنسيبه.
بكلمات عشوائية حاولت نقل ما حدث اليهم ليساعدوه:
_في ناس خطفوه.
وأشارت على يدها برعب:
_حقنوه وأغمى عليه بعدها نقلوه لعربية سودة.
ضمها اليه بالكامل محاولًا امتصاص توترها المقلق هذا، فقال:
_شوفنا تسجيلات الكاميرات يا مليكة.. هنحاول نوصله متقلقيش.. ارتاحي انتي وأنا أوعدك ان مفيش مخلوق هيمس عدي طول ما أحنا موجودين.
عاد الدوار إليها، فمالت برأسها على كتفه، تعلقت به وغفت بنومها الكامل، اعتدل ياسين بجلسته لتسترخي بنومها، فهمس معتز خشية من ايقاظها:
_مازن في الطريق..بس حازم اللي مش مبطل رن عليا.
قال جاسم:
_ولا عليا انا كمان.
أشار لهم رائد بهمس حذر وعينيه تتابع مليكة:
_اوعوا تبلغوا حازم حاجة طول مهو بالقصر...يمكن حد جنبه يسمع والخبر يوصل لرحمة أو لطنط آية.
أشار أحمد اليه:
_المهم دلوقتي لازم نستغل كل دقيقة ونتحرك باقصى وقت.
على هاتف أحمد بالمكالمة التاسعة عشر، فزفر وهو يجيب بضيق:
_مش وقتك يا حازم هكلمك بعدين.
اتاه صوته الغاضب يخبره:
_برن عليكم كلكم بقالي ساعة ونص... عدي اتخطف يا احمد كنت راجع المقر بعد ما وصلت البنات ولقيت عربية غريبة طالعة من الجراج وفيها ناس ساندة عدي، انا ماشي ورا العربية اللي هو فيها!
جحظت عين أحمد بصدمة، جعلت عمر يتساءل برعب بأن الخبر متعلق بأخيه:
_في أيه يا أحمد. طمني عرفت حاجة عن عدي!
تجاهل الجميع وهو يردد :
._خليك وراهم وابعتلي اللوكيشن.
جذب عمر الهاتف منه ثم فعل السماعة الخارجية وهو يحذره:
_حازم اوعى حد يحس انك وراهم الناس دي خطيرة..
اجابه وهو يقود بتمهلٍ حذر:
_متقلقش يا عمر.. بس هما واخدينه في مكان بعيد جدًا على الطريق الصحراوي انا وراهم بقالي ساعة ونص!!!
حمل عمر مفاتيح سيارته وهرع للخارج وهو يردد:
_ابعتلي حالا اللوكشين واوعى مهما حصل تدخل من غيرنا.. هتعرض حياتك وحياته للخطر.. اتدارى واستنى لما نوصلك.
لحق أحمد بعمر، حتى معتز وجاسم ركضوا من خلفهما، وضع ياسين مليكة بفراشها ثم قال لرائد:
_اتصل برانيا خليها تيجي تقعد جنب مليكة هي أنسب واحدة في البنات.. عاقلة كفايا ومستحيل هتتكلم.
جذب هاتفه وطلبها وهو يركض خلفهم للمصعد، فقال بايجازٍ وهو يصعد خلفه ياسين والشباب المصعد:
_رانيا تعالي المقر حالا، مليكة تعبانه ومحتاجالك وأوعي حد من القصر يعرف أي حاجة..
انتظر لسماع قلقها المتصل بعباراتها المتسائلة فانهى اتصاله بكلمة مختصرة:
_لما هرجع هحكيلك كل حاجة.
توقف المصعد فاتجه الشباب بأكملهم للخروج، وما أن فُتح باب المقر حتى تفاجئوا بيحيى من أمامهم، بعد أن بلغه عثمان بما حدث اتجه للمقر عله يعلم ما الذي حدث ليجعل ياسين يتصرف هكذا، وزع نظراته بينهم بدهشةٍ اتبعت سؤاله:
_على فين؟
توزع الارتباك على وجوههم مما زرع الشك ليحيى الذي شدد من نبرته:
_في أيه؟!
تطلع الشباب لعمر، فقال بعد صمت استحدثه لصياغة التفكير، من المستحيل أن يخفي أبيه شيئًا عن رفيقه، فقال:
_عدي اتخطف يا عمي.
جحظت عين يحيى في دهشةٍ جعلته لا يحتمل استيعاب ما حدث للتو، فردد بعدم استيعاب:
_مستحيل!! ياسين رايح برجليه لحد عندهم!!
تساءل أحمد باستغراب:
_مين اللي رايح برجليه.. تقصد أيه يا عمي؟
صاح بهم وهو يحاول أن يتمالك أمره:
_كنا متحفظين على راجل من رجالته، وأكيد ال** ده هدده بعدي عشان كده أخده وراح لوحده.
اليوم هو يوم الصدمات الجماعية، تتفرق بينهم جميعًا والفرار من الأمر ليس هين، ليس عدي المعرض للخطر من أمامهم، ازدادت لائحتهم وليست أي زيادة، عصب تلك العائلة وأهم أضلاعها بخطرٍ سيدمي العائلة بأكملها، تواصل يحيى مع حازم بعد معرفته بما حدث، وشدد عليه الحرص الا يشعر به أحدٌ، تحركت السيارات اتباعًا للموقع المطروح على الشاشات الصغيرة بالسيارات، وانضم اليهم مازن بأسلحة ضخمة حملها بصندوق سيارته، وطول الطريق زرع بقلوبهم التوتر والخوف من القادم!
********
جسده القوي مقيد على المقعد الخشبي المتهالك بمنتصف المغارة التي يحد قلبها بناءً خشبي يصنع داخل المغارة منزل بكافة استخداماته، مظهره من الخارجي يخادع العين بأنها مجرد فتحة داخل جبلًا حالك السواد، وداخلها وكرًا خاص لهذا اللعين الذي لجئ لتغير دينه مسبقًا وانحلاله لأكثر من طائفة ليحصل على السلطة والأمال، وكأنه وكر أفعالي تتلئم بأسلحة وطول بنية قوية للغاية، كان عددهم بالداخل يتخطى الأربعون رجلًا، ومن الخارج خمسة وثلاثون يحاطون بالمغارة من جميع الاتجاهات بأسلحةٍ مخيفة، وبداخلها تتجمع الأفاعى حول هذا المغيب، يننظرون الآذن لحقنه مجددًا ليسترجع وعيه، هبط هذا الأرعن من الدرج الحجري ليصل للأسفل بمئزرهة الحريري المتدلي من خلفه بفرو غليظ، وبيده مشروب من الكحول المحرم، الابتسامة تشكلت على وجهه فور رؤيته لخطته تنجح وتحقق صداها برؤيته له قبالة عينيه، دنا حتى أصبح يقف مقابله، تشمله نظراته بكرهٍ وحقدٍ دافين، قبض بيده على خصلات شعره البنية الطويلة، ليرفع رأسه اليه وهو يكز على أسنانه مصدرًا أوامره:
_فوقوه.
انصاع إليه من يترقب اشارته، فحمل المحقن واقترب منه، حقن مصمه بالأبرة فما أن مرت دقيقة كاملة حتى استرد عدي وعيه تدريجيًا، فتح حدقتيه على مهلٍ والابتسامة تشق وجهه مما زرع الدهشة على وجه مهاب، وخاصة حينما قال :
_لسه زي ما أنت ومتغيرتش، فكرتك هتكتسب خبرة لما تخش مجال رجال الأعمال بس للاسف هتفضل زي ما أنت يا أمجد!
كانت مفاجأة غير لطيفه بالمرة، كسرت جزء من غروره، فانحنى تجاهه وهو يردد بهدوءٍ يعاكس ثورته:
_لا ذكي... لما قولتلي صوتك مش غريب عليا حسيت اني ظلمتك لما قولت عليك متهور وغبي!
اتسعت ابتسامة عدي، فاعتدل بجلسته قليلًا وهو يراقب الحبال الغليظة التي تكتف ساعديه، فقال دون إن يعبئ بما يحيطه من عدد مخيف:
_يمكن أكون عقلت بس للأسف أنت اللي متعلق بيا ومش حاببني أتغير للاحسن!
وتركزت نظراته تجاهه وهو يردد ببطءٍ ونبرة مخيفة:
_صحيت الوحش اللي جوايا.. بس أوعدك المرادي مش هعتقلك حي.. هسلمك جثة!
تعالت ضحكاته بجنون جعل من حوله يبتسم على حديث هذا الشاب المجنون، يتحداه داخل وكره الممتلئ برجاله وهو أعزل دون سلاحًا!
ورغم ذلك لم يرمش له جفن، وخاصة حينما انحنى مهاب ليكون قبالته وجهًا لوجه، فقال من بين اصطكاك أسنانه:
_النهاردة محدش هينجدك من ايدي، اللي حماك مني مرة واتنين هو بنفسه هيبقى زليل تحت رجلي.
رمش بعينيه بدهشةٍ، فأكد له مهاب ببسمة ساخرة:
_ياسين الجارحي كان بينجح كل مرة ويبني ألف سد بيني وبينك، بس خلاص هو بنفسه اتحبس معاك جوه السد ده.
تأكدت ظنون عدي بتلك اللحظة، فادمعت عسلية عينيه تأثرًا، غامت سحبة قاتمة ابتلعت مائها فور سماع أحدٌ الرجال يردد:
_ياسين الجارحي وصل بره ومعاه مصطفى زي ما طلبت يا كينج!
ضحك بانتصارٍ وهو يقذف تجاهه أساور حديدية (كلبشات) قائلًا:
_فتشه كويس وقيده.
ثار عدي فتحرك جسده بعنفٍ شرس على المقعد، وهو يردد بصراخٍ:
_هقتلك يا أمجد... وقسمًا بالله هقتلك لو قربت لابويا... خليه يمشي من هنا تارك معايا أنا!
ضحكاته المستمتعة كانت تحفز خلاياه، فتجعل قوته تخور عن مسارها، رفع عدي جسده فنهض بالمقعد، واستخدم ساقه ليصعد فوق الصخرة المرتفعة ومن ثم القى بذاته من ارتفاع شاق، فتحطم به المقعد وفكت قيوده، وفي لمح البصر قبض بيده على عنق أمجد السلاموني(مهاب أبو العزم) ، والاخر يبرق له بصدمة، لولا تدخل رجاله لكان الآن بعداد الموتى، سعل بقوة والرعب يحتضن حدقتيه حينما رأى موته يرفرف بين أعين الوحش الثائر، فقال بارتباك:
_قيدوه بالكلبشات.
انصاعوا اليه ولفوا ذراعيه لخلف ظهره وقيدوه بالكلبشات، فدنى منه أمجد بعد تأكده من تقيده التام ثم انهال على وجهه بلكمة اصابت وجهه، وقال ببسمة ساخرة:
_هتحاسبني على أيه ولا أيه.. على محاولة قتلي لابن عمك ولا على الحالة النفسية اللي مراتك فيها بفضل مصطفى اللي رجع بفضلي ولا على اني بعد ما هقتلك وأقتل أبوك هخلص على نسل الجارحي كله بنفسي عشان ناري اللي جوايا منك تبرد.
وحك فمه بفوه سلاحه وهو يشير له:
_أنا بس محتار اختارلك موتة تليق بيك.. محتاج وقت أفكر.
وأشار لرجاله قائلًا:
_ارموه فوق لحد ما أشوف الباشا بنفسي.
جذبوه للاعلى وهو يحاول البقاء لرؤية أبيه، وصراخه مازال يعصف بالمكان:
_هقتلك لو قربت لأبويا... سامعني!
استعد مهاب للقاء ياسين الجارحي، فولج للداخل بعظمة وثبات طغى على من يراقبه، عزيزًا هو حتى إن فقد قلبه طوع أمره، حتى وإن زف لموته بقدميه سيظل صامدًا عتيًا، لا يقوى على كسره أحدٌ، تحرر مصطفى فأسرع تجاه مهاب ببسمة انتصار لحقت بقوله:
_كنت واثق ان محدش هيقدر عليك يا باشا.
حانت منه نظرة خبيثة أحاطته من رأسه لأخمص قدميه، فقال وهو يرتشف مشروبه بتلذذٍ عجيب:
_محدش يقدر يهزمني.. بس أنا معملتش كل ده عشانك..
واستدار ليقابل نظرته المندهشة ببسمة شيطانية:
_اللي مستغربه انك عاشرتني وعرفت اني بكره الراجل الغبي والضعيف والصفتين اتجمعوا فيك يا صاصا.
وقبل أن ينهي كلماته إخترق رصاصه جسده فكاد بالترنح للخلف ولكنه جذبه إليه يضمه بهمس مخيف:
_محبتش أخسر وداعك الجميل ده.. مع السلامة يا حبيبي.
وألقى جسده وهو يشير لرجاله:
_ادفنوه..
وتطلع تجاه ياسين بعنجهيةٍ، ظنًا من أن ما فعله سيزرع الخوف بحدقتيه الثاقبة، فلم يجد سوى الصلابة والقوة، فقال ببسمة ساخطة:
_نورت المطرح يا باشا.. أنا طبعًا مكنتش حابب اننا نتعرف بالظروف دي بس محدش بيرتب لحاجة.
تحرر عن ثباته وهو يردد:
_فين ابني؟
تناول مشروبه جرعة واحدة وقربه لرجله الذي أضاف كمية أخرى، وقال:
_مستعجل ليه.. أنا حابب أتعرف عليك اللي أنت عملته طول السنين دي كلها يخليني عندي فضول أتعرف على شخصية ياسين الجارحي اللي الكل بيعملها ألف حساب.
وجذب المقعد ثم جلس ووضع قدمًا فوق الاخرى وهو يردد بمكر:
_بس حقيقي متوقعتش انك هتسمع كلامي وهتيجي من غير رجالتك!
رفع احد حاجبيه وابتسامته الصغيرة لحقت به وهو يردد بصلابة:
_الجبان هو اللي بيتحامى في رجالته.. وأنا مخوفتش من حد عشان يجي واحد تافه زيك يزرع الخوف جوايا.
واسترسل بنظرة ثاقبة:
_أنت اللي لازم تخاف.. وتفوق من السُكر اللي أنت فيه يمكن ساعتها تعرف انت اختارت تلعب مع مين؟
ابتلع ريقه بارتباكٍ غريب، ذاك الرجل ما هو اللي نسخة عدي الأصلية، قوته.. قوام شخصه.. ثقته الغريبة.. نظراته.. كل شيءٍ يفرض به قوة وهيبة عظيمة، ومع ذلك لجئ لتخوفيه فقال:
_متنساش ان ابنك تحت رحمتي.. وبيترجاني أرحمه.
قاطعه بنبرة اخترقت مغارته كقوة سيف يشق الجسد نصفين:
_ابني لو بيطلب رحمة من انسان حقير زيك أنا بنفسي هقتله.
وببسمة ثقة قال:
_أنا خرجته من حربك من البداية، وأنا وأنت اللي في الساحة.. فياريت متفرحش بانتصارك المؤقت ده.
ولج أحد رجاله للداخل ليردد بارتباك:
_يا كينج.
أشار له بغضب:
_غور دلوقتي.
أصر الرجل للحديث معه،قائلًا:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها.
مال ياسين برأسه تجاه الرجل وكأنه يعلم ما سيقول، وقال بانتصارٍ:
_شوف رجلك عايز يبلغك بأيه.. وجمد قلبك لسه الحرب منتهتش.
ارتعب من وضع الافتراضات حول ثقته الكاملة تلك، فقال بعصبية بالغة:
_اتكلم.
أفصح الرجل عما أتى لاجله:
_البوليس قبض على رجالتنا في أمريكا ودبي.. وقبضوا على شركائنا بره وجوه مصر... اتدمرنا يا باشا معتش لينا دعم بره..
جحظت عينيه في صدمةٍ، واهتز طوله الفارع،وراح يردد بعدم تصديق:
_ده كدب محدش يقدر يوصل لاسمائهم ولا لأي شيء متعلق بيهم، بقالهم سنين بيحاولوا!
اخترقت كلمات ياسين الآذان حينما قال بثقةٍ:
_مهو المسؤول عن اللي حصل مش أي حد... الجوكر والاسطورة بنفسهم الموكلين بالمهمة دي.
واسترسل بسخرية:
_حقيقي أنت صعبان عليا، اختارت تحارب الشخص الغلط.. وقعت نفسك مع الشبل وركزت حربك عليه ونسيت القبيلة بتاعته، من عيلة وأصدقاء وقبل كده أبوه اللي قبل ما تفكر تكسره هد عشك فوق دماغك.. أنا طلبت منهم يتحركوا ويقبضوا عليهم في اللحظة دي بالذات عشان متفكرش انك بتلوي دراعي بابني، بالعكس انا حابب لما أواجه الموت أكون معاه كتف بكتف.. بس وانت كده مش قادر تفوق من الصدمات اللي انا السبب فيها.. يمكن في المستقبل لو طلعت من هنا حي تأخد الدرس كويس وتختار اللي تقف قصاده كويس.
وجوده قبالته بتلك اللحظة أربك كيانه ، فخشى أن يلاحظ ياسين ارتجافه أمام قوة حضوره وتحكمه بلجام الفرس بإشارة صغيرة وهو يقف أمام عينيه، كان يظن بأنه يمتلك من الرجال ما يجعله مميزًا لتلك الدرجة، ولكن قوته تلخصت الآن بذكائه، ابتسامته وثباته جعله يشير لرجاله قائلًا:
_خدوه فوق لحد ما نتأكد من الكلام ده.
انصعوا اليه ورفضوا لمسه واجباره على المشي فأشاروا له واتبعهم للأعلى برزانةٍ وصلابة مازال يلجئ إليها، حتى وإن اهترى قلبه قلقًا على ابنه وعدم وجوده بينهم كان يسن أعظم سلاحًا إليه.
*******
تسلل صوت الرصاص إليه بالأعلى زرع افتراضات كلاهما أصعب من الأخر، وأسوء ما يحتلهما اصابة والده بالطلق الناري، زحف عدي بجسده حتى استند بذراعيه المقيدة خلف ظهره على احدى الصخور، وكلما حاول التمسك برزانته وقوة ثباته فشل فشل ذريعًا، وخاصة بتعلق الامر بأبيه، فطرق برأسه على الحائط من خلفه وعينيه لا تفارق سقف الكهف الحجري، وكلما ارتبط الأمر بموت أبيه زاد بطرق رأسه لتتوقف عن طرح فكرًا مشابه لذاك، يشعر ولأول مرة بضعفه دونه، فأغلق عينيه ليبعد عنه أي أفكارًا غريبة، وفجأة تسلل لفقعته صوته الدافئ:
_عدي!
فتح عينيه على مهلٍ فوجده يجلس جواره مقيد بالكلبش الحديدي، ارتخت معالم كلًا منهما وهو يجد الأخر على ما يرام، فعاد ليستند برأسه للخلف ورأسه يستدير تجاهه، فقال بحزن:
_كنت بتعمل كل ده عشان تحميني، وأنا كنت بحاول أفهمك وأفهم أيه اللي بتحاول تداريه ورا تحدياتك، ودلوقتي فهمت.
واسترسل وهو يتطلع إليه بأعين دامعة:
_فهمت انك أعظم أب في الكون، كل تصرف عملته كان وراه ألف مبرر في وقت أنا مكنتش لقي مبرر واحد لتصرفاتك، بعدك للبنات عن القصر كان عشان رحمة تكون بامان بعيد عن المشاكل اللي أنا فيها!
استمع إليه بسكون وهو يستند برأسه على جسد الصخرة مثلما يفعل عدي، يسترخي تمامًا لأخر لحظاتهما معًا، انهمرت احدى دمعاتها وهو يختم حديثه:
_اد ايه انت شخص عظيم وتستحق حب كل اللي حواليك.
تطلع تجاهه ليكسر صمته ببسمة هادئة:
_كلهم الا ابني!
رد عليه بصوته المحتقن من الدموعٍ:
_لانه غبي ومتهور ومش مقدر النعم اللي في حياته.
ابتسم وهو يردد بمرحٍ:
_يمكن شايف نفسه توم كروز ولما بعد عن كيانه وشغله حب يعيش مغامراته جوه قصر الجارحي وملقاش حد يتحداه غير كبيره مثلًا!
افتر فمه عن ابتسامةٍ، ثم قال بتريثٍ:
_تعرف أن الكلب ده هيقتلنا!
أجابه بثقةٍ:
_ده يبقى غبي بصحيح لو سابنا عايشين بعد القلم المحترم اللي اخده مني.
اعتدل وتساءل بجدية:
_قلم أيه؟!
رد عليه ياسين وهو يتعمق بنظراته إليه:
_مراد ورحيم مسكوا القضايا الدولية الخاصة بالمجموعة اللي بتساعده بره مصر، وفي اللحظة اللي كانوا هيقبضوا فيها عليهم كنت إنت اتخطفت، كانوا عايزين يتراجعوا بس أنا رفضت، لو مصيرك الموت هنموت مع بعض يا عدي.. بس الكلب ده ميحققش اللي في دماغه وميفكرش انه انتصر عليك!
استند برأسه مجددًا على الصخرة وهو يردد بعدم تصديق:
_حتى مراد ورحيم جندتهم!
ضحك حتى برزت أسنانه البيضاء، وقال:
_اعترف إني خصم مش سهل، حتى وإحنا على مشارف الموت.
اتجهت نظرات عدي إليه، وقال بانفعالٍ شرس:
_محدش هيقرب منك طول ما أنا حي.
ابتسم وهو يستمع لما قاله، وما أن تطلع إليه تلاشت ابتسامته تدريجيًا حينما وجد وجهه يزداد لونه بالأصفر القاتم، وجبينه يتصبب عرقًا، فزع ياسين فتحرك تجاهه يسأله بلهفةٍ:
_عدي مالك؟!
كبت تأويهاته المؤلمة، فشك ياسين فيما يفعله، فحاول ابعاده عن الصخرة باستخدام يده المكبلة بالكلبش ليعلم ماذا يفعل خلف ظهره، فتفاجئ به يمزق ابهامه بصورةٍ جعلت جسد ياسين ينتفض وهو يصرخ به:
_انت بتأذي نفسك!
سحب ابهامه من الكلبش بسهولة، فتحرر يده، ضمها عدي اليه وهو يرسم بسمة خبيثة يتبعها قوله الماكر:
_كسر صابع أفضل من فصل رقبة يا باشا.
ومزق قميصه الأبيض ثم لفه على اصبعه وهو يخبره ببسمة صغيرة:
_غريب اني لسه فاكر دروس مهنتي! .
ونهض من جواره يبحث عن شيءٍ حاد، فوجد قطعة من الحديد مطولة قد توفي بالغرض، فركها عدي بالصخور ليحصل على سنٍ حاد، ثم دنى من ياسين يفك الأساور عنه بمهارةٍ فائقة، فقال وهو يتطلع اليه:
_يمكن جيه الوقت الا تشوف بعينك تاريخ ابنك اللي عاشه في الشرطة مع المجرمين.
واندث بأحضانه ثم قبل يده وتطلع اليه وهو يخبره بصوته الباكي:
_أنا آسف اني كنت السبب في كل اللي عاشته.
ابتسم وهو يمرر يده على خصلات شعره:
_ولو لسه في عمري عمر هفيديك أنت وأخواتك لحد أخر نفس!
أزاح دموعه وهو يشير له:
_عارف وواثق من ده وآ...
بترت كلماته حينما تسلل اليه خطوات أحدٌ يقترب منهما، فتسلل لخلف الصخرة وما أن ولج أحد الرجال حتى حاصره من الخلف، فكمم فمه وتحكم برقبته بكلتا يده، وفي لحظة كسر رقبته بين يده وألقاه أرضًا، ثم حمل السلاح عن يده، وأشار لوالده بتتبعه، اتبعه ياسين للخارج، فوجده يراقب الأماكن بعناية بالغة، وفجأة يختفي لتلك الصخور المرتفعة ببراهةٍ، وفي لمح البصر كان ينجح بقتل فريسته، ويعود للاخرى من جديد، فاستخدم احد الأسلحة القاتمة للصوت، وشق طريقه بالقضاء عليهم..
*****
توقف العالم من حوله وأخذ يراقب كل ردة فعل يتخذها عدي، ربما شاء الله عز وجل أن يحدث كل ذلك حتى يرى بعينيه ماذا يتمكن ابنه من فعله، هو ليس ظابطًا عاديًا مثلما أكد له اللواء واصدقائه، بل احترف مهنته وباتت بصميم قلبه، كان ياسين يخطو من خلفه ببطءٍ، يشاهد ما تمكن من فعله، قلب زمام المعركة وهو بمفرده فماذا إن كان يقود فريقًا بأكمله..
نال احدهم الطلقة النارية وسقط عن الصخور بالأسفل، فانتبه رجال مهاب لما يحدث بالطابق العلوي من الكهف، اتخذ الجميع مواقعهم، وشتان ما حدث حينما ولج من الخارج أحد الرجال، كان مصابًا بكتفه الأيمن يخبر رئيسه برعب:
_في ناس هجمت علينا وموتوا كل الرجالة.
صعق مما استمع اليه، وتساءل:
_البوليس وصلنا ازاي؟
أكد له:
_لا مش بوليس..
تساءل بفضول:
_أمال مين؟
اتاه الرد قاتل، حينما ولج شباب الجارحي بأكملهم للداخل لتبدأ المعركة الآن، وكُل ينتقم لنفس الهدف، تشابك مازن بالاسلحه بمهارةٍ، واختبأ أحمد ورائد خلف الصخور، تسللوا وهاجمهوهم من الظهر حتى يمنعوا هجوم مازن بالرصاص الحي، أما جاسم فجذب أحد أسياخ الحديد وهوى بها فوق الرؤؤس، وتبادل معتز اللكمات مع من تتلقفه يده القوية، أما عمر فتركههم وصعد للاعلى يبحث عن عدي وأبيه بخوفٍ شديد، فعاد قلبه ينبض من جديدٍ حينما وجد أبيه يتبع عدي للاسفل، ركض اليه فاحتضنه وهو يردد ببكاء:
_بابا.. الحمد لله انكم بخير.
اندهش عدي وياسين بوجوده، فاحتضن عمر عدي، فضمه وهو يشير له:
_مش وقته... هنموت كده.
تساءل ياسين بذهول:
_أنت وصلت هنا ازاي؟!
قال وهو يشير للاسفل:
_كلنا هنا.
******
اتبع اللواء اشارة جهاز رحيم المغارة بقواته الخاصة، بناء على مكالمة مراد الذي يتابع القبض على المافيا الدولية بأمريكا، وكان نصيب رحيم دبي لينهوا امبراطورية هذا الأرعن وأسياده، فوصل للمغارة ليضيف من قوتهم قوة، حاصروا المكان بأكمله وحينما ولجوا للداخل بدأت معركة أخرى يطوف بها الرصاص الحي من جميع الاتجاهات..
صعد حازم فوق ظهر فؤاد، وأخذ يكيل له الركلات قائلًا بسخط بعدما ترجاه الاخير:
_ما أنتي اللي مبتحرميش يا فوءة... قولتلك فكك من الراجل الشمال ده مصممة تشتغلي معاه يبقى لازم تتربي!
وركله بقوةٍ اطاحت به أرضًا أسفل قدم الشرطي الذي اعتقله على الفور، فقال بتحذير:
_الراجل ده لو خد براءة الشعب هيتدمر كله.. لأنه غبي وبينقل العداوة للكوكب.
واتجه لاحد الرجال فطرق يد بالاخرى وهو يردد بهمة:
_استعنا على الشقا بالله.
ولكمه بقوة جعلت الاخير يرتد للخلف ثم القى ذاته من فوقه ليكيل له صفعات متتالية، ومن ثم كبت منخاره بيده فاتجه اليه معتز وهو يشير له بصدمة:
_بتعمل أيه يا متخلف انت؟!
قال باستغراب من سؤاله:
_بعذبه!!
لطم جبهته بيده وهو يشير له بنفاذ صبر:
_كمل رحلة تعذيبك كمل.
تساءل بجدية:
_ايه رأيك أقضي عليه بحركة السلحفة؟
رفع احد حاجبيه باستغراب:
_حركة أيه؟
أشار له بالتمهل وكور يده ثم ردد وهو يحركها كالسلحفة:
_أووووع هوووه.
وهبط بها فوق رأسه ففقد الوعي على الفور.
****
لفت انتباه ياسين رؤيته نفس الشخص الذي رأه مسبقًا في تسجيلات الكاميرا، يعتدي على زوجته بالسلاح الذي أصاب رأسها، غلت الدماء بعروقه، فصعد الدرج الصخري حتى بات يقف قبالة عينيه، ألقى جسد الشرطي بعدما انتهى منه بإهمالٍ، وتأهب لذلك الغريب الذي يطالبه بنزال اعتاد عليه، لم يكن هينًا بالمرة كان يمتلك جسدًا ممتليء بالعضلات القاسية، فهولاء يتم اختيارهم بعنايةٍ للعمل مع الشياطين التي تلقهم بالمال، لذا قام مهاب بإرساله هو ليقوم بخطف عدي، فلم يختار الا أشرسهم قوة ووحشية، جذب السيف الحاد ثم هاجم ياسين، متعمدًا قطع قدميه، فقفز عاليًا متفاديًا السيف، ومن ثم انحنى، وقفز ليهوى بلكمة قويةٍ على وجهه، جعلته يرتد للخلف وهو يتأمله بقلقٍ، خلع ياسين جاكيته ثم تقدم منه ليناله عدد من الركلات واللكمات التي افتكت به، فرفع السيف ليغرسه ببطنه، فتفاده ياسين ولوى ذراعه ليضربه بكل ما أوتى من قوةٍ، فسقط السيف على ذراعه الأيمن ليبتره عن جسده، صرخ الرجل بألمٍ وتلوى أرضًا، فجذبه ياسين اليه وهمس بفحيحٍ مخيف:
_كل ما تبص على ايدك افتكر ان ده جزاء اللي يمس واحدة من حريم الجارحي، وبالأخص لو كانت مراتي.
وألقاه أرضًا ثم بصق بوجهه بنفورٍ، وكاد بالمغادرة فتوقف حينما وجد حازم يسرع اليه، فحمل ذراعه المبتور وقدمه له وهو يردد بشفقةٍ:
_يا كبد أمك يا ابني.. خد يا حبيبي متعيطش
ونهض ليقف امام ياسين ثم صاح به:
_في أيه يا ياسين احنا قتالين قتلة يا جدع.. مينفعش الوضع ده!
صاح به معتز:
_سيبه يتربى ده رفع ايده على مليكة.
صعق حازم مما استمع اليه، فركض اليه وحمل ذراعه ثم القاه بعيدًا عنه وهو يشير له بغضب:
_تستاهل بصراحه مش لقيالك مبرر!
******
تغلب أحمد على من يواجهه من هؤلاء العتاة، فكاد بالهبوط للاسفل، ولكنه توقف حينما شعر بسلاحٍ يخترق فوهه رأسه، وصوت خشن يردد:
_اثبت مكانك لاعلم عليك.
استدار ببطءٍ إليه، فلمح عمر يقترب من خلفه وهو يشير له بأن يقوم بإلهائه، فصفر له من الخلف فما أن استدار حتى قبالته لكمته القوية فاسقطته أرضًا، فأشار لأحمد بغرور:
_أي خدمة يابو حميد.
********
نجح عدي باسقاط عدد لا بأس به من أتباع مهاب، حتى هبط للاسفل، فتفاجئ باللواء يحاصر المغارة بقواتٍ من الشرطة، وابناء اعمامه يساعدونهم بصدر رحب، اجتمع الشباب حول مهاب أبو العزم بعدما تعرى بدون رجال لحمايته، فالتف الشباب من حوله، وسددوا إليه لكمات اطاحت به بينهم، فجذبه حازم من تلباب قميصه وصاح به ساخرًا:
_بقى أنت بتخطف واحد من عيلة الجارحي يا بجاحتك يا أخي، ده أنت هيتعمل منك صوابع زينبو!
ولكمه بقوة أطاحت به لجاسم الذي نال به ركلة قوية وهو يشير ساخرًا:
_عامل فيها زعيم عصابة!
ردد معتز وهو يتلقفه:
_على نفسك يالا، ده أنت هتأكل بالشبب لتاني يوم الصبح عشان تحرم!
لكمه أحمد بقوةٍ جعلت فمه ينسدل بالدماء وقال بشراسة:
_لما تحب تهاجم حد خرج الحريم بره الليلة، بس أنت متعرفش يعني أيه رجولة.
تلقفه رائد فانهال عليه بالركلات القوية التي مالت جسده لمازن فرفض تسليمه لاي منهم، وخلص ما فعله بزوجته منه على أكمل وجه.
تابع اللواء ما يحدث بصدمة، فقال ليحيى الذي يقف لجواره:
_يا باشا مينفعش كده، احنا عايزنه حي من فضلك اتدخل.
راقب يحيى ما يحدث باستمتاع، ثم قال:
_سيب الاولاد يلعبوا يا سيادة اللوا.. كملوا يا شباب..عايزينه يتربى.
واتجهت نظراته لياسين الذي يقترب ليقف جواره، فحاوطه بذراعيه وهو يعاتبه بشكل مضحك:
_أنت مش مشترك في تربيته مع ولاد عمك ليه يا حبيبي.. عضلاتك نفخ ولا هبطت!
ضحك ياسين وهو يشير لعينيه:
_عيني.. هروقهولك.
صاح اللواء:
_يا يحيى باشا مينفعش كده.
تعالت ضحكات عدي وهو يتابع ما يفعله عمه للانتقام من مهاب، فترك جلستهم واتجه لرفيقه، ضمه يحيى اليه وعاتبه بحزن:
_كده يا ياسين تمشي من غير ما تقولي، عمرك ما عملت حاجة من غيري تقوم تروح للموت لوحدك.
ابتسم ياسين الجارحي، فقال وهو يربت على كتفه:
_وأنت عملت أيه جيت ورايا برجليك!
اشار بغرور:
_طول عمري وراك..
جحظت عين عدي بصدمة، فسحب سلاحه وركض تجاه الشباب فصرخ مرددًا:
_عمـــــــــــر!
انتبه الجميع اليه فصعقوا حينما رأوه يسلط سلاحه بوجه أخيه وجهًا لوجه، غامت عين ياسين لذكرياتٍ حُلم لا يتمنى رؤية تفسيره القريب منه، وأكثر ما يقلقه تحرر زناد سلاح عدي!
......... يتبع.........
#الجارحي5...
#بقلمي_ملكة_الابداع.. #آية_محمد_رفعت..
للحبايب في الأردن الشقيقة هتلاقوا رواياتي الورقية في معرض عمان الدولي للكتاب من اليوم الخميس وحتى 30 سبتمبر 2023
في أرض معرض عمان الدولي للسيارات طريق المطار.
جناح مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع رقم D33
وخصم خاص جدا لمتابعينا على اسعار جميع الروايات بالمعرض.
والمعرض من 10 ص حتى 10 م كل يوم عدا الجمعة من 4 عصرا حتى 10م.
للتواصل في عمان ⬇️
هاتف رقم 0781475406
واتساب رقم
00201001631173
00201004022774
*******______********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثلاثون 30 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويض_الشرس....(#أحفاد_الجارحي5..)
#الفصل_السادس_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "منة طه"،"لمياء ناصر"،"جنى أسامة"،"داليا بكري"،"رشا محمد"،"مروة سيد"،"منة محمد"،"إيمان مدينه" ، "منال حلمي" شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
هزيمته اليوم لم تكن بالحسبان، كان يضع الإنتصار نصب عينيه، فكان مختالًا فخورًا بكل خطوةٍ يحتسبها، وأخر ما يطوف به خسارته، ظن بأن فرسه الأسود سيغلب بقاع الخير الأبيض، ويعلق رأية الشر النابع من شيطانه المارد بكل فخرٍ، فتعجزت حركاته تدريجيًا مع كل ضربةٍ سُددت إليه تباعًا من أعاون "عدي" ، خاصة أبيه، هزمت أطرافه فبترت ذراعيه وقدميه حتى بات لا يمتلك شيئًا، جُن عقله بتلك اللحظة، فاجتاحته حُرقة وغل جعل النيران تلتهم وجهه وصدره، وخاصة حينما انقلب السحر على الساحر وأصبحت الأساور (الكلبشات) هي من تقيد يديه، استشاط وهو يتابع الشباب يحتضنون عدي، ويحاطون به كالدرع المنيع الذي ينشأ حوله ألف حاجز يمنع عينيه من التقاط ظله، وحينما أراد المساس به وقفوا بوجهه كالعاصفة المدمرة التي اقتلعت جذور مملكته من أرضها، اتجهت نظراته لياسين الجارحي بكرهٍ شديد، فلو امتلكت النظرات صدى لكان الآن لحمه ينسل بين أسنان هذا البغيض، ارتسمت على شفتيه الغليظة بسمة ماكرة حينما لمح أحد أبنائه يقف بعيدًا عن محيط تجمعهم حول عدوه الأول، كان يود فعل فعلته به، ولكن فرصة وقته الضئيل جعلته يحاول استغلال ما يمكن فعله ليصيبهم بوجعٍ قاتل، انحنى مهاب تجاه أحد العساكر الواقفين لجواره ينتظرون أوامر اللواء بجره لسيارة الشرطة، فجذب سلاحه عنه على حينٍ غرة، واتجه لهدفه الواقف على بعدٌ قريبًا منه..
انتفض عدي بوقفته وهو يرى أخيه محاط لهدفٍ قاتل، فأبعد عنه الشباب وهرع بسلاحه وهو ينادي أخيه بهلعٍ:
_عمــــر!
رفع عينيه عن هاتفه بعدما كان يتفحص مكالمات ورسائل رحمة التي تفوق الثامنة عشر، تترجاه بأن يجيبها ويطمئنها على زوجها، هاتفه المغلق وتأخره بالعودة للمنزل كاد بإصابتها بالجنون فلجأت لعمر، اندهش حينما وجد أخيه يهرع إليه وما هز جسده تأثرًا حينما وجده يرفع سلاحه بوجهه، رمش بعينيه بذهولٍ وهو يردد بعدم تصديق:
_عدي بتعمل أيه!
كانت لحظة فارقة يشهد عليها الجميع، وقلوبهم تهوى بين قدميهم، البعض يصعب عليه رؤية الصورة كاملة، والاخرون يتسنى لهم رؤية هذا الحقير الذي يستهدف عمر، الخوف والترقب كان هو العامل المشترك بين الجميع، تحررت يد عدي على الزناد، فانطلقت رصاصة تغذو فوق رأس عمر، فاستطاع الشعور بها تمر من أعلى خصلات شعره، لتسحب سمعه من قوتها، وفجأة لم يستمع لشيءٍ بعدها الا لصوتٍ اصطدامًا قوي، جهل بالتعارف على مصدره، كان يظن بأن الرصاص اخترقت رأسه، فترك الهاتف عن يده وتفحص جبهته جيدًا، وحينما لم يجد أثار الدماء، استدار لينضم للاخرون بالصدمة الجماعية.
اخترقت رصاصة عدي جمجمة ذاك الخائن، فاحتلت منتصف حاجبيه بالتحديدٍ، فسقط على أثرها صريعًا، انتقلت نظرات الجميع لعدي بإنبهارٍ، كيف تمكن من تفادي أخيه المتقارب طوله لنفس طول مهاب، واحداث إصابة دقيقة كهذة برأسه!
ابتسم اللواء بفخرٍ، استدعاه وهو يتطلع لياسين، فقال بثقةٍ:
_مفيش مهمة دخالها عدي وخسرناها، ابنك يا باشا مش ظابط عادي، بتمنى تقدر ده وتسمحله يرجع يكون بينا من تاني.
وأشار للعساكر بحمل جثمانه، فحملوه للخارج ومازال عدي يراقبه بصمتٍ، نال الجزاء الذي يستحقه لأفعاله، ولأخر دقيقة لم يحاول اللجوء لربه، لم يحاول لمرة واحدة التقرب إليه وترك ذلك الطريق الملوث، كان يغير ديانته بين الحين والأخر للحصول على دعم النشطاء، فتأتيه فترة يترك لحيته تنمو ويتبع جماعة تدفعه بأفكارها المسمومة للعبث بالدين الاسلامي العظيم، وتأتيه فترة يترك كل ذلك ويتجه لمن يكون داعم له ويقدم له ما شاء، حتى وصل به الأمر للإلحاد وأخرهم اتباع سكنة عبدة الشياطين لأجل المال وسلطة رجال الأعمال المتخفين باستثماراتهم، يفعل أي شيء مقابل السلطة والمال حتى لاقى حتفه أخيرًا لينال جزائه المستحق بين يد الله عز وجل..
*******
تجمدت أطرافه، فلم تنصاع لأوامره بالحركة، بقى محله ويده فقط تفرك فروة رأسه ريثما يجد أي جروح تؤكد شكوكه، دنا منه أحمد فربت على كتفيه بنظراتٍ مازالت تحمل الصدمة بين طياتها، بينما اقترب منه معتز فابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول أن يحرر صوته:
_أنت كويس؟
نفى ذلك صريحًا فأشار برأسه عدة مرات، حك جاسم أنفه وهو يراقب عدي وسلاحه الذي يحمله بيده بخوفٍ، فهمس لعمر قائلًا:
_أنت ونور كنتوا ناوين على الطفل التالت ولا أيه نظامكم؟
أجابه بأريحيةٍ:
_لا الحمد لله استكفينا بهذا القدر!
اقترب منه حازم، فأجبره على الانحناء، ليتفحص بنفسه رأسه، ثم جذبه ليعود بوقفته، وتركه وعاد ليقف محله مجددًا جوار يحيى وياسين، فقال وضحكته ممزوجة بالصدمة حتى نبرته كانت شبه مسموعه:
_أنا بقول يا عمي بعد اللي شوفناه بنفسنا، إن حضرتك تعيد تفكير في الموضوع وترجع عدي شغله، ابنك ما شاء الله مش محتاج منك خوف هو يتخاف منه..
واسترسل وهو يشير على ما يحمله عدي بيده:
_وجوده بينا الخطر بحد ذاته أساسًا.. راجع نفسك وأنا مستعد أعتذر للوا وأترجاه يرجعه الشغل بدل ما يطلع الكبت ده علينا.
نظراته الصارمة جعلته يبتلع كلماته، فانحنى برعبٍ يجذب جاكيته، ثم تسلل بخفةٍ ليقف جوار الشباب في صمتٍ قاتل، كبت يحيى ضحكة كادت بالانفلات منه، فحاول تصنع الثبات حتى اتبع ياسين للخارج.
******
تجمعات سيارات الإسعاف بالمكان، لتنقل المصابين والقتلى، فوُكل منها من قام بمعالجة كدمات الشباب واصابة ذراع عدي الذي إزداد سوءًا بكسر اصبعه، جلس عدي على طرف السيارة المفتوح بابها، وراقب عمر والممرضة تساعده في لف اصبعه بالجبيرة، حتى انتهى تمامًا، فرفع عينيه تجاهه ثم قال ببسمةٍ تحاول اخفاء حزنه الشديد:
_حمدلله على سلامتك يا وحش.
خلى وجهه من التعابير التي تستقبل ابتسامة أخيه الزائفة، فوضع يده اليمنى على ساقه ثم قال:
_عدت.. أنا بخير وقدامك أهو.
لف رأسه للناحية الأخرى، ثم أزاح تلك الدمعة الغريبة التي غيمت بعينيه، فالتقط نفسًا مطولًا قبل أن يردد بصوت مختنق بالعبارات:
_صدقني معنديش القدرة أتحمل كل ده.. أنا مصدقتش اني شوفتك حي وواقف على رجليك.
ابتسم وهو يشير له:
_هو مش سليم أوي.. بس الحمد لله.
واستكمل بمزحٍ:
_وبعدين أنا شاكك إن اللي أنت فيه ده سببه غير كده يا دكتارة!
ضيق عينيه بصدمة:
_تقصد أيه؟
تعالت ضحكات الرجولية، ومن بينها قال:
_الطلقة!
شاركه عمر الضحك، وقال بصعوبة بالحديث:
_قولتلك ألف مرة أنا دكتور محترم ماليش في جو الاجرام ده.. تقوم تخضني برصاصة ملهاش طريق غير من فوق رأسي.
واسترسل بمزحٍ:
_بس يلا راحت لحال سبيلها وإختارت ابن الحلال الملائم ليها.. والله ما خسارة فيه.
وأشار له بجدية جعلت الاخير ينفلت من الضحك:
_بالك الشيطان ده لو كان دخل الحبس كان خرج تاني وقرفنا معاه وأنا بصراحة معنديش خلق للصراعات اللي هتدور بينك وبين ياسين الجارحي تاني.. استكفينـا!
*****
بسيارة الإسعاف المجاورة لعدي، كانت الممرضة تقوم بمداوة جرح ياسين بكتفه الأيسر، فما أن انتهت من وضع اللاصق الطبي حتى ارتدى قميصه المتسخ، وجلس على طرف السيارة جوار رائد الشارد، فطرق بخفة على ساقه وهو يخبره ببسمة هادئة:
_عدت الحمد لله.
منحه ابتسامة صغيرة، انهاه حينما قال بصوته الرخيم:
_الحمد لله ان محدش اتصاب واننا كلنا بخير.
واستدار بجلسته ليكون بمواجهة ياسين، فمنحه نظرة مشككة، حملت ظنون جعلته يردد بقلق:
_بتبصيلي كده ليه؟!
أشار له بدهشةٍ وكأنه أفاق للتو:
_أنت قطعت دراع واحد منهم! أنت بقيت بلطجي درجة أولى يا ياسين!
لم يعبئ بحديثه، وانتصب بوقفته يرتدى جاكيته ويهندم ملابسه بآناقةٍ حتى إن كانت تمتلأ بالغبار، وقال وهو يهم بالتحرك للسيارة المجاورة إليه:
_وممكن أعمل أكتر من كده لو حد فكر يمس شعرة من مراتي!
غمز له بمكرٍ وهو يخبره:
_الظاهر ان عدي لوحده اللي ميتخافش منه!
******
بالسيارة المجاورة لهم، قام الممرض بلف رأس مازن بشاش أبيض يحجب اصابة رأسه، حينما سقط أحدهم على رأسه بعصا غليظة، فقام معتز بانقاذه حينها، فتمدد على السرير المتحرك المتوسط للسيارة، ومن حوله كان يجلس جاسم ومعتز الذي تساءل بريبةٍ:
_طمني عليك يابو نسب أنت كويس؟!
كاد بأن يقتلع عنقه، فكبت نظرات غيظه تجاهه بصعوبة، فحاول جاسم استدراجه للحديث حينما قال:
_معلش ده تأثير الخبطة في أول كام دقيقة، بس بعد كده هتفتكرنا واحدة واحدة.
صاح بعصبية جعلت السيارة تتحرك بهم بعنفٍ من فرط حركته العنيفة:
_مش عايز افتكر حد، أنا من يوم ما شوفتكم ومشوفتش غير المصايب، سبيوني في حالي بقـا.. أنا نازل أجازة أفك عن روحي ولا أوصلها الأخرة!
هرول جاسم ومعتز للخارج، وهو يتعمد استفزازه حينما قال:
_صلي على النبي يا ميزو وإعقل يا حبيبي..اللي بتعمله ده فال وحش ده احنا حتى اللي كسبنا!
تابع جاسم بسخرية:
_شكلك كده عضمتك كبرت ومبقتش تشتاق لشغلك وللاكشن اللي فيه.. اتاريك خلعت لدبي وخدتها بكرامتك!
كز على أسنانه بغيظٍ، فبحث حوله بالسيارة عما يمكن استخدامه لقتل هؤلاء المعاتيه، فوجد غايته وقابلها ببسمة ترحاب، حمل مازن أنبوب الأكسجين الضخم، فحاول رفعه للأعلى، وتوقف فور شعوره بالألم يجتاح رأسه، فقال معتز بصدمة:
_صلي على رسول الله.
واتجه برأسه لجاسم مشيرًا له:
_اجري يالا.
لم يستمع لباقي كلماته وهرع من أمام باب السيارة، فأغلقوا باب السيارة من الخارج لضمان سلامتهم، بينما لم يفقد مازن عزيمته وظل في محاولاته لحمل الأنبوب مجددًا، فما أن رفعه حتى سقط به وبات أسيرًا من أسفله، يصرخ ألمًا، وهو يردد بصراخٍ:
_الحقوووووني.
أشار معتز لجاسم ينبهه:
_أوعى تضعف وتفتحله.. ده مسلسل تركي باهت بحيث نفتحله يقوم يحدفنا بالاكسجين!
أشار له وهو يسد الباب الاخر للسيارة:
_على مين ولا هتأثر أنا قلبي مات مع ماجدة(أمجد السلاموني) اللي عاملة فيها ديناصور القرن وفي الأخر طلعت انثى البجعة!
أشار له بلايك محمس وسدوا بأجسادهما باب السيارة، والأخر مازال يستغيث بصوتٍ انتبه له أحمد، فبعد عن محيط الشرطة التي مازالت تجتمع بالمغارة لنقل القتلى، اقترب منهما ليسألهم باستغرابٍ:
_أيه الصوت ده؟
تطلع كلا منهما للاخر، فتساءل معتز بمكرٍ:
_فين ده.. انت سمعت حاجة يا جاسم؟
نفى بتشددٍ:
_لا مسمعتش.
ضاقت عين أحمد بشكٍ، خاصة أمام المشاغبان المختلان، فقال بصرامة:
_أبعدوا عن الباب.
رد عليه معتز بتحذيرٍ:
_ما بلاش.
تصلبت معالمه بحزمٍ جعل الاخير يبتعد عن محله وهو يردد بهمسٍ:
_انت طيب وأنا خايف عليك.. الاكسجين غلط علينا في الجو البيكربوني ده!
دفعهما أحمد بقوة، وحرر مقبض الباب فصعق مما رأه، وأشار لهما بغضبٍ:
_أيه اللي انتوا عاملينه ده!!
جحظت أعيناهما، وخاصة حينما اندفع أحمد للداخل، فأبعد الانبوب عنه، وعاونه ليجلس على السرير الصغير، فقال مازن بصعوبة بالحديث:
_أبعدهم عني لحسن وقسمًا بالله أطلق عليهم طلقتين يرقدوهم بقبر واحد.
ربت على كتفيه وهو يشير له بتكفله للامر:
_ارتاح أنت وأنا هتصرف معاهم.. بس بلاش عصبية أنت مش مستحمل!
صاح به بحزن مضحك:
_هما اللي بيخرجوني عن طور هدوئي، فبيرحل الهدوء ويبقى الطور.. منهم لله الاشخاص دي مينفعش يكون ليها صلة بالعيلة يا أحمد بالاخص أخوك الغبي مين يصدق انه أخوك يا جدع!
انتفض بجلسته بفزع حينما ظهر حازم بالمقعد الامامي للسائق، يلتهم عُلبة من المعكرونة سريعة التحضير (الاندومي) وجدها بالجزء الخاص لسائق السيارة، فقال وهو يرتشف المياه المتبقية بالطبق:
_عيب يا ميزو ده أنا حتى لسه راميك بانبوبة الاكسجين عشان متدخلش معاهم الخناقة ويروقوك وأنت بالحالة دي!
صدم مما استمع اليه، وقال بدهشة:
_يعني أنت اللي حدفت عليا الانبوبة.
وضع الطبق عن يده، ثم استدار بجسده وانحنى ليصبح رأسه قريبًا اليه:
_ما قولتلك انا أنت مبتسمعش!
وتساءل بحيرةٍ:
_قولي أنت واكل الضربة فين بالظبط!
أشار مازن لاحمد وهو يشهده على ما يحدث له:
_شوفت يا أحمد!
هز رأسه بإيجابٍ، ثم قال بضيقٍ:
_اخفى من وشي يا حازم أحسنلك.
لوى فمه بضيقٍ، فادخل رأسه ثم اعتدل بجلسته ليتمكن هبوط السيارة، فمر من أمام الباب مرددًا بسخطٍ:
_اشتكيني لوزارة الدفاع أحسن!
عاد ليشير اليه:
_سامع يا أحمد أخوك وولاد عمك كرهوني في اليوم اللي نزلت فيه مصر، أنا عايز أرجع أكرملي.
مرر يده على جبينه بإرهاقٍ، فصاح به:
_ما خلاص يا مازن، أنت المفروض عاقل كفايا،راعي أصابتك ومتخلقش عداء مع حد خصوصًا وانت بالحالة دي يا أخي!
هز رأسه بتأييدٍ، ثم قال بتريثٍ:
_طب خدني لعدي.
سانده حتى هبطوا معًا من السيارة، فمر حازم من جانبه وهو يهمس له بصوتٍ خافت:
_ربنا يقومك بالسلامة يا شابة.
وزع نظراته الغاضبة بينه وبين أحمد الذي يكبت غضبه بصعوبة، فتابع المضي قدمًا بصمت مزقه حينما تساءل بشكٍ:
_أنت متأكد إن الواد ده يبقى أخوك يا أحمد.. صدقني ده تخبط جينات!!
*****
بعيدًا عن تجمع الشباب، وبالأخص أمام سيارة اللواء، كان يقف ياسين ويحيى بصحبة اللواء، يقدم امتنانه لمساعدة ياسين الذي كان له فضلًا كبيرًا في القضاء على عصابةٍ دولية خطيرة، فتبادلا السلام وهو يشير له بوقارٍ:
_شكرًا لمساعدتك لولاك مكناش قدرنا نقبض على باقي العصابة ولا كنا هنقدر نوصلهم.
منحه ياسين ابتسامة هادئة، فأشار اللواء للعساكر بالصعود للسيارات، وقبل أن يتجه للمغادرة قال:
_بتمنى اللي حصل النهاردة يخليك تعيد تفكيرك في اللي اتكلمنا فيه..
وودعه ثم غادر، فاستند ياسين على حافة سيارته وعينيه هائمة بعدي الذي يجلس جوار عمر على بعدٍ منه.
******
بالقصر.
شق ضوء الشمس أعناق السماء، ليعلن عن صباح يومًا جديدٍ، وبداخل القصر نخر القلق غمامتهم، فظلت الفتيات بأكملهن بالأسفل، حاولن جميعًا الوصول لازواجهن، ولم تستطيع أي منهن التحدث إليهم، حتى آية وملك فعلن المستحيل للوصول لياسين ويحيى، فاجتمعوا بالصالون بالاسفل يترقبوا لحظة عودتهم، فقالت شروق بقلق:
_مش معقول يا جماعة، بقينا وش الصبح ومحدش رجع!
ردت مروج قائلة:
_أنا قلقانه بجد.. مازن لما معتز كلمه اتوتر ونزل فورًا.
اضافت داليا:
_طب ما نحاول نكلم انكل رعد أو عز، هما في اسكندرية يمكن يكونوا سافروا ليهم.. أو نشوف انكل ادهم وحمزة يمكن سافرولهم ايطاليا!
أجابتها نور بسخريةٍ:
_يعني كلهم جالهم ظروف طارئة وطفشوا بره البلد!
زفرت رحمة بنفاذ صبر:
_يا نور بطلي هزار.. انا قلقانه بجد.
قالت آية بقلق:
_يا رب سلم يا رب.. اهدي يا حبيبتي خير بإذن الله.
واستدارت تجاه آسيل فتساءلت بتوتر:
_مش معقول كل ده مليكة ورانيا قافلين موبيلاتهم، شوفيهم تاني يا بنتي.
حملت آسيل هاتفها ثم حاولت الاتصال بهم مجددًا فلم تتمكن من الوصول لأحد منهن
*******
تفرق الشباب وكلًا منهم اتجه لسيارته، فهرع حازم لسيارته، ففتح أبوابها وهو يشير ليحيى وياسين ببسمة عريضة:
_اتفضلوا يا باشوات.. متقلقوش عربيتي مريحة وأخر موديل.
منحه ياسين نظرة جانبية قبل أن يصعد بالمقعد الخلفي، فأغلق حازم بابها، بينما يركض تجاه يحيى ليفتح الباب الاخر، جذبه يحيى من تلباب قميصه وهو يسأله بشكٍ:
_ناوي على أيه يا حازم؟
استدار تجاه النافذة يراقب ملاحظة عمه لما يحدث هنا، ثم عاد ليتطلع اليه مرددًا بهمس:
_كل خير يا عمي.. هحاول أصحي ضمير ياسين الجارحي تجاه ابنه يمكن يحن عليه ويتنشله من الضياع يا عمي.
تماسك وببسمة مصطنعة قال:
_ده لا مكانه ولا وقته يا حازم، ابعد عن عمك دلوقتي بدل ما يقلب العربية بيك!
قال ببسمة واسعة:
_العمر واحد والرب واحد.. اركب اركب يابو ياسين يا غالي.
وصعد لمقعد القيادة، ليردد بحماسٍ:
_والله العربية نورت النهاردة.. العربية لسه شاريها جديد وياسين الجارحي بنفسه جواها بنت محظوظة بصحيح!
راقب يحيى انفعالات ياسين بخوفٍ، لا يعلم ماذا حدث لحازم منذ الصباح، وكأنه ابتلع حبوب جراءة ليتحدث بتلك الاريحية أمامه، مرر يده على وجهه بصدمة حينما رأه يخرج من تبلو السيارة، منشفة صغيرة وأعواد من البخور، فقام بتنظيف الجزء الأمامي، تاركًا مقود السيارة مما جعل يحيى يصيح به:
_ده وقته يا حازم.. الطريق يا حبيبي!
أجابه وهو يعيد ادوات تنظيفه:
_معلش يا عمي لزوم الأبهة قدام ياسين باشا الجارحي.
ومن ثم مال بجسده للأسفل تاركًا المقود مرة أخرى فصرخ به يحيى بانفعالٍ:
_ما تنزل بينا من فوق الجبل وتريحنا يا حازم!
صعد للاعلى حاملًا مجموعة من المشروبات ليقدم اليه قائلًا ببسمة واسعة:
_ودي تيجي لازم أعزم عليكم بحاجة.
وانحنى تجاه الردايو الصغير وهو يتساءل:
_ولا أشغلكم ام كلثوم تنعنش الاجواء كده.
رد عليه بسخرية:
_أنت ليه محسسني اننا راجعين من فرح ابن خالتك!
واستدار تجاه ياسين فصاح به:
_ياسين اتصرف مع الولد ده أنا فرهدت معاه.. وصدقني مش هنختلف في اللي عايز تعمله معاه!
ارتعب حازم من سماع كلماته فقال بدهشة:
_الله الله بقى كده يا عمي بتبلغ عني، دلوقتي مش عاجبك سوقتي لولايا مكنتوش عرفتوا توصلوا لمكان عدي.. ده انا حريف سواقة.
_حازم.
جحظت عينيه صدمة وهو يستمع لصوته الحازم، وخاصة حينما استرسل بصرامة:
_سوق وأنت ساكت.. وأي حوار حابب تتكلم فيه مش وقته أظن فهمتني!
صمت أحاط به وكأنه ابتلع لسانه للتو، فجلس يحيى براحةٍ شعر بها، وأخذ يراقبه بين الحين والأخر بنظرة تحمل الانتصار والشفقة بأنٍ واحد.
*******
كان الاتفاق مسبقًا بالتوجه للمقر، ليقوم الجميع بتبديل ملابسهم قبل العودة للقصر، حتى لا يعلم أحد من النساء بمعرفة ما خاضته العائلة، فتجمهرت صفوف السيارات خلف المقر، وتوافد الشباب للأعلى، بينما بقى عدي بإنتظار أبيه، فما أن خرج من سيارة حازم حتى أسرع إليه عدي، قابله ياسين ببسمةٍ هادئة وأشار له بتتبعه، فصعدوا معًا بمصعد واحد، بعيدًا عن المصاعد الاخرى، فما أن انغلق بابه حتى قال ياسين الجارحي بثباتٍ:
_كنت هناديك بنفسي عشان حابب أوريك حاجة.
ضيق عينيه بذهولٍ وتساءل بمكرٍ:
_لسه في مفاجآت تانية؟
منحه نظرة غامضة، جعلت الأخير يعتصر رأسه ليتوقع ما الذي يخطط له أبيه تلك المرة، خرج ياسين من مصعده ثم انعطف عن طريق مكتبه، فاتبعه عدي باستغرابٍ، الى أن توقف بغرفة منعزلة تجاور مكتب ياسين الجديد، فدث مفاتحه الخاص ببابها وفتحها، فولج عدي للداخل وحاول رؤية أي شيء الا أن ظلام الغرفة جعلها معتمة للغاية، أضاء ياسين الاضواء، فتفاجئ عدي بالغرفة فارغة كليًا من أمامه، فاستدار بجسده يتأملها بدهشة، حتى توقف بقامته عن الطواف، وعينيه تبرقان في ذهوٍ، حينما وجد تمثال من الملكان المعتم موضوع بمنتصف الغرفة يحمل زيه الخاص بالشرطة، وعلى أكتافه الميدلايات التي حصدها طوال عمله، تلقائيًا استدار تجاه أبيه وهو يتساءل بصدمة:
_ده أيه؟
ابتسامة خبيثة تشكلت على شفتيه، ختمت بقوله:
_طلب رسمي من ياسين الجارحي بنفسه بيطالبك بالرجوع لشغلك.
شعر وكأن ما يحدث أمامه يفوق قدرته بالاستيعاب، فحاول أن يجبر لسانه بالحديث، فبترت كلماته حينما وجد أعوانه الأقرب اليه يدلفون للغرفة، ليقف كلاهما خلف ياسين المتيقن بوجودهما قبل ان يرى أحدٌ منهما، فقال الجوكر بمكر:
_اللعب كده هيبقى على تقيل.. والعودة للوحش هتزيد خطورة الجولة!
منحه رحيم بسمة ثابتة ختمها بغمزته المشاكسة:
_مكانك في الملعب لسه موجود.. جاهز؟
............. يتبع................
#الجــــــــــــارحي5... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت.
السادة القراء رواياتي الورقية الحادي عشر عملًا، متواجدين في ثلاث معارض
معرض دمنهور.
معرض دمنهور السادس الكتاب 📚📚📚
بحديقة المكتبه العامه ننتظركم من الساعه عشره صباحا الي الساعه عشره مساء من كل يوم
*****
معرض المملكة العربية السعودية
باقي من الزمن يومان على لقائنا بجمهورنا الحبيب في الرياض بالمملكة العربية السعودية...
نلتقيكم يوم 28 سبتمبر في جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع رقم F169 - F170 - F171 في #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2023 في الفترة من 28 سبتمبر حتى 7 أكتوبر 2023
********
مكان المعرض: حرم جامعة الملك سعود - طريق الملك خالد.
********
رقم الجناح:
F169
F170
F171
********
مواعيد المعرض من 11 ص حتى 12 ص كل يوم
أما الجمعة من 2 عصرا حتى 12 ص
********
للتواصل في الرياض
هاتف رقم 0558496647
أو واتساب الرقم 00201004022774
*******
معرض الاردن
للحبايب في الأردن الشقيقة هتلاقوا رواياتي الورقية في معرض عمان الدولي للكتاب من اليوم الخميس وحتى 30 سبتمبر 2023
في أرض معرض عمان الدولي للسيارات طريق المطار.
جناح مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع رقم D33
وخصم خاص جدا لمتابعينا على اسعار جميع الروايات بالمعرض.
والمعرض من 10 ص حتى 10 م كل يوم عدا الجمعة من 4 عصرا حتى 10م.
للتواصل في عمان ⬇️
هاتف رقم 0781475406
واتساب رقم
00201001631173
00201004022774
****______*****