تحميل رواية «عشق الصعايده» PDF
بقلم أميرة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نبدأ روايتنا بالدخول إلى سرايا كبيرة تشبه القصور، حيث يسكنها عمدة البلدة وأخوه وأولادهم. الساعة السابعة صباحًا داخل المطبخ، تتحرك ليلى سريعًا لتجهيز الفطور. كانت ترتدي عباية سوداء وطرحة سوداء، فلا يصح النزول بغير ذلك نظرًا لأولاد عمها. كانت تجهز الفطور وخائفة أن ينزل أحد دون أن تنتهي. تم تجهيزه وتقديمه على السفرة. نزل عمها وزوجته وأبيها وأمها وألقوا السلام عليها، فردت عليهم بكل حياء. نظر عليها عمها نظرة رضا. قالت أمها: "أختك فين يابت؟" ردت بتوتر سريعًا: "طلعت فوق تجيب حاجة وجاية، هطلع أجيبها وأج...
رواية عشق الصعايده الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أميرة محمد
الفصل الحادي والعشرون
أثناء عمل سالم، سمع صوت هاتفه فذهب ليرى المتصل، وجدها خالته أخت الحاجة انتصار. كانت تشبه أمه في الطباع كثيرًا، حنونة ولكن صارمة. كان يحبها مثل أمه، ولكنها أحبت شخصًا من خارج الصعيد بما يسمى البندر لديهم. كان يعمل مهندسًا بالصعيد فرآها مرات عديدة مع أبيها، إلى أن نظر في إحدى المرات للأعلى فوجدها تطلع عليه فغض بصره سريعًا. لا ينكر أن زوج خالته فيه من الرجولة والشهامة والكرم كرجالهم في الصعيد. إلى أن أحبها وتقدم لها، فرفض جده رحمه الله العديد من المرات نظرًا لبعد المسافة. إلى أن جاء يوم ووافق عليه من إصراره عليها، ولكن من بعد مسافتها فقليل جدًا ما يذهبون لزيارتها إلا أن صدفت ونزل البندر لشغل هام فيذهب لزيارتها سريعًا ويعود، فمع بعد المسافة يوجد بعد في علاقتهم. لديها ابن له من العمر 20 عامًا يسمى شهاب، وابنة 25 عامًا تسمى آيات. لا تعجبه تصرفات أولاد خالته، فهو يشعر أن مع عيشهم في البندر لا يفقهون العديد من العادات والتقاليد والاحتشام، فأيقظه من شروده صوت الهاتف مرة أخرى ففتح عليها قائلًا:
«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا خاله»
فردت عليه:
«وعليكم السلام يا قلب خالتك»
فرفع حاجبه، حتى لهجتهم قد نسيتها وأصبحت تتحدث مثلهم فقال لها:
«كيفك وكيف اللي عندك؟»
فقالت له:
«بخير الحمد لله كلهم. رانة عليك وخليت محمد (زوجها) رن على الحاج نعمان والحاج ناصر عشان تجوا كلكوا. إن شاء الله فرح بنت خالتك، الخطوبة تمت امبارح بسرعة والفرح هيكون بعد تلت أيام. عايزة أشرفكوا كلكوا وتيجوا زي ما أنت عارف، مليش قرايب غيركوا. أوعوا ما تجوش، هزعل منك. أنت اديني بقولك»
فرد عليها:
«وكيف ما نجيش يا خاله؟ ما تجوليش أكده، أمال لما مش هنصل الرحم في القريب هنصله في الغريب يا خاله؟ ما تجلجيش، هخلص كل أموري أهنا وأتممها وهنكونوا عندكوا بكرة»
فقالت:
«يا رب يخليكوا ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منكوا أبدًا، هجهز البيت عشان استقبلكوا»
فرد سريعًا قائلًا:
«لاه يا خاله، هنجعدوا في بيتنا اللي عندكوا. ما أنا شاريه لي لأجل حاجة زي أكده، وأوقات كتيرة بنزل البندر وعايز أبات فيه، وآدي نفعنا لأجل ما يكون الكل على راحته»
فقالت:
«طيب، وأنا هروح بنفسي أنظفه وأخليه يلمع لاستقبالكوا. أنا بروح من وقت ما اديتني نسخة من المفاتيح أنظفه كل فترة والتانية»
فقال لها:
«فيكي الخير يا خاله والله. عايزة حاجة من أهنا أجيبهالك وأنا جي»
فقالت له:
«عايزة سلامتكو يا عمري، هرن على أختي أعزمها بنفسي. عايز حاجة؟»
قال لها:
«سلامتك يا خاله»
وفصل.
وبعدها بعث لأحد العمال بالمصنع المقرب والأمين لديه وقال له:
«يا جمال، أنا هنزل مصر أنا والعيلة لأجل فرح قريبي. فعايزك أكده تفتح عينك زين وتراقب العمال والشغل وما تجصرش في شيء، وأنا ما بجصرش معاك كيف ما أنا ما بجصرش معاك وتهتم بالشغل زين»
فقال له جمال:
«أمرك يا بيه، هحط الشغل في عيني. ده أنت أفضالك عليا كتيرة جوي، كفاية إن كل حاجة عندك في الشغل بتتكل عليا فيها وديه شرف كبير ليا. روح فرحك وأنت مطمن يا سالم بيه، وربنا يكثر أفراحكم يا رب»
فقال له:
«وديه العشم برضه يا جمال. يلا سلاموا عليكم»
وذهب سالم لعمله الآخر بالأراضي لأخيه جاسر وقال له ما قالته خالته واتفقوا أن يذهبوا سويًا، وآمن سالم أحدًا في الأراضي على شغلهم أيضًا وذهبوا.
بينما ليلى كانت نائمة، كانت تحلم بسالم يجلس بجانب فتاة أخرى ويبدو أنهم على وشك الزواج وهي غير قادرة على فعل شيء غير البكاء والنظر إليه بخذلان، بينما هو لا يبدو عليه السعادة بزواجه الآخر بينما ينظر إليها كما لو أنه يطلب منها السماح وتلك الفتاة تنظر إليها بشماتة، فأحست كما لو أحدًا قبض على نفسها بقوة فأفاقت سريعًا من حلمها تتنفس بسرعة كبيرة ووجهها متعرق بشدة فعلمت أنه كان كابوسًا مرعبًا بالنسبة لها فسالم زوجها لوحدها. كانت تقول لنفسها هذه الكلمات إلا أنها قامت من مكانها وذهبت لحمام غرفتها أخذت حمامًا لتبرد جسمها وبعدها خرجت وأدت فرضها ودعت الله أن يكون مجرد كابوس لا شيء آخر وبعدها نزلت للأسفل لتحضير العشاء مع هدى وزهرة، فوجدت هاتف المنزل يدق فذهبت الحاجة انتصار وردت عليه. وجدتها أختها أخذتا يتحدثان بعضًا كثيرًا، بعدها أغلقت الحاجة انتصار مع أختها الخط ونادت عليهم وقالت لهم إن ابنة أختها عرسها بعد ثلاثة أيام ويجب عليهم الذهاب ففرحت هدى كثيرًا فهي كان حلمها أن تذهب خارج الصعيد وترى البندر، أما ليلى فكانت تشعر بالاكتئاب نوعًا ما. وبعدها جاء الحاج نعمان والحاج ناصر وقالوا لهم إن محمد زوج ابتهال أخت الحاجة انتصار دعاهم لعرس ابنتهم وأنه من الواجب أن يلبوا دعوته ويقوموا بالواجب معهم.
وضعوا الفتيات الطعام وجاء سالم وجاسر وذهبوا لتغيير ملابسهم والنزول سريعًا. وأثناء تناول الطعام لم تأكل ليلى شيئًا من طعامها ولاحظ عليها سالم تقليب الطعام بصحنها فقط ولا تتناول شيئًا، لكنه لم يرد التحدث احتشامًا من الجميع. وبعدها قال لهم سالم:
«حضروا حالكم، أكيد رنت خالتي عليكي يا أمه زي ما جالت والحاج محمد أكيد رن على أبوي وعمي. فـ إن شاء الله أكده هندلوا البندر بكرة ونروح البيت اللي كنت شاريه قبل سابق لأجل ما نكون على راحتنا ونقضي الواجب معاهم زي ما جم وواجبونا»
فأكد الحاج نعمان كلامه فشعرت الحاجة نجاة بالإحراج من الذهاب فهي تشعر أنها هي وبناتها لا مكان لهم هناك فقالت:
«روحوا وأقضوا واجبكوا وأنا وبناتي هنجعد أهنا وندير بالنا على البيت، ما تجلوجوشي من حاجة واصل»
فنظر لها سالم وقال:
«إيه اللي الكلام اللي عتجوليه ده يا مرت عمي؟ كيف ما هتروحيش وإحنا أهنا عيلة في بعضينا وكلياتنا أهل بعض؟ وبعدين بناتك بقوا متجوزين دلوقت. في الأول كنت بحترم قرارك لما ما كنتيش توافقي يدخلوا مصر معانا، لكن دلوقت بنتك مرتي ومرتي هتكون منين ما يكون جوزها. وبنتك التانية كمان متجوزة وجوزها هو اللي يقرر. سامحيني يا مرت عمي بس كلامك مهوش موزون وهتغربي نفسك عنينا ليه؟ قولها يا عمي إن كلامها ده ما يصحش»
فقالت له:
«ما قصدش يا سالم والله بس ما لوش عوزة روحتنا»
فقال لها:
«إحنا رايحين نقضي واجبنا مهوش أكثر ولا أقل وأنا أعرف إنك تعرفي في الأصول زين يا مرت عمي»
فقال لها الحاج ناصر:
«روحي لأجل ما تجهزي لنا الشنط يا أم ليلى وما تعقدهاش بالله عليكي»
فابتسمت وقالت:
«ماشي يا حج لأجل عيون سالم بس»
فقال لها سالم:
«تسلم عينك يا مرت عمي»
ففرحت هدى كثيرًا فهي كادت أن تقتل أمها بمخيلتها وأعجبت أكثر وأكثر بكلام سالم الموزون ورجولته، عندما قالت لا هي ولا بناتها سيذهبون كادت أن تبكي لكن عندما تحدث سالم فرحت كثيرًا. أما ليلى فلم تكن تفرق لديها كثيرًا فذهابهم مثل عدمه إلا أنها تشعر أن شيئًا غير جيد سيحدث في هذا المكان فقالت ليلى لسالم أن يأخذ زهرة معهم فهي اعتادت عليها فوافق سالم وقالت ليلى لزهرة أن تستعد ففرحت زهرة كثيرًا بهذا الخبر.
بعدها ذهبت كل واحدة منهم لتحضير شنط سفرهم لها ولزوجها.
رواية عشق الصعايده الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أميرة محمد
الفصل الثاني والعشرون 🦋
صباح اليوم التالي، كان سالم وجاسر يضعان شنط السفر داخل السيارات إلى أن يتجهز الجميع ويأتي.
بعدها وصل الحاج نعمان وزوجته، والحاج ناصر وزوجته، وبعدها أتت هدى وليلى برفقة زهرة، وواضعين على وجوههم ما يسمى بالوشاح، نظرًا لعدم انكشافهم ولو بالخطأ على رجل غريب، فهذه عادة من عاداتهم.
فنظر سالم لليلى بتقييم سريع، فوجدها ترتدي عباية سوداء فضفاضة ووشاح أسود كبير لا يظهر منها غير عينيها، وآه من تلك العينين التي أصبحت تعني له الكثير والكثير، أجميلة هي حتى بهذا الوشاح؟
فأفاق من شروده بها سريعًا وهو راضٍ عن احتشامها.
فقال الحاج نعمان: كل واحد ياخد مرته في عربيته ويطلع جوام لاجل ما نلحق نوصل في النهار وما يجيش علينا الليل.
فقال سالم: ماهاش عوزة يا بوي، كلنا ناخد عربياتنا، هي عربيتي وعربية جاسر تكفي جوي، لاجل ما تسوقوش وتتعبوا حالكم. الطريق كلياتها أني أسوق بجماعة وجاسر بجماعة.
فاعترض الحاج نعمان قائلًا: به به به، شايفني كبرت على السواقة يا واد ولا إيه؟ لساتني كيف ما كنت، تحب أوريك كمان؟
فضحك الجميع وضحك سالم وقال: لأه ما عيزش أشوف يا بوي، ربنا يبارك في عمرك ويطوله يا رب. وإذا كان أكده ومصمم، فتوكلنا على الله.
وذهب الحاج نعمان بزوجته، وبعدها الحاج ناصر بزوجته.
وذهب جاسر لسيارته، فنظر لهدى ووجدها واقفة، فذهب إليها فوجد زهرة واقفة، فتذكر أمر ذهابها معهم وهو يود أن يختلي بزوجته لتعتاد عليه أكثر، لكن الآن ماذا يفعل إن قال له أخاه أن يأخذها معه؟
ولماذا لم تذهب مع أبيه أو عمه؟ فكاد أن يتحدث فسبقه سالم فقال: لساتكم واقفين لِيه دلوقت؟ تلاقي أبوي وعمي وصلوا، اتحركوا أكده بسرعة. اركبي يا ليلى أنتِ وزهرة، عايزين نمشي حالًا، وروح يا جاسر بمرتك سوق جوام.
فتنهد جاسر بارتياح وذهب هو وهدى لسيارته، فنظرت هدى بابتسامة لوجود زهرة معهم.
أما ليلى فكادت أن تركب بجانب زهرة في الوراء، فأشارت لها زهرة أن تركب بجانب سالم، فخجلت ليلى ونظرت لها ببحلقة، فرفعت زهرة صوتها وقالت: اركبي يا ست ليلى جنب سي سالم، لاجل ما أنتِ عارفاني ما ها أقدرش أفضل صاحية وهنام اهنا، وما هينفعش تجعدي جواري ما ها أعرفش أنام.
فنظرت لها ليلى وصغّرت عينيها وهزت رأسها لها.
أما سالم فكان يضحك على زهرة، فعادة زهرة لا تعطي ألقاب لليلى، بأمر من زوجته فتقول لها "يا خية"، أما تناديها باسمها فزوجته من صفاتها الحنان والطيبة الكبيرة للجميع.
فذهبت ليلى وجلست بجوار سالم، فقاد هو سيارته سريعًا ليلحق بالجميع. وفي منتصف الطريق، شعرت ليلى بالغثيان مرة أخرى وحاولت تجنب الشعور به، فشعر سالم بعدم ارتياحها، فسألها: مالك؟ حاسك ما أنتِش على بعضك.
فقالت له: حاسة إني عايزة أرجع، تلاقيه من العربية والطريق.
فتذكر عدم أكلها ليلة البارحة، فأوقف العربية وذهب، فاستغربت ليلى فقال لها: دقيقة وجاي.
فاشترى لها ولزهرة طعام وبعض التسالي وجلب المياه وكوب شاي له، ورجع وأعطى لها ولزهرة الأكياس، ففتحته وجدت به طعام والكثير من التسالي.
لا تعلم ما بها، أكثر من يوم باتت تكره الطعام ورائحته، فأكلت القليل وأعطته منه لكنه رفض، وأشعل سيجارة فوجدها تسعل فرماها من يديه وأكمل القيادة.
............................................................................
بسيارة جاسر وهدى، كان ينظر لها بحب وهي تنظر للأماكن بدهشة واستمتاع، وكان يؤشر لها على بعض الأماكن ويقول لها ما هذا المكان وما ذاك المكان، وكان يمسك يديها ويقبلها من حين لآخر، أما هي فكانت لا تبالي إلا بالنظر لهذه الأماكن الجميلة بالنسبة لها.
...........................................
بعد عدة ساعات، قبل حلول الليل بقليل، وصل الجميع إلى البيت الذي اشتراه سالم، فكان في غاية الروعة لا يقل عن فخامة السرايا التي كانوا يعيشون بها، فوجدوا أم شهاب والعائلة في استقبالهم، دخل الجميع للمنزل فجلس أبو شهاب وابنه والرجال بالخارج.
رواية عشق الصعايده الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أميرة محمد
صباح اليوم التالي، وبعد تناول الجميع طعامهم، تحدثت الحجة انتصار عن طلب أختها منها أن تأتي بالجميع لمشاهدة تحضيرات الحناء، وأنهم سيبقون لوقت انتهاء الحفل، لا داعي للذهاب والعودة مرة أخرى، فوافق الرجال.
وبعدها طلبت أن يذهب الجميع لتحضير ذاته وأغراضه للحفلة، وطلبت من سالم أن يجلب لها قائمة تكفي لثلاث أفراح، قائلة إنه من الخطأ الدخول فارغي الأيادي، فهم عائلة كبير الصعيد، الحاج نعمان.
فقال لها سالم:
"بس أكده من عيني ديا قبل ديا، عبال ما تكونوا جاهزين هتلاقوا العربية قدام البيت محملة اللي قايله عليه يا ست الكل."
فقالت له:
"تسلم عينك يا ولدي ويفرحك كيف ما أنت مفرحني وتفتخر بعيالك كيف ما أني مفتخرة ورافعة راسي بيك يا ضي عيوني."
فأمن سالم على دعائها وهو متمني هذا الوقت كثيرًا. بعدها قبل رأسها وذهب.
دخلت ليلى غرفتها وارتدت عباية سوداء باهظة الثمن وفخمة المظهر، ولفت عليها حجابًا أسود كبيرًا، وبعدها وضعت كحلًا عربيًا فتن عينيها على فتنتها، ثم وضعت وشاحًا لا يظهر إلا عينيها يبدو كالنقاب حديثًا، وبعدها أخذت شنطة ووضعت بها فستان الحناء الذي ستلبسه ليلًا مع النساء. بعدها تفقدت مظهرها جيدًا أمام المرآة خوفًا من سالم، فلفت نظرها عطرها الذي يعشقه سالم بها، وكادت أن تضع منه، فتذكرت تحذيره لها وأنها إذا أرادت وضع عطر فبغرفتهما فقط، فأرجعته لمكانه وذهبت لغرفة زهرة فوجدتها أيضًا جاهزة.
فقالت لها زهرة:
"به به به، حتى وأنتِ أكده كيف البدر كومان."
فضحكت ليلى وقالت:
"وأنتِ كومان كيف البدر يا زهرة."
***
بغرفة هدى ارتدت أيضًا نفس ملابس نساء الصعيد عند الخروج، تجاهلًا لبطش أمها، وأخذت معها فستانًا لارتدائه في حفل الحناء ثم نزلت.
***
كان الجميع بالأسفل، الحجة نجاة وبناتها، والحجة انتصار وزهرة، بعدها بدقائق دخل سالم المنزل وجدهم مستعدين، فألقى نظرة سريعة لتفحص زوجته وثيابها، فلم يعقب على شيء إلا ذاك الكحل، فعينيها فتنة لحالها، ما بالك بإضافتها للكحل عليها. ولكنه لم يرد التحدث حتى لا تحزن، وأصلًا لا بأس، فهو سيأخذهم داخل سيارته ينزلهم أمام المنزل فلن يراها أحد.
أوصلهم سالم للمنزل، وعندما نزل الجميع قال هو لليلى إنه يريدها، فذهب الجميع.
وقالت له ليلى:
"في إيه يا سالم، هيدخلوا ويهملوني لحالي وأني عتكسف أدخل لحالي."
فقال له سالم إن زهرة بانتظارها، فنظرت وجدتها فعلًا تقف لها بعد عتبة المنزل، وكادت أن تعتدل له لمعرفة ماذا يريد، وجدته يخرج من محفظته مبلغًا كبيرًا دون عد وقال لها:
"خدي دول خليهم معاكي لأجل ما تعوزي حاجة."
فقالت له بخجل:
"وأني هعوز إيه يا سالم، ملوش عوزة وأني معايا."
فقال لها:
"مليش دعوة أني باللي معاكي، وخدي وانزلي قوام لأجل زهرة وجفتها أكده متصوحش."
فأخذتها بكسوف شديد منه ونزلت، وعندما نظرت له أشار لها أن تدخل المنزل سريعًا، فدخلت لزهرة فلم تسلم من كلامها وهي تقول:
"يعيني ع الحب يعيني، عتتكلموا إيه في العربية مكفكوش البيت ياك."
فقالت لها إنه كان يريدها بأمر ما ليس أكثر، فنكزتها بكتفها وهي تضحك على كسوفها.
***
نظرت ليلى للمنزل، كان كبيرًا ولكن ليس بكبر سرايتهم بالطبع، ووجدت الجميع يعمل لتحضير حفل الحناء، فوجدت أمها من بعيد، فساروا لناحيتها، فوجدوا الجميع. رحبت بهم أم شهاب كثيرًا وقالت لهم إنه كان ليس من الضروري جلب كل هذا، وبعدها قامت بالواجب معهم، وقالت للفتيات أن يذهبوا للطابق الأعلى حيث ابنتها وأصدقائها.
كادت الحجة نجاة أن تعترض فنظرت لها الحجة انتصار بمعنى اتركيهم.
دخلت هدى وليلى وزهرة، وجدوا الفتيات يرتدون أضيق الملابس ويرقصون، ومنهم جالس يدخن، ونظروا للعروس وجدوها ترتدي فقط جزءًا علويًا وشورت قصير، وواحدة جالسة تقلم لها أظافرها. فنظرت ليلى ووسعت عينيها بصدمة ممن تراه، فهي لأول مرة بحياتها ترى مشهدًا كهذا، وكذلك هدى وزهرة، فلم يتوقعوا أبدًا أنه يوجد فتيات كهذه، فعندهم إذا فعلت فتاة هكذا فيذبحوها أهلها غسلًا لعارها.
وعندما سعلت زهرة من الصدمة نظر الجميع ناحية الباب، ففتحوا أعينهم أيضًا، فهذا أيضًا جديد عليهم، من هؤلاء وما الذي يضعوه على وجههم وما السواد الملتحفين به، فقامت لهم آيات واستقبلتهم للواجب كضيوفها، وعرفتهم لأصدقائها. وبعدها خلعوا الوشاح، فنظرت الفتيات لجمالهم خاصة ليلى وجمالها، وبعدها التهوا في الأجواء، وأعجبت ليلى كثيرًا بفتاة كانت ترسم حناء للعروس فطلبت منها أن ترسم لها.
فقالت لها الفتاة أن ترسم لها جسمها، فرفضت ليلى سريعًا، فهي تقسم أنها لو قالت لسالم أنها كشفت جسمها حتى ولو أمام فتاة ورسمت لها عليه فسيجعل يومها أسود مما ترتديه. فقالت لها أنها تريد رسمة على يديها فقط، فرسمت لها الفتاة، وقالت لها زهرة أن تكتب لها اسم زوجها عليه، فخجلت ليلى ونظرت هدى بحزن. وبعدها رسمت ليلى أيضًا، وبعدها هدى، وانقضى اليوم سريعًا وجاء وقت حفل الحناء، وارتدت ليلى فستانها ولفت حجابها ووضعت لمسات بسيطة من زينة الوجه، وخرجت فوجدت زهرة انتهت هي وأختها، فنزلوا للأسفل حيث النساء وكانوا مندمجين بالأجواء الجديدة التي يرونها هنا.
***
وبينما بالخارج جاء الرجال وحضر سالم وجاسر وأبيه وعمه، وتم الترحيب بهم بحرارة، ولما لا وهم من كبارات أهل الصعيد ولهم صيت وسمعة كبيرة.
وجاء بعدها العريس يدعى هيثم وسلم الجميع عليه، ولكنه لم يعجب سالم نوعًا ما، كان مرتبكًا متوترًا لا يتحدث كثيرًا، حتى عندما علم أن أهله من كبار البلد وهو نوعًا ما وحيدهم ويبدو كالشاب الطائش، ولم يرضوا عن هذا الزواج فتجاهلهم وجاء بمفرده معه قلة من الأصدقاء الذين يبدون عليهم السوء أيضًا. لا يعلم أين كان عقل خالته وزوجها عندما وافقوا، أفقط لكون عائلته ثرية.
وعندما هم ليدخل قال له سالم:
"على فين العزم أكده يا عريس."
فقال له:
"هدخل أشوف آيات بترن عليا."
فاستعجب سالم وقال:
"عتدخل كيف يعني وأنتك حتى مش كاتب الكتاب وأنت تقول لا هنكتبه يوم الدخلة قدام الكل في القاعة."
فقال له:
"ا ا اه احنا عندنا كده بقت موضة بنكتب الكتاب مع الفرح وقدام الكل."
فقال له:
"بلا موضة بلا قلة حياء ومهيصوحش أنك تدخل وفي حرمة جوات البيت."
فجلس هيثم وهو يتآكل من الغيظ من هذا سالم، وبعدما انتهى حفل الحناء لم يرد سالم الدخول خوفًا من أن يكون بالبيت نساء غير عائلته، فأرسل لهم أنه بانتظارهم هو والعائلة. وبعدها جاءت خالته تسلم عليه، وبعدها سلمت على هيثم وقالت:
"ادخل يا حبيبي آيات جوه في أوضتها ادخل اتعشوا سوا."
فنظر لها سالم بصدمة وقال:
"كيف يا خالة الكلام اللي هتقوليه ديا، هيدخل كيف وبنتك حتى لساها مش مرته."
فقالت له:
"يا حبيبي دا بكره فرحهم وهنا غير عندكم، بقى عادي دلوقتي."
فلم يعجبه كلامها بتاتًا ونزل من نظره زوج خالته وخالته وحتى ابنها، ولكنه قرر السكوت، فمن هو ليتدخل وزوجها وابنها واقفان.
فقال لها:
"كيف ما أنتي رايدة يا خالة."
خرج الجميع للسيارة وبعدها استأذن سالم وذهب، كان أبيه وعمه قد سبقوهم بعد انتهاء الحفل سريعًا، وجلسوا هو وأخيه لأخذ النساء، بعدها ركب الجميع وانطلق جاسر وسالم بهم.
***
كانت غرفة آيات بالطابق الثاني بمفردها، ذهب إليها هيثم وفتح باب الغرفة، وجدها ترتدي بيجامة وتاركة العنان لشعرها، فاقترب منها وقبلها من شفتيها وبادلته هي، وعندما كاد أن يتعمق فصلتها وقالت:
"خلاص بقى يا هيثم بكره فرحنا واعمل اللي أنت عايزه."
فنهرها بانزعاج وقال:
"لغاية دلوقتي وأنتِ مش مصدقة إني بحبك، وكل ما أقرب منك تقوليلي كده، دا حتى بكره فرحنا، أنتِ مش بتحبيني على فكرة، يعني أنا جاي وهموت عليكي ومش قادر استنى لبكره وأنتِ مش فارقة معاكي، وبعدين دا فرحنا بكره، فرقت إيه دلوقتي من بكره، خليكِ متحضرة شوية."
فقالت له:
"بقى أنا يا هيثم ما بحبكش، دا أنا بموت فيك وأنت عارف."
فشدها إليه وقال:
"طيب أومال إيه مش عايزاني زي ما أنا عايزك ليه يا بت، دا أنا هموت عليكي."
فقالت له:
"وأنا كمان عايزاك والله بس."
فقربها منه أكثر وقال:
"بس أنتِ."
وبدأ بتحسس جسمها برغبة شديدة، وبعدها قبلها فذهبت هي معه وفعلوا الحرام داخل بيت أبيها وبغرفتها بكل حقارة علمًا منها أنه لن يأتي أحد غرفتها.
وبعدها قامت فقال لها:
"رايحة فين، دا أنا لسه ما شبعتش منك."
فضحكت وقالت له:
"آخرت هنا، بكره تبقي تشبع براحتك بقى يا سوسو، يالا قوام البس هدومك."
فوقف بعدها وارتدى ثيابه وذهب، أما هي فلمت ملاءة السرير غسلتها وغيرت ثيابها ورتبت غرفتها ونامت وهي غير نادمة على فعلتها، وبقيت تحلم بيوم زفافها وسكنها مع حبها الوحيد غدًا سريعًا.
رواية عشق الصعايده الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أميرة محمد
الفصل الرابع والعشرون
بعدما عاد الجميع للمنزل، ذهب كل منهم لغرفته حتى يرتاح قليلًا.
في غرفة سالم وليلى:
ذهب لتغيير ثيابه وخرج، وجدها تنظر للحنة بيديها بفرحة، فابتسم عليها فهو يعلم أنها تحب وضع الحناء كثيرًا. فحمحم بصوته ليجذب انتباهها، فانتبهت هي سريعًا ووقفت.
وقالت له: "حلوة الحنة في يدي يا سالم، رسمتها عند بنت أكده، كانت عترسم للعروسة."
ففرح سالم من قلبه فهي تتحدث معه بأريحية، كانت سابقًا تخشى أن تتحدث معه. فمسك يديها ونبض قلبه عندما وجد اسمه على يديها، فأحب أن يشاكسها.
فقال لها: "به به به، كاتبة اسمي كمان على يدك!"
فخجلت ليلى ونظرت للأرض بحياء وقالت له: "أمال هكتب اسم مين على يدي غير جوزي؟"
ففرح من قلبه على قولها "جوزي" وقال لها: "يدك اللي محلية الحنة."
فضحكت ليلى بخجل وقالت: "هتدخل أغيره قوام وأجي."
فقال لها سالم: "ليلى."
فنظرت له وقالت: "إيه يا سالم، رايد حاجة مني قبل ما أدخل؟"
فقال لها: "رايد منك طلب."
فقالت له: "اطلب وأنا أنفذ يا واد عمي."
فذهب سالم لدولابها وأخرج قميص نوم من قطعتين مكشوف أعجبه، يشبه في تصميمه بدلة رقص، ورجع لها. فنظرت للقميص بخجل وعلمت طلبه، وكادت أن تأخذه من يده وتذهب. فعلم ماذا خمنت.
فقال لها: "وقفي، لساتني ما طلبتش طلبي."
فنظرت له باستغراب فقال لها: "رايدك ترقصي لي الليلة دي."
فوسعت ليلى عينيها بصدمة وخجل كبير، فمهما كان ما يفعلانه سويًا لا يخجلها مثل هذا. على الأقل أغلب الأوقات تطلب منه غلق الأنوار أو تعدل وجهها لمكان غير وجهه، لكن هكذا ستكون أمامه والأنوار مشتعلة وبهذين القطعتين اللذين لا يستران شيئًا أبدًا! لا، والأسوأ أنها ستهز جسدها أمامه، لا وألف لا.
وجدها سالم شاردة لا ترد، فهز كتفيها وقال: "عأكلمك من بدري أنا وأقول لك خذي غيري والبسي ده لأجل ما ترقصي لي."
فقالت له: "لا يا سالم، اطلب حاجة غير دي، عتكسف أنا قوي، وبعدين أنا ما عرفاش في الرقص."
فقال لها سالم: "عتتكسفي من جوزك يا بت؟ ده أنا جوزك حلالك، ودي حلالي. وإذا كان عالرقص يا ست، أنا هشوف بنفسي عتعرفي ولا لا، ما أنتِ اللي هتحددي."
فقالت له: "شوف حاجة غير أكده يا سالم بقى."
فقال لها: "عنتكلموا كتير ولا إيه؟ أنا قلت رايدك ترقصي لي، نتمتعوا إهنا ولا عايزة نبصوا للرقصات بره؟ كانوا كتير في الأفراح وما بصناش بره أصلًا وغضينا البصر، ما نتمتعوش بالحلال إهنا؟"
فحالها كحال أي زوجة صعيدية عندما تسمع أن زوجها سينظر للخارج، ويا عالم إن تزوج ما لم تلبي طلباته. فأخذت منه القميص بقلة حيلة ودخلت للداخل.
أما سالم فضحك على خجلها وضرب كف على كف وقال: "به به به، لساتها عتتكسف مني بعد اللي هنعمله كل ده. نعملوا معاها إيه كمان دي لأجل ما تبطلوا كسوف شوية. قال عتتكسف قوي قال."
وبعدها ذهب وقام بتشغيل أغنية تصلح للرقص الشرقي، وبما أن غرفتهما الوحيدة بالطابق العلوي منفردة، فيعلم جيدًا أنه لن يسمعه أحد بالأسفل. وأعلى الصوت قليلًا وجلس في انتظارها.
أما بالداخل ارتدت ليلى تلك القطعتين اللذين لم يسترا شيئًا. فكانت عبارة عن قطعة تغطي مفاتنها من الأعلى قليلًا، وقطعة بالأسفل تغطي مفاتنها بالأسفل بصعوبة بالغة. كان لونهما أسود يناقض بشرتها الحليبية بشدة، وكان قوامها يغري أعتى الرجال، وتركت العنان لشعرها واكتفت بوضع أحمر شفاه ناري، فكانت كالفتنة. وقفت كثيرًا بالداخل خجلًا من الخروج بهاتين القطعتين.
وعند سالم، عند استأخرها ذهب ودق الباب وقال: "كل ده عتغيري؟ أدخل أساعدك؟" وابتسم عليها.
فردت هي من الداخل: "كانوا إيه لزمتهم الحتتين دول؟ كنت طلعت أكده وخلاص."
فضحك سالم بشدة وقال: "وأنا ما عنديش مانع."
ففتحت عينيها بصدمة، ألا يخجل حقًا؟ هو لا يخجل أبدًا، يفترض أنها اعتادت عليه فهو في هذه الأمور لا يخجل حقًا.
بعدها فتحت باب الغرفة وخرجت، وجدته يقوم بالتقليب لتشغيل أغنية. وعندما انتهى التفت لها، فتصاعدت الحرارة للمئة لديه. كيف سيصبر عليها الآن؟ كان قرارًا خاطئًا، فليأخذها الآن، ما هذه الفتنة التي أمامه؟ أحقًا تزداد فتنة كل يوم؟ فهو في كل مرة يراها تفتنه أكثر من المرة السابقة. يا لهذا القوام الذي يغيب عقله ولون بشرتها الحليبية البيضاء عندما تقوم بالاحمرار بين يديه. فابتلع ريقه من الرغبة أكثر من مرة.
وحمحم بصوت عالٍ ليجلي صوته وقال لها: "يالا ارقصي بقى ووريني."
فوجدت أنه ويا للصدفة قد شغل أغنيتها المفضلة للرقص ألا وهي "بص على الحلاوة".
ذهب سالم وجلس، وبدأت ليلى بالرقص. في بداية رقصها كانت تشعر بالخجل، ولكن عندما تذكرت كلامه عن الراقصات، أحبت أن تجعله يرى أنه لا توجد راقصة تنافس زوجته في رقصها، فليلى كانت بارعة جدًا في الرقص الشرقي.
كان سالم ينظر لها بانبهار من رقصها وطريقة تحريكها لجسدها. وعندما جاءت تقسيم الأغنية ولفت مفاتنها بالأسفل مع طريقة مسكها لشعرها، فقد سالم صبره الذي حاول أن يتحلى به كثيرًا أمامها. فذهب إليها سريعًا وحملها وألقاها على الفراش، فنظرت له ليلى بدهشة.
فقال لها: "هتجننيني أكثر من أكده إيه كمان يا بنت الناس؟"
فعلمت ليلى أنه أعجبه رقصها، ودقيقة ووجدته ينقض عليها.
.....................................
داخل غرفة جاسر وهدى، قال لها جاسر: "لساتها ما راحتش الهبابة دي من عليكي."
فقالت له بضحك: "به عليك يا جاسر، لساته جاي عشية."
فقال لها: "بعد ما تمشي طوالي هأكلك كلك أكده على بعضك."
فضحكت هدى وقالت في نفسها إنها لن تستطيع منعه أكثر من هكذا عن حقه، فلابد من حصوله. ومؤخرًا بدأت تميل له فهو لا ذنب له بهذا، ترى عشقه لها واستحماله لها، فلا يوجد رجل صعيدي يرضى عن هذا الوضع أبدًا.
بعدها ذهبت ونامت بجانبه.
..................................
بعد انتهاء سالم وأثناء نومه بجانب ليلى، شعرت بوجع داخل معدتها يأتي ويذهب. وبعدها جاءها الإحساس بالترجيع، حاولت تجاهله ولكنه لم يذهب. فلفت على نفسها الملاءة وركضت إلى الحمام سريعًا، استفرغت ما بمعدتها بقوة.
أما سالم فارتدى ثيابه سريعًا وذهب خلفها، وجدها جالسة بالأرض تقوم بالاستفراغ بقوة.
فقال لها: "مالك؟ ما كنتِ زينة دلوقت، أشيع أجيب الحكيمة قوام."
فقالت له: "لا، تلاقيهم شوية برد دخلوا معدتي ويروحوا لحالهم دلوقت."
فوجد وجهها متعبًا، فحاول أن يساعدها بأخذ حمام فرفضت. فذهب هو للأسفل، وجد زهرة، طلب منها تسخين الطعام وإعداد كوب أعشاب.
فقالت له: "سلامتك يا بيه."
فلم يرد التحدث كثيرًا فقال لها: "الله يسلمك." وأخذ الصينية وصعد. فنظرت زهرة بصدمة: أيُعقل سالم بنفسه يأخذ الطعام بيده للأعلى؟
أما هو فوجدها خرجت، أعطاها كوب الأعشاب.
فقالت له: "ما كانش له لزوم تتعب نفسك أكده."
فقال لها: "لا، وده تعب إيه يا بنت الناس، ما تقوليش أكده."
ثم قال لها: "كلي لك لقمة لأجل ما وشك ما تاخد أكده."
فنظرت له نظرة أصبحت تعلم أنه أصبح لديها الكثير تجاهه، فهو يعاملها بحنان لم تحصل عليه من أمها، يخاف عليها كثيرًا. صحيح أنه قاسي وصارم ولكنه حنون من الداخل كثيرًا.
فأكلت بعض الطعام بعد إجبار سالم لها، وذهبت للنوم بسبب إحساسها بالتعب الشديد.
أما هو فأغلق الأنوار وذهب بجانبها ونام.
رواية عشق الصعايده الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أميرة محمد
استيقظ سالم على رنة هاتفه، ففتح عينيه بصعوبة بالغة ونظر لجواره، وجد ليلى نائمة فاستغرب ممن يتصل في هذا الصباح الباكر.
نظر لهاتفه فوجد أن خالته من تهاتفه، فاستغرب مهاتفتها له في هذا الوقت. بعدها رد سريعًا ولم يكمل الخمس دقائق، وقام منفوضًا من فراشه إلى الحمام سريعًا، ولم يكمل دقيقتين وخرج يرتدي ثيابه. فوعت عليه ليلى، فنظرت للوقت فوجدته باكرًا عن ميعاد استيقاظهم. التفت إليها سالم فوجدها مستيقظة، فاقترب إليها وقبّل جبينها وقال:
«حاسة حالك زينة دلوقت؟»
فابتسمت وقالت:
«زينة الحمد لله، على فين أكده من بكير؟»
قال لها:
«رايح مشوار أكده وراجع طوالي.»
فنظرت ليلى له باستغراب وكادت أن تسأله عن هذا المشوار الذي أيقظه باكرًا هكذا، فلم يستمهل وقال لها:
«خلي بالك من نفسك زين، وإن تعبتي تاني دقي قولي لي، وأني هجيب الحكيمة وأجي طوالي.»
لم تعرف ليلى لما قلبها انقبض هكذا، لا تعرف لما لا تريده أن يذهب ويتركها.
فابتسمت بصعوبة وبعدها قالت:
«لاه، أني زينة جوي، ما تعولش همي، ركز انتَ في مشوارك وارجع لي طوالي.»
ضحك سالم عليها وقال:
«أرجع لك طوالي ليه؟ رايدة حاجة، إحنا لسّاتنا فيها دلوقت.»
وهمّ بخلع جلبابه بضحك، فمسكت يديه وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها من أن يكون فهم مقصدها خطأ، فقالت له سريعًا وهي تود أن تقول له أن يبقى فعلاً بجانبها، لا تعرف ما بها أصبحت غير طبيعية في الفترة الأخيرة وأصبحت أكثر تعلقًا به:
«لاه، ما قصديش أكده والله، أني قصدي يعني، اا، أنو، ااا.»
فرد هو سريعًا بضحك:
«عارف قصدك إيه زين يا بت، بس أني برخم عليكي شوية.»
فقالت له:
«به به، رايد تكسفني عاد.»
فابتسم عليها وقبّل جبينها وقال:
«أني ماشي، لاحسن ما أمشيش واصل منك يا لي، في رعاية الله. سلام عليكم.»
فابتسمت هي وردت عليه السلام ووضعت يديها على قلبها وقالت:
«شكلي عحبّه جوي جوي.»
أما سالم، فبمجرد خروجه نزل سريعًا وهو يتذكر مكالمة خالته وهي تبكي وتقول له أن يأتي سريعًا فقد حصلت مصيبة لديها، ولكنها لم تذكر أي مصيبة هذه، قائلة أن يأتي سريعًا لمنزلهم فقط. قاد سيارته وهو يدعي ربه أن لا يكون شيء سيء قد حصل فقد تركهم بخير ليلة أمس ولا يوجد شيء.
وصل سالم لمنزلهم ونزل، وجد خالته وابنة خالته وزوج خالته وابنه جالسين بملامح أشبه لفقدهم شخص عزيز لديهم. فرمى عليهم السلام ودخل، فجرت خالته عليه وهي تحضنه وتبكي قائلة أن حياة ابنتها تدمرت وسمعتها قد تدمرت ولن يتزوجها أحد بعد الآن. فأبعدها عن حضنه وقال:
«في إيه يا خالة؟ فهميني زين، وكيلك ربنا قلقتيني واصل.»
فقالت له:
«آيات من امبارح من بعد ما مشي هيثم وهي عمالة بترن عليه مش بيرد عليها، والنهاردة رد بيقولها إنه مش قد الخطوة دي واتسرع، وإنها تشوف نفسها ومستقبلها من غيره. طيب والناس اللي عارفة إن دخلة بنتي النهاردة، والمعازيم والناس هتفكر في بنتي حاجة مش كويسة عشان يسيبها ليلة فرحها، وأنا مش عارفة أعمل إيه، هموت يا سالم بالله عليك تتصرف.»
فنظر سالم لها بصدمة، فهذا شرف فتاة وهو أكثر الأشخاص الذين يعلمون العادات والتقاليد والقال والقيل. فنظر لزوج خالته وجده يقول لهم:
«أنا قلت من الأول الإنسان ده لأ، محدش مشي ورا كلامي، إلا عملتوا اللي أنتَ وبنتك عايزينه، شوفي آخرة اختياراتك أنتِ وبنتك وصلتنا لفين، سمعتي وشغلي ومكانتي هيبقوا في الأرض.»
فنظر سالم له باستغراب، إن كان غير موافق من قبل فلماذا تم كل هذا؟ وبعدها نظر لابنة خالته التي تبكي بانهيار وقال لها:
«الرسايل دي على تليفونك دلوقت؟»
فكادت أن تقول لا خوفًا من معرفة أي شيء آخر، لكنها تذكرت مسحها لتلك الرسايل الذي قال فيها إنه لا يريد زوجة قد سلمت نفسها وجسدها لشخص قبل زواجهم، وإنها لا تصلح له زوجة، وكان هذا اختبار منه وقد فشلت فيه بطريقة مخجلة، وإنه عندما يتزوج فستكون واحدة تليق به وبأهله ومكانتهم، وستكون من اختيار والديه. وأبقت التي يقول فيها إنه غير مستعد للزواج الآن وإنه قد تسرع.
فأعطته الهاتف، فوجد الرسايل التي يقول لها فيها إنه لا يريد الزواج الآن وغير مستعد ومثل هذه الأشياء. فاحمرت عين سالم من الغضب وهو يفكر في هذا القذر الذي علم يوم زفافه فقط إنه غير مستعد للزواج. ما هذا الطيش الذي لدى شباب هذه الأيام؟ فقال لهم:
«فين بيت ولد المركوب ديا؟»
فخافت آيات كثيرًا وقالت له:
«ليه عايز تعرف بيتهم؟ هتتذلل عليه عشان يرجع لي؟ خلاص اللي سابني ما عادش له مكان في حياتي.»
فنهرتها أمها وقالت:
«ادعي ربنا إنه يقنعه يتزوجك لحسن سمعتك هتبقى في الطين.»
فقال سالم بعصبية:
«وقفي يا خالة، أني رايد أفهم بنتك حاجة أكده تحطها حلقة في ودانها.»
ثم التفت إليها وقال بقسوة شديدة:
«مش سالم نعمان اللي سمعته وسيرته واصلة لكل مكان، والكبير قبل الصغير بيعملوا حساب ورجالة بشنبات بتخاف مني، يروح يترجى عيل ما يتحسبش على صنف الرجالة راجل! لاه، أنا رايد أعرف بيتهم فين، لأجل ما أعلمهم درس صغير، ما أصل أكده الموضوع مس شرفي وسمعتي، وسالم ما بيسكتش واصل ولا يتهاون في حاجة زي أكده، فلازم يعرفوا مين هو سالم نعمان زين، وإن اللي يقرب مني في أي حد ليه هيزعل جوي جوي.»
لا تعرف لما خافت منه كثيرًا وأعجبها في نفس الوقت. أما زوج خالته فنظر له بتمني أن كان هذا زوج ابنته، فهذه هي الرجال.
فقالت له خالته عن مكان بيتهم وإنهم أسرة واصلة، فقال لها:
«وولد أختك واصل برضه يا خالة؟»
وأخذ في طريقه بملامح مرعبة، فهذا المنزل منزل اللواء محمد وبينهم أعمال كثيرة، فقد استضافه سابقًا لديهم وخدمه خدم كثير في الصعيد. فذهب وراءه شهاب ابن خالته وقال إنه يريد الذهاب معه.
بعد أكثر من ساعة وصل سالم أمام البيت، فجاءه حارس المنزل وقال له:
«عايز مين؟»
فرد عليه سالم:
«قول للواء محمد إن سالم نعمان ولد العمدة نعمان، عمدة الصعيد كلياتها برات بيتك وعايزك دلوقت.»
فأحس الحارس برهبة من مكانته وذهب سريعًا، وبعد قليل عاد الحارس ومعه اللواء محمد والد هيثم، فذهب إليه وقال:
«سالم نعمان بنفسه عندي في بيتي المتواضع، يا أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً اتفضلوا نورتنا وشرفتنا.»
مشي معه سالم وشهاب وهو ينظر بذهول أهذا ابن خالته واصل لمثل هذا الحد؟
جلس سالم وشهاب وقال اللواء:
«حضروا ضيافة تليق بضيفي المميز ده، عايز ضيافة على أكمل وجه.»
رد سالم وقال:
«أني ما جيتش أضيف هنا، أني جيت في موضوع.»
فرد عليه قائلاً:
«أنت يا ما خدمتني في الصعيد ووصلتني للي أنا فيه ده، وأي خدمة جاي عشانها اعتبرها اتقضت ومنهية.»
فقال سالم:
«والخدمات اللي خدمتك فيها ما هتردهاش غير بالغلط فيا وفي شرفي.»
فاصفر وجه اللواء محمد وقال سريعًا:
«قطع اللي يغلط فيك هنا في بلدي وأنا موجود، وشرفك محفوظ، مين اللي غلط فيك وأنا هجيب لك حقك وأنت قاعد؟»
فقال سالم بقسوة:
«ولد حضرتك فين يا حضرة اللواء؟»
فعرق الرجل كثيرًا وهو يعلم ابنه جيدًا وغلطات ابنه، ولكن هذه المرة جابها مع شخص لا يقبل الأغلاط.
فرد عليه بصعوبة:
«ابني سافر لأمه تركيا امبارح، ليه عايزه في حاجة؟»
سبّ سالم في سره وقال:
«كنت داري إن ولدي هيتجوز النهاردة دخلته.»
فرد سريعًا وقال:
«أيوه بس ما كنتش موافق وقلت له لأ وحاولت أقنعه ما ردش عليّ، بس امبارح الحمد لله عرف غلطه ورجع عن اللي كان هيعمله ومشي.»
فرد سالم بعصبية مبالغ بها:
«وأنت يا حضرة اللواء بتربي ناس كتيرة جوي ما عرفتش تربي ولدك زين، وما قدرتش عليه كمان، ما عرفتش مين اللي كان ولدك هيتجوزها وسابها لكلام الناس وأنت داري زين؟»
فابتلع الرجل ريقه بصعوبة بالغة وعلم أن من كانت سيتزوجها ابنه تقرب لسالم وقال:
«مين؟»
فقال سالم:
«تبقي بت خالة سالم نعمان بنفسيه يا حضرة اللواء.»
فصدم الرجل كثيرًا وقال:
«ما كنتش أعرف إنها تبقى قريبتك والله، ده قال لي إنها من هنا مش من الصعيد، ده لو كنت أعرف كنت قلت له يشرفنا إن ناخد حد قريبك، والله لو أعرف ما كنتش سبته يمشي. حقك عليّ ابني طايش شوية، هرن عليه أخليه ييجي في أقرب طيارة ويتجوزها غصب عنه.»
فرد سالم وقال:
«خالتي متجوزة هنا وعايشة هنا، وأني ما جيتش لأجل ما تخلي ولدك يتجوزها، لاااه، إحنا مش أكده واصل، أنا جيت لأجل ما تربي ابنك زين، ولأجل ما تعرفوا أنتم غلطتوا مع مين. وولدك ما ينزلش البلد هنا واصل، ولو شميت بس خبر إن ولدك دخل مصر، هتودعه وكل حاجة الود اللي بيناتنا هينتهي، والحساب اللي عامله عشانك ما هعملهوش، وهتشوف سالم تاني غير اللي تعرفه. احمد ربك إن طلعت أعرفك وما بينا عشرة يا حضرة اللواء، دي اللي قلته حاجة خفيفة لأجل العشرة بس اللي ما بينا.»
رد الرجل وقال:
«أعتذر لك بالنيابة عن ابني وما كنتش عايز موقف زي ده يكون ما بينا، وده أقل عقاب لابني ووعد مني مش هينزل مصر تاني، وياريت ما تكونش واخد على خاطرك مني وإن شاء الله نفضل على طول ما بينا عشرة وما تنقطعش أبدًا.»
قام سالم من مكانه ورمى عليه السلام وذهب.
أما اللواء محمد فمسك هاتفه وهاتف ابنه وعنفه بشدة وقال ابنه ما حصل، فقال له اللواء:
«حسك عينك حد يشم خبر باللي حصل، سالم أكيد ما يعرفش بده كله وكويس خالص إنه ما يعرفش وإلا كنت مت فيها، وأنا كان انسحب مني المنصب والبلد هنا خلاص تنساها، بلدك تركيا دلوقتي فاهم؟»
خاف هيثم كثيرًا من سالم من ليلة الحنة وقال لأبيه إنه لن يفتح هذا الموضوع أبدًا وإنه لن ينزل البلد.
أما سالم فكان يقود السيارة والوقت كان قد شارف على الليل وهو يفكر بحل هذه المصيبة الآن وعن طريقة لحلها، فهي ستمس عائلته بالكامل وهذا لن يسمح به أبدًا ما دام على قيد الحياة.
رواية عشق الصعايده الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أميرة محمد
وصل سالم بعد حلول المغرب، ووجد الحال كما هو، بل ساء الوضع، حيث يجب أن يكون وقت الزفاف بعد قليل، ومؤكد أن المعازيم على مقربة من الذهاب لحفل الزفاف. نظرت خالته لباب المنزل، فوجدته، فذهبت سريعًا إليه وقالت:
«إيه يا سالم يا حبيبي عملت إيه، قولي حليتها، قولي إنه جاي يتزوجها حتى ولو هيطلقها بعدها بشهر بس وشي قدام الضيوف، وزوجي يا سالم هيطلقني والله هيطلقني لو ما تحلتش، قالي كده، حتى زواجي أنا بعد العمر ده هيخرب.»
نظر لها سالم بحزن على حالتها، ولم يعرف ماذا يجيب.
فرد عليها شهاب وقال:
«الزفت هيثم سافر تركيا امبارح يا ماما، بس سالم ما سكتش وخد لنا حقنا، وكمان حكم عليه ما ينزلش مصر نهائي، وأظن يستاهل إنه يتحرم من بلده.»
أما خالته فبمجرد سماع هذا، لطمت وقالت:
«سافر! يعني إيه؟ الناس زمانها دلوقتي جاية.»
أما سالم فكان يعرف أن هذا ليس الحل لمثل هكذا فضيحة، ولكن ماذا يفعل فقد فعل ما بمقدرته.
جاء أبو شهاب بحزن قائلًا:
«يعني خلاص راسي بقت في الطين دلوقتي، مش هقدر أرفع راسي في عين حد تاني، أنتِ السبب، أنتِ وراء ده كله.»
بكت خالته بشدة، أما آيات فكانت تنظر للأرض بحزن شديد على ما وصلت إليه، فنطق شهاب قائلًا:
«طيب أنا عندي حل بس لو سالم وافق.»
نظر إليه الجميع بأمل، فقال سالم:
«وأني إيه ما يخلنيش أوافق، وأني رايد الحل أكتر منيكو، لأن لو ده هيأثر عليكو قيراط، فهياثر عليا ميت قيراط لأجل سمعتنا وسط البلد ووسط الصعيد كلياتها، لينا اسمنا وسمعتنا وأني ما أريدهاش تتهز واصل.»
فنظر الجميع بعدها لشهاب فقال:
«خلاص يبقى تتجوزها أنت.»
نظر الجميع له بصدمة مما تفوه به، وقال سالم باستغراب:
«أتجوز مين؟»
فقال شهاب:
«آيات أختي هداري الفضيحة اللي هتحصل، وبكده هتسد كلام الناس، لأن ما فيش حد ما يعرفكش، وده شفته بعيني لما اللواء بنفسه كان مرعوب منك، فمين هيقدر يتكلم عن حاجة عاوزة سالم بيه بنفسه وخدها.»
فنظر له الجميع باستغراب، ونظر له أبو شهاب بفرحة وأمل من موافقة سالم.
فقال سالم:
«أنت ناسي إني متجوز وما أريدش غير مرتي، وكيف كلامك اللي بتقوله ده؟»
فقال شهاب:
«الشرع حلل أربعة، وده هيبقى لفترة محدودة، يعني ثلاث شهور عشان كلام الناس، وترمي عليها يمين الطلاق، اثنين واختلفوا وطلقوا، مش أول حد يعمل كده يعني، وبكده سمعتك وسمعتنا محفوظة، وبالنسبة لكلامي فقَصدي إن الناس مش هتصدق لو جوزناها لحد تاني، لكن سالم بيه بنفسه أعجب بيها ودي بنت خالته وشاف إنه أحق من الغريب بيها فقرر يتجوزها بالحلال، وبكده محدش هيقدر يفتح بوقه بكلمة واحدة.»
فذهبت إليه خالته سريعًا وهي تبكي وقالت له:
«أبوس إيدك يا سالم يا حبيبي توافق، ولو كده أكلم أنا الجماعة في البيت، بس بالله عليك توافق عشان خالتك وجوازها، وبنت خالتك ومستقبلها.»
وجاءت لتبوس يده، رفعها سريعًا وقبل رأسها وقال:
«أكيد هتزعليني منك يا خالة، إيه اللي هتعمليه ديه بس.»
وجاء ليكمل كلامه فقال له أبو شهاب وهو مدنكس رأسه بالأرض:
«يا ابني أنا أول مرة أطلب الطلب ده وراسي في الأرض، والنبي يا ابني تنقذ سمعتنا، مش هنقدر نبص في عين حد لو ده حصل، اتجوزها وبعد ثلاث شهور لو مش عايزها طلقها أرجوك يا ابني.»
رفع سالم رأسه وقال:
«ما تبصش في الأرض واصل يا أبو شهاب، وأني ما هسمحش لحد منيكو عينه تتكسر ولا يمشي وعينه في الأرض.»
جاءت آيات لتعترض، فمسكت أمها يديها بقسوة شديدة، ونظرت لها بتحذير من أن تتحدث بكلمة، فأكمل سالم وقال:
«أني موافق بس ليّا شروطي، مرتي رايدها وما أريدش حد غيرها، يعني أكده آيات بنت خالتي وأختي وهتفضل أكده، وبعد ما يعدي ثلاث شهور هطلقها، وأظن أكده كتر خيري.»
فنظرت له آيات بغيظ وغل أيتشرط عليها، فنظر له أبو شهاب وقال:
«كتر خيرك يا ابني، ربنا يسترك زي ما سترتنا.»
أما خالته فرمت نفسها بأحضانه وبكت وقبلته وقالت:
«حقك يا حبيبي، أهم حاجة بس إن الهم ده زال، ألف حمد وشكر ليك يا رب.»
قبل سالم رأسها وقال:
«همشي أني لأجل ما الجماعة يبقوا عندهم علم وراجع.»
نظرت له خالته نظرة علمها هو، فقال لها:
«مش سالم يا خالة اللي يعمل أكده.»
وبعدها ذهب وقاد سيارته وهو يحمل على عاتقه جبل، ويفكر بكيفية إخبارهم وبرد فعل زوجته.
أما بداخل البيت فقال أبو شهاب:
«بجد يا شهاب أنا فخور بيك جدًا، ومعجب بتفكيرك وإنك أنقذتنا من المصيبة دي.»
فردت أمه وقالت:
«طبعًا مش ابني وتربيتي ونفس تفكيري.»
وحضنت شهاب وقبلته، أما شهاب ففرح كثيرًا وعاد بتفكيره وهو ينظر لسالم ولخوف اللواء منه ومن مكانته الكبيرة، فجاءت بذهنه هذه الفكرة، أما آيات فجاءت لتتحدث، فأخذته أمها من ذراعها بقسوة وذهبت لغرفة قريبة ودفشتها وأغلقت الباب ورائها وقالت:
«إيه يا بنت بطني عايزة إيه كمان، زمان لما كنت بمشي وراكي تنسيه، دلوقتي أنتِ اللي هتمشي ورايا ووراء كلامي فاهمة، وسالم هتتجوزيه يعني هتتجوزيه، أنتِ تطولي أصلًا، ده وراه فلوس الدنيا، وكمان راجل وليه هيبته ومكانته، مش زي العيل اللي كنتِ هتتجوزيه وأنا مشيت وراكي زي الهبلة، اقفي البسي الفستان وحطي الميك أب عبال ما نخلص الموضوع ده بقى ونخلص.»
فنظرت لها آيات وقالت:
«مش عارفة مبسوطة من إيه، قالك ثلاث شهور وهيطلقني ومن كلامه بيحب مراته.»
فقالت لها أمها:
«يا بنت يا هبلة، الرجالة دي كلها بتريل على الستات، أي راجل كده فمع شوية لبس كده وكده وشوية دلع الراجل يبقى خاتم في صباعك وأنا مش هوصيكي.»
فقالت لها:
«ده بيحب مراته يا ماما، ومراته مش قليلة، هاجي جنبها إيه أنا، دي زي القمر المنور.»
فقالت لها:
«بس الرجالة بطبعها بتحب التغيير، اقفي أنتِ بس وخلصي.»
خرجت أمها من الغرفة، أما هي فنفضت كلام أمها من دماغها وهي تقول:
«الحمد لله إنهم شرطوا الشرط ده، أصل ده راجل صعيدي ولو عرف إني مش بنت دي فيها موتي.»
وذهبت لتجهيز نفسها.
***
أما سالم فكان جامع العائلة بالمنزل، فقال أبيه:
«إيه يا سالم قلقتنا، قول في إيه؟»
قص عليهم سالم الموضوع ناقصًا حل الموضوع.
فلطمت الحاجة انتصار وقالت:
«يا مصيبتك يا حبيبتي، حسبي الله ونعم الوكيل فيه البعيد، خليه يفضل متغرب دائمًا كده أحسن.»
أما الحاج نعمان فضرب بعصايته الأرض بغضب وقال:
«كيف يعني ديه، سمعتنا بقت في الأرض.»
أما هدى والحاجة نجاة فلم يعيرهم الموضوع اهتمام، عكس ليلى فحزنت شديدًا من أجلهم وخاصة آيات، فوضعت نفسها مكانها فكانت قتلت نفسها أفضل من هذه الفضيحة.
فقال الحاج ناصر وجاسر:
«طيب وحل المصيبة الكبيرة إيه دلوقتي، ده إحنا جاهزين عشان نروح الفرح، وأكيد الناس كلياتها راحت الفرح دلوقتي نعمل إيه؟»
فقال سالم برزانة:
«حل الموضوع ده إني أتجوزها وأطلقها كمان ثلاث شهور لأجل كلام الناس.»
فنظر له الجميع بصدمة، عدا الحاجة انتصار والحاج نعمان والحاج ناصر، فقد وجدوا وبمناسبة أنهم كبار البلدة ويجدوا الحلول للناس، فهذا أنسب حل وبما أنه سيطلقها فلن يؤثر على ليلى.
فنظرت الحاجة نجاة لأحد أن ينهره على تصرفه، فوجدت الحاجة انتصار تقول:
«عين العقل اللي عملته ده يا ولدي.»
وساندها زوجها والحاج نعمان بكلام تافه بالنسبة لها إنه لأجل العائلة ومكانتهم وسترت فتاة من تدمير مستقبلها.
فقالت بعصبية:
«وبالنسبة لبنتي الناس يتكلموا عليها عادي، واللي يسوى وما يسواش يقول إنها ما مريحتوهش، إنها اتجوز عليها، وأني بنتي جوزها ما يتجوزش عليها، بنت نجاة ما هيش ناقصة حاجة، تربية وأخلاق واحترام وحلاوة.»
نظر لها سالم بقسوة من وصف زوجته هكذا أمام الجميع فقال:
«محدش يقدر يتكلم عن حرم سالم نعمان أبدًا يا عمة، واللي يتكلم أقطع لسانه اللي بيتكلم بيه، وليلى أني رايدها وما هيش مقصرة في حاجة معاي، وإذا كان على زواجي فأني هتجوزها ثلاث شهور وبعد أكده هطلقها.»
فقالت الحاجة انتصار:
«عارفة أنك من يومك مخك كبير يا أم ليلى، وده ثلاث شهور هيعدوا في لمح البصر.»
فقالت الحاجة نجاة بعصبية:
«كل ده لأجل بنت أختك يا أم سالم، فاهمة أنك زين.»
فنظرت لها بصدمة، وزفر سالم بعصبية وقال لها الحاج ناصر:
«اطلعي ريحي يا أم ليلى دلوقتي، أكيد تعبانة ولما تروقي هترجعي بعقلك تاني.»
فقالت:
«لا، رايد يتجوز يطلق بنتي دلوقتي، يرمي عليها يمين الطلاق قبل ما يروح يتزوج الثانية.»
فنظر لها سالم سريعًا بعصبية شديدة وخوف من الداخل من خسارته لزوجته وقال:
«إيه اللي بتقوليه ده يا عمة، ليلى مرتي وهتفضل مرتي وما هطلقهاش واصل.»
فقال الحاج نعمان:
«والله حال الحريم اللي بتتكلم وإحنا واقفين.»
فردت بدون حساب لكلامها ولأول مرة منذ دخولها لهذا البيت:
«ما أنتم مش بتتكلموا الكلام الصح فلازم الحريم تتكلم يا حضرة العمدة.»
فنظر لها الجميع بصدمة وزمجر سالم بغضب، ولم تجد الحاجة نجاة غير قلم نزل على وجهها من زوجها، فذهبت إليها هدى سريعًا صارخة بأماه بعدما كانت واقفة لا تستوعب كل هذا وعقلها توقف على أن سالم سيتزوج وللمرة الثانية.
فنظر سالم لليلى فوجدها تنظر له نظرة تمنى لو قتلته أحسن من تلك النظرة بعينيها، فكأنها تلومه على كل ما يحصل هنا، أليس يضحي لأجل العائلة؟ لما لا تعذره؟ ولما لا تتحدث أو تلومه أو تصرخ أو تعترض؟ أليس أحسن من هذه النظرة؟
أما بالنسبة لليلى فظنت أنها سمعت خطأ بالمرة الأولى، ولكن بعد كل هذا الجدال فعلمت أن ما سمعته حقيقي، أسيتزوج عليها حقًا؟
أحقًا بعدما أحبته وتعلقت به ألم يجد حل آخر، لما استسهل، ألم تستحق أن يغضب الجميع لأجلها، أحقًا لا تصدق؟
فوعت عندما ضرب أباها أمها، فذهبت إليها ونظرت لأبيها بتأنيب وأخذت أمها وذهبت من أمامهم جميعًا، فقال الحاج نعمان لسالم أن يجهز فبالتأكيد الناس ذهبت لحفل الزفاف، فذهب سالم وهو يتذكر نظرتها له فدخل الغرفة لم يجدها فاستغرب وبعدها ذهب لغرفة الحاجة نجاة فوجدها هي وبناتها يجهزون حقائبهم فقفز قلبه بين رجليه وذهب سريعًا لداخل الغرفة وقال بعدما استدعى بعضًا من ثباته:
«على فين العزم أكده؟»
فلم تلتفت إليه ليلى وتركت الأمر لأمها فهي أوشكت على الانهيار، فقالت أمها:
«راجعين بلدنا، ما لناش قعاد في المكان هنا يا ولد سلفي، ولا رايدين نحضر فرحك كمان.»
فأغمض سالم عينيه وأرجعهم وقال:
«بعد ما نيجي راجعين كلياتنا يا عمة.»
فقالت:
«لا، راجعين دلوقتي، هيوصلنا السواق، كتر خيركوا.»
فقال سالم:
«مرتي ما تمشيش غير معاي يا عمة.»
فردت بعصبية وقالت:
«وبنتي ما تمشيش غير معاي يا ولد سلفي، والحق جهز حالك لأجل فرحك.»
فأغمضت ليلى عينيها وهي تمثل بأنها تقوم بتجهيز الشنط وعينيها تمطر دموعًا، فنظرت لها هدى وحزنت من أجلها.
فقال له بعصبية من عدم التفات ليلى له:
«صلي على النبي يا عمة وما تعمليش أكده.»
فقالت:
«عليه الصلاة والسلام يا سالم، وجهز لنا العربية وقول للسواق يوصلنا.»
فأغمض عينيه بغضب ولم يرد الإصرار حتى لا يتأزم الوضع أكثر مما هو متأزم، وحتى تذهب زوجته وتهدأ قليلًا فهو يعرفها أرق مما تدعي، وحتى لا تشهد على زواجه من أخرى فقال:
«اللي رايداه يا عمة.»
ونظر لليلى في محاولة لرؤيتها ولم تلتفت حتى، فذهب بحزن لتجهيز نفسه بعدما أوصى السائق لتوصيلهم للبيت.
أما ليلى فبمجرد خروجه فانهارت باكية بقوة وانهيار، فنهرتها أمها وقالت:
«اقفي يا بنتي ما تبكيش واصل فاهمة.»
فقالت ليلى ببكاء وانهيار:
«رايح يتزوج ياما، بيجهز نفسه لأجل ما يتجوز عليا ياما، قلبي واجعني ياما قوي، ليه كل ما أجي أفرح حاجة تحصل، ما أقدرش أستحمل ده كله، كثير ياما والله كثير عليا قوي قوي.»
فحضنتها أمها ولأول مرة بحنان، وذهبت هدى وحضنتهم وهي تواسي أختها.
رواية عشق الصعايده الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أميرة محمد
رجعت ليلى والحاجة نجاة وهدى وزهرة بصحبة جاسر والسائق للصعيد. لم تنطق ليلى بحرف طيلة هذا الطريق، وبعدما وصلوا نزلت ليلى سريعًا قبلهم وذهبت لجناحهم هي وسالم، وأخرجت جميع ثيابها وذهبت لغرفتها هي وهدى قديمًا.
دخلت أمها وهدى وهي تجمع باقي ثيابها من غرفة سالم، فقالت لها الحاجة نجاة:
"عتعملي إيه يا ليلى؟ ناوية تهملي أوضتك وجوزك وتغضبي وتسيبِي جوزك للي ما تتسمِّي؟ لا يا بنتي، حطي عقلك في راسك لأجل ما تخسري جوزك. صُح هو اللي حصل كان غلط، بس حصل يا بنتي. ما هنغيّرش المكتوب، فلازم ترضي وتعيشي."
نظرت ليلى لها بقهرة وحزن شديد، وامتلأت عينيها بالدموع وهي تقول:
"لا يمه، ما هرضاشي. راضيت كتير جوي جوي، وأدي اللي حصل. كنتي من وقت كنت صغيرة أكده وأنتِ ما عطتنيش حقي كيف العيال في صغرها. كنتي على طول اعملي أكده وما تعمليش أكده، قولي نعم وحاضر، راسك دايمًا في الأرض. وأنتِ عتتكلمي ما ترفعيش عينك في حد واصل، ما تضحكيش بصوت، ما تمشيشي أكده، ما تاكليش أكده. كل همك كان ولاد نجاة لازم كل الناس تتكلم عن تربيتهم، ونسيتي بناتك يمه، نسيتي تورينا حنية الأم كيف عتكون. نسيتي تورينا حضن الأم كيف عيكون. ما متذكراشي يوم حضنتيني كيف الأم ما هتحضن ضناها. علمتينا نخاف منيكي بس. علمتينا ينداس على راسنا ونسكت. ما البنتة ما ينفعش يتكلموا، يقولوا عليهم قليلين التربية، حتى وقت ما قالوا نتجوز ما قلتلناش رايدين ولا لا. ويوم خيتي نطقت قامت القيامة. كنت بخاف أعارض جوزي في شيء خوفًا منّك يمه. أدي آخرة نصايحك لينا، جوزي عيتجوز عليا وما كنتش قادرة أتكلم، أقول أطلع اللي في قلبي. إني عمري ما قصرت في حجة أبدًا، يقول لي شرقي أشرق، غربي أغرب، ويوم ما يطلبني ما كنتش أقول لا واصل لأجل كلامك جوزك يمل منك ويتجوز عليكي. إني ما غلطش ولا خرج من تمي الغلط واصل يمه. حرام يمه، حراااام يمه، ما قادراااش تاني، ما قادراش."
بعدما مسحت دموعها بقوة أكملت:
"بس من أهنا ورايح ما هكونشي ليلى حق زمان. لا، مشيت ورا كل نصايحك ومفدتشي، يبقى أمشي ويا حالي. ما طلعتش العيبة من تمي لحد فيكم واصل، وما خدتش نصيبي من الحلو اللي كنت هعمله يمه، بس خلاص من أهنا ورايح ممشياش ورا كلامك، همشي ورا نفسي وبس، ما يهمنيشي حد. ومن أهنا ورايح ديا جوزي وأني مرته، لا ليكي دخل ولا لحد واصل دخل، وأني هعرف أتعامل كيف ويا جوزي."
نظرت لها الحاجة نجاة بضعف ودموع، أحقًا لم تعِ لنفسها ولا لبناتها أثناء اهتمامها بكلام العالم؟ أحقًا فعلت كل هذا؟ أهي أم سيئة لهذه الدرجة؟ لكنها كانت تريد لهم الأحسن، كانت تريدهم أفضل من الجميع، ولكنها يبدو ضيَّعت سنين كثيرة جميلة بينها وبينهم، لكنه لم يفت الأوان بعد، ستؤدي منذ هذه اللحظة دورها الحقيقي كأم، وتبًا للناس ولكلامهم.
بينما كانت تنظر لهم هدى وهي تبكي بشدة فما قالته أختها، كانت تريد قوله منذ سنين عديدة، سببت لها عقدة كبيرة بحياتها، لكنها غفلت أن أختها نالت من ذات الكأس وبل أكثر، فكانت تخبئ الكثير من غلطاتها وتعاقب بدلًا منها. أحقًا كرهت أختها؟ لكنها لم تتذوق طعم الحنان منذ طفولتها. أ قلبها قاسي من هكذا؟ أقسى حتى على أختها؟ فما ذنب أختها إذا أحبت هي شخصًا لا تعرف عن حبها له؟ أكانت تخطط حقًا لإيذائها؟ أهي من كانت تريد إيذائها يوم زفافها؟ يا للهول! أأصبحت مثل أمها قاسية القلب؟ لا وألف لا، فهي تشكر الله على إفاقتها وإدراكها مبكرًا.
ذهبت لها هدى وحضنتها وهي تبكي شديدًا، فسمحت ليلى لانهيارها بالظهور، وجاءت أمهم وأخذتها بأحضانها وهي تبكي أيضًا وتعتذر كثيرًا منهم وتقبلهم وتوعدهم بتغيرها ومسامحتها.
بعدها بقليل أخذت الحاجة نجاة وليلى بعض الثياب وذهبوا، وبقيت هدى تجلب باقي الثياب، فنظرت سريعًا للباب وبعدها ذهبت للدولاب وأخرجت شيئًا ما كانت تخبئه بين ملابس أختها، ونظرت له وعادت بذاكرتها للوراء عندما أفسدت خاتمها ودخولها وتخبئة شيء بين ثياب أختها. حقًا تخجل من نفسها الآن، كان شريط مانع للحمل وضعته لرؤية سالم له، ولمعرفة سالم أنه يحلم برؤية الوقت الذي سيصبح له أولاد تسنده وتقف بجانبه. فبمجرد رؤية هذا الشريط سيقوم بتطليقها ظنًا منه أنها لا تريد الإنجاب منه، وكان هذا سيدخل في مسألة أخرى تخص العرض والشرف. وبعدها قامت برميه من النافذة لبدء حياة جديدة مع أختها.
وضَّبت ليلى ثيابها بغرفتها القديمة وأخذت حمام دافئ، وبعدما ذهبت أمها وأختها ذهبت لفراشها وتسطحت عليه، وبعدها نزلت دموعها وهي تفكر أنه من المؤكد انتهى الزواج الآن أو ربما بالطريق عائدين. أسيجلب لها أخرى ستشاركها به؟ لا تنكر أنها أحبته وتعلقت به لكنها خذلها وكثيرًا. أهذا من أمنت له وجعلته مأمنها؟ أهي سيئة ليحصل لها كل هذا؟ ألم يحبها؟ إذا أحبها حقًا لن يرضى زعلها هكذا. تشعر بالخذلان من الكل، حتى أباها جلس وشهد زواج زوجها من أخرى. تشعر أن بها شيء ما ليخذلها الجميع هكذا. تشعر بكثير من الضغوطات، بكت وبكت ثم نامت بقهرتها من كل ما حولها.
رواية عشق الصعايده الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أميرة محمد
وعندما هم سالم ليكمل كلامه، وجدها تبكي بهستيريا، ومن بعدها وجد جسدها يتراخى، فانتفض قلبه بشدة ولقمها قبل أن تقع وهو يصرخ باسمها بذعر. نزل بجسدها للأسفل وهو يصفع وجنتها برفق قائلًا:
"ليلى ليلى!"
وعندما لم يجد منها استجابة، حملها سريعًا وذهب لغرفته فوجد الجميع قد تجمع على باب غرفته. فنظر لزوجته فكانت بشعرها وثياب النوم، فذهب سريعًا وألبسها عباءة فضفاضة ورمى على رأسها وشاح، وخرج وهو يصيح لجاسر أن يأتي بالحكيمة سريعًا.
دخلت الحاجة نجاة وهدى والحاجة انتصار بعدما صاحوا بهلع عندما وجدوها هكذا، جسد بلا روح. فحضنتها الحاجة نجاة وهي تحاول إفاقتها ببكاء قائلة:
"قومي يا بنتي حقك عليَّ أنا. عارفة كثير اللي بتستحمليه ده. قومي يا ليلى، قومي يا بنتي."
وبكت بانهيار لم يشهده أفراد المنزل للحاجة نجاة، فجاءت لتصبرها الحاجة انتصار قائلة وهي تضع يديها على كتفها:
"ما تبكيش يا أم ليلى، تلاقي ضغطها واطي شوية وهتقوم بالسلامة."
نظرت لها الحاجة انتصار بقسوة وهي تنفض يديها من على كتفها قائلة:
"بتقولي ما أبكيش؟ كيف ما أبكيش على اللي حصل لبنتي؟ وده حصل من قليل؟ لا ده من كثير قوي قوي من عمايل ابنك ومساندتك ليه بالغلط لأجل العيلة. هيجْهِر بنتي. لو كنتِ مرت عم وحماة كويسة لبنتي، ما كنتيش هتسمحي بكده. وليلى من يوم كانت كده، كنتِ أمها كيفك كيفي، وأنا مستغربة سالم بيعمل كده كيف؟ طلع كيف أمه بالضبط، ما يصونش العشرة."
صرخ سالم بقسوة قائلًا:
"مرت عمي، لحد هنا وخلاص. مرتي راقدة ما تدريش بشيء، لا ده الوقت ولا الزمان المناسب للكلام، وياريت تنتبهي لحديثك زين."
قالت له الحاجة نجاة:
"بنتي راقدة ما تدريش بشيء من عمايلك، وأنا دارية بحديثي زين."
فزفر سالم أنفاسه بقسوة، فهو تحكم بنفسه كي لا يرد على زوجة عمه بسبب إهانتها لأمه وله، ولكنه لم يعتد التصرفات غير المناسبة له ولا لهذا الوقت.
أفاق على صوت جاسر يعلن عن وصول الحكيمة، فانتفض سالم وأدخلها سريعًا لفحص زوجته، وذهب جاسر وهو ينظر لهدى التي تبكي بشدة وهي جالسة بجانب أختها، وانتظر مع أبيه وعمه بالخارج.
ذهبت الطبيبة لفحصها فكشرت ملامحها وهي تملس على بطنها، وبعدها بقليل قالت لهم:
"بعد إذنك يا ست انتصار وسالم بيه، بس إزاي تهملوا في حالتها كده؟ دي كانت داخلة على انهيار عصبي والضغط عالي جدًا، وكان ممكن تخسروا الجنين لا قدر الله."
فنظر لها الجميع بصدمة وفرحة في نفس الوقت، فسأل سالم سريعًا:
"جنين كيف؟ هي حامل؟"
فاستغربت الطبيبة حديثه وقالت:
"أيوة المدام حامل، وأكيد مش أول شهر ليها لأجل ما الجنين واضح معايا زين، ممكن تكون بقالها شهرين كمان."
فصدم سالم: يا الله أحقًا زوجته حامل وبالشهر الثاني؟ أعاشت كل هذا وهي تحمل طفله؟ كيف تحاملت لكل هذا؟ فتذكر تعبها الكثير في الفترة الأخيرة، أحقًا سيصبح أبًا؟ كان هذا حلمه أن يكون له أبناء خلف ظهره وها هو تحقق. كان يمر بالكثير من المشاعر واللخبطة والفرحة الشديدة.
أما الحاجة انتصار فهللت وسعدت وخلعت عقدها وأعطته للطبيبة وهي تقوم بالزغاريد، وبعدها قامت بحضن سالم والمباركة له. أما هدى والحاجة نجاة ففرحتا كثيرًا وحزنتا أيضًا من أجلها.
فقال سالم للطبيبة:
"أمال لساتها راقدة ليه؟ ما قامت؟ حصل ليها حاجة؟"
فقالت الطبيبة:
"لا الحمد لله ربنا بيحبكم لأنها كانت داخلة على سقط، والرجاء الراحة التامة ليها تجعد أسبوع نايمة كده لأجل العيل، وبلاش الزعل والضغط ليها وهي هتقوم كمان شوية."
فحمد سالم ربه كثيرًا وحمد الجميع ربهم على حفظه لطفله، فلو كان حدث له شيء كان سيندم ويحزن كثيرًا، فقد انتظره لهذا الخبر كثيرًا وقد جاء في وقت لا تريد زوجته حتى النوم معه بنفس الغرفة.
ثم أعطته الطبيبة ورقة ولبست نظارتها وقالت:
"شيع هات لها دول وخليها تمشي عليهم وربنا يتمم لها على خير."
فآمن سالم على دعائها وأخرج مبلغًا كبيرًا من جيبه وأعطاه لها وهو يشكرها، فشكرته الطبيبة بسعادة ودعت لها بأن تتم حملها على خير.
خرجت زهرة للخارج وهي تقوم بالزغاريد وزفت الخبر بالخارج، فسمعتها آيات فمنذ قليل أفاقت من نومها على صراخ سالم باسم ليلى، فارتدت ثيابها وجاءت ولكن يبدو أنها أمور لا دخل لها بها، فباركت كما فعل الجميع وعادت مرة أخرى لغرفتها.
سعد الجميع وهلل الحاج نعمان بشدة وبارك الجميع لسالم، وأمر الحاج نعمان بذبح الذبائح وتوزيعها لأهل البلد جميعًا لخبر قدوم حفيده الذي انتظره كثيرًا.
دخل سالم للداخل مرة أخرى فخرج الجميع بعدما طمأنتهم الطبيبة على حالتها وأن نومها هذا طبيعي وستقوم في أي وقت وأنه لا داعي للقلق ويجب عليها الراحة التامة فقط.
ذهب سالم لمكانها وأشاح الوشاح الذي وضعه لها وملس على شعرها الذي اشتاق لملمسه بين يديه وقبل جبينها، فهي عانت كثيرًا وهي تحمل جنينها. ثم وضع يديه على موضع جنينها وهو يملس عليه بسعادة لا توصف ويحمد ربه كثيرًا فهو لم يحرمه من شيء. ثم دنا وقبل موضع يديه، فسمعها تئن وبعدها فتحت عينيها وهي تضع يديها على رأسها وتتأوه.
فذهب لها سريعًا وقال لها:
"خليكي مرتاحة."
فنظرت له بتوهان ونظرت للغرفة وقالت:
"إيه اللي حصل؟"
ولم تكمل وعادت الذكريات لرأسها لنهاية وقوعها بعد انهيارها، فنظرت للغرفة وبعدها وقفت بعنف وهي تقول:
"جبتني هنا ليه يا سالم؟"
انتفض سالم من مكانه عندما قامت بهذه الطريقة ولم يركز مع حديثها وهو يقول:
"على مهلك وأنتِ بتقومي، ما أنتِش لوحدك دلوقت يا ليلى."
فنظرت له باستغراب من حديثه، فتذكر هو أنها لا تعلم فقال لها:
"جواكِ روح مسؤولة منها دلوقت، أنتِ حامل يا ليلى، مبروك."
نظرت له بتوهان وهي تضع يديها على معدتها، فأومأ برأسه لها بسعادة.
فلم تعرف ماذا تفعل، هي سعيدة وسعيدة كثيرًا أيضًا، لكنها تشعر أنه جاء في وقت لا تعلم ماذا تقول، لكنها لن تشفع له بهذا ولن تتنازل عما ناوته أيضًا. فوضعت وشاحها وجاءت لتفتح باب الغرفة فمسك يديها وقال بهدوء ظاهري:
"رايحة فين؟ لو كنتِ عايزة حاجة من برة الأوضة،
رواية عشق الصعايده الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم أميرة محمد
ثم قامت وارتدت قميص نوم شديد الإغراء نبيذي اللون وزينت وجهها، وهي تنوي بدء صفحة جديدة معه.
بعد أكثر من ساعتين، عاد جاسر بملامح وجه قاسية وأغلق الباب ورائه. وعندما التفت، تجمدت رجلاه مما يراه، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة من كتلة الإغراء هذه. أتريد أن تجننه هذه أم ماذا؟ لكنه حاول تمالك ذاته وتركها وذهب سريعًا لداخل الحمام، وهو يأخذ نفسه سريعًا. وبعدها أخذ حمامًا باردًا ليزيل سخونة جسده الشديدة، وهو يفكر في تعليمها درسًا. أولًا، لقد فوت كل ما قد حصل، لكنه لن يسكت عن هذا. أتوَقف علاقتهما مقابل علاقة أخرى؟ إذا تطلقت أختها ستريد الطلاق؟ إذا تخانقت أختها وطلبها سترفض لأجل أختها؟ يجب أن تُبنى علاقتهما لعلاقتهما، وليس لعلاقة أخرى.
أما بالخارج، فلم تعرف هدى ماذا تفعل، فلم يعرها اهتمامًا حتى خرج بعد قليل. فوقفت سريعًا وكادت أن تقترب منه، فذهب للفراش فنادته قائلة:
"جاسر، كنت هجولك..."
ولم يدعها تكمل حديثها قائلًا:
"اجفلي النور ديا، عندي شغل على بكير وعايز أنام اشويه."
شعرت بالخزي والخجل. لقد عرضت نفسها عليه ولم يقبلها. تشعر أنها تريد أن تبتلعها الأرض الآن. فذهبت بحزن ونامت جانبه. شعر هو بالحزن عليها، لكنها من أوصلتهم لهذه الحالة.
جاء الصباح، وجاء معه يوم جديد. ذهبت الحاجة نجاة وهدى للاطمئنان على ليلى منذ ليلة البارحة، فوجدتاها ما زالت نائمة. فقامت الحاجة نجاة بإيقاظها وهي تقول:
"به به به! ليلى نايمة لغاية دلوجت! دا انتي كنتي عتجومي من الفجر وتجولي مجدارشي أنام أكتر من أكده، لكن شايفة إن حبيب ستّه عيخليكي كسولة جوي!"
فضحكت هدى وهي تقول:
"انتي لسه شوفتي حاجة يمه، لما بطنها تبجي على جلبها جد أكده هتلاقيها مجادراشي تتحرك ولا تجوم ولا تعمل شيء، هتفضل جاعدة أكده علطول."
فتذمرت ليلى قائلة:
"لساتني عارفة إني حبله ليلة عشية ومعتخلصوشي لأجل ما جومت وأخري اشويه."
ضحكت الحاجة نجاة وقالت:
"عقبال ما أشوفك يا هدى كيف خيتك حبله كمان."
ثم قالت لليلى:
"هنزل أشيعلك الوكل وكوبايه لبن."
فقالت لها ليلى:
"لي يمه؟ هنزل أكل وياكو."
فقالت لها:
"لاه! الحكيمة جالت وضعك صعب، وربنا جاب من ولدك، ولازمن تنامي أكده على ضهرك فترة."
أما هدى فكانت سارحة بكلمة أمها وليلة البارحة وما حصل بها، ولم تعي إلا على يد أمها وهي تقول:
"يلا يا بت ننزل للفطار! أخرنا، وهنشيع زهرة بفطار خيتك."
كان الجميع مجتمعًا على الطاولة، فتقابلت الحاجة نجاة وهدى مع آيات وهي تنظر لهم برفع رأس كمن تغيظهم. فقالت الحاجة نجاة بصوت عالٍ:
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ياااارب!"
فنظر الجميع لها ولمن تنظر له وهي تقول هكذا. ورددت هدى:
"وإني أجول يومي معكّر لي أكده! طلع من حِجة يتعكّر."
فمسح سالم على وجهه بنفاذ صبر، فعلى ما يبدو سيعاني طيلة الثلاثة أشهر وكثيرًا. أما جاسر فكتم ضحكته بصعوبة. فمشت آيات وتركتهم قائلة:
"صباح الخير يا خالتو، صباح الخير يا سالم، صباح الخير ليكو."
ردت الحاجة انتصار بود، فهي بالنهاية بحسبتها عانت كثيرًا ابنة أختها، ورد عليها الجميع. نادت الحاجة نجاة بصوت عالٍ لزهرة قائلة:
"بت يا زهرة، طلعي فطار يليق بستك ليلى وكوبايه لبن لأجل ما العيل وأمه يتغذوا زين."
كانت تتحدث وهي تنظر بقوة لتلك العروس المشؤومة كما أسمتها.
ردت زهرة عليها:
"عنينا لست ليلى وولدها كمان يا ستي نجاة."
أما سالم فهلل على ذكر سيرة طفله، وجاء ليأكل فسمع صوت زوجته وهي تنزل الدرج:
"ملوش لزوم يمه، إني نازلة أكل وياكو."
فانتفض سريعًا ذاهبًا إليها لتسنيدها، موبخًا لها:
"مش الحكيمة جالت تنامي على ضهرك فترة؟ جايمة لي؟ زهرة كانت عتشيعلك الوكل فوج."
فسحبت يديها قائلة:
"ملوش عوزة، إني منيحة ونازلة أكل تحت أهنا، ولا ماريدش أكون وسطيكم."
زفر أنفاسه بعنف وسحبها قائلًا:
"اطلعي يا ليلى وبلاش تضحي بولدنا، آخرة عنادك معايزهاشي تكون في سبيل اللي في بطنك يا بت الناس. عنديني إني واعملي كيف ما انتي رايدة ويياي، لكن ديا ولدك برضه، والحكيمة جالت كنا هنخسروه، وقدر الله وباركلنا فيه، فاجعدي انتي وكل حاجة هتجيكي زي ما انتي رايدة."
ساندت كلامه الحاجة نجاة وهدى بعدما تقدموا إليهم خائفين أن ترى آيات وتتغير حالتها أو أن تحزن فتضر طفلها. فأخذت الحاجة نجاة بيديها قائلة بتأنيب:
"مش جولتلك يا ليلى اجعدي فوج، وجايلالك على كلام الحكيمة، مجعدتيشي لي؟"
نظرت ليلى لسالم برفع حاجب عندما نظر لها بقسوة شديدة، فهو لا يريدها أن تهمل ما ببطنها وأن تعتني بنفسها قليلًا.
قالت آيات بمصمصة لفمها:
"هي حامل ولا تعبانة يعني؟ دا حمل عادي ماهوش مرض يعني."
نظرت لها الحاجة انتصار لكي تسكت.
فقال لها سالم:
"يا بت خالتي، أمور مرتي مارايدش تدخلي فيها واصل، ولا تجفي جبالها أو تعلقي وياها. ولو شوفتيها جاية من أهنا تلفي من مكان غيره وتمشي. وإذا كان على خوفنا عليها فعشان مرت بظروف وحشة وهي حبله، والحكيمة جالت العيل اتحرك من مكانه ولازم راحة ليها، فالكلمة الحلوة هتجوليها على راسنا، غير أكده وفريها لحالك."
وتركها وذهب لعمله دون إفطار، فقد سد نفسه هذه الأجواء.
أما آيات فعلمت أنه شديد بطباعه لا يقبل الخطأ ولا يخجل من قوله.
🦋🦋🦋🦋
رواية عشق الصعايده الفصل الثلاثون 30 - بقلم أميرة محمد
مضى أكثر من يوم على هذه الأحداث، حيث التزمت ليلى بغرفتها واتبعت تعليمات طبيبتها. كانت الحاجة نجاة وهدى تذهبان لغرفتها يوميًا ليحاولن تعويضها عما مضى من أيام لم يكن فيها جنبًا إلى جنب.
أما جاسر فكما هو على جفائه مع هدى.
بينما سالم كان يشتاق لليلى كثيرًا، فكان يقوم صباحًا لتناول الإفطار فتكون ليلى نائمة، ويعود في وقت متأخر فتكون أيضًا نائمة. اشتاقها بجنون، اشتاق لملامستها، اشتاق لصوتها، اشتاق لخجلها، اشتاق لرائحتها. اشتاقها بكثرة، لقد علم أنها تشغل حيزًا كبيرًا في عقله وأيضًا في قلبه.
كانت آيات جالسة بغرفتها تتحدث مع والدتها قائلة:
"لا يا ماما مفيش جديد، اليوم دا زي اليوم اللي قبله، مفيش غير إن كله مهتم بالأستاذة ليلى، يقول أول واحدة في العالم تحمل يا ماما. بجد إيه دا؟"
ردت عليها والدتها:
"طيب وانتي معملتيش ليه زي ما قلتلك؟ ما انتي لو عملتي كده وحملتي هتبقي أستاذة زيها. وبعدين لو مشيتي ورا كلامي هتبقي انتي الآمرة والناهية عندك."
ردت عليها آيات بعصبية:
"بس يا ماما، أنا مش قولتلك كسفني إزاي وعصب عليا عشانها؟ دا بيحبها جدًا يا ماما، دا انتي مش بتشوفي بيبصلها إزاي؟ يقول هي الوحيدة الموجودة."
قالت لها أمها:
"يا بت خليكي ناصحة، ما انتي على حسب كلامك إنها في أوضة تانية غير أوضتهم ومش بتنام معاه في نفس الأوضة، وإنها قد إيه زعلانة وهو بيحاول يراضيها مش راضية. يبقى أكيد هيجيله يوم ويمل، وكل راجل ليه احتياجاته مش هتقدر تلبيها له غير مراته، ومراته زعلانة يبقى مين تاني مراته؟"
فكرت آيات بحديثها وكم هي محقة، فهي بعد أن عاشت في هذا العز لا تريد تركه، ورأت كم أن سالم هو الآمر والناهي ويملك كل شيء بيديه، وكم هو وسيم ورجولي عكس ذلك التافه الخائن كما اسمته.
فقالت لها:
"يعني إيه يا ماما؟ قولك هيرضى؟"
قالت لها:
"طبعًا لازم يرضى، أنتي حاولي تهتمي فيه، الزقي فيه، شوفي طلباته، البسي قدامه وهو هيضعف من نفسه."
قالت لها آيات:
"ماشي يا ماما هشوف، ادعي أنجح في كده."
قالت لها والدتها:
"وإن ما نجحش اللي قولتلك عليه، هيبقى في طريقة تانية هقولك تعمليها."
ابتسمت آيات بشر وودعت أمها وقامت من مكانها، وارتدت عباية نوم عارية بشدة، وتركت العنان لشعرها، ونظرت من نافذة غرفتها وهي تنتظر قدوم سالم، فهي تعلم أنه أصبح يأتي بعد منتصف الليل.
سمعت صوت سيارته فنزلت سريعًا وهي تمسك بيديها كوب ماء فارغ متحججة أنه سبب نزولها الآن.
كانت ليلى نائمة فاستيقظت، دخلت الحمام ثم شعرت بالجوع فلم تتناول طعام العشاء جيدًا عندما قامت بترجيع ما بمعدتها، فلم تأكل المزيد. فنظرت للوقت فوجدته قد عدى منتصف الليل، فلم ترد أن تنزل فحاولت النوم فلم تستطع فقالت:
"كنت على طول بنام عادي حتى لو ما اتعشيتش، لكن شكله أكده حبيب قلب ماما اللي جعان، لازم أقوم لأجل ما أغذيه زين."
ثم ضحكت بنعومة على محادثة طفلها كأنه معها، وقامت برمي عباية فضفاضة فوق عباية نومها خوفًا من نزول أحد ورؤيتها هكذا، ورمت حجابها ولم تقم بلفه.
دخل سالم البيت وهو متعب من هذا اليوم، فكان العمل كثيرًا ومتعبًا اليوم، وجد ضوء المطبخ مشتعل فـرقص قلبه من الفرحة ظنًا أنها ليلى، فذهب سريعًا وقام باحتضانها من الخلف بسعادة بالغة، فقامت بلف يديها حول يديه التي تحيط خصرها وهو لا يصدق أسامحته؟ استرجع معه غرفتهما التي افتقد رائحتها بها بشدة، ولكن لحظة واحدة.
هذه ليست رائحة زوجته، وما الذي ترتديه؟ فهو يعرف زوجته جيدًا لا ترتدي هكذا وتخرج من غرفتها، فهي تعرف الأصول وتربت عليها. إذًا من هذه؟ فسحب يديه سريعًا من عليها كمن لدغته أفعى وهو يتراجع للوراء، ثم تقدم إليها وقام بلفها إليه بقسوة فوجدها ابنة خالته التي تزوجها. ما الذي ترتديه؟ أوصلت وقاحتها لتنزل هكذا؟ ألا تعرف الخجل أو الاحتشام؟ فنهرها بقسوة قائلًا:
"نازلة تعملي إيه دلوقت؟ ماشيفاش الوقت؟ وإيه اللي مهبباه ديه ونازلة بيه؟"
فردت عليه بنعومة وهي تدعي الخجل قائلة:
"سالم أنا مش عارفة، فكرت الكل نايم وقومت أشرب ما لقيتش مية في أوضتي فقومت أشرب."
وقامت بالنظر للأرض وهي تحاول مداراة جسدها وشعرها بكذب، فقام بخلع شاله الذي يضعه على كتفه ورماه عليها.
وهو يقول بعصبية:
"بعد أكده تلبسي حاجة محتشمة وتنزلي بيها، إهنا مهوش زي عنديكو، إهنا تحترمي البيت اللي أنتي فيه، وآخر مرة أشوفك أكده تاني."
ثم أشار لها بالصعود، فعندما همت بالذهاب رمت نفسها عليه متأوهة بتمثيل بأنها كانت ستقع فقالت:
"آه ما عرفش، شكلي مش مصحصحة كويس، كنت هقع، شكرًا."
فدخلت ليلى المطبخ وجدت آيات بأحضان سالم تتمسك بجلبابه وهي يضع يديها على ظهرها، فنظرت للمشهد بصدمة وعينين امتلأت بالدموع، فكادت أن تغادر لكنها شجعت نفسها، فقام سالم بسحب يديه قائلًا:
"خلي بالك بعد أكده."
وعندما هم للخروج تجمد مكانه عندما وجد ليلى، فقد اشتاقها كثيرًا وجاءت في وقت غير ملائم. ماذا ظنت الآن، فالوضع بينهما لا يحتاج كره، الوقت الذي عاد به. كاد أن يتحدث، أن يبرر لها، فسبقته هي قائلة:
"شكلي جيت في وقت مش زين، فـ إني هاكل، لأجل ما حاسة إني واقعة من الجوع، وأنتوا بعد أكده كملوا حديثكو."
ثم ابتسمت بصعوبة فهي كانت تتحدث وقلبها يتقطع من الداخل.
فادعت آيات الخجل الشديد وابتسمت بنعومة ثم ذهبت سريعًا.
فقال سالم:
"ما كناش هنتحدثوا ولا أي حاجة من اللي بالك، كانت هتقع وإني لحقتها."
لم تجب ليلى عليه وقامت بإخراج مربى وعسل من داخل الثلاجة وجلبت الخبز، فاستنكر سالم على ما ستأكله، فقام بإخراج لحمة كانت مستوية بالثلاجة ولا تحتاج إلا التسخين، وذهب لتسخينها وهو يقول لها:
"ما بتعترضيش ليه؟"
فلم تجب عليه ليلى أيضًا.
فزفر سالم أنفاسه في محاولة منه للحصول على الهدوء.
قام بتسخين اللحمة وجلس بجانبها، وكادت أن تأكل فـأبعد أطباق المربى والعسل من أمامها، وقطع لها قطعة لحمة وكاد أن يضعها بفمها فقامت بلف رأسها على الجانب الآخر قائلة:
"هتخليني آكل، ولا أقولك نفسي اتسدت، ما بأكلشي."
وكادت أن تذهب فمسك ذراعيها وأجلسها على قدميها، فحاولت القيام فلم يسمح لها قائلًا:
"اقعدي بقى وشبعي اللي في بطنك، وبعد أكده روحي نامي، ما تناميش جعانة، وغير أكده في روح جواكي."
لم تجب عليه وسكنت مكانها فقال لها:
"ليلى ما عايزاش تحطي جواكي من اللي شوفتيه، يمين بالله إن اللي حصل هو اللي قولتلك عليه، كنت جاي من الشغل فلقيت النور شغال، دخلت فكرتك أنتي، فلقيتها هي، قولتلها كيف تنزلي أكده، ورميت الشال عليها أسترها، وجت تطلع وقعت فلحقتها."
فقرب يديه ليطعمها فقالت له:
بدون أن تجيب على ما سبق، فهي تعرف أن سالم لا يكذب بحياته أبدًا وهي حضرت آخر حديثهم وفهمت لكنها أحبت أن ترى هل سيبرر لها أو سيتركها كما عادته، ولكنه يا للعجب رأت الخوف بعينيه من أن تظن شيء آخر.
أحبت هذا به كثيرًا، لا تنكر أنها كانت تغلي من لبسها هكذا أمام زوجها أو أنه أعطاها شاله ومسكها لجلبابه، تريد أن تجلبها من شعرها وتنتفه لها تلك قليلة الحياء، ورأت أن يديه أمامها منذ وقت، فقررت أن تستسلم فهي بالأصل جائعة فقالت له:
"بس إني عايزة آكل حاجة محلية كيف المربى أو العسل."
لم يرد سالم الحديث أكثر عندما لم تجب عليه فعلم أنها لا تريد الحديث به، فقرر مجاراتها حتى لا يتعكر مزاجها أو تحزن.
فقال لها:
"لا كلي حاجة تسندك، إني سامع إنك ما بتاكليش لحم ولا حاجة، كيف أكده زين، غير بعد محايلة والحديث دا ما يصحش."
فقالت له:
"ما أريدش آكل لحوم، بـأقرف منها دلوقت."
فقال لها:
"لا حاولي، الأكل اللي بتاكليه ما ينفعكيش، افتحي بوقك."
أخذت ليلى منه قطعة اللحم بين شفتيها، فأحس بنعومة شفتيها على أصابعه، فأغمض عينيه يستشعر نعومتها التي اشتاق لإحساسها بين شفتيه، أكمل إطعامها وهو يستنشق رائحتها بين عنقها ويتلمس خصرها، ثم وضع يديها على بطنها وقام بالتمليس عليها. لم تنتبه ليلى لحالته تلك فكانت مشغولة بتناول ما يعطيه لها، فلا تعرف متى أصبحت شرهة في الأكل هكذا، ولم أصبحت طعم اللحمة من بين يديه لها مذاق آخر هكذا، أرجع سالم حجابها للوراء وقام بالتمليس على شعرها وقام بتقبيله. لم ترد ليلى أن تأكل المزيد فقالت له:
"بس أكده شبعت الحمد لله."
ابتسم سالم وقال لها:
"بألف هنا."
ثم نظر لشفتيها فـارتبكت ليلى فمسح من عليها باقي الطعام وأطال ملامسته لها، ثم دنا منها وكاد أن يقبلها فقامت بالارتباك وهي تنظر لأي شيء غيره قائلة:
"الوقت اتأخر قوي، وإني كنت هروح أنام، تصبح على خير."
فأغمض سالم عينيه وهدّأ نفسه من أجلها، فلو تحدث سيحزنها.
وكادت أن تذهب فـحمحم سالم ليجلي صوته قائلًا بقسوة:
"حطي الطرحة زين واطلعي."
خرجت ليلى سريعًا بعد أن كادت أن تستسلم له وهي قلبها يكاد أن يقفز من مكانه من سرعة دقاته، لقد أصبحت تعشقه، إنه يخاف على حزنها ويبرر لها ويتحدث معها وأيضًا يطعمها بيديه، كان ملمس أصابعه الخشنة ضد شفتيها يقشعر له جسدها. كانت تعلم أنه ليس على حاله ولو تماشت معه كانت ستنتهي ليلتهم بغرفته على سريرهم التي اشتاقته، لكنها شجعت نفسها عندما وجدت نتيجة مما تفعله، فأصبح سالم يعمل لزعلها ألف حساب، أصبح يعتني بها ولكن مهلًا، ألا أن يطلق تلك العقربة قليلة الحياء، وأن لا يفكر مرة أخرى بالزواج من أخرى مهما كانت ظروفه، وأن لا يضعه أول حلوله، سوف تعوضه عن كل هذا، فليستحمل هذا سالم قليلًا بعد.
أما سالم فعندما خرجت كان يتنفس بصعوبة، فهو بالنهاية رجل ولديه احتياجاته وهي امرأته وقد اشتاقها بشدة، فـإن لم تبتعد كان سيشبع شوقه إليها، فزفر أنفاسه ببطء وخرج ليستحم وينام ليلة أخرى من لياليه بدونها وهو يدعو ربه بصلاح الحال بينهم.