رواية زهرة الأدهم الجزء الثاني 2 بقلم سارة أسامة نيل زهرة الأدهمرواية زهرة الأدهم الحلقة الثانية –أنا مش متسولة. هذا ما لفظه لسان زهرة حين جلست تستريح عندما أنهكها السير لتجد رجلًا يضع لها المال وهو يرمقها بنظرات شفقة ممتزجة بازدراء ثم يرحل وهو يتمتم ببعض الكلمات الأجنبية التي لم تفهمها زهرة.
هذا المشهد هبط على قلبها مثل الصاعقة جاعلهُ يتصدع بقسوة، فزعت واقفة كَمن لدغة عقرب وصارت تسير بهرولة رغم التعب الذي استوطن كل خلية من جسدها، تُهرول وهي لا تدري أين تذهب وإلى أي مكان تسوقها أقدامها إليه.. في الحقيقة لم تكن أقدامها من تسوقها بل إرادة الله. بعد مرور وقت لا تعلم مدته زهرة وصلت لمكان مليئ بالأشجار الكثيفة والزرع وعلى الأطراف تقع بحيرة يجري بها الماء بهدوء..
تركت جسدها ينهار وجلست أرضًا بأنفاس سريعة وصدرها يعلو ويهبط وقد رقش المرض على جسدها جميع معالمه.. رفعت أنظارها للسماء وهي تبتلع ريقها الجاف ثم همست باسمة: –أنا عارفه أن خلاص هاجي عندك أهو وقربت هموت خلاص.. أنا مش زعلانه بالعكس أنا مبسوطة أن هاجي عندك وهرتاح.. بس أنا مكنتش عايزه أموت هنا.. لو مت هنا محدش عارفني وهبقى من المجهولين، مين هيكفني ويدفني، أرجع عند بابا وأموت عنده..
توافدت الذكريات على عقلها التي تجمعها بوالدها الحنون ووالدتها قبل وفاتها، فقد ماتت والدتها وزهرة في المرحلة الأعدادية.. تنهدت بتعب وهي تراقب الغروب يمضي وصوت إيقاع الماء والطير الذي يُحلق عائدًا إلى منزله.. ليتني مثل هذا الطير.. وليت لي منزلًا أعود إليه.. لكن لي ربّ .. ربي الله. وضعت رأسها تتوسد الأرض العشبية واتخذت من السماء دثارًا ورغمًا عنها أخذ جفنيها ينغلقان وهما متعلقان بالسماء لتهمس قبل أن تغرق في عالمٍ أخر:
–ربي، لك عبادٌ كثيرون وليس لي ربٌ سواك.. ********************** خرج من غرفة العمليات بإرهاق أخذ يُبدل ملابسه ثم ذهب لغرفة مكتبه توضأ وشرع يصلي ركعتان شكرًا وحمدًا لله كعادة يفعلها دومًا بعد أي إنجاز. مسح أدهم على وجهه قائلًا: –اللهم لك الحمد يارب العالمين، دا بفضلك وبفضل تيسيرك يارب .. أخرج أدهم دفتر من درج مكتبه ثم أخذ يكتب ليصفي عقله ويُخرج ما يملأ صدره، وهذه من عادته التي تُريح قلبه وتساعده على هدوء نفسه وقلبه..
“أنا مش عارف حقيقي أنا جيت البلد دي ليه، وكأن في قوة سحبتني لهنا، ولا أنا عملت كدا بعاند في نفسي وبهرب بعد السنين دي كلها.. كنت مفكر أن بعد السنينن دي كلها هنسى وإن مع مرور الأيام كل حاجة هتختفي وأنا كنت صغير وقتها، بس بالعكس مع إني دعيت ربنا كتير أوي، وحاولت بكل الطرق بس حاسس أن لسه واقف في مكاني.. ليه، أنا مبقيتش فاهم نفسي يا الله..
يا الله أنت كنت شاهد على كل شيء، وعالم بقلبي وأن رضيت بكل أقدارك، أنا رضيت والله يارب رغم وجعي، وتركتها لله.. تركتها لأجلك يارب .. وأنا حاليًا مش عارف أنا بعمل هنا أيه.. بس يمكن دي مساعدة ودي طريقة هتبقى بفايده…” ترك أدهم القلم فوق الدفتر وعاد بظهره على المقعد تاركًا رأسه للخلف مغمضًا أعينه وهو يتنفس بعمق بينما عادت ذاكرته لآونة بعيدة عن حاضره الآن…
في إحدي الأحياء، متجر قديم للأسماك يتجمهر حوله الكثير من الناس وشاب بمنتصف العشرين يركض لهناك يعطي هذا وذاك.. –عايزه اتنين كيلو يا أدهم.. -أديني أربعة كيلو يا أدهوم.. أردف أدهم بإبتسامة خفيفة وهو يزن السمك: –أحلى أربعة كيلو يا عم عبد الله.. –الله يرضى عنك ويوسع رزقك يا ابني، السمك بتاعك مسكر زي وشك البشوش. –بألف هنا يا عمي..
ومن بعيد رأها تأتي برفقة صديقتها بخجلها المعتاد وهو مثل كل مرة يتجمد كل شيء من حوله فيما عدا قلبه الذي أخذ ينبض بجنون لكن سرعان ما استفاق وهو يُشغل عقله لكن ماذا يفعل بقلبه الذي لا يُخدع.. زهرة بعيون الظباء وهو بائع أسماك منغمس برائحتها حتى أخر شيء كي يُدبر مصروفات جامعته فهو يدرس الطب ويسعى لكسب المال من هذا المشروع الخاص به لأجل لقمة العيش أيضًا..
فتح أدهم أحد الأدراج القابعة في المحل الخاص به بقلب متلهف وهو يتحسس أحد الجوابات التي كتبها بقلب شغوف بالحب يسرد بها شعوره وعشقه. لم يكن هذا هو الجواب الأول الذي كتبه لها، بل كتب العديد منهم ولكنه يتردد في أن يعطيه إياها فيتركه ثم يكتب غيره ثم يقرر عدم إعطائه إياها حتى صار لديه كومة من الجوابات التي لم تُرسل ولم تُقرأ..! كان في كل مرة تمنعه الكثير من الأشياء في إعطائهم لها..
أولًا رضى الله وكان يريد أن يكون حبه لها عفيف وطاهر يُظلله الحلال، وأيضًا هي مازالت صغيرة بدراستها.. ومثل كل مرة امتنع أدهم في إعطائه لها وأقفل الدرج وعاد يُباشر عمله.. اقتربت زهرة حين أتى دورها برفقة صديقتها وقالت بهدوء لأدهم: –اتنين كيلو سمك من ده لو سمحت.. لم يرفع أنظاره بها في حين أن قلبه كان يثور عشقًا ويجأر شوقًا، مدّ يده يضع الكيس أمامها وهو يتمنى أن لو كان هو إحدى هذه السمكات..
للمرة الأول يكون حاسدًا وحاقدًا!! ومِن مَن.؟! من بضع سمكات! غريبٌ أنت يا قلبي.. استفاق أدهم من شروده حين ولج الغرفة صديقه محمود واضعًا أمامه كوبًا من القهوة وأردف بمزاح: –أظن محدش حاسس بيك قدي صح ولا أيه يا معلم.. ابتسم أدهم من لفظ “معلم” الذي لا يتبرأ منه ولا يغضب على العكس تمامًا، فهو جزء لا يتجزأ منه وأصل حكايته وما أوصله إلى هذا المكان.. –الصراحة دي حقيقة يا حودة، جات في وقتها تمامًا..
–طب يلا جيبها في إيدك ونخرج بقى علشان نتعشى ولا نتغدى خلاص إحنا الشيفت بتاعنا خلص. أردف أدهم بهدوء وهو يجمع أشياءه: –يلا بينا. *********************** اشتد سواد الليل الذي يسفر عن الكثير، كانت السماء صافية والأجواء لطيفة بها نسمات عليلة رغم برودة الأجواء. تحركت زهرة تسير بعد أن استيقظت من غفوتها، حدّثت نفسها أن تتناسى كل ما هي به وتتناسى كل شيء.
وأخذت تتصنع أنها جاءت رحلة لتشاهد تلك البلاد الغريبة، ظلت تسير بخطى يخنقها المرض والتعب وهي تشاهد الشوارع ليلًا منكمشة على ذاتها.. همست بداخلها: –مصر وحشتني أوي، يا ترا هرجع أشوفها تاني ولا لأ ويا ترا بابا دلوقتي مفكر أيه، تلاقيه قلقان عليا أوي يا حبيبي يا بابا.. يارب أي مخرج وأي طريق.. يا الله لا يعجزك شيء.. تعثرت خطوات زهرة وشعرت أن طاقتها نفذت ولا وجهة لها.. البرودة الشديدة المرض يأكل جسدها. والوهن قد تهافت عليها.
وحيدة لا تعرف أحدًا سوى الله.. شعرت بالدوار يلف رأسها وثقلت أنفاسها وشعرت أن القادم مختلف ولن يكون مجرد إغماء، إنها دوامة سوداء عاتية تقترب لابتلاعها.. وبينما هي تقاتل لليقظة لمعت بأعينها أنوار تتنأى لها من قريب ومبنى تعلم يقين العلم هيئته وما يكون.. أصوات تتسلل لأذنها تحفظها عن ظهر قلب… احتلت الطمأنينة قلبها وهي تجر أقدامها بسعادة وفرحة غامرة رغم تعبها وعدم توازنها الواضح…
أخذت تقترب وتقترب وهي تبتسم بأعين تُمطر دمعًا.. إنّه المسجد ….بيت الله.. لقد عثرت على بيت الله.. هي الآن على أعتاب بيت الله، إذًا هي في مأمن… وهنا استسلمت أخيرًا لتلك الدوامة لتلتقفها بداخلها ومازالت الدموع الدافئة تُبلل وجهها … وسقطت زهرة مع جميع أوراقها.. لم تكن تعلم زهرة أنّه الفجر… بالداخل انتهى أدهم من صلاة الفجر وهو يشعر بسكينة وطمأنينة عجيبة تحتل قلبه، نعم يعلم أنها أثر صلاة الفجر لكن اليوم هناك شيء مختلف..
خرج أدهم من المسجد ليتفاجئ بالمصلين يلتفون حول شيء ما مذعورين، اقترب أدهم منهم ليتضح له ما هم ناظرين إليه.. وهنا يتوقف كل شيء من حوله، ويتجمد قلبه وتصمت أنفاسه… زهرة بعيون الظباء….!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!