تحميل رواية «تمرد برائحة المسك» PDF
بقلم نون
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ تمرد برائحة المسك بقلم نون.
رواية تمرد برائحة المسك الفصل الأول 1 - بقلم نون
وقف عاصم واضعاً يديه في جيوب بنطاله يراقبها من بعيد وهي تقف أمام لوحة التخطيط الهندسي تشرح لفريق العمل تفاصيل المشروع الجديد ببراعة وثقة.
مِسك… الاسم الذي يحمل من صاحبته كل النصيب
منذ أن عادت من الخارج وتسلمت إدارة القسم الهندسي في شركته وهي تعامله ببرود قاتل
برود يمحو كل ذكريات عشقهما الذي كاد أن يحرق العالم يوماً ما كان يعلم أنه هو من دفعها للرحيل منذ ثلاث سنوات بحجة حمايتها من صراعات عائلته
لكنه لم يتوقع أبداً أن تعود بهذا الجليد الذي يغلف روحها.
بمجرد أن انصرف المهندسون وبقيت وحدها تجمع أوراقها، لم يستطع كبح جماح الشوق الذي ينهش صدره.
بخطوات هادئة ومدروسة كفهد يقترب من فريسته، أغلق باب المكتب بالمفتاح، وتقدم نحوها.
شعرت بهالتها تُسلب بمجرد اقترابه، فرائحة عطره كانت كفيلة بإرباك حواسها. تصنعت الانشغال بأوراقها وقالت دون أن ترفع عينيها
الاجتماع خلص يا عاصم بيه، في تعديلات تانية حابب تضيفها؟
توقف خلفها مباشرة، مسافة شعرة تفصل بين جسده الصلب وظهرها. انحنى قليلاً حتى لامست أنفاسه الحارة صوان أذنها، وهمس بصوت أجش يحمل كل عذاب السنين
هتفضلي تمثلي دور المديرة الباردة ده لحد إمتى يا مِسك؟
أغمضت عينيها لثانية واحدة، تبتلع ريقها وهي تحاول السيطرة على جيش النبضات الذي تمرد في صدرها.
استدارت ببطء لتواجهه، رافعة رأسها بشموخ، وقالت بنبرة حاولت جعلها جليدية
ـ أنا مابمثلش. دي النسخة اللي حضرتك صنعتها، ولا نسيت؟
ابتسم بمرارة، وعيناه السوداوان تتفحصان ملامحها بشغف كاد أن ينطق. رفع يده ببطء شديد، وبظهر أصابعه مرر لمسة خفيفة على طول خط فكها حتى ذقنها، وقال
بصوت خفيض أقرب للرجاء
ـ النسخة دي بتكدب.. عينيكِ بتفضحك يا مِسك. لسه بتترعشي لما بقرب، ولسه ريحة عطري بتلخبط أنفاسك.
ضربت كلماته وتراً حساساً في أنوثتها. كيف يتجرأ على اقتحام حصونها بهذا الغرور بعد كل ما فعله؟ قررت أن تقلب الطاولة، وأن تلعب على أوتار جنونه هي الأخرى.
ابتسمت ابتسامة ساحرة، مليئة بالدهاء الأنثوي، واقتربت منه خطوة إضافية بدلاً من التراجع، حتى تلامس صدريهما.
رفعت كفيها ببطء، ووضعتهما على صدره العريض، تحديداً فوق موضع قلبه، ونظرت في عينيه مباشرة بتحدٍ أربك حساباته
ـ تصدق معاك حق؟ نبضي فعلاً سريع…
(توقفت لثانية وهي تضغط بخفة على صدره، ثم تابعت بهمس خطير
ـ بس ده مش من الشوق يا عاصم بيه… ده من الإشفاق عليك، لإن قلبك اللي تحت إيدي ده بيدق بسرعة كإنه هيخرج من مكانة. مين فينا اللي بيكدب دلوقتي؟
اتسعت حدقتاه بذهول من جرأتها. لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي كانت تبكي لغيابه. أصبحت امرأة تعرف كيف تشعل النيران وتنسحب.
استفزته كلماتها وثقتها المهلكة، فامتدت يداه في حركة خاطفة لتمسك بخصرها النحيل، رافعاً إياها قليلاً عن الأرض ليثبتها على حافة المكتب الخشبي خلفها. حاصرها بجسده، وانحنى حتى تلاقت أنفاسهما في مساحة لا تتسع لمرور الهواء.
قال بنبرة تحمل تحذيراً مبطناً وعشقاً مهلكاً
ـ بتلعبي بالنار يا مِسك، وإنتِ عارفة إني مابرحمش في اللعب.
مالت برأسها للخلف قليلاً، شعرها الحريري ينسدل كشلال أسود على المكتب، ونظرت لشفاهه التي تبعد عنها مليمترات بابتسامة غاوية، قبل أن تعود لعينيه وتقول بصوت خافت كالحرير
ـ النار دي بتاعتي أنا يا عاصم، وأنا اللي بقرر إمتى تحرق.. وإمتى تدفي.
كانت شفاهها تدعوه، وعيناها تتحداه. لم يعد يحتمل هذا التعذيب اللذيذ. اقترب ليلتهم شفتيها ويحطم كل المسافات، مستسلماً لعطشه الطويل لها…
ولكن، قبل أن تلامس شفتاه خاصتها، وضعت إصبعها السبابة برقة بالغة على شفتيه، مانعة إياه من التقدم.
نظرت في عينيه المليئتين بالرغبة المشتعلة والخذلان في آن واحد، وقالت بهمس مدمر:
ـ مش بالسهولة دي.. اللي كسرتُه في سنين، مش هصلحُهولك في لحظة ضعف.
أزاحت يديه عن خصرها ببراعة وتماسُك يُحسد عليه، وانزلقت من على المكتب واقفة بكامل أناقتها وكبريائها.
التقطت ملفاتها من على الطاولة، وقبل أن تتجه نحو الباب، التفتت إليه. كان يقف مكانه، صدره يعلو ويهبط بأنفاس لاهثة، وعيناه تشتعلان بغضب ورغبة لم يسبق لها مثيل.
ابتسمت مِسك بدلال وثقة، وقالت بنبرة عملية وكأن شيئاً لم يكن:
ـ على فكرة، الاجتماع الجاي الساعة 3. ياريت حضرتك تظبط الجرافتة بتاعتك قبل ما تخرج.. شكلها اتلخبط أوي.
أعطته ظهرها وفتحت الباب مغادرة، تاركة إياه في حالة من الفوضى العارمة. مسح عاصم على وجهه بقوة، وأطلق ضحكة خافتة مذهولة من سحرها الذي تضاعف، وهو يتمتم لنفسه
ـ “والله لتدفعي تمن اللحظة دي غالي يا مِسك”.
في تلك اللحظة، دخل “طارق”، صديقه ومدير أعماله، وهو يحمل بعض الأوراق. نظر إلى عاصم، ثم إلى الباب الذي خرجت منه مِسك للتو. لاحظ طارق تنفس عاصم السريع، وعقده لربطة عنقه التي كانت شبه مفكوكة، فابتسم طارق بخبث وقال:
ـ أنا كنت جاي أراجع معاك الميزانية.. بس من الواضح كده إن “البشمهندسة” لسه مراجعة معاك حسابات تانية خالص، وطلعتك خسران!
رمقه عاصم بنظرة حارقة كادت أن تذيبه، وقال بغضب مصطنع يخفي وراءه عاشقاً مهزوماً:
ـ حط الورق واطلع برا يا طارق.. برا!
رواية تمرد برائحة المسك الفصل الثاني 2 - بقلم نون
وقف عاصم في منتصف مكتبه لثوانٍ، يحدق في الفراغ حيث كانت تقف منذ لحظات.
تنفس بعمق، فملأت رائحة عطرها ذلك المِسك الآسر ـ رئتيه، وكأنها تركت جزءاً من روحها متعمداً ليعذبه.
التفت نحو المرآة الطولية المثبتة في زاوية الغرفة. كانت ربطة عنقه الحريرية مائلة قليلاً، وياقة قميصه العلوية تحمل تجاعيد خفيفة أحدثتها قبضتها.
مرر أصابعه على مكان لمستها وابتسامة بطيئة، خطيرة، وذات مغزى لُعبت على شفتيه. لقد أعلنت الحرب، ولامست غروره في مقتل ولم تكن تعلم أن “عاصم الدمنهوري” لا يلعب ليتعادل.. بل ليمحو الخصم.
تمتم بصوت خفيض وعيناه تلمعان بتحدٍ مفترس
هنشوف يا مِسك.. مين اللي ناره هتحرق التاني الأول.
على الجانب الآخر من الردهة..
بمجرد أن دخلت “مِسك” مكتبها وأغلقت الباب بالمفتاح، سقط قناع الجليد الذي كانت ترتديه ببراعة. أسندت ظهرها إلى الباب وأغمضت عينيها بقوة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف وكأنها كانت تركض في ماراثون.
رفعت يدها المرتجفة لتلمس شفتيها.. كادت أن تضيع. مسافة مليمترات قليلة كانت تفصلها عن الانهيار بين ذراعيه والعودة لتلك الفتاة الساذجة التي كان يحرّكها بكلمة. أنفاسه، رائحته، نظرة الخذلان والرغبة في عينيه..
كل شيء كان يسحبها نحو الهاوية.
لا تضعفي يا مِسك.. إياكي همست لنفسها بصرامة وهي تتوجه نحو مكتبها، تسند كفيها على سطحه وتنظر لتلك المرأة القوية التي تنعكس على زجاج النافذة
“اللي رماكِ في نص العاصفة زمان متستنيش منه يكون هو الأمان دلوقتي
مرت الساعات ثقيلة ومزدحمة بالعمل. دقت الساعة التاسعة مساءً.
أصبحت الشركة شبه خاوية إلا من أفراد الأمن، وصوت المطر الذي عاد ليضرب النوافذ بشراسة أكبر.
في مكتبها، كانت مِسك تقف حافية القدمين بعد أن تخلصت من حذائها ذي الكعب العالي الذي أرهقها.
جمعت شعرها في كعكة فوضوية عشوائية باستخدام قلم رصاص، وكانت تنحني فوق لوحة هندسية ضخمة، تمسك بمسطرتها وتضع تعديلات أخيرة على التصميم.
في هذه اللحظات، عندما تكون وحدها، تعود لطبيعتها العفوية، بلا تكلف، بلا أقنعة.
فجأة، انفتح الباب بهدوء لم تلاحظه في البداية، حتى تسللت إلى حواسها تلك الرائحة المهلكة..
انتفضت بحدة واستدارت، ليسقط القلم من يدها ويتدحرج على الأرض.
كان “عاصم” يقف مستنداً بكتفه على إطار الباب، واضعاً يداً في جيبه، واليد الأخرى تحمل فنجانين من القهوة الساخنة
كان قد تخلى عن سترته الرسمية وطوى أكمام قميصه الأسود إلى منتصف ساعديه، مما أعطاه مظهراً فوضوياً، رجولياً، وجذاباً حد اللعنة.
تأملها من قمة رأسها وحتى قدميها الحافيتين بنظرة بطيئة، التهمت كل تفصيلة فيها، قبل أن يقول بصوته الرخيم الذي كسر الصمت
من الواضح إن “المديرة الباردة” بتنسى تلبس الكعب وبتلم شعرها بقلم رصاص لما بتكون لوحدها.
شعرت بالارتباك، لكنها التقطت درعها الدفاعي سريعاً. انحنت ببرود لتنتعل حذاءها، وأسدلت شعرها بحركة متقنة، ثم قالت وهي تعقد ساعديها أمام صدرها
الباب ليه مقبض عشان نخبط عليه يا عاصم بيه، ولا قوانين الشركة مابتتطبقش على صاحبها؟
ابتسم ابتسامة هادئة، مستفزة، وتقدم نحو مكتبها بخطوات بطيئة
وضع أحد فنجاني القهوة أمامها وقال بهدوء وهو ينظر في عينيها
قوانين الشركة بتاعتي بتقول إن المدير من حقه يطمن على فريقه اللي سهران يشتغل
(أشار بعينيه للفنجان) قهوة فرنساوي.. سكر زيادة، ومغليّة مرتين. زي ما كنتِ بتحبيها بالظبط.
نظرت إلى الفنجان، ثم إليه. كان يحاول اللعب على وتر الذكريات يضرب على مناطق ضعفها بدقة جراح.
لم تمتد يدها للفنجان، بل قالت بابتسامة جليدية
كنت… فعل ماضي يا عاصم. ذوقي اتغير كتير في التلات سنين اللي فاتوا..
بقيت بشربها سادة، من غير أي إضافات تضيع طعمها الحقيقي.
ضاقت عيناه قليلاً، لقد فهم رسالتها المبطنة
هي لم تعد تقبل بأنصاف الأشياء أو الكلمات المعسولة
اقترب أكثر حتى التصقت حافة المكتب بينهما، وانحنى بجذعه نحوها، واضعاً كفيه على سطح المكتب ليحاصرها
قال بصوت منخفض، كاد أن يكون همساً، وعيناه لا تحيدان عن شفتيها
بس أنا متأكد إن في حاجات فيكِ ماتغيرتش يا مِسك.. حاجات مهما حاولتي تداريها ورا البدل الرسمية والكلام الناشف، بتفضحك.
مِسك بتحدٍ وهي ترفع ذقنها رافضة التراجع شبراً واحداً
ـ زي إيه مثلاً؟
مدّ يده ببطء شديد، وبدلاً من أن يلمسها، سحب القلم الرصاص الذي وقع منها على الطاولة، وكان قريباً جداً من يدها
أثناء سحبه، تعمد أن تحتك أطراف أصابعه بظهر كفها ببطء قاتل.
شهد كيف تسارعت أنفاسها، وكيف اتسعت حدقتا عينيها للحظة قبل أن تتمالك نفسها.
تحدث بصوت يحمل نبرة انتصار خفية
زي إنك لسه بتشدي على إيدك لما بتكوني متوترة… وزي إنك هربتي مني الصبح لإنك كنتِ عارفة إنك لو استنيتي ثانية كمان، كنتِ إنتِ اللي هتبدأي.
احمرت وجنتاها من الغضب والخجل معاً، لقد كشفها وقرأ حركتها الصباحية بدقة
حاولت استعادة السيطرة، فقالت بسخرية لاذعة وهي تقترب بوجهها منه لترد له الهجوم
غرورك لسه بيصورلك إن كل الستات هتموت عليك. الصبح أنا انسحبت لإن ببساطة.. مابقتش تثير اهتمامي.
التقت أعينهما في معركة صامتة الهواء بينهما كان مشحوناً
كان الغضب يغلي في عروقه من ردها، لكنه بدلاً من الانفجار، أطلق ضحكة خافتة، رجولية، أربكتها تماماً.
تراجع للخلف ببطء، أخذ فنجان القهوة السادة الخاص به، وارتشف منه رشفة وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالدهاء الماكر، وقال بنبرة هادئة ومزلزلة
مابقتش أثير اهتمامك؟ عظيم جداً.
(استدار ليتجه نحو الباب، ثم توقف فجأة والتفت إليها مجدداً بنظرة أوقفت الدم في عروقها)
بس ياريت تبقي تركزي المرة الجاية وإنتِ بتصلحيلي الجرافتة بتاعتي، عشان نسيتي أثر برفانك عليها.
ريحة الـ مِسك بتاعتك فضلت معايا طول الاجتماع، لدرجة إني مكنتش مركز في ولا كلمة بتتقال.. كنت مركز بس في إزاي هردلك الحركة دي.
فتح الباب، وقبل أن يخرج، ألقى كلمته الأخيرة التي سقطت عليها كالقنبلة
اشربي قهوتك يا بشمهندسة.. عشان الحرب لسه في أولها وهتحتاجي تساهري كتير
أغلق الباب خلفه بهدوء، تاركاً إياها تقف في منتصف الغرفة، تنظر للفراغ بذهول، وقلبها يقرع كالطبول.
لقد ظنت أنها وجهت له صفعة الصباح، ولم تدرك أنه امتص الضربة، وعاد ليحاصرها في زاوية الشغف، تاركاً إياها تحترق بنيران كلماته.
«تمرد برائحة المِسك»