تحميل رواية «تحت مخالب الغراب» PDF
بقلم حبيبة الراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ تحت مخالب الغراب بقلم حبيبة الراوي.
رواية تحت مخالب الغراب الفصل الأول 1 - بقلم حبيبة الراوي
يا غرابا ظن أن العلو له غاية….
احذر سيدرا….. ففي كبريائها البداية….
في حارة لا تعرف الهدوء ولدت هي……
ملاك أبيض في ثوب محاربة وسيف من كبرياء
هي سيدرا…. التي علمت الغراب أن للأرض أسيادا لا يشترون بالمال…..
انبعثت أنوار الصباح الباهتة لتكشف عن ملامح الحارة العتيقة حين فتحت سيدرا باب شقتها الأرضية القديم و خرجت وهي تعيد ترتيب ياقة قميصها الأبيض الذي يطل بجمال من تحت عباءتها السوداء المطرزة وحملت حقيبة الجراحة الثقيلة بساعد اعتاد الصمود بينما التفت سماعة الطبيب حول عنقها كعقد من الماس يتلألأ
وسط أطلال الفقر……..
خطت للأمام….عيونٌ تراقبها من النوافذ
همساتٌ خافتة…وألفة صامتة
كانت جميلة… نعم
لكن جمالها لم يكن أول ما يُري
بل آخر ما يُفهم….
كانت ملامحها آية في الحسن بياض ناصع وعيون واسعة سوداء كحلت برباني… وااااه من ذات الشفاة المرسومة بدقه متناهية ذات جمال خلاااب….
لكن خلف هذا الجمال الفتان سكن قلب لبوة لا يعرف الانكسار……..
لم تكد تقطع بضع خطوات نحو المستشفى ….. حتى اعترض طريقها هو عنترة ذلك البلطجي الذي يظن أن شاربه المبروم يمنحه السيادة وأن عضلاته تمنحه القوة وكأن الأرض خُلقت تحت قدميه….. وقف مع شلته يسدون الطريق برذالة معهودة…..
عنترة (بضحكة وقحة ونظرات متفحصة من أعلاها لأسفلها ونظرة شهوة ):
على فين يا دكتووورة
ولا نقول يا رقااصة الحارة ما بلاش تمثيل الرهبنة ده يا سيدرا احنا عارفين اللي فيها ده إنتي الوسط اللي تحت العباية ده ميقولش جراحة ولا مشارط أبدا يعني بلاش شغل راحة المستشفى ده علينا ده الوسط ده …. ده يقول هز يا وززز يا بطل…متيجي..
انفجرت شلته بالضحك والسخرية….توقفت سيدرا
لم ترد فورًا بل ألقت حقيبتها الطبية أرضا ووضعت يدها في خصرها وعيناها تقدحان شررا وغضب….
سدرا (بشرشحة وردح بلدي يهز الحيطان ونظرة غاضبة):
هز يا وز في عينك يا بن الـ***… جرى إيه يا روووح أمك هو النجس لما بينضف بيفتكر نفسه سيد الناس لا فوق ي عنياااا .. أيوة يا روووح أمك.. دكتورة والكل بيحلف بيا بس لساني مبرد يبرد جثتك وجثة اللي
يتشدد لك…والوسط اللي مش عاجبك ده هرقصك
بيه على الشناكل يا نجس انت واشكالك وأخلي
اللي ما يشتري يتفرج عليك…. وحياة خلقة ربنا اللي مش عاجباك دي…..
لو ملميت لسانك الزفر ده وغورت من قدامي لأكون فاتحة لك نغنيشة في وشك أخلي العيال تتمرجح فيها….
ارتبك لثانية… لكنها لم تمهله
خطت نحوه خطوة واحدة
اقتربت منه بجرأة حتى كاد أنفهما يتلامسان ورفعت إصبعها في عينه متحدية:
إنت فاكر عشان بنلبس الأبيض وبنعالج الخلق هننسى أصلنا ده أنا سيدرا يا وااااد…..يعني أشرشحلك وأخليك تمشي ببرقع من كتر الكسوف وسط الحريم….ارمي المطوة الصدية اللي في جيبك دي يالا بدل ما أطهرك بيها النهاردة وأوفر على أهلك تمن الطهارة….اي بتص كده ليه يا عنيااا مش عجبك….غووور من وشي بدل ما أطبق في زمارة رقبتك وأطلع مصارينك أتفرج عليها….
تجمد عنترة في مكانه وجف ريقه أمام تلك اللبوة الثائرة كلما حاول أن يعترض طريقها كانت تصده ولكن اليوم لقد اهانته بشده …..بينما بدأت التهليلات تتعالى من النوافذ:
أدي له يا دكتورة.. عرفيه مقامه يا سيدرا
لكن… قبل أن يتكلم
ساد الصمت ……ليس بصراخ
ولا بتهديد……بل بشيءٍ أثقل
اخترق سكون الحارة صوت محركاتٍ ثقيلة ومنتظمة
تسمرت سيدرا في مكانها ورمقت مدخل
الحارة بذهول…
كان المشهد مهيباً لدرجة أن الأطفال احتموا بظهور أمهاتهم والرجالة على المقهى وضعوا أكوابهم بذهول…
دخلت ثلاث سيارات مرسيدس سوداء ضخمة كأنها توابيت فارهة زحفت ببطء مستفز وهي تخدش جدران البيوت الضيقة….صوت احتكاك الحديد بالحيط أحدث صريرة جعلت القشعريرة تسري في الأبدان… توقفت السيارات ونزل منها رجال كالبنيان المرصوص ملامحهم لا تظهر عليهم الرحمة…..
يرتدون السواد ونظارات تخفي أعينهم القاسية
تقدم أحدهم نحو السيارة الوسطى وفتح الباب بخضوع وبخوف قائلاً بصوت مهزوز:
اتفضل يا غراب باشا….. المخزن اللي فوق ده هو اللي مستخبي فيه إبراهيم الكلب…..نؤمر الرجالة يصفوه
ولا ينزلووه….
ترجل ثائر (الغراب) وبمجرد أن مست قدمه الأرض الملطخة بمياه الصرف انقبضت ملامحه بقرف شديد جعل عروق جبهته تبرز بوضوح فلأول مرة يخطو نحو تلك الأماكن ولكن مجبر…
نظر حوله…
نظرة واحدة فقط
كانت كفيلة بأن تُشعرك أنك أقل
أخرج منديلا مطرزاً بماء الذهب وضعه على أنفه وهو يرمق البيوت المشرخة والغسيل المنشور باحتقار
وقال بصوت بارد كالمقابر وبإحتقار:
اطلعوا هاتوه من قفاه…. مش عاوز أدوس بـجزمتي في العفن ده أكتر من كدة
في ثوانٍ دوى صوت تحطم باب شقة إبراهيم تعالت صرخاته وتوسلاته التي شقت هدوء الحارة…بينما سحلوه من شعره على الدرج الخرساني… وجسده يرتطم بالأرض بقسوة حتى ألقوه في بركة مياه قذرة تحت قدمي ثائر وكانت صراخته تتتعالي وتوسلاته وهو يرتدي تلك المنشفه التي تغطي جزئه السفلي والإحراج
يظهر على وجهه…..
صراخ…
ارتطام…
وسحب قاس لجسد يقاوم
وقف هو… يراقب
بلا استعجال
بلا رحمة
وقف ثائر ببرودٍ سادي وداس بحذائه الفاخر الذي يضاهي ثمنه بيوت الحارة على أصابع إبراهيم ….وبدأ يضغط بكل ثقله وهو يراقب ساعته بملل بينما صرخات إبراهيم تمزق القلوب….بس ثائر كان بيضغط اكتر بساديه وكأنه بيطفي سيجارة في حشرة مقرفة….
بعضهم أشاح بوجهه…
والبعض الآخر تجمّد مكانه
أما هو ….فنظر إلى ساعته
وكأن ما يحدث… لا يعنيه
ارتجفت أمّ نعمات…. كانت أم نعمات بائعة الخضار ترتعد خوفا وحين حاولت جمع حبات الطماطم التي سقطت منها حتى لامست حذاءه
خبطت يدها بطرف حذاء ثائر اللامع عندما حاولت التقاطها….
انتفض ثائر بعنف جنوني وكأنه لمس جثة أو مكروبا وركل القفص بكل قوته حتى تعجنت القوطة في الطين تحت قدميه ونظر للمرأة بعينين تقطران سما:
ابعدي القذارة دي عني ي وسخه….. هو المكان ده ملهوش صاحب يلم الأشكال دي من الشوارع أشكال وسخه صح…..ريحة الفقر تقرف…
هنا…. انفجر بركان سيدرا
تلاشى الخوف من صدرها وحل محله كبرياء جرح عندما نظرت إلي وجهه ووجدت الكبرياء والتعالي والإهانة ونظرة الاحتقار اللي بيبص بيهم الحارة وناسها ….
اندفعت نحوه خطوة…
ثم أخرى….خطوات ..ثابتة مما جعل رجال ثائر يصوبون أسلحتهم نحو صدرها في لمح البصر تسمر الجميع لكن ثائر بإشارة باردة من إصبعه أمرهم بخفض السلاح وهو ينظر بفضول لتلك القطة التي تجرأت عليه والوقوف أمامه….
سيدرا (بصوت جهوري زلزل الحارة ونظرة ثاقبة):
جرى إيه إنت فاكر نفسك في سلخانة أبوك ما تلم رجالتك يا جدع إنت وتغور بالزبالة بتاعتك من هنا بدل ما نقوم معاك بالواجب ونعرفك إن حارة سيدرا ليها أسياد وميدخلهاش أشكال نجـسة زيك إنت فاكر عشان راكب عربية بـملايين وقرفان من ريحتنا هتعمل فتوة علينا وتهين ست قد
أمك ده إنت لو فكرت تـهوب ناحية حد هنا تاني هشرط لك الوش الحلو ده وأخليه شوارع يا غراب صنفك… كتكوا القرف رجالة تعررر….
تأملها ثائر ببطء جمد الدماء في العروق…. رفع قدمه عن يد إبراهيم المهشمة والتفت إليها بالكامل وسد بطوله الفارع ضوء الشمس عنها رفع ثائر عينه إليها
نظرة بطيئة…رمقها من الأعلى للأسفل بوقاحة مستفزة….
وتوقفت عيناه عند سماعة الطبيب ثم رسم نصف ابتسامة ساخرة ومرعبة على شفتيه ثم نظر إلي وجهها الفاتن اللي كان يغلي من الغضب وقال بصوت رخيم وهادئ :
عااال دكتورة.. وبتردح مكنتش أعرف إن المقالب بتطلع النوع ده من البشر….. غريبة….بس اقولك عليا النعمة بطل
نظرت له بثبات.. لم ترد
سكون تبادل نظرات…
أطول مما يجب
أخطر مما يبدو
ثم ابتعد ببساطة
كأن شيئًا لم يكن
أدار ظهره ببرود ومسح يده بالمنديل بتقزز وأشار لرجاله بإلقاء إبراهيم في حقيبة السيارة كأنه كيس قمامة
فالتقط رجاله الرجل الملقى أرضًا وسحبوه نحو السيارة
وقبل أن يركب…. التفت مرة أخيرة
نظر إليها نظرة استحقار واستخاف
انسحبت السيارات ببطء كما جاءت وهي تعفر التراب في وجه سيدرا والناس المذهولة من ذالك الرجل المهيب….بينما وقفت سيدرا في منتصف الحارة تنهج وشعرها يلتفتت من تحت طرحتها (هي مش محجبة )من كثرة الغل وصرخت وراءهم بكل قوتها:
غووور يا بن الـ*** والمرة الجاية لو شفت سحنتك هنا لأكون معلماك الأدب من أول وجديد يا غراب البين….الحتة دي ليها أسياد يالاااااا….اشكال وسخة…
أنفاسها… كانت أسرع مما ينبغي
ولأول مرة لم يكن الغضب وحده ما بداخلها
بعد أن غادرت سيارات الغراب وتركت خلفها غبارا من القهر ساد صمتٌ حزين نظرت سيدرا لأم نعمات بائعة الخضار وهي تحاول بيديها المرتجفتين جمع ما تبقى من ثمار الطماطم التي سحقها حذاء ثائر بدم بارد
تلاشت نظرة الغضب من عيني سيدرا تماما وحلّ محلها لمعة دمعة حانية اقتربت من السيدة العجوز ولم تبال بعباءتها السوداء ولا بمكانتها كطبيبة بل جثت على ركبتيها أمامها فوق التراب وأمسكت يديها الخشنتين وقبلتهما بحب……
أم نعمات (بصوت مكسور وهي تمسح عينيها بطرف طرحتها):
يا بنتي ملوش لزوم تتعبي نفسك.. أنا كويسة يا دكتورة بس كسرته لقلبي وحشة…..
سيدرا (بصوت حنون ناعم وهي تضم وجه أم نعمات بين كفيها):
يا أمي.. يا ست الكل إنتي غالية عند ربنا وعندنا…. والتراب اللي بتمشي عليه ده أطهر منهم وانضفهم من أشكالهم … قلبك ده ميتكسرش وأنا موجودة ده إنتي البركة اللي الحارة دي عايشة بحسها
ثم بل سحبت أم نعمات لحضنها بقوة وضمتها ضمة خافقة كأنها ابنة تخبئ أمها من وجع الدنيا ظلت تمسح على ظهرها بحنان يذيب الصخر ومالت على أذنها تهمس:
حقك عليا أنا يا أمي.. اعتبريها في راسي أنا الطماطم دي فداكي ي حبيبتي نجيب بدالها الف اهم
حاجه متزعليش نفسك
رفعت سيدرا رأسها ونظرت لشباب الحارة الواقفين بذهول وقالت بنبرة هادئة لكنها آمرة بالحب:
يا واد يا شلوفة.. انزل نضف مكان أمك أم نعمات وشيل الأقفاص دي ارفعها لها فوق واللي باظ انزل هاته مكانه من الوكالة فورا…. يلااا بسرعة
ابتسمت أم نعمات وسط دموعها وشعرت وكأن روحها ردت إليها بفضل سيدرا قامت سيدرا من مكانها
سندت العجوز حتى بيتها وهي تزرع في كل شبر من الحارة أمل وحب بلسماً يداوي جروحا لا ترى بالعين ولا يدركها أصحاب القلوب المتحجرة كقلب الغراب
*******
بعد مرور ساعات على صخب النهار ….. كانت القاهرة قد استسلمت لسحر الليل الغامض… أمام فندق الماسه كانت الأجواء تنطق بالثراء الفاحش صفوفا من سيارات المرسيدس تصطف أمام البوابة الذهبية …ورجال أمن ببدلاتهم الرسمية وسماعات الأذن يراقبون
كل شبر بحذر وقلق….
في الطابق الأخير حيث صالة الـ VIP التي لا يدخلها إلا من يملك السلطة أو المال كان الجو مختلفاً تماما…الإضاءة خافتة تميل للون الذهبي… والموسيقى الهادئة تملأ الأركان برقي مستفز….. هناك في أكثر ركنٍ منعزل يطل على النيل من وراء زجاج عازل للصوت..
هناك… جلس ثائر بهدوءٍ يليق بشخصٍ لا يُسأل عمّا يفعل
كان ثائر الغراب يتربع على عرشه بغروور….كان يجلس بوضعية تنضح بالسيادة ظهره مفرود بقوة قدمه فوق الأخرى بثبات ويده اليمنى تضع سيجارا كوبيا غالي الثمن بين أصابعه بينما يده الأخرى تداعب طرف الساعة الباتيك فيليب التي تزين معصمه….كان يرتدي بدلة سموكن سوداء من أفخم أنواع القماش قميصه ناصع البياض مفتوح منه أول زرارين بإهمال يبرز عضلات صدره الصلبة وملامحه الحادة كالسيف لا تشي بأي تفكير كان ذهنه صافياً وكأن أحداث الصباح لم تكن سوى
غبارٍ نفضه عن ثوبه…..
مال عليه ممدوح.. صديقه ومساعده….
وهمس بصوت خفيض:
الشغلانة كملت يا غراب والرجالة استلموا الأمانة…. السلاح في مخازن الجبل…بس سليمان الديب مش ناوي على خير ده بيوزع فلوس يمين وشمال عشان يسحب العيون من علينا ويوقعنا في وش المدفع…
الكلب ده محتاج قفلة
نفث ثائر الدخان ببرود ووقاحة
ثائر وهو يعدل وضعية جلوسه:
سليمان الديب ده آخره يهوهو بعيد يا ممدوح….اللي يقرب من حدود الغراب يعرف إنه بيحفر قبره بإيده….الكلب ده حسابه عندي…هقطع لسانه اللي طال ده وأخليه يشحته في السوق… الشغل ده ليه أسياد
وهو مجرد ديل…
اقترب أحد الويترز بخطواتٍ هادئة جدا وانحنى باحترام شديد وهو يضع أمامه كأساً من الكريستال يحتوي مشروبه المفضل تصادمت فيه
قطع الثلج برنة موسيقيه…
وإلي جانبة طبق صغير من المكسرات الفاخرة
ثائر بنبرة رخيمة وهو ينظر لساعة يده:
العرض اتأخر خمس دقائق يا ممدوح….الفندق ده محتاج مراجعة في نظام المواعيد دي مش اول مرة…
ممدوح: حقك علينا يا باشا بس الضغط النهاردة مش طبيعي… الكل جاي عشان يشوف….بيقولوا الراقصة دي حاجة تانية خالص ملامحها تشل ورقصها ملوش كتالوج هههه….وليها نظام خاص مابتنزلش من على المسرح لحد مهما دفع ومدير الفندق نفسه مبيقدرش يكسر لها كلمة.. وكمان سمعت إنها دكتورة جراحة….
أخذ ثائر نفساً عميقاً من سيجاره
ونفث الدخان ببرود وقرف:
دكتورة ورقاصة؟؟؟؟…..ااااووف دي خلطة وسخة أوي ….خيال الناس بقى واسع أوي يا ممدوح… تلاقيها واحدة فاشلة في كليتها وبتبيع الوهم ده للناس عشان تغلي سعرها وتبان مختلفة وريني الدكتورة دي هتعمل إيه بالمشرط بتاعها على الطبلة…. كلهم بيلعبوا نفس الدور عشان يغلوا سعرهم يا ممدوح بضاعة
معروضة للي يدفع أكتر….
انطق اسمها إيه الرقاصة دي
ممدوح بابتسامة:
بيقوله اسمها سيدرا
رفع ثائر حاجب واحداً بوقاحة: سيدرا!!!!!!……. اسم يدي على شياكة…. بس أكيد واحدة بيئة وجت معاها بالحظ….وريني اللحمة اللي بيبيعوها باسم
الطب دي ….هنخسر اي هنتفرج وتكشف علينا
بالمرة الواحدة التعبان برده ي حوودة….
فجأة.. ..هدأ كل شيء…
انطفأت الأنوار تماماً إلا من سبوت لايت واحد تسلط على منتصف المسرح بقوة… انطلقت أنغام حزينة بتوزيع وايقاع يهز الأعصاب.. وخرجت هي.. سيدرا تلك الفتاة الفاتنة والعنيدة….
كانت ترتدي بدلة رقص بيضاء
ضيقة جداً… مرصعة بأحجار كريمة تلمع مع كل حركة وكانت مكشوفة بشكل جريء يبرز كل تفصيلة في جسدها المنحوت…
ثائر الذي كان مريحاً ظهره بإهمال ولكن…..أول ما رفعت سيدرا وجهها وشاهد الخلخال يرن…. تسمر في مكانه..
اتسعت عيناه بذهول مرعب وظل السيجار معلقاً بين شفتيه وهو لا يشعر…. هل تلك الشرشوحة التي أهانته صباحاً هي نفسها التي تتلوى الآن بجبروت فاتن تكاد السنت الرجال ان تتوقف عند رؤيتها جمالها… صدمة صامتة لكل من يقابله….
بدأ يتفحصها بنظرات وقحة جدا يمسح بجوعٍ صدرها الذي يتحرك بجنون ونزولاً إلى وسطها الذي يعتصر مع كل دقة طبلة همس لنفسه بصوتٍ خافت:
يا نهار أسود.. بقى اللبوة دي هي اللي كانت بتردح الصبح دي عاوزة يتركب لها لجام وتتروض بالغالي…..
اااه ومن تلك السيدرا وهي تتوسط المسرح لقطته عينها في الزاوية المظلمةو تجمعت الدماء في عروقها وقشعر جسدها للصدمة…هو الغراب البين…لكن سيدرا لا تهتز لفت وجهها بدلع مستفز وزادت من قوة رعشة
وسطها بوقاحة..
لدرجة جعلت ثائر يقبض على كأسه بعصبية وعيناه مثبتتان عليها برغبةٍ واضحة.. كأنها تهز وسطها على كبريائه الذي أهانته صباحاً….
بعد انتهاء النمرة والصالة تضج بالتصفيق انسحبت سيدرا للداخل وهي تلهث تعبا فجأة اعترض طريقها أحد الزبائن السكارى ومد يده بوقاحة ليعبث بكتفها ويحاوط وسطها ضاحكاً بقذارة:
إيه يا دكتورة.. البدلة البيضا دي لايقة على لحمك أوي… ما تيجي نكشف في السويت فوق ونشوف المشرط بيعمل إيه الواحد تعبان اووي وهدفع لك اللي
تؤمري بيه وزيادة….
ثائر كان واقفاً بعيداً يسند ظهره على الحائط يراقب بعيون صقرية ويلتقط الكلام من حركة الشفااة منتظرا ليرى ماذا ستفعل تلك اللبوة رغم غضبه
الذي لا يري له سبب…..
في ثانية كانت عين سدرا محتقنة بالدماء وهوت بصفعة مدوية على وجه السكران سمع رنينها في الممر كله..وقبل أن يفيق… لوت يده خلف ظهره بقوة جراح محترف جعلت عظامه تزيق من آلام ثم خبطته بركبتها في الجزء السفلي وأطاحت برأسه في الحائط بكل جبروت وقالت بصوت حاد زلزل المكان:
اللي تمد إيدك عليها دي تقطعها لك يالاااا جرى إيه إنت فاكرها زريبة…. غور من وشي بدل ما أطبق في زمارة رقبتك وأخليك تدور على نفسك في أكياس الزبالة…. إنت فاكر عشان رقاصة هتبقى مستباحة يا بن الكلب ي وسخ ده أنا أدق لسانك ده بمسمار في الحيطة
ثائر وهو يتابع المشهد هز رأسه بابتسامة وقحة وجبروت وهو يتفحصها همس لنفسه بإعجاب مريب:
اخخخخ قطة سيامي وبتخربش بجد.. بس لسانها ده
هو اللي هيجيبها تحت رجلي مكسورة….. أوووف بطل
التفت ثائر لممدوح ونفث دخان السيجارة ببطء وهو يراقب سدرا وهي تختفي وراء الستائر بخطوات ملكية وعيناه تلاحقان أثر عطرها الذي ملأ المكان قال بهدوء يرعب:
✦────────── ✦
مناقشه البارت الاول
✦────────── ✦
قد يمحو الغنى ملامح الفقر عن ثيابك لكنه أبداً لا يمحو أثر الكبرياء الزائف من روحك..
القوة الحقيقية ليست في دهس الضعفاء تحت بريق أحذيتنا بل في الانحناء لتقبيل يد أتعبها الشقاء فالبيوت الفارهة قد تسكنها نفوسٌ خربة
والحارات الضيقة قد تخرج منها قلوبٌ
تتسع للعالم رحمة
لا تجعل رقتك تمنعك من أن تكوني لبوة حين يستدعي الأمر ولا تجعل علمك ينسيك أصلك
المرأة القوية هي التي تعرف متى تستخدم مبضع الجراح لتعالج ومتى تستخدم لسانها المبرد لتردع من يتخطى حدوده
الجمال الحقيقي يبدأ حين تقررين ألا تكوني ضحية لأي شخص مهما كان نفوذه
المظاهر غالبا ما تخدع والعيون التي تحتقر الآخرين لفقرهم هي عيون عمياء عن رؤية الجوهر قد تكون دكتورة ورقاصة وبنت بلد في آن واحد لأن الظروف هي من تلبسنا الثياب لكن معدننا هو من يحدد من نحن إياك أن تحقر من شأن شخص لمجرد أن ثوبه متسخ فربما قلبه أطهر من قصور مشيدة
التحرش ليس خفة دم والتعالي ليس هيبة الاحترام هو العملة الوحيدة التي لا تنتهي صلاحيتها في أي مكان سواء كنت في زقاق ضيق أو في فندق بسبع نجوم دافعي عن حقك بضراوة ولا تسمحي لأي غراب أن يظن أن علوه يمنحه الحق في استباحة أرضك
رواية تحت مخالب الغراب الفصل الثاني 2 - بقلم حبيبة الراوي
تصارع الديب والغراب في فلكِها…
وكل يرى في القرب منها غاية….
هي سدرا.. سر بقلبِ الصخر منبعُه….
واليوم تُكتب في العشق أقسى رواية
التفت ثائر لممدوح ونفث دخان السيجارة ببطء وهو يراقب سيدرا وهي تختفي وراء الستائر بخطوات ملكية وعيناه تلاحقان أثر عطرها الذي ملأ المكان قال بهدوء يرعب:
خلص موضوع شراء الفندق ده دلوقتي يا ممدوح جه في وقته ….كنت ناوي أاجله بس لا…
الفندق ده بكل اللي فيه بقى ملك للغراب…
بص ممدوح لثائر بذهول وقلق وحاول يوطي صوته أكتر وسط ضجيج الموسيقى:
تشتريه بجد يا باشا.. الفندق ده مش بس مبنى.. ده عش دبابير لسياسيين ورجال أعمال
وشرايته دلوقت هتقوّم علينا القيامة.. وأولهم سليمان الديب.. إنت عارف إنه حاطط عينه عليه بقاله سنة والعداوة اللي بينكم مش ناقصة بنزين.. إنت كدة بتلعب في عداد عمر اللعبة يا غراب!!!!!!!!!
ثائر ببرود تام وهو يعدل ساعة يده بلامبالاة:
سليمان الديب كان زميلي في الكار زمان يا ممدوح وعارف إن الغراب لما بيحط عينه على فريسة مبيسيبهاش لغيره..
أنا مش بس بشتري فندق أنا بشتري مملكته اللي بيتباهى بيها ….ومتدخلش في اللي ميخصكش والتزم بس اللي بقول عليه هو انت هتعرفني اعمل اي ومعملش اي ي حيوان …خلص الإجراءات الليلة والصبح يكون العقد قدامي وممضي بصفتي المالك الوحيد.. عاوز أحس بطعم النصر وأنا بكسر عينه في وسط ملكه..
في تلك اللحظة دوي رنين هاتف ثائر بنغمة خاصة جدا….نغمة لا يسمعها إلا من شخص واحد كان يوماً رفيق عمره وأصبح اليوم عدوه الألد ..نظر للشاشة بابتسامة ساخرة أدرك ممدوح معها أن طبول الحرب قد بدأت فعلياً….فتح الخط وقال بوقاحة:
كنت مستني المكالمة دي يا ديب…. لسه ودنك طويلة وبتسمع أخبار السوق قبل ما تحصل … كلابك صح موجودين حواليه بس حاولين الوتكة بيعملوا ايه
جاء صوت سليمان الديب من الطرف الآخر كفحيح الأفاعي هادئ لكنه مشبع بالسم والوعيد :
الغراب دايماً بيحب يطير في العالي يا ثائر بس برده ممكن يقع لو جناحه اتقص ….مبروك عليك الفندق ميلزمنيش في حاجة اعتبره هدية مني عشان تفتكر أيامي.. بس اسمع الكلمتين دول وحطهم حلقة في ودنك عشان الملح والعيش اللي كان بيننا سيدرا
خط أحمر يا غراب عينك في الأرض
سكت الديب لثانية ليزيد من ثقل كلماته وأكمل:
البت دي متخصكش وعقدها يلزمني أنا لا تقرب منها ولا تفكر تلمس شعرة منها لأن اللي هيقرب من سيدرا رقبتي تسبق رقبته…. فاهم يا ثائر سيدرا تخصنيي واللي يمسها يمس الديب في قلب عرينه…
ثائر ضحك ضحكة وقحة ومستفزة رجت أركان الغرفة:
أوووه بقى الحكاية كدة حسيت برده كلابك حوالينها …الديب بيكشر عن أنيابه وبيرخص رقبته عشان خاطر حتة رقاصة دي معزتها عندك غالية أوي كدة يا سليمان… ولا تكون الدكتورة نمت معاها فعجبتك فقررت تعمل فيها الحامي والمدافع…
سكت ثائر فجأة وعينه لمعت بشر دفين وأكمل بنبرة تقطر سماً :
بس تعرف شوّقتني أجربها.. أشوف الصنف اللي يخلي سليمان الديب يقلب كلب حراسة عليها ده نظامه إيه… والصبح هتعرف مين اللي بيروض الوحوش بجد يا ديب
أغلق ثائر الهاتف دون أن ينتظر رداً وأصبح وجهه كقطعة جمر ملتهبة من شدة الغيظ …التفت لممدوح وقال بصوت جمهوري يهز الحيطان:
سليمان بيقول إنها خط أحمر….انا قولت برده اي جاب رجالة سليمان في وسط الحارة …… استعلم لي عن كل نفس بتتنفسه سيدرا من يوم ما اتولدت لحد اللحظة دي…أنا مبيتلعبش بيا… والديب بدأ اللعبة بإيده…
بعد دقائق كان ثائر يجلس كتمثال من رخام ملامحه التي نُحتت من صخر الجرانيت لا تهتز وعيناه السوداوان تلمعان ببرودٍ جليدي يجمّد الدماء
هو الغراب.. نذير الشؤم الذي لا يخطئ هدفه
الزعيم الذي يرى النساء مجرد أدوات للمتعة ويجد لذته الكبرى في كسر النفوس الأبية… لكن سيدرا.. تلك القطة السيامية الشرسة كانت أول عنيد يجرؤ على خدش كبريائه…
التفت لممدوح وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيد الموت:
متنساش استعلم لي عن سيدرا دي عاوز أعرف بـتـنام فين وتـصحى فين ومين اللي بيصرف عليها فين واي علاقتها بسلميان
ممدوح (بتردد):
يا باشا سليمان الديب مش سهل والكل عارف إن البنت دي فعلاً محدش بيلمسها في الفندق كلمة خط أحمر عنده معناها دم.
ثائر (بضحكة كلها شر ):
والدم هو اللي بيخلي اللعبة ممتعة يا ممدوح.. سليمان خان العيش والملح زمان والنهاردة أنا هرد له الدبح ده في أغلى ما يملك… لو هي أمانة عنده
فأنا هاخد الأمانة دي وأذلها تحت رجلي لحد ما يجي هو يترجاني أرحمها…
على الجانب الآخر….في غرف تبديل الملابس بالفندق
كانت سيدرا تقف أمام المرآة تنزع قرطها الذهبي بعنف وأنفاسها متلاحقة من الغضب لم يكن رقصها الليلة مجرد عرض بل كان تحدياً صارخاً لذلك الرجل الذي رأته في الحارة…. هي ابنة الثالتة وعشرين ربيعاً.. التي صقل الفقر روحها قبل جسدها ليس فقر المال إنما فقر الجسد
دكتورة الجراحة التي تداوي الناس نهاراً والراقصة الفاتنة التي تسحرهم ليلاً
دخلت عليها صديقتها هنية وهي مخضوضة:
يا سيدرا.. إنتي مجنونة إزاي تلطشي الزبون ده بالبكس وتعملي فيه كدة ده واصل أوي والمدير كان هيتجنن مش عارفة مين بيهدده والله بيكون عاوز يكلك علقة بس تحسيه حد ماسكة من أيده اللي بتوجعه
سدرا (وهي بتمسح الكحل من عينيها بشراسة):
يتحرق هو والمدير اللي يفتكر إن العباية أو بدلة الرقص مـستـباحة يبقى لسه مـعرفش مين هي سيدرا.. أنا دكتورة وبنت حارة يعني اللي يمد إيده أقطعها له والمشرط اللي بـخيط بيه الجروح يـقدر يـفتح مية نغنيشة في وش أي نـجس يـفكر يـلمسني..
هنية (بهمس): بس بيقولوا إن الغراب كان قاعد بره وعينه كانت عليكي طول النمرة.. سيدرا الراجل ده خطر ده مبيعرفش الرحمة اوعي تقفي ولا تكلمية
سدرا (بابتسامة تحدي ولسان حاد كالمبرد):
يعني اي يعني غراب زي حد أو راجل زي اي راجل وسخ لسانه بيريل ..الغراب يروح يـنقر في حتة تانية يا هنية… أنا لا بـتهز من رتب ولا بـخاف من أسامي لو هو غراب فأنا قطة بـسبع تـرواح ومـخالبي حامية أوي..
بعد أن أغلق ثائر الخط في وجه سليمان الديب وبعد أن تحدث مع ممدوح لم تكن ملامحه توحي بأي غضب بل كانت تحمل تلك النصف ابتسامة المرعبة التي تظهر حين يجد فريسة تستحق العناء…لم يكن يرى في تحدي الديب تهديدا بل كان يراه وقاحة من شخص نسي مقامه أمام الغراب بالنسبة لثائر هو ليس مغرور أو وقح كما يراه الناس هو ببساطة يري أنه الأفضل الشخص الذي لم تلد ولم ولدت أمه مثله الرجل الذي
لا يخطئ ولا يهزم ولا يرتجف….
تحرك ثائر نحو قبو فيلته مكان لا تدخله الشمس تنبعث منه رائحة الحديد والصدأ والدم المكتوم…. كان إبراهيم معلقاً بآلات حديدية جسده عبارة عن خريطة من الكدمات والجروح…….. دخل ثائر خلع ساعة الـ باتيك فيليب ووضعها على طاولة مخملية بعناية فائقة…..ثم شمر عن سواعده القوية ببطء شديد وعيناه السوداوان تلمعان ببرودٍ سادي لا يعرف الرحمة….
ثائر بصوت رخيم وهادئ جداً كأنه يلقي خطاباً ملكياً مسموماا :
تعرف يا إبراهيم.. العالم ده فيه نظام وقاونين … والنظام ده أنا اللي بحطه… لما تفكر تسرق من مخازن الغراب وتكون راجل من رجلتي وتخوني مع اعدائي إنت مش بتسرق فلوس إنت بتعتدي على (هيبتي) ودي جريمة عقابها مش الموت….. عقابها إنك تتمنى الموت ومطولوش
أمسك ثائر بملقط حديدي محمى بالنار ونظر إليه بإعجاب ثم وبدون أن يطرف له جفن وضعه على صدر إبراهيم
صرخة إبراهيم مزقت سكون المكان رائحة الشواء البشري ملأت القبو لكن ثائر ظل واقفا ظهره مفرود بوضعية تنضح بالسيادة يراقب احتراق الجلد بمتعة هادئة …..وكأنه يراقب غروب الشمس….
ثائر وهو يضغط أكثر:
تؤ تؤ تؤ .. صوتك عالي أووووي ومزعج أنا بحب الهدوء قولي بقى….. سليمان الديب دفع لك كام عشان تبيع له سر شحنة السلاح…. ولا هو استغل غباءك
إبراهيم وهو يشهق بالدم والدموع:
ارحمني يا باشا.. وحياة أغلى ما عندك ارحمني
ضحك ثائر ضحكة قصيرة وباردة هزت أركان القبو:
أغلى ما عندي هو كبريائي وإنت جيت عليه…. ممدوح هات الملح عاوز جروح إبراهيم دي تـغني طول الليل…. وعاوز صوته يوصل لودن سليمان الديب في أحلامه….خليه يعرف إن اللي بيمد إيده على حاجة تخص الغراب بقطعهاله حتة حتة وهو صاحي….
خرج ثائر من القبو مسح يده بمنديل معطر ببرود وكأن ما فعله كان مجرد عمل روتيني ممل ثم أمر السائق بالتوجه إلى الميناء.. فهناك شحنة سلاح أخرى يجب أن تمر الليلة
ركضت سيدرا في ممرات المستشفى وكأنها تسابق الموت نفسه كان صوت حذائها يضرب البلاط البارد بانتظام مرعب بينما البالطو الأبيض يطير خلفها كجناحي ملاك لم تمسح بقايا كحل عينيها بل تركته يمنح نظرتها حدة وشراسة ….
نعم تجري حين اهتز هاتفها باتصال من زميلها في المستشفى يصرخ الحقينا يا دكتورة سيدرا حالة طوارئ قلب وتوقف تنفس لآنسة صغيرة ومحدش عارف يسيطر لم تنتظر سماع البقية بل هرولت الي هنا….
اقتحمت سيدرا غرفة الطوارئ كإعصار أبيض يرفض التسليم لم تنظر للأجهزة التي كانت تصرخ بالعد التنازلي للنهاية بل نظرت لوجه الفتاة الملقاة على السرير كانت صغيرة ربما في عمر الزهور وجهها شاحب كشمعة أطفأها ريح غادر وشعرها مبعثر فوق الوسادة البيضاء بضياع كسر قلب سيدرا في ثانية……
كان زميلها عادل يقف متصلبا يده ترتجف وهو يبعد جهاز الصدمات بيأس:
خلاص يا سيدرا.. القلب وقف تماما والآمال انقطعت….
اندفعت سيدرا وجذبت الجهاز من يده بعنف هزّ أركان الغرفة وعيناها اللتان سال منهما الكحل من أثر العرق والركض تقطران شراً وإصراراً:
آمال دي تبقي امك….الآمال تنقطع لما صاحبتها تموت يا عادل.. وسّع أنت من وشي اشحنلي الجهاز على
360.. فورا.
وضعت المقابض على صدر الصبية الهزيل وصدر سيدرا هي يضيق تشعر بآلاف الإبر تنغرس في رئتيها من أثر الربو لكنها رفضت أن تتنفس قبل
أن تتنفس تلك الصغيرة…..
سيدرا وهي تضغط بكل ثقلها:
ابعدواااا
انتفض جسد الفتاة انتفاضة الموت لكن الخط المستقيم على الشاشة ظل صامتاً ومستفزاً بصوت صَفيره الطويل
لم تستسلم ألقت بالجهاز وبدأت بعملية إنعاش يدوي (CPR) بجنون كانت تضغط بيديها الصغيرتين على قلب الفتاة وكأنها تحاول ضخ روحها هي داخل صدرها…..
كانت يداها تتحركان ببراعة الجراح التي لا ترهبها الدماء تارة ترفع الرأس بزاوية دقيقة لتفتح مجرى الهواء وتارة تعود للضغط بإصرار يهد الجبال جبهتها تصببت عرقاً أذاب الكحل لتبدو ملامحها وكأنها منحوتة من صخر وعزيمة ولكن جميلة مثلما هي
الممرضة حاولت التدخل بخوف:
يا دكتورة إنتي بتنهجي خدي بخاخك وشك بدأ يزرق
سيدرا بنظرة حادة ألجمت الممرضة كانت ملامحها في تلك اللحظة مزيجاً مرعباً بين صرامة الطبيب وحنان الأم التي ترفض فقدان ضناها لم تتوقف يداها عن الضغط بل زادتها إصرارا وهي تهمس بصوتٍ مخنوق
لكنه هزَّ أركان الغرفة:
البخاخ بتاعي هو أول شهقة تاخدها البنت دي.. مش وقته خالص.. عادل اجهز بالأمبول التاني
كانت رئتا سيدرا تضيقان تشعر وكأن جدران صدرها تطبق على روحها لكنها كانت تعاند جسدها من أجل ذلك الجسد الهزيل تحت يدها.. مالت ببراعة الجراح ترفع رأس الفتاة لتفتح مجرى الهواء بلمسة كانت أشبه بلمسة حرير ثم عادت تضغط بكل قوتها وهي تغمض عينيها وتدعو بقلبها….
وبينما كان اليأس قد تملك من الجميع والصفير المستمر للجهاز يفتك بالأعصاب حدثت المعجزة التي لا يفسرها الطب بل تفسرها العزيمة.. ارتعشت الشاشة ونبضة خجولة هزت ذلك الخط المستقيم تبعتها شهقة قوية وموجعة من صدر الصغيرة…..
تراجعت سيدرا ببطء لم تنهار ولم تبك بل وقفت بشموخ رغم ارتعاش جسدها العنيف…. أمسكت يد الصغيرة وقبلتها بعمق وهي تنهج بجنون ومسحت بظهر يدها حبة عرق اختلطت بدمعة هاربة وقالت لعادل بنبرة هادئة هزت كيانه:
الطب مش بس كتب وأجهزة يا دكتور.. الطب قلب بيحس بوجع الناس وبيحارب عشانهم…. تخيل كنت قولت لأمها بنتك ماتت يعني قطعت آمليين
ارتجفت جدران الممر بصوت صرخة مكتومة كانت أم الفتاة تقف خلف الزجاج تراقب المعركة وكأنها تشاهد احتضار روحها هي بمجرد أن رأت ابنتها تشهق وتعود من غياهب الموت لم تنتظر إذنا بل اقتحمت الغرفة وارتكضت نحو سيدرا التي كانت لا تزال تسند جسدها المنهك بحافة السرير….
ارتمت الأم تحت قدمي سيدرا ليس ذلا بل من فرط الامتنان الذي تعجز الكلمات عن حمله أمسكت بقدمي سيدرا وقبلتهما وهي تبكي بحرقة هزت قلوب الممرضين:
يا دكتورة.. يا ست البنات.. وحياة تراب رجلك لولاكي كانت بنتي الوحيدة ضاعت مني.. إنتي مش بني آدمة إنتي ملاك ربنا بعتهولي من السما.. أشكرك إزاي أبوس رجلك إزاي عشان قلبي يبرد
سيدرا رغم اختناق أنفاسها وحاجتها للبخاخ انتفضت كأن كهرباء لمست جسدها لم تتحمل رؤية امرأة في عمر أمها تنحني بهذا الشكل انحنت بجسدها المجهد وجذبت الأم من كتفيها بقوة وحنان ترفعها إليها وتضمها لصدرها المعبأ بصوت صفير الربو:
استغفري الله يا أمي.. قومي.. رجلي إيه اللي تبوسيها ده أنا اللي أبوس إيدك ورجلك عشان سمحتيلي أرجعلك الفرحة دي في عينك.. بنتك قامت بستر الله مش بشطارتي.. اجمدي كدة.. بنتك بطلة وعاندت الموت عشانك
الأم وهي تبكي و تتشبث ببالطو سيدرا الأبيض :
الدكاترة كلهم قالوا ماتت.. كلهم شالوا إيدهم.. إلا إنتي.. فضلتي تحاربي كأنها بنتك من صلبك.. ربنا يرزقك بالستر والصحة والحرية الصالحة ويخليلك شبابك.. إنتي جبرتي خاطري يا دكتورة ربنا يجبر خاطرك دنيا وآخرة
سيدرا وعيناها تلمعان بدموع جافة أبت أن تسقط
كبرياء مسحت على رأس الأم بحنان يداوي جروحاً لا تُرى وهمست لها بنبرة خافتة لكنها صادقة:
بنتك أمانة في رقبتي يا ست الكل.. متفكريش في تمن علاج ولا محاليل.. المهم إنها تفتح عينيها وتقولك يا ماما.. ده عندي بالدنيا وما فيها
التفتت سيدرا لعادل الذي كان يراقب المشهد بصمت نادم وسحبت بخاخها أخيراً لتأخذ جرعة الحياة وهي تنظر للأم بابتسامة باهتة لكنها مطمئنة وكأنها تقول لها إن معركتهما مع الوجع قد انتهت بنصرٍ عزيز
في الميناء كان الجو مشحوناً بالتوتر….. ثلاث سفن شحن ضخمة كانت ترسو في الظلام رجال ثائر كالبنيان المرصوص يرتدون السواد ويحملون أحدث الأسلحة الآلية يطوقون المكان……. وقف ثائر على رصيف الميناء.. معطفه الطويل يتطاير مع ريح البحر والسيجار الكوبي لا يفارق شفتيه….
فجأة ظهرت سيارات سوداء أخرى من الجهة المقابلة ترجل منها رجال غلاظ الملامح… إنهم رجال زعيم المافيا الإيطالي الذي جاء ليتفقوا علي الصفقة تقدم الزعيم الإيطالي (ماركو)
بابتسامة صفراء:
أهلاً بالغراب…. سمعت إنك اشتريت فندق جديد الليلة هل بدأت تستثمر في المتعة بدلاً من الرصاص….
ثائر بوقاحة وغرور يكسر الجبال:
أنا بستثمر في أي حاجة بتخليني (أملك) النفوس يا ماركو….. الفندق.. السلاح.. البشر.. كله ملكي لو حطيت عيني عليه… انت نفسك تحركاتك كلها في ايدي ….وزي م قولنا السعر اللي اتفقنا عليه زاد ٢٠٪ ضريبة (هيبة) لأنك اتأخرت عشر دقايق عن المعاد
ماركو بغضب:
هذا جنون يا ثائر…. نحن شركاء
ثائر اقترب منه حتى أصبح أنفهما يتلامسان ونظر في عينيه بنظرة جمدت الدماء في عروق الإيطالي:
الغراب ملهوش شركاء الغراب ليه أتباع… لو مش عاجبك تقدر تاخد رجالك وترجع بس الشحنة دي مش هتخرج من الميناء إلا وهي ملكي وبالتمن اللي أنا حددته.. وإلا هخلي رصاص رجاالتي هو اللي يتكلم
في تلك اللحظة ظهرت حركة مريبة في الظلال… كان سليمان الديب قد أرسل رجاله لإفساد الصفقة…. دوى صوت رصاصة أولى وفجأة تحول الميناء لساحة حرب ثائر لم يرتبك
بل سحب مسدسه الذهبي وبدأ يطلق النار ببرود وثبات خرافي
يقتنص الرؤوس وكأنه يلعب قمارا الرصاص يتطاير حوله
الانفجارات تهز الأرض وهو واقف كالطود العظيم لا ينحني ولا يختبئ فكبرياؤه يمنعه من إظهار الضعف حتى أمام الموت
بينما كان الرصاص يحصد الأرواح في الميناء كانت سيدرا تعود لحارتها البسيطة بمجرد دخولها التف حولها أهل الحارة سيدرا لم تكن فقط دكتورة كانت أميرة القلوب….
توجهت لبيت الست نعمات وجدتها جالسة في ركن غرفتها الفقيرة تمسح دموعها وتنظر ليدها التي تورمت….سبدرا جلست على الأرض خلعت معطفعا وسماعتها وبدأت تدهن يد العجوز بمرهم سكن آلامها….
سيدرا بهدوء وحنية :
وحياة تراب الحارة دي يا أمي وحياة كل لقمة شريفة كلناها
لأخلي ابن الـ*** اللي داس عليكي بـجزمته يعرف إن الله حق…. هو فاكر إن الفلوس بتعمل بني آدمين ده إحنا اللي عملنا التاريخ بـعرقنا وشقانا يعتب بس الحارة تاني
الغراب ده بكرة هيعرف إن سيدرا بنت الحارة تقدر تـنتف ريشه…. متزعليش حقك عليا يجي
بس الحارة تاني وبعدين بقي متفكريش مش احنا اتفقنا الصبح بتفكري بس لي تاني
أخرجت سيدرا رزمة كبيرة من المال (مكسبها من شغلها في المشفى وتعبها) ووضعتها في حجر نعمات: ده حق خضارك يا أمي وبكرة هشوف اي حد من عيال الحارة هيقلبوا الدنيا ويجيبوا لك بضاعة تفرشي بيها الشارع كله غير اللي جبناها الصبح …. والحارة دي طول ما
سيدرا بتنفس فيها مفيش بومة ولا غراب يقدر
يرفع عينه فينا…..
خرجت سيدرا من البيت وكانت سوف تتوجه الي بيتها ولكن
ووقفت في منتصف الحارة تنظر للسماء…. شعرت بضيق في صدرها.. أزمة الربو… استندت على الحائط وأخرجت بخاخها واستنشقت بعمق كانت عيناها تقدحان شرراً وغضباً
سدرا وهي تهمس لنفسها:
اثبتي يا سيدرا…..
في مكتبه السري كان سليمان الديب يراقب أحداث الميناء عبر الأقمار الصناعية…. عمار كان واقفاً خلفه يده على سلاحه…
سليمان بصوت عميق:
ثائر نجح في الصفقة … بس خسر هدوءه.. هو دلوقتي بقى فريسة سهلة لأنه عاوزه يستغل اي حاجه تخصني ….الغرور بتاعه هو اللي هيقتله يا عمار
عمار: سليمان سيدرا في خطر ثائر حس إنها نقطة ضعفك امال لو عرف انها تقربلك اي والصبح في الفندق هيحاول يذلها لو فعلا استلمه خلاااص
سليمان بابتسامة مخيفة:
خليه يحاول.. سيدرا مش محتاجة حماية …سدرا جواها (ديب) زيي بالظبط…. وهتخليه يكره اليوم اللي فكر فيه
يشتري الفندق….
اهتز هاتفها نظرت للشاشة فتجمدت الدماء في عروقها.. الرقم مجهول لكنها تعرف صاحبه جيداً… فتحت الخط وصوتها خرج مخنوقاً وبتأفف:
أنا قولت مش هقدر النهاردة.. كان عندي حالة طوارئ في المستشفى..
جاءها صوت المجهول بارداً حاداً وكأنه نصل سكين يغرز في الظهر:
شغل المستشفى ده ميهمنيش في ش…. الأوامر اللي اتعطت لك تتنفذ بالحرف.. فين الورق اللي كان لازم يخرج من السويت النهاردة
سيدرا (بمحاولة يائسة للثبات):
البنت كانت بتموت بين إيدي.. مقدرتش أسيبها وأمشي.. أنا دكتورة قبل ما أكون أي حاجة تاني
المجهول (بفحيح مرعب):
دكتورة وماله.. بكرة لما رخصتك تتسحب واسمك يتشطب من النقابة بسبب شغلك التاني مش هتلاقي حد تعالجية… لو المعلومات مجتش في ميعادها الفضيحة هتسبقك على باب المستشفى..
أغلق الخط ببرود تاركا سيدرا تصارع أنفاسها المخنوقة:
اه يولاد م*** الكلب انتوا السبببببب
§ـــــــــــــــــــــــ $.
مناقشه البارت
§ـــــــــــــــــــــــ §.
هيبة الروح لا تُشترى بالمال ولا تُبنى بعقود الملكية فقد يشتر فندقاً بضخامة ملكه ويمتلك الجدران والأسقف لكنه أبداً لن يمتلك روحاً تعففت عن الخضوع فالنفوذ قد يبني قصوراً شاهقة لكن المبادئ وحدها هي التي تبني القامات التي لا تطالها أيادي الأغنياء مهما بلغت سطوتهم
الأمل لا يلفظ أنفاسه الأخيرة ما دام هناك إصرار يقف خلفه وفي غرفة الطوارئ تعلمتِ أن الطب ليس مجرد سماعة وأجهزة صماء بل هو يقين يُحارب اليأس حتى النفس الأخير وعندما قالت سيدرا إن الآمال تنقطع لما صاحبتها تموت كانت تعطي درساً في الحياة بألا تستسلم ما دام في قلبك نبض فربما تكون المعجزة على بُعد ضغطة واحدة من يد صادقة تُعاند الموت
المرأة القوية هي مبرد للصعاليك وبلسم للمساكين وسيدرا التي استخدمت لسانها الحاد ومشرطها وخلخالها لم تكن متناقضة بل كانت حقيقية فالقوة أن تعرفي متى تكونين لبوة تنهش من يستبيح حرمتك ومتى تكونين ملاكاً يضم أوجاع الخلق والمعدن الأصيل لا يصدأ مهما تغيرت الثياب أو تبدلت الظروف القاسية
هناك فرق شاسع بين سادية الغراب ووفاء الديب وبين من يرى البشر أدوات للمتعة وبين من يراهم أمانة تستحق التضحية والغرور سجن يحبس صاحبه في قبو من الشك والظلام
بينما الانتماء للأصل وللناس هو الحرية الحقيقية والكبرياء الزائف يحرق صاحبه بنيران الغل قبل أن يحرق أعداءه
الكرامة خط أحمر لا يقبل المساومة ولا التفاوض سواء كنتِ في حارة ضيقة أو فوق مسرح يضج بالأضواء فكرامتك
هي أغلى ما تملكين والصعلوك الذي يظن أن الثياب تبيح الجسد
هو أول من يستحق أن يُسحق تحت الأقدام فـالاحترام لا يُطلب بضعف بل يُفرض بقوة الشخصية ورفض الهوان مهما كان الثمن