تحميل رواية «ظلك بعيد» PDF
بقلم الاء محمد حجازي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
يعني إيه أتجوز؟ يعني إيه بعد أربع سنين أستنى فيهم رجوعه يوم ورا يوم، شهر ورا شهر، أعد الغياب على صوابعي، وأقنع نفسي إن البُعد اختبار، وإن اللي بينا أقوى من أي سفر؟ يعني إيه يرجع... مش ليا؟ خرج صوتها مكسور وهي بتكلم نفسها: _ اتجوز... يعني سابني؟ يعني أنا كنت إيه؟ محطة؟ وقت فاضي؟ ولا كنت غبية قوي وأنا مصدقة؟ دخلت أماني، مرات أخوها، بخطوات هادية، أول ما شافتها بالحالة دي فهمت من غير ما تسأل. قعدت جنبها، ومدت إيديها تمسك إيد هدير بحنان: _ يا حبيبتي... أنا قلتلك من الأول راشد ده مش شخص كويس، لا أنا و...
رواية ظلك بعيد الفصل الأول 1 - بقلم الاء محمد حجازي
يعني إيه أتجوز؟
يعني إيه بعد أربع سنين أستنى فيهم رجوعه يوم ورا يوم، شهر ورا شهر، أعد الغياب على صوابعي، وأقنع نفسي إن البُعد اختبار، وإن اللي بينا أقوى من أي سفر؟
يعني إيه يرجع... مش ليا؟
خرج صوتها مكسور وهي بتكلم نفسها:
_ اتجوز... يعني سابني؟ يعني أنا كنت إيه؟ محطة؟ وقت فاضي؟ ولا كنت غبية قوي وأنا مصدقة؟
دخلت أماني، مرات أخوها، بخطوات هادية، أول ما شافتها بالحالة دي فهمت من غير ما تسأل.
قعدت جنبها، ومدت إيديها تمسك إيد هدير بحنان:
_ يا حبيبتي... أنا قلتلك من الأول راشد ده مش شخص كويس، لا أنا ولا سيف أخوكي كنا مستريحين له، بس إنتِ اللي صممتي تستنيه... صدقيني ربنا هيعوضك.
ضحكت هدير ضحكة مكسورة، ضحكة مالهاش صوت، وبصّت قدامها:
_ هو أنا زعلانة علشان اتجوز؟
أنا زعلانة علشان كسرني.
ليه؟ ليه ما قالش من الأول إنه مش عايزني؟
ليه سابني أستناه؟ ليه ما خلانيش أشوف حياتي؟
حد حاسس بالكسرة اللي جوايا؟
حد حاسس بالوجع ده؟
سكتت شوية، وصوتها واطي بس موجوع:
_ أنا كنت بعدي الأيام على أمل...
وهو كان بيبني حياة من غيري.
شدت أماني عليها وحضنتها:
_ والله ما يستاهل دمعة منك.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل سيف.
أول ما شاف هدير بالشكل ده، ملامحه اتشدت، وراح عليها على طول، فتح دراعه وحضنها بقوة:
_ حقك علي من كل الدنيا يا هدير... سامحيني.
دفنت وشها في صدره، وعيطت بوجع ما كانتش سامحة لنفسها تطلعه:
_ أنا تعبت يا سيف... تعبت قوي.
مسّد على شعرها بحنية:
_ بس إنتِ اللي عملتي نفسك كده يا هدير... هو مش راشد ابن عمنا أهو، بس أنا... أنا مش بستريح له، ما بحبهوش عمومًا.
وإنتِ أطيب من إنك تتكسري بالشكل ده.
بس كل اللي أقدر أقوله دلوقتي إنك لازم تحاولي تنسي، وتشوفي حياتك، وتتأقلمي.
بعدت عنه شوية، ومسحت دموعها بإيدها، وقالت بصوت مبحوح:
_ عندك حق.
سكتت ثانية، وبصّت لأماني فجأة:
_ هو... العزومة اللي عملها امتى؟
أماني بصّت لها بخضة:
_ بكرة آخر النهار، بس إنتِ بتسألي ليه يا هدير؟
رفعت هدير راسها، ونبرة صوتها بقت هادية على غير العاصفة اللي جواها:
_ ابن عمي راجع من السفر بعد أربع سنين غربة...
مش لازم أروح أطمن عليه؟
وأبارك له على جوازه...
وأخد عزاء قلبي بنفسي.
سيف قال بسرعة:
_ بس يا هدير...
قاطعته بعينين مليانة وجع وإصرار:
_ سيف... هو مش عزمني.
بس أنا لازم أروح.
سيف قرب منها ومسك إيديها:
_ عمومًا، اللي يريحك يا حبيبتي.
وأي حاجة إنتِ عايزاها... أنا هقف جنبك فيها، وأعملها لك.
سيف وأماني خرجوا، والباب اتقفل بهدوء، هدوء كان تقيل علي أكتر من أي صوت.
فضلت واقفة في نص الأوضة، وبصّة قدامي، فجأة كل حاجة سكتت... وبدأت أفتكر.
من صغرنا.
من وأنا طفلة، كانوا دايمًا يقولوا:
هدير لراشد... وراشد لهدير.
كبرنا على الجملة دي، كأنها حقيقة مسلّم بيها، كأنها قدر مكتوب من غير ما حد يسألنا.
كبرنا سوا.
لحد الإعدادي... لحد الثانوي.
كان دايمًا قريب، دايمًا أمان.
كنت أبص له وأحس إن الدنيا مهما تعمل فيا، هو موجود.
لحد ما أهلي اتوفوا.
ساعتها كل حاجة اتشقلبت.
سيف أخويا وقف وقال إن ده حرام، وإن الاختلاط ده مينفعش، وإن القُرب لازم يقف عند حد.
بعدت... غصب عني بعدت.
بس قلبي؟
قلبي ما بعدش.
حبه كان لسه عايش جوايا، ساكت، مستخبي.
كنت أوقات أكلمه من ورا أخويا...
نطمن على بعض.
يطمن عليا... وأطمن عليه.
كفاية علي أسمع صوته، أعرف إنه بخير.
وفجأة...
فلاش باك
جالي في يوم الكلية:
_ إزيك يا هدير، عاملة إيه؟
قلبي وقتها دق بسرعة، صوتي طلع مكسوف:
_ الحمد لله يا راشد... إنت أخبارك إيه؟
_ الحمد لله تمام...
سكت شوية، وبعدين قال:
_ أنا كنت جاي بس أقولك إني مسافر.
اتلخبطت، قلبي وقع:
_ مسافر؟ يعني إيه مسافر؟ وفين؟
ضحك ضحكة هادية:
_ اهدي بس يا حبيبتي... أنا مسافر أكون نفسي.
عايز أرجع وأطلب إيدك من أخوك وقلبي جامد.
وأتجوزك.
سكت شوية، وبصوته اللي عمري ما نسيته قال:
_ بس أهم حاجة يا هدير...
أهم حاجة إنك تستنيني.
مش عايز أرجع وأعرف إنك بقيتي لغيري.
صدقيني ممكن أموت.
صوتي وقتها كان صادق، نضيف:
_ أنا ليك يا راشد...
وعمري ما هكون لغيرك.
أنا وعدته.
بس هو؟
هو ما وعدنيش.
فوقت من الذكريات، وقلبي اتقبض.
ضحكت ضحكة مكسورة وأنا بحط إيدي على وشي:
_ أنا غبية...
غبية إزاي صدقت إن واحد مسافر بره، يقعد أربع سنين
من غير ما يكلمني
ولا يسأل علي
ولا يعرف أنا عايشة إزاي
ويكون لسه باقي على حبي؟
إزاي فكرت إنه وفي؟
إزاي؟!
مش كان بيأكل؟
مش كان بيشرب؟
مش كان بيعيش؟
إزاي قلبه ما فكرش غيره؟
إزاي ما ضعفش؟
إزاي؟
بس ليه علقني؟
ليه سابني أعيش على أمل؟
ليه يوعد وهو عارف إنه مش قد الوعد؟
ضربت بإيدي على صدري، الصوت طلع مخنوق:
_ ليه تكسر قلبي كده يا راشد؟
ليه؟
وقفت أبكي...
بكاء ما كنتش فاكرة إني قادرة عليه.
دموعي نزلت بعنف، جسمي كان بيرتعش، نفسي كان بيتقطع.
_ مش مسامحاك...
مش مسامحاك أبدًا.
قعدت على الأرض، ضامة رجلي، حاضنة نفسي كأني بحاول أحمي اللي فاضل مني:
_ يا رب...
يا رب أنا تعبت.
تعبت قوي.
عيطت...
عيطت لحد ما صوتي راح،
ولحد ما قلبي وجعني.
قعدت من الليلة دي لتاني يوم الضهر...
مكاني.
ما بتحركش.
ما باكلش.
ما بشربش.
ما بعملش حاجة غير إني بعيط.
بعيط على أمل ضاع.
على وعود كدابة.
على حب طلع مش حقيقي.
على واحدة كانت فاكرة إن الاستنى بطولة، وإن الصبر دايمًا نهايته خير.
بس فجأة...
فوقت.
مش فَوْقة هادية، فَوْقة واحدة تعبت.
قلت لنفسي وأنا ماسحة وشي بعنف:
_ لا...
مش هينفع.
مش هينفع حد يشوف الكسرة دي غيري.
مش هسمح لحد يشمت، ولا يشفق، ولا يفسر وجعي بطريقته.
أنا لازم أروح، النهارده.
قومت فجأة.
فتحت الدولاب، وبصيت للفستان اللي عمري ما لبسته غير في المناسبات الكبيرة.
قلت:
_ هو ده.
اخترت أحسن فستان عندي.
أحسن هيلز.
أحسن إكسسوارات.
دخلت أخدت دش، وكأني بغسل الوجع عن جسمي.
لبست، ظبطت نفسي، حطيت ميكاب خفيف خالص...
مش علشان أبان قوية.
علشان ما أبانش مكسورة.
مع المغرب، كنت جاهزة.
طلعت لسيف، أول ما شافني وقف مكانه:
_ إيه الحلاوة دي؟
تعرفي إنك وإنتِ كده عاملة زي نجمة طالعة من فيلم من الخمسينات...
بس نجمة حلوة.
ابتسمت غصب عني.
وفجأة طلعت أماني، قربت مني، مسكت إيدي، ولفتني كده:
_ الله...
ده المعنى الأصلي لكلمة تحفة.
حقيقي.
الكلام دخل قلبي.
قوي.
وحلو.
حسيت إني محبوبة في الوقت اللي كنت فيه محتاجة الحب أكتر من أي وقت.
أحلى إحساس في الكون...
إن حد يدعمك، يقف جنبك، من غير ما تطلبي، من غير ما تتكلمي.
أصل مفيش حد كبر علي الاهتمام... كلنا محتاجين اللي يهتم بينا مهما كبرنا بيفضل جوانا طفل محتاج يحس بحنية وطبطبة من اللي حواليه واللي بيحبوه... محتاجين نحس إن لسه وجودنا مهم في حياة اللي بنحبهم... مهما كنا ظاهرين إننا قويين للي يخصونا عشان نطمنهم بس مش أكتر لكن جوانا بردو محتاجين اللي يهتم بينا ويطمنا... بلاش نبخل علي اللي بنحبهم بكلمة حلوة فيها اهتمام أو بسؤال من وقت للتاني الحاجات دي بتفرق قوي وبتهون علينا الدنيا وهي اللي بتخلينا قادرين ندي أكتر ونكمل...
وصلنا المكان.
وأنا داخلة...
حسيت بخنقة فظيعة.
أول ما دخلت.
النظرات اتوجهت لي.
نظرات شفقة.
نظرات عطف.
نظرات شماتة.
نظرات كتير في نفس اللحظة.
نظرات كانت كفيلة تقتلني.
مسكت إيد سيف واتكت عليها جامد.
سلمت على اللي نعرفهم... وعلى اللي ما نعرفهمش.
وفجأة...
طلع.
بنفس الطلة اللي كانت بتخطفني زمان.
بس دلوقتي؟
مش طايقاها.
أول حاجة جات في دماغي إني أجري عليه وأصرخ:
_ ليه؟
ليه كسرتني كده؟
بس تماسكت.
عيني اتعلقت بيا...
كان باصص لي قوي.
هو، وعمامي كلهم، كأنهم شايفين حاجة جديدة، يمكن علشان كنت تحفة، وأنا عارفة.
وفجأة...
سمعت أكتر صوت مش بطيقه.
شادية.
بنت عمي، وأخت راشد.
بصوتها المستفز:
_ عاملة إيه يا هدير؟
أخيرًا شفناكي...
إنتِ ولا كأنك عاملة بيات شتوي، بس ده بيبقى شتوي وصيفي!
بلعت ريقي.
ما قدرتش أرد.
قلت بالعافية:
_ الحمد لله...
إنتِ عاملة إيه يا شادية؟
_ الحمد لله بخير يا حبيبتي.
قوليلي بقى...
إنتِ مش ناوية تتجوزي؟
ولا إيه؟
خصوصًا إنك داخلة على التلاتين.
حسيت الكلمة نطت في قلبي.
والنظرات اتوجهت لي تاني.
كل اللي كان بيعمل حاجة سابها، وبقى باصص.
ليه دايمًا مصممة تحرجني؟
ليه؟
أماني كانت لسه داخلة علشان ترد...
بس أنا مسكت إيديها.
لا.
من النهارده،
أنا اللي هجيب حقي بنفسي.
كنت قبل كده ساكتة علشان شادية تبقى أخت راشد.
إنما دلوقتي؟
ولا شادية...
ولا راشد...
بقى يفرقوا معايا.
رفعت راسي، وبصيت لها بثبات:
_ هو إنتِ ليه محسساني إن الجواز هو الإنجاز الوحيد في الكون؟
سكت المكان.
كملت:
_ هو آه، سنة الحياة، بس مش هو الحياة كلها.
إنتِ قبل ما تفكري في الجواز، لازم تكوني بانية نفسك، مستقبلك، شهادتك، وشغلك.
ابتسمت بهدوء:
_ الحمد لله...
أنا دلوقتي خلصت كلية التمريض، وعملت دبلومة،
وكمان بقيت مُعدة في الكلية.
قربت خطوة:
_ قوليلي بقى إنتِ...
عملتي إيه إنجاز غير الجواز؟
ما سبتلهاش فرصة ترد.
لفت، وأخدت بعضي، وطلعت بره.
كنت سامعة الهمس ورايا.
ومستغربة...
القوة دي كلها جات لي منين؟
وفجأة...
سمعت الصوت.
أكتر صوت كنت بحبه في حياتي...
ودلوقتي؟
مش طايقاه.
قال بهدوء مستفز:
_ جبتِ القوة دي كلها منين؟
ولا بُعد الأربع سنين دول عني...
علموكي القوة؟
رواية ظلك بعيد الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي
جبتِ القوة دي كلها منين؟ ولا بُعد الأربع سنين دول عني علّموكِ القوة؟
قرّب خطوة، وعيونه كانت بتلمع وهو بيبص لي من فوق لتحت:
_ بقيتي جميلة يا هدير.
ابتسمت، بس مش ابتسامة خجل، ابتسامة قوة:
_ أنا جميلة طول عمري يا راشد، يمكن إنت اللي كان نظرك مش سليم قبل ما تسافر.
اتشدّ، بس حاول يبان ثابت:
_ طيب، ما اتجوزتيش ليه لحد دلوقتي؟ كنتِ مستنياني... صح؟
ضحكت ضحكة خفيفة، بس فيها سخرية:
_ لا، مش صح. أصلًا يا راشد إنت، من ساعة ما سافرت وأنا طلعت من حياتك. إنت كنت فترة مراهقة، حاجة كده عدّت بسرعة... وخلاص.
سكت شوية، وبعدين قربت أكتر:
_ بس أحب أقولك حاجة. الرجالة بس هي اللي بتوفي بوعودها. إنت المفروض تتعلم منهم يعني إيه وفاء.
صوته واطي شوية:
_ هدير... أنا عارف إني غلطان، وعارف إني بعدت، بس صدقيني... غصب عني.
رفعت حاجبي، وصوتي طلع تقيل:
_ غصب عنك؟ غصب عنك ما عرفتش في مرة تكلّمني وتقول لي: شوفي حالك؟ ولا كنت واثق إنك هترجع تلاقيني مستنياك؟
قربت أكتر:
_ أحب أقولك على فكرة... إنت غلطان.
بلع ريقه وقال بسرعة:
_ اسمعيني بس... أنا اتجوزتها علشان أخد الجنسية.
ضحكت، بس المرة دي بمرارة:
_ عذر أقبح من ذنب. حتى المبررات اللي بتجيبها بتخلّيك تقل في نظري أكتر.
ثبّت عينيّ في عينه:
_ تعرف؟ أنا بحمد ربنا إنك اتجوزت. علشان عمري ما كنت أرضى إن يبقى في حياتي شخص زيك.
ابتسم بغرور:
_ ولو مش زيّي... كنتِ مستنياني ليه؟ ليه ما دخلتيش حد في حياتك؟
نفخت نفس عميق:
_ قلتلك قبل كده، دي مش علشانك.
وباندفاع:
_ وبعدين... مين قالك إني مش في حياتي حد؟ أنا في حياتي شخص، وقريب قوي كمان. وهعزمك على شبكتي، بما إنك رجعت من السفر.
اتسعت عينه:
_ إنتِ بتقولي كده بس علشان تغيظيني.
ابتسمت بثقة:
_ أنا لو هغيظ حد، يبقى حد فارق معايا. إنت؟ إنت مش فارق.
لفّيت علشان أمشي. خطوت خطوتين... وبعدين وقفت. رجعت له تاني، بصّيت له نظرة أخيرة:
_ آه صح يا راشد... حمد لله على السلامة.
وسبته. مشيت. وسيبت قلب كنت فاكرة إنه وطني... وطلع محطة.
أخدت بعضي ومشيت من المكان. ما قدرتش أكمّل دقيقة زيادة. كل حاجة كانت بتخنقني... ناس، ضحك، مجاملات، نفاق ملفوف في ابتسامات.
روحت البيت. غيرت هدومي بسرعة، لبست بنطلون جينز وتيشرت بسيط. كنت محتاجة أكون أنا... من غير تزيين، من غير تمثيل.
أنا من الناس اللي ما بتعرفش تنهار قدّام حد. ما بعرفش أعيّط وأنا بحكي. موجوعة؟ آه. بس الوجع ده دايمًا بشيله لوحدي. مفيش حد أحكيله. فبروح للمكان الوحيد اللي ما بيحكمش... البحر.
ركبت وروحت. كان في كافيه فاتح على البحر. مش جديد قوي... هو قديم، بس مجدّدينه. وأنا بحبّه. مكان هادي. دافي. روحه حلوة.
دايمًا مشغّلين قرآن. النوع اللي يدخل القلب من غير ما يستأذن. بحب أقعد هناك علشان الراحة اللي بحسّها كل مرة. وصاحب المكان... دايما لامم حوالي خمس ستة واقفين جنبه، وبيكلمهم دايمًا في حاجات في الدين. بحب أسمعه. بيقول حاجات أول مرة أسمعها في حياتي. حاجات بجد بستفاد منها.
وصلت. طلبت كابتشينو. وطلعت قعدت في ركني المعتاد. ترابيزة في وش البحر بالظبط. الهوى بيخبط في وشي، وصوت الموج كأنه بيحاول يفهمني إن الدنيا أوسع من وجعي.
لسه بأخد أول رشفة... وفجأة حسّيت بحركة غريبة. بصّيت ناحية الباب. دخل... بكاريزمته. مش محتاج يعمل حاجة. مجرد دخوله كان كفاية. نص الكافيه تقريبًا اتحرك ناحيته.
واحد منهم قال له:
_ اتأخرت كده ليه يا مسلم؟ في ناس كتير مستنياك علشان تعرف موضوع النهارده عن إيه.
وقف شوية، وبص حواليه. وفجأة... عينيه جت ناحيتي. بص لي من فوق لتحت، نظرة هادية، ثابتة، لا فيها قلة ذوق ولا فضول زيادة.
وبعدها قال بصوت واطي بس واصل:
_ النهارده هنتكلم عن... تشبّه النساء بالرجال.
أول ما قال كده... الناس بصّت لبعضها. في همهمة خفيفة. في فضول. في انتظار. وأنا؟ قعدت مكاني. الكوباية في إيدي. قلبي مش عارف ليه دقّ دقة غريبة.
وقف مسلم في نص المكان، لا رفع صوته ولا حاول يشد الانتباه بحركة. سكوته الأول كان أطول من أي كلام.
وبعدين قال بهدوء عجيب:
_ قبل ما أتكلم... خلّينا نتفق على حاجة. الدين مش جاي يضيّق على حد، ولا جاي يكسر حد، ولا جاي يمنع الفرحة ولا الجَمال. الدين جاي يكرّم.
سكت ثانية، وبص حواليه:
_ النهارده هنتكلم عن تشبّه النساء بالرجال. مش علشان ندان، ولا علشان نجرح، لكن علشان نفهم: ربنا ليه فرّق؟
تنفّس بعمق:
_ ربنا سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان، ما خلقوش عبث. قال في كتابه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين: 4] يعني كل تفصيلة فيكِ... مقصودة. مدروسة. مُكرَّمة.
هدير كانت سامعة. ساكتة. بس قلبها بدأ يتحرّك.
كمّل:
_ ربنا خلق الرجل... وخلق المرأة. وكرّم الاتنين. لكن كل واحد له طبيعة، وله دور، وله جَمال خاص بيه.
وقال:
_ ربنا قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [سورة آل عمران: 36] مش تفضيل. مش انتقاص. تمييز حكمة.
وقف لحظة:
_ المشكلة إننا بقينا فاكرين إن الجمال في التقليد. إن القوة إنك تبقي نسخة من غيرك. وإن الموضة اللي جاية من برّه هي اللي تقول لنا نلبس إيه ونخلع إيه.
ضحكة خفيفة:
_ والغرب نفسه؟ بيغيّر الموضة كل شوية. إحنا بس اللي بنجري وراهم وكأنهم وصلوا للحقيقة.
قال بصوت أعمق:
_ ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [سورة الأعراف: 26] يعني اللبس... ستر. وجَمال. مش مسخ للهوية.
هدير شدّت إيديها على الكوباية. حاسّة إن الكلام داخل في حتة ما حدش لمسها قبل كده.
كمّل:
_ ربنا ما خلقش الست علشان تنافس الراجل. ولا علشان تقلّده. خلقها معزّزة، مكرّمة، محفوظة.
وقال بهدوء موجع:
_ ربنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: 59] ليه؟ ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ يعني تُعرَف... مش تُخفى. تُحترم... مش تُستَهلَك.
هدير حسّت بعينيها بتدمع، بس دموع هادية، فاهمة.
قال:
_ النبي ﷺ كان واضح. قال في حديث صحيح: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ».
وسكت لحظة، وبعدين قال بلُطف:
_ اللعن هنا مش شتيمة. ده تحذير. يعني طريق مؤذي للروح.
قرب خطوة:
_ مش كل بنطلون حرام، ولا كل لبس واسع غلط. لكن الفكرة... النية والهوية. هل أنا بلبس علشان أكون نفسي؟ ولا علشان أهرب من نفسي؟
هدير حسّت إن السؤال اتسأل لها هي.
قال:
_ النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال» [رواه مسلم] يعني ربنا بيحب الجَمال... بس الجَمال اللي ما يكسّرش الفطرة.
سكت، وبعدين قال:
_ الست لما تحاول تبقى راجل... بتتعب. ولما تحاول تمسح أنوثتها... بتضيع. والراجل لما يحاول يبقى غير راجل... بيضيّع نفسه برضه.
رفع عينه:
_ ربنا ستر الست... مش علشان يخنقها. سترها علشان يحميها. علشان ما تبقاش سلعة. ولا موضة. ولا تريند.
صوته بقى أهدى:
_ الرجوع للفطرة مش رجوع لورا. ده رجوع للأمان.
هدير كانت سامعة... ومش سامعة بس. حاسّة. حاسّة إن في حاجة بتتفك جوّاها. حاجة كانت فاكرة إن القوة في القسوة. والصلابة. والتشبّه. ولأول مرة... تحس إن الأنوثة مش ضعف. دي نعمة.
كمّل مسلم، وصوته بقى أعمق، وفيه وجع حقيقي:
_ بنعمل في نفسنا كده ليه؟ ليه سيبنا الموضة والترند يقودونا؟ وليه بقينا نقلّد من غير ما نفكّر؟ وليه سايبين بناتنا، وأخواتنا، ونفسنا نضيع من غير ما حد يوقف ويسأل: هو ده صح؟
سكت ثانية، وبعدين قال:
_ الغرب نفسه مش ثابت. كل يوم ترند جديد. كل يوم شكل جديد. وإحنا؟ إحنا عندنا دين ثابت، وفطرة ثابتة، بس اللي بيتغيّر... إحنا.
رفع إيده شوية:
_ محدش قال إن البنت لما تلبس واسع تبقى أقل جمالًا. بالعكس... في الستر جمال. وفي الهدوء هيبة. وفي الأنوثة رحمة.
وبص للناس:
_ المشكلة مش في البنطلون لوحده. المشكلة إننا بقينا نخلط. نمسح الفروق. نلغي الهويّة. ونرجع نشتكي إننا تعبانين ومش مرتاحين.
قال بنبرة صادقة:
_ ربنا ما حرّمش علشان يضيّق، حرّم علشان يحمي. وربنا ما أمرش بالستر علشان يخنق، أمر بالستر علشان يرفع القيمة.
تنفّس وقال:
_ إحنا محتاجين نرجع نفكّر. مش نقلّد. نرجع نسأل نفسنا: هو الغلط عندي؟ ولا عند الناس كلها؟ ولا إحنا كلنا محتاجين نراجع نفسنا؟
وبص للسقف:
_ ربنا يهدينا... ويهدي بنات المسلمين أجمعين.
سكت. والمكان كله ساكت. هدير كانت حاسّة إن الكلام اتقال في وقته. كأن حد ماسك قلبها وبيكلّمه. ليه بلبس كده؟ علشان أبقى جميلة؟ طب وأنا جميلة أصلًا؟ طب الغلط فين؟ عندي؟ ولا في الناس؟ ولا في الدنيا اللي بقت مقلوبة؟
حاسّة إنها تايهة. مش قادرة تفكّر أكتر. قررت تنام. قامت بهدوء، دفعت الحساب، ومشيت شوية على البحر. الهوى كان هادي. بس دماغها زحمة.
وفجأة سمعت صوت وراها:
_ يا آنسة... آنسة!
لفّت. واتفاجئت.
_ أنه مسلم.
اتلخبطت:
_ خير حضرتك؟
رواية ظلك بعيد الفصل الثالث 3 - بقلم الاء محمد حجازي
يا آنسة… آنسة!
لفت.
واتفاجئت.
_ أنا مسلم.
اتلخبطت:
_ خير حضرتك؟
ابتسم ابتسامة بسيطة:
_ إنتِ نسيتي تليفونك.
بصّت في إيده، خدت الموبايل بسرعة:
_ آه! شكرًا لحضرتك.
سكتت ثانية، وبصّت له بتردد:
_ هو… ممكن أسألك سؤال؟
_ اتفضلي.
_ حضرتك كويس؟
ابتسم ابتسامة غريبة شوية:
_ أيوه…
وبعدها كمل بهدوء:
_ بس محتاج آخد العلاج.
كنا واقفين…
لسه الكلمة معلّقة في الهوا، وأنا بحاول أفهم يقصد إيه، وفجأة…
وشّه شحب، عينيه زاغت، جسمه مال لقدّام.
_ حضرتك؟!
ما لحقش يرد، وقع على الأرض مرة واحدة، جريت عليه من غير تفكير.
الجسم اتحرّك لوحده قبل العقل، يمكن علشان أنا ممرضة، ويمكن أوف مش عارفة بقا......؟
الناس اتلمّت في ثانية.
صوت قلق، همهمة، حد بينادي إسعاف، ووشوش كلها خوف حقيقي.
وقتها فهمت…
حب الناس نعمة.
نعمة بجد.
رفعت صوتي بثبات:
_ لو سمحتوا وسّعوا شوية… سيبوا مسافة، علشان يعرف يتنفس.
اتنين شباب قربوا:
_ نعمل إيه؟
_ شيلوه بهدوء ودخّلوه المكتب.
دخلت معاهم.
قفلت الباب.
الدنيا بقت هادية جوّه، بس قلبي كان شغال.
قست نبضه، ضغطه كان واطي، نفَسه مش منتظم.
ابتديت إسعافات أولية.
طلبت مية.
بعد دقائق…
بدأ يفوق.
نفَسه رجع تدريجي، وشّه لونه اتحسّن.
كنت لسه بتنظّم نفسي… وفجأة الباب اتفتح بعنف.
دخل واحد…
نفس الطول.
نفس الملامح.
نفس العيون.
نسخة طبق الأصل.
وقفت متنّحة.
مش فاهمة.
كان باصص لمسلم بخوف حقيقي:
_ مسلم! أخويا… فيك إيه؟
كان صوته مليان هلع.
ومش بيسمع أي حاجة غير دقات قلبه.
مسلم حاول يهز دماغه:
_ أنا… كويس.
لسه ما كملش إلا والراجل لفّ عليّا فجأة.
وشه اتقلب.
صوته عليّ:
_ إنتِ عملتِ له إيه؟ والله لو أخويا حصل له حاجة بسببك ما هسيبك! هنتقم منك!
اتخضّيت.
مش علشان الصوت… علشان الظلم.
رفعت صوتي بهجوم:
_ إنت اتجننت يا جدع إنت؟ أنا هعرف أخوك منين؟ ده كان واقع ومغمي عليه! وأنا كنت بساعده!
ضحكت بغيظ:
أما عالم مجنونة صحيح!
قال بعصبية:
_ بت! إنتِ احترمي نفسك!
العصب شدّني:
_ أنا محترمة غصب عنك! بدل ما تشكرني إني ساعدت أخوك تيجي تكلّمني كده؟!
وفجأة… سمعت صوت واطي، مكسور شوية، بس ثابت.
_ جاد…
لفّ الراجل ناحيته:
_ نعم؟
مسلم كمل بالعافية:
_ الآنسة… هي اللي فوقتني.
سكت جاد.
والهوا وقف.
مسلم لفّ ناحيتي:
_ وأنا… أنا آسف جدًا على اللي حصل، وبعتذر لك عن الكلام اللي جاد قاله. هو بس كان مخضوض عليّا.
بصّيت له ثانيتين.
من غير ما أرد.
قلت بهدوء متعصّب:
_ أنا مش فاهمة إنتوا إزاي إخوات أصلًا.
وخدت شنطتي، لفّيت، وخرجت، مش طايقة حد، ولا كلام، ولا اعتذارات.
طلعت من المكان، والهوا خبط في وشي بقوة.
كنت متنرفزة.
مخنوقة.
حاسّة إن قلبي اتشد من كل ناحية.
مشيت ومشيت ومشيت…
وسيبت ورايا ناس كتير، ونسختين شبه بعض، وكلام تقيل.
روحت البيت… وجسمي تقيل كأني شايلة الدنيا على كتافي.
طاقة سلبية خانقة، بس أول ما افتكرت كلام مسلم، صوته الهادي، ونظرة الصدق في عينه، حسّيت بحاجة خفيفة كده، زي نسمة عدّت بسرعة وسابت أثرها.
دخلت البيت.
أول ما شفت سيف، فهمت إن في حاجة غلط.
وشّه كان مقفول، عينه حادة.
وأماني قاعدة جنبه، ساكتة، وبتغمز لي.
الحركة دي ما بتجيش غير مع المصايب.
قلت في سري:
_ يا رب… هو أنا ناقصة؟
لسه بحط الشنطة.
لقيته قرب مني بعصبية:
_ إنتِ عملتي إيه؟ إزاي تقولّي للراشد إن في حد في حياتك وإن خطوبتك قربت؟
بصيت له… الكلام اتشلّ في بوقي.
قلت بصوت واطي:
_ كنت عايزني أعمل إيه؟
هو بيتكلم يقول ببرود إني كنت مستنياه!
وفجأة… انهرت.
دموعي نزلت قبل ما ألحق أتماسك.
جسمي كله كان بيترعش.
_ أنا تعبت يا سيف… تعبت بجد.
قعدت أعيط، مش عياط، ده كان انهيار كامل.
_ أربع سنين! أربع سنين وأنا مستنياه! أربع سنين وهو في بالي، في دعائي، في كل خطوة في حياتي.
صوتي علي:
_ كان بيغزلني، يكلمني كأني ملكة، يوعدني، يحسسني إني الوحيدة!
شهقت:
_ وأنا صدّقت… علّقت قلبي عليه وسلّمت له كل أملي.
مسحت دموعي بعنف:
_ وفجأة؟ سابني. اختفى. ولا كأني كنت حاجة!
رفعت عيني لسيف:
_ إنت فاهم يعني إيه تستنى حد وتبني حياتك كلها عليه؟ وتصحى كل يوم تقول يمكن النهارده يرجع؟
صوتي بقى مكسور:
_ أنا كل أملي اتكسر. كل الأحلام اللي كنت برسمها وقعت مرة واحدة.
ضربت صدري:
_ الوجع هنا… مش عايز يطلع.
سيف قرب بسرعة حضني.
حضنه كان دافي بس الوجع لسه جوّه.
فضل يطبطب عليا:
_ أنا حاسس بيكي… وحاسس بكل اللي بتقوليه.
كمّل بحنية:
_ راشد ده شخص ما يستاهلش قلبك ولا دموعك.
قلت وأنا ببكي:
_ أنا غلطانة… غلطانة إني علّقت نفسي بإنسان ونسيت إن النصيب بإيد ربنا مش بإيد حد.
تنهد وقال:
_ أيوه… عشان كده بقولك ما ينفعش نعلّق قلبنا بحد والله أعلم نصيبنا فين.
بص لي بعمق:
_ القلب ده أمانة. ولو استهلكناه كله مع شخص واحد وبعدين مشي نفضل فاضيين.
كمّل:
_ لازم نحافظ على نفسنا علشان لما ندخل علاقة تانية نكون لسه قادرين نحب مش مكسورين ولا مستنزفين.
مسح على شعري:
_ ساعات ربنا يبعد حد علشان ينقذك مش علشان يعذبك.
ابتسم بحزن:
_ كان ممكن تتجوزوا وتسافروا وبعد سنة يطلقك أو يتجوز عليك هناك وساعتها كان الوجع هيبقى أضعاف.
قرب وباس جبيني:
_ ربنا كبير… وبيجبر الخاطر.
قال بصوت واطي:
_ خشي نامي دلوقتي يا حبيبتي. سيبيها على ربنا. والله ما هيضيع دمعة نزلت من قلبك.
قمت بهدوء دخلت أوضتي قفلت الباب وأنا لأول مرة حاسّة إن الوجع مش نهايتي… يمكن يكون بدايتي الجديدة.
قامت من النوم وهي حاسة بخذلان غريب… مش الخذلان اللي بيخليك تعيّطي وبس، لا… ده النوع اللي بيخليك ساكتة، ناشفة من جوّه، كأن حاجة اتقفلت فجأة في قلبك ومش عايزة تفتح تاني.
قعدت شوية على طرف السرير، عينيها سرحانة، وسؤال واحد بيلف في دماغها:
أنا ليه حطّيت نفسي في الموقف ده؟
قامت وقفت قدام الدولاب، فتحته… عينها وقعت على البدلة اللي دايمًا بتلبسها في الكلية، بدلة رسمية قوية، بتديها إحساس بالسيطرة.
مدّت إيدها تمسكها… وفجأة افتكرت صوت مسلم.
ربنا كرم الست… وخلاها معززة مصونة…
إيدها وقفت في النص.
رجّعت البدلة مكانها بهدوء.
وقلبها بيخبط مش عارفة ليه.
اختارت فستان… بسيط، واسع، راقي.
لبسته.
وقفت قدام المراية.
مش علشان حد.
ولا علشان كلام حد.
بس علشان لأول مرة تحس إنها عايزة تبص لنفسها من غير ما تبقى متحدية العالم.
خرجت.
راحت الكلية.
دخلت أول محاضرة.
صوتها كان ثابت… قوي… كأنها بتحاضر عن القوة والثقة، مش عن التمريض.
الطلبة بصّوا لها بإعجاب.
هي كانت بتتكلم، بس عقلها في حتة تانية خالص.
خلصت المحاضرة.
وهي خارجة… الموبايل رن.
بصّت في الشاشة.
نفخت بضيق.
شادية.
ردّت وهي بتحاول تثبّت صوتها:
— ألو.
— ألو يا هدير… إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
نبرة شادية كانت مستفزة كعادتها، مزيج بين فضول وشماتة.
هدير ردّت بهدوء محسوب:
— بخير الحمد لله يا شادية… إنتِ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي وعلى جوزك.
— بخير يا حبيبتي… هو صحيح الخبر اللي سمعته ده؟ هو إنتِ فعلًا خطوبتك قربت؟ ولا قولتي كده علشان أخويا سابك… وتردّي كرامتك قدام العيلة؟
سكتت لحظة.
الكلمة دخلت في قلبها زي السكينة.
بس صوتها؟ ولا اهتز.
ابتسمت ابتسامة محدش شايفها، وقالت بثبات:
— أردّ كرامتي؟ حبيبتي… العيلة كلها عارفة إن كرامتي دايمًا فوق… فوق قوي. وأنتِ عارفة كويس إن العيلة دي آخر اهتماماتي.
سكتت ثانية، وكملت ببرود:
— وإنتِ وأخوكي مش في دماغي أصلًا. آه… شبكتي قريب إن شاء الله. و إنتِ هتكوني آخر المعازيم… آسفة قصدي أولهم. معلش يا حبيبتي.
قفلت المكالمة قبل ما ترد.
إيدها كانت بتترعش.
وقفت في نص الممر، حاسّة إنها كسبت الجولة… بس داخليًا؟ هي عارفة إنها حطّت نفسها في ورطة.
دخلت المحاضرة اللي بعدها.
الكلام كان بيطلع منها آلي.
السبورة قدامها، الطلبة قدامها، بس دماغها في سؤال واحد:
هتعملي إيه؟
يا تتخطب بجد.
يا الناس تفضل تقول إنها كانت بتغظ راشد.
ودول ما بيصدقوا.
الصداع ضرب فجأة.
ضغط في دماغها كأن التفكير بيخبط في جدران عقلها.
خلصت اليوم بالعافية.
روحت البيت.
دخلت أوضتها.
وقعت على السرير.
نامت.
عدّى يوم.
والتاني.
والتالت.
وهي نفس الحالة.
ساكتة.
بتاكل قليل.
بتتكلم أقل.
بتفكر كتير.
أماني حاولت تقرّب.
سيف حاول يهزر.
بس هي كانت في حتة لوحدها.
أسبوع كامل.
لحد ما صحيت يوم، بصّت للسقف، وقالت لنفسها:
أنا مش هفضل مستخبية كده.
لبست.
خرجت.
ورجليها خدت القرار قبل عقلها.
رايحة الكافيه.
رايحة المكان الوحيد اللي بتحس فيه إن صوتها الداخلي مسموع.
وقفت قدام الباب.
نفسها طويل.
ودخلت…
طلبت الكابتشينو بتاعها كعادتها… الموظف ابتسم لها لأنه بقى حافظ طلبها من غير ما تقول.
أخدته وطلعت على ركنها… الترابيزة اللي في وش البحر بالظبط، اللي بتحس إنها ملكها لوحدها، اللي كل مرة بتيجي هنا تحط عليه قلبها وتقوم سايباه.
قعدت.
بصّت للموج.
طلعت الموبايل.
شغّلت أغاني حزينة… وأغمضت عينيها.
كانت عايزة تشتكي.
تقول للبحر كل حاجة.
كل كلمة اتكسرت جواها.
كل وعد اتعلّق في رقبتها.
كل مرة حد من العيلة يكلمها ويسألها:
هو الشبكة إمتى بقى؟
كل يوم والتاني نفس السؤال.
نفس الضغط.
نفس الإحراج.
نفس الإحساس إنها محبوسة في كدبة هي اللي قالتها.
وفجأة… سمعت صوت وراها، هادي لكن ثابت:
— لما تبقي متضايقة ما تسمعيش أغاني… عشان هتزعلي أكتر. شغّلي قرآن، هتحسي براحة… يا سلام بقى لو بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أو ياسر الدوسري.
قلبها خبط، لفّت بالراحة.
مسلم.
واقف على مسافة مناسبة، مش قريب زيادة، بس قريب كفاية يخلي وجوده محسوس.
قال بهدوء:
— والله أنا آسف إني اقتحمت خصوصيتك… وآسف على اللي أخويا قاله المرة اللي فاتت. هو اتصرف بعصبية بس علشان بيحبني.
بس أنا كنت لازم أعتذر لك بنفسي.
هدير حاولت تثبت ملامحها. قالت بهدوء متكلف:
— شكرًا لحضرتك… مفيش حاجة يعني من اللي حصلت. أنا مش زعلانة. أهم حاجة إنك تكون بخير دلوقتي.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— أنا بخير الحمد لله.
سكت لحظة… وبصّ للبحر.
— بس بجد… جربي موضوع القرآن ده. النبي ﷺ قال:
"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير"…
يعني حتى الزعل… حتى الكسر… حتى الضيق… لو لجأنا لربنا فيه، يتحول لخير.
بصّ لها نظرة عميقة لكن محترمة.
— إحنا لما بنتخنق بنجري على كل حاجة… صحاب، مزيكا، خروج، كلام ناس…
بس بننسى أول باب يتخبط عليه هو باب ربنا.
وربنا بيقول في القرآن:
"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
مش تسكت…
مش تنسى…
تطمئن.
كمل بصوت أهدى:
— يعني إيه تطمئن؟
يعني القلب اللي كان بيرتعش يهدى.
العقل اللي كان بيجري يقف.
الوجع اللي كان مالي الصدر يخف، حتى لو السبب لسه موجود.
سحب نفس خفيف.
— وإحنا لما نزعل، أول حد لازم نروح له هو اللي خلقنا.
مش منطقي أروح لكل الدنيا وأسيبه هو.
ربنا بيقول:
"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب"
قريب…
مش محتاجة وسيط.
مش محتاجة ميعاد.
ولا حتى تبقي قوية.
روحي له وإنتِ مكسورة.
الكلمة الأخيرة خرجت منه ببطء. وكأنه قاصدها.
— النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة.
كان أول رد فعل عنده إنه يقف قدام ربنا.
مش لأنه ضعيف…
بس لأنه عارف مصدر القوة فين.
بص لها تاني، وقال بابتسامة بسيطة:
— إحنا ساعات بنفكر إن الوجع ده نهاية الدنيا…
بس يمكن يكون ستر.
يمكن يكون حماية.
يمكن يكون ربنا بيبعد عننا حاجة كنا فاكرينها كل حياتنا، وهي أصلًا كانت هتكسرنا أكتر.
هدير حست بالكلام بيتسلل جواها من غير مقاومة. الأغنية كانت لسه شغالة في ودنها… قفلتها من غير ما تحس. هو كمل:
— ربنا بيقول:
"وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم"
إحنا بنشوف اللحظة…
بس ربنا شايف العمر كله.
سكت ثانية، وبعدين قال:
— لما تكوني مخنوقة… حاولي تقولي:
يا رب أنا مش فاهمة الحكمة… بس أنا راضية.
الرضا ده بيعمل معجزات جوه القلب.
هدير بلعت ريقها. قالت بصوت منخفض:
— شكرًا لحضرتك… بجد.
هزّ راسه بخفة:
— الشكر لله.
بص في ساعته فجأة واتعدل واقف.
— عن إذنك بقى… اتأخرت على الشباب تحت.
نورتي مكاني.
قالها ببساطة… ومشي.
وسابها قدام البحر.
الموج قدامها زي ما هو.
بس قلبها… مش زي ما كان من شوية.
قعدت سرحانة… الكلام اللي قاله مسلم لسه بيلف في ودانها،
"ألا بذكر الله تطمئن القلوب…"
حسّت لأول مرة من أسبوع إن صدرها مفتوح شوية.
وفجأة… موبايلها رن.
بصّت في الشاشة. أماني.
ردّت وهي لسه عينيها على البحر:
— أيوه يا أماني… خير.
أماني صوتها كان قلقان:
— يا هدير هنعمل إيه في الموضوع ده؟ كل شوية حد يكلم سيف ويسأله… فرح أختك إمتى؟ الشبكة إمتى؟ الناس بقت مستنية الدعوة!
هدير نفخت بضيق:
— مش عارفة والله يا أماني… بقالّي أسبوع بفكر ومفيش حل داخل دماغي. أنا مش عارفة إزاي الكلام ده انسحب من لساني كده! بس هو اللي استفزني… حسيت إني لازم أرد.
— طب ما هو الرد جرّ وراه كارثة يا هدير! لازم تلاقي حل بسرعة.
هدير ردّت بحدة مكبوتة:
— عايزاني أعمل إيه يعني؟ أروح أخطب أي حد والسلام؟ ولا أعمل زي الروايات وأقول له تعال نعمل اتفاق شهرين تمثيل وخلاص؟! الكلام ده مش موجود في الحقيقة يا أماني… مش لعبة دي!
سكتت لحظة وبعدين قالت بتعب:
— اقفلي بقى… نص ساعة وجاية.
قفلت وهي بتنُفخ. حاسة إن الدنيا كلها ضاغطة عليها من كل اتجاه. وقفت لحظة تاخد نفس.
— هو إنتِ دايمًا مسحوبة من لسانك كده؟
الصوت جه من وراها فجأة.
لفّت بسرعة… وتجمدت. هو.
نسخة طبق الأصل من مسلم.
نفس الملامح… نفس الطول… نفس الكاريزما.
بس في عينه حاجة مختلفة… برود… واستفزاز.
جزّت على سنانها:
— هو إنت ورايا ورايا؟ لو سمحت سيبني في حالي.
ابتسم ابتسامة جانبية وقال بهدوء مستفز:
— أولًا أنا ما كنتش وراكي… إنتِ اللي صوتك عالي زيادة عن اللزوم. وثانيًا… عندي لك عرض.
رفعت حاجبها بسخرية:
— عرض؟ إحنا في مزاد؟
— تقريبًا. إيه رأيك في عريس لمدة شهرين أو تلاتة؟ تسكتي أهلك… وتسدي بوق العيلة… وفي نفس الوقت تبقي عملتيلي مصلحة.
رواية ظلك بعيد الفصل الرابع 4 - بقلم الاء محمد حجازي
إيه رأيك في عريس لمدة شهرين أو تلاتة؟ تسكتي أهلك... وتسدي بوق العيلة... وفي نفس الوقت تبقي عملتيلي مصلحة.
بصّت له ثانيتين كأنها بتستوعب.
— إنت بتقول إيه؟
إنت مجنون؟
— لا خالص. أنا عملي جدًا.
اتعصبت:
— إنت مش شايف إنك بجح زيادة عن اللزوم؟ واقف ورايا تتصنت عليا، وبعدين جاي تعرض عليا عرض غريب بالشكل ده؟! إيه البجاحة دي يا أخي!
قال ببرود قاتل:
— هعمل نفسي ما سمعتش طول لسانك ده.
وركّزي معايا بدل العصبية.
إنتِ في ورطة... وده واضح.
وأنا عندي ظرف محتاج فيه خطوبة شكلية فترة معينة.
يبقى إحنا الاتنين نحل مشاكل بعض.
ضحكت بسخرية:
— إنت فاكرني ممكن أوافق على الهبل ده؟ وبعدين يوم أفكر أتخطب... أتخطب لواحد زيك؟!
قرب خطوة، وقال بنبرة مستفزة:
— واحد زيي مالُه؟
ما تقوليش واحد زيك دي تاني... يا أوزعة.
شهقت بصدمة:
— نعم؟! أوزعة؟!
— آه.
أصل إنتِ مش باينة من الأرض أصلًا... وجاية تعملي فيها تايجر.
جزّت على سنانها:
— إنت قليل الأدب.
— وإنتِ عصبية ومندفعة.
وده سبب كل البلاوي اللي بتحطي نفسك فيها.
قالها وهو باصصلها بثقة مستفزة.
— على حسب ما فهمت... إنتِ دلوقتي قدام خيارين:
يا تتخطبي بجد وبسرعة...
يا الناس تفضل تقول إنك كنتي بتغظي حد بقا.
وأعتقد كبرياؤك مش هيستحمل النقطة دي.
سكتت...
لأنه لمس نقطة حساسة.
هو كمل بهدوء:
— أنا مش بقولك تثقي فيا.
ده اتفاق واضح... مدة محددة... بشروط... وكل واحد فينا عارف حدوده.
وبعدها كل واحد يروح لحاله.
قالت بعصبية:
— وأنا أضمن منين إنك مش واحد مستهتر وبتلعب بيا؟
ابتسم نص ابتسامة:
— لو كنت بلعب... ما كنتش جيت أقولك بصراحة.
كنت استغليت موقفك بطريقة تانية خالص.
بصّت له بغيظ:
— إنت مغرور أوي على فكرة.
— وإنتِ شايفة نفسك أوي.
سكتوا لحظة...
النار بينهم واضحة.
هو عدّل ساعته وقال بهدوء:
— بصي... أنا قلت اللي عندي.
فكّري براحتك.
قدامك أسبوع.
لو وافقتي... هقولك كل التفاصيل.
ولو رفضتي... اعتبري الموضوع ما حصلش.
لفّ يمشي...
وقف نص خطوة، وبص لها من غير ما يلف جسمه:
— بس نصيحة أخيرة...
حاولي المرة دي ما تكونيش مسحوبة من لسانك.
ومشي.
وهي واقفة مكانها...
مش عارفة تزعق؟
ولا تضحك؟
ولا تضربه بحاجة؟
بس حاجة واحدة كانت واضحة...
الاقتراح...
رغم جنونه...
دخل دماغها.
روحت البيت...
وهي طول الطريق عقلها مش سايبها في حالها.
كلام جاد...
عرضه الغريب...
طريقته المستفزة...
والفكرة اللي رغم جنونها، دخلت دماغها ومش راضية تطلع.
دخلت الشقة، رمت شنطتها على الكنبة، وقعدت ساكتة.
وشها سرحان... وعينيها مش ثابتة على حاجة.
أماني خرجت من المطبخ، أول ما شافتها وقفت قدامها شوية، وبعدين قعدت جنبها بهدوء.
— مالِك يا هدير؟ شكلك مش طبيعي.
هدير حاولت تبان عادي، بس أماني عارفاها.
فضلت تبصلها لحد ما انهارت وقالت:
— أماني... هو لو حد عرض عليكي حاجة مجنونة، بس ممكن تحللك كل مشاكلك... تعملي إيه؟
أماني عقدت حواجبها:
— على حسب الحاجة المجنونة دي إيه.
هدير خدت نفس طويل، وبصتلها في عينها، وحكت كل حاجة.
من أول ما قابلت جاد، لحد عرض العريس المؤقت.
أماني كانت كل شوية تقول:
— نعم؟!
— بيقول إيه ده؟!
— إنتِ بتهزري صح؟
ولما خلصت، أماني مسكت إيدها بقوة وقالت بحدة:
— بطلي هبل!
إنتِ أكيد مش بتفكري توافقي؟!
إزاي تعملي في نفسك كده؟!
يعني تطلعي نفسك من ورطة... تحطي نفسك في ورطة أكبر؟
خطوبة تمثيل؟! شهرين؟!
وبعدين؟!
هدير نزلت عينيها:
— هو قال بشروط واضحة... وكل واحد عارف حدوده...
— حدود إيه يا هدير؟!
القلوب ما بتمشيش بعقود!
وإنتِ قلبك مش ناقص لعب تاني.
فكك من الموضوع ده خالص... وإن شاء الله في حل تاني غير كده.
هدير نزلت عينيها وقالت بتعب:
— يمكن... يمكن حل مؤقت أهون من كلام الناس.
— ولا مؤقت ولا دايم. اللي يبدأ غلط بيكمل غلط. اصبري، وربنا هيحلها.
هدير سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء:
— فعلًا عندك حق...
لسه الكلمة خارجة من بوقها...
رن جرس الباب.
الاتنين بصوا لبعضهم.
أماني قامت تفتح.
فتحت الباب...
وتجمدت.
— راشد؟!
هدير قلبها وقع في رجلها.
أماني رحبت بيه مجاملة، ودخلته الصالة، وبصت لهدير باستغراب من هدوءها الغريب.
— اتفضل يا راشد.
راشد دخل بثقة... نفس المشية اللي كانت زمان بتخطف قلبها.
بس دلوقتي؟
مشاعرها واقفة في النص... لا حب ولا كره... حاجة مربكة.
أماني دخلت تنادي سيف.
في اللحظة دي راشد قرب من هدير، وبص على إيدها، وقال بخبث واضح:
— مش شايف في إيدك دبلة...
ولا سمعنا خبر...
هو في عريس أصلًا.
ولا دي كانت اشتغالة؟
هدير بصتله بنظرة باردة جدًا:
— دي حاجة انت، ملكش دعوة بيها؟
خير؟
— على العموم يا بنت عمي...
أنا كنت محتاج أتكلم معاكي في حاجة.
بس بعد إذن سيف... هستناه يطلع، ونتكلم قدامه.
خرج سيف، ووشه مش مستريح خالص.
سلم ببرود:
— خير يا راشد؟ جاي بيتنا ليه؟
راشد ضحك بخفة مستفزة:
— دي طريقة تقابل بيها ابن عمك؟
سيف رد ببرود تقيل:
— لو ابن عمي ده إنت... آه، دي طريقة مناسبة.
ممكن أعرف خير بقى؟
راشد بص لهدير لحظة، وبعدين قال:
— أنا جاي أتكلم مع هدير كلمتين قدامك.
بصراحة كده...
أنا عارف إن مفيش عريس.
وإنها كانت بتقول كده عشان تستفزني، وأحب أقولك إنك فعلًا استفزتيني.
هدير رفعت حاجبها.
هو كمل وهو باصص لها مباشرة:
— بس أنا هكون صريح...
أنا لسه بحبك.
وعايزك.
وشاريكي.
سيف اتنفض من مكانه:
— إنت اتجننت؟!
أختي مين اللي عايزها؟!
كان هيقوم عليه، لكن هدير قالت بهدوء مفاجئ:
— ممكن تقعد يا سيف...
خلينا نسمع راشد للآخر.
سيف بصلها بصدمة، بس قعد وهو بيجز على سنانه.
هدير بصت لراشد:
— طب يا راشد... ومراتك؟
سيف بص لها بحدة:
— إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كمان اتجننتي؟!
— عشان خاطري يا سيف... اهدى.
راشد اتحرج شوية، وبص في الأرض قبل ما يقول:
— بصراحة... مراتي أجنبية.
ولما مضينا عقد الجواز، في شروط.
ما ينفعش أتجوز عليها غير لما أدفع لها مليون دولار.
ولو طلقتها... أدفع اتنين.
سيف ضحك بسخرية:
— يا سلام! وده جاي يعرض إيه بقى؟
راشد بص بسرعة لهدير، وقال الحل كأنه مستني اللحظة دي:
— نتجوز عرفي.
الكلمة وقعت في الصالة كأنها قنبلة.
وكمل بسرعة:
— بصي... إحنا بنحب بعض.
أنا عارف إنك بتحبيني.
وأنا بحبك.
اللي حصل كان غصب عني...
نبدأ صفحة جديدة، نعوض السنين دي.
هدير كانت ساكتة...
مركزة في ملامحه...
في عينيه...
في نفس النبرة اللي كانت بتوعدها بيها زمان.
بصتله بهدوء مخيف وقالت:
— صفحة جديدة؟
الكلمة خرجت منها ببطء...
مليانة حاجة غريبة بين السخرية والخذلان.
— صفحة جديدة بعد إيه يا راشد؟
بعد أربع سنين؟
بعد ما رجعت متجوز؟
بعد ما قلتلي اتجوز عرفي عشان ما تدفعش مليون دولار؟
صوتها لسه هادي...
بس الهدوء ده كان أخطر من أي صراخ.
— إنت شايفني إيه؟
حل احتياطي؟
ولا مشروع مؤجل فتحته لما ظروفك تسمح؟
سيف كان ماسك نفسه بالعافية.
راشد حاول يقاطعها:
— هدير افهميني بس—
— لأ.
إنت اللي تفهمني.
وقفت قدامه بثبات:
— لما سافرت... قلتلي استنيني.
ما وعدتنيش بحاجة.
سيبتني معلقة بين وعد وكلمة.
رجعت... متجوز.
ودلوقتي جاي تقولي عرفي؟
عينها لمعت... بس ما نزلتش دمعة.
— ده اسمه حب عندك؟
راشد قال باندفاع:
— أنا عملت ده عشان مستقبلي... عشان أكون نفسي...
وأنا دلوقتي بقولك أهو... عايزك.
— وعايزني أقبل أكون في الضل؟
أستخبى؟
أعيش علاقة سر؟
عشان حضرتك ما تدفعش شرط في عقدك؟
سكت.
هي كملت بصوت واطي بس قاسي:
— أنا ممكن أقبل أعيش فقيرة...
ممكن أستنى نصيبي سنين...
بس ما أقبلش أكون رخيصة في حياة حد.
ما أقبلش أكون علاقة سر عشان حضرتك تحافظ على فلوسك.
هدير كملت بثبات:
— لو كنت بتحبني بجد... كنت رجعتلي حر، واقف قدامي قد الدنيا، تقول أنا جاي أتجوزك رسمي قدام الكل.
مش جاي تعرض عليا عقد في الضل.
الصمت بقى تقيل.
بصت له آخر نظرة وقالت:
— أنا استنيتك زمان وأنا صغيرة ومصدقة الحلم.
دلوقتي أنا كبرت... وبقيت أفهم إن اللي يحبني يختارني علنًا، مش يستخبّى بيا.
ولو دي الصفحة الجديدة اللي تقصدها...
أنا مش عايزة أقرأها أصلًا.
الجو اتكهرب.
الصمت بقى تقيل.
هدير لسه واقفة قدامه...
فضلت باصة له...
نظرتها ثابتة، وصوتها هادي بس مليان نار.
— اللي بيحب يا راشد... بيحافظ على اللي بيحبه من الهوا.
بيخاف عليها من نسمة تعدّي جنبها.
بيحتويها... يسندها... يحميها حتى من نفسه لو هيأذيها.
إنما إنت جاي تعمل إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— جاي تقولي اتجوزك في السر؟
جاي تطلب مني أتنازل عن اسمي وكرامتي عشان توفر فلوس؟
جاي تحطني في ضل حياتك بدل ما أكون نورها؟
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة:
— تعرف يا راشد؟
أنا بحمد ربنا... آه بحمده بجد إنه كشفك على حقيقتك.
بحمده إنك بعدت عني.
بحمده إني اتعلمت الدرس بدري قبل ما أغرق أكتر.
كنت فاكرة إن وجع البعد أكبر حاجة حصلتلي...
طلع إن وجودك كان الوجع الحقيقي.
صوتها بدأ يعلى سنة بس من غير صريخ:
— إنت كنت غلط في حياتي.
غلطة كبيرة.
والحمد لله إني اتعلمت منها.
اتعلمت ما أعلقش قلبي بحد من غير ما يبقى قد المسئولية.
اتعلمت إن الوعد اللي ما يتقالش بوضوح ما يتصدقش.
اتعلمت إن الحب مش كلام بيتقال وقت الشوق... الحب موقف.
راشد شد على فكه وقال بحدة خفيفة:
— يعني عايزة تفهميني إنك نسيتيني؟
الكلمة دي كانت كأنها إبرة دخلت في قلبها...
بس هي ما رجعتش خطوة.
قالت بثبات موجوع:
— لا... ما نسيتكش.
ومش عايزة أنساك.
سيف بص لها بقلق.
هدير كملت، وعينيها في عينه:
— عارف ليه؟
لأني لو نسيتك... ممكن أرجع أكرر نفس الغلطة تاني.
إنت غلطتي المحفوظة قدامي...
الدرس اللي كل ما أبص له أفتكر إني ما أتنازلش تاني.
قرب خطوة وقال بغضب مكبوت:
— يعني خلاص؟ كده بكل بساطة؟
— آه.
اطلع بره يا راشد.
اطلع من بيتي... ومن حياتي.
ومش عايزة أشوف وشك تاني.
الصمت كان تقيل.
راشد وقف لحظة، وبعدين قال ببرود مستفز:
— هطلع...
بس شوفي بقى هتقولي إيه للعيلة لما ييجوا يسألوكي الشبكة فين؟
وليه ما اتخطبتيش لحد دلوقتي؟
وإوعي تكوني فاكرة إن الموضوع خلص؟
أنا مش هسيبك يا هدير.
إنتِ ليا.
الكلمة الأخيرة وقعت تقيلة.
سيف قام بغضب، لكن راشد كان لف وخرج.
باب الشقة اتقفل.
والصوت ده...
كان كأنه بيقفل فصل كامل.
هدير فضلت واقفة ثواني...
جسمها متخشب.
وبعدين فجأة...
كل القوة اللي كانت واقفة بيها اختفت، ركبتها خدت،
وقعدت على الأرض.
الدموع نزلت مرة واحدة…
مش دموع عادية…
دموع مكتومة من سنين.
سيف جري عليها:
— خير يا حبيبتي… خير…؟
مسكت في قميصه وهي بتعيط:
— أنا راضية والله يا سيف… راضية يا رب…
بس قلبي واجعني…
مكسورة أوي… أوي…
شهقاتها كانت بتقطع الكلام.
— كنت فاكرة إني قوية…
بس ليه الوجع ده لسه بيحرق كده؟
ليه الكلام بيغرز في صدري كأننا لسه واقفين عند أول يوم؟
سيف شدها لحضنه جامد، وإيده على راسها:
— اهدي يا هدير… خلاص… خلاص.
هو ما يستاهلش دمعة منك.
بس هي كانت بتعيط بحرقة طفلة.
— أنا كنت بحبه يا سيف…
كنت بحبه بصدق…
وأربع سنين كنت مستنية فكرة إنه يرجع لي.
طلع راجع… بس مش ليَّ.
صوتها بقى أضعف… العياط خلّى نفسها يتقطع.
— أنا تعبت…
سيف حس إن جسمها بدأ يهدى…
إنها خلاص استنزفت كل الدموع.
شالها بهدوء، زي ما كان بيشيلها وهي صغيرة لما تقع.
دخل أوضتها…
حطها على السرير برفق.
غطاها كويس.
مسح دموعها بإيده.
— نامي يا حبيبتي…
كل اللي جاي خير… وربنا كبير.
هدير كانت نص نايمة، عينيها حمرا، وأنفاسها متقطعة.
همست بصوت واطي جدًا:
— يا رب… قوّيني.
سيف طفى النور، وخرج بهدوء، وسابها غرقانة في نوم متعب…
نوم بعد انهيار طويل.
الأسبوع عدّى ببطء تقيل…
هدير كانت حابسة نفسها في أوضتها.
لا بترد على حد، ولا بتنزل تقعد مع سيف، ولا حتى بتفتح الشباك.
الستارة كانت مقفولة أغلب الوقت…
وضوء الشمس يدخل خيط رفيع بس، يعدّي على وشها وهي قاعدة على السرير، ضامة ركبتها لصدرها.
كل شوية تمسك الموبايل…
تفتحه…
تقفله.
تفكر في كلام راشد…
تفكر في كلام جاد…
تفكر في سيف…
وفي نفسها.
وفي آخر يوم في الأسبوع…
قامت فجأة.
كأنها خدت قرار من غير ما تحس.
لبست بهدوء…
مش مهتمة بالمراية.
نزلت من غير ما تقول لسيف رايحة فين.
راحت على الكافيه اللي دايمًا بتروح له لما الدنيا بتضيق عليها.
المكان ده بالذات كان فيه حاجة بتطمنها…
ريحة القهوة، صوت المزيكا الهادية، والناس اللي محدش فيهم يعرف حد.
قعدت على ترابيزة في الركن، وطلبت قهوة سادة.
قعدت تبص قدامها…
سرحانة.
وفجأة…
— بدل ما جيتي… يبقى أكيد قررتي.
الصوت جه من وراها.
اتنهدت قبل ما تلف.
لفّت بهدوء…
ولقت جاد واقف، إيده في جيبه، وباصص لها بنظرة صعبة تتفهم.
قالت بهدوء:
— أيوه… قررت.
بس قبل أي حاجة… عايزة أعرف إنت بتعمل كده ليه؟
وعايز تخطبني ليه؟
جاد قعد قدامها، من غير استعجال.
— بس مش أنا اللي هخطبك…
مسلم أخويا.
سكتت لحظة.
— ليه؟
جاد سكت شوية، وبعدين قال:
— هأقول لك حاجة… يمكن تبان برا الموضوع شوية، بس هي أصل الموضوع كله.
اتعدل في قعدته، وصوته بقى أهدى.
— ربنا لما اتكلم عن الإخوة في القرآن، ما اتكلمش عنهم كأنهم مجرد علاقة دم وخلاص.
قال: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"…
وقال عن سيدنا موسى لما دعا ربنا:
"وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي".
بص لها وهو بيكمل:
— عارفة يعني إيه "اشدد به أزري"؟
يعني قوّي ضهري بيه.
يعني الأخ مش رفاهية…
الأخ سند.
ضلّ.
قوة.
صوته بدأ يحمل إحساس واضح:
— ربنا خلق الإخوات عشان يقفوا في وش الدنيا لبعض.
عشان لو واحد وقع، التاني يشيله.
لو واحد ضعف، التاني يقويه.
لو واحد خاف، التاني يطمنه.
هدير سكتت…
والكلام بدأ يخبط في قلبها.
افتكرت سيف…
افتكرته وهو بيجري عليها يوم موت أهلها.
وهو واقف قدام الناس بيستقبل المعزين رغم إنه كان حزين أكتر منها.
افتكرته وهو بيشتغل شغلانتين عشان يكمل مصاريفها.
وهو بيسهر جنبها ليلة امتحاناتها.
وهو شايلها من على الأرض من شوية أيام وبيغطيها.
دمعة نزلت من غير ما تحس.
جاد لاحظ، لكنه كمل:
— أنا ومسلم… مش مجرد إخوات.
إحنا روحين في جسمين.
هو أكبر مني بدقايق…
بس طول عمره كان أكبر مني بعمر.
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— لما كنت بغلط، هو اللي يتحمل.
لما كنت بتخانق، هو اللي يقف قدامي.
لما كنت بخاف، هو اللي ينام جنبي.
صوته اتغير… بقى أبطأ.
— مسلم قلبه تعبان يا هدير.
الدكاترة قالوا لازم يعمل عملية.
وهو رافض.
هدير عقدت حواجبها:
— طب ما يدخل يعملها وخلاص؟
جاد ابتسم ابتسامة باهتة:
— هو مش خايف من العملية…
هو خايف علينا.
سكت لحظة.
— فاكر نفسه لو دخل العملية وحصل له حاجة… إحنا هنتكسر.
هو شايف نفسه العمود اللي شايل البيت.
مش قابل يبقى هو سبب وجع لحد.
هدير همست:
— وإيه دخل ده بموضوع الخطوبة؟
جاد بص لها بوضوح:
— لأنك شبه حد غالي عليا جدًا.
اتصدمت شوية.
— وهي كانت الوحيدة اللي لما تقول له اعمل حاجة… يعملها من غير نقاش.
كانت تعرف تدخل له من قلبه.
قرب شوية وهو بيكمل:
— هو لما شافك… اتغير.
ما قالش… بس أنا شايفه.
بيسكت لما اسمك يتجاب.
وعينيه بتلمع غصب عنه.
هدير حاولت تفضل ثابتة:
— وإنت عايز تعمل كل ده ليه؟
هو مش لعب عيال.
جاد قال بهدوء:
— عشان أخويا يعيش.
عشان لما يبقى عندي فرصة أنقذه ما أسكتش.
سكت ثانية، وبعدين كمل:
— لما تبقي خطيبته… هتقدري تقنعيه.
هيسمع منك.
ولو دخل العملية وخفّ…
لو مش مرتاحة… سيبيه.
مش هنجبرك على حاجة.
وبعدين بص لها بثقة غريبة:
— بس صدقيني… عمرك في حياتك ما هتلاقي حد شبهه.
في احترامه.
في حنيته.
في رجولته.
في طريقته اللي بيحب بها من غير ما يقول كلمة.
ابتسم بخفة:
— هو من النوع اللي يشيل عنك الدنيا من غير ما يحسسك إنه شايل.
اللي يحطك قدامه قبل نفسه.
اللي لو حبّ… يحب بصدق يخوّف.
سكت لحظة طويلة.
— الأخوات يا هدير… نعمة.
وربنا ما بيجمعش القلوب كده عبث.
يمكن ربنا حطك في طريقه… عشان تبقي سبب حياته.
ويمكن هو كمان يبقى سبب طمأنينتك.
الكلام كان تقيل…
مش ضغط…
بس مسئولية.
هدير بصت في فنجان القهوة قدامها…
والبخار طالع منه خفيف.
قلبها بيخبط.
عقلها بيحسب.
وروحها… تايهة بين خوف وتجربة جديدة.
رفعت عينيها لجاد ببطء.
— ولو فشلت؟
لو ما قدرتش أقنعه؟
لو اتعلقت… وخسرت تاني؟
جاد رد بهدوء ثابت:
— ساعتها تبقي حاولتي تنقذي روح.
وده عمره ما كان خسارة.
والصمت بينهم…
كان بداية حاجة أكبر من مجرد اتفاق.
هدير فضلت باصة لجاد شوية… صوته هادي… بس كلماته تقيلة.
قالت بعد لحظة صمت:
— طب لو افترضنا إني موافقة…
هيجي يخطبني إزاي؟
مش المفروض هو اللي ييجي ويتكلم؟
جاد ابتسم نص ابتسامة:
— مالكيش دعوة بحكاية الخطوبة دي.
إنتِ بس قولي موافقة… وكل حاجة هتتم.
وهيجي لك لحد عندك.
بصت له نظرة طويلة…
كأنها بتحاول تقرأ اللي ورا كلامه.
سكتت شوية… قلبها بيخبط بسرعة مش مفهومة.
وبهدوء غريب قالت:
— تمام… موافقة.
الكلمة خرجت منها أسرع مما توقعت.
جاد كان باصص لها… يمكن كان مستني تراجع، يمكن مستني سؤال تاني…
بس هي قامت.
خدت شنطتها…
ومشت.
وهي ماشية في الشارع…
الهواء خبط في وشها، بس ما فاقهاش.
أنا عملت إيه؟
السؤال كان بيلف في دماغها.
هو ده الصح؟
ولا هروب؟
ولا عناد؟
ولا تحدي لنفسها؟
ولا محاولة تثبت إنها مش ضعيفة؟
كانت تايهة…
تايهة بمعنى الكلمة.
حاسة إن كل حاجة في حياتها ملخبطة.
القرارات بتيجي فجأة.
المشاعر متداخلة.
الوجع لسه موجود.
والغضب جوه صدرها مش راضي يهدى.
كارهة راشد…
كارهة ضعفه اللي وجعها.
كارهة نفسها إنها كانت بتحبه.
كارهة إنها لسه بتتوجع بسببه.
كارهة إنها وافقت على حاجة مش فاهمة هي داخلة عليها ليه.
وصلت البيت…
دخلت من غير ما تكلم حد.
قافلة على نفسها.
دخلت أوضتها…
قفلت الباب.
وقفت قدام المراية… بصت لنفسها.
— إنتِ بتعملي إيه يا هدير؟
ما لقتش إجابة.
راحت اتوضت…
المية كانت ساقعة على وشها، كأنها بتحاول تصحيها.
وقفت تصلي.
من أول تكبيرة…
دموعها نزلت.
في كل ركعة…
في كل سجدة…
كانت بتهمس:
— يا رب…
يا رب لو ده خير… قربه لي.
ولو شر… ابعده عني.
يا رب ما تكسرنيش تاني.
يا رب أنا تعبت.
سجدت أطول من العادة.
دموعها بتنزل على سجادة الصلاة.
حست إنها مش شايفة الطريق…
بس شايفة ربنا.
خلصت صلاة…
فضلت قاعدة شوية على الأرض، ضامة نفسها، ووشها هادي بشكل غريب.
يمكن أول مرة من أسبوع تحس بهدوء بسيط.
عدّى يوم.
وبعده يوم.
وجيه يوم اللي بعده.
البيت كان فيه حركة خفيفة…
سيف دخل عليها أوضتها وهو مبتسم:
— يا هدير.
رفعت عينيها له.
— في عريس جاي النهارده الساعة 6.
اتجمدت لحظة.
— عريس مين؟
— واحد اسمه مسلم.
قلبها خبط مرة واحدة.
سيف قرب منها وقعد قدامها، مسك إيدها بحنية:
— بصي يا حبيبتي…
أنا عايز أقول لك حاجة مهمة.
مش عايزاكِ توافقي عشان الكلام اللي اتقال في العيلة.
ولا عشان حد ضغط عليكي.
اقعدي معاه…
لو ما استريحتيش… أنا هلغي كل حاجة.
بصت له وعيونها بتلمع.
هو كمل:
— أهم حاجة عندي راحتك.
وطز في أي كلام تاني.
افتكري دايمًا إني في ضهرك.
وسندك.
وأمانك.
وإنتِ بنتي اللي ما خلفتهاش.
الكلام دخل قلبها زي ضوء.
حست إنها خفيفة…
كأن حد شايل عنها حمل كبير.
ابتسمت لأول مرة بصدق من أسبوع.
— ربنا يخليك ليَّ يا سيف.
مسح على شعرها:
— ويفرح قلبك يا عيون سيف.
خرج من الأوضة…
وسابها وهي حاسة بطاقة حلوة جدًا.
وقفت قدام الدولاب.
فتحت الباب ببطء.
اختارت أحسن فستان عندها.
مش مبهرج…
بس راقي… ناعم… يليق بها.
وسابت وشها من غير ميكب تقريبًا.
قالت لنفسها:
— لو هيتقبلني… يتقبلني زي ما أنا.
الساعة قربت على 6.
قلبها بيزيد دقاته مع كل دقيقة.
6:00 بالضبط.
جرس البيت رن، الصوت كان واضح… قوي… كأنه إعلان بداية مرحلة.
سمعت سيف بيفتح الباب…
السلامات…
صوت رجالة…
صوت جاد.
قلبها خبط أقوى.
خدت نفس عميق.
شالت صينية العصير بإيد ثابتة قد ما تقدر، دخلت الصالون،
أول ما دخلت، عينيها رفعت غصب عنها.
وشافت… مسلم.
كان قاعد بهدوء.
لبسه بسيط وأنيق.
نظراته مش وقحة، مش بتفحصها، بس ثابتة… وهادية.
مدّت العصير.
إيدها ما كانتش بترتعش زي ما توقعت.
قعدت.
كلام رسمي، سؤال عن الشغل، عن العيلة.
ضحكة خفيفة هنا، تعليق بسيط هناك.
وهي بتحاول تبقى طبيعية.
وبعد شوية، أهلها وأهله استأذنوا.
— نسيبهم يتكلموا شوية.
الصالون بقى ساكت، هي قاعدة على الكنبة، وهو قدامها.
مسافة صغيرة، بس كأنها مسافة عمر كامل.
والهواء بينهم، تقيل، مليان احتمالات.
السكوت كان تقيل بينهم، بس مش سكوت محرج.
سكوت مترقب.
مسلم كسر الصمت بهدوء:
— إزيك؟
صوته كان واطي، ثابت، من غير تكلف.
هدير ردت بنفس الهدوء:
— بخير الحمد لله.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— يا رب دايمًا بخير.
سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة خفيفة فيها دفء:
— مش هتسأليني عن حاجة؟ ولا أعرّفك بنفسي؟
هدير رفعت حاجبها بابتسامة صغيرة:
— اتفضل… عرّفني بنفسك.
اتعدل في قعدته شوية، بس من غير توتر.
— اسمي مسلم.
والدي متوفي عايش… أنا وجاد أخويا وأمي.
إحنا التلاتة كل حاجة في حياة بعض.
عندي 30 سنة.
خريج صيدلة.
بشتغل في شركة أدوية، وعندي الكافيه اللي إنتِ شفتيه قبل كده.
سكت لحظة، وبص لها مباشرة:
— بصراحة… ما فيش حاجة تانية كبيرة في حياتي.
شغلي… بيتي… وأهلي.
هدير بصت له بتفكير، وبعدين سألته فجأة:
— عمرك ما عرفت بنت في حياتك؟
السؤال كان مباشر.
بس هو ما اتلخبطش… ولا تهرب.
— لا.
عمري ما دخلت علاقة.
هدير استغربت فعلًا:
— خالص؟
— خالص.
كانت عينيه صادقة، مفيهاش استعراض.
فضلت باصة له لحظة، وفي دماغها سؤال تاني بيزن.
طيب أومال أنا شبه مين الغالي عليه اللي جاد كان بيتكلم عنه؟
كانت سرحانة، فاقت على صوته:
— وإنتِ؟
رفعت عينيها له:
— اسمي هدير.
عندي 26 سنة.
معيدة في كلية التمريض.
والدي ووالدتي متوفين، وأخويا ومراته هم كل حاجة في حياتي.
مسلم هز راسه بتفهم.
— ربنا يرحمهم.
سكت لحظة، وبعدين سأل بهدوء:
— بتصلي؟
السؤال جه طبيعي… مش تحقيق.
— الحمد لله.
هز راسه كأنه كان محتاج يسمع الكلمة دي تحديدًا.
هدير بلعت ريقها، واضح إنها بتفكر تسأل حاجة تقيلة.
— هو… ممكن أسألك سؤال؟
ابتسم بهدوء:
— القعدة دي معمولة عشان الأسئلة أصلًا.
اتفضلي.
أخدت نفس خفيف.
— لو عرفت إن أنا كنت على علاقة بحد قبلك… لو حصل نصيب يعني… هيكون رد فعلك إيه؟
السؤال نزل بينهم بهدوء، بس معناه كبير.
مسلم ما اتفاجئش، فكر ثانية، وبعدين قال بهدوء عميق:
— كلنا بنغلط يا هدير.
وكلنا بنمر بتجارب قبل ما نوصل للنصيب.
بص لها مباشرة وهو بيكمل:
— العلاقة اللي بتنتهي… بتبقى درس.
مش وصمة.
واللي خرج من تجربة واتعلم منها… ده شخص ناضج، مش شخص معيب.
سكت لحظة خفيفة:
— أكيد هزعل… مش غيرة على الماضي… بس لأن طبيعي الإنسان لما يحب يبقى نفسه أول وأخر حد في حياة اللي قدامه.
ابتسم ابتسامة هادية:
— لكن في الآخر… ده نصيب.
والماضي ملوش دعوة باللي جاي.
صوته بقى أهدى:
— أهم حاجة عندي إن اللي قدامي تكون حافظت على قلبها… وتكون اتعلمت.
مش كاملة… بس صادقة.
مش معصومة… بس واضحة.
وأضاف بهدوء:
— ولو حصل نصيب… أنا شاريها.
بماضيها… بحاضرها… وبكل اللي اتعلمته.
الكلام دخل قلب هدير بهدوء.
قالت بسرعة خفيفة كأنها عايزة توضح:
— على فكرة… هي مش علاقة بمعنى علاقة…
رفع إيده بخفة يقاطعها بلطف:
— أنا مش عايز أعرف حاجة دلوقتي.
ولو ربنا كتب نصيب… نبقى نحكي لبعض كل حاجة في وقتها.
الطريقة اللي قال بيها الجملة خلتها تحس إنه مش بيدور وراها، ولا بيحاكمها.
فجأة… الباب اتفتح.
أم مسلم دخلت بابتسامة واسعة:
— هاا يا ولاد نقول مبروك ولا لسه؟
الكل بص لمسلم.
هو ابتسم بهدوء:
— أتمنى والله يا أمي.
وسيف قال بهدوء:
— إن شاء الله هنرد عليكم في أقرب وقت.
مسلم كمل فجأة، وصوته واضح وقال اللي صدمهم كلهم؟
رواية ظلك بعيد الفصل الخامس 5 - بقلم الاء محمد حجازي
بس لو حصل نصيب… أنا أتمنى مع الخطوبة يكون في كتب كتاب.
الصالون سكت لحظة.
سيف عقد حواجبه:
— مش شايف إنك مستعجل شوية؟
مسلم رد بثبات:
— لا والله مش استعجال.
أنا بس عايز أبقى براحتي معاها.
نتكلم… نتعرف… من غير ما نبقى بنغلط.
أنا مش عايز أغضب ربنا فيها.
الكلمة دي وقعت بهدوء عجيب.
— طول ما هي مش مراتي…
في حدود.
وأنا مش بحب أتجاوزها.
أم مسلم كانت باصة له بفخر واضح.
سيف بص له نظرة تقدير… واضح إن الرد عجبه، بعد شوية كلام خفيف… استأذنوا ومشوا.
الباب اتقفل.
البيت رجع هادي.
سيف بص لهدير:
— إيه رأيك؟
سكتت شوية.
— مش عارفة…
إيه رأيك إنت؟
سيف قعد جنبها:
— لو من رأيي… أنا سألت عليه.
شخص كويس، وبيصلي، عارف ربنا، من الشغل للبيت… ومن البيت للشغل.
وسمعت إنه بيدي ندوات دينية كمان.
بص لها بحنية:
— ما فيهوش غلطة واضحة.
بس زي ما قلتلك… أهم حاجة عندي راحتك.
هدير أخدت نفس عميق.
— هصلي استخارة… وأرد عليك.
دخلت أوضتها، قفلت الباب، لبست إسدال الصلاة، وقفت تصلي… مش ركعتين بس. طولت.
في كل سجدة كانت بتقول:
— يا رب لو هو خير لي… قربه.
ولو شر… اصرفه عني واصرفني عنه.
قلبها كان أهدى من الأسبوع اللي فات.
خلصت صلاة… فضلت قاعدة شوية تبص في الفراغ.
مفيش خوف قوي، مفيش رفض، مفيش تعلق، بس هدوء… واطمئنان بسيط.
نامت وهي لأول مرة… مش بتحارب أفكارها.
نامت… وقلبها أخف شوية.
عدّى أسبوع… أسبوع كامل وكل يوم فيه كان مختلف عن اللي قبله، بس فيه حاجة ثابتة… الراحة.
هدير كل يوم كانت تقوم تتوضّى وتصلي استخارة. مش مرة وخلاص… لا. كل يوم.
وكانت مستغربة نفسها.
القلق اللي كان ملازمها شهور… اختفى.
الوجع اللي كان بيخبط فجأة… هدي.
حتى فكرة الجواز نفسها اللي كانت عاملة لها ضغط… بقت خفيفة.
كانت تقوم من السجود تحس كأن في حمل بيتشال من على قلبها.
تقول لنفسها:
هو أنا ليه مرتاحة كده؟
مش حب، مش تعلق، بس طمأنينة.
وطول الأسبوع ده… مسلم ما كلمهاش خالص.
كان كل يوم تقريبًا يكلم سيف. يسأل عليه… يسأل عليها بطريقة غير مباشرة.
من غير ضغط، من غير استعجال، وكأنه سايب القرار بينها وبين ربنا.
في يوم… هدير صحيت وقلبها بيدق بسرعة.
حست إن خلاص… القرار جواها اتاخد.
قامت من على السرير، وراحت تدور على سيف، لقته قاعد في الصالة ماسك الموبايل.
وقفت قدامه… متوترة… إيديها في بعض.
هو رفع عينه عليها… ابتسم أول ما شاف وشها.
— مالِك يا حبيبة سيف؟
بلعت ريقها.
— أنا… يعني… كنت عايزة أقولك إن أنا…
أصل هو… بص… يعني… أنا…
وقفت.
وسكتت.
ورجعت تاني:
— بصي… قصدي بص…
سيف ضحك وهو شايفها بتهته بالشكل ده.
— في إيه يا بنتي؟ هتفضلي تهتهي كده كتير؟
غمضت عينيها لحظة… وقالت بسرعة قبل ما تراجع نفسها:
— أنا موافقة على مسلم!
وأول ما خلصت الجملة… جريت على أوضتها، قفلت الباب وراها… ووقفت مسنودة عليه.
قلبها بيدق جامد.
همست لنفسها:
— أنا كده هبقى مراته…
الكلمة كانت جديدة عليها.
مراته.
قعدت على السرير… أفكار بدأت تلف.
— طب والاتفاق؟
أنا ممكن أطلق… لو حسيت إني مش مرتاحة.
سكتت لحظة.
— بس أنا مرتاحة…
أنا فعلًا مرتاحة.
ابتسمت لوحدها.
— أنا هوجع دماغي ليه؟
أنا هسيب كل حاجة على ربنا.
وأكيد ربنا مش هيخزلني.
خدت نفس عميق… وحست إن قلبها ثابت.
بره… سيف كان قاعد لوحده… وسامع صوت جريها وهي بتقفل الباب.
ابتسم ابتسامة واسعة.
— البت كبرت خلاص.
مسك الموبايل… واتصل بمسلم.
الرنة الأولى… مسلم رد فورًا، صوته كله لهفة:
— وافقت صح؟
قول إنها وافقت!
سيف ضحك:
— طب ارمي السلام الأول يا عم مسلم!
مسلم اتلخبط:
— معلش… معلش… السلام عليكم…
عامل إيه؟
ها؟ وافقت؟
سيف كان مبسوط من لهفته على أخته.
— أيوه يا مسلم… وافقت.
في اللحظة دي… صوت نفس مسلم اتغير.
واضح إنه كان ماسك نفسه.
— الحمد لله… الحمد لله يا رب.
سيف قال بابتسامة:
— تنورنا بكرة بقى…
نقرأ الفاتحة، ونتفق على كل حاجة، ونحدد ميعاد الخطوبة وكتب الكتاب.
— بكرة؟
— أيوه بكرة.
— جايين إن شاء الله.
صوته كان فيه فرحة طفل مستني عيد.
تاني يوم… البيت كان فيه حركة مختلفة.
مش صاخبة… بس مبهجة.
هدير كانت هادية، مش مرعوبة… مش قلقانة.
لابسة لبس بسيط… وشها منور من غير أي مجهود.
جرس الباب رن.
سيف فتح.
مسلم داخل ومعاه جاد… لبسهم بسيط وأنيق.
السلامات… الابتسامات… الدعوات.
أم مسلم كانت مبتسمة بعينين مليانين رضا.
قعدوا.
الكلام كان واضح وصريح، اتكلموا عن كل حاجة.
المؤخر… الشبكة… المسؤوليات.
مسلم كان بيتكلم بثقة… مش متكبر… ولا مستعرض.
لما اتسأل عن الشبكة، قال بهدوء:
— اللي يرضيها ويرضيكم.
وجاد كان ساكت أغلب الوقت… بس عينه دايمًا على أخوه.
لحظة قراءة الفاتحة… الكل سكت.
سيف مد إيده… ومسلم مد إيده.
قرأوا الفاتحة.
وفي اللحظة دي… الزغاريط علت في البيت.
الصوت كان دافي… حلو… حقيقي.
هدير قلبها خبط… بس المرة دي من فرحة هادية.
اتحدد إن الشبكة بعد أسبوعين.
وكتب الكتاب يكون مع الخطوبة زي ما مسلم طلب.
الكلام خلص… والجو بقى خفيف، ومسلم بص لهدير نظرة قصيرة… نظرة فيها امتنان، مش تملك، مش انتصار.
كأنها رسالة صامتة:
شكرًا إنك اخترتيني.
وهي… ردت بابتسامة صغيرة، مش حب لسه، بس قبول.
وسكينة.
والبيت كان مليان نور… نور بداية جديدة.
الأسبوعين عدّوا… بس مش بنفس الإحساس عند الكل.
هدير كانت مشغولة في التفاصيل… فستان بسيط وأنيق لكتب الكتاب.
وللخطوبة الصغيرة اللي هتتعمل في نفس اليوم.
تنظيم البيت.
اختيار ديكور هادي، أبيض في دهبي، ورد طبيعي في الأركان، إضاءة دافية.
سيف كان بيجري يمين وشمال.
يعزم القرايب.
ينسق مع المأذون.
يتأكد إن كل حاجة تبقى مظبوطة.
حتى راشد… اتعزم.
وشادية أخته كمان.
أما مسلم… فكان حاسس إن الأسبوعين دول شهرين.
اليوم يعدي ببطء غريب.
يبص في الساعة يحس إنها واقفة.
كان بيكلم جاد كل شوية:
— هو بكرة جه ولا لسه؟
جاد يضحك:
— إنت عايز اليوم ييجي ولا يطير؟
مسلم كان لأول مرة مستني حاجة بالشكل ده.
مش شغف بس… مسؤولية… وطمأنينة.
وأخيرًا… بكرة بقى النهارده.
البيت متزين بشكل بسيط جدًا.
مش فرح ضخم… ناس قريبة بس.
جو عائلي دافي.
مسلم لابس بدلة شيك، لونها كحلي غامق.
هادئ… بس عينه بتدور عليها وسط الناس.
ولما ظهرت… هدير كانت… قمر.
مش مجاز.
قمر ليلة بدر.
فستانها أبيض مكسور بسيط، من غير تطريز مبالغ فيه.
ميكب خفيف جدًا.
جمالها كان في هدوئها.
في عينيها.
في النور اللي على وشها.
الكل كان باصص لها بإعجاب.
حتى اللي مش بيحبوا يعترفوا… اعترفوا.
قعدوا يهزروا ويضحكوا، مستنيين المأذون.
وفجأة… باب الشقة اتفتح.
دخلت شادية… وجوزها وراها… وراهم راشد.
أول ما دخلت… عينها جت على مسلم.
وقفت لحظة… بصت له من فوق لتحت.
نظرة طويلة.
وبعدين لفّت على هدير.
قربت منها… سلمت عليها… وخدتها بالحضن.
وقالت عند ودنها بصوت واطي، بنبرة سمّ:
— كنت مفكرة إنك هتاخدي واحد متجوز ولا أرمل…
لا ده إنتِ واخدة واحد طول بعرض.
لحقتي تلفي عليه إمتى؟
هدير في لحظة… كل الدم سخن في وشها.
بعدتها عنها فجأة.
وقالت بصوت عالي واضح قدام الكل:
— اللف والحاجات دي بتاعتك إنتِ يا شادية.
الصوت كان عالي… وكل اللي في القعدة لفّ.
سيف قام بسرعة.
ومسلم قام معاه.
— في إيه؟ سيف قالها بقلق.
هدير بصوت واضح:
— الست شادية كانت بتسألني لحقت ألف عليه إمتى!
الجو اتشد.
سيف بص لشادية بغضب:
— هو إنتِ عشان أنا سكتلك قبل كده هتسوقي فيها؟
إنتِ مجنونة؟
أختي هتلف على واحد ليه؟
شادية رفعت كتفها ببجاحة:
— يعني عايز تفهمني إنه جه كده لوحده؟
قبل ما سيف يرد… مسلم هو اللي اتكلم.
صوته هادي… بس ثابت.
— لا… ما جتش لوحدي.
الكل بص له.
كمل وهو باصص لشادية مباشرة:
— أدبها اللي جابني.
احترامها اللي جابني.
أخلاقها اللي جابتني لحد هنا.
سكت لحظة، وبعدين قال بوضوح:
— وإنتِ بتتكلمي عليها كده ليه؟
إنتِ شفتي منها حاجة وحشة؟
سمعتي عنها كلمة غلط؟
شادية حاولت ترد… بس مسلم سبقها.
صوته بقى أعمق:
— اللي إنتِ بتعمليه ده اسمه رمي محصنات.
الجملة وقعت تقيلة.
— ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه:
"إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ."
سكت لحظة عشان الكلمة توصل.
— عارفة يعني إيه محصنات؟
يعني عفيفات.
يعني بنات في حالهم، غافلات عن السوء.
ربنا قال اللي يتهمهم بغير حق ملعون في الدنيا والآخرة.
الجو بقى ساكت تمامًا.
مسلم كمل:
— النبي ﷺ قال:
"اجتنبوا السبع الموبقات."
وذكر منهم:
"قذف المحصنات المؤمنات الغافلات."
بص لشادية بثبات:
— يعني اللي يتهم بنت في شرفها بكلمة… دي من الكبائر.
صوته ما عليش… بس كل حرف كان واضح.
— الشرف مش كلمة تتقال في لحظة غيرة أو حقد.
الشرف ده عرض.
والعرض ربنا شدد فيه.
التفت للحضور:
— النبي ﷺ قال:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت."
لو مفيش خير يتقال… نسكت.
رجع بص لشادية:
— اللي بتعمليه مش هزار.
ولا غيرة عادية.
ده اتهام في عرض بنت قدام الناس.
سيف كان واقف جنبه… والفخر واضح في عينه.
مسلم كمل بهدوء شديد:
— أنا لو جيت هنا… فده لأني شايف فيها زوجة محترمة.
بنت متربية.
عفيفة.
أهلها ربّوها كويس.
نظرة سريعة لهدير… ثم رجع لشادية:
— ولو كنت شفت منها غير كده… ما كنتش دخلت البيت ده.
الجو كان متجمد.
هدير واقفة… قلبها بيدق.
مش مصدقة إنه واقف قدام الناس كلها بالشكل ده.
مش بس بيدافع عنها… ده بيرد بكلام ربنا.
مسلم ختم كلامه:
— احنا جايين نعمل حاجة ترضي ربنا.
مش نفتري على خلقه.
وأنا مش هقبل حد يتكلم على خطيبتي بالشكل ده.
ولا النهارده… ولا في أي يوم.
هدير لأول مرة… تحس إنها فعلًا محمية.
مش بس بكلمة.
مش بس بغضب أخوها.
لكن برجل… بيخاف ربنا فيها.
وعينها لمعت… مش دموع ضعف.
دموع فخر.
شادية ضحكت ضحكة مستفزة وقالت ببجاحة قدام الكل:
"اللي إنت بتدافعي عنها دي لفت على أخويا! أخويا كان عايز ييجي يتجوزها… بس الحمد لله ربنا نجّاه منها."
القاعدة اتجمدت.
هدير وشها اتحول… مش خوف. غضب صافي، قالت بثبات:
"أخوك؟ أنا اللي لفيت عليه؟ أنا أصلًا ما اعرفش عنه حاجة. هو كلام أبويا وأبوكي الله يرحمهم. وفضلنا متعلقين بيها فترة… وأنا اللي ربنا نجّاني."
قربت خطوة وقالت بصوت أوضح:
"وهقولها لك تاني يا شادية… اللف والحاجات دي بتاعتك إنتِ."
شادية ابتسمت بسخرية:
"وهكون لفيت على مين؟"
هدير ردت من غير تردد:
"لفيتي على كرم… جوزك يا شادية."
وش شادية اتسحب فجأة. لونها اتغير.
"إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟!"
كرم وقف متوتر… لكن هدير كانت مركزة.
مسلم قرب منها وقال بهدوء:
"هدير… اللي بتعمليه ده ممكن يعمل مشكلة أكبر."
بصت له وقالت:
"وهي مش غلطانة لما بتتبلى عليّ؟ على الأقل أنا ما بتبلاش."
وبعدين أخدت نفس عميق…
"من كام يوم… وأنا في الكلية…"
فلاش باك
هدير كانت قاعدة في مكتبها في الكلية، المكان هادي، والملفات قدامها. بتصحح شيتات.
الباب خبط.
"اتفضل."
الباب اتفتح… كرم دخل.
هدير رفعت عينيها باستغراب:
"خير يا كرم؟"
قفل الباب وراه، كان واضح إنه متوتر.
"أنا كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم."
هدير عقدت حواجبها:
"موضوع إيه المهم اللي بيني وبينك؟"
سكت لحظة… وبعدين قال فجأة:
"إني بحبك… وعايز أتجوزك."
القلم وقع من إيدها.
"إنت مجنون؟! إنت جوز بنت عمي! إزاي تفكر في حاجة زي كده أصلًا؟ أنا مستحيل أخونها!"
كرم ضحك ضحكة باردة:
"تخونيها؟ إنتِ بتقولي مستحيل تخونيها؟ هي اللي خانتك يا هدير."
اتجمدت.
"بتقول إيه؟"
قرب خطوة:
"مخلية سمعتك هباب في العيلة. مش بس كده… دي هي اللي خلتني أبعد عنك."
هدير كانت مش فاهمة.
"تبعد عني؟ إنت بتخرف؟ احنا عمرنا ما قربنا أصلًا؟"
كرم اتنهد:
"قبل ما أتجوزها… أنا كنت عايز أتجوزك إنتِ."
الكلام نزل كأنه صدمة كهربا.
"إيه؟!"
"آه. إنتِ فاكرة إن جوازي منها جه كده؟ لا. هي كانت زميلتي في الكلية. وأنا كنت شايفها قريبة منك. فقلت أقرب منها… عشان أعرف أجيلك رسمي."
هدير كانت واقفة مكانها مش مستوعبة.
"وبعدين؟"
"وبعدين قالت لي إنك مش كويسة. قالت لي إنك كل يوم والتاني بتكلمي واحد شكل. قالت لي إنها خايفة عليّ منك. قالت إن سمعتك مش أحسن حاجة."
هدير حست الدنيا بتميل.
"مستحيل."
كرم كمل ببرود:
"قالت لي إن أخوها لما عرف عن تصرفاتك… انصدم فيكي. وسافر علشان مش قادر يشوفك."
هدير صوتها بقى واطي:
"أخوها؟ تقصد راشد؟"
"أيوه. قالت لي إن راشد كان مكسوف منك، وإنه حاول يستر عليكي."
السكوت كان تقيل.
كرم قرب أكتر وقال:
"وأنا صدقتها. افتكرت إنها بتحميني. افتكرت إنها بتحبني بجد."
هدير كانت عينيها مليانة صدمة:
"طب اتجوزتها ليه؟"
"عناد. ووجع. ويمكن كمان كنت عايز أصدق إنها صح… وإنتِ غلط."
سكت لحظة… وبعدين بص لها نظرة مختلفة:
"بس عمري ما نسيتك. ولا نسيت إحساسي ناحيتك."
هدير رجعت خطوة:
"كفاية. اللي إنت بتقوله ده عيب."
"العيب إنك تضيعي منّي. العيب إننا نكمل حياتنا وإحنا عارفين إن في حاجة غلط."
"إنت متجوز! فاهم يعني إيه متجوز؟!"
"وأنا ندمان. لو الزمن رجع بيا… كنت اخترتك."
هدير بصت له باحتقار واضح:
"إنت فاكر إن بعد الكلام ده كله… أنا ممكن أبص لك أصلًا؟"
كرم قال بسرعة:
"أنا لسه بحبك. ولو وافقتي… أطلقها."
الكلمة خبطت في ودنها.
"تطلقها؟ عشان إيه؟ عشان واحدة سمعتها اتشوّهت على إيدها؟ ولا عشان ضميرك بقى صاحي فجأة؟"
صوته بدأ يعلى:
"هي لعبت بينا إحنا الاتنين! هي اللي شوّهتك قدامي! هي اللي خلتني أكرهك!"
هدير قالت بقوة:
"لأ. إنت اللي اخترت تصدق. إنت اللي اخترت تسمع. إنت اللي اخترت تتجوزها."
سكت لحظة… وبعدين قالت بهدوء أقسى من الصراخ:
"وأنا مستحيل أخون بنت عمي. حتى لو هي ظلمتني. مستحيل أكون السبب في خراب بيت."
كرم حاول يمسك إيدها:
"هدير…"
سحبت إيدها بسرعة:
"اطلع بره المكتب ده، وما تحاولش تكلمني تاني. ولو فكرت تكرر الكلام ده… أنا اللي هفضحك."
فكملت بثبات:
"أصل حتى لو كنت اتقدمتلي رسمي… أنا ما كنتش هوافق بيك."
الصدمة ظهرت على وشه.
"إيه؟"
"آه. لأن اللي يصدق إشاعة من غير ما يواجه… ما يبقاش راجل أمان."
قرب خطوة، صوته اتوتر:
"إنتِ فاهمة غلط—"
قاطعته:
"لأ. إنت اللي فاهم غلط."
صوتها بدأ يعلى شوية، بس لسه متحكم:
"إنت جاي تقول لي الكلام ده ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما اتجوزتها؟ ليه بعد ما شوّهت سمعتي في العيلة؟"
قربت منه خطوة، وعينيها مليانة احتقار:
"علشان مفكر إنك لما تقول لي أنا بحبك. هقول لك موافقة؟"
ابتسمت بسخرية موجعة:
"ده تفكير شخص جبان."
الكلمة ضربته.
"جبان… آه. اللي يخاف يواجه الحقيقة، ويختار الأسهل، ويبني قراره على كلام حد تاني… يبقى جبان."
سكت… مش لاقي رد.
هدير كملت، وصوتها بقى أهدى بس أقسى:
"وهي مخادعة. عرفت تلعب عليك بكلمتين. شوّهتني قدامك… ونجحت."
أشارت بينه وبينها:
"وإنتوا الاتنين شبه بعض. تستاهلوا بعض."
قالت الجملة الأخيرة بثبات كامل:
"لأن اللي يخدع… واللي يصدق الخداع… الاتنين واحد."
وبعدين فتحت الباب وقالت:
"اطلع بره. وخليكوا لبعض. أنتوا أنسب لبعض مني بكتير."
كرم خرج… وهي وقفت لحظة تاخد نفسها…
ومن اللحظة دي، انتهى أي احتمال بينهما للأبد.
وهدير قعدت على الكرسي… قلبها بيدق… وهي مش مستوعبة إن أقرب واحدة ليها في يوم من الأيام… كانت السبب في تشويهها.
عودة من الفلاش باك
هدير واقفة قدام الكل… والعيون عليها، قالت بصوت ثابت:
"أيوه يا شادية… جوزك جه لي في مكتبي وقال لي إنه بيحبني وعايز يتجوزني."
همهمة مشت في القعدة.
شادية اتلفتت ناحية كرم بصدمة:
"الكلام ده حصل؟!"
كرم سكت… وده كان كفاية.
هدير كملت:
"وأنا طردته. وقلت له إن مستحيل أخون بنت عمي… حتى لو ظلمتني."
هدير كانت واقفة، عينيها فيها وجع سنين متراكمة، وبصت لشادية وقالت بصوت مبحوح بس ثابت:
"أنا عايزة أعرف… أنا أذيتك في إيه عشان تأذيني الأذى ده كله؟ شوّهتي سمعتي ليه؟ عملتِ فيّا كده ليه؟ كنتِ صاحبتي… كنتِ أقرب واحدة ليا… كنتِ بدخّلك بيتي وأقول دي أختي… ليه يا شادية؟ قولي لي ذنبي إيه؟"
رواية ظلك بعيد الفصل السادس 6 - بقلم الاء محمد حجازي
أنا كنت عايز أقول لك حاجة من بدري، كنت هقول لأخوكي الأول... والله...
بس... ما جاتش فرصة...
ويمكن... يمكن كنت بخاف أقولها بصوت عالي.
هدير قلبها اتقبض، بس حاولت تبان هادية:
خير يا مسلم؟
في إيه؟
أخذ نفسًا طويلًا...
وبعدين قالها مرة واحدة...
كأنه بيقلع حاجة ثقيلة من على صدره:
أنا عندي مشكلة في القلب.
الدنيا سكتت حواليها لحظة.
مش سامعة غير صوت أنفاسهم.
كمل بسرعة... كأنه خايف يسكت:
أنا باخد علاج... وبمشي عليه بانتظام...
والدكاترة قالوا لازم أعمل عملية...
وكان المفروض أعملها من فترة.
هدير كانت باصة له... من غير ما ترمش حتى.
قالت بهدوء ثابت جدًا... عكس اللي جواها:
يعني... المفروض تعمل عملية؟
هز رأسه:
أيوة.
سكتت ثانيتين...
وبعدين سألت السؤال اللي كان لازم يتقال:
طب... ليه ما عملتهاش؟
بص للأرض...
وبعدين ضحك ضحكة خفيفة موجوعة:
علشان أنا رافض.
خطوة واحدة قربت منه.
صوتها طلع أهدى... بس أقوى:
رافض ليه يا مسلم؟
رفع عينه ليها...
وكان لأول مرة... باين عليه الخوف.
علشان أنا تعبت يا هدير.
تعبت من المستشفيات...
من التحاليل...
من الإحساس إن حياتي متعلقة بخيط...
وكل شوية حد يقول لي: استنى... نشوف.
بلع ريقه...
وكمل:
تخيلي تبقي عايشة... بس كل شوية حد يفكرك إنك ممكن...
ما تكمليش.
هدير عينيها دمعت...
بس سكتت.
قال بصراحة جارحة:
العملية نسبة نجاحها حلوة... بس برضه فيها مخاطرة.
وفي احتمال... ما أصحاش منها.
سكت...
وبعدين قال بصوت مكسور شوية:
وأنا... أنا مش عايز أموت على سرير عمليات...
مش عايز آخر حاجة أشوفها تبقى سقف أبيض...
وريحة مطهر.
صوته بدأ يتهز:
أنا عايز أعيش طبيعي... حتى لو العمر قليل.
بس أعيش... مش أعيش خايف.
هدير دموعها نزلت خلاص.
قربت منه أكتر...
وقالت بصوت مهزوز:
طب...
طب وأنا؟
السؤال خرج منها فجأة، حتى هي اتفاجئت بيه.
رفع عينه بسرعة.
وأنا يا مسلم؟
هتسيبني أعيش كل يوم خايفة عليك؟
كل يوم مستنية مكالمة تقول لي... حصل له حاجة؟
صوتها بدأ يعلى... بس موجوع:
أنا وافقت عليك...
مش علشان أتجوزك وخلاص...
أنا وافقت عليك علشان... علشان أنا حسيت إنك أماني.
ضربت على صدرها بخفة:
هنا... حسيت براحة.
أول مرة من سنين.
قربت خطوة كمان...
وبصت في عينه مباشرة:
وإنت دلوقتي بتقول لي إنك رافض تحارب علشان تعيش؟
سكت.
مش عارف يرد.
قالت بصوت بيترعش:
أنا مش بطلب منك تبقى بطل... ولا تبقى خارق... ولا تقول لي إنك مش خايف.
أنا بطلب منك تبقى إنسان... خايف... بس بيحارب.
دموعها كانت بتنزل بحرية:
اعمل العملية علشانك... علشان أهلك... علشان اللي بيحبوك...
سكتت...
وبعدين قالت الكلمة اللي كسرت صوتها:
علشاني.
الكلمة وقعت بينهم ثقيلة...
بس صادقة...
قوية...
واضحة.
مسلم عينيه لمعت.
أنا...
أنا كنت خايف أربطك بيا... وأظلمك معايا.
هزت رأسها بسرعة:
الظلم إنك تمشي من غير ما تحاول.
الظلم إنك تسيبنا من غير ما تقاوم.
سكتت لحظة...
وبعدين قالت بهدوء قاتل:
لو العملية فيها أمل... يبقى لازم تعملها.
قربت منه جدًا... وقالت بصوت واطي جدًا:
وأنا هبقى معاك...
قبلها...
وأثناءها...
وبعدها.
ولو ربنا كتب لنا عمر...
هنعيشه سوا.
ولو كتب غير كده...
على الأقل...
هنكون حاولنا.
الصمت كان ثقيل...
بس دافئ.
مسلم رفع إيده...
ومسك إيدها لأول مرة بالشكل ده.
ضغط عليها بخفة...
وقال بصوت شبه الهمس:
أنا عمري ما خفت قد ما بخاف دلوقتي... علشان بقيت عايز أعيش...
علشانك.
هدير ابتسمت وسط دموعها.
يبقى تعيش.
غصب عن الخوف... غصب عن القلق... غصب عن كل حاجة.
سكتوا...
بس الإيدين كانت متشابكة...
بقوة.
ولأول مرة...
الخوف بقى مش لوحده.
بقى معاه أمل.
هدير كانت لسه ماسكة إيده... وقلبها بيدق بسرعة... بس المرة دي مش خوف... إصرار.
بصت له بعينين مليانين دموع... بس صوتها كان ثابت أكتر من أي وقت فات.
قالت بهدوء عميق:
بص يا مسلم... أنت لازم تحارب.
لازم.
سكت لحظة وهو بيبص لها...
فكملت:
وحتى لو... بعد الشر... مع إن الموت مش شر... الموت مش وحش...
الموت راحة للمؤمن... بس هو موجع للي بيحبوا.
نزلت دمعة على خدها... ومسحتها بسرعة.
أنا سمعت مرة في خطبة... الشيخ كان بيقول إن الموت مش نهاية...
ده انتقال... زي ما ربنا قال:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
يعني إحنا كلنا ماشيين في الطريق ده... مش أنت لوحدك.
قربت خطوة...
وصوتها بقى أدفى:
بس الفكرة مش إننا هنموت... الفكرة: هنموت إزاي؟
وإحنا بنعمل إيه؟
قالت وهي بتبص في عينه:
اللي بيحارب علشان يعيش... علشان يكمل مسؤوليته...
علشان يكون سند... ده مش واحد خايف...
ده واحد بيؤدي أمانة.
وربنا قال:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾
يعني ما نفقدش الأمل... حتى لو الطب قال في مخاطرة...
حتى لو في احتمال.
دموعها بدأت تنزل أكتر... بس كملت:
وإنت لو دخلت العملية... بتسعى للعلاج...
والنبي ﷺ قال:
«تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»
يعني العلاج مش اعتراض على قدر ربنا... ده طاعة... ده امتثال.
نفسها بدأ يتقطع من العياط...
بس كلامها كان بيطلع من قلبها.
وإنت لو... لو حصل لك حاجة...
وأنت بتحارب... وأنت بتسعى... وأنت صابر...
النبي ﷺ قال إن اللي يموت بداء في بطنه شهيد...
وقال إن المبطون شهيد...
يعني اللي بيموت بسبب مرض... وهو صابر... له أجر شهيد.
مسلم عينه لمعت... بس ما قاطعهاش.
هدير مسكت وشه بإيديها الاتنين...
وقالت بصوت بيترعش:
إحنا مش بنخاف من الموت عشان هو شر... إحنا بنخاف عشان مقصرين... بنخاف عشان أعمالنا قليلة...
بنخاف عشان لسه ما عملناش اللي نفسنا نعمله.
لكن المؤمن الحقيقي... يبقى مستعد في أي لحظة...
مش مستني يموت على سرير...
ولا هيموت في عملية.
واللي بيتوجع بجد...
مش اللي بيموت...
اللي بيتوجع هم اللي بيفضلوا بعده.
دموعها كانت بتنزل بحرية...
وصوتها بقى مكسور:
أنا مش خايفة إنك تموت... أنا خايفة إنك تمشي من غير ما تحاول.
خايفة إنك تستسلم... وأنت قدامك فرصة.
شهقت وهي بتحاول تكمل:
بالله عليك يا مسلم... حاول.
لو شايف إن حياتنا تستاهل... حاول.
لو شايف إن ربنا كتب لنا بعض... حاول.
صوتها وقع وهي بتقول:
أرجوك...
اللحظة كانت ساكتة... ساكتة أوي...
بس مليانة مشاعر.
مسلم قرب منها فجأة... ومسك إيديها الاتنين...
وبهدوء شديد... رفع إيدها وباسها.
وبعدين بإيده التانية مسح دموعها واحدة واحدة...
وقال بصوت مليان إحساس:
أنا عمري ما شفت حد بيتكلم عن الموت بالطمأنينة دي...
ولا حد بيخاف عليا بالشكل ده.
قرب جبينه من جبينها...
وقال بهمس صادق:
صدقيني...
هحاول.
سكت لحظة... وبعدين قال وهو بيبص لها بعمق:
هحاول علشانك.
علشان دموعك دي ما تنزلش تاني بسببي.
علشان أعيش معاك العمر اللي ربنا كاتبه لنا...
طويل أو قصير.
ضغط على إيدها بخفة:
وهخش العملية... وأنا قلبي مطمئن.
لأن ورايا حد بيحبني كده.
هدير كانت بتبكي... بس ابتسمت وسط دموعها.
ولأول مرة... الخوف اتحول لدعاء.
والقلق اتحول لأمل.
والموت بقى مش فكرة مرعبة...
بقى قدر... واللي يهم بس... إننا نقابل ربنا... وإحنا حاولنا.
أول ما خرجوا من الأوضة...
وشهم لسه عليه أثر الكلام الثقيل اللي كان بينهم... بس قلوبهم أخف بكتير...
جاد كان واقف مستني عند أول الطرقة... ساند على الحيطة ورافع حاجبه بمكر.
أول ما شافهم طالعين قال بصوت عالي:
الله الله الله!
كل ده قاعدين جوه بتعملوا إيه هااا؟
نقفل عليكم بالمفتاح المرة الجاية ولا إيه؟
هدير بصت له بغيظ مصطنع وقالت:
وإنت مالك؟
هو إنت مش عارف تبطل تحشر نفسك في كل حاجة ليه؟
جاد حط إيده على صدره بتمثيل:
لا لا لا... أنا مش هرد عليك يا أوزعة...
عشان خاطر جوزك اللي واقف جنبك ده.
مسلم رفع حاجبه وبص له بنظرة تحذير خفيفة،
بس قبل ما يتكلم هدير قالت بسرعة:
أوزعة في عينك يا جاد!
جاد قرب خطوة وقال بمشاكسة:
والله ما هرد... عشان الراجل ده بس.
مسلم بقى اتدخل... وقال بنبرة فيها جد خفيف وغيرة لطيفة:
اسكت يا جاد.
مراتي تعمل اللي هي عايزاه.
الكلمة وقعت في الجو...
مراتي.
هدير خدودها احمرت فجأة.
جاد مسك قلبه بتمثيل درامي مبالغ فيه وقال:
قلبي الصغير لا يتحمل!
بتبيع أخوك! نصك التاني! توأمك!
علشان خاطر واحدة بقالها كام ساعة بس مراتك؟!
لا لا لا لا لا... يا خسارة التربية!
مسلم ضحك وقال وهو حاطط إيده على كتف هدير:
أولًا... إنت توأمي وحبيبي وعمري.
ثانيًا... دي مراتي.
وبعدين... ربنا خلقها من ضلعي.
يعني فاهم؟
دي مش حد غريب... دي مني.
بص لهدير وهو بيقولها بنبرة أهدى:
هي اللي باقيالي... وشريكتي... وحياتي اللي هكملها.
هدير ضحكت بكسوف وقالت:
أنت المفروض تسكت بعد الكسفة دي.
جاد ضحك بصوت عالي:
يا كسفتك يا حازم!
ده بيقول خلقها من ضلعي... ده داخل تقيل أوي!
وقعدوا كلهم يضحكوا... الضحك كان صافي... خفيف...
بعد يوم مليان مشاعر ثقيلة.
قعدوا شوية مع بعض... كلام خفيف... هزار... ضحك... والجو بقى أهدى.
بعد شوية مسلم وجاد مشيوا.
قبل ما يمشي مسلم بص لها نظرة طويلة...
نظرة مليانة وعد... ومشي.
سيف قرب من هدير بهدوء بعد ما الباب اتقفل.
قالها بصوت أخ كبير... حنين:
مستريحة؟
هدير ابتسمت ابتسامة عريضة من غير ما تحس:
جدًا...
حاسة براحة فظيعة يا سيف.
سيف خدها في حضنه وباس رأسها وقال:
ربنا يديكي راحته يا حبيبة أخوكي.
ويكتب لك الخير دايمًا.
دخلت أوضتها... وقعدت على سريرها.
قلبها كان هادي.
بهدوء غريب... مش متعودة عليه.
افتكرت كلامه...
نبرته...
نظراته...
إيده وهي ماسكة إيدها...
كلمة مراتي وهي طالعة من بقه...
حتى لما قال لها أميرتي قبل كده... الكلمة كان ليها طعم تاني.
في حاجة فيه مختلفة.
مش بس شكله... ولا حضوره... ولا كلامه.
قلبه.
إزاي ممكن يكون في إنسان بالجمال ده من جوه؟
إزاي ممكن حد يبقى قوي... وحنين... وخايف... ومطمن... في نفس الوقت؟
نامت...
وعلى وشها أجمل ابتسامة.
تاني يوم.
الشمس دخلت أوضتها بهدوء.
صحيت قبل المنبه حتى.
قامت... اتوضت... وصلت.
كانت واقفة في الصلاة... وقلبها بيدعي من غير كلام:
يا رب... احفظه.
خلصت...
وبدأت تجهز عشان تروح الكلية.
لبست لبس بسيط... شيك... مش حاطة مكياج تقريبًا...
بس وشها منور براحة غريبة.
فجأة...
تليفونها رن.
رقم غريب.
بصت له باستغراب...
وردت:
ألو؟
الصوت جه بهدوء... بنبرة دافية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردت باستغراب:
وعليكم السلام ورحمة الله؟
مين؟
مسلم بهدوء...
ونبرة دافئة:
— صباح الخير يا أميرتي… جاهزة عشان أوديك الكلية ولا إيه؟
قلبها دق بسرعة. ابتسمت من غير ما تحس.
— صباح النور… أيوه جاهزة.
ضحك بخفة:
— طب أنا تحت البيت. جاي آخذك.
سكتت لحظة… قلبها بيخبط جامد.
— تحت؟ دلوقتي؟
— أيوه دلوقتي. هو أنا أسيب مراتي تروح لوحدها؟
الكلمة دي تاني. خدودها احمرت. بس ابتسمت.
— ماشي… نازلة.
قفلت التليفون… وقلبها بيطير، وقفت قدام المراية… بصت لنفسها… ولأول مرة حست إنها… مطمنة.
نزلت على السلم بخطوات سريعة… قلبها سابقها.
أول ما خرجت من باب العمارة… لقته واقف جنب عربيته. لابس بسيط… بس شيك بشكل يخطف.
أول ما شافها… ابتسم.
الابتسامة دي لوحدها… كانت كفاية تخلي يومها كله مختلف.
فتح لها باب العربية بنفسه. قال بهدوء:
— اتفضلي يا أميرتي.
بصت له بكسوف… وركبت.
ركب جنبها… والعربية اتحركت. الجو كان هادي… بس القلوب مش هادية. كان فيه حاجة جديدة… بداية… إحساس أول مرة.
وبين الطريق… وهو سايق… بص لها لحظة وقال:
— على فكرة… أنا فعلًا مبسوط إن أول مشوار بعد كتب الكتاب يبقى معاك كده.
هي ابتسمت… وبصت للشباك تخبي خجلها.
فجأة مسلم قال وهو مركز في السواقة:
— على فكرة… أنا كلمت الدكتور إمبارح.
بصت له بسرعة:
— بخصوص إيه؟
رد بهدوء ثابت:
— بخصوص العملية. وإن شاء الله هتبقى كمان أسبوعين.
هي اتفاجئت:
— إيه ده بالسرعة دي؟ مش المفروض لسه تقارير بقى… وفحوصات… وأشعة… وحاجات كتير؟
ابتسم بخفة:
— هنعمل الحاجات دي كلها. أصلًا الأسبوع الجاي إن شاء الله هروح أتحجز في المستشفى، ونبدأ في التحاليل والأشعات المطلوبة.
قلبها دق بسرعة… بس المرة دي مش خوف… مزيج بين قلق وأمل.
مدت إيدها بهدوء… ومسكت إيده اللي على الفتيس. وقالت بصوت واطي مليان دعاء:
— خير إن شاء الله.
بص لها لحظة وهو سايق… وابتسم ابتسامة عميقة:
— إن شاء الله خير… بدعوتك.
سكتوا لحظة… السكوت كان مليان معنى.
بعد شوية هي بصت له وقالت بخجل بسيط:
— هو… أنت ليه بتناديني أميرتي؟
بص لها باستغراب لطيف:
— مضايقاكي؟
هزت راسها بسرعة:
— لا… بس يعني… ما توقعتش إن في راجل يعامل مراته كده. ولا دي حلاوة البدايات وخلاص؟
ابتسم ابتسامة هادية… وبعدين قال بنبرة جدية دافئة:
— ما فيش حاجة اسمها حلاوة البدايات. والنهايات برضه بتبقى حلوة.
بص قدامه وكمل:
— مع إن ما فيش نهاية بإذن الله… إحنا لسه بنبدأ.
وبص لها تاني وقال:
— أنا بعاملك بالمعاملة اللي أتمنى أتحاسب عليها قدام ربنا. وبالمعاملة اللي عايزك إنتِ تتعاملي بيها.
سكتت… مستنية يكمل.
قال بهدوء عميق:
— النبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرًا»
— وقال كمان: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
— يعني الرجولة مش صوت عالي… ولا تحكم… ولا سيطرة.
— الرجولة إن الست تبقى أمانة في رقبتك. إنك تخاف عليها… مش منها.
صوته بقى أهدى… أعمق:
— ربنا سماها ميثاق غليظ. عارفة يعني إيه ميثاق غليظ؟ يعني عهد تقيل… مش لعبة… ولا مزاج.
— وأنا يوم ما قلت مراتي كنت فاهم الكلمة.
بص لها نظرة مليانة صدق:
— أنتِ وصية. وصية من ربنا قبل ما تكوني زوجتي. ووصية من رسول الله ﷺ.
هدير عينيها لمعت. كمل بهدوء:
— لو أنا عايزك تحترميني… لازم أكرمك. لو عايزك تحبيني… لازم أحن عليكِ. لو عايز بيتنا يعيش… لازم أزرع فيه طمأنينة.
ابتسم بخفة:
— وأيوه… هفضل أقولك أميرتي. مش عشان حلاوة بدايات… لكن عشان دي المعاملة اللي نفسي أفضل عليها معاك لآخر العمر.
هدير كانت ساكتة… بس قلبها بيدوب من الكلام.
العربية بدأت تقرب من الكلية. وقف قدام الباب… وطفي العربية.
لف ناحيتها بالكامل… وبص لها بنظرة مختلفة… نظرة وصية فعلًا.
قال بهدوء:
— قبل ما تنزلي… أنا باخد بوصية رسول الله ﷺ.
— ولازم أخاف عليك. لأنك وصية من حبيبي.
ابتسمت بسرعة وقالت بحب صادق:
— عليه أفضل الصلاة والسلام.
فتح لها الباب ونزل معاها.
وقفت قدامه لحظة… والهواء بيلعب في طرحتها. قالت بخجل:
— سلام.
ابتسم وقال وهو بيرد:
— مع السلامة يا أميرتي. خلي بالك من نفسك. ولو احتجتي أي حاجة… أنا موجود.
مشت ناحية باب الكلية… وقبل ما تدخل لفتت له.
كان لسه واقف… بيبصلها… لحد ما اختفت من قدامه.
وقلبها وهي داخلة… كان حاسس بحاجة عمرها ما عاشتها قبل كده. أمان.
عدّى أسبوعين… أسبوعين كانوا أطول من العمر كله.
كل يوم فيهم هدير كانت بتحس إنها بتقرب من مسلم أكتر… مش بس بالكلام… ولا بالمواعيد… ولا حتى بالضحك… كانت بتقرب من روحه.
ابتدت تحس معاه بحاجات عمرها ما حستها قبل كده… حتى في أحلامها… حتى في أكتر لحظاتها أمان.
كان فيه سكينة… سكينة غريبة.
كان فيه احتواء… من غير ما يطلب.
كان فيه خوف عليه… كأنه جزء منها.
وجاء اليوم. يوم العملية.
المستشفى كانت هادية بشكل يخوّف. ريحة المطهر في كل حتة.
الناس ماشية بسرعة… أصوات أجهزة… خطوات ممرضين…
بس قلب هدير؟ كان بيخبط بطريقة مرعبة.
مش مستوعبة. مش مصدقة إنهم فعلًا بيجهزوه.
مش مصدقة إن قلبه… القلب اللي كان بيضحك لها… اللي كان بيقولها أميرتي… دلوقتي على وشك يتفتح قدام جراح.
كانت واقفة برّه غرفة التحضير… إيديها ساقعة… نفسها مش مظبوط.
طلب يقابلها.
أول ما دخلت عليه… كان لابس لبس العمليات... وشه شاحب شوية… بس عينه… عينه لسه فيها نفس الهدوء.
قربت منه بسرعة… ومسكت إيده بإيديها الاتنين. إيده كانت دافية… بس ضعيفة شوية.
قالت وهي بتحاول تبان قوية:
— إنت قدّها. إنت أقوى من كل ده.
اتكأ على إيدها جامد… كأنه بياخد منها طاقة.
وبص لها نظرة طويلة قوي… وقال بهدوء:
— لو طلعت… بإذن الله أعيش…
بلع ريقه… وصوته اهتز:
— في كلام كتير قوي عايز أقولك عليه. في حياة كاملة نفسي نعيشها. في حاجات كتير نفسي أعملها معاكِ.
سكت لحظة…
— ولو… لو ما طلعتش…
هدير هزت راسها بسرعة:
— بس اسكت.
لكن هو كمل…
— عايزك تعرفي إنك أحلى حاجة حصلت لي في حياتي. أجمل صدفة… أصدق حب… أطمن إحساس.
دموعها نزلت فجأة.
— بس اسكت بقى… بالله عليك اسكت…
كانت بتعيط وهي بتحاول تمسك نفسها.
هو ابتسم ابتسامة صغيرة…
— ما تخافيش. أنا هحارب.
الممرضين دخلوا ياخدوه. إيده فلتت من إيدها ببطء. كأنها كانت بتفلت قلبها.
ما استحملتش. راحت للدكتور الجراح.
— لو سمحت… أنا ممرضة. وأعرف أتصرف. خليني أدخل.
الدكتور رفض في الأول.
— ده وضع حساس… ومينفعش.
بس هي أصرت. أصرت لدرجة إن صوتها كان بيرتعش.
— ده جوزي. أنا مش هعطّل. أنا بس عايزة أبقى موجودة.
بعد جدال طويل… وافق.
دخلت. لبست اللبس المعقم. بس محدش قدر يعقم قلبها من الخوف.
دخلت غرفة العمليات. والعملية بدأت.
كل دقيقة كانت سنة، جسمها كان بيرتعش.
رغم إنها ممرضة… وشافت عمليات قبل كده. بس النهارده غير.
النهارده اللي على السرير… روحها.
العرق على جبين الدكتور. المساعدين بيطلبوا أدوات.
صوت الأجهزة مستمر.
بيب… بيب… بيب…
وفجأة… الصوت اتغير.
بيبـــــــــــــــــــــــ. خط مستقيم.
قلبها وقف قبل قلبه.
والدكتور صرخ:
— جهاز إنعاش. شحنة 200!
صوت الصدمة، جسمه ارتفع.
— تاني!
صدمة تانية. هدير إيديها كانت بتترعش جامد.
— كملوا… كملوا!
الخط مستقيم.
— شحنة 300!
صدمة. مفيش.
الدكتور بدأ يضغط على صدره. الوقت كان بيجري.
الدنيا كانت بتسود قدام عينيها.
— كمل يا دكتور… بالله عليك كمل!
صدمة تانية. مفيش استجابة، الدكتور وقف لحظة.
بص للساعة. بص للفريق. وبعدين… هز راسه.
وحط الجهاز من إيده، قال بصوت واطي… تقيل:
— أنا أسف.
هدير جمدت مكانها.
— لأ.
الدكتور بص لها بأسف:
— إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه.
صوتها طلع مكسور:
— لأ… لأ… لأ…
قربت من السرير، مسكت إيده. باردة.
— مسلم… مسلم افتح عينك… بص لي… أنا هنا.
— قوم… قوم عشان تقولي أميرتي تاني… قوم عشان وعدتني تحارب…
صوتها اتحول لصريخ:
— مسلممممم!
الدنيا بدأت تلف. صورة وشه قدامها بتبعد.
الأجهزة ساكتة. الناس حواليها صوتهم بعيد، آخر حاجة قالتها قبل ما تقع:
— لا…
وجسمها وقع على الأرض، إغماء، والغرفة بقت ساكنة… سكون مرعب.
رواية ظلك بعيد الفصل السابع 7 - بقلم الاء محمد حجازي
مسلم…مسلم افتح عينك…بص لي… أنا هنا، قوم…قوم عشان تقولي أميرتي تاني…قوم عشان وعدتني تحارب…
صوتها اتحول لصريخ:
— مسلممممم!
الدنيا بدأت تلف.
صورة وشه قدامها بتبعد.
الأجهزة ساكتة.
الناس حواليها صوتهم بعيد، آخر حاجة قالتها قبل ما تقع:
— لا…
وجسمها وقع على الأرض، إغماء، والغرفة بقت ساكنة…
سكون مرعب.
الدكاترة والممرضين اتلمّوا حوالين هدير بسرعة…جسمها كان واقع على الأرض…وشها شاحب…إيديها ساقعة.
واحدة من الممرضات نادت:
— بسرعة… نطلعها برّه!
اتشالت على سرير متحرك…والباب اتفتح…وخرجوا بيها من غرفة العمليات.
في اللحظة دي…
الدكتور كان بيخلع الجوانتي…ومستعد يخرج يواجه أهل المريض.
فجأة ممرض جري عليه وهو بيصرخ:
— يا دكتور! استنى!
النبض رجع! في نبض بسيط جدًا!
الدكتور لف بسرعة…
قلبه دق.
— متأكد؟!
— أيوه يا دكتور! ضعيف جدًا… بس موجود!
الدكتور رجع يجري على السرير.
— حضّروا صدمة تاني!
كملوا إنعاش!
الجو اتقلب تاني.
الأجهزة اشتغلت.
— شحنة 200!
صدمة.
الخط بدأ يطلع وينزل… بسيط… ضعيف…بس مش مستقيم.
— كملوا ضغط!
— ضغط مستمر!
دقايق عدّت…طويلة… تقيلة…وفجأة…
بيب… بيب… بيب…
النبض ثبت.
الدكتور أخد نفس عميق…وقال بصوت متوتر ممتن:
— كمّلوا العملية.
لسه مخلصناش.
ورجعوا يكملوا…
بتركيز…
بهدوء…
كأنهم بيحموا معجزة حصلت قدامهم.
بعد وقت طويل…
باب غرفة العمليات اتفتح.
الدكتور خرج.
جاد كان واقف برّه…وشه متوتر…وإيده بتفرك في بعض.
أول ما شاف الدكتور جري عليه:
— ها يا دكتور؟!
الدكتور ابتسم لأول مرة:
— الحمد لله…
العملية عدّت على خير.
ونسبة نجاحها كبيرة جدًا.
جاد عينيه لمعت:
— بجد؟!
— أيوه… دي معجزة بصراحة.
القلب وقف…ورجع يشتغل تاني.
جاد حط إيده على وشه وقال:
— الحمد لله… الحمد لله يا رب…
بعدين افتكر فجأة:
— طب هدير؟
طلعت أغمى عليها ليه؟
في حاجة؟
الدكتور هز راسه:
— لأ… دي صدمة عصبية.
اللي حصل معجزة…مش أي قلب بعد ما يقف يرجع يشتغل كده.
عند هدير…بدأت تفتح عينيها ببطء.وشها باهت.
نفسها سريع.
أول كلمة خرجت منها كانت صرخة:
— مسلم!!!
سيف دخل عليها جري:
— بخير! والله يا حبيبتي بخير!
هي كانت بتبص له بعينين مليانين رعب:
— لأ…
أنت بتكذب عليا!
أنا شفتهم!
قالوا خلص!
سيف مسك وشها بإيده:
— والله العظيم بخير!
حتى هو دلوقتي في العناية المركزة.
هيتحجز فيها يومين.
دموعها نزلت بغزارة:
— بجد؟
بجد يا سيف؟
— أيوه…
والمفروض يقعد أربع شهور ما يتحركش خالص.
على ما الصمامات تظبط والدنيا تستقر.
ده كلام الدكتور.
هدير قعدت تعيط…عيط ارتياح…عيط نجاة…عيط حد كان على حافة الفقد…ورجع له الأمل.
قامت من على السرير وهي لسه دايخة.
مشيت لحد باب العناية المركزة.
وقفت قدام الإزاز…وشافته.
نايم.
أجهزة حوالينه.
أنبوبة أكسجين.
بس صدره…بيطلع وينزل.
همست:
— الحمد لله يا رب…الحمد لله…فضلت واقفة…ساكتة…بس قلبها بيدعي بكل حاجة جواها.
عدّى يومين…كانوا نار.
كل دقيقة بتعدي تقيلة.
كل ما جهاز يرن… قلبها يقع.
لحد ما أخيرًا…
قالوا إنه هيطلع من العناية ويتنقل لأوضة عادية.
أول ما دخلته الأوضة…كانت واقفة مستنية.
أول ما عينيه فتحت…وشافها…ابتسم ابتسامة ضعيفة.
هي قربت بسرعة…وقعدت جنبه.
وقالت بصوت مليان دموع وفرحة:
— حمد لله على السلامة يا بطل.
أنا قلت لك… أنت قدّها.
في اللحظة دي…الباب اتفتح.
جاد دخل برخمته المعتادة:
— وسّعي يا أختي كده شوية…
بسلم على أخويا!
هدير بصت له بنظرة تحذير:
— أنا مش هرد عليك.
مسلم فتح دراعه الناحية التانية اللي مفيهاش جرح.
جاد جري عليه وحضنه بحذر.
وفجأة…بدأ يعيّط.
— الحمد لله…
كنت حاسس روحي بتروح مني.
مسلم مسك فيه وهو صوته ضعيف:
— الحمد لله يا حبيبي…
وعشان يكسر الجو…
مسلم بعد فجأة وبص له:
— إيه ده؟
أنت بتعيط يا بيضة؟
جاد بص له وقال:
— صدّق وتؤمن بالله.
مسلم قال وهو بيرفع إيده:
— لا إله إلا الله!
جاد بص له بتريقة:
— أنت غِتِت شبه مراتك بالظبط.
هدير حطت إيديها في وسطها:
— طب إيه دخل مراته في الموضوع دلوقتي؟
جاد قال بسرعة:
— هو كده!
و أنا ماشي…
عشان مرارتي ما تتفقعش!
سنجل بقى!
كل اللي في الأوضة ضحك.
والهواء بقى أخف.
لكن عيون هدير كانت لسه عليه…كأنها بتتأكد إنه حقيقي…قدامها…
مش حلم.
أول ما جاد خرج وهو لسه بيضحك…وقفل الباب وراه…الأوضة سكتت.
الهدوء رجع تاني…
بس المرة دي هدوء مختلف.
مسلم بص لهدير نظرة طويلة…نظرة فيها امتنان…وفيها احتياج.
مد إيده بهدوء…
وشدها للناحية السليمة…ببطء جدًا عشان ما يتوجعش.
قال لها بصوت واطي… دافي:
— تعالي هنا يا أميرتي.
قعدت جنبه على السرير بحذر.
وفجأة…
قال بهدوء عميق:
— عيّطي.
بصت له باستغراب:
— إيه؟
ابتسم بخفة رغم تعبه:
— عيّطي.
عارف إن اليومين اللي فاتوا ما كانوش أحسن حاجة.
عارف إنك كنتي بتموتي كل دقيقة وأنا جوّه.
سكت لحظة…وبعدين قال بنبرة أهدى:
— دلوقتي بقولك…انهاري في حضني.
مد دراعه الناحية السليمة…وقربها منه برفق.
هدير كانت ماسكة نفسها بقالها يومين.
أول ما سندت راسها على صدره…الحاجز وقع.
بدأت تعيط…مش عياط هادي…عياط حد كان ماسك خوفه غصب عنه.
— أنا…
أنا حسيت نفس الإحساس اللي حسيته يوم ما بابا وماما ماتوا…
صوتها كان بيتقطع.
— نفس الشعور…إن الأمان كله…اتاخد مني مرة واحدة.
شهقت وهي بتكمل:
— حسيت إني لو خرجت من الباب ده…مش هشوفك تاني.
— حسيت إني رجعت لنفس اللحظة…لما بقيت لوحدي فجأة.
كانت بتعيط بحرقة.
مسلم بإيده كان بيمسح على دماغها بهدوء…ببطء…زي أب بيطمن طفل.
— خلاص…
أنا هنا.
أنا قدامك.
لسه عايش.
هي هزت راسها وهي بتعيط:
— أنا شفتهم لما قالوا آسف…سمعت الكلمة…حسيت الدنيا سكتت.
— قلت خلاص…
خلاص اتكتب عليا أفقد الأمان تاني.
مسلم شدها أقرب شوية.
قلبه كان بيدق بهدوء تحت ودنها.
قال بهمس:
— لو تعرفي قد إيه كنت حاسس بيكي…حتى وأنا مش واعي.
سكتت شوية…
لحد ما العياط بدأ يهدى.
نفسها بقى أبطأ.
إيده لسه على دماغها.
أول ما هديت شوية…قال بنبرة فيها امتنان حقيقي:
— ما كنتش أعرف إني غالي عندك كده.
رفعت وشها وبصت له بعينين حمرا من العياط.
قالت بصوت مبحوح:
— ولا أنا كنت أعرف إنك كنت غالي كده.
ابتسم بخفة.
— مش هو ده الرد على فكرة خالص.
هي استغربت:
— أومال إيه؟
ضحك بخفة رغم تعبه:
— الرد الطبيعي إنك تقولي كنت هموت وراك…مش تردي عليا بنفس الجملة!
هي بصت له وغمزت بعياط خفيف:
— هموت وراك.
سكت لحظة…
وبعدين الاتنين ضحكوا.الضحكة دي كانت خفيفة…بس طلعت خوف
كتير من جواهم.
بعد شوية…مسلم بقى أهدى.
قال بنبرة جدية خفيفة:
— أنا في موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
هي على طول عقدت حواجبها:
— لا.
مش هنتكلم في أي حاجة خالص…
غير لما تخف وتقف على رجلك قشطة.
ابتسم وقال:
— قشطوط على فكرة.
هي ضربته بخفة على كتفه السليم:
— بطل رخامة.
و ضحكت…وسندت راسها على كتفه السليم.
سكت لحظة…وبعدين قال بهدوء عميق:
— عارف وأنا جوّه…
وكل حاجة كانت بتضلم…أول حاجة جت في بالي إيه؟
هي بصت له بتركيز.
— إن لسه عندي حياة ما عشتهاش معاك.
— إن لسه ما خدتكيش في أول سفر لينا.
ولا اشتكينا لبعض من أول خناقة جد.
ولا شفتك وأنتي زعلانة مني بجد.
ولا صالحتك.
ابتسم بحنية:
— لسه ما شفتش عيالنا شبه مين.
هدير قلبها دق بسرعة.
— مسلم…
— لأ اسمعيني.
صوته بقى أهدى… أعمق:
— اللحظة دي خلتني أفهم حاجة.
إن الحياة قصيرة فعلًا.
وإننا ممكن نخسر بعض في ثانية.
سكت شوية…
وبعدين قال:
— فمش عايز أضيع لحظة واحدة وإحنا زعلانين من بعض.
مش عايز نخبي خوفنا.
ولا نكابر.
— عايز بيتنا يبقى واضح.
صريح.
آمن.
بص لها بعمق:
— عايزك دايمًا تقولي لي لو خوفتي.
لو اتوجعتي.
لو احتاجتيني.
— وأنا أوعدك…
مهربش.
مهربش من خوف.
ولا من مسؤولية.
ولا منك، وسكت.
الأوضة كانت هادية…بس مليانة حياة.
قلبين خرجوا من تجربة موت…ورجعوا أقرب من أي وقت فات.
عدّى حوالي تلات شهور…
تلات شهور كانوا تقيلين في أولهم، خفاف في آخرهم…
وجعهم كان بيخف كل يوم شوية، زي جرح بيقفل بس لسه أثره موجود.
مسلم بقى أحسن…
وشه رجع له لونه… ضحكته رجعت بس أهدى، أعمق…
كأنه خرج من الموت وهو شايل حكمة مش كل الناس بتتعلمها.
وهدير…
هدير كانت كل يوم تقرب أكتر.
مش قرب جسم بس… قرب روح.
بقت تحفظ مواعيد علاجه، تعرف هو بيتوجع إمتى حتى من غير ما يتكلم، تعرف نظرة عينه لما يزهق، ولما يخاف، ولما يفتقد الأمان.
النهارده… أخيرًا…
قرار الخروج.
كانوا قاعدين جنب بعض، الهدوء مالي الأوضة.
هدير بصّت له وقالت بصوت فيه رجاء واضح:
مسلم… فاضل أسبوع بس على ميعاد خروجك الرسمي… اقعد هنا وخلاص علشان خاطري.
بص لها وابتسم ابتسامة صغيرة، فيها امتنان كبير.
خاطرك عندي غالي والله… غالي قوي… بس صدقيني أنا ما عدتش قادر. المستشفى دي بقت بتفكرني بكل لحظة وحشة عدت.
سكتت شوية… بصّت له…عارفة إنه لما بياخد قرار خلاص.
قال بهزار خفيف:
وبعدين يا ستي… هقعد الأسبوع ده في البيت. هو أنا ههرب يعني؟
نزلوا وركبو العربية:
جاد قدام بيسوق، ومسلم وهدير ورا.
العربية ماشية بهدوء…
هدير مالت على مسلم، راسها قربت من كتفه بحركة تلقائية بقت تعملها من غير تفكير.
بصت من الشباك…وبعدين بصت للطريق قدام.
ده مش طريق البيت… لا عندك ولا عندنا.
مسلم بص قدام من غير ما يلتفت لها:
طريق الكافيه.
لفت له بسرعة:
ليه؟
سكت لحظة…
عشان لازم نتكلم النهارده يا هدير.
خلال الأربع شهور اللي فاتوا، اكتشفت حاجة مهمة جدًا…
مسلم لما بيصمم على حاجة… خلاص.
مافيش حاجة بترجعه.
قالت بهدوء:
تمام.
العربية وقفت قدام الكافيه، جاد نزل، لف عليهم وقال:
لما تخلصوا كلمني.
ومشي.
مسلم نزل ولف ناحيتها، مسك إيدها.
المسكة كانت دافية… ثابتة… كأنه بيقول لها من غير كلام إنه هنا.
دخلوا.
وأول ما هدير دخلت… وقفت.
الترابيزة اللي كانت دايمًا بتقعد عليها…عليها ورد أبيض وأحمر…شموع صغيرة منورة بهدوء…المكان متجهز بطريقة تخطف القلب.
مش مبالغ فيها… بس فيها إحساس كبير.
عينيها وسعت.
بصّت حواليها… وبعدين بصّت له.
إيه ده؟ إنت عملت كل ده ليه؟
مسلم ابتسم ابتسامة مش زي أي ابتسامة قبل كده…ابتسامة فيها رهبة… وفيها خوف… وفيها قرار أخير.
قالها بهدوء ثابت وحب:
عملت كل ده عشان أقولك إني بحبك… يا أميرتي.
اتسمرت مكانها.
مشاعر كتير ضربت فيها مرة واحدة…
دهشة… ارتباك… خوف… فرحة مستخبية… وجع قديم بيحاول يطلع…
همست:
إيه؟
قالها أوضح، أقوى، من غير تراجع:
أيوه… بحبك.
مش من النهارده…ولا من امبارح…ولا حتى من الأربع شهور اللي قضيناهم سوا.
أنا بحبك من تلات سنين… بالظبط.
أنفاسها بقت أسرع.
أنا… مش فاهمة حاجة.
مسلم شد نفس عميق…وقعد قدامها بهدوء.
هحكيلك من الأول…
من تلات سنين… كنت داخل الكلية عندكم أول يوم… وزحمة… وضحك… وبنات واقفة في شلل…
وإنتِ.
ابتسم بخفة.
كنتِ قاعدة لوحدك.
هادية… جميلة… مختلفة عن كل اللي حواليك.
شدّيتيني، بس مش جمالك بس اللي شدّني…اللي خدّني أكتر فيك إنك كنتِ قاعدة لوحدك ووشك فيه سؤال…
كنت قاعد أسأل نفسي:
هي قاعدة لوحدها ليه؟
ما عندهاش صحاب؟
ولا هي اللي مختارة تبقى لوحدها؟
سكت لحظة، كأنه بيشوف الصورة قدامه.
قعدت أتابعك… من بعيد لبعيد.
كنت أستنى أشوفك ماشية في الممرات… أسمع صوتك.... ومن غير ما تقصدي… بقيتي جزء من يومي.
صوته بقى أهدى:
في الفترة دي كنت باخد دروس قرآن…وكان الشيخ بيتكلم عن غض البصر…عن إن القلب بيتربى قبل العين…
وقررت أطبّق الدرس على نفسي.
ابتسم بأسى.
بطلت أبص لك.
كنت أعدّي من جنبك وعيوني في الأرض.
بس المشكلة إنك ما كنتيش بتروحي من بالي.
كنت بغض بصري… بس قلبي كان شايفك أكتر.
هدير عينيها بتلمع… مش مستوعبة.
كمل:
قلت أتقدم لك.
قلت ما فيش سبب يمنع.
لحد ما عرفت الحقيقة.
سكت…
صوته نزل درجة.
عرفت إنك بتحبي ابن عمك…وإنك مستنياه يرجع من السفر…وإنك معتبرة نفسك ليه.
ساعتها حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
قلت يمكن ده الخير.
لو قربك ليا خير… ربنا هيقرّبه.
وكنت دايمًا بدعي إن ربنا ينسيني.
ابتسم بمرارة خفيفة.
وكان دايمًا يحصل العكس.
كل ما أدعي أنساك… أتعلق أكتر.
رفع عينه عليها تاني.
لحد ما عرفت إنك بتحبي تيجي الكافيه ده.
بصّت حواليها تلقائيًا.
اشتريته.
قالها ببساطة.
اشتريته وعملت فيه تجديدات…لما كنت براقبك من بعيد لبعيد.
مش عشان أتحكم فيك…ولا عشان أتملكك…بس عشان أطمن إنك بخير.
صوته بقى أعمق:
كل ما أحس إنك متضايقة…
كنت اقول في الخطبة عن الحاجة اللي شايفها موجعاك.
عن الصبر… عن التعلق… عن الرضا…
كنت بحاول أكون جنبك حتى وإنتِ مش عارفة إني موجود.
هدير دموعها نزلت بهدوء.
لحد ما عرفت إن ابن عمك رجع…بس رجع متجوز.
سكت لحظة…
العين فيها وجع قديم.
يوم ما جيتي هنا وعيطتي…قلبي كان بيتقطع.
كنت فاكر إن يمكن ده الوقت اللي أقدر أظهر فيه…بس خفت.
حكيت لجاد كل حاجة.
تنهد.
قال لي أنا هتصرف.
دي أقل حاجة أعملها عشانك.
في الأول رفضت.
حسيت إن اللي بنفكر فيه غلط…إنه خداع.
وإنتِ عمري ما كنت عايز أبدأ معاكي بحاجة غلط.
نظره بقى صادق جدًا.
رحت اتقدمت لك.
وقعدت مع سيف أخوكي…حكيت له كل حاجة من أول يوم شفتك فيه…لحد الاتفاق اللي جاد كان عايز يعمله.
ما خبيتّش حاجة.
قرب خطوة.
إيده رفعت بهدوء ومسكت إيدها.
إنتِ عندي غالية قوي قوي يا هدير.
مش إعجاب…
مش تعويض…مش فرصة جات بعد حد مشي.
صوته بقى أهدى… أصدق… أعمق:
إنتِ حب عمري اللي بدأ من غير ما يعرف إن له أمل.
حب كنت باخاف أقول اسمه.
حب كنت بدعي أنساه ومكنتش عايز غيره.
نفس طويل…
ودلوقتي…أنا واقف قدامك من غير لف ولا دوران.
من غير مراقبة…من غير خطط…من غير خوف.
عينه في عينها.
أنا بحبك يا هدير.
وبطلب إيدك من قلبي قبل ما أطلبها من أي حد.
عايز أبدأ حياتي معاكي على نور…
على صدق…
على اختيار واضح منك.
شدّ على إيدها أكتر… صوته بقى شبه همس:
مش عايزك تحبيني عشان كنت جنبك في وجعك.
ولا عشان أنقذتك…ولا عشان اشتريت كافيه.
ابتسم بخفة.
عايزك تحبيني… عشان أنا أنا.
وعشان قلبك اختارني.
هدير فضلت ساكتة…ساكتة لدرجة إن صوت أنفاسها بس هو اللي كان مسموع.
مسلم قلبه بدأ يدق أسرع.
الخوف اللي كان مستخبي تحت شجاعته طلع فجأة.
قال بهدوء متوتر:
قولي حاجة… سكوتك ده بيخوفني.
بصت له… عيونها فيها دموع… بس مش دموع ضعف… دموع قرار.
قال:
قلتِ إيه يا هدير؟
هي خدت نفس طويل… وقالت بصوت ثابت رغم الوجع اللي فيه:
إنت بعد ما اتفقت معاهم… وعملت كل ده… جاي تاخد رأيي دلوقتي؟
يعني أنا إيه؟
كنت فين في كل ده؟
هو أنا ماليش لازمة؟
ولا مجرد خطوة في خطة؟
الكلمات نزلت عليه تقيلة.
قرب خطوة وقال بسرعة:
لا… لا مش كده.
والله مش كده.
صوته كان صادق… ومكسور شوية.
أنا عملت كده عشان بحبك.
وعشان عايزك.
وكنت ممكن أعمل أكتر من كده…لو كانوا طلبوا مني أي حاجة في الدنيا قبل ما تبقي ليا… كنت عملتها.
سكت لحظة… وبعدين بص لها بعمق:
صدقيني ما كانش قصدي أعمل عليكِ خطط…
ولا مؤامرات…ولا ألعب في قدرك.
أنا كنت تايه…وكنت شايفك أبعد حلم عني…ولما الباب اتفتح شوية… خفت يتقفل تاني.
قرب أكتر… صوته بقى أهدى:
أنا مش بطلب منك تسامحيني عمياني…
ولا تنسي.
أنا بطلب فرصة.
شد نفس:
فرصة واحدة بس.
وعد مني…أمسك فيها بإيدي…وبسناني…وبقلبي…
لحد ما تحبيني زي ما أنا بحبك.
سكت.
هدير بصت له… وملامحها بدأت تلين.
قالت بهدوء غريب:
مين قالك إني مش بحبك؟
مسلم اتجمد، رمش كذا مرة… كأنه سمع غلط.
إيه؟
هي ابتسمت ابتسامة صغيرة وسط دموعها:
مين قالك إني مش بحبك يا مسلم؟
قرب خطوة بسرعة… صوته ارتفع من الدهشة:
قولي تاني كده.
بصت له بثبات أكتر:
بحبك.
مسلم ضحك فجأة… ضحكة مش مصدقة…قرب منها وقال:
إنتِ مش بتهزري صح؟
مش بتلعبي معايا؟
بتتكلمي جد؟
يا بركة دعاكي يا أمي…يا بركة دعاكي يا أمي!
كررها وهو بيضحك ودموعه نازلة:
يا بركة دعاكي يا أمي…كنتِ دايمًا تقولي اللي من نصيبك هيجيلك لحد عندك…يا بركة دعاكي يا أمي!
هدير ضحكت وسط عياطها.
مسلم مسك وشها بين إيديه برفق…كأنه خايف تختفي.
إنتِ فاهمة يعني إيه الكلام ده؟
يعني إني كنت بحبك لوحدي تلات سنين…وطلعتي بتحبيني؟
هي هزت راسها بهدوء:
أنا يمكن ما كنتش فاهمة اللي جوايا في الأول…يمكن كنت ماسكة في وهم قديم…في حب كنت فاكرة إنه أمان…
بس لما خسرته…افتكرت إن الدنيا خلصت.
بصت له بعينين صادقتين جدًا:
بس لما خفت عليك…لما قلبي وقف وأنا شايفة الأجهزة حواليك…فهمت حاجة.
سكتت لحظة… وكملت:
فهمت إن اللي يخوفني عليك للدرجة دي…مش تعاطف.
مش امتنان.
مش تعلق عشان كنت جنبي.
قربت منه خطوة:
ده حب.
مسلم عينه بتلمع.
هدير ابتسمت ابتسامة فيها نضج مختلف:
إحنا دايمًا بندور على الشخص اللي يبهرنا…اللي يضحكنا…
اللي يحسسنا إن الدنيا وردي.
سكتت… وبعدين قالت بعمق:
بس الحقيقة إننا لازم نختار الشخص، اللي يبقى قابلنا بعيوبنا قبل مميزاتنا.
اللي يشوف ضعفنا وما يهربش.
اللي يشوف خوفنا وما يستغلّوش.
اللي يشوف ماضينا وما يعايرناش بيه.
بصت له بثبات:
إنت شوفتني وأنا مكسورة…وشوفتني وأنا بغلط…وشوفتني وأنا تايهة بين حب قديم وحقيقة جديدة…ومشيتش.
صوتها بقى أهدى:
الحب مش إنك تفضل تجرى ورا حد بيهرب منك…ولا تستنى حد مش شايفك.
الحب إنك تلاقي حد اختارك…وواقف يقولك أنا هنا.
دموعها نزلت تاني… بس بابتسامة:
انا اخترتك يا مسلم.
مش عشان أنقذتني.
ولا عشان اشتريت كافيه.
ولا عشان حبيتني تلات سنين.
حطت إيدها على قلبه:
اخترتك عشان لما كنت بموت من الخوف…الاسم اللي كان بينادي جوايا كان اسمك.
تعرف انا عرفت إن الحب مش سباق نكسبه…ولا خطة نمشيها.
الحب رزق…
بس لازم لما ييجي نكون ناضجين كفاية إننا نختاره صح.
مش كل اللي بنتمناه يبقى خير لينا.
ومش كل اللي بيتأخر يبقى راح.
أحيانًا ربنا بيشيل من إيدك حاجة، عشان يفضيها للي يستاهلك فعلًا.
واللي يشوف عيوبك…ويفضل يقولك أنا عايزك، هو ده اللي يستاهل تبني معاه عمر.
مسلم سحبها لحضنه فجأة…
حضن طويل… مليان امتنان وسكينة بعد سنين انتظار.
همس في ودنها:
يعني موافقة تديني فرصة؟
ضحكت وقالت:
فرصة إيه؟
إحنا هنبدأ حياة.
سكتوا لحظة…الهدوء حوالين الترابيزة بقى مختلف.
الشموع منورة… بس اللي بينور أكتر قلبين اتقابلوا بعد لف طويل.
وفي الخلفية شغال ڪوبيله لـِ الست وهي بتقول : يـَ حَبيب إمبارح وحَبيب دِلوقتِ ، يـَ حبيبِ لِبُڪرة ولأخر وَقتي.