الفصل 6 | من 6 فصل

الفصل السادس

المشاهدات
11
كلمة
4,471
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية ثأر يطفئه القدر الجزء السادس 6 بقلم جنى أحمد ثأر يطفئه القدررواية ثأر يطفئه القدر الحلقة السادسة نهض زين من مكانه وإقترب من والدته وقبّل يدها وتحدث : لازم أقوم أنام دلوقتِ، تسلم إيدك يا أمي على الأكل الحلو دة تصبحي على خير… تغيرت ملامح وجهها عند سماعها لكلمة أمي وكأن زين سبها أو وبخها أو نعتها بصفةٍ كريهةٍ وكأن الكلمة ذي تعبير مجازي! خبط يعقوب بيده على السفرة لعلها تسمعه بعدما ناديها للمرة الخامسة،

إنتبهت زينب وتحدثت منتفضة: نعم. _نعم الله عليكِ يا زينب بقالي ساعة بنادي. _نعم كنت عايز إيه يا يعقوب؟ _إنتِ اللي سرحانة في إيه ومش على بعضك كدة. تنهدت زينب ولم ترد أن تفتح الموضوع الذي غلفه صمت السنين وتحدثت : اتأثرت بكلمة أمي يا يعقوب. _يعني دي أول مرة زين يقولهالك يا زينب ما على طول بيقولها! أجابته بحزن أرادت إخفاءه ولكن نبرتها خانتها: بس إنت عارف إن أنا مش أمه يا يعقوب!

تنهد يعقوب تنهيدةً طويلةً كأنه ينفض ذكريات الماضي من عقله ثم تحدث بصوتٍ غلفه الحزن : تاني يا زينب؟ تاني هنتكلم في نفس الموضوع دة؟ ما كنا قفلنا عليه من سنين رجعنا نفتحه تاني ليه؟ إنتصرت زينب على دموعها ولم تسمح لها بالهطول وتحدثت بنبرة متحشرجة : تاني وتالت يا يعقوب، أنا حاسة إني بضحك عليا، عايش طول عمره مفكر إن أنا أمه، حاسة إني باخد حق مش حقي.

صمت يحتل المكان، دقات قلوب تتعالى، والأوضح دموع لامعة في عينِ يعقوب، قطع يعقوب الصمت الذي طال بصوته : المثل بيقول الأم اللي تربي مش اللي تولد، وإنتِ ربيتي زين كأنه ابنك بالظبط والدليل إنه بيقولك أمي. _بس أنا مش موافقة من زمان على إننا نخبي عليه إني مش أمه، مكنتش شايفة إنها مشكلة يا يعقوب لو عرف أكيد كنا هنوصله الفكرة بطريقة تناسب عقله بس اللي بنعمله دة اسمه كذب و..

_لا مش كذب يا زينب إحنا خايفين عليه، إنتِ عارفة إن زين بطبعه عاطفي أديكِ شوفتي متعاطف مع البنت اللي بيدرسلها في الجامعة إزاي لمجرد إنه عرف إن والدها متوفي، لو كان زين عرف إن أمه ماتت هي بتولده زي ما إنتِ عارفة تخيلي كان ممكن يعمل إيه؟ إحنا مخبيين عليه عشان خايفين عليه، ليه يا زينب مش قادرة ترمي اللي فات ورا ضهرك ليه؟ _عشان اللي فات ميترماش ورا الضهر يا يعقوب!

نهضت زينب من مكانها بعد أن لفظت جملتها الأخيرة وصعدت لغرفتها بالأعلى بينما جلس يعقوب وحيدًا يستعيد ذكرى لم يستعد أبدًا لتذكرها! _فلاش باك _كان جالسًا وحيدًا يشعر بالضيق رغم الإتساع من حوله والحزن يضغى في المكان، وجهه باهت، عيونه حمراء من كثرة البكاء، ملامحه تشرح الكثير، لكم حرية التخيل في رجلٍ فقد زوجته وهي تنجب له ابنه! قاطعت ذلك الصمت شقيقته نادية بإقترابها منه وحديثها التي لفظته أملًا أن تُبعث الراحة

في روح أخيها مرة أخرى : هتفضل قاعد كدة حزين وبتعيط؟ أنا عارفة قد إيه إنت كنت بتحبها وهي بتحبك، قد إيه محبتش غيرها وكانت مالية عليك حياتك، حتى لما كانت بتزعلك كان بيبقى على قلبك زي العسل، بس خلاص دة قدر ربنا، ربنا عايزها لإن معادها جه، كلنا جنازات مؤجلة يا يعقوب بس هي سبقتنا، قوّي نفسك كدة عشان ابنك حتى.

لم يستطع تمالك ذاته أكثر من ذلك فقد سمح لدموعه بالنزول ولذاته بالإستسلام وتحدث بشهقاتٍ متتاليةٍ : مش قادر أعيش من غيرها يا نادية، مش قادر أصدق إني دفنتها بإيدي ومش هشوفها تاني، مش قادر أتخيل إنها راحت من بين إيديا وابني بقى يتيم الأم من أول لحظة في حياته!

لم تلقَ ردًا يتناسب مع ذلك الوضع فـماذا ستقول لأخيها الذي فقد زوجته وحبيبته في ولادتها الأولى فـتحول بكاءه من بكاء فرحًا لقدوم نجله للحياة وأنه أصبح أب لـبكاء حزنًا وقهرًا على مغادرة حبيبته للحياة ورقودها للسماء بسلامٍ! ربتت نادية على كتفه داعية ربها أن يخفف العبء من على أخيها وتحدثت بحزن على الحالة التي وصل إليها: عارفة إن اللي هقوله دة مش وقته بس دة اللازم.

نظر لها يعقوب بعيونه الحمراء الدامعة وتحدث وهو قاضبًا حاجبيه مما عكس جهله بنيتها : إيه اللي هتقوليه؟ _إنك تتجوز تاني! نهض يعقوب من مكانه بقوةٍ وتحدث بغضب و حِدة إتضحت في ملامحه وصوته : إيه اللي إنتِ بتقوليه دة يا نادية إنتِ إتجنيتي في دماغك؟ مراتي ماتت من شهر وأنا أروح أتجوز دلوقتِ! أنا قلبي حَبْ واحدة بس وهي چيهان مستحيل أتجوز من بعدها لحد أخر يوم في عمري!

أدركت نادية غضبه وحدته فأغمضت عينيها وتحدثت بهدوءٍ : يا يعقوب لازم تتجوز تاني ودي حاجة لا عيب ولا حرام، تقدر تقولي إزاي هتهتم بابنك اللي نايم جوة دة؟ دة لسة يا عيني حتة لحمة حمرة، مين هيهتم بيه ويغيرله ويذاكرله ويخلي باله منه وقت ما بتكون في المصنع ومشغول بشغلك اللي مبيخلصش؟ إنت كدة بتظلمه معاك يا يعقوب صدقني أنا أم وعارفة كلامي كويس تربية العيال صعبة وإنت مش هتقدر تربيه وتهتم بيه وفي نفس الوقت تشتغل وتروح المصنع.

وضع وجهه بين كفيه وتحدث بصوتٍ متحشرجٍ : مش هقدر يا نادية مش هقدر! حاسس إني كدة هبقى بخون چيهان وبخون حبها وثقتها، مش هقدر أتجوز واحدة غيرها هكون بظلمها معايا وبعدين مين اللي هتوافق بواحد متجوز ومخلف؟ أجابته بسرعةٍ وكأن الإجابة مدونة بعقلها قبل أن يلفظ سؤاله الأخير : زينب! بنت محترمة وكويسة وعارفين أهلها ومتعاملين معاهم، وإنت عارف يا يعقوب إنها بتحبك قد إيه ولكنك محبتهاش وحبيت چيهان صح؟

إنت مش بتعمل حاجة غلط يا يعقوب دة شرع ربنا وأكيد چيهان مش هتكون مبسوطة وهي شايفة ابنها متبهدل صح؟ إتكل على الله وكلّم أبوها وإتقدملها وهو أكيد هيوافق إحنا عارفينهم وهما عارفينا وزينب بنت كويسة وموافقة عليك في أي وضع. أخرج يعقوب وجهه من بين كفيه ونظر للفراغ أمامه سامحًا لخلايا عقله بالعمل والتفكير أن يصر على عدم زواجه من زينب ويرعى طفله ويعمل في نفس ذات الوقت ولكنه غير متيقن هل سيقدر على شيء ثقيل هكذا أم لا؟

ولكن القدر حَكَمَ حُكمه وبالفعل تزوج يعقوب من زينب وأصبحت زوجته على سنة رسول الله، وعاشا زوجان هي تحبه وتعشقه وهو يعاملها برفقٍ مثلما أمره دينه ولكن قلبه لا ينبض لها! ربا نجله وزينب أعتبرته ابنها الذي لم يحمله رحمها وتعاملت معه كأنها أمه وبعدها شاء الله أن يرزق يعقوب بالابنة ويعم الخير عليهم فأنجبت له زينب ابنتهما “حياة” التي ورثت عن أبيها كل الملامح! فاق يعقوب من شروده على صوت الخادمة وهي تلملم الصحون وتحدث هامسًا

لنفسه : أكيد لو كنتِ موجودة دلوقتِ كان زمانك فخورة بابننا بس أنا واثق إنك فخورة بيه من فوق! عمري ما حبيت قدك يا چيهان! _اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد🦋 ألقت السماء ضوئها على أبنية المدينة، وظهرت الشمس في السماء بقوة وكأنها تخبر البشر بأن اليوم هو يوم من أيام شهر أغسطس الحار وليس يناير قارس البرودة.

كانا غيث وحياة في غرفتهم مستيقظين ولكن كل منهما يحاول إظهار عدم الإهتمام للأخر، كان غيث مرتدي بدلته الرسمية الذي يرتديها فور ذهابه لشركته ، أما عن حياة فقد كانت جالسة حزينة مرتدية منامتها الوردية وكأنها لن تذهب إلى العمل.

لاحظ غيث ملامح الضيق الذي تعرب حزنها المخفي بداخلها فـبدأ بجمع الأحداث ببعضٍ، بالأمس حدّثه شوفيرها الخاص وعلم منه أنها خرجت قبل موعد عملها الأصلي وكان على وجهها علامات الحزن، ووجهها الحزين وعلامات البكاء التي كانت ظاهرة وهي مستغرقة في نوم ليلًا، واليوم وهي لا ترتدي ملابسها الرسمية حتى تستعد للخروج فأدرك أن ملامح وجهها الحزينة بسبب مشكلة ما في العمل.

تحدث غيث وهو يعدل ياقة قميصه بهدوءٍ : ممكن أعرف لو مفيهاش تدخل في حياتك الشخصية إيه السبب اللي خلاكِ تخرجي إمبارح من شغلك بدري؟ نظرت له بإستغراب وتحدثت : وإنت عرفت منين؟ ها طبعًا ما إنت مراقبني في كل حتة. _جاوبيني على سؤالي من غير كلام كتير! إستشعرت حدته في الحديث معها فأدارت وجهها للناحية الأخرى من الغرفة وتحدثت بحزن ظاهر في نبرة صوتها : أنا إتحولت للتحقيق! صُدم غيث من الأمر، لماذا تحولت للتحقيق؟

سألها بوجه صادم : إتحولتي للتحقيق ليه؟ لتكوني كسرتيلهم المستشفى زي ما عملتي في الأوضة هنا! أخذت حياة ما في الغرفة من أكسجين لصالحها وزفرته بقوة ثم تحدثت بغضب مكتوم : عشان في دكتور قذر كان بيتحرش بمريضة عندها 17 سنة وإستغل إنها إتعرضت لصدمة نفسية ومش هتقدر تحكي أو تصوت وعمل عملته القذرة.. قاطعها غيث بعدما سمع ما لوث طبلة أذنه : وإنتِ كانت ردة فعلك إيه؟ ضربتيه بكرسي ولا قصيتي تلت صوابع من إيده؟

لم تجاري مزحته التي لا تتناسب مع الموقف المأسوي التي تقصه عليه فأجابته بغضب منه ومن ياسر: لا يا خفة ضربته بالمشرط! لإني صورته فيديو ولما واجهته بيه حاول ياخد الفون مني عشان يمسحه ولما معرفش ضربني وأنا عشان أدا… قاطعها غيث وهو يقترب منها وكأنها قالت شيئًا سيدمر مدينة بأكملها ، وقف أمامها حتى إنعدمت المسافة نسبيًا وتحدث بغضب يحاول تغليفه بنظرة ثابتة : ضربك! ليه متصلتيش بيا؟

كنت جيت هديت المستشفى باللي فيها وشربت من دم الزبالة دة، إزاي يتجرأ ويمد إيده على حُرمة وعلى حَرَم غيث الجبالي! إرتابت حياة من إقترابه الشديد ونبرة صوته ونظراته وتحدثت وهي تتلاشى النظر إليه : إبعد لو سمحت عشان القرب دة موترني. أدرك غيث مدى إنفعاله فأغمض عيناه وأخذ بنصيحة أمه وهي غمض العيون وأخذ النفس وقت الغضب، أردفت حياة : وطبعًا المدير عرف و…

قاطعها غيث بنبرة من نبرات الهدوء والغضب أيضًا : خلاص متكمليش، أيًا كان اللي حصل إيه بعد كدة فاللي هيحصل تلاتة، أولًا هترجعي لشغلك زي ما كنتِ، ثانيًا الدكتور اللي بتقولي عليه حسابه معايا وإعتبري شهادة الطب اللي معاه مسحوبة دة لو كان معاه بأخلاقه، ثالثًا البغل الدكتور التاني هترديله نفس الضربة اللي.. قاطعته حياة بترجي : لأ مش هينفع خلاص أنا خدت حقي وضربته بالمشرط في كتفه وخد جزاءه ولكن بلاش تأذيه في حاجة تانية.

_أنا لو أذيته في مهنته فأنا كدة بمنع أذاه من البشر، دة لو إستمر في مهنته البنت اللي إتحرش بيها مش هتبقى أخر بنت. بعدت حياة نظرها عنه وجلست تفكر وتتمعن وقررت ألا تشغل بالها بغير نفسها، فأولوياتها هي أن ترجع لعملها مرة أخرى والباقي لا تهتم به، قاطع تفكيرها غيث وهو يأخذ هاتفه قائلًا : أنا هنزل عشان ألحق أما إنتِ غيري هدومك وإنزلي تحت بسرعة عشان زي ما قلتلك هترجعي لشغلك تاني.

نزل غيث من جناحه وتقدم إلى سفرتهم وكاد أن يجلس ولكن أوقفه أباه عز الدين الذي تحدث بجدية : غيث! تعالى الجنينة عايزك في كلمتين. نظر لهما ريان وتحدث برفعة حاجب : يا ساتر يا رب نيلت إيه كمان يا غيث. حدجه غيث بحدة ثم ذهب خلف أبيه ليستمع إلى ما سيقصه عليه. جلس عز الدين على مقعده الخشبي الذي يعتقد ريان أنه من العصر الفرعوني ، و تحدث بتساؤل : هتفضل كدة لحد إمتى؟ نظر له غيث بإستغراب وتحدث وهو قاضب حاجبيه مما يدل

على جهله بما يقصده أباه : كدة إزاي يا بابا؟ في حاجة عملتها زعلتك منّي؟ إبتسم عز الدين وأردف حديثه : عُمرك ما عملت حاجة تزعلني لا أنت ولا والدتك الله يرحمها. أجابه بالجملة الأكثر وجعًا إلى قلبه : الله يرحمها. نظر عز الدين لـغيث بتأمل ملامحه التي ورثها طبق الأصل من أمه وتحدث : أقصد هتفضل كدة لحد إمتى تروح الشركة وترجع بليل متأخر؟ يعني المفروض إنت عريس جديد.

ضحك غيث ضحكةً بسيطةً ساخرة من كلمة “عريس” وكأن حفل الزفاف الذي قام كان حقيقيًا ليس مجرد حل عداوة ، تحدث غيث بهدوءٍ كي لا يشعر أباه بشيءٍ : يا بابا زي ما إنت عارف إحنا شغالين على صفقة مهمة دلوقتِ ومافيش أي وقت للترفيه وحياة عندها شغل ياما بردوا والفترة دي مضغوطين. _ولو بردوا يا ابني لازم تخصصوا وقت لحياتكم شوية، يعني المفروض تاخدها وتروحوا شهر عسل في أي مكان برة مصر، مكان يكون جوه لطيف وهادي وميكونش زحمة.

أجابه غيث وكأنه يجاريه كي يتخلص من هذا الحديث الممل: دة اللي كان في نيتي يا بابا بس مستني الصفقة دي تتم وهعرض على حياة وناخد أجازة ونسافر. _تمام يا ابني ربنا يوفقكم يا رب. _اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد🦋 صفّ غيث سيارته ووقف أمام المشفى ولكنه تردد أن يدخل وكأن ساقه مُحرّم عليها الدخول ، تعالت أنفاسه، ودمعت عيناه، وظل عقله يذكره بذكرياتٍ لا يريد تذكرها! نظرت له حياة وتحدثت بإستغراب : إنت كويس؟

وشك بيجيب عرق من كل حتة وأصفر زي اللمونة. إنتفض من مكانه وفاق من ذكرياته اللعينة وتحدث : أنا كويس… كويس بس يعني.. لا لا كويس. نظرت له حياة بإرتياب وتأملته ثم تحدثت وهي متجهة للداخل: طب يلا ندخل ولا رجلك لزقت هنا؟ اومأ لها ودخل معها ناظرًا للأرض حتى لا يتأمل المشفى ويتذكر ذكريات مرض أمه!

كان الهدوء يدلف في كل أروقة المستشفى، إلا أن وقع خطوات غيث كان حادًا وواثقًا وهو يتجه نحو مكتب المدير، بينما كانت حياة تسير بجواره بتردد، تتشبث بحقيبة يدها وكأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من كرامة. توقفت أمام الباب، ثم همست : بلاش هو خلاص خد قراره. إلتفت إليها، ونظر في عينيها بثبات : لو اللي قلتيه حقيقي، فأنا مش داخل أتخانق، أنا داخل أطالب بحقك.

طرقت السكرتيرة الباب، ثم سمحت لهما بالدخول، رفع المدير يونس رأسه من خلف مكتبه، وما إن وقعت عيناه على حياة حتى ارتسمت على وجهه علامات الدهشة : دكتور حياة؟ ثم إنتقلت عيناه إلى غيث وتحدث برسمية : اتفضلوا. جلس غيث بهدوء، بينما بقيت حياة واقفة للحظات قبل أن تجلس في المقعد المجاور له. شبك يونس أصابعه فوق المكتب : أقدر أعرف سبب الزيارة يا أستاذ غيث؟ أجابه غيث

بهدوء لا يخلو من الحزم : أنا جاي أتكلم في قرار حضرتك الخاص بالدكتورة حياة. زفر يونس ببطء : القرار اتاخد بعد تحقيق كامل. _تحقيق ولا حكم؟ عقد يونس حاجبيه : تقصد إيه يا أستاذ غيث؟ مال غيث قليلًا إلى الأمام : أقصد إن حضرتك عارف الدكتورة حياة بقالك سنين، وعارف أخلاقها، ومع ذلك بمجرد اختفاء الدليل بقت هي المتهمة. نظر يونس إلى حياة، ثم عاد ببصره إلى غيث : أنا متهمتهاش بالكذب. _لكنك صدقت إنها اعتدت على زميلها.

أجاب يونس بثبات : لأن دة الشيء الوحيد اللي كان قدامي ومثبت. قالت حياة بصوت خافت : قلت لحضرتك إنه مسح الفيديو. قاطعها يونس بهدوء : وقلتلك وقتها من غير دليل إيدي كانت مقيدة. ساد الصمت لثوانٍ، ثم قطعه غيث : وأنا لو جبت لحضرتك الدليل؟ اتسعت عينا حياة، والتفتت إليه في دهشة، أما يونس فاعتدل في جلسته : عندك دليل؟

ابتسم غيث ابتسامة خفيفة : مش دلوقتِ لكن أنا بدأت أدور، وأي فيديو بيتصور على موبايل حديث غالبًا بيكون ليه نسخة احتياطية، ولو اتمسح من الجهاز مش معنى كده إنه اختفى. تغيرت ملامح يونس قليلًا ثم أكمل غيث : غير إن المستشفى فيها كاميرات مراقبة، وفي ممرضة كانت موجودة وقت الواقعة. الحقيقة عمرها ما بتختفي… بتتأخر بس. ظل يونس صامتًا، وكأنه يعيد ترتيب كل ما حدث في رأسه، ثم نظر إلى حياة وتحدث : دكتور حياة…. رفعت

رأسها إليه وأردف إليها : يمكن أخطأت في تقدير الموقف لكن عمري ما شكيت في نزاهتك. امتلأت عيناها بالدموع دون أن تنطق، بينما أخذ يونس نفسًا عميقًا، ثم قال : طالما فيه إحتمال إن تظهر أدلة جديدة، أنا هعيد فتح التحقيق رسميًا. إلتفت إلى حياة مباشرة : واعتبارًا من بكرة تقدري ترجعي شغلك بشكل مؤقت لحد ما التحقيق ينتهي. شهقت حياة في عدم تصديق وتحدثت كأن الغرفة لا تسع أجنحتها: بجد؟

أومأ يونس برأسه : لكن بشرط أي خطوة بعد كده تكون عن طريق الإدارة، مش بنفسك. _اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد🦋 في قصر الجبالي، كانت الشمس ساطعة منتصرة في السماء، والجو منتعش كـعادة نهار يناير، ورائحة زهور الياسمين تطغى على حواس كل من في القصر. كانت سعاد تجلس في حديقة القصر ممسكة بمجلة تقرأ بها أخر أخبار مصر ولكن قاطعها دخول غزل المفاجيء قائلة : بابا وعمي فين؟ أجابتها بسخرية

واضحة في نبرة صوتها : ما إنتِ عارفة إنهم في الشركة بيتابعوا النظام هناك ولكنهم سايبين الشغل لـكبار عيلة الجبالي. _دة بالنسبة لبابا وعمي، بالنسبة لبنت السيوفي؟ إحنا هنسكت؟ هنسمح لبنت السيوفي تتعمق أكتر في علاقتنا وتاخد مني غيث؟ _والله أنا قلتلك اللي عندي تساعديني نخلص على الحيّة اللي فوق أساعدك نخلص على حياة. _أنا هسمّها! تفاجئت سعاد من تغيّر ابنتها

المفاجيء وتحدثت بغضب : شششش وطي صوتك إلا حد يسمعك وبعدين مينفعش تسميها دلوقتِ وإنتوا علاقتكوا مش أحسن حاجة كدة، هيبقى باين أوي إنك اللي عملتي كدة وساعتها أبوكِ وعمك وغيث أولهم مش هيسموا عليكِ. _وعشان كدة أنا هعاملها كويس إنهاردة وأحط السم في كوباية العصير بتاعتها اللي كريمان هتديهالها واللي بردوا عملاه بإيدها وساعتها بقى هنقول الفاكهة حمضانة أو قلة نضافة أو اي حجّة. سبتها سعاد في سرها ولعنت غباء

نجلتها ثم أردفت حديثها : يا أذكى إخواتك لو ضحكتي عليهم مش هتعرفي تضحكي على الدكاترة هيبقوا عارفين دة قلة نضافة ولا سِمّ وكمان هيبقى واضح أوي إن بعد العشا اللي أكلته هنا تعبت يعني مش من أكل الشغل مثلًا. صمتت غزل وكأن وراء صمتها كارثة ستهد العالم بأكمله ولكنها فضّلت مشاركة أمها تفاصيل عملتها فتحدثت بشر : بس السِمّ اللي أنا حطيته مفعوله بطيء يعني هيظهر عليها على بليل كدة. إنتفضت سعاد من مكانها وكأن مَرّ تيار كهربائي

في جسدها ثم تحدثت بإرتياب: إنتِ حطيتي السِمّ في أكلها الصبح؟ إنطقي وقوليلي هببتي كدة بجدددد؟ تحدثت غزل بسخرية مقلدةً إياها : وطي صوتك يا ماما إلا حد يسمعنا. أيوة حطيت السِمّ الصبح في أكلها وحطيت كمية كبيرة خمس نقط مع إن المفروض نقطتين بس في الأكل بس عشان أنا كريمة حطيت خمسة ثم أردفت

بشر ظاهر في صوتها وعيونها: عشان تبقى أخر ليلة في حياة حياة السيوفي الليلة وبعديها العرش يبقى ليا هبقى أخلي غيث ليا بطريقتي بس خلينا في أول خطوة دلوقتِ. تحدثت سعاد بخوف : غبية! أول واحدة هيشكوا فيها هتبقي إنتِ ولو حياة ماتت إنتِ اللي هتبقي السبب ومش هيكفيهم قتـ،،ـلك. _مستحيل يعرفوا يا ماميتو، أنا وحشة شوية مش لدرجة قتل يعني. ثم جلست على الأريكة الموضوعة في الحديقة

وتحدثت بفرحة وإبتسامة : تعالي إختاري معايا عنوان كويس يحطوه الأخبار بكرة بعد ما حياة تودع. مثلًا عاجل وفاة حياة السيوفي زوجة غيث الجبالي بعد عقد قرانهم بأيام قليلة، أو إستني بلاش دي عايزة حاجة أحلى. قاطعتها سعاد بغضب وهي تقول : إسكتي لما قلت نخلص عليها مكانش قصدي كده، قصدي نخنقها وهي نايمة ونقول موتة ربنا، أي حاجة عشان نبعد الشبهات عننا

إبتسمت وتحدثت : طب ما هي دي موتة ربنا بردوا يا ماما، أنا مش هقتلها ربنا اللي كاتبلها كدة. اخذت سعاد المجلة ونهضت من مكانها وإستعدت للخروج وتحدثت : أنا هروح الكافيه بتاعي عشان أهدّي أعصابي منك.

ضحكت غزل وجلست وهي تستنشق الهواء وكأن خطتها ستنجح دون معرفة شخص بتلك الجريمة، خططت غزل جيدًا لشراء سِمّ أفعى نادر ووضعه في كوب العصير الخاص بحياة دون أن تُكشف أو يراها أحد، ولكنها لم تخطط جيدًا للمكان الذي ستقص على أمها بفعلتها فقد فشلت في ذلك وسمحت للخادمة بسماعها! تبًا لغباء غزل الفريد من نوعه الذي يقودها دائمًا إلى الجحيم! الخادمة سمعت كل تفاصيل جريمتهم! _اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد🦋

في حارةٍ شعبيةٍ تمكث فيها قمر كما تعودتم، كانت تفتش في جميع أركان منزلها وتتحدث بعجلة من أمرها حتى تلتحق بموعد مقابلة العمل التي سوف تُعقد بعد نصف ساعة من وقتها : ماما مشوفتيش فين المحفظة بتاعتي؟ _هتلاقيها عندك على الترابيزة يا قمر. أخذتها قمر وألقت عليها التحية كي تغادر المنزل ولكن صوت رنين الجرس أوقف حميمتهم، فتحت قمر الباب وتفاجئت بالضيف الغير متوقع! ابن عمها حازم يقف أمامها بشحمه ولحمه!

صُدمت قمر من رؤيته وهيئته التي لا تبشر بالخير ونظراته القذرة مثله، تحدثت بصدمة وعيون متسعة : حازم! جاي هنا تعمل إيه؟ مكفاكش اللي عملته إنت وأبوك جاي تكمل؟ حدق إليها بقوةٍ وتمعن فيها وإستقر في تفاصيلها حتى تحدث بإبتسامة إستفزازية : أيوة حازم يا بنت عمي، وبعدين ليه الكلام اللي يزعل دة إستقبال تستقبلي بيه ابن عمك؟ طب حتى إعزمي عليا أدخل!

لم تستطع أن تراه أمامها يتمتع بأموال أبيها الذي خسرهم ظلمًا وإختلاسًا فقد صاحت به غضبًا حتى وصل صوتها إلى مسمع أمها : بنت عمك! إنت لسة فاكر إنك ليك بنت عم يا حرامي يا زبالة، كان فين إهتمامك دة وإنت وأبوك بتاكلوا حق بابا وبتمضوه على كل ممتلاكاته! أنا دلوقتِ عرفت ليه مرات عمي خلعته كان عندها حق بصراحة عايشة مع حرامي وندل.

تمالك حازم أعصابه حتى لا يفقدها عليها وتحدث بهدوءٍ مصطنعٍ : براحة علينا يا نجمة وإنزلي من على البرج اللي بتكلمينا منه دة وبعدين أنا كنت جاي أعرف فكرتي في الموضوع إياه ولا.. قاطعت سوزان حديث ابنتها المتواصل العالي بحدتها : حازم! جاي هنا تعمل إيه؟ زفرت قمر ما تبقى من أكسجين في رئتيها وأردفت : إدخلي جوة يا ماما لو سمحتي. لم تطمئن سوزان لنظرات حازم ولكن دخلت للداخل بينما أردفت قمر حديثها بغضبٍ صُدم

جسدها منه : كلمتين تحطهم حلقة في ودانك يا اللي المفروض تبقى ابن عمي، أنا مش هقبل بجوازي منك ومش هتجوزك وأقسم بالله لو إنت أخر راجل في الدنيا أتفووو على وشك. أنهت قمر جملتها الأخيرة وبصقت في وجهه بقوةٍ مُعبرة عن غضبها وكُرهها ، نظر لها حازم بغضبٍ ثم تحدث وهو يزيل أثر البصقة

من على وجهه بإسوارة قميصه: ماشي يا قمر هعتبر إن اللي عملتيه دة مجرد غضب وهديكِ مُهلة إسبوع كمان تفكري فيه بس يا توافقي وتقبلي بجوازي يا مقولكيش على اللي أنا هعمله. لفظ جملته الأخيرة وتركها وحيدة بمنزلها المتهالك، سبته سبة بذيئة هادمة لأخلاق المجتمع ثم صفعت الباب الخشبي رديء النوع خلفها وهوت أرضًا حتى وجدت من يضمها لصدرها الحنون! تصفعها الحياة مرارًا وتكرارًا ولكن في كل صفعةٍ تجد أمها تحنو عليها وتُبعث في روحها الأمل!

_اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد🦋 إنسدل غطاء الليل على أبنية المدينة، وأحتل المدينة صوت الهدوء والسكون، وبقيّ قصر عائلة الجبالي شامخًا. في جناح غيث وحياة، كانت جالسة مرتدية منامتها الوردية الصوفية التي تفضلها عن سائر مناماتها، تشبك أعصابها ببعضٍ بإرتباكٍ واضحٍ وكأنها تنتظر شخصًا ما ولكن الإنتظار لم يجعلها تنتظر أكثر ودخل عليها غيث بهيئته المنهكة دليلًا على يومٍ شاقٍ مر به.

غلق الباب وخلع معطفه الشتوي ووضعه على الأريكة وبعدها ولّى ظهره لحياة وإنتفض من رؤيتها : بسم الله الرحمن الرحيم، إيه اللي إنتِ عملاه دة فجعتيني يخربيت شكلك. _شكلي يرعب ولا إيه؟ شوفت عفريت؟ _مقولتش كدة بس مشغلة الأباچورة وقاعدة على السرير في وش الباب فكرتك نمتي لقيتك في وشي حرام عليكِ. _آسفة مقصدش أفجعك. رفع حاجبيه وتغيرت ملامح لملامح ساخرة ضاحكة بسيطة ثم تحدث: الدكتورة بتعتذر! فعلًا والله الدنيا فيها العجب.

نهضت حياة من جلستها وإقتربت منه بعض الخُطى وتحدثت وهي تحدق في وجهه وعيونه وملامحه : إنت إزاي كدة؟ ليه بتعمل معايا كدة؟

أنا وإنت متجوزين غصب وجوازنا غلط وجواز عشان تار بين العيلتين ومع ذلك إنت هادي جدًا ولا كأن حاجة حصلت وبتتعامل مع الموضوع عادي بل بتتعامل معايا عادي، أنا مقدرتش أستحمل الفكرة ولحد دلوقتِ مش قادرة أستحملها ولا أتعايش مع الأمر وبتعصب عليك وكسرت عليك الأوضة وبردوا لما الإزاز دخل في رجلي وإيدي إنجرحت كنت خايف عليا، حتى لما شوفت الماسدچ بتاعت الولد اللي أمه عندها كانسر اتأثرت ووافقت ترجعني الشغل، لما إتحولت للتحقيق وعرفتك إيه اللي حصل كنت أول واحد معايا ورجعت الشغل بفضلك وكمان بتدور على دليل برائتي، ليه بتعمل معايا كل دة؟

زفر غيث نفسه بقوةٍ وجلس على الأريكة وتحدث بإرهاق : لإن دة الطبيعي يا دكتورة، اه جوازنا جواز تار ولكن في الأول والأخر إنتِ مراتي حتى لو على الورق بس، من واجبي إني أهتم فيكِ وأخاف عليكِ وأحميكِ حتى لو مش بحبك وكمان أنا قلتلك إننا هنطلق كمان تلت شهور يعني مافيش داعي للزعل. _بس أنا مبعملش كدة، طريقتي معاك حادة وعصبية و… _سؤال بس هو الوحي نزل عليكِ دلوقتِ؟ ما إنتِ لسة إمبارح الصبح مسكاني غسيل ومكواة.

_عشان لما فكرت وجمعت كل اللي إنت عملته معايا لاقيت إني مأڤوراها شوية، إنت متستحقش المعاملة دي يا… متستحقش المعاملة دي. كاد غيث أن يجيبها ولكن صوت الطرق على الباب منعهما، توجه غيث ناحية الباب وفتحه وما إن رأى كريمان الخادمة تحمل صينية كبيرة تعج بالأطعمة. _دة العشا بتاعك يا غيث بيه إنت والست هانم حياة وكمان الشوكولاتة دي غزل هانم بعتاها لحياة هانم. _في كل مرة بقولك بلاش بيه وهانم دي يا كريمان. إبتسمت كريمان

وتحدثت بإبتسامة بلهاء : بالهنا والشفا. إبتسم غيث ودخل الغرفة وضع الصينية على طرف الفراش، تحدث وهو يتفحص عُلبة الشوكولاتة : ممكن أصدق أي حاجة في الدنيا إلا إن غزل تبعتلك شوكولاتة، يمكن يكونوا الأربعين يوم اللي ريان قال عليهم صح. كانت حياة محاوطة بطنها، مغمضة عينيها، وتتنفس بسرعةٍ كأنها تعاند رئتيها، تحدثت بوهنٍ ظاهر في صوتها : والصبح عطتلي كوباية عصير وبقت بتعاملني كويس غريبة.

وضع غيث العُلبة في موضعها ورفع نظره إلى حياة الجالسة على الفراش بنفس الوضعية : إنتِ كويسة؟ مالك؟ وشك عامل كدة ليه وبيجيب عرق من كل حتة؟ نهضت من موضعها وتحدثت وهي تلتقط نفسها بصعوبةٍ : مش عارفة في إيه مرة واحدة حصلي كدة.. _طب إهدي وكُلي دة إرهاق و.. شعرت حياة بالدوار وهوت أرضًا وبدأ صدرها يثقل عليها ويتلو ويهبط وأنفاسها تخرج وتدخل بصعوبة وعيونها تتحرك يمينًا ويسارًا ، نزل غيث لمستواها بقلق وبدأ يضرب خديها

برفق كي يفيقها من نوبتها : دكتورة إنتِ سمعاني؟ متتعبيش نفسك وخدي نفس. كانت محاوطة بطنها وتلهث بأنفاسها والعرق يتصبب من جميع جسدها وشعرت ببرودة جليدية في أطراف جسدها وتحدثت بألمٍ شديدٍ جعل صوتها يخرج بثقل : بـ.. بطني بتتقطع، مـ.. مـ.. مش قـ.. قادرة أخد نفسي، بموت مش قادرة، بطني بطني اااه ااااه.

لأول مرة غيث يشعر بالرعب والخوف منذ أن توقف قلب أمه ، جلس غيث أرضًا وأخذ يضع رأسها على ساقه ويضرب خدها ويضع بعض قطرات الماء عليه ولكن الذي جعل قلبه ينبض بقوة وجسده يرتعش هو رؤية سائل أبيض ينزل من فمها. اللعنة هل حياة تسممت! نهض من مكانه وحاول حملها ورأى عيناها تُغلق وتُفتح وشفتيها تلونت باللون الأزرق ووجها شُحِب مثل الأموات، تحدث بخوفٍ

لم يشعر به من قبل : لا لا متعمليش كدة بالله عليكِ متغمضيش عينك خليكِ مفتحاها، كل حاجة هتبقى كويسة. خرج الحديث من فمها بأعجوبة وهي تشهق وكأن عزرائيل يأخذ روحها : مش قادرة روحي بتطلع! خرج من الجناح بسرعةٍ ورأي صالة القصر معتمة أيقن أن الجميع صعد لغرفته للإستعداد لليوم الجديد.

أسند جسدها الواهن إلى المقعد الخلفي، وتشابكت أصابعه بأصابعها المرتخية، رافضًا أن يتركها، بينما كانت السيارة تشق الطريق إلى المستشفى كأنها تسابق القدر. تحدث وهو يسوق السيارة بيدٍ ويحاوط كفها باليد الأخرى : فتحي عينك بالله عليكِ إنتِ أقوى من كدة متستسلميش. كان جسدها مرتخي، عيناها مغلقة، وجهها شاحب كالأموات، شفتاها زرقاء، ودرجة حرارة جسدها باردة. داخل قسم الطوارئ… اندفعت أبواب الطوارئ بقوة، ودخل غيث يحملها بين ذراعيه،

وصوته يسبق خطواته : دكتور! حد يلحقها بسرعة! هرع طبيب الطوارئ نحوه، وما إن وقعت عيناه على حياة وكأنه يعرفها حتى صاح بالممرضين : دكتور حياة! ترولي! بسرعة وانقلوها لغرفة الإنعاش. وُضعت على السرير المتحرك، بينما كانت رأسها تتمايل بلا مقاومة، وشفاهها شاحبة إلى حدٍ أثار القلق. اقترب الطبيب منها سريعًا، يتحسس نبضها، ثم فتح إحدى جفنيها، وسلّط ضوء المصباح الصغير على حدقتها، قبل أن يلتفت إلى الممرضة قائلًا

بحزم : وصلوا المونيتور، جهزوا أكسجين، وافتحوا لها خط وريدي حالًا واسحبوا عينات دم كاملة، وتحليل سموم فورًا. وقف غيث عند الباب، أنفاسه متقطعة، ويداه ترتجفان وقد تلطختا ببقايا القيء وآثار السم. التفت إليه الطبيب بسرعة : إيه اللي حصل؟ ابتلع غيث ريقه بصعوبة وقال بصوتٍ مبحوح : كانت كويسة وبنتكلم عادي بعدها بدقايق بدأت ترجع وتتعب، ووقعت قدامي. عقد الطبيب حاجبيه وهو يواصل فحصها : هل عندها حساسية؟ بتاخد أدوية؟ تعرف شربت إيه؟

هز غيث رأسه بعجز وتحدث وعيناه لم تفارقها : معرفش بس هي دكتورة وبتشتغل في المستشفى هنا ممكن تكون أكلت حاجة من برة عملت فيها كدة. _لأ الحاجات المصنعة اللي برة في المطاعم مفعولها بيظهر في وقتها. ساد صمت ثقيل للحظات، بينما كانت الأجهزة تُثبَّت حولها، وأصواتها المنتظمة تملأ الغرفة. ثم رفع الطبيب

رأسه وقال بنبرة جادة : حالتها حرجة جدًا، هنبدأ العلاج فورًا، والدقائق الجاية هي اللي هتحدد استجابتها. اتفضل استنى برة، وسيبنا نشتغل لو سمحت. تراجع غيث خطوة، وعيناه معلقتان بها حتى أُغلقت أبواب غرفة الإنعاش أمامه، ليبقى واقفًا في الممر، يشعر لأول مرة أن العجز قد يكون أقسى من أي ألم. انطبق الصمت على المكان، ولم يبقَ سوى سؤالٍ واحدٍ ينهش قلبه هل ستعود إليه؟ أم كانت تلك آخر مرةٍ يحملها بين ذراعيه؟

ولم يكن يدري، وهو يراها تختفي خلف الأبواب، أكانت تُساق إلى النجاة أم إلى وداعٍ لا عودة بعده؟ لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية ثأر يطفئه القدر)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...