الفصل 2 | من 2 فصل

الفصل الثاني

المشاهدات
2
كلمة
5,752
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية سطوة الياسمين الجزء الثاني 2 بقلم دودو محمد سطوة الياسمينرواية سطوة الياسمين الحلقة الثانية

ما إن انتهت جوري من ترتيب الشقة بالكامل، حتى وقفت للحظات تتأمل المكان في صمت. كانت معتادة أن تبدأ يومها بترتيب البيت قبل أي شيء، تحاول أن تمنح ذلك المنزل المتواضع شيئًا من الدفء الذي افتقده منذ رحيل والديها. مسحت العرق المتجمع أعلى جبينها، ثم اتجهت إلى غرفتها، بدلت ملابسها سريعًا، وصففت خصلات شعرها بعناية بسيطة، قبل أن تلتقط مفاتيح الكشك وتغادر.

هبطت درجات السلم بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى كشك الورد الصغير، ذلك المكان الذي لم يكن بالنسبة إليها مجرد مصدر رزق، بل قطعة من روح والدها الراحل، والشيء الوحيد الذي تشعر داخله بالأمان. أخرجت المفتاح، وأدارت القفل برفق، ثم دفعت الباب الخشبي لتستقبلها الرائحة التي عشقتها منذ طفولتها، رائحة الزهور المختلطة بالماء والتراب، رائحة كانت دائمًا قادرة على تهدئة قلبها مهما أثقلته الهموم.

بدأت تخرج الأحواض والورود إلى الخارج، ترتبها بعناية شديدة، كل زهرة لها مكانها الذي لا يجوز أن يختل. كانت تمرر أصابعها فوق الأوراق برفق، تزيل ورقة ذابلة ، وتعدل ساق وردة مائلة من هناك، ثم عادت إلى الداخل، ترتب الأدوات، وتنظم الشرائط الملونة وأوراق التغليف حتى بدا المكان في أبهى صورة. وحين انتهت، جلست فوق مقعدها الخشبي الصغير، وأسندت ظهرها إليه ببطء. لكن هذه المرة، لم تستطع أن تبتسم.

ظلت تحدق أمامها بشرود، بينما كانت كلمات الصباح تتردد داخل رأسها بلا رحمة. كيف استطاعت ملك أن تفعل بها ذلك؟ كيف وقفت تنظر في عينيها بكل تلك البرودة، وهي تلقي عليها تهمة لو صدقها أحد لتحطمت حياتها بالكامل؟ لم يعد الأمر مجرد ديون تسددها عنها، ولا أكاذيب تخفيها، بل أصبحت تعرض سمعتها وكرامتها للخطر، وكأنها لا تعني لها شيئًا. هزت رأسها بعدم تصديق، وشعرت بغصة حادة تخنق صدرها.

لقد فاقت ملك كل الحدود، وباتت أفعالها أكبر بكثير من قدرة جوري على الاحتمال. كانت غارقة في أفكارها، حتى انتشلها من شرودها صوت محركات سيارات توقفت فجأة أمام الكشك. رفعت رأسها باستغراب، لتتجمد ملامحها في اللحظة التالية. عدة سيارات سوداء فاخرة اصطفت أمام المكان، بطريقة لفتت أنظار كل المارة في الشارع. وقبل أن تستوعب ما يحدث، انفتحت أبوابها دفعة واحدة.

ترجل منها عدد كبير من الرجال، أصحاب الأجساد الضخمة والملامح الجامدة، وتحركوا نحوها بخطوات سريعة وحاسمة. شعرت بقلبها يهوي داخل صدرها. نهضت من مكانها بفزع، وتراجعت خطوة إلى الخلف، لكنهم كانوا قد وصلوا إليها بالفعل. أمسك اثنان منها بذراعيها بقوة، وقيدا حركتها تمامًا. اتسعت عيناها بالرعب، وارتجف صوتها وهي تقول بدموع: –أنتوا مين؟ عايزين مني أيه؟ تكلم احد الرجال بصوت غليظ وقال: –أخرسي خالص. نظر إلى رجاله وقال بأمر:

–كسروا المكان كله، مش عايز حته فيه سليمه. توقفت أنفاس جوري للحظة. نظرت إلى الكشك بذهول، ثم عادت تنظر إليهم، عقلها يرفض تصديق ما سمعه. وفي أقل من ثانية، اندفع الرجال نحو الكشك كإعصارٍ لا يعرف الرحمة.

امتدت الأيدي الغليظة إلى كل ما تقع عليه، فانطلقت أصوات التحطيم تتردد في أرجاء الشارع بصورة مرعبة. تناثرت المزهريات الزجاجية فوق الأرض لتتحول إلى شظايا لامعة، بينما اقتلعت أحواض الزهور من أماكنها وألقيت بعنف، فتبعثرت الورود بألوانها المختلفة تحت الأقدام، وسحقت بتلاتها قبل أن تذبل.

تطايرت أوراق التغليف والشرائط الملونة في الهواء، قبل أن تهوي فوق الأرض بين الأخشاب المكسورة. أما الأرفف التي كانت تحمل ثمرة سنوات من تعب جوري، فقد هوت واحدةً تلو الأخرى بصوتٍ مدوٍ، حتى لم يبقى منها سوى حطام مبعثر.

وامتزج عبير الورد، الذي كان يملأ المكان حياةً قبل لحظات، برائحة الخشب المحطم والغبار المتصاعد، فتحول ذلك الركن الصغير الذي صنعته جوري بيديها، من حديقة تنبض بالجمال، إلى أنقاضٍ صامتة تشهد على قسوةٍ لم تعرف الرحمة. كان المشهد بالنسبة إليها أشبه بمن يذبح قطعة من قلبها أمام عينيها. أخذت تقاوم أيدي الرجال الذين يمسكون بها بكل ما أوتيت من قوة، وهي تصرخ بانهيار:

–لا لا، أبوس أيديكم، المكان ده غالي عليا، كفايه حرام عليكم، كفااايه. لكن صرخاتها كانت ترتطم بقلوب أغلقتها الهيبة قبل الرحمة. لم يلتفت إليها أحد من الرجال، وكأن توسلاتها لم تكن سوى ضجيجٍ لا يستحق السماع، واستمرت الأيدي في تحطيم كل ما تقع عليه بلا تردد أو شفقة.

وفي غضون لحظات، بدأ المارة يتوقفون واحدًا تلو الآخر، ثم تجمع أهل المنطقة أمام الكشك، يتابعون المشهد بذهول ووجوم. انعكست الصدمة على الوجوه، وتبادلت العيون نظراتٍ حائرة، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب أو الاعتراض، فقد كانت هيبة الرجال والسيارات الفارهة كفيلة بأن تجمد الجميع في أماكنهم، ليبقوا مجرد شهودٍ على انهيار فتاةٍ كانت تستجدي الرحمة، ولا تجد من يمنحها إياها.

أما جوري، فكانت تتلوى بين أيديهم وهي تحاول الإفلات منهم بكل ما تملك من قوة، بينما تتعالى صرخاتها الممزوجة بالبكاء حتى بدأ صوتها يخونها شيئًا فشيئًا. لم تعد دموعها تنهمر فحسب، بل كانت تسبق كلماتها، كانت عاجزة عن استيعاب أن المكان الذي احتضن ذكريات عمرها يتحطم أمام عينيها وهي تعجز عن حمايته.

تسارعت أنفاسها بعنف، وارتفع صدرها وهبط بصورة مؤلمة، حتى أصبحت تلهث من شدة الانهيار، ولم يعد يخرج من بين شفتيها سوى كلمات متقطعة بالكاد تسمع، ما تبقى من قوتها يذوب مع كل زهرة تسقط على الأرض. –أبوس أيديكم كفاية. كانت تلك آخر الكلمات التي خرجت من بين شفتيها قبل أن تخذلها أنفاسها.

شعرت باختناق حاد يجثم فوق صدرها، فلم تعد قادرة على التقاط نفس كامل. أخذت الأصوات تتداخل داخل رأسها بصورة مشوشة، حتى لم تعد تميز بين صرخاتها وضجيج التحطيم من حولها، بينما بدأت الرؤية أمام عينيها تهتز شيئًا فشيئًا، واختلطت الملامح حتى تحولت الوجوه إلى أشياء باهتة لا تستطيع تمييزها. ثقلت أطرافها على نحو مفاجئ، وخارت كل مقاومة كانت تتشبث بها منذ لحظات، لترتخي ملامحها ويستسلم جسدها تمامًا، وتبتلعها عتمة كاملة.

ما إن فقدت وعيها بالكامل، ليسقط بين ذراعي الرجل الذي كان يمسك بها. لم يتغير شيء في ملامحه، ولم يبدو أدنى تأثر بما حدث، فاكتفى بحملها بثبات واتجه بها نحو إحدى السيارات السوداء، ثم فتح الباب الخلفي ووضعها داخلها بحركة هادئة، قبل أن يغلق الباب بإحكام ويعود إلى مكانه.

وفي الوقت نفسه، كان باقي الرجال قد انتهوا من كل ما كلفوا به. ألقوا نظرة أخيرة على الكشك بعد أن تحول إلى ركام، ثم انسحب كل منهم إلى سيارته في صمت منظم، دون كلمة واحدة. وبمجرد أن أُغلقت الأبواب، انطلقت السيارات تباعًا تشق الطريق بسرعة وثبات، تاركة خلفها شارعًا غارقًا في الذهول، وحشدًا من الوجوه المصدومة التي ظلت تتابع الموكب بأعين مذهولة حتى اختفى تمامًا. ************************** عند ملك…

وصلت إلى الشركة كعادتها، تتهادى بخطوات واثقة، ترفع رأسها بكبرياء مبالغ فيه، وكأنها تدخل إلى مكان تملكه لا إلى مقر عملها. كانت نظراتها تمر على الموظفين من حولها دون أن تتوقف عند أحد، فلا هي اعتادت إلقاء التحية، ولا هم اعتادوا انتظارها منها. لم تكن محبوبة بين زملائها؛ فاستعلاؤها الدائم، ونظراتها المتعالية، وطريقتها في التعامل مع الجميع، صنعت حولها حاجزًا من النفور، حتى أصبح وجودها يفرض صمتًا باردًا أكثر مما يفرض احترامًا.

واصلت سيرها حتى وصلت إلى الطابق الذي يقع فيه مكتبها، فتحت الباب، وألقت حقيبة يدها فوق المكتب بإهمال، ثم استدارت سريعًا واتجهت إلى مكتب تميم. دفعت الباب دون تردد، لكنها وجدته خاليًا. توقفت في مكانها، ثم زفرت بضيق وهي تنظر إلى المكتب الفارغ، قبل أن تغلق الباب بقوة وتعود إلى مكتبها. جلست على المقعد وهي تضرب الأرض بطرف حذائها في نفاد صبر، ثم التقطت هاتفها وأجرت اتصالًا به.

ظلت تنتظر، لكن الرنين انتهى دون أن يجيب. أبعدت الهاتف عن أذنها، ونظرت إلى شاشته بضيق، ثم ألقته فوق المكتب بعصبية، وظلت تحرك قدميها بعنف، بينما تتزاحم داخل رأسها عشرات الأفكار. فمنذ الأمس وهي تشعر بانقباض غريب، وتشعر بأن شيئًا سيئًا يقترب منها، ولم تستطع التخلص من ذلك الإحساس مهما حاولت. وبعد دقائق، لمحت تميم يدخل الشركة ويتجه مباشرة إلى مكتبه.

نهضت من مكانها في الحال، ولحقت به بخطوات سريعة، وما إن دخل حتى دخلت خلفه، وأغلقت الباب، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بغضب: –ممكن أفهم أيه أخرك لحد دلوقتي؟ حرك كتفيه بعدم مبالاة وقال: –عادي يا ملك راحت عليا نومه، وفكك مني بقى علشان مش فايقلك. نظرت له بأستغراب واقتربت منه وقالت بتساءل: –مالك يا تميم؟ زفر بضيق وقال بنبرة غاضبة: –أنتي ظهرتي أمبارح في كاميرات المراقبه يا غبيه. اتسعت عيناها بصدمة وقالت بخوف شديد:

–ا أنت عرفت منين؟ أجابها بغضب وهو ينظر لها قائلا: –أنا ليا ناس في شركة دياب السروجي، وقالوا إن فيه حد سرق الشنطة من عربيته، وظهرت في الكاميرات. لطمت على وجينتها بخوف شديد وقالت: –يا خبر أسود ومنيل، يعني أنا كده روحت في ستين داهيه؟ لا لا أتصرف، مش أنت السبب؟ زفر بضيق وهدر بها بغضب وقال: –بطلي يا أختي نحيب وبلاش شغل الحواري ده هنا، أنا مش ساكت وبيحاولوا يمسحوا الفيديو قبل ما يوصل لأيد دياب السروجي.

تكلمت بغضب شديد وقالت: –أنا كنت حاسه أن الموضوع مش هيعدي على خير، كان باين من الرجالة اللي كانت في المكان، أنا عايزة أفهم دلوقتي مين الراجل ده؟ والشنطة دي فيها أيه؟ نظر لها بغضب ونهض من مكانه واقترب منها ببطء وقال: –أنتي هنا، تنفذي من غير أساله كتير فاهمة؟ حركت رأسها بغضب وقالت:

–لا مش فاهمة، لما أكون هروح في ستين داهيه، يبقى لازم أفهم الحكاية على أيه، مش يمكن الشنطة دي، كان فيها مخدرات، ولا فلوس ولا حتى أوراق مهمه للبلد، شكله راجل مهم في الدولة.

توقفت خطواته أمامها تمامًا، وتبدلت ملامحه في لحظة، قبل أن يقبض على ذراعها فجأة ويلويه خلف ظهرها بقوة، لتشهق من شدة الألم. التصق بها من الخلف، وانحنى برأسه حتى أصبح صوته يلامس أذنها، بينما كانت قبضته تزداد إحكامًا متعمداً أن تشعر بعقابه قبل أن تسمع كلماته. –ليه هو حد قالك عليا شغال مع المافيا؟

أنا ماليش في السكك دي يا روح امك، أنا بعمل اللي فيه مصلحة لشركتنا، ودياب السروجي ده أكبر منافس لينا، يعني ده ضرب غير قانوني تحت الحزام، ودي أول وآخر مره هسمحلك تتكلمي معايا بأسلوبك ده، أو تسألي في اللي مالكيش فيه، فاهمة. أنهى كلماته، ثم دفعها عنه بقوة، فاختل توازنها وكادت أن تسقط لولا أنها تداركت نفسها في اللحظة الأخيرة.

وضعت يدها فوق ذراعها تدعكه بألم، بينما كانت تنظر إليه بغيظٍ مكتوم، وقد أدركت للمرة الأولى أن تميم الذي كانت تظنه مجرد رجل لعوب، يخفي خلف ابتساماته وجهًا آخر أكثر قسوة مما توقعت. أما هو، فلم يكلف نفسه حتى عناء النظر إليها مرة أخرى، بل عاد إلى مكتبه بهدوء، وجلس على مقعده وكأن شيئًا لم يحدث. ازدادت أنفاسها اضطرابًا من شدة الغضب، واستدارت بعنف، ثم خرجت من المكتب وصفقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها جدرانه.

رفع تميم عينيه نحو الباب المغلق للحظة، ثم زفر بضيق، وأعاد بصره إلى الملفات الموضوعة أمامه، بينما بدأت أفكاره تنشغل بما هو أخطر بكثير من غضب ملك، وهو ما قد يفعله دياب السروجي إذا وصلت إليه الحقيقة. ***************************** بالفيلا الخاصة بعائلة دياب…

ساد الهدوء أرجاء الفيلا الفخمة، ولم يكن يُسمع سوى صوت خطوات الخدم وهم يتحركون في هدوء بين أرجائها الواسعة، بينما غمرت أشعة الشمس المكان عبر الواجهات الزجاجية الضخمة، فأضفت على الأثاث الفاخر لمسة من الدفء، رغم أن هيبة المنزل كانت كفيلة بأن تجعل الزائر يشعر برهبة غريبة منذ اللحظة الأولى.

ترجل مراد السروجي من أعلى الدرج بخطوات هادئة، وعلى عكس شقيقه الأكبر، كانت ملامحه تحمل قدرًا من البشاشة والراحة. ابتسم بمجرد أن وقعت عيناه على والدته الجالسة تنتظره، فاتجه إليها مباشرة، وانحنى يقبل رأسها بحنو وقال: –صباح الجمال يا ست الكل. ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهها، وربتت على خده بحنان الأم الذي لم يتغير رغم مرور السنوات، ثم قالت بنبرة حنونة: –صباح الخير يا حبيبي.

جلس إلى جوارها، ثم مال نحوها قليلًا وهو يغمز لها بعينيه بمشاكسة وقال بتساؤل: –أيه لسه الكوماندا منزلش من أوضه؟ ابتسمت رغمًا عنها، لكنها أخفت ابتسامتها سريعًا وهي تحرك رأسها بالنفي وقالت: –لسه يا أبني أهو مستنين. تنهد مراد، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يهز رأسه بأسف مصطنع، وقبل أن يواصل مزاحه، وقع بصره على أخيه يهبط درجات السلم بخطوات ثابتة، وملامحه الجامدة المعتادة لا تحمل أي تعبير.

اقترب مراد من والدته أكثر، وقال بصوتٍ خافت مازحًا: –أبنك بيصحى الصبح بيقول يا شر أشتر، الله يكون في عون الناس اللي بتتعامل معاه في الشغل. اتسعت عينا والدته في قلق، والتفتت سريعًا نحو دياب قبل أن تعود ببصرها إلى مراد وهمست على عجل: –أسكت بقى أحسن ما يسمعك، بلاش تتشاكلوا مع بعض على الصبح. كان دياب قد وصل إليهما بالفعل. اقترب بخطواته الواثقة، ووجهه لا يزال محتفظًا بجموده المعتاد، ثم مال نحو والدته، وأمسك

يدها يقبلها باحترام وقال: –صباح الخير. أضاءت ملامحها وهي تنظر إليه بحنان لا يستطيع حتى طبعه القاسي أن ينتزعه من قلبها، وقالت: –صباح النور يا حبيبي. استقام في وقفته، ثم اتجه إلى المقعد الذي يتصدر الطاولة، وكعادته جلس في مكانه دون تردد، قبل أن يرفع عينيه نحو مراد ويقول باقتضاب: –صباح الخير. تنحنح مراد برجولية وقال: –صباح النور.

ساد الصمت بعد ذلك. أمسك دياب بأدوات الطعام، وبدأ يتناول إفطاره بهدوء تام، مركزًا فيما أمامه، وكأن العالم من حوله غير موجود. كانت تلك عادته دائمًا؛ لا يتحدث كثيرًا أثناء الطعام، ولا يسمح لأي شيء أن يشتت تركيزه. أما مراد، فلم يكن من النوع الذي يحتمل الصمت طويلًا. ظل يراقب أخاه للحظات، ثم لم يستطع مقاومة فضوله، فمال قليلًا نحوه وقال: –صحيح يا كوماندا أيه موضوع الشنطة اللي أتسرقت من عربيتك أمبارح دي؟

الشركة كلها بتتكلم عنها. توقفت حركة يد دياب للحظة. رفع عينيه ببطء، واستقرت نظراته الحادة على شقيقه، ثم قال بنبرة حازمة لا تحتمل النقاش: –ممكن تاكل وأنت ساكت؟ لم يزد حرفًا واحدًا بعدها. عاد يكمل طعامه وكأن شيئًا لم يحدث. زفر مراد في هدوء، وألقى نظرة سريعة نحو والدته التي كانت تتابع الموقف بقلق، فاكتفى بابتسامة صغيرة وهز رأسه باستسلام.

كان يعرف دياب أكثر من أي شخص آخر. يعرف أن خلف تلك الملامح الجامدة قلبًا يحمل مسؤوليات أثقلت كاهله منذ سنوات، ويعرف أيضًا أن غضبه هذه المرة ليس غضبًا عابرًا، بل لأن الأمر الذي حدث يمس هيبته قبل أن يمس عمله. لذلك ابتلع فضوله، وآثر الصمت، وأكمل تناول طعامه دون أن ينطق بكلمة أخرى، بينما ظل الصمت يفرض نفسه على الطاولة، لا يقطعه سوى صوت احتكاك أدوات الطعام بالأطباق. ************************* عند مودة…

لم تكن في طريقها إلى المدرسة كما تظن جوري. فمنذ أن خرجت من المنزل في الصباح، كانت قد اتخذت قرارها دون أن تخبر أحدًا. لم يعد ضميرها يحتمل رؤية شقيقتها تكافح وحدها يومًا بعد يوم، تحمل مسؤولية البيت، ومصاريفها الدراسية، وديون ملك التي لا تنتهي، بينما تقف هي عاجزة لا تملك سوى كلمات المواساة.

كانت تعلم جيدًا أن جوري سترفض الفكرة رفضًا قاطعًا لو علمت بها، وستعتبرها ما زالت صغيرة على تحمل أعباء العمل، لذلك فضلت أن تخوض هذه التجربة وحدها، حتى وإن اضطرت إلى الكذب للمرة الأولى على أكثر شخص تحبه. ظلت تتنقل بين المحلات التجارية والمطاعم، تدخل هذا المكان وتخرج من ذاك، تسأل في كل متجر تصادفه عن فرصة عمل، لكن الإجابة كانت واحدة في كل مرة؛ إما أنهم لا يحتاجون إلى عاملات، أو أن عمرها الصغير لا يسمح لهم بتوظيفها.

ومع مرور الوقت، بدأ التعب يتسلل إلى قدميها، وأخذت حرارة الشمس تزداد قسوة، حتى شعرت بضيق يخنق صدرها. توقفت في منتصف الرصيف، وأطلقت زفرة طويلة، ثم رفعت بصرها إلى السماء، وأغمضت عينيها للحظات، تناجي ربها بقلبٍ امتلأ رجاءً. كانت تدعو في صمت، أن يفتح لها باب رزق، ولو كان صغيرًا. بابًا تستطيع من خلاله أن تخفف حملًا واحدًا عن كتفي جوري.

فتحت عينيها من جديد، ومسحت آثار الإرهاق عن وجهها، ثم استجمعت ما تبقى لديها من عزيمة، وواصلت السير من جديد. وبينما كانت تمشي في الشارع، لفت انتباهها إعلان معلق على واجهة أحد المطاعم يفيد بأنهم بحاجة إلى عاملات. اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر، وخفق قلبها بأمل لم تعرفه منذ الصباح. أسرعت بخطواتها نحو المطعم، ودلفت إلى الداخل، ثم سألت عن المسؤولة، وما إن وقفت أمامها حتى شبكت أصابعها ببعضها من شدة التوتر، وقالت بصوت خافت:

–ل لو سمحتي ا أنا عايزة أشتغل. رفعت المرأة رأسها، وأخذت تتفحصها من أعلى رأسها حتى قدميها بنظرة جعلت مودة تشعر بعدم الارتياح، ثم قالت بتساؤل: –أنتي عندك كام سنه؟ أجابتها بابتسامة متوترة وقالت: –ستاشر سنة. سألتها بنبرة متعاليه: –وبتدرسي؟ اومأت برأسها وقالت: –أيوه ثانوية عامة، بس متقلقيش خالص، ده مش هيأثر على حضوري صدقيني، وجربيني مش هتندمي، حتى لو أنضف الترابيزات لزباين. رمقتها المرأة بنظرة لم تخلو من الاستعلاء،

ثم قالت ببرود: –ما هو أنتي شكلك آخره مسح ترابيزات، عمومًا تقدري بكرة تجيبي أوراقك وتيجي تستلمي الشغل، بس علشان تبقى عارفة غياب يوم واحد بيومين خصم، ولو أتكرر الغياب فيها طرد من الشغل، ممنوع تجيبي أهلك وأصحابك تعزميهم في المكان، أحنا مش فتحنها سبيل. شعرت مودة بأن الكلمات انغرست في قلبها أكثر مما وصلت إلى أذنيها. ابتلعت الغصة التي وقفت في حلقها بصعوبة، وأجبرت نفسها على الابتسام، ثم أومأت برأسها في هدوء وقالت:

–حاضر من بكرة إن شاءالله هكون موجودة عند حضرتك، عن أذنك. استدارت وغادرت المكان بخطوات ثابتة، لكنها ما إن ابتعدت عن المطعم حتى سقطت الابتسامة المصطنعة التي كانت تتمسك بها.

كان صدرها يضيق شيئًا فشيئًا، لا بسبب العمل الذي حصلت عليه، بل بسبب الكلمات التي اضطرت إلى ابتلاعها بصمت. لم تكن تخشى التعب، ولم يكن تنظيف الطاولات أو الوقوف لساعات طويلة ينتقص من كرامتها في شيء، لكنها شعرت للحظة أن فقرها أصبح تهمة، وأن حاجتها إلى العمل منحت الآخرين الحق في النظر إليها باستعلاء، وكأنها أقل منهم شأنًا.

ورغم المرارة التي تركتها تلك المعاملة داخل قلبها، لم تسمح لليأس أن يتسلل إليها، بل تمسكت بقرارها أكثر من ذي قبل. فما تسعى إليه ليس رفاهية، وإنما محاولة صغيرة لتخفف عن جوري جزءًا من الحمل الذي تحمله وحدها منذ سنوات، ولهذا كانت مستعدة أن تتحمل أي كلمة، ما دام المقابل هو أن ترى شقيقتها ترتاح ولو قليلًا.

أطلقت زفرة طويلة، ومضت في الشارع بخطوات بطيئة، بينما كانت الدموع تتجمع داخل عينيها، تصارع للخروج، لكنها أبت أن تسمح لها بالسقوط. فمودة، رغم صغر سنها، كانت تملك قلبًا عنيدًا، يرفض أن يراه أحد ضعيفًا، ولا يسمح للانكسار أن يظهر على ملامحه مهما اشتدت قسوة الحياة. وبعد مسافة قصيرة، وقع بصرها على مقعدٍ خشبي يتوسط الرصيف.

جلست عليه في هدوء، وأسندت ظهرها إليه، ثم أطلقت نظرة شاردة إلى المارة الذين يعبرون أمامها، بينما كانت أفكارها تتزاحم داخل رأسها، تفكر فيما ينتظرها من أيام، وكيف ستخفي أمر العمل عن جوري، وهل ستنجح أخيرًا في أن تكون السند الذي طالما تمنت أن تكونه لشقيقتها التي أنهكها الحمل وحدها. ************************** في الفيلا الأخرى لدى دياب.

كان دياب جالسًا خلف مكتبه بهيبة تفرض نفسها على المكان، وقد ارتسمت على ملامحه صرامة رجل اعتاد أن تنفذ أوامره دون نقاش. كانت عيناه مثبتتين على الأوراق الملقاة أمامه حين دوى طرق خافت على الباب، فرفع رأسه ببطء، ثم وجه نظره نحوه وتحدث بصوت رجولي غليظ يحمل من السلطة ما يكفي لإثارة التوتر في نفس أي شخص يقف خلف ذلك الباب: –أدخل.

انفتح الباب على مصراعيه، ليظهر رجل ضخم البنية، عريض الكتفين، تتجسد القسوة في تفاصيل وجهه. تقدم خطوة إلى الداخل قبل أن يقول بصوت خشن: –البنت متكتفه في أوضك يا باشا. ما إن سمع كلماته حتى تبدلت ملامحه في لحظة. اشتعل الغضب داخل عينيه، بينما تصلبت عضلات فكه بقوة. نهض من مكانه ببطء محسوب، ثم بدأ يعدل ملابسه بعناية مفرطة.

رفع معصمه أمام عينيه، وألقى نظرة سريعة على ساعة يده ليتأكد من استقامتها في مكانها، ثم تحرك نحو الباب بخطوات ثابتة. خرج من المكتب واتجه إلى الدرج، يصعده ببطء قاتل يوحي بأن أعصابه ليست هادئة كما يبدو. كان الصمت يرافقه، إلا من وقع خطواته الثقيلة التي كانت تتردد في أرجاء المكان كإنذار يسبق العاصفة.

وحين وصل إلى باب الغرفة، توقف للحظة. أدار رأسه نحو رجاله الواقفين في الخارج، ثم أشار إليهم إشارة مقتضبة، لكنها كانت كافية ليبتعدوا فورًا دون أن ينبس أحدهم بكلمة. مد يده إلى مقبض الباب وأداره ببطء، ثم دفعه ودلف إلى الداخل، قبل أن يغلقه خلفه بإحكام. استدار نحو الغرفة. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، رأى الذعر متجسدًا أمامه بصورة كاملة.

كانت تجلس مقيدة، ووجهها شاحب بصورة مؤلمة، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، تتسابق فوق وجنتيها المرتجفتين. أما جوري، فما إن رأته حتى شعرت بأن أنفاسها اختنقت داخل صدرها. كان وجوده وحده كافيًا لبث الرعب في قلبها. راقبته وهو يقترب منها خطوة بعد أخرى، ببطء جعل كل ثانية تمر وكأنها دهر كامل. ومع كل خطوة كان قلبها يزداد اضطرابًا، حتى خيل إليها أنه سيتوقف من شدة الخوف قبل أن يصل إليها.

وحين وقف أمامها أخيرًا، رفعت إليه عينيها المبللتين بالدموع، وتحدثت بصعوبة من بين شهقاتها المتلاحقة: –ا أنت مين؟ وعايز مني أيه؟ نظر إليها للحظات قبل أن يجلس بجوارها، ثم قال بنبرة غاضبة لم تحمل أي قدر من اللين: –الشنطه فين؟ رمشت عدة مرات بعدم فهم، وحدقت إليه بعينين مضطربتين قبل أن تقول بصوت مرتجف: –ش شنطة أيه حضرتك؟ أغلق عينيه للحظة طويلة يحاول السيطرة على نفاد صبره، ثم زفر ببطء قبل أن يتحدث من بين أسنانه المطبقة بقوة:

–الشنطة اللي سرقتيها يا روح أمك. اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، ثم قالت بغضب امتزج بالخوف: –أنا مش حرامية لو سمحت، ممكن تفكني بقى؟ استقام بجسده قليلًا وظل ينظر إليها نظرة طويلة جعلتها تشعر بمزيد من التوتر، ثم قال ببرود مخيف: –أفكك! لا أنتي بتحلمي، أنتي مش هتتحركي غير لما تجيبي الشنطه اللي سرقتيها، ده فيها ورق بعمرك كله يا روح أمك. ازدادت دموعها انهمارًا، وشعرت بالعجز يطبق على صدرها وهي تقول بصوت مختنق:

–والله العظيم، أنا معرفش حاجه عن الشنطه دي ولا عمري شفتك أصلاً. ابتعد عنها بضع خطوات واتجه نحو المقعد المقابل، ثم جلس عليه في هدوء أثار توترها أكثر مما لو كان يصرخ. رفع إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأخرج سيجارة أشعلها ببطء، قبل أن ينفث دخانها في الهواء، ثم قال: -يا تنطقي وتقولي فين الشنطة؟ يا هخليكي تنطقي غصب عنك. شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله، ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما راحت أصابعها المقيدة ترتجف دون إرادة منها،

ثم سألته بصوت خافت متوتر: -ق قصدك أيه؟ حرك رأسه نافيًا، ثم قال بنبرة رجولية ثابتة: –لا متقلقيش مش اللي جه في دماغك ماليش في السكه الشمال دي، بس ليا في طرق أصعب، يعني ممكن أحلقلك شعرك اللي فرحانه بي، ممكن أحبسك هنا من غير أكل ولا شرب لحد ما تنطقي، يعني فيه حاجاات كتير أوي غير اللي دماغك راحت ليه. ما إن انتهى من حديثه حتى شعرت بأن الدم قد انسحب من وجهها.

كان الخوف يزداد داخلها بصورة مرعبة. لم تكن تعرف إن كان يقول ذلك للتهديد فقط أم أنه قادر فعلًا على تنفيذ كل كلمة خرجت من فمه. هزت رأسها بسرعة وهي تبكي أكثر، ثم قالت برجاء صادق: –صدقني، أنا معرفش حاجة عن الشنطة دي خالص. ضغط على أسنانه بقوة حتى برز التوتر في فكه، ثم نهض من مقعده دفعة واحدة. أخرج هاتفه من جيبه وتحرك نحوها من جديد، قبل أن يرفع الشاشة أمام عينيها مباشرة ويقول بحدة:

–مين اللي ظاهرة في الفيديو دي وهي بتسرق الشنطة من العربية؟ مش دي أنتي؟ تجمدت أنفاسها. حدقت في شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة، عقلها يرفض استيعاب ما تراه. اتسعت عيناها تدريجيًا، وتحولت الصدمة على وجهها إلى ذهولٍ كامل، بينما همست بصوت خافت لا يسمع، وقد انعقد لسانها من فرط عدم التصديق: –ملك! ظلت تحدق في الهاتف بعدم تصديق، تجمدت ملامحها، وانعقد لسانها، حتى انتفض جسدها بعنف على أثر صوته الغاضب الذي دوى داخل الغرفة وهو يقول:

–أنطقي فين الشنطة؟ ارتعشت شفتيها، وابتلعت ريقها بصعوبة، بينما شعرت أن الكلمات قد علقت داخل حلقها، تأبى الخروج. حاولت أن تلتقط أنفاسها المتقطعة، ثم قالت بتلعثم واضح: –ط طيب فكني وسيبني وأنا هرجعهالك. في لحظة واحدة، مال بجسده نحوها، وقبض على خصلات شعرها بعنف، فأجبر رأسها على الارتفاع إليه، لتشهق متألمة وقد انكمشت ملامحها من شدة الوجع، بينما قال بصوت يحمل من الغضب ما يكفي لزرع الرعب في قلب أي شخص:

–حد قالك عليا أني عبيط وبرياله؟ أنتي شغاله تبع مين يا بت؟ أطبقت جوري عينيها بقوة، وانسابت الدموع على وجنتيها رغم محاولتها التماسك. كان الألم الذي يعتصر فروة رأسها لا يقارن بما تشعر به من خوف وعجز. هزت رأسها بالنفي بصعوبة، وقالت بصوت مختنق امتزج بالبكاء: –مش شغاله تبع حد، صدقني الشنطة هتجيلك لو سبتني، وجودي هنا مش هيفيدك بحاجه.

ظل يحدق فيها للحظات طويلة، يحاول أن يقرأ ما وراء دموعها، ثم أفلت شعرها دفعة واحدة، فعاد رأسها إلى الخلف بقوة، واستقام في وقفته من جديد، قبل أن يقول ببرودٍ مخيف: –بما أنك أعترفتي أنك أنتي اللي سرقتيها، يبقى مش هتخرجي ، إلا لما تجيبي الشنطة، وأنا بالي طويل أوي، بس ربنا ما يوريكي لما صبري بينفد مني، وأحسن لك بلاش توصليني لده. أنهى كلماته، ثم استدار متجهًا نحو الباب بخطوات ثابتة، وقد الأمر حسم بالنسبة إليه.

اتسعت عيناها في ذعر، ولم تجد سوى صوتها تستنجد به، فهتفت بدموع وانكسار: –لا لا أرجوك فكني وخليني أمشي بوعدك والله هرجعها ليك. توقف للحظة قبل أن يفتح الباب. استدار إليها، ورمقها بنظرة غاضبة جامدة، خلت من أي أثر للشفقة، ثم فتح الباب وغادر الغرفة، وأغلقه خلفه بإحكام. وما إن دوى صوت انغلاق الباب، حتى شعرت جوري بأن آخر أمل لها قد غادر معه. أخذت تهز رأسها برفض هستيري، والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، وهي تردد بصوت مرتجف

اختنق من كثرة البكاء: –لا بلاش تسيبني هنا، أرجوك سيبني أمشي، بترجاك. لكن لم تجد أي استجابة، اختفت خطواته تدريجيًا خلف الباب، حتى ابتلعها الصمت تمامًا. ساد المكان سكون ثقيل، سكون خانق، يطبق على أنفاسها، ويؤكد لها أنها أصبحت وحيدة تمامًا، لا يسمع استغاثتها أحد، ولا يملك أحد أن يمد لها يد النجاة. أسندت رأسها إلى الخلف، وأغمضت عينيها، ثم خرج صوتها هامسًا، مكسورًا، يحمل من الخذلان أكثر مما يحمل من العتاب:

–ليه يا ملك تعملي كده لييه. ولم تجد بعدها سوى ربها، فانهمرت دموعها أكثر، وأخذت تناجيه بقلبٍ يرتجف، ترجوه أن ينجيها من الكابوس الذي وجدت نفسها سجينة داخله، وهي لا تعرف حتى الذنب الذي تدفع ثمنه. **************************** بالمساء…

كانت مودة تعود إلى المنزل بخطوات متعبة، تحمل في قلبها شيئًا من السعادة رغم الإرهاق الذي نال منها طوال اليوم. كانت تفكر في أول يوم عمل سيبدأ غدًا، وكيف ستخبر جوري بالأمر في الوقت المناسب، أو ربما لن تخبرها أبدًا حتى تتقاضى أول راتب لها. لكن، ما إن اقتربت من البناية حتى تجمدت خطواتها فجأة. اتسعت عيناها بصدمة، وتسارع نبض قلبها وهي تحدق في كشك الورد.

لم يعد الكشك كما تركته صباحًا، الألواح الخشبية محطمة، والزجاج متناثر في كل مكان، والورود التي كانت جوري تعتني بها گ أطفالها افترشت الأرض ذابلة وممزقة، وكأن إعصارًا مر ولم يبقى شيئًا على حاله. شعرت بأن قدميها فقدتا القدرة على حملها، لكن خوفها على جوري كان أقوى من صدمتها. ركضت بأقصى سرعة نحو مدخل البناية، وصعدت الدرجات وهي تلهث بعنف، حتى وصلت إلى باب الشقة.

أخذت تطرق الباب بقوة وهي تهتف باسم شقيقتها، لكن لم يصلها أي رد. ازدادت طرقاتها عنفًا، وأصبحت متتالية بشكل هستيري، حتى بدأ الخوف يلتهم قلبها أكثر فأكثر. انتظرت لحظات، ولا أحد يجيب. استدارت بسرعة، ثم هبطت الدرج ركضًا مرة أخرى، واتجهت نحو أحد المحلات القريبة، وما إن وقفت أمام صاحبه حتى قالت بصوت مرتعش يكاد يختنق: –هو أيه اللي حصل ده يا عم حمدي؟ وجوري فين؟ نظر إليها الرجل بضيق، ثم قال بلهجة لم تخل من الاتهام:

–معرفش أيه اللي حصل، واضح كده أحنا غلطانين لما سمحنا لتلاته زيكم يعيشوا وسطنا في المكان. عقدت حاجبيها بعدم فهم، ولم تتوقف لتسأله أكثر. ركضت نحو محل آخر، ووقفت أمام صاحبه وهي تلهث من شدة الركض، وقالت برجاء: –عم يوسف فهمني فيه أيه أرجوك؟ أجابها الرجل بتوضيح وقال: –مش عارفين والله يا بنتي، أحنا اتفاجئنا بعربيات بتوقف قصاد الكشك وبعد كده كسروا كل حاجه واخدوا أختك. شهقت مودة شهقة مكتومة، ثم لطمت على وجهها بصدمة وهي تقول:

–أخدوا جوري فين؟ و أزاي محدش دافع عنها؟ أزاي سمحتوا ليهم يخدوها من وسطكم؟ أجابها الرجل بتوضيح وقال: –يا بنتي أحنا هنا اكترنا رجالة كبيره، محدش هيقدر على الأجسام دي، وبعدين شكل أختك عاملة مصيبه كبيرة، علشان اللي حصل ده مش طبيعي. ابتعدت عنه بخطوات متعثرة، وعقلها يرفض تصديق ما تسمعه. كانت تتمتم مع نفسها بصوت مرتجف، وقد غلبها القلق: –يا ترى أنتي فين يا جوري ومين دول؟ يارب طمن قلبي عليها أنا حاسه أنها في مصيبة.

توقفت فجأة،.وكأن فكرةً خاطفة ضربت عقلها. رفعت رأسها، واتسعت عيناها وهي تقول بقلق ازداد مع كل كلمة: –أنا ليه حاسه أن اللي حصل لجوري ده وراه ملك؟ ربنا يستر ومتكونيش عامله مصيبه من مصايبك يا ملك. لم تجد ما تفعله. كل الطرق بدت مغلقة أمامها، وكل الأسئلة بلا إجابات. سارت ببطء حتى وصلت إلى الرصيف المقابل للكشك، ثم جلست أمام بقاياه، وعيناها معلقتان بذلك الركام الذي كان قبل ساعات فقط مصدر رزقهم الوحيد.

كل ما كانت تتمناه في تلك اللحظة، أن تعود ملك سريعًا. فلعلها تعلم ما خفي عنها، أو يكون لديها خيط واحد يقودها إلى جوري، بعدما تحولت كل الطرق أمامها إلى أبواب مغلقة، ولم يبقى في قلبها سوى الخوف والدعاء. ************************** عادت ملك بعد مرور بعض الوقت… كانت تسير بخطواتها المعتادة، منشغلة بما دار بينها وبين تميم في الشركة، حتى وقع بصرها على الكشك.

فتوقفت مكانها فجأة. تجمدت ملامحها وهي تتأمل المكان، ثم انتقلت عيناها إلى مودة الجالسة على الرصيف بوجه شاحب تغمره الكآبة. اقتربت منها باستغراب، وقالت: –أيه ده؟ هو فيه أيه؟ رفعت مودة رأسها ببطء، وكانت نظراتها هذه المرة مختلفة، لم تكن نظرات حزن فقط، بل كان يمتزج بها غضب واتهام صريح. نهضت من مكانها، ووقفت أمامها مباشرة، ثم قالت بجمود: –جواب السؤال ده عندك أنتي، عملتي مصيبة أيه تاني ولبستيها لأختك؟

انعقد ما بين حاجبي ملك، ونظرت إليها بعدم فهم، ثم قالت باستنكار: –أنا مش فاهمة حاجه، ما تتكلمي شبه الناس بدل ما أديكي قلم يعدلك. ضغطت مودة على أسنانها بقوة، محاوله كبح غضبها، ثم قالت بصوت مرتجف من شدة انفعالها: –حاضر هوضحلك معنى أنها واضحه زي عين الشمس، فيه رجالة كتير شكلهم تبع حد مهم، دخلوا على أختك الكشك كسروا المكان زي ما أنتي شايفه كده، واخدوها معاهم، ومحدش عارف اخدوها فين.

ما إن انتهت مودة من كلماتها، حتى شعرت ملك بالدم قد تجمد في عروقها. اتسعت عيناها بصدمة حقيقية. وفي لحظة واحدة، أدركت الحقيقة كاملة. صاحب الحقيبة، وصل إليها. لكنه لم يجدها هي، بل أخذ جوري بدلًا منها، بعدما ظن أنها الفتاة التي ظهرت في كاميرات المراقبة. تسارعت أنفاسها للحظات، وشعرت بانقباض مفاجئ في قلبها، قبل أن يتسلل إلى داخلها شعور خفي بالارتياح لأنها ليست من وقع في قبضتهم.

لكنها سرعان ما أخفت كل ما دار بداخلها، وأعادت رسم ملامح الدهشة على وجهها، ثم قالت متصنعة الاستغراب: –يا ترى مين دول؟ وجوري هببت مصيبة أيه علشان يخدوها كده؟ رمقتها مودة بنظرة حادة، وقالت بمرارة: –أنا وأنتي عارفين، أن جوري مستحيل تعمل حاجه غلط، وأنها دايمًا في حالها، مش شبه ناس. اشتعل الغضب داخل ملك، فتقدمت خطوة واحدة، ثم دفعتها بقوة وهي تقول بانفعال:

–طيب لمي نفسك علشان ممدش أيدي عليكي، واتفضلي أطلعي يلا بدل وقفتنا في الشارع دي. ترنحت مودة خطوة إلى الخلف من أثر الدفعة، لكنها سرعان ما استعادت توازنها، وحدقت في وجهها غير مصدقة ما تسمعه، ثم قالت بذهول: –نطلع؟ طيب وجوري هنسبوها كده؟ ولا عارفين هي فين ولا مين الناس دول؟ أشاحت ملك بوجهها، وتحركت نحو مدخل البناية دون أن يبدو عليها أي اهتمام، وقالت ببرود:

–متخافيش عليها، مدام انتي واثقه فيها كده، يبقى لما يتأكدوا أنها معملتش حاجه هيسيبوها. أنهت كلماتها، ثم دخلت إلى المبنى، وصعدت الدرج بخطوات ثابتة، وكأن الأمر لا يعنيها. أما مودة، فظلت واقفة في مكانها لثوانٍ طويلة، تحدق في أثرها بصدمة. لم تستوعب ذلك البرود، ولا تلك القسوة التي خرجت بها الكلمات من فم ملك.

كانت تتوقع أن ترى الخوف يكسو ملامحها، أو أن ينعكس قلقها على جوري في ارتباك كلماتها ونظراتها، فهي في النهاية شقيقتها التوأم. لكن كل ما رأته كان برودًا غريبًا، وكأن الأمر لا يعنيها من الأساس، وهو ما أثار داخل مودة شعورًا لم تستطع تجاهله. ذلك الشك الذي حاولت مرارًا أن تطرده من رأسها، عاد يفرض نفسه بقوة، حتى بدأ قلبها يخشى أن تكون ملك تعرف عن اختفاء جوري أكثر مما تدعي.

أطلقت زفرة مثقلة بالهم، ثم التفتت تنظر إلى الكشك المحطم نظرة أخيرة، قبل أن تتحرك ببطء نحو داخل البناية، وتصعد خلف ملك إلى الشقة، بينما كان قلبها معلقًا في مكان لا تعرفه، حيث توجد جوري. ************************** شعرت جوري بأن جسدها قد استنزف كل ما يملك من قوة بعد ساعات طويلة من البكاء والخوف. تثاقلت جفونها شيئًا فشيئًا، حتى غلبها الإرهاق، واستسلمت للنوم دون أن تشعر. لم تكن تعلم، كم من الوقت مر عليها.

كل ما كانت تشعر به هو ظلام ثقيل يبتلع وعيها. حتى بدأ صوت منتظم يتسلل إلى سمعها، صوت طقطقة أصابع تضرب على سطحٍ صلب بإيقاع بطيء، وكأن صاحبه يتعمد إيقاظها. حركت جفونها بصعوبة، ثم فتحت عينيها ببطء. وفي اللحظة التي استقرت فيها رؤيتها، انتفض جسدها بعنف. كان دياب يجلس أمامها، يراقبها في صمت.

اتسعت عيناها بذعر، وتسارعت أنفاسها وهي تحدق في وجهه الجامد. كانت ملامحه توحي بأنه اتخذ قرارًا لن يتراجع عنه، وأن ما ينتظرها لن يكون هينًا. خرج صوتها متقطعًا من شدة الخوف، وقالت: –ا أيه؟ ا أنت ناوي تعمل أيه؟ لم يجبها. ظل يطرق بأصابعه على ذراع المقعد ببطء، وعيناه لا تفارقانها، حتى أصبح ذلك الصمت أكثر رعبًا من أي تهديد. وبهدوء شديد، نهض من مكانه.

مد يده إلى جيبه، وأخرج سلاحًا ناريًا، ثم وضعه فوق الطاولة أمامها دون أن ينطق بكلمة. ارتجف جسدها كله. لم يكن بحاجة إلى توجيهه نحوها، فمجرد وجوده أمامها كان كافيًا ليجعل الدم يتجمد في عروقها. وأخيرًا تكلم، بصوت هادئ على نحوٍ مخيف، هدوء يحمل في طياته عاصفة على وشك الانفجار: –أنا مش خارج غير لما تقولي مكان الشنطة فين، يا أخلص عليكي ومحدش هيسأل عليكي من أساسه. ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت أن حلقها قد جف تمامًا،

ثم قالت بتلعثم: –م ما أنا قلتلك، سيبني وأنا هحيبها ليك، طول ما انا هنا مش هتعرف توصلها. ظل واقفًا في مكانه للحظات، يحدق إليها بعينين لا يظهر فيهما سوى الشك. وفجأة، اختفى الفاصل بينهما. في غمضة عين كان يقف أمامها، وقبض على شعرها بعنف حتى أجبرها على رفع رأسها إليه، وقال من بين أسنانه: –انتي بتتشرطي عليا يا روح أمك؟ ده أنا أمحيكي من على وش الأرض، أنطقي الشنطه فين؟

انطلقت منها شهقة ألم، وأغمضت عينيها بقوة، بينما انسابت دموعها على وجنتيها، وقالت بين شهقاتها المتلاحقة: –آه شعري، أرجوك سيبني، والله العظيم هرجعلك شنطتك بأي طريقة. اشتدت قبضته أكثر، حتى شعرت أن فروة رأسها تكاد تتمزق، ثم قال بنبرة خلت تمامًا من الرحمة: –اللي تفكر تمتد أيديها على حاجه تخص دياب السروجي، تستحمل اللي هيحصلها، هخلص على أهلك واحد واحد، وبعدها هخلص عليكي، بس قبل ما أقتلك، هتنطقي برضه وتقولي مكان الشنطة فين.

رفعت رأسها بصعوبة، وصرخت فيه بكل ما تبقى لديها من قوة، وقد اختلط غضبها بانهيارها: –معرفش، والله معرفش. ظل ينظر إليها طويلًا، كان هناك شيء في دموعها، وفي ارتجافة صوتها، وفي نظراتها المرتعبة، يخبره أنها لا تكذب. لكنه في المقابل، رآها بعينيه في كاميرات المراقبة. وكيف يكذب ما رآه بنفسه؟ ظل الصراع يشتعل داخله للحظات، قبل أن يدفع رأسها بعيدًا عنه بعنف، فتأرجح جسدها إلى الخلف، بينما استقام هو في وقفته، وقال بلهجة حاسمة:

–أنا هسيبك تمشي، ولو الشنطة دي مجاتش ليا بكرة بالليل، يبقى تستحملي اللي هيحصلكم مني، وخليكي عارفه أنك لعبتي مع دياب السروجي، وده عقابه كبير أوي عندي. لم يعد الخوف يخصها وحدها، بل امتد إلى ملك ومودة، بعدما أدركت أنه لن يتردد في إيذائهما إن لم يجد حقيبته. أومأت برأسها سريعًا، وقد ارتجف جسدها كله، وقالت بصوت يكاد لا يسمع: –ح حاضر، وأنا بوعدك أني هرجعلك شنطتك، ومش هتشوف وشي تاني خالص.

رمقها بنظرة غاضبة أخيرة، ثم استدار متجهًا نحو الباب. وقبل أن يخرج، وصله صوتها المرتجف من خلفه: –م مش هتفكني؟ توقف لثانية واحدة، ثم أدار رأسه إليها، ونظر إليها بتعالٍ دون أن يجيبها، قبل أن يفتح الباب ويغادر الغرفة، مغلقًا إياه خلفه. خرج إلى الممر، فكان عدد من رجاله ينتظرون أوامره في صمت. نظر إلى أحدهم وقال بنبرة آمرة:

–تفكوا البت اللي جوه دي، تسيبوها تمشي، وتراقبوها عيونكم متغيبش عنها لحظة، لحد ما تعرفوا بتشتغل مع مين، وتجيب الشنطة. أنهى أوامره، وألقى نظرة أخيرة نحو باب الغرفة، ثم استدار وغادر المكان بخطوات ثابتة، بينما بدأ رجاله في تنفيذ ما أمرهم به. *************************** …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...