تحميل رواية «سراج الثريا» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أغسطُس، أشد شهور السنة حرارةً، بأسيوط. تحت أشعة الشمس القاسية بوقت الظهيرة، تسير حافية القدمين فوق تلك الجذور القاسية المتبقية بعد حصاد القمح، جذور أقسى من الأشواك. كانت تقتلع تلك الجذور بيديها. توقفت تشعر بإنهاك وهي تمسح ذاك العرق المتسرب فوق جبينها من أسفل تلك العُصبة التي فوق رأسها. للحظة، ثم عاودت السير واقتلاع تلك الجذور. شعور الألم بكامل جسدها مصاحب كل خطوة، تدمي قدميها من قسوة تلك الجذور. رغم ذلك، هي تحاول دائمًا نسيان ذاك الألم. إلى أن وصلت إلى جسر للأرض فاصل بينها وبين الأرض المجاورة...
رواية سراج الثريا الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامه
في أغسطُس، أشد شهور السنة حرارةً، بأسيوط.
تحت أشعة الشمس القاسية بوقت الظهيرة، تسير حافية القدمين فوق تلك الجذور القاسية المتبقية بعد حصاد القمح، جذور أقسى من الأشواك. كانت تقتلع تلك الجذور بيديها. توقفت تشعر بإنهاك وهي تمسح ذاك العرق المتسرب فوق جبينها من أسفل تلك العُصبة التي فوق رأسها. للحظة، ثم عاودت السير واقتلاع تلك الجذور. شعور الألم بكامل جسدها مصاحب كل خطوة، تدمي قدميها من قسوة تلك الجذور. رغم ذلك، هي تحاول دائمًا نسيان ذاك الألم.
إلى أن وصلت إلى جسر للأرض فاصل بينها وبين الأرض المجاورة. جلست تلتقط أنفاسها، تستريح بعض الوقت. جذبت قدميها، قدم خلف أخرى، تنظر إلى تلك الدماء التي تسيل منهما، وكذلك تلك الخدوش القاسية بيديها. كأنما حين جلست تضاعف شعور الألم بجسدها، والوجع الأقوى بقدميها.
خلعت تلك العُصبة عن رأسها، قامت بربطها حول إحدى قدميها، والقدم الأخرى وضعت عليها ذاك الوشاح الأسود الذي كانت تستر به شعرها أسفل تلك العُصبة. تحررت خصلات شعرها الكستنائية اللون ذات الطول المتوسط خلف ظهرها. ربطت ذاك الوشاح على قدمها الأخرى. للحظة، شعرت بهدوء الألم، لكن لم تهنأ بذلك حين شعرت بلسعة كرباج فوق يديها، وسمعت إلى من ينهرها قائلاً بتعسف:
"إنتِ مين اللي سمحلك تجعدي؟ كانك صاحبة ملك. إياك... جومي فزي، كملي شغلك. إنتِ مفكرة نفسك صاحبة ملك؟ إنتِ هنا خدامة حصاد لقمة عيشك. جولتلك هتعيشي عمرك كله في شقا. أنا هفضل عايش في خيالك عشان أسود حياتك. جولتهالك قبل كده."
"أنا قدرك الأسود."
أنهى قوله بصفعة بالكرباج. ضربت يدها كأن جلدها انشق. انشق صوتها بصرخة ألم.
فجأة، استيقظت. ترفع جسدها عن الفراش. ترى الظلام حولها، ليس بالغرفة أي ضوء. شعرت برهبة. نهضت من الفراش وتوجهت إلى ذراع الإنارة وأشعلت ضوء الغرفة. نظرت حولها. هي بغرفة النوم وحدها. شعرت بالأسى على حالها، كأنها تعيش بلعنة التصقت بها لا تستطيع التحرر منها. نظرت إلى يديها كأنها حقًا تشعر بألم ذاك الكرباج. انحصرت العباءة المنزلية عن ساقيها، تعرى فخذيها. وقع بصرها على تلك العلامة الكبيرة والظاهرة بوضوح. شعرت باشمئزاز مصحوب بألم، كأنها احترقت للتو. بدأت تستذكر ذكريات ظنت أنها نسيانها سهلًا، بعد أن قررت البدء مرة أخرى. بقسوة، لن تعود إلى تلك الشابة الوديعة.
"ثريا حمدين الحناوي"
التي تعلمت أن تنحني للحياة حتى كادت أن تقسم ظهرها بأوجاع كان صعب مداواتها إلا بعد أن...
وئدت قلب تلك الشابة بالثرى، وأنبت قلب آخر بلا إحساس. أصبحت غير باقية على شيء بحياتها. تعلمت الدرس جيدًا.
"إذا أُجبرت النعجة على العيش وسط الذئاب، إما أن تستذئب مثلهم، أو ستكون طُعمًا طريًا لهم. وهي لن تكون طُعمًا مرة أخرى، بل ستذئب أمام الجميع."
***
سيناء.
إحدى الثكنات العسكرية.
تمدد بجسده، وضع رأسه فوق معصميه. يفكر: هذه آخر ليلة له هنا، بين تلك الجبال الذي خاض بها معارك كثيرة. ربما لم يخرج منها مهزومًا، لكن ليس رابحًا بعد أن خسر بعضًا من زملائه وجنود كانوا تحت ولايته. رأى الموت قريبًا جدًا منه بعد أكثر من إصابة رصاص. تركت ندوبًا ليس فقط في جسده، بل على قلبه الذي أصبح أكثر قساوة.
تنهد. بالغد سيتنازل عن مهامه هنا ويذهب إلى مكان آخر لا يعلمه. ما زال غموض حول ذاك المكان، لكن لا يعطي لذلك أهمية. هو تعود على العيش بأي مكان وتحت أي ظروف. نسي أنه...
"سراج" أحد أضلع مثلث "عمران العوامري".
بل الضلع الأكبر فيهم.
***
بدار السعداوي.
بغرفة نومها كانت تجلس فوق فراشها.
خطت آخر كلماتها بذاك الدفتر الذي بين يديها. وضعت القلم بتلك الصفحة، ثم أغلقت الدفتر وقامت بوضعه على طاولة بجوار فراشها. ثم تمددت على فراشها. نظرت نحو تلك اللمبة ذات الضوء المتوسط الإنارة. تنهدت تستذكر سابقًا.
حين كانت تقرأ في كتب الحكايات عن فتى الأحلام.
إما أميرًا أو فارسًا ذو صولجان ملكي معقوف.
لكن حين التقت بفتى أحلامها.
كان معاقًا، صولجانه القلم المستقيم.
تبسمت، لكن سرعان ما غص قلبها حين عادت للواقع. هنالك حرب باردة بين العائلتين. وتذكرت أنها...
هي "حنان وجدي السعداوي".
***
بإسطبل خاص بعمران العوامري.
كعادته بالصيف، يظل ساهرًا بالفناء فوق ذاك العشب. يرى نجوم السماء. يسرد بقلمه "حكايات من الغرام". يرسم شخوصًا لأبطال ربما ليسوا موجودين إلا بالخيال فقط.
أميرة عشقها صعلوك، وأمير عشق تلك المُعفرة بالتراب. حكايات ينسج بينهم تألف، واختلاف. وغرام التضاد. لم يكن يظن أنه سيكون يومًا حكاية من ضمن الحكايات حين يقع...
بـ"جب" غرام التضاد.
الذي سقط فيه حين وقع بغرام تلك الأميرة التي التقى بها صدفة بين مدرجات الكتب.
غرام تخطى أكثر من سبع سنوات.
مدفون بـ"جب" بركان خامد، لو ثار لن يرحم أحدًا. بالنهاية هو...
"آدم".
الضلع الثاني لـ"عمران العوامري"... أو كما يقال عليه "المعاق".
***
بصباح اليوم التالي.
القاهرة.
بأحد قيادات القوات المسلحة.
أدى التحية العسكرية لقائده الأعلى.
تبسم له القائد قائلاً:
"إقعد يا سراج."
جلس سراج ينتظر إخبار القائد له عن مكان خدمته الجديد. لكن تفاجأ حين مد يده له بورقة قائلاً:
"إقرأ دي يا سراج وقولي رأيك؟"
أخذ الورقة منه ونظر له مذهولاً. حين أتم قراءة الورقة قائلاً:
"ده طلب استقالة وإعفاء من الخدمة في القوات المسلحة. بس أنا..."
قاطعه القائد قائلاً:
"عارف إنك مقدمتش الاستقالة دي، بس زي ما إنت شايف فعلًا تم الموافقة على الاستقالة وإعفائك من الخدمة بالقوات المسلحة."
انزعج سألًا:
"مش فاهم يا أفندم. أنا بخدم في الجيش من سنين و...."
قاطعه القائد مفسرًا:
"إنت من أكفأ الجنود، وقلبك شجاع. وده اللي إحنا محتاجينه في مهمتك الجديدة يا سراج."
استغرب سراج سائلًا:
"مش فاهم يا أفندم."
وقد كان الجواب صادمًا:
"مهمتك في الجيش انتهت يا حضرة القائد."
***
بأحد مستشفيات أسيوط العامة.
بعد انتهاء دوامها بالمشفى.
كانت تسير تنظر إلى هاتفها تقرأ إحدى الرسائل. قبل أن تشعر بيد تقبض على ساعد يدها تسحبها إلى داخل أحد الغرف. لوهلة انخضت وشعرت برهبة ثم برودة قوية.
سرعان ما شعرت بانقباض قلبها، كأن نبض قلبها توقف للحظة. قبل أن تعود وتستنشق الهواء بتقطع. تنظر له بسحق إلى أن استطاعت التقاط نفسها طبيعيًا لحد ما. تحدثت بغضب:
"إيه الهمجية دي؟ إزاي يا دكتور تسحبني بالشكل الوقح ده؟ مش ملاحظ إننا في مستشفى وسهل أي حد يشوفنا أو يسمعنا؟ يقولوا علينا إيه."
تبسم وهو يكاد يضع يده على شفاها، لكن قامت بصفع يده بقوة وابتعدت بغضب وكادت تتوجه نحو باب الخروج. لكن أمسك يدها قائلاً:
"حبيبة."
"أنا جايبك في آمن مكان محدش هيشوفنا ولا هيسمعنا."
تضايقت سائلة بازدراء، ثم جالت عينيها بالمكان:
"والله طمنتني. وإيه المكان البارد ده؟"
أجابها ببسمة:
"المكان هنا محدش بيسمع ولا بيشوف ولا بيتكلم."
استهزأت مرة أخرى وهي تمسد عضديها بسبب البرودة، سائلة:
"هو إيه المكان ده، وماله ساقع كده ليه؟"
أجابها ببساطة وبسمة سخيفة بالنسبة لها:
"إحنا في المشرحة."
"-المشرحة."
قالتها برعب وقد تجمدت جميع أوصالها للحظات قبل أن تصرخ فيه وترفع يديها تقوم بدفعه وتهرب سريعًا من الغرفة وهي تسب بذاك الغبي.
بينما هو ضحك على هروبها قائلاً:
"خايفة كده ليه؟ هنا كل واحد في حاله. ده أحلى مكان نتكلم فيه برومانسية. هدوء وسكينة."
سبته بغيظ قائلة:
"سكينة تقطعك حتت، يا سخيف. بعد كده مش عايزة أشوف وشك ولا أعرفك ولا أسمع صوتك تاني."
سارت تحلف لن تلتفت خلفها، ليس فقط رعبًا، بل لو رأت ذاك السمج أقل ما قد تفعله ستقتله.
بينما هو مازال يضحك باستهوان قائلاً:
"هي مالها خافت كده ليه... ده تاني أحلى مكان بلاقي راحتي فيه."
بعد لحظات، دلف أحد الأشخاص العاملين سائلاً:
"دكتور إسماعيل، أي خدمة؟"
نظر له قائلاً:
"لأ مش عايز منك أي خدمة، بس اهتم شوية بنضافة المكان. مش عشان أموات تطنش. الاهتمام مش بيطلب. يلا سلام وخلي بالك، أنا عادد الجثث... سلام يا برعي."
خرج إسماعيل، بينما قال الموظف:
"إسمي مرعي يا دكتور."
لم يبالِ إسماعيل. بينما تفوه مرعي:
"هو كان بيعمل هنا إيه؟ طبعًا إسم عيلته مقوي قلبه."
"إسماعيل... الضلع الثالث لـ عمران العوامري."
***
بالظهيرة.
تعامدت الشمس وأصبحت الحرارة قاسية للغاية.
بالحقل.
مدت بصرها على مدى قطعة الأرض الصغيرة. ما زال هنالك جزء لابد من تنقيته من الحشائش. لكن...
شعرت بالإرهاق بعد أن قامت بنزع جزء من تلك الحشائش الضارة من بين شتلات الأرز. كذلك شعور بالجوع يتوغل منها، فمنذ الصباح لم تتناول سوى الماء. حسمت قرارها لتعود إلى المنزل لتناول الطعام. أخذت وقت مستقطع تسترد عافيتها. كذلك تنكسر درجة الحرارة عصرًا تعود لاستكمال الجزء الباقي. خرجت من الحقل نحو جدول مياه صغير على رأس الأرض. قامت بغسل يديها وساقيها من ذاك الطين. كذلك نزعت تلك اللثمة عن وجهها وغسلته. شعرت ببعض الانتعاش. ذهبت نحو منزل والدتها. لكن على رأس الشارع، لمحَت إحدى النساء تدخل إلى المنزل. حالتها المزاجية والبدنية لن تتحمل سخافة أحد. تنهدت بحيرة، ثم عدلت طريقها إلى مكان آخر أفضل من المناهدة والمجادلة بأمر منتهٍ بالنسبة لها.
بعد لحظات.
بمنزل بسيط للغاية.
استقبلتها تلك المرأة تبتسم ترحابًا:
"ثريا بت حلال تعالي، أنا كنت لسه بفكر فيكِ."
تبسمت لها قائلة:
"خير يا خالتي سعدية."
تبسمت لها بحنان قائلة بمودة:
"خير، تعالي. أنا كنت جعانة محدش في الدار يفتح نفسي عالأكل. تعالي. أنا طابخة وأكلة زين. إعدلي الطبلية على ما أجيب الأكل من المطبخ."
فعلت ثريا مثلما قالت وظلت واقفة إلى...
وضعت نعمات إناء الطعام أمامها قائلة:
"يلا إقعدي ناكل سوا."
جلست ثريا بالمقابل لها. تبسمت سعدية قائلة:
"تعرفي يا بت يا ثريا أنا وإنتِ فينا شبه كبير من بعض."
حملقت ثريا بإناء الطعام. لوت شفتيها بامتعاض قائلة:
"عشان كده مبنرتاحش مع بعض يا خالتي. بس إيه الأكل اللي في الصحن ده."
ضحكت سعدية بتوافق، ثم نظرت إلى الصحن قائلة ببساطة:
"دي بتسا."
"-بـ إيه... قصدك بيتزا."
أجابتها بتوافق:
"أيوه، شوفت الولية على التلفزيون بتعملها جولت أجرب وأعرف طعمها إيه."
رغم امتعاضها من المنظر، لكن مدت يدها وقطعت قطعة صغيرة. وضعتها بفمها. حاولت مضغها تستسيغ طعمها. لكن لم تستطع. كذلك لم تبصقها. ابتلعتها بصعوبة وامتعاض قائلة:
"دي ماسخة وملهاش طعم، أو طعمها زي الأكل الحامض (الفاسد). أقولك أنا ماليش في أكل التلفزيونات ده. عندك حتة جبنة قديمة وعود خس سريس."
تبسمت لها قائلة:
"لأ. عندي جبنة قديمة وجوز خالتك كان جايب جرجير معاه وهجيبلك طماطم كمان."
بعد لحظات، وضعت أمامها ذاك الطعام. نظرت له بشهوة قائلة:
"-واه أهو ده الأكل مش هتجوليلى "بيتسا"."
"إنتِ غلط. تسمعي قنوات الطبيخ. ركزي مع المسلسلات زي أمي."
تبسمت وجلست جوارها تتناول الطعام. ثم رمقتها بحنان سائلة:
"الا ليه مروحتيش تتغدّي في دار أمك يا ثريا."
ابتلعت ثريا إحدى اللقيمات وقالت بتفسير:
"أنا كنت رايحة أتغدى في دارنا بس شوفت الولية "أم مرسي" داخلة دارنا. جولت أكيد جايبة عريس عِرة وأنا مش ناقصة وجع راس. جولت أجي أتغدى عندكِ."
تبسمت لها بغصة قلب قائلة بسؤال:
"ولحد ميتي هترفضى الجواز؟ بالك لو إنتِ اللي كنتِ موتِ، كان زمان جوزك اتجوز من سبوعها وخلف اتنين كمان."
ضحكت قائلة:
"اتنين؟ ليه كانت حبلى من قبل ما تتجوزه؟ وإنتِ بتتمني لي الموت يا خالتي."
انتفضت بجزع وربتت على فخذ ثريا قائلة:
"لأ، ربنا يطول بعمرك يا بت ويفرح جلبك."
نظرت ثريا إلى يد سعدية التي تربت بها على فخذها. شعرت بألم كأنها للتو احترقت. تنهدت بحسرة وتهكمت قائلة:
"هعمل إيه بالعمر الطويل يا خالتي؟ بختي وعرفته... طول عمري بيني وبين السعادة صخرة سد."
نظرت لها برأفة قائلة بتمني:
"يا عالم يا بتي، يمكن ربنا لساه شايل ليكِ الخير."
أومأت برأسها قائلة برضا:
"الحمدلله."
شعرت سعدية ببؤس وعاودت تحريض ثريا قائلة:
"الحمد لله. بس يا بتي العمر بيجري. لازم تفكري بـ...."
قاطعتها ثريا بدمعة تترغرغ بعينيها كأنها حبيسة تأبى النزول من بين أهدابها قائلة بلوعة قلب فقد مذاق الحياة:
"عمر إيه اللي هدور عليه يا خالتي؟ كمان مين اللي هيقبل يعيش مع ست جسم عالفاضي؟ حتى ده كمان يمكن ميعجبوش. أنا ها عايشة كده بكرامتي. جربت بختي وإنتهي كده."
هطلت دمعة عين سعدية ألمًا على رد ثريا اليأس. تنهدت بحسرة قائلة:
"كان جوازة الشوم. جولت لـ "نجيه" أختي بلاه "غيث" ده معندوش نخوة. بس خالك "مصطفى" هو اللي كبره في دماغها."
تنهدت ثريا بألم قائلة:
"بلاش ترمي اللوم على أمي يا خالتي، ده كان قدري المكتوب. وعلى رأي المثل:"
"المكتوب مفيش منه مهرب."
***
مساءًا.
مركز شباب البلدة.
كانت أصوات أنثوية حماسية.
تنطق بكلمات خاصة برياضة "الكاراتيه".
تقوم بتدريب بعض الأطفال من الجنسين. إلى توقفت تلهث وهي تنظر لهم بمرح قائلة بحماس:
"عاش يا وحوش، كده خلصنا نص تمرين النهارده. يلا قدامك عشر دقايق راحة ونرجع نكمل النص التاني. عندنا بطولات القطاعات قريب، عايزكم وحوش."
تبسم لها الأطفال. بينما أتى مدير مركز الشباب وتبسم لها قائلاً:
"مساء الخير يا كابتن إيمان."
تبسمت له قائلة:
"مساء الخير حضرتك. غريبة إنك لسه موجود لحد دلوقتي في النادي الساعة قربت على سبعة. أنا قدامي ساعة كده هخلص بقية التمرين وأطمن هقفل باب النادي."
تبسم قائلاً:
"إنتِ عارفة أوامر الحكومة وإدارة النادي دي مسؤوليتي. كمان كنت جاي أقولك إن الحكومة عينت موظف جديد وهيجي بكرة هنا يستلم شغله مدرب كاراتيه. بالتأكيد ده متمرس وهيُزود كفاءة مركز الشباب. وكمان هيخفف عنيكِ التعب في تدريب الأشبال، عشان تنتبهي لدراستك. الدراسة قربت. دي آخر سنة ليكِ. إنتِ كنتِ بتشتغلي هنا تطوع منكِ."
نظرت له باحتقان. تعلم أنه هو من طلب ذاك المدرب ليس لزيادة كفاءة مستوى أشبال مركز الشباب، كما أنه يقصد أن يخفف من ممارستها لتلك الرياضة العنيفة امتثالًا لأمر من والدها.
"عمران العوامري".
فهي الضلع النسائي الوحيد له وسط ثلاث شباب نصف أشقاء لها.
تنهدت تقول بإيحاء مباشر:
"أكيد طبعًا المدرب الجديد هيكون متمرس. أهو أستفاد أنا كمان من خبرته وتزيد كفاءتي وأركز في سنة التخرج عشان من طموحاتي يكون ليا اسم كبير بين مدربين الكاراتيه في مصر. متنساش إني بطلة جمهورية والعالمية مش بعيدة عني."
***
ليلًا.
بمنزل "قاسم العوامري".
بإحدى الغرف.
شعرت بالإنهاك من كثرة الرقص. تمايلت بغنج وألقت بجسدها على ساق ذلك الجالس. تلمع عيناه بإستمتاع وبسمة كفيلة ببث الروح بقلبها وهي تتدلل عليه بغنج. يضمها لصدره بقبول، يُقبل وجنتيها من ثم لثم شفاها المصبوغة بلون أحمر قاني يشبه لون الدم. وهو مثل الذئب يستهويه لون الدم. بشوق تقبلت قبلاته الممزوجة ببعض من القوة والشهوة فقط بلا مشاعر من ناحيته. بارع في جعلها تمتثل لطوفان كاذب من المشاعر. بل بارع في جعلها راغبة.
***
بعد منتصف الليل.
فجأة دون سابق إنذار. تبدل الطقس الحار إلى ثائر. هدأ قليلًا من الحرارة لكن مصحوب ذلك بعاصفة ممطرة بل غزيرة المطر.
ترعدت السماء بسرج قوي مثل عاصفة شتاء وهطلت أمطار غزيرة.
بمنزل ثريا.
استيقظت بفزع حين انفتح شباك غرفتها الذي لم يكن محكم إغلاقه. على غفلة. نهضت من فوق الفراش توجهت نحو الشباك. وقفت تنظر نحو السماء التي تسرج برعد، كذلك هطول الأمطار. تطايرت خصلات شعرها بسبب تلك الرياح التي ما زالت ساخنة بعض الشيء قائلة:
"سبحان الله!"
"الطقس طول اليوم حار نار، ودلوقتي كمان شبه حار، والسما بتسرج وترعد وكمان بتمطر سيول مش مطر."
وقفت قليلًا، تنظر إلى ثورة الطبيعة القاسية. هذا مثل قدرها الثائر دائمًا عكس ما تبغي.
فجرًا.
نظرت نحو باب غرفتها الذي انفتح وطلت من خلفه والدتها. لم تستغرب حين وجدتها مستيقظة بهذا الوقت. تبسمت لها بحنان تشعر بغصة قلب قائلة:
"صباح الخير، إنتِ منمتيش ولا إيه."
أجابتها ببسمة ودودة:
"حد يعرف ينام وهو بيسمع الأصوات المفزعة دي. الجو في لحظة قلب. مطر ورعد والسما بتسرج في شهر أغسطس. سبحان الله."
تبسمت والدتها قائلة:
"سبحان الله بيبدل حال لـ حال في ثانية. ربنا يبدل حالك. الضهر روحتي اتغديتي عند خالتك."
فهمت ثريا تلميح والدتها وقطعت الطريق قبل حديثها التي تعلمه قائلة:
"خالتي فتّانة بسرعة قالتلك. أنا استغربتها روحت اتغديت عندها، ورجعت الأرض أكمل تنقية الدنيبة من الرز. بقولك إيه يا أمي، زمان السطح عايم ميه من الشتا. أنا هطلع أزيح المايه لا السطح ينشع في عشش الفراخ."
غادرت مسرعة، أو بالأصح هربت، لا تود جدال بشأن أمر منتهٍ لديها.
***
بمحطة قطار أسيوط.
مع الغسق الأول. إقترب شروق الشمس التي ستبدد ظلام عاصفة ليلة أمس. لكن ما زال هطول الأمطار بغزارة. هنا يتوقف القطار لوقت كي يبدل مساره قبل أن يستكمل الطريق مرة أخرى.
جذب تلك الحقيبة الصغيرة ورفقها على أحد كتفيه وترجل من القطار. قابلته الأمطار الغزيرة بالترحاب بالعائد إلى منشأه القديم. لم يحاول الانزواء والاحتماء من تلك الأمطار أسفل تلك المظلات... كبقية السائرين. ظل يسير تتدفق الأمطار على صفحة وجهه إلى أن أشار إلى إحدى سيارات الأجرة الذي توقف له. صعد إليه وأملى السائق عنوان تلك القرية. بعد وقت وصل إلى مشارف تلك البلدة. توقف سائق السيارة قائلاً:
"معلش مش هعرف أدخل بالتاكسي للبلد. الطريق ترابي وإنت شايف المطر والتاكسي سهل يتغرس في الطين."
أومأ له متفهمًا يقول:
"تمام... قول لي عاوز أجرة كام."
أجابه السائق بالمبلغ الذي أخرج ضعفه من جيبه وأعطاه له. قبل أن يعترض السائق قال له:
"طريقك أخضر."
تبسم له السائق بامتنان وغادر بعد أن ترجل من السيارة. الذي عادت تستقبله أمطار أشد غزارة. رغم أن الطقس رطبًا يميل إلى الحرارة، لكن طبيعة المكان تطفو عليه. تقدم سيرًا نحو البلدة التي مر عقد من الزمن لم تطأ قدميه أرضها. تبدلت كثيرًا. كان هنا طريق ترابي يفصل بين مجريان للمياه وخلفهما كانت أراضي زراعية. اختفى أحد المجريان وتلك الأرض التي كانت خلفه أصبحت منازل. كل شيء يتغير والتمدن أصبح آفة بكل مكان.
بعد قليل أثناء سيره أسفل زخات المطر. مر من أمام مقابر البلدة. خفق قلبه بأسى وتذكر، أو بالأصح رغم مرور سنوات البعاد، لكن يتذكر مكان قبر والدته هنا بين المقابر.
بعد لحظات عاد يسير مرة أخرى. لكن...
فجأة مثلما كانت السماء تسرج وتمطر بغزارة، هدأت لزخات كثيفة تشبه قطرات ندى صباح شتوي غائم. كأن السماء كانت طفلًا يبكي والشمس كانت والدته حين بدأت تشرق هدأ بكاؤه... أو ربما سماء.
"أسيوط" كانت ترحب بـ"النسر العائد" الذي يغدو سراجًا بين سمائها وثراها.
رواية سراج الثريا الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامه
مع شروق الشمس مازالت تلك الزخات مُستمرة أثناء سير سراج، داعب شُعاع للشمس عيناه رفع بصره لأعلى ينظر نحو قُرص الشمس، لكن وقع بصرهُ على شئ آخر توقف للحظات يتأمل ذلك المنظر
لـ فتاة تقف فوق سطح أحد المنازل القريبة، كان الهواء الخفيف يُداعب خُصلات شعرها التى تحكمها بوشاح صغير بالكاد يُغطي مُقدمة رأسها يُخفي القليل من خُصلاتها،كآنها حورية يتغزل بها شُعاع إشراق الشمس، لوهله شعر بغِيرة كيف لها أن تقف هكذا، تجولت عيناه على الأسطُح القريبه كانت خاليه، كذالك شعر بضيق من إلتصاق ثيابها بجسدها تُفسره معالم الأنوثة رغم أنها شبه نحيفة، منظرها هكذا يُشبة الحوريات الملائكية بزيها ذو اللون البنفسجي... سار دون دراية منه نحو ذاك المنزل لكن للحظة توقف حين إختفت من أمامه نظر بتمعن بالتأكيد لم يكُن يتوهم بتلك الحورية ، ظل لثواني قبل أن ينفض رأسه يشعر كآنه كان مثل المسحور وفاق من ذلك يلوم ذاته، لأول مرة يشعر بذلك، فسر عقله، ربما هذا بسبب تلك السنوات العشر الأخيرة الذى قضاها بعيدًا لم تطأ قدميه البلدة، توهم بشئ أبعد ما يُفكر عقله به، حتى لا يُفكر برد فعل والده وأخواته حين يرونه أمامهم، ويخبرهم أنه ترك العمل بالجيش وسيمكث معهم يعود لمعقله لكن يتوقع إنبساط والده بذلك القرار هو لم يكُن راغبًا فى البدايه بآن يلتحق بالاكاديمية الحربية، كان يوده أن يرث عمل اسلافه السابقين، سواء "بتربية الخيول"، أو "مصانع الكتان" الخاصة بهم.
سار الى أن دخل الى إحد الشوارع الشبة ضيقة، كانت الارض ضحلة بسبب الامطار وطبيعة أرضية تلك الشوارع الترابية تجنب كى يتفادي إحد النُقرات الضحلة،لكن أثناء ذلك تفاجئ بسطل من المياة ينسكب عليه أغرقه تقريبًا،توقف لوهله أغمض عينيه بغيظ ثم فتحها ونظر أمامه الى تلك التي سكبت ذلك الدلو عليه ولم تهتم وعادت بظهرها تدلف الى داخل المنزل لحظات وعادت بدلو آخر وكادت تقذفه كما فعلت سابقًا لكن توقفت حين قال بحِده وإستهجان:
حاسبي ولا إنتِ مش شايفة قدامك العما صابك.
توقفت ونظرت نحوه حقًا لم تكُن تنتبة له فى المرة السابقة والآن لولا حديثه لما إنتبهت بسبب إنشغالها بنشل تلك المياة المُتراكمه ببهو منزلها تُلقيها بالشارع كي تتسرب نحو إحد بلاعات الصرف الكبيرة بالشارع ، لوهله أخفت بسمتها بصعوبه حين نظرت الى ثيابه المُبتلة، حتي وجهه عليه أثار المياة وشعر رأسه كذالك، لكن بسبب بقية حديثه شعرت بالضجر منه قائله:
لاء الحمد لله بشوف، بس إنت اللى ماشي تتسحب من تحت البيوت زي الحرامية، قدامك الطريق واسع ليه تتلزق جنب الحيطان.
نظر لها نظرة غضب وكاد يتحدث بفظاظه،بنفس الوقت سمع صوت من داخل منزلها يقول:
يا ثريا واجفه تتحدتي ويا مين مش وجته خلينا نخلص الماية هتدخل الدار.
حادت بنظرها عنه وذهبت بالدلو نحو مكان آخر آلقت ما به وعادت الى داخل منزلها بلا إهتمام به، لكن قبلها رمقته بنظرة إستخفاف من ما فعلته به، جعلته يستشيط أكثر وهو يشعر أنها تستخف به، عاود السير يشعر بغضب سحيق لما صمت ولم يرد على فظاظتها بالرد بدل من أن تعتذر على الاقل، ولما لم يصفعها أو أغرقها بماء ذلك الدلو الذى كان بيديها.... كذالك شعور آخر بالإحتقان من ثوبها الشبه مُلتصق بجسدها يوضح معالمه كذالك خُصلات شعرها الرطبة المُتدلية على ظهرها، لوهله تغضنت ملامحه أن ينظر لها أحد وهي هكذا،لكن كانت الشوارع شبه خاويه بل خاوية فالوقت مازال باكرًا كذالك هطول الأمطار سبب آخر لخلو الشوارع من الماره.
بينما عادت ثريا الى داخل المنزل تشعر بضجر تهمس بسخريه قائله:
عمي يصيبك يا بعيد.
نظرت لها والدتها قائله:
عتبرطمي تجولي إيه يا ثريا.
أجابتها بإستياء وإرهاق:
بجول لو "ممدوح" كان سمع حديتي وعمل تسقيفة صاج للدار عالسلم كنا إرتاحنا من التعب ده ونشل المايه اللى بتنزل من على السلم،وياريته حتى عنده دم وقال اساعدكم،لكن نايم ومنفض عن راسه،أنا حيلي إتهد، قبل الشتا ما يچي لازمن نعمل تسقيفة صاج عالسلم.
نظرت والدتها بحنان قائله بتبرير تعلم أنه خاطئ:
أخوكِ هلكان فى الشغل ده راجع بعد نص الليل، وإن شاء الله قبل الشتا هقبض الجمعيه ونعمل التسقيفة تشيل الميه عن السلم.
نظرت لها وتهكمت بصوت خافت بسخرية، قائله بإستهزاء:
ان شاء الله،بس مترجعيش تدي له الفلوس ويروح يصرفها وإحنا نحتاس ونهلك فى نشل المايه من تحت السلم ومدخل الدار، وبعدين هو شغله فى القهوه بيهلكه فى ايه المية السخنه بتلسعه ولا النفخ على فحم حجر الشيشه.
بررت والدتها:
مش شغله يا بِتي وأنا معاكِ اها بساعدك، وخلاص الماية اللى فاضل مش كتير.
تهكمت بإستياء من تبريرات والدتها وإستسلمت تُكمل نشل بقية تلك المياة رغم إرهاقهن الإثنين، كذالك شعورها بالإستياء من ذاك الغريب الذي سبها بـ"العمى".
بينما بعد وقت قليل
أمام مجموعة منازل كبيرة مُتحاوطة ببعضها يحدها سور متوسط يضم ويُظهر بذخ تلك المنازل من الخارج، هنالك بوابة حديديه دفعها ودخل الى ذلك الممشي الخاص بناحية أحد تلك المنازل الفخمة، توجه إليه مباشرةً قرع ذلك الجرس وتوقف للحظات حتى فُتح الباب، نفض عن رأسه ذلك الإستياء بسبب تلك الفتاة الزالفة اللسان الذي قابلها قبل قليل، ورسم بسمه حين نظرت له تلك الخادمة التي تقترب من منتصف الاربعينات،تنحت جانبًا بإحترام قائله:
سراج بيه!.
تبسم وهو يدخل الى المنزل، يسمع ترحيبها المُبالغ فيه، سألها كى يقطع وصلة الترحيب:
أبوي الحج عُمران صاحي ولا لساه نايم.
أجابته:
لاه الحج عُمران صاحي من بكير، وهو فى أوضة السفرة هو والست "زاكيه" كمان أستاذة إيمان ومعاهم آدم بيه وكمان الحجه"ولاء".
تبسم قائلًا:
عمتي ولاء هنا كمان، تمام خدي إنتِ الشنطة دي طلعيها أوضتي، ولا حد خدها فى غيابي.
أجابته الخادمه:
لاه أوضة جنابك خاليه من وجت ما سافرت مصر عشان تدخل الكلية الحربية، وبنضفها ونهويها من فترة للتانية، وهي نضيفه هطلع أفتح البلكونه والشباك تتهوي، بس خلقات سيادتك مبلوله، إنت كنت ماشي تحت المطرة، لازمن تغيرهم صحيح الجو حر بس برد الصيف قاسي.
تبسم لها بود قائلًا:
لاءمتقلقيش أنا واخد على كده، هروح أشوف الجماعة.
لم تهتم وذهبت الى غرفته كي تقوم بتهويتها كذب وضع ثيابه بها... بينما هو ذهب الى غرفة السفره، راي ذلك التجمع تبسم قائلًا:
صباح الخير
متجمعين عند النبي.
نظروا نحوه، سُرعان ما إرسمت على وجوههم المفاجأة والأستغراب ثم البسمه، نهض آدم مُرحبًا به، وذهب نحوه عانقه بأخوه.
إستقبله سراج بمودة
"آدم" يمتلك مكانه خاصة بقلبه، أكثر من أي شخص آخر ليس بمثابة أخ فقط كذالك رفيق داعم له، عاش معه مآساته القديمة الذى مازال أثرها واضح على سير قدميه كان داعمًا له رغم صِغر عمرهما وقت ذاك الحادث الذى كاد يتسبب له فى فُقدان إحد ساقيه لولا لُطفًا من الله.
عناق أخوي بينهم ثم سؤال من آدم:
غريبة من زمان منزلتش البلد،إيه الأجازة المره دي كام يوم، أوعي تقولى إنت هنا فى مهمه وقولت تفوت تسلم علينا قبل ما ترجع.
غص قلب سراج قائلًا:
لاء أنا قررت أسيب الخدمة فى الجيش، أو بمعني أصح سرحوني لأسباب هقولك عليها بعدين.
صدمة لـ عمران كذالك ولاء اللذان نهضا من خلف طاولة الفطور، وإقتربا من سراج بإستفهام سأل عمران:
جصدك إيه، أنا مش فاهم.
تنهد سراج بآسف حرين:
للآسف حصل مُشكله فى الكتيبه اللى كنت بخدم فيها فى سينا وللآسف الخطأ كله إترمى عليا، وحصل تحقيق وللآسف صدر قرار بوقفي عن ممارسة مهامي الحربيه فى الجيش،وكان ممكن يتم تسريحي من الخدمه بصراحه إضايقت وقدمت إستقالتي.
إستغربت ولاء سائله:
وإيه هي المشكله الكبيرة اللى وصلت بيك لكدا.
أجابها بآسف:
إنتهمت إنى بسهل للإرهابيين دخول السلاح لـ سينا من معبر رفح، ودي دسيسه عليا، بس التحقيقات فى البداية أثبت التهمه عليا، وبعدين ظهرت برائتى لما تم القبض على زميل ليا هو اللى كان وشي عني عشان يصرف النظر عنه، بس بصراحه الموضوع آثر فيا حسيت بعدم ثقة فيا حتى لو كان إتهام باطل بس مكنش لازم يتم التحقيق معايا وهما عارفيني كويس، قولت بلاش أعيش فى خطر دائم وفى الآخر تهمه باطله أتحول للتحقيق زي المجرمين، قدمت على إستقالة، بس لسه متوافقش عليها بس أكيد مش هتاخد وقت، فكرت أرجع لمكاني هنا...
توقف سراج ينظر الى ملامح عمران التي تغضنت بعصبيه كعادته وذمه بغضب قائلًا:
كيف يحققوا معاك ما بيعرفوا إنت وِلد مين، بس أجول إيه إنت اللى أختارت الكليه الحربية من الاول، ياما نصحتك إن مكانك إهنه تكون الكبير لعيلة "العوامري" والقدر بينادم على صاحبه، أهلًا برچوعك يا ولدي.
لمعت عين ولاء ببسمة خبيثه وربتت على كَتفة بمؤازة وتشجيع:
جيت فى وجتك يا سراج، العوامريه فى الفترة الأخيرة جلب رجالتها بجي ضعيف، ومحتاجين اللى يرجع هيبتهم من تاني.
توسعت نظرة عيناه بسؤال مُتكبر:
وومين اللى يقدر يمس هيبة العوامري.
نظر عمران الى ولاء بنظرة ان تؤجل إخباره لفيما بعد، تبسمت له ولاء قائله:
دلوك آرتاح وبعدين نتحدت، ومالها هدومك مبلوله إكده ليه، إنت مشيت تحت المطره.
زفر نفسه وهو يتذكر تلك الزالفة اللسان، ثم اومأ رأسه بموافقة لـ ولاء التى قالت له:
دلوك إطلع غير خلقاتك وعاود نتلم كلياتنا عالفطور.
وافق سراج وصعد نحو غرفته، بينما
نظرت ولاء الى عمران لمعت عين الإثنين ببسمة تمني، بعودة سراج أن تعود السيادة لهم.
بينما آدم لمح نظراتهم لبعض بداخله تهكم على أمانيهم الذي لديه يقين أن سراج لن يتوافق معها، لكن لم يهتم حين صدح رنين هاتفه برساله، أخرج هاتفه من جيبه وفتحه قرأ الرساله سُرعان ما تبدلت ملامحه، نظر نحو عمران وولاء اللذان نظرا له، لكن لم يهتم قائلًا:
أنا مش هنتظر نزول سراج، عندي ميعاد مهم بعد ساعة ولازمن الحقه.
كاد عمران أن يسأله لكن جذبت ولاء يده بإشارة عين الا يهتم، هنالك الأهم الآن هو
السراج العائد.
لم يهتم آدم وخرح من المنزل غير مباليًا لطموحاتهم الواهية فى سراح.
بمنزل السعداوي
قبل قليل
على طاولة الفطور
نظر مجدي نحو حنان وعاد بنظره لزوجته "جليلة" لوهله خفق قلبها تعلم فحوى تلك النظرة بالتأكيد سيبوح بما أخبرها به بالأمس رغم عدم رضائها لكن لا تمتلك قرار، تنحنح ونظر لـ حنان قائلًا ببسمة ذات معني:
فى عريس إتجدم لـ حنان.
من ذهول المفاجأة تشرقت(شرقت) حنان وسعلت بشدة، ناولها أخيها الجالس جوارها
كوب الماء، بيد مُرتعشة أخذته منه وإرتشفت عِدة مرات حتي هدأ السعال قليلًا، نظرت جليلة له بآسف، لكن لم يهتم وأكمل قوله:
مالك شرجتي إكده ليه.
بررت حنان وهى مازالت تسعل ببطئ:
مفيش يا أبوي، بس إتفاجئت حضرتك خابر إن مبفكرش فى الچواز دلوك قبل ما أخلص الدراسات العُليا وأخد الماستر وبعدها الماجيستير عالاقل.
نظر لها قائلًا:
سهل تكمليهم وإنتِ فى دار چوزك، وأنا هتفق مع "حفظي" على إكده وهو مش هيمانع.
جحظت عيني حنان بصدمة قائله بتعلثم:
قصدك حفظي مين
مستحيل!.
نظر لها وتبدلت نظرته الى غضب قائلًا:
حفظي إبن عمك عتمان، مستيحل ليه عيبه إيه شاب متعلم جامعي.
بررت بإستماته:
هو فعلًا متعلم وجامعي، بس أخلاقه الجاهل يفهم عنِه يا أبوي.
بإقتناع تحدث وجدي:
هو طايش إشوي، بس لما يتجوز هيعقل أنا خلاص هدي موافجه.
نهضت حنان واقفه تقول بحسم:
ده مستحيل أوافق عليه يا أبوي، الموت عندي أهون منيه.
نهض وجدي بتعسف قائلًا:
جصدك إيه، إياكِ تكوني حاطه عينك على حد بعينه.
تعلثمت قائله:
مش حاطه عينئ على حد يا أبوي،بس كمان مريداش حفظي،أنا بخاف منيه ومن معاملته القاسيه كيف هتجوزه.
سخر وجدي قائلًا:
حفظي واد أخوي وخابر أخلاقه زين،ومتوكد إن الجواز هيعدله،والجسوة دى جشرة والست تحدر تلين چوزها له بالطاعة.
-بس...
قاطع وجدي إعتراضها قائلًا بقرار محسوم:
الليله حفظي وعتمان جاين عشان نتفق... حهزوا حالكم، أنا نفسي إنسدت عالوكل، أشوفكم المسا.
غادر وجدي، نظرت حنان لـ جليلة ودموعها تسيل، أخفضت جليلة عينيها بآسف، هي لا تمتلك الإعتراض... لكن حسمت حنان قرارها لابد من قرار حاسم لن تخضع لقرار والداها التعسفي وتدمر حياتها مع شخص مُتجبر وأحمق مثل حفظي.
جففت دموعها بيديها وتركت المكان توجهت الى غرفتها جذبت هاتفها وقامت بإرسال رساله فحواها
"هستناك بعد ساعه فى قصر الثقافه بتاع المركز، فى أمر مهم".
أغلقت هاتفها وجلست على الفراش تشعر بتوهان كذالك خوف، تعلم الثآر القديم بين العائلتين، حقًا هنالك تصالح، لكن هنالك إحتقان فى تعامل العائلتين معًا.
بمنزل ثريا
بعد إرهاق شديد بسبب نشل تلك المياة، وضعت نجية ذلك الطعام فوق المنضدة الارضيه ونادت عليها بصوت خفيض خشيه من أن تُعلى صوتها ويصحوا ممدوح مُتذمرًا، جاءت ثريا بعد أن أبدلت ثيابها بأخري وجلست خلف تلك المنضدة تهكمت من همس والدتها حين سألتها:
لابسه إكده ورايحه فين؟.
نظرت ثريا الى ثيابها قائله:
أكيد مش هسرح الغيط بفستان زي ده،أنا رايحه المحكمه إمبارح جالي جضية نفقة وهروح مع الست تعملى توكيل لها فى المحكمه عشان انوب عنها.
تهكمت نجيه قائله:
بلاش جلبك الحنين معاها وفى الآخر تعطيها إنتِ فلوس،كفايه تتوكلي عنها ببلاش،إحنا مش أغني منيها.
اومأت ثريا لها قائله:
عندك حق إحنا محتاجين،يمكن أكتر منيها عالاقل هي خواتها عندهم نخوة وساعوها هي وعيالها فى دار أبوها مرموش لها الفتافيت وقالوا لها ده حقك،أنا شبعت هجوم عشان ألحق سرفيس،الصبح بيبقى زحمه.
فهمت نجيه تلميح ثريا،غص قلبها وسالت دمعة حسرة من عينيها على حظ ثريا البائس،كذالك حظ إبنها الإثنان كآن القدر يعاند أن يُعطي أحدهما السعادة،هي الوحيدة التى تعلم أن ممدوح ليس سيئًا ولا يهتم بغير نفسه هو كُسر منذ طفولته حتى حين أراد أن يكون له رأيًا ورفض زواج ثريا تحطم حين إتخذ خاله القرار...تنهدت بدموع على يتميان ضاعت لذة الحياة لديهما بسبب حظهما البائس بـ أم ضعيفة.
بـ احد قصور الثقافه بـ أسيوط
بالمكتبة
كان هنا اللقاء قبل عامين تقريبًا، صدفة جمعت بينهم، تصادف الإثنين على إقتناء كتاب واحد من المكتبه، لكن اليوم ليس مثل اللقاء الاول
نظرت الأعين لبعصها بحديث لابد أن يسمعه الآخر
بعد لحظات، بأحد طاولات حديقة المكتبه
جلس الإثنين بالمقابل لبعضهما نظرت حنان حولها بترقُب ثم نهضت تسير نحو ذلك السياج الحديدي الفاصل بين النيل وحديقة المكتبة،زفرت نفسها ثم إستنشقت نفس آخر،توجه آدم نحوها وقف جوارها نظر لها بنفس الوقت نظرت له ثم عادت تنظر الى مجري النيل،من ملامحها إستشف آدم أن هنالك ما تود إخباره به،تنحنح سائلًا:
بعتي رساله إننا نتقابل خير.
تنهدت بآسف وخوف:
مش خير يا آدم،أبوي خبرني إن حفظي واد عمي طالب يتجوزني.
إر تجف قلبه وإحتقنت ملامحه بإستياء قائلًا:
سبق وقولتلك أنا مش خايف أتقدم ليكِ،إنتِ اللى بتماطلي.
نظرت له بدمعة عين قائله بتبرير:
إنت عارف إني مش بماطل، بس خايفه إنت عارف إن فى تار قديم بين العلتين، صحيح فى صُلح تم، بس فى رياح نار جايده تحت الرماد أنا وأنت عارفين إن الرياح دي ممكن....
-ممكن إيه؟
هكذا قاطعها آدم، ثم أكمل بجسارة:
لو فضل حُبنا فى السر هنكسب إيه، ممكن نخسر بعض ونضيع وسط الرياح لازم نجازف.
نظرت له بهلع قائله:
هنجازف بإيه، بالدم اللى ممكن يرجع تاني.
أجابها وهو يُعطي لها ظهره:
إنتِ كده بتختاري وأنا أتمني ليكِ السعادة...
شعرت بضياع وجذبت ذراعه كي ينظر لها قائله بدموع:
بالبساطة دي هتتخلي عن حبنا.
نظر لها قائلًا بتشجيع:
الحُب للأقوياء مش للضعفاء يا حنان هتجازفي معايا متأكد إننا هننجح مش هتجازفي معايا يبقى مالوش لازمه نوجع قلب بعض.
-إنت مش بتحبني.
-لاء بحبك وإنتِ عارفه كده كويس أوي، بس أنا مش بحب الضعف ولا قولت نحارب بالسلاح، الكلمه كمان سلاح، دلوقتي حفظي هيطلبك الليلة تفتكري هيحصل إيه والدك واضح أنه مُصر وموافق رغم أنه عارف عيوب حفظي كويس، بس عارفه السبب إيه
الطمع والخوف
الطمع.... طبعًا معروف ليه وده النقطة اللى ممكن ندخل له منها فى فرق كبير بيني وبين حفظي هتقوليلى التار القديم...
ده مكنون تحت الرماد زي ما قولتي وممكن والدك وقتها يستغل التار ده ويبين أنه هو اللى رد حق عيلة السعداوي بالنسب
الخوف....حفظي شراني وكلنا عارفين أنه بيتاجر فى أي شئ يجيب له فلوس وغير مؤتمن وإنه ممكن يقتل بسهوله عشان يوصل لهدفه ومعروف إن هو كان سبب التار اللى كان بين عيلتنا وعيلة السعداوي وعمك قبل بالصفح خوف إن التار هيتاخد منه هو
جبان يعني،وأنا مش جبان يا حنان وقدامك الحل سهل،إتمسكي برفض حفظي وأنا بوعدك أخلي والدك يوافق على جوازنا.
أومأت رأسها بموافقه رغم قلبها الذي يرتجف خوفً من ما قد يحدث لاحقًا،ليس فقط عودة إندلاع ثآر بل خوف على آدم الذي يرى الموضوع من زاوية شخص لا يهوا الدم ولا العنف يعتقد أن الكلمة أقوى سلاح.
مساءً
مركز الشباب
قبل أن تدخل إيمان صالة تدريب الأطفال التى كانت تقوم بتدريبهم، سمعت أصوات جوهريه منهم تدل على أنهم يتدربون، تبسمت ظنًا منها أنهم يقومون بالتسخين إستعدادًا للتمرين، لكن تفاجئت حين دخلت بذالك الضخم الذي يُعطيها ظهره يسير أمام الفريق يشد من آذرهم بتشجيع... بتلقائيه من الأطفال توقفوا عن التمرين حين رأوا إيمان،لاحظ هو ذلك نظر لهم وكاد يسألهم لما توقفوا لكن نظر خلفه
وقع بصره على تلك صاحبة الملامح الناعمة ترتدي زي الكارتيه كذالك مُحجبة لوهلة صمت ينظر لها فقط...بينما هي تسألت بنبرة خشنة:
مين حضرتك وإزاي تدرب الفريق بتاعي.
قبل أن يرد عليها كان مدير مركز الشباب يقترب من هما وقال:
أعرفك يا كابتن إيمان ده كابتن
"جسار برهان" المدرب الجديد والمعتمد لفريق المركز.
نظرت له إيمان بتقييم للحق إعترفت أنه يبدوا رياضيًا مُخضرم، لكن العناد جعلها تنفض ذلك، حين قالت بثقة:
قصدك المدرب اللى الحكومه عينته هنا، عالعموم أنا المسؤوله عن تدريب الأشبال دي.
رغم جمالها لكن شعر ان بها نبرة تعالي،هنالك فرق بين الثقة والتعالي،هو فهمها جيدًا أراد مشاغبتها قائلًا:
إنتِ مُدرب الفريق ده،بصراحه الفريق محتاج يتشد شويه عشان ينشفوا شويه،الكارتيه رياضة ناشفة وهما شويه محتاجين.....
قاطعته بغضب بعد أن شعرت أنه يُلمح أن ربما سبب فى عدم إجادتهم أن مدربهم إمرأة،تحدثت بتسرُع:
الفريق بتاعي عضده ناشف...
تبسم بإعجاب وقاطعها بمشاغبة تروق له:
مش حكاية عضدهم ناشف، الرياضة عنيفة وطبيعي تنشف عضدهم، قصدي إنهم لازم يفهموا إن الرياضة أخلاق، وأنا شوفتهم قبل التمرين كانوا بيتباهوا مين أقوي من التاني بالتباهي بالقتال بعنف بينهم وبين بعض.
نظرت الى الفريق نظرة ضيق وقالت لهم:
أنا مش قايله أفعال الشوارعيه دي نبطلها وعشان كده هتتعاقبوا كلكم بعمل ألف تمرين ضغط وحالًا يلا إبتدوا
تذمر الأشبال وهم ينظرون نحو جسار الذي تبسم قائلًا:
مش شايفة ألف كتير عليهم كده بتجهدي الفريق،أعتقد العقاب لازم يبقى أخف شويه،زي مثلًا يلفوا حوالين تيراك النادي عشر مرات جري ده هيفيدهم أكتر ومش مُجهد.
أومأ الاطفال لذلك ظنًا أنه قد رحمهم،لكن بالحقيقه هذا إجهاد أكبر لكن ليس تعسفيًا مثلما قالت إيمان...علمت أنه يراوغ لمكسب ثقة هولاء الأشبال تعاملت بمرونه عكسيه:
تمام عاوزين تجروا إتفضلوا وأنا هقف فى الشباك اللى هناك ده اشوفكم وأنتم بتجروا واللى هيتخاذل هيتعاقب مره تانيه.
إنشرح الأشبال وهرولوا بالجري ظنًا أنها مجرد لعبه ليس عقاب.
لمعت عين جسار بإعجاب من مرونتها فى رد الفعل،بينما نظرت له إيمان بنظرة تحدي.
بأحد المشافي
خلع إسماعيل قفاز يديه الطبي ونظر الى تلك المُمدة فوق طاولة التشريح بآسف قائلًا:
للآسف زي ما توقعت سبب الوفاة قبل ما أبدأ التشريح
للآسف تهتُك فى الاعضاء التناسليه لها مصحوب بنزيف أدي لوفاتها.
خرج من تلك الغرفه نظر الى ذلك الذي يبدوا كهلًا بالعقد الرابع من عمره شعر بآسف وهو يقترب منه قائلًا:
عاوز بِتي يا دكتور عاوز أكرمها وأدفنها.
نظر له بآسف قائلًا:
ومش عاوز تعرف سبب وفاة بنتك.
أخفض ذلك الكهل وجهه أرضًا... لم يُبالي إسماعيل بذلك وصدمه عل ضميرهُ يتعذب أكثر من قلبه يعلم الحقيقة لكن تعمد قائلًا:
بنتك السبب فى موتها الإغتصاب.
رفع الرجل وجهه ونظر الى إسماعيل قائلًا بتسرُع:
لاه يا دكتور، بِتي متحوزة وكانت دُخلتها إمبارح.
لم يتفاجئ إسماعيل بذلك وسأله:
بنتك عندها كم سنه.
أجابه الرجل يشعر بخزي:
تلاتشر ونص.
زفر إسماعيل نفسه قائلًا:
تلاتشر سنه ونص وجوزتها ذنبها فى رقابتك،أنا هكتب التقرير وهحوله للنيابه،إنت ساهمت فى قتل بنتك.
إنفزع الرجل قائلًا:
جتلتها كيف أنا كنت بسترها الجواز للبنات سُترة.
تهكم إسماعيل ساخرًا يقول بتكرار مُستهزءًا:
سُترة!
وفين جوزها ده اللى قِبل يتجوز طفله زي دي
وكانت راحت فين عشان تفكر تسترها،تصدق لو كنت سكتت لما قولت إنها إغتصبت يمكن كنت عذرتك كتبت تقرير وسمحت بدفنها،لكن أنا دلوقتي هزود مش بس عذاب ضميرك اللى متأكد أنه مش موجود أساسًا، وهكتب التقرير وهحوله للنيابه مباشرةً ومتأكد إن مفيش عقد جواز،يعني العريس إتمتع ببنتك وإتسبب فى موتها وفى الآخر إنت اللى مش بس قلبك هيوجعك كمان هتتحول للتحقيق بتهمة تزويج طفله تحت السن القانوني.
قال ذلك وغادر غير مُباليًا بتوسل ذلك الرجل الذي بنظره يستحق أقوي عذاب
ضحي بطفولة إبنته وئدها بزواج مُبكر لا ليس مُبكر بل زواج جائر لبراءة طفولتها.
بمنزل ثريا
لاحظت والدتها وخالتها تتحدثن سويًا، لكن صمتن حين إقتربت منهن، نظرت لملامحهن المشدوهه لبعضهن لم تُبالي لذلك وقامت
بوضع تلك الصنيه أمام سعديه وجلست جوارها، نظرت لها تشعر بآسى، تنهدت بآسف قائله عن قصد:
سمعت إن سراج إبن عمران العوامري هنا فى البلد.
ضيقت ثريا عينيها بإستفسار قائله:
غريبه اللى أعرفه إن بقاله سنين منزلش البلد حتي محضرش فرح إبن عمته ولا إبن عم أبوه، إيه جابه دلوك لإهنه؟.
أجابتها سعديه:
يمكن أجازة وچاي يشوف أبوه وخواته.
تهكمت ثريا قائله:
ليهم ڤيلا فى مصر لو إتوحشهم كان طلب منيهم يدلوا لهناك.
نظرت سعديه لها بنظرة خوف فهمتها جيدًا، لم تُبالي بها. وتفوهت قائله بمغزي:
وإشمعنا دلوك هو إهنه بالكفر.
أومأت ثريا رأسها بعدم إهتمام
بينما عاودت سعديه الحديث بتلميح:
ده رتبة كبيرة فى الجيش.
تهكمت ثريا بإستبياع وفهمت مغزي تلميح سعديه وتفوهت بلا مبالاة:
رتبة على نفسه، أنا مش هخاف من حد، واللي له كف ياخده ألف بس مش مني،ده حقي أنا لو إتوقفت للنهايه كنت خدت فدادين مش ربع فدان، وميفرقش معايا أنا وخداه قصاد خلع عين العوامرية كلهم، متوكدة ان كان يتخلع لهم عين ولا إنى كنت خدت سهم واحد من أرضهم.
نظرت سعديه الى نجية بنظرة لوم أنها السبب فى الضغط على ثريا بتلك الزيجه التي قتلت بداخلها الروح جعلتها تستبيع، لكن تفوهت ثريا دفاعًا عن والدتها قائله:
بلاش ترمي اللوم كله على أمي أنا كمان فكرت إن كِنية مرات "غيث العوامري" هيبجي سند ليا لكن للآسف إطمعت فى سراب.
بمنزل عمران العوامري
غرفة سراج
أنهي ذلك الحمام البارد وخرج من الحمام بسبب سماعه لرنين هاتفه،لف منشفه حول خصره وأخري فوق رأسه ، ذهب نحو هاتفه مباشرةً، قام بالرد الى أن إنتهت المُكالمة، وضع الهاتف بمكانه، وأزاح المنشفه عن رأسه وضعها حول عُنقه ثم جلس على فراشه يتنهد بشعور لا يعلم سببه ولا ما هو ...
أحني رأسه قليلًا للأمام إنسابت بعض قطرات المياة التى مازالت عالقة بخصلات شعره فوق جبينه سالت الى نحو عينيه
أغمص عيناه لوهله...
دون أنذار عاد لخياله ذلك المنظر الذى رأه صباحًا لتلك الفتاة
تلك الحورية التى كانت فوق سطح المنزل كآن شُعاع الشمس أعطاها ضوي هاله خاصة تنهد وهو مازال يُغمض عيناه يشعر بشوق برؤية ذلك المنظر مره أخرى
حورية الشمس التي تتفتح مع آشعة الشمس...
سُرعان ما فتح عيناه يذم نفسه قائلًا:
دي مش حورية الشمس، دي حورية شيطانية.
رواية سراج الثريا الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامه
تفوه سراح محاولًا إثارة إستفزازها وهو يقوم بتمزيق ذلك المغلف بما يحتويه قائلًا:من كام شهر قطعتي قدامي الشيك والتنازل قولت شُجاعة لكن كنت غلطان يا ثريا إنتِ اللى بتسمحي لنفسك بالإنهزام... بالإنسحاب، لأنك عاوزة كده وترجعي تقولي الظروف هي اللى جبرتك، لاء الحقيقةإنتِ جبانه يا ثريا...بتستسلمي بمزاجك، عايشه هلاوس كفيلة تدمر حياتك، متأكد غيث وهمك...
اصاب سراج إستفزازها إنتهت من التحمُلذهبت نحوه تقوم دفعته بقوة بصدره،قاطعته بحِده تتحدث كآنها بآلم ينزف من روحها تشعر بإنهيار:لاه، إنت يا سراج متعرفش اللى مريت بيه فى حياتي، إنت كنت مُدلل، كل اللى بتحتاجه بتوفر لك، إبن عمران العوامري مش زي بنت الحناوي، العامل البسيط اللى كان عايشها يوم بيوم... أنا كان كل اللى بتمناه هو أعيش مطمنة وراحة بال،مفيش حاجه تتفرض عليا وأوافق غصب، أعيش مع إنسان معدوم الأخلاق... غيث حاول يغتصبني مرات، وفى الآخر أنا سلمته نفسي بإرادتى، هددني أرجع معاه وأقبل بيه زي ما هو عاوز سادي خاين شوفته بتلذذ خيانته قدام عيني، إتحملت اللى مفيش ست تتحمله، خوفت غيري يتأذي بذنبي... ياريت كنت سيبتني أموت يا سراج يمكن كنت إرتاحت.
إقترب سراج منها يشعر بآلم ينزع روحه، هل تعتقد أنه أقل منها عذابً، لا تعلم أنه حين يشعر بالإحتياج كان يذهب الى قبر والدته،التى تُشبه ثريا كثيرًا فى الظروف،الإثنين تجمعهم صفاتالضعف والإستسلام وقبول الإنهزام... حاول ضمها لكن ثريا عادت للخلف لكن لم يُبالي جذبها عنوة وكاد يضمها لكن هي شعرت بعدم قدرتها على الوقوف على قدميها جلست ارضًا راكعة تبكي،دنى سراج لمستواها وضمها قائلًا بصدق:وأنا بحبك يا ثريا،ومستحيل أتخلى عنك غير فى حالة واحدة،إنك تنطفي وتقولى لى "بكرهك"... بصي فى عينيا وإنطقيها يا ثريا...
رفعت وجهها الغارق بالدموع ونظرت لعينيه شفتيها ترتعش وتفوهت بعناد عكس مشاعر قلبها :سبق وقولتلك.....
لكن قبل أن تنطقها قاطعها سراج وضمها قويًا يضم شِفاها بين شفتيه يُقبلها بإحتجاج وإجتياح، قُبلة كان مذاقها مالحًترك شِفاها حين إحتاجا للتنفس، لحظة وعاد يُقبلها مره أخري، ثم ضعفت ضمته لها وإرتخت يدها وتركها راكعه ونهض واقفًا ينظر لها بتحدي قائلًا:دي مش قُبلة وداع يا ثريا.
لم ينتظر وغادر يصفق خلفه باب المكتب الخارجي، الذي إرتج وإنغلق عليها، نظرت نحو ذلك الباب، لأول مره تشعر أنها ذات قيمة، تبسمت بدموع غير مهزومة.❈-❈-❈بذلك الفُندقشعرت ولاء بالتوجس وإقشعرت للحظات قبل أن تقول بتبرير ترمي الفشل على غيرها :مهمة قتل سراج كانت لـ قابيل وكان المفروض ...
قاطعها بغضب ساحق:مهمة قابيل أو غيره فى النهايه المهمه فشلت وإنتِ المسؤوله قدامي، كمان اللى حصل فى الفرح كان غلطك...
أجابته بتسرع:اللى حصل مش من تخطيط قابيل هو قالي إن مش هو اللى كان ورا الهجوم ده... هو بعت واحد يقتل سراج .
ضحك بإستهزاء:كمان متعرفيش مين اللى ورا الهجوم اللى حصل، ليه شبح اللى بيطاردنا، لازم تعرفي مين الشخص ده، لو مكنش حادثة هجوم الفرح كنت قولت سراج هو اللى إستولى على الأثار وبيلاعبنا عشان يكشفنا، لكن الهجوم اللى حصل غير الفكرة.. ودلوقتي لازم نخلص من سراج، موت سراج هينيم الحكومه عن هنا ونرجع نشتغل براحتنا تاني، فى أكتر من عملية هتم الفترة الجايه وعاوز تركيز وكمان هدوء سواء من الجيش أو الشرطة.
إزدردت ريقها بتوجس ثم سألت:قابيل من وقت رجوع سراج لهنا كان عاوز يقتله وأنا لما سألتك قولت لي:لاء، ليه دلوق عاوزه يتقتل.
زفر نفسه بغضب ساحق قائلًا:كان عندي أمل أنه يرجع لـ تالين وقتها كان ممكن أعرف أسيطر عليه وأو أعرف منه معلومات تفيدنا، لكن هو إختار حتة بنت حقيرة مش فى مستوي بنتِ وفضلها عليها غير إنه قهر قلبها، وبنتِ قهرتها غاليه عندي، نفذي اللى قولتلك عليه، سراج يتقتل فى أقرب وقت وكمان تعرفي مين الشبح الخفي اللى ورا المصايب الأخيرة، ودلوقتي يلا إمشي ولما أحتاجك أو أعوز أبلغك أي معلومة.
بسرعه عاودت وضعت ذاك النقاب وإلتحفت بهبينما توجه الآخر الى باب الغرفة فتحه ونظر الى الممر كان خاويًا،دلف نحوها وأماء برأسه ان تغادر سُرعان ما خرجت تسير بتسرع غير منتبه لذلك الذي كان مثل الثعلب يُباري فريسته منذ أن خرجت من دار زوجها الى أن وصلت الى هنا، حتى الى أن غادرت، نظر الى هاتفه وسُرعان ما تبسم بإنتصار:أخيرًا عرفت مين الراس الكبيرة، "سيادة اللواءعادل عبد الغفار" إزاي فاتت عليا دي قبل كدهده كان هيبقي نسيب عمران العوامري،وحما سيادة الضابط سراج باشا.
ضحك بخباثه وإستهزاء يمدح ذكاؤه الذي بدأ يجني ثماره،فلقد اصبح بدرايه عن هوية من يقود ولاء بل يقوم بحمايتها .
ولاء... قابيل... سراج... ماذا لو علم سراج أنه من عائلة متشعبة الإجرام..لا يعلم من كان الأول...لكن ولاء كان لها نظرة خبيثة إستطاعت تطويعه هو وقابيل معها...إستغلت نزة الشر والشهوات وحُب السُلطة والسطوة لديهم.❈-❈-❈بعد مرور عِدة أيامبالمشفىأنهى إسماعيل ذلك الكشف الطبي وذهب الى مكتبه يقوم بتدوين أسباب وفاة ذلك الشخصأثناء ذلك سمع صوت طرق على باب الغرفه سمح بالدخول، رفع نظره عن ذلك ونظر نحو الباب، سُرعان ما خفق قلبه لكن تمثل بالبرود قائلًا:خير يا دكتورة أي خدمة أقدر أقدمها لك....
من نبرة صوته شعرت بالتوتر وهي تنظر له بعشق وإشتياق لكن إنحشر صوتها... تذمر إسماعيل ببرود قائلًا:من فضلك أنا مش فاضي وقتي...
قاطعته بتسرع وحشرجة صوت:وحشتني يا إسماعيل.
خفق قلبه،لكن أخفي مشاعره خلف تصنُع البرود قائلًا وهو ينظر لها بحنق:بجد...واضح إنك فاضيه وجايه تتسلي،وأنا زي ما إنتِ شايفه ورايا تقارير لازم تتسلم،جثث بني آدمين لازم تنكرم وتروح لمثواها عشان أصحابها يخدوا العزا، ويتفاجئوا بعد كده إن اللى دفنوه أغلي من العايشين قريبين منه.
فهمت تصريحه الواضح، شعرت بخزي، هي حقًا غاب عقلها فى لحظة وإمتثلت لرغبة والدها ونسيت قيمة حُزنه ووجعه لفراق والده بهذه الطريقه الشنعاء، ما كان عليها الإستماع الى والدها بهذا الشآن حقًا تلك الوضيعة عمته تطاولت عليها لكن كان لابد ان لا تُعطي لحديثها أهميه بهذا الوقت العصيب...وكان عليها البقاء جوار زوجها تواسيه،لكن هي أخطأت،والدليل مجيئها إليه وتخليها عن الكبرياء،بعد أن تجاهل إتصالتها الهاتفيه ورسائلها التى كانت تُرسلها له بالايام الماضيه...تحاملت على نفسها وإقتربت من مكان جلوسه وإنحنت تمسك يدهُ تنظر ألى وجهه وكادت تتحدث،لكن إسماعيل نهض وقفًا وسحب يدهُ منها بقوة وقبل أن يتحدث سمع طرقًا على باب الغرفه،لم يهتم بوجودها دلف أحد العاملين نظر نحو إسماعيل قائلًا:فى جثة وصلت المشرحة والنيابة عاوزة تقرير سبب الوفاة بأقصي سرعة.
نهض إسماعيل قائلًا:تمام أنا جاي وراك.
غادر العامل، نظر إسماعيل لـ قسمت قائلًا:نأجل كلامنا يا دكتورة زي ما أنتِ شايفه، عن إذنك... إبقى أقفلي الباب وراكِ وإنت خارجه.
غادر إسماعيل بينما فرت الدمعة من عيني قسمت آسفًا وندمً لكن لن تيأس ولن تستسلم.❈-❈-❈بتلك البقالةتبسم فتحي لـ ممدوح الذي أقبل عليه يُلقي التحية، ردها عليه ثم سأله:جاي منين دلوق.
أجابه ممدوح:إتأخرت فى المدرسة عشان تجهيزات امتحانات نص السنه قربت.
إبتسم له فتحي قائلًا:آه فعلًا، دي رغد بتذاكر لأخوها بقالها يومين، كويس إنه هيخلص إمتحانات قبل ما هي تمتحن.
أومأ ممدوح قائلًا:بدل ما تعطل نفسها عن المذاكرة إبعتوا ليا وانا أذاكر له وهي تركز فى دراستها.
وضع فتحي يده على كتف ممدوح قائلًا:كتر خيرك يا ولدي، شوف مواعيدك فاضي ميتي، وأنا لما أرجع الدار هقوله.
أومأ ممدوح موافقًابنفس الوقت آتت سيدة الى البقالة تُلقى السلام،رد عليها الإثنين،إبتسم لها فتحي بقبول وهي تقترب منه بعشم قائله:ها يا حج فتحي،أم رغد جالتلى إنك هترد علي طلبي.
نظر فتحي نحو ممدوح الذي تجنبوا عنه قليلًا،ثم أجابها بهدوء:إنتِ عارفة إن رغد فى الجامعه والفترة الجايه هتمتحن إمتحانات نص السنه وانا مش عاوز أشغل عقلها بالموضوع ده دلوق لحد ما تخلص الإمتحانات.
تهكمت السيدة قائله:والموضوع ده هيشغل عقلها ليه،الموضوع لسه هيبجي مجرد خطوبه لحد ما تخلص السنه و...
قاطعها فتحي قائلًا:مش هيجري حاچه لو أجلنا الموضوع كام يوم.
تذمرت السيدة قائله:لو هى رافضه قول،بس هتلاقي أحسن من ولدي...ده بيشتغل فى قطر والحمد لله ربنا رازقه من وسع.
أجابها فتحي:ربنا يزود رزقه،ومش هيجري حاچه لو أجلنا الموضوع، بس عشان تركز وعقلها مينشغلش، واللى فيه الخير ربنا يقدمه.
زفرت السيدة نفسها بضجر وأومأت راسها بحنق:وماله مش هتفرق كام يوم، عن إذنك هرجع داري سايبه الصنايعيه بيركبوا النجف فى الشقه.
أومأ له وهي تغادر ثم تنهد بإرتياح، عاود يقترب من ممدوح عن قصد قائلًا:الحمد لله الست ربنا هداها ومشيت.
لم يكُن ممدوح يُركز جيدًا وظن انها تود منه بضاعة، فسأله:هي كانت عاوزه إيه؟.
عن قصد أجابه فتحي:جايه طالبه يد رغد لولدها.
تحشرج صوت ممدوح سائلًا بتوجس وترقُب:وإنت وافقت؟.
أجابه فتحي بلؤم مُترقبًا:قولت لها تديني مدة لحد ما رغد تخلص إمتحانات نص السنه.
تحشرج صوت ممدوح بتسرع سائلًا:يعني هتوافق.
ببسمه خاصه أجابه:مش مهم أنا اوافق المهم صاحبة الشأن هي اللى تقرر... وأنا لسه مقولتلهاش مستني تخلص إمتحانتاها.
شعر ممدوح بغصة فى قلبه... بينما تبسم فتحي بخفاء.. وتأكد من حدسه، لكن لابد أن ينطق ممدوح... بعد قليل بمنزل ممدوح بغرفته تمدد فوق الفراش يشعر بغصة قوية فى قلبه يفكر بعقله يشعر بالخسارة والإستقلال من شآن نفسه حتى وإن كان أصبح مُدرسً بمدرسة ذو مكانة لكنه مازال ببداية الطريق، والعريس الآخر له مُميزات منهاشقه خاصه به بمنزل والده، هو ليس لديه ذلك، يعيش بمنزل مع والدته دور واحد يعيشان به معًا، المقارنه خاسرة والقلب يعيش الأسي يخشى سقوطه فى المقارنة .❈-❈-❈بـ دار ولاء كانت تستشيط غيظًاوهي تجلس مع إيناس تنظر لها بعقلها تنعتها بالبلهاء بسبب غيرتها المفضوحة وعقدة النقص التى أصبحت تُسيطر عليها، وضعت الخادمة صنية القهوة ثم غادرت بنفس الوقت جاء قابيل... جلس معهن فى البداية شعر بشمت فى ولاء فهي تقريبًا خلال بضع أيام فقدت جزء كبير من مكانتها وسط العائله، وربما فقدتها كلها هي من كانت ذات الشآن،وذات القيمة العالية،العقل الراجح ، لها مشورة بكل شئ يخص العائله، لكن بعد أن تولى سراج هو شؤون العائله لا يُعطيها قيمة مثلما كان يفعل عمران،كلمته واحدة دون رجوع لأحد،كذالك ما حدث بليلة مقتل عمران والعائلة فقدت الكثير من الأشخاص،عمران كان ضعيف عكس سراج كلمته نافذة بوقت قصير أيام معدودة إستجمع العائله قبل أن تتشتت،رغم شعوره بالغِيرة والحقد... من مكانة سراج الذي كان هو الأحق بها،لكن يخفف من ذلك أن سراج عكس عمران لا يعطي مكانه لتلك الصفيقة المُتعالية الوضيعة،جلس بالمقابل لها يتذكر قبل أيام ليلة مقتل عمرانحين أخذته وخرجت الى أحد الاماكن المُظلمة بالحديقة وصفعته على وجهه وحدثته بإستهجان:قولت لك تجتل سراج، إيه الغباء اللى إنت عملته ده.
وضع يده على مكان الصفعة ينظر لها مثل الذئب الغاضب بصعوبة سيطر علي غضبه وهو يقبض على يديه كي لا ينهش وجهها فى الحال، وتفوة بغضب:مش أنا اللي خططت للهجوم ده.
نظرتها كانت غير مُصدقة، بغضب تفوهت:ولما مش إنت يبقى مين؟.
اجابها ببساطه زادت من غضبها:معرفش مين، ممكن يكون الشبح اللى سرق الاثار من المخزن،أنا كنت مأجر مجرم يقتل سراج،لكن الهجوم مش من تخطيطي.
فزعت قائله بسؤال:ومين الشبح الخفي ده وإيه مصلحته فى الهجوم اللى حصل...إنت لازمن تعرف مين الشبح ده.
أومأ لها براسه غاضبًا من تلك الصفعه يحلف ذات يوم سيردها صفعات...كان هدفه مثل غيره يود معرفة من هو الشخص الذي يساندها ويعطيها معلومات تُدير بها هؤلاء الرجال الاشقياء،وأصبح هو الآخر يعلم هوية ذلك الشخص،بعدما راقبها تلك الليله وذهب خلفها كظلها...لمعت عينيه بدهاء وهو يتخيل بعدما يتخلص من سراج سيأخذ ليس فقط مكانته وسط العائله ويفوز بـ "الثريا" من ثم سيفضي لها ويرد صفعاتها بأن يأخذ مكانتها هي الأخري لو وصل به الامر بقتلها لن يتردد، وكذلك سيتخلص من بلهاء حياته "إيناس" يضعها مشفى عقلي يُطيح بالباقى من عقلها...
فى ذلك الأثناء صدح هاتف إيناس نظرت له ثم نظرت حولها بترقب ثم نهضت قائله:ده الجواهرجي كنت موصياه على طقم دهبهطلع ارد عليه من الجنينه الجو فيه هوا جامد والشبكه إهنه بتقطع.
بالفعل وقع بصر قابيل على شاشة هاتف إيناس وقرأ هوية المتصل...خرجت إيناس وتركتهم معًا،تبادل الإثنين النظرات فيما بينهم،نظرات حارقه،مليئه بالبُغض لكليهما...بينما إيناس خرجت الى الحديقة قامت بالرد وتبسمت حين أخبرها الجواهري قائلًا:كل اللى أمرتي بيه أنا عملته هستني تشرفيني وتاخديه.
ردت ببرود ونبرة تعالي:تمام بكره آخر النهار هاجي أشوفه،بس لو طلع مش نفس اللى على ذوقي مش...
قاطعها بتأكيد:لاء متأكد هيعجبك أوي.
-تمام.
بنفس الوقت رأت حنان وهي تسير نحو الخارج، لاحظت بطنها المُنتفخة قليلًا.. التى بدأ يظهر عليها علامات الحمل شعرت بغضب من ذلك وهي تضع يديها فوق بطنها تشعر بخواء، كآن أنوثتها إنتهت، ثار عقلها، لكن سُرعان ما ضحكت وهي تتذكر ثريا التى علمت بوجود خِلاف بينها وبين سراج وأنها تركت المنزل وسط توقع بطلاقهما قريبًا، هذه المرة ستخرج من العائلة خالية الوفاض.❈-❈-❈أمام والد حفظيرغم عدم رغبة حنان لكن والدتها أصرت عليها من باب المودة والذوق زيارة زوجة عمها المريضة،إمتثلت غصبًا رغم معرفتها بطباع زوجة عمها التى داىمًا تقوم بتشيجع حفظي حتى وهي على علم انه مُخطئ لا تنصحه ابدًا بل تتغاضي،حتى عن قسوته مع أخواته البنات الاتي شبه قاطعن والدتهن بسبب فظاظته معهن لا تُبالي بذلك هو الاهم عندها، حتى أخيه الآخر لا تهتم به وهو الآخر كآن إستهواه ذلك وبعد عن هنا إختار ان يعيش بعيدًاإمتثلت لقول والدتها"زيارة المريض صدقة"ذهبن فتحت لهن الخادمة باب المنزل وإستقبلتهن ودخلن الى غرفة الضيوف...تعمدت والدة حفظي تركهن لوقت،شعرت حنان بالضيق والضجر وكادت تنهض وهي تقول بغضب:شايفه يا ماما أهز سمعت كلامك وجينا نزور مرات عمي وهي سيبانا هنه ومش معبرنا، قومي يلا نمشي وبعد كده...
قاطعتها زوجة عمها التى دلفت ببطئ تشعر بكُره ناحية حنان وتتفوه بنزق:بعد إكده إيه يا جباحتك بدل ما تحسي بالخزي من اللى عملتيه.
نظرت حنان لها بغضب قائله:عملت إيه يا مرات عمي.
نظرت بلوم لـ حنان وهي تشعر بحقد حين وقع بصرها على بطنها المُنتفخة قليلًا، وقالت بإستهجان:عمك مات بسببك بعد ما إتحسر وهو شايف حفظي فى غيبوبه،وياريت إكده بس... لاء كمان شلفطتي وش ابن عمك،عشان خاطر حبيب القلب اللى...
قاطعتها حنان بغضب:فعلا آدم حبيب قلبي وهدافع عنه،وحفظي ولدك ده إنتِ السبب فى فشله وأنه من غير أخلاق ويبطل يطارد ست متجوزة، تعرفي حتى لو مكنتش بحب آدم عمري ما كنت هقبل اتجوز من حفظي كان عندي الموت أرحم من انى أتجوز،إنسان معدوم الاخلاق..
توقفت حنان عن بقية إستهجانها بعدما سمعت صوت تصفيق،نظرت نحوه وهو يُظهر انيابه يصقها بغيظ قائلًا:برافو يا بِت عمي،قويتي وبقي...
قاطعته بحده وغضب:طول عمري قويه،سكوتي عن تحرشك بيا قبل كده مكنش خوف منك قد ما كان خوف على مشاعر عمي وإنى أجيب خلاف بينه وبين أبوي،فوق لنفسك يا حفظي قبل فوات الآوانوبحذرك لو قربت من آدم او إتصاب بخدش مش هفكر المره دي اشوه وشك هقتلك بدم بارد وإنسي إننا ولاد عم.
قالت هذا ولم تنتظر ذهبت نحو باب الغرفه كي تغادر لكن حفظي لوهله كاد يقطع طريقها،نظرت له بغضب وقامت بإلتقاط إحد التحف الكيريستاليه ودفعتها نحوه مما سبب له هلع وعاد للخلف،فإنزاح من أمامها عدت من جواره دون مبالاة،بينما أندهشت والدة حفظي من قول وفعل حنان،حنان تلك التى كانت خاضعة حين كانت بكنف والدها تبدلت بأخري شرسة،لكن زاد الغِل فى قلب حفظي،يتوعد بهزيمتها عن قريب وستدفع ثمن ذلك مضاعف.❈-❈-❈بـ دار عُمران العوامريبغرفة إيمانكانت تنكب على إحد الكُتب الخاصه بالدراسة شعرت بإرهاق وملل من ذلك،لأكثر من يوم تستمر على مُطالعة الكُتب فقط حتى شبه لا تخرج من غرفتها...أزاحت الكتاب جانبًا تزفر نفسها بقوة، عاود شعور الحزن لقلبها وهي تتذكر كلمات عمران الأخيرة وقسوة الفراق التى تشعر بها وتحاول إخفائها من أجل والدتها كي لا تزيد من حُزنها... دوامة حزن ودموع تسيل...أخرجها من ذلك صوت هاتفهاجذبت محرمه ورقيه وجففت دموعها ونظرت الى شاشة الهاتف، خفق قلبها حين قرات إسم جسار.. جلت صوتها من إختناق البكاء، وقامت بالرد بعد السلام بينهم تفوه بسؤال:بقالك كم يوم مش بتجي لمركز الشباب لعله خير.
اجابته:عندي إمتحانات خلاص الفترة الجايه ولازم اركز دي آخر سنه ليا وعاوزه أتخرج بتقدير عالي زي السنين اللى فاتت زي ما وعدت أبوي.
شعر بإختناق صوتها بالدموع حين جائت سيرة والدها، شعر بغصة، وحاول تشجيعها والتخفيف عنها قائلًا:إن شاء الله هتتخرجي بتقدير عالي، بس عاوز أعرف بعد ما تتخرجي ناويه تشتغلي معيدة فى الجامعه.
فكرت قليلًا لاول مره يطرق على راسها ذلك لم تخطط لشئ بعد ان تتخرج، سوا أنها ستتفرغ لممارسة رياضة الكارتيه مع أشبال مركز الشباب... أجابته:مش عارفه انا مخططتش إنى أكون معيدة فى الجامعه،
توقفت للحظه ثم قالت:ممكن أقدم فى اكاديمية الشرطة النسائيه وأخد منحه وبعدها هبقي ظابطة شرطة.
ضحك بمرح قائلًا:هتبقي زميله يعني،أهو الشرطة والجيش فى خدمة الشعب.
تبسمت وزال غمها، دار بينهم حديث مُتشعب خفف عنها، ومشاعر جديدة وبداية تنجرف لها المشاعر فى طريق الإتفاق بعد الخناق،❈-❈-❈ليلًابالمكتب الخاص بـ ثريا كانت تجلس وكالعادة الباب الخارجي مفتوح، إبتسمت حين دخل عليها إحد الزبائن، جلست معه تستفهم عن قضيته الى أن إنتهت الجلسة وغادر وظلت هي بالمكتب تعكف على دراسة تلك القضية غير منتبه لبعض الوقت، لكن رفعت رأسها حين سمعت صوت شئ قُذف بالمكتب من الخارج، نظرت نحوه، رأت مُغلف صغير، أثار فضولها بسبب الصوت الحاد الذي أصدره ذلك المغلف، كذالك شعرت بخضه، نهضت من خلف المكتب وذهبت نحو ذلك المغلف إنحنت تلتقطه، رجف قلبها حين تحسست المغلف، وإرتعشت يدها وهي تقوم بفتحه للتأكد من محتواه، كما توقعت الصوت الحاد كان بسبب تلك الرصاصة التى كانت بالمغلف، بيد مرتعشه جذبت تلك الورقه المُرفقة... فتحتها سُرعان ما فقدت الشعور بيديها ووقعت منها الورقه والمُغلف أرضًا تشعر بإنعدام للحظات قبل أن يصدح هاتفها وتعود للوعي تنظر نحو هاتفها الموضوع فوق المكتب، بأرجل مُرتعشه سارت نحو المكتب جذبت الهاتف تنظر لشاشته،زاد الرعب فى قلبها،ذلك الرقم الذي يُرسل لها منه رسائل قذرة بها بعض الألفاظ الدنيئه والوقحه كذالك بعض التهديد،إرتجف جسدها هلعًا،بصعوبه سارت نحو باب المكتب الجارجي وقامت بإغلاقه ولم تستطيع الوقوف إنهارت جالسه خلفه تضع يدها على صدرها تحاول تهدئة انفاسها المتلاحقه،لسوء الحظ وبسبب دخول الهواء الى المكتب سابقًا إنجرفت تلك الورقه التى كانت بالمغلف وأصبحت امام يدها الاخري،لمع الضوء عليها يبرز تلك الكلمه المكتوبه بالدم"سراج"سالت دمعة عينيها المغشيه التى نظرت نحو المُغلف الذي مازال بداخله الرصاصة...زاد الهلع وإنتفض جسدها حين صدح رنين الهاتف مره أخري،لكن لم تستطيع النهوض من مكانها وظلت جاثيه أرضًا يخفق قلبها وتتسارع دموع عينيها.... أصبحت على يقين "غيث" مازال حيًا، وأصبح قريب للغاية، لكن لم تخاف على نفسها، خافت على سراج فالتهديد له...لكن إزداد الهلع بقلبها حين شعرت بمحاولة لفتح باب المكتب التى تجلس خلفه.❈-❈-❈قبل لحظات بمكان قريب من منزل والدة ثرياصعد ذلك الشخص الى تلك السيارة التى كانت تنتظر، ازاح عن وجهه تلك التلثيمه يلهث،يلتقط نفسه ثم نظر بظفر الى ذلك الجالس قائلًا:تم يا باشا رميت الظرف فى قلب المكتب... ومحدش شافني.
تبسم له بعين ثعلب تلمع يمد يده بمغلف آخر قائلًا:عفارم عليك، خُد ده اتعابك، ودلوقتي إنزل من العربيه ولما أحتاجك هتصل عليك.
لمعت عين ذلك الشخص وأخذ المغلف فتحه ونظر بداخله ثم سرعان ما لمعت عينيه بطمع قائلًا بترغيب:وأنا تحت أمرك يا باشا أي وقت إتصل عليا.
أومأ له فغادر السيارة، بينما لمعت أنياب ذلك الجالس بالسيارة وحسم أمره يتقدم بالسيارة خطوات نحو هدفه الذي أصابه بالذعر.❈-❈-❈بـ دار العوامري، بغرفة نوم سراج القديمةمرت أيام إمتثل لرغبة ثريا يُعطيها وقتًا كي تتغلب على ذلك الشعور بالضعف والإنهزام عليها هي إستراد ثقتها ومحاربة ضعفها ومواجهة هزائمها كي تنتصر...لكن الشوق يتغلب علي قلبه، ينظر الى الوسادى جواره، كم شاركته من ليالى بهذه الغرفة، هنا كان أول قُبلة،أول لقاء حميمي تم بينهما، وما تبعه من مشاعر كانت غير معلومة، إشتياق لقُبلات ومشاعر حميمية كان يظنها مجرد مشاعر ورغبات يستطيع كبتها ، إكتشفمذاقها المُختلط، وإستطعمها بقبول بل بإشتياق، الليله بل الليالي الماضيه، فراشه خاوي جواره، حتى الشقه لم يستسيغ البقاء بها...أشواق وتوق وحنينتجعله يغمض عيناه كآنه عاد مثل الصبيان يقع بالغرام لاول مره، فتح عيناه ينظر الى تلك الوسادة الخاليه جواره لا هي موجودة ولا ملامحها مرسومه مثلما كان يسمع، لكن ذكري خلف أخري معها هنا تمر، إبتسامات تئن بالقلببين وداعه منها وعِصيانأين هي الليله ليتها موجوده تُشعل قلبه بالعِصيان المحبب له...
فاق من ذلك على صوت رنين هاتفهنظر نحوه وجذبه نظر الشاشه، سُرعان ما إعتدل فى الفراش وقام بالرد لينهي الإتصال قائلًا:جاي حالًا مسافة السكة
نهض من فوق الفراش سريعًا بدل ثيابه بأخري وخرج من الدار، صعد الى سيارته لكن فتح أحد الادراج تاكد من وجود سلاح بالسيارة قبلأن يقود السيارة يستشعر أنه لا يسير«بطريق خاوي»
رواية سراج الثريا الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامه
دائمًا ما يُحب أن يسمع لحكاوي البسطاء أيًا كانوا.
أثناء سيره بتلك الفرسه بين الأراضي الزراعية، لفت انتباهه ذاك التجمع الخاص بأحد جلسات الصفا لمجموعة من الفلاحين يجلسون أسفل ظلال فروع أشجار الصفصاف الملتفة، كانوا يمرحون ويتذكرون بعض الذكريات التي مرت عليهم.
ذهب نحوهم بتلقائية، هبط من فوق الفرسه وتبسم وهو يقترب منهم يلقي عليهم السلام. الجميع يعلم من هو "آدم العوامري"، لكن لا يخشون منه، يعلمون أنه ذو قلب ودود. كثيرًا ما جلس بينهم يسمع حكاويهم، يتناول معهم أبسط الطعام وكوب شاي، يستمع لحكاياتهم وذكرياتهم وحياتهم بين الأمس والحاضر. حكايات يُعيد صياغتها يغزلها فيما بعد بحكاوي كتابية.
انتهت تلك الجلسة حين نهضوا واقفين تبجيلًا لـ عمران العوامري الذي كان يمر أمامهم بتلك العربة التي يسحبها حصان "كارته".
لم يهتم آدم لذلك وظل جالسًا، لكن لمح عمران جلوس آدم، وسأل ذاك الشخص المرافق له:
"مش آدم اللي قاعد مع الفلاحين ده؟"
أجابه:
"أيوه هو جنابك."
زفر عمران نفسه بضجر. آدم كثيرًا ما ينسى ما هي قيمة عائلة العوامري ويجلس بين الفلاحين الذين يعملون باليومية. لا يهتم أنهم دون مستواه العائلي المرموق. تفوه للعامل الذي معه بأمر:
"انزل نادي عليه."
لحظات وكان آدم واقفًا أمام عمران الذي ينظر له بإستهجان قائلًا بذم:
"إيه اللي مقعدك مع الفلاحين الأجرية دول؟ مش من مقامك مش هتبطل العادة دي، كده بتمرعهم وبتديهم قيمة أكتر من حجمهم، لازم تتعامل معاهم على إنك آدم بيه العوامري، اللي يحكم ويأمر فيهم، وهما عليهم السمع والطاعة، لازم يهابوك."
يعلم أن مجادلته مع والده لن تفيد بشيء. أومأ برأسه قائلًا بمهاودة:
"تمام يا أبوي، بعد كده هتعامل معاهم بالكرباج."
نظر له عمران بسخط قائلًا بغضب:
"إنت بتهاودني؟ بتاخدني على قد عقلي..."
قاطعه آدم يُزفر نفسه قائلًا:
"لأ يا أبوي، بعد كده هحط حد للتعامل بيني وبين الفلاحين اللي المفروض إحنا بناكل من خيرهم وتعبهم، وبقينا سادة عليهم."
زفر عمران نفسه بخشونة قائلًا:
"وصلنا للحديث الماسخ، لازم تعرف وتعترف إن ربنا له في خلقه شئون، خلق السادة..."
قاطعه آدم:
"ربنا خلقنا سواسية، لا سادة ولا عبيد، ودول مش عبيد، دول بشر فلاحين. قعدتي معاهم مش شبه ليا ولا تقليل من شأني. هما دول الفلاحين اللي بينجحوا عمي "عبد المقصود العوامري" في الانتخابات بتاع المجلس. وعلى العموم، هما خلاص انفضوا، كل واحد فيهم راح يرتاح له ساعتين الآيلة عشان يرجعوا العصر يشتغلوا. أنا كمان راجع للاسطبل، أشوفك المسا يا أبوي."
غادر آدم نحو ذاك الفرس الخاص به وامتطاه وسار به سريعًا، بينما ضجر عمران يُزفر نفسه هامسًا يقول:
"وارث مش بس شكل أمك، لأ كمان صفاتها. مكنش لازم أسيب رحيمة وسطكم، كان لازم تعيش منفية بعيد عن هنا من الأول... بس خلاص، سراج عاد وهو اللي هيرجع الهيبة من تاني."
***
بمنزل مجدي السعداوي.
تفاجئت "سناء" زوجته بعودته إلى المنزل في هذا الوقت، ليس من عادته. تفاجئت أكثر حين خرجت من المطبخ بجلوسه فوق مقعد بالردهة، وجهه عابس وحزين. انخضت من جلسته هكذا، اقتربت منه بتوجس وقلق قائلة:
"وجدي في إيه مالك قاعد كده ليه؟ مش عادتك ترجع للدار دلوقت."
شعر بغضب ورفع نظره لها قائلًا بعصبية:
"لازم أعود داري بمواعيد إياك."
ارتبكت وتلجلجت بالقول:
"لأ مش قصدي، بس خير قاعد ورا الباب كده ليه؟"
في نفس الوقت خرجت حنان من غرفتها، لاحظت وقوف والدتها أمام والدها الجالس. استغربت عودته للمنزل بهذا الوقت، اقتربت منهما بخطوات مترددة خشية عصبية والدها المعتادة. لكن أخفض وجدي وجهه. سألت بتردد:
"ابوي إنت مش كنت رايح لعمي المستشفى؟ هو مش كان هيخرج النهارده."
أخفض وجهه وظهر الحزن على وجهه وتنهد بأسى يشعر بألم قائلًا:
"لأ أخوي مش هيطلع من المستشفى النهارده، الدكتور مد فترة وجوده في المستشفى."
استغربت سناء وحنان التي سألت:
"ليه؟ وبعدين ده كسر رجل ماكنش محتاج يقعد في المستشفى الفترة اللي فاتت دي كلها، بس الغريب لما زورنا عمي امبارح كان بيتألم كمان، خاسس أوي بفترة قصيرة."
زفر نفسه بأسى قائلًا:
"للأسف سبب حجزه في المستشفى مش كسر رجله، كسر رجله هو اللي كشف حقيقة المرض اللي عندي."
استغربت الاثنتين وسائلت سناء:
"مرض إيه؟"
أجابها بأسف:
"للأسف أخوي عنده المرض الخبيث في العضم، ومكنش يعرف. كسر رجله هو اللي ظهر المرض."
استغربت الاثنتين من ذلك، بذهول.
فإصابة بسيطة أظهرت أن هناك داء خبيث يسري بين عظامه.
لكن عاود وجدي القول:
"أنا بس يشّد حيله شوية هتكلم وياه في موضوع خطوبة حنان وحفظي، وبدل ما يبقى خطوبة يبقى جواز، عشان يفرح قلبه ونفسيته تتحسن، يمكن ده يساعده وربنا يكتب له الشفا، أو يفرح بولده قبل ما يقابل وجه كريم."
انصعقت حنان بذلك ورجف قلبها. هي ظنت أن هذا سيساعد بتأجيل تلك الخطوبة، لكن لابد أن تخبر آدم بذلك بأسرع وقت.
***
بمنزل قديم بطرف بلدة قريبة من كفر العوامري.
وقف يطرق بقوة وتتابع دون توقف على ذاك الباب القديم، لكنه متين ومُتماسك. وقف لدقيقة يسمع سؤال من بالداخل تسأل:
"مين اللي بيخبط؟ آه أنا وصلت، بطل خبط جاك خابط."
ضحك، مازال لسانها ذالف كما عاهدها دومًا. فتحت الباب، نظرت إلى ذاك الواقف أمامها للحظة، ظنت أن بصرها من أسفل تلك النظارة أخطأ. خلعت النظارة وقامت بالتمعن بعينيها. نفس الوجه. عاودت وضع النظارة تنظر له ثم قالت:
"ياااه، أكتر من عشر سنين مروا، ولسه كيف ما أنت، ملامحك متغيرةتش يا "سراج" يا واد أختي التوأم "رحمة" الله يرحمها."
لمعت عينيه ببسمة وهو يراها تفتح له ذراعيها سريعًا، ضمها يشعر بإشتياق لذاك الحضن الذي افتقده لسنوات.
ضمته بقوة قائلة:
"الغالي على قلبي، إتوحشتك كتير كتير يا ولد أختي الغالية، تعالى أدخل الدار."
بصعوبة تركت احتضانه حتى دخل إلى داخل الدار. عاودت حضنه مرة أخرى قائلة:
"السنين مرت كتير يا ولدي."
تبسم وهو يضمها بحنين قائلًا:
"كذا مرة بعت لك آدم يجيبك معايا لمصر نتقابل."
تنهدت بأسف:
"أنا يا ولدي بقيت ست كبيرة خلاص، رجليا مبقتش تحملوا زي الأول، هبقى عالة على آدم وهعجز حركته. ربنا رايد لينا نعاود نتقابل، الحمد لله، كنت بدعي أشوفك قبل..."
قاطع حديثها وهو يضع يده فوق فمها، كذلك يضمها قائلًا:
"بلاه الحديث الماسخ، إنتِ لسه ست صغيرة يا خالتي، فاكرة لما كنت تقول لي أنا أصغر من أمك بسنتين."
تدمعت عيناها وهي تضمه لها وأباحت بأسى:
"سنتين، وهي سكنت التراب من سنين، نسيت عددها. كنتم صغار ملحقتش تربيكم، كان قلبها كان حاسس، كانت تقولي ولادي أمانتك يا "رحيمة"، ها بس القدر نقول إيه. أنا وعمران عمرنا ما كان بينا وفاق."
"بس أنا كنت أقوى منيه وإتمسكت بولاد أختي، أنا اللي ربيته بعيد عن جسوة وخباثة ولاء، بس لما حسيت إن خلاص كل واحد منيكم شق طريقه جولت يا بت بلاها تتحملي حديث ولاء الماسخ، وجسوة عمران عدت لدار المرحوم جوزي من تاني."
"بس آدم، وإسماعيل من فترة للتانية حسب مشاغلهم بيشقوا عليا، إنت اللي كنت غايب وبعيد، اشتقتلك كتير يا ولدي... قولي جاي في إجازة جد إيه؟"
ضمها مبتسمًا يحاول كبت تلك الدمعة بين عينيه، ثم قال:
"أنا مش في إجازة يا خالتي، خلاص أنا قدمت استقالتي للجيش وقررت أرجع أعيش هنا، يعني هرجع من تاني ولدك الشقي."
"أبو دماغ يابسة."
ضحكت وضمته قائلة بفرحة:
"أحسن ما فعلت يا ولدي، خليك هنا قريب مني. عارف أنا زي اللي ما يكون كان قلبي حاسس، لاه مش قلبي، دي "رحمة" جاتلي في المنام وقالت لي "الطير المهاجر" عاود لأرضه يا رحيمة."
تبسم وهو ينحني يقبل يدها قائلًا:
"الطير اشتاق ينام على رجلين خالته تحكي له من حكاويها لحد ما ينام."
تبسمت وهي تجلس على أريكة بدون دعوة، ذهب وتمدد على تلك الأريكة وضع رأسه على فخذها. عبثت بخصلات شعره بحنان، أغمض عينيه يستمتع بحنانها. لكن سئمت ملامحه حين وضعت يدها على موضع قلبه سائلة:
"مفيش بنت حلال شغلت القلب ده، ولا لسه قاسي."
أغمض عينيه يشعر بضيق وأجابها:
"لسه قاسي... طبيعته كده، أكيد مش هيتغير يا خالتي."
مازالت يدها على قلبه وقالت بحكمة:
"مفيش طبيعة مش بتتغير يا ولدي، بكرة تظهر اللي تفتت جسوة قلبك، ومش بعيد تكون ظهرت وانت مش دريان."
تهكم مُبتسمًا يقول:
"مفكراني آدم أبو قلب رقيق، فاكرة كنتِ بتقولي لكل إنسان صفة من اسمه، وأنا سراج شق السما."
ضحكت رحيمة قائلة:
"مهما كان غضب السرج الأرض أقوى."
"قادرة تبلع غضبه بلحظة."
تهكم سراج غير مباليًا، وأغمض عينيه مستمتعًا بصوت رحيمة الحاني الذي يذكره بصوت والدته الذي افتقدها وهو بالحادية عشر. لكن فجأة بغفلة عقله ظهر شبح وجه ثريا أمامه، فتح عينيه سريعًا، زفر نفسه بخشونة يشعر بغضب. كلما تذكر لقاءاتهم كانت ثيابها دائمًا ملتصقة بجسدها، كأنها تتباهى بذلك، كي تلفت النظر لها.
***
بمنزل ثريا.
ظهرًا.
كانت ثريا تجلس جوار والدتها التي تقوم بتطريز ذاك الثوب الخاص بالغباء بتلك القطع اللامعة "ترتر". جذبت ثريا إبرة خاصة بذلك وساعدت والدتها بتطريز ثوب آخر. كانتا مع ذلك تتابعان أحد المسلسلات على التلفاز.
بسبب علو صوت التلفاز، خرج ممدوح من غرفته يزفر أنفاسه بتعسف وتجهم. ذهب مباشرة نحو التلفاز بعصبية، جذب تلك الفيشة كي ينتزعها من الكهرباء، لكن للشر والعصبية المتملكين منه انقطع سلك الفيشة من المنتصف تقريبًا. ظل جزء منها عالق بذر الكهرباء بالحائط. نهضت ثريا بضيق وألقت ذاك الثوب وتهجمت عليه بالقول قائلة:
"صاحي قرب العصر تقول يا شر اشتطر ليه؟ كويس كده، قطعت سلك فيشة التلفزيون."
نظر لها بغضب قائلًا:
"بسيطة، إنتِ بقيتي صاحبة أملاك دلوقت، وصوتك علي، هاتي تلفزيون جديد."
نظرت له بغضب قائلة بإستهزاء:
"صاحبة أملاك؟ قول هو ده اللي مضايجك بقى، الحقد في قلبك، بدل ما تقول أختي وأبقى سند ليها قدام عيلة العوامري، لاه مضايق."
تهكم ضاحكًا يقول بآسف وآسف:
"إنتِ خلاص مبقتيش محتاجة سند، ولا أقولك كفاية سند خالك، من وراه بقى عندك أرض، تخليكِ تعلي صوتك على أي حد."
نظرت له بدموع قائلة:
"لو كنت لقيتك سند ما كنت وافقت خالك وأنا عارفة إن عمر ما شفنا منه خير."
شعر بوخزات قوية تضرب قلبه، دموعها التي انحصرت بعينيها هزت رجولته، كأنها دهست قلبه، لا بل كبرياءه كأخ يحتوي ضعف واحتياج أخته. لكن هو ضعيف كما تقول. تهرب من أمامها وتوجه إلى باب المنزل وغادر يصفع خلفه الباب بقوة. بينما سالت دموع عين نجية تشعر ببؤس. جلست ثريا بجوارها تنظر لها تشعر ببؤس بسبب قدرها.
بينما خرج ممدوح يحاول السيطرة على ثوران قلبه البائس، يعلم أنه ضعيف لم يستطع حماية أخته ويقف جوارها سندًا يقويها. يتمنى لو يختفي من الوجود. ذهب غاضبًا نحو ذاك المحل وقف بحدة يقول:
"هاتيلي سجاير."
نظرت نحوه تلك الصبية تلمع عيناها بوميض خاص حين تراه. شعرت بآسف على ملامحه المحتقنة والواضح عليها الضيق. مدت يدها بعلبة سجائر، قائلة:
"السجاير يا أستاذ ممدوح."
نظر لها وأخذ السجائر مُتهكمًا من قولها بذاك اللقب يسبق اسمه "أستاذ".
يسبق اسمه لو بالأحقية لكان الآن أستاذًا جامعيًا، أو حتى مدرسًا بإحدى المدارس. لكن حتى هذا فقده. شعر بحسرة واجمة في قلبه وأخذ علبة السجائر قائلًا:
"ضيفيها على حسابي يا "رغد"."
أومأت له ببسمة قائلة باهتمام:
"حاول تقلل من السجاير عشان صحتك."
أومأ لها بلا مبالاة أو اهتمام، وكاد يسير لكنها تعمدت القول:
"أستاذ ممدوح ممكن دقيقة لو سمحت؟ أنا عارفة إنك درست في كلية التربية قسم علوم، أنا كمان في نفس الكلية دلوقتي، في كذا جزء في المنهج مش فاهماها والدكتور بتاع المادة دي كل ما نسأله سؤال يقول لينا الإجابة في الكتاب، والكتاب مش مفهوم."
لـوهلة شعر بحنين لدراسته التي اختارها، كان يود أن يصبح ذا شأن بالتعليم لكن حتى ذلك اكتشف أنه غير كافي. تنهد قائلًا:
"تمام يا رغد، بكرة أبقى هاتي الكتاب معاكِ المحل وفكريني أشوف الجزء ده."
تبسمت له تلمع عينيها بحياء وهو يغادر، تدعي له بالهداية والعودة إلى سابق عهده حين كان بالجامعة، كان فارسًا ومازال نفس الفارس الذي أسر قلبها منذ طفولتها.
***
بمركز الشباب.
123.
بدأ الأشبال في المبارزة كل اثنين حسب تلك التقسيمة الذي قام بها جسار لهم. سار حولهم يتابع مبارزاتهم معًا يُصحح لهم الأخطاء ويقيم مستوياتهم.
في ذلك الأثناء نظر نحو باب صالة التدريب، لوهلة وقف مشدوهًا من تلك التي دخلت إلى الصالة تلهث قائلة بلا انتباه:
"إتأخرت على التمرين ثواني، هغير هدومي وأجيلكم، سخنوا على ما أرجع."
لوهلة توقفت حين سمعت أصوات عالية. نظرت نحوهم. لم تتعجب لكن شعرت بضيق، من نظرة ذاك الواقف ينظر لها بإعجاب واضح وهي بذلك الزي النسائي وتاج رأسها الحجاب المنمق. كانت أنثى، عكس ما كان يراها بالأيام السابقة بزي التمرين. حقًا محتشم وترتدي الحجاب، لكن كان لا يظهرها كأنثى مثل ذاك الزي النسائي. ضجرت من نظرته لها، لا تعلم أنها إعجاب، تظن أنها تحدي وأنه سبقها بدأ التمرين مع الأشبال، بمعنى أصح أخذ مكانها.
ذهبت نحوهم رأتهم يقومون بالتباري أمام ذاك الوافد عليهم. بفترة صغيرة أصبح يسحب منها تلك السطوة، هي كانت المدربة الخاصة بهم، هو أتى وأخذ مجهودها معهم بفترة وجيزة يحوز إعجاب، يخاطبهم كأنه الأعلى والأمهر. منها.
إحتقنت ملامحها وقالت بأمر:
"وقفوا التمرين."
في البداية لم يستجيبوا لها، لكن إيماءة جسار جعلتهم يتوقفون. شعرت بغضب وهي تنظر له، ازداد بسبب تلك البسمة الطفيفة على وجه جسار، ظنتها انتصار منه. لكن هي لن تستسلم. منذ بداياتها وهي متمردة، حتى مع تحكمات والدها هي بعنادها وإصرارها بتصميم استطاعت شق طريق خاص بها بعيدًا عن تحكمات والدها. إنها مجرد فتاة وعليها الامتثال لمجتمع صعيدي يُدحرها ولابد أن تسلم، لكن لا، هي متمردة وستظل. تركت صالة التدريب لدقائق ثم عادت مرة أخرى بزي التمرين. كانوا يأخذون راحة بتحدي منها غير محسوب منها لمدى مهارة الخصم التي تود منافسته. بلؤم منها قالت:
"بصوا يا أبطال، أنا والكابتن جسار هندخل ماتش سوا، عاوزاكم تركزوا كويس واعتبروا ده تمرين ليكم."
لمعت عينيه وأخفى بسمته، على يقين أن إيمان تود إظهار مدى مهارتها أمام هؤلاء الأشبال.
لم يرفض على يقين أنه الأمهر منها ويستطيع ببساطة كسب المباراة ومن أول جولة.
وافق على ذلك، بدأت مباراة بينهم. لا ينكر أنه أعجب بمدى مهارتها بالنسبة لفتاة بمكان هنا بالصعيد. مع الوقت بدأت تخطئ وهو يراوغها، ويأخذ نقاط عليها تُحتسب له. أرهقها بذكاء، جعلها تخطئ واكتسب هو الجولة الأخيرة، ليصفق له الأشبال مبهورين به وبمهارته. بينما هي وقفت تلهث رغم خسارتها، تقبلت ذلك بروح رياضية منه وصافحته.
ضم يدها بيده، شعر الاثنان بإحساس غريب كأنهما يشعران ببرق يضرب أعينهما.
لوهلة ظلا ينظران لبعضهما، إلى أن انتبهت إيمان وسحبت يدها، شعرا بفجوة بعد ذلك. لكن روح العناد والتحدي مازالت بقلبها لن تستسلم بسهولة، وطالبت بمباراة أخرى بوقت لاحق. أومأ لها مبتسمًا بموافقة.
***
ليلًا.
بمنزل العوامري، استمع لحديث ولاء مع والده حول تلك الأرض وعن سمعة العوامرية التي أصبحت علكة بفم البسطاء. زفر نفسه بضيق قائلًا:
"هعمل إيه أكتر من اللي عملته، بعت لها المحامي كوسيط بمبايعة للأرض وشيك وقولت له تكتب المبلغ اللي عاوزاه، رفضت."
تدخل سراج قائلًا:
"فين المبايعة والشيك؟"
نظر له عمران قائلًا:
"موجودين عندي في الخزنة."
طلب سراج:
"هاتهم حالًا."
استغرب عمران ذلك، بينما لمعت عين ولاء بظفر وأومأت لعمران الذي امتثل لذلك ونهض وتركهما معًا. بثت ولاء بعضًا من الأقاويل الكاذبة عن طمع ثريا كذلك استغلالها لعشق "غيث" لها وتلاعبها بمشاعره منذ فترة خطوبتهما حتى زواجهما وأنه أنفق عليها الكثير والكثير وأعطاها مالًا أكثر من حقها الشرعي به بل يفوق ذلك بمراحل وأنها لو كانت صادقة ما كانت ارتضت ثريا بأقل من حقها شرعًا، لكنها تعلم أنها أخذت أكثر من ميراثها به كزوجة وأن قطعة الأرض تلك أخذتها كي تهز مكانة وهيبة عائلة العوامري. امتلأ حقداً منها وغيظاً، وصمم على استرداد تلك الأرض.
عاد عمران بملف ورقي ومد يده به لـ سراج الذي نهض واقفاً، وأخذه فتحه قرأه وأعاد إغلاقه ثم غادر بتصميم أن يسترد تلك الأرض مرة أخرى.
***
بينما بمكتب ثريا الصغير، عبارة عن حجرة صغيرة بمنزل والدتها.
كانت تجلس مع رجل وامرأة تبكي وهي تسرد تلك القضية على ثريا التي سألتها:
"بنتك عندها كم سنة؟"
أجابتها المرأة:
"خمسة عشر ونص."
لم تستغرب ثريا ذلك وقالت لها بلوم:
"خمسة عشر سنة ونص واتجوزت وحامل شهرين كمان، وطبعاً مفيش قسيمة جواز تثبت أنها متجوزة."
أخفضت المرأة وجهها بخزي، بينما تحدث زوجها:
"الجواز أساسه الإشهار وإحنا كنا أشهرنا الجواز في الجامع، والبلد كلها عارفة إنها متجوزة، هو جوزها واد الحرام اللي لما بعتنا له عالصلح بينكر جوازه منها وبيتبري من الجنين اللي في بطنها."
تهكمت ثريا بإستهزاء قائلة:
"الحكومة مش بتعتمد غير بالأوراق الرسمية، كده بنتك عند الحكومة تعتبر ملهاش أي حقوق عند اللي كان متجوزها وعادي إنه ينكر الاعتراف بجواز أو حتى نسب الجنين اللي في بطنها، طيب مفيش أي مستندات تانية تثبت أنها متجوزة من اللي بينكر ده، يعني مثلا كنت كاتب عليه شيك قصاد القايمة، أو مثلا عقد جواز عرفي."
هز الاثنان رأسهما بالنفي، زفرت نفسها بغضب وإحتقان قائلة:
"يعني هندخل في متاهة والله أعلم هنوصل لإيه. طبعاً هحاول من اللي المفروض جوزها ودي لو وافق ممكن أنتم تدفعوا مبلغ للمأذون يدفعه للحكومة كنوع من تقنين وضع، ويكتب الكتاب، وقتها سهل الاعتراف بنسب الجنين، وطبعاً الاقتراح ده مؤكد مش هيجيب نتيجة لأن زي ما قلت إنه رافض وبينكر، بس أهو محاولة أخيرة قبل اللجوء للقضاء اللي حبله طويل ممكن تاخد سنين، وكمان هنواجه صعوبات في النسب لأنه هيخضع لتحليل بصمة وراثية وهو طبعاً واثق من نفسه، بس إن شاء الله خير رغم إني لو مش خاطر بنتك ومستقبلها اللي ضيعتوه كان فين عقلكوا وأنتم بتجوزها بالشكل ده، دي مش جوازة دي زي ما بتبيعوها بخس لواحد يتمتع بيها."
بخزي تحدثت المرأة:
"والله كان بيحبها وقال بس تتم السن القانوني هيعقد عليها رسمي، بس السوسة أمه هي اللي بتلعب في راسه، وخلته رمي عليها يمين الطلاق، عاوزة تجوزه بنت أخوها عشان عنده أرض."
تهكمت بإستهزاء قائلة:
"عذر أقبح من ذنب، لو كان بيحبها كان اتبرأ منها بالشكل ده، طفلة معندهاش سطاشر سنة ومش عارفة إذا كانت متجوزة ولا مطلقة."
"في القانون ملهاش أي حقوق، يا خسارة ياريت غيركم يتعظ من اللي أنتم فيه. على العموم هحاول وزي ما قولت معروف نتيجة المحاولة، يعني نستعد للجوء للقضاء وإحنا وحظنا."
نهض الرجل وزوجته يشعران بالخسارة الفادحة، مازال عقلهما لا يلومهما بل يعتقدان أنهما لم يفعلا شيئًا خطأ، الخطأ هو الحظ فقط.
بينما ثريا مسكت ذاك الملف وهي تشعر بالأسى، ذكرها ذلك بنفسها، لكن هي لم تكن تحت السن القانوني بل كانت بالخامسة والعشرين تقريبًا، ظنت أن القدر يبتسم لها، لكن كانت صدمة وانكسار جديد لها.
ضغطت على الملف تشعر بندم.
زفرت نفسها بغضب بعد مطالعة تلك القضية، قبضت بيدها بقوة فوق ذاك الملف، لم تشعر بمن دخل إلا حين سمعت صوت نحنه، رفعت رأسها، وارتخت قبضة يدها، وتركت مطالعة ذاك الملف، ورسمت بسمة سخرية قائلة بتهكم ساخر:
"سراج العوامري هنا في مكتبي المتواضع... لاء أكيد الأمر هام."
تغاضى عن فحوى قولها يعلم أنها تسخر منه، تهكم بسخرية واستغلال وعيناه تدور في زوايا تلك الغرفة الصغيرة للغاية كذلك أثاثها، حقًا مرتب من بضع مقاعد خشبية شبه قديمة رغم ذلك شبه متينة. استهزأ وهو يقترب من المكتب الجالسة خلفه قائلًا:
"ده مكتب متواضع، بتسمي خزانة الفراخ دي مكتب أساسًا."
رغم شعورها بالضيق من استهزاؤه لكن رسمت بسمة كيد سائلة:
"والله مش أنا اللي طلبت منك تدخل المكتب بتاعي، إنت اللي دخلت، أكيد غلطت في العنوان، على العموم تقدر تخرج برة خزانة الفراخ... وهعتبر ولا كأنك دخلت."
شعر بالعصبية من ردها، وتغاضى عن ذلك ونفخ بأنفاسه فوق أحد المقاعد ثم جذب محرمة ورقية من تلك العلبة الموضوعة أمامها فوق المكتب ومسح فوق المقعد، ثم ألقى المحرمة بتلك السلة، وجلس بتعالي يضجع بظهره على المقعد ثم وضع ساق فوق أخرى، ونظر نحوها يرسم بسمة جادة ثم وضع ذاك الملف الذي كان بيده أمامها على المكتب.
تهكمت من طريقة تعالي سراج ولم تبالي بتعالي، ونظرت للملف سائلة:
"إيه الملف ده؟ ملف قضية للأسف ماليش في القضايا الباطلة أكيد..."
قاطعها بإستغلال قائلًا:
"لو عندي قضية أكيد هروح لمحامي له اسم وسطوة، مش محامية مبتدأة، قدامك الملف وبلاش تتسرعي في توقعك، اقريه الأول."
تغاضت عن نبرة الاستغلال بشأنها وفتحت الملف، تبسمت بسخرية من أول ورقة، رفعتها قائلة بإستهزاء:
"ده شيك ممضي من "عمران العوامري" بنفسه بس مفيش فيه أي مبلغ."
أومأ برأسه، تهكمت بشفتيها بسخرية ثم توقعت تلك الورقة الأخرى قبل قراءتها، لم يخيب ظنها، وعادت بنظرها إلى سراج قائلة:
"عقد تنازل عن أرضي."
نظر إليها بتحدي قائلًا بتأكيد:
"قصدك أرض العوامرية."
تهكمت بإختصار قائلة:
"ده كان زمان يا سراج."
"- وهترجع يا ثريا بأي تمن... اكتبِ المبلغ المطلوب."
قالها بوعيد، تبسمت ثريا بإستهزاء ولم تتحدث بل كتبت فوق ذاك الإيصال.
ثم مدت يدها بالإيصال له، لوهلة شعر بزهو وهو يمد يده يأخذ الإيصال منها، قرأه، كان مختصرًا من كلمتين:
"عرضك مرفوض."
ثانية واحدة وكز على أسنانه بغضب ونهض واقفًا من فوق المقعد يرسم البرود واقترب من جلوسها خلف المكتب وانحنى عليها يهسهس بوعيد ثائر قائلًا:
"افتكري كويس أنا مش "غيث" أنا "سراج العوامري" يا ثريا، مش هتقدري تلعبي عليا ولا تغريني زي غيث، لآني مش من النوع اللي بضعف قدام مفاتن ست، أنا مش شهواني زيه."
ازدردت ثريا ريقها وهي تُغمض عينيها.
تشعر بصقيع يضرب جسدها يكاد يقتلع عقلها وقلبها من محلهما، ضغطت بقوة فوق ذاك الملف، وبـلحظة واحدة فتحت عينيها، دون اهتمام مزقته قطعًا، وألقتها فوق المكتب بلا اهتمام بـاستبياع واضح.
نظر سراج إلى تلك القطع الورقية بغضب ساحق يشبه الإعصار.
وكان هذا لهما الاثنتين بمثابة...
لقاء آخر عاصف.
رواية سراج الثريا الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامه
اثناء وضعه لأحد الملفات الخاصة بتلك الخزانة دون انتباه منه، سقط الملف أرضًا ومعه ملفات أخرى. انحنى يجذبها كي يضعها مرة أخرى بالخزانة، لكن لفت انتباهه تلك الصورة التي سقطت من بين أحد الملفات. وضع الملفات بالخزانة وانحنى مرة أخرى ينفخ بتذمر، جذب تلك الصورة. سرعان ما شعر برعشة خاصة في يده، بل رعشة قوية بقلبه حين رأى تلك التي بالصورة. لوهلة شعر باختلال قبضة يداه على الصورة، لكن تمسك بها وذهب يجلس على أحد المقاعد.
جلس بالصورة بين يديه يتأملها بدمعة مشتاقة. رفع إحدى يديه أزال أثر تلك الدمعة التي سالت من إحدى عينيه. عادت يديه تتلمس ملامح صاحبة تلك الصورة يشعر بافتقاد. ما زال رغم سنوات الفراق يتذكرها، قلبه يئن من عشقها الكامن بقلبه. بسمة ألم شقت شفتيه يتذكر لقاءه الأول بها.
قبل خمس وثلاثون عامًا مروا عليه.
تذكر رفض عائلة العوامري لزواجه بابنة تلك "القابلة" (الداية) الذي رآها صدفه أمام أحد منحدرات إحدى الترع النيلية. كانت تحمل بعض الأواني بعد أن قامت بجليها، لكن لسبب استعجاله ليعود بالماء كي يضعه جوار بطارية السيارة يهدأ من حرارتها، لم ينتبه واصطدم بفتاة وقعت الأواني منها. كانت هادئة لم تتفوه بشيء وانحنت تجمع الأواني في صمت، لم تستهجن عليه رغم تلوث الأواني. شعر بالأسف وأنه هو المخطئ. انحنى على غير عادته المغرورة ساعدها في جمع الأواني، إلى أن انتهت آخر قطعة. وقف وهي الأخرى وقفت، كأن الزمن هو الآخر توقف بين الاثنين. دقائق مرت، لحظات. انتبهت حين اقتربت منها إحدى الفتيات تقول:
"رحمة! إيه اللي حصل؟ المواعين بقت كلها طين، هترجعي للترعة مرة تانية تغسليها."
أومأت لها بصمت. لا يعلم لماذا أراد سماع صوتها. هل هي خرساء لذلك لم تتفوه بلوم عليه؟ لكن حين اقترب من الماء سمع صوتها تتحدث مع تلك الفتاة التي عرضت مساعدتها. فهم جاءوا إلى الترعة سويًا، تبدوان صديقتين مقربتين. انصبت عيناه عليها وهو يملأ تلك الزجاجة بالمياه. رمقته هي الأخرى لوهلة، تبسمت كأنها كانت مثل حوريات الماء الذي يسمع عنهن بقصص حكاوي الموالد الشعبية الذي كان يهواها وهو صغيرًا. انتبه على وقفته حين أدارت ظهرها له. خرج من المنحدر وذهب نحو سيارته. وضع المياه بها. وقف قليلًا بتعمد منه، إلى أن خرجت الفتاتان من الترعة. ذهب بسيارته خلفهن. لم يبالي أنه بقرية صعيدية وكلمة من إحداهن أنه يسير خلفهن بغرض قد تنتهي حياته. وصلت الأولى لمنزلها لم تهتم ولم تلاحظ سيره خلفهن. لكن رحمة لاحظت سيره خلفهن. شعور بداخلها لا يخشي منه. دخلت إلى منزلها. تبسم وشعر بانشراح عقله سريعًا. حفظ المنطقة.
مرت أيام وعقله مشغول بها، أراد معرفة المزيد عنها. عاود لتلك القرية ومن بعض الجيران سأل عن هوية أصحاب ذاك المنزل. علم أنهن ثلاث نساء، أم وفتاتين، والأم لها شهرة كبيرة بالبلد، هي "الداية" هكذا تعيش مع ابنتيها تنفق عليهن من توليد النساء بعد وفاة زوجها قبل سنوات قليلة. لكن إحداهما بلسان لاذع وأخرى هادئة، كأنهما الثلج والغليان.
مرت أيام وعقله وقلبه ينجذب، يراقبها من بعيد يقع في عشقها. أصبح يعلم أنها وصديقتها يذهبان بالأواني لجليها بالترعة في وقت الظهيرة قصدًا منهن حتى لا تكون الترعة مزدحمة بالنساء. الابن الأكبر لعائلة العوامري والكبير القادم الذي كان من المفروض عليه الزواج بإحدى بنات العائلة، أو حتى إحدى بنات العائلات ذات الصيت العالي عشق ابنة "القابلة".
لا حسب ولا نسب كما قيل له حين أراد الزواج بها، قوبل ذلك بالرفض القاطع. لكن روح العاشق بداخله تحكمت وأصر عليها. وافق والده آنذاك غصبًا، باعتقاد أنها مجرد رغبة بمجرد أن تنطفئ ستخرج تلك الفتاة وقتها يختار له ما يشاء. لكن العشق بعد الزواج ازداد لأعوام وازداد بوفود أول طفل "سراج" كان وهج العشق بينما يزداد والحقد من تلك الهادئة يزداد أضعاف من بعض نساء العائلة، فهن أصحاب أصل عالٍ وصيت عنها وهي تزداد توهجًا عليهن بطفل خلف آخر أصبحوا ثلاث صبية. وهناك حقد فتاة اقتربت من السابعة والعشرون بعرف وقتها أصبحت عانسًا. وهي ليست قبيحة الشكل لكن قبيحة القلب والطباع. كان يتوافد عليها العرسان ليس لشأنها بل لأنها سليلة عائلة العوامري. هذا هو المميز عندها. لكن لسبب خاص تزوجت ابن عمها "حليم" الذي ترمل بوفاة زوجته التي تركت له طفلين، صبي وفتاة كذلك كان شقيق زوج أختها الكبرى.
مؤامرة دبرت لها لم يعلم من الذي افتعلها.
شك بدأ يتسرب لعقله ناحيتها، تتحدث مع رجال حين تذهب لزيارة والدتها بالبلدة. ما أسهل زرع الشك بالعقل وتصديقه إذا كان المشكوك بها بلا نسب وكل ما تريده هو الستر فقط. لكن المؤامرات سهل تصديقها. صدق وبدأت الحياة بينهم تزداد سوءًا، معايير أنها بلا نسب يليق. ولو أرادت الرحيل سترحل دون أطفالها الثلاث. وكان الاختيار البقاء وتحمل ذل عاشق متخاذل يصدق وهو يرى الحقيقة أمامها. فجأة سقط قلبها بهوة المرض العضال. الوردة ذبلت من الجفاء، حتى ماتت بمرض الشك الذي أصاب عقل عاشق جعله غافلاً. ماتت وتركته لعقله وقلبه البائس الذي لم ينسى العشق.
ندم وندم ولكن فات الوقت.
الشك أفسد بل قتل العشق.
سالت دموعه فوق تلك الصورة التي كانت صورة تجمعه معها بليلة عرسهما. كانت بهية الطلة اثنا عشر عامًا قضتها معه بين العشق وعذاب الشك انتهت وتركته لقلبه يتآكل من الندم. ليس لأنه ترك الشك يفسد حياتهم وهو كان الوحيد الشاهد على طهارتها، لكن الندم على أنه ترك قلبه يعشقها لآخر لحظة. بل إلى الآن هي تسكن قلبه يرى صورتها بابنه "آدم" رغم أنه القريب شبه الملامح منه، لكنه يشبه طباعها الودودة. جفف تلك الدموع بيديه ونهض يضع الصورة بداخل تلك الخزانة مرة أخرى يضبها كأنه يضب مأساته مع العشق.
بمكتب ثريا.
اشتدت قبضة يدي ثريا واحتد عقلها. شعرت بغضب وأجل وقلب مثل الثلج يعطي جسدها برودة تشبه برودة الموتى. وذكرى "غيث" البغيضة التي تكاد تجعلها تنهض وتقتل ذاك الوغد الذي يظنها عاهرة. كادت تتحدث بغضب ساحق... لكن توقفت حين سمعت صوت خالتها التي دخلت إلى المكتب عبر باب فاصل بين غرفة المكتب وردهة المنزل. تفاجأت حين رأت انحناء سراج بجوار ثريا الجالسة. نظرت لوجه ثريا، ملامحها واضحة بعينيها تلك الدمعة المتحجرة بين أهدابها. ثريا ليست ابنتها لكنها الأقرب لقلبها. رغم أنهن مثل القط والفأر دائمًا ما يتنازعان لأتفه الأسباب، لكن كانت هي السبب ببقاء ثريا حية إلى الآن. لولاها لكانت ثريا سكنت الثرى قبل مقتل زوجها. اقتربت بشرر. هي ليس صعب عليها معرفة هاوية ذاك الذي استقام واقفًا يشعر بتعالٍ. إنه "سراج العوامري" ولا داعي للسؤال لماذا هو هنا، بل السؤال لماذا كان منحنيًا هكذا.
والجواب واضح على ملامح وحركة يد ثريا، كذلك تلك الأوراق المقطوعة فوق مكتبها. ابتلعت ريقها وبقصد منها قالت:
"ثريا، بجالي ساعة قاعدة مع نجية جوا أنا وجوز خالتك. كنت عاوزة أقولك إن في كيماوي نزل الجمعية الزراعية. خدي حجة حيازة الأرض وروحي اصرفي حصتها قبل ما يخلص من الجمعية."
كان حديث سعدية أعطى لـ ثريا حافزًا وعادت إلى طبيعتها التي أصبحت قاسية. ونهضت تحاول كبت ألمها المضني قائلة بعجرفة:
"أنا خلاص خلصت وكنت هقفل المكتب، بس واضح سراج كان مستني ضيوفه. هو من ريحة المرحوم غيث، بس للأسف خانه الوقت والدار ما فيهاش راجل مش هينفع نستقبله دلوقتي."
نظر لها سراج بسحق، هي تقوم بطرده بشكل مباشر. كذلك وقوفها بجوار تلك السيدة كأنها تعلن أنها لن تخضع وتتنازل عن تلك الأرض بسهولة. لكن لفت نظره أول مرة يراها بعباءة مهندمة ليست ملتصقة على جسدها. احتقنت عيناه بشرر وذهب نحو باب الخروج. لكن توقف حين شعر بخطوات ثريا خلفه واستدار ينظر لها بغضب ونظر نحو سعدية ثم عاد بنظره لها وأخفض صوته قائلاً بوعيد:
"إنتِ اللي قولتيها يا ثريا."
"الأرض زي العرض."
"وأنا جيت لك بالتفاهم، لكن بعد كده انتهى التفاهم والأرض هترجع للعوامريه قريب جدًا."
أومأت ثريا برأسها بلا مبالاة ولا رد فعل غير أنها تود أن يخرج من الغرفة. وهذا ما فعله وهي بمجرد ذلك أغلقت باب المكتب. نظر خلفه شعر بغضب ود عقله أن يكسر ذاك الباب فوق رأسها قليلة الذوق. بينما هي أغلقت الباب ونظرت نحو سعدية التي سرعان ما رسمت بسمة مؤازرة رغم رجفة قلبها. وجود سراج هنا نذير غضب قادم.
بعد وقت بغرفة ثريا، جلست على تلك الأريكة الموضوعة أسفل ذاك الشباك.
وضعت رأسها فوق يديها على حد الشباك تنظر إلى ذاك القمر أحدب ذو الجانب المظلم. ذاك الجانب هو حياتها. تترغرغ الدموع بعينيها وذكريات مريرة عاشتها ترا انعكاسها بذاك الجزء الأسود من ذاك الأحدب الذي يتوسط النجوم الصغيرة. قديمًا كانت طفلة كانت تحدث القمر ظنًا منها أنه يسمعها ويبتسم لها بوجهه المستدير. لكن هي تمنت لو كانت إحدى تلك الثريات المنيرة حوله. لكن فاقت من عقل طفولتها على حقيقة أن القمر ليس سوى نجم معتم معظم الليالي ينطفئ نوره. وهي لن تصل أبدًا إلى إحدى تلك الثريات اللامعة هي مقيدة بمصير معتم من طين الأرض، وعليها القبول بذلك. وذكرى ليلة شتوية طويلة تنزف، وجملة سمعتها وهي بين سكرات الهذيان.
"لو النزيف ما وقفش هنضطر نستأصل الرحم."
وجملة أخرى من ذاك الوغد سراج.
"مش أنا اللي أضعف قدام مفاتن امرأة."
ضحكت بسخرية واستهزاء من نفسها. عن أي مفاتن يتحدث، بل عن أي امرأة حتى ذلك تشبيه لها فقط. هي فقدت كل شيء كان قبل ليلة زفافها.
دموع تنزف من ضنين قلبها. هي انهزمت منذ البداية. رفعت الراية البيضاء لقدرها البائس. لم يعد لديها أي شيء تخسره. جففت دموعها بيديها وبداخلها تصميم مرير.
ليفعل ما يشاء ويقول ما يشاء لن أرفع له راية الاستسلام يكفيني الانهزامات السابقة.
بينما سراج منذ أن عاد ولم يجد أحدًا بانتظاره تنهد بارتياح. لا يود رؤية أي أحد الآن. يشعر بصعق في عقله من تلك المحتالة. يشير عليه عقله العودة لمنزلها واقتلاع لسانها، بل اقتلاع رأسها اليابس. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ ما سر تمسكها بتلك الأرض؟ شعر بغضب مستعر. ذهب إلى حمام غرفته خلع ثيابه وقف عارياً تحت المياه الباردة لوقت يحاول تهدئة غضبه. ظل وقتًا لا بأس به، ثم شعر بهدوء نسبي. جذب منشفة ولفها حول خصره وخرج إلى الغرفة.
ذهب نحو ذاك الشباك الزجاجي نظر نظرة خاطفة نحو ذاك القمر لم يهتم. جذب تلك الستارة شبه أظلمت الغرفة. بنفس الوقت سمع صوت هاتفه ذهب نحوه كانت رسالة. لم يهتم لقرائتها وأغلق صوت الهاتف ووضعه بمقبض الشاحن. خلع تلك المنشفة وألقاها على أحد مقاعد الغرفة. ذهب وتمدد فوق الفراش عقد ساعديه أسفل رأسه. ما زال شعور الغضب مسيطرًا عليه.
من تلك المحتالة وردها الفج عليه. بنفس الوقت عاود وميض الهاتف يضيء. زفر نفسًا طويلًا بضيق. وبعقله غضب وسخط من اثنتين.
إحداهن مدللة وأخرى محتالة. لا يريد التفرقة فمن الأسوأ فيهن. سرعان ما نفضهن عن رأسه وسقط غافيًا.
باليوم التالي.
صباحاً.
شعور بالملل بل بعدم الرغبة في فعل أي شيء. لكن لو استسلمت لن تنهض مرة أخرى.
أكملت ارتداء ثوب ملائم لها، حملت حقيبتها وخرجت من المنزل تسير نحو موقف السيارات الخاص بالبلدة. لكن أثناء سيرها رغم انتباهها توقفت فجأة بجوار تلك السيارة الفخمة ولسوء حظها كانت وقفتها بجوار باب السيارة وفجأة انفتح زجاج شباك السيارة. سئمت ملامحها وشعرت بضيق وعاودت السير تحايد السيارة وأكملت طريقها.
بينما قبل لحظات.
كان قابيل يسير بسيارته تعمد الاقتراب من مكان منزل والدة ثريا. لعل الحظ يحن عليه ويرىها حتى لو من بعيد يشبع نظره بنظرة خاطفة منها. وها هو الحظ استجاب له. كانت تسير تعمد رغم اتساع الطريق، لكن ضيق عليها بسيارته، جعلها رغمًا عنها تتوقف للحظات. فتح زجاج السيارة ونظر لها وقبل أن يتحدث تجاهلته وحايدت السيارة وابتعدت عنه تشمئز منه كما كانت في السابق. بينما هو تتبعها عبر مرآة السيارة الجانبية، يضع يده فوق صدره باشتياق وأمل في نيل قبلة بل قبلات من ثغرها واحتواء لها بين يديه ورغبة حالمة.
بذاك الأثناء كان سراج يمتطي إحدى الخيول يسير بها بالبلدة دون سبب. أو ربما علم السبب هو رؤية ثريا تقف للحظات أمام تلك السيارة الفخمة ثم سارت من جوارها. لم يعلم هاوية صاحب تلك السيارة. لكن شعر بغضب، وأطلق الفرس يسير بسرعة جنونية وأصبح برأسه هدف واحد سيضع حد لتلك المحتالة.
بالمركز الثقافي.
بنفس المكان كان قرار آدم الأخير.
"إكده مفيش غير حل واحد يا حنان، أنا هتكلم مع سراج وأبوي الليلة ومتأكد إن محدش هيقدر يوقف قدام قراري، حتى إنتِ مش هستني تضيعي مني. مفيش شيء يمنعني عنك غير إنك تقولي مش ريداك."
سالت دموع خوفها قائلة:
"آدم إنت عارف مشاعري كويس ناحيتك، كل الحكاية إني خايفة الثأر يرجع من تاني."
مد يده يشعر بغصة في قلبه. قبض بأصابع يده بقوة كان يود تجفيف تلك الدموع لكن منعته الأخلاق. بأسف نظر لها قائلاً:
"لازم نجازف يا حنان لو استسلمنا هنندم ونعيش مجروحين القلب. هسألك سؤال..."
"هتقدري تتحملي تعيشي مع حافظي."
رفعت وجهها ونظرت له بحياء وأجابته:
"أنا مش هقدر أتحمل أعيش مع أي راجل غيرك يا آدم."
ابتسم بانشراح صدر قائلاً:
"يبقى كده آن أوان إننا نجازف ونتحمل النتائج."
بأحد المقاهي.
كان إسماعيل يتعمد مغازلة قسمت التي رغم قبولها لتلك المغازلات لكن تدعي الضجر منها كي يكف عن ذلك حتى يتحدثا بجدية. تود معرفة نهاية لتلك العلاقة، أو بداية طبيعية حقًا تعيش بالمدينة. لكن بالنهاية مجتمع صعيدي صعب حتى في تمدنه. انتهزت مجيء النادل الذي أخذ تلك الأكواب وغادر وصمت إسماعيل لدقائق. نظرت له ثم فاجأته بقولها:
"إنت إمتي هتتقدم ليا رسمي يا إسماعيل."
تفاجئ بذلك، وادعى البلاهة قائلاً:
"مش فاهم قصدك إيه؟"
كعادتها العصبية تتحكم بعقلها، نهضت واقفة تقول:
"انت فاهم قصدي كويس، بس عشان شايفني بوافق أقابلك في كافيهات فكرت إنها رخيصة."
لم تنتظر جوابه عليها وجذبت حقيبة يدها من فوق المنضدة وغادرت سريعًا دون أن تلتفت لندائه عليها. بينما هو شعر بحيرة وعاود الجلوس، ينظر أمامه إلى النيل. سؤالها المفاجئ لم يكن في حسبانه على الأقل الآن. لا يعرف أي طريق يختار. وأمامه طريق للهجرة يرى فيه النجاح كطبيب تشريح، أفضل من البقاء هنا ووأد طموحه كطبيب شرعي فقط يعطي أسباب الوفاة. هناك قد ينجح أكثر ويكتشف أسباب للحياة.
قبل العصر بقليل.
بمنزل العوامري.
دلف سراج بالفرس ترجل من عليه، وسار بالممر. لفت نظره تلك السيارة التي تقف أمام منزل والده. دلف إلى داخل المنزل، ذهب نحو غرفة السفرة مباشرةً ألقى عليهم السلام، جلس على أحد المقاعد لحظة، جلس جوار قابيل، الذي رحب به. أنه رغم وجوده هنا منذ أيام لكن هذا اللقاء الأول أو المباشر لهما. رغم عدم شعور تألف متبادل بينهم منذ صغرهم، لكن على مضض كل منهما تقبل الآخر. لكن بفضول من سراج تساءل:
"هي العربية اللي واقفة قدام الدار بره دي بتاع مين."
كان الجواب من إيناس بسؤال:
"أنهي عربية."
أجابها بلونها. نظرت نحو قابيل بعشق وتبسم وأجابته:
"دي عربية قابيل."
تحكمت الظنون برأس سراج. يبدو أن فهم ثريا، يبدو أنها تلقي شباكها على آخر من عائلة العوامري. ولن تجد أفضل من ذاك الخبيث التافه قابيل. لكن لن يعطيها الفرصة لذلك.
بعد وقت انتهوا من تناول الطعام، نهض الجميع.
ذهبوا إلى غرفة المعيشة، لكن وقفت ولاء تقول بأمر لـ "فهيمة" الزوجة الثانية لـ عمران.
"هاتي لنا الشاي في المندرة يا فهيمة."
امتثلت فهيمة لأمرها بينما نظرت إيمان نحوها وشعرت بضيق من ضعف والدتها وامتثالها لـ ولاء. وقالت:
"الدار فيها شغالين كتير، اطلبي من واحدة منهم تعمل الشاي."
اعترضت فهيمة قائلة بتبرير تعلم أنه كاذب:
"عمتك بتحب تشرب الشاي من إيدي، هروح أعمله."
نفخت إيمان بضجر وشعرت بأسف من امتثال والدتها لـ ولاء تعيش بكنف طاعتها دون سبب لذلك، بل تشعر أنه خنوع من والدتها التي لا تمتلك أي حق للاعتراض. وهي لم تعد تلك الطفلة التي كانت تصمت على ذلك الخنوع. أصبحت صبية وشابة وتعترض وتود من والدتها ذلك حفاظًا على مكانتها كزوجة لـ عمران العوامري، لا تابعة لـ ولاء.
التي نظرت لها بتحدي نظرة تخبرها أنها هي من تتحكم بهذا المنزل، ليست ضيفة. بادلتها إيمان بنفس نظرة التحدي أنها لن تمتثل لها وتخضع مثل والدتها. فهي تحمل دماء العوامري مثلها.
ويبدوا أن هذا الدم الثائر إرث.
أسفل تلك الشجرة.
خلع قميصه الأبيض أصبح عاري الجذع، تمدد بظهره على الأرض داعبت الشمس القاسية عيناه. أغمضها للحظات ثم عاود فتحها ينظر بابتسامة وهو يسمع صوت ذاك النسر الذي يحلق حول نفس الشجرة.
فتح عيناه كانت الشمس قاسية أغمضها لوهلة وهو ينظر إلى ذاك النسر بالسماء. فكر، ثم جذب هاتفه وقام باتصال مختصر.
"عاوز اتنين ستات شُداد حالاً."
أغلق الهاتف وهو ينظر إلى ذاك النسر الذي هبط أرضًا للحظات قبل أن يحلق مرة أخرى وبمنقاره كان يتلوى ثعبان صغير. تبسم ولمعت عيناه ونهض واقفًا ينظر أمامه إلى مضمار الخيل. تنهد يتردد برأسه جملة ثريا.
"الأرض زي العرض."
سحب نفس عميق وقال:
"أما أشوف أنهي الأغلى عندها الأرض ولا العرض."
"مع إن عندي شبه يقين هتختار إيه، بس متعرفش هي بتلعب مع مين؟."
أنهى قوله وعاد بنظره نحو النسر الذي انخفض على الأرض يلتهم الثعبان بعد أن قضى على مقاومته. وأصبح وجبة دسمة له.
كانت كعادتها قبل انكسار حرارة الشمس تتجول بتلك الأرض تنزع الحشائش.
تفاجئت باثنين من النساء تبدوان ضخام كذالك تبدوان ذوات عنفوان. في البداية ظنت أنهما ربما نساء يعملن بالحقل كأجيرات، وربما أخطأوا بالأرض. وهن تقتربان منها تعاملت معهما بلا تحذير إلى أن اقتربت منهن قائلة:
"أنتم مش من البلد إهنه، أكيد تايهين عاوزين أرض مين؟."
ردت إحداهن بغلظة:
"عاوزينك يا حلوة."
ما زالت لا تفرض السوء.
تساءلت مرة أخرى قائلة بود:
"أنتم الأحلى بس دي أرضي... و...."
كانت الصمت منها حين شعرت برذاذ فوق وجهها قبل أن تكمل حديثها. كانت تسقط بين أيديهن غائبة عن الوعي وبلحظة ظهرت سيارة من العدم. وضعنها بها.
بإسطبل الخيل.
أمام غرفة العلف الخلفية البعيدة قليلًا عن مضمار وغرف الخيول تحدث سراج بصرامة وأمر:
"إياك تقرب منها أو تلمسها، أنت بس هتخوفها فاهم."
أومأ له ذلك الضخم قائلاً:
"أنا خدامك يا سراج باشا، هعمل اللي تقول عليه."
حذره مرة أخرى بعينيه قائلاً:
"تستنى لما أنادي عليك تدخل."
أومأ له ممتثلاً. بينما سار سراج إلى تلك الغرفة على شبه يقين باختيار ثريا.
لكن لا مانع من تجربة لعلها ترهبه منه.
بعد وقت ليس بقليل.
بدأت تفتح عينيها تشعر بألم طفيف برأسها. رفعت يدها تضعها حول رأسها، ثم نظرت حولها. سأل عقلها أين هي آخر ما تتذكره هو أنها كانت بالحقل وحديثها مع هاتان المرأتان.
ماذا حدث لها بعد حديثها معهن لا تتذكر شيئًا.
حاولت النهوض واقفة، وكادت تسير، لكن كادت تتعثر بعد أن اكتشفت أن ساقيها مربوطتان بأصفاد حديدية موصولة بسياج حديدي بأحد الحوائط. تيقنت أن تلك السيدتان كانت هي مهمتهن. لا تنكر شعورها ببعض من الخوف، لكن ماذا تردن منها تلك السيدتان. سرعان ما خفق قلبها، فكان لها مواجهة سابقة مع نساء من نفس النوعية المجرمة. لن تخسر أكثر مما خسرت سابقًا. بإرادة منها وتحدي.
حاولت فك تلك الأصفاد الحديدية عن إحدى قدميها لكن حلقات تلك الأصفاد ضيقة وقوية.
يأست أن تحرر، زفرت نفسها بانهزام، ثم سرعان ما عاودت المحاولة مرة أخرى. لكن بنفس اللحظة سمعت صوت صهيل خيل. دب إلى قلبها شك بهوية من يحتجزها بهذا المكان. الواضح أنه غرفة تخزين الأعلاف بـ إسطبل خيل.
سرعان ما تيقنت من صدق حدسها حين رفعت رأسها ونظرت نحو باب المكان ورأت من يدخل.
يسير إليها بخطوات واثقة ومتعالية. أطلقت ضحكة استهزاء وقالت بثقة واهية:
"كيف ما توقعت، إن إنت اللي خطفتني."
تهكم وهو يدنو بجسده جوارها ينظر لها ببغض قائلاً:
"عشان تعرفي إن محدش يقدر يتحداني، قدامك فرصة."
"قولتي الأرض زي العرض، هتمضي عالمبايعة دلوقتي."
رمقته بسخط وتهكمت باستهزاء قائلة:
"مش عارفة إيه سر الأرض بتاعتي، دي تعتبر سخله صغيرة جنب الفدادين بتاعت العوامري."
رمقه بكبر وقال باستقواء:
"قولتيها سخله صغيرة في وسط أرضي، والأرض في الأساس ملك العوامريه. كمان مش أنا اللي يتحداني بنت زيك عاوزة تعمل لنفسها قيمة وسعر في البلد. آخر فرصة ورق المبايعة أهو تمضي عليه تحافظي على عرضك."
نظرت له بتحدي قالت بكبر:
"ولو رفضت..."
لم تكمل بقية جوابها، حين نهض واقفًا بغضب ونظر لها بتأكيد:
"أنا مش بخيرك يا ثريا، مفيش قدامك غير أمر واحد يتنفذ، تمضي عالمبايعة لأن اللي هيحصل بعد كده مش هبقى أنا المسؤول عنه."
عاد يدنو جوارها مرة أخرى للحظة تمعن النظر في وجهها. لأول مرة تسلطت عيناه بعينيها. عينيها التي تفاجئ بلونها الذي يشبه العشب الأخضر قبل أن يجف. لون عينيها مخالف لسمار ملامحها البسيطة لكن تحمل الرقة في نفس الوقت. نفض ذلك الشعور قبل أن يتوغل من عقله، وتذكر أنها محتالة.
سرعان ما قال بوعيد مباشر:
"إنتِ اللي قولتي من البداية."
"الأرض زي العرض."
"يبقى اخترتي بنفسك."
نظرت له بتحدي واستبياع زائف:
"هتعمل إيه يعني، هتغتصبني عشان رفضت أمضي عالمبايعة."
هز رأسه بتوافق على قولها ونظر لها بانبساط ملامحه قائلاً:
"فعلًا... هو ده اللي هيحصل."
من نبرة صوته الحادة والمتوعدة أيقنت أنه لا يهدد. سئمت ملامحها وشعرت برجفة بجسدها، وقالت بمحاولة لعلها توقظ به نخوة وقالت:
"مش عارفة إزاي كنت ظابط في الجيش وصون العرض على رأس مهماتك."
انتفض واقفًا بغضب. تلك الحمقاء أيقظت مارد يحاول كبته ونزعت آخر فتيل كان يحاول التحكم قبل أن ينفجر. رمقها بقسوة قائلاً:
"منين جالك إن أنا اللي هغتصبك، أنا عندي اللي ينفذ لي من غير ما ألوث نفسي بلمس..."
توقف عن الحديث لكن نظراته كانت تتحدث باشمئزاز. ثم استطرد الحديث مناديًا بجمود:
"عصوان."
ارتعب قلبها بهلع حين دخل إلى المكان رجل ضخم البنيان، يبدو مقزز. نظرة عينيه التي تنضح بشهوة نحوها لا تنبئ سوى بأنها بين براثن أسوأ الرجال.
نظر لها بإستمتاع من ملامح وجهها المشدوه، وانحنى وألقى أمامها ورقة المبايعة. برجفة يد مدت يدها وجذبت تلك الورقة. للحظة شعر بز هو وانتصار ظنًا أنها ستوقع على المبايعة كما يريد. مد يده لها.
بقلم. نظرت نحو القلم باستهزاء وفاجأته بتمزيق تلك الورقة إلى قطع وألقتها أرضًا.
صوت تمزيق تلك الورقة كان كصرير إعصار هائج بأذنيه. نظر لها بغضب وتحولت عيناه إلى حجرية واعتدل واقفًا بجمود غاضب ونظر نحو "عصوان".
وأومأ له برأسه أن يقترب منها وهو بدأ بالسير مغادرًا نحو باب المكان وخرج إلى ذلك المضمار الخاص بترويض الخيول. استنشق بقوة يملأ رئتيه بنسمة الهواء، ينتظر أن تصرخ وتستجيب لرغبته. لكن فات حوالي عشر دقائق ولم يسمع أي صراخ. ظن أن يكون ذلك الوغد عصوان قد عاد لطبيعته الإجرامية وخالف أمره، لو فعل ذلك سيقتله هو أمره بإرهابها فقط. بسرعة عاود إلى المكان ودلف مباشرةً.
توقف للحظة ينظر بهلع لتلك الراقدة التي تنزف دمًا.
نظر نحو عصوان يزفر أنفاسه.
كـ "إعصار غاضب".
رواية سراج الثريا الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامه
بمنزل ثريا
شعرت نجيه بالقلق بسبب تأخير ثريا.
فالساعة إقتربت من التاسعة مساءً، وثريا لم تعُد للمنزل.
فكرت ربما عادت وجلست بالمكتب الخاص بها، فتحت ذاك الباب ونظرت بالمكتب كان مُظلمًا، إذن هي لم تعُد بعد.
جذبت ذاك الهاتف الخلوي القديم الطراز، بحثت بين بعض الأرقام حتى عثرت على رقم ثريا، قامت بالإتصال عليه، لكن لم يأتيها رد، رنين فقط.
شعرت بالحيرة، ربما ذهبت لمنزل سعدية.
كادت تُهاتفها، لكن بنفس الوقت دق الهاتف بيدها وأظهرت الشاشة رقم سعدية، أجابتها سريعًا، لكن زاد القلق في قلبها حين سألت عن ثريا وعاتبت أنها وعدتها بالذهاب لمنزلها ولم تأتي.
لم تعرف نجية كيف تُبرر لها. أتخبرها أن ثريا لم تعُد للمنزل؟
لكن في آخر لحظة تراجعت. ربما تعود ثريا بخير، ولا تكتسب سوى قلق سعدية هي الأخرى.
ظلت لوقت، أصبحت الساعة العاشرة مساءً.
إحتارت ماذا تفعل، لكن كأي أم يُحركها مشاعرها، تنهدت بحسم قائلة:
"هروح لـ ممدوح الجهوة اللي بيشتغل فيها وأجوله، ممدوح حنين وما يستحملش الهوا على أخته."
بالفعل خرجت من دارها، لكن أثناء سيرها، تعثرت وكادت تقع، لكن تمسكت بأحد عواميد الإنارة بالشارع.
وقفت تلتقط نفسها، رأتها رغد التي كانت تقف بدكان البقالة الخاص بوالدها، خرجت مُسرعة نحوها... وسألتها بلهفة:
"خالتي نجية، خير بتجري كده ليه وكنتِ هتقعي؟"
إلتقطت نجية نفسها ونظرت إلى رغد، تدمع عينيها.
لوهلة أرادت ألا تطلب منها مساعدة، لكن إلحاح رغد، كذلك شعورها الطيب نحو رغد.
تفوهت بقلق:
"ثريا سرحت الغيط من قبل العصر ولساها مرجعتش لحد دلوك، وبتصل على موبايلها بيرن ومش بترد، كنت رايحة لـ ممدوح الجهوة عشان يشوف أخته فين."
حين ذكرت اسم ممدوح، خفق قلبها.
وكذلك هي تشعر مع ثريا بالألفة وتحترمها عكس الكثير من بعض الأهالي.
ترددت قبل أن تعرض عليها:
"تعالي اقعدي مع أبوي في الدكان، وأنا هروح له القهوة أنادي عليه."
نظرت لها نجية بإمتنان وكادت ترفض، لكن نهضت تسير معها إلى أن وصلن إلى محل البقالة.
جلب والد رغد مقعدًا، جلست عليه.
سردت رغد لوالدها، بينما عاودت نجية الرفض ونهضت كي تذهب إلى ممدوح، لكن والد رغد حثها قائلاً:
"خليكِ قاعدة ارتاحي يا ست نجيه، وأحمد هيروح مع رغد ينادوا لـ ممدوح."
نظرت نجيه نحو أحمد الصبي الصغير، وإقتنعت حين أكمل حديثه:
"إحنا في الصيف والدنيا ماشية، واطمني إن شاء الله ثريا بخير، يمكن هنا ولا هنا. إنتِ عارفة حصيلة الصيف واسعة وثريا ليها محبين كتير."
حاولت تهدئة قلبها وأومأت بتمني، أن يخيب حدس قلبها.
بالإسطبل
قبل قليل
شعرت ثريا بالخوف من نظرات عصران القذرة وهو يقترب منها، يخلع قميصه العلوي، ومازال يرتدي سروال فوقه فانلة بنصف كم، تُظهر ضخامة جسده.
إزدردت ريقها، وذكرى سابقة تمر أمام عينيها.
لكن بشخص آخر.
أغمضت عينيها لوهلة، تسمع صوت ضحكة تشفي، ورائحة فم تفوح منها رائحة كحول مقيتة.
فتحت عينيها سريعًا كأنها ترى نفس الشخص، لكن هناك اختلاف بالحجم بين هذا وذاك الذي كان رغم جبروته وإحتساؤه للكحوليات، كان يهتم بجسده الرياضي كي يتباهى بذلك ويخدع أنه شخص مثالي.
لوهلة توجست خوفًا من ذاك البغيض.
نهضت واقفة دون شعور منها، سارت للخلف بخطوات، لكن كادت تتعرقل لولا تلك الأصفاد التي بقدميها موصولة بسلاسل حديدية مغروسة بالحائط.
نظرت إلى ذاك الحجر التي كادت تتعثر به.
بسرعة فكر عقلها وإنحنت تجذب تلك القطعة، واستقامت سريعًا.
بينما عصران يقترب، يضع يده فوق حزام بنطاله بحذر، يخشي من تهديد سراج له.
إلى أن أصبح أمامها مباشرة، ضحك ضحكة شر يقول:
"بتعصي أمر سراج باشا، متعرفيش غلاوة سراج باشا عندي، ده موصي عليكِ أوي."
تهكمت بسخرية واستبياع، رغم رجفة قلبها الذي ينتفض بداخلها، لكن لن تستسلم كما فعلت سابقًا.
بالنهاية ماذا جنت من خلف ذاك الضعف؟
قالت بتريقة:
"سراج باشا عليك إنت، وبلاش تقرب مني بدل ما تبقى نهاية عمرك على إيد 'مرة' (إمرأة)."
هو سابقًا كان مجرم، لو مازال بنفس العقلية ما كان تركها تتحدث.
كما أنه ربما كان مجرمًا، لكن لم يهتك عرض امرأة سابقًا ولن يفعلها الآن.
هو يمارس تهديد فقط، لكن ثريا يدها ترتعش وهي تمسك ذاك الحجر، كما أنها مستبيعة لن تتنازل عن الأرض حتى لو أصبحت قاتلة، وليتها فعلت ذلك من قبل...
يقترب بخطوات وئيدة إلى أن أصبح خطوة أو اثنان بينهم، يستفزها بضحكته الشريرة.
بينما هي كأنها ترى غيث عاريًا يتلذذ وهو يحاول فرض ساديته عليها.
وذكرى أخرى وهو يأخذها لشقة بالمدينة ويأتي بإمرأة عاهرة يغصبها أن تشاهدهم بعينيها وهما يمارسان الغرام بتقزز من أجل إذلالها، وهدر كرامتها كأنثى وزوجة.
ذكريات بائسة تمر وهي فقط تشاهد، لا تُعطي رد فعل.
لأول مرة عليها اتخاذ قرار أنها لن تكون بدور ثانوي في قصة هي بطلتها.
ليحدث ما يحدث.
قبل أن يخطو عصران آخر خطوة.
أخذت القرار وتقدمت تلك الخطوة، وفي لحظة جسارة منها، ضربت عصران بذلك الحجر على رأسه بعد أن استجمعت قوة شيطانية.
في الحال تلقى عصران الضربة برأسه لعدم انتباهه، وعدم رؤيته لذاك الحجر.
سقط مُمددًا أمام قدميها، تنزف دماء رأسه وهو شبه غائب عن الوعي.
نظرت له بعلو وألقت ذاك الحجر من يدها، تدمع عينيها بقسوة ما تشعر به.
لم تتوقع يومًا أن تكون قاتلة.
من اتخذت طريق القانون باختيارها، أضحت قاتلة.
كان دخولها لـ عائلة العوامري أكبر سوء مسها بحياتها.
هم الجحيم بعينه.
لكن شعرت بندم وهي ترى دماء عصران تسيل أسفل قدميها.
كذلك كأنها توهمت أن عصران قد ينهض ويعاود ما بدأه.
عادت بجسدها للخلف تبتعد عنه، لعدم انتباهها تعرقلت بسبب تلك السلاسل الموصولة بالأصفاد الذي بقدميها.
إختل توازنها دون انتباه منها، لم تستطع أن تحفظ توازنها فسقطت دون انتباه للحائط وذاك الجزء الحاد البارز بها.
خبطت رأسها بها، لم تشعر بشيء بعدها.
بسبب عدم سماعه لأي استغاثة، دلف إلى تلك الغرفة بغضب تحول إلى فزع وذُهول مما يراه أمامه.
ذهب نحو عصران الجالس أرضًا يحاول استعادة قدرته، يتألم وهو يلف قميصه حول رأسه، يضع يديه فوقها، لكنه يرتدي ببقية ثيابه، ليس به عاريًا سوى ساعدي يديه.
لكن شعر بالغضب الساحق منه، وأمسكه من تلباب ثوبه بعنف، يسحبه بقوة عاصفة جعلته ينهض واقفًا وهتف بهجوم شرس:
"عملت فيها إيه يا حقير؟ أنا قلتلك ترهبها وإياك تقرب منها. حنيت للإجرام من تاني."
شعر عصران برهبة وبرر بخوف ودفاع عن نفسه:
"والله ما لمستها زي ما قلت لي يا سراج بيه، أرهبها بس..."
توقف عصران عن استرسال تبريره، يشعر بدوخة.
قبض سراج على كتفيه بغضب سائلًا:
"بس إيه؟ انطق."
أجابه عصران:
"معرفش يا باشا، دي ضربتني بالحجر على رأسي وبعدها حسيت إني دايخ ومش حاسس باللي حواليا، ولسه قدامك أهو بحاول أفهم إيه اللي حصل."
تركه وذهب نحوها مباشرةً، رأى رأسها تنزف.
لا يعلم لماذا شعر بالرفق عليها، هكذا فسر عقله.
رفع ذاك الوشاح عن رأسها، تفاجأ بإندفاع الدماء.
سريعًا خلع قميصه وزال ذاك الوشاح عن رأسها، حاول الضغط على رأسها يكتم اندفاع الدماء.
وحملها ناهضًا يسير سريعًا نحو الخارج، غير مباليًا لـ عصران وإصابته الشبه خطيرة.
خرج من الغرفة، ذهب سيارة نصف نقل كانت بالإسطبل.
أمر سائقها بلهفة:
"افتح الباب بسرعة."
فعل السائق ما أمره به، في ثواني وضعها بالسيارة.
وتحدث للسائق:
"فين مفاتيح العربية؟"
أخبره:
"المفاتيح في كونتاكت العربية يا باشا."
أغلق باب السيارة واستدار سريعًا نحو الباب الآخر، صعد يقود السيارة بسرعة جنونية وهو يصرخ على حارس بوابة الإسطبل الخارجية أن يفتح له الباب سريعًا.
قبل أن يصل إلى الباب كان مفتوحًا سريعًا.
كان يقود السيارة في ظرف دقائق، صف السيارة بفناء الوحدة الصحية الخاصة بالبلدة وترجل سريعًا نحو الباب الآخر.
حملها بين يديه، سمع بعض هزيان منها لم يستطع تفسير منه سوى كلمات:
"أنا بكره عيلة العوامري."
لم يهتم بما سمع ودخل بها سريعًا إلى داخل الوحدة الصحية يصرخ عليهم بأن يساعدوه.
أرشده حارس الوحدة نحو غرفة الاستقبال بالوحدة، وضعها على فراش طبي.
بنفس الوقت دخلت إحدى الممرضات، نظرت إلى الدماء التي تنشع من ذاك القميص الملفوف حول رأسها.
نزعته ورأت ذاك الجرح، ثم نظرت نحو سراج قائلة:
"الدكتور النبطشي هنا في الوحدة بيمر على حالة في الدور الثاني، هطلع أنادي عليه."
لا يعلم سبب لقوله:
"وما فيش هنا دكتورة ست."
نظرت له قائلة:
"للأسف ما فيش غير الدكتور النبطشي."
أومأ لها قائلاً:
"تمام، ناديه بسرعة."
أومات رأسها بدهشة ثم غابت لدقائق، كان يشعر أنها ساعات، وهو يسمع هزيانها غير المفهوم وكلمات غاضبة بشأن "غيث".
لا يعلم لماذا أراد النظر لملامحها وهي نائمة.
لولا تلك الدماء التي تغطي جبينها وجزء من وجهها لكانت ملاكًا.
كذلك لاحظ تلك الشعيرات الرمادية التي تتخلل شعرها البني المحروق تقترب من السوداء.
لحظات كأن عقله شارد وقلبه مشدوه نحو تلك المصابة.
أخرجه من ذاك التأمل نحنحة الطبيب الذي دلف ببطء معه تلك الممرضة.
لوهلة أراد ألا يدخل هذا الطبيب، لكن أصبح الضماد الملفوف حول رأسها دمويًا.
تنحى جانبًا، شعر بضيق حين نزع الطبيب عن رأسها ذاك الضماد.
وقبل أن يبدأ يتعامل مع إصابتها، تحدث بمهنية:
"يا ريت تطلع بره الأوضة لحد ما نخلص تضميد جرح المصابة."
نظر له سراج قائلاً:
"لأ مش هخرج، واتفضل شوف شغلك."
كاد الطبيب أن يعاود الطلب منه، لكن الممرضة تحدثت بتبجيل لـ سراج قائلة:
"ده سراج بيه العوامري، الوحدة مفتوحة بسبب تبرعات عائلته، وهو أكيد قلقان على المصابة."
لمعت عين سراج بغرور من معرفة الممرضة السابقة له، رغم أنها بالبلدة منذ فترة وجيزة.
وسأل عقله هل تعلم هاوية ثريا أيضًا؟
لكن لم تُظهر ذلك.
بدأ الطبيب يتعامل مع حالة ثريا.
إلى أن انتهى، وضع ضماد طبي يلف رأس ثريا شبه كاملًا.
ثم خلع قفازيه، وبالصدفة بسبب انحصار جلباب ثريا، رغم أنها أيضًا ترتدي بنطالًا أسفل جلبابها، لكن وضح جزء من إحدى ساقيها وظهر به جرح واضح.
ذهب نحوه الطبيب وكاد يرفع البنطال، لكن توقف بعد أن قبض سراج على يده قائلاً بنبرة احتقان:
"إنت هتعمل إيه؟"
أجابه الطبيب:
"مش شايف الجرح الظاهر في رجلها، هعالجه."
زفر سراج نفسه بضجر قائلاً:
"لأ كفاية عليك كده، الجرح ده واضح إنه صغير والممرضة هتتعامل معاه."
نظر له الطبيب بحدة قائلاً:
"أنا هنا دكتور في المستشفى، وكمان المسؤول عن النبطشية، وواضح من الخبطة اللي في راس المصابة، كمان الجرح اللي واضح في رجلها إن فيه اشتباه جريمة في الموضوع، وهفتح تحقيق باللي شايفه ده."
تهكم سراج من نبرة الطبيب الحادة، وقال باستهزاء:
"واضح إنك مش من البلد هنا ومتعرفش أنا مين..."
قاطعه الطبيب بلا اهتمام:
"حتى لو كنت من البلد وأعرف جنابك كنت هعمل اللي يمليه عليا ضميري، واضح وجود جناية."
ضحك سراج مستهولًا ومستكبرًا:
"جنااااية!"
"أعتقد مهمتك خلصت وتقدر تعمل اللي إنت عاوزه، اتفضل."
كاد الطبيب يحتد لولا أن جذبته الممرضة وخرجت خارج الغرفة.
طاوعها الطبيب فقط لأنه لا يحب الجدال مع ذاك المتكبر.
خرج وهي خلفه.
وقفت تقول له بذم:
"إنت مش عارف مين الشخص اللي جوه ده؟"
"ده سراج بيه العوامري."
تهكم الطبيب سائلاً:
"ومين بقى سراج بيه العوامري؟"
أجابته بمكانته وسط عائلة العوامري المعروفة.
ثم أكملت:
"أنا كنت زيك مكنتش أعرفه بس كان راكب حصانه وبيتمشى بيه في البلد وكنت واقفة مع جوزي في دكان العلف، واحد من الفلاحين عرفه، وجال ده سراج بيه العوامري."
تهكم الطبيب قائلاً:
"متغطرس يعني."
"طب والمصابة دي كمان تبقى مين؟"
أجابته:
"لأ دي مهعرفهاش، يمكن قريبته (قريبته)."
"أو تخصه، هنعرف هي مين لما يسجل اسمها في المرضى، وكمان أنا هعاود أدخل الأوضة وهسأله هي مين، مع إن شكلها مش غريب علي."
غصبًا امتثل الطبيب وغادر.
بينما عاودت الممرضة الدخول إلى الغرفة وعرض خدماتها عليه وسألته باستفسار:
"هي المريضة دي تقرب لجنابك."
تنفس واحتار بماذا يجيب عليها، لكن بالنهاية قرر وأجابها:
"لأ دي لقيتها وأنا ماشي عالطريق."
ذُهلت الممرضة وهي تشعر باستغراب كيف هذا لم يعرفها وبهذه اللهفة الواضحة.
هي ظنت أنها قريبته وربما تخصه.
لم تهتم وسألت:
"طالما كده كان لازم تسمح للدكتور يقدم بلاغ في النقطة (قسم الشرطة) جنابك لاقيتها عالطريق يمكن اللي اتسبب في إصابتها قاطع طريق، ليه تحمل نفسك مسؤولية طالما متعرفش هي مين؟"
أجابها:
"بس أنا أعرف هي مين كويس؟"
تسألت باستفسار:
"حضرتك تعرفها منين؟"
بصعوبة لا يعلم سبب لما لم يكن يريد أن يقول أنها كانت زوجة "غيث" ابن عمته، لكن غصب أجابها:
"تبقى أرملة ابن عمتي."
تبسمت الممرضة قائلة دون انتباه:
"إنت جبتها هنا شهامة منك يعني، عشان خاطر كده. لو كان حد غير جنابك مكنش جابها. أنا مكنتش أعرف شكلها بس اللي أعرفه إنها ما صانتش موت جوزها وسابت داره قبل الأربعين بتاعه... شابة وحلوة ولسه صغيرة أكيد مش..."
قاطعها سراج بغضب قائلاً:
"أعتقد كفاية كلام فارغ، التحقيق بتاعك ده يخلص، ومش عاوز حد يعرف بانها موجودة هنا بالوحدة، واتفضلي شوفي شغلك، الجرح اللي في رجلها داويه."
شعرت الممرضة بحرج من صد سراج لها.
بدأت في مداواة ساق ثريا، وخرجت وتركته سراج معها، يشعر باستغراب من شعوره بالضيق والغضب والاستغراب الأكبر وجوده هنا.
لما لا يطلب من أحد العاملين الموجودين بالمشفى الاتصال بأحد ذويها.
زفر نفسه وهو ينظر لها وهي غافية رغم ذاك الضماد على رأسها تبدو كأنها صافية.
وعلى وجهها بسمة لا يعلم إن كانت بسمة أم مجرد ملاحظة منه.
بينما خرجت الممرضة وذهبت إلى إحدى الغرف كانت خاصة بالممرضات، كان معها ممرضة أخرى جلسن سويًا.
سردت لها عن وجود سراج مع تلك الفتاة.
لم تستغرب الأخرى قائلة:
"وفيها إيه؟ اللي أعرفه هنا إن أرملة الأخ بيتجوزها أخوه، ويمكن هو عينه عليها."
فكرت الممرضة:
"بس ده مش أخوه، ده ولد عمته، ومن عيلة العوامري. كمان اللي سمعته إن البت دي مسببة نشأة لعيلة العوامري."
أجابتها الممرضة الأخرى:
"يمكن عاملة الدوشة دي عشان كده، إنها تتجوز واحد تاني منهم. بس تفتكري مين اللي اتسبب في اللي حصل لها."
أجابتها:
"معرفش، بس لهفته عليها تقول إنه مش هو. من شكل إصابتها كده إن حد ضربها على راسها، وكان فيه جرح في رجلها، يمكن كان حد عاوز يغتصبها."
وضعت الممرضة الأخرى يدها على فمها بذهول قائلة:
"ربنا يحفظ عرض ولايانا. هقوم أشوف الست اللي محجوزة فوق دي، والله حالتها متستاهل الحجز، بس الناس مفكرة الوحدة فيها عناية أكتر من الدار."
غادرت الممرضة الأخرى.
بنفس الوقت دق هاتفها، أخرجته من جيب معطفها ونظرت له، ثم قامت بالرد تسمع سؤال زوجها لها عن بعض الأغراض ومتى ستنتهي ورديتها بالوحدة.
أجابته ثم سردت له عن ما حدث قائلة:
"بس شكل سراج بيه ده راجل قوي، لو واحد غيره كان على الأقل سابها لما وصلها الوحدة، شكلها كده كان حد عاوز يأذيها وهو نجدها منه."
باحد مقاهي البلدة
وقفت رغد على جنب قريب منها، ودخل احمد نادي على ممدوح الذي خرج معه وتوجه ناحيتها يقول بلهفة وذم:
"رغد إيه اللي جابك هنا دلوقتي، القهوة كلها شباب... وممكن يعاكسوكِ وأنا مكنتش هسكت لهم."
شعرت رغد بسعادة أنها لا يود أن يضايقها أحد.
توترت قائلة:
"خالتي نجية عندنا في الدكان، بتقول إن ثريا لحد دلوقت مرجعتش الدار وهي قلقانة عليها أوي."
شعر ممدوح بقلق قائلاً:
"إزاي مرجعتش للدار؟ استنى دقيقة وراجع لك."
لم يمر أكثر من دقيقة وعاد ممدوح يقول لها:
"خلينا نروح للدار، يارب تكون رجعت."
أومأت له ببسمة وهي تسير على الطرف الآخر جوار أخيها الذي يفصل بينهم، تحاول هي وأخيها مجاراة خطواته السريعة إلى أن وصل إلى ذاك الدكان وجد والدته جالسة.
سألها بلهفة:
"أمي.. ثريا رجعت."
أومأت رأسها بـ لا.
أخرج ممدوح هاتفه يتصل على ثريا، ولا يأتيه رد.
شعر بزيادة القلق قائلاً:
"موبايلها بيرن ومش بترد، هي مش متعودة متردش، معقول تكون لسه في الغيط، هروح أشوفها وارجع."
تنهدت نجيه بدموع قائلة:
"وإيه اللي هيقعدها في الغيط لحد دلوك، دي كانت بترجع للدار يادوب الشمس تغيب."
ساور ممدوح القلق بشدة وفكر بـ عائلة العوامري، وكاد يتفوه، لكن قبل ذلك.
صدح رنين هاتف صاحب البقالة، قام بالرد كان تاجر الأعلاف يسأله عن بعض المنتجات لديه، وسمع بالصدفة قول ممدوح الذي لم يهتم:
"أكيد اللي ورا اختفاء ثريا عيلة العوامري، أنا رايح لهم."
نهضت نجيه بفزع وتمسكت به قائلة:
"اعقل يا ممدوح، واهدي."
بضجر تفوه ممدوح:
"عقلت كتير وصبرت مش كفاية..."
قاطعه صاحب البقالة:
"اهدي يا ممدوح واسمع لحديت أمك، بس اخلص من المكالمة."
غصبًا صمت ممدوح يتآكل قلبه القلق ويصور له الشيطان.
لما لا تذهب ويحدث ما يحدث.
بينما سريعًا أكمل البقال الحديث عبر الهاتف مع ذاك الشخص الذي سمع حديث ممدوح وذكر عائلة العوامري، بفضول منه سأله.
حاول البقال عدم الإفصاح عن اختفاء ثريا، بينما تفوه الآخر:
"مراتي ممرضة في الوحدة وبتجول إن سراج العوامري هناك ومعاه ثريا اللي كانت متجوزة ابن عمته."
إندهش البقال قائلاً باستفسار:
"إنت متأكد من حديثك ده؟ ثريا مع سراج في الوحدة، طب ليه؟"
أجابه الآخر:
"معرفش، مراتي من شوية كنت بسألها هتعود إمتى، وجالت لي كده وبس، وكمان طلبت مني شوية مستلزمات للدار وعشان كده بتصل عليك عشان إنت بتبيع أرخص."
أغلق البقال الهاتف.
ونظر نحو ممدوح ونجية التي وقفت باستغاثة تسأله:
"مين اللي كان بيتكلم معاك، أنا سمعتك بتقول ثريا وسراج."
بهدوء قال لها ما أخبره له ذاك الشخص.
سريعًا كاد يذهب ممدوح، لكن تشبثت به نجية قائلة:
"خدني معاك يا ولدي."
برأفة منه احتوى يدها وذهبا الاثنين إلى الوحدة.
تنهد البقال قائلاً:
"ربنا يطمن قلوبهم، والله نظرتي في ممدوح اتغيرت، طلع راجل."
تبسمت رغد وهي تؤمن على دعاء والدها، تشعر بمشاعر صافية نحو ممدوح الذي يظهر عكس شخصيته الحقيقية، أنه غير مبالي بما يحدث حوله.
بعد قليل
بالوحدة الصحية
مازال عقل سراج غير مستوعب لما حدث، يلوم عقله كيف وصل به الدناءة لهذا الحد، لم يحسب أن يصل إلى هذا المستوى ولا تلك النتيجة.
لا يعلم لماذا يظل معها بالغرفة، لما لم يغادر ويخبر الوحدة بذويها وتنتهي الليلة.
بالفعل وقف حين فُتح باب الغرفة ودخلت نجية خلفها ممدوح الذي نظر إلى سراج باستحقار ثم ذهب نحوه غير مباليًا:
"أختي فيها إيه يا سراج، متفكرش إني هسكت على قذارة عيلة العوامري."
نفض سراج يدي ممدوح ونظر إلى نجية التي اقتربت من فراش ثريا تبكي وهي تراها ممددة هكذا بوجهها الشاحب وضماد رأسها.
كاد أن يتواشق سراج ويلقن ممدوح درسًا لا بأس به بسبب سبه لعائلة العوامري، لكن ارتأف قلبه حين سمع قول نجية باستجداء وهي تقبل وجنة ثريا بدون قصد منها:
"اصحي يا روحي عملوا فيكِ إيه تاني منهم لله، ربنا ينتقم منهم... قولت لك تغور الأرض وابعدي عن شرهم... كفاية اللي حصل لك قبل كده."
لم يفهم قول نجية ماذا ومن تقصد.
هل تقصد عائلة العوامري؟ هو حقًا المسؤول عن ما حدث لها الليلة، لكن ماذا حدث سابقًا ولماذا قالت تلك السيدة ذلك.
مازال ممدوح يحاول التهجم على سراج لكن تدخل حارس الوحدة وعامل آخر وطلبوا من سراج المغادرة منعًا للاشتباك وإثارة مشاكل في غنى عنها.
امتثل لذلك وغادر متعسفًا.
يشعر بغضب عارم.
بعد قليل دخل إلى دار والده.
تقابل مع آدم الذي انخص بسبب الدماء على ملابسه سائلًا بقلق:
"سراج إيه الدم اللي على هدومك؟ دم؟ إنت كويس."
أجابه سراج:
"أنا بخير، هطلع آخد دُش وأقلع الهدوم دي، تصبح على خير."
تنهد آدم بارتياح، قائلاً:
"الحمد لله، بس إيه سبب الدم ده."
أجابه بضجر:
"بعدين."
امتثل آدم قائلاً:
"سراج في موضوع خاص بيا كنت عاوز أكلمك فيه."
تركه سراج يصعد السلم قائلاً:
"بعدين يا آدم، أنا مصدع ومحتاج أرتاح."
امتثل آدم، رغم فضوله معرفة سبب تلك الدماء.
بينما صعد سراج إلى غرفته توجه نحو حمام الغرفة مباشرة خلع ثيابه وفتح صنبور المياه وقف أسفلها يعيد عقله ما حدث منذ رؤيته لـ ثريا اليوم، إلى قبل دقائق وحديث والدتها المبهم.
يشعر بتشتت في عقله.
أغلق صنبور المياه وجذب منشفة لكن قبل أن يخرج من الحمام وقع بصره على ملابسه الملوثة بدماء ثريا.
من تلك؟
ترك النظر للملابس، وخرج من الحمام ذهب نحو فراشه وإرتَمى بجسده عليه يشعر كأنه بإعصار.
أغمض عينيه سريعًا ما غفي.
فجأة انقشعت الغيوم وسطعت الشمس.
ظهرت معها حورية مُضوية تجذبه لها بإشارة منها.
إقترب منها يخفق قلبه، أصبحت خطوة بينهم.
عاودت بعض الغيوم تكاد تقترب منها، شعر بلهفة، جذبها عليه، ينظر لشفتيها يشعر بإحساس خاص لأول مرة يتوغل منه، يريد تذوق شفتيها وتقبيلها.
إقترب بوجهه إختلطت أنفاسه معها، أغمض عينيه لوهلة ثم فتحهما وعاود النظر إلى شِفاها.
بلا شعور منها رفع يده يجذب رأسها يحتوي شفتيها بين شفتيه بقُبلة شغف واجتياح.
ترك شِفاها وسارت رغبة أخرى تؤرق جسده لأول مرة يتملكه ذاك الشعور الخاص.
ضمها قويًا يديه تكاد تخترقها للحظات يحتويها.
عاود يُقبلها مرة ومرات بإحساس مُتملك منه.
ترك شفاها وأغمض عيناه مُنتشيًا ثم فتحهما يود رؤية بقية ملامحها.
لكن فجأة حجظت عيناه حين وقع بصره على ملامح وجهها، وكأن عُقد لسانه عن الحديث، بصعوبة نطق.
"ثريا"
"مستحيل!"
رفض عقله ذلك وفتح عينيه بسرعة رافضًا عقله ذلك.
نظر حوله كانت الغرفة مُظلمة لا يوجد بها أي أثر لضوء.
نهض من فوق الفراش مثل الملسوع.
ذهب نحو ذاك الشباك الزجاجي الذي بالغرفة أزاح الستائر ونظر للخارج كانت الشمس تبعث نورها الأول.
فتح ذاك الزجاج كي يشعر بنسمة هواء ترطب حرارة جسده، فعمله السابق بالصحاري جعله لا يستهوي تكييفات ومبردات الهواء.
صدمت نسمة لطيفة صدره، لكن مازال عقله شبه تائه ولائم.
صباحً
ما أسهل أن تتنقل كلمات تشتعل بأقاويل تنتشر سريعًا بين الألسنة تزداد لهيبًا فوق لهيبها.
إخبار الممرضة لزوجها صاحب دكان الأعلاف زاد في نشر ما حقيقة زائفة لما حدث بالأمس.
أظهر سراج أنه البطل الذي حمى عرض أرملة ابن عمته.
كذلك غيرته عليها من الطبيب كما فسرت الممرضة وتوقعت أن هذا السراج يحمل مشاعر لـ ثريا وأنها من حقه والأولى بها.
أكاذيب، وأكاذيب، وما أسهل انطلاق أكاذيب يصدقها الناس ويفسرها حسب أهوائهم.
......... ...
بالوحدة الصحية
فتحت ثريا عينيها تشعر بآلم طفيف برأسها.
نظرت حولها، تفاجئت بوالدتها كذالك خالتها اللتان اقتربا منها بلهفة سائلتان:
"ثريا إنت فوقتي أخيرًا."
تحدثت بخفوت:
"أنا فين؟"
اجابتها نجيه:
"إنتِ في الوحدة الصحية."
شعرت ثريا بصداع وهي تتذكر آخر ما فعلته هو ضرب ذاك المجرم، ماذا حدث لها بعد ذلك لا تتذكر.
سألتها سعديه:
"مين اللي ضربك على راسك؟"
ضيقت ثريا عينيها تحاول تذكر لكن صمتت.
إقترب منها ممدوح، رغم تلك الثورة بقلبه لكن ادعى البرود قائلاً بقصد:
"البلد كلها ملهاش سيرة غير عن شهامة سراج العوامري، هو اللي أنقذك من اللي كان بيعترض طريقك وكان هيغتصبك."
إتسعت عين ثريا غير مصدقة لذلك.
بدار العوامري
طرقت إحدى الخادمات على باب غرفة سراج، وإنتظرت حتى فتح لها وقفت امامه باحترام قائلة:
"سراج بيه الملف ده بعته المحامي، وجال إن ده المستندات اللي كنت طلبتها منه."
أخذ منها الملف واومأ لها بالمغادرة.
أغلق خلفها الباب، وذهب يجلس على أحد المقاعد يضع ساق فوق أخرى، يقرأ تلك الوثائق الموجودة بالملف.
ذُهل من محتواها في البداية، لكن سرعان ما تهكم.
جذب هاتفه وقام باتصال أجابه الآخر سريعًا سأله:
"إنت متأكد من كشف الحساب اللي إنت بعته ليا ده، معقول ثريا معاها المبلغ ده كله في البنك."
أجابه المحامي:
"أيوه المرحوم غيث كان فتح الحساب ده لـ مدام ثريا قبل ما يتجوز منها، وحول لها مبلغ قبل الجواز، ومبلغ تاني تم تحويله بعد الجواز، عندك تواريخ الإيداع."
تفهم سراج وسأله وإنت متأكد إن ثريا عندها علم بالحساب ده.
أجابه بتوضيح:
"أيوه عندها علم لأن مذكور عندك إن اللي فتح الحساب ده في البنك هي بنفسها، واللي حول الأموال على الحساب كان غيث بيه الله يرحمه وأكيد كان بيعرفها بده."
شعر سراج بضيق قائلاً:
"تمام، لو احتاجت لمعلومات تانية هكلمك."
أغلق سراج الهاتف، وتنهد بقوة غاضبًا يقرأ قيمة ذاك المبلغ الضخم الموجود برصيدها.
يبدو أنه أمام محتالة كما وصفتها عمته ولاء.
ثريا بهذا المبلغ المثبت بالمستندات أخذت ميراثً.
"أضعاف حقها الشرعي".
رواية سراج الثريا الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامه
عشرة أيام مرت، وما زالت إشاعة شهامة سراج هي حديث البلدة، وسط تكهنات بمن يكون ذاك الوضيع مجهول الهوية، ولماذا لم يُفصح عنه؟
البعض يُخمن أن سراج انشغل بإنقاذها، مما أعطى فرصة للمجرم بالهرب. والبعض الآخر يظن أن سراج متحفظ عليه وسيعاقبه هو بالنهاية. وتكهنات أخرى للقلائل أن خلف ذلك عائلة العوامري نفسها، لكن لا يستطيعون البوح بذلك، أو ليس من شأنهم الاهتمام بما لا يخصهم.
بدار عمران العوامري
غرفة آدم
كعادته، يستيقظ مبكرًا. فتح شرفة غرفته يسمح لتلك النسمات الرطبة أن تدلف إلى غرفته. يملأ صدره بهواء البدرية، ينتعش من تلك النسمات الصيفية الحنونة. يشعر كأن تلك النسمات مثل لمسات الأم فوق خصلات طفلها، أو هكذا يعتقد. شعر بنسمات الهواء تتخلل بين خصلات شعره. تنهد وهو يرى تلك الجوناء تبدد بضيائها بقايا الظلام، كأن أشعتها مثل السهام ورؤوسها تلك الثريات. منظر مهيب لا وصف له، نور بسيط يجعل الظلام يختفي رويدًا رويدًا. تفسيره التلقائي هذا هو الأمل.
تنفس بأمل يعيش به دائمًا، أن اليوم أفضل من الأمس، وحتى الغد. بعد ذاك الحادث الذي مر به وهو صغير، علمه أن يحيا يومًا بيوم، ويتطلع أن الغد بعلم الغيب سيكون مثل اليوم وأفضل. رأى ذاك الطير الليلي المشؤوم، كما يطلق عليه، يقف على أحد فروع الأشجار. يبدو أن ضوء الشمس بدأ يزعجه، فرد جناحيه وطار عائدًا لمسكنه بين الشقوق، حتى يعود الظلام وينطلق. استنشق الهواء العليل بقوة، ثم ذهب نحو مكتبه الموجود بأحد زوايا غرفته. جلس، يجذب دفترًا وقلمًا، يسرد ما يجش بعقله، يكتبه بيده. يكتب عن تلك الجوناء كأنها إله يهب الحياة.
لاحت أمامه عينا معشوته القريبة البعيدة. طال الوقت منذ أن تقابلا لأول مرة. صدفة؟ لا، لم تكن صدفة، بل قدر مرسوم أن يعشق المعاق تلك الرقيقة المذبذبة الشخصية. تضاد بينهما جذبهما. هو رغم إعاقته، مقدام غير متخاذل. هي رغم تنور عقلها، ما زالت مقيدة، تخشى سطوة والدها المتجبر والمتتحكم. يشعر أنها مقيدة بأسوار زجاجية سهل كسرها، لكن ليس لديها رغبة، أو بمعني أصح، إرادة لكسر ذاك الزجاج المعتم وتنطلق معه تحلق نحو نور الحرية. سطر بعض الأسطر بكلمات عن حكاية بطلتها متمردة تسعى نحو النور، رغم جناحيها الضعيفان، لكن تقاوم شدة التيار. من تلك المتمردة؟ لا يعلم. ربما يود أن تكون حبيبته الحبيسة وتتحرر من استكانتها وتعلن العصيان.
خط بيديه حكاية عشق الفارس المغوار الذي غامر سعيًا للوصول إلى قصر الجميلة العنيدة صعبة المنال، وانتزعها من بين الأسوار العالية لتسكن بين ضلوعه. يكتب آخر جملة قبل أن يغلق الدفتر: "لا يليق بالعاشق إلا أن يكون صبورًا".
بغرفة سراج
كعادته العسكرية، تعود على الاستيقاظ مبكرًا. فتح عينيه يتمطى، ثم نهض من فوق الفراش. ذهب نحو شباك الغرفة الزجاجي، أزاح الستائر، رأى الإشراق ينبعث. لحظات وقف، ثم استلقى أرضًا يقوم ببعض التمرينات الرياضية، ينشط جسده، ثم نهض نحو مرحاض الغرفة، أنعش جسده بحمام بارد، ثم خرج.
بنفس الوقت، دق هاتفه بصوت رسالة. ذهب نحوه كي يعلم هوية ومحتوى الرسالة. نظر إلى الشاشة، زفر نفسه بمجرد معرفة هوية من المتصل. لوهلة تغاضى عن معرفة محتوى الرسالة الذي ربما يعلمه، لكن دفعه الفضول فقط.
قرأ نص الرسالة بنبرة سخرية وتهكم: "حبيبي وحشتني".
التوت شفتاه ببسمة سخرية وجمود. وكاد يحذف الرسالة، لكن بنفس اللحظة صدح رنين الهاتف. زفر نفسه بجمود واتخذ قرارًا بعدم الرد، لكن بسبب إلحاح الرنين، وعدم اهتمامه، أغلق الرنين وبعث رسالة مختصرة: "مش فاضي".
جاءه الرد برجاء وتوسل: "نتكلم دقيقتين بس مش هعطلك".
ببرود تنهد، وحين عاود الهاتف الرنين، قام بالرد يسمع دون حديث. ثم تنهد باقتضاب قائلًا: "الدقيقتين خلصوا، وسبق قولتلك مش فاضي".
لم ينتظر وأغلق الهاتف وألقاه فوق الفراش بضجر، ثم جلس على حرف الفراش يمد نصف جسده للأمام، يضع وجهه بين راحتي يديه، يفكر فيما يشغل عقله. بعد أن كان يذم نفسه على ما فعله بثريا، وذاك الموقف السخيف الذي اضطر إليه رغمًا عنه ضد مبادئه، كذلك تلك الإشاعة الكاذبة. فكر بذاك الحلم السخيف الذي رأى نفسه يقبلها. فكر، زفر نفسه بجمود، منذ متى تحكمت رغبته كرجل به. بحكم عمله بالجيش، تعلم كبت مشاعره، بل وجعلها متبلدة. وتلك المحتالة آخر امرأة قد يفكر فيها كامرأة. أقنعه عقله: ليست رغبة، بل غضب منه عليها. تستحق ما ينوي عليه من غضب. سراج كان كامنًا، لكن بلحظة عاصفة هي أيقظته، ولن يهدأ قبل أن يغرقها بثورانه.
نهض واقفًا وحسم قراره المتحكم. ذهب نحو دولاب الملابس. تألق بزي عصري وسترة صيفية. شمر عن ساعديه، ثم وقف ينثر عطره المفضل الذي كان نسي رائحته منذ سنوات. لوهلة وقف ينظر لانعكاسه بالمرآة. وسخط من نفسه. تعود على الزي العسكري الذي أصبح مثل جلد آخر له. تنهد بأسف، ثم لم يهتم وغادر الغرفة، يبتسم بترقب. بالتأكيد يتوقع رد فعل والده حين يخبره بما عزم عليه.
بمنزل ثريا
انتهت من ارتداء ثياب ملائمة بسيطة ومرتبة بأناقة دون تكلف، وخرجت من الغرفة. تقابلت مع والدتها التي تقوم بتنظيف المنزل، التي وقفت تنظر لها سائلة: "رايحة فين دلوك يا ثريا؟".
وضعت ثريا حقيبة يدها الصغيرة على كتفها الأيسر وأجابتها: "رايحة المحكمة، في زبونة هتعملي توكيل في قضية".
شهقت نجية قائلة: "وجضية إيه دي اللي هتروحي عشانها المحكمة؟ إنتِ لسه الجرح في راسك ملتأمش، وناسية الدكتور قال إن بلاش تتعرضي للإجهاد. الخبطة اللي في دماغك مكنتش شوية. سبحان من نجاكي. لو ما كانش سراج العوامري..."
قاطعتها ثريا بنهي: "بلاش سيرة شهامة سراج العوامري، لأن الصفة دي عمرها ما كانت في أي بني آدم من عيلة العوامري. ومتقلقيش، أنا بقيت زينة. وكمان مش هتأخر، يادوب مسافة السكة وعمل التوكيل. هتوكل على الله. الست زمانها وصلت المحكمة".
غادرت ثريا دون الاهتمام بشيء. لديها يقين أن ما حدث لم ينتهِ، وبالتأكيد ما زال وسيظل هناك محاولات أخرى لإخضاعها وجبرها على بيع قطعة الأرض تلك.
بينما تنهدت نجيه بقلق أصبح يحاوط قلبها على ثريا. ثريا التي كانت فتاة وديعة تحولت إلى امرأة لا تهاب شيئًا. قسى قلبها وتبدل للنقيض، لم تعد تهاب من شيء.
ذهبت ثريا نحو موقف سيارات البلدة. توقفت حين سمعت صوت رنين هاتفها الخاص. أخرجته من الحقيبة ونظرت له، كان رقمًا شبهت عليه.
قامت بفتح الاتصال، كما توقفت هوية ذاك المتصل. سمعت لحديثه بعد أن عرف نفسه أنه مدير ذاك البنك التي ذهبت إليه قبل سنوات: "أستاذة ثريا، حضرتك في مشكلة خاصة بحسابك عندنا هنا في البنك، ممكن تشرفينا عشر دقايق نحل المشكلة".
زفرت بحنق سائلة: "إيه هي المشكلة دي؟ ممكن تقولي عليها".
أجابها بدبلوماسية: "حضرتك مش هينفع نتكلم عال موبايل. مشكلة بسيطة ومش هتاخد من وقتك كتير".
تنهدت بامتثال: "تمام. الساعة اتناشر هكون عندك في البنك".
أغلقت الهاتف، وقفت للحظات تزفر نفسها بضجر. نظرت إلى إحدى سيارات الأجرة، ثم سارت نحوها. صعدت تجلس على أحد المقاعد المجاورة لأحد شبابيك السيارة.
شعرت ببعض الحرارة تغزو جسدها. فتحت ذاك الشباك، دلف هواء ساخن لكن رطب. تلك الحرارة التي تتأجج بقلبها وجسدها. أغمضت عينيها لوهلة. سرعان ما فتحتها خشيت من هطول تلك الدمعة التي تكونت بعينيها. وذكرى بداية طريقها البائس بين أنياب ثعلب قذر ومخادع. ظنت في البداية أن الحياة قد صفحت عن بؤسها السابق. لم تكن ترغب بأموال ولا شيء. موافقتها على الزواج من غيث كانت بحثًا عن سند تستطيع الاتكاء عليه وتحتمي به من غدرات الزمن. لكن هو كان ثعلبًا. رسم الفخ للدجاجة بإجادة.
تذكرت ذاك اليوم.
[قبل ثلاث سنوات تقريبًا]
تبسمت حين سمعت رنين هاتفها. كانت تقوم بتنظيف المنزل. تركت ما كانت تفعله وهرولت بقلب فتاة بسيطة نحو مكان هاتفها. سرعان ما ردت بعد أن وجدت اسم "غيث".
سمعت منه بعض كلمات الغزل دون تطاول منه. كان جيدًا في الخداع.
ثم قال لها: "عشر دقايق تكوني جاهزة، همُر عليكِ أخدك ونروح مشوار".
سألته باستفسار: "هنروح فين؟".
أجابها بمكر عاشق كاذب: "هخطفك ساعة بس، مفاجأة هتعجبك أوي. يلا يا حبيبتي، قدامك عشر دقايق بس وهتلاقيني بضرب على تنبيه العربية. ولو اتأخرتي أكتر، مش هبطل إزعاج للمنطقة".
تبسمت بانشراح قائلة: "لاء وعلى إيه، هلبس بسرعة".
تبسم بمكر سائلًا بوقاحة، أحيانًا يتعمدها كي يتلاعب بمشاعرها البريئة والمتعطشة لكلمات فقط تطرب قلبها.
أنهى الاتصال. تنبهت على نفسها سريعًا. ثم ذهبت إلى تلك الغرفة التي تشاركها مع والدتها بذاك المنزل الصغير. مكون من طابق واحد بثلاث غرف صغيرة جدًا. أكبر غرفة بالكاد تأخذ الفراش ودولاب صغير وممر صغير بينهم. كذلك ردة صغيرة. نظرت نحو مرآة بأحد ضلف الدولاب. نظرت إلى وجهها المحتقن بالدماء خجلًا تشعر به. قلبها الذي ينتفض بين ضلوعها. تنبهت سريعًا بدلت ثيابها بأخرى مناسبة لها، ليست شديدة الأناقة لكن ملائمة للخروج.
فعلًا، قبل عشر دقائق سمعت صوت تنبيه سيارة غيث. خفق قلبها بشدة. خرجت من الغرفة تقابلت مع سعدية التي دخلت للتو. نظرت إلى ثريا سائلة: "رايحة فين؟".
تبسمت لها بعين لامعة بالخجل: "غيث بره يا خالتي... خارجين سوا".
شهقت سعدية قائلة: "خارجين لوحدكم كده؟ استني هتصل على فاروق ابني يجي معاكِ".
نظرت لها نجية قائلة: "فاروق إيه يا سعدية اللي يروح معاهم؟ إنتِ ناسيه إن غيث وثريا مكتوب كتابهم، يعني مراته. روحي يا ثريا، غيث مش مبطل صوت زمارة العربية".
انطلقت ثريا للخارج. بينما نظرت سعدية لنجية لائمة: "ولو حتى لو كاتب كتابها، المفروض برضك يبقى في حدود شوية، لحد ما يتجوزا وتروح داره. لكن خروج كده عيب. كمان أنا جلبي مش بيرتاح للي اسمه غيث ده، حاساه منافق قوي".
تهكمت نجيه: "وإنتِ من ميتى جلبي بيرتاح لحد يا سعدية؟ وخلاص كلها كم يوم ويتجوزوا. كمان ثريا مش صغيرة وتعرف إيه العيب ومهتعملوش واصل".
تهكمت سعدية ساخطة، تهمس لنفسها: "ثريا مش صغيرة، بس جلبي محتاج، لساه بيحلم".
بينما خرجت ثريا، توجهت نحو سيارة غيث الذي رغم أنه رأى خروجها من المنزل، لكن ما زال يدق على تنبيه السيارة، مزحًا منه. ركضت سريعًا فتحت باب السيارة وصعدت مبتسمة تقول بمرح: "كفاية كده، الناس هتجول إيه".
نظر نحوها بعين ثعلبية وترك جهاز التنبيه، مد يده جذب يدها وبمكر قبلها. ثم نظر إلى وجهها يزداد قلبه شغفًا بنيلها الآن وهي متوردة الوجه بهذا الخجل. كادت تغيب عن الوعي وهو يقترب بوجهه منها، أنفاسه قريبة من وجنتها. لكن انتبهت حين أخطأ وضغط بيده على جهاز تنبيه السيارة. أعادها للواقع. سحبت يدها وعادت برأسها تتكئ على مسند المقعد سائلة بخفوت: "جولي هنروح فين؟".
تنهد بشبه نرفزة واحتقنت ملامحه قائلًا: "مفاجأة. أما نوصل هتعرفي".
قاد السيارة يتساير معها بأحاديث يتعمد أن يتلاعب بقلبها العطش، كأنه يعلم ما ينقصها ويحاول اللعب به على مشاعرها.
كانت تخجل من حديثه ونظرات عينيه وتصمت... إلى أن توقف بالسيارة بعد قليل.
قائلًا: "وصلنا بسرعة، كان نفسي الطريق يطول".
نظرت إلى خارج السيارة تستعلم المكان. كانت السيارة واقفة أمام بمنطقة بها بعض البنايات، كذلك أحد البنوك.
ترجل من السيارة قائلًا: "يلا انزلي".
سألته بترقب: "هنروح فين هنا؟ المنطقة كلها عمارات خاصة".
توجه لناحيتها وفتح باب السيارة، أمسك يدها وجذبها قائلًا: "مش شايفة البنك ده؟ يلا انزلي بلاش تضيعي وجت... المدير في انتظارنا".
دون فهم، ترجلت من السيارة وذهبت معه إلى أن دخلا إلى غرفة مدير البنك الذي رحب به. بالطبع، فهو معروف بسبب سيطرة عائلة العوامري.
وجهها للجلوس على أحد المقاعد، ثم جلس مبتسمًا بتعالي يضع ساق فوق أخرى. ونظر إلى مدير البنك الذي تنحنح قائلًا: "كل اللي طلبته يا غيث بيه جاهز على إمضة الأستاذة".
ما زالت لا تفهم شيئًا. إلى أن وضعت السكرتيرة تلك الأوراق أمامها. نظرت لها، ثم نظرت إلى غيث مستفسرة: "أمضي على إيه؟".
نظر لها ونهض مبتسمًا وانحنى هامسًا بنبرة أمر: "ده أوراق فتح حساب في البنك باسمك".
اندهشت سائلة: "حساب باسمي أنا؟ بس أنا.....".
قاطعها بأمر وبصوت أجش ناعم في نفس الوقت: "حبيبتي أمضي عال أوراق".
كأنه كان ساحرًا. بتلقائية منها، قامت بالإمضاء على تلك الأوراق التي لحسن حظها قرأتها بعجالة منها، وهي تبحث عن مكان وضع إمضائها.
[عودة للحاضر]
شعرت بتوقف سيارة الأجرة.
عادت من تلك الذكرى، تهكمت على نفسها بسخط، كيف كانت ساذجة إلى هذا الحد وصدقت كذب وادعاء غيث. تنهدت تخبر عقلها: "كم كنتِ ساذجة، وهو كان مخادعًا جيد، لا بل بامتياز".
بدار عمران العوامري
غرفته هو وزوجته التي كانت تجلس أسفل قدميه تقوم بتدليكهما بالماء والملح، حين سمع نهضت حين سمع صوت طرق على باب الغرفة. أخرج قدميه من الماء قائلًا بجفاء: "كفاية كده".
جذبت تلك المنشفة التي كانت على أحد كتفيها ونشفت له قدميه. تأفف قائلًا: "بلاه عالعوج عالصبح، روحي افتحي باب الأوضة".
فتحت الباب ورسمت بسمة. بينما تنحنح سراج الواقف على جانب الباب قائلًا: "صباح الخير، أبوي صاحي".
أومأت له بود. بينما تحدث عمران من الداخل قائلًا: "إيوة صاحي، إدلى (ادخل) يا سراج".
ثم أمر زوجته قائلًا: "انزلي جهزي الفطور".
أومأت له وغادرت. بينما دلف سراج إلى غرفة والده الذي نظر له بفخر قائلًا بمدح:
"تعالى يا سراج، رفعت راس العيلة. البلد كلها ملهاش سيرة غير عن شهامتك وعن إنك أنقذت بت الحناوي من المجرم اللي كان هيغتصبها. بالتوكيد بعد كده مش بعيد تمضي لك على الأرض بتاعتها اعتراف بجميلك عليها. كانت ضربة معلم منك. بكده اطمنت إن سيرة شهامة عيلة العوامري هتبقى على كل لسان في خط قبلي كله".
بداخله استهزأ من مدح وفخر والده وتيقن أن ما فعله كان صحيحًا. تزيف حقيقة أسهل شيء. من ظهر أمام الناس أنه حامي العرض هو من هدد بسلبه. لولا أن بدلت هي الحقيقة وخالفت توقعه.
نظر لوالده قائلًا: "أنا قررت أتجوز من ثريا الحناوي".
بمنزل مجدي السعداوي
وضعت حنان الطبق الذي كان بيدها فوق طاولة الطعام، ثم جلست هي ووالدتها بعد أن انتهين من وضع جميع الأطباق، وجلوس مجدي يترأس الطاولة يمد يديه يتناول الطعام.
ثم تنحنح سائلًا ولده: "إنت مش بتروح المحلج ليه تساعد حفظي ولد عمك؟".
رد عليه: "إنت عارف يا أبوي إني السنة دي في الثانوية العامة والدروس خلاص بدأت".
تنهد بشبه نرفزة قائلًا: "والدروس اليوم كله".
ردت زوجته: "ده بيطلع من صباحية ربنا يرجع عشيه هلكان".
تهكم مجدي قائلًا: "خليكِ كده طبطبي عليه لحد ما يفسد. أنا عاوزاه يتعلم من حفظي الشغل ويبقى إيده اليمين".
تفوهت وليتها ما تحدثت حنان: "يا أبوي اخوي نفسه يدخل كلية التجارة عشان كده يبقى يمسك الحسابات بتاع المحلج، إنما مالوش في شغل التنفيه والشيل والحط".
تهكم مجدي بغضب قائلًا: "كان عينكم محامين عنه، وإنت كمان ما عارف إيه الحظ ده؟ كل ما أتفق أنا واخوي على ميعاد للخطوبة تحصل حاجة تأجل الموضوع. آخرها العميل اللي بنشتغل معاه في مصر بيقول إن البضاعة اللي وصلت له ناقصة. أهو حفظي راح يتأكد بنفسه، ولما يرجع مش هننتظر بس إياك النحس يتفك".
خفق قلب حنان بهلع وهي تدعي بقلبها أن يستطيع آدم إقناع والدها بإتمام زواجهم، والتخلي عن تلك الفكرة المترسخة برأس والدها. فالموت أفضل لها من الزواج بذاك الوقح حفظي الذي لا يمتلك أي أخلاق.
بمنزل زوج ولاء
كهلًا يحضن صورة بإطار أسود.
تبكي عيناه بغزارة ونحيب يشبه ندب النساء في المآتم.
يتمعن النظر إلى الصورة لذاك الشاب اليافع ذو التسعة عشر عام. كان يرتدي معطفًا طبيًا. أمنية حياته تحققت أن يدرس الطب. كان متفوقًا عن حق، كان على خلق. لا يعلم كيف انحرف بتيار السموم البيضاء "المخدرات" وأدمنها، لتؤدي إلى وفاته بجرعة زائدة من تلك السموم. أنهت الأمل باكرًا. ولده الوحيد أهلكته السموم. كيف وصلت إليه؟ هو كان مستقيمًا عكس ذلك.
نحيب وندب. أشعل الغضب والضجر بقلب تلك الجاحدة التي دخلت إلى تلك الغرفة الخاصة بابن زوجها الذي رحل قبل سنوات. احتقنت ملامحها بجمود وتفوهت بجحود: "هنفضل كده لحد ميتي؟ إنت كده بتعذبه في قبره... حافظ على منظرك قدام الخدامين لما يسمعوك بتنوح كده كيف الحريم بالعزا".
رفع عيناه عن تلك الصورة ورمقها بعذاب قائلًا: "ولدي الوحيد مستكترة إني أحزن عليه".
تفوهت بضجر: "حاسة إن عقلك هيخف عن قريب. ولدك بقى له أكتر من ست سنين ميت. كفاية كده، أنا زهجت من النكد اللي بصحى عليه كل يوم وكفاية نواح. النهاردة يلا، فيه مشكلة في محلج الكتان اللي هنا، وعمران قالي إنت اللي هتحل المشكلة دي".
علق تلك الصورة على الحائط وهو ما زال يشعر بعذاب قلبه، ممتثلًا لأمرها وجفف دموع عينيه بمحرمة من القماش، ثم خرج من الغرفة. بينما هي زفرت نفسها بضجر وتفوهت بجحود قائلة: "كأن الحظ العفش مهيخليش عني واصل.. جاب معاه النكد كمان".
بمركز الشباب
بصالة التدريب، كان جسار يحمل حقيبة ملابس على كتفيه يناشد الأشبال قائلًا: "يومين أجازة، عاوز أرجع ألقاكم وحوش وتسمعوا لإرشادات الكابتن إيمان. ممنوع المشاغبات والمناوشات".
تبسموا له باحترام. سار بضع خطوات.
بنفس الوقت، تصادف دخول إيمان إلى الصالة. توقفت قبل أن تصطدم به.
تبسم لها بمودة قائلًا: "أهلًا يا كابتن إيمان، كويس إني اتقابلت معاك قبل ما أمشي".
لوهلة انفرجت ملامحها وقالت: "إنت خلاص هتمشي من النادي؟ اتنقلت منه؟".
ضحك قائلًا: "للأسف لأ، أنا واخد أجازة يومين، هروح أزور أهلي وراجع تاني بسرعة. ما كنتش أعرف إن وجودي هنا مضايقك أوي كده، إنك تتمني أتنقل من هنا، وأنا مكملتش حتى شهر".
شعور بداخلها لا تعلمه. تود أن يرحل وتنفرد هي بالتدريب كما كانت قبل أن يأتي. وشعور آخر لا تتمنى ذلك. مشاعر مذبذبة لأول مرة بحياتها تشعر بذلك. رغم أنها كانت دائمًا لا تشعر بالحيرة في مشاعرها ولا قراراتها.
بينما جسار يشعر بسعادة لا يعلم سببها حين يشاغب إيمان. سرعان ما تنبه على وقفتهم قائلًا بغطرسة: "على العموم، قدامك يومين تدريب مع أشبال النادي. أتمنى لما أرجع ملقاش الفورمة بتاعتهم نزلت، لأن خلاص تصفيات القطاعات وبعدها الجمهورية هتبدأ قريب. ومدير المركز بيقولي إنه نفسه أشبال النادي يشرفوه في التصفيات دي ويوصلوا لمراكز متقدمة. واضح إن فيه شيء ناقص في التمرين بيخليهم مش بيوصلوا لمراكز في التصفيات دي، يخرجوا من الجولات الأولى".
نظرت له بغضب وتبدلت مشاعرها. هي لا تود رؤيته الآن، ليته يختفي أفضل من أن تصفعه بفمه. لوهلة سرح خيالها وظنت أنها فعلت ذلك ولقنته مجموعة ضربات بوجهه جعلت أنفه وفمه السليط ينزف وترا ضحكات الأطفال عليه وهو مسجى أرضًا. لكن كانت أوهام تمنتها. وهي تعود للواقع بعد أن سمعت طرقعة أصابعه أمام وجهه قائلًا:
"روحتِ فين يا كابتن؟ على العموم، للأسف أنا مرتبط بميعاد للقطر ولازم أمشي عشان ألحقه. عيلتي عارفة إني هروح لهم النهارده ولو اتأخرت أكتر من كده هيفوتني القطر. وبصراحة أنا مشتاق لهم أوي. يلا سلام، الأشبال أمانة في إيديكي، حافظي على مستواهم الفني".
لم ينتظر ردها. هو يحب إثارة غضبها، ونجح في ذلك وغادر ضاحكًا. بينما هي ظلت متسمرة للحظات قبل أن تنظر نحو خروجه من قاعة التدريب وترمقه بغضب جامح، وهو يرفع يده يشير لها بالوداع. زفرت نفسها. لكن انتبهت حين شعرت بنظرات الأشبال لها، وتلك البسمة على وجوههم. نظرت لهم بغضب قائلة بتعسف: "الفريق كله ينزل تمارين ضغط. ألف تمرين، أما أشوف درجة تحمل مستواكم الفني".
نظر لها الأشبال بعد أن كانوا يبتسمون. اختفت البسمة واقتربوا منها يحاوطوها بتوسل أن هذا كثير عليهم. رفقت بهم وهي تنفض غطرسة ذاك المتعالي، وأومأت لهم بموافقة قائلة: "تمام، بلاش ألف... خليهم النص".
ما زالوا مدهوشين يتوسلون. لكن هي ابتعدت عنهم بحسم قائلة: "يلا دقيقة هروح أغير هدومي وأرجع ونبدأ التمارين. واللي مش هيلتزم بيه هخليه ياخد التراك حوالين النادي جري خمسين مرة".
بشقة قابيل العوامري
دلف إيناس تحمل صينية الفطور، وضعتها على طاولة مستديرة بالغرفة. نظرت نحو الفراش وتنهدت بعشق.
رغم أنها حوالي الحادية صباحًا، لكن هو كان ما زال غافيًا بالأحلام بأن ينال ما يشتهيها قلبه حتى لو بالأحلام تشاركه قبلة.
اقتربت منه قلبها يخفق. وضعت شفتيها على وجنتيه ثم قبلت جانب شفتيه تقترب منه بهمسات عاشقة، بينما هو هائم بحلم لذيذ كأنه يشعر بشفاه أخرى هي من تتجول على صفحات وجهه وتقترب من شفتيه. بتلقائية غير واعيًا جذبها يقبل شفتيها مستمتعًا يتلذذ بآنين همسها وهي تكاد تشعر بالاختناق من قسوة قبلته التي أفاقته من غفوته اللذيذة ليكتشف أنها كانت وهمًا. وأخرى يبغضها هي التي تصارع أنفاسها فوق صدره إلى أن هدأت وعاودت النظر له قائلة بعيون تلمع بالرغبة والشوق: "صباح الخير يا حبيبي، أنا لقيتك نعسان مرضتش أصحيك من بدري. جولت إنك راجع وش الصبح، وشكلك كنت تعبان".
تنهد بضجر وهو يعتدل نائمًا على ظهره بداخله غضب. ليت تلك الحمقاء ما أفسدت حلمه، وتركته يستلذ به. نظر لها وهي تضع يديها تداعب صدره بإغراء، ونظرات عينيها تكشف شوقها. يكره ذلك لكن يشعره بهيمته الرجولية عليها. جذبه من رأسها وبتلقائية أصبحت أسفله. لمسات جافة من يديه الخشنة تشعرها بأنوثتها. لحظات يشعر كأنها جارية بل أقل من ذلك. وهو يعطيها ما تبغي. تشعر كأنه عاشق لها وهو بالحقيقة يمقتها بل كاره لها. يلعن حظه اللعين الذي انغمس بقول قديم: "الفتاة لابنة عمها". لعنة أصابته بالزواج. رغم أنها تعشقه وتفعل وتمتثل مع عنفه معها بل وعودها عليه جعلها تدمن ذلك. لكن قلبه مأسور بأخرى. يتذكر تلك الإشاعة الدائرة بالبلدة. كم يبغض سراج أنه اقترب منها وحملها بين يديه. أنفاسها كانت قريبة من صدره. يعلم أن سراج لا تفرق معه، لكن شعر بالغيرة منه. بل وهو من يتوقعون أن ما حدث لها كان تحريضًا من أحد أفراد العوامري. فكر بولاء هي القادرة على فعل ذلك وربما كان الحظ مع سراج وقتها وهو من أنقذها، وظهر أنه الشهم أمامها. لكن لديه يقين أنها لن تعود لمكان طردت منه بقهر وتعسف.
انتهت لحظات الغرام مع تلك المشتاقة يرا لهاثها وهي تشعر بنشوة وتقترب تضع رأسها فوق صدره حتى هدأت أنفاسها قليلًا ثم قالت: "أنا حامل يا قابيل".
نظر لها يشعر بصدمة ليس وقتها.
بأحد البنوك
رحب مدير البنك بسراج واقترب منه يصافحه بتقدير قائلًا: "البنك نور يا سراج بيه".
تبسم له سراج وصافحه ببساطة قائلًا: "متشكر، وكمان بشكر تعاونك معايا لما طلبت منك خدمة".
تبسم له مدير البنك قائلًا: "عائلة العوامري من أكبر عملاء البنك والتعامل بينا دايمًا كان ومازال ممتاز".
تبسم له سراج رغم شعور غريب بداخله يبغض ذكر "غيث" مرتبطًا باسم ثريا. ثم سأله: "أنا عرفت بالصدفة إن أرملة المرحوم غيث ليها هنا حساب في البنك وفيه مبلغ كبير جدًا. بالتأكيد هو اللي وضع لها المبلغ ده".
أومأ مدير البنك: "ده فعلاً حصل. الحساب ده اتفتح من قبل زفاف المرحوم، ووضع لها كذا مبلغ ورا بعض في فترة صغيرة جدًا".
سأل سراج: "كان بيحول المبالغ من حسابه الشخصي لها؟".
أجابه مدير البنك بتوضيح: "لأ، كان بيجيب المبالغ سايلة ويوضعها في حسابها، وإحنا كنا بنبعت لها إخطارات بك
رواية سراج الثريا الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامه
دفعها بعيدًا عنها كأنها وباء.
وهو يترك لها الفراش، ينظر لها بجمود، تنفخ أوداجه، يزفر أنفاسه غضبًا.
تبدل حالها بعد أن كانت مازالت هائمة بلذة سكرة تلك اللحظات الذي غمرها فيها بالغرام، فاقت على تلك الدفعة القاسية.
نظرت نحوه وهي تسحب دثار الفراش، تبتلع ريقها الذي جف وهو يُعنفها بالقول بفظاظة:
"سبق وأكدت عليك تاخد وسيلة لمنع الحمل."
تعلثمت وهي تُبرر برجفة قلب:
"أنا كنت باخد وسيلة ومعرفش حبلت إزاي، بس الدكتورة جالتلي إن مفيش وسيلة مضمونة ميه في الميه."
نظر لها بسخط قائلًا:
"وسيلة الحمل اللي مش مضمونة ولا عقلك اللي مفكر إنك بالخلفة هتبقي ست الدار هنا. فُوقي يا إيناس، سبق وجلتلك بعد ما ولدتي من سنة ونص إني مش عاوز ولاد تاني دلوقتي قبل خمس سنين... فجأة كده الوسيلة مبجتش مضمونة."
نهضت من فوق الفراش شبه عارية، توجهت نحوه بدلال، تضع يديها على صدره تحاول إثارة مشاعره، ربما تستطيع امتصاص غضبه، وتحدثت بغنج مُبررة:
"ورحمة أخوي غيث الدكتورة جالت كده، وأني بعشقك ونفسي في عيال كتير منك."
ما كان عليها ذكر سيرة أخيها، الذي يبغضه رغم أنهما تشاركا الأخوة بالدم منذ طفولتهما بعد أن أنقذ أحدهما حياة الآخر، لكن هو خدعه وخطف من سقط بعشقها من أمامه كي يُجبر هو على الزواج بتلك الثقيلة على قلبه، يتحمل ارتباطه بها بصعوبة بسبب وعد سخيف منذ الطفولة. لكن حين أصبح شابًا سقط بهوى امرأة أخرى، اختُطفت من أمامه، وليت غيث صانها، بل على يقين أنه دمرها.
نظر لها بجحود وهو ينفض يديها عنه، يبتعد عنها قائلًا بغلاظة:
"وأنا سبق وجلتلك م عاوزش عيال تاني دلوقتي."
"وتمام طالما الدكتورة جالت إن مفيش وسيلة مضمونة ميه بالميه، الحمل لساه في أوله، شوفي طريقة تنزله، وأعتقد مش هتغلبي لو سألتي أمك أو خالتك أكيد عندهم خبرة سابقة."
قال هذا وتركها تسقط أرضًا راكعة على يديها، تضغط بهما على أرضية الغرفة، تنظر في أثره وهو يدخل إلى المرحاض، يرتج بابه بقوة. سالت دموعها قهرًا، لكن لا مانع من رجاء آخر أو وضعه بالأمر الواقع أمام العائلة، ربما يهدأ لاحقًا ويتقبل ذاك الحمل.
***
بالبنك
شعر بالغيظ والغضب من طريقة ثريا الفجة في الحديث أمام مدير البنك، الذي نهض يُرحب بها بحفاوة، بينما هو ظل كما كان جالسًا، بل عن قصد منه وضع ساق فوق أخرى متعاليًا. رمقته بعينيها لوهلة كأن الماضي أمامها وغيث هو من يجلس هكذا، ارتجف قلبها. أغمضت عينيها لوهلة وحايدت النظر نحو سراج. بينما بعد ترحيب المدير بها عاد ناحية مكتبه. تجاهلت ثريا سراج عمدًا، وهي تقترب من مكتب المدير سائله بإستفسار:
"حضرتك اتصلت عليا وجلت في أمر مهم، خير؟ ياريت تجولي بسرعة، لآن وقتي محدود."
إستهزأ سراج بقولها، تُعطي لنفسها أهمية زائدة، بينما بإحترام تفوه المدير:
"الموضوع بسيط مش هياخد وقت، اتفضلي اقعدي يا مدام ثريا."
"مدام ثريا"
شعرت بوجع غائر وعاصر في قلبها من ذاك اللقب الذي اكتسبته من زيجتها بوغد دنيئ وحقير، بالتأكيد ذاك الجالس أقل منه دناءة وحقارة.
كذلك وقع رنين تلك الجملة على عقل سراج، شعر بشعور غريب، ضيق وغضب، ولا يعلم سببًا لذلك، ربما كان الأفضل أن قال لها مثلما قال قبل قليل "أستاذة ثريا".
بمضض جلست ثريا بمقعد مقابل لمقعد سراج، مازالت تُحايد النظر له، مما جعله يشعر بغيظ.
بينما تحدث المدير:
"حضرتك عارفة إن المرحوم غيث بيه، كان حط مبالغ مالية في حسابك الخاص عندنا."
أجابته بتأكيد:
"أيوه عندي علم بده، ياريت تدخل في سبب اتصالك عليا مباشرةً، أنا مش بحب المقدمات."
أومأ المدير قائلًا:
"تمام، حضرتك مسحبتيش من المبلغ ده قبل كده، والبنك كنا بنعمل حصر بالعملاء المميزين اللي حساباتهم فيها مبالغ كبيرة واتضح إننا للأسف سهو علينا نخطر حضرتك بالفوايد اللي انضافت لحساب حضرتك، وعشان كده طلبت حضورك لهنا اعتذارًا عن خطأنا."
فتحت عينيها باتساع مستهزئة، فهذا سبب واهٍ، بل سبب أبلة لاستدعائها، كما أن وجود سراج يؤكد ذلك. نهضت واقفة، تدعي البلاهة وأنها صدقت ذاك العته، وقالت:
"تمام، كان سهل تقولي كده على الموبايل، مكنش له لازمة استدعائي وتعطيلي."
لثاني مرة تُعطي لوقتها أهمية زائدة. ضغط سراج على شفتيه بقوة. نهض المدير مسرعًا يعتذر:
"آسف إن كنت عطلت وقتك، بس في قسيمة إضافة الأرباح لمبلغ حضرتك لازم تمضي عليه، كمان استخرجت لك بطاقة ائتمان بنكية عشان تقدري تصرفي بالمبلغ بتاع حضرتك بسهولة، ثواني هطلع أجيبهم من الموظف المسؤول."
إستغربت ثريا خروج مدير البنك، كان سهلاً أن يطلب ذلك دون الخروج من الغرفة، لكن تيقنت أن سراج السبب في ذلك بعد أن لاحظت إشارة منه لمدير البنك. تهكمت ساخرة.
ثم نظرت إلى سراج سائله بإستهزاء:
"انت كمان أكيد من كبار عملاء البنك، بس أعتقد إن عندك خبر بقيمة أرباحك، كمان عندك بطاقة ائتمان بنكية، بس أكيد في سبب لوجودك هنا دلوقتي أكيد مش صدفة يا سراج."
مجرد نطقها لاسم "سراج" بتلك النبرة التي يشعر بها تقليل منه... يعصبه بشدة ويجعله يتمنى لو يصفعها على لسانها... أو يقتلعه أفضل... لكن أخذ نفسًا طويلًا... حتى هذا لم يجعلها تصمت وهي تبتسم قائلة بإستهزاء وعينيها تنظر إلى أحد جوانب الغرفة:
"غريبة إنك مش قادر تتنفس مع إن المكتب فيه تكييف، عكس الحر اللي بره، يمكن وجودي هنا شفط الهوا..."
نهض واقفًا بضجر وكاد يقبض على عضدها بعصبية، لكنها عادت للخلف بتحذير قائلة:
"أوعي تفكر تلمسني يا سراج، بسهولة وبكلمة مني أقول اللي كان عاوز يغتصبني هو انت وتتبدل إشاعة من الشهامة لـ إشاعة الدناءة وهتك العرض وصدقني البلد كلها هتصدقني لإن معروف إن أنا الوحيدة اللي قدرت تاخد من العوامريه......"
قاطعها بغضب وهو يقبض على معصم يدها بقوة، ينظر نحو أركان الغرفة، رأى كاميرا بأحد زوايا الغرفة مثلما توقع، وهسهس يضغط على أسنانه بغضب:
"فعلًا وجودي هنا مش صدفة يا ثريا، ومش هينفع نتكلم هنا."
لم يُمهلها فرصة وسار نحو باب المكتب يجذبها للسير غصبًا. سارت خلفه تحاول تخليص يدها من قبضته، لكن كان يقبض عليها بقوة. تنرفزت قائلة بحِدة ووعيد:
"سيب إيدي هصرخ و..."
جذبها عليه لخطوة كادت تصطدم بصدره، لكن انتبهت وتوقفت. ابتسم رغم عصبيته قائلًا بتوعد وثقة:
"صرخي وشوفي مين هيقرب، هتجي معايا من سكات أفضل لينا إحنا الاتنين."
"سيب إيدي."
مازالت تُعاند، لكن تبسم ولم يهتم وعاد يسير قابضًا على يدها، جعلها تمتثل عنوة. لكن لم تسير خلفه، بل أسرعت بخطواتها تُجاري خطواته وتسير لجواره، تنفخ أنفاسها غضب وإرهاق من سرعة خطواته، تنظر حولها إلى الموجودين بالبنك، بالتأكيد لو صرخت لن يهتم أحد. بمجرد معرفة هوية سراج لن يتدخل أحد، لكن لن تستسلم لاحقًا. بينما هو...
تبسم لذلك بزهوة نصر مؤقت.
***
بالمشفى
أنهى ذاك التقرير الطبي الخاص بأحد المشتبه بسبب وفاته. كانت وفاته حقًا غير طبيعية بسبب نسبة سموم مميتة ابتلعها، هكذا دون التقرير. ثم ترك القلم، واضجع بظهره على مسند المقعد، يزفر نفسه بزهق، أو شعور آخر هو الاشتياق. إلى تلك الصيدلانية التي منذ أن رآها أول مرة شعر بخفقان في قلبه الذي كان يعتقد أنه أصبح يابسًا بسبب عمله كطبيب شرعي، يرى الموتى فقط، لكن هي أحيت تلك القطعة مرة أخرى. لا يتلاعب بها حقًا، أحبها ويتمنى الارتباط بها. لكن أيضًا برأسه هدف آخر، لا يعلم قرارها هل هي مستعدة لمرافقته إذا اتخذ القرار وسافر للخارج يكمل أبحاثه الطبية كطبيب يكتشف أسباب الموت ويحاول تجنبها أو تقليلها باكتشافات طبية تكتشف أسباب المرض وربما تستطيع علاجه.
إرهاق يشعر به، وضع رأسه بين كفيه. بنفس الوقت سمع طرق على باب المكتب، سمح بدخول الطارق وأزاح يديه عن وجهه. سرعان ما رفع ذاك التقرير قائلًا:
"تقرير التشريح أهو وصله لإدارة المستشفى تتصرف في التحقيق."
أخذ الآخر التقرير وغادر. بينما نفض إسماعيل ذاك الإرهاق ونهض واقفًا، ذهب نحو شباك مكتبه، رأى تلك التي تغادر، تنهد بآسف على حاله وحيرته.
فمنذ ذاك اليوم وهو يراها من بعيد وهي تدخل أو تغادر المشفى، لا ترد على اتصالاته الهاتفية ولا رسائله. ربما لو تحدث معها كان اتخذ قرارًا حاسمًا.
تنهد يشعر بحيرة بين القلب والعقل.
القلب عاشق لا يتسلى، وإلا لما كان هذا الشعور يجعله حائرًا ومشتاقًا.
العقل...
هنالك هدف آخر، انتظار فرصة قد تكون قريبة.
فرصة من شأنها تعلية شأنه كطبيب ناجح.
زفر نفسه بضجر، واتخذ قرار مغادرة المشفى، عليه تصفية ذهنه من كل ذلك.
الصراع بين العشق والطموح.
***
بالاسطبل مساءً
كان آدم يتريض بالمضمار على إحدى المهرات. تشعر بالحرية رغم ذاك اللجام الموثوق بعنقها، لكن تسير كما تشاء دون توجيه منه أو شد لجام. تهرول سريعًا وببطء كأنها تفهمه.
لاحظ دخول سيارة إلى الاسطبل، عرف هوية صاحبها.
إنه إسماعيل.
لمعت عيناه ببسمة، وجود إسماعيل هنا خلفه سبب، لا يأتي بغير ذلك.
ترجل من فوق المهرة، وربطها بإطار المضمار الخشبي. ذهب نحو إسماعيل الذي يقترب منه. يحل أزرار قميصه من فوق ساعديه ويشمر عنهما كذلك لمنتصف صدره. استقبله ببسمة ومرح قائلًا:
"دكتور التشريح إيه اللي جابنا على دماغك النهاردة؟"
تبسم إسماعيل قائلًا:
"كنت معدي قولت أكيد الروائي بتاعنا هنا، قولت أجي أرفه عن نفسي شوية في عالم الأحياء."
ضحك آدم قائلًا:
"عيبك يا دكتور إنك مش بتعرف تكذب، يمكن ده الحاجة اللي اتعلمتها من دراسة التشريح."
"الموتى لا يكذبون."
"تعالى تعالى هنادي عالسايس يجيبلك فرسة هادية ونتسابق."
ضحك إسماعيل قائلًا:
"فرسة هادية ونتسابق إزاي بقى، وانت مروض الخيول دي وأكيد عارف قدرة كل واحد فيهم. على العموم أنا موافق، بس لو غلبتك إحنا آخر الشهر والمرتب بخ... هتغديني على حسابك."
ضحك آدم قائلًا:
"ابن عمران العوامري، بيعتمد على مرتب الحكومة برضوا، على العموم كده كده هغديك متقلقش."
بعد قليل تسابقا سويًا، كل منهما يتباري بإجادة لركوب الخيل، فهما منذ نعومة أظفارهما كانا لا يهابون من الخيول.
توقف الاثنان بنهاية المضمار، ينظران لبعض حين رأوا سيارة أخرى تدخل إلى الاسطبل.
سريعًا علم آدم هوية قائد السيارة، فهي إحدى سيارات الاسطبل بالأساس.
تبسموا حين رأوا سراج يترجل منها.
ضحك الاثنان، وهو يقترب منهما.
حتى توقفا بالخيول.
تبسم آدم قائلًا:
"الفرسان التلاتة في الاسطبل، من زمان متجمعناش هنا."
وافقه إسماعيل:
"من سنين، فاكر مين اللي كانت تقول علينا كده 'الفرسان التلاتة'؟"
ضحك سراج قائلًا:
"خالتي رحيمة."
تبسموا وهم يترجلون من فوق الأحصنة. سار الثلاثة وجلسوا تحت إحدى المظلات.
في البداية تحدثوا بذكريات طفولتهم الذي شبه قضوها هنا لهوايتهم الثلاث في حب الخيل، فهذا الاسطبل أُنشأ من أجلهم الثلاث.
تجارة أخرى اكتسحها عمران العوامري.
مع تجارة الكتان الشهيرة بها عائلة العوامري.
لكن الفرسان لم يهوا غير الخيول.
وضع أحد العاملين أمامهم الطعام الذي التهموه، ثم نهضوا يتسابقون الثلاث. كان الأمهر فيهم كالعادة منذ الطفولة.
سراج.
توقف بالحصان الخاص به وانتظرهم حتى أصبحوا لجوارة. ضحك إسماعيل وهو ينظر لـ آدم قائلًا:
"كل قوي في الأقوى منه."
"سراج كسبنا بكل سهولة، مُتمرس."
ضحك سراج، بينما آدم هو الآخر أثنى على إجادة سراج قائلًا:
"الحصان اللي مع سراج ده هو اللي روّضه في أيام، رغم إني بقالي شهور بروض فيه."
ضحك سراج بزهو، بينما تبسم إسماعيل قائلًا:
"تعرف يا آدم بستغرب إنك إزاي لسه بتحب الخيول بعد ما كانت السبب إنك توصل لمرحلة الموت."
شعر إسماعيل بالندم كيف يقول ذلك ويُذكر آدم بحادث الماضي الذي وصمه بكلمة "الاعرج".
لكن آدم لم ينزعج من ذلك وربت على كتف إسماعيل قائلًا:
أنا بحب التحدي وبعاند دايمًا عكس التيار، لأن لو استسلمت هغرق، وده اللي حصل معايا.
قاومت جبروت وقدرت أخرج منه حي، الإعاقة مش ماثرة على عزيمتي.
خلونا يا شباب نقعد في موضوع هام عاوز أتكلم فيه معاك يا سراج، وإنت يا دكتور من فضلك خباثة زمان لما كنت تحب تاخد فرصة على قفانا وتفتن لأبوي علينا.
لسانك يتلم لحد ما أنا اللي أفتح أبوي بالأمر اللي نويت عليه.
ضحك إسماعيل وهو يشير بيده على فمه بإشارة أنه سيصمت ولن يشي بذلك، كذلك سراج ضحك قائلًا:
أنا كمان في قرار مصيري أخدته لازم تعرفوه.
نظر لهما إسماعيل قائلًا:
النهاردة يوم القرارات المصيرية لفرسان العوامري.
بعد قليل كانوا يجلسون أرضًا تحت ظلال إحدى أشجار الصفصاف، كل منهم يحكي ما انوى عليه.
اندهش إسماعيل من ما قالوا أنهم انووا الزواج، وكل منهم يقول الفتاة التي سيرتبط بها.
ازدادت دهشته أكثر بمعرفة هوية هاتين الفتاتين.
أو بالأصح
فتاة وامرأة تعادي عائلة العوامري علانية.
وأخرى مازال هناك بصيص نار تحت رماد الثأر... تهكم على نفسه هو صاحب الطريق الأسهل بينهم، فمن يهواها.
فتاة بسيطة لا يوجد أي سور بينهم، السور موجود بعقله فقط لكن مازال لا يمتلك قرار حاسم مثلهما.
***
بين المغرب والعشاء.
بمحل البقالة.
كانت تجلس رغد تنظر إلى ذاك الكتاب الذي بيديها تقرأ بعض سطوره وتشعر بعدم الفهم، تزفر نفسها بغضب تحدث نفسها:
مش فاهمه حاجة، كأنها طلاسم مش كتاب جامعي.
أنهت قولها وألقت الكتاب بقسوة، بدل من أن يستقر على تلك الطاولة أمامها استقر على الأرض أمام يد الذي توقف، ثم انحنى يجذب الكتاب، ثم نظر لرغد التي لمعت عيناها، ولم تهتم بشأن كتابها، تبسم قائلًا بمرح على غير عادته:
كده ترمي العلم في الأرض، إيه اللي مضايقك أوي كده.
خفق قلبها يضرب صدرها وهي تراه يبتسم هكذا كان وسيمًا للغاية ليته يظل هكذا مبتسمًا.
ظلت تنظر له للحظات تائه بتلك البسمة قبل أن تسمع نحنة والدها الذي دلف إلى المحل، تبسم لممدوح قائلًا:
كيف يا ممدوح؟
تبسم له ممدوح وأخبره:
أنا بخير يا عم "راضي".
تبسم له راضي يربت على كتفه وهو ينظر إلى ذاك الكتاب الذي بيد ممدوح، قائلًا:
برضوا مش فاهمه اللي في الكتاب يا رغد، قلت لك شوفي حد من المدرسين اللي كانوا في مدرستك يفهمك اللي مش فاهماه.
ارتبكت رغد وخجلت، لولا نحنة والدها لظلت هائمة بممدوح.
الذي قال:
وإيه اللي صعب في الكتاب ده ومش فهماه؟
رد راضي بدل عنها:
مش عارف مع إنها شاطرة بس كل المادة دي بتقول عليها صعبة.
قرأ ممدوح ما هو مدون بعنوان الكتاب ووافق رغد قائلًا:
فعلاً المادة دي فيها شوية دروس صعبة ومعقدة محتاجة فك تشفير، بس بسهولة ممكن تفهميها.
قال هذا وللصدفة العابثة قرأ اسم مدرس المادة على الكتاب، تهكم ببؤس، هذا كان زميله بالدفعة، وكان هو متفوقًا عليه، لكن هو تم تعيينه معيدًا وأصبح أستاذًا، وهو...
هو ماذا... مجرد شريك في مقهى صغير بالبلدة.
يقدم مشروبات باردة وساخنة، بدلًا من أن يقدم العلم... لمعت عيناه بحسرة قلب سرعان ما نفضها يكفي....
بينما
نظرت رغد له وأومأت برأسها، ودت أن تخبره ألم تعرض مساعدتك علي منذ أيام هل تراجعت... أم نسيت.
هو فعلًا قد نسي، أو تناسى غصبًا ليس لمشاغل الحياة، بل كي لا ييأس من حاله أكثر، هو كان يستحق أن يكون أستاذًا جامعيًا.
لكن لا يمتلك وساطة مثل ذاك الأستاذ، تنهد قائلًا:
قولي لي إيه اللي صعب قدامك وأنا هاخد الكتاب أقرأها وبإذن الله بكرة هكتب لك ملخص يبسط الأجزاء اللي مش فاهماها.
انشرح قلبها وأخبرته بتلك الأجزاء التي تستصعب استيعابها.
ابتسم وأخذ الكتاب منها قائلًا:
تمام إن شاء الله الليلة هكتب لك الملخص وبكرة هجيبه لكِ.
تبسمت له بعيون سعيدة، لاحظها راضي لكن لم ينتبه أنها غرام بممدوح بل ظن أنها مجرد امتنان، بينما غادر ممدوح ترافقه نظرات رغد، لكن انتبهت لوقفة والدها الذي قال:
ممدوح ابن حلال بس يا خسارة حظه سيئ.
وافقت رغد قول والدها...
بينما أثناء سير ممدوح وبيده الكتاب تذكر أنه نسي أن يشتري السجائر من البقالة كما كان ذاهبًا، لكن نظر للكتاب، كم كان يهوى الكتب وقراءتها، وأمنية قديمة حين كان يقرأ كتب زملاءه يصحح لهم أخطائهم كأنه معلمًا.
تنهد بأسف فالأماني تعصف بها الحقيقة.
***
بدار عمران العوامري.
عقل ولاء يكاد يشتعل، وهي تقول بذهول:
إنت بتتكلم جد، سراج جالك كده، ركز يا أخوي.
نظر لها بغضب قائلًا:
يعني هكذب عليكِ، إياك، ولا مفكراني خرفت، بقولك هو جالي كده.
هيتجوز من بت الحناوي.
نظرت له عيناها تقدح شررًا:
ده مستحيل يحصل، وإنت قلت له إيه؟
أجابها:
قلت له كده، أنا مستحيل أوافق عالبنت دي.
وقفت ولاء تدق يديها ببعضهما بغيظ وغضب جارف:
أكيد سراج مش في وعيه وهو بيقولك كده، بقى سراج اللي تتمناه بنات أكبر العائلات في البلد يفكر في الكلبة دي، اللي مستهينها تغسلي رجلي، طب قولنا غيث كان هوائي ومقدرناش نخليه يتراجع، والنتيجة أهي قدامنا عملت لنفسها سعر في سوق الحريم بالأرض اللي خدتها مننا غصب، قلت لعبد المقصود بلاش تضعف وتعطيها لها، قالي معاها حكم محكمة بميراثها في المرحوم غيث، ولو مسكتهاش بأي عضمة هتشنع بعائلة العوامري، لو كان وافقني كنت عرفتها مقامها... لكن لأ أوعاك توافق وتساير سراج في الجنان اللي في عقله ده، وسيبني أنا أتحدث وياه هقنعه.
زفر عمران نفسه ببغض هو الآخر قائلًا:
يا ريت تعرفي تقنعيه ده حتى مسمعش لرفضي وسابني وقال قدامه مشوار مهم وهيتأخر عليه.
بقمة غضب ولاء.
دلف الثلاثة إخوة إلى المنزل، كان باب تلك الغرفة مفتوحًا ورأتهم ولاء التي زفرت نفسها بغضب وخرجت نحوهم، نظرت لهم بإستهجان قائلة بغضب:
إنتم التلاتة داخلين للدار مع بعض قدام الناس.
لم يستغرب أحدهم قول ولاء الذي يعلمون أنها آفاقه، لكن تحدث سراج:
وفيها إيه لما ندخل سوا للدار.
- هتتحسدوا.
هكذا سبق عمران وأجابه:
أنتم زينة شباب والعين تحسدكم.
تهكم آدم قائلًا:
دي تخاريف يا أبوي...
قاطعته ولاء قائلة:
لأ مش تخاريف يا واد أخوي.
مذكور في كتاب الله سيدنا يعقوب قال لولاده
"وادخلوا من أبواب متفرقة"... إحنا مش ناقصين كل كم سنة يفارق شاب من شباب العوامرية.
لم يجادل أحدهم يعلم أن ولاء بالنهاية لابد أن يُنفذ ما تقوله، لكن للاختصار في الحديث تفوه إسماعيل:
حاضر يا عمتي دي آخر مرة.
نظرت له بسخط قائلة:
مش كفاية النحس وعيون الناس اللي بتصيب شباب العيلة.
فقدنا شابين في أقل من سنتين سكنوا التراب في عز شبابهم يا حسرة قلبي عليهم.
رد سراج بتأفف من رياء ولاء، فمنذ متى كان بقلبها الحنان لأحد، هل تعتقد أنه نسي أنها يومًا كانت معارضة لدراسته في الكلية الحربية:
ده قدر، والعمر عند ربنا مكتوب، أنا....
قاطعته ولاء:
أنا عاوزة أتحدث وياك في موضوع هام...
نظر سراج نحو والده لا يحتاج إلى تخمين، بالتأكيد أخبرها بما قاله لها.. لم يعترض قائلًا:
تمام.
نظر إسماعيل وآدم لبعضهما وانسحبا بهدوء، بينما قالت ولاء:
خلونا نتحدث في المندرة هنا الخدمين رايحين جايين.
على مضض وافق سراج وذهب خلفها إلى تلك الغرفة، التي ظلت واقفة إلى أن دخل وأغلقت خلفه الباب تنظر له بإستهجان سائلة:
إنت كنت بتتحدث جد لما قلت لعمران عن رغبتك في الجواز من بت الحناوي.
أجابها ببرود وهو ينظر نحو والده الذي جلس غير مبالٍ لتحكم ولاء:
أيوه بتحدث جد، دي حياتي وأنا حر في اختيار شريكة حياتي.
- شريكة حياتك.
قالتها بتعقيب وإستهزاء ثم أكملت بفحيح:
إزاي عاوز تتجوز عازبة وإنت شاب ومسبق لك الجواز، إنت راجل ودي أول فرحتك ولازم تتجوز من بنت بكر تليق بمقام "سراج العوامري".. وتحسسك برجولتك.
قالتها ولاء بنبرة نهي كأنها تتحدث عن وباءً لابد أن يبتعد عنه تناشد رجولته.
فهمها سراج ونظر لها متهكمًا وتحدث بوقاحة:
مش نقطتين الدم هما اللي هيفرحوني أو يضيعوا رجولتي، أنا قلتها كلمة وإنتهيت.
ابتلعت تلك العصبية وحاولت إثارة رجولته بنفس طريقة وقاحته قائلة:
مش بس النقطتين الدم هما اللي يخللوك متتجوزش من عازبة، كمان إنك تكون الراجل التاني في حياتها، هي سبق لها الجواز وعاشت جوزها، أكيد كانت بتنام في حضنه عريانة، يد غيرك لمست جسمها.
نظر لها بسخط قائلًا بعناد:
قولتيها كان جوزها، يعني كان حلال، مش حرام، قلت الموضوع انتهى، وجوازي من ثريا يوم الجمعة الجاي.
- والفرح هيبقى شد الطرفين؟
هكذا تهكمت ولاء بنبرة استنكار:
هي عازبة، بس عينها قوية وجريئة ومش هتنكسف تقعد بين الحريم وتتحنى كمان.
أجابها بحسم:
مش أنتم اللي عاوزين تفرحوا وأنا أهو بفرحكم.
ازداد غضبها قائلة:
دي كأنها ساحرالك ولا تكون عاشقها، زي جوزها الأولاني كان متمسك بها زيك كده، يا ريت في الآخر صانت ذكراه، يا دوب مر على موته سنة ونص وأهي هتتجوز تاني.
نظر لها عيناه بها شرر وقال بقطع:
كفاية يا عمتي وفري مجهوده للتجهيز للفرح وكمان استقبال العروسة.
ضغطت على آخر زر في عقله قائلة:
إنت ناسي إنت كنت خاطب بنت مين.
تعصب قائلًا:
الموضوع ده انتهى من فترة إحنا دلوقتي...
قاطعته:
لأ منتهاش إنت عارف إنها هي وأبوها يتمنوا إشارة منك، وعشان كده بقولك اعقل وتأنى عشان مش بعد فترة تقول الموضوع مش على هواك، ثريا معندهاش أخلاق ولا أدب، كل هدفها تصيد راجل، أنا كنت مفكرة إنك فاهمها وعندك وعي أكتر من كده، إنت شيل الموضوع ده من راسك وأنا هتحدث ويا والد خطيبتك إنكم ترجعوا من تاني، وتتجوزوا في أقرب وقت، هي خلاص عرفت غلطها ومش هتكرره تاني، كانوا شوية جلَع (دلع) وطيش بنات.
زفر نفسه بتصميم قائلًا:
قلت الموضوع ده انتهى من وقت إحنا دلوقتي...
قاطعته ولاء بيأس غاضبة بتهديد:
أنا مستحيل أروح دار المحتالة دي وأطلبها لك.
زفر نفسه قائلًا:
اطمئني وفرت عليكِ المشوار يا عمتي أنا اتفقت على كل حاجة وزي ما قلت الفرح يوم الجمعة الجاية يعني بعد أسبوع من دلوقتي... أنا مرهق وطالع أنام ومحدش يصحيني على العشا.
غادر سراج، وترك ولاء تكاد تحترق، تفوهت بغضب ساحق:
كأنها سحرالهم، يتشجعوا بها.
حاول عمران تهدئتها قائلًا:
بس سراج مش زي غيث هوائي.
زفرت بغضب نفسها ملتهبة يشبه لهيب البركان الثائر تقول:
ده اللي مجنني.
غيث كان هوائي ويمكن هي لعبت على مشاعر رجولته... لكن سراج لعبت عليه بالسهوكة، دلوقتي اتأكدت إن حكاية اللي كان هيغتصبها دي حكاية من تخطيطها عشان توقع سراج فيها.
وتظهر قدامه إنها ضعيفة ومحتاجة لراجل يحميها.
كان سراج مازال جوار الغرفة وسمع فحيح ولاء وتهكم مستهزئًا هو الذي يعلم تلك الحقيقة الكاذبة.
صعد إلى غرفته، توجه إلى المرش مباشرةً، أخذ حمامًا باردًا ثم خرج، بنفس الوقت رأى إضاءة شاشة هاتفه التي أضاءت، جذبه وتنفس بزهق من كثرة تلك الرسائل الذي أصبح يتضايق منها، بالتأكيد حين تعلم أنه تزوج بأخرى ستكف عن مطاردته وتقطع آمالها، تعلم أنها كانت نزوة ماضي.
جلس على الفراش يجفف شعره بتلك المنشفة ثم ألقاها وتمدد على الفراش بظهره ينظر إلى شباك غرفته المفتوح يسرب ضوءًا للغرفة، كذلك نسمة هواء ساخنة.
تلك النسمة الساخنة ذكرته بلقائه مع ثريا قبل ساعات.
أمام البنك توقف سراج أمام سيارته، فتح أبوابها عبر جهاز تحكم بيده الأخرى، ثم فتح باب السيارة وأرغم ثريا أن تصعد إليها عنوة، أو ربما استجابت بمزاجها. أغلق التحكم أبواب السيارة إلى أن استدار للناحية الأخرى، فتحه وسرعان ما صعد إلى السيارة وانطلق سريعًا.
تهكمت ثريا قائلة بإستهزاء وإستبياع وإستغلال من سراج:
"إيه خطة النسوان بتاعت المرة اللي فاتت فشلت قررت تخطفني المرة دي بنفسك، بس يا ترى المرة دي هتجيب لي مين يغتصبني يا حامل راية الشهامة."
شعر بغضب ونظر لها بعصبية بأمر قائلاً:
"إخرسي يا ثريا."
ضحكت ثريا بإستهزاء قائلة:
"مكنتش أعرف إن صوتي كمان بيضايقك، عالعموم أنا سكت أما أشوف إيه الجديد عندك المرة دي. إغتصاب ولا هتجيب من الآخر ويبقى قتل."
ضغط على أسنانه بقوة.
جعلت ثريا تضحك غصبًا.
بعد قليل.
بمكان صحراوي شاسع خلفه من بعيد هضاب عالية... توقف سراج بالسيارة وترجل منها.
ظلت ثريا بالسيارة قليلًا تنظر له وهو جالس على مقدمة السيارة. في البداية لم تهتم، ولكن طال وقت وقوفه لأكثر من عشر دقائق.
بفضول منها ترجلت من السيارة وذهبت نحوه تقول بإستهزاء:
"إيه اللي هينفذ المهمة المرة دي اتأخر ولا يمكن تاه في المكان."
بسبب نعومة الرمال وعدم انتباه ثريا كادت تتعرقل، لكن قبض سراج على ساعد يدها سريعًا حتى استقامت واقفة. سحبت يدها سريعًا سائلة:
"عاوز مني إيه، عاوز الفلوس اللي في البنك خدها متلزمنيش، لكن مش هتنازل عن الأرض يا سراج."
ضحك ساخرًا:
"الفلوس متهمنيش، وبعدين هو في راجل عنده نخوة بياخد فلوس من مراته يا ثريا."
لم تفهم حديثه. في نفس الوقت كانت نسمة هواء قوية رغم سخونتها، جعلت ثياب ثريا تنحصر بضيق تلتصق بجسدها وأظهرت أنوثة جسدها للحظات. إشمأزت من نظرة عين سراج، رغم أنه لم ينظر لها بوقاحة. تحدثت بعصبية:
"إبعد عني يا سراج وكفاية بلاش...."
قاطعها بحسم:
"إحنا هنتجوز يا ثريا... واعتبِري المبلغ اللي في رصيدك مهرك مني."
فهمت معنى قوله. لوهلة ظلت مشدوهة قبل أن تنفجر ضاحكة وهي تنظر أمامها لتلك الصحراء.
ربما لا يعلم ذاك الوغد المتعالي، أنها بلا روح مثل تلك الصحراء الجرداء التي تمتد أمامه. لو توغل لن يجد بها شيئًا نافعًا سوى بعض الأعشاب، حتى تلك الأعشاب لن تنفعه فهي "أعشاب جافة".
رواية سراج الثريا الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مُضي خمسة أيام وها هو اليوم السادس.
كان وما زال، رغم ذلك، خبر زواج سراج وثريا هو المفاجأة التي أذهل دوي صداها ليس البلدة فقط، بل المدى كان واسعاً، بين حاسد وحاقد، وغير مستوعب كيف حدث هذا فجأة، بالأخص العريس لم يسبق له الزواج سابقاً ليتزوج من أرملة أحد أقاربه، وربما هذا هو السبب. والأغرب هو احتفال العُرس الذي امتد سبع ليالٍ تقترب على الانتهاء.
وها هو اليوم السادس، أو كما يُلقب "ليلة الحناء".
صباحاً بمنزل ثريا.
فتح ممدوح عينيه بانزعاج بسبب تلك الأصوات العالية لأغاني الأعراس المرحة التي تصدح بالمنزل. يصفع الوسادة على أذنيه متأففاً، لكن لا فائدة. نهض جالساً يتنفس بضجر، ومن ثم نهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة، كان ما زال يشعر بالنعاس.
لكن لوهلة انتفض بخضة حين قامت إحدى النساء بإخراج صوت عالٍ وهي على مقربة منه. فاق من الخضة على تلك الضحكة التي جلجلت. نظر نحوها، سرعان ما ابتسم بانشراح قلب عكس ما يشعر به من عدم قبول لزواج ثريا من شخص آخر من عائلة العوامري. لكن لم يبدِ اعتراضاً، هي صاحبة الشأن وهي من عانت بسببهم.
ما زال يتذكر أن لولا دماؤه لما كانت ما زالت تعيش إلى الآن، ولا يعلم بذلك السر سواه هو وخالته سعدية فقط. وهي من تعود لبراثنهم مرة أخرى، ولا يعلم سبب ذلك. يعلم جيداً أن ثريا ليست ممن يستهويهن لا المال ولا السلطة.
اقتربت تلك التي ضحكت تقول بحياء:
"صباح الخير يا أستاذ ممدوح، معلش صوت الزغاريت صحاك من النوم."
تبسم لها قائلاً بمرح:
"صباح الخير يا رغد، فعلاً مش بس صحاني من النوم، ده كمان خضني."
بابتسامة عذبة تفوهت:
"عقبالك."
لأول مرة يلاحظ عذوبة بسمتها فوق ثغرها وذاك الحياء الواضح على وجنتيها اللتان شبه ظهر عليهما احمرار فاتن. سرعان ما غض بصره، لائمًا نفسه، وتنحنح قائلاً:
"هروح أخد دش وأسيب البيت كله ستات."
تبسمت له نفس البسمة، وتتبعته بعينيها تنظر له بهيام. في نفس اللحظة كانت تدلف سعدية ولاحظت ذلك. تبسمت لذلك وتمنت أن تكون تلك رغد، كاسمها.
تعود برغد الحياة لقلب ممدوح البائس التعيس الحظ.
كذلك تمت لثريا أن يكون سراج هو العوض. بداخلها شعور مختلف من ناحية سراج، لكن رغم ذلك عارضت، وتتمنى أن لا يخيب حدس قلبها.
***
ظهراً.
بمنزل رحيمة.
فتحت باب الدار بادعاء الزعل قائلة بلوم:
"مش معاك مفتاح للدار؟ ليه مدخلتش من غير إزعاج؟ وبعدين إيه اللي آخرك كده؟ الحنة فاضل عليها كام ساعة؟"
"أنا قلت أبوك جالك، بلاها خالتك تحضر الحنة."
ضحك إسماعيل قائلاً:
"والله أنا كنت مناوب في المستشفى، وجاي منها عليكِ، حقك عليا، ومتخافيش، معايا العربية، هنوصل بدري."
تبسمت بحنان له قائلة:
"أنا اللي هحنّي العروسة بإيدي. قول لي يا لا."
"هي حلوة زي ما سراج قالي؟ حسيت إنه مش بيقول الحقيقة."
صمت، ثم عاودت الحديث بتقليد لطريقة رد سراج عليها:
"آه حلوة، عادي يعني، أنا من إمتى بيفرق معايا الجمال؟ أهي زي أي ست والسلام."
ضحك إسماعيل قائلاً:
"والله يا رورو، أنا ما خدتش بالي منها أوي، شوفتها مرة أو اتنين ومركزتش، بس كلها كم ساعة وتشوفيها وتحكمي بنفسك."
ابتسمت بتوافق قائلة:
"عقبالك يا واد يا إسماعيل. جلبي حاسس إنكم هتتجوزوا ورا بعض."
"كر فر" (بسرعة) و"تفرحي جلبي بزينة الصبايا."
أومأ لها موافقاً. فهو الآخر اتخذ القرار، وبقي التنفيذ في أقرب وقت. لن يتمهل كثيراً.
***
مساءً بالحناء.
كم كان حضورها الليلة لتلك الحناء أمراً صعباً عليها. تجلس بين النسوة ترسم بسمة قبول. ولو بيديها لنهضت وذهبت نحو تلك المحتالة ثريا وصفعتها، لا بل قامت بخنقها أمام النسوة دون اهتمام. لكن من وضعها بهذا الموقف هو إصرار سراج. عارضت في البداية، لكن تقبلت على مضض. تتلاعب حتى لا يفهم سراج نواياها البغيضة. أخفتها، لديها يقين أن ثريا لن تحصل على قلب سراج، هي مجرد زهوة أو رغبة شعر بها نحوها، بسبب إنقاذه لها، حين حملها بين يديه، ربما أثارت رغبة بداخله. سرعان ما ستزول بالحصول عليها. عناده واضح أنه ليس عشقاً. والتأكيد على ذلك هو إصراره على إقامة حناء وليلة عُرس يعرضها لتلامز وغامز النساء أنها ليست عروساً بِكر.
غامت عينيها بلمعة يقين ورسمت بسمة قبول أمام النسوة حتى لا تثير أنظارهن نحوها ويتركن النظر إلى ثريا يحرقنها بتلك النظرات.
سرعان ما غامت نظرة عينيها بنظرة غِل وحقد حين رأت تلك السخيفة رحيمة تحمل إناء الحناء وذهبت نحو ثريا تبتسم لها. بادلتها ثريا البسمة. لأول مرة ترا تلك السيدة، لكن شعور بالألفة نحوها جعلها تبتسم لها رغم ضيقها من ذاك الموقف البغيض.
انزاحت والدة ثريا، جلست مكانها رحيمة وجذبت يد ثريا قائلة بإصرار وهي تنظر نحو ولاء بنظرة كيد وإغاظة قائلة:
"مرت سراج، ولد أختي رحمة الله يرحمها، الليلة بعمل بوصيتها إني أحني مرته بإيدي."
كادت تعترض ثريا، لكن رغمًا عنها تركت يديها لرحيمة التي رسمت لها الحناء بعناية. ثم نهضت تحمل إناء الحناء وقامت بحركات راقصة تشغل عقل النساء عن التدقيق بالنظر نحو ثريا. أثارت حقد ولاء بعد أن نجحت بإلهاء النساء لبعض الوقت. وركزوا بالغناء والرقص غير منتبهين للعروس، مما جعل ملامحها تنفرج قليلاً.
لكن عادت لمعة عين ولاء بعد أن هدأ الصخب وعادت تلك النظرات. لكن...
رأفت رحيمة بثريا التي تجلس بين النساء تشعر كأنها مسخُهن يتغامزن ويتلامزن عليها. سبب آخر كي يزيد حقد وكره قلبها لسراج هو من وضعها بهذا الموقف السخيف الغليظ على قلبها.
كأن رحيمة شعرت بها. نهضت واقفة وسحبت يد ثريا وجذبتها كي تنهض معها. كانت نجاة لها. نهضت معها بطواعية، سارت خلفها إلى أن توقفن أمام صنبور الماء، وقالت لها:
"الحنة نشفت، اغسلي يدك."
امتثلت ثريا، وغسلت يديها. كان أثر الحناء واضحاً بيديها. تبسمت لها رحيمة وجذبتها معها وذهبن إلى تلك الغرفة الصغيرة التي تستخدمها ثريا، غرفة مكتب المحاماة.
كان الباب الآخر مفتوحاً. قبل أن تسألها ثريا عن سبب مجيئهم إلى هنا، كان الجواب هو دخول سراج إلى الغرفة عبر الباب الخارجي. عبس وجهها، بينما تبسم سراج لرحيمة التي جذبته من يده. نظر إلى ثريا.
كانت عابسة بوضوح. رغم ذلك كانت جميلة بزي الحناء. كأن عبوسها أعطاها جمالاً. بالتأكيد تخفض وجهها ليس حياءً منها، فهو على يقين هي لا تمتلك ذلك.
بينما هي حقاً أخفضت وجهها ليس حياءً، بل كي تكبت دمعة عينيها التي من الجيد أنها ما زالت متماسكة بين أهداب عينيها. لا تود النظر لأي أحد، كل ما تود أن تنتهي الليلة. لكن جذبت رحيمة يدها اليسرى، كذلك يد سراج اليسرى.
ثم ضمتهما بين يديها للحظات، ثم أبعدت يديها عنهما، وضعتها بصدرها وأخرجت علبة صغيرة كانت تشبه علب الحلوى الصغيرة. وشعرت بغصة وهي تفتحها تنظر إلى ما بداخلها قائلة:
"كانت آخر أمنية لـ رحمة هي تزور الكعبة، وتحققت قبل موتها بفترة صغيرة."
"وجدتها بعد ما رجعت. عطتني صندوق صغير وقالت لي: ده أمانة عندك يا رحيمة، أنا عارفة عمري هيجي قصير. دي دبل جبتها من الحجاز لولادي التلاتة. أمانة عندك تعطي لكل واحد منهم الدبلة اللي مكتوب عليها اسمه. كمان فيه تلات دبل دهب بتيجي لعرايسهم."
غصبًا سالت دمعة عينيها بمأساة. سريعاً جففتها بيديها وتبسمت حين ضمها سراج وقبل رأسها. بينما تفاجأت ثريا بفعلة سراج تلك، لكن لم تبالي. بالتأكيد هي لديها مكانة خاصة لديه، فهي مقام أمه الثانية. رفعت رحيمة وجهها وتبسمت لسراج وأعطته أحد الخاتمين قائلة:
"خد، لبس عروستك الدبلة."
نظر سراج إلى الخاتم ثم إلى رحيمة التي تبسمت له بإيماءة تحثه على فعل ما طلبته. تنهد بوضوح، كاد...
لكن لم تعطيه رحيمة فرصة للاعتراض حين قالت:
"مش انكتب كتابكم؟ تيجي مراتك ومش حرام تمسك يدها."
غصبًا عن ثريا انفلتت شفاها بضحكة، تهكمت بداخلها، فعن أي حرام تحدث هذا الحقير بنظرها. بينما لاحظ سراج بسمة ثريا، اغتاظ منها وبلا انتظار جذب يدها اليسرى مرة أخرى وقام بوضع الخاتم في بنصرها. لكن تحدثت ثريا:
"الدبلة واسعة عليا."
تبسمت رحيمة قائلة:
"مفيش مشكلة، سراج ييجي ياخدها للصايغ يضيقها على مقاس صباعك، وبكرة بعد الجواز والخلفة هتربي، ومش بعيد تضيق عليكِ وجتها."
ضحكت ثريا غصبًا. ظن سراج أنها ضحكت من حديث رحيمة، بل هي كانت ضحكة حسرة في قلبها.
بينما مدت رحيمة يدها بالخاتم الآخر لثريا قائلة:
"لبسي سراج الدبلة وبلاش يدك ترتعش."
تبسم سراج متهكماً وهي ترعش يد تلك الوقحة. بلا اعتراض أخذت الخاتم منها وتماسكت وهي تضعه ببصرها سراج بصعوبة لضيق الخاتم قليلاً.
ضحكت رحيمة قائلة:
"هي بالعكس، دبلتها واسعة وإنت دبلتك ضيقة. إن شاء الله ربنا هيعوضكم ببعض."
تهكمت ثريا، هي لم تعد تنتظر عوضاً بعدما نالت من خيبات أمل. بينما سراج أومأ غير مبالٍ، هو لا ينتظر سوى شيء واحد من ثريا، وهي تعلمه جيداً.
***
بـ دار العوامري.
بعد انتهاء الحناء.
بالمندرة.
جلست ولاء تزفر نفسها بغضب ساحق قائلة:
"لاه، واللي غاظني أكتر رحيمة، بتتصرف كأنها أم العريس قدام النسوان. بس أقول إيه؟ كله من سراج، معرفش سبب لكده. لو عاشجها كنت عذرته، حاساه بيعمل كده عناد فينا."
أومأ عمران يشعر بحسرة قائلاً:
"ومعرفش ليه بيعند، مع إن كان ألف بنت من أعيان تتمنى منه إشارة وهو..."
قاطعته ولاء بلوم عليه:
"لو واحد غيره كان اتعظ منك. زمان عملت كده وفي الآخر..."
توقفت ولاء بعد أن أصابت هدفها وهي تذكره بما لم ينساه يوماً أنه كان فظاً مثل سراج، وتمسك بالزواج ممن دون المستوى، لكن هناك فرق بينهما. هو كان عاشقاً عن حق، سراج ليس مثله. والدليل حين تجادل معه قبل أيام وحاول إقناعه بالعدول عن ذلك الهراء، بل الغباء.
[بالعودة إلى صباح ثاني تلك الليلة الذي أخبرهم فيها بقرار زواجه من ثريا خلال أسبوع]
كان الوقت باكرًا.
شعر عمران بأرق، بسبب شبه عدم نومه طوال الليل. نهض وخرج من غرفته، ذهب إلى غرفة سراج، فتحها كما توقع. سراج قد استيقظ ويمارس بعض التمارين الرياضية. توقف عنها يلهث وهو ينظر إلى والده. لديه يقين عن سبب مجيئه إلى غرفته بهذا الوقت الباكر، فالكاد الشمس أشرقت. تفوه بلهث:
"صباح الخير يا أبوي."
أومأ له عمران قائلاً:
"كفاية تمارين لحد كده، وتعالى نقعد نتحدث شوية."
ترك سراج تلك التمارين وذهب خلف عمران وانتظر أن يجلس أولاً ثم جلس خلفه.
زفر عمران نفسه بضجر قائلاً:
"بص يا ولدي، أنا مش هلف وأدور. إنت تنسي الحديث الماسخ اللي قلته عشية امبارح."
رغم فهم سراج، لكن راوغ سائلاً:
"أني مش فاهم قصدك. حديث إيه اللي ماسخ يا أبوي؟"
نظر له عمران قائلاً بنهي:
"حديث جوازك من بت الحناوي. دي مش من مقامك ولا من مقام نسب عيلة العوامري. وإن كان عالأرض، أنا أقدر أجبرها تتنازل عنها غصب عنها. بلاش تعيس نفسك بجوازة..."
قاطعه سراج:
"بس جوازي من ثريا مش هدفي الأرض. وطالما تقدر ترجع الأرض منها، ليه معملتش كده من زمان؟"
زفر نفسه بضيق وضجر مفسراً:
"مش راضي أفرض عليها غصب عشان الناس متقولش إني بستجوي (بستقوي) على ست."
"لكن إنك تتجوزها عشان كده، لأ."
نظر له سراج قائلاً:
"ومين اللي قال إني بتجوزها عشان كده؟ مش يمكن فيه سبب تاني؟"
تساءل عمران:
"وإيه هيكون السبب التاني؟"
أجابه سراج وهو يركز بالنظر إلى عينيه:
"واضح إنها وراثة يا أبوي."
"ثريا....."
توقف للحظة قبل أن يعاود القول بتلميح:
"عجباني وداخلة مزاجي."
فهم عمران تلميح سراج أن ثريا لا تفرق عن والدته، وهو لا يفرق عنه. لكنه لم يبح بعشقها. طريقة حديثه تثبت أنها مجرد اشتهاء لا أكثر.
انتفض عمران واقفًا بغضب قائلاً بامتثال:
"إنت حر. أنا قلت أنصحك. متنساش إنها أرملة ولد عمتك اللي لما تعرف جلبها هينجرح، مهما كان كانت مرات ولدها الوحيد."
خرج عمران مسرعاً يشعر بغضب، لكن سرعان ما هدأ وهو يعاود طريقة سراج في الرد عليه. تيقن أن ثريا ليست أكثر من نزوة وقت. وهو ليس ساذجاً ليقع بفخها، ليعثر منها على ما يريد وتنطفئ زهوتها لديه دون خسائر.
بينما نهض سراج وتوجه ناحية شباك الغرفة. داعبت قسوة أشعة شمس الشروق عينيه. لوهلة أغمض عينيه ثم فتحها وعاد ينظر أمامه. من بعيد كان هناك طيف سرعان ما اختفى. لم يهتم بذلك وزفر نفسه وعاد مرة أخرى لممارسة تلك التمارين الشاقة.
[عودة]
عاد عمران من ذلك على ذم ولاء لزوجة عمران قائلة بتوبيخ:
"جيب لي شربات؟ فرحانة جوي؟ روحي هاتي لي قهوة سادة، راسي هتتفرتك."
امتثلت زوجته لذلك تكبت دمعة عينيها، بينما لم يبالي عمران بذلك، وظل الصمت لدقائق إلى أن دلفت إيمان تحمل صينية صغيرة بين يديها وتوجهت نحو عمتها قائلة عن قصد:
"أمي، فيه ستات لسه في الدار بيباركوا فرحانين بحنة أخوي سراج. قولت أجيب لحضرتك القهوة، عشان أكيد الصداع واجع راسك."
تبسم عمران لها بمودة، بينما زغرت لها ولاء بضيق. تلك الصغيرة تثير غضبها الذي ازداد إلى شياط حين ادعت إيمان رعشة يدها وهي تمد يدها بصينية القهوة وعمداً سكبتها على فخذ ولاء التي انتفضت واقفة بغضب تسب إيمان التي ادعت بالكذب أنها لم تقصد وبررت ذلك كثيراً، تثير غضب ولاء، تخطئ أمام عمران الذي احتوى الموقف قائلاً:
"حصل خير، معلش يا ولاء. خلاص يا إيمان روحي هاتي أي دهان مرطب لعمتك."
وافقت إيمان وهي تعتذر بكذب قبل أن تخرج من الغرفة، ثم وقفت على جانب الغرفة تركت عنان ضحكاتها. رداً على استقلال ولاء من شأن والدتها.
بينما قسوة ألم فخذ ولاء جعلها تقول بغضب:
"يوم أسود من أوله، من الصبح أصحى على نواح أختك على ولدها وجباحة أرملته اللي هتتجوز من العيلة، ودلوقتي على حرق القهوة."
تنهد عمران قائلاً:
"هدي أعصابك يا ولاء، بلاش تتعصبي كده. جلبي حاسس إن الجوازة دي مش هتستمر كتير، وسراج هيزهق منها زي ما غيث ندم. ولو عمره القصير كان طلقها قبل ما تكمل أربعين يوم. اللي زي ثريا ميُعمرش."
***
بمنزل ثريا.
كعادتها حين تشعر بأرق تجلس خلف ذاك الشباك تسند يديها فوق الحرف تضع رأسها فوق يديها، تنظر نحو ذاك القمر الذي أصبح يتقلص حجمه لاقتراب نهاية الشهر وبداية شهر آخر. كان رغم ذلك هلالاً بازغاً.
تذكرت ليلة حنائها الأولى.
كان هنالك أمل بقلبها وقتها، لكن سرعان ما انطفئ مثل ذاك الهلال الذي ينطمس أسفل بعد السحاب قبل أن يبزغ مرة أخرى. ذكريات مريرة تمر برأسها. كذلك همس وتلامز النساء يطن بأذنيها. مواقف تفرضها عليها الحياة التي لا تعلم تسير بها إلى أين، مثل تلك الثريات التي تحاوط الهلال، تسير بلا معرفة لأي اتجاه منها، من يقترب من الهلال ويشكل منظراً رائع، وأخرى تنطمس خلف السحب المظلمة. هكذا مثلما يفعل معها القدر.
بـ دار العوامري.
نظر سراج إلى ذاك الخاتم الذي ببنصر يده. حاول خلعه، لكن لضيقه استصعب ذلك. تركه دون محاولة أخرى. يستطيع خلعه بسهولة، لكن لم يبالي بذلك.
وتذكر وعيده بتأديب ثريا عن ما تفوهت به بوقاحة حين أخبرها أنه سيتزوجها.
[تذكر قبل أيام]
في البداية لم تنتبه ثريا لقوله الآمر، لكن سرعان ما ضحكت بهستيريا قائلة:
"أكيد بتهزر يا سراج."
تنرفز سراج قائلاً:
"لأ، مش بهزر يا ثريا."
ضحكت أكثر قائلة:
"تبقى اتجننت... أو مخك طار يا سراج، راجع دكتور نفساني..."
قاطعها بغضب وهو يقبض على عضد إحدى يديها بقوة ينظر لها بغضب قائلاً:
"ثريا."
قطبت على ضحكتها ونظرت لعينيه بغضب من قبضة يده على عضدها وحاولت نفض يده بغضب قائلة:
"إبعد عني يا سراج، بلاش..."
"بلاش إيه؟ عاوزة قد إيه مهر؟"
حاولت نفض يده، لكن هو ما زال متمسكاً بعضدها. نظرت لعينيه شعرت بارتجاف في قلبها. كانت مثل نظرة عين "غيث" لها.
كأنها تراه أمامها. بسبب رياح قوية أثارت بعض الغبار، انطفأت عينيها، أغمضتهما. لحظات كانت مثل دهر من الزمن ترا نظرات بغيضة لها وهي تقف عارية بغرفة النوم والنوافذ مفتوحة بأوجع أيام البرد ترتعش.
حدث ذلك بعد أن جردها غيث من ثيابها عنوة، ينظر لها بنظرات ليست رجل لزوجته، بل لعاهرة أو صورة بغلاف مجلة فاحشة. نظرات تجعلها تشعر بالغثيان وتود لو تحترق في الحال وتصبح رماداً. شعرت بهزة في جسدها، كذلك دوخة طفيفة قبل أن تفتح عينيها وتجد سراج ينظر لها، وقد تبدلت نظرته وهو يشعر بارتجافها أسفل يده، كذلك عينيها اللتان توهجا باحمرار. لم يشفق بذلك وظل ينظر لها، بينما هي تفوهت بادعاء الوقاحة:
"عاوز تتجوز من ست سبق نامت في حضن راجل غيرك."
ضغط بقوة فوق عضد يدها يكاد يسحقه قائلاً بنفس الوقاحة:
"يمكن رغبة ولما أنولها تنتهي بسرعة، بس وقتها بأكد لك هتطلعي خسرانة يا ثريا."
عاودت الضحك غصبًا. أي رغبة لديه بها، هي هيكل أنثى فقط. وأي خسارة ستخسرها أكثر مما خسرته سابقاً. فكر عقلها سريعاً، لماذا لا تنتقمي مما فعله بكِ سابقاً حين أمر ذاك الوغد باغتصابك وخرج من ذلك بشهامة يتحدث عنها الجميع بعد أن تبدلت الحقيقة لصالحه. هو يستحق امرأة مثلك خاوية الإحساس والجسد، مجرد هيكل.
نظرات كل منهم للآخر تحدي واحتداد وانتظار لرد فعل الآخر.
خالفت ثريا توقع سراج وقالت باستبياع:
"موافقة أتجوزك يا سراج."
خفف سراج من قبضة يده. توقع أن تساوم أو تدعي الرفض قليلاً تعزيزاً لنفسها. تبدلت نظرته إلى زهو. هو يعلم أنه تظن بزواجها منه لن يطالبها بإعادة قطعة الأرض.
رياح عاصفة أخرى هبت جعلتهما الاثنين يغمضا أعينهما لحظات، ثم فتحا أعينهما.
سحبت ثريا يدها من قبضة سراج، وسارت لبضع خطوات تعطيها ظهرها. قبل أن يقول سراج:
"متفقناش على تفاصيل الفرح اللي بعد أسبوع يا ثريا، ولا إنت اتراجعتي."
توقفت تغمض عينيها للحظات ثم فتحتهما بغضب واستدارت تنظر له قائلة بسؤال:
"فرح مين؟"
اقترب بخطوات بطيئة:
"فرحنا. أنا مش لازمه إشهار. أنا راجل عازب ومن حقي أهلي يفرحوا بيا بعُرس سبع ليالي."
تهكمت بضحك واستقلت قائلة بقصد:
"سبع ليالي بس؟"
"إنت حفيد العوامري المفروض تعمل شهر بحاله، ولا أقوله تمانية وتلاتين ليلة كويس؟ هما نفس عدد الليالي اللي عشتها مع غيث."
صك على أسنانه قائلاً:
"بكفي سبع ليالي. أوفر الباقي مش يمكن..."
أجابته هي:
"يمكن تطلع جوازة خسرانة. بلاش أوهام. أنا وافقت على جواز مجرد إشهار، مش هيصة وفرح."
أجابها بمكر:
"وهو فيه إشهار أكتر من الهيصة والفرح."
"قدامك سبع ليالي بحالهم قبل ما...."
نظرت عينيه أكملت بقية حديثه الفج، وإن كانت أسوأ من الحديث.
أومات رأسها وتبسمت بإغاظة:
"فهمت دماغك يا سراج. إنت عاوز تكمل دور الشهامة، وأنا موافقة. أهو الغلابة هيدعوا لي بعض ما ينوبهم نصيب من خير السبع ليالي. يا ريت غيث كان عمل كده، كان نفعه ثواب في آخرته يكفر عن سيئاته."
"غيث."
تتعمد ذكر اسمه كي يشعر أنه يأخذ فتات ما تبقى من غيره.
بينما هو يشعر بغضب من ذكرها لـ غيت، كأنها كانت تكن له مشاعر. بالتأكيد كانت تخدعه، والدليل عدم مكثها بمنزله حتى انتهاء أيام العزاء، بل سارعت بالمغادرة، وكذا طلب ميراثها منه.
ابتلع كل منهم ريقه الجاف وأومأ برأسه بموافقة.
[عودة]
على صوت رنين هاتفه.
عاد ينتبه، أخرج الهاتف من جيبه، ونظر إليه. تنهد بأسف وهو يقرأ تلك الرسالة الرومانسية. حسم أمره، كي ينهي آمالها الواهية. وأرسل لها رسالة مرفقة بصورة له وهو يجلس بين الرجال، ونص أسفلها:
"لقد تزوجت بأخرى والليلة كانت الحناء والعُرس غداً."
لم يهتم بعد ذلك وأغلق هاتفه وألقاه على الفراش وتمدد عليه، يضع يديه أسفل رأسه، يشغل عقله صورة ثريا العابسة قبل قليل.
***
انتهت الليلة.
وسطع نهار آخر جديد. بنهاية اليوم سيتم الزفاف.
بـ دار سهيلة.
دلفت إحدى النساء تحمل صندوقاً كبيراً قائلة:
"أنا 'عدلات'. بشتغل في دار عمران بيه العوامري. سراج بيه بعتني مخصوص بالصندوق ده ليكي."
تبسمت لها قائلة:
"عارفك يا عدلات. ناسيه إني كنت متجوزة من غيث العوامري والبيوت جنب بعضها."
تبسمت لها قائلة بهمس:
"أنا عارفة شوية عن طباع المرحوم غيث بيه. سراج بيه عكسها خالص، فرق السما من الأرض."
ضحكت ثريا، فهي لا ترى فرقاً، بل غيث كان يخفي مساوؤه عنها، لكن سراج واضح جداً أمامها. تهكمت سائلة:
"بس إيه اللي في الصندوق ده؟"
أجابتها عدلات:
"والله ما أعرف، افتحيه وشوفيه. أنا لازم أرجع للدار. إنتِ عارفة زحمة شغل الفرح. أنا جلبي ارتاح لك والله. الست 'راضية' مرات عمران بيه زيك كده ملهاش في اللوع، وزي البلسم عالجرح. هتنوري الدار."
تبسمت ثريا. بينما قبل أن تغادر عدلات قامت بالزغاريد كثيراً.
لم تهتم ثريا وذهبت نحو ذاك الصندوق قائلة:
"أما أشوف سراج باعت إيه في الصندوق. يمكن تكون قنبلة وتنفجر فيا وأرتاح منه."
فتحت الصندوق. لها كانت قنبلة مثلما قالت. كان أهون.
ضيقت عينيها بغضب مستعر قائلة:
"مفكرني بِت بنوت."
"باعت لي فستان فرح، بالتأكيد قاصد يحرق في دمي، لما الخلق تسخر مني وتاخدني متله في لسانها. مش كفايه إني كنت مسخة النسوان عشية امبارح. وماله، إنت اللي اخترت يا سراج."
***
مساءً.
بـ دار العوامري.
بشقة بمساحة المنزل الواسعة.
كانت غير مجهزة بها سوى غرفة نوم فقط وبضع مقاعد بالردهة.
كان الثلاث شباب مجتمعين معاً.
تحدث آدم:
"خالتي رحيمة صحيت من بدري وطلبت مني أروح دار أهل مراتك."
"مراتك."
اهتز قلبه لتلك الكلمة التي تخصه بملكية لتلك المحتالة.
بينما تساءل إسماعيل:
"مش كنت تستنى شهر على الأقل وتجهز فرش الشقة دي وتتجوز فيها واسعة وكمان مش زي الأوضة بتاعتك اللي تحت."
أجابه سراج:
"أنا عجبتني أوضتي كمان واسعة، وبرتاح فيها أكتر."
ضحك آدم وغمز بعينيه قائلاً:
"براحتك، بس الشقة كانت هتبقى أوسع، ومقفولة عليك إنت ومراتك، محدش هيزعجكم."
نظر له سراج قائلاً:
"بطل غمز منك له وكفاية رغي ويلا اتفضلوا شوفوا طريقكم. عاوز أجهز، خلاص بقينا العصر وقت الفرح قرب."
غمز إسماعيل وهو يضع يده على وجنة سراج قائلاً:
"متنساش تحلق دقنك عشان تبقى ناعمة تحت إيد العروسة."
غمز آدم هو الآخر قائلاً:
"وشعرك كمان ابقى سرحه. إحنا ممكن نساعدك ونـ..."
نظر لهما بغيظ. بنفس الوقت صدح رنين باب الشقة. ذهب إسماعيل وفتح الباب، رحب بـ إيمان التي دلفت تحاول إصدار أصوات مرحة قائلة:
"فين العريس؟ كنت عاوزة...."
قاطع سراج قولها وهو يدفع كل من آدم وإسماعيل وجذب يد إيمان قائلاً:
"وفري زغاريدك اللي شبه صوت السلعوة."
"ويلا خدوا بعض كده وكل واحد يشوف طريقه. مش عاوز إزعاج، عاوز دماغي يبقى رايق."
قام بدفعهم نحو باب الشقة حتى غادروا بضحك، وتركوه يستعد لليلة عرسه.
بعد صلاة العشاء بوقت قليل.
أمام منزل ثريا.
ترجل سراج من سيارته، نظر إلى تلك السيارات التي رافقته بالتهليل، ثم ذهب إلى نحو داخل المنزل. بمجرد أن دلف من الباب وقف مشدوهاً للحظات.
بـ «صدمة مذهلة».
رواية سراج الثريا الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامه
قبل قليل
بـ دار مجدي السعداوي
كُن تجلسن سناء وحنان تُشاهدن أحد الأفلام
الى أن جاء مشهد عُرس بالتلفاز، تبسمت سناء وبلا قصد منها قالت:
إمبارح كنت فى حِنة ثريا، اللى هتتجوز واد عُمران العوامري الكبير، مش عارفه ليه لما بصيت فى وشها حسيت إنها مضايجه، قلبي وجعني عليها جوي... أكيد من نظرات الستات لها، وكمان عمة جوزها شكلها ست حربايه حسيت كده، رغم ان اعرفها إسم وشكل بس، بس مرتاحتش لها.
نظرت حنان لها بإستفهام سائله:
انا شوفت الست دي كذا مره فى البلد حسيت وهي ماشيه نافخه نفسها كده، بس ليه زعلتي العروسة عليها.
تنهدت بآسي قائلة:
مش عارفة صعبت عليا وهي طول الوقت تبص على إيديها،خايفه ترفع راسها زي اللى مكسوفه أو مضايقه يمكن عشان إتجوزت قبل إكده، سمعت همس النسوان بيقولوا عليها عنيها جِبحه مع إنها مرفعتش عينيها، بس يمكن عشان عازبة، حديت الناس كتير... بس البلد كلها بتتحاكي على العُرس سبع ليالي طبعًا مش العريس من عيلة العوامري أغنى عيلة فى الصعيد كله تقريبًا...
قبل أن تُكمل سناء حديثها
دلف مجدي مُتهكمًا وهو ينظر ناحية التلفاز ثم الى زوجته بإستهجان قائلًا:
مين اللى أغنى عيلة فى الصعيد اللى بتتحدتي عنِها دي؟.
إرتبكت سناء وتوترت تجلي صوتها بنحنحه...تهكم مجدي قائلًا:
مالك صوتك راح،كنتم بتتحدتوا عن مين،ولا أجولك،بالتوكيد عن عُرس واد عمران العوامري اللى مسيطر على عقول ولسان الناس...بس أنا مش شايف حاجه محصلتش قبل إكده،هما عيلة العوامري إكده طبعهم بيحبوا الفشخرة الكتير،سبق فى عُرس عُمران العوامري الأول أنا فاكر إنه كان إكده دي فشخره معروف هدفهم من وراها،يلا همي منك ليها حضروا العشا أنا جعان،طول اليوم كنت مع أخوي فى المستشفى،معرفش حفظي راح مصر ومش عاوز يرجع،بتصل عليه جالي لساه الشغل منتهاش جدامه أسبوع كمان،ربنا يسهل ويعاود عشان ننجز فى شىون العمل إهنه، أخوه زي ولدي وياريته حتى نافع فى العلام،شباب العيله دى مفيش من وراهم منفعه،مفيش غير حفظي ياريت بجية شباب العيلة زيه،نفسي يتعلموا من شباب عيلة العوامري ببجي بينهم نار وفى وقت الجد يلتفوا جنب بعضيهم،ويبقوا يد واحدة عشان إكده لهم سطوة.
شعرت حنان برجفة وهي تنهض خلف سناء،لابد أن تتحدث مع آدم قبل ان يعود حفظي كي يتقدم لها رسميًا لا داعي للتأجيل أكثر.
❈-❈-❈
بسفح الجبل
كانت هنالك راقصة غانية تتمايل أمامه بخلاعة بزي فاضح، وهو ينفُخ دخان تلك الآرجيلة شبة مسطول عيناه تنظر نحو تقاسيم جسدها بإشتهاء بفكر سارح يتشوق أن تكون من تتمايل هي من سلبت قلبه منذ أن قابلها أول مرة بمكتب أحد المحامين،
[عودة الى قبل ثلاث سنوات ونصف تقريبًا]
بمكتب أحد أشهر المحامين كان على موعد سابق معه من أجل إحد القضايا الخاصة بشآن أمركتابة عقد لقطعة أرض إشتراها من أحد الفلاحين من أجل توسيع أحد مجالح الكتان، كان بموسم الصيف وتأخر عن ميعادهُ لوقت قليل،ربما هذا كان لسوء حظه فأثناء دخوله الى مكتب المحامي كاد يصتطدم بتلك التى تُغادر المكتب، توقفت قبل أن تحتك به وأخفضت وجهها بخجل، كان له مفعول السحر عليه وهو ينظر لها تنحنح قائلًا:
معليش كنت مستعجل ومخدتش بالي.
رفعت وجهها قليلًا لم تنظر له،لكن وضحت ملامح وجهها الجميله فى الحال إخترقت قلبه،سُرعان ما غادرت دون حديث،فى البداية لم يظُن أنها إحد المتدربات مع المحامي،ظنها إحد الموكلات له، كان هنالك موظفًا فى الإستقبال لاحظ ذلك، نهض واقفًا بترحيب يقول:
قابيل بيه الأستاذ "موسى" فى إنتظار حضرتك من بدري.
تبسم وعيناه مازالت تُتابع خروج ثريا قائلًا:
كان عندي شغل كتير، بس جولي مين الصبيه الحلوة اللى خرجت دلوك دي.
تبسم الموظف:
دي ثريا، متخرجه من كلية الشريعة الإسلاميه، وجايه تتدرب تحت إيد الأستاذ موسى.
لمعت عين قابيل سائلًا:
من عندنا من البلد إهنه.
أومأ له الموظف:
إيوه، خالها "الحج مختار الحناوي" هو اللى أتوسط ليها عند الاستاذ تدرب معاه...حتى محذر عليه بلاش تتأخر فى الرجوع للدار،بنت بجي وخايف عليها من الشباب اللى بتسهر عالجهاوي.
لمعت عين قابيل بشعور يتمكن من قلبه لاول مره ظل ينظر فى أثرها لكن فاق ذلك على نحنحة الموظف نفض ذلك مؤقتًا لوقت لاحق ظلت دفينة قلبه يتابعها من بعيد ينتظر فرصه ولن يتواني أن يتقدم لها،لكن كان هنالك عقبة هى خِطبته لإبنة عمه المفروضة عليه بكلمة العادات والتقاليد الباليه... مرت فترة كان يتحجج ويذهب الى مكتب المحامي، لكن لم يحدث حديث بينهم نهائيًا فقط نظرات ربما لم تنتبه لها كان هذا خطأوه الأول، والخطأ الثاني كان ذهابه مع غيث بإحد المرات غيث كان الأوفر حظًا إستطاع الحديث معها بسهولة دون قيد، بدأ يتوغل ويُشغل عقلها بمعسول كلامه ورِقة أفعاله جعلها توافق ببساطة على الزواج به خطفها من أمامه بكل سهولة.
فاق من سكرة هيامه العقلي على لمسات تلك الغانية التى أخذت من يده خرطوم الآرجيله تتنفس منها وتُزفر الدخان بوجهه،غامت عينيه بالنظر لها وقد فاق على حقيقة تلك الغانيه وزال صاحبة الخيال،قرر عقله لا داعي للإنتظار لما لا تفعل مثلما فعل غيث سابقًا وتحاول إشغال عقلها بنفس الطريقة،نهض بترنُح كاد يقع،لكن تماسك بأحد جُدران الكهف،نهضت تلك الراقصه خلفه تحاول إثارته بدون حياء،نفضها بعيد عنه وخرج من ذاك الكهف إستنشق نسمة هواء،ربما هى ما ساعدته على العودة للوعي مره أخري وهو يسير بدروب الجبل،حاسمًا عقله بكل خطوة إنتهي زمن التعقُل،وإن أرادت إيناس ذاك الجنين الذى برحمها سيتزوج بأخري وتكون مساومة عادلة.
❈-❈-❈
بـ دار ثريا
تهدلت بسمة سراج وتبدلت الى غيظ وغضب وهو يرا تلك المُحتالة ترتدي ثوب يُشبة عباءة عربية باللون العسلي المُزخرف بالتطريز كذلك بعض اللولو المُذهب، لم ترتدي ثوب العُرس الذي أرسله لها، بالتأكيد فعلت ذلك عنادًا به، صك أسنانه بغضب لولا الواقفين لكان صفعها، لا فى البداية كان شق ذاك الثوب أولًا وقطعه قطع صغيرة يستطيع شنقها بها لاحقًا، لكن تمالك ذاك الغضب حين خرجت رحيمة من خلفها تُصفق وتُغني بمرح، تسحبها من يدها تسير بها نحوه، وجذبت يدها وضعتها بيده، أخذها منها وسط تجمُع نسائي يشدوا بالاغاني الفلكلورية،غادر المنزل وهي برفقته الى أن توقفا أمام تلك السيارة المُزينة بالزهور،قبضة يد سراج على يدها جعلتها رغم تآلمها ضحكت بعد أن كانت عابسة،فتح لهما السائق باب السيارة دخلت ثريا وهو خلفها جلس الى جوارها يُزفر نفسه قائلًا:
إطلع عالدار.
تبسمت ثريا قائله:
مش كنت بتجول إن هنروح قاعة زفاف.
ضغط على أسنانه ورمق ذلك الزي عليها بإزدراء وتعمد الوقاحة قائلًا:
لاء غيرت مزاجي،العباية دي مُثيرة أوي عليكِ مالوش لازمة نضيع وقت فى مظاهر فارغة.
رغم مغزى حديثه الوقح التى فهمته لكن لا تعلم لما لم تشعر بالرهبة وإبتسمت مما زاد فى غيظ سراج...الذي إلتزم الصمت دقائق الى أن توقفت السيارة أمام دار عمران العوامري...ترجل من السيارة،وقف يتنفس الهواء لثواني قبل أن ينحني ويمد يدهُ لـ ثريا كي تترجل هى الأخري من السيارة،بالفعل لم تتردد ووضعت يدها براحة يده لم تُخفي بسمتها وهي تشعر بقبضة يده على كف يدها بقوة،تعمدت الذهاب نحو مُقدمة السيارة،وجذبته خلفها سار بضيق وتعجب حين أخذت بعض الزهور التى كانت تُزين بها السيارة جمعت منها شبة باقة صغيرة،صك أسنانه وجذبها مره أخري حين إقتربت منهم رحيمة وسعديه ونجية والدة ثريا كذالك إلتف حولهم بعض النساء مره أخري وهو يدلف الى داخل المنزل يُهللون للعرسان،توقف قبل ان يدلف الى داخل المنزل لصعوبة السير البطئ
بسبب تلك النساء المحاوطات لهما شعر بإختناق من ذاك الموقف كآنه مُدبر منها عمدًا
على يقين أنها نفسها تبغض ذلك لكن عنادًا فيه ترسم بسمة كيادة.
بعد دقاىق بطيئة دلفا الى رُدهة دار عمران كان فى إستقبالها كل من
فهيمة زوجة عمران كذالك إستقبال فاتر ولاء التى عمدًا ذهبت نحو سراج وإحتضتنه تُهيمن كآنها هي والدته وسلمت عليها بفتور،ترحيب من إيمان البشوشة وخادمات المنزل،كذالك كل من
آدم وإسماعيل التى تعرفهما سابقًا كذالك عمران الواقف بعيدًا،ذكريات تمر أمام عيناه يومًا كان هكذا يدلف بزوجة عشقها لكن لم يكُن العشق كافيًا لنيل السعادة...دقائق أخري لو زادت ستختنق ثريا رغم بسمتها المُستفزة لبعض من حولها...
بالفعل إنتهت تلك الدقائق وصعد بها الى غرفة نومه،فتح لها الباب،دخلت ثم هو خلفها يغلق الباب بقوة،أخفت بسمتها،وقفت بمنتصف الغرفة تدعي البرود وهى تُقرب تلك الزهور من أنفها تستنشق عبقها بإستفزاز لـ سراج الذي يتقدم نحوها بخطوات بطيئه تفترس ملامحها بغضب
وهي تستنشق تلك الوردات
غفلها وجذبها بقوة من عضدي يديها وضغط عليهما بقوة ينظر الى وجهها التى تبدلت ملامحه من إستفزاز الى ترقُب، بالأخص شعرت برهبة قديمة عادت لقلبها كانت تلك القبضة نفس قبضة يدي غيث...إرتعشت...
ندمت...ذمت نفسها كيف وافقت تعود لتلك المشاعر الرهيبة مرة أخري،نظرت حولها بريبة لوهلة قبل أن يُخفف سراج قبضتي يدها عن عضديها قائلًا بغضب
بقوة عليه أرغمها أن تنظر له، تنفس بغضب قائلًا:
ملبستيش الفستان اللى بعته ليكِ مع عدلات ليه؟.
رغم تآلمها من قبضة يد سراج لكن تبسمت تنظر لعينيه دون رد
إحتدت نظرة عيناه كذالك قبضة يده على عضدها قائلًا بإستفهام:
قصدك إيه، إنتِ وافقتي عالجواز محدش غصبك.
حاولت نفض يده عنها لكن هو مازال متمسكًا بها بقوة، نظرت لعيناه مره أخرى قائله:
إنت قولتها وافقت بمزاجي، ومزاجي ملبسش فستان زفاف.
عاود السؤال بغضب وإحتقان:
ملبستيش فستان الزفاف اللى بعته ليكِ مع عدلات ليه؟.
إزدردت ريقها وحاولت الثبات قائله:
هو فى حد بيلبس الكفن مرتين يا سراج.
نظر الى عينيها كان بها لمعه خاصة، لم يستطيع تفسيرها وكاد يسألها ماذا تقصد لكن خفض بصره نحو شِفاها اللتان تضمهما وهي تبتلع ريقها لوهله لم يُفكر وإنحني وكاد يُقبلها لكن...
بينما هى تحجرت الدمعه بعينيها آبت النزول
من بين أهدابها،ضمت شفتاها تحاول كبت مشاعر الغضب بداخلها،ثم رفعت وجهها رأت إنحناء رأس سراج وإقترابه من شفتاها كانت لن تسمح له،لكن كان هنالك عقبة أخري أمام سراج وهو صدوح رنين هاتفه الذي أفاقة من ذاك الشعور،ترك عضديها وأخرج هاتفه نظر له ثم لها،فتح الإتصال وضع الهاتف على أذنه يسمع
ثم قال بإمتثال:
تمام ساعة بالكتير وأكون عندك.
أغلق الهاتف ونظر نحو ثريا التى تُمسد عضديها بيديها وتحدث بأمر:
أنا خارج دلوقتي،وإياك تخرجي من باب الأوضة لحد ما أرجع ولينا حساب عالجلابيه اللى إنتِ لبساها دي.
تهكمت بإحتقان ولم تُبالي بتهديده،زفر نفسه وهو يتوجه ناحية باب الغرفة ثم عاود رمقها بوعيد،غادر الغرفة وأغلقها خلفه بالمفتاح من الخارج،إستغربت ذلك وذهبت نخو باب الغرفه وكادت تتحدث لكن لم تُبالي وهي تتمعن بالغرفه ذات الأثاث الوثير
غرفة واسعة بمساحة منزل والدتها لا بل أكبر منها، لم يلفت نظرها أي شيئ بالغرفة لم تعُد يُذهلها أي شيئ سابقًا مع غيث عاشت فى شقة واسعة كانت سجنًا بشع، تهكمت برأسها تنهدت بغصة قائله:
هنا سجنك الجديد يا ثريا.
ذهبت نحو خزانة الملابس فتحت ضلفه خلف أخري الى أن وجدت ثياب نسائيه جذبت منامة حريرية صيفيه بنصف كم ، ذهبت الى الحمام أنعشت جسدها بحمام هادئ وخرجت نظرت الى صنية الطعام الموضوعه بالغرفة لم تُبالي، لا تشعر بجوع هى تود النوم فقط منذ ليالي لم تنام جيدًا، وبالاخص الليله الماضية كانت كلما تذكرت نظرات النساء لها تسبب لها آرق، لكن الليله إنتهت تلك المِحنه التى وضعها بها سراج، نظرت بالغرفه
كان هنالك فراش كبير، كذالك آريكه أسفل ذاك الشباك الزحاجي، وعِدة مقاعد، فكرت أن تنام فوق الفراش، ذهبت نحوه وتمددت عليه رغم ليونته الواضحة لكن شعرت أنه جامد،
حاولت النوم لكن لم تستطع. نهضت من فوقه بضجر، وذهبت تجلس على تلك الأريكة وتمددت بساقيها، فتّحت تلك الستائر، تنظر إلى السماء. كانت ليلة شبيهة بليلة زفافها الأولى، نجوم ولا قمر ظاهر، أو ظاهر بعيدًا. تذكرت ليلة زفافها على غيث... هو الآخر تركها بعد أن دخل بها إلى الشقة الخاصة بهم.
إستغربت ترك غيث لها بعد أن أتاه إتصال هاتفي، بعدما كان يحاول إستمالتها بوقاحة فجة منه كي تمتثل لرغبته بها، وهي تشعر بالخجل والرهبة والنفور بنفس الوقت. إبتعد عنها وقام بالرد على الإتصال، ولاحظت تبدل ملامحه الرائقة السابقة إلى غضب وتجهم. أغلق الهاتف ولم ينظر لها وغادر الشقة.
عاد بعد وقت طويل، ظلت فيه هي ساهدة تنظر من الشرفة بين الحين والآخر، تستشعر قلقًا عليه، والظنون تتلاعب بها. بعد وقت طويل، أذن الفجر، نهضت تتوضأ وقامت بالصلاة، ثم عادت تنتظر إلى أن سمعت صوت فتح باب الشقة. خرجت من غرفة النوم، توقفت تنظر له بصدمة وهي ترى ملابسه شبه اختفى لونها بسبب الدماء الكثيفة عليها. في البداية، اقتربت منه بقلق ولهفة، سألته:
"غيث إيه الدم اللي على خلجاتك ده، إنت كويس؟"
دفعها عنه بغضب قائلًا:
"أنا كويس، روحي حضري لي الحمام عشان أتسبح."
بفضول أو بإرادة معرفة سبب تلك الدماء، عادت تسأله:
"إيه سبب الدم اللي مغرقك ده؟"
دفعها بعنف كادت تقع أرضًا، قائلًا بإستهجان:
"جولت لك حضري لي الحمام، إنتِ مين عشان تفتحي لي تحقيق."
صمتت وإمتثلت، ذهبت نحو الحمام حضرت له الحمام، وعادت للغرفة لكن وقفت مصعوقة حين سمعت حديث غيث على الهاتف وهو يؤكد بشرر:
"خلاص مش هيقدر يتحدت تاني، أنا جتلته ورميت چتته لديابة الجبل. سبق جولت تمن الخيانة الموت، وهو كان خاين وكان بيساوم."
"بس ميعرفش أنه بيساوم مين، كلب حقير كان تمنه رصاصة في الراس، عشان يبجي عبرة لغيره يفكر يغدر بينا. يعرف إن محدش هيتاوي چتته، هتبجي واكل للديابة."
قطب على بقية حديثه حين سمع شهقة ثريا الخافتة التي سقطت تلك المنشفة من يدها أرضًا. وجه نظره لها بنظرة كفيلة بجعلها تغيب عن الوعي. أغلق الهاتف بدون إهتمام، وذهب نحوها بخطوات متمهلة، عيناه تنضب بشرر ناري، وهي مثل التي تيبس جسدها في محله.
رغم ذلك، يبتسم بوحشية، جذبها من خصرها عليه بعنف، ينظر لها، يلعق شفتيه بإشتهاء مقزز.
قائلًا بغضب:
"إنتِ سمعتي إيه؟"
تلجلجت وارتجفت وتعثمت بسؤال أبله منها:
"إنت جلت؟"
"جتـ جتلت مين وليه؟"
لم يهتم بذلك وهو يضع رأسه بعنقها، يلثمه بأنفاسه، لكن هي شعرت بإحتراق عنقها. حاولت الفكاك من أسره، لكن كان متمسكًا بقوة، يديه تضغط على خصرها تكاد تتوغل إلى عظامها. حاولت الفكاك، تلوت بين يديه، ما كان هذا إلا أن يزيده إثارة وإشتهاء. بصعوبة استطاعت الفكاك من أسره وخرجت من الغرفة مسرعة، توجهت إلى غرفة أخرى بالشقة، دخلت وأغلقت باب الغرفة عليها بالمفتاح من الداخل.
إنهارت ساقيها وجلست تستند بظهرها على باب الغرفة، تكبت شهقاتها مع دموعها. بعد أن لحقها غيث، لكن كانت الأسرع وأغلقت على نفسها. وقف يطرق الباب قائلًا ببرود:
"هسيبك الليلة بس على ما تقدري تفهمي كويس، بس بلاش تسوقي فيها أنا مش بصبر كتير، يلا تصبحِ على خير يا حلوة."
لم تستطع الرد عليه، كأنها فقدت صوتها، أو حقًا خافت من نظرات عيناه المتوحشة.
عادت حين شعرت بهزة قوية في جسدها وارتجفت، ليس شعورًا بالبرد بل شعورًا بالضياع مازال يلاحقها حتى في أحلامها وصحوتها. تركها هيكل أنثى خاوية، خالية من المشاعر، باردة. لفت نظرها ذاك الشهاب الذي شق السماء. قديمًا كانت حين تراه تغمض وتتمني أمنية واحدة، هي السعادة فقط.
السعادة بعلم يرفع من شأنها، درست القانون، أرادت الدفاع عن من يستحق.
السعادة برجل يصونها.
لم تجد ذلك في زيجاتها الأولى، بل حطمها، وها هو آخر يأخذها محطمة، لكن يستحق ذلك.
هو مثل غيث.
ليلة نفسها تُعاد مرة أخرى...
سأل عقلها:
"أين ذهب، وهل سيعود ملابسه ملوثة بالدم كمثل غيث؟"
جاوبها عقلها:
"غار في داهية إن شاله ما يرجع، أنا شاغلة راسي بيه ليه، غلطتي يا ثريا لما وافقتي عالجواز منه، بس هو يستحق ست زيي تمر في حياته تكرهه في الصنف كله بعد كده."
***
بين شقوق تلك الجبال، كانت كاشفات بأيدي جنود وضباط يصعدون بأصوات هامسة كي لا يثيروا الانتباه ويفر المجرمين الماكثون بأمان بسفوح ذاك الجبل. صعدوا إلى بداية الجبل، لكن كان المراقب الذي يحرس الجبل، رأى بعض تلك الأنوار الخافتة، وهرول ناحية رئيس الجبل وحذره، مما سبب صدمة وفقد الإدراك. هرول كي ينجو بعمره، تاركًا خلفه البقية بعد أن أطلق بوق الإنذار. هرولوا جميعًا يخرجون بين السفوح إلى الشقوق التي قد يستطيعوا الهرب منها، لكن كانت بدأت.
المداهمة... وحدث تراشق بين هؤلاء الفارون الخارجون عن القانون، ورجال الجيش وقائدهم الذي كان معهم. دقائق، ساعات، تراشق والغلبة كانت للجيش الذي صفى عناصر كثيرة من عتاد الإجرام وقبض على آخرون.
بعد وقت، قبل الفجر بدقائق.
بمكتب مديرية أمن قنا...
وقف اللواء يمدح في بسالة سراج قائلًا:
"العملية تمت بنجاح، تعاون بين رجال الجيش والشرطة، تم القبض وتصفية عناصر إجرامية كانت واخدة الجبل مأوى لها، ضربة قوية صحيح في بعض المجرمين أكيد هربوا بس على الأقل نجحنا إننا نحرز كميات سلاح كمان ممنوعات كبيرة كانت هتضر البلد. طبعًا سبب رئيسي في نجاح العملية هو القائد سراج، مبروك الترقية مقدمًا، واضح إن وش العروسة عليك حلو، بس طبعًا إياك تسامحك إنك سيبتها ليلة الدخلة وطلعت مداهمة، أكيد هتحتاج لمجهود عشان تصالحها."
تهكم سراج لنفسه، فالبتأكيد لن يفرق مع ثريا هذا، لكن تبسم لقول اللواء:
"تمام كده، مازالت مهمتك مستمرة هنا في الصعيد، محتاجين مجهودات ضابط كفؤ وجسور زيك، بس طبعًا رجعت لأجازتك وأي معلومات طبعًا الوسيط موجود."
تبسم سراج قائلًا:
"الوسيط مصاب يا أفندم وأعتقد هيحتاج هو كمان فترة نقاهة، العملية تمت في فترة وجيزة جدًا."
تبسم القائد قائلًا:
"تمام، أنتم الإتنين في أجازة بس بلاش تتعودوا على الانتخة، لسه قدامكم مهمات كتير ناجحة لصالح أمن البلد."
تبسم سراج وأدى التحية العسكرية وغادر ذاك المبنى الحكومي.
عائدًا لتلك المحتالة بترقب من عقله، ترا هل مازالت ملتزمة ولم تغادر الغرفة.
دقائق وكان الجواب.
***
تسلل إلى المنزل خِلْسة كما خرج منه سابقًا، الجميع يظنه مع زوجته في الغرفة يقضي وقت ممتع، بينما هو يشعر بإرهاق بدني بعد تلك المداهمة التي استمرت لساعات.
فتح باب الغرفة ودخل، يضع إحدى يديه على عنقه، يمسدها من الألم. تفاجئ بضوء بالغرفة ساطع، في البداية استغرب ذلك وظن أن ثريا مازالت مستيقظة. نظر نحو الفراش لم يجدها، بالتبعية جالت عيناه بالغرفة، رآها غافية على تلك الأريكة، تقوس ساقيها، بمنامة ناعمة ومحتشمة. تبسم بإستهزاء، ذهب نحو تلك الأريكة.
نظر لها وهي نائمة لوهلة، فكر في إيقاظها، لكن فكر بالتأكيد لن يسلم من سلاطة لسانها، وهو مرهق وغير قادر على مجادلتها. ذهب نحو حمام الغرفة، خلع ثيابه التي بها آثار دماء... ألقاها بتلك السلة الخاصة بالملابس غير النظيفة. شعر بألم حين لامست المياه جسده بسبب بعض الخدوش والكدمات. وضع بعض المراهم المسكنة على جسده وخرج من الحمام يرتدي سروالًا فقط، عاري الصدر. نظر نحو تلك الغافية على الأريكة والتي زمت ربما بسبب عدم راحتها بالنوم على تلك الأريكة. رغم إرهاق جسده، اقترب منها وحملها.
ظن أنها قد تصحو، بالفعل فتحت عينيها للحظات ثم أغمضتها مرة أخرى ظنًا أنها تحلم، حتى الحلم بحدوث ذلك مستحيل. عادت للنوم دون وعي ولا اهتمام.
وضعها فوق الفراش وسرعان ما انضم لجوارها غافيًا هو الآخر.
***
بعد مرور عدة أيام.
مازال حديث.
البلد كلها عن زواج سراج وثريا.
وربما صدفة قدرية أفضل من ميعاد سابق.
أثناء سيره بالبلدة عائدًا من المشفى بعد زيارته اليومية لأخيه المحجوز بالمشفى، تقابل مع ذاك الشاب الذي قطع الطريق وتوقف أمامه...
رمقه لوهلة بلا اهتمام، وكاد يكمل طريقه لكن.
رفع آدم يده له مصافحًا يقول:
"أنا آدم عمران العوامري."
نظر مجدي ليد آدم لوهلة قبل أن يمد يده ويصافحه... تبسم آدم قائلًا:
"في موضوع مهم لازم نتكلم فيه سوا."
نظر له مجدي بإستغراب سائلًا:
"وإيه هو الموضوع المهم ده؟"
أجابه آدم بإيجاز:
"موضوع مهم مش هينفع نتكلم فيه وإحنا واقفين في الشارع كده... عارف إنك مش هتستقبلني في دارك، ممكن نقعد في أي مكان."
وافق مجدي قائلًا:
"تمام، في استراحة في المحلج ممكن نتحدت فيها بـ..."
قاطعه آدم:
"الأفضل نتحدت دلوقتي."
استغرب مجدي من إصرار آدم وزاد فضوله لمعرفة ذاك الأمر الهام، وأومأ موافقًا.
***
بدأت إيمان العودة للدراسة مرة أخرى، لكن بعد انتهاء محاضراتها ذهبت إلى مركز الشباب كما تعودت، وبالأخص الفترة الماضية بعد غياب جسار الذي قال أن أجازته ليومين فقط وامتدت لوقت أطول من ذلك. لم يتلاعب بها الفضول، وشعرت بانبساط، لكن استغربت أثناء دخولها إلى داخل مركز الشباب بسماع أصوات تمرينات الكاراتيه. كان ذلك في البداية قبل أن تزفر نفسها بالتأكيد عاد ذاك الغليظ مرة أخرى.
دخلت إلى قاعة التمرين، لكن تفاجأت به يجلس على مقعد وإحدى يديه معلقة بعنقه بحامل طبي. لم تستطع إخفاء بسمتها وهي تقترب منه سائلة بشبه شماتة:
"خير إيه اللي حصلك يا كابتن، إنت خبطت في موتوسيكل، لأ مش حادثة موتوسيكل اللي تسبب الإصابة والتشوهات اللي في وشك دي."
"أكيد حادثة توكتوك."
رف قلبه حين رآها ولا يعلم سبب لذلك، لكن حين سمع قولها الواضح به التشفى، تفوه بتفسير:
"واضح جدًا إنها لا حادثة موتوسيكل، ولا توكتوك، أنا كنت في ماتش Street fight."
"قتال شوارع... والماتشات دي معروفة."
نظرت له بإستفسار سائلة:
"وإيه يجبرك تدخل ماتشات من النوعية الرخيصة دي، كل شيء فيها مباح."
"ضرب في أي مكان في الجسم وبأي شيء."
أجابها ببساطة عن عمد:
"كنت في رهان وكسبته وخدت من وراه مبلغ مالي كويس."
تبدلت نظرتها إلى ازدراء قائلة:
"بلاش تتكلم في النوعية دي من الماتشات قدام الأطفال... أنا بعلمهم إن الرياضة أخلاق مش استقواء وحرب شوارع قذرة."
نظر لها بنظرة إعجاب وأخفى بسمته.
***
بدار العوامري.
رغم مرور أيام على زواجهم لكن كان هنالك هدنة بينهم، كل منهم يحاول ألا يثير اهتمام الآخر، حتى سراج ظن أن ثريا قد تلجأ للإغراء كي تجذبه لها، لكن هي تلتزم بزي بسيط من منامات شبه محتشمة، رغم أنها أحيانًا تكون مفسرة لمعالم جسدها، لكن تتعمد الابتعاد عنه، حتى نومهم بفراش واحد تلتزم الطرف بعيد عنه، وهو يفعل ذلك متعمدًا منه.
خرج من الحمام متعمدًا بسروال فقط، عاري الصدر، كانت تقف أمام المرآة تضع كحلًا بعينيها، حين رأت انعكاس وقوفه خلفها.
لم تحايد النظر لانعكاسه بالمرآة، أكملت وضع كحل حتى شعرت بأنفاسه قريبة من عنقها.
إستدارت تنظر له، لم تحايد بصرها عنه.
لكن هو نظر إلى عينيها اللتان رسمتهما بكحل رفيع أظهر أهدابها الكثيفة، لكن تخابث قائلًا:
"شايف إنك مش مكسوفة وأنا واقف قدامك."
ضحكت سائلة:
"وهنكسف ليه، هي أول مرة أشوف راجل نصه عريان، سبق وشوفت راجل عريان بالكامل، ناسي إني كنت متجوزة قبل كده وعادي يعني."
نظر لها بغيظ وجذبها من عضديها قائلًا:
"واضح إن معندكيش حيا، تمام يا زوجتي الوقحة."
"إعملي حسابك المسا هنتمم الناقص في جوازنا."
فهمت حديثه، نظرت له وسرعان ما ارتبكت وشعرت بتوتر، لكن لم تُظهر ذلك، وأومأت رأسها بلا مبالاة، بينما شعر سراج بغيظ أقوى، وهو يفكر.
بطريقة يستطيع بها.
"كسر عصيانها".