كنت واقف في مكان واسع جدًا وقدامي بحر، الماية صافية بشكل غريب.
سمعت صوت خطوات ورايا، لفيت بسرعة لقيت راجل طويل لابس بدلة بيضا.
سألني بكل هدوء وهو باصص على البحر:
_ بتحبها؟!
بصيت له ثواني، مكنتش عارف بيتكلم على مين، بس جت في بالي أهِله بسرعة، فـ قولت له:
_ بحبها جدًا.
قال لي:
_ طب ابدأ خد خطوة.
بصيت لبعيد وأنا بقول له:
_ بس هي شايفاني صغير بالنسبة ليها وممكن ترفض.
قرب مني خطوتين، بص في عيني بثبات، وبعدين مسك إيدي الاتنين وهو بيقول:
_ بتحبك وهتوافق بس الحق نفسك.
وفجأة الشخص ده اختفى من قدامي.
غمضت عيني بتوهان ورفعت إيدي أمسح بيها على شعري، فتحت عيني مرة تانية.
لقيتني في أوضتي وعلى سريري، مش عارف نمت إمتى.
آخر حاجة فاكرها كانت الأسورة بين إيديا.
بصيت لإيدي بسرعة، كنت لسه ماسكها، إيدي كانت ماسكة فيها كأني كنت خايف تضيع مني.
قعدت نص قعدة على السرير، وبصيت حواليا باستيعاب. أدركت إنه كان حلم، بس جملته الأخيرة اللي قالها لي: "بتحبك وهتوافق بس الحق نفسك" بتتردد في دماغي.
سندت راسي على ضهر السرير وأسئلة كتير بتدور في بالي:
_ مين قال إنها بتحبني؟ وعرف منين إنها هتوافق؟ و... الحق نفسي! اشمعنا يعني؟! هو مين ده أصلاً؟!
أدركت وقتها إن ده مش حلم عشوائي، ده كان رسالة.
قومت من على السرير ببطء، ورحت ناحية الشباك، فتحت الستارة سنة. النهار كان لسه بيشقشق، لون السما ما بين أزرق غامق ورمادي. الهدوء غريب، كأن الدنيا كلها مستنية حاجة تحصل.
بصيت للأسورة تاني قلبي دق جامد، الإحساس ده... نفس الإحساس اللي جالي أول مرة شفتها بتعيط ساعة ما جالنا خبر خالتي (مامتها) من المستشفى. هو هو نفس الإحساس اللي جالي وقت ما سمعت ماما بتقولي:
"يونس قوم البس عشان تروح تجيب أهِله بنت خالتك... باباها قالها تسيب البيت من بكرة عشان هيتجوز!"
وهو برضه نفس الإحساس اللي جالي وهي ماسكة دراعي واحنا على النيل.
رجعت قعدت على السرير، وحطيت الأسورة قدامي. مرت قدام عيني جملة قرأتها على السوشيال من فترة:
"اللي بيخاف يخسر... بيخسر فعلًا."
اخدت نفس عميق وسألت نفسي:
_ مستني إيه؟ مستني إشارة أوضح من كده؟ واحد بيظهرلي في حلم ويقولي "الحق نفسك" وأنا لسه بفكر؟
رجعت ضهري على المخدة وبصيت للسقف. لأول مرة من زمان دماغي تكون مش شغالة في سيناريوهات رفض، بفكر هطلبها إزاي وبس.
ابتسمت تلقائي. قررت إني هكلم ماما وأشوف هنتصرف إزاي الصبح على طول.
صحيت لما سمعت صوت ماما في المطبخ، قلبي دق. قومت بسرعة بحماس، غسلت وشي، وبصيت لنفسي في المراية وقولت:
_ خلاص مفيش رجوع ولا خوف تاني.
ماما كانت واقفة قدام البوتاجاز، بصتلي باستغراب وهي بتقول:
_ صاحي بدري كده ليه؟
قعدت قدامها على الترابيزة وقولت لها:
_ عايزك في مهمة كده.
وقفت لحظة وبصتلي بتركيز وسألتني:
_ خير؟
بلعت ريقي بس المرة دي ما ترددتش لحظة وقولت لها:
_ عايز أكتب كتاب يا ماما.
ضحكت بتريقة وهي بتقول:
_ كتاب إيه يا حبيبي بقى؟
قولت لها بثبات:
_ ماما مش بهزر، أنا عايز أكتب كتابي.
بصتلي ثانيتين من غير ما تتكلم. وشها اتغير من استغراب لدهشة، وبعدين ابتسامة صغيرة ظهرت على طرف شفايفها. مسكت الكوباية اللي قدامها وحطتها بهدوء، وقالت وهي بتبصلي نظرة عميقة كأنها كانت مستنية الجملة دي من زمان:
_ على مين يا يونس؟
أخدت نفس عميق وقولت:
_ على أهِله.
ماما رجعت ضهرها للكرسي، وفضلت باصة في وشي شوية وبعدين قالت:
_ وأنت مستعد يا يونس؟
هزيت راسي بسرعة من غير تردد.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء أم:
_ بص يا يونس أهِله مش سهلة، مرت بحاجات كتير وأنت عارف... فـ فكرة الأمان عندها تقيلة.
قومت من مكاني وقربت من ماما، حطيت إيدي على الترابيزة وأنا بقولها:
_ أنا مش صغير يا ماما. حتى لو هي شايفاني كده... أنا هخليها تشوف غير كده وهقدر أحافظ عليها وأحميها.
بصتلي ماما بنظرة رضا ممزوجة بقلق وهي بتقول:
_ وفرق السن؟
ابتسمت وقولت لها:
_ سنة يا ماما مش عشرين والسن مش عائق في الإسلام يعني.
ضحكت بخفة، بس رجعت جد تاني وقالت:
_ طب وأبوها يا يونس؟
الاسم ده خلى نفسي يضيق لحظة بس افتكرت جملة: "اللي بيخاف يخسر بيخسر فعلًا." فـ قولت:
_ هكلم ساهر ياخدلي معاه ميعاد وأروح أتفق معاه هو ووالد ساهر وساهر وبعدها أخدها ونكتب هناك ونرجع.
بصتلي ثواني وقالت:
_ نتوكل على الله. بس اسمعني يا يونس... لو هي قالت لأ؟
السؤال ده كان لازم ييجي وقتها. غمضت عيني لحظة ورجعت فتحتها وقولت:
_ ساعتها هبقى حاولت ومش هعيش طول عمري بقول "يا ريت".
بالليل كنا قاعدين كلنا وسارة معانا كمان، ماما غمزتلي عشان تقول لأهِله. وأنا هزيت دماغي بالموافقة.
وهي قالت:
_ يونس انزل هات برشام للصداع من الصيدلية وتعالى.
فهمت فـ قومت بهدوء نزلت شوية. حوالي ساعة وطلعت.
وقفت لحظة قدام باب الشقة، وكنت متوتر. اخدت نفس عميق، وفتحت.
نور أوضة أهِله منور والباب مقفول وهي مش مع ماما وسارة، فهمت إنها جوه.
بصيت لماما بسرعة. لفيت بنظري على سارة، بحاول أشوف ملامح وشهم بتعبر عن إيه... لكن مقدرتش أحدد كويس.
قربت من ماما بسرعة، نزلت على ركبي قدامها وأنا بسألها بلهفة:
_ ها يا ماما... طمنيني!
بصتلي ثواني، وحطت إيدها على كتفي وقالت بكل هدوء:
_ ...