تحميل رواية «مهرة الكابر» PDF
بقلم نون
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انبعث غبار كثيف من تحت حوافر الخيل وهي تضرب الأرض بقوة صوت الصهيل يملأ ساحة الدوّار الكبير وقف جاسر الكابر في شرفة قصره العالي يراقب تدريبات الخيول بعينين تشبهان عيون الصقر حادة لا تفوت شاردة ولا واردة كان طويل القامة عريض المنكبين بشرته لوحتها شمس الصعيد القاسية وشاربه الكثيف يزيده هيبة ووقاراً.. رجل يهابه الكبير قبل الصغير في "نجع الهواشم نادى بصوته الجهوري الذي جعل الغفير مصلحي ينتفض في مكانه بالأسفل يا مصلحي.. وقف الرماحة دلوك الخيل تعبت هرول الغفير ورفع رأسه بخوف أمر جنابك يا جاسر بيه بس عق...
رواية مهرة الكابر الفصل الأول 1 - بقلم نون
انبعث غبار كثيف من تحت حوافر الخيل وهي تضرب الأرض بقوة صوت الصهيل يملأ ساحة الدوّار الكبير
وقف جاسر الكابر في شرفة قصره العالي يراقب تدريبات الخيول بعينين تشبهان عيون الصقر حادة لا تفوت شاردة ولا واردة
كان طويل القامة عريض المنكبين بشرته لوحتها شمس الصعيد القاسية وشاربه الكثيف يزيده هيبة ووقاراً.. رجل يهابه الكبير قبل الصغير في "نجع الهواشم
نادى بصوته الجهوري الذي جعل الغفير مصلحي ينتفض في مكانه بالأسفل
يا مصلحي.. وقف الرماحة دلوك الخيل تعبت
هرول الغفير ورفع رأسه بخوف
أمر جنابك يا جاسر بيه بس
عقد جاسر حاجبيه وسأله بحدة:
بس إيه؟ انطق
أشار مصلحي بيده المرتجفة نحو الزاوية البعيدة من الإسطبل
فيه فرسة جموحة يا بيه
الشيخ راضوان مش قادر يسيطر عليها، والبت بنته هي اللي دخلت عليها
لمع بريق غريب في عيني جاسر ولم ينتظر دقيقة نزل درجات السلم بخطوات واسعة وقوية وصوت "الجزمة" الجلدية يتردد صداه في المكان وصل إلى الإسطبل ليرى مشهداً أوقف الزمن للحظات
حصان عربي أسود هائج يضرب الأرض بقدميه، وأمامه فتاة
لا بل كانت مُهرة بشرية
كانت دهب ابنة سايس الخيل الفقير عيناها بلون العسل الصافي وشعرها الغجري المتمرد هربت خصلاته من تحت طرحتها المهترئة كانت تقف بثبات أمام الحصان الهائج تهمس له وتمد يدها بجرأة لم يمتلكها الرجال.
سكن الحصان فجأة تحت لمستها، وكأنها سحرته.
لكن السحر الحقيقي كان قد أصاب جاسر الكابر.
صفق جاسر ببطء، صوتاً قطع الصمت فالتفتت دهب بفزع لترى سيد النجع يقف أمامها بابتسامة ساخرة تخفي وراءها رغبة جارفة.
اقترب منها ببطء، وقال وعيناه تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها بوقاحة متعمدة
عفارم عليكي يا بت رضوان روضتي الوحش اللي عجزت عنه الرجالة
تراجعت دهب للخلف، وشدت طرحتها على صدرها وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً
الخيل بيحس يا بيه.. القسوة مابتجبش معاه نتيجة
الخيل عايز اللي يطبطب
ضحك جاسر ضحكة هزت صدره واقترب خطوة أخرى حتى حاصرها بجسده الضخم أمام باب الإسطبل الخشبي
والخيل بس اللي عايز طبطبة؟
ولا صاحب الخيل كمان؟
احمر وجه دهب غضباً ورفعت عينيها في عينيه بجرأة صدمته
أنا جاية أساعد أبوي يا جاسر بيه ولقمة عيشنا عندك لكن الكرامة مش للبيع
ضاقت عينا جاسر وتحولت ملامحه للجدية المخيفة همس بصوت كفحيح الأفعى
وانا مابشتريش غير الغالي
والدهب يا دهب.. واللي يعجب الكابر مبيطلعش من يده
تركها وركب خيلآ ومشى نحو رضوان والدها الذي كان يرتجف خوفاً وأخرج رزمة من المال ورماها في حجر الرجل العجوز قائلاً بصوت سمعه الجميع
يا عم رضوان.. جهز بنتك
الليلة دخلتها المأذون جاي
شهقت دهب بصدمة
وصرخ والدها بفرحة ممزوجة بالذل
ده يوم المنى يا بيه.. ده الشرف لينا
نظرت دهب لوالدها بذهول ثم لجاسر الذي كان يركب حصانه وينظر إليها نظرة انتصار، صرخت فيه
أنا مش موافقة الجواز
مش غصب
لف جاسر حصانه حولها وانحنى بجزعه حتى أصبح وجهه قريباً من وجهها وهمس لها وحدها
الكلمة هنا كلمتي.. والليلة هتكوني في فرشتي برضاكي أو غصب عنك.. إحنا صعايدة يا بت
والنسوان عندنا ملهاش غير السمع والطاعة
انطلق بحصانه تاركاً خلفه عاصفة من الغبار وفتاة تشتعل ناراً وأباً يجمع المال من على الأرض
مرت الساعات كأنها دهر
أجبرت دهب على ارتداء ثوب زفاف باهظ الثمن أرسله جاسر مع الخدم
كانت تبدو كملكة متوجة لكن عينيها كانتا تفيضان بالدموع والقهر
زُفت إليه في موكب مهيب لم تشعر به حتى وجدت نفسها فجأة داخل غرفة نومه الواسعة
الغرفة التي تشبه السجن الفاخر
أغلق الباب خلفه بالمفتاح وصوت التكة جعل قلبها يسقط بين
قدميها
كان جاسر قد تخلص من عباءته وبقي بقميصه الأبيض مفتوح الصدر وعينيه تلمعان برغبة وتحدى اقترب منها ببطء وهي جالسة على طرف السرير ترتجف
قال بسخرية وهو يصب لنفسه كأساً من الماء
نورتي سجنك يا عروسة.. إيه؟ القطة أكلت لسانك ولا الخوف كبس؟
وقفت دهب فجأة ومسحت دموعها بعنف ونظرت إليه نظرة نارية
أنا مش خايفة منك يا جاسر بيه جسمي ممكن تشتريه بفلوسك وسطوتك لكن روحي وقلبي دول ملكي وعمرك ما هتطولهم
وضع الكأس من يده بعنف
واقترب منها حتى التصق بها وأمسك ذقنها بقوة رافعاً وجهها إليه
أنا جاسر الكابر.. مفيش حاجة تعصى عليا والفرسة الشرسة متعتها في ترويضها
دفعته بيدها في صدره بقوة لم يتوقعها وتراجع خطوة للخلف مذهولاً من جرأتها
فاستغلت الفرصة وسحبت خنجراً صغيراً كانت قد خبأته في رباط فستانها ووجهته نحو رقبتها هي وقالت بصراخ
لو قربت مني خطوة واحدة
هكون دابحة نفسي
وتفضح نفسك في البلد كلها إنك قتلت عروستك ليلة دخلتها
تجمد جاسر في مكانه نظراته تحولت من رغبة إلى صدمة وإعجاب خفي
ابتسم ابتسامة جانبية خطيرة وقال بهدوء مرعب
نزلي السكينة يا مجنونة
مش هنزلها
طيب
خطى جاسر خطوة هادئة نحوها وعيناه مثبتتان في عينيها كأنه ينومها مغناطيسياً
وقال بصوت رخيم
وريني شطارتك يا تدبحي نفسك
يا تسلمي للأمر الواقع.. لأن الليلة دي مش هتعدي غير وأنتي مرتي قولا وفعلاً
هل ستخضع دهب لسطوة الكابر؟
الفصل الثاني من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل الثاني 2 - بقلم نون
شرفك اشتريته بدمي أنتي مديونة لي بحياتك
ساد صمت مميت في الغرفة لم يقطعه سوى صوت أنفاس دهب المتلاحقة وهي تضغط نصل الخنجر على رقبتها الرقيقة حتى ظهرت قطرة دم صغيرة على بشرتها الخمرية
ظل جاسر واقفاً مكانه لم يهتز له جفن ولم تتغير ملامحه الباردة بل نظر إلى قطرة الدم تلك ثم رفع عينيه إليها ببطء وابتسامة شيطانية ترتسم على زاوية فمه وقال بصوت هادئ ومخيف
موتى كافرة ويضيع شرف أبوكي وأخواتك وفوق ده كله هتكوني مجرد خبر في الجرنال بكرة عروسة مجنونة انتحرت ليلة دخلتها
ارتجفت يد دهب لكنها صرخت بقهر وقالت الموت أهون لي من إني أكون جارية عندك
تحرك جاسر فجأة وبسرعة وقبل أن تستوعب دهب أو تغرز الخنجر كانت يده قد أطبقت على يدها الممسكة بالسلاح
ولم يحاول نزعه بالقوة بل ضغط بيده على النصل الحاد نفسه شهقت دهب برعب وهي ترى الدم يسيل من كف جاسر بغزارة
ويسيل على فستانها الأبيض وصرخت وهي تحاول سحب الخنجر خوفاً عليه سيب يدي
يدك بتنزف
لم يتركها بل اقترب بوجهه حتى لامس أنفاسها وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت وقال شوفتي إنك عيلة
اللي يرفع سلاح يا بت رضوان لازم يكون قد الدم وأنا دمي عمره ما نزل هدر وبحركة خاطفة انتزع الخنجر من يدها ورماه بعيداً ليرتطم بالحائط
ثم دفعها لتسقط جالسة على السرير ووقف أمامها وهو يلف منديله الأبيض حول جرح يده ببرود تام
وقال اسمعي الكلام اللي هقوله مرة واحدة لأن جاسر الكابر مابيعيدش حديثه أنتي دلوك مراتي شرعاً وقانوناً وده أمر واقع لا أنتي ولا الجن الأزرق يقدر يغيره
رفعت دهب وجهها الباكي وسألته عايز مني إيه
جلس جاسر على الكرسي المقابل للسرير ومد ساقيه بغرور وأخرج سيجاراً وأشعله بيد واحدة ونفث الدخان في الهواء
وقال أنا كنت ناوي أخليكي مرتي فعلاً الليلة بس بعد الحركة دي نفسي انسدت أنا مابخدش حاجة غصب ومابكلش طبيخ بايت
اتسعت عيون دهب بذهول وأكمل جاسر وهو ينظر لها بازدراء مصطنع أنتي هنا في القصر ليكي مهمة واحدة ترفعي راسي قدام الخلق بكرة الصبح الناس مستنية علامة الشرف وأبوكي الغلبان واقف بره مستني يرفع راسه
وقفت دهب بصدمة وسألت
قصدك إيه
وقف جاسر واقترب منها ثم مسح بيده السليمة دمعة سالت على خدها بلمسة خشنة أربكتها وقال قصدي
إن الليلة دي هتعدي زي ما أنا عايز والناس هتشوف اللي هما عايزينه لكن بيني وبينك أنتي هنا زيك زي الخادمة لحد ما أقرر أنا هعمل فيكي إيه ولحد ما تيجي راكعة تطلبي الرضا
وقبل أن ترد أمسك جاسر بقطعة قماش بيضاء كانت موضوعة على الطاولة وبحركة سريعة مسح بها جرح يده النازف فاصطبغت القماش باللون الأحمر
رمى القماش في وجه دهب وقال بقسوة خدي ده شرفك اللي هيفرح أبوكي بكرة
شرف اشتريته بدمي أنا يعني
من اللحظة دي أنتي مديونة لي بحياتك وسمعتك
أخذت دهب القماش ويدها ترتجف ونظرت إليه بمشاعر متضاربة كره وخوف وشيء آخر غامض كيف حول الموقف لصالحه وكيف ستر عورتها بدمه هو
أطفأ جاسر النور وتمدد على السرير بكامل ملابسه وأعطاها ظهره قائلاً بصوت نعس
نامي على الأرض السرير ده للكابر والجواري مكانهم تحت الرجلين
افترشت دهب الأرض بفستانها الباهظ ودموعها تنزل بصمت تنظر لظهره العريض وتقسم بداخلها والله لأدفعك تمن كسرتي دي يا جاسر والأيام بينا
في الصباح التالي استيقظت دهب على صوت طلقات نارية هزت القصر وانتفضت مفزوعة لتجد جاسر يقف بكامل أناقته أمام المرآة يصفف شعره
وكأن شيئاً لم يحدث بالأمس ونظر إليها في الانعكاس وقال بصرامة قومي اغسلي وشك والبسي العباية اللي هناك دي أهلك تحت
بعد وقت قليل
نزلت دهب خلف جاسر والزغاريد تملأ المكان النساء يباركن والرجال يطلقون النار في الهواء ابتهاجاً لهذه العدات ورأت والدها رضوان وعيناه تلمعان بالدموع احتضنها قائلاً رفعتي راسي يا بتي الله يرضى عليكي
شعرت دهب بغصة في حلقها أرادت أن تصرخ وتقول أن هذا دم يد جاسر وأنها ما زالت بكراً
وأنها ذليلة لكن نظرة واحدة حادة من عيون جاسر ألجمت لسانها
وفجأة انشق صف النساء وخرجت سيدة تبدو عليها العظمة والجبروت ترتدي عباءة سوداء وتضع كحلاً كثيفاً
كانت الحاجة صفية والدة جاسر ونظرت لدهب من فوق لتحت باحتقار لم تخفه وقالت بصوت مسموع مبروك يا ولدي مع إني كنت متمنية لك ست الستات مش بنت السايس اللي ريحتها إسطبل
انكمشت دهب في نفسها لكن جاسر وضع يده على كتف دهب بقوة بدت للناس حماية وبدت لها تملكاً
وقال بصوت جهوري دهب دلوك بقت حرم جاسر الكابر وكرامتها من كرامتي يا أما
واللي يهينها كأنه داس لي على طرف صمت الجميع بذهول وابتسمت دهب بداخلها للحظة ظنت أنه يحميها لكنه مال على أذنها وهمس بما جمد الدماء في عروقها ماتفرحيش قوي أنا بس مابحبش حد ييجي على أملاكي لكن الحساب الحقيقي هيبتدي
ثم نادى بصوت عالٍ يا غفير جهز الفرسة الجموحة الهانم هتنزل تدربها بنفسها دلوك قدام الكل
شهقت أمه وقالت أنت بتقول إيه يا جاسر عروسة يوم صباحيتها تنزل الإسطبل
ابتسم جاسر بخبث ونظر لدهب نظرة تحدي وقال مراتي وأنا حر فيها مش هي شاطرة في ترويض الخيل وريني شطارتك يا بنت رضوان يا تركبي الفرسة يا ترجعي بيت أبوكي
نظرت دهب للفرسة التي كانت أشرس من التي قبلها ثم نظرت لجاسر ورأت في عينيه قراره
يا تكسري خوفك يا أكسر أنا رقبتك فشمرت دهب أكمام عباءتها ومسحت دموعها وقالت بصوت سمعه الجميع وأنا قدها يا ولد الكابر
خطوة واحدة تفصل بين الحياة والموت.. فهل ستُروض دهب الفرس الهائج وتكسر أنف الكابر
أم ستكون نهايتها تحت حوافر الخيل أمام الجميع؟
الفصل الثالث من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل الثالث 3 - بقلم نون
جذبها إليه بقوة لأول مرة لتلتصق به تماماً وهمس أمام شفتيها
ودلوك وريني شطارتك هتروضي غيرة الكابر إزاي
حبست الأنفاس في ساحة القصر الكبير وتحولت العيون كلها نحو تلك الفتاة التي تقف أمام فرسة هائجة تضرب الأرض بحوافرها والشرار يتطاير من عينيها
وقف جاسر الكابر في الشرفة العالية يراقب المشهد ببرود ظاهري بينما كانت نيران القلق تغلي في عروقه دون أن يظهرها لأحد
فقد رمى بيمينه ولا تراجع في كلمته
تقدمت دهب بخطوات ثابتة نحو الفرسة "شمس" التي كانت معروفة بأنها لا تقبل سرجاً ولا خيالاً على ظهرها
همهم الجميع بسخرية وقالت الحاجة صفية بصوت مسموع دي هتموت نفسها وترحينا منها بنت السايس
لم تلتفت دهب لكلامهم بل ركزت عينها في عين الفرسة وبدأت تهمس بكلمات غير مفهومة كلمات تعلمتها من أبيها في ليالي الشتاء الطويلة
هاجت الفرسة ورفعت قدميها الأماميتين في الهواء وكادت أن تهشم رأس دهب التي انحنت بمرونة مذهلة جعلت الغفير يشهق بصوت عال
وفي لحظة جنونية خلعت دهب عباءتها السوداء الفضفاضة التي كانت تعيق حركتها
لتظهر بفستان بسيط تحته يحدد خصرها وشعرها الذي تحرر بعضه من الطرحة
اشتعلت عيون جاسر بالغضب والغيرة عندما رأى عيون الرجال تلتهم جسد زوجته وهي تتحرك بخفة حول الفرسة
صرخ جاسر بصوت هز أركان القصر حدوا عنيكم يا كلاب
لكن دهب لم تتوقف اقتربت من أذن الفرسة ومسحت على عنقها بحنان افتقدته الوحشة الهائجة وفجأة سكنت الفرسة تماماً وكأن سحراً أصابها
استغلت دهب اللحظة وبخفة غزالة شاردة قفزت واعتلت ظهر الفرسة بدون سرج ولا لجام
شهق الجميع بذهول ودهب تمسك بعرف الفرسة وتوجهها بضغطات ركبتيها فقط دارت بها في الساحة دورتين كاملتين والفرسة تطاوعها كأنها طفل وديع
تعالت الصيحات والتهليل من رجال النجع وعلا صوت أبيها الله أكبر عليكي يا بتي
لكن الفرحة لم تكتمل
نزل جاسر كالبرق من مكانه واقتحم الساحة ووجهه لا يبشر بالخير أبداً
أمسك لجام الفرسة بيده القوية وأجبر دهب على النزول بعنف
حتى كادت تقع لولا أن تلقفها بيده الأخرى وحاصرها أمام صدره العريض
نظر في عيونها التي تلمع بانتصار وقال بصوت كفحيح الأفعى سمعه هي فقط
فرحانة بفرجة الرجالة عليكي يا حرم الكابر
حاولت دهب أن تبتعد وقالت بتحدي أنا نفذت شرطك وروضت الفرسة يبقى كرامتي محفوظة
ضغط جاسر على ذراعها بقوة آلمتها وقال بغيرة عمياء حرقت قلبه
كرامتك إنك تكوني متصانة مش فرجة للي يسوى واللي ميسواش وشعرك اللي بان ده حسابه عسير
سحبها خلفه أمام الجميع متجاهلاً نظرات أمه الشامتة ونظرات الرجال المصدومة
دفعها داخل القصر وصعد بها الدرج وكأنه يسحب "أسيرة حرب" لا زوجة
دخل جناحه وركل الباب بقدمه ليغلقه وألقى بها على الأريكة واقترب منها وعروق رقبته نافرة
ظنت دهب أنه سيضربها فانكمشت بخوف لكنه فاجأها بما هو أخطر
انحنى عليها وحاصرها بذراعيه وقال بصوت يقطر تملكاً وجنوناً
أنتي أثبتي إنك بتعرفي تروضي الخيل يا دهب بس غلطتك الكبيرة
إنك نسيتي إن جوزك مش خيل جوزك ديب والديب لما بيغير بياكل
مد يده ببطء شديد وانتزع الطرحة عن رأسها بالكامل لينسدل شعرها الطويل كالشلال على ظهرها
وقال بنبرة غيرت مسار دقات قلبها
ومن اللحظة دي مفيش مخلوق
هيشوف شعرك ده غيري ولا حتى أبوكي وأي راجل هلمح في عينه نظرة ليكي
هقلع عينه من مكانها
نظرت له دهب بصدمة هل هذه غيرة أم حب تملك
وقبل أن تنطق بحرف جذبها إليه بقوة لأول مرة لتلتصق به تماماً وهمس أمام شفتيها
ودلوك وريني شطارتك هتروضي غيرة الكابر إزاي
تفتكروا تصرف جاسر ده غيرة حب ولا مجرد حب تملك وغرور وهل دهب هتقدر تستغل النقطة دي لصالحها
الفصل الرابع من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل الرابع 4 - بقلم نون
أنت وعدتني إنك مش هتقرب لي
ابتسم جاسر بخبث وقال انتى فكرك راح فين أنا قولت اقلعي الخلخال
وقف جاسر أمامها كالجبل الراسخ بعدما نطق بكلمات الغيرة التي أحرقت الهواء حولهما صدره يعلو ويهبط بأنفاس حارقة وعيناه مثبتتان على خصلات شعرها الفاحم التي انسدلت على ظهرها كأنها شلال من الليل
تراجعت دهب خطوة للخلف وقد أدركت للمرة الأولى أنها ليست أمام رجل عادي بل أمام طوفان إذا فاض سيغرق الجميع
مد جاسر يده الخشنة وتلمس خصلة من شعرها ببطء شديد جعل القشعريرة تسري في جسدها كله وقال بصوت هامس لكنه يحمل وعيداً مرعباً
الشعرة دي اللي طارت في الهوا وشافها الغريب تمنها غالي قوي يا دهب وأنا مابسبش حقي
حاولت أن تجمع شتات قوتها وقالت بصوت مرتجف
أنا ماقصدتش الطرحة وقعت غصب عني وأنت اللي حكمت عليا أركب الخيل
لم يمهلها لتكمل كلامها بل قبض على ذراعها وسحبها خلفه بقوة نحو ركن مظلم في الغرفة حيث توجد مرآة طويلة
أوقفها أمام المرآة ووقف خلفها وحاصرها بجسده الضخم ونظر لانعكاسهما معاً
همس عند أذنها وعيناه تأكلان صورتها في المرآة
بصي كويس يا بت رضوان شايفة إيه
قالت بصوت مخنوق شايفة سجان وأسيرة
ضحك جاسر ضحكة ساخرة بلا روح وقال
لا بصي زين أنتي شايفة
حرم الكابر
اللقب اللي تتمناه بنات الأكابر كلهم بس أنتي بجهلك مش عارفة قيمته ومن اللحظة دي أنتي محبوسة في الجناح ده رجلك ماتخطيش العتبة والشمس ماتشوفش وشك إلا بإذني
استدارت له تواجهه وقالت بحدة
عايز تحبسني عشان خايف مني ولا خايف من نفسك
تجمدت ملامح جاسر وتحولت عينيه إلى جمر مشتعل اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما وقال ببرود قاتل
أنا ماخافش غير من اللي خلقني يا دهب وأنتي هنا مش محبوسة عشان خايف أنتي هنا عشان أنتي بقيتي "ملك الكابر" لازم يتدارى عن عيون الناس لحد ما أقرر هعمل ايه فيكى
تركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح صكة المفتاح في القفل كانت كأنها طلقة رصاص استقرت في قلب دهب
جلست على الأرض تضم ركبتيها وتبكي بصمت ليس ضعفاً ولكن قهراً على حريتها المسلوبة
في الأسفل كان المجلس يغلي
دخل جاسر بهيبته المعتادة ليجد أمه "الحاجة صفية" تجلس وعلى وجهها غضب الدنيا وحولها نساء العائلة يتهامسن
وقفت صفية وضربت بعصاها الأرض وقالت بصوت جهوري
عملتها يا ولد الكابر نزلت بت السايس تترقص بشعرها قدام الغفر والرجالة
دي أخرة تربيتي فيك
جلس جاسر على مقعده الوثير وأشار للخدم بتقديم القهوة وقال ببرود استفز الجميع
مرتي وأنا حر فيها يا حاجة واللي عنده كلمة يبلعها
صرخت أمه وقالت
دي سحرتلك يا ولدي ركبتك العار وأنت ساكت بت رضوان مش هتعمر في الدار دي ليلتها مش هتعدي
نظر جاسر لأمه نظرة حادة جعلت الجميع يصمت وقال بصوت لا يقبل النقاش
دهب في حمايتي واللي يقرب لها كأنه بيقرب لجحيمى شخصياً والموضوع ده يتقفل سيرة مرتي متبقاش لبانة في خشم الحريم
انتهى المجلس وصعد جاسر لغرفته في وقت متأخر من الليل
فتح الباب ليجد الغرفة غارقة في الظلام ودهب تجلس بجوار الشرفة تنظر للقمر وضوءه خلخلها الفضي ينير وجهها الحزين فبدت كلوحة فنية حزينة ومغرية في آن واحد
شعر جاسر بشيء يتحرك في صدره شيء حاول قتله منذ سنوات تجاهلها وخلع عباءته ورماها بإهمال وقال بصوت آمر
قومي يا عروسة حضري الحمام ولا فاكرة نفسك هانم بجد
قامت دهب بكرامة مجروحة ولم تنطق بحرف جهزت له الحمام ووضعت المنشفة ووقفت تنتظر أوامره
خرج جاسر وقطرات الماء تتساقط من شعره وصدره العاري يلمع تحت ضوء الغرفه الخافت
جلس على طرف السرير وقال
وهو يشعل سيجارة
تعالي هنا
اقتربت بحذر
قال وهو ينفث الدخان في وجهها بوقاحة متعمدة
اقلعي
اتسعت عيناها برعب وتراجعت للخلف وقالت
أنت وعدتني إنك مش هتقرب لي
ابتسم جاسر بخبث
وقال انتى فكرك راح فين
أنا قولت اقلعي الخلخال اللي بيرن في رجلك ده صوته بيصدعني
تنفسَت الصعداء لكن الإهانة كانت واضحة
جلست على الأرض ومدت يدها لفك الخلخال الفضي من قدمها
كان جاسر يراقبها بتركيز شديد يراقب انحناءة عنقها وأصابعها المرتجفة
وفجأة وبدون مقدمات مد يده ورفع ذقنها بأصبعه لتنظر إليه
تلاقت العيون في نظرة طويلة وصامتة
نظرة فيها ألف كلمة
مال جاسر بوجهه نحوها وكأنه مغيب فقدت دهب القدرة على التنفس ظنت أنه سيقبلها
اقترب حتى تلامست الأنوف ثم همس بصوت مبحوح
شعرك ده... لو شوفت فتلة منه بانت تاني هحلقهولك سامعة
ثم دفعها برفق ونام وأعطاها ظهره
ظلت دهب مكانها قلبها يدق كطبول الحرب لا تعرف هل تشكره لأنه ابتعد أم تلعنه لأنه يتلاعب بأعصابها وبأنوثتها
لكنها لم تلمح تلك الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على وجه جاسر وهو معطياها ظهره
ابتسامة صياد أدرك أن الفريسة بدأت ترتعب ليس منه بل من دقات قلبها هي
جاسر بيلعب بأعصاب دهب بطريقة الترغيب والترهيب تفتكروا مين فيهم اللي هيضعف الأول قدام التاني وهل دهب هتقدر تحول سجنها لمملكة تحكم فيها قلبه
الفصل الخامس من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل الخامس 5 - بقلم نون
اطلعي بره الجناح ده ومشوفش وشك هنا تاني اللي يدخل حرم الكابر ويهين مراته يبقى أهدر دمه
مرت ثلاثة أيام ودهب حبيسة الجناح لا ترى سوى جدرانه المزخرفة ولا تسمع سوى وقع خطوات جاسر الثقيلة التي تزلزل قلبها كل مساء
كان يعاملها كطيف موجود وغير موجود يأمرها فتطيع يطلب القهوة فتصنعها وعيناه تلاحقها بصمت مرعب يوتر أعصابها أكثر من الصراخ
وفي صباح اليوم الرابع خرج جاسر مبكراً لأعماله ونسي مفتاح الجناح في الباب ربما سهواً وربما اختباراً
لمحت دهب المفتاح وقلبها دق بعنف هل تهرب ولكن إلى أين وأبوها لا يملك حمايتها من بطش الكابر
فجأة انفتح الباب ببطء ودخلت فتاة آية في الجمال لكن عيونها كانت تشع حقداً وكراهية ترتدي أغلى الثياب وتضع كحلاً فاحماً
وقفت دهب مستغربة وسألت بحدة
أنتي مين وازاي تدخلي هنا
ضحكت الفتاة ضحكة مستفزة وقالت وهي تتفحص دهب بقرف
أنا نوارة بنت عم جاسر والست اللي كان مفروض تكون مطرحك في الفرشة دي لولا إن جاسر عقله طق واتجوز بنت السايس
اشتعلت الدماء في عروق دهب وقالت بشموخ رغم فقرها
أنا بنت السايس اللي روضت الخيل اللي رجالتكم خافوا منه ومطرحي هنا كتبه ربنا و ريدو جاسر غصب عن الكل
اقتربت نوارة منها وكأنها أفعى تستعد للدغ وقالت بهمس مسموم
جاسر مابيرضاش بالرخيص يا شاطرة
هو بس حب يجرب البلدي شوية ولما يزهق هيرميكي للكلاب ويرجع لبنت الأكابر
ثم مدة يدها لتمسك بطرف عباءة دهب وقالت باحتقار
ريحتك لسة فيها ريحة روث الخيل يا جربوعة
هنا انقطع خيط الصبر عند دهب لم تفكر ولم تحسب العواقب دفعت نوارة بقوة في صدرها جعلتها ترتد للخلف وتصطدم بالطاولة الصغيرة وتسقط فازة ثمينة تتحطم لألف قطعة
صرخت نوارة بصوت عالي
يا متوحشة بتمدي ايدك عليا
في تلك اللحظة تجمد الزمن
وقف جاسر عند الباب وقد عاد لنسيانه أوراقاً مهمة وعيناه تقدحان شراراً وهو يرى الفازة المحطمة ونوارة التي تتصنع البكاء ودهب التي تقف كاللبؤة تنهج بغضب
جرت نوارة عليه تمسك ذراعه بمسكنة
الحقني يا ولد عمي الجربوعة دي ضربتني وكسرت تحف القصر
نظر جاسر لدهب نظرة جعلت ركبتيها ترتجفان وسأل بصوت رخيم مرعب
حصل الكلام ده يا دهب
رفعت دهب ذقنها بتحدي رغم الخوف وقالت
حصل والمرة الجاية هكسر رقبتها مش الفازة لو جابت سيرتى او سيرت أبويا أو كرامتي على لسانها
شهقت نوارة وقالت
شايف الفجر يا جاسر طلقها وارميها بره
ساد صمت رهيب لثواني قبل أن يتحرك جاسر ويفك يدها من ذراعه بقوة المتها
وقال بصوت هادئ كالهدوء الذي يسبق العاصفة
اطلعي بره
ابتسمت نوارة بانتصار ظناً منها أنه يطرد دهب لكن جاسر أكمل بصوت زلزل الجدران
اطلعي بره الجناح ده يانوارة ومشوفش وشك هنا تاني... اللي يدخل حرم الكابر ويهين مراته يبقى أهدر دمه
فتحت نوارة فمها بصدمة ودهب اتسعت عيناها بذهول هل يدافع عنها
صرخ جاسر
سمعتي قولت إيه... بره
خرجت نوارة تجر أذيال الخيبة والذل والتفت جاسر لدهب التي كانت تبتلع ريقها بصعوبة
أغلق الباب بقدمه واقترب منها ببطء قاتل وهي تتراجع حتى التصق ظهرها بالحائط
حاصرها بذراعيه القويتين وقال وهمسه يلفح وجهها
أنتي لسانك طال ويدك طولت يا دهب... وأنا مابحبش القطط الشرسة
قالت بصوت يرتجف
هي اللي غلطت
قاطعها بوضع سبابته على شفتيها وقال
هششش... أنا مش بلموكي إنك دافعتي عن نفسك... أنا بلومك إنك نزلتي لمستواها... أنتي "مُهرة الكابر" يعني مقامك عالي مفيش كلبة تنبح تأثر فيكي
نظرت في عينيه ولأول مرة ترى فيهما شيئاً غير القسوة رأت إعجاباً غامضاً
أكمل وهو يمرر يده على خدها بلمسة جعلت قلبها يتوقف
بس الفازة اللي اتكسرت دي غالية قوي... وتمنها لازم يتدفع
سألت ببراءة وخوف
تمنها إيه أنا معيش فلوس
ابتسم جاسر تلك الابتسامة الماكرة التي تذيب الجليد وقال
أنا مابخدش فلوس من مراتي... أنا هاخد التمن بطريقتي
وقبل أن تستوعب انقض على شفتيها في قبلة قاسية متملكاً متعطشاً يصب فيها كل غضبه وغيرته ورغبته المكبوتة
قاومته دهب في البداية ضربت صدره بقبضتيها الصغيرتين لكنه كان كالصخر لا يتزحزح
شدد حصاره عليها حتى خارت قواها وتغيرت المقاومة إلى استسلام لذيذ خدر حواسها
ابتعد عنها قليلاً ليلتقط أنفاسه وجبينه مسند على جبينها وقال بصوت لاهث
ده التمن يا دهب... وكل غلطة بعد كدة هيكون عقابها في حضني
دفعها برفق وتركها تسقط من فرط المشاعر المتضاربة وخرج إلى الشرفة يشعل سيجارة ويده ترتجف لأول مرة
أما دهب فوضعت يدها على شفتيها وقلبها يقرع كطبول الحرب
أدركت في تلك اللحظة أن الكره بدأ ينسحب ليحل محله شيء أخطر... شيء سيدمرها إذا لم تحترس
لكنها لم تكن تعلم أن هناك عيوناً تراقب من ثقب الباب وأن نوارة
لم ترحل بل كانت تقف وتسمع وترى
وأن الانتقام الذي تحضره سيحول حياتهما لجحيم حقيقي
وفي المساء عاد جاسر ليجد دهب قد ارتدت فستاناً أحمر ناري... لم يكن أمراً منه... بل كان تحدياً منها
نظرت إليه وقالت بقوة جديدة ولدت من آثار القبله
أنت أخدت تمن الفازة... بس أنا لسة ماخدتش تمن "حبستي"
اقترب جاسر وعيناه تلتهمان الفستان وصاحبته وقال
وتمنها إيه يا ست البنات
قالت بدلال خفي ومكر أنثوي
تمنها إنك تعلمني ضرب النار... عشان لما حد يقرب من حرم الكابر تاني... مأوسخش يدي بضربه... أخلص عليه من بعيد
ضحك جاسر بصوت عالي ضحكة رجولية خطفت قلبها وقال
عفارم عليكي... دانتي طلعتي مصيبة... بس موافق
ومن الليلة دي... اللعب هيبتدي على المكشوف
دهب بدأت تلعب بذكاء وتستخدم أنوثتها سلاح وجاسر بدأ يقع في الفخ ومبيخفيش إعجابه... تفتكروا نوارة ناوية على إيه بعد اللي شافته؟
وهل تعليم دهب لضرب النار هيكون حماية ليها ولا بداية كارثة هتقضي على الكل؟
اللي جاي دمار شامل
الفصل السادس من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل السادس 6 - بقلم نون
لقد بدأ مفعول السحر الأسود أسرع مما توقعت
مع خيوط الفجر الأولى التي شقت الليل انطلقت سيارة الكابر كالسهم المارق نحو قلب الجبل
جلس جاسر خلف المقود وعيناه مثبتتان على الطريق بينما جلست دهب بجواره تراقب ملامحه الصارمة التي تشبه الجبل القاسي
وصلوا إلى منطقة معزولة حيث الصمت سيد المكان نزل جاسر وفتح الصندوق الخلفي وأخرج سلاحاً نارياً "طبنجة" تلمع تحت الشمس
وقف خلف دهب تماماً حتى التصق صدره بظهرها فأحست بكهرباء تسري في دخلها
رفع ذراعها بيده القوية ووضع السلاح في كفها الصغير
وقال بصوت هامس أجش اخترق حواجز سمعها واستقر في قلبها
عشان تكوني حرم الكابر
لازم قلبك يكون حجر يدك متترعش وعينك متشوفش غير الهدف وبس
حاولت دهب أن تسيطر على رجفتها وقالت بصوت مبحوح
وإزاي أموت قلبي وأنت قريب مني إكدة
ابتسم جاسر تلك الابتسامة التي تذيب الجليد وقال وهو يشدد قبضته على يدها فوق الزناد
أنا بعلمك تموتي قلبك عشان تحمي نفسك من الكل و من غدري كمان يا دهب .. ركزي
ضغطت دهب على الزناد فانطلقت الرصاصة ودوى صوتها في الفراغ وارتد ذراعها للخلف فاصطدمت بصدره الذي كان لها كالحصن المنيع
استدارت له وهي لا تزال في أحضانه وقالت وعيونها تلمع ببريق التحدي
علمني كمان مرة المرة الجاية هجيبها في القلب
نظر في عينيها بعمق بحر هائج وقال بنبرة غامضة
خايف تجيبيها في قلبي أنا وساعتها مش هلاقي طبيب يداويني
وفجأة تحول السكون إلى جحيم
انهمر الرصاص كالمطر من أعلى التبة الصخرية كمين محكم من "المطاريد" أعداء الكابر
صرخ جاسر بصوت هز الجبل انزلي يا دهب ودفعها خلف صخرة ضخمة بجسده ليحميها وبدأ يرد على النيران بمهارة شيطانية وهو يصرخ كالأسد الجريح
اشتعلت المعركة وجاسر يقاتل بشراسة جيش كامل لكن الكثرة تغلب الشجاعة رصاصة غادرة أصابت كتفه الأيسر فتفجر ال*دم ليصبغ جلبابه الأبيض
صرخ جاسر وسقط مسدسه من يده المرتخية
شهقت دهب برعب ونسيت كل الخوف وخرجت من مكمنها تزحف نحو سلاحه الملقى
صرخ جاسر وهو يضغط على جرحه ارجعي يا مجنونة
لكن مُهرة الكابر لم تكن تسمع سوى صوت قلبها الخائف عليه التقطت المسدس وبثبات غريب تعلمته للتو وجهت سلاحها نحو ملثم كان يقترب لينقض على جاسر
أغمضت عينها لحظة وتذكرت كلمته موتي قلبك وضغطت الزناد
انطلقت الرصاصة لتستقر في ساق المعتدي فصرخ وسقط
ذهل المهاجمون من المفاجأة واستغل جاسر اللحظة وأخرج سلاحاً احتياطياً وأمطرهم بوابل من الرصاص أجبرهم على الفرار
ساد الصمت إلا من أنفاسهم اللاهثة زحفت دهب إليه ودموعها تنهمر مزقت طرحتها وربطت جرحه وهي تنتحب
يا جاسر رد عليا
نظر إليها بوهن وابتسم ومد يده الملطخة بالدماء ليمسح دمعها وقال
بتعيطي عليّ يا دهب ولا خايفة تترملي بدري
صرخت فيه اسكت دانا أفديك
استند عليها وقام بصعوبة وعادوا للسيارة حيث قادت هي بمهارة الخوف
عازمة على إنقاذ سيد قلبها
وصلوا القصر وقامت الدنيا ولم تقعد حمله الرجال للداخل وحضر طبيب النجع
في الخارج كانت "نوارة" تقف تراقب المشهد وعيونها تشع شماتة وحقداً أسود
بعد ساعة خرج الطبيب وطمأنهم دخلت العائلة ومعهم نوارة ليجدوا جاسر مستلقياً على فراشه ودهب تجلس عند قدميه بثوبها الممزق الملطخ بدمائه ووجهها الشاحب
قالت نوارة بصوت مسموم
إيه المنظر ده يا جاسر إزاي تسمح ان الغفر يشوفوا مراتك مبهدلة إكدة
فتح جاسر عينيه ببطء ونظر لنوارة نظرة نارية أخرستها ثم نظر للجميع وقال بصوت جهوري رغم ضعفه
الست اللي هدومها متبهدلة دي هي اللي حمت ضهري النهاردة... الست دي لولاها كان زمانكم بتعزوا فيّ دلوك
ثم مد يده السليمة وأمسك يد دهب ورفعها لفمه وقبلها أمام ذهول أمه ونوارة وقال
دهب من الليلة دي مش بس مراتي... دهب كلمتها سيف على رقبة الكل واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل
صعقت نوارة وخرجت تجر أذيال الخيبة لكن الشيطان في رأسها كان قد استيقظ
في منتصف الليل بينما دهب تسهر بجوار جاسر تمسح العرق عن جبينه بحنان
تسللت نوارة لحديقة القصر الخلفية حيث شجرة التوت العتيقة وحفرت حفرة صغيرة ودفنت فيها "قماشاً ملطخاً بدم طير مذبوح"
وعليه طلاسم واسم جاسر ودهب وهمست بكلمات شيطانية
زي ما الدم برد حبهم يبرد... وزي ما الليل غطى الشمس جاسر يشوف دهب غولة تعمي عينه
صعدت نوارة لغرفتها وهي تبتسم بشر
في الأعلى استيقظ جاسر يشعر بنار تسري في عروقه ليست نار الجرح بل نار غريبة
نظر لدهب التي كانت تغفو على الكرسي وفجأة تبدلت ملامحه
صرخ بصوت مرعب دهب
انتفضت دهب مفزوعة وقالت اسم الله عليك يا جاسر مالك
نظر إليها بعيون جاحظة حمراء وقال بصوت لا يشبه صوته
أنتي مين... وإيه اللي جابك هنا... اطلعي بره يا شيطانة
تصمرت دهب مكانها من الصدمة وقالت بدموع
أنا دهب... دهب حبيبتك ومراتك
دفعها جاسر بيده السليمة بقوة أسقطتها أرضاً وقال بهذيان
أنتي مش دهب... أنتي كابوس... أبعدي عني ريحتك دم... ريحتك موت
خرجت نوارة من غرفتها تسمع صراخه وابتسامة الانتصار تتسع على وجهها
لقد بدأ مفعول السحر الأسود أسرع مما توقعت
بكت دهب وهي تزحف نحوه تحاول تهدئته لكنه كان يراها وحشاً يهاجمه
هل سينتصر السحر على العشق أم أن قلب "المُهرة" سيجد ترياقاً لسم الأفاعي؟
السحر الملعون قلب موازين جاسر وخلاه يشوف حبيبته عدوته تفتكروا دهب هتستسلم وتصدق إنه كرهها ولا هتحس إن في حاجة غلط وتحارب "نوارة" بسلاحها؟
كمان فى خادمة شافت نوارة في الجنينة
هل هتتكلم ولا الخوف هيلجم لسانها؟
اللي جاي مش مجرد رواية دي حرب دجل وسحر اسواد
الفصل السابع من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل السابع 7 - بقلم نون
بدأت تحفر بأظافرها في التراب تحت الشجرة بجنون والخدم يراقبونها من النوافذ برعب
حفرت وحفرت حتى
مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة المشؤومة والقصر الكبير تحول إلى مقبرة للأحياء جاسر الكابر سيد النجع الذي كان يهز الأرض بخطواته أصبح حبيس غرفته يصرخ كالمجنون كلما اقتربت منه دهب يراها بعيون جاحظة وحشاً كاسراً ينهش لحمه
دهب تلك الفتاة التي روضت الخيل وقفت عاجزة أمام ترويض هذا الوحش الجديد الذي سكن جسد زوجها
كانت تقف خلف باب غرفته تسمع أنينه المكتوم وتتجرع كأس العجز والمرارة
وفي صباح اليوم الرابع قررت دهب أن تنهي هذه المهزلة
نزلت إلى المطبخ وعيونها تلمع بإصرار غريب لم تعهده الخدم من قبل
نادت على سعدية الخادمة العجوز التي قضت عمرها في خدمة القصر
يا خالة سعدية
عايزة بخور الجاوي و مياه ورد وشوية ملح خشن حالاً
نظرت لها سعدية بخوف وقالت بصوت مرتجف
يا بنتي ده شغل عفاريت بلاش تلعبي بالنار
ردت دهب بصوت حازم جعل العجوز ترتعد
النار ولعت خلاص يا خالة وأنا اللي هطفيها...
هاتي اللي قولتلك عليه وإلا هحرق القصر باللي فيه
صعدت دهب إلى الجناح وبيدها المبخرة تفوح منها رائحة نفاذة اقتحمت الغرفة لتجد جاسر مكوراً في زاوية السرير وعيناه حمراوان كالجمر
صرخ فيها فور رؤيتها
ابعدي عني يا شيطانة... ريحتك دم... ريحتك موت
لم تهتز شعرة في رأس دهب بل تقدمت نحوه بخطوات ثابتة وهي تقرأ آيات من القرآن بصوت شجي حزين يخلع القلوب
بدأ جاسر يرتجف بعنف ويمسك رأسه بيده السليمة ويصرخ
اسكتي... الصوت ده بيحرقني... اسكتي
لم تتوقف دهب بل اقتربت أكثر ورشت الملح في أركان الغرفة وبخرته بالجاوي وهي تبكي وتقول
أنا دهب يا جاسر... أنا مهرتك اللي عشقتها... بص في عيني كويس... بصلي أنا مش وحش
فجأة هدأ جاسر قليلاً ورفع وجهه الشاحب لينظر إليها
رأى للحظة بريقاً من النور وسط الظلام الدامس الذي يغلف عينيه
همس بصوت مبحوح
دهب... أنتي بجد دهب؟
قالت بلهفة ودموعها تسيل على خدها
أيوة يا قلب دهب... أنا هنا جنبك
مد يده المرتجفة ليلمس وجهها لكن في اللحظة التي تلامست فيها أصابعه مع بشرتها صرخ صرخة مفزعة وكأن تياراً كهربائياً صعقه
لاااا... أنتي نار... أنتي بتحرقيني
ودفعها بقوة جعلتها ترتطم بالمرآة الكبيرة لتتحطم إلى شظايا
سقطت دهب وسط الزجاج ويدها تنزف لكنها لم تبال بجرحها بل نظرت لانعكاسها في الشظايا ورأت شيئاً جعل الدماء تتجمد في عروقها
رأت خلف جاسر في المرآة طيفاً أسود لامرأة تضحك بشماتة... لم تكن نوارة... بل كان شيئاً ألعن وأقبح
أدركت دهب أن ما يحاربونه ليس مجرد سحر مدفون بل هو "مس شيطاني" تم استحضاره بالدم
قامت من وسط الزجاج كالعنقاء وخرجت من الغرفة وهي تعرج وعيونها تقدح شرراً
لقد تزكرت حلم الامس
نزلت إلى الحديقة الخلفية حيث شجرة التوت العتيقة التي رأتها في كابوس ليلة أمس
بدأت تحفر بأظافرها في التراب تحت الشجرة بجنون والخدم يراقبونها من النوافذ برعب
حفرت وحفرت حتى اصطدمت أظافرها بشيء صلب
أخرجت "لفة قماش سوداء" تفوح منها رائحة نتنة
فتحتها بيديها المرتجفتين لتجد صورة لجاسر وعليها دماء وطلاسم غير مفهومة وقفل صدئ مغلق
صرخت دهب صرخة هزت أركان القصر
يا نوارة الكلب... والله لأشرب من دمك
وفي هذه اللحظة خرجت نوارة من الشرفة تطل عليها بابتسامة صفراء وقالت ببرود
شاطرة يا بت السايس... لقيتي العمل... بس فات الأوان... القفل ده لو اتفتح جاسر هيموت... ولو فضل مقفول هيفضل كدة طول عمره... اختاري بقى يا حلوة
وقفت دهب مذهولة تنظر للقفل في يدها ولنوارة في الأعلى
هل تكسر القفل وتخاطر بحياة حبيبها أم تتركه يتعذب للأبد؟
فجأة سمعت صوتاً خلفها
صوت الشيخ مبروك إمام المسجد الذي دخل القصر فجأة وكأنه أرسل من السماء
قال بصوت وقور
يا بنتي... السحر لا يفك بسحر مثله... ولا بكسر الأقفال... السحر يفك بكلام رب العالمين واليقين
نظرت له دهب ونظرت لنوارة التي بدأ الخوف يتسلل لملامحها
رفعت دهب العمل في يدها وقالت بصوت سمعه الجميع
مش هكسر القفل يا نوارة... أنا هحرقه... وهحرق قلبك معاه
وأشعلت النار في القماش أمام عين نوارة المذهولة
ارتفعت ألسنة اللهب ومعها ارتفع صراخ جاسر في الغرفة بالأعلى صراخ ألم وخلاص في آن واحد
ثم ساد صمت رهيب
ركضت دهب إلى الداخل وصعدت الدرج كالمجنونة واقتحمت الغرفة
لتجد جاسر ممدداً على الأرض
فاقد الوعي ولكن وجهه... وجهه عاد طبيعياً... عاد وسيماً كما كان
جرت عليه ورفعت رأسه ووضعتها على حجرها وهي تبكي
جاسر... قوم يا جاسر... رد عليا
فتح عينيه ببطء شديد... عينيه العسليتين الصافيتين
نظر إليها وابتسم بوهن وقال
دهب... كنتي فين؟
الدنيا كانت ضلمة قوي من غيرك
بكت دهب واحتضنته بقوة وكأنها تريد إدخاله في ضلوعها
لكن المعركة لم تنته
نظرت دهب للباب لتجد نوارة واقفة وعيونها تدور بجنون وقد بدأت تصرخ وتمزق ملابسها وتضحك بهستيريا
لقد ارتد السحر على الساحر... وجنت نوارة في التو واللحظة
صرخ جاسر بضعف
إيه اللي بيحصل؟
همست دهب وهي تمسح على شعره
حقك رجع يا سيد الناس... وربنا نجاك من كيد النسا
لكن بينما كان الجميع مشغولاً بنوارة المجنونة
دخل الغفير يلهث وقال بصوت مرتعش
يا جاسر بيه... الحق... الحكومة واصلة بره ومعاهم أمر تفتيش... بيقولوا إن فيه سلاح ومخدرات مدفونين في أرض القصر... وإخبارية بتقول إنك أنت اللي دافنهم 🙄
الفصل الثامن من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل الثامن 8 - بقلم نون
نظر لها بعيون يملؤها التعب والعشق وقال أنا كويس طول ما أنتي في ضهري
تحول سكون الليل إلى فوضى عارمة وأصوات سارينة الشرطة تمزق صمت النجع وتعلن عن كارثة جديدة لم تكن في الحسبان
انتفض جاسر من مكانه رغم ألمه ودهب تسنده بقلب يرتجف خوفاً عليه لا على نفسها اقتحم ضابط المباحث "عصام السيوفي" باب القصر وخلفه العساكر بأسلحتهم المشرعة وكأنهم يداهمون وكراً للإرهاب لا منزل كبير البلد
وقف جاسر في منتصف الصالة شامخاً كالنخلة رغم وجهه الشاحب وكتفه المربوط وقال بصوت هز جدران القصر أهلا يا حضرة الضابط إمتى كانت "الحكومة" بتدخل بيوت الأكابر من غير إحم ولا دستور
ابتسم الضابط عصام ابتسامة صفراء وقال وهو يشير للعساكر بالانتشار لما الأكابر يتاجروا في الممنوع ويدفنوا سلاح في أرضهم بيبقوا مجرمين يا جاسر بيه
والإذن معايا والتفتيش هيبتدي حالاً صرخت دهب بقوة استمدتها من وجودها في حضن جاسر
جوزي سيد الناس وعمره ما يتاجر في الحرام دي تهمة ملفقة عشان تكسروه وهو مريض نظر لها الضابط باستهزاء وقال المريض مكانه المستشفى يا مدام مش دفن السلاح تحت شجر التوت ابدأ يا عسكري الحفر في الجنينة الخلفية
تسمرت دهب مكانها... "الجنينة الخلفية"؟
هذا نفس المكان الذي دفنت فيه نوارة السحر ونفس المكان الذي حفرت فيه دهب منذ قليل نظر جاسر لدهب نظرة غامضة لم تفهم معناها وهمس لها متخافيش... الكابر مبيقعش بالساهل
بدأ العساكر الحفر في المكان المحدد بدقة والكل يترقب العيون معلقة بالحفرة نوارة تضحك بهستيريا في زاوية الغرفة والخدم يبكون
ودهب تدعو الله في سرها فجأة صاح أحد العساكر لقينا الشنطة يا باشا... الشنطة المدفونة أهي تهلل وجه الضابط عصام ونظر لجاسر نظرة انتصار وقال أدينا طلعنا "العمل" بتاعك يا جاسر بيه
بس ده عمل يوديك ورا الشمس مؤبد
أمر بفتح الشنطة الجلدية السوداء الملطخة بالتراب حبس الجميع أنفاسهم فتح العسكري الشنطة وقلبها رأساً على عقب لتسقط محتوياتها على الأرض ولكن
الصدمة ألجمت لسان الضابط لم يسقط سلاح... ولم تسقط مخدرات سقطت "أكفان بيضاء" فارغة... وعليها صور للضابط عصام نفسه وهو يتلقى رشوة من أحد كبار المنافسين
ساد صمت في المكان اتسعت عيون الضابط رعباً ونظر لجاسر الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية مرعبة
تحامل جاسر على نفسه وخطا خطوة للأمام وقال بصوت كفحيح الأفعى تؤ تؤ تؤ... عيب يا حضرة الضابط لما تيجي تفتش في أرض الكابر وتطلع "فضايحك" بإيدك ثم
أكمل بصوت زلزل كيان الضابط الإخبارية اللي جاتلك كانت "طعم" يا عصام وأنت بلعته...
أنا كنت عارف إنك بايع ذمتك لـ "وهدان الغريب" عدوي اللدود
وكنت مستنيك تغلط الغلطة دي
أخرج جاسر هاتفه وشغل تسجيلاً صوتياً للضابط وهو يتفق على تلفيق التهمة
شحب وجه الضابط وتصبب عرقاً وتراجع للخلف وقال بتلعثم يا جاسر بيه...
إحنا ولاد النهارده... والمسامح كريم ضحك جاسر ضحكة هزت صدره الجريح وقال المسامح كريم... بس الكابر "جبار"...
خد رجالتك واطلع بره... والشنطة دي هدية مني لمدير الأمن الصبح... عشان يعرف مين اللي بيحمي البلد ومين اللي بيخربها
انسحب الضابط ورجاله كالجرذان المذعورة وسط نظرات الاحتقار من دهب والخدم وما إن أغلق الباب خلفهم حتى ترنح جاسر وكاد يسقط لولا أن تلقفته دهب بلهفة جاسر... أنت كويس؟
نظر لها بعيون يملؤها التعب والعشق وقال أنا كويس طول ما أنتي في ضهري... بس الحرب لسة مخلصتش يا دهب... "وهدان الغريب" هو الراس الكبيرة... هو
اللي اشترى الضابط سألت دهب بخوف ومين وهدان ده وعايز منك إيه؟
جلس جاسر على الأريكة وقال وهدان ده يبقى "خالك" يا دهب... أخو أمك اللي رماكم زمان...
وكان فى تار قديم بينه وبين ابوى
ودلوك راجع ينتقم مني
شهقت دهب بصدمة... خالها؟ لم يمهلها القدر لتستوعب خالها كيف وعمل ايه زمان فى اهلها
رن هاتف جاسر... فتح الخط وسمع صوتاً خشناً يقول عفارم عليك يا جاسر... عرفت تخلع من الحكومة...
بس مش هتعرف تخلع من اللي جاي... "دهب" تخصني... وكان فى تار بايت بيني وبين أبوك... واللعب المرة دي هيكون بالدم...
جهز كفنك أو جهز كفن عروستك
عشان تترمل ياعريس
أغلق الخط ونظر لدهب
دهب التي تحولت في لحظة من "مُهرة" إلى "هدف" في ثأر قديم لا ذنب لها فيه
وقف جاسر وسحب مسدسه من الدرج وقال لمي هدومك يا دهب... القصر معدش أمان... هنطلع على الجبل... وهناك يا قاتل يا مقتول
الذئب لا يعوي قبل أن ينقض والأسد لا يزأر إلا ليعلن سيطرته والليلة سيعلم "وهدان" أن اللعب مع الكابر ليس نزهة بل هو دخول في متاهة لا يخرج منها إلا من يملك "مفاتيح الجحيم
والكابر يملك النسخة الأصلية
تحركت السيارة الجيب السوداء تشق عتمة الليل في طريقها للمنطقة الجبلية الوعرة
جاسر يقود بيد واحدة والأخرى تمسك يد دهب التي كانت ترتجف برداً وخوفاً
وصلوا إلى كهف صخري مخفي ببراعة وسط الجبال مكان لا يعرفه إلا جاسر وعدد قليل من رجاله المخلصين نزلوا ودخلوا الكهف الذي كان مجهزاً بشكل مدهش من الداخل
مولد كهرباء أسلحة حديثة وأجهزة مراقبة متطورة جلست دهب على صندوق خشبي تنظر حولها بذهول وقالت أنت كنت عامل حساب اليوم ده ياجاسر؟
ابتسم جاسر وهو يتابع شاشات المراقبة وقال بثقة الكابر عمره ما يمشي خطوة من غير ما يحسب التانية يا دهب... أنا
كنت عارف إن وهدان هيتحرك فى اى لحظه وإن المواجهة دي جاية جاية
اقترب منها وجلس أمامها على ركبتيه ونظر في عينها بعمق وقال وهدان فاكر إنه بيحاصرني
ميعرفش إنه دخل المصيدة برجله
أخرج جهاز لاسلكي وقال بصوت صارم نفذ يا "حمزة"... دلوقتي
وفي التو واللحظة تحولت شاشات المراقبة أمامهم لمشهد حي من "قصر وهدان الغريب" نفسه
شهقت دهب وهي ترى رجالاً ملثمين يقتحمون قصر وهدان ويسيطرون عليه في صمت تام قال جاسر وهو يشير للشاشة ده "حمزة" دراعي اليمين...ودول رجالتي... وهدان بعت كل رجالته يحاصروا قصرنا الفاضي وساب بيته مكشوف... غبي
رأت دهب "وهدان" وهو يجرجر من فراشه بملابس نومه وهو يصرخ ويسب
شعر جاسر بارتياح دهب وضغط على يدها وقال حقك وحق أمك وابوكى وصل يا دهب...
وهدان دلوقتي تحت رحمتي لكن دهب نظرت له نظرة غريبة وقالت بقوة أنا مش عايزة حقي بدم يا جاسر...
أنا عايزة أواجهه... عايزة أسأله ليه عمل كدة في أخته ونهب ورثها و نهب ارض ابوى وخلانا نعيش خدم
وافق جاسر وأخذها وعادو ليس إلى قصر الكابر بل إلى قصر وهدان
دخل جاسر القصر بخطوات واثقة ودهب بجواره مرفوعة الرأس كالاميرة وجدوا وهدان مقيداً على كرسي في وسط الصالة وحوله رجال جاسر
رفع وهدان رأسه ورأى دهب فبصق على الأرض وقال بنت الخدامة... جاية تشمتي في خالك؟
تقدم جاسر ولكمه لكمة قوية أسقطت سنه وقال ببرود دي "حرم الكابر"... لسانك يتقطع قبل ما تجيب سيرتها
وقفت دهب أمام وهدان وقالت بصوت هادئ مرعب أمي ماتت مقهورة بسببك...
وأنت جاي تكمل عليا...
بس ربنا كبير... وجاسر كان سيفه المسلط عليك
نظر وهدان لجاسر بحقد وقال أنت فاكر إنك كسبت؟ أنا ورايا ناس تقيلة... ناس هتمحيك من على وش الدنيا
ضحك جاسر بسخرية وأخرج ملفاً من جيبه ورماه في حضن وهدان وقال قصدك الناس دي؟
فتح وهدان الملف واتسعت عيناه رعباً كان الملف يحتوي على صور ومستندات تدين وهدان وشركاءه الكبار في قضايا تهريب وسلاح
قال جاسر بانتصار الملف ده نسخة منه راحت للنائب العام من ساعة... ونسخة تانية للإعلام... يعني أنت ورجالتك محروقين... انتهيت يا وهدان
انهار وهدان على الكرسي كأنه جثة هامدة
نظر جاسر لدهب وقال يلا يا دهب... المكان هنا ريحته عفنة...
يلا نرجع بيتنا
خرجا من القصر والشمس تشرق لتعلن بداية يوم جديد يوم بلا خوف وبلا تهديد
في السيارة نظرت دهب لجاسر وقالت بابتسامة حب أنت داهية يا جاسر... إمتى لحقت تعمل كل ده؟ ضحك جاسر وقال قولتلك...
أنا مابخافش غير من اللي خلقني... وفى حاجه مهمة لازم تعرفيها انا بحبك..بحبك يادهب بحبك يا مهرة 🐎 الكابر
وصلوا قصر الكابر واستقبلهم الخدم بالزغاريد ولكن...
بينما كان جاسر يهم بدخول الجناح سقط فجأة على الأرض مغشياً عليه صرخت دهب... جاسر! تبين أن الجرح القديم قد فتح ونزف بشدة تحت الضغط والجهد حمله الرجال للسرير وحضر الطبيب بسرعة جلس الطبيب بجواره وبعد فحص دقيق
خرج وعلى وجهه علامات القلق جرت عليه دهب... طمني
يا دكتور قال الطبيب بأسف النزيف وقف... بس جاسر بيه دخل في غيبوبة... جسمه استهلك طاقته كلها...
ومحدش عارف هيفوق إمتى سقطت دهب على الأرض تبكي لقد انتصروا على عدوهم... لكن هل سيخسر الكابر حياته؟
جلست دهب بجواره تمسك يده الباردة وتهمس قوم يا جاسر... متسبنيش لوحدي... أنا لسة مشبعتش منك وفجأة... تحركت أصابع جاسر حركة خفيفة جداً...
ثم همس وهو مغمض العينين بكلمة واحدة ... ابني
صعقت دهب... ابنه؟ أي ابن؟ هل جاسر متزوج من قبل؟
هل عنده ابن من اخره ؟
الفصل التاسع من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل التاسع 9 - بقلم نون
أنا بطلبها بقلبي وروحي وكل ذرة في كياني تقبلي تكوني مهرة الكابر وشريكة حياته لآخر العمر
مر يومان كأنهما دهر وجاسر ممدد في غيبوبته ودهب لا تفارق جواره لحظة
تقرأ له القرآن وتمسح جبينه بماء الورد وتهمس له بكلمات الحب التي لم تجرؤ على قولها
وهو مستيقظ
في فجر اليوم الثالث وبينما كانت دهب تغفو وهي جالسة على الكرسي ممسكة بيده شعرت بضغط خفيف على أصابعها
فتحت عينيها بفزع وقلبها يرقص فرحاً رأت جاسر يفتح عينيه ببطء شديد وينظر حوله بتشويش ثم استقرت عيناه عليها
ابتسمت دهب ودموع الفرح تسيل أنهاراً وقالت بصوت مختنق حمد الله على سلامتك يا سيد الناس... يا روح الروح
حاول جاسر أن يتكلم فخرج صوته مبحوحاً ضعيفاً دهب... أنا فين؟
قالت وهي تقبل يده أنت في بيتك يا جاسر... في حضني... والكل بخير ووهدان في السجن
أغمض عينيه للحظة ثم فتحهما وقال بنظرة حالمة غريبة أنا شوفت حلم غريب يا دهب... شوفت إني شايل ولد صغير... ولد شبهي وشبهك...
كان بيضحك لي وبيقولي يا بابا... وكان ماسك في صباعي جامد
شهقت دهب ووضعت يدها على فمها بصدمة
أكمل جاسر وهو ينظر لسقف الغرفة وكأنه يرى الحلم مرة أخرى
الولد ده كان حتة مني ومنك يا دهب... حسيت إن روحي ردت فيا لما شيلته
نظرت له دهب بعيون دامعة وقالت بصوت يرتجف يمكن الحلم ده رؤية يا جاسر...
يمكن ربنا عايز يعوضنا نظر لها جاسر بعمق وفهم ما تلمح إليه هل يعقل؟
تحامل على نفسه وجلس بصعوبة ودهب تسنده قال بصوت جاد وحنون في آن واحد دهب... أنا عايزك تكوني مراتي بجد... مش بس على الورق... مش بس عشان نحمي بعض...
أنا عايزك شريكة عمري وأم ولادي
احمر وجه دهب خجلاً وقالت بصوت هامس أنا مراتك يا جاسر... من يوم ما دخلت القصر وأنا مراتك... بس كنت مستنياك تطلبها بقلبك مش بلسانك وبتهديد
ابتسم جاسر ومد يده ليمسح دمعة فرح من خدها وقال أنا بطلبها بقلبي وروحي وكل ذرة في كياني...
تقبلي تكوني "مُهرة الكابر" وشريكة حياته للآخر؟
أومأت دهب برأسها موافقة وهي تبكي من الفرحة في تلك الليلة تحول جناح الكابر إلى جنة صغيرة
أمر جاسر بتزيين الغرفة بالورود والشموع رغم مرضه وأصر أن تكون ليلة زفافهما الحقيقية
ارتدت دهب فستاناً أبيض بسيطاً جعلها تبدو كملاك هبط من السماء
وجلس جاسر على السرير يستقبلها بابتسامة عاشق متيم
اقتربت منه بخجل وجلست بجواره أخذها جاسر في حضنه بحنان وكأنه يخاف أن تكسر بين ذراعيه
همس لها بكلمات عشق أذابت قلبها أنتي النعمة اللي جاتلي بعد صبر سنين...
أنتي العوض يا دهب وفي تلك اللحظة تلاقت الأرواح قبل الأجساد
عاشا ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة
ليلة محت كل أوجاع الماضي وكل مرارة
وفي الصباح استيقظت دهب لتجد جاسر ينظر إليها بحب قال بابتسامة مشرقة صباحية مباركة يا عروسه
صباح الخير يا أجمل عروسة... أنا عندي ليكي مفاجأة
أخرج من تحت الوسادة علبة مخملية صغيرة وفتحها كان بداخلها خاتم ألماس رقيق جداً
قال وهو يلبسه لها ده شبكتك المتأخرة... وده وعد مني إنك عمرك ما هتشوفي غير الهنا
بكت دهب من الفرحة واحتضنته
بعد شهر شعرت دهب بدوار شديد وذهبت للطبيب وعادت لتزف البشرى لجاسر
جاسر... حلمك اتحقق نظر لها جاسر بلهفة وقال قصدك إيه؟
وضعت يدها على بطنها وقالت بدموع الفرح أنا حامل يا جاسر... حامل في "ولي العهد"
سجد جاسر لله شكراً واحتضن دهب ورفعها عن الأرض ودار بها رغم تحذيرات الطبيب
وعمت الأفراح النجع كله نحرت الذبائح ووزعت الأموال على الفقراء ابتهاجاً بـ "ابن الكابر" القادم وهكذا تحولت "مُهرة الكابر" من فتاة بسيطة إلى سيدة القصر وأم ولي العهد
وانتصر الحب على السحر والشر
ولكن الفرحه دايما عمرها قصير
و اكتشف "جاسر" أن فرحته بولي العهد أيقظت شياطين كانت نائمة وأن الصراع القادم ليس على "أرض" أو "سلاح" بل هو صراع على "بقاء نسل الكابر
مرت الشهور الأولى من حمل دهب كأنها حلم وردي في ظاهرها لكنها كانت سجناً ذهبياً جاسر الكابر تحول من زوج محب إلى حارس مهووس
لا ينام الليل خوفاً على "الأمانة" التي في أحشاء زوجته منعها من الخروج من جناحها إلا للضرورة
حتى الهواء كان يود لو يفلتره قبل أن يدخل رئتيها كانت دهب تجلس أمام المرآة تتأمل بطنها الذي بدأ يبرز قليلاً وتشعر بضيق في صدرها ليس من الحمل بل من الحصار
دخل جاسر الغرفة وعيناه تتفحصان المكان كأنه يبحث عن عدو خفي
اقترب منها وقبل رأسها وسأل بلهفة أكلتي و اخذتى دواكي يا دهب حاسة بحاجة بتوجعك
نظرت له دهب بعتاب وقالت بنبرة هادئة تخفي بركاناً أنا زي الفل يا جاسر
بس الخنقة دي هي اللي هتتعبني أنا بقيت عاملة زي العصفورة المحبوسة في قفص دهب
نفسي أشم هوا ربنا أنزل الجنينة أشوف الناس
عقد جاسر حاجبيه وقال بصرامة مفيش نزول يا دهب الناس عينيها وحشة والحسد مذكور في القرآن
وأنا مش مستعد أخاطر بيكي ولا بابني عشان نزول في الجنينة
وقفت دهب وواجهته لأول مرة منذ شهور وقالت أنت كدة مش بتحميني أنت بتموتني بالبطيء يا جاسر
الخوف عاميك ومخليك تشوف الأشباح في كل حتة وقبل أن يرد جاسر ويحتدم النقاش
سمعوا ضجة كبيرة في الأسفل وصوت "الحاجة صفية" تصرخ نزل جاسر مسرعاً ودهب خلفه رغم تحذيره
وجدوا خادمة تقف عند الباب ترتجف وبيدها "صندوق خشبي صغير" ملفوف بقماش أسود فاخر
صرخ جاسر إيه ده ومين جابه
قالت الخادمة برعب واحد غريب سابه عند البوابة وقال دي "هدية لولي العهد" ومشي يا بيه
شعر جاسر بقبضة تعصر قلبه تقدم بحذر وأخذ الصندوق صرخت أمه بلاش تفتحه يا ولدي يمكن قنبلة ولا يمكن سحر
لكن جاسر لم يهتم فتح الصندوق ببطء والصدمة جعلت الدماء تهرب من وجوه الجميع
لم يكن قنبلة كان بداخل الصندوق "عقرب أسود ميت" ومعاه "رصاصة ذهبية" منقوش عليها اسم "فارس"
الاسم الذي اتفق جاسر ودهب سراً على تسمية المولود به ولم يخبرا به أحداً
ساد الصمت في القصر
صرخت دهب ووضعت يدها على بطنها وكأنها تحمي جنينها من الرصاصة
رفع جاسر الرصاصة وقرأ الاسم وعيناه تتحولان للون الدم من شدة الغضب هذا تهديد صريح...
تهديد بقتل ابنه قبل أن يولد من يعرف الاسم؟ من يجرؤ؟
وهدان في السجن ونوارة في المصحة من بقي؟
نظر جاسر لدهب التي كانت ترتعش وقال بصوت مرعب هادئ اطلعي فوق يا دهب... ومشوفش ضفرك بره الجناح
قالت ببكاء هيموتوا ابني يا جاسر عرفوا اسمه منين
لم يرد عليها بل نادى على "حمزة" كبير رجاله بصوت زلزل القصر يا حمزة... لم الرجالة... وهاتلي "سلاحي الشخصي"
خرج جاسر لساحة القصر وجمع كل رجال النجع وقف بينهم ورفع "العقرب والرصاصة" أمام الجميع
وقال بصوت سمعه القاصي والداني
فيه جبان باعتلي ده... بيهددني في ضنايا اللي لسة مشمش الدنيا...
اسمعوا يا خلق هوووو... ورحمة أبويا اللي هيقرب من سور القصر ده
هقطعه وارميه للكلاب واللي باعت الرسالة دي يجهز كفنه لأنه فتح على نفسه باب جهنم
في تلك اللحظة دخلت سيارة فخمة غريبة لساحة القصر ونزل منها رجل ستيني يرتدي بدلة رسمية ويمسك عصا مرصعة بالألماس إنه "عزت البارودي"
رجل الأعمال والسياسي الفاسد وعدو والد جاسر القديم الذي اختفى لسنوات
ابتسم عزت وقال ببرود مبروك يا كابر... سمعنا إن المدام حامل وقولنا نبارك... عجبتك الهدية؟
جن جنون جاسر وكاد يفتك به لولا أن رجال عزت رفعوا أسلحتهم
قال عزت بهدوء متتهورش يا كابر... أنا مش جاي أحاربك... أنا جاي أقولك إن "التار" اللي بيني وبين أبوك لسة مخلصش...
وأنا قررت آخد حقي من "حفيد الكابر"... الرصاصة دي معمولة مخصوص لقلب ابنك أول ما يتولد... إلا لو...
صرخ جاسر إلا لو إيه انطق قال عزت بخبث
إلا لو تنازلتلي عن "أرض الجبل" كلها... الأرض اللي فيها الكنز
اللي أبوك دفنه زمان
صدم جاسر... أرض الجبل؟ الكنز؟
لم يكن جاسر يعلم عن أي كنز يتحدث هذا الرجل نظر عزت قال عزت معاك مهلة لحد ميعاد الولادة...
يا الأرض... يا الكفن وركب سيارته وغادر تاركاً جاسر
وسط رجاله يغلي كالمرجل صعد جاسر لدهب التي كانت تتابع من الشباك وجدها تمسح دموعها وقد تبدلت ملامح الخوف لملامح "المُهرة" الشرسة
قالت له مش هتديله الأرض يا جاسر... ومش هيلمس شعرة من ابننا
قال جاسر بحيرة ده مجنون يا دهب وممكن يعمل أي حاجة
أمسكت دهب بيده ووضعتها على بطنها وقالت بقوة ابنك بيتحرك يا جاسر... بيقولك إنه ابن الكابر ومش هيخاف...
إحنا هنا يا جاسر...
وهنعرف إيه حكاية الكنز ده... وأنا اللي هساعدك نكشف السر
نظر لها جاسر بإعجاب ممزوج بالخوف
أنتي مستوعبة أنتي بتقولي إيه؟ دي حرب
قالت دهب وعيناها تلمعان وأنا "مُهرة الكابر"... جهز نفسك يا كابر...
هندور في دفاتر أبوك القديمة ونعرف السر قبل ما "البارودي" يوصله
وهكذا بدأت رحلة جديدة رحلة البحث عن "كنز الجبل" الملعون الذي يهدد حياة ولي العهد
ولكن ما لم يعرفوه أن "الكنز" ليس ذهباً ولا مالاً... بل هو "سر" أخطر بكثير... سر سيقلب حياة جاسر ودهب رأساً
على عقب
عزت البارودي" يعرف أسرار عن أبو جاسر جاسر نفسه ميعرفهاش
الفصل العاشر من هنا
رواية مهرة الكابر الفصل العاشر 10 - بقلم نون
الماضي لا يموت بل يدفن حياً وينتظر اللحظة المناسبة ليخرج من قبره وينهش الأحياء
الليلة سيفتح "الكابر" مقبرة الأسرار ليكتشف أن والده لم يترك له ذهباً ولا مالاً بل ترك له "قنبلة موقوتة" والفتيل قد اشتعل بالفعل
فى الليل الحالك انطلقت سيارة جاسر تشق صمت الجبل كوحش أسود هارب من الجحيم بجواره جلست دهب تمسك بطنها بيد وبالأخرى تقبض على "خريطة قديمة" مهترئة
وجدوها في قاع خزنة والد جاسر السرية كان الصمت سيد الموقف إلا من صوت المحرك وأنفاسهم المضطربة
وصلوا إلى منطقة صخرية وعرة تعرف بـ "وادي العقارب" مكان مهجور لا يدخله إلا المطاريد والذئاب
نزل جاسر وأضاء كشافاً قوياً وسحب دهب خلفه بحماية وقال بصوت خافت المكان هنا خطر يا دهب لو حسيتي بأي حركة ارجعي العربية واقفلي على نفسك
نظرت له دهب بعيون تلمع في الظلام وقالت رجلي على رجلك يا جاسر السر اللي يهدد ابني لازم أعرفه بنفسي
ساروا وسط الصخور متتبعين العلامات الموجودة في الخريطة حتى وصلوا أمام "شق صخري" ضيق يكاد لا يرى
أزاح جاسر الصخور المتراكمة ليميط اللثام عن بوابة حديدية صدئة محفر عليها اسم "الكابر" وتاريخ قديم جداً
نظر جاسر لدهب وقال بذهول أبويا عمره ما قالي إن عندنا "سرداب" هنا
أطلق رصاصة على القفل الصدئ فانفتح الباب بصوت صرير مفزع دلفوا إلى الداخل رائحة الرطوبة والعفن تزكم الأنوف
الظلام دامس لولا ضوء الكشاف مشوا في ممر طويل على جدرانه رسومات غريبة وأسماء محفورة بالدم
وفي نهاية الممر وجدوا غرفة صخرية صغيرة في منتصفها "صندوق حديدي ضخم"
جرى جاسر عليه وحاول فتحه وبصعوبة بالغة انفتح الغطاء الثقيل
توقعوا أن يجدوا ذهباً أو آثاراً لكن الصدمة كانت أقوى
الصندوق كان مليئاً بـ "ملفات صفراء" و"شرائط تسجيل قديمة" وفوقهم صورة تجمع والد جاسر بـ "عزت البارودي" وهما يبتسمان وأمامهم شحنة سلاح ضخمة
أمسك جاسر بملف وقرأ العنوان بصوت مرتجف صفقة الموت... 1990
قرأ جاسر السطور الأولى وشحب وجهه وقال بصوت مخنوق يا نهار أسود... أبويا وعزت مكانوش أعداء... كانوا "شركاء
عزت مقتلش عمي زي ما قالولي... أبويا هو اللي قتل أخوه عشان يسيطر على الصفقة
ولفق التهمة لعزت عشان يبعده
شهقت دهب بصدمة يعني أبوك هو الظالم؟
وعزت راجع ينتقم منك أنت في حق قديم؟
أكمل جاسر القراءة ويداه ترتعدان ومش بس كدة... الورق ده فيه "أرقام حسابات سرية" فيها ملايين بره مصر...
وفيه اعتراف بخط إيد أبويا بكل الجرايم اللي عملوها سوا
أدرك جاسر الكارثة "الكنز" الذي يبحث عنه عزت ليس المال... بل هذا الورق... الورق الذي لو ظهر سيدمر سمعة عائلة "الكابر" للأبد
قال جاسر بمرارة أبويا سابلي عار مش ورث يا دهب
فجأة... دوى صوت ضحكة شيطانية من خلفهم استدار جاسر ودهب بسرعة ومسدساتهم مشرعة ليجدوا "عزت البارودي" يقف عند مدخل السرداب وخلفه جيش من المسلحين
قال عزت ببرود وهو يشعل سيجارة أخيراً لقيتها يا ابن الغالي...
وفرت عليا تدوير سنين
صرخ جاسر أنت كنت مراقبنا؟
قال عزت بخبث أنا خيالك يا جاسر... ودلوقتي هات الورق ده وأنا أسيبك تخرج أنت والجميلة دي عايشين
نظر جاسر لدهب ثم نظر للورق...
الورق الذي يحمل عار والده ومستقبل عائلته
قال جاسر بتحدي الورق ده مش هيخرج من هنا... وتارك خده مني أنا راجل لراجل...
لكن مراتي تخرج بره اللعبة ضحك عزت وقال للأسف... أنا مابسبش شهود...
والورق ده هاخده من على جثثكم أشار لرجاله خلصوا عليهم
انطلقت الرصاصات كالمطر داخل السرداب الضيق قفز جاسر ودهب خلف الصندوق الحديدي يحتميان به
بدأ جاسر يطلق النار بدقة مميتة أسقطت ثلاثة من رجال عزت ودهب تطلق النار وتصرخ جاسر الذخيرة بتخلص نظر جاسر حوله لا مفر... هم محاصرون في قبر
لمحت دهب "براميل صغيرة" موجودة في زاوية الغرفة وعليها علامة "خطر"
همست لجاسر جاسر... البراميل دي شكلها بارود قديم نظر جاسر وفهم خطتها المجنونة
قال لها دي مجازفة يا دهب... لو ضربنا عليها السرداب كله هيقع علينا نظرت له بعيون دامعة وقالت
الموت أهون من إننا نسلم الورق للكلب ده... واحنا معانا رب كريم...
اضرب يا جاسر أمسك جاسر يد دهب ونطقا الشهادة وصوب مسدسه نحو البراميل وهو يصرخ
مش جاسر الكابر اللي يطاطي أطلق الرصاصة انفجر البرميل بصوت أصم الآذان...
اهتز الجبل كله تطايرت الصخور وانهار سقف السرداب عند المدخل ليفصل بينهم وبين عزت ورجاله
عزت تراجع للخلف وهو يسعل من الغبار ويصرخ لااااا... الورق في الداخل... ساد ظلام تام وصمت مطبق تحت الأنقاض...
صوت سعال مكتوم جاسر... جاسر أنت عايش؟ دهب... أنتي فين؟ أضاء جاسر الكشاف بصعوبة... النور ضعيف والهواء يقل وجدوا أنفسهم محبوسين في مساحة ضيقة جداً...
المدخل انسد تماماً بالصخور والانهيار أغلق المخرج
هم مدفونون أحياء احتضن جاسر دهب التي كانت ترتجف وقال متخافيش... هنطلع... لازم نطلع عشان ابننا لكن دهب شعرت بألم حاد أسفل بطنها...
ألم مختلف هذه المرة وضعت يدها ورأت سائلاً دافئاً يبلل ثوبها نظرت لجاسر برعب وقالت بصوت يقطع القلب جاسر... أنا بنزف... نظر جاسر للدماء وصرخ صرخة هزت القبر الصامت
يا رب... مش دهب... ولا ابنى
خد روحي أنا بس هي لا
الهواء ينفد... ودهب تنزف... وعزت في الخارج يحاول رفع الصخور ليأخذ الورق ويقتلهم
تحت أطنان الصخور والتراب، تحول السرداب إلى قبر حقيقي، الهواء بدأ ينفد، ورائحة التراب تختلط برائحة الدم الذي ينزف من "دهب" بغزارة مرعبة، جاسر يخلع قميصه بيدين ترتجفان
ويضغط به على مكان النزيف وهو يصرخ بصوت مكتوم يمزق القلب "دهب.. فتحي عينك.. متموتيش.. متسبنيش لوحدي
كانت دهب تئن بصوت خافت جداً، وجهها شاحب كالموتى، ويدها الباردة تتمسك بيده بوهن وكأنها تودعه
همست بصوت لا يكاد يسمع "جاسر.. ابني.. أنقذ ابني.. لو أنا مت شق بطني وطلعه.. أمانة يا جاسر
نزلت كلماتها عليه كالصواعق دموعه هطلت لأول مرة دموع قهر وعجز، صرخ فيها "اسكتى.. هتعيشوا.. أنتوا الاتنين
هتعيشوا"
نظر حوله بجنون، الصخور تسد المخرج، وصوت "عزت البارودي" ورجاله في الخارج يحاولون إزاحة الصخور ليس لإنقاذهم بل للوصول للصندوق
أدرك جاسر الحقيقة المرة لا مفر ودهب تموت بين يديه في كل ثانية تمر كبرياء الكابر
إرث أبيه، شرفه، كل هذا لا يساوي ظفر دهب
اتخذ القرار الأصعب في حياته اقترب من فجوة صغيرة بين الصخور يمر منها الصوت
وصرخ بكل قوته صرخة هزت الجبل "عزت.. يا عزت.. وقف الحفر"، وصله صوت عزت الشامت "إيه يا سبع الليل.. استويت؟ ولا النفس انقطع؟"
قال جاسر وصوته يقطر ذلاً وقهراً لم يعهده من قبل "طلعنا.. طلعنا وهديك الصندوق.. هديك الورق والاعترافات وكل اللي أنت عايزه..
بس طلع مراتي"
ساد صمت لثواني في الخارج، ثم ضحك عزت ضحكة شيطانية
"يااااه.. أخيراً جاسر الكابر ركع؟ بس أنا اضمن منين إنك متلعبش بيا؟"
صرخ جاسر والدموع تختلط بالعرق والتراب على وجهه
"مراتي بتنزف وبتموت.. قسماً بعزة جلال الله لو جرالها حاجة ما هبقي حد فيكم حي
الورق قصاد حياتها دي كلمة الكابر وكلمتي سيف"
أعطى عزت الأمر لرجاله وبدأت الآلات ترفع الصخور بسرعة جنونية
الدقائق كانت تمر كأنها سنوات، جاسر يحتضن دهب ويقبل رأسها ويده ملطخة بدمائها
يهمس لها بآيات القرآن، وأخيراً، تسلل ضوء الكشافات لداخل القبر، انزاح الحجر الكبير
مد جاسر يده وسحب الصندوق الحديدي ورماه عند قدمي عزت البارودي، ثم حمل دهب بين ذراعيه وخرج بها إلى الهواء
كان منظره يخلع القلوب، الأسد الجريح يحمل لبؤته المذبوحة، ملابسه ممزقة، وجهه مغطى بالغبار والدم، وعيناه لا ترى أحداً سوى الطريق
وقف عزت يفتح الصندوق ويتأكد من الأوراق، ثم نظر لجاسر الذي كان يركض نحو سيارته
وقال بسخرية "مبروك عليك حياتها يا كابر.. ومبروك عليا نهايتك"
رفع أحد رجال عزت السلاح ليغدر بجاسر من الخلف
لكن عزت أشار له بالتوقف وقال "لا.. سيبه.. جاسر الكابر النهاردة مات معنوياً..
كسرة عينه دي عندي بالدنيا، خليه يعيش مكسور"
انطلق جاسر بالسيارة كالمجنون، يطوي الأرض طياً، يصرخ في الهاتف "يا حمزة.. جهز المستشفى.. دكاترة النسا والجراحة يكونوا واقفين على الباب.. دهب بتروح مني"
وصل المستشفى في وقت قياسي، نزل من السيارة حاملاً إياها ودخل يصرخ "دكتور.. دكتور"
التف حوله الأطباء والممرضات، أخذوها منه بسرعة ودخلوا غرفة العمليات
وقف جاسر أمام الباب الموصد، ملطخاً بدم زوجته وابنه، انهار على ركبتيه أمام الجميع
لم يهتم بنظرات الناس، لم يهتم بملابسه، كان فقط يتمتم بكلمات متداخلة
"يارب.. خدني أنا وسيبهم.. يارب اختبارك صعب قوي"، مرت ساعة، ساعتان، الوقت يمر ببطء قاتل
وصل "حمزة" ورجال الكابر، وجدوا سيدهم يجلس على الأرض وعيناه حمراوان كالجمر، اقترب حمزة وقال
"جاسر بيه.. عزت أخد الورق ونشره.. الصحافة مقلوبة والبوليس بيدور عليك..
لازم نمشي من هنا"، نظر له جاسر نظرة خاوية وقال "طظ في الورق.. وطظ في عزت.. وطظ في الدنيا كلها..
أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن عليها"، وفجأة، انفتح باب العمليات، وخرج الطبيب وعلى وجهه علامات الإرهاق والأسف،
جرى عليه جاسر وأمسكه من تلابيب ملابسه "انطق.. عايشة؟"
نظر الطبيب للأرض وقال بصوت متردد "المدام عايشة يا جاسر بيه..
النزيف وقف وقدرنا ننقذ حياتها بأعجوبة.. بس.."
تجمدت الدماء في عروق جاسر، كلمة "بس" هذه تحمل خلفها جحيماً،
هز الطبيب بعنف "بس إيه؟ انطق!"
قال الطبيب بسرعة "للأسف الجنين مات..
النزيف كان شديد والرحم انفجر، واضطرينا نستأصل الرحم عشان ننقذ الأم..
المدام مش هتخلف تاني يا جاسر بيه"
نزلت الكلمات كحكم بالإعدام صرخ جاسر صرخة مكتومة
تراجع للخلف واصطدم
بالحائط، ابنه مات؟ ودهب لن تكون أماً أبداً؟ الحلم ضاع؟ التضحية بالورق والشرف كانت بلا ثمن؟
سقط جاسر على الأرض فاقداً للنطق، وعقله يرفض استيعاب المصيبة، وفي الداخل، بدأت دهب تفيق من البنج، تهمس باسم واحد فقط "ابني..
فين ابني؟"، كيف سيواجهها؟ كيف سيخبرها أنه اشترى حياتها بموت حلمها؟
وكيف سيواجه العالم الذي بدأ ينهشه في الخارج بعد فضيحة الورق؟ الليلة، سقطت إمبراطورية الكابر
وبدأت رحلة العذاب الحقيقي. الصدمة كانت مزدوجة وقاتلة
خسروا "الورق" اللي بيحمي العيلة، وخسروا "الطفل" وقدرة دهب على الإنجاب
يعني "سلالة الكابر" انقطعت
تفتكروا دهب لما تعرف إنها فقدت الرحم وإن جاسر ضحى بكل حاجة هتستحمل الصدمة ولا هتنكسر؟
وجاسر هيعمل إيه مع "عزت" اللي دمره؟
هل هيتحول لوحش بما إنه خسر كل حاجة؟
الفصل الحادي عشر من هنا