تحميل رواية «طيف السلطان» PDF
بقلم قسمة الشبيني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
صباح جديد لا يحمل للبسطاء الكثير من التجديد. مجرد يوم آخر يضيف لمعاناة حياتهم المزيد من الضغوط والمزيد من الإجهاد لأبدان أنهكت كليًا. قرية صغيرة بأحد محافظات دلتا النيل، تلك المنطقة التي تزدحم بساكنيها بشكل أرهق كليهما. زاد الفقر ومد أذرعه لتصل إلى أقصى المنازل وأكثرها بؤسًا. إن صحت تسميته بمنزل فهو ليس بمنزل، ربما يظن من يراه للوهلة الأولى أنه حظيرة للحيوانات الريفية المعروفة، لا يعلم صاحبها شيئًا عن أساسيات الأمان. حوائط قصيرة يسهل تسلقها. باب متهالك سيسقط لدفعة قوية من الرياح دون أن يدفعه بشر...
رواية طيف السلطان الفصل الأول 1 - بقلم قسمة الشبيني
صباح جديد لا يحمل للبسطاء الكثير من التجديد. مجرد يوم آخر يضيف لمعاناة حياتهم المزيد من الضغوط والمزيد من الإجهاد لأبدان أنهكت كليًا.
قرية صغيرة بأحد محافظات دلتا النيل، تلك المنطقة التي تزدحم بساكنيها بشكل أرهق كليهما. زاد الفقر ومد أذرعه لتصل إلى أقصى المنازل وأكثرها بؤسًا. إن صحت تسميته بمنزل فهو ليس بمنزل، ربما يظن من يراه للوهلة الأولى أنه حظيرة للحيوانات الريفية المعروفة، لا يعلم صاحبها شيئًا عن أساسيات الأمان.
حوائط قصيرة يسهل تسلقها. باب متهالك سيسقط لدفعة قوية من الرياح دون أن يدفعه بشر. وسقف تجمعت فوقه عيدان الخوص وبعض الألواح الخشبية متعدد الفتحات لا يقي حرارة شمس ولا يمنع خزات المطر.
مع الاقتراب قليلاً لن تلحظ الروائح النابعة من أماكن مشابهة. لا يسود هنا سوى رائحة عبق الصباح الصيفي المحمل برطوبة خفيفة.
سعال متواصل يصدر عن شخص ما بالداخل لتتضح الرؤية أخيرًا، فهذا المكان اللاأدمي يعيش فيه بشر. صوت يخرج من جسد أذابه المرض متحشرجًا متقطعًا:
"طيف.. يا طيف."
تظهر من بين الزراعات هذه. هذه طيف التي تهرول فور سماع صوت والدها المريض غير عابئة بقطرات الماء التي تتساقط من ذلك الإناء الذي تحمله فوق رأسها دون أن تؤثر الهرولة على توازنه.
دفعت هذا الباب المتهالك لتجيب:
"أيوه يا ابا اني جيت اهو."
ليس صعبًا على الأب رؤيتها، فالمكان كله غرفة واحدة فقط مقسمة بعدة خرق كادت أن تبلى كليًا استخدمت كحوائط بها. ومربعين صغيرين يحوي أحدهما موقدًا عفى عليه الزمن وعدة أواني، والآخر وهو المكان الوحيد الذي لازال بابه قائمًا مرحاض قديم الطراز، لكن نظافته تجعله مقبولًا.
دخلت لتضع الآنية أرضًا فيتساءل:
"كنت فين يا طيف؟"
أشارت نحو حمولتها:
"الحكيم قال تشرب ميه نضيفة، روحت جبت ميه من الفلتر الجديد اللي عملته، اسمه إيه ده بتاع الانتخابات على أول البلد."
ابتسم عبيد رغم ضعفه الشديد لتبدأ ملء المياه:
"هسيبلك القلة جارك على ما أجي. مرات الشيخ يونس وأني جاية قالت لي أروح أخبز معاها وهتديني خمسين جنيه. هعدي على السوق أجيب أي طبيخ وأجي، مش هتأخر."
اتجهت لذلك المطبخ لتعد بطبق يحوي قطعة من الجبن ورغيفًا من الخبز وضعتهما أمامه:
"افطر علشان تاخد الدوا قبل ما أطلع."
أمسك عبيد الرغيف وكأنه يعلم أنه الأخير، قسمه نصفين مقدمًا لها نصيبًا منه:
"مش هاكل لو ما أكلتيش."
ردت كفه:
"أنا هفطر على الخبيز، كل انت بس."
وضع القسمين رافضًا لتجلس فورًا وتتناول القسم الذي رفضته للتو، فهي تعلم أنه لن يتناوله بدونها.
***
وقفت السيارة الضخمة بجوار الطريق ليطل السائق من عليائها على ذلك الجالس فوق مقعد خشبي بجوار بضاعته المكونة من العصي والسجاد وبعض مستلزمات سائقي سيارات النقل شديدة الضخامة. رفع كفه ملقيًا التحية ليقف الآخر مبادلًا تحيته ومتطلعًا لبيع بعض من بضاعته.
ترجل السائق عن سيارته بيسر رغم صخامته وبدانته الواضحة ليقول:
"عاوز عوجاية يا سلطان وكليم ناكل عليه وحاجة حلوة للتابلوه."
تقدم سلطان نحو بضائعه المتراصة ليمسك أحد العصي فيعترض السائق:
"لاه هاتها بلوزة."
تركها والتقط أخرى عائدًا إليه:
"دي الخبطة منها والقبر بلاش افترا يا مرعي على الخلق."
ضحك المدعو مرعي:
"مابفتريش غير على المفترى، انت عارف الطريق وقرفه."
أمسك العصا يلفها بين أنامله ببراعة لتتسع ابتسامته:
"هو ده، أنا قولت مش هلاقِي حاجة موزونة غير عندك."
بدأ يفحص كل ما يحتاجه ليتمكن سلطان من بيع بعض من بضائعه بسعر جيد، وهذا أمر مستحب له في الصباح.
غادر السائق لينظر نحو صاحب المقهى المجاور مناديًا:
"يا حكيم راعي الفرشة على ما أرجع."
أشار له حكيم:
"عنيا يا سلطان بس ما تغبش دي ساعة استفتاح."
أومأ سلطان:
"استفتحت الحمد لله، هطل على أمي بس وجاي."
***
سارت طيف بين الزراعات مجددًا حتى وصلت لطريق ممهد اتخذته مباشرة نحو بيت ذاك الشيخ الذي استأجرتها زوجته للمساعدة، فهي بحاجة ماسة للعمل. يحصل والدها على عدة مئات من الجنيهات لا تتعدى أصابع الكف الواحد ولا تصمد حتى ينتصف الشهر. مرض أبيها الذي حال دون عمله زاد بؤسهما الذي لا يحتاج لزيادة.
وقفت بالباب ليفتح لها الحارس الذي أشار لها:
"روحي عند الفرن على ما الحجة تنزل قرصي العجين خامر."
اتجهت في الاتجاه الذي تعرفه فعليًا فقد قامت بهذا العمل عدة مرات. نزعت غطاء رأسها وحملت الإناء الضخم لتضعه أرضًا. استقامت مجددًا لتجد من يحيطها من الخلف.
انتفضت ليحكم ذراعيه حولها فتنهره بخفوت:
"شيل ايدك يا ياسر احسن والله هقول لأمك ولا للشيخ يونس."
ضحك الشاب بسماجة:
"وهم هيصدقوا واحدة زيك بردو؟ يا بت اسمعي الكلام ده أنا هنغنغك."
عادت تدفعه بيأس في التخلص منه:
"قولتلَك أبعد عني لاصوت وألم عليك الخلق."
عاد يضحك:
"صوتي انت اللي هتجرسِي مش أنا، أنا ابن الشيخ يونس يا بنت عبيد."
دفعها للأمام نحو ركن مستتر ثم رفع كفه مكممًا فاها:
"مادام مالكيش في الذوق يبقى بالغصب يا حلوة، أنا في كل الأحوال لازم آخد اللي أنا عاوزه."
أدارت النشوة رأسه ليتخلى عن حرصه ويرفع كفه الذي يحتاجه بشدة للمس مفاتنها عنوة، لتجد هي فرصتها فتقف على أصابع قدميها حتى طالت رقبته لتطبق عليها أسنانها بما تملك من قوة.
نفضه الألم لينزعه من نشوته فيدفعها عنه ويبتعد للخلف. رفع كفه لرقبته متوعدًا لها:
"بقى كده يا بنت عبيد، طب أنا هوريكِي."
رفع الكوفية التي تزين رقبته ليخفي أثر عضتها ثم يغادر مهرولًا قبل أن تلمحه الأعين. تقدمت بأنفاس تلهث غضبًا وقلبًا يعتصره الألم.
بنت عبيد. هذا هو اللقب الذي تنادى به في مواقف مشابهة تتعرض لها بشكل شبه يومي، ورغم أنها تتصدى للجميع بقوة إلا أن الألم يترك أثرًا بقلبها الذي تشوه من كثرة طعناتهم الغادرة. الجميع ينهش فيها طمعًا في جمالها لضيق حالها وفقرها الذي زاد ذلها ذلًا ومرض أبيها الذي أقعده لتهون بأعينهم أكثر من ذي قبل.
أقبلت امرأة في عقدها الخامس، وكانت طيف تجلس أرضًا وقد بدأت العمل دون التوقف عن البكاء. تساءلت المرأة:
"إيه يا بنتي أبوكِي جرى له حاجة؟"
هزت رأسها نفيًا لتجلس المرأة:
"يبقى واحد من البهايم اترازل عليكِ وانت جاية، ما أنا عارفة البلد واللي بيحصل فيها."
رفعت طيف رأسها تنوي أخبارها بفعلة ابنها لتتابع هي:
"الحمد لله ياسر ابني متعلم ومتنور وعارف ربنا، أما لو الشباب يعملوا زيه البلد هينصلح حالها."
نكسَت طيف رأسها مجددًا واكتفت بالاستماع طيلة الساعات التالية عن محاسن أخلاق هذا التالف الذي أحسن ارتداء ثوب الفضيلة أمام الجميع مثل الكثيرين من أهل القرية دون أن تتفوه بكلمة واحدة.
***
صعد سلطان الدرج نحو شقة في الدور الثاني من بناية جيدة الحال. فتح الباب يحمل عدة أرغفة وفطورًا تقليديًا. المنزل مكون من ثلاث غرف، اتجه نحو إحداها وفتح الباب بهدوء، يعلم أنها مستيقظة وتجلس بجوار الشرفة تراقب صخب الصباح الذي تعشقه.
تقدم منها بودًا ليرفع كفها يقبله:
"اصباح الخير يا أماي، كيفك النهاردة؟"
ابتسمت لتظهر تجاعيد وجهها الأسمر وهي تربت فوق رأسه:
"بخير يا ولدي طول ما انت وخواتك بخير."
وضع الطعام أمامها ثم اتجه للخارج. عاد بصحن خزفي ليفرغ فيه محتويات كيس الفول الذي يتناولاه يوميًا، ثم بسط قرطاس ورقي يحوي حبات الفلافل المصري الشهير. قدم لها رغيفًا:
"افطري لأجل أرجع للنصبة."
تناولت الرغيف بود لتبدأ ككل يوم تقص عليه ذكريات حياتها بالماضي حين كان والده حيًا يرزق وكانت تعيش مكرمة برعايته، ثم تتخذ القصة مجراها الحزين بعد وفاته ونزوحها بأبنائها إلى الوجه البحري هربًا من ضغوط الأسرة لزواجها مجددًا.
يعلم سلطان القصة كاملة فقد عاشها منذ كان بالسابعة من عمره، ورغم ذلك لا يمانع مشاركة أمه ذكرياتها خاصة بعد زواج شقيقاته الأربع ووحدتها الشديدة لظروف عمله الشاقة.
***
أنهت طيف عملها وكانت الظهيرة شديدة الحر وتشعر بصداع شديد لبكائها المتواصل. حاولت زوجة الشيخ منحها بعض الطعام لكنها رفضت بشدة، فهي لا تأخذ إلا أجر عملها.
غادرت عازمة على عدم العودة لهذا المنزل مهما اشتدت بها الحاجة. هناك بعض الخيارات التي قد تحفظ كرامتها وتقيها تحرش هذا الحقير وأمثاله.
فكرت في تفقد أبيها قبل التوجه لسوق المركز فقد تراءت لها فكرة يمكنها أن تجرب القيام بها، وإن أصابت فستعف نفسها من التردد على المنازل التي تضم بين جدرانها كلابًا تترصد بها.
سارت وسط الزراعات ستتفقده وتخبره أنها ستتوجه للسوق ويمكنها العودة قبل حلول الظلام. تلفتت حولها وقد تيقنت من متابعة أحدهم من خطواته وكان خلفها بعدة خطوات بالفعل.
ابتسم لها بتشفٍّ واضح:
"نعقل بقا انت رسيتِي على الدور، خليها بمزاجك احسن وهنا هتضربي. هتصرخي. محدش هيغيثك مني. الوحيد اللي ممكن يسمع أبوكِي وأنا ماعنديش مانع إنه يسمع ويتفرج كمان."
شعرت بالعجز والفزع فما تراه بعينيه وقسماته هلاكها المؤكد.
رواية طيف السلطان الفصل الثاني 2 - بقلم قسمة الشبيني
تراجعت طيف للخلف وقد رأت أن مبادلته التهديد لن تجدي نفعا، لكنها لا يجب أن تظهر بصورة المرتعبة الخائفة فيسعى لاستغلال ذلك.
عادت خطوة للخلف ليتقدم منها، فتوقفه محذرة:
"أبعد عني أحسن لك يا ياسر.. أنا لا يهمني أنت مين ولا ابن مين."
مسد صدره بوقاحة مقتربًا:
"وهي واحدة زيك إيه يهمها؟ وأنا مش عاوز يهمك أنا مين.. فكري هتكسبى من ورايا إيه؟ بدل القعدة قدام الفرن وصهد النار والحطب.. معايا هترتاحي من كل ده وكمان تتبسطي أنا هدلعك."
قاطعته بتهكم:
"قصدك هتوحلني وتدوس عليا برجليك.. أبعد عني يا ابن الشيخ إحنا بعيد عن داركم وهنا الناس هتصدقني أنا لأنك أنت اللي جاي ورايا."
ضحك ياسر:
"ناس؟ هههههه بصي حواليكي كويس. أقرب بيت بيتكم وأول من هيسمعنا أبوكي."
ولم يرتدع ياسر عنها، فهي بالنسبة له صيد سهل يحوي الكثير من المتعة بلا مشقة ولا تكلفة. فأي كان المبلغ الذي سيدفعه لها لن يوازي تكلفة المتعة المحرمة.
أقبل عليها لتتراجع استعدادًا للركض والصراخ، لكنه أسرع منها فتمكن من إسقاطها أرضًا دون جهد يذكر.
ابتسم لها بتشف كما حدث صباحًا لترى تلك اللمعة البغيضة بعينه. مال عليها يبغي التمتع بما لا يحل له ليرتعد قلبها. تحسست الأرض وأمسكت أقرب حجر لكفها وضربت به رأسه بقوة كانت كافية لإبعاده عنها وإصابته بجرح غائر ليصرخ ألمًا.
انتفضت واقفة والحجر لا يزال بكفها لتضربه مجددًا بحقد:
"عشان تبقى تستقوى على الغلابة اللي زيي."
وضربته ثالثة:
"ربنا ينتقم منك على كل لمسة غصبانية وعلى كل كلمة كسرت بيها خاطري."
احتفظت بالحجر وهي تنظر له يمسك رأسه صارخًا. تلفتت حولها بفزع وأسرعت تركض محتفظة بالحجر الذي يحمل دماء هذا النجس.
دخلت المنزل باندفاع ليفزع أبوها، ورغم حملها الحجر إلا أنها أخفته بحلبابها الفضفاض واتجهت تلقي على أبيها التحية متجهة نحو المرحاض حيث بزاوية بجانب الباب أخفته لتتمكن لاحقًا من إخفائه عن أبيها.
غسلت وجهها وعادت إليه مبتسمة:
"جيت أطل عليك قبل ما أنزل المركز.. هروح السوق هناك."
رفع أبوها رأسه:
"ليه يا بنتي؟ ما تجيبي أي حاجة من هنا وخلاص."
جلست بجواره:
"عاوزة أجيب شوية دقيق غلة من أي فلاحة في سوق المركز هعمل العيش هنا وأبيعه على السريع القريب هناك العربيات ياما وناس غراب أحسن من التلطيم في بيوت الخلق ويوم فيه ويوم مفيش."
ابتسم عبيد:
"يعني مش عاجبك تقعدي جاري يوم؟ يا بنتي أهو بترتاحي الحمل تقل عليكي أوي."
أصرت على رأيها:
"بالعكس يا أبا كده أقعد معاك أكتر إني هخبز بالليل ومع ترقرق النهار أقف ساعة أو اتنين بالكتير وأرجع أقعد جارك طول اليوم."
استسلم عبيد سريعا:
"اللي يريحك يا بنتي أهم حاجة عندي ماحدش يضايقك ولا يجي عليك."
وقفت بنفس الابتسامة:
"ما تخافش محدش يقدر.. أنا همشي عشان ألحق أرجعلك بسرعة."
واتجهت للخارج مجددًا عازمة على تنفيذ فكرتها للوذ بالنفس من خبائث الأنفس.
اتخذت نفس الطريق ولم تر ياسر في طريق عودتها، ربما أنقذه أحدهم أو تحرك هو هربًا. لا يهمها في الواقع ما حدث له فهي تتمنى له الأسوأ وعدم النجاة بأفعاله القذرة. لابد أنه يقوم بالمثل مع غيرها من الفتيات. كم تتمنى أن يزج به وبأمثاله لأشد العقوبة. لكن للأسف فهو وأمثاله يرتدون ثياب الفضيلة أمام الناس وينأون بدناءة نفوسهم للخفاء. هل الخفاء يمحو ذنبهم؟ هل التفضل أمام الناس يغفر خطيئتهم؟ كيف يفكر هؤلاء الأقذار؟
اتخذت طريقًا جانبيًا خرجت منه مباشرة أمام العربة التي ينادي صاحبها الركاب ليقلهم للمركز. جلست بمقعد منفرد حيث يمكنها أن تبتعد عمن يجاورها، فهي لم تعد تشعر بالأمان لأي ذكر وإن رأته أمام الناس داعيًا مدعيًا.
الجولة بالسوق مرهقة، لكنها لم تعد إلا بما أرادت وزادت بعض الخضر حيث يمكنها إعداد حسائها لأبيها المريض وإعداد وجبة غنية لها.
حملت مشترواتها فوق رأسها وسارت عائدة تجاه العربات تبحث عن سيارة لتعيدها لمشارف القرية وهذا يكفيها.
****
أنهت الممرضة سريان المحلول بعروقه وسحبت الخرطوم من كفه لتبتسم بتكلف:
"ألف سلامة."
أجابها أبيه بإكرامية ممتازة دستها بجيبها وسارت نحو فراش مريض آخر. ورغم شعوره بالدوار وتورم عينيه تابع انصرافها مميزًا تمايل خصرها الذي تبالغ فيه.
لقد نجى من موت أو إصابة بالعمى كما قال طبيب المشفى الذي حمله إليه الأهالي فور رؤيته مضرجا بدمائه قرب الزراعات.
أبيه يفخر به لصموده أمام ذلك اللص الذي ادعى أنه ضربه بعصى رغبة في سرقته، وأمه تتضرع إلى الله أن ينزل بهذا اللص أشد أنواع العقاب.
وصل ضابط شرطة لسؤاله حول واقعة إصابته ليدعي بثبات أن اللص ضربه من الخلف ولم ير ملامحه، لتأتي شهادة الطبيب مكذبة لإدعائه، فقد أكد الأخير أن الضربات جاءته من الأمام وأنه يعلم جيدا شخصية الفاعل ويتستر عليه لسبب مجهول.
**************
عليها توفير الحطب لتضمن خبزًا جيدًا يمكنها بيعه بمقابل مرضى. تحتاج لأخشاب لا تخبو جذوتها بسهولة.
أمسكت إناءً كبيرًا وسارت نحو الاتجاه المعاكس، بالقرب من الطريق الذي سيكون مورد رزقها قريبًا.
عمليات الإنشاء هنا مكثفة لتطوير المنطقة، تتعجب لما يكون التطوير دائمًا قرب الطرقات الرئيسية؟ ربما لأنها محط أنظار الجميع!!
ماذا إن تعمق هؤلاء المطورون قليلا في الداخل؟ لوجدوا حتمًا منزلهم المتهالك والذي هو أحق بالتطوير من تلك البنايات الضخمة.
سارت بالقرب بتؤدة لتتوقف إثر نداء أحدهم:
"بتعملي إيه الناحية دي يا حرمة؟"
دارت تنظر لمحدثها والذي كان في عقده الخامس تقريبًا. غزا الشيب مفارقه بكثافة وله من حدة الملامح نصيب كبير، لكنها لم ترهبه بل أجابت بثبات:
"هعمل إيه يا عم الحج عاوزة شوية رايش أخبز بيه."
رفعت إناءها:
"هملي الطشت وامشي ما أنتو بترموه مالوش عوزة."
نظر لها الرجل ولم تتغير حدة قسماته:
"ما تيجي يوم الجمعة والرجالة إجازة بدل ما الكل يتفرج عليكي كده! هو لازمك الخبيز أوي؟"
هزت رأسها:
"أكل عيشي أنا هبيع العيش مش هأكله."
أعاد النظر لها ولبساطة ملابسها ليرى الحاجة تستتر خلف تلك البساطة. أشار نحو اتجاه جانبي:
"طب روحي خدي من اللي الرجالة لموه على جنب ده.. خدي يكفيكي ليوم الجمعة."
تهللت ملامحها وهي تطالع تلك الكومة من قطع الأخشاب الممتازة لتأجج نيران مرجلها البسيط. لقد رأتها وخجلت من الاقتراب منها ظنا أنها جمعت لغرض تجهله.
"تسلم يا حج."
شكرته وهي تتجه نحوها فعليًا لتملأ هذا الوعاء. كل الأخشاب برأيها قيمة، فهي ستوقدها نيرانًا ولا يهم حجمها أو شكلها، لذا ملأت الوعاء في دقائق وكان هذا الرجل لا يزال بالقرب وهي لا تعلم أنه يتعجب حصولها على هذه الكمية.
اقترب منها حين وقفت إعلانًا بانتهاء ما تقوم به ليتساءل:
"هتخدي كل ده إزاي؟"
ابتسمت بثقة:
"هشيله.. عين عليا بس وكتر خيرك."
انحنى يرفع الوعاء فوق رأسها لتقف بثبات تضبطه قبل أن تتحرك مغادرة:
"كتر خيرك يا عم الحج."
أوقفها متسائلاً:
"إنت بتبيعي الرغيف بكام؟"
وقفت تنظر له:
"صراحة أول يوم ليا بكرة.. مش عارفة اللي يدفعه الناس هاخده."
رفع حاجبيه وابتسم لتلين حدة قسماته:
"يبقى هتتسرقي من أول يوم.. عدّي عليا الصبح عشرين رغيف وأنا أقولك بيعي بكام."
زاد تهلل وجهها وهي تغادر مجددًا:
"بس كده من عنيا.. بالإذن."
غادرت ليتجه عائدًا لمراقبة عماله وسير العمل هامسًا لنفسه:
"ملعونة الحوجة اللي تبهدل الحريم بالشكل ده."
***********
كان العمل شاقًا، فهي تعمل بمفردها. حصلت على قسط من الراحة ببداية الليل ثم نهضت بحماس للعمل الذي سيكفيها شر السؤال.
كانت تعمل بجوار المنزل حيث أقيم ذلك الفرن الفلاحي الذي بناه أبيها منذ سنوات طويلة. حين كان أبوها يملك من الصحة ما يكفيها شر الحاجة.
تعترف أنه بحاجة للترميم، لكن لا بأس به حاليًا. ربما راج عملها وتمكنت من شراء ذلك الفرن الحديث الذي يعمل بالغاز. حقًا سيلزم شراء أسطوانة غاز أيضًا، لكنها تحلم أن تتمكن يومًا ما من حلمها البسيط ذا.
مع انشقاق الصباح كانت تعمل على التعبئة. ألقت نظرة على أبيها آملة أن تعود سريعًا بفضل دعواته التي لم تتوقف مطلقًا.
حملت نفس الوعاء وقد جمعت به أكياس الخبز واتجهت نحو ذلك المكان مجددًا.
وقفت تبحث بعينيها عنه ليأتيها صوته من الأعلى:
"نازل أهوه."
نظرت لتشهق بفزع لذلك الارتفاع الذي يطل منه ببساطة.
دقائق وكان أمامها متعجبًا:
"ما شاء الله الرغيف ده يتباع باتنين جنيه أوعى حد يضحك عليكي."
حذرها وهو يخرج ماله لينقدها أربعين جنيها كاملة لقاء الأرغفة التي طلبها فعليًا.
سارت بعد قليل غير مصدقة أنها ستجني المال الوفير ببساطة.
وقفت بجانب الطريق الذي تمر عليه السيارات مسرعة. وضعت حمولتها أرضًا وحملت كيسا واحدًا أثناء وقوفها على أحدهم يطلب منها بعضًا منه.
بعد نصف ساعة تقريبًا وقفت سيارة حديثة ليتساءل صاحبها:
"بكام يا شاطرة؟"
أجابت دون أن تتقدم:
"الرغيف باتنين جنيه يا بيه."
"طب هات لي خمسة."
سعدت بطلبه ونفذته فورًا وسرعان ما تحركت السيارة وحين عادت نحو خبزها كان أحدهم يقف بجواره:
"إنت مين يا بت ومين سمح لك تقفي هنا؟"
اقتربت تبعد خبزها عن مرمى:
"وانت مالك إنت!! أنا واقفة على طريق عمومي مش في بيتكم."
رأت الغضب يستعر بملامحه ليصيح:
"وهتمشي من هنا حالا بدل ما أمرمطك وأفرج عليكي الرايح والجاى."
هيئته مخيفة، لكنها لا تملك رفاهية الخوف. عليها أن تحمي نفسها منه ومن غيره. لا مجال للتراجع. لقد جمعت ببيع ربع الكمية رأس المال الذي تكلفته ولن تتخلى عن هذه الفرصة.
اقترب منها لتصيح:
"لو قربت مني هصوت وألم عليك الخلق."
ابتسم بتهكم وقد نزع حمولتها كاملة:
"صوتي حد ماسكك؟"
تمسكت بمصدر رزقها:
"سيب العيش بقولك هي بلطجة وخلاص."
جذب الإناء بقوة لينزعه عن كفيها:
"أيوة بلطجة."
"ومفيش بلطجة وأنا واقف يا نجم."
نظرت بإتجاه الصوت الذي تابع:
"رجع لها العيش بالذوق أحسن لك."
رواية طيف السلطان الفصل الثالث 3 - بقلم قسمة الشبيني
تطلعت لصاحب الصوت فوجدته ذو بنية جسدية تقل كثيراً عن المتعدى. زاد ضيقها وتوجست خيفة أن هذا الضخم سيبرح هذا الشاب ضرباً وسيكون يومها الأول هو الأخير.
أشاح الضخم بكفه: "مالكش فيه يا نمر.. دى بت عاوزة تتربى علشان تعرف مين كبير الطريق."
اقترب الشاب فوقف بينها وبينه: "ومن امته الطريق ليه كبير يا نمر؟ انت علشان سكتنا عليك هتسوق فيها ولا إيه؟"
زاد غضب هذا النمر وتحول نحو المدعو سلطان ناهراً: "أنا كبير الطريق يا سلطان ومفيش حد هيقف يسترزق هنا غير بإذني وبعد ما يدفع المعلوم كمان. ارفع صوته ناظراً حوله: والكلام للكل.. من النهاردة فى معاملة جديدة."
عاد ينظر لها: "وانت كفاية عليكى البريزة اللى اخدتيها من الزبون وباقى العيش معلوم الأسبوع."
جذب سلطان منه الوعاء بنفس الطريقة التى سلباها إياه بها. اتسعت عينيه وهو ينظر لكفيه خاويين وفى لحظة كان الخبز بين يديها لتتراجع بخوف.
رفع نمر كفه وقبل أن يتمكن من لكم سلطان، كان الأخير يضربه بتلك العصا الغليظة التى يحملها. أسرع البعض يقترب لكن زاد الأمر سوءاً مع اندفاع نمر نحو سلطان ليطرحه أرضاً.
أمسك رجلان نمر يعيدانه للخلف لينتفض سلطان واقفاً على قدميه مجدداً. أسرع بعصاه يعيد الكرة لكن أحدهم طوق خصره وأعاده للخلف: "خلاص يا سلطان ده واد شرانى."
لكن سلطان دفع ممسكه عنه: "هملني يا حكيم.. هو فاكر هيعمل علينا كبير."
أحاط الجميع مجموعة من الرجال أشداء البنية وقد بسطوا أذرعهم الغليظة ليقول أحدهم أمراً: "كله عند الحج رماح يلا."
ربت هذا الشاب فوق كتف صاحبه يهدأ من غضبه وأحدهم يشير لها: "وانت معاهم يا ست."
تحرك الجميع وعلى رأسهم نمر نحو مبنى جانبي مكون من دور واحد وقد تراصت أمامه العديد من السيارات والتى كما يبدو لها معدة للبيع.
في غرفة جانبية أغلب جدرانها من الزجاج جلس رجل في عقده السادس خلف مكتب فخم. دارت عيناه على الوجوه لتتوقف عند نمر: "وبعدين يا نمر؟ كل يومين خناقة ودوشة وهتلم البوليس على المنطقة وكلنا نتأذى فى أكل عيشنا علشان جشعك."
نظر نمر أرضاً: "يا حج رماح ماينفعش الطريق ما يبقاش له كبير.. وأنا أحق واحد محدش شغال هنا زيي."
ابتسم رماح بتهكم: "هو انت بتشتغل أصلاً؟ انت واقف تترازل على خلق الله وقلت لك قبل كده بلاغ صغير هتتسحب لوحدك والطريق يفضل نضيف."
فهمت من الحوار أن هذا النمر حديث العهد بوجوده هنا لكنه ترك أثراً سيئاً في نفوس الجميع، فعمله الذي يتشدق به ينحصر في جباية المال من الضعفاء في الغالب وقد كسدت بضاعته التي لم تزد عن علب السجائر والمناديل الورقية فيبدو أن ملامحه الفظة تنفر الزبائن منه أو ربما هيئته التي يبالغ في إظهار قوتها.
تحذير شديد اللهجة من هذا الوقور كان كافياً لتنكيس رأسه والإذعان. نظر لها الرجل أخيراً بعد أن أشبعها توبيخاً: "وانت يا بنتي إيه رماكِ الناحية دي؟"
تلفتت حولها وكأنها تتأكد أنه يتحدث لها ثم قالت: "أكل العيش يا حج.. أنا بخبز طول الليل في الرغيفين دول وما حلتيش غير تمنهم عاوزة أرجع بيه وكنت واقفة في حالي والله."
اعترض نمر: "لا واقفة جمب نصبتي هي تبيع وأنا ينخرب بيتي."
نظر له رماح مستخفاً ثم عاد لها قال: "هو صعب تلاقي حد يرضى تقفي جمبه والجهة زي ما انت شايفة مافيهاش متر فاضي.. شوفي لك حتة تانية تقفي فيها."
اعترضت هي أيضاً: "دي أقرب منطقة لنواحينا وأنا باجي وهروح مشي.. أروح فين بس؟"
أسرع شاب من الموجودين: "تقف قدام قهوتي يا حج وربنا يرزق الجميع."
أومأ الحاج مستحسناً: "ماشي يا حكيم أُقله زباينك كلهم يشوفوها."
اتفضلوا.
لاحظت أنه لم يتحدث طيلة تواجدهم بمكتب هذا الوقور. كان نمر أول المغادرين أيضاً ليناديه رماح: "سلطان."
نظر له الفتى بتأدب: "أمرك يا حج."
ابتسم الرجل بمودة بالغة: "يسلم دراعك.. سكوت الناس وخوفهم هو اللي بيكبر أمثاله."
ابتسم سلطان وأفسح الجميع لها مجالا لتمر أولا لتشعر أن هذا المكان رغم كل آفاته إلا أن هؤلاء الرجال يعلمون كيفية معاملة امرأة. وهي لم تحظ كثيراً بتلك المعاملة الراقية.
وقفت أمام المقهى حيث حدد لها حكيم، على الطرف الآخر يقف نمر متربصاً لها ناقماً عليها ويتمنى أن يحصل على فرصة أخرى لتأديبها.
بدأ بعض رواد المقهى من السائقين يسأل عن خبزها والبعض ابتاع منها بعضاً منه.
اقترب منها حكيم ليقدم لها كوباً من الشاي: "خدي يا بنت عمي اعدلي راسك."
تناولته منه برحابة: "إن شاء الله يسعدك.. بكام الشاي؟"
ابتسم حكيم: "المرة دي علينا من بكرة تدفعي. بس انت إيه رماكِ على الغلب ده؟"
هزت رأسها: "أكل العيش ما هو اللي ياكل قطمة يلطم لطمة."
ضحك حكيم: "بس الكلام ده مش للحريم لامؤاخذة.. انت مش متجوزة ولا إيه؟"
أشاحت برأسها: "ولا متجوزة ولا عاوزة اتجوز."
ضحك حكيم مجدداً: "عملت طيب هههههه.. لو عوزتي حاجة نادى عليا. بس أي حاجة إلا الجواز."
ضحكا معا وعاد لعمله وعادت تنتظر زبائن يلقي بهم الجوع في طريق ارغفتها التي يتضاءل عددها مع مرور الوقت.
كان يراقبها منذ جلست بمحاذاته ولحسن حظه كان مقعده مقابلاً لها من الأساس فلم يضطر إلى إظهار اهتمامه بها. سعد لمجرد رواج خبزها الذي بدا له شهياً واخترقت رائحته المحملة باحتراق الحطب صدره حين انتزعه من نمر الذي لم يخف عليه تربصه بها وسوء النية الواضح بنظراته المتوعدة.
تشجع بدفع من معدته ليتجه نحوها متسائلاً: "انت يا... اسمك ايه؟"
رفعت رأسها تنظر له: "طيف أسمى طيف."
ردد بتعجب: "طيف!! اسم غريب.. تعرفي طيف يعني إيه؟"
تصادف مرور حكيم الذي ضحك مجدداً: "ههههه يعني عفريت هههههه."
شهقت ونظرت له وكأنها تستنجد به لرفع هذا المعنى عنها لينهره برفق: "بس يا جاهل.. طيف يعني خيال."
ابتسمت بخجل: "هو انت متعلم؟ هو انت اسمك سلطان."
هز رأسه مبتسماً: "السلطان.. أسمى السلطان ما اعرفش ابويا كان نفسه في الحكم ولا إيه؟"
اتسعت ابتسامتها لينظر نحو الخبز وينحني ليحمل بعضاً منه: "أمي هتفرح بالعيش ده جوي جوي."
عادت تتطلع لوجهه: "لا هو انت صعيدي؟"
رفع حاجبًا واحدًا: "أيوه صعيدي."
أشاحت وجهها عنه: "أجدع ناس."
ابتسم وقدم لها المال لتحاول رفضه لكنه أصر على أن يدفع وهو في الواقع كان يستزيد من وقته معها.
جمعت المال الذي حصلت عليه بسعادة غامرة، إنه أكبر مبلغ حصلت عليه بحياتها صرته بمنديل قماش قديم ودسته بجيبها لتنهض حامدة الله على فيض كرمه. اتجهت نحو القهوة تخبر حكيم أنها ستغادر وتعود في الصباح ثم انصرفت.
وقف حكيم يراقب عبورها الطريق ثم هرولت تجاه منطقة زراعية ولم تمر لحظات حتى كان نمر يتلفت حوله ويتبعها.
أسرع حكيم نحو سلطان: "شايف يا سلطان؟"
اتجه سلطان نحو الطريق وعصاه بكفه: "خد بالك من الفرشة."
عبر الطريق مسرعاً ليتخذ نفس الاتجاه والذي لم يكن صعباً عليه السير فيه ولم يكن صعباً أيضاً تتبع نمر.
سارت لدقائق قبل أن يلحق بها نمر: "استنى عندك يا مقصوفة الرقبة."
نظرت للخلف لترى نمر فتقف أمامه بتحدي: "انت عاوز ايه يا جدع انت؟"
مد كفه لها: "هاتي الفلوس اللي معاكي وحسك عينك ترجعي للطريق تاني."
ابتسمت بتهكم: "لا تكون فاكرني خايفة من طولك ولا من عرضك.. أنا ما صدقت لقيت مكان أسترزق فيه وبموتي أنكسر قدام واحد زيك."
رفع نمر حاجبيه بدهشة: "لا ده انت لازم تتربي."
التقطت حجراً من الأرض ورفعته مهددة: "لو قربت لي هجيب خبرك."
استمر نمر يتقدم منها ببطء ليخرج سلطان عن صمته رغم إعجابه بتلك القوة التي تتصدى له بها إلا أن قوتها لن تصمد أمام ثور بجسد بشري مثل نمر: "وبعدها لك يا نمر؟"
دار نمر على عقبيه ينظر له: "ده الحكاية كبيرة على كده.. ونازلين الغيطان كده عيني عينك؟"
تجهم وجه سلطان وقد وصل إليه ما يقصده من معنى: "انت إيه شيطان؟"
هجم عليه نمر لينحني متفادياً هجومه ثم يبدأ رده بعدة ضربات مستخدماً عصاه التي يتقن استخدامها والتي أوقفت محاولات نمر لصدها مما منحه الوقت ليتقدم نحوه.
ألقى العصا أرضاً وأمسك رأسه بكفيه وبضربة رأسية قوية زلزل صرح قوته المتصدع. تراجع نمر ليتقدم سلطان ويضربه أخرى فأخرى حتى أسقطه أرضاً. انحنى يمسك مقدمة ملابسه يجذبه نحوه بقوة: "عارف إن شوفتك في طريقها تاني يا نمر..."
قاطعه نمر: "مش هتشوفني يا سلطان مش هتشوفني."
جذبه مجدداً حتى التصق وجهيهما. رأى نمر احتراقاً بعيني سلطان وكأنهما مرجلين اشتد لهيبهما. شعر سلطان برجفة نمر فقال بحدة مشيراً لها وهمساً لم تسمعه هي: "دي طيف السلطان فاهم."
أومأ نمر ليدفعه بحدة ويستقيم. وجدها تقف مبتسمة ببشاشة ممسكة بعصاه الذي أسقطه وكانت تلك الابتسامة كخزات المطر التي تساقطت فوق حطب مشتعل فأخمدت لهيبه بتروي.
رواية طيف السلطان الفصل الرابع 4 - بقلم قسمة الشبيني
شعرت بالأمان للمرة الأولى منذ أمد بعيد.
منذ تناول منها العصى بصمت وأشار لها لتتابع طريقها ثم غاب عن ناظريها، لكنها تعلم أنه هناك.
كم هو شعور ممتع أن تشعر بشخص مهتم لأجلها هي.
وهي قد اعتادت تهميش الجميع والحياة أيضًا.
كانت أوقاتًا تظن أنها لا ترى للأعين، وأن هؤلاء الناس لا يرونها إلا وقت حاجتهم لعملها الذي يسخرونها فيه لقاء القليل من المال.
كثيرًا ما رأت اسمها مطابقًا لحياتها؛ طيف لا يرى ولا يشعر أحد بوجوده.
تسير بين الناس لا تتربص بها سوى الأعين الجائعة لجمالها، والذي مهما حاولت إخفاءه يراه من يشتد جوعه لها.
للمرة الأولى تقطع هذا الطريق وتتمنى ألا ينتهي، فقط لتشعر أنها بعنايته لفترة أطول.
كادت أن تصل لتدور على أعقابها تبحث بعينيها عنه لتراه على مقربة منها.
بادلها ابتسامة صافية لم تر مثلها على وجه رجل منذ الأزل.
رأت بعينيه نقاء لم تره بعيني رجل غير أبيها.
استشعرت بقربه طمأنينة لم تشعر بها مطلقًا.
هل يمكن أن تشعر بكل هذا وهي قد رأته منذ ساعات؟
كيف ومتى تبدلت مشاعرها تجاه الرجال؟
ربما لأنه أول من رأت من الرجال.
تقدمت نحو منزلها المتهالك بنفس مطمئنة ولم تنظر للخلف، فهي تثق أنه لازال هناك.
***
دخل سلطان المنزل الهادئ كالعادة ليتجه نحو غرفة أمه.
فتح الباب وأطل عليها وكانت على نفس وضعها الذي لم يعد يتغير سوى في مرات معدودة.
تقدم نحوها بمرح: السلام عليكم.. عاملة إيه يا حاجة.
نظرت نحوه براحة: عليكم السلام يا نور عيني.
وضع الطعام أمامها لتمسك الأرغفة متسائلة: انت جايب العيش ده منين؟
ابتسم سلطان: خابر إنه هيعجبك.. واحدة بتبيعه على الطريق.
اقتطعت قطعة ورفعتها تشم رائحتها لتبتسم ثم تضعها بفمها فورًا.
أستلذت المذاق: تسلم يدها.. ابقى هات لي منها على طول.
اتسعت ابتسامة سلطان: بس كده من عنيا.. دوقي السمك كمان.
هزت رأسها رفضًا: لاه هات لي حتة جبنة من الزلعة.
ابتسم وأسرع يلبى رغبتها، بل وشاركها وجبتها التي طلبت.
تذكر فورًا تلك الوجبة التي كانت في الماضي لأيام عديدة كل ما يملكون.
أصبحت اليوم تشتهيها الأنفس وتتمناها أحيانًا.
***
دخلت طيف لتتجه نحو أبيها فورًا: مش هتصدق يا أبا، أول مرة في حياتي أكسب مبلغ كبير كده.
أنا لازم النهاردة أعملك فرخة.
ابتسم عبيد بضعف: فرخة مرة واحدة! لا يا بنتي وفري الفلوس هتنفعك وأنا هاكل شوربة خضار زي كل يوم، وأنت نامي شوية أنت سهرانة أغلب الليل.
انتفضت واقفة: لا هتاكل شوربة فراخ وأنا هنزل السوق أجيب دقيق، هجيب فرخة معايا.
غادرت من جديد بعد استراحة قصيرة وعادت مسرعة.
أعدت الطعام الفاخر الذي لا يتناولانه سوى على فترات متباعدة ثم خلدت للنوم سريعًا، فهي أمامها ليلة طويلة.
كانت ليلتها تشابه البارحة، لكنها اليوم تعمل بحماس أكبر فقد وثقت فيما ستجني من ربح بفضل تلك الأرغفة.
***
أغمض سلطان عينيه أمام فرشته يبغي بعض الراحة بعد يوم مهلك.
تراءت صورتها خلف أجفانه المغلقة ليفتح عينيه وينظر إلى حيث كانت جالسة منذ ساعات.
عاد يرخي أجفانه مبتسمًا، مرحبًا بصورتها التي تعلن الاستيلاء على تفكيره، فلا يملك إلا استسلامًا غير مشروط.
***
وقف في الصباح التالي أمام بضاعته يراقب موقع ظهورها الذي شعر أنه تأخر، لكنه يشعر ببعض الراحة لوجود نمر الذي يرمقه بنظرات منكسرة منذ ظهر صباحًا.
اقترب منه حكيم متسائلاً: مالك يا سلطان؟ سرحان من ساعة ما رجعت.
رفع سلطان عينيه نحوه: ابدأ مش سرحان، هات قهوة يا حكيم.
اقترب حكيم برأسه منه: مش البت طيف اتأخرت؟
نهره بعينيه: إيه البت دي! ما تحترم نفسك يا حكيم.
اعتدل حكيم ضاحكًا: امال هي ولد! لما تتجوز هقولها يا ست طيف.. مبسوط يا سيدي؟
زفر سلطان: حكيم أنت فاضي شكلك وأنا مش رايق، روح هات القهوة.
هز حكيم رأسه أسفًا وتحرك نحو القهوة لتظهر أمامه تسير بخطى ثابتة لينتفض قلبه: ولا أقولك بلاش.. بلاش.
تحركت عيناه معها وهي تراقب الطريق لتعبر نحو القهوة التي ستقف بجوارها.
رفعت كفها بالتحية ليهلل حكيم بلا مناسبة: صباح الخير يا طيف.. اتأخرت كده ليه ده واحد واخد عيش امبارح سأل عليك؟
وضعت حمولتها بسلاسة: معلش كله نصيب.. كنت بملى ميه وأطمن على أبويا.
نظرت نحوه بطرف خفي: يسعد صباحك يا سلطان.
لانت ملامحه فورًا: وصباحك يا طيف.. أمي عجبها العيش، اعملي حسابنا كل يوم.
تهلل وجهها الظاهر له وقلبها الخفي عنه دون أن تحمل نفسها عناء معرفة سبب تلك النبضات القوية وهي تجيب بهدوء: بس كده من عنيا الاتنين.
لم يتحرك عن مقعده الذي وضعه منذ الصباح الباكر بالقرب من المكان الذي جلست به أمس، ليكن على مقربة منها قدر الاستطاعة.
ورغم أنه حفظ تلك القسمات في سويعات بالأمس، لم يمنعه ذلك من استراق النظر عله أغفل أحد تفاصيل براءة وجهها الذي أسلم قلبه رآيته لها فور رؤيتها وقبل أن يعلم أنه قد يحظى بقرب منها.
شرد سلطان في يوم أمس.
حين ظهرت طيف على الاتجاه المعاكس من الطريق، أسرته تلك البراءة بملامحها.
تساءل فور ظهورها عن سبب تواجد مثلها على قارعة الطريق الذي لا يخلو من الوجوه القاسية والقلوب الأشد قسوة.
وحين رأى هذا الهمجي يتعرض لها، أسرته مرة أخرى بتلك القوة التي رآها تتحداه بها رغم أنها ليست ندًا له.
المرأة القوية.. صورة مبهرة أشعلت حواسه ليسمع حوارها مع حكيم عن الزواج.
لم يهتم سوى بأنها غير متزوجة، أما رفضها الزواج فمجرد فكرة يسهل تغييرها.
عاد من شروده على صوت أحد زبائنه ليتحرك مبتعدًا عنها ببدنه فقط.
***
تحرك ياسر نحو باب المنزل لتوقفه أمه: يا بني رايح فين وانت تعبان كده؟
نظر لها مدعيًا الهدوء: هتمشي شوية وراجع.. ما تخافيش عليا أنا راجل مش بت لكل حركة بسؤال يا أما!
ربتت فوق صدره بحنان: يا بني مش قصدي.. أنا خايفة حد يتعرض لك ما انت ياسر ابن الشيخ يونس وبرضه مطمع للحرامية.. اديك شايف راسك لسه ما فكتش الرباط.
تقلصت ملامحه: جرى إيه دي حادثة ممكن تحصل لأي حد؟ مش حكاية علشان كل شوية نتكلم فيها.. أنا ماشي.
غادر فورًا لتضرب كفيها بحزن: أكيد عين وصابتنا لازم أبخر وأطلع حاجة لله.
تحرك ياسر فورًا نحو منزلها، سينزل بها أشد انتقام ويطيح بها.
ستأتيه ذليلة خاضعة يمن عليها.
اخترق الزراعات نحو المنزل الوحيد القابع بتلك البقعة.
أولئك الفقراء البؤساء تتنافر منازلهم عن بعضها بفضل أصحاب الأراضي الذين لا يدخرون جهدًا لتشريدهم كلما سنحت لهم الفرصة.
هو نفسه سيفعل ذلك بعد أن يستلم أراضي والده.
نفخ بضيق وهو يتذكر ما يقوم به والده تجاه هؤلاء المتطفلين برأيه.
تلك الفتاة وأبيها ومنزلهما البائس يحتلون أرض أبيه الذي لم يمانع ذلك.
وصل ليطرق الباب بكل ما بقلبه من أحقاد تجاه تلك التي تجرأت ورفضته بل وتطاولت عليه أيضًا وأصابته تلك الإصابة التي ستجعله يذكرها مدى الحياة ويكرهها لمدى الحياة أيضًا، لكن تلك الكراهية ستكون النيران التي يحرقها بها ولن يكتفي بنيلها.
لم يعد ذلك خيارًا متاحًا لها بعد فعلتها الشنيعة تجاهه.
بل لم يعد نيلها مقصده الأول، سيدهسها بقدميه حتى تنزوي كرامتها المزعومة وتزهق روح مقاومتها الشرسة، ثم لن يبذل جهدًا لنيلها فستكون متاحة له ومن بعده للجميع.
وقف متأففًا بضيق لدقائق حتى فتح أبوها الباب وهو يستند لإطاره بضعف.
احتلت الدهشة ملامح الرجل: ياسر بيه؟ اتفضل أهلاً وسهلاً.
وقف ياسر مكانه ونظر لعبيد بغضب: اتفضل فين؟ أنا أدخل الزريبة دي؟ أفف.
شعر الرجل بحرج شديد وظهر عليه ذلك ليبدأ ياسر تسديد نصاله السامة: بص يا عبيد أنا جيت لك على السكة اهو، يا تحوش بنتك عني يا أفضحها.
قاطعه عبيد بلهفة: بنتي؟ مالها طيف جرى منها حاجة؟
سكنت أحقاده قليلًا وهو يرى كلماته تأتي بما تمنى فيتابع: أنا مش هكدب وأقول ما كنتش معاها مرتين تلاتة، لكن ده طيش مني مش أكتر.
لكن ترمي بلاها عليا وتفكر أني ممكن أتزوجها أدفنها لك تحت رجلك.. أنا ياسر ابن الشيخ يونس كبير الناحية وكل البنات يتمنوا إشارة مني.
عاد عبيد يقاطعه بأنفاس لاهثة ووجه شاحب: كنت معاها إزاي يعني؟ انت قصدك إيه؟
أجاب ياسر بنفس الحدة: هو إيه اللي إزاي هتستهبل؟ زي أي راجل وست وبعدين فكرها إني ما كنتش أول واحد يعني، تتلم بدل ما يلمها القبر.
أنا حذرتك، أنت راجل كبير وغالي على أبويا، لكن لا أنت ولا هي أغلى مني في ساعة العشة دي تنهد على دماغكم.. أنا ماشي.
وتحرك مغادرًا وقد رأى أثر كلماته ليبتسم بخبث، فبعد ساعات سيعلم بمقتل تلك الفتاة أو على الأقل نزوحها وأبيها عن البلدة.
لن يضطر أن يواجه نظراتها القوية المتشفية مجددًا ولن يفعل.
أغلق عبيد الباب وقد أختنق صدره.
بدأ السعال يهاجمه بضراوة.
طيف!
لا، لن يصدق ادعاء هذا الفاجر.
طيف!
تعالت وتيرة الألم ليرفع رأسه نحو السماء التي تظهر له من سقف منزله المهترئ.
أعين باكية وقلب ذبيح توجها إلى السماء بينما عجز لسانه عن النطق لتسارع أنفاسه التي بدأت تشق صدره.
رواية طيف السلطان الفصل الخامس 5 - بقلم قسمة الشبيني
أنهت بيع أرغفتها جميعًا، وصارت نقودها الغالية التي فاقت أمس.
بدأت تجمع متعلقاتها استعدادًا للرحيل.
اقترب منها فورًا:
"أنا جاي أوصلك."
ابتسمت له وهي تستشعر مشاعره القلقة من نبرة صوته، لتجيب بثقة:
"ماتخافش عليا، أنا بفوت في الحديد. خليك جنب فرشتك."
اتسعت ابتسامة سلطان وهو يؤكد بثقة:
"عارف يا طيف، بس عاوز أطمن عليك بنفسي."
نظرت أرضًا لتظهر احمرار وجهها الذي يزيدها فتنة ويزيده انبهارًا. فهم أنها تخجل من صحبته لها، كما أنها محقة في ذلك.
تسربت بشاشته وهو يتراجع:
"ماشي يا طيف، بس خلي بالك من نفسك."
حملت وعاءها الخاوي وعادت تبتسم وهي تتجاوزه، ليدور مع خطواتها مراقبًا مغادرتها. عبرت الطريق لتغيب عن ناظريه دون أن تغيب صورتها عنه.
اقترب منه حكيم الذي كان يراقبهما معًا طيلة اليوم. وقف بمحاذاة سلطان الذي لم ينتبه له، ليبتسم هو شاعرًا بالراحة لأجل صديقه. دفعه بكتفه ليلتفت له:
"في حاجة يا حكيم؟"
أجابه مبتسمًا:
"أيوه، في حاجة ضاعت منك. ماتخافش، طيف هتجيبها معاها الصبح."
قطب جبينه ليضحك حكيم:
"يا عم، يا تروح وراها، يا تروح وراها بردو. هههههه."
وكزه سلطان ليضحك مغادرًا، فيوقفه:
"خد بالك من الفرشة على ما أتغدى مع أمي وأرجع."
***
دخلت طيف المنزل بوجه بشوش وقلب راضٍ، لينقلب حالها بلحظة واحدة وهي ترى أباها منكباً على وجهه أرضًا. ألقت ما تحمله وأسرعت تتفقده بفزع:
"أبا.. مالك يا أبا؟ أبا رد عليا."
كان شاحبًا، وقد خلا صدره من أنفاسه. هزته مرات ونادته مرات أخرى، لكنه لم يعد قادرًا على إجابتها. ضمته لصدرها وهي تصرخ ألمًا. انشق له هذا الصدر الذي يرفض التخلي عن الجسد الذي بلى.
ظلت تبكي، لا تعلم كم مر عليها من وقت. لكنها في النهاية حملته لفراشه كما اعتادت في سنواته الأخيرة التي كان رفيقه فيها المرض العضال. نظرت لوجهه نظرة أخيرة وغادرت فورًا نحو مسجد القرية لتسأل شيخ المسجد عن اللازم فعله، فهي رغم أن الحياة قد طحنت عظامها شقاءً، إلا أن مصيبة الموت تدركها لأول مرة. حين غادرت أمها كانت أصغر من أن تعي ذلك.
عادت بعد وقت يرافقها الشيخ ورجلان من القرية، قام الأخير بطلبهما. دخلا لغرفة أبيها البالية يتفقدوه، ثم أعلنوا لها ما كانت ترفض تصديقه وتتمنى أن يكون وهمًا من نسج خيالها.
طلب شيخ المسجد الطبيب الشرعي للقرية ليستخرج تصريحًا للدفن، ثم سمعته يطلب من صاحبيه العودة للمسجد والاتيان بلوازم الغسل والكفن، لتنتفض وتضع بين يديه كل ما جمعت من مال. حاول الرجل أثناءها عن ذلك ليفشل، فيرضخ لها بقلب متألم للحال الذي ستؤول إليه. ورغم أنها تعلم أنها تفقد مع هذا المال مقومات الحياة، إلا أن هذا لن يدفعها لتقبل تصدق أحدهم على أبيها بالكفن.
***
وضع بكف أمه كوب الشاي الذي تشربه بعد الغداء يوميًا، لتبتسم له بود. جلس بالقرب منها يشرب كوبه أيضًا، لتتساءل:
"مالك يا سلطان؟"
حاول أن يبتسم:
"ولا حاجة يا أمي، أنا بخير."
شردت ببصرها عنه:
"خابرة إنك بخير، بس كأن حاجة ناقصاك؟"
نظر لها لتعد بنظرها نحوه، فتتابع:
"ما أنش الأوان تتجوز يا سلطان؟"
ابتسم مرغمًا، فها هي أمه ترى دواخله كما كانت تفعل طيلة عمره. نظر أرضًا ثم نظر لها:
"كأنك زهجتي من سلطان، يا أمي؟"
ضحكت لتبرز تجاعيد وجهها التي يعشق. كل خط من تلك الخطوط شاهد على ألم تحملته، على أيامها السعيدة، على كفاحها الطويل.
ارتشفت بعضًا من كوبها لتنظر نحوه بحنو، منتظرة إفصاحه عن مكنون قلبه. ولم يطل انتظارها، فقد تحدث فورًا:
"اسمها طيف.. بتبيع عيش على الطريق. شوفت دارهم امبارح، شكلهم ناس على قد حالهم."
تابع حديثه عن رؤيته طيف وعما حدث بالأمس، دون أن تغب بشاشة أمه لوهلة، ودون أن تهتز ثقة عينيها التي تخترق رأسه.
أخيرًا تحدثت بعد أن صمت منذ لحظات:
"ابجى جولها ونروحوا نخطبوها. الراجل الزين ما يبصش لحرمة مش حلاله يا سلطان."
***
مر الوقت عليها سريعًا، لتجد الرجال يحملون جسد أبيها بعد تكفينه إلى المسجد. كان وقت الصلاة، ونودي لصلاة الجنازة، فاجتمع أهل القرية أجمع لتشيع أباها الذي رحل عنها في غفلة منها.
بعد دفنه، غادر الجميع. وحاول إمام المسجد أن يعيدها للمنزل، لكنها رفضت وظلت واقفة أمام قبره بإجلال حتى رحل الجميع، لتبدأ تحدثه وكأنه أمامها.
لم تحصِ الوقت الذي قضته بجوار القبر، لكنها شعرت بالخدر يسري ببدنها من شدة الإجهاد. نظرت نحوه نظرة أخيرة مودعة وغادرت تجر قدميها جراً.
كانت أطول لياليها على الإطلاق. استمعت لحفيف الأشجار وأصوات الحشرات، حتى الحيوانات الضالة شاركتها ليلتها الحزينة التي غاب عنها البشر أجمع.
سكبت احتراقها دموعًا، ناعية أباها وحياتها التي ستتشح بالسواد مستقبلًا. كانت تعاني بوجوده مرات، وستعاني بغيابه آلاف المرات.
رأت الشمس تشق قلب الظلام معلنة عن يوم جديد، وما الجديد؟ الجديد أنها زادت وحدة، زادت غربة، زادت بؤسا.
***
بعد يومين..
وقف سلطان يتأكل قلبه قلقًا. ثلاثة أيام لم ير طيفها. اقترب حكيم شاعرًا بالأسف لأجل صديقه الوفي. ربت فوق كتفه ليلتفت له بأعين فزعة كما كانت منذ غيابها:
"وبعدين يا سلطان؟ ما أنت عارف بيتها. تعالى نروح نعرف على الأقل حصل إيه؟"
ردد سلطان:
"خايف يا حكيم. أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده. خايف تكون في ضيقة ومحتاجاني جنبها، وخايف أروح أقول لأبوها إيه!!"
تنهد حكيم:
"نصاية ونروح. ولو على أبوها، أنت كنت هتحدد معاد وتروح تخطبها. قوله الكلمتين دول وخد منه معاك تاخد الحجة وتروح. استنى شوية وجاي."
غاب حكيم وظل هو بين أفكاره المتوحشة التي تمزقه بين براثن الاحتمالات التي يراها سوداوية ومقبضة.
***
طرق بابها لترفع رأسها المثقل بالهم والحزن عن وسادة أبيها التي تضمها منذ رحيله. تحركت بتثاقل؛ لابد أنه إمام المسجد جاء يحاول منحها مالًا لا تحتاجه وسترفضه، ورغم ذلك لم ينقطع عن المحاولة.
فتحت الباب لتطالع وجهًا بغيضًا بأعين تلمع شماتة وتصرخ حقداً. تخصرت تنظر له بتحدٍ:
"انت ما حرمتش من بطحة راسك يا ابن الشيخ يونس؟ ولا فكرت أبويا مات انكسرت وهتقدر عليا؟"
عقد ذراعيه وحاجبيه:
"أبوك مات، والدور عليك يا طيف، ومش هسيبك غير لما أخلص منك حقي، وبعدين أدهسك برجلي زي الحشرة."
علا صوتها:
"حقي!! حق إيه يا واطي يا خسيس؟ دا أنا اللي ليا حق هاخده من حباب عينيك."
ضحك ياسر على غير عادته ونظر بعينيها مباشرة ونفث أحقاده:
"أنا قلت لأبوكي إنك مرافقاني وبترمي عليا عشان أتجوزك.. أنا قتلته، ودلوقتي حالا هكسرك واقتلك."
اتسعت عينيها فزعًا وضربت صدرها، وظلت عينيها متعلقة بعينيه لحظات.
***
اقترب سلطان برفقة حكيم الذي يتلفت حوله مستنكرًا المكان. مد سلطان ذراعه ليتوقف حكيم، بينما يهمس سلطان متسائلاً:
"مين اللي واقف مع طيف ده؟"
اقتربا بحذر ليهمس حكيم:
"سلطان، في واحد تاني مستخبي هناك أهو."
نظر سلطان بالاتجاه الذي أشار إليه حكيم ليرى شخصًا يقف يستمع للحوار بين طيف وهذا الغريب، الذي أشعلت كلماته نيرانًا بصدر سلطان لن تخمد إلا بدماء هذا الحقير.
عاد حكيم يهمس:
"انت مستني إيه؟ بينا نلحقها من الواطي ده."
هز سلطان رأسه:
"ده عاوز اللي يلحقه منها."
وفي اللحظة التالية، قفزت طيف متخطية فرق الطول بينها وبين ياسر لتمسك برأسه الذي انخفض معها بتلقائية لوهلة، قبل أن يحاول المقاومة. لكنها كانت أسرع منه، وقفزت فوق ظهره لتتمكن منه أكثر، صارخة:
"أنا هشرب من دمك.. موتك على إيدي النهاردة يا ابن الشيخ."
لوح بذراعيه للخلف محاولاً إمساك ملابسها أو إسقاطها، لتصرخ وتغرز أسنانها برقته، ليصرخ هو فورًا.
سقط شيئًا ما بالقرب، لتتجه الأنظار جميعها إليه. صرخ ياسر وألجمت الصدمة طيف، لينفلت من قبضتها مع تقدم سلطان وحكيم نحو الرجل الذي سقط.
كانت عيناه شاخصتين وأنفاسه لاهثة، يعاني اختناقًا واضحًا. ليرجوه ياسر:
"بابا، رد عليا.. قوم معايا، قوم."
حاول رفعه ليحول رفض الشيخ دون ذلك، ويتحدث بألم:
"يا خسارة تربيتي فيك.. هو ده العلام اللي اتعلمته؟ تنهش أعراض الخلق وتجور عليهم.. ربنا ينتقم منك.. آه.. آه.. غور من وشي.. آه.. أنا متبري منك.. آه.. قالوا لي في المركز إنك عارف اللي ضربك.. اااه.. ما كنتش فاكرك.. اااه."
جلس حكيم:
"بالراحة يا عم، خد نفسك، بالراحة. ماتخافش، هنسيك مستشفى. ايدك معايا يا سلطان."
لكن سلطان اكتفى بالوقوف في الخلفية، فهو إن اقترب أكثر سيطبق على رقبة هذا الحقير حتى يلفظ أنفاسه.
رفعت عينيها الباكية نحوه، لتذبح دمعاتها قلبه، فينعى دموعها بدمائه. لم ير السواد الذي اتشحت به، بل رأى السواد الذي يلتهم روحها، مهددًا بتدنيس براءة تصدعت من كثرة لطمات الحياة.
اقترب متناسياً كل ما يحدث ليقف أمامها مباشرة:
"ماتخافيش، هو في دار الحق وإحنا في دار الباطل. هو عرف كل حاجة. ماتضيعيش تربيته ليكِ يا طيف.. ماتضيعيش عمره وأضيع حقه."
تساءلت بقهر، ليشير بإبهامه للخلف:
"حقه ربنا ماسابوش."
نظرت نحو يونس لتصمت وهي تراه يعاني ولا أحد قادر على مساعدته. رأت صورة أبيها حين عانى أيضًا، لكنها لم تكن بالجوار.
علا صوتها:
"هاته يا حكيم بسرعة. الوحدة عشر دقايق، أنا عارفة الطريق من هنا."
حمله حكيم وسلطان، بينما ظل ياسر في موضعه عاجزًا عن اللحاق بأبيه الذي أعلن أمامها تبرؤه منه.
رواية طيف السلطان الفصل السادس 6 - بقلم قسمة الشبيني
تم إسعاف يونس، لكن لم يعلم الأطباء أن ما أصابه اليوم يصعب الشفاء منه.
غادرت طيف سريعًا بمجرد إلحاقه بالمشفى، لقد فعلت هذا إكرامًا لأبيها لا له.
لم تعد للمنزل بل اتجهت إلى المقابر ووقفت أمام قبره تبكيه كأنه غادرها للتو.
بحث عنها سلطان في المشفى لكنها اختفت وفشل في العثور على أثرها أيضًا.
توجه وحكيم عائدين إلى منزلها الذي يقع بطريقهما المختصر، لكنها لم تكن هناك أيضًا ليعود للطريق وقد زادت هواجسه ونمت مخاوفه.
عاد سلطان للمنزل في وقت الغداء ليخبر أمه كل ما حدث، فيزداد إعجابها بهذه الفتاة التي لم تعرفها بعد وتصر على لقائها في اليوم التالي مباشرة.
عادت طيف ليلاً منهكة القوى لتغرق في سباتها حتى استيقظت صباحًا على طرقات الباب.
مسحت وجهها بكفيها ودون أن تتفقد مظهرها اتجهت إلى الباب، فتحته ليطالعها وجه غريب لكن بشاشته مريحة.
ابتسمت تلك السمراء التي تقف ببابها متسائلة بود: كيفك يا بتي؟
قطبت طيف جبينها بدهشة لعدم قدرتها على التعرف على الزائرة الودودة أو تذكرها لتنطق بصوت مبحوح: اهلا يا حجة، عاوزة مين؟
أجابت الزائرة بثقة: رايداك انت يا طيف.
أشارت إلى صدرها باستنكار: انت تعرفينى؟
اتسعت ابتسامة الزائرة: انا ام سلطان وهو واجف جريب وانى جولت له يهملنا لحالنا.
عادت تلك الخفقات بصدرها تنبئ بثورة قادمة، بينما لم تبد طيف أي تأثر وهي تفسح الطريق بود: اتفضلى.. معلش البيت مش قد المقام.
تقدمت المرأة تستند لعكازين لتشعر طيف بالحرج وتسرع نحوها تساعدها حتى أجلستها.
تلفتت حولها بفزع، هي لم تشتر أي طعام منذ وفاة أبيها واكتفت بتلك الأرغفة الجافة التي تقتات عليها.
كما أنها لا تملك ما تضايف به الزائرة.
تذكرت فورًا المشروب الذي لا يخلو منه المنزل نهائيًا وهي تتحدث بثقة: دقيقة واحدة هعملك شاى.
اتجهت نحو الركن المفترض كونه مطبخها، ومن الجيد صغر المكان الذي ساعد على عدم ترك المكان لتتحدث بود: نورتينى والله.
تحدثت المرأة: البقاء لله يا طيف، ربنا يصبر جلبك. الواحدة منا بعد بوها بتبجى ريشة يلعب بيها الهوى.
دارت طيف تنظر لها: ونعم بالله.. بس انا مش فاهمة ريشة ازاى يعنى؟
أومأت بإبتسامة شاحبة ثم قالت: سلطان حكى لي على كل حاچة.. اوعى تفكرى إن الولد ده هيرفع يده عنيكى.. العفش بيضل عفش مايهموش غير روحه.. واللى اتنزعت الرحمة من جلبه عمره ما يتغير.. هو وجعة بوه چت رحمة ربنا بيكى.
ظهر الغضب على طيف وتحدثت بقوة: خليه يجى جمبى تانى وانا اجيب خبره واريح الخلق من شيطان هم فاكرينه ملاك.
ابتسمت المرأة: مين جال أكده!! وتضيعى عمرك على واحد مايسواش؟ لاه يا بتى حتى بوكى الله يرحمه مايرضاش بإكده.
جلست طيف فوق المقعد المجاور للموقد بحيرة تنظر نحو تلك المرأة التي ابتسمت مجددًا: هو ماتشيليش همه لكن همي دلوك انت وجعدتك لحالك فى بيت بعيد عن العمار عرضه ليه ولغيره.. جعدتك اهنه ماترضيش حد واصل.
لم تجب طيف، فهي لا تملك مكان يمكنها النزوح إليه ولا تقبل أن تنزل ببيت أحد أقاربها والذين تعلم جيدًا رقة حالهم جميعًا وضيق منازلهم مثلها تمامًا.
شردت قليلاً لتنتبه لصوت زائرتها الذي علا قليلاً: ها جولتى إيه؟
هزت رأسها: نعم!!
عادت المرأة تتحدث: انى افهم فى الأصول زين، ماهنعجدش دلوك لكن نطمن عليك.
تساءلت طيف بدهشة: نعقد إيه؟
ضحكت المرأة: انت ماسمعتيش حديتى خالص.
وضعت طيف الكوب الساخن فوق صينية متواضعة واتجهت نحوها لتجلس بجوارها فتقول: معلهش انت معذورة.. انى جولت إن سلطان ولدى رايدك فى الحلال وكنا متفجين ناچو جبل اللى حصل ده كلاته.. بس كله نصيب.. انى شوفت لك اوضة فى البيت اللى چارنا، هي اوضة على السطح بس أمان ماتخافيش.
شعرت طيف بالهذيان ولم تجد ما تجيب به على تلك المرأة التي أتتها صباحًا تريد أن تأخذها من كل ما تملك، وليس البيت هو ما يحزنها فراقه بل الذكريات.
لقد قضت عمرها كله في هذا المنزل المتهالك الذي كان لها ستراً ومأوى وملاذاً.
عادت المرأة تتحدث: اتكلمى يا بتى، بتفكرى فى إيه؟
تاهت منها الكلمات لتفتح فمها عدة مرات بلا جدوى.
الغريب أن المرأة لم تتحدث مرة أخرى بل فتحت ذراعيها وقالت بود: تعى يا بتي.
وكأن هذه الدعوة هي ما كانت تنتظره منذ فقدت أبيها.
كانت بحاجة لمن يضمها وأحزانها وتخبطها وحيرتها وكل الألم الذي يمزق صدرها.
احتوت تلك الغريبة في لحظات ما عجزت هي عن التعبير عنه.
طال الوقت بها حتى شعرت أنها أثقلت على صدر تلك التي لم ترها إلا هذا الصباح، ورغم ذلك لم تتذمر من تحمل تلك المشاعر التي عجزت هي عن التعبير عنها.
لم يحاول أي ممن خدمتهم طيلة عمرها أن يتفقدها أو يواسيها أو يرفع عنها الغربة والوحدة.
تلك القرية التي تبكي على الذكريات بها!! أولئك الناس الذين قضت بينهم عمرها!!
رفعت رأسها أخيرًا تكفف دموعها: حاضر، انا هسيب البيت بس مش علشان خايفة من حد لكن علشان البلد دي بقت تخنقني.. بكرهها وبكره ناسها.
ربتت فوق كفها وتفهمت تعليقها، كل الأمور لوقت لاحق، فهي تقدر التخبط الذي هي واقعة به ولن ترغمها على اتخاذ قرار مصيري وهي بهذه الحالة.
جمعت طيف الملابس التي تملكها وجمعت أغراض أبيها أيضًا وحملتهم لخارج المنزل قبل أن تدخل مجددًا تساعد ام سلطان على الخروج، حين خرجتا معًا كان هناك يحمل كل ما أخرجته سابقًا.
تقابلت الأعين لتصرخ اللهفة بالأشواق المنكرة والمستترة والخجلة من الإعلان عن وجودها.
تحرك ثلاثتهم نحو سيارة قريبة أتى بها سلطان فأمه عاجزة عن السير بشكل كبير.
لم يكن طريقهم طويلاً ووصلوا لمنزل بالنسبة لـ طيف فخم للغاية مكون من أربعة طوابق والأخير يحوي الحجرة التي ستسكنها.
دخلت الحجرة بصحبة صاحبة المنزل التي تساءلت: عجبتك الاوضة؟
أومأت طيف: حلوة اوى، بس أجرتها كام؟
أجابت المرأة: مية وخمسين جنية علشان خاطر ام سلطان.
كانت طيف في تلك اللحظة لا تملك مالاً ولا تملك من تعتمد عليه، لذا تنهدت وأعلنت عن موافقتها على أن تبحث عن عمل بداية من اليوم.
أغلقت الباب وبعد ساعة واحدة قضتها في تفريغ ملابسها وتنظيف الحجرة طرق الباب مجددًا، وكانت تلك المرأة تلهث بإرهاق لصعودها الدرج بحالتها الصحية تلك لتقول طيف: تعبتى نفسك ليه بس؟ نادى عليا وانا اجيلك.
ابتسمت المرأة ونظرت للخلف فإذا بشابين يضعان فوق السطح موقداً غازياً للخبز واسطوانة أيضاً.
عادت بعينيها لـ طيف وقالت: اشتريته بحر مالى وهتسدى تمنه بنص اللى ربنا يچود عليكى بيه، ولما يكمل تمنه يبجى حلال عليك.. والطحين ده هدية منى.
اقترب الشاب الذي صعد للتو متسائلاً: هنا يا اما؟
أشارت له ليضع الچوال الذي يحمله، ثم عادت تنظر لتلك التي تغلبها الدهشة: من الصبح بدى اشوفك نازلة بالعيش.
أشارت بالعكاز: هبجى جاعدة فى الشباك ده.
كانت طيف جائعة لدرجة الإعياء لذا فضلت أن تعمل فورًا حيث يمكنها تناول بعضاً من الخبز الذي ستصنعه.
أكلت ثلاثة أرغفة من شدة جوعها قبل أن تشعر بتحسن.
هذه الحجرة فخمة تحوي صنبوراً للماء لن تضطر لملء الماء وحمله مجدداً.
اغتسلت وارتدت جلباباً أسود وحملت خبزها متجهة إلى الطريق.
وقفت أمام الباب ونظرت نحو الشباك الذي أشارت له ام سلطان لتجدها هناك.
تلك الابتسامة المشجعة والتي تمنحها القدرة على المتابعة، أشارت لها لتبدأ السير نحو الطريق.
كان الوقت عصراً وظلت حتى أرخى الليل ستارا اسود دون أن تنفد أرغفتها وكان هناك.. يراقبها لتشعر بالأمان.
أخيراً أنهت بيع حمولتها لتقفل عائدة ولم تصعد لغرفتها بل اتجهت إلى ام سلطان واقتسمت معها المال الذي جنته، لكن منحتها ثلثيه واحتفظت بثلث فقط.
فهي لا تحتاج للكثير من المال، ستحتفظ بما تبقى لتغير اسطوانة الغاز، ويمكنها أن تتناول الخبز فقط لفترة أطول، كما يمكنها الحصول على وجبة من الفول أو الفلافل حيث يعتبران وجبة متوفرة ورخيصة الثمن.
مرت الأيام وبدأت طيف تجمع مبلغا كافياً لدفع الإيجار ومتابعة الحياة وتناست ما حدث بالقرية دون أن تهمل زيارة قبر أبيها الذي لم يعد يربطها بهذه القرية سواه.
يجتمع شباب القرية بذلك المقهى الذي يجدون فيه الملذات المحرمة في خيفة عن الأعين، فتهوى بهم إلى البؤس دون أن يدرك أحدهم سبب بؤسه.
دخل من الباب ليجد من يقصده بأحد الأركان مستلذاً بما يتجرعه وما يستمع إليه من فجور رفاقه.
كانت أمه محقة، فهذا الوضيع جاهر بفجوره بعد أن كشفه أبيه ولم يعد يهتم سوى لملذاته.
كان يخاف أبيه فقط!!
الفكرة وحدها تدعو لاحتقاره.
اقترب سلطان بخطى ثابتة ووقف مستنداً لعصاه ليسأله أحدهم: في حاجة يا اخينا؟
أقبل العامل نحوه مسرعاً: انت مين ودخلت ازاى؟ محدش هنا يعرفك.
دار سلطان بعينيه في المكان: انا مااعرفش الأشكال دي.
وجه عصاه لصدر ياسر الذي نظر له دون أن يتعرف عليه: انت اتعديت على حد يخصنى وانا هاخد حقى وقتى.
دفع ياسر العصا التي لم تتزحزح بغضب: اوعى يا جدع انت.. انت مش عارف انا مين؟
أجاب سلطان بثقة: عارف طبعاً.. ياسر ابن الشيخ يونس.. اوطى نفر فى الجيهة.
انتفض ياسر ورفاقه وبدأت مشاجرة، كانت عصى سلطان تقوم فيها بدور البطولة وكان ترنح ياسر ورفاقه هو اعظم مساعد لهزيمتهم.
وقف سلطان بينهم بعد أن أسقطهم جميعاً ليقول: الكلام ليك وللكل، طيف السلطان تخصنى واى حد هيفكر يدوس على خيالها هجيبه تحت رجلى.
تحدث ياسر أخيراً: كل ده علشان بنت عبيد؟ يا عم بالراحة على نفسك شوية، الحكاية مش مستاهلة.
جذبه سلطان ليقف أمامه: انت قولت ايه؟
تلعثم ياسر لتلقمه قبضة سلطان بعضاً من دمائه.
دار سلطان على عقبيه ناظراً إلى العامل: انت شوفت حاجة؟
هز الشاب رأسه نفياً ليغادر سلطان، فهذا المكان يغلق بابه على كل ما يحدث بالداخل، فليس من مصلحة صاحب المكان أو رواده أن يعلم من بخارجه ما يحدث فيه.
بعد عدة أيام
جلست طيف برفقة ام سلطان التي قالت: انت خلصت اللى عليكى دلوك، الفرن حلال عليك.
تهلل وجه طيف، فقد حصلت على مأوى ومصدر رزق، وأهم من ذلك حصلت على قلب حنون يحنو عليها ويهتم لكل تفاصيلها.
طرق الباب ليدخل سلطان الذي توقفت خطواته لتتعانق النظرات.
بدلت نظرها بينهما وابتسمت ثم تساءلت: ما تتچوزى الواد ده وتريحينى منيه.
نظر لها سلطان بصدمة: بدك ترتاحى منى يا اما؟
ضحكت: ايوه، عنديك مانع؟
توجهت طيف في الصباح التالي لزيارة قبر أبيها كما اعتادت، وقفت بجواره تقص عليه ما استجد في حياتها الخاوية وتحدثه عن سلطان وعن طلب أمه الذي تكرر مراراً دون ضغط.
ثم تحدثه عن مخاوفها من الزواج ومن العقبات التي قد لا تتمكن من تذليلها وهي بدون رعايته وأمها.
غادرت بعد فترة تلاحظ اقتراب بعض الشباب، هيأت نفسها لصد تحرشهم بها الذي هو مؤكد لها.
أصبحت بمحاذاتهم لتسمع همس أحدهم: امشى يا عم بعيد عن البت دي.
رأته يجذب رفيقه الذي هم بالاقتراب منها لترهف السمع، واحدهم يقول: دي بنت عبيد يا عم، تعالى نتسلى عليها.
ليعلو صوت الشاب بفزع دون تعمد: دي طيف السلطان.. ده عدم ياسر العافية علشانها ومحدش قدر يقوله بتعمل ايه.
نظرت للأمام واشرق وجهها الذي عبر عن إشراق الأمان بصدرها.
رفعت رأسها وسارت بشموخ، لقد انتهت من عمرها المخاوف.
اتجهت فوراً إلى ام سلطان لتعلن عن موافقتها التي أعلنت عنها العجوز بسرب من الزغاريد حلق من شباكها الذي طال صمته ليرفرف في عنان السماء يحمل نبأ السعادة المرتقبة التي ستظلل بأجنحتها هذا المنزل قريباً.
بعد شهرين
دخلت طيف لغرفة حماتها التي تجلس بقرب الشباك: صباح الخير يا ام.
نظرت لها ببشاشة معهودة منها، ترى تفتح براعم السعادة بثناياها لتبتسم: صباح الفل يا مرت الغالي.. تعالي اجعدي چاراي.
جلست طيف وقبل أن تبدأ حماتها حديثها جاء ندائه الناعس: طيف.
ابتسمت أم سلطان: روحي شوفى چوزك وماتغبيش عليا.
تحركت بخجل نحو غرفتهما حيث كان متسطحاً بالفراش، لم يزل أثر نعاسه أو أثرها هي.
أغلقت الباب برفق: وبعدين يا سلطان، قولت لك بطل تنادي وانا مع امك، بتكسف.
رفع حاجبًا واحدًا: يعني مااصبحش عليكى.. خلاص ابقى أصبح عليك قدام امى.
كتمت شهقتها بكفها ليتحرك فيجذبها نحوه.
رفعت كفها محذرة: امى قالت لي مااغبش عليها.
تحركت شفتيه تقتطفان ما تصلا إليه من ينع قسماتها ليهمس بدفء: يعني امى ماتهونش عليك وانا اهون؟ يرضيكى انزل وقلبى ملهوف كده؟ يرضيكى أقصى طول اليوم من غير ما ادوق حضنك؟
دفعته بتمنع ليس بمانعه، تعلم أن أمه لن تغضب لغيابها عنها مادامت برفقته، بل لن تشير إلى غيابها من قريب أو بعيد.
لحظات وكانت تستزيد أشواقه لها التي لا تنتهي لتروي أشواقها له التي تنمو، فعمله الشاق يمنعه عنها طيلة النهار وهي لم تكتف من فيض شغفه بها ولا تظن أنها ستفعل.