تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
الفصل 12 — رواية توأم روح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم يارا سمير
في غرفتها تقف أمام المرآة بعينين لامعتين من الحماس، قلبها يخفق بشدة وكأنه يسبقها للذهاب إلى الجامعة. كل حركة تتحركها فيها مزيج من التوتر والحماس. اليوم ستحضر أول سيكشن مع الدكتور إيهاب مختار، الاسم الذي طالما سمعت عنه الكثير وتمنت لقائه.
تجهزت ومستعدة لمغادرة الغرفة بابتسامة. فتحت الباب وتمضي بخطى خفيفة تتمتم بكلمات غير مفهومة من فرحتها. كان ينتظرها زين ليرافقها ويذهبا معًا إلى الجامعة. رفع نظره إليها وقال بنبرة تعجب:
_ إيه الحماس المفرط دا؟ فكرتيني بأول يوم جامعة؟
قالت بابتسامة:
_ النهاردة يوم مميز جداً جداً.
_ ليه؟ هيوزعوا عليكم زلومات؟
خبطته في كتفه:
_ يا رخم.
_ لا بجد في إيه؟
ابتسمت وقالت:
_ النهاردة أول سيكشن لإيهاب مختار. وبعدين أنا قولتلك.
_ ودا يستدعي الحماس والبهجة المفرطة دي؟ وبعدين المرة اللي فاتت كان إيه؟
_ المرة اللي فاتت كان بيعرفنا بنفسه وإنه هيدرسلنا، لكن النهاردة أول يوم فعلي للسيكشن. يومين في الأسبوع ونهاردة أول يوم.
_ بجد أنا مستغربك، حماس أوفر.
_ تصدق إنك فعلًا فصيل. بص أنا مش عاوزة أتقفل وأنا صاحية مبسوطة. هتنزل ولا هتكمل أكل؟
_ أنا لسه بادئ. وإنتي كمان افطري.
_ أنا حاسة إني شبعانة. بص خليك كمل وأنا هروح. مش عاوزة أتأخر.
_ استني هنا. اقعدي افطري أي حاجة. مش مستعد أكون في جامعتي وفي المحاضرة ويتصلوا بيا يقولوا لي تعالى الحق مريم وقعت من طولها.
_ عيني في عينك كدا المحاضرة برضه.
_ أيوه محاضرة في العلاقات. إيش فهمك إنت؟ مش وقت لماضة. اقعدي افطري يلا.
أمسكها من يدها وأجلسها وبدأ بوضع الطعام أمامها. أجبرت على تناول الإفطار برفقته. أنهيا تناول الطعام وتحركا مغادرين إلى الجامعة.
كانت مريم تسير بخطوات متعجبة، كل بضع ثوانٍ ترفع يدها وتنظر إلى الساعة بقلق وملامح وجهها توحي بأنها تشعر بالتوتر، وذلك لتأخيرها عن موعد السيكشن.
كان زين يسير بجانبها يتابعها ويراقب خطواتها. وحين لاحظ اندفاعها في خطواتها، أمسك يدها وأوقفها:
_ بشويش. هتقعي كدا.
بملامح قلق وتوتر:
_ اتاخرت يا زين. الله يسامحك أنت السبب.
_ أنا السبب؟ عشان بهتم إنك تكوني كويسة وميحصلكيش حاجة بقى غلطتي.
_ أنا قولتك هأكل أي حاجة لما أجي.
_ مش هتاكلي. الحماس المفرط اللي عندك دا هيشبعك.
وصلوا إلى البوابة. تحركت مريم بخطوات مسرعة إلى الداخل. وقف زين يراقبها بعينيه وهي تبتعد مسرعة، يراها تخترق الزحام بخطى ثابتة وكل شيء فيها ينبض بالاندفاع. وقف مكانه يتابعها بصمت متعجب من طريقتها حتى اختفت من رؤيته وذهب إلى جامعته.
وقفت مريم أمام باب السيكشن تتردد، أنفاسها متسارعة من القلق والتوتر. نظرت إلى الساعة مرة أخيرة وأغمضت عينيها للحظة وأخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تهدأ وتستعد لسماع كلمات التأنيب عن تأخيرها. رفعت يدها وطرقت على الباب بخفة ثم دخلت بخطى حذرة وعيناها تبحثان عن وجه دكتور إيهاب مختار.
قالت بصوت خافت:
_ أنا آسف على التأخير. آسف جداً.
كان الرد لم يكن كما توقعت. رفع إيهاب رأسه إليها وابتسم بهدوء. تلك الابتسامة التي رسمت غمازته الخفيفة في خده الأيسر وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:
_ ولا يهمك. اتفضلي ادخلي مع زملائك.
اتسعت عيناها من المفاجأة ثم تورّد خداها بخجل وارتياح في آن واحد. شكرته بهمْسة وجلست في مكانها بجانب أصدقائها ولا تزال الابتسامة تزال مرسومة على وجهها وكأنها بدأت يومها بحلم صغير تحقق على غير توقع.
تحدث إيهاب بابتسامته الدائمة:
_ طبعاً مش محتاجين أعرفكم بنفسي. أنا إيهاب مختار، من أبناء فنون جميلة، وليا الشرف أدرس لكم الترم دا. مبدئياً كدا اعتبروني طالب معاكم زيكم. يعني أنا إيهاب مختار وبس مش دكتور إيهاب مختار.
(ابتسم الجميع وتمتموا بكلمات تعجب)
استكمل حديثه:
_ متستغربوش. أنا حابب علاقتنا تكون قريبة ومريحة من غير حواجز. إحنا هنقضي مع بعض 3 شهور. إنتوا هتتخرجوا وأنا هرجع إيطاليا تاني لحياتي. فإحنا الاتنين ننتهز الفرصة دي ونعتبر الـ 3 شهور مساحة لراحة من غير ضغوط من غير توتر. إيه رأيكم؟
أسعد الجميع باقتراحه وقال:
_ إنتوا 5 مجموعات. أنا قسمتكم لـ 5 عشان منبقاش زحمة. إنتوا تاني مجموعة. اتشرف بمعرفتها. وبما إننا هنبدء صفحة جديدة بتعامل جديد. حابب أتعرف عليكم وهبدأ بالليدر. مين الليدر؟ ممكن يتفضل يقف ويعرفني بنفسه.
في اللحظة التي طلب فيها إيهاب التعرف على قائد المجموعة، ترددت مريم للحظات لشعورها بالإحراج. نهضت من مكانها ببطء وقد اعتلى وجهها شيء من الارتباك، فليس من السهل أن تكون هذه أول مرة يتعرف عليها كقائدة للمجموعة بتلك الطريقة ويأخذ انطباع بعدم التزامها بالمواعيد. وقفت وقالت بصوت خافت:
_ أنا.. مريم كريم، ليدر الجروب.
رفع إيهاب رأسه نحوها وابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي بددت توترها وظهر أثر الغمازة التي ميزته دومًا وقال بنبرة لطيفة:
_ أهلاً يا مريم. كنت متوقع شاب من الشباب بصراحة. مفاجأة إن الليدر بنت والجروب يعتبر كله شباب. هل دا خوف منها ولا إيه؟
ضحك وضحك الجميع. وقال أحد الشباب:
_ لا طبعًا. إحنا بينا كلنا كل الاحترام. بس إحنا بينا وبين بعض اتفقنا إن الليدر يكون أكتر شخص شاطر ودايماً تقديراته مرتفعة. وميما دايماً من المتفوقين.
نظر إليها وقال:
_ تقديراتك إيه؟
_ سنة 1 و 2 جيد جداً، و 3 امتياز.
_ و 4 ناوية امتياز؟
_ إن شاء الله.
_ حابة تدرسي هنا تكوني معيدة.
تحدثت إحدى صديقاتها:
_ ميما حلمها تسافر برا وتعمل معرض خاص بيها زي حضرتك.
شعرت مريم بالإحراج وتحدث إيهاب بلطف:
_ أنا متأكد إن معرضها هيكون من أنجح المعارض. أنا من دلوقتي حجزت دعوة. اتفقنا.
قالت مريم بخجل:
_ لسه بدري ع الخطوة دي.
_ كل حاجة بتبدأ بحلم. أنا كنت بحلم أسافر وسافرت ويكون ليا معرضي الخاص واتحقق. ومن أهم أحلامي كان أرجع الكلية هنا وأدرس فيها واتحقق أهو. الأحلام مبتنتهيش. السعي والمثابرة نتائجهم مبهرة. وأنا واثق إن مريم هتكون فنانة اسمها له سيط كبير في الوسط.
_ ميرسي يا دكتور.
_ دكتور إيه؟ إحنا اتفقنا ع إيه؟
ابتسمت وقالت:
_ ميرسي يا إيهاب.
نظر إليها مبتسمًا:
_ أيوه كدا. اتشرفت بيكي يا مريم. واجهزي هنتكلم كتير مع بعض. استعدي للصداع وبعتذر لك مقدمًا.
(ضحك وضحك الجميع وقال لها)
_ اتفضلي اقعدي.
كان لكلماته وقع مريح في قلبها، ونظراته المتفهمة قللت من شعورها بالحرج. جلست مجددًا والابتسامة تملأ وجهها وكأن هذا الموقف رغم بساطته أعاد ترتيب يومها على نحو مختلف.
بدأ إيهاب يتعرف على أسماء المجموعة وتقديراتهم وأحلامهم وطموحاتهم. والحديث كان أكثر ألفة بينهم كأصدقاء.
وقف إيهاب وقال:
_ بعد ما اتعرفنا. مش هكرر لكم أي حد محتاج سؤال، استفسار، مساعدة. ميتأخرش ولا يتردد. أنا موجود دايماً لكم. وعشان الترم دا يكون مميز وذو أثر معاكم بجانب التدريس هعمل مسابقة صغيرة بين المجموعات كلها. المسابقة مدتها مدة التدريس 3 شهور. لأن خلال 3 شهور هيكون فيه تصفيات لغاية ما نوصل لنهائي لأفضل 5. والجائزة هتكون لوحة من لوحاتي المميزة وعليها توقيعي للفائز.
تحمس الجميع للفكرة واستكمل حديثه وقال:
_ هعرفكم التفاصيل وعاوزكم تشدوا عزيمتكم. وأنا متوقعة هتطلعوا أحلى شغل. بالتوفيق للجميع.
حين علمت مريم بالجائزة اشتعل الحماس في عينيها كشرارة مفاجئة كأنها تلقت تحديًا تنتظره منذ زمن. لم يكن مجرد حافز عابر بل إحساس قوي بأنها قادرة وأن هذه فرصتها لتثبت نفسها. رددت هامسة: (أنا اللي هاخد اللوحة). كان بداخلها يقين لا يتزعزع وإصرار كمن رأت الهدف أمامها بوضوح. كانت متحمسة مليئة بالطاقة مستعدة لبذل أقصى ما تملك من مجهود للحصول على اللوحة.
في طريق عودة مريم وزين إلى المنزل بعد الجامعة، كانت مريم تسير بجانب زين بخطوات خفيفة تكاد من الحماس تلامس الأرض. كانت تتكلم بسرعة وتعبر بعينيها ويديها وكأن الكلمات لا تكفي لوصف ما تعيشه. تتكلم عن محادثة ودية مع إيهاب فهمي والمسابقة والجائزة. عن اللوحة التي سترسمها وتفاصيلها. وزين ينظر لها مبتسمًا ويهز رأسه بين الحين والآخر مؤكدًا لها بفوزها بالجائزة. كان يستمع بإنصات حقيقي بدون مقاطعة، يرد بلطف ويشجعها. كان واضح إنه فخور بها وسعيد بحماسها ويشعر بالاستمتاع بسماع صوتها وهي تتحدث عن شيء تحبه. كانت لحظات ولكنها مليئة دفء وسند من زين.
استمر كريم في زيارة منزل ملك والجلوس مع والدتها ويتبادل معها أطراف الحديث وملك ملتزمة الصمت والتجاهل اتجاهه. تركتهم ودخلت للمطبخ. وتحدث كريم:
_ مبتزهقوش يا طنط من قاعدة البيت كدا.
_ أنا عادي متعودة. خرجت زي لا، لكن ملك اللي ربطت نفسها جنبي.
_ هي مفكرتش تشتغل؟ اهو يعني تسلي نفسك وتشغل وقتها وتخرج من البيت.
_ كانت شغالة في القاهرة لكن لما تعبت أوي وعملت العملية سابت الشغل عشاني. كذا مرة أقولها شوفي شغل وانزلي. أنا بخير لكن هي بترفض.
صمت لحظة وقال:
_ طيب إيه رأيك يا طنط في شغل مواعيده كويسة ومكانه قريب من هنا. يعني أي وقت تحب ترجع البيت في أقل من 10 دقائق هتكون هنا. يعني مش هتحسي بغيابها.
_ بجد؟ فين دا؟
_ معايا.
_ معاك فين؟ إنت مش شغلك في القاهرة؟
_ أيوه شغلي في القاهرة لكن هنفتح مقر تاني هنا في إسكندرية. وأكيد مافيش أحسن من ملك تكون معانا. يعني.
أثناء مغادرة ملك المطبخ سمعت كلمات كريم وتبدلت ملامحها. وضعت الأكواب على الطاولة بصمت وجلست تستمع دون تعليق. نظرت إليها والدتها قائلة:
_ كريم عاوزك تشتغلي معاه في شركته يا ملك هنا. إيه رأيك.
_ آه.. جميل. بس إحنا مش عاوزين نتعب كريم ونكون حمل عليه.
تحدث كريم بحماس:
_ لا خالص. بالعكس دا هيكون مكان جمعنا كلنا. ماهو زين قرب يتخرج وهيكون معايا. إيه رأيك؟
_ هفكر وأرد عليك.
_ وأنا منتظر ردك وبالمرتب اللي عاوزاه.
_ إن شاء الله.
استأذن كريم مغادرًا ورافقته ملك للخارج. وقبل أن يصعد السلم استوقفته ملك:
_ كريم.
التفت إليها مسرعًا:
_ أيوه.
_ عرضك للشغل مرفوض.
_ ليه؟
_ أنا ليا أسبابي الخاصة مش لازم أقولها لك. بعد إذنك متفتحش الموضوع تاني مع ماما ممكن؟
وقف كريم لحظة في صمت واستكملت ملك حديثها بملامحها الحادة وقالت:
_ زياراتك الكتير لينا دي لو عشان ماما لأننا جيران وكدا تنور في أي وقت. لكن لو نيتك حاجة تانية فأتمنى تقطعها.
_ ملك.. أنا بحاول أتكلم معاكي. أنا بعترف إني غلطت في حقك زمان واللي عملته مش سهل يتنسي. لكن أنا عاوزك تعرفي..
قاطعته:
_ أنا لا عاوزة أعرف ولا أسمع يا كريم. أنا قفلت ع الماضي بكل اللي فيه. معنديش استعداد أفتح الباب تاني. شغل.. أنا أروح أغسل أطباق وأمسح لكن متجمعش معاك في مكان واحد يا كريم. أعتقد الرسالة وصلت والباب اتقفل.
صدم كريم من كلماتها. استأذنت وأغلقت الباب. كانت لحظة قصيرة ولكنها مشحونة بكل ما لم يقال من قبل. رفض للعودة وللذكريات وللمحاولات.
وقف كريم متجمدًا في مكانه كأن الصدمة شلت حركته وعيناه غارقتان في شرود غريب. لم ينطق كلمة. فقط استدار ببطء وصعد درجات السلم المؤدي إلى السطح كأنه يهرب من ضيق يعتصر قلبه. كان السطح هادئًا نوعًا ما ينساب منه نغمات موسيقى. اقترب إلى الداخل. كانت مريم في غرفة المرسم ترسم وهي تستمع إلى الموسيقى تركز في لوحتها. أصابعها ملطخة بالألوان وعيناها تتابعان الفرشاة بانسجام تام غافلة عما يدور خارج الغرفة. زين كان يجلس أمام الطاولة فتح اللابتوب وعيناه مثبتتان على الشاشة ويدندن مع الموسيقى.
تحرك كريم بخطوات هادئة دون إصدار صوت ووقف خلف السور ينظر إلى الشارع أسفله. أخرج سيجاره وأشعلها بصمت ثم وقف ينفث الدخان ببطء كأنه يحاول أن يخرج ما يؤلمه مع كل نفس. ما إن صعد كريم حتى شعر زين بشيء مختلف. ملامح كريم كانت متغيرة. أغلق اللابتوب بهدوء وأقترب دون أن يقول ووقف بجانبه:
_ إيه يا كيمو؟ داخل كدا لا سلام ولا مسا ولا كلمة كويسة.
استمر كريم في صمته وتعجب زين:
_ في حاجة حصلت ولا إيه؟ في إيه؟
_ مفيش حاجة عشان تحصل.
_ باين الموضوع كبير. شكّلها ملك صح؟
صمت كريم وتأكد زين:
_ يبقى ملك. حصل إيه؟
أطلق كريم تنهيدة في الهواء وقال:
_ مكنتش متوقع بعد السنين دي ظهوري هيضايقها بالشكل دا؟
_ واضح إنها قالت لك كلمتين مش لطاف. بس أرجع وأقول اللي عملته معاها مش سهل تنساه كريم. إنت سبتها واتجوزت. فاهم الموقف.
_ فاهم يا زين. فهمت بعد ما عملت كدا إني اتسرعت وكنت مغيب وطايش. ورجعت ندمان وبحاول أصلح بس مفيش فايدة باين.
_ بص يا كريم. سيبها للوقت. رغم السنين دي وهي زي ماهي بس محدش عارف ممكن مع الوقت حاجات تتغير. أوقات كتير بيداوي.
ضحك كريم بسخرية:
_ الوقت؟ الوقت بيموتنا مش بيشفينا يا زين. الانتظار مميت. إنت بتكون مش عارف هتشفى جروحك ولا مع مرور الأيام هتتوجع أكتر. الوقت خنجر بيحفر في حياتنا وعمرنا واحنا مستسلمين متوهمين بالعلاج وبنتوهم إننا نسينا. وصدفة واحدة صدفة واحدة الجرح بيفتح تاني وأعمق.
_ أنا مقلتش هينسي. الوقت ممكن يساعدك تتأقلم. مبتنساش. لكن رغم كدا فيه جروح مع الوقت بتتداوى وبيتحول لذكرى مبتأثرش.
_ لما تكون مجروح مش جارح يا زين.
_ مش فاهم؟
_ جرح إنت السبب فيه. وده الجرح الوحيد اللي الوقت مش علاجه. لأن مهما مرت السنين وتهيألك إن الشخص اللي أذيته عاش حياته وطبيعي كلمة واحدة تتقال قصاده تفتح الجرح في لحظة. الشخص اللي أذيته ده بيكون عايش روح مجروحة بتنزف طول الوقت. مبيحسش بيها حد غيره وملهاش علاج. عارف ليه؟
_ ليه؟
_ لأنه معالجش الجرح في الأول. هو تجاهله بدون علاج. عشان كده في لحظة بيرجع للحياة كأنه لسه حصل حالاً. الوقت. الوقت مهمته إن المجروح يستجمع فيه شجاعته ويواجهه جراحه ويعالجها. واللي جرحه يعالج. لكن لو المجروح رفض الجرح بيفضل عايش مبينتهيش. فبيكون فيه اتنين موجوعين. المجروح واللي جرحه. وده بيبقى العذاب الأبدي.
_ تقصد إيه؟
_ أقصد إن ملك موجوعة مني لأنها هانت عليا في أكتر وقت كانت محتاجاني فيه معايا. وسيبتها بسهولة واتجوزت وعشت حياتي. وأنا مش فاهم إني سببت لها في جرح هيعيش معاها العمر كله. كنت متوقع هتنسي وهتكمل حياتها. لكن هي كملت حياتها مش ناسيه. محاولاتي لإصلاح الجرح ده بتفشل. وده مسبب لي وجع هنا (أشار إلى صدره). بتعذب بجرح أنا سببه يا زين.
_ عشان كده مرتبطتش بواحدة بعدها.
_ أنا محبتش حد زيها يا زين. أي واحدة عرفتها كانت محاولة لتشتيت لا أكثر عن شوقي ليها. كل واحدة بكون معاها في كل لحظة بتمنى تكون ملك اللي معايا. (شرد زين للحظات والتفت ونظر إلى مريم وهي ترسم ومندمجة وانتبه لحديث كريم) إنت فاكر أنا محاولتش أتواصل معاها. حاولت كتير. لكن هي طلبت مني مظهرش قدامها تاني وأنا احترمت طلبها. ومكنتش أتوقع إنها في يوم هترجع هنا. حسيت إن القدر بعتلي فرصة وأنها مستعدة تسامح. وبحاول استغل كل الفرص أكون قريب منها. لدرجة إني طلبت منها تشتغل معايا في الشركة اللي هفتحها هنا. عارف ردت قالت إيه؟
_ قالت إيه؟
_ قالت إنها تغسل أطباق وتمسح. لكن متشتغلش معايا في مكان واحد.
صدم زين:
_ يااااه. لدرجة دي؟
_ إنك توجع الشخص الوحيد اللي قلبك قفل عليه. الوجع بيكون مناصفة بينك وبينه وضعف لأنك السبب. عشان كده بقولك إياك وإنك تكون سبب وجع حد بتحبه يا زين. إياك.
في تلك اللحظات سمعا صوت خلفهم:
_ بتنموا من غيري ولا إيه؟
التفتوا إلى مريم وكانت ملامحهم متغيرة. وزين حدق بمريم للحظات وقالت:
_ إيه دا؟ هو الموضوع حيوي أوي كدا؟ في إيه؟
طفى كريم السيجارة وقال:
_ زيزو يحكيلك لأن أنا نازل أنام.
بالفعل تحرك كريم لأسفل وجلس زين وجلست مريم بجواره:
_ في إيه؟ كدا متقوليش إن فيه نم ورغي وتندهيلي أقف معاكم وأسمع؟
_ ماهو إنتي عايشة في كوكب زمردة مع إيهاب توفيق ولوحاته.
_ يا غلس. إنت عارف أنا مركزة كدا ليه؟ عشان المسابقة.
_ يارب تخلص ونخلص ويرجع مكان ما جه ونخلص من الحكاية دي.
_ ماهو أنا هروحله كدا كدا.
نظر إليها بغضب:
_ هتروحي لمين وفين؟
_ في إيه مالك؟ مش إحنا قولنا هخلص وهنسافر إيطاليا ونحضر معرض له هناك.
_ خلصي الأول ويحلها ربنا.
_ قولي طيب إيه حصل؟
تنهد زين:
_ كريم حاول يتكلم مع ملك وصدته بطريقة صعبة أوي.
_ بتتكلم بجد؟
_ يعني هحور عليكي. فاتحها في إنها تشتغل في مقر الشركة اللي هيفتحها هنا. وهي رفضت رفض نهائي.
_ وهيعمل إيه دا؟ كان متحمس للشركة دي أوي. كدا خلاص.
_ خلاص إيه. أنا شريك معاه. بعد ما أخلص هنزل معاه. ودا سبب إنه يفتح مقر هنا بدل ما أروح القاهرة.
_ إنت خايف تخرج من إسكندرية توه ولا إيه؟ أيوه القاهرة كبيرة بس مش لدرجة يعني.
_ يا عسل. إيه السكر دا. أنا لو بعدت عن إسكندرية إنتي اللي هتوهي.
_ بصراحة أيوه. مش هنكر.
_ عشان كده عملت جميلة فيكي تفتكريها باقي عمرك. أنا ضحيت إني أروح القاهرة معاه. هناك وزنيت عليه يفتح مقر تاني هنا وأكون معاه عشان مبعدش عنك وتكوني تحت عيني رايحة جاية كدا يعني.
_ بتفكرني بشخصية الست أم نظارة اللي مراقباك وهرقبك دي.
ضحكا وقال:
_ بالظبط كدا. القلق منك تغدري بيا.
_ أنا خالص. هروح فين. أنا هنا مش هتحرك.
تنهدت مريم:
_ بس كريم صعبان عليا أوي. أنا افتكرت إن رجوعها فرصة ذهبية وهيتقربوا لبعض وكدا.
_ هو كمان افتكر كدا. وبناء عليه تعامل. لكن النتيجة مش في صالحه خالص.
_ واضح إنها منستش خالص.
نظر زين إلى مريم وقال:
_ أوعدك يا مريم إنك مش هتتوجعي. أنا مش هسمح إنك تتوجعي أصلًا.
تفاجأت مريم من كلماته وصمتت. واستكمل حديثه:
_ خليكي معايا إنتي في الأمان لغاية ما أوصلك لابن الحلال اللي أكون متأكد إنه يستاهلك.
ضحكت مريم:
_ حاضر.
نظر إليها لثوان وانتبه وقال:
_ ها؟ إيه الدنيا؟ هترجعي لصومعتك مع لوحات دافنشي إيهاب توفيق.
خبطته في كتفه:
_ بجد مش عارفة من غير خفة دمك دي هنعيش إزاي.
_ يلا عيدوا جمايل.
_ يا عسل. بقولك إيه؟ أنا جعانة وإنت؟
_ لو مش جعان هتجوعيني. يلا ننزل سوسن عاملة شوية محشي نسخن ونأكل.
_ لا. مش عاوزة محشي أنا.
_ أيوه أنا فهمت النظرة دي.
_ فهمت إيه؟
_ إكسترا تشيز حجم كبير صح؟ وطبعاً الفرنش فرايز سخنة وحاجة ساقعة مشبرة.
_ يا سلام عليك يا زيزو وأنت قاريني. يلا بقى اطلب.
_ وهناكل ع الناشف كدا؟
_ لا إزاي. نشغل فيلم ونفصل عن العالم.
_ اشطا جدًا.
طلب زين الطعام وجلسوا على الأريكة والبيتزا أمامهم تفوح منها رائحة شهية يشاهدان فيلم كوميدي. ضحكاتهما تتعالى بين الحين والآخر تملأ المكان دفئًا وحياة وكأنهما وحدهما في هذا العالم. لا شيء يهم سوى اللحظة التي تجمعهما. عيونهما تلتقي أحيانًا وسط الضحك تلمع بسعادة اللحظة.
في يوم ملك عائدة إلى البيت تحمل أكياسًا مليئة بالمشتريات. خطواتها سريعة بعض الشيء حتى لا تتأخر عن والدتها. ما إن فتحت باب البيت حتى تباطأت فجأة. رأت والدتها جالسة في الصالة تبتسم وتتكلم بود مع جارتهم. الجو كان هادئًا وأكواب الشاي لا تزال على الطاولة. اقتربت إليهم:
_ السلام عليكم.
ابتسمت جارتها:
_ وعليكم السلام. إزيك يا ملك.
_ الحمد لله يا طنط.
نظرت إلى والدتها:
_ طيب أنا هستأذن يا أم أشرف وهبقى أجيلك تاني تقولي لي إيه الأخبار.
انصرفت جارتهم مغادرة وعادت ملك وجلست إلى جوار والدتها.
_ هو في حاجة ولا إيه؟
_ ارتاحي طيب الأول وبعدين نتكلم.
_ أنا مرتاحة. في إيه؟
صمتت للحظات وكانت ملامحها مترددة:
_ في عريس ليكي.
تفاجأت ملك:
_ عريس؟
_ أيوه. ابن أختها راجع من السفر وبيدور على عروسة وهي شافتك مناسبة له واتكلمت معايا.
_ وبعدين.
_ ملك يا حبيبتي. أنا نفسي أطمن عليكي. اتجوزي يا حبيبتي وعيشي وكوني عيلة وأطفال.
_ هو أنا اشتكيت لك يا ماما.
_ أنا نفسي أطمن عليكي. وهو هياخدك لبرا مصر. هو عايش في الكويت شغال هناك. هياخدك وتبعدي عن كل حاجة وهترتاحي.
_ ومين قال إن أنا هرتاح؟ ماما أرجوكي دا قراري واختياري. ومتقلقيش عليا.
_ ملك..
قاطعت حديثها:
_ خلاص يا ماما الموضوع خلص. وبلغي طنط إن العريس مرفوض. أنا هدخل المطبخ أعمل الغداء قبل ما أشرف يجي ويضايق إن الغداء مخلصش.
توجهت إلى المطبخ لإعداد الطعام. بعد مرور ساعات وصل أشرف أخوها. جلس مع والدتها في الصالة وكالعادة جاء بمفرده. تجمع الجميع حول مائدة الطعام. كانت ملك صامتة أغلب الوقت وظل أخوها أشرف يتحدث مع والدتها. بعد الغداء قامت بإعداد الشاي. خرجت من المطبخ تقترب إلى الصالة. وقفت فجأة حينما سمعت حديث أشرف ووالدتها حينما قال:
_ الحمد لله إنها رفضت.
أجابت والدتها:
_ إيه اللي بتقوله دا؟ إنت مش عاوز تفرح بأختك يا أشرف؟
_ عاوز طبعًا. بس إنتي بتقولي دا عايش في الكويت يعني هي هتسافر معاه.
_ ما دا الطبيعي يا حبيبي. هتكون مع جوزها.
_ وإنتي؟
تفاجأت:
_ أنا إيه؟
_ هتقعدي لوحدك إزاي؟
_ أنا.. أنا..
_ لو عريس وهيعيش جنبك هنا مفيش مشاكل ومبروك من دلوقتي. ولو في محافظة مفيش مشاكل. سهل تروحي تعيشي معاها. لكن برا مصر. صعبة. كويس إنها رفضت والله.
تقدمت ملك وبملامح حادة:
_ يعني دا سببك للرفض إنه عايش برا؟ غير كدا كنت هتوافق.
_ ماهو إنتي متفكريش في نفسك. فكري في أمك.
قالت بإنفعال:
_ وأمك؟ هي كمان أمك ومسئولة منك زي ما هي مسئولة مني. هي مسئولة مننا إحنا الاتنين. لكن الحقيقة إنك شايل إيدك وأنا اللي شايلة كل حاجة تخصها. وانت تيجي مرة في الشهر وتكلمها دقيقة لما تفضى.
تحدثت والدتها بنبرة حزن قاطعتها ملك:
_ مفكرتش تقولنا تعالوا اقعدوا معايا نتونس ببعض بدل ما إحنا قاعدين لوحدنا والجيران هما اللي بيساعدوني لو حصل حاجة. إنت عارف أنا بخلي مرات البواب تقعد معاها لو خرجت جبت طلبات من برا عشان أبقى مطمئنة. إنت طبعًا مفكرتش ولا هتفكر في كدا.
تحدث بنبرة عصبية:
_ إنتي بتتكلمي معايا كدا إزاي؟
أجابته بعصبية:
_ أنا أتكلم براحتي بالطريقة اللي تريحني. بعد وفاة بابا مليش كبير يا أشرف فاهم.
ملامحه الغاضبة اقترب نحوها ويستعد بضربها بالقلم. أمسكت والدته يده:
_ عشان خاطري لا يا أشرف لا يا حبيبي.
نظر إلى والدته بغضب:
_ دلعك وتربيتك اللي خلاها تتكلم معايا كدا. بصوا أنا مليش علاقة بأي جواز. عاوزة تتجوزي متتجوزيش براحتها. ومتكلمنيش تاني عشانها في أي حاجة. وأنا مش هاجي تاني هنا غير لما تحس بغلطتها وقلة أدبها معايا.
دوي صوت الباب وهو يغلق بعنف. خرج أشرف غاضبًا. وقفت ملك مكانها في ذهول وصدمة تحاول أن تستوعب ما تعيشه. نظرت إلى والدتها التي كانت ملامحها مزيج من الحزن والعجز. نظرت إليها في عتاب:
_ ليه يا ماما قلتي له. أنا قفلت الموضوع.
_ كنت عاوزاه يتكلم معاكي ويقنعك. مكنتش أعرف إن دا رده. مكنتش أعرف.
_ من إمتى أشرف بيفكر فيا ولا فيكي يا ماما عشان يقول رد إحنا متوقعينه. ده أشرف يا ماما.
نظرت والدتها نحوها بحزن وأمسكت يدها:
_ لو بتحبيني يا ملك وافقي ع العريس وسافري معاه.
_ إيه اللي بتقوليه دا يا ماما.
_ بقول الصح المفروض يحصل. إنتي ملكيش ذنب تتضيعي عمرك وشبابك في القاعدة جنبي يا بنتي. عيشي حياتك.
أمسكت ملك يدها وربتت على يد والدتها:
_ أي حاجة في الدنيا تهون عشانك. وأنا اللي رافضة لأني مش عاوزة يا ماما مش عشانك إنتي وبس. أنا اللي مش عاوزة وسبيني ع راحتي.
_ سامحيني يا ملك. سامحيني يا بنتي.
قبلت يدها ورأسها قائلة:
_ متقوليش كدا يا ماما. إنتي سامحيني لو قصرت معاكي في حاجة.
_ ولا مرة قصرتي.
_ ولا هقصر معاكي. إنتي متزعليش نفسك ويلا ادخلي خدي العلاج وارتاحي شوية.
ليلًا بعد أن تأكدت ملك من تناول والدتها الدواء واستسلامها للنوم، صعدت إلى السطح وكانت مريم بمفردها وتفاجأت بها:
_ ملك.. أنا كنت فاكرة إنتي زين.
_ هو جاي دلوقتي. أنزل أنا.
امسكت يدها وجلست:
_ لا لا هو ع القهوة مع أصحابك ومش هيرجع دلوقتي. بس إيه المفاجأة الحلوة دي؟ أيوه كدا أنا عاوزة رجلك تاخد ع السطح زينا كدا ونتونس ببعض.
رأت اللوحات والألوان:
_ أنا معطلاكي؟
_ لا خالص. كنت هاخد استراحة. أصل عندي مسابقة في الكلية وفي جايزة ف تلاقيني بفحت نفسي بجهز. ها عاملة إيه وإيه الأخبار؟
_ الحمد لله.
_ كنت سمعت إن فيه عريس صحيح؟
_ هو الأخبار لحقت توصلكم.
_ مرات البواب كانت عندك ف اعرفي إن العمارة كلها عرفت. بصراحة نفسنا في فرح وكله فرح.
_ للأسف مفيش فرح.
_ ليه؟
_ رفضت العريس.
نظرت إليها مريم:
_ ليه رفضتي؟ طيب شوفيه الأول مش يمكن يعجبك وترتاحيله.
_ كان ممكن أشوفه لو عندي استعداد. لكن أنا غير مستعدة أقعد مع حد ونتكلم ونتعارف ونشوف هننفع ولا لا. لا لا مش هقدر.
_ ليه يا ملك.
_ لأني مش عاوزة يا مريم.
_ ليه مش عاوزة فهميني. هل بسبب حد ولا..
قاطعتها:
_ لا مش بسبب حد. بسبب الأيام والظروف اللي عشتها اللي خلتني أشوف كل حاجة من منظور مختلف عنكم. إنتوا شايفين الجواز عريس مناسب ابن حلال وجاهز يلا جواز. لا أنا بنسبالي الجواز مش مجرد عريس جاهز ومناسب.
_ اومال إيه؟
_ إنك تختاري شخص مش يشاركك الأكل والشرب والنوم ويصرف عليكي. الارتباط يعني شخص يشاركك في المحن والمشاكل والوجع. يكون الإيد الوحيدة اللي بتطبطب عليكي. الحضن الوحيد اللي لحظة ما يضمك بيدوب أي وجع حاسة. السند والضهر والحماية من الدنيا وغدرها. يفضل ماسك إيدك ميسبهاش. يحس بيكي أكتر من نفسك. الارتباط أو الزواج مش كلام الرومانسي وفلوس. بيكون ارتباط روحين مع بعض بيكونوا مع بعض روح واحدة لكن في جسدين.
_ طيب ما إنتي لازم تعرفي شخص تتعرفي عليه عشان تحكمي هو كدا ولا لا.
_ لو في استعداد ممكن. غير كدا لا صعب. مستحيل الحكم هيكون صح.
_ ليه؟
نظرت إليها بعيون وملامح حزينة:
_ فيه إحساس بيتولد جوه الإنسان مع الوقت بيخلي الألوان كلها لون واحد في عيني. صعب ينبهر بأي لون لأنه مش شايفه. بالتالي وقت الاختيار والضغط عليه يختار الشخص ده مش هيحتار. هو هيمد إيده وزي ما تطلع معاه هياخده. عارف الإحساس ده اسمه إيه؟
_ إيه؟
_ موت الروح. روحك بتحتضر ومع الوقت بتموت وبتفقد الإحساس والتمييز. وقتها مبيفرقش معاكي أي حاجة حصلت زي ما حصلتش. مفيش انبهار. مفيش اختيار صحيح.
_ والروح دي مبيتردش فيها الحياة تاني؟
_ ممكن. لكن مش سهلة. لأن الروح في الحالة دي بتكون تعبت وبقت فتافيت. فمين اللي هيكون عنده صبر وطاقة وإرادة إنه يجمعها تاني. بتكون صعبة جدًا. لأن بنسبة كبيرة محدش بيحس بيها. لأنها عايشة بتتنفس. هما شايفينها كدا. لكن الحقيقة هي بتحتضر.
_ بجد مش عارفة أقولك إيه.
_ متقوليش حاجة. أنا مش عاوزة أسمع حاجة. لأن مفيش حاجة هتتغير. ده واقع وأنا تقبلته بصدر رحب.
_ بصي اللي أقدر أقوله لك (وضعت يدها على يد مريم) إن أنا موجودة في أي وقت تحتاجي أخت تحكي وتتكلمي وتفضفضي معاها. إحنا كلنا موجودين لكِ. إحنا عيلتك هنا لأننا معتبرينك من العيلة.
_ أكيد.
مر 3 أسابيع وزين لم يلتقي مع مريم كما المعتاد لانشغالها. كانوا الـ 3 أسابيع على زين كأنهم 3 أعوام. مريم غارقة تمامًا في المسابقة ومحاضرات الجامعة. كانت تجيب على رسائل زين متأخر وبردود قصيرة. حاول زين بكل الطرق أن يلفت نظرها من جديد. كان يأتي بالطعام كانت تتناوله وهي تنظر في اللاب توب. البيتزا الأكلة المفضلة لها كانت تتناولها وهي تتحدث مع أصدقائها عبر رسائل الواتساب. يطلب منها تشاركه في مشاهدة فيلم. كنت تجلس لوقت قصير ثم تعود إلى المرسم لتذكرها تفصيلة في رسمة. عبر لها عن زعله ولكنها صالحته بلطف ولم يدوم الأمر واليوم التالي عادت إلى عالمها المزدحم. فكان يشعر بالضيق ولكنه لم يريد أن يضغط عليها. فكان يسندها ويشجعها لأنه يعلم مدى أهمية الفوز بالجائزة لها.
صعد زين إلى السطح ويحمل في يديه طعام وحلويات لمريم. دخل المرسم ولكن مريم غير موجودة بالداخل. كان متوقع أن يراها كعادتها مندمجة في الرسم ولكن الغرفة فارغة. دخل بخطوات بطيئة ووقف وسط المرسم ورأى الفوضى الجميلة التي تحبها مريم. ألوان مبعثرة وفرش ملطخة وأوراق على الأرض. ولوحة كبيرة التي تعمل عليها مريم. اقترب من اللوحة وعيون لمعت وارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتأمل تفاصيل اللوحة. لمس بأطراف أصابعه رسمة اللوحة وكأنها يتقمص شخصية مريم ويرسم. أثناء تجوله وقعت عيناه على صورة إيهاب مختار. اقترب إليها ونظر إليها بغضب وقال:
_ اللي إحنا فيه ده إنت السبب. مش كان كفاية الكلام عنك عن بعد وكنت بستحمل وأقول دا كلام. تظهر فجأة كدا وتاخدها مني حقيقي وتشغلها لدرجة دي. آه لو أشوفك أديك بوكس بضحكتك المستفزة دي. مش عارف أنا هي معجبة إيه فيك عشان بترسم. أومال لو بتغني كانت عملت إيه. (أمسك إطار الصورة) هانت هانت. كلها شهرين وكل واحد هيرجع مطرحه ومش هنشوفك تاني. هستحمل بس عشان أوصل لليوم ده اللي تسيب فيه الكلية.
وهو يقف سمع صوت خلفه:
_ زيزو.
تفاجأت وسقطت من يده الإطار وارتطم بالأرض. واستدار للخلف:
_ إيه دا؟ اعملي أي حاجة يا شيخة خضتيني.
_ يا نونو. اتخضيت.
_ اتنحنحي ولا حاجة.
انحنت على الأرض وامسكت الإطار:
_ عارف لو كان حصله حاجة عارف كان إيه هيحصل؟
_ كان إيه هيحصل يعني محسساني وقعت صورة العندليب.
_ كنت خليتك عملت برواز تاني ع حسابك وبرواز غالي كمان.
_ كمان.
_ أيوه. إنت مش المفروض رايح خطوبة أخو صاحبك.
_ أيوه. كنت جاي أغريك بالحلويات دي إنك تيجي معايا وتفكي بقى شوية.
_ لا مش عاوزة. أنا ورايا حاجات هعملها. روح إنت انبسط وانبسط لي معاك.
_ متاكدة مش عايزة تيجي؟
_ آه بجد. روح إنت. (امسكت الحلويات) وأنا هنقنق في دول.
_ ماشي. بس عشان تكون عارف إن اللي بيحصل دا مش حلو، ماشي.
_ المسابقة تخلص وصدقني هعوضك.
_ ماشي ماشي.
بعد مرور يومين كان عيد ميلاد زين. استيقظ زين ذلك الصباح بقلب ملئ بالترقب. اليوم هذا دائمًا يبدأ بطيف ابتسامة مريم وتهنئتها البسيطة التي تحمل له معاني كثيرة. ارتدى ملابسه وذهب إلى منزلها حاملًا بداخله أملًا صغيرًا بأنها تحضر له مفاجأة كالعادة. ليس لأنه يحب الاحتفالات والمفاجأت ولكنه اعتاد أن يبدأ يومه بمريم كلمة منها. وإن كانت قصيرة كانت تكفي لتجعل يومه مختلفًا. ذهب إليها ليذهبا سويًا إلى الجامعة. ولكنه فوجئ أنها سبقته بذهابها إلى الجامعة. تفاجأ وصدم للحظات لغياب مريم عن ذلك اليوم لأول مرة في حياتهم. ذهب إلى الجامعة وجلس برفقة أصدقائه وسط ضحكاتهم وأحاديثهم. كان زين شاردًا عنهم ينظر إلى الموبايل بين الحين والآخر يتفقد الإشعارات الواتساب والإنستجرام والفيسبوك ولكن ولا شيء منها. كان قلبه يضيق شيئًا فشيئًا بين خيبة الأمل ووجع الانتظار. شعر أنه أصبح تفصيلة ثانوية في حياة مريم وهناك أشياء أخذت مكانه واهتمامه.
كان زين جالسًا مكانه صامتًا. اقترب إليه صديقه وطلب منه أن يرافقه إلى مكان ما:
_ بقول لك يا زيزو. قومي تعالي معايا كدا هنروح مكان هنا.
_ لا رايح ولا جاي.
_ عشان خاطري. مكان قريب عاوز أوريك حاجة مهمة.
_ مليش مزاج بجد أتحرك.
_ ماهو إنت قاعد مبتعملش حاجة يا جدع. تعالي يلا مش هنتأخر. يلا.
زين نظر إليه بتردد ولكن صديقه لحّ واصر على الذهاب معه. بعد لحظات من الإلحاح وافق أخيرًا زين ومشى معه بخطوات بطيئة وذهن مشوش. وقبل وصولهم للمكان طلب منه صديقه أن يغمض عينيه:
_ أغمض عيني ليه؟
_ محضر لك مفاجأة. ارتحت. اسمع الكلام بقى فرهدتني.
_ عارف لو مقلب يومك مش هيعدي وأنا كدا كدا مش طايق نفسي هطلع كله فيك.
_ لا مش مقلب. هو أنا مستغني عن نفسي. يلا بقى يا جدع.
أغمض عينيه واتبع تعليمات صديقه. وبعد خطوات وقف وقال له صديقه:
_ فتح عينك يلا.
فتح زين عينيه وصدم. كانت أمامه مريم تقف بابتسامتها المعتادة وبجانبها طاولة صغيرة عليها أكلته المميزة (سندوتشات كبدة وسجق) لكن بطريقة مبتكرة تم ترتيبهم على شكل تورتة وأعلى السندوتشات في القمة شمعة صغيرة مضاءة. نظر إليها زين وعيناه مليئة بالدهشة وكان قلبه ينبض بسرعة. قالت له:
_ هابي بيرث داي يا زيزو.
_ إيه دا بجد.
_ إيه رأيك. فاكر لما عملت فيا كدا يوم عيد ميلادي. كدا متعادلين.
_ أنا قولت انشغالك نساكي.
_ أنا أنسى كل حاجة إلا عيد ميلاد زيزو الشق. بس بصراحة أحمد وعبد الرحمن ساعدوني في الترتيب ده. مكنتش هعرف أعمله لوحدي.
نظر إليهم وابتسموا له وعاد النظر إليها متعجبًا. لم يتوقع أبدًا أن تكون هي من نظمت كل هذا أو أن يكون هذا هو احتفالها الخاص به. مريم كانت مبتسمة بينما زين كان عاجزًا عن الكلام. مشاعر مختلطة بين الفرح المفاجئ والدهشة كأنها أزالت عنه التوتر والضيق الذي كان يعانيه منذ قليل وأعادته إلى اللحظة التي كان يتمنى فيها أن يشعر بأنها تذكره وتشاركه اللحظة الخاصة بمولده. انتبه على صوتها:
_ يلا يا زيزو. قول هوف للشمعة واتمنى أمنية.
اقترب ووقف بجانبها وقالت له:
_ كدا أنا وقفت حالك رسمي. البنات هياكلوني بنظراتهم.
_ متركزيش معاهم. كفاية إنتي موجودة.
كان الصوت الوحيد الذي في المكان هو صوت الشمعة التي تنطفئ ببطء وزين يبتسم أخيرًا وهو يشعر أنه عاد ليجد شيئًا ما كان يظن أنه فقده.