تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
الفصل 24 — رواية توأم روح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم يارا سمير
فى الشركة يجلس زين شاردًا، ولاحظ كريم:
_ أيوه يا عريس، سرحان في شهر العسل وكده.
_ بتقول إيه؟
_ دا أنت مش هنا خالص، إيه شاغل بالك؟ متقلقش، كل حاجة ماشية كويس وكتب الكتاب هيبقى جامد والحفلة اللي بعده إسكندرية هتتكلم عليها.
لم يعطي زين أي رد فعل، وتحدث كريم:
_ دا الموضوع كبير، طيب قول ونفكر بصوت عالي، بتفكر في إيه؟
_ بفكر أجّل كتب الكتاب إزاي؟
اتسعت عين كريم من الصدمة وقال:
_ أنت بتقول إيه؟ سامع كلامك، تأجل إيه دا بعد أيام خلاص، كل حاجة اتجهزت، في إيه؟
صمت زين، وتحدث كريم:
_ لا اتكلم، عرفني وفهمني في إيه؟ أنت وبسنت اتخانقتوا؟ في حاجة حصلت منعرفهاش؟ عرفنا نلحق نلم الدنيا.
_ لا مفيش حاجة حصلت وأنا وبسنت كويسين.
_ في إيه طيب فهمني؟
نظر إليه، كان مترددًا، وقال بعد صمت دام ثوانٍ:
_ مريم.
_ مالها مريم؟ هي قالت حاجة؟
_ لا مقالتش، بس أقصد بالظروف اللي بتمر بيها دي إزاي نفرح ونهيص وكده، يعني حابب تكون مريم اللي عارفينها تفرح معانا بجد.
_ ومين قالك إن مريم مش هتفرح بجد؟ ما ممكن فرحك دا مناسبة حلوة تدخل الفرح البيت ويخرج الطاقة السلبية و...
صمت كريم للحظة وحدق بعينيه لزين:
_ زين، هو أنت لسه بتفكر في مريم؟
صمت زين، وكانت ملامح كريم خليطًا من الصدمة والذهول، وكأن الزمن توقف لوهلة. جلس بلا حراك يحدق في زين بعينين متسعتين من الذهول:
_ زين، زين مينفعش هزار في الموضوع دا، كتب الكتاب بعد 4 أيام خلاص.
_ عارف، عارف إنه بعد 4 أيام، لكن جوايا صوت بيقول لي يتأجل، مش وقته.
_ لا تخرس الصوت دا، تخرسه خالص، أنت بتعمل إيه فاهم، بتعمل إيه؟ أنت عاوز تدمر بسنت فجأة كده؟
_ أنت بتقول إيه يا كريم، أدمر مين؟ هو أنا قولت هسيبها؟ بقول يتأجل، يتأجل شوية، محصلش حاجة، فرضًا نعتبر حاجة حصلت، أنا اتعرضت لحادثة، هل هيتم كتب الكتاب ولا هيتأجل؟ أنا أقصد كده، تأجيل.
_ وبعد التأجيل، هيجيب تأجيل تاني وتالت ورابع لحد ما تفركش صح.
_ كريم أنت مش فاهمني.
_ أنت اللي مش فاهم كلامك، زين ركز كده واثبت، أنت مبقتش صغير، أنت راجل كبير مسؤول وبسنت بتحبك، وأنت بتحبها لأنك أنت اخترتها، محدش جبرك، أنت اللي قولت هخطب بسنت، ولا رجوع مريم وطلاقها لعبلك في دماغك وقال فرصة وكده؟ أساسًا مريم متعرفش أي حاجة عن مشاعرك، ولو على معاملتها أنا شايف إنها بتتعامل عادي زي ما كنتم بتتعاملوا من زمان، أنت اللي جواك مختلف، أنت المسؤول عنه، مينفعش غيرك يتحمل مسؤولية عدم اتزانك.
_ أنا غير متزن يا كريم؟
_ أيوه، اللي بتعمله دا اسمه عدم اتزان، استهدى بالله كده وسيب كل حاجة ماشية زي ما خططتلها وربنا رايد، وبسنت بنت حلال متستاهلش تتجرح حتى بكلمة.
ساد الصمت بينهما، وكأن الهواء ثقل فجأة، والكلمات التي كان زين يبحث عنها لتبرير مشاعره اختنقت في صدره. كان كلام كريم صادقًا وعقلانيًا، لكن قلب زين لم يكن عقلانيًا هذه المرة، وما يشعر به لا أحد يفهمه. لم يجب واختار الصمت.
كانت مريم منذ عودتها تقضي يومها في المطعم مع ملك، تشغل نفسها بالعمل والطلبات وتوجه العاملين. رغم ابتسامتها الظاهرة، كانت في الحقيقة تهرب من مواجهة الفراغ الذي يسكنها، فكانت تشغل نفسها في المطعم حتى لا تمنح نفسها فرصة للتفكير أو الانهيار. زين كان يوميًا يمر كل صباح، يدخل بهدوء ويبحث عنها ويجلس معها لبعض الوقت. يتحدثان قليلاً، وتنضم إليهم ملك وكريم، ويغادر زين إلى العمل. كان يكفيه أن يراها ويطمئن عليها.
في يوم في منتصف اليوم، ذهب زين إلى المطعم، كانت مريم منغمسة في العمل على اللابتوب. سحب كرسيًا وجلس أمامها، وتفاجأت مريم بظهوره:
_ يابني كذا مرة أقولك اتنحنح، اعمل أي صوت، متخضنيش كده.
_ أتحنح، ليه هغنيلك؟
_ عسل.
_ مش محتاج أعرف، عارف من زمان، عاملة إيه؟
_ الحمد لله.
_ هما ما صدقوا إنك ترجعي ولا إيه؟ ملك خلعت من الشغل وسابتهولك؟
_ لا ابدأ، أنا اللي عاوزة كده، عاوزة أشغل دماغي عن التفكير، والشغل أحلى حاجة.
_ لكن في حاجة تانية ممكن تعمليها وهتشغل دماغك عن التفكير، أو بمعنى أصح هتفصلك عن الواقع وتعيشي في عالمك الخاص.
_ إيه الحاجة دي؟
_ الرسم.
صمتت مريم، واستكمل زين حديثه:
_ من وقت ما رجعتي مدخلتيش المرسم بتاعك ولا مسكتي الألوان ولا رسمتي خط واحد، ليه؟
_ إجازة شوية.
_ إجازة خلصت.
_ نعم؟
_ زي ما بقولك كده، المرسم هو ملاذك الوحيد اللي بتقدري تطلعي فيه كل حاجة حساها، رغم إنك محكتيش إيه اللي حصل بينك وبين إيهاب، أو بمعنى أدق اللي أنتِ مخبياه عليا، على الأقل بدل ما تكتميه جواكي، خرجيه في الرسم، اتكلمي مع لوحاتك زي ما كنتي بتعملي.
_ أنت ليه مصمم إن في حاجة؟ أنا وإيهاب انفصلنا زي أي اتنين بينفصلوا بهدوء، هو لازم خناق ونفرج الناس علينا.
_ مش عاوز أعرف يا مريم، لأني متأكد إن في يوم هعرف كل حاجة، لكن دا مش قضيتنا دلوقتي، عرفيني هترجعي إمتى للرسم.
_ شوية كده.
_ اللي هما قد إيه؟
_ يعني يا زين، شوية، وبعدين المرسم محتاج تنضيف وكده، لما أفضي هبقى أنضفه وأجيب أدوات جديدة.
_ ماشي، هنشوف.
ظل زين عيناه ثابتتين على مريم، وهي أدركت ذلك وقالت:
_ أنت هنا ليه، مش كنت هنا الصبح؟
_ هو أنا ليا مرة واحدة أجي هنا ولا إيه، دا سيستم جديد.
_ مش طالبة لمضة، مش أنت قولت عندك موعد مع بسنت عشان تقيس البدلة؟
_ أيوه، هي اتصلت هتتأخر شوية في بروفة فستانها، فقولت أعدي هنا أشرب حاجة أو آكل حاجة لحد ما تخلص وأروح لها.
_ طيب كويس.
_ ميما، تيجي نروح نضرب كبدة وسدق في الانجاز.
_ ابقى اضربه مع خطيبتك، مش هتقابلها، كلوا مع بعض، وكده كده أنا لسه آكلة.
عاد بظهره واستند للخلف وخبط بقبضة يده على الطاولة:
_ على فكرة كده مش فير، كل ما أقولك تعالي نروح ناكل ولا نتمشى بترفض وتخلعي، على فكرة أنا اللي هدفع.
_ أنت بتيجي في آخر اليوم، بكون فاصلة خلاص وعاوزة أنام.
_ قبل كده كان عادي على فكرة.
_ كان ساعتين في المطعم والباقي في السطح، وأغلب الوقت كنا بناكل في السطح عند المرسم.
_ أها، تمام.
رن هاتفه:
_ أنا همشي.
_ سلم لي على بسنت.
_ يوصل، خلي موبايلك في إيدك، هبعتلك الصور تقولي لي رأيك بما إنك مش عاوزة تيجي معايا، معرفش ليه؟
_ أنت خارج مع خطيبك، أنا هبرشط عليكم ليه؟ أنت عبيط بجد؟ زين ركز، أنت هتتجوز، هتتجوز فاهم يعني إيه؟ هي الأحَق بتركيزك واهتمامك. (صمتت للحظة) متعملش زي ناس بتهمل اللي معاهم وبيضيعوا عشان سراب، متبقاش زيهم. (كانت تتحدث إشارة إلى تجربتها مع إيهاب) حافظ على بسنت وعلى لحظاتك معاها.
نظر إليها زين نظرات ممزوجة بالحزن والغضب. لم يجد كلمات ليتحدث بها، فتنفس نفسًا عميقًا وقال:
_ خلي التليفون معاكي، لأنك لو مردتيش هاجي أجيبك عافية، سواء معايا بسنت أو لأ. سلام.
نظرت إليه بدهشة:
_ لسع بجد.
قابل زين مع بسنت وتوجها إلى محل الأزياء، وجلسا في قاعة الانتظار داخل محل الأزياء، وبينه يديه كتيب صغير يضم نماذج للبذلات ووضعه جانبًا:
_ هيتأخر ولا إيه؟
_ الموعد دا بتاع حد تاني، وهو معاه يخلص وهيقابلنا، وبعدين إحنا قاعدين مع بعض.
_ معنديش مشاكل نقعد مع بعض، لكن في أي مكان مش هنا، وبعدين أنا عندي مشوار عاوز أنجزه قبل الساعة 9.
_ مشوار إيه؟ إحنا مخلصين كل حاجة؟
_ لا دي حاجة خاصة بالبيت عندنا. المهم أخبار الفستان إيه؟ مش هتوريهولي برضه؟
_ أيوه مش هتشوفه إلا يوم كتب الكتاب، بيقولوا فال وحش العريس يشوف الفستان قبل الفرح.
_ طيب ما أنتِ معايا هتشوفي البدلة، دا فال حلو يعني ولا هتجوز عروسة تانية.
ضحكت بسنت:
_ هما قالوا لي كده. بص هوريك جزء منه.
وهي تفتح الهاتف لعرض الصور على زين، كانت تتحدث بحماس وسعادة عن فستانها وتتخيل نفسها وهي ترتديه وتصف له تفاصيل الطرحة. كان زين ينظر إليها مبتسمًا ويرد بكلمات قليلة، صوته هادئ، لكنه في الحقيقة لم يكن حاضرًا تمامًا في داخله، كانت مريم شاغلة تفكيره، يتذكر حينما في الماضي كانت مريم تصف فستانها الأبيض الذي رسمته بيدها وعن أحلامها الصغيرة. رغم محاولته للتركيز مع بسنت، ظل قلبه مشدودًا لمكان آخر واسم مختلف وصوت مختلف وصورة لا تزال.
شرد للحظات، وتحدثت بسنت:
_ زين.
_ أيوه يا مريم، أقصد يا بسنت.
_ مريم؟ أنت كنت سرحان في مريم؟
_ وضعها شاغل دماغي من بعد الطلاق، وهي مش نفسها، حد تاني خالص.
_ ما تجربة الطلاق مش سهلة برضه يا زين، بس هتاخد وقتها، وهي بتنزل المطعم يعني مش عازلة نفسها.
_ أيوه فعلًا كويس.
وضعت يدها على يده:
_ أنا عارفة إن مريم مهمة عندك، وقلقك عليها من خوفك عليها، لكن اطمني، هتبقى كويسة.
_ إن شاء الله. فين ديل الفستان ولا دا مينفعش؟
ضحكت بسنت:
_ اتفرج يا لمض.
في تلك اللحظة، دخلت لهم الموظفة وأخبرتهم بالسماح لدخولهم لموعدهم. قال زين:
_ حتى ديل الفستان مش عاوزني أشوفه.
ضحكت بسنت وتوجها إلى الداخل. دخل زين غرفة القياس، ساعده أحد الموظفين في ارتداء البذلة، كانت بذلة أنيقة. وقف أمام المرآة يعدل في ياقة القميص ويصفف شعره بيده، ثم التقط هاتفه والتقط بعض الصور وأرسلها مباشرة إلى مريم، ووقف ينتظر ردها. أجابته برسالة قصيرة عبرت عن مدى إعجابها.
تحدثت بسنت:
_ قالت إيه؟
_ سألتني الأول بسنت قالت إيه، قولت له عجبتها، قالت وأنا مع بسنت.
_ حبيبتي ميما.
_ اتفقتوا عليا.
_ مقدرش.
_ بس على فكرة قالت لي الملاحظة اللي قولت لك عليها في البدلة، أنتِ قولتي لي عادي، هي قالت ظبطها أكتر.
ضحكت بسنت:
_ مريم حافظاك أكتر مني.
_ عاوز أقولك طول عمرنا كنا بنجيب هدومنا لبعض، فـ عارفين ذوق بعض والألوان وإيه مناسب وإيه لأ.
_ أها، عشان كده كنت بتاخد رأيها دايما في أي حاجة.
_ ممكن تقولي تعود.
اقتربت بسنت نحوه وقالت بصوت خافض:
_ طيب هتتعود على ذوقي إمتى، ولا ذوقي وحش؟
ابتسم زين:
_ لما نتجوز هتعود، فهمي، نظمي، رسمي.
ضحكت بسنت واقترب نحوهم المصمم وتحدث معه زين وأخبره بالملاحظات وغادرًا المكان.
ذهب زين وبسنت إلى إحدى المطاعم وجلسا يتناولان الطعام وتبادلا أطراف الحديث. قام زين بإيصال بسنت إلى منزلها وابتسم لها بود، ثم تحرك بسيارته نحو المنشية، وكأن وجهته الحقيقية بدأت الآن. مر على عدة محال واختار بعناية أدوات ومستلزمات الرسم، عبوات ألوان وفرش متعددة الأحجام وأوراق ولوحات جديدة، وحتى قطع ديكور وإضاءات بسيطة تضيف روحًا للمكان. حمل الأكياس بحماس مختلف، كأن كل أداة يشتريها تمثل له خطوة نحو مريم. عاد إلى المنزل وصعد مباشرة إلى السطح. فتح باب المرسم واستقبله الغبار والعشوائية. لم يتوقف، بدأ في التنظيف بحيوية، مسح الأرضية ونظف الزوايا ورتب الطاولات ووضع الأدوات الجديدة في أماكنها بعناية. علق بعض اللوحات الفارغة وترك الزاوية المفضلة لمريم كما تحبها تمامًا. استغرق الأمر ساعتين من العمل المتواصل حتى وقف أخيرًا وسط المكان يتأمل النتيجة بسعادة. كان المرسم ينبض به الحياة من جديد. ابتسم وهو يتخيلها عندما ترى المفاجأة وتجلس مكانها وترسم ويعاد الحياة مرة أخرى إلى السطح، أو بمعنى أصح تعاد الحياة إلى قلبه.
نظر زين إلى الساعة المعلقة على الحائط، كانت تقترب من التاسعة مساءً، موعد انصراف مريم المعتاد من المطعم. شعر بقلبه ينبض بسرعة، وكأن الوقت يركض لا يتحرك. التقط مفاتيحه وتحرك بخطى سريعة نحو الباب. قاد سيارته باتجاه المطعم وعيناه تلمعان بشوق لم يخفه التكرار. لم يكن يعلم ما سيقوله، لكنه كان يعرف أنه يريد أن يكون هناك الآن.
دخل المطعم وكانت مريم تعمل على اللابتوب، وما أن رفعت رأسها للحظات حتى تفاجأت بوجود زين أمامها للمرة الثالثة في اليوم. تجمدت مكانها لحظة واتسعت عيناها وتداخلت مشاعر الاستغراب بالدفء. اقترب نحوها وقالت:
_ في إيه؟ هو أنت مضاد حيوي 3 مرات في اليوم؟
_ أيوه، جيت عشان تاخدي جرعتك للاستشفاء.
ضحكت:
_ لا أنت جاي توزع عسل.
تحركت من مكانها وأوقفها زين:
_ خلصتي شغلك صح؟
_ لا.
_ لا إيه؟ مش أنتِ بتمشي 10؟
_ همشي مع ملك وبابا، هنقفل 12، النهاردة الخميس، أنت ناسي؟
_ آه صح، إحنا بنطول في الويكند. مش مهم، اخلعي منهم وتعالي معايا.
_ اخلع وأجي معاك فين؟
_ هخطفك.
_ لا والله، مش رايقة لهزارك.
بحث زين عن حقيبتها والتقطها بيده وأمسك يد مريم بيده الأخرى وجذبها للخارج، وقال لملك بصوت عالٍ:
_ مريم مش موجودة يا ملوكة.
جذب مريم إلى السيارة وصعدت السيارة وهي تحاول أن تفهم منه ما يفعل. تحرك بالسيارة وأخبرها أن تصمت حتى يصلا. لاحظت مريم اقترابهم من المنزل ووقفت السيارة أمام البناية. نظرت له بغضب:
_ يعني أنت ساحبني زي البقرة عشان ترجعني البيت؟ ما أنا كده كده راجعة.
_ اهدى كده ويلا معايا.
_ يلا معاك إيه وفين؟
_ يلا اسمعي الكلام.
غادرا السيارة وصعدا السلم، وكان زين يقبض بيده يد مريم خوفًا من هروبها. صعدا درجات السلم حتى وصلا إلى السطح ووقفت مريم:
_ أنت جايبني عشان السطح؟ (نظرت حولها، كان كل شيء كما هو، المكان نظيف ومرتب) ماله السطح، مفيهوش حاجة.
وقف زين:
_ غمضي عينك.
_ إيه؟
_ كتك أووه، غمضي وانتِ ساكتة، أنا نسيت أجيب رباط لعينك، ينفع الشراب.
_ الله يقرفك.
_ شكرًا، يلا غمضي عينك.
_ زين، خض وفزع مش طالبة.
_ عيب عليكي، مفيش كده، المرة دي بس، ممكن المرة الجاية، كويس إنك فكرتيني، شاطرة.
_ يا سلام؟
_ أيوه، حاجة تنشط الدموية كده، المهم خلينا في دلوقتي، غمضي عينك ونجزي، بقيتي تفرهدي يا مريم، انجزي.
أغمضت عيناها، أمسك يدها زين:
_ وغلاوتي عندك، متفتحيش عينك غير لما أقولك، ماشي؟
_ حاضر، بس انجز.
_ تمام.
تحركا إلى أمام المرسم وقال لها:
_ فتحي عينك.
فتحت عيناها، وجدت نفسها أمام باب المرسم، وكان معلق رسمة جديدة لطيور.
_ أنت جايبني عشان أشوف دا؟ جميل، خلاص انزل.
_ أنتِ بتجري ليه كده؟ احترمي المجهود شوية.
_ مجهود إيه؟ نضفت الباب ولزقت عليه الرسمة، جميل.
_ افتحي الباب وهتعرفي.
نظرت إليه:
_ عملت إيه؟
ابتسم لها وقال:
_ شوفي بنفسك.
فتحت مريم باب المرسم ببطء وزين يقف خلفها ليراقب رد فعلها. وما أن خطت إلى الداخل حتى توقفت مكانها واتسعت عيناها بدهشة خالصة. كانت الأرضية نظيفة والغبار اختفى، وكل زاوية في المكان تشع بنقاء وترتيب لم تعهده منذ فترة. رائحة الألوان والورق الجديد اختلطت بذكريات قديمة، أول يوم لها في المرسم، كان تجهيزه مفاجأة زين أيضًا. رأت الأدوات الجديدة المصطفة بعناية على الطاولة. خطت خطوات بطيئة تتأمل التفاصيل وتمرر يدها برفق على سطح الطاولة، وكأنها تود التأكد أن كل هذا حقيقي. عيناها تمتلئان ببريق طفلة عادت إلى لعبتها المفضلة بعد طول غياب. نظرت إلى زين، لم تقل شيئًا، فقط ابتسامة صافية ارتسمت على وجهها وداخلها امتزجت مشاعر الامتنان والحنين والحب والسعادة.
تحدث زين:
_ من رد فعلك دا واضح إنه عجبك، لالا انبهرتي، طبعًا زيزو دايما مبهر.
ضحكت مريم:
_ إيه كل دا بجد؟ أنت عملت كل دا؟
_ أكيد، أنا مفيش حد مسموح له الدخول هنا غير أنا وأنتِ، ولما مكنتيش هنا مسمحتش لأي حد يدخل، دا مكان ميما وبس. إيه رأيك، جميل صح؟
_ جدًا.
_ أهو مبقاش عندك تلتيكة، المرسم جاهز وأدواتك جاهزة والورق واللوحات فاضيين، امليهم شخبطة وخرجي كل حاجة جواكي فيهم، انطلقي بمعنى أصح.
ظلت صامتة، واستكمل زين حديثه:
_ اللي حصل هنعتبره مطب عطلنا شوية، لكن إحنا هنكمل حياتنا بالحاجات اللي بنحبها، اللي بتساعدنا نقدر نكمل الحياة. أنتِ من غير رسم بتكوني فاقدة حاجة، الرسم بيكملك يا مريم، مينفعش تسيبيه وتهمليه كده، أنتِ بتهملي نفسك وأنا مش هسمح إن دا يحصل. أنا موجود عشان دا ميحصلش ولا أي حاجة تحصلك. زيزو موجود عشان ميما، وميما موجودة عشان...
_ زيزو.
_ بس كده، نفتح الصفحة الجديدة ونسمي بالله ونبدأ.
اقترب إليها بخطوات وقال:
_ أنتِ محتاجة تتنفسي يا مريم، وهنا بتتنفسي.
تملكها دفء غريب محبب لقلبها، كأن المفاجأة لم تكن فقط في ترتيب المكان وشراء الأدوات وعودتها للرسم، ولكن في الرسالة الخفية خلف كل تفصيلة، أنه مازال يتذكرها ويعرف كيف يسعدها ويهتم لأدق تفاصيلها حتى دون أن تطلب. ظلت تحدق في زين، وحرك يده بحركة عشوائية ولمحت خاتم الخطبة في يد زين وعادت إلى الواقع، وتملكتها رغبة عارمة بالبكاء، وكأن المفاجأة لامست شيئًا عميقًا داخلها، شيئًا تحاول تخبئته وتتجاهله. امتلأت عيناها بالدموع، لم تستطع مقاومتها، فانسابت على وجنتيها في صمت.
اقترب زين متفاجئًا من رد فعلها:
_ إيه دا؟ متوقعتش دموع كده، دموع فرحة دي صح؟
ابتسمت مريم رغم الغصة التي شعرت بها في صدرها. رفع زين يده برفق وأزال تلك الدموع بأنامله، كان اللمس خفيفًا لكنه حمل الكثير، المواساة واحتواء. تلاقت نظراتهما في لحظة صامتة لكنها مليئة بالكلام غير المنطوق. تنفست مريم نفسًا عميقًا وقالت بابتسامة:
_ شكرًا يا زين.
_ أولًا مفيش شكر بينا، ثانيًا على الناشف كده، لا مش هقبل لا شكر ولا مسا ولا أي كلمة كويسة.
ضحكت مريم:
_ عاوز إيه؟
_ تعالي نخرج برا نقعد على كنبتنا وأقولك.
خرجا إلى الخارج وجلسا على الأريكة. قال زين:
_ اعزميني على عشا يلا.
_ عاوز إيه؟
_ أنتِ بتسأليني، بتسأليني إيه حصل في الدنيا؟
_ خلاص خلاص، كبدة وسدق.
_ بالظبط كده، وهنزل أجيب اللابتوب بتاعي ونشغل فيلم ونعيد يوم من أيامنا، إيه رأيك.
ابتسمت مريم:
_ مفيش مشاكل أكيد.
_ هطلب السندوتشات وهجيب اللابتوب وجاي، متتحركيش من هنا.
تركها زين ثم نزل سريعًا متجهًا لإحضار الطعام واللابتوب. كان يتحرك بحماس غير معتاد، وكأن قلبه خفيف ممتلئ برغبة في رسم الابتسامة على وجهها. عاد بعد وقت قصير وهو يحمل في يده أكياس الطعام، ثم أخرج لها المقرمشات المفضلة لها وبعض الحلويات ووضع اللابتوب أمامهما. قالت مريم:
_ إيه كل دا؟
_ لزوم القاعدة، إيه زهايمر نسيتي.
_ دا أنت كده راسم على سهرة صباحي.
_ براحتها، تخلص وقت ما تحب.
ضحكت مريم:
_ والشغل؟
_ فرصة أروح متأخر، وكده كده إجازتي من بعد بكرة.
قالت مريم بصوت منخفض:
_ أيوه، عشان كتب الكتاب.
أجاب بنبرة صوت منخفضة:
_ أيوه.
قالت مريم مازحة:
_ يعني دي نعتبرها حفلة عزوبية بتودع فيها عزوبيتك معايا.
نظر إليها وملامح وجهه تبدلت لمزيج من الحزن والعجز، وحاول أن يتمالك وقال:
_ وهو أنتِ فاكرة أنا هسيبك؟ أنا شقتي شارعين من هنا، يعني هتلاقيني ناطط لك كل شوية.
_ أنت وبسنت مش لوحدكم، اعمل حسابك في الكمية تزيد بقى.
صمت لحظة وتحدثت مريم:
_ بجد مش عارفة هل هنقدر نقعد كده تاني ولا لأ، بس عمومًا أنا سعيدة باللحظة دي.
نظر إليها زين وكانت عيناها مليئة بالحزن رغم ابتسامتها، وأدرك سبب بكائها في الداخل. قال:
_ ممكن متفكريش في أي حاجة غير اللحظة دي، مش دي لحظة سعيدة، يبقى نركز فيها.
_ تمام.
بدأ الفيلم ومع أولى مشاهده، جلسا يتناولان الطعام. زين لم يتوقف عن تعليقاته الطريفة على المشاهد، وكأنه يقلد بعض الشخصيات بأسلوبه الكوميدي، فتضحك مريم من قلبها، تلك الضحكة التي اشتاق لرؤيتها وسماعها. كانت ترد عليه بمزاحها ويضحك هو أيضًا. وبين لقطة وأخرى كانت نظراتهما تلتقي، يختبئ فيها مزيج من مشاعر دفينة وحنين لم يمت.
تلك الليلة لم تكن مجرد مشاهدة فيلم، بل كانت عودة صامتة إلى عالمهم بعيدًا عن الواقع وكل ما فيه. كانت ليلة في عالمهما الخاص، عالم لا يدخله أحد سواه.
ليلة التي تسبق يوم كتب كتاب زين وبسنت، كانت ليلة ثقيلة على القلب، صامتة ولكنها صاخبة بالمشاعر. مريم مستلقية على السرير تنظر إلى السقف كأنها تبحث عن مخرج من الألم، دموعها تنساب في هدوء مؤلم لا صوت لها سوى أنفاسها المتقطعة. كل لحظة تمر كأنها تثقل على صدرها أكثر. وفي الاتجاه الآخر، زين مستلق على سريره يتقلب يمينًا ويسارًا غير قادر على إيجاد راحة. يشعر بثقل في صدره، قام وجلس على طرف السرير، وجهه بين يديه يحاول فهم ما يشعر به. لم يكن توتر قبل كتب الكتاب، كان شيئًا أعمق، شيئًا يشبه الندم والفقد. كلاهما في مكان مختلف، لكن قلبيهما كانا في نفس النقطة، حائرين، تائهين وممتلئين بشيء لا يقال.
في الصباح، كانت مريم تجلس أمام المرآة تحاول أن ترتب شعرها وتضع لمسات خفيفة من المكياج، لكن عيناها لا تكذبان، الحزن يسكنها والشحوب يكسو ملامحها، ونظراتها لا ترى ما أمامها بل تغوص في ذكريات وأفكار بعيدة. فجأة قطع الصمت صوت طرق على الباب وصوت سناء:
_ عرفتي اللي حصل يا مريم.
كانت دخلت الغرفة بخطى متسارعة وملامح وجهها متوترة يكسوها القلق والصدمة:
_ في إيه يا ماما؟
_ أخو بسنت، سامح وهو جاي من القاهرة عمل حادثة كبيرة أوي على الطريق واتنقل مستشفى.
صدمت مريم، واستكملت سناء حديثها:
_ كرم ومحمود وكريم وزين أول ما عرفوا جريوا.
_ وبسنت؟ بسنت هنا ومامتها وقرايبها و...
_ زين راح لها، غيري هدومك دي وتعالي نروح أنا وأنتِ وسوسن نلحقهم لو موجودين في الفندق لسه.
خرجت سناء وهي تردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، سترك يا ستار.
من الخبر الصادم، جلست مريم على الكرسي أمام المرآة في صدمة من الخبر. سريعًا بدلت ملابسها وذهبوا إلى الفندق، ولكن كان الجميع تحرك إلى القاهرة وعادوا إلى المطعم يتابعون الأخبار عبر الهاتف. مريم جالسة مع ملك:
_ كريم رد عليكي يا ملك؟
_ بعت لي قال إنه في المستشفى هيكلمني، وانتِ زين رد عليكي.
_ لا.
_ يا قلبي على بسنت، يوم مهم زي دا تحصل الحادثة الفظيعة دي.
_ ربنا يستر وإن شاء الله يكون بخير إن شاء الله.
رن هاتف سوسن والتقطته سريعًا وأجابت. تمر لحظات حتى تبدلت ملامح وجهها بالكامل. انعقد حاجباها واتسعت عيناها وانخفض فكها ببطء، وكأنها تلقت صدمة لم تكن تتوقعها. سقطت الكلمات من فمها قائلة:
_ مات.
ساد الصمت في المكان. ما أن سمعت مريم وملك تلك الكلمة وتبادلتا النظرات بذهول. لم تنطق أي منهما، فقط نظرات مشدودة مصدومة. ذهبوا للدفنة والعزاء، وليلاً عادوا جميعًا، وبقى زين وكريم في القاهرة لمدة 3 أيام لمساندة بسنت ووالدتها. كانا إلى جوارهم في كل لحظة. حضورهم كان بمثابة سند صامت لا يقال بل يشعر. أما مريم وملك عادا إلى المطعم يحاولن الحفاظ على سير اليوم بشكل طبيعي، لكن الحزن كان يخيم في الأجواء. كانا يتابعان أخبار كريم وزين وبسنت ووالدتها عبر الرسائل النصية والمكالمات القصيرة.
في هدوء المطعم، كانت مريم وملك تتابعان العمل بهدوء حتى لمحا قدوم كريم من بعيد. أسرعت عيون مريم تبحث خلفه عن زين تتساءل بصمت إن كان برفقته، لكن خطوات كريم كانت وحيدة. دخل كريم بهدوء وبدأ عليه الإرهاق، وكأن الأيام الأخيرة تركت أثرها الثقيل على ملامحه. سحب أحد الكراسي وجلس. اقتربت ملك منه سريعًا للاطمئنان عليه:
_ كريم، أنت كويس؟
_ الحمد لله، الحمد لله.
_ هجبلك حاجة تشربها وجاية ثواني.
توجهت ملك إلى المطعم وعادت بكوب عصير بارد وجلست برفقة مريم وكريم، وتحدثت مريم:
_ زين جه معاك؟
_ لا، زين هناك مع بسنت ومامتها عشان يطمن عليهم وكده. أنا جيت عشان الشركة، في كذا موعد اتأجل. يومين وزين راجع، يارب يقنع مامت بسنت إنهم يجوا معاه هنا.
_ إن شاء الله.
تحدثت ملك:
_ أنا طلبت يحضروا لك أكل، شكلك مكنتش بتاكل.
_ مين كان نفسه ياكل يا ملك؟ الصدمة كبيرة علينا.
ما شغل بال مريم هو زين، كيف حاله. ابتعدت عنهم وخرجت للخارج واتصلت به ولم يجيب. وقبل عودتها رن هاتفها وكان زين وأجابت:
_ زين.
_ مريم.
_ عامل إيه؟
_ الحمد لله. وانتِ، كلكم عاملين إيه؟
_ إحنا بخير، المهم أنت واللي عندك.
_ ادعيلهم يا مريم، الفقد صعب عليهم.
_ الله يرحمه، خلي بالك من بسنت ومن نفسك، حاول تاكل كويس عشان تقدر تقف.
_ حاضر.
_ مطول عندك؟
_ يومين وراجع.
_ لو محتاجني أجاي.
_ لا لا متتعبيش نفسك، أنا هحاول أقنعهم يجوا معايا.
مرت 10 أيام على تواجد زين في القاهرة مع بسنت ووالدتها. كانت مريم تقسم يومها بين المطعم والاهتمام بالسطح في غياب زين، بتفقد الزرع ونظافة المكان والمرسم، تشغل نفسها بالرسم، ولكن اللوحة أمامها تشعر أنها ينقصها شيء، كأن من تنتظر حضوره ليكتمل المشهد لم يأتِ بعد.
في المساء، كانت تجلس أحيانًا بمفردها على السطح، تتأمل السماء في صمت تبحث بين السحب عن معنى أو عن طيف، وربما عن زين لشوقها له وقلقها. ذات مساء، جلست مريم بعد أن أنهت جلستها في المرسم، خرجت وجلست على الأريكة، أسندت ظهرها إلى الوراء ورأسها إلى الحائط وعيناها شاردتان إلى السماء تراقب لون السماء وهو يميل إلى اللون الداكن وقت الغروب. سكون خفيف لف المكان. أغمضت عينيها للحظات كأنها تستسلم للهدوء وتغوص في ذكرياتها مع زين، حتى قطع الصمت صوت مألوف دافئ رغم التعب:
_ أنتم معندكمش سراير تحت ولا إيه؟
فتحت عينيها ببطء والتفتت فرأت زين يجلس بجانبها. ملامحه مرهقة ووجهه شاحب قليلًا:
_ زين، أنت جيت إمتى؟
_ من ساعة، عديت على المطعم أطمئنهم وقولت لهم هروح البيت أنام.
_ طيب مروحتش تنام ليه؟
_ كنت عاوز أشوفك.
_ أكلت؟
_ سوسن وسناء وملك عملوا كماشة عليا أنا وكريم وأكلونا بالإجبار.
_ كويس. بسنت عاملة إيه ومامتها؟
تنهد:
_ والله يا مريم لا جديد، الحزن والزعل على المفقود كبير، ندعيلهم، مع مرور الوقت ربنا يسكن وجعهم.
_ إن شاء الله. ربنا يرحمه ويقويهم ويصبرهم و...
فجأة مال زين برأسه حتى استقرت على كتف مريم:
_ زين.
_ ممكن 5 دقائق بس، 5 دقائق.
شعرت مريم بارتباك مفاجئ، احتاج صدرها، توترت وأسرعت نبضات قلبها، عيناها اتسعت للحظة ثم رمشت ببطء وهي تحاول أن تستوعب دفء اللحظة. كانت تسمع أنفاسه القريبة وتشعر بشيء خفي داخلها بدأ يهدأ، كأن كل ما كانت تقاومه تلاشى في لحظة. تسللت راحة غريبة هادئة جعلتها تسند رأسها قليلًا إليه واغمضت عينيها دون وعي منها، كأنها تخبره أنها هنا بجانبه. بقيت مريم كما هي، لم تتحرك. كانت لحظة جمعت بين التوتر والخجل والسكينة، لكنها لحظة لم ترغب مريم أن تنتهي، كانت ملاذًا من كل شيء، من الوجع، من التفكير، من العالم.
بعد مرور ساعة، فتح زين عينيه ببطء وبدأ يستوعب المكان حوله. كان لا يزال في السطح والهدوء يملأ الأجواء. نظر بجانبه وجد مريم نظرت إليه مبتسمة:
_ صباح الخير.
_ هو أنا نمت بجد؟
_ قولت 5 دقائق، دخلت على ساعة و10 دقائق أهو.
_ محسيتش بنفسي خالص، كتفك ولا أحلى مخدة طبية يا ميما، الواحد يحط راسه بيرتاح.
_ طيب الحمد لله إنك ارتحت شوية.
_ كتير، ارتحت كتير.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقالت مريم:
_ يلا انزل ارتاح في بيتكم تحت، ولما تصحى عرفني.
_ افرضي نمت للصبح؟
_ عادي، لما تصحى في أي وقت عرفني.
_ تمام. أنتِ نازلة ولا إيه؟
_ لا هقعد شوية أرسم.
_ ماشي يا فنانتنا.
غادر زين السطح وجلست مريم على الأريكة واضعه يدها على صدرها وتحاول أن تنظم أنفاسها، ثم تحركت من مكانها وتوجهت إلى المرسم.
في الخامسة صباحًا، استيقظ زين ولم يستطع العودة إلى النوم مرة أخرى. أمسك هاتفه وأرسل رسالة إلى مريم يخبرها باستيقاظه. توقع أن تكون نائمة، ولكن جاء الرد:
_ البس واستناني قدام باب شقتكم يلا، أنا جعانة عاوزة أفطر.
بالفعل بدل ملابسه وفتح باب المنزل وجدها تقف أمام باب منزلها بابتسامة دافئة على وجهها:
_ صباح الخير.
_ صباح النشاط.
لاحظ خطوات مريم اتجاه الشارع:
_ هو إحنا نازلين مش طالعين السطح؟
_ لا، هنفطر برا على حسابك لأني مفلسة، ماشي.
ابتسم زين:
_ ما دا العادي.
غادرا المنزل معًا وتوجا إلى عربة الفول والفلافل واشتريا سندوتشات طازجة. توجها إلى الشاطئ وجلسا على الرمل، وبدأت مريم في فتح تغليف السندوتشات وتطعم زين:
_ ناقص تقولي لي القطر رايح فين؟
_ وناقص ليه؟ يلا يا زيزو القطر رايح فين.
_ المحطة. (فتح فمه وقضم لقمة وأغلق فمه وضحك) ابن اختك.
كانت تضحك مريم:
_ ما أنت بتعاملني معاملة بنت اختك، كتير كنت بتأكلني غصب.
_ أها بترديهالي يعني، ماشي ماشي.
_ المهم تاكل وتبقى كويس.
نظر إليها مطولًا وأدرك محاولاتها لإخراجه من حالة الحزن وتخفيف ثقل الأيام الماضية. نظر إليها مبتسمًا ولحظت نظرته:
_ آسفة، مش معايا صور أدهالك.
ابتسم زين وقال:
_ عارفة يا مريم، الفترة اللي فاتت كان فيه تقل على صدري من الحادثة للعزاء لوضع بسنت ومامتها اللي مش عارف أعملهم إيه. لما جيت امبارح وسندت راسي على كتفك حسيت إني قادر أتنفس والتقل دا ابتدأ يخف، نزلت نمت ع طول، مش من التعب لكن من الراحة، ودا مبيحصلش كتير.
ابتسمت مريم:
_ المهم إنك نمت كويس، وأي خدمة محتاجة كتفي هقولك الساعة بكام؟
_ بسندوتشات فول وفلافل.
ضحكت مريم:
_ بالظبط كده، وبعدين على حسب الوقت والوجبة، خلي بالك ممكن تكون سينما وغدا برا، يعني تعويذة جامدة.
ضحك زين:
_ فداكي كل حاجة يا مريم.
أمسكت السندوتش:
_ يلا افتح بوقك، القطر رايح فين.
ضحك زين وفتح فمه وقضم قضمة وقال:
_ المحطة.
ضحكا معًا بكل براءة وفرح، وكانت تلك اللحظة من أجمل لحظاتهم مليئة بالدفء والسعادة. ينتظران إلى بعض بسعادة واضحة في عينيهم، مستمتعين بكل لحظة سويًا.
بعد مرور شهرين. كان زين وكريم يذهبان كل أسبوع إلى القاهرة لزيارة بسنت ووالدتها. كانا يحرصان على تلك الزيارات المتواصلة لمدة شهرين من بعد الوفاة بلا انقطاع، وبالأخص زين تواجده كان دعم لبسنت في وقتها الصعب. وعندما يعود زين إلى الإسكندرية، يذهب إلى مريم في أي مكان تكون فيه ليستريح. كان وقته في الإسكندرية بين العمل ومريم. يقضيان وقتهما في المطعم مع كريم وملك أو بمفردهما، أو على السطح يتشاركان الطعام والضحكات ويشاهدان الأفلام ويتحدثان عن كل شيء وأي شيء، وكأن العالم يتوقف عند لحظتهم تلك. في بعض الأحيان يتجولان في الشوارع في وقت متأخر أو عند لحظات الشروق الأولى أو يجلسان على شاطئ البحر حيث يلامس نسيم البحر وجوههم. كانت تلك اللحظات بمثابة ملاذ لهما، فرصة للهروب من ضغوط الحياة ومتاعبها وصعوبة الواقع. كانت لحظات مفعمة بالراحة والسكينة تذوب فيها همومهما وتغمرها مشاعر الألفة والطمأنينة.
سافر زين إلى القاهرة كالعادة. مريم في المطعم تخرج من المطبخ للصالة تحوم بنظرها عشوائي في الصالة وعلى الطاولات. وللحظة تجمدت مكانها. وقعت عيناها على إيهاب مختار جالس في أحد الطاولات. قلبها بدأ يدق بسرعة وبدأ كان الزمن توقف للحظة. كانت مشاعرها مختلطة بين دهشة لا تتوقعها. حاولت تهدئة نفسها، تنفست ببطء، ولكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها. تقابلت أعينهما وابتسم لها إيهاب ابتسامته الدافئة المعتادة. اقتربت نحوه مريم:
_ أقول صباح الخير ولا حمد لله على السلامة.
ابتسم إيهاب:
_ صباح الخير، الله يسلمك... ازيك يا مريم؟
_ الحمد لله.
_ اتفضلِ اقعدي، هعزم عليكي في مكانك.
جلست:
_ سوري، المفاجأة أربكتني شوية.
_ أتمنى تكون مفاجأة لطيفة.
ابتسمت مريم:
_ لطيفة جدًا. تشرب إيه؟
_ طلبت قهوة.
جاء الجرسون ووضع القهوة أمام إيهاب وتحدث إيهاب:
_ طمنيني عليكي وع أخبارك؟
_ الحمد لله.
_ ومامتك وباباكي والعيلة كلها وزين؟
_ كلهم بخير الحمد لله، هيفرحوا نك هنا.
_ أتمنى أشوفهم قبل ما أمشي.
_ مش هلحق، يا دوب الحق أرجع القاهرة عشان راجع نابولي النهارده. أنا جيت أسلم عليكي وأتكلم معاكي في موضوع مكنش ينفع في موبايل.
_ موضوع إيه؟
أخرج من جيب معطفه دفتر متوسط الحجم ووضعه أمامها:
_ إيه دا؟
_ شوفيه.
كان مدون اسم معهد فنون. فتحت الدفتر كان مكتوب جمل كثيرة باللغة الإنجليزية وصور مصغرة، وكانت مريم تقلب صفحاته وتحدث إيهاب:
_ معهد (لاكسيلا)، ممكن تقولي مكان بيجمع المواهب، هما بيدرسولهم وبيعلموهم حاجات كتير في تخصصهم وبيساعدوهم يشاركوا في مسابقات ومعارض، مدة التواجد في المعهد وبعدها... يعني زي الدبلومة أو الماجستير، بس دا عملي أكتر، الأنشطة فيه أكتر، يعني ممكن تقولي عملية أكتر.
_ جميل، بس برضه مش فاهمة؟
_ تنضمي للمكان دا يا مريم.
_ أنا.
كانت متفاجئة من عرض إيهاب:
_ فاكرة المسابقة اللي كسبتيها؟
_ أيوه.
_ هما طلبوكي بالاسم وتواصلوا معايا على أساس إنك مراتي لسه، وعرضوا عليا عرضين، عرض ليا وعرض ليكي. هما بيجمعوا الموهوبين وبيوفر لهم فرص مش واسطة، لأنك مبتennisيش الواسطات عارف. الفرص دي بمجهودك واجتهادك في السنتين اللي هتقعديهم هناك.
_ هقعد سنتين يعني إقامة؟
_ أيوه، هما هيخلصوا كل الإجراءات، ما عليكي إنك تاخدي شنطتك وتطلعي على المطار.
صمتت مريم وظهر على ملامحها التردد. قال إيهاب:
_ مريم حرام تضيعي موهبتك كده، في فرصة جت لك إنك تظهري وتتقدمي في الحاجة اللي بتحبيها وهتفرق معاكي جدًا. عاوزة نصيحة كصديق، انتهزي الفرصة عشانك يا مريم.
جمع أغراضه وقال:
_ قدامك أسبوع فكري وبلغيني قرارك عشان أبلغهم، لأنهم كل سنتين بيستقبلوا عدد معين، فلو رفضتي الفرصة تروح لغيرك. أتمنى متضيعيهاش. رقمي معاكي، منتظر اتصالك.
غادر إيهاب وترك مريم عيناها ثابتتان على اسم المعهد المكتوب على الدفتر. واقتربت إليها ملك:
_ هو بجد إيهاب كان هنا؟ قالوا لي جو خرجت لقيته ماشي. عاوز إيه؟ عاوز يرجع؟
_ كان بيسلم عليا. وسلم ومشي.
حملت مريم الدفتر ووضعته في حقيبتها في صمت. ليلًا جلست مريم في المرسم، فتحت الدفتر ببطء وأطرافها تمر على اسم المعهد، تمر على تفاصيل الفرصة التي انتظرتها طويلًا، فرصة تحقيق الحلم، عامان من الدراسة بالخارج، من الغوص في عالم الفن بكل ما فيه من ألوان وشغف. لكن ما إن نظرت إليه حتى اجتاحها الصمت الثقيل. دار صراع بين قلبها وعقلها. عقلها يهمس (هذه فرصتك) والقلب يتمسك بما تحب، مرسمها وعائلتها وذكرياتها وزين. تنهدت مريم تنهيدة ثقيلة، وكأنها تحاول إخراج القرار من صدرها، لكنها لم تستطع. أغلقت الدفتر برفق ووضعته جانبًا، ثم عادت إلى رسمتها بصمت.
عاد زين من القاهرة ومر على مريم في المطعم، رافقها إلى المنزل وتوجها إلى السطح. طلبوا طعام وجلسوا يأكلون وهما يتحدثان. لاحظ زين تغير ملامح مريم كأن هناك ما يشغل بالها. ألح عليها حتى أخبرته بمقابلة إيهاب. تبدلت ملامحه ولكنه صمت حتى تنتهي من معرفة سبب ظهوره مرة أخرى، وأخبرته بالعرض الذي قدمه لها. دخلت المرسم وخرجت ووضعت الدفتر أمام زين. أمسكه زين ينظر إليه بتعجب وحيرة وقال لها:
_ أنتِ عاوزة إيه؟
_ ماهو أنا لو عارفة عاوزة إيه مش هسألك، إيه الذكاء دا.
_ مش عارف، أنانية مني إنك ترفضي فرصة زي دي، لكن سنتين كتير.
_ يعني أقبل ولا أرفض؟
_ عاوزة تسافري؟
_ عارف إن كندا أغلب السنة فيها مطر.
_ يا سلام، تسافري سنتين عشان المطر؟ ليه محرومة منه؟
_ لسه بدري على الشتا والجو حر.
_ رايحة منك بجد.
_ بصراحة لسه بفكر، قدامي لآخر الأسبوع أرد على إيهاب، هشوف كده هجمع آراء وهشوف.
بعد ما علم زين بالسفر، كان اتخذ قرارًا بعدم سفرها، ولكن لم يخبرها علنا، بل قرر أن يزرع في قلبها سببًا للبقاء. كان يحضر طعامها المفضل البيتزا دائمًا، يرسل لها رسائل صباحية بكثرة، يجلسان في السطح تحت سماء الليل يتبادلان الأحاديث التي لا تقال، لكنها تفهم. وفي كل مرة تضحك فيها مريم، يشعر إن رفضها يقترب. ولكن في كل مرة كانت تصمت أو تشرد قليلًا، يخاف أن تكون اقتربت من القرار. كان على علم أن الحلم كبير، لكنه كان يرفض بعدها تلك المدة، وأن العرض كان من قبل إيهاب. كان ينتظر قرارها برفض العرض نهائيًا. الأيام تمضي ومريم لا تحسم أمرها، وتبقى يوم واحد على الرد، وزين قلبه يشتد عليه الخوف.
ليلاً، مريم في المرسم منغمسة مع لوحتها. فجأة سمعت صوت زين من الخارج يطلب منها الخروج سريعًا. أسرعت بخطوات فضولية للخارج وكان يقف في المنتصف. تتقدم نحوه:
_ في إيه؟ بتنده بصوت عالي كده ليه؟
_ ماهو عشان تسمعيني.
_ يعني مش قادر تخبط على الباب أو تدخل؟ عمومًا، عاوز إيه؟
_ ممكن تقفي هنا دقيقة، دقيقة واحدة بس.
_ وقفت، خير.
فجأة سقطت عليها دفعة من المياه كمياه المطر. نظرت إلى المصدر كان زين استخدم الخرطوم المياه للزرع ووضعه في وضعية عكسية تتدلي منه المياه كمياه الأمطار. تجمدت ثوان من المفاجأة. شهقت ثم فتحت عينيها تنظر له بدهشة مصدومة ووجههما مبلل تمامًا. وانفجرت بالضحك:
_ أنت مجنون؟ إيه دا؟
_ مش عاوزة مطر؟ أهو مطر في شهر أغسطس، إيه رأيك؟
ضحكت:
_ والله لسع.
_ لا استنى، مشوفتيش السعان.
توجه إلى هاتفه وشغل أغنية هندية مبهجة على هاتفه ورفع الصوت:
_ مشهد هندي ب أبسط الأشياء، مش بتحبي الأفلام الهندي؟ عيشي مشهدك.
_ اللي هو إزاي؟
_ البطلة في الأفلام السما بتمطر بتعمل إيه؟ بترقص. يلا خرجي كل الكبت اللي جواكي.
كانت مريم تقف تحت رذاذ المياه المتساقطة، وفي لحظة طفولية جميلة بدأت مريم تتمايل بخفة تحت المياه. شعرها مبتل وملابسها مبتلة، ولكنها كانت تضحك كطفلة صغيرة تدور وتلوح بيديها في الهواء، وكأنها ترقص تحت المطر حقيقي. وقف زين يراقبها بصمت مبتسمًا من قلبه، فرحًا أنه نجح في منحها لحظة سعادة نقية. ثم تغيرت الموسيقى فجأة بموسيقى أخرى. اقتربت مريم إليه وضحكت وسحبته من يده ليشاركها اللحظة كما يفعلان دائمًا. انضم زين وبدأ يرقصان معًا، يتحركان بخفة يتبادلان الضحك واللمسات العفوية، لا شيء في تلك اللحظة سوى الموسيقى والماء وضحكهما. مع نهاية الموسيقى دارت مريم للمرة الأخيرة وتوقفت وهي بين ذراعي زين. استقرت في حضنه، هو يضمها بهدوء. كانت مريم واقفة قريبة منه، أنفاسهما تتلاحق بهدوء، نظراتها تلاقت بعينيه فيها شيء من الحب والشوق المكبوت، لم يتكلما للحظات، تبادلا النظرات، كانت صامتة ولكنها صاحبة بكل ما لم يقال. حاولت أن تبتعد مريم ولكن زين منعها. ثبتت مكانها. رفع زين يده بلطف وأزاح خصلة مبتلة من على وجهها، ثم وضع يده على جانب وجهها بنعومة خفيفة، وكأنه يتأكد أنها حقيقية بهذا القرب. كانت مريم لا تزال ساكنة تتنفس بصعوبة، تشعر بقلبها يخونها يدفعها للبقاء. وفي تلك اللحظة انحنى زين ببطء وأقترب وجهه منها أكثر حتى التقت أنفاسهما. لحظة قصيرة لكنها بدت أبدية، ثم قبلها. قبلة حملت بين طياتها الكثير من الحب الذي لم يقال من الطرفين. لم تكن قبلة عن رغبة عابرة، ولكنها كانت اعتراف صامت أن كل الطرق مازالت تؤدي إلى الآخر. حين افترقا لم تبتعد مريم، ولكن وضع زين يده على رأسها ووضع رأسها في صدره وضمها بقوة. شعرت مريم بأن شيئًا ما في داخلها انكسر وتحرر بعد مقاومة طويلة المدة، والآن لم تعد قادرة على المقاومة. حين ضمها زين لحضنه، لم يكن لها مجرد تقارب جسدي، ولكن كان دفئًا غمر قلبها. كان حضنًا صامتًا عميقًا مليئًا بالأمان والانتماء. حضن يشبه بيتًا قديمًا نعود إليه بعد غربة طويلة. همس لها زين قائلًا:
_ متسافريش يا مريم، مش هقدر إنك تبعدي تاني، مش هسيبك تبعدي تاني.
ابتسمت مريم وهي في حضنه ابتسامة خفيفة، فكانت كلماتها تشعر قلبها بالطمأنينة.