تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
الفصل 15 — رواية توأم روح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم يارا سمير
في المطعم تجلس ملك برفقة سناء وسوسن وزين.
تحدثت سناء:
_ التجميعة دي بقالها كتير مبتحصلش.
أجابت سناء:
_ مشغوليات يا ماما.
تحدث زين:
_ أيوه مشغوليات. أول حرف منها إيهاب توفيق.
نظرت إليه بتعجب وتحدثت مريم:
_ ما تبطل رخامة بقى. عمومًا هانت خلاص، كلها شهر وأمتحن وأخلص من الكلية والمحاضرات والسكاشن.
قال زين بصوت هامس:
_ ونخلص من إيهاب مختار.
_ بتقول حاجة؟
_ لا بدعي نخلص ع خير.
تحدثت سوسن:
_ يعني أفهم من كدا إنكم مش هتيجوا تجهزوا معانا عيد الميلاد اللي هيتعمل بعد بكرة.
قالت مريم:
_ أنا بجد مش هينفع خالص أغيب يوم ولا أتأخر.
اتفق معها زين:
_ ولا أنا كمان.
نظرت سناء إلى سوسن:
_ خلاص أمرنا لله، إحنا اللي هنوضب ونجهز يا سوسن.
قالت مريم:
_ طيب ما تقولوا لملك. ملك عندها خلفية وما شاء الله عليها، تقوم بالعيد ميلاد لوحدها.
تحدثت سناء:
_ ملك مبقتش تيجي زي الأول. بتيجي بعد زن مننا، قولنا نسيبها براحتها.
_ بجد.
تحدث زين:
_ ماهو إنتي هتعرفي منين ومشغولة بـ إيهاب توفيق.
خبطته في كتفه وقالت مريم:
_ خلاص سيبوا الموضوع عليا، أنا هتكلم معاها.
تحدثت مريم مع ملك وطلبت منها مساعدة سناء وسوسن في تنظيم عيد ميلاد بالمطعم لانشغالها هي وزين، ووافقت بصدر رحب.
في اليوم المحدد ذهبت ملك إلى المطعم. الجو داخل المطعم كان مشحونًا بالحركة لتحضيرات عيد الميلاد. بدأت ملك العمل فورًا دون تردد. بدأت ترتب الطاولات وتضع الزينة بحرص. عيناها كانت تتابعان التفاصيل بدقة، تلتقط شيئًا من هنا وتعيد ترتيب شيئًا هناك.
وقفت سناء وسوسن في زاوية قريبة تتابعانها بصمت. كانت حركاتها متقنة رغم بساطتها، ملامح وجهها مركزة جادة لكنها هادئة. لم تكن تتحدث كثيرًا، بل كانت تكتفي بعملها، وهذا ما لفت انتباههما.
مع مرور الوقت بدأ المطعم يكتظ بالأصوات والضحكات وازدادت حركة الضيوف مع بدء حفلة عيد الميلاد. مع ذلك بقيت ملك تتحرك بهدوئها المعتاد، تقدم الأطباق وتتابع الطلبات وتتأكد من كل تفصيلة صغيرة، وكأنها تعمل في المكان منذ زمن طويل.
بينما كانت أجواء الحفلة تزداد بهجة، ركض أحد الأطفال الصغار باكيًا بعد أن سقطت منه قطعة الحلوى. علاه الحزن والارتباك. وقف في زاوية منزو يبكي بصوت خافت وسط الضوضاء. لاحظت ملك المشهد من بعيد فاقتربت منه بهدوء وجثّت على ركبتيها ومدت يدها إليه بقطعة حلوى أخرى، ولكنها لم تكتف بذلك. بعينين دافئتين وابتسامة صغيرة، فتحت منديلًا ولفّت له القطعة بعناية ثم ناولته إياها، وكأنها تقدم له كنزًا صغيرًا. توقف الطفل عن البكاء وابتسم ونظر إلى ملك التي بادلته الابتسامة الصغيرة.
من بعيد كانت سناء وسوسن تتابعان المشهد وعلا على وجهيهما ابتسامة عميقة. لم يكن الأمر مجرد مساعدة في يوم مزدحم، بل كانت روح ملك هي التي تركت أثرها الحقيقي في الحفلة.
ليلًا عادت مريم إلى المنزل من الكلية وجلست تستمع من سناء ما حدث في عيد الميلاد. ارتسمت على وجه مريم الاندهاش وزاد الأمر حينما شاهدت مقاطع على تليفون سناء لملك وعيد الميلاد.
قالت سناء:
_ زي ما قولتلك كدا. أيوه إنتي في تنظيمك فظيع، لكن ملك تحسيها محترفة وكانت مع الأطفال صبر وهدوء ولعب ورقص، بجد اليوم كان تحفة.
تنظر مريم إلى الصور والمقاطع وعلى وجهها ابتسامة:
_ ملك كانت مبسوطة أوي يا ماما.
_ أوي. كلنا كنا مبسوطين. عارفة بعد عيد الميلاد صممت متمشيش غير لما تظبط المكان مع العمال ومتتعبنيش أنا ولا سوسن.
تركت مريم الهاتف للحظات، وكأن هناك فكرة أنارت رأسها ونظرت إلى والدتها:
_ إزاي الحل دا كان موجود قدامنا وإحنا مفكرناش فيه.
_ اللي هو إيه؟
_ إن ملك تشتغل في المطعم بمرتب شهري كدا. ملك كل يوم هتكون موجودة ومش هتقعد لوحدها ووقتها هينشغل وهتبقى وسطنا. يعني عشّة عصافير بحجر واحد.
أعجبت سناء بالفكرة:
_ بجد يا ريت. بس هي هتوافق؟ دا أنا عرضت عليها مبلغ عشان ساعدتنا يعني مرضتش خالص.
_ سيبي إقناعها دا عليا. مش هسيبها غير لما تقتنع وتوافق.
استيقظت مريم باكرًا وقبل ذهابها إلى الجامعة ذهبت إلى ملك في منزلها. رنت الجرس وفتحت ملك الباب.
_ صباح الجمال يا ملوكة.
ابتسمت ملك:
_ صباح الفل يا ميما. تعالي، حماتك بتحبك. لسه بحط الفطار، يلا نفطر مع بعض.
دخلت مريم وقالت بمزاح:
_ رغم إني نقنقت لما صحيت، بس ميضرش آكل تاني معاكي. يلا.
جلسا حول مائدة الطعام وقالت مريم:
_ أوعي تقولي لزين إني فطرت.
_ ليه؟
_ هيتريق ويقولي "زلومتك" ومعرفش إيه وهو ما هيصدق.
ضحكت ملك:
_ إنتوا فظاع.
_ هو فظيع، لكن أنا ميما.
ضحكت ملك. تحدثت مريم:
_ صور وفيديوهات عيد الميلاد جميلة أوي يا ملوكة، ما شاء الله عليكي بروفيشنال.
_ مش أوي كدا، أنا بس حاولت أجتهد.
_ لا دا إنتي كدا خليتيني لما أتزنق إنتي موجودة تسدي وأكتر كمان.
_ أي وقت أنا موجودة.
_ لا إحنا عاوزينك طول الوقت معانا. إيه رأيك؟
نظرت إليها بدهشة:
_ يعني إيه مش فاهمة.
_ يعني يا ملوكة، إحنا بنعرض عليكي تنضمي لتيم العمل في المطعم بـ ساعات عمل ثابتة ومرتب للي عاوزاه، متقلقيش. إيه رأيك؟
تفاجأت ملك:
_ اشتغل في المطعم؟
_ أيوه، فيها إيه. أولًا هتخرجي من البيت بدل الحبسة دي. ثانيًا شكلك وإنتي في الحفلة امبارح زي الغرقان اللي قفش طوق نجاة. الشغل هيلهيكي يا ملك وإنتي عارفة هيلهيكي عن إيه؟ عن حالة الحزن اللي إنتي فيها. ثالثًا بقى والأهم هتكوني معانا ووسطنا، وكلها شهر وأخلص وهبقى معاكي. ها قولتي إيه؟ موافقة صح؟ موافقة؟
لم ترد ملك فورًا، لكنها نظرت إلى مريم بدهشة خفيفة، وكأنها لم تتوقع هذا التقدير منهم لها. وبين التردد والتفكير بدت على وجهها لمحة من الامتنان وشعور خفي بالموافقة. كانت لحظة ولكنها كانت كطوق نجاة انتشلها من فراغ الحزن المحيط بها.
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بالموافقة.
خرجت مريم سعيدة من منزل ملك وكان زين ينتظرها أمام البناية:
_ مش محتاجة أسألك، عملتي إيه؟ وافقت صح؟
بنبرة ثقة:
_ طبعًا يا حبيبي، أنا ميما. لما بحط حاجة في دماغي إنها تتعمل هتتعمل.
_ إنتي هتقوليلي ع دماغك دي سم.
_ تحب تجرب؟
_ لا لا، داخلين ع امتحانات. خلينا نختم السنة وإحنا سلام.
_ ليا في ذمتك آيس كريم وإحنا راجعين هتجيبلي.
_ كدا كدا كنت هجيب. يلا يلا.
في اليوم التالي ذهبت ملك للمطعم كموظفة تعمل في المطعم رسميًا. دخلت بخطوات مترددة بعض الشئ، لكن استقبال سناء وسوسن ومحمود وكرم الحار خفف عنها التوتر. جلسا معها وعرفوها على المهام والمطلوب منها، وكان واضحًا أنهما يقدران وجودها معهم.
مع اقتراب امتحانات آخر العام. مريم في الجامعة تجلس في مقعدها بجانب زملائها والهدوء يخيم على المكان مع بداية محاضرة إيهاب مختار. وقف في المنتصف وقال:
_ امتحانات آخر السنة النهائية بعد أسبوع، وعشان ميبقاش الضغط عليكم، اتكلمت مع المعيد وحددت الخميس اللي جاي يكون امتحان المادة بتاعتي. وبعد الامتحانات هحدد يوم هستلم اللوحات وتاني يوم هعلن عن نتيجة المسابقة عشان تبدأوا اجازتكم من غير توتر. في مشكلة؟
اتفق الجميع وتهمسوا، ولكن زميلة مريم همست لها:
_ الحقي يا مريم، بيقولك الخميس. مش الخميس دا رايحين دار الأيتام؟
_ أيوه صح. دا أنا مظبطة كل حاجة والكل مظبط دنيا على الخميس ومش هعرف أجل.
_ روحي اتكلمي معاه إنتي هتقدري تخليه يخليه يوم السبت.
_ بيقولك اتفق مع معيد الكلية خلاص.
_ اسمعي الكلام يا ميما، واهي محاولة.
_ طيب طيب.
أنهوا المحاضرة وذهب إيهاب إلى مكتبه ولحقت به مريم. طرقت على الباب بخفة وأخبرها بالدخول. حين رآها ابتسم إيهاب:
_ تعالي يا مريم، اتفضلي.
_ أنا آسف لو أزعجتك، بس كنت محتاجة أستأذنك في حاجة.
_ مفيش إزعاج، إنتي تيجي في أي وقت.
_ شكرًا.
_ كنت محتاجاني في إيه؟ مفيش وسطات في المسابقة، بعرفك أهو.
ضحكت مريم:
_ لا مش كدا، أنا عارفة إنها مسابقة نزيهة والشاطر والمجتهد هو اللي هيكسب.
_ تمام. إيه الخدمة؟
_ كنت عايزة حضرتك لو أمكن تغير يوم الامتحان. ممكن الأربع أو السبت، لكن بلاش الخميس.
قالتها وملامحها ونبرة صوتها خليط من التوتر والقلق والاحراج. قال لها:
_ ليه؟ يعني إيه السبب؟
_ يوم الخميس أنا و6 من زمايلي مش هنكون موجودين في الكلية أصلًا.
ابتسم:
_ طالعين رحلة ولا إيه؟
ابتسمت:
_ يعني حاجة كدا. هنروح مكان كنا بنجهزله بقالنا كتير والكل رتب مواعيده على الخميس حتى المكان.
_ ممكن أعرف مكان إيه؟ يمكن أحب أجي معاكم ويتأجل الامتحان؟
للحظة فكرت مريم في كلماته، وجدت بالفعل عدم تواجده سبب قوي لتأجيل الامتحان. قالت بحماس:
_ رايحين دار أيتام، هنقضي اليوم كله هناك مع الأطفال.
تفاجأ إيهاب وابتسم:
_ دار أيتام؟
_ أيوه. كل كام شهر كدا بنجمع مع بعض فلوس ونجيب هدايا ولبس وحلويات للأطفال ونروح ليهم. المكان المساعدات اللي بتجيله قليلة أوي، فبنحاول ع قد ما نقدر نساعد. وبما إن السنة خلصت، فتجميعتنا دي هتكون آخر تجميعه، يعني بعد كدا كل واحد هيروح لوحده ع حسب ظروفه.
_ فكرة جميلة. ينفع أكون معاكم.
ابتسمت مريم:
_ بجد عايز تكون معانا.
_ أيوه. اديني رقم حساب وأحولك مبلغ يقدر يسد معاكم.
_ كمان هتتبرع معانا.
_ أكيد، هما محتاجين، ودا رزقهم ولا إيه؟
ابتسمت مريم:
_ صح. ممكن ورقة وقلم، هكتبلك حساب بابا لأن أنا معنديش.
_ تمام.
بالفعل دونت مريم حساب كرم وقالت:
_ أفهم من كدا إن امتحان الخميس اتأجل ولا بقى الأربع؟
_ لا اتأجل السبت أو الأحد، هعرفكم إن شاء الله. بس مقولتيش المكان فين؟
_ آه صح، من توتري نسيت. هكتبه في ورقة، عمومًا إحنا هنتجمع قدام الدار.
_ تمام، وأنا هحاول أكون معاكم.
وقفت مريم وبابتسامتها التي تشع سعادة:
_ شكرًا جدًا لكل حاجة، لتأجيلك الامتحان ولإنك هتكون معانا.
_ أنا اللي بشكرك إنك بتخليني أجرب حاجات مكانتش في بالي.
_ أوعدك هتنسط معانا وترجع إيطاليا بذكرى جميلة معانا.
نظر إليها مبتسمًا:
_ أنا متأكد لكدا.
استأذنت مريم وظلت عيناه عليها حتى مغادرتها وعاد النظر إلى الورقة أمامه وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه إيهاب.
في إحدى الشوارع الممتلئة بالمحلات كان زين ومريم يتنقلان بين المحال يحملان أكياسًا ماونة ممتلئة بالهدايا والألعاب والحلويات للأطفال. كلما كانت مريم تشتري شيئًا كانت تتخيل وجوه الصغيرة وهي تفرح بها. بعد أن أنهكهما التجول دخلا إلى مطعم صغير، جلسا إلى طاولة قريبة من النافذة ووضعا الأكياس بجانبهما وتنفسًا بعمق كأنهما يلتقطان أنفاسهما أخيرًا بعد يوم طويل وشاق. جلسا وتبادلا النظرات وضحكا.
تحدث زين:
_ أتمنى الورث يكون خلص فلوسه ومنعديش ع محلات تاني.
ضحكت مريم:
_ لا دي كانت آخر فلوس معايا خلاص شطبت.
_ أنا راكنه مبلغ هديه لمديرة الدار كتبرع يعني.
_ كمان. إنتي مجمعة المبلغ دا تحت التهديد. قولتي لهم لو مدفعتوش فلوس كتير هخبطكم بزلومتي.
ضحك زين ودفع على وجهه مناديل أمامهم:
_ إيه يا واد العسل دا.
_ دا أقل حاجة عندي. بس بجد المرادي ما شاء الله جمعتي مبلغ كبير بجد.
_ بصراحة كدا عايزة أقولك حاجة بس من غير انفعال، ماشي.
_ إنتي سرقتيهم ولا إيه. من ورايا طيب بالنص.
_ يا عم رزق المكان، إحنا سبب.
_ صح يا شق، إحنا سبب. كنت عايز أقولك حاجة كدا.
_ إنتي مستنية الإذن. قول ع طول.
_ إيهاب مختار.
_ ماله؟
_ غير مريح. مش مرتاح له كدا، حاسة مش سالك.
_ ليه بتقول كدا. شوفت إيه منه. إنتي أصلاً متعاملتش معاه.
تذكر زين رؤيتهم في المعرض وقال:
_ يعني الكلية وقولنا المعرض كان جوه الكلية فطبيعي يكون موجود لأنه ساعدكم، لكن الدار إيه علاقته عشان يبرشط؟ ولا مرة دكتور ولا حتى معيد فكر يجي معاكم. 4 سنين وإنتوا اللي قايمين بالحوار لوحدكم، إيه لازمتها برشطته بقى.
_ ما هو أنا حكيتلك وقولتلك كانت فرصة عشان نأجل الامتحان. طول ما هو مش موجود الامتحان يتأجل عادي لأن نص اللي معانا رافضين التأجيل، فلو هو نفسه مش موجود خلاص. وبعدين هو اللي قال عاوز يجي، أنا مقولتش تعالى.
_ عشان تأجلي امتحان تخنقيني أنا صح.
حدقت به بتعجب:
_ بجد أنا مش فاهمة إنت ليه مش بتحبه ولا طايقه. هل هو عملك حاجة ولا حاجة؟ بالعكس لما قابلك قابلك باحترام وذوق رغم دبشك معاه. (عادت تستكمل طعامها) إنت غريب أوي يا زين.
نظر إليها بغضب وقال:
_ اهو أنا كدا خلقة ربنا، في أشخاص أقبلهم وأشخاص لا.
_ دا إنت من قبل ما تشوفه ومش طايقه. اتعامل معاه هتلاقيه كويس والله.
نظر إليها بتعجب:
_ ما شاء الله. ودا عن تجربة بقى.
_ أيوه عن تجربة. تعامل مع شخص محترم كنت أتمنى أقابله وقابلته. وفعلاً زي ما تخيلت عنه، معاملته خفيفة وذوق ومتفاهم ولطيف مع الكل، سواء اتعامل حلو أو وحش.
_ قصدك أنا الوحش ده صح؟
_ أنا بفهمك اللي شوفته منه.
_ لكن أنا مش مرتاح له. بقولك.
تركت الطعام ونظرت إليه وتحدثت بهدوء:
_ بص إنت حر يا زين. إنت بتعرف بنات وتخرج معاهم، في منهم مبترتاحش ليهم. هل غصبتك تعاملهم وحش؟ هل فردت عليك رأي؟ هل قولتلك ابعد عنهم؟ مبقتش أدخل احترام لاختيارك. شوية مساحة، شوية خصوصية، المساحة اللي بنكون أحرار فيها. إنت ناسي ولا إيه؟
تحدث بنبرة حادة:
_ لا مش ناسي يا مريم. ومش ناسي إني أخاف عليكي ولو حسيت بخطر يقرب منك أحذرك وأمنعه يقرب.
_ خطر؟ خطر إيه اللي بيقرب؟ وهل أنا عامية يعني هرمي نفسي في خطر؟ وبعدين إنت مكبر الحكاية ليه؟ 10 أيام وعلاقته بينا تنتهي وعلاقتي بالجامعة تنتهي وهو هيرجع إيطاليا تاني. ع فكرة إنت بتقول أي كلام.
_ أي كلام. ماشي ماشي. بس ع العموم أنا مش مرتاح له وهحاول أضغط ع نفسي الـ 10 أيام دول لغاية ما يعدوا.
_ إنت هتيجي بكرة وهتشوفه والله هتحبه.
قال بنبرة حادة:
_ مش هحبه أنا، هو غضب.
_ خلاص خلاص. يلا عشان نرجع البيت.
_ مكملتيش أكلك ليه؟
_ شبعت. مش قادرة. أنا عايزة أرمي نفسي ع السرير. اليوم بكرة طويل.
في الصباح تحرك زين مع مريم وأصدقائها إلى دار الأيتام. كانوا يحملون حقائب الهدايا الملونة الممتلئة بالألعاب والحلويات. كان الأطفال يقفون خلف الأبواب وخلف النوافذ ينتظرونهم وأصواتهم تتعالى بضحكات متحمسة حين لمحوهم قادمين. تحركت المجموعة في الداخل بحماس ورحبوا بالأطفال ووزعوا الهدايا والألعاب. كانت مريم منغرقة مع الأطفال وكان زين يلتف حوله ينظر في الوجوه ويجوب بعينيه الزوايا بحثًا عن إيهاب. لم يظهر له أثر وارتسمت ابتسامة مريحة على وجهه. اقترب إلى مريم وقال هامسًا:
_ إيهاب توفيق اداكم بمبة محترمة. ملوش في الحاجات دي، مكنش له لازمة بقى نهدر بنزين معاه إنه يجي.
قالت بضيق:
_ إنت مصمم إني قولت، هو اللي قال وبعدين قال لو هيقدر يجي هيجي، هو حر.
_ مالك مضايقة ليه كدا؟ عشان مجاش ولا إيه؟
نظرت إليه بضيق:
_ زين، ركز كدا وشوف إحنا فين وجايين ليه وبطل هبل ممكن.
_ حاضر، هبطل هبل.
بدأ الجميع يلتفون حول الأطفال في ساحة دار الأيتام وتدفق الضحك والفرح في الأجواء. زين ومريم مع أصدقائها يشاركون الأطفال الألعاب بمرح وحيوية. يركضون خلفهم أو يساعدونهم في رسم أشكال ملونة على الورق، وأصوات الضحك تملأ المكان وتدور وتتنقل بين الزوايا. كانت مريم تساعد أحد الأطفال في ترتيب القطع الصغيرة للعبته تركيب، فقام زين بهدمها وركض، فركضت مريم خلفه وسط هتاف الأطفال لإمساكه به ومعاقبته بوضع الفوم على وجهه على فعلته. لحظات من البهجة المشتركة كان الجميع يعيشون فيها بلا تفرقة، وكأنهم في عالم خاص بعيد عن مشاغل الحياة والروتين القاتل. زين ومريم رغم انشغالهما مع الأطفال كانت نظراتهما تتلاقى بين الحين والآخر تحمل معاني من الفرح والراحة، وكأن هذه اللحظات تضاف إلى لحظاتهما سويًا التي جمعت بينهما في عالم صغير مليء بالألوان والضحكات.
رن هاتف زين وكان والده أغلق معه واقترب إلى مريم:
_ بقولك إيه يلا إحنا وسيبي أصحابك براحتهم.
_ ليه؟ لسه بدري، إحنا اتفقنا هقضي اليوم كله هنا معاهم وإنت كمان.
_ محمود عاوزني أوديه لمكان وإنتي عارفة العربية معايا.
_ خلاص روح وصله لو خلصت بدري تعالي تاني ونروح مع بعض.
_ ولو معرفتش أرجع؟
_ هبات هنا. في إيه يا زين. هتصرف وأرجع البيت، هطلب عربية، هركب مواصلات، هتصرف يعني.
_ طيب أنا هحاول أرجع تاني.
_ أوكيه.
بعد مغادرة زين بنصف ساعة دخل إيهاب إلى دار الأيتام. كان دخوله هادئ لكن سرعان ما جذب انتباه الجميع. اقترب إلى الباب حيث تجمع الطلاب حوله يحيونه بفرح، وفي تلك اللحظة لمحت مريم بتواجده. وقفت تنظر إليه من بعيد وابتسمت ابتسامة خفيفة ونظر إيهاب إليها وبادلها الابتسامة. كانت مريم تشعر بالراحة لرؤية إيهاب ومشاركته معهم وسط الأجواء المليئة بالضحك والحيوية.
بعد مرور ساعة من تواجد إيهاب جلس بالخارج في الحديقة واقتربت إليه مريم وتحمل قهوة:
_ اتفضل القهوة.
_ تعبتك معايا.
_ لا أبدًا، إحنا اللي تعبناك معانا الأطفال واللعب معاهم مجهود.
_ بس إحساس حلو، حقيقي استمتعت.
_ أنا قولت إنك مش هتيجي لما جينا وملقناكش.
_ في ضيف جالي والكلام طول بينا، وأول ما نزل جيت وكنت قلقان تكونوا مشيتوا، بس اللي طمني إنك قولتي هتقعدوا اليوم كامل لبليل.
_ كويس إنك لحقتنا، وأهو ذكريات حلوة عملتها معانا ومع الأطفال.
_ بصراحة ذكريات مش هتتمسح أبدًا. يمكن لأني حاسس بيهم، فمتأكد إن اللحظات دي هتفرق معاهم أوي.
_ هو حضرتك مامتك وبابا؟
ابتسم نصف ابتسامة:
_ متوفين.
_ أنا آسف، مكنتش أعرف.
_ لا ولا يهمك. أنا طفل اتربى في بيت جده اللي ربتني عمتي، وبعد كدا اتنقلت إسكندرية عند عمي. كنت بدرس وبشتغل لغاية ما خلصت الجامعة وسافرت الأول فرنسا وألمانيا واستقريت في إيطاليا.
_ دا إنت كنت رحال طول عمرك بقى.
_ فعلًا. مفتقد الاستقرار زي ما بيقولوا. عشان كدا قررت أصنع استقراري بنفسي.
_ عن طريق لوحاتك.
ابتسم:
_ صح. عن طريق لوحاتي. الرسم أداة تعبر عن الشعور والمشاعر. اللوحة البيضا مجال لفضفضة داخلية. فرغت كل حاجة جوايا عشان أقدر أكمل صح، والحمد لله ربنا وفقني في خطواتي ودرستلك في الكلية.
_ حقيقي أحسن الحاجات اللي حصلت السنادي لينا.
_ بس قوليلي هو إنتوا محددين أيام معينة إنكم تيجوا هنا؟
_ لا خالص. مرة كل شهر ولو قدرنا قبل كدا بنعمل.
_ بجد فكرة جميلة. عارفة أنا غير متفق مع تحديد أيام بمسميات معينة.
_ تقصد عيد اليتيم يعني؟
_ أيوه منهم عيد اليتيم. يعني إيه يوم يتيم؟ يوم بنفكر إنه يتيم وباقي السنة بنكبر دماغنا. لا، هو مسئول مننا طول السنة باللي نقدر عليه. مش شرط نجيب حاجات كتير ليهم، المهم إنهم يحسوا إنهم مش لوحدهم زي إنهاردة كدا. هو محتاج رفقة تحسسه إنه موجود.
ابتسمت مريم وهو تستمع لإيهاب وقالت:
_ ع كدا إنت ضد المناسبات؟
ضحك إيهاب:
_ بصراحة أيوه. يعني عيد الحب وعيد الأم وعيد الطفولة. مسميات فيها الألم أكتر من فرحة.
_ ليه بتقول كدا؟ بالعكس بيبقى مليان بهجة إن في اليوم دا سواء أم أو حبيبة أو طفل بيكون مميز اليوم دا.
_ معنديش مشاكل إنه نحسس شخص معين بالتميز. لكن نحسسه بالتميز السنة كلها. طول الوقت مش يوم محدد. هو محتاج الاهتمام والحب طول الوقت لما يكون غير متوقع، لكن المناسبات المحددة زي عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الميلاد هي دي اللي ليها تاريخها ويومها بس. كدا أي مناسبات وأعياد تانية مبهمتش بيهم.
ضحكت مريم ونظر إليها إيهاب متعجب:
_ أكيد بتقولي شخص غير طبيعي صح؟
_ لا خالص. أصل أنا كمان بفكر كدا واللي حواليا بيستغربوا.
ابتسم إيهاب وقال:
_ التعبير عن الحب اتجاه شخص في حياتنا مهما كانت صفته ملوش لا تاريخ ولا توقيت محدد. يعني مثلًا شخص وحشك أقوله إنك وحشتني. بحبه أروح أقوله بحبك. نخلق إحنا المناسبة، مستناش المناسبة تيجي لعندنا.
ابتسمت مريم:
_ صح.
خرجت زميلتها واقترب إليهم:
_ يلا يا ميما.
_ يلا.
وقف إيهاب:
_ هتمشوا دلوقتي؟
_ أيوه الليل دخل.
_ هترجعوا إزاي؟
_ عادي هنتصرف. عن إذنك.
أوقفهم إيهاب:
_ المكان فيه هدوء موحش أوي. ولغاية ما تطلعوا ع الشارع بعيد، وأنا كدا كدا ماشي أنا كمان. تسمحولي أوصلكم؟ أنا عربيتي برا.
تبادلت مريم وزميلتها النظرات وأرادت مريم أن تعتذر، ولكن زميلتها قالت بحماس:
_ بجد؟ شكرًا لك أوي. أنا هدخل أقول للبنات يجهزوا.
وقفت مريم وابتسمت واتجهت للداخل لإحضار حقيبتها. تحركا بسيارة إيهاب وبدأ إنزال كل فتاة عند منزلها وظلت مريم كانت الشخص الأخير. كانت تغادر مع زميلتها وقال إيهاب:
_ إنتي ساكنة هنا؟
_ لا بس بيتي قريب يعني هتمشاها.
_ إزاي أسيبك تمشي لوحدك. هوصلك زي ما وصلتهم.
أحرجت مريم وصعدت السيارة بجوار إيهاب. رغم توتر مريم، لكن الأجواء كانت هادئة ومريحة. كان إيهاب يغمره شعور غريب من الراحة والاطمئنان لوجود مريم معه. كانت ملامحه تحمل ابتسامة خفيفة، فأنجذب إلى شخصيتها المميزة التي أظهرت بساطة وحضورًا في الوقت نفسه. ساد الصمت للحظات وشغل إيهاب المسجل ليكسر الصمت المحيط وملأ الأجواء بأغاني فيروز. ابتسمت مريم وقالت:
_ إنت بتسمع لفيروز.
_ أيوه. وإنتي؟
_ في المرسم دايما بشغلها وأنا برسم، بتفصلني عن الواقع.
_ عندك مرسم؟ دا إنتي فنانة كبيرة وأنا معرفش.
ضحكت مريم:
_ مش مرسم أوي. دي أوضة ع السطح عملتها مكان أرسم فيه براحتي ببهدلتي وألواني كدا يعني.
_ جميل جدًا. أنا أول ما بدأت أرسم مكنش ينفع في البيت، كنت بطلع السطح أنا كمان برسم.
_ في أوضة ع السطح.
ضحك إيهاب:
_ لا السطح نفسه مكنش في أوض، بس كان واسع ومريح، فكنت بقعد فيه أغلب الوقت.
_ بصراحة لولا زين وتشجيعه من البداية خالص مكنش هيبقى في مرسم ولا سطح.
_ واضح إن زين دوره كبير في خطوات كتير في حياتك.
ابتسمت مريم وقالت:
_ زين معايا في كل خطوة. عارف زمان وإحنا أطفال رفض يروح المدرسة عشان أنا مكنتش بروح. وفعلاً قعد سنة والسنة اللي بعدها دخلنا سوا ومن وقتها إحنا مع بعض بندعم بعض ونساند بعض في قرارتنا واختياراتنا.
_ جميل تحسي إنك مش لوحدك وفيه شخص بيساندك.
_ جدًا. زين وماما وبابا وزين ومامته وكريم عمه، كلهم كانوا بيساندوني. إنت كمان عندك ناس كانت بتساندك؟
_ يعني.
_ إخواتك؟
_ معنديش إخوات. والدي ووالدتي اتوفوا وأنا كان عمري سنتين.
_ بكرر أسفي.
_ لا ولا يهمك.
_ اللي كانوا بيساندوك أصحابك ولا حبيبتك؟
_ حبيبتي مين؟
_ في مرة أعلنت خطوبتك ع الفتاة اللي حبيتها في إيطاليا.
_ كانت خطوبة سريعة ومطولتش.
_ رغم إنكم كان باين إنكم بتحبوا بعض.
_ إحنا كمان كنا فاكرين إننا بنحب بعض الحب اللي بين أي اتنين، لكن متفقناش كأحباب واتفقنا نستمر كأصدقاء.
_ هو سهل يحصل كدا بعد الأحباب تكونوا أصدقاء؟
_ لو مكنش حب في الأول بيبقى الموضوع سهل، لكن لو في حب بيبقى صعب. وعمومًا بيرجع لشخص نفسه وقراره هو اللي بيختار حياته هتبقى إزاي باختياره. بس منكرش إن تجربتي دي وضحت لي حاجات مكانتش هعرفها وساعدتني أخرج مشاعر في لوحاتي وأصبحت مميزة.
اقتربت مريم من المنزل وطلبت إيهاب أن يوقف السيارة.
_ شكرًا ع التوصيلة.
_ يو ويلكم. صدعت برغي صح؟
_ لا أبدًا، أنا اللي صدعتك بأسئلتي ورغي.
_ لا بالعكس. إحنا أصحاب فطبيعي نتكلم ونسمع بعض، صح؟
ابتسمت مريم:
_ صح.
_ شدي حيلك في الامتحانات والمسابقة.
_ أكيد. عن إذنك.
غادرت السيارة وشكرت إيهاب وغادر المكان ودخلت مريم إلى المنزل.
في تلك الأثناء كان زين يقترب من المنزل ولمح مغادرتها السيارة ورأى إيهاب مختار. تبدلت ملامحه لغضب وسريعًا دخل البناية وتوجه إلى السطح وأرسل لها رسالة بأن تلحق به إلى السطح.
وصلت مريم إلى السطح وكان زين ينتظرها ويحاول أن يتمالك غضبه. اقترب إليه:
_ مالك في حاجة ولا إيه؟
تحرك زين اتجاهها رغم محاولته أن يهدأ، لكن ملامح الغضب لم تختف تمامًا:
_ مين اللي نزلتِ من عربيته؟
تبدلت ملامح مريم وتوترت وحاولت أن تتمالك:
_ دا.. دا..
_ إيهاب مختار.. صح؟ ممكن تقولي لي بيوصلك ليه إيهاب مختار؟
_ مكنش بيوصلني لوحدي. وصلني أنا والبنات. هو أصر والبنات وافقت. وإن مشيت لوحدي هتفهم غلط وكنت هحرج بصراحة.
قال بنبرة غضب:
_ تتفهمي غلط لو مشيتي. لكن كدا اللي هيشوفك نازلة من عربيته هيفهمك صح.
لاحظت نبرته الغاضبة وطريقته اللاذعة:
_ إيه اللي بتقوله دا يا زين. ركز في كلامك.
_ إنتي ركزي في أفعالك. يقرب لك إيه إيهاب مختار عشان تركبي معاه عربية لوحدك.
بانفعال:
_ قولتلك مكنتش لوحدي. تاخد تسأل البنات.
_ أنا مش هسأل حد. أنا ليا اللي شوفته بعنيا من شوية.
_ زين.
_ مريم. آخر مرة أشوفك معاه في العربية لوحدك. صدقيني المرة الجاية هو والعربية هيبقوا حتة واحدة.
قال كلماته بغضب وتركها مكانها وغادر.
نزل زين إلى منزله بخطوات سريعة غاضبة، دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بعصبية ثم ألقى هاتفه على السرير وجلس هو على طرف السرير، يمرر يده في شعره بعنف وملامحه مشدودة بالغضب والضيق. كان يحدق في الأرض بعينين مضطربتين كأن الكلمات ما زالت عالقة في ذهنه. تتكرر وتزيد اشتعاله الداخلي.
في المنزل المقابل كانت مريم جالسة أمام المرأة عيناها شاردة شعور الضيق والحزن يسيطر عليها عما حدث منذ قليل. حملت هاتفها وترددت قليلًا ثم بدأت تكتب رسالة بعد لحظات من التردد ضغطت على زر الإرسال. نظرت إلى الشاشة تنتظر الرد. وما زالت هناك تلك العلامة التي تدل أن الرسالة لم تفتح. ظلت تحدق في الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن تخفض الهاتف ببطء وتتنهد بينما شعور الثقل يتراكم في صدرها.
في الصباح استيقظت مريم وأول شيء تفعله مدت يدها مباشرة نحو الهاتف الموضوع بجانبها فتحته بسرعة. نظرت لحظات وتبدلت ملامح وجهها بخيبة أمل. ما زالت الرسالة كما هي لم تفتح. نهضت ببطء وبدأت تستعد للخروج تردي ملابسها بصمت وحركة بطيئة كأن شيئًا يثقل يومها من بدايته. خرجت من غرفتها بخطى هادئة.
في اللحظة نفسها التي فتحت الباب فتح باب الشقة المقابلة وخرج زين وملامح وجهه صلبة. تلاقت عيونهما لثوانٍ ولكنه تحدث إليها بنبرة رسمية:
_ صباح الخير.
أجابته:
_ صباح الخير.
_ يلا ننزل.
كانت طريقته رسمية وقصيرة خالية من الدفء والمزاح المعتاد:
_ يلا ننزل.
سارًا معًا في طريقهما نحو الجامعة، لكن الصمت كان سيد الموقف لا كلمات ولا مزاح كالعادة. كان زين ينظر إلى هاتفه في صمت ومريم تنظر إلى النافذة. كانت العيون تتجنب اللقاء الوجوه تحمل شيئًا من البرود الغريب. وصلوا إلى الجامعة وقبل أن يتفرقا تحدثت مريم:
_ استناك نروح مع بعض.
التفت إليها وقال:
_ لا ارجعي إنتي لوحدك لأني عندي ميعاد بعد الكلية.
_ طيب أنا هكون في المرسم بالليل لو حابب تيجي تشوف اللوحة بتاعة المسابقة وصلت لإيه.
_ لو رجعت بدري هطلع.
التفت وغادر زين دون كلمة وداع، فقط صمت ثقيل يرافق كل منهما.
منذ استلام ملك عملها في المطعم مع مرور الوقت بدأت تندمج أكثر، حفظت أماكن الأشياء ونقنت تفاصيل الطلبات وتتعامل مع الزبائن بلطف هادئ ميزها عن غيرها. كانت سريعة الملاحظة تتصرف دون أن تطلب منها الأمور، وكأن المكان أصبح مألوفًا لها.
رغم أن التوقيت باكرًا، ولكن منذ تواجد ملك أصبح المكان مزدحم صباحًا. كانت ملك تقف خلف طاولة التقديم في المطعم منشغلة بتنظيم الطلبات ومتابعة الزبائن بابتسامة خفيفة على وجهها. المكان يعج بالحركة وأصوات الضحك والأحاديث تتداخل مع رنين الأطباق.
في لحظة هادئة دخل كريم من باب المطعم بخطى واثقة. لمح ملك من بعيد جالسة أمام اللابتوب واتجه نحوها مباشرة وعيناه مركزتان عليها وسط الزحام.
_ صباح الخير.
التفتت ملك لمصدر الصوت:
_ صباح الخير.
_ ممكن أقعد.
_ اتفضل طبعًا.
جلس كريم وألقى بنظرة على المطعم:
_ ما شاء الله. المكان مليان ناس. من وقت ما جيتي والخير جيه معاكي.
_ شكرًا ع المجاملة.
_ لا مش كلامي لوحدي. كلامنا كلنا. كلنا ملاحظين الفرق اللي عملتيه لما جيتي، غيرتي أصناف الأكل وضفتي حاجات جديدة مشروبات وحلويات واهتميتي بوجبة الإفطار زي ما أنا شايف بقى المكان مشهور بأفضل وجبة فطار بسعر مناسب للجميع.
_ كان مجرد اقتراح واتوافق عليه والحمد لله النتيجة كويسة.
_ الحمد لله.
صمتت وعادت تنظر إلى اللابتوب. قال كريم:
_ تحبي أساعدك في حاجة؟ أنا عرفت إنك لوحدك وقولت أجاي أساعدك يعني.
_ لا شكرًا. زي ما أنت شايف الدنيا تمام.
_ تمام. تحبي أمشي؟
نظرت إليه:
_ اعمل اللي يريحك يا كريم. أنا لا هقولك امشي ولا هطلب منك تقعد. المكان مكانك، أنا بشتغل فيه يعني اللي أقدر أتحكم فيه هو شغلي وبس.
تعجب كريم من ملامحها ونبرتها الحادة:
_ ممكن نتكلم؟ ممكن تسمعيني يا ملك؟
_ في المكان لك تعليق ع حاجة اتفضل هسمعك أكيد.
_ لا عاوز أتكلم عني. عنا.
_ مفيش حاجة نتكلم فيها عنا يا كريم. إحنا جيران وبينا كل خير.
_ ملك إحنا كنا أكتر من جيران.
رجعت بظهرها للخلف وأغلقت اللابتوب ونظرت إليه لثوانٍ:
_ كنا. كنا يا كريم.
_ أنا محتاج بس فرصة تسمعيني ممكن.
رغم رفضها لاستماع إليه، ولكنها لاحظت محاولاته المستمرة فقالت:
_ اتفضل.
_ أنا عاوز أقولك أنا آسف. آسف ع اللي عملته بجهلي زمان، أسف إني مكنتش قد وعدي وسيبتك، أسف إني خضت تجربة مكنش لازم أخوضها من الأساس. ملك، أنا كنت مندفع وحب التجربة لكل حاجة هو اللي حفزني أعمل حاجات كتير مكنش ينفع أعملها. أنا عارف إن كلها مبررات متستحقش، بس أنا مكنتش فاهم بجد مكنتش فاهم وحسيت بالخسارة الكبيرة لما خسرتك وقتها.
ظلت ملك تستمع إليه في صمت واستكمل حديثه:
_ أنا ندمان وبطلب بس فرصة فرصة تانية وأنا هعمل كل حاجة تعوضك ع كل لحظة اتوجعتي فيها بسببي.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ وجهها خالٍ من التوتر ونظراتها ساكنة، لا تأثر ولا غضب، فقط سكون يشبه النضج الذي يأتي بعد خيبة. كانت تتركه يتكلم دون مقاطعة بينما أصابعها تلامس حافة الكوب أمامها بهدوء وعيناها لا تبتعدان عن وجهه. كأنها شخص خارج القصة التي يرويها تتفرج عليها من الخارج دون أن تشعر بثقلها كما كانت تفعل سابقًا.
بعد لحظات من الصمت تنهدت ملك تنهيدة خفيفة وعيناها تحركتا للحظة بعيدًا ثم عادت تنظر إلى كريم بثبات. تغيرت ملامحها قليلًا، لم تكن حادة أو منكسرة، بل هادئة لم يشاهدها كريم من قبل. وقالت:
_ يعني إنت عاوزنا نرجع زي زمان؟
تحمس كريم وقال:
_ أيوه. فرصة واحدة وصدقيني هتشوفي كريم تاني.
_ اممم. موافقة لكن بشرط؟
_ اللي هتطلبيه هيحصل مهما كان.
حدقت به لثوانٍ وقالت:
_ رجعلي أمي. تقدر.
صدم كريم من كلماتها واستكملت ملك:
_ رجعلي سنين عمري اللي عدت اللي عشتها في وحدة والألم ووجع لوحدي. رجعلي قلبي اللي إنت اتعاملت معاه باستهتار وهو كان بيعتبرك كل حاجة في حياته. رجعلي ليالي اللي كنت بنام دموعي سابقة نومي وخليني أنام من غيرها. رجعلي ملك القديمة اللي الحياة مرحمتهاش ولا صعبت عليها لأنها لوحدها والشخص الوحيد بعد أبوها اللي اتأملت فيه ينقذها خذلها وراح يتجوز عشان كان عاوز ياخد الجنسية وفجأة بدون علم ولا خبر. هتقدر؟
صمت كريم من صدمة كلماتها. وكانت نبرة صوتها ثابتة، كانت الكلمات تخرج بهدوء كأنها تختار كل حرف بعناية. لا هدفها العتاب، ولكن لغلق صفحة قديمة. وبين كل جملة وأخرى كانت نظرتها تقول ما لم يقل وتعبر أكثر من أي كلام. بينما هي كانت تتحدث كان كريم يحدق فيها بذهول وكأن كلماته توقفت عند منتصف صدره لم يتوقع رد فعلها هكذا.
أنهت ملك كلماتها بهدوء ثم وقفت بثبات مكانها. التقطت اللابتوب بخفة وقالت:
_ أعتقد إنك مش هتقدر. فبالتالي رجوع زي زمان مش هيحصل. إنت كريم تاني وأنا ملك تانية غير كريم وملك بتوع زمان. ف الطلب والفرصة مش موجودين وكدا الموضوع اتقفل نهائي واتمنى ميتفتحش تاني لأن الرد هيكون نفسه، مش هيتغير.
تحركت خطوتين وعادت إليه وقالت:
_ آه. لو تفكر أو فكرة مرت ع بالك إن ظروفي الحالية أفضل ظروف أوافق نرجع وكدا لأني لوحدي هقولك إنت غلطان. الإنسان اللي عايش عمره كله لوحده مش هيفرق معاه دلواقتي لوحده ولا لا. عن إذنك عندي شغل والمكان مكانك طبعًا.
استدارت تغادر المكان بخطوات هادئة متجهة إلى داخل المكتب. لم تلتف خلفها وكأنها كانت تعرف تمامًا أن ما قيل كان كافيًا. ظل كريم جالسًا في مكانه للحظات يحدق في الكرسي الفارغ أمامه وعيناه تائهتان. بعد ثوانٍ تنهد بعمق ثم وقف مكانه نظر من حوله ثم اتجه نحو الباب وغادر المطعم بصمت يرافقه شعور ثقيل لا يغادر صدره.
قضت مريم يومها في الجامعة تتفقد هاتفها بين الحين والآخر تنظر إلى الرسالة نفسها مرارًا والقلق يتسلل في كل مرة ترى أنها لم تفتح بعد. كلما أضاءت الشاشة انعكست خيبة خفيفة على ملامح وجهها. عادت إلى البيت دخلت غرفتها ومبدلت ملابسها ثم صعدت إلى السطح ودخلت إلى المرسم جلست على مقعدها المعتاد وبدأت تنهي اللمسات الأخيرة للوحة المسابقة تحاول التركيز لكن عيناها كانت تتحرك باستمرار نحو الباب. كل صوت في السطح المجاور كل يشد انتباهها وكل لحظة هدوء كانت تمضيها في ترقب صامت دخول زين. نظراتها بين الفرشاة والباب. ولكن في النهاية لم يأتِ.
في الصباح اليوم التالي تفقدت الهاتف مرة أخرى والرسالة التي لم تفتح بعد. أرادت أن ترسل رسالة أخرى ولكنها ترددت. أغلقت الهاتف تجهزت وذهبت إلى الجامعة بمفردها. في نصف اليوم غادرت الجامعة وتوجهت إلى المطعم. وصلت إلى المطعم دخلته بهدوء تلمح ملك من بعيد تبتسم لها ابتسامة خافتة وتقترب منها جلسا معًا وبدأت مريم تروي ما حدث. كانت تتحدث بنبرة هادئة وملامحها تعبر عن ثقل بداخلها وكانت ملك تستمع باهتمام لتفاصيل الموقف وقالت:
_ عنده حق على فكرة وإنتي الغلطانة.
_ أيوه ما أنا عارفة إن أنا غلطانة وبعتله رسالة وهو مفتحهاش واستنيته امبارح ومجاش وانهارده نزل راح الجامعة ولوحدي.
_ تصرفه طبيعي جدًا. إنتي غلطانة إنك ركبتي عربية مع حد غريب حتى لو بيدرسلك في الكلية. حدود علاقتكم داخل الكلية وبس برا هو غريب.
_ خلاص بقى يا ملك أنا جايه أحكيلك تساعديني تقطميني.
صمتت لحظة:
_ عندي حل.
_ إيه؟
اتصلت ملك بزين وطلبت منه أن ياتي إلى المطعم. ذهب زين إلى المطعم وجلس برفقة ملك يتحدث معها وبعد وصوله بوقت قليل وضعت امامه طبق سندوتشات كبدة وسجق. تفاجأ للحظة ثم التقت جانبه ببطء. كانت مريم. سحبت الكرسي بجانبه وجلست تنظر إليه بنظرة حزينة دافئة وملامحها يكسوها زعل. لم تتكلم لكنها كانت تقول الكثير بنظراتها كأنها تقدم ما عجزت الكلمات عن حمله. ظل زين ينظر إليها في صمت.
تحدثت ملك:
_ صافي يا لبن بقى يا زيزو. بنتنا بتصالحك أهو ومش هتكرر غلطها تاني.
تحدثت مريم:
_ غلطة ومش هتتكرر تاني خلاص، وعد وعد. بص هقضيها مشي.
استمر زين في صمته وقالت مريم:
_ خلاص بقى يا رخم.
نظر إلى السندوتشات للثوانٍ والتقط سندوتش:
_ وصل لي على كوباية شاي بنعناع لأني جعان.
ابتسمت مريم ونظرت إلى ملك وغمزت لها وقالت:
_ أحلى كوبايتين شاي ليكم.
تحركت ملك من مكانها مغادرة ومدت مريم يدها وشاركت زين في الطعام. غادرًا سويًا إلى المنزل وسط مزحاتهم كما السابق. طلبت مريم من زين أن يلقي نظرة على لوحة المسابقة. بدلا ملابسهم وصعدا إلى السطح سويًا. صعدت مريم بفرح وسعادة فتحت باب السطح بخفة وجدت زين ينتظرها كما اعتاد وملامحه أكثر دفئًا. تبادلا النظرات والابتسامات الهادئة.
_ مواعيدك نظبط عليها الساعة.
_ طبعًا زيزو مواعيده مظبوطة.
_ طيب تعالي يلا شوف اللوحة.
دخلا إلى داخل المرسم وازالت الستار عن اللوحة وكانت رائعة نالت إعجاب زين، وهو ينظر إلى اللوحة لمح صورة إيهاب مختار وشعر بالانزعاج وخرج من المرسم ولحقت به مريم:
_ بجد عجبتك بجد.
_ يعني هكذب عليكي.
_ طيب إيه مش هنحتفل؟
_ وهو أنا هستناكي بيتزا في الطريق.
_ أيوه كدا. ويلكم باك يا زيزو يا شق.
_ إياكي تعمليها تاني فاهمة.
ضحكت:
_ لا خلاص مش هعمل كدا خلاص. وبعدين أنا اعتذرتلك وإنت مفتحتش الرسالة ليه ها؟
_ عشان مسحتها.
_ نعم. مسحتها؟
_ أيوه مسحتها. بعتالي تقوليلي هتروح بكرة الكلية إمتى؟ إيه الرسالة العبثية دي؟ هو إنتي مدرستيش أنا آسفة مش هعمل كدا تاني؟
_ ما هو أنا كنت بجر كلام معاك يا رخم. تروح تمسحها؟
قال بصوت خافت:
_ ما هو لو فتحتها مكنتش هرد وكان هيضايقك أكتر فكدا أحسن. (رفع صوته وبنبرة حادة) لو عملتيها تاني هفتح الرسالة وهرد عليكي رد هيزعلك.
_ لا خلاص خلاص. كدا كدا الامتحانات هتبدأ من بعد بكرة فمفيش مجال لأي طالعات خارجية. من البيت للكلية ومن الكلية للبيت.
_ أيوه كدا اتظبطي.
_ بس هقولك حاجة؟
_ افتقدتك يا زيزو اليومين دول. إياك تطول الزعل كدا.
_ وإنتي كمان. مش عاوزاه يطول. يرجعلك هتتظبطي تمام. هتتعوجي أهو، العقاب جربتيه.
_ لا خلاص حرمت.
ضحك زين ع طريقتها الطفولية. وصل عامل التوصيل واستلم زين البيتزا ووضعها على الطاولة وكانت تتصاعد منها رائحة شهية تعبق المكان. كان زين يلوح بيده وهو يحكي شيئًا بطريقته المازحة المعتادة وملامحه مليئة بالحيوية بينما مريم كانت تضحك من قلبها تمسك بقطعة بيتزا في يد وتغطي فمها بالأخرى من شدة الضحك. ظلا يتحادثان ويضحكان للصباح كأن الزمن توقف ليمنحهما لحظة تعويض عن أيام الخصام الفائتة.
بدأت أيام الامتحانات كان زين ومريم منهمكان في المذاكرة. مريم تجلس تحيط بها أوراق الملاحظات والمراجعات والكتب المفتوحة واللابتوب أمامها عيونها متعبة من السهر لكن كان الحافز قوي وهو النجاح بتقدير امتياز يشعل عزيمتها. إلى جانبها زين يتصفح ملاحظاته بهدوء وتتنقل عيناه بين الكتب واللاب توب والهاتف بين الفترة والأخرى. كانا يطمئنا على بعض بعد كل امتحان ويدعمون بعض بكلمات تشجيعية للمادة القادمة.
في الكلية إيهاب كان يحرص على المرور على القاعات بين الحين والآخر يتوقف ليطمئن على مريم وزملائها ويشجعهم ويدعمهم بتوزيع كلمات تشجيع وإيجابية. تجمعوا حول إيهاب مختار آخر يوم الامتحان:
_ شدوا حيلكم يلا واجهزوا للمسابقة ولتحفيز أكتر أنا مجهز لكم مفاجأة كبيرة.
_ إيه يا ترى؟
_ مكنتش عاوز أقول دلوقتي لكن هقولكم عشان تتحفزوا. الجائزة هتكون لوحة من لوحاتي ولوحة الفائزين الـ 3 هتتعرض في معرضي القادم في نابولي مع لوحاتي بجانب دعوة عشاء في أفخم مطعم في الإسكندرية احتفالًا بالفوز.
تحمس الجميع وبالفعل زادوا حماس حينما علموا بالجوائز.
انتهت الامتحانات وقلبهما ملئ بالتفاؤل والتعب بعد أيام طويلة من المذاكرة المتواصلة. تحدد موعد تسليم لوحة المسابقة وكانت مريم انتهت منها بالفعل. حينما استلمت رسالة نصية ع موعد تسليم اللوحات صعدت إلى السطح برفقة زين لينقلا اللوحة سويًا إلى الكلية وفي اليوم التالي ستعلن اسم الفائز.
دخلت مريم بحماس إلى المرسم وحين فتحت الباب تفاجأت بوجود اللوحة على الأرض مبللة بالشاي وكوب الشاي بجانبها.