تحميل رواية «توأم روح» PDF
بقلم يارا سمير
الفصل 5 — رواية توأم روح الفصل الخامس 5 - بقلم يارا سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مع أول خيوط الفجر، يتردد في أرجاء السكن الجامعي التابع لجامعة الزقازيق أصوات المنبهات المتكررة وضجيج الطلاب وهم يستعدون ليوم دراسي جديد. في الداخل، تبدأ الحركة في الطرقات الطويلة بين الغرف، أبواب تفتح وأبواب تغلق ووجوه نصف نائمة وسط مزيج من اللهجات من مختلف محافظات مصر. في الساحة، البعض في انتظار أصدقائه وآخرون يستعدون للمحاضرة الأولى، وجوه تملأها السرحان أو الاستعجال. في إحدى الغرف، غرفة بسيطة تحمل رقمًا باهتًا على بابها، ولكن بداخلها قصة صداقة عميقة بين محمود وكرم. أحدهما من الصعيد والآخر من ا...
رواية توأم روح الفصل الخامس 5 - بقلم يارا سمير
في المطعم كانت سوسن وسناء تجلسان بهدوء في ركن من أركانه تتبادلان أطراف الحديث على مهل، والمكان يعمه هدوء.
بينما تتحدثان، فتح باب المطعم بهدوء ودخلت مريم بصحبة زين. يحمل زين حقيبته وحقيبة مريم، وكان واضحًا على ملامح وجه مريم الإرهاق الشديد. خطواتها بطيئة وعيناها نصف مغمضتين، بالكاد تجد طاقة للحركة.
تقدمت نحو الطاولة التي تجلس عندها سوسن وسناء، وضع زين الحقائب على الطاولة، ومريم دون أن تنطق بكلمة جلست على المقعد بصمت، ومالت برأسها إلى الأمام حتى استقر فوق الطاولة وكأنها تستسلم للتعب.
في المقعد المقابل، سحبه زين وجلس.
قالت سوسن:
_ مريم مالها يا زين؟
قال مازحًا:
_ متهيألي بطاريتها فصلت بدري.
مسحت سناء بيدها على شعر ووجه مريم وقالت:
_ ميما يا حبيبتي مالك؟
تحدثت مريم بصوت متعب:
_ مش قادرة يا ماما. زين خلاني أمشي 4 محطات، رجلي مش حاسة بيها أصلًا. أنا منمتش كويس وصاحية من بدري للدروس، فحاسة كأن قطر خبطني.
نظرت إليه سوسن وقالت بتعجب:
_ 4 محطات يا مفتري.. بتمشيها ليه؟ معاكمش فلوس ولا إيه؟
أجاب زين:
_ لأ معايا، بس بصراحة مكنش ينفع نركب وهي بالشكل ده.
_ ليه؟
_ انتوا ناسين بتعمل إيه لما بتنام في المواصلات. آخر مرة نامت في المشروع وجيت أصحّيها، صحيت تصرخ ونزلت عليا ضرب، وكأنها قافشة حرامي. وقال إيه كانت بتحلم إنها مسكت شخص بيضايقها والناس اتلمت، وعمالة أقول أخوها أنا أخوها ومكنش حد مصدقني، لأن طبعًا الأسماء بتتغير، ومكنش في فرصة أفهمهم الحكاية، لحد ما فاقت واستوعبت الموقف وفضت الليلة.
قالت مريم:
_ وهو في حد بيكتم نفس حد وهو نايم؟
_ كنت بصحيكي عشان هننزل وعارف إنك هتصرخي، فقولت ألحق.
كانت سوسن وسناء تنظران إليهما وهما يتجادلان ويضحكان.
واستكمل زين:
_ فمستحيل أسيبها تنام وأصحّيها. انسوا. وبعدين الجو حلو النهاردة، وبعد درسين الدرس الواحد 3 ساعات، كنا محتاجين شوية هوا ينشط.
قالت سوسن:
_ كنت تطلب عربية ولما توصل هنا أنا أو سناء هنصحيها. حرام عليك تتعبها كده حبيبتي.
قال زين وهو ينظر إليهما بتعجب:
_ تصدقوا دلعكم ليها ده هو اللي بيخليها تتمرد عليا.
قالت سناء:
_ نعيش وندلع، هو إحنا عندنا كام ميما يعني.
نظرت سوسن إلى مريم:
_ كنتي تسيبيه وتركبي أنتِ تاكسي ولا أي حاجة، وسيبيه هو يجي ماشي.
قالت بصوت حزين:
_ إزاي وهو أخد محفظتي معاه عشان مسيبهوش.
نظرا إليه بتعجب وقال زين:
_ أنا غلطان إني بحافظ على فلوسها وبحوشلها. وبعدين انتوا بتقوّوها عليا، مكنش العشم والله.
ضحكوا جميعًا.
وقالت سناء:
_ طيب قومي اغسلي وشك وايدك، هنطلب لكم الأكل.
تحدث زين:
_ أيوه يا سناء بسرعة، لاحسن جعان أوي.
_ من عينيَّا. يلا يا ميما على الحمام.
_ مش قادرة يا ماما والله.
تحدثت سوسن:
_ روحي أنتِ يا سناء اطلبي لهم الأكل، وأنا هوّديها الحمام.
قال زين مازحًا:
_ متنسيش يا ميما تغسلي الزلومة كويس ها.
نظرت إليه بغضب:
_ يا رخمة.
بالفعل تحركت مريم برفقة سوسن إلى الحمام، وتركت هاتفها في حقيبتها بجوار زين الذي جلس لينتظر عودتها ووصول الطعام. كان يتصفح زين هاتفه بهدوء، ينظر بين الصور والرسائل.
فجأة شعر بصوت اهتزاز قوي على الطاولة. نظر زين بسرعة فوجد أن هاتف مريم في وضع الصامت. كان على الشاشة اتصال من رقم مجهول.
أمسك الهاتف ليجيب، كان الاتصال قد انتهى. وبعد لحظة، قبل ترك الهاتف، ظهر إشعار برسالة جديدة على الواتساب من نفس الرقم المجهول:
"ميما.. ممكن تردي؟ أنا عماد."
لم يتردد زين وقام بوضع كلمة المرور للهاتف وفتح الرسالة. وكانت تكملة الرسالة كالتالي:
"ميما.. ممكن تردي عليا. أنا عماد. قبل ما تعملي بلوك تاني لرقم ده، ممكن أشوفك 5 دقايق. عاوز أقولك حاجة مهمة. أنا عارف إنك هتخلصي دروس النهارده الساعة 4. مستني ردك."
تبدلت ملامح زين كليًا، من هدوء لغضب وهو يقرأ الرسالة. أغلق شاشة الهاتف وجلس لحظات، عيناه ثابتتان في نقطة أمامه. ثم أمسك الهاتف وأرسل ردًا على الرسالة بمكان يلتقيان به. تأكد أن الرسالة تم قراءتها وذلك بإرسال قلب.
فقال زين:
_ كمان بتبعت قلب. ماشي ماشي يا عمدة.
قام زين بمسح المحادثة كاملًا ليمحي أي أثر. تحرك وغادر المطعم وأبلغ سناء سيقابل صديقًا في مكان قريب وسيعود سريعًا.
خرجت مريم وكان زين قد اختفى، وجلست تنتظره.
كان يسير زين بخطى سريعة لا ينظر حوله، كأن الطريق كله لا يهمه. كل ما يشغل عقله الآن هو اسم واحد: عماد.
فمنذ قرأته لرسالة واشتعل غضبًا لمحاولة عماد في التواصل مع مريم. وصل للمكان ونظر إلى عماد من بعيد، كان يقف ينتظر ويحمل في يديه باقة ورود ويبتسم.
تقدم نحوه بخطوات سريعة، والتفت عماد وتفاجأ من وجود زين أمامه:
_ زين؟
تحدث زين بنبرة هادئة مبتسمًا:
_ بشحمه ولحمه. إزيك يا عمدة؟
_ أنت هنا بتعمل إيه؟
_ الله.. مش أنت اللي مصمم تتقابل عشان عاوز تقول حاجة مهمة؟ (ربع يديه وقال مبتسمًا) قول، أنا سامعك.
متعجبًا قال عماد:
_ أقول.. لك أنت؟
التفت زين حوله وقال:
_ مفيش غيري واقف معاك، فهتقولي أنا. (نظر إلى باقة الورود واشتعل غضبًا ولكنه حاول أن يسيطر على غضبه) جميل الورد ده.
جذب من يد عماد الباقة:
_ ها يا عمدة قول، أنا سامعك. أصل مريم مش جاية، أو بمعنى أصح مش هتيجي. لا دلوقتي ولا بعدين. وواضح إن الحاجة المهمة ملحة أوي لدرجة إنك تشتري خط جديد عشان تكلم مريم، رغم إنها عملت لك بلوك من رقمك. يلا قول، لما نسمع إيه المهم. قول يا عمدة، متتكسفش، قول.
بتهتهة حاول أن يستجمع عماد جملة واحدة:
_ أنا.. أنا..
تبدلت ملامح زين لغضب وقال بنبرة غاضبة:
_ أنت عاوز إيه من مريم؟
_ أنا..
حاول أن يهدأ:
_ بص.. بص، أنا مش عاوز أسمع. رجعت في كلامي، عارف ليه؟ لأني حاليًا ماسك نفسي بالعافية عشان ممدش إيدي عليك. ولو اتكلمت، فـ أنا هضربك وهنلم الناس علينا، وبنسبة كبيرة هتدخل أنت المستشفى، لأني هأكد إن مفيش حتة فيك سليمة. إيه رأيك تتكلم ولا تخرس خالص؟ لو عاوز تتكلم اتكلم، أنا مستعد.
ارتعب عماد من كلمات زين. دفع زين باقة الورد في صدر عماد بقوة وقال بغضب:
_ خد الورد اللي جبته ده وروح اديه لأي حد، لأن مفيش حد هنا عاوز ورد ولا هياخده. واللي حصل ده ميتكررش يا عماد، أنت فاهمني؟ لو اتكرر وشوفت اسمك بس على تليفون مريم، مش هستنى أسمع، هتلاقيني في بيتكم في أوضتك. واللي يقدر يطلعك من تحت إيدي وقتها.. لو مش مصدقني، جرب، لأني نفسي أضربك تاني أوي، لأن واضح نسيت آخر مرة ضربتك في الشارع. نسيت يا عمدة.
حملق فيه عماد وهو صامت. واستكمل زين حديثه:
_ أنا همشي وهحاول أعتبر إني مشوفتكش ولا أنت بعت حاجة. ولو عاوز تشوفني تاني، جرب. إحنا كده كده جيران، أقل من 5 دقايق وهكون عندك في أوضتك. تمام.
أنهى زين كلماته وتحرك وغادر المكان متجهًا عائدًا إلى المطعم. ووقف عماد ثابتًا مكانه، جسده يرتعش من حديث زين.
حينما عاد كانت مريم جالسة تنظر إلى الطعام، وحينما لمحته أشارت إليه أن يسرع في خطواته. اقترب نحوها وجلس وقالت:
_ إيه كل ده يا زيزو.. أنت عارف إني جعانة. كنت فين؟
_ كان في شخص لازم أقابله. يلا ناكل.
بدأ تناول الطعام.
وقالت مريم:
_ مين صاحبك ده اللي كان لازم تقابله؟ وبعدين تقابله بره ليه؟ مقولتلوش يجي هنا زي باقي أصحابك.
ترك الشوكة من يده ونظر إلى مريم.
ولحظت ذلك ونظرت إليه:
_ في حاجة ولا إيه؟
_ عماد.
_ مين عماد؟
_ عماد جارنا يا ميما.
_ يوووه ماله ده؟ كان عاوز إيه منك؟
_ لأ مكنش عاوزني أنا.. كان عاوز منك أنتِ.
_ إيه.. مش فاهمة؟
بنبرة غضب:
_ مقولتليش ليه إنه بيحاول يتكلم معاكي؟ ها؟
_ في إيه يا زين؟ ما أنا قولتلك أنا عملت لكل حاجة خاصة بيه بلوك.
_ الأستاذ اشترى خط جديد واتصل عليكي وبعت لك رسالة كمان.
أمسكت الهاتف، كان الرقم موجودًا لكن لم تجد أثر الرسالة:
_ أنا مسمعتش التليفون، وبعدين فين الرسالة؟
_ متتعبيش نفسك، أنا مسحتها. (سرد لها ما حدث) وقابلته واتفقنا.
_ كل ده وأنا معرفش.
_ أنا بعرفك أهو. خلاص الموضوع اتقفل.
_ يعني كان عاوز إيه معرفتش منه؟
_ معرفتش ومش عاوز أعرف. واضح إنه متعلمش كويس من اللي حصله المرة اللي فاتت.
_ ده كان يوم.. مش هنساه لا أنا ولا عمو رضا صاحب السوبر ماركت لما دخل يحوش واديتُه بالبوكس.
_ ماهو حصل بسببك.
_ أنا..
_ كذا مرة أقولك مش أي حد تقفي في الشارع تتكلمي معاه، صح؟
_ أيوه.. بس هو اللي وقفني.
_ هو عرف من أخته إنك بتحبي الأفلام الهندي، راح داخلك من هنا جايلك الأفلام الجديدة اللي لسه في السينما في الهند، حسسني إنه ابن صاحب السينمات، وأنتِ انبهرتي ولا المحرومة من الأفلام الجديدة وفتحتِ كلام معاه، وهو أصلًا عيل أهبل ميعرفش الفرق بين سيف علي خان وشاروخان. دا كان فاكر أميتاب باتشان هو شاروخان، مبياكبرش.
ضحكت مريم واستكمل زين كلماته بعصبية:
_ أقوله واقف بتتكلم مع مريم ليه؟ يقولي وأنت مالك يا زين. أنا يقولي وأنت مالك. واقف معاكي ويقولي وأنت مالك، أومال لو مش مالي هيكون مال مين، ماله هو الأهبل. المهم لو فكر يوقفك أو يكلمك أو يبعتلك أخته اللي خارجة من فيلم "لماذا نحن هنا" ولا أي نيلة، عرفيني. أنا أساسًا بتلكك، عاوز أضربه.
_ وتروح أنت في داهية لما تضربه ويحصله حاجة كبيرة. هفرح أنا كده. وبعدين كذا مرة أقولك أنا بعرف أحط للي قدامي حدوده، متقلقش.
_ لأ أقلق، لأنك هبلة، وأنا مش هسيب حاجة للصدفة، وأتفاجئ. لازم أخلي بالي من بدري.
_ تخلي بالك من إيه وتقصد إيه؟
تحدث بنبرة جادة:
_ لحد ما تتخرجي من الجامعة وتشتغلي وتفتحي المرسم الخاص ليكي وتشاركي في معرض محلي ومعرض دولي، مفيش ريحة راجل هيقرب منك. إحنا اتفقنا على كده، صح؟
_ وأنت وكريم خارج التصنيف؟
_ أيوه، إحنا خارج التصنيف ده. وبطلي لماضة.
_ وبعدين اتفاقنا ده كان زمان وإحنا أطفال، دلوقتي إحنا كبرنا داخلين جامعة.
_ اللي اتفقنا عليه زمان هنكمل عليه. أكرم وسناء قالوا لك إيه؟ ها، سمعيني.
صمتت. وأعاد سؤاله:
_ قولي، سمعيني، قالوا لك إيه؟
_ قالوا لي زين هو اللي هيخلي باله منك كويس، متزعلوش منك واسمعي كلامه.
_ نقطة بقى ونقفل كلام في الموضوع ده. إحنا حطينا أساس.
_ لأ ثانية هنا.. اللي بيحصل ده مش عدل على فكرة.
_ اللي هو إيه بقى؟
_ يعني حلال لك تكلم فلانة وفلانة وأنا لأ. كل أصحابي بنات، مفيش ولد واحد، والجيران محرم عليا أتكلم مع حد لوحدي.
_ لأ أنا غلطان أسيب لك الحال سداح مداح بقى. أنتِ هبلة صح.
_ خلاص زي ما غير مسموح لي بكده، أنت كمان غير مسموح لك تتكلم مع بنات.
_ هما اللي بيتكلموا معايا، الله، أعمل إيه أنا.
_ ورغم كده مبتفوتش بنت. وداخلين على جامعة، فالموضوع هيبقى على أكبر وأوسع، وأنا عارفاك هتزيط فيها.
_ أولًا، للمرة المليون قولتلك متقارنيش نفسك بأي واحدة أنا كلمتها أو حوالينا. أنتِ خارج المقارنة ولا التشبه. ثانيًا، أنا راجل، وده مش تقليل منك كبنت، بس أنا عاوز أقولك أنا بكون عارف بعمل إيه وعك، عادي. أنتِ لأ، متعكيش ولا يتعك بيكي. ثالثًا بقى والأهم، يعني هل شفتيني بتشحتف على واحدة فيهم؟ هل لقيتني بنيت أحلام ومستقبل مع واحدة فيهم؟ هل لقيتني بقولك هي دي يا ميما يا بلاش؟ ولا أي حاجة؟ ليه؟ لأني زي ما بقولك بعك.
_ يا سلام، ودا تبريرك إنك بتعك؟
_ أي نعم. وبعدين هو أنتِ بتسيبي لي واحدة تعمر على طول؟ بتطفشيهم كلهم. مفيش واحدة بتقعد معايا شهرين على بعض، بتتخانق منك وبتتطفش، أو أنا بزهق من تصليح اللي بتعمليه معاهم، وبسيبهم.
_ ماهو أنت عكاك فعلًا، ما في واحدة عليها القيمة كده. لو كنت شوفت كنت صاحبتها.
_ ماهو أنا هعرف إنها هي دي إزاي غير لما أتعامل معاها؟ مش هقرأ الغيب يعني.
_ وأنا مش زي أي بنت. هرتبط وهتجوز، هعرفه إزاي؟ هقابله إزاي؟ هعرف إزاي إنه هو ده؟ هينزل لي من السما؟
_ من غير أي مجهود منك هتلاقيه في وشك.
_ نعم..
_ متستعجليش، هتلاقيه لما يجي الوقت المناسب. وبعدين أنتِ ليه مستعجلة؟ خفّي تسمعي كلام الأغاني وتصدقي الروايات والأفلام.
_ طيب افرض مثلًا قابلته في الجامعة؟
_ هيكون طالب مقيح بياخد مصروفه من أبوه، وأنتِ مش هتوافقي أصلًا، وكرم وسناء مستحيل هيوافقوا.
_ يا سلام.. بعيد عن وصفك ده، لكن لو حصل وكان شخص محترم وابن ناس، فيها إيه؟ أقف جنبه وأساعده. أهلنا وقفوا مع بعض لحد ما وصلوا للي إحنا فيه ده. (أشارت على المطعم) كرم وسناء مهم عندهم يكون راجل قد المسؤولية، ولو حسوا إنه هو ده هيوافقوا.
_ أنا مش هوافق. لو الكل وافق، أنا مش هوافق، وأنتِ مش هتوافقي غير بموافقتي.
_ أنت كده مش فير.
_ فير ولا غفير. أنتِ رايحة الجامعة عشان تشوفي عريس ولا مستقبلك؟ فاكرة كنتي بتقولي لي بتحلمي بإيه؟ تخلصي الجامعة وتفتحي مرسم خاص بيكي وتشاركي في معارض، واسمك يكون مشهور. هو ده هدفك اللي هتسعي له، وأنا معاكي. إيه نسيتي عشان عماد خان؟ فوقي كده وارجعي ميما الشق أم زلومة.
_ بطل كلمة زلومة دي يا رخمة. وبعدين حلمي هو هو متغيرش، بالعكس أنا بشتغل عليه، وأنت عارف. بس أنا بكلمك عن احتمالات ممكن تحصل.
تحدث بنبرة حازمة تنهي الحوار:
_ بتحصل في الروايات اللي بتقريها، لكن الواقع حاجة تانية. الواقع فيه زيزو وبس. (نظر إلى الطعام ويستعد لبدء الطعام وقال) ولو على العك خلاص شطبنا، متقلقيش. داخلين على امتحانات ومستقبل ومحتاجين تركيز.
_ جميل.. بلوك للي عندك بقى.
نظر إليها متفاجئًا:
_ ها..
_ ها.. أنت.. بلوك لكل بنت عندك.
_ لما أرجع البيت حاضر.
_ لأ لأ، قدامي حالا عشان أصدقك.
_ أنتِ بتكذبيني؟ أنا زيزو، هكذب عليكي يا ميما؟ دا أنتِ الشق.
_ لأ لأ، فكك من جو السهونة ده. آه، تكذب عليا عادي، بتعملها، أومال قفشتك المرات اللي فاتت إزاي بالتخاطر. اعملهم بلوك قدامي.
_ ناكل دلوقتي، ولما نرجع البيت هعمل لهم ولأي حد عاوزه أعمله بلوك، حتى لو محمود وسوسن.
سحبت الطعام من أمامه وقالت بنبرة إلحاح وإصرار:
_ حالًا قدامي يا زيزو، يلا. مفيش أكل لغاية ما تعملهم البلوك، يلا.
بتردد أخرج هاتفه ويده ترتعش. فقالت ميما:
_ إيدك مش مطاوعاك صح؟ (جذبت الهاتف من يده) أنا إيدي هتطاوعني.
وبدأت مريم بحظر جميع الفتيات على قائمة الاتصال على هاتف زين، وهو ينظر إليها مصدومًا، ولكن لم يستطع أن ينطق بكلمة لها ليثبت جديته في الحديث. أنهت ما تفعله وأعادت إليه الهاتف:
_ اتفضل.
_ خلاص ارتحتي لما خليتها صحراء كده.
_ كفاية عليك الشمس اللي هي أنا، ولا مش عاجبك.
_ لأ طبعًا كفاية، وهو أنا هقابل حد عنده زلومة غيرك.
حدفت نحوه منديلًا:
_ يا رخمة.
_ طيب إيه ناكل بقى ولا إيه.
أعادت الطعام أمامه وقالت:
_ يلا ناكل عشان ورانا مراجعة بليل.
_ والواد عماد ده لو لمحك بس، عرفيني وأنا هتأكد إنه ميقربش أصلًا.
_ هتعمل إيه؟
_ مش هو بيحب الأفلام الهندي؟ هوصله على فيل من المعبد وصاية.
ضحكت مريم وزين، وعادا لتناول الطعام وسط ضحكاتهما وأحاديثهما.
مر أسبوعان على حضور مريم وزين للدروس سويًا. كانت الأجواء في البداية هادئة وبسيطة ومنظمة، حيث مريم تقف دائمًا مع صديقاتها فقط، وزين يقف مع أصدقائه الشباب فقط، كما اتفقا عليه مسبقًا. أن لا يسمح لمريم بالحديث مع الأولاد، وهو أعطاها وعدًا ألا يقف مع الفتيات احترامًا لها.
خلال تلك الأيام، كانت مريم تراقب زين بنظرات سريعة لتطمئن أن وعده مازال قائمًا، فكانت تزداد ارتياحًا كلما وجدته محافظًا على المسافة بينه وبين أي فتاة.
لكن في يوم، أثناء الاستراحة بين الدروس، وقفت مريم كالمعتاد مع صديقاتها تتحدث معهن. نظرت إلى زين لم تجده برفقة أصدقائه الشباب. لاحظت غيابه، نظرت حولها لم تجده. توجهت إلى إحدى أصدقائه:
_ محمود.. هو زين فين؟
_ مش عارف، خلص الدرس وخرج.
_ متعرفش راح فين؟
_ مشي كده، تلاقيه راح عند السوبر ماركت.
_ أوكي.
بدأت مريم تتبع الطريق بخطى حذرة، تتمنى أن لا تراه برفقة فتاة.
فلاش باك صباحًا قبل مغادرة المنزل.
تذهب مريم إلى منزل زين لاستعجاله للذهاب إلى الدرس:
_ يابني هنتأخر وهنقعد في الآخر.
_ متقلقيش، زيزو مسيطر، أنا قايل للعيال يحجزوا لنا.
_ هي سينما.. يلا بقى.
_ طيب هروح أكلم وزير الري بسرعة.
_ يوووه.. بسرعة طيب.
ترك هاتفه وحقيبته على الطاولة أمام مريم واتجه سريعًا إلى الحمام. ألقت مريم بعينيها إلى هاتف زين بتردد، رغبة ملحة لتصفحه سريعًا لاطمئنان على التزامه. أمسكت الهاتف، ولمعرفتها كلمة السر، فتحت المحادثات، وجدت محادثات الطرف الآخر أسماء شباب، فلم تهتم. فتحت آخر محادثة وقرأتها. دخل قلبها الريبة من طريقة المحادثة والقبلات التي توجد في الشات وتكرار كلمة "اشتقت إليك".
نقلت الرقم إلى هاتفها على برنامج التروكولر، وظهر لها اسم فتاة وتدعى دعاء مصطفى، وعلمت أنها تلك الفتاة التي تحضر معهم الدروس. شعرت بالضيق من كذبه وأرادت أن تعاقبه. أرسلت رسالة نصية إليها من هاتفه، وبسرعة أغلقت الهاتف حينما سمعت خطواته قادمة نحوها.
_ يلا..
_ يلا..
وصلت مريم إلى طرف الممر المؤدي إلى السوبر ماركت وتوقفت فجأة مكانها. رأت زين يقف مع الفتاة بالفعل، وهو ممسك يدها ويتحدث لها ويضحكان سويًا، وزين مندمج في الحديث. لم تقترب مريم، بل وقفت مكانها تراقبهم. وأمسكت هاتفها وأرسلت رسالة نصية من هاتفها، ووقفت بالقرب منهم تستمع إلى حديثهم:
_ مكنتش أتوقع إني وحشتك أوي كده.
_ أنا كنت على اتفاقي معاك، مش هنتكلم خالص، لكن لما بعت لي الصبح ف..
ثواني:
_ أنا بعت لك إيه؟ آخر مرة اتكلمنا أول امبارح بليل كمان. إيه الصبح ده؟
أخرجت هاتفه وأظهرت له الرسالة:
_ أنت بعت قلت لي أنا وحشاك وعاوز أشوفك، وقولت لك أوكيه. أومال جيت ليه؟
_ جيت لما لقيتك بتشاوري لي، قولت فيه حاجة. لكن أنا..
صمت للحظة، وأمسك الهاتف وقرأ الرسالة والتوقيت، وعلم أن مريم من أرسلت الرسالة وتم كشف كذبه. تنهد وقال بصوت مليء بالخوف:
_ ده أنا يومي مش هيعدي، هيتعمل مني شيبسي.
_ فيه إيه..
قبل أن يتحدث، سمعوا صوت خلفهم لإحدى الشباب قادمين نحوهم:
_ ما شاء الله، نجيب لكم عصير بالمرة.
التفت زين إلى مصدر الصوت، وكان الشخص إحدى الشباب زملاء مريم وزين في الدرس، وكان معروف إعجابه الواضح بالفتاة. حين رآته الفتاة ارتبكت، وتحدث زين:
_ أنت فاهم غلط يا صاحبي.. إحنا كنا بنتكلم عادي، مفيش حاجة بينا.
_ ومفيش حاجة بتتكلموا في المستخبي ليه كده يا صاحبي.
_ ظبط كلامك معايا، متتكلمش معايا كده.
_ كمان بتبجح.. يعني عاملنا كارت رعب عشان مريم محدش يقرب لها، لكن أنت تخربها مع كل البنات عادي، صح؟ اتفقنا نخربها يا صاحبي، وإحنا كمان نخربها. هروح لمريم و..
عندما سمع اسم مريم وطريقة حديثه عنها، اشتعل زين غضبًا، ودفعه على الأرض وبدأ ينهال عليه بالضرب، ودخل الطرفان في عراك، مما ذعر مريم، فذهبت وطلبت الأمن ليفض الاشتباك، وسريعًا توجهت برفقتهم، وبدأت تبعد زين عن الشاب، وبالفعل فض العراك، وسحب مريم من يدها وغادرا مكان الدرس.
جلسا على الكورنيش في صمت. كانت مريم تشعر بالضيق لما آلت إليه الوضع من ضرب وإصابة زين في فمه ووجهه، وزين يحاول أن يهدأ. حاولت مريم أن تتحدث:
_ زيزو..
قاطع حديثها وقال:
_ لو حيوان منهم قرب لك، قولى لأ. لو بص لك بصة، عرفيني.
_ اهدأ يا زين، محدش يقدر يقرب لي أصلًا، متخافش.
_ مفيش حد يقدر أصلًا ولا يفكر.
_ طيب اهدأ بقى، ممكن..
_ يلا نمشي.
_ على البيت يلا.
_ مش هنروح المطعم؟
_ هنروح، وأنت وشك مشفلط كده. تعالي نروح ونقول لهم إننا روحنا البيت.
عادا إلى المنزل وذهبا إلى السطح، وجلس زين، ودخلت مريم أحضرت شنطة الإسعافات الأولية، وجلست بجانبه لتضع له الضمادات الطبية، وقالت:
_ نفسي تتكلم بلسانك بدل إيدك في مرة.
_ ماهو أنتِ مسمعتيش قال إيه؟
_ مهما قال، الكل بقى يستفزك، لأنهم عرفوا إنك سهل تستفز.
_ يا سلام.
وضعت اللاصقة بقوة وتألم:
_ حلو وأنت موجوع كده، صح؟
_ ماهو كله منك.. على فكرة أنا هغير باسورد الموبايل ومش هديه لك.
_ بجد.. هل ده عقاب بقى ولا إيه؟
_ أنتِ شايفة إيه.
_ الله عليك في قلب الطاولة. هو أنا اللي وعدت وخالفت وعدي.
_ أنا.. إمتى ده؟
_ اللي في وشك ده كان إيه؟ عندك عرض تنكري واحد مضروب.
_ ماهو لو أنتِ تفهمي قبل ما تتسرعي كده.. أنا أسبوعين كاملين مفيش واحدة كلمتها، صح؟ دعاء كلمتها أسألْها عن حاجة.
_ حاجة إيه بقى؟
_ مستر العربي كان قال حاجة أنا مسمعتهاش، فهي كانت قاعدة في الصف الأول، فسمعت كويس، فسألتها عادي، زميل معاها.
_ يا سلام.. وأنا كنت فين؟
_ أنتِ كنتي نايمة.
_ إيه؟
انتبه لكلماته:
_ أقصد كنتِ نايمة وأنا براجع الملزمة في البيت لوحدي، والصبح كان عندنا الدرس، وحبيت أفهم عشان أفهمك. مش أنتِ سألتىني عن حاجة في الدرس مش فاهمها؟ قولت لك هبص عليه وهقول لك. أهي دي.
_ زين.. أنت ألفت الحوار ده دلوقتي صح؟
_ لأ، من شويا. ألفت إيه، واحد مضروب، هل أنا قادر؟ أنتِ المفروض تسأليني وتسمعي إجابتي وبعدين تتصرفي، لكن تبعتي لها، وأكيد أنتِ اللي عرفتي مكانه. ثواني.. هو أنتِ صح عرفتي رقمه منين؟ هو رقمه معاكي؟
قالها بغضب، فقالت:
_ لأ مش معايا، أنا كلمت صفا وخليتها تقوله.
_ عامله عليا كماشة أنتِ وأصحابك، ماشي ماشي.
_ عشان تعرف تكذب عليا كويس.
_ مصممة إني كذبت؟ أنتِ فطرتي إيه؟ هو أكيد سندوتش الفول بتاع الصبح قفل الفهم عندك.
_ ماهو أنت فطرت معايا فول.
_ عشان كده انضربت. (أشار إلى وجهه وضحكت مريم وضحك زين)
_ زين.. بجد لم نفسك بقى، إحنا داخلين على امتحانات مش وقت لعب.
_ حاضر، هحاول.
_ وشوقي أبو الشوق وجمال ملوش مثال. إيه الأسماء دي؟ استحالة تكون أسماء ولاد.
_ بدلع أصحابي.
_ مفقوسة أوي. اختار أسماء طبيعية، أهو مكنتش هلاحظ حاجة.
_ حاضر، هغيرهم لأسماء طبيعية لما أنزل.
نظرت إليه باندهاش:
_ نعم..
_ يا ميما بهزر معاكي، بهزر. أنا همسحهم كلهم، مباخدش من معرفتهم غير الضرب، مفيش واحدة فيهم نافعاني في حاجة. أنا آخد استراحة محارب ونعود بقوة للمعركة في الجامعة. كريم قالي العالم هناك إيه.
أمسكت حقيبة الإسعافات الأولية ودفعته في رأسه بقوة:
_ يا مجنونة، بتوجع.
_ متكلمنيش تاني، ماشي.
_ استنى هفهمك.
تركته وتوجهت إلى منزلها.
ليلًا، أرسل لها زين رسالة وطلب منها الصعود إلى السطح. بالفعل بدلت ملابسها وصعدت:
_ خير..
_ هو إيه اللي معاكي ده.
_ قولي الأول عاوزني في إيه.
_ تعالي.
أشار إلى الطاولة، وكانت عليها بيتزا. ابتسمت مريم وحاولت أن تخفي ابتسامتها، فقال زين:
_ متخبيهاش، خلاص شفتها.
اقتربت أكثر ورأت البيتزا المفضلة لها:
_ وده بمناسبة إيه بقى؟
_ صلح صغنن لميما الشق.
_ بتضحك عليا بالأكل.
أشار إلى البيتزا وبملامح تعجب:
_ أكل.. هي البيتزا أي أكل ده؟ أنتِ لو عرضوا عليكي تبيعيني مقابل بيتزا لارج إكسترا تشيز، هتبيعيني.
_ لأ مش هبيعك، هخليك عشان أنت تجيبهالي على حسابك.
ضحكت وضحك زين:
_ ده أنا كلي لك يا شق. يلا ناكل، أنا متغدتش واستنيتك.
_ يا كداب، أومال مين اللي ضرب أوردر المطعم ده؟ أنا شايفة الدليفري بنفسي.
_ ده تصبيرة لغاية ما نضرب البيتزا مع بعض. أنا مصاب.
أشار إلى الإصابة في وجهه، وابتسمت وبادلته مريم الابتسامة، وجلسا ليتناولا البيتزا.
قالت مريم:
_ ثواني استنى.
_ في إيه.
وضعت الحقيبة التي كانت معها أمامه. نظر إليها بتعجب وقال:
_ إيه ده؟
_ شوف بنفسك.
فتح الحقيبة، وكان بها علبة طعام. فتحها وارتسمت على وجهه ابتسامة كبيرة:
_ إيه ده؟
_ كبدة وسجق من عند عم فرج، مشطشطين.
_ يا ميما يا شق.
_ أنا كنت هسيبهم مع سناء لما بعت رسالتك إنك هنا، قولت أديهملك.
_ إيه الرضا ده.
_ بصراحة أنا جبتهم أصالحك بيهم على اللي حصلك بسببي، رغم إنه بسببك على فكرة، بس يلا حصل خير. يومين واللي في وشك ده هيروح.
_ ده أنا أضرب كل يوم بقى.
أشارت مريم إلى البيتزا:
_ وتزعلني كل يوم.
_ كده أهلنا يطلع عينهم في المطعم ويجمعوا فلوس، وإحنا نضيعهم على البيتزا والكبدة والسجق. يعتبر استثمار برضه صح، بس في معدتنا.
_ أيوه.. يلا ناكل.
أخذت مريم قضمة من البيتزا:
_ جميلة أوي البيتزا.
_ المهم زلومتك ترضى عني.
_ زين، إحنا كبرنا على زلومتك دي، بطلها بقى.
_ ده أنتِ الفيل الصغير بتاعي يا شق.
_ يا رخمة.
_ ماله الفيل؟ كائن كيوت لطيف بزلومة وبياكل كتير، واسمه ميما.
خبطته في كتفه:
_ والله أنت رخمة بجد يا أبو الفصاد.
_ ماهو أنتِ أكلتي أكلي، فلازم أكون أبو الفصاد.
ضحكت مريم وبدأ يتشاركان الطعام والضحك، وبهما جو خفيف مليء بالود والتلقائية. يتحدثان تارة ويضحكان تارة أخرى، وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة.
في لحظة عفوية، أمسك زين بكيس الكاتشب، وبدون مقدمات، وضع نقطة صغيرة على خد مريم وهو يضحك. فتفاجأت مريم، ثم ابتسمت، وقام بالرد عليه بوضع الكاتشب على أنفه ضاحكة. لم تكن مجرد لحظات مرح، بل كانت لحظات ينفردان بها في عالمهما الخاص بهما من زحام الأيام القادمة. كانت أعينهما تلمع، لا من الضحك، بل من ذلك الشعور الجميل الذي جمعهما سويًا، الذي لا يقال، لكن يشعر به بوضوح: الطمأنينة والتفاهم. ورغم بساطة اللحظة، ولكنها كانت ذات أثر كبير في روحيهما.
في مساء يوم ما، تم حجز المطعم ليلاً كاملًا لإقامة حفل صغير لشخصين يحتفلان بزواجهما برفقة عائلتيهما وبعض المقربين منهما. كان المطعم يمتلئ بأجواء من البهجة والدفء. تزين المكان بالأنوار الناعمة التي انبعثت من سلاسل الإضاءة المتدلية على الجدران والسقف، وامتلأت الطاولات بزهور بيضاء ووردية تنبعث منها رائحة عطرة زادت من جمال الأجواء. وضعت شموع صغيرة على كل طاولة تضيء بوهج هادئ يعطي شعورًا بالدفء والرقي.
في أحد الزوايا، جهز ركن خاص بالحلويات والكعكة المزينة بعناية، وضع حولها أطباق من الشوكولاتة والفواكه، وكانت هناك لافتة مكتوب عليها: "أحببنا.. فوعدنا.. فتزوجنا". الموسيقى تنساب بهدوء في الخلفية، ألحان رومانسية ناعمة تعبر عن الحب والبدايات الجديدة.
حضرا مريم وزين سويًا، فتم دعوة أصحاب المطعم، وأيضًا لمساعدتهم في التجهيزات، ولمسات مريم وزين التي أعطت للمكان جمالًا خاصًا يميز المكان عن أي مكان آخر. كانت مريم ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا. أما زين، فارتدى قميصًا وبنطالًا كلاسيكيًا يزيده وقارًا.
دخلا المكان يتبادلان الابتسامات، ووقفا بين الحضور يشاركونهم اللحظة الجميلة، وكأنهما يعيشان جزءًا من حلم مشترك يتكون بهدوء. بدأ المدعوون بالتصفيق حين دخل العروسان، وعمت السعادة المكان، بينما توزعت الضحكات والمباركات على الطاولات.
كانت الأضواء خافتة والموسيقى تنساب بهدوء في أرجاء المطعم، بينما وقف الجميع يتابعون الرقصة الأولى للعريس والعروس في المنتصف. كان الزوجان يلتفان في رقصة حالمة، يبتسمان لبعضهما كأن لا أحد سواه في هذا العالم.
في أحد الأركان، وقفت مريم تتابع المشهد بصمت، عيناها تلمعان بضوء خافت يعكس ما بداخلها من مشاعر. ابتسامة دافئة ارتسمت على وجهها، هادئة مطمئنة، تلك الابتسامة التي لا تصدر إلا حين يرى القلب شيئًا يتمناه ويتمنى أن يعيشه يومًا. كانت تنظر إلى العروس والعريس بنظرة مملوءة بالإعجاب، ليس فقط بجمال اللحظة، بل بحقيقة الحب نفسه. كيف نضج وكيف صار وعدًا وكيف اكتمل بزواج.
كان زين يقوم بمساعدتهم في إتمام التجهيزات، وكان يبحث عن مريم، وجدها تقف بمفردها في أحد الزوايا تنظر إلى العروسان في شرود وعلى وجهها ابتسامة. توجه إليها ووقف بجانبها بصمت، لم يكن يقول شيئًا، لكنه كان أيضًا يشاهدهم والابتسامة تعلو وجهه، فأراد أن يشارك مريم تلك اللحظة.
أدركت مريم لوجود زين بجانبها، فقالت له بصوت هادئ:
_ العروسة قمر، ما شاء الله عليها.
اقترب إليها وقال بصوت واثق:
_ أنا متأكد إنك هتكوني أحلى منها.
نظرت إليه متفاجئة وابتسمت، واستكمل حديثه:
_ إن شاء الله ده يحصل لما تحققي حلمك، زي ما مخططين بعد التخرج والمرسم والمعرض، إن شاء الله.
ضحكت مريم وقالت:
_ يا لهوي عليك يا فصيل.
تركته ووقف مكانه وقال:
_ معرفش أنا إيه البنات دي؟ كل ما تشوف عروسة بتبقى عاوزة تبقى زيها. إيه التقليد الأعمى ده.
انتهى الحفل، وبدأت مريم وزين على ترتيب المكان، وحينما انتهيا، جلسا في الحديقة في الخارج حينما ينتهي عائلتهم في الداخل. توجه زين يحمل في يديه آيس كريم وجلس بجوار مريم على الأرض:
_ كنتي سرحانة في إيه؟ في العروسة برضه؟
_ كان اليوم جميل وهي جميلة.
_ طبعًا مستنية مني أقول عقبالك وكده، لكن لأ، نخلص اللي ورانا الأول، وبعدين نشوف الجواز ده الكلام على إيه.
ضحكت مريم:
_ هتعنسني جنبك أنا عارفة.
_ أنا نفسي أفهم ليه مستعجلة على الجواز كده.
_ مش استعجال، بس الإحساس نفسه حلو إنك تعيش أحلى لحظات في حياتك وتقرروا سوا إنكم تكملوا عمركم كله مع بعض وتتجوزوا. (رددت الجملة المكتوبة) "أحببنا.. ووعدنا.. وتزوجنا". جملة بسيطة لكن معناها جميل وكبير أوي.
_ كذا مرة أقولك خفّي فرجة على الأفلام الرومانسية، بوظت لك دماغك.
_ هو مش حلو أحب وأتحب وأتجوز اللي بحبه.
_ حلو.. أعتقد يعني. لكن متفكريش فيها، سبيها. لهفتك إنك تعيشي المشاعر دي هتلبسك في حيطة، لأن اللي بتشوفيه في الأفلام واخدين عليه فلوس، لكن الحقيقة عكس.
_ الحقيقة بره في الصالة من شوية كان في اتنين حبوا بعض واتجوزوا.
_ استني عليهم شهر العسل يعدي، هتلاقيهم ماسكين في بعض.
_ بجد أنت غريب أوي. في أشخاص كويسين أكيد، وأنا أكيد هقابل واحد يحبني ويموت فيا كمان، وأنا كمان هموت فيه، وهنعيش أحلى من الأفلام اللي بتتريق عليها دي، عارف ليه؟ لأننا هنعيش الفيلم الخاص بينا إحنا الاتنين وبس.
_ ده فيلم قبور الأحباب بكمية الموت اللي قولتيها دي.
_ بتتريق، ماشي. الأيام بينا وهتشوف بنفسك.
_ هشوف إزاي يعني؟ هدّفنكم بنفسي.
خبطته في كتفه:
_ ده أنت رخمة وفصيل والله.
_ ميما.. إحنا آخر سنة في ثانوية عامة، تحديد المصير، تركيز مطلوب عشان ندخل الكلية اللي عاوزينها. ولما ندخل ونخلص حوارات الكلية، زي ما أنتِ شايفة كريم كده مش ملاحق. وعد مني ليكي، أنا لو لقيت شخص بالمواصفات اللي أنتِ عاوزاها دي، أنا بنفسي هاخدك لبيته وأقول له: ارحمناااااااا بسرعة.
_ يا رخمة.. ولو ظهر قبل كده.
_ هاخده من إيده وأقول: ده باب الخروج، العنوان غلط، مع السلامة يا عسل.
_ نعم، هتدخل في اختيار القدر؟
_ مفيش اختيار. ولا تزعلي، هقول له: إحنا ورانا حاجات كتير عاوزين نعملها، استنى، ولو مش عاجبه، مع السلامة.
_ وأنا.. مفكرتش فيا؟
_ أنتِ خليكي في أفلامك وبيتزاتك، ولا هتحسي بحاجة. صدقيني، طول ما أنا موجود ومعاكي، مش هتحسي بفرق خالص.
_ أنت ناوي تعيشني في وحدة.
_ عيب عليكي، أنا موجود وتقولي كده. أنا وكريم موجودين. ولو ضاق بينا الحال ولازم نجوزك، كريم موجود أهو، عارفك وعارفاه، وله نفس الرومانسيات الحالمة دي، يعني هتنبسطي معانا، متقلقيش.
_ هزار، هزار. وهو كريم هيسيب البنات الحلوة اللي معاه عشاني.
_ هو يطول أصلًا؟ هيقابل بنت بزلومة فين؟
خبطته:
_ يا رخمة.
_ لأ بجد، بنتنا مش زي أي بنت تانية يعرفها. هي ميما واحدة وبس.
_ ثبتني كده وخليني قاعدة جنبك. صحابي كلهم ارتبطوا، عارف؟
_ أيوه عارف، لأني ارتبطت بنصهم، وبسببك قفلتِ عليا النص التاني.
_ مبهزرش أنا.. بصراحة للحظة كده، تمنيت أعيش الإحساس ده زيهم. نفسي أحكي زيهم، زي ما بيحكوا، بدل ما أنا مقضياها "أنعام سالوسة، إن شاء الله، وألف ألف مبروك".
_ أنتِ كده أحسن. اسمعي مني.
_ يا سلام.
_ بصي، كريم قالي في مرة فيه نوعين من البنات. نوع بيستعجل على رزقه، ودول اللي بيلبسوا في الحيطة، بيهدروا مشاعر وحب على الأرض، كل ده عشان يعيشوا زي اللي حواليهم. دخلوا علاقات لا مناسبة ليهم ولا مناسبة في التوقيت، بيخرجوا من العلاقة مدشملين، مقضيانها "تامر عاشور، ذكريات كدابة" وكل الرجالة "مصطفى أبو حجر"، رغم إن ده اختيارهم هما، محدش ضربهم على إيديهم، لكن من البهدلة اللي بهدلوها لنفسهم، مش قادرين يتحملوا مسؤولية اختيارهم، فبيرموا على أي حد. ودول بيطولوا أوي، لأنهم مش قادرين يقتنعوا إنهم اختاروا غلط، أو إنهم يتحركوا من مكانهم.
_ والنوع التاني..؟
_ نوع الشق.. اللي زيك كده. نوع نادر أوي. حياته وقلبه صفحة بيضا، مبيتسرعش. بيسيب كل حاجة لوقتها، وبتجيله أحلى ما هو عاوز، وبيعيش أحلى ما هو كان متخيل. الدهب غالي، الكل بيلبسه. لكن الألماس مش أي حد بيجيبه، صح؟
_ أيوه.
_ أنتِ بالنسبالي وبالنسبالنا قطعة ألماس. مش أي حد يستحقها. فبالتالي مش هنسمح لأي حد يخدشها. هي وسطنا ومعانا بنحافظ عليها وبنحميها، لغاية ما ييجي صاحب نصيبها. ولو فكر بس يجرحها، هيشوف مني أيام سودة.
ضحكت مريم:
_ اهو بسببك أنت مش هيجي، هيخاف.
_ يبقى أحسن. خير ما عمل. ريحني من خطط كنت هعملها عشان أطفشه.
_ قولت لك هتعنسني.
_ قاعدة في بيت أبوكي معززة مكرمة بتاكلي بيتزا براحتك. احمدي ربنا على النعمة.
_ الحمد لله... وأخربها أنت صح.
_ خبرة، بجمع لك خبرة.
_ نعم، هو أنت بتكلم بنات لسه؟ أنت فكيت البلوك؟
_ أنا.. أبدا. وغلاوة زلومتك، أبدا.
_ على الله يا زين أشوفك مع واحدة، هيبقى يومك ويومها منيل. ماهو أنا ميتقفلش عليا وأنت عايشها بحري.
_ اتحولتي ليه كده؟ عرفتي ليه مظهرش الفارس من الخوف.
خبطته في كتفه، وسمعت في تلك اللحظة صوت والدها ليخبرها ليذهبا:
_ يلا يا رخمة.
_ ادخلي أنتِ، هلم الدنيا هنا وهحصلك.
تحركت مريم من مكانها، استوقفها زين وقال:
_ ميما.
_ أيوه.
_ هو أنا قولت لك إنك كنتِ زي القمر النهاردة.
ابتسمت وربعت يديها حول صدرها:
_ الوحيد اللي مقاليش، بس أنا اعتبرتك قلتها.
ابتسم زين وأخفى ابتسامته فجأة:
_ متلبسيش الفستان ده تاني خلاص، كده.
_ نعم.. ودا ليه؟
_ كنتِ زي القمر والكل كان بيبص عليكي، معرفتش أركز في الحفلة ولا معاكي. مش ناقصة لبخة. قولت لك البسي جينز، تنحتي، وقولتي فستان، فستان.
_ إحنا معزومين على فرح، ف لازم فستان يا رخمة.
_ ادخلي ادخلي يا أم فستان.
ضحكت مريم وقالت:
_ وأنت كمان كنت زي القمر، ومش هفوت لك تسبيلك للبنات اللي كانت موجودة في الفرح.
_ أنا غلبان.
_ غلبان عبد البصير.
_ إيه العسل ده؟
_ عسل وطحينة.
_ لأ، ميتسكتش على خفة الدم على المسا دي. تعالي يا أم زلومة.
ركضت سريعًا مريم إلى الداخل، ووقف زين مكانه يضحك عليها. عادوا جميعهم إلى المنزل.
في منزل محمود، كان يجلس محمود برفقة سوسن يتبادلون أطراف الحديث بينهم بسعادة، والابتسامة تعلو ملامح وجوههم. وأثناء مرور زين لغرفته، سمع حديثهم حينما قالت سوسن:
_ إيه رأيك نكلم كرم عشان بعد الامتحانات نقرأ فاتحة.
عاد زين إليهم وقال:
_ فاتحة مين وكرم مين؟
_ أنت منمتش؟
_ كنت بجيب ميه وسمعتكم.
تحدث محمود:
_ اقعد ناخد رأيك.
جلس زين وينظر بترقب إلى والديه:
_ خير.. هو كرم هيتجوز على سناء ولا إيه؟
ضحك محمود وسوسن:
_ لأ مش لدرجة دي.
_ اومال في إيه؟
تحدثت سوسن:
_ إيه رأيك نخطب مريم لكريم؟ لما شوفتها بالفستان النهاردة كانت زي القمر، فقبل ما تتخطف نخطفها إحنا.
تفاجأ زين وقال:
_ نخطف مين؟ هو في جايزة للي هيخطف الأول؟ وبعدين تخطبوا مريم لكريم إزاي؟ أنا مش فاهم.
_ إيه اللي مش فاهمه يا زين.. كريم عمك لمريم بنت كرم؟
_ هي السما كانت مفتوحة وأنا وهي بنتكلم، ولا إيه؟
تحدثت سوسن بحماس:
_ أنت كنت بتتكلم معاها عن كريم؟ هو كريم قالك حاجة؟
_ لأ، كنت أنا ومريم بنتكلم، وده كان هزار زي هزارنا، معرفش هيقلب جد. وبعدين لحظة.. لحظة.. هو كريم ميُعرفش؟
_ لما ييجي هنقوله.
_ يعني هو في البلالا، ومريم في البلالا، وأنتم في البلالا. صح.
تحدث محمود:
_ اتكلم كويس يا زين.
_ أنا آسف.. بس إزاي تفكروا تخطبوا لاتنين هما نفسهم ميعرفوش.
_ إحنا شايفينهم مناسبين لبعض، وبجد نفسنا أوي يتخطبوا.
_ هو أنتم هتحققوا اللي نفسكم فيه في حياة غيركم؟ وإيه "نفسنا" دي؟ هو طاجن بامية نفسكم فيه.
_ تقصد إيه؟
_ أقصد تستعيذوا من الشيطان كده. آه، البنت كانت زي القمر النهاردة، بس ده مش سبب قوي إنكم تلبسوها بالشكل ده.
تفاجأ من كلمات زين كلا من محمود وسوسن، وتحدث محمود بحدة:
_ نلبسها.. نقي كلامك. هو كريم وحش؟
_ لأ يا بابا مش قصدي، بس أقصد إحنا عندنا امتحانات وبعدها جامعة، وفي خطط وحوارات كتير، حضرتك.. فبلاش تشغلوا دماغها بالجواز والعيال والبامبرز والفرهدة دي.
تحدثت سوسن:
_ طيب هاخد رأي كرم وسناء.
تدخل زين:
_ طيب قبل ما تاخدوا رأيهم، خدوا رأي كريم الأول، وبعده قرروا.
تحدث محمود:
_ صح، نتكلم مع كريم الأول. هو جاي الإجازة دي، أنا هتكلم معاه.
نظر إليه متعجبًا:
_ جاي الإجازة دي بجد؟
_ أيوه، كلمني النهارده، ولما سألته قالي جاي الخميس.
بملامح صدمة:
_ الخميس اللي هو بعد بكرة، صح؟
ضحكت سوسن:
_ مالك يا زيزو مصدوم كده ليه؟
_ ها.. أصل الأيام بتجري، ولا التروبيني.
ضحكوا وصمت لحظة وقال:
_ امتحانات آخر السنة قربت خلاص، ومش عاوزين تشتيت يا جماعة.
تحدث محمود:
_ نسأل كريم المرادي ونعرف رأيه، وبعد الامتحانات نتكلم مع كرم.
قال زين هامسًا:
_ ده لو وافق.
_ وهيرفض ليه؟ هيوافق إن شاء الله.
قال زين هامسًا:
_ إن شاء الله كريم هيرفض.
_ بتقول إيه؟
_ بقول إن شاء الله ربنا يكتب الخير للجميع، للجميع.