تحميل رواية «تكسرات الروح» PDF
بقلم نادية شعيب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إذا اجبرتك الحياة أن تسير في دروب الحزن والمعاناة، فاختار الرفيق. فهناك رفيق تهون معه الدروب، ويملأها لأجلك بالورود والأزهار والفراشات، ويزرع على جدران قلبك الرياحين وأزهار الياسمين، ويطارد معك أحلامك حتى يحققها لأجلك واحدًا تلو الآخر. وهناك رفيق يجعل طريقك الممهد بالورود والأزهار وكأنك تسير على حد سيف بتار، يدميك في كل خطوة، وتركض وراءك أسود الندم من كل اتجاه، وكأنها تركض وراء غزالة لا صاحب لها ولا مأوى. فإذا اجبرتك الحياة على طريق، فاختار الرفيق الذي يقف حارسًا على باب أحلامك، وينثر اللآلئ على...
رواية تكسرات الروح الفصل الأول 1 - بقلم نادية شعيب
إذا اجبرتك الحياة أن تسير في دروب الحزن والمعاناة، فاختار الرفيق.
فهناك رفيق تهون معه الدروب، ويملأها لأجلك بالورود والأزهار والفراشات، ويزرع على جدران قلبك الرياحين وأزهار الياسمين، ويطارد معك أحلامك حتى يحققها لأجلك واحدًا تلو الآخر.
وهناك رفيق يجعل طريقك الممهد بالورود والأزهار وكأنك تسير على حد سيف بتار، يدميك في كل خطوة، وتركض وراءك أسود الندم من كل اتجاه، وكأنها تركض وراء غزالة لا صاحب لها ولا مأوى.
فإذا اجبرتك الحياة على طريق، فاختار الرفيق الذي يقف حارسًا على باب أحلامك، وينثر اللآلئ على دربك المستحيل.
***
صباح يوم بلندن.
يستيقظ تميم القاضي.
(تميم هو مهندس متخرج من إحدى جامعات إنجلترا، 29 سنة، سريع البديهة، عقلاني، يحلل كل شيء قبل اتخاذ كل خطوة، مراوغ في الحديث، ذكي، حاد الطباع، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية، كأنه بُني من صخر، عيون بنية وشعر بني طويل وذقن كثيفة وشارب كثيف، يتميز بأناقته الشديدة ولا يؤمن بالحب).
يأخذ شاور ويرتدي ثيابه الكلاسيكية ذات الماركة العالمية وساعته الباهظة الثمن.
تدخل دادة مديحة.
(دادة مديحة مربية تميم منذ ولادته، جاءت معه من مصر لتهتم به طوال فترة دراسته).
تنظر في أرجاء الغرفة ثم تصيح فيه بغضب: "هو كل يوم ياتميم الارف ده هيجرى ايه؟ أما تتجوز بدل اللي انت بتعمله ده وتخلف عيلين تلاتة؟"
تميم: "صباح الخير الأول يا ديحة."
مديحة: "صباح النور يا حبيبي. انت عارف لو جدك عرف اللي انت بتعمله هيعمل فينا إيه؟ ده مش بعيد يبعت حد يقتلنا ويدفننا هنا، يرضيك كده؟ اندفن بعيد عن بلدي."
تميم: "بعد الشر عليكي يا ديحة."
مديحة: "متهربش من الكلام. انت لازم تتجوز وتسيبك من بيرلا بتاعتك دي."
يضحك تميم بكامل صوته: "بيرلا يا ديحة، بيرلا. احفظي الاسم بقى."
مديحة: "بيرلا ولا غيرها، المهم أنا شايفة إنك تتجوز وتخلف. أنا نفسي أشوف ولادك."
تميم: "اتجوز إيه بس يا ديحة."
ويكمل بثقة: "أنا عمري ما شفت بنت تستاهل إنها تشيل اسمي. إنتي عشان مبتخرجيش من الفيلا متعرفيش البنات عاملة إيه. مفيش بنت ليها أمان."
مديحة: "بنات الحلال كتير، بس مش هنا. هناك في مصر. بس إحنا نرجع وإنت هتلاقي كتير."
تميم: "أوعدك يا ديحة لو لقيت البنت اللي بتحكي عنها دي، هجيبها من إيديها لحد عندك. ولو عجبتك هتجوزها، تمام كده يا ديحة."
مديحة: "لو الست فريدة هانم سمعتك وإنت بتقول كده كانت قتلتني. تاخد رأيي أنا في العروسة؟"
تميم: "طبعًا يا ديحة. ولو معجبتكيش عمري ما هتجوزها."
ينظر تميم في ساعته: "كده هتأخريني وإحنا بنتكلم عن بنت مش موجودة في الدنيا كلها. أنا ماشي، سلام يا ديحة."
ويتجه إلى باب الغرفة تحت نظرات مديحة ودعواتها.
(ربنا يبعتلك بنت الحلال تستاهلك يا حبيبي).
يخرج تميم من الفيلا، يفتح له الحارس باب السيارة، يركب ويتجه إلى شركته، وتسير خلفه سيارة الحراسة التي أرسلها له جده.
***
في مصر.
منزل متوسط الحال في أحد أحياء القاهرة.
تستيقظ ليلى.
(طالبة في آخر سنة كلية هندسة، جميلة جدًا، شعر بني طويل إلى آخر ظهرها، ممشوقة القوام، عيون بلون العسل المصفى، وبشرة بيضاء مثل بشرة الأطفال).
تستيقظ مبكرًا كالعادة، تدخل المطبخ لتعد طعام الفطار وتضعه على السفرة، وتنادي: "يا تيته، يا تيته، الفطار جاهز. يلا يا عالم، الكل يصحى."
(الجدة خديجة، جدتها لأمها، مريضة منذ وفاة ابنتها أم ليلى).
(نور، أخت ليلى، طالبة بالصف الثالث الثانوي، بريئة، متمردة، لطيفة، جميلة، تحب الجميع، طموحة رغم قسوة الحياة معهم، قصيرة، ذات شعر أسود متوسط الطول، عيون واسعة سوداء تنم عن ذكاء شديد، وبشرة بيضاء ووجه مستدير وأنف دقيق).
نور: "هقوم يا ليلى، بس سيبيني شوية. أنا كنت سهرانه بذاكر طول الليل."
ليلى: "ما أنا كنت سهرانه معاكي وصحيت وحضرت الفطار. قومي يا ستي، الفطار هيبرد."
نور: "حاضر يا ليلى، قمت أهو."
تجلس ليلى والجدة ونور لتناول طعام الإفطار.
وبعد عدة دقائق.
ليلى: "الحمد لله، أنا شبعت. همشي عشان عندي محاضرة بدري. ما تنسيش يا نور تدي الدوا لتيته. سلام."
الجدة: "مع السلامة يا حبيبتي، ربنا يوفقك يا ليلى وأشوفك أحسن مهندسة في الدنيا."
***
في إحدى المدن الجديدة بمصر.
قصر عظيم مبني على طراز قديم يشبه قصور العصر الملكي، على مساحة شاسعة وكأنه مدينة كاملة، قصر عائلة القاضي.
في غرفة بيسان القاضي.
تدخل عايدة، أخت مديحة، إلى غرفة بيسان.
عايدة: "تجلس على طرف السرير جانب بيسان وهي نائمة وتمسد على شعرها بحنان. اصحي يا بوسي عشان جدك مستنيكي على الفطار."
بيسان: "سيبيني خمس دقائق بس. أنا نمت إمبارح متأخر والله."
عايدة: "قومي يا بوسي، جدك مستنيكي وكمان إنت عندك محاضرة بدري. قومي يا كسولة. أنا حضرتلك الحمام وحضرتلك هدومك كمان."
تدخل فريدة هانم، أم تميم وبيسان.
(فريدة هانم شخصية مغرورة، متعجرفة، لا تهتم إلا بالمظاهر، تمتلك شركة لاستيراد الأجهزة الطبية، جميلة الوجه، ترتدي أفخر الملابس، تهتم بجمالها وأناقتها، ولا يبدو عليها التقدم في السن).
فريدة: "تصرخ بوجه عايدة بغضب شديد. إنتي إزاي تقولي بيسان من غير هانم؟ أوعي أسمعك تقولي كده تاني، أحسن صدقيني هتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك."
عايدة: "حاضر، حاضر يا ست هانم."
فريدة: "وإنتي يا بيسان إزاي تسمحي لها تقولي لك كده؟ ما يصحش ترفعي الألقاب مع الناس اللي شغالين عندنا. إنتي سامعة ولا لأ؟ المرة الجاية هتتعاقبي يا بيسان."
بيسان: "بصوت مخنوق بالدموع. حرام عليكي يا مامي، دي هي اللي ربتني من وأنا..."
تقاطعها فريدة بصراخ: "هي اللي ربتك! أمال أنا كنت بعمل إيه؟ أوعي أسمعك تقولي كده مرة تانية. الناس تقول علينا إيه لو عرفوا إن الخدامة هي اللي ربتك؟ أنا اللي غلطانة من الأول إني سبت العلاقة توصل بينكم لكده. المهم دلوقتي البسي بسرعة وحاصليني على الفطار."
تخرج فريدة من الغرفة وتترك عايدة وبيسان يبكيان بأحضان بعض.
بيسان: "ببكاء. ما تزعليش يا دادا، أنا اللي غلطانة. حقك عليا. لو كنت صحيت معاكي بسرعة ما كانش حصل كل ده. أرجوكي سامحيني، أنا بحبك قوي والله يا دادا."
عايدة: "ما تعيطيش يا بوسي، أنا مش زعلانة ولا يهمك. أنا عندي حل حلو. قدام الست فريدة هقول لك يا هانم، ومن وراها إحنا حرين مع بعض. هو إحنا بنشوفها في القصر يعني؟ دي يا إما في الجمعية يا إما في حفلة يا إما في الشركة. يلا يا بوسي عشان تجهزي. جدك تحت مستنيكي."
***
في غرفة الطعام.
غرفة بها سفرة تمتد لتتسع لأكثر من 24 كرسي، يجلس عليها الجد زين القاضي على رأس الطاولة.
(زين القاضي صاحب أكبر شركات ومن أغنى وأهم رجال الأعمال في مصر، يمتلك شركات مقاولات ومصانع السيراميك ومصانع للأجهزة الكهربائية، رجل طيب، حاد الذكاء، حكيم، متواضع، محب الخير للجميع، يتعامل مع البسطاء بمنتهى الطيبة، ليس له أحفاد سوى تميم وبيسان، ولا يهتم لشيء إلا لأمرهم، يضع الخطط لكل شيء ولا يوجد ما يحدث بالصدفة، مراوغ في الحديث، يتفادى الإجابات المباشرة، تحركاته محسوبة بعناية).
تدخل فريدة هانم، تجلس على الطاولة وتقول: "صباح الخير يا عمي."
زين: "صباح الخير يا فريدة. صوتك عالي على الصبح، وبتزعقي ليه؟"
فريدة: "ما فيش يا عمي، دي حاجة بسيطة كده."
زين: "ما الحاچة البسيطة بتعملي منها كارثة يا فريدة. إرحمي بنتك بدل ما تطفر على لندن هي كمان. إحنا مش عارفين نرجع تميم من سنين."
فريدة: "يعني أنا السبب في سفره يا عمي؟ يعني أنا أم وحشة؟"
زين: "خلاص يا فريدة، البنت نازلة."
بيسان: "صباح الخير يا جدي."
زين: "صباح الخير يا بيسان. افطري يا حبيبتي عشان تلحقي المحاضرة."
يبدأ الجد وفريدة وبيسان في تناول طعام الإفطار.
بيسان: "مامي، ليلى صاحبتي هتيجي النهارده تذاكر معايا شوية."
فريدة: "وإنتي ما تعرفيش تذاكري لوحدك؟"
بيسان: "لا يا ماما، في حاجات أنا أنا مش بفهمها من الدكتور وليلى بتشرحها لي أحسن من الدكتور."
فريدة: "هي ليلى دي أحسن منك في إيه عشان هي تطلع الأولى على الدفعة كل سنة وإنتي لأ؟ قولي لي وأنا أجيب لك أحسن دكاترة في مصر تشرح لك اللي إنتي مش فاهماه، وسيبك من الليلة دي. وبعدين لو حد من صاحباتي شافها ولا حد من العيلة وهي بتشرح لك يقولوا علينا إيه؟"
بيسان: "والله يا مامي هي بتشرح أحسن من الدكاترة."
فريدة: "هو إنتي بتديها فلوس عشان تشرح لك؟"
(بنظرة خبيثة).
بيسان: "لا والله يا مامي، هي بتشرح لأي حد عاوز منها حاجة، مش أنا بس. هي كده متعاونة مع كل الناس."
فريدة: "تمام يا بيسان، بس دي آخر مرة. المرة الجاية قولي لي وأنا أجيب لك أحسن أساتذة في مصر، وبلاش تقعدوا في أوضتك، اقعدوا في الجنينة أو أي حتة تانية. أحسن تمد إيدها على حاجة كده ولا كده."
زين: "يخبط بكل قوته على السفرة ويقول بعصبية. كفاية يا فريدة، كفاية! إنتي خلاص حكمتي على البنت إنها حرامية! ليلى بتدخل القصر من أربع سنين وعمر حاجة ما اتسرقت منه، بس حضرتك ما كنتيش واخدة بالك مين بيدخل يذاكر لبنتك. وكمان بنتك هي إيه اللي محتاجاها؟ إحنا اللي بنستفاد منها. كثر خيرها إنها سايبة اللي وراها وجاية تذاكر لبوسي بدون مقابل، ولا عشان هي فقيرة ومش بتلبس براندات عالمية مش عاجباك البنت؟"
فريدة: "خلاص يا عمي، كفاية كل ده عشان اللي اسمها ليلى."
زين: "خليها تيجي يا بيسان، وذاكروا في مكتبي، بلاش تدخل أوضتك."
وينظر لفريدة بطرف عينيه ويقول بتهكم: "أحسن حد يلبسها مصيبة."
فريدة: "في نفسها. هو إنت ما بتنساش حاجة بعد العمر ده كله؟ ولسه فاكر."
بيسان: "ليلى طيبة قوي والله يا مامي، دي صاحبتي الوحيدة. وحضرتك ناسيه إن تميم مانعني أصاحب حد في الجامعة."
فريدة: "خلاص يا بيسان، هو أنا غلطت في ملكة بريطانيا؟ أنا شبعت وهقوم عشان عندي ميتينج مهم."
بيسان: "أنا شبعت يا جدي، أنا كمان هقوم عشان عندي محاضرة مهمة وليلى هتستناني قدام الجامعة."
زين: "مع السلامة يا بوسي."
***
في الجامعة.
تصل ليلى أمام باب الجامعة، في نفس الوقت تصل سيارة بيسان، لينزل منها الحارس الخاص، يفتح لها الباب، وتدخل وراءها الجامعة.
تقابل ليلى.
ليلى: "صباح الخير يا بيسان."
بيسان: "صباح النور يا ليلى."
ليلى: "إيه يا بنتي الضلفة اللي ماشية وراكي دي؟ ده الطلبة والدكاترة بيخافوا منه. ده اسمه ترويع آمنين، حرام عليكي."
تضحك بيسان: "أعمل إيه يا ليلى؟ تميم أخويا مصمم ما أخرجش من السجن قصدي القصر من غيرهم. أمال لو شفت الاثنين اللي في العربية التانية ده أقل واحد فيهم."
ليلى: "نلحق المحاضرة أحسن الدكتور مش هيدخلنا."
بيسان: "متخافيش، لما يشوف الجارد هيدخلنا على طول."
تضحك ليلى وبيسان في طريقهما إلى المحاضرة.
***
في القصر.
زين: "أنا عاوزك يا فريدة في موضوع مهم."
فريدة: "ممكن أما أرجع يا عمي عشان عندي ميتينج مهم."
زين: "الغي الميتينج يا فريدة."
فريدة: "إزاي يا عمي؟ ده مهم جدًا."
زين: "وأنا بأمرك إنك تلغي الميتينج وتلغي الشراكة كلها مع زياد المنشاوي."
فريدة بصدمة: "هو حضرتك بتراقبني يا عمي ولا إيه؟"
زين: "طبعًا يا فريدة براقبك، أمال إنتي فاكرة إيه؟ أنا عارف كل ورقة في شركتك رايحة فين وجاية منين، وعارف كل عملائك وكل موظفينك موظف موظف، وعارف كل قرش بتكسبيه كمان."
فريدة: "ليه كل ده يا عمي؟ هو حضرتك بتخاف مني ولا إيه؟"
زين: "يضحك بكامل صوته. أنا أخاف منك إنتي يا فريدة؟ إنتي لسه ما تعرفيش زين القاضي ولا إيه؟ أنا سايبك تلعبي بالشركة بتاعتك عشان تنشغلي عن بيسان وما تضيقش الدنيا عليها زي ما عملتي مع تميم وخليتيه يطفر من مصر كلها."
فريدة: "وحضرتك عاوزني ألغي الميتينج ليه؟"
زين: "إنتي مش هتلغي الميتينج، بس إنتي هتلغي الشراكة مع زياد المنشاوي، ولا تتصلي بيه ولا حتى تردي على تليفوناته."
فريدة: "بس يا عمي، الصفقة دي..."
يقاطعها زين بحدة: "ساعتها متلوميش غير نفسك، لأنك هتصحي تلاقي شركتك في خبر كان."
فريدة بخوف: "خلاص يا عمي، هعمل اللي تقول عليه. بس هو زياد مزعلك في حاجة؟"
يخبط زين على الطاولة بكامل قوته، لتشهق فريدة بخوف، ويصيح بها: "شكلك كبرتي وخرفت يا فريدة ونسيتي إن محدش يقدر يزعل زين القاضي."
تقوم فريدة وهي تعتذر، لتخرج باتجاه سيارتها، وتحدث مديرة مكتبها لتلغي الميتينج.
***
في مكتب زين القاضي.
يتصل زين بحفيده تميم.
زين: "آلو، أيوه يا تميم، عامل إيه يا حبيبي؟"
تميم: "الحمد لله يا جدي، وحشتني والله. حضرتك بخير وبيسان أختي عاملة إيه؟ وحشتوني جدًا."
زين: "بخير يا حبيبي. هتنزل مصر إمتى؟"
تميم: "خير يا جدي، أنا ورايا شغل مهم ومش هعرف أنزل."
زين: "أنا عاوزك ترجع تستقر في مصر على طول."
تميم: "أنزل ليه يا جدي وأستقر عندك ليه؟ أنا مرتاح هنا وشركتي بتكبر يوم عن يوم."
زين: "أنا محتاجك هنا معايا جنبي يا تميم. صفي شركتك وانزل، الشغل هنا كويس. وبعدين الشركات دي كلها لك من بعدي يا تميم، عاوز أرتاح وخايف أموت وأسيب بيسان لوحدها."
تميم: "بعد الشر عليك يا جدي. وبعدين لوحدها ليه؟ فريدة هانم في؟"
زين: "فريدة هانم مش فاضية إلا لشركاتها وحفلاتها وجمعيتها وخروجاتها مع وتزعق لعايدة والخدامين وبس."
تميم: "هفكر يا جدي، مع إن الموضوع صعب."
زين: "بصرامة. ترد علي بكرة."
ويغلق الخط دون أن ينتظر رد.
يا ترى تميم هينفذ كلام جده ولا هيكون له رأي تاني؟
رواية تكسرات الروح الفصل الثاني 2 - بقلم نادية شعيب
يجلس تميم يتابع أعماله وينظر بجدية من خلال حاسوبه الخاص.
يقتحم سليم الغرفة دون أن يدق الباب.
تميم: يا ابني هتتعلم تخبط امتى؟
سليم: عمري ما هخبط يا صاحبي.
مالك يا صاحبي؟ شكلك متغير ليه؟ حب جديد ولا إيه؟
تميم: حب إيه بس يا سليم؟ ده جدو كلمني الصبح وعاوزني أصفي الشركة وأنزل مصر أمسك الشغل هنا.
سليم: يا ريت يا تميم، أنا نفسي أرجع أعيش في مصر، أنا تعبت من الغربة هنا.
تميم: المشكلة إن صوته مش مريحني أبداً، في حاجة كبيرة وهو غامض في كلامه.
سليم: يعني في مشاكل في الشغل؟
تميم: مشاكل إيه اللي تعمل كده في زين القاضي؟ أنت ما تعرفش جدو ولا إيه؟ مستحيل مشاكل تزعجه بالطريقة دي.
سليم: يعني هيكون في إيه تاني؟
تميم: أنا خايف يكون مريض ولا حاجة ومش عايز يقول.
سليم: لا بعد الشر، إن شاء الله تكون صحته كويسة، ما تقلقش. المهم هتعمل إيه؟
تميم: لسه هفكر.
سليم: تمام، أسيبك أنا سلام يا صاحبي دلوقتي.
في بيت ليلى.
الجدة: يا ليلى بتعملي إيه يا حبيبتي؟ أنا جعان.
ليلى: حاضر يا تيتا، ثواني والأكل هيكون جاهز.
تترك ليلى كتابها وتدخل المطبخ تحضر الطعام وتضعه على السفره.
الجدة: نور لسه ما جتش؟
ليلى: على وصول يا تيته، هي لسه مكلماني.
ليخبط الباب بنغمة معينة تخص نور.
نور: السلام عليكم يا بشر، بتتكلموا عني ولا إيه؟
الجدة: اتأخرت ليه يا نور؟
نور: كان عندي امتحان في السنتر وكان طويل قوي وصعب جداً.
ليلى: وعملتي إيه يا هانم؟
نور: هعمل إيه يعني؟ طلعت الأولى على السنتر كله طبعاً.
ليلى: مبروك عقبال الطب إن شاء الله.
الجدة: يا رب يا حبيبتي وتحققي حلم أمك، كان نفسها تبقي دكتورة كبيرة.
نور وليلى: إن شاء الله يا تيته.
ليلى: الأكل هيبرد ومش هسخن تاني، يلا كله ياكل.
تبدأ ليلى ونور والجده في تناول الطعام الذي لا يخلو من مناوشات نور المضحكة.
ليلى: الحمد لله، أنا شبعت وهقوم أروح لبيسان.
الجدة: ما تتأخريش يا ليلى، مع السلامة يا حبيبتي.
ليلى: حاضر يا تيته مش هتأخر. وأنت يا نور اغسلي الأطباق واقعدي ذاكري جنب تيته.
نور: حاضر يا ست الكل، بس بلاش حكاية أغسل الأطباق دي.
ليلى: تغسلي الأطباق يا نور يعني تغسليهم.
نور: ترد بغضب مصطنع: حاضر يا ست ليلى.
تخرج ليلى من بيتها لتجد سواق بيسان ينتظرها أمام الباب.
ليلى: بردوه يا عم محمد؟ جيت لحد البيت؟ إحنا عايشين في منطقة شعبية، ما ينفعش تيجي كده، الناس تقول عليا إيه.
السائق: غصب عني يا ليلى، دي أوامر الباشا الكبير.
ليلى: أرجوك يا عم محمد استناني بعد كده بعيد، أنا بخاف حد يفهم غلط ويتكلموا عني كلام وحش.
السائق: تمام يا ليلى، المرة الجاية هستناك بعيد شوية.
ليظهر في نفس اللحظة جارهم أمجد.
يقترب أمجد من ليلى ويحدثها بنبرة هادئة: رايحة فين يا ليلى وعربية مين دي؟
ليلى: رايحة عند بيسان صاحبتي أذاكر معاها، السواق بتاعها بيجي ياخدني لأن مشوارهم بعيد وما فيش مواصلات بتروح هناك، لازم عربية خاصة.
أمجد: ماشي يا ليلى، ربنا يوفقك. مش عايزة أي حاجة؟
ليلى: شكراً يا أمجد، سلام.
وتركب السيارة بجوار السائق لينطلق بها إلى قصر عائلة القاضي ولا تعلم ما ينتظرها هناك، وتترك وراءها قلباً مشتعل بحبها منذ سنوات.
في قصر القاضي بغرفة المكتب.
ليلى: فهمتي يا بوسي؟
بيسان: الجزء ده صعب قوي يا ليلى.
وتغلق الحاسوب الخاص بها.
ليلى: بتقفلي ليه؟ هشرح لك تاني.
بيسان: لا أنا تعبت، نتغدى الأول.
ليلى: أنا اتغديت من بدري.
يفتح الباب ويدخل الجد زين بابتسامته البشوشة.
زين: السلام عليكم ورحمة الله، عاملين إيه يا بنات؟
ليلى وبيسان: الحمد لله يا جدو.
زين: أنا جيت عشان آخدكم تتغدوا معايا.
بيسان: قول لها والنبي يا جدو تاكل معانا أحسن، هي بتقول اتغديت.
ليلى: أنا أكلت والله يا زين باشا.
زين: زين باشا إيه؟ أنت تقولي جدو زي بيسان.
ليلى: وهي تفرك يديها من الخجل: حاضر يا زين باشا.
زين: أنا قلت إيه؟ تقولي جدو زي بيسان.
ليلى: خلاص يا جدو.
في غرفة الطعام يجلس الجد وبجواره ليلى من ناحية وبيسان من ناحية أخرى.
تضع بيسان الطعام لليلى في طبقها.
ليلى: حيلك حيلك، هو أنا هاكل كل ده؟
زين: كلي يا ليلى علشان ما أزعلش منك.
ثم تدخل فجأة فريدة هانم وتقول "بونسوار" لتفزع ليلى وتقوم بسرعة وهي ترتجف لتخبط الطبق بيدها ويقع على المفرش والسجادة.
فريدة هانم: إيه اللي عملتيه ده يا غبية؟ كده توقعي الأكل على المفرش والسجادة؟ أنت عارفة تمنهم كام؟ ده أنا لو بعتك أعضاء ما يكفيش حق المفرش.
ليصيح زين بعصبية شديدة وتحمر عيناه وتنتفخ أوداجه: اخرسي يا فريدة خالص! إيه اللي قلتيه ده؟ اعتذري حالاً للبنت.
ليلى: ببكاء: أنا آسفة يا جدو والله مش كان قصدي، ده وقع غصب عني.
تصرخ فريدة بتهكم: وكمان جدو؟ أنت بتساوي نفسك ببيسان؟ أنت إزاي تقولي كده؟
زين: اخرسي يا فريدة بجد، احترمي حتى وجودي. أنا زهقت من تصرفاتك دي.
تبكي ليلى وتنزل أرضاً تحاول تنظيف السجادة ليصرخ فيها الجد زين: بتعملي إيه؟ أنت كمان قومي يا سعاد يا سعاد تعالي نظفي المكان هنا بسرعة.
يمسك الجد ليلى من ذراعها ويوقفها: ما تزعليش يا ليلى، حقك عليا يا بنتي.
فريدة: أنت بتعتذر لها كمان يا عمي؟ لا ده كتير قوي.
وهي تصعد على سلم القصر تقول في نفسها: أنت بتتعصب عليا علشان الجربوعة دي؟ هتشوف أنا هعمل فيها إيه.
صباح يوم جديد بلندن في مكتب تميم.
يدخل سليم المكتب فجأة دون أن يدق الباب.
تميم: أنت يا حيوان هتتعلم تخبط امتى؟ هم اخترعوا الباب عشان الغبي يدخل بعد ما نسمح له يدخل.
سليم: عمري ما هخبط يا صاحبي، اتعلم بقى. هخبط في حالة واحدة.
تميم: أرجوك الحقني بيها.
سليم: أما يكون معاك حد ومش لوحدك. ويبتسم سليم بخبث.
تميم: أنت فعلاً إنسان غبي وأنا غلطان إني بحاول أعلمك الذوق.
سليم: المهم بس عملت إيه في موضوع جدك؟ فكرت ولا لسه؟
تميم: فكرت في حل وسط يريحني ويريح جدو برده.
سليم: عاوز رأيي؟ أنا شايف إننا ننزل مصر ونستقر هناك ونبدأ من أول وجديد. العمر بيجري يا صاحبي وعايزين نفكر بمستقبلنا أحسن من كده.
تميم: أنت عايز أحسن من كده إيه يا سليم؟
سليم: أنا بتكلم بجد، المستقبل مش فلوس وشركات وصفقات وبس. أنا نفسي أحب وأتجوز وأخلف ويكون عندي ثلاث صبيان وبنت وتكون أميرة البيت وجميلة زي مامتها.
يتحدث سليم بنبرة حالمة.
تميم: فوق يا سليم، هو أنت حبيت واتجوزت وخلفّت بنت حلوة زي أمها كمان؟ افرض أمها طلعت وحشة؟
سليم: وهو ينظر إلى تميم باشمئزاز: فال الله ولا فلك يا زفت أنت. إيه الكلام الوحش ده؟ أنا هتجوز واحدة وحشة ليه يعني؟ إن شاء الله هتبقى زي القمر. أنا لما أقع هقع واقف يا صاحبي، ده أنا هحطها فوق راسي وجوه عيوني بس ألاقيها بنت الـ...
يقاطعه تميم: حيلك حيلك، ما فيش بنت يا صاحبي تستاهل كل ده.
سليم: لا في، بس أنت أعمى يا صاحبي. المهم فكر في موضوع جدك وربنا يحلها.
صباح اليوم التالي في فيلا تميم بلندن.
يستيقظ تميم على صوت رنين الهاتف. يفرك عينيه وينظر إلى الساعة ليمسك التليفون ويرد.
تميم: صباح الخير يا جدو، هو الساعة كام في مصر دلوقتي؟
زين: ما ردتش عليا ليه يا تميم؟ أنا مستني تليفونك من امبارح.
تميم: صباح الخير الأول يا جدو...
زين: بعصبية مكبوتة: فكرت هتعمل إيه؟
تميم: أنا فكرت يا جدو في حل وسط، أنزل مصر إجازة أخلص شغل حضرتك وأرجع لندن تاني.
زين: في الحالة دي هترجع لندن مش هتلاقي شركتك ولا فيلتك ولا عربياتك ولا حتى فلوسك اللي في البنوك ولا بيرلا كمان!
تميم: بدهشة: هو حضرتك تعرف بيرلا؟
زين: بسخرية: أنت الظاهر نسيت أنا مين يا تميم. على العموم، ده آخر إنذار لك، انزل مصر وصفي شركتك.
يعطي أوامره ويغلق الخط دون أن ينتظر رد ويترك من في الجهة الأخرى داخل دوامة من الأفكار التي تعصف برأسه.
تميم: أكيد في كارثة كبيرة.
محدثاً نفسه.
ينزل تميم من السرير يدخل الحمام يؤدي طقوسه اليومية ويرتدي ثيابه ويخرج من غرفته ويغلق الباب ليجد دادا مديحة تقابله.
تميم: صباح الخير يا ديدو.
مديحة: مالك يا تميم على الصبح؟
تميم: جدو عايزني أنزل مصر ضروري وأصفي شغل هنا.
ليخرج سليم من غرفته في نفس اللحظة.
سليم: هو جدك اتصل بدري كده؟
تميم: آه يا سليم، الظاهر إن في كارثة كبيرة في مصر.
مديحة: خير يا ابني، إن شاء الله في إيه؟
تميم: ما أعرفش يا دادا، بس صوته مخوفني جداً، ده كمان هدّدني إنه يسحب مني كل حاجة لو ما نزلتش مصر في أقرب وقت. المهم يا سليم، أنا عايزك تحجز لي أنا ودادة. لازم أنزل مصر بكرة الصبح، وأنت يا سليم صفّي الشغل هنا براحتك وبعدين حصلني على مصر، أنا أكيد هحتاجك هناك، بس بدون خسائر يا سليم، بدون خسائر. إحنا تعبنا في الشركة دي ومش عايزين خسائر، الله يخليك.
سليم: تمام يا صاحبي، هحجز لك على بكرة إن شاء الله. وأنت أما توصل طمني فيه إيه.
تميم: إن شاء الله خير، إن شاء الله خير. جهزي نفسك يا دادة.
مديحة: على خيره الله يا ابني، أخيراً هنرجع مصر. اللهم لك الحمد.
في مصر في قصر القاضي في غرفة السفره.
تنزل بيسان تجد جدها يجلس على رأس الطاولة.
بيسان: صباح الخير يا جدو.
الجد: صباح الخير يا بوسي.
بيسان: مالك يا جدو؟ شكلك تعبان، أنت ما نمتش ولا إيه؟
الجد: لا يا حبيبتي، أنا نمت كويس، افطري وما تشغليش بالك بحاجة.
زين: كلمتي ليلى يا حبيبتي ولا لسه؟
بيسان: كلمتها طبعاً يا جدو، أول ما صحيت. أنا ما أقدرش على زعلها، أنت عارف ليلى غالية عندي قد إيه، وبصراحة مامي غلطت فيها قوي امبارح، أنا كنت مكسوفة جداً منها.
زين: ليلى بنت طيبة وأكيد هتنسى اللي حصل، وكمان بتحبك، مش معقولة هتوقف علاقتها بيكي علشان غلطة زي دي. أنا عارف إن فريدة غلطت غلطة كبيرة، بس ليلى قلبها أبيض وعمرها ما هتبعد عنك. المهم يا بوسي، أنا كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
بيسان: خير يا جدو، في حاجة؟
زين: أنا عايزك تخلي بالك من نفسك كويس وفي الجامعة، ما تبعديش عن الحرس حتى لو دخلتي الحمام يستنّوكي على الباب ويدخلوا معاكي المحاضرات، وما تتكلميش مع أي حد خالص غير ليلى.
بيسان: حاضر يا جدو، بس ليه كل ده؟ وبعدين على فكرة كل الطلبة مش بيتكلموا معايا أصلاً لما بيشوفوا الحرس اللي ورايا.
زين: اسمعي كلامي من غير مناقشة.
بيسان: حاضر يا جدو.
زين: يا معتز يا معتز.
معتز: أوامرك يا باشا.
زين يقترب منه ويهمس في أذنه: عايزك تزود الحراسة على فريدة وبيسان، عايز جاردات يفوتوا في الحديد ومتدربين على كل أسلحتهم.
معتز: تمام حضرتك، أنا فعلاً عملت كده بعد مقابلتك مع زياد المنشاوي.
زين: أنا هعتمد عليك يا معتز، ما تسيبش حاجة للصدفة، رتب نفسك كويس واتعامل مع أي خطر يهدد حياة أحفادي.
معتز: الله المستعان يا باشا.
تخرج بيسان تركب سيارتها المعتادة لكن الحرس هذه المرة أكثر بكثير.
تصل سيارة بيسان إلى الجامعة وورائها ثلاث سيارات حراسة.
تصل ليلى في نفس الوقت ليتقابلا عند الباب.
يدخل وراء بيسان أربع حراس ضخام الجثة وواضعين أسلحتهم بخصرهم واضحة للعيان وأمامهم معتز.
ليلى: يا نهار أسود! يا بيسان، أنتم أعلنتوا الحرب على الجامعة ولا إيه؟
بيسان: لا يا ليلى، دي أوامر جدي. مش كفاية الحرس اللي حطيتهم تميم كمان؟ كبير الحرس بتاع جدو وورا كل العربيات دي وكلهم فيهم حرس. أنا زهقت والله يا ليلى. تعرفي أنا نفسي في إيه؟ نفسي أركب المترو أو أتوبيس، ونفسي أمشي في الشارع زي الناس كده، وآكل فول وطعمية على العربية.
ليلى: بضحك: ربنا يديكِ لنفسك فيه يا حبيبتي. المهم قولي لي، هو أنتم عندكم جيش غير الجيش بتاعنا العادي ده يعني؟
بيسان: ضحكتني يا ليلى، وأنا ما ليش نفسي أضحك.
ليلى: بينا على المحاضرة أحسن الدكتور هيعلقنا، قصدي هيعلقني أنا. أنت معاكي حرس يعلق الجامعة كلها، أنا اللي هروح في الرجلين.
بيسان: المهم يا ليلى، هتيجي تذاكري معايا النهارده؟
ليلى: بخجل: أنا آسفة يا بوسي، مش هعرف أجي.
بيسان: هو أنت لسه زعلانه من اللي مامي عملته؟ يا ليلى، أنا آسفة يا حبيبتي، حقك عليّ.
ليلى: مش قصدي كده يا بوسي، بس غصب عني مش هقدر آجي اليومين دول، ناجلها شوية.
بيسان: يا ليلى، الدكتور بتاع النهارده أنا مش بفهم منه حاجة والمادة بتاعته صعبة قوي، مش بفهمها غير منك. يعني أنت لازم تيجي تشرحها لي النهارده.
ليلى: نتكلم بعدين، نخلص المحاضرة وبعدين نتكلم.
بيسان: ماشي يا ليلى، بعد المحاضرة نتكلم.
بعد مرور عدة ساعات.
في منزل ليلى.
بعد العصر يرن التليفون ليلى.
ليلى: خير، ده رقم زين القاضي، يا ترى في إيه؟
تفتح ليلى الخط.
ليلى: السلام عليكم يا جدو.
زين: وعليكم السلام يا ست لولا، عاملة إيه يا حبيبتي؟ واختك والسيدة خديجة هانم، يا رب يكونوا بخير.
ليلى: الحمد لله يا جدو، كلنا بخير.
زين: أنا زعلانة منك يا ليلى علشان أنت لسه زعلانة بعد اللي حصل.
ليلى: استغفر الله يا جدو، أنا ما أقدرش أزعل من حضرتك.
زين: خلاص يبقى تيجي النهارده تذاكري مع بوسي كالعادة.
ليلى: بضيق: حاضر يا جدو، هاجي إن شاء الله.
زين: تمام، يا ليلى. هبعت لك السواق ياخدك كمان ساعة.
ليلى: إن شاء الله يا جدو، هكون جاهزة.
في مطار القاهرة.
تصل الطائرة القادمة من لندن وعلى متنها تميم القاضي ودادا مديحة.
ينزل تميم من الطائرة ينهي إجراءات الوصول في صالة كبار الزوار.
يخرج من المطار ليجد أسطول من السيارات في انتظاره ومعهم معتز كبير الحرس.
تميم: مندهش: أنت عرفت منين يا معتز إن أنا هوصل النهارده؟
معتز: زين باشا هو اللي بعتني.
تميم: طبعاً، ما فيش حاجة تستخبي عليه، ده جدي عارف ملكة بريطانيا مخبية فلوسها فين، مش هيعرف إن أنا هوصل النهارده؟ وإيه كل الحراسة دي؟
معتز: دي أوامر الباشا الكبير.
تميم: ماشي يا معتز، يلا بينا على القصر عشان كده أنا قلقت قوي.
معتز: تمام يا باشا.
ويفتح تميم الباب ويدخل مديحة ثم يركب بجوارها ويركب الحرس وينطلق الموكب في اتجاه القصر.
في قصر القاضي داخل غرفة المكتب.
تنتهي ليلى وبيسان من المذاكرة وتغلق بيسان الحاسوب الخاص بها وتقول بصوت متعب: ياااااه، إحنا تعبنا قوي يا ليلى.
ليلى: أنا عيني مش شايفة بيها.
لتدخل سعاد تحمل صينية طعام عليها بعض سندوتشات وكوبان من العصير.
تقوم بيسان بسرعة لتناول العصير لتصطدم بسعاد ويقع العصير على ثيابها.
بيسان: تنظر إلى ثيابها المتسخة: العصير.
ليلى: أنا هطلع أغير هدومي، وأنت استنيني هنا، مش هتأخر عليكي.
ليلى: ماشي، بس ما تتأخريش عليا، أخاف فريدة هانم تيجي وأنا لوحدي.
بيسان: ما تخافيش، مامي عندها ميتنج مهم، مش هتيجي قبل الساعة 6:00.
تصعد بيسان إلى غرفتها وتترك ليلى بمفردها.
يصل موكب السيارات الذي يحمل تميم إلى باب القصر الداخلي.
ينزل تميم من السيارة التي في المنتصف بعد أن يفتح له الحرس الباب.
يدخل تميم القصر متجهاً إلى غرفة المكتب باحثاً عن جده.
يفتح الباب ويجد فتاة ترتدي بنطال من الجينز الأزرق وتيشرت أبيض واسع طويل وترفع شعرها بكعكة عشوائية تقف ظهرها للباب تجمع الكتب من على المكتب.
تميم: أنتِ... أنتِ... جدو فين؟
تلتفت ليلى فور أن تسمع صوته لتجد أمامها شاباً يافعاً طويل القامة يرتدي بدلة أنيقة صممت خصيصاً له تحتضن جسده الطويل وساعة صنعت له تحمل حروف اسمه كعلامة خاصة به ورائحة عطره الذي يبرز حضوره المهلك وتملأ المكان حتى وصلت إلى أنفها لتحتل رئتيها مكان الهواء ليثير فيها الرهبة والرعب من هيئته.
تميم: أنتِ، أنا بكلمك.
ليلى: هااا.
رواية تكسرات الروح الفصل الثالث 3 - بقلم نادية شعيب
تميم: انتي... انتي... أنا بكلمك جدو فين؟
ليلى: هااا... هااي.
يقترب منها تميم ويسأل بهدوء: انت ما بتتكلميش ولا ما بتسمعيش ولا إيه؟ جدو فين بقول لك.
تصمت ليلى مجددًا.
تميم: طب شاوري وأنا هفهم.
في حين تترجى ليلى أحبالها الصوتية لتخرج كلمة واحدة، لكن هيهات، فقد نسيت الحروف بحضرته وكأنها مسها سحر.
وتقسم في نفسها أن قلبها أقام حفلة صاخبة يسمعها المارة من على بعد عدة شوارع، وتحاول أن تخرج صوتها.
وبعد إلحاح شديد يخرج صوتها على هيئة اهتزازات: جدك... جدك مين؟
تميم باندهام: انتي بتتكلمي أهو، كنتي واقفة زي الصنم من الأول ليه؟
ليلى تشير في وجهه بسبابتها محذرة وتتحدث بصوت مهتز: أنا مش صنم لو سمحت، اتكلم كويس.
تميم بنفاذ صبر: جدو فين ممكن أعرف؟
ليلى: مش عارفه.
تميم: خلاص روحي بسرعة اعملي لي قهوة سادة.
ليلى بصدمة: إيه... أعملك قهوة؟
تميم بعصبية: أيوه قهوة.
تحدث ليلى نفسها: (اللهم طولك يا روح، إيه يا ربي المتعجرف ده؟ هو عامل زي الطاووس كده ليه؟ ااااه... أكيد ابن فريدة، هو شبهها ومغرورة ومتكبرة زيها. ثم تنظر إليه مرة أخرى نظرة فاحصة مطولة... ااااه... وأصفر كمان زيها. الله يسامحك يا بوسي على الموقف ده).
تميم يصفق بيديه أمام وجهها: انتي سرحتي في إيه؟ انتي جالك خرس تاني؟ عاوز قهوة بقول لك.
ليلى تنظر له بطرف عينيها: هبلغ سعاد تعمل قهوة مظبوطة.
تميم: ركزي يا بنت، بقول لك سادة... سادة.
ثم يمسكها من ذراعها وهي تتحرك باتجاه الباب: وإيه هبلغ سعاد دي؟ اعمليها انتي ولا متعرفيش؟
ليلى: بعرف طبعًا.
ثم تكمل بتهكم: هعملك قهوة سادة... سادة.
تميم بتهكم هو الآخر: بسرعة يا ظريفة.
تحدث ليلى نفسها: (نهار أسود على البيت اللي نصه مجانين ده).
لتأتي لها فكرة خبيثة: أنا هوريك الظرف يا ابن فريدة.
تتجه ليلى إلى المطبخ وتعد القهوة وتضعها على صينية، وتعود إلى المكتب تدق الباب بهدوء عكس العاصفة التي تتولد بداخلها وعلى وشك الانفجار.
تميم: ادخل.
تدخل ليلى تضع الصينية على الطاولة التي يجلس أمامها تميم ويضع قدم فوق الأخرى في خيلاء وهيبة تليق به.
ليلى بهدوء خبيث ونظرة أخباث: اتفضل، يارب تعجبك.
يأخذ تميم منها الفنجان ويبدأ بتناول أول رشفة، ليسعل فجأة ويبصقها من فمه دفعة واحدة.
تضحك ليلى بجانب فمها ضحكة خبيثة لم تصل إلى عينيها.
يراها تميم ويصرخ فيها بعصبية مفرطة: انتي يا غبية يا متخلفة! أنا قلت لك قهوة سادة، انت قصدك تعمليها زيادة؟ امشي من هنا، انت مرفودة.
ويسير لها باتجاه الباب.
ليلى: إيه مرفودة دي؟ هو أنا بشتغل عندك يا غبي انت عشان ترفدني؟
وتأخذ منه الفنجان وتلقي القهوة في وجهه، ليبتل وجهه وثيابه بالقهوة الساخنة.
يقف تميم مذهولاً، وكان الأرض فقدت جاذبيتها، وكان الزمن توقف وأصوات العالم اختفت داخل دائرة من الصمت.
من هذه التي تجرأت واقتربت من هذا الإعصار؟
من هذه التي تقف في وجه هذا التميم؟
هو ليس حفيد أكبر رجل أعمال بمصر فقط، بل هو إعصار يبتلع من يحاول... فقط يحاول المساس بكرامته.
والآن بنت صغيرة تتحداه وتصيب كبرياءه في مقتل، لتتصارع الأفكار الشريرة في عقله تجاهها كأسود جائعة تركض وراء غزالة شاردة لا صاحب لها ولا مأوى.
يرفع تميم يده وينزل بها بكل ما أوتي من قوة على وجهها، لتقع على الأرض تحت قدميه، لتنسحب أنفاسها للحظات وكأنها ساعات، ليتوقف الزمن يأخذ استراحة قصيرة قبل أن يعود ليمر فوق كرامتها التي دهست تحت أقدام هذا الذي يشبه التمثال الذي قد من حديد، وكانت هيئته تلقي بظلها على ليلى، فبدا وكأنه تحول إلى صقر يحاول الانقضاض على فريسته، وهو يصيح بصوت كالإعصار: انتي اللي جبتيه لنفسك.
ليمُسكها من معصمها ويوقفها، يخرج بها من الغرفة وهي تتململ في يده وتتوسل إليه أن يتركها، لكنها وقعت في يد من لا يرحم وأصابت كبرياءه في مقتل.
يصيح تميم: يا معتز، يا معتز.
يدخل معتز يجري: خير يا تميم باشا.
ويدخل الجد في نفس اللحظة ليجد تميم يمسك ليلى بقوة من معصمها وهي تبكي وتشقق.
يأخذها زين من يده، تشعر ليلى وكأن الله أرسل لها طوق النجاة.
زين بغضب: سيب البنت يا تميم، إيه اللي بتعمله ده؟
ينظر زين إلى ليلى ويرى أنها تمسك خدها بيدها تداري آثار الصفعة.
يسحب زين يدها من على وجهها ويرى آثار أصابع تميم واضحة على وجهها.
يصرخ بغضب شديد: انت ضربتها يا تميم؟
يرفع زين يده بغضب أشد ويصفع تميم صفعة شديدة أدارت وجهه للجهة الأخرى.
تميم وقد احمرت عيناه بشدة من الغضب وتعالت أنفاسه: إيه ده يا جدو؟ انت بتضربني عشان حتة خدامة؟
تشقق ليلى ببكاء شديد، لياخذها زين بين ذراعيه ويربت على كتفها.
تنزل بيسان في نفس اللحظة تسمع صوت ليلى وهي تبكي بحرقة في أحضان جدها.
بيسان بصوت مخنوق بالبكاء: مالك يا ليلى؟ هي مامي عملت لك حاجة تاني؟
فهي لم تر تميم بعد، ثم تنظر بيسان للجهة الأخرى لترى تميم ينظر بغيظ لليلى، يكاد يفتك بها.
تصرخ بيسان بسعادة: انت جيت امتى يا تميم؟ وحشتني قوي.
وتلقي نفسها في أحضانه.
يحتضنها تميم ويربت على كتفها بحنان: وحشتيني يا بوسي، عاملة إيه؟
يصرخ فيه زين: كلمني هنا يا تميم، اعتذر لليلى حالا.
تميم: أنا مستحيل أعتذر للخدامة، وبعدين هي اللي غلطت الأول.
بيسان وهي تحاول أن تكتم شهقتها: لا يا تميم، دي ليلى صاحبتي.
تميم: صاحبتك؟ اللي هو إزاي يعني؟
زين: انت غبي يا تميم وما عندكش نظر.
تميم: أنا دخلت المكتب لقيتها بتنظف، ولما طلبت منها قهوة ما اعترضتش وعملتها، أعمل إيه يعني؟ أعرف منين إنها صاحبتك؟
بيسان: كمان يا تميم، طلبت منها قهوة؟ حرام عليك يا حبيبي.
تنظر إلى ليلى بدموع: حقك عليا يا ليلى، ما تزعليش يا حبيبتي.
ينظر تميم إلى بيسان بعصبية: وانتي إزاي تسيبي حد غريب في مكتب جدو؟ وينظر إلى ليلى بريبة وشك: انتي كنتي بتعملي إيه في المكتب يا بت انتي؟
زين: كفاية يا تميم.
بصوت يغلفه غيظ شديد: وبعدين إزاي تمد إيدك عليها؟
تميم: يا جدو، هي دلقت القهوة عليا الأول.
زين بابتسامة خبيثة: ينظر إلى ليلى: دلقت القهوة عليه؟
ليلى: أيوه يا جدو، هو اللي اتنرفز الأول.
زين بضحكة خبيثة: يعني انتي اللي بهدلتيه كده؟
ويشير إلى تميم بطرف إصبعه: برافو عليك يا ليلى، انت كده حبيبتي بجد.
تميم: إيه الكلام ده يا جدو؟ بدل ما تطردها من القصر، بتبارك لها على إنجازاتها في حق كرامتي؟
زين: كرامتك اتهانت يا غبي لما مديت إيدك عليها.
ينظر زين إلى ليلى بحنان: اطلعي يا ليلى، أوضة بيسان، اغسلي وشك يا حبيبتي.
ليلى: لا يا جدو، أنا هروح عشان اتأخرت.
زين: اعملي اللي بقول لك عليه، وأنا هبعت الحرس معاكي يروحوكي لحد البيت.
ليلى: ماشي يا جدو.
تصعد ليلى السلم مع بيسان وهي تبكي بشدة.
ينظر لها تميم بنظرات تحمل غيظ العالم كله.
يتجه زين إلى تميم، يلكمه في كتفه لكمة قوية وهو يحدثه من بين أسنانه: أحمد ربنا إني مش فاضيلك، وإلا كنت عاقبتك على سوء تصرفك وربيتك من الأول.
تميم: هو إحنا هنقعد طول الليل نتكلم في موضوع البنت دي.
زين بعصبية: اسمها ليلى... ليلى.
تميم: يا جدو، أنا لما لقيت وشي وهدومي بالمنظر ده، ما عرفتش أمسك نفسي، لقيت نفسي بضربها بدون وعي. المهم يا جدو، موضوع إيه اللي خلاك تجيبني من لندن بالطريقة دي؟ أكيد مش عشان الزفتة دي صاحبة بيسان؟
زين: اطلع أوضتك ارتاح، وبكرة نتكلم.
تميم: حاضر يا جدو.
هي فريدة هانم؟
زين بنبرة مبطنة بالسخرية: عندها ميتينج مهم.
تميم: اوكي يا جدو، أشوفك الصبح.
يصعد تميم السلم بخطوات سريعة غاضبة وهو يحدث نفسه: أنا... أنا يتعمل فيا كده.
زين: بتقول حاجة يا تميم؟ مش سامعك.
ثم يتابع بسخرية: قول لمديحة تجيب لك مرهم حروق، ادهن على وشك عشان ما يسيبش علامة. هي القهوة كانت سخنة قوي يا تميم؟
وهو ينظر إليه بشماتة.
في الطابق العلوي من القصر.
يمر تميم بجوار غرفة بيسان، يسمع ليلى وهي تتحدث عنه بغضب.
ليلى: أخوكي ده واحد قليل الأدب وما عندوش ذوق، أنا مش عارفة ده إزاي حفيد زين الرجل المحترم، ولا أخوكي وانتي كلك رقة وأدب؟ ده عامل زي الطاووس، شايف نفسه على إيه ده؟
بيسان: ما تزعليش يا ليلى، والله تميم أخويا طيب، عمره ما عمل مع حد كده.
ليلى: هو أنا اللي حظي زفت دايماً؟ يطلع لي المجانين في طريقي؟ أنا همشي عشان تيته ما تقلقش عليا، تصبحي على خير يا بوسي.
بيسان: طب استني، هنزل معاكي.
ليلى: لا خليكي، أنا عارفة السكة.
تفتح ليلى الباب وتخرج وتغلق الباب خلفها.
لتتفاجأ بتميم يقف أمام الباب، يضع يديه بجانب بنطاله بكل ثقة وبرود.
تميم: على فكرة أنا سمعت اللي قلتيه.
ليلى: كويس إنك سمعت عشان تبقى عارف رأيي فيك وتعرف نفسك على حقيقتك إنك شخص بارد ومستفز وقليل الذوق وفوق كل ده غبي.
تميم: اتلمي، أنا ساكتلك عشان جدو، اللي لولاه كنت حبستك في اسطبل الخيل تحت.
ليلى: صدقني والله ما تقدر، أنا كمان ساكتة لك عشان خاطر جدو بس، وإلا كان هيبقى ليا تصرف تاني يزعلك. أنا رأيي.
تميم: انتي فعلاً مجنونة.
ليلى بنبرة انتصار: روح اغسل وشك وحط مرهم حروق عشان ما يسيبش أثر، تفتكرني بيه كل ما تبص في المراية.
يضطر تميم في النهاية أن يتركها ويتجه إلى غرفته بخطوات سريعة غاضبة وهو يتوعدها: والله لأوريكي يا زفتة، وهعرفك المجنون هيعمل فيكي إيه.
بعض الأشخاص عندما تتألم تبحث عن شخص آخر تصب عليه الألم يساوي ألمها.
والبعض الآخر يبحث عن شخص يشاركه آلامه ويحاول إخراجه من بين فكي الألم الذي ابتلعه وكأنه وحش عملاق.
السؤال هنا... هل يشعر بي أحد؟
هل يسمع أحد صوت حزني؟
هل يرى أحد تحطم روحي إلى أشلاء؟
الإجابة: لا... لن يشعر بك أحد.
فكل من يقابلك يلقي بألمه داخل روحك المهلكة ويرحل دون أن يرف له جفن، وينتظر منك أن تتحمل العبء الذي تركه لك، وإن لم تفعل، يصب غضبه عليك من جديد.
لنظل هكذا وكأننا غارقين داخل بئر مظلم نتصارع على طريق الخروج، لكن لا مهرب، فنحن في دائرة لا فرار منها ولا ادبار، نحن في دائرة مغلقة علينا بإحكام، حيث لا سبيل لا عودة، لا نجاة، لا أمل.
في منزل ليلى.
تنزل ليلى من السيارة التي أوصلتها إلى بيتها ومعها معتز كبير الحرس، وهي تبكي طوال الطريق.
دخلت المنزل وصعدت إلى شقتها وفتحت بمفتاحها الخاص ودخلت إلى غرفتها على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها أحد، لتدخل فراشها وتتدثر نفسها وتدخل في نوبة بكاء لا تنتهي حتى الصباح.
بعد ليلة مليئة بالبكاء تستيقظ ليلى مع أذان الفجر، تتوضأ وتؤدي فرضها وتظل تبكي حتى تستيقظ نور على صوت نحيبها.
نور بخوف شديد: بتعيطي ليه يا ليلى؟
ليلى: ما فيش يا نور، سيبيني في حالي.
نور: لا مش هسيبك.
وتفزع لبكاء أختها: بتعيطي ليه؟ عرفيني، تحكي لها ليلى ما حدث من ذلك المغرور.
تربت نور على كتفها وتحتضنها وتدخل معها في نوبة بكاء جديدة حتى تنام ليلى من شدة التعب.
في قصر القاضي.
في غرفة تميم لم يهنئ تميم بالنوم في أول ليلة له بمصر، وظل طوال الليل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا ويملأه الغيظ والغضب من تلك التي تسمى ليلى، وهو يحدث نفسه: أنا... أنا تميم القاضي، بنت تعمل فيا كده؟ وكمان جدو بيدافع عنها.
يدق الباب في نفس الوقت.
تميم: ادخل.
تدخل دادا مديحة.
مديحة: صباح الخير يا تميم، إيه يا ابني ما نمتش ولا إيه؟
تميم: أنا ما عرفتش أنام طول الليل.
مديحة: انت غلطان يا تميم، غلط كبير، إزاي تمد إيدك على بنت؟ وبعدين عايدة بتقول إنها بنت كويسة جدًا وبيسان بتحبها جدًا، انت لازم تعتذر لها.
تميم: انتي كمان يا ديحة؟ بتقول اعتذر لها؟ ده شيء مستحيل.
مديحة: طب قوم يا ابني يلا، استهدى بالله وانزل يلا عشان جدك مستنيك.
تميم: هقوم آخد شاور وألبس وأحصلك يا ديحة.
في غرفة السفرة.
يجلس زين القاضي على رأس الطاولة، يدخل تميم.
تميم: صباح الخير يا زين باشا.
زين بجدية: صباح الخير يا تميم، افطر بسرعة عشان نروح الشركة.
زين: يا مديحة عرفي معتز إننا هنمشي كمان نص ساعة، نروح على الشركة.
مديحة: أوامرك يا زين باشا.
تميم: أمال فريدة هانم فين يا جدو؟
تدخل فريدة في نفس اللحظة وتصيح بسعادة: تميييييم؟ جيت امتى يا حبيبي، وحشتني قوي.
وتتجه إليه ركضًا وتحتضنه بحب، ويحتضنها هو بفتور.
تميم: إزيك يا فريدة هانم؟
وينظر لها نظرة فاحصة: جميلة زي ما انتي.
فريدة بسعادة وخيلاء وهي تنظر إلى نفسها: ميرسي يا حبيبي، جيت امتى؟
تميم وهو يجلس بلا مبالاة: جيت امبارح بالليل.
تنزل بيسان وهي تبتسم لأخيها: صباح الخير يا تميم، منور القصر يا حبيبي.
تميم: منور بيكي يا حبيبتي.
وهو ينظر لها بحب.
تميم: سوري يا بوسى، ما كنتش أعرف إن البنت دي صاحبتك، وإلا ما كنتش عملت كده.
بيسان: اوكي تمام، حصل خير.
فريدة: إيه اللي حصل؟ فهموني، وصاحبتك مين دي؟
بيسان: ليلى يا مامي، حصل سوء تفاهم بينها وبين تميم.
زين بعصبية: انت بتسمي إنه يضربها بالقلم سوء تفاهم يا بيسان؟ دي اسمها وقاحة وقلة أدب.
تميم: أنا آسف يا جدو، ما كنتش أعرف إنها صاحبة بوسي.
فريدة بسعادة ونظرة خبيثة: انت ضربتها؟ والله برافو عليك، انت عملت اللي نفسي فيه.
زين بغضب: خلاص يا فريدة.
ليقوم يقف بعصبية: يلا يا تميم، اتأخرنا.
يتجه تميم والجد لركوب السيارة وتتبعهم سيارات الحراسة إلى الباب الخارجي للقصر، وفجأة تقف السيارات ليجد فتاة تقف أمام الموكب ولا تريد أن تتحرك، وتحاول أن تهجم على السيارة التي يركبها تميم وتصيح بكامل صوتها: انزل يا تميم.
رواية تكسرات الروح الفصل الرابع 4 - بقلم نادية شعيب
"ما أجمل خوض الحروب من أجل عائلتي، ولو عاد بي الزمن لاخوضها مرات ومرات ومرات، حتى لو هزمت مرات ومرات ومرات، فإذا تعلق الأمر بعائلتي، فلتحترق كل القوانين والأعراف والتقاليد، وليذهب الجميع إلى الجحيم، و لتبقى أختي بسلام...... وفقط."
ينزل معتز من سيارته يحاول معرفة سبب توقف الموكب، ليجد نور تعترض طريق الموكب وتضع يديها في وسطها، وتتطاير نيران الغضب من عينيها وكأنها تنين، وتصيح بغضب: "انزل... انزل يا تميم!" وتحاول الهجوم على سيارة تميم، لكن يمنعها معتز قبل وصولها إلى السيارة ويمسك بها.
ينزل تميم وهو يصيح بغضب: "مين المجنونة دي؟"
نور: "أنا مجنونة؟ أنا هعرفك مين هو اللي مجنون، أنت اللي مجنون لما تمد إيدك على أختي تبقى مجنون وستين مجنون!"
يحاول الحراس التدخل لإبعادها، لكن يشير لهم معتز بيديه فيقف كل حارس مكانه.
معتز: "اهدي يا آنسة نور، في إيه؟"
نور بعصبية: "أنا اللي في إيه؟ أنت اللي في إيه، إزاي تميم الزفت ده يمد إيده على ليلى أختي؟"
تميم: "... آه، كده فهمت."
"أنتِ أخت المجنونة اللي اسمها ليلى."
تحاول نور الهجوم عليه مرة أخرى وهي تصيح: "سيبني يا عمو!" لكن يمسكها معتز وهو يحاول كتم ضحكاته.
فتصيح بغضب: "مين دي اللي مجنونة؟ احترم نفسك، أنت اتشطرت على أختي ومديت إيدك عليها علشان هي مؤدبة وأكيد ما ردتش عليك، لكن أنا جاية آخد حق أختي منك."
هنا ينفجر معتز ضاحكًا، فيثير غضبها أكثر.
ترفع نور سبابتها في وجهه: "لو سمحت يا عمو، متضحكش عليا."
يحدثها معتز هامسًا: "هتاخدي حق أختك إزاي وكل الحرس دول واقفين؟" ثم يربت على كتفها: "ارجعي أنتِ بيتكم، وزين باشا هيتصرف معاه."
هنا تهدأ نور قليلاً وتقترب من معتز وتهمس له بترجّي: "حضرتك تمسكهم وتمنعهم يدخلوا، وتسيبني أنا أتصرف مع ابن فريدة."
يضحك معتز ملء فمه، ثم يقترب منها أكثر هامسًا في أذنها: "أنا أصلاً شغلي إني أمنع أي حد يوصل لتميم، قصدي ابن فريدة، وبعدين أنتِ مش شايفه حجم الجاردات عامل إزاي؟" ويشير بيديه اتجاه الحراس: "محدش يعرف يمسكهم، ده لو واحد فيهم كح ناحيتك هتفتكريها عاصفة وتفقدي وعيك."
تشعر نور بالضعف وتنظر باتجاه الحراس بخيبة أمل وتتحدث مترجية: "حضرتك شاورت لهم من شوية وهم وقفوا مكانهم، يعني بيسمعوا كلامك."
معتز: "فعلاً، بس علشان أنتِ كنتِ بعيد، لكن لو حاولتي تقربي من تميم، أنا نفسي مش هقدر أمنعهم، دول رجالة تاكل اللحمة نية."
فتشعر نور بإحباط وتتحدث وهي تنظر إليهم بخوف: "لحمة نية... نية... نية يعني؟"
معتز يومئ برأسه كاتمًا ضحكاته: "نية... نية. وبعدين مش شايفة السلاح اللي في وسطهم؟"
ترتعد نور قائلة: "هو السلاح ده حقيقي... حقيقي يعني بيموت بجد؟"
يضحك معتز على سذاجتها ويهز رأسه ويستخدم كلماتها: "حقيقي... حقيقي، وبي موت بجد كمان."
تنظر إليه نور وتحدث نفسها بصوت سمعه معتز: "يا نهار أسود، إيه المصيبة السودة دي؟"
لكن سرعان ما تغضب ثانية وتصيح: "ولو... برضه مش هسيب حق أختي."
معتز: "حتى لو مفيش حرس، مش هتعرفي تعملي لتميم حاجة، أنتِ مش شايفة عضلاته عاملة إزاي؟"
نور بيأس وهي تنظر أرضًا: "عندك حق والله يا عمو."
تميم بغيظ: "خلصونا منها، كفاية كده، هو أنا هقفل يومي بواحدة مجنونة وأبدأ اليوم التاني بأختها اللي أجن منها." ثم يشير لأحد الحراس بغضب: "مشيها، إحنا مش فاضيين." ثم يتجه بنظره إليها يصيح بحده محذرًا: "امشي بدل ما الحرس يتعاملوا معاكي بطريقتهم."
تنظر نور إلى معتز تستعطفه: "شايف يا عمو، كل ما أسكت هو يغلط إزاي؟" وتشير اتجاه تميم.
يحدث تميم الحراس بغضب: "مشيها من هنا."
نور تشير إليهم بطرف إصبعها وتصيح بتحدي مزيف وهي ترتعد من هيئة الحراس: "لو فيكم راجل يقرب ويشوف أنا هعمل إيه."
يراقب الجد زين ما يحدث من داخل سيارته وهو يبتسم بخبث، ثم ينزل ويوجه حديثه إلى نور ويحاول أن يمتص غضبها.
"خلاص يا نور، أنا خلصت الحكاية مع تميم، وهو مستعد يروح لحد بيتكم علشان يعتذر لك."
تميم بصوت أجش يحمل كل غضب العالم: "اعتذر إيه يا جدو، وأروح لها فين دي كمان؟"
نور: "إحنا مش عايزينك تعتذر، ومش هنقبل اعتذارك لو اعتذرت 100 سنة قدام، وبكيت بدل الدموع دم."
تميم: "هو مين ده يا بت أنتِ اللي يعتذر 100 سنة ويبكي دم؟"
زين يهمس بسخرية بجانب فمه: "اركب أنت العربية." ويكمل بخبث: "هي ليلى علمت عليك امبارح، وأختها النهارده. اركب العربية يا حبيبي، اركب."
بينما تصيح نور في وجه تميم: "والله ما هسيبك!" وهي تشير بيديها بحركات وكأنها ستفتك به إذا طالته قبضتها، فمن يراها يقسم أنها مجنونة.
تميم بغيظ: "والله يا جدو أنا ساكت لهم علشان خاطر حضرتك، بس كده الجنان زاد عن الحد وأنا مش مضطر أستحملهم أكتر من كده."
زين: "اركب يا حبيبي، اركب. أنت عارف لو معتز سابها هتعمل فيك إيه؟"
يحترق تميم غضبًا: "هتعمل إيه يعني يا جدو؟ هو أنت مفكرني قليل أوي كده؟"
زين: "اسكت أنت، وأنا هديها. وبعدين متنساش عملتك السودة في حق أختها." ويتجه بنظره إلى نور: "عاملة إيه يا حبيبتي؟ وخديجة هانم أخبارها إيه؟" في محاولة لامتصاص غضبه.
نور: "الحمد لله يا جدو، إحنا كنا بخير قبل حفيدك ما ينزل مصر، لكن دلوقتي إحنا مش بخير خالص، لو عاوز رأيي يا جدو خليه يرجع البلد اللي كان عايش فيها، صدقني الحل ده أفضل للكل." ثم تخفض صوتها في محاولة لإقناعه: "حفيدك ده هيعمل لك كل يوم مشكلة، رجعه تاني أحسن لك والله. اشتري مني، أنا عارفة الأشكال دي كويس، حضرتك راجل طيب ومحترم، وما تستاهلش يبقى عندك حفيد بتاع مشاكل زي ده."
هنا ينفجر الجميع ضحكًا من رد فعل تلك الصغيرة التي تدافع عن أختها.
هنا يغضب تميم بشدة وينهر الحراس بعينيه التي تطلق نظرات وكأنها طلقات تصيب وتقتل، فيصمت الجميع وينظرون أرضًا خوفًا من هيئته التي تحولت، فأصبح وكأنه مصاص دماء.
زين ضاحكًا: "اشتري منك... حاضر، هشترى. أنا هخليه يروح يعتذر لها في البيت."
نور: "والله يا جدو، إحنا ما نمناش من امبارح وليلى أختي طول الليل تعيط."
زين: "روحي أنتِ، وأنا هتصرف في الموضوع ده." ويتجه بنظره إلى معتز: "خلي عربية من بتوع الحرس توصل الآنسة نور لحد باب البيت."
نور: "شكرًا يا جدو، أنا هروح زي ما جيت."
زين: "لا ما ينفعش، أنا هبعت عربية معاكي. وبعدين أنتِ وصلتي لحد هنا إزاي بدري كده؟ وما فيش مواصلات بتوصل هنا؟"
نور بثقة لا تتناسب مع حجمها: "ما تقلقش عليا، أنا بعرف أتصرف."
زين بحب: "لا تاني مرة متتصرفيش من نفسك، أي حاجة تعوزيها كلميني وأنا اللي أتصرف."
"ابعت عربية معاها يا معتز."
معتز: "أوامرك يا باشا."
نور: "شكرًا يا جدو."
يتجه تميم والجد إلى السيارة ويركبان. يقول تميم بصوت يملاه الغضب: "حضرتك يا جدو، جرات البنات دي علينا قوي، وبعدين إزاي توعدها إني أروح أعتذر لهم في بيتهم؟ ده مستحيل يحصل."
زين: "أنت متعرفش الناس دي، ليلى وجدتها وأختها ناس محترمين جدا، وبيسان أختك بتحبها وما تقدرش تستغنى عنها أبدًا. ليلى بنت أصيلة ومحترمة، وهي الوحيدة اللي عرفت تخرج بيسان من الدايرة اللي كانت قافلاها على نفسها دي، بتتعامل معاها كأنها مامتها. وبعدين بيعجبني فيهم شجاعتهم، يعني ليلى امبارح ما خفتش منك وبهدلتك في عقر دارك، والنهاردة أختها وقفت عشانها قدام كل الحراس وبهدلتك برضه من غير ما تفكر ممكن يحصل لها إيه."
تميم: "خلاص خلاص يا جدو، هو حضرتك فرحان إنهم بهدلوني كده ليه؟ وبعدين أنا من ساعة ما وصلت وحضرتك كل شوية قصيدة في حب ليلى، حضرتك بقيت عامل زي قيس ما كانش على لسانه إلا ليلى... ليلى. أنا كده هبدأ أشك فيك، هو حضرتك عاوز تجدد شبابك ولا إيه؟"
يضحك زين بكامل صوته ويقول في نفسه: "شكلك أنت اللي هتبقى قيس اللي اتجنن من حب ليلى."
في منزل ليلى.
تفتح نور الباب بمفتاحها الخاص وتدخل على أطراف أصابعها، لتتفاجأ بليلى تقف أمامها وتضع يديها في جيب بنطال ملابسها البيتية لتقول بغضب مكتوم: "كنتي فين يا نور على الصبح وداخلة تتسحبي زي الحرامية؟"
نور وهي تتصنع الحزن: "أنا حرامية يا ليلى؟ الله يسامحك."
ليلى: "كنتي فين بقول لك؟ ولا أصحّي تيتا تسألك هي." وتشير بيدها اتجاه غرفة الجدة.
نور: "لا خلاص، هعترف..... هعترف..... هقول بس ما تزعقيش.... أنا... أنا... أنا... كنت في قصر القاضي."
تخبط ليلى بيدها على صدرها وتشهق: "يا نهار أسود! يا نور كنتِ فين؟"
نور: "كنت في قصر القاضي."
ليلى: "بتعملي إيه؟"
نور: "رحت اتخانقت مع الطاووس ابن فريدة."
ليلى: "كده برضه يا نور؟ أنا غلطت إني قلت لك."
نور: "أنا ما عرفتش أنام يا ليلى من ساعة ما حكيت لي، ما صدقت النهار طلع لبست هدومي ورحت على قصر القاضي، وما حسيتش بنفسي إلا وأنا بهزقه."
ليلى: "وهو عمل لك حاجة؟"
نور: "لا ما عمليش حاجة، هو اتشطر عليكي أنتِ عشان مؤدبة، لكن قدامي أنا كان عامل زي الكتكوت المبلول."
ليلى بتهكم: "كتكوت إيه يا كدابة؟ الله يخرب عقلك، ده ديناصور."
نور: "والله لولا الجاردات اللي معاه كان زمانه في المستشفى، مش عارفين يخيطوا فيه إيه ولا إيه."
ليلى بغضب: "ابعدي عنه وما تروحيش هناك تاني."
نور: "حاضر، مش هروح. بس تصدقي، ما ارتحتش برضه، فيلم الأكشن اللي عملته معاه كان عاوز جزء تاني، لو معتز سابني عليه كان زماني..." وتضغط على أسنانها في حركة تنم عن الغضب: "كنت... كنت... قطعته بسناني."
لتقاطعها ليلى: "خلاص يا نور، كفاية الجزء الأول."
نور: "حاضر، عشان خاطرك أنتِ بس."
ليلى: "على المطبخ يا اختي، حضري الفطار، أنا مصدعة ومش قادرة أقف."
نور: "ماشي يا قمر، خمس دقايق والفطار يكون جاهز."
ليلى: "ماشي يا لمضة، أما نشوف."
في مكتب زين القاضي...
يفتح معتز الباب لتجد غرفة كبيرة الحجم جدا مقسمة إلى عدة أقسام. في الواجهة مكتب كبير من الخشب الأرو الأحمر مطعم بالنحاس والعاج يشبه تصاميم العهد الملكي، وراءه كرسي كبير الحجم مغطى بالجلد الزيتي، ومن الخلف صورة زيتية كبيرة الحجم لزين القاضي رسمت بيد فنان عالمي. أما في الجهة الأخرى طقم أنتريه كبير من الجلد الأسود مطعم باللون الذهبي بتناسق مهدئ للعين، وراءه خزانة على الحائط من خشب الصنوبر الطبيعي وضع عليها الكثير من التحف الكلاسيكية الفخمة لتضفي لمسة جمالية رائعة تحيط بالمكان لتشعر وكأنك داخل محراب مقدس. في الجانب الثالث طاولة اجتماعات تتسع لأكثر من 30 كرسي للاجتماعات الهامة، بالإضافة إلى مكتبة تضم عشرات وعشرات من الكتب والتي تجعلك تبدو بجوارها ضئيل الحجم. أما عن الحوائط فهي باللون الأسود والبني والذهبي معلق عليها لوحات عالمية لأشهر فنان العالم تقدر قيمتها بملايين الدولارات، فالشكل العام للمكتب يبعث الرهبة في قلوب الضيوف.
يدخل زين وتميم، ويغلق معتز الباب خلفه.
تميم وهو يشعر بضجر: "شغل إيه يا جدو اللي كنت عايزني فيه وخلاك ترجعني من لندن بالطريقة دي؟"
زين بتهكم وسخرية واضحة: "يضحك بكامل صوته... هو أنت مفكر إن أنا مرجعك من لندن علشان في شغل واقف قصادي؟!!!!!! أنت نسيت أنا مين يا تميم ولا إيه؟ أنا أقدر أدور اقتصاد مصر كله وأنا قاعد في سريري. أنا جايبك عشان موضوع أهم من الشغل والشركات والصفقات، الموضوع بقى موضوع حياة أو موت." ثم يعاود هدوءه: "وعلى فكرة، لو ما كنتش رجعت برضاك، أنا كنت هبعت اللي يجيبك في شوال!!!"
تميم: "ليه كل ده يا جدو؟ في إيه؟ خوفتني."
يستعيد زين هدوءه أكثر ويتحدث بنبرة رزينة: "عارف زياد المنشاوي؟"
تميم: "أيوه، أنا عارف الاسم ده... ده رجل أعمال مشهور، وحضرتك كسبت منه الصفقات الأخيرة، هو تقريبًا قرب يعلن إفلاسه."
زين: "بعض كلامك صحيح، لكن هو ما قربش يعلن إفلاسه ولا حاجة، لأنه بجانب شركاته اللي الكل عارفها، له أنشطة تانية مشبوهة."
يعتدل تميم في جلسته ويسأل باهتمام.
تميم بصدمة: "أنشطة مشبوهة؟"
زين: "هو بيشتغل في السلاح والرقيق الأبيض والمخدرات وآثار وغسيل أموال، وكل ما هو غير قانوني. ومن فترة جالي وكان عاوز يشاركني في صفقة مواد خام جاية من بره لزوم مصنع السيراميك بتاعنا، كان يعني عاوزني أستورد له مواد خام لمصانعه، وأنا رفضت أشاركه طبعًا. وبعد كده عرفت بشكل غير مباشر إنه كان ناوي يدخل شحنة أسلحة ومخدرات داخل الشحنة بتاعتي، ولما أنا رفضت لف على الست والدتك علشان تشاركوا في شحنة أجهزة طبية مستوردها علشان المستشفى الاستثماري، ولو لا قدر الله الشحنة اتمسكت والدتك تلبسها ويطلع هو منها لأن الشراكة كانت من الباطن. وفعلاً فريدة كانت موافقة، لكن أنا منعتها."
تميم: "وهي رضخت لحضرتك بسهولة كده؟"
زين: "لأ طبعًا، أنا هددتها لو الصفقة تمت هدمر لها الشركة، وهي طبعًا خافت وتراجعت، بس من غير ما تعرف السبب. وأنا من خلال معارفي في الداخلية وصلت لهم خبر عن الشحنة اياها، وهم تتبعوها واتمسكت الحمد لله. لكن زياد عرف إني أنا اللي ورا القبض على الشحنة، وعرف برضه إنه عاوز ينتقم مني، علشان كده خفت عليك وجبتك هنا علشان تكون قدامي وتحت عيني وأعرف أحميك أنت وبيسان."
تميم مدهشًا: "وهو ما دخلش السجن؟؟؟؟!!!!"
زين: "للأسف لا، لأنه كان مشارك رجل أعمال من الباطن، وأوراق الشحن كانت باسمه، فشلها هو وزياد طلع منها، واسمه حتى ما ترددش في القضية."
تميم: "إزاي ده؟"
زين: "لأن زياد هدد الراجل بقتل ولاده لو جاب سيرته في التحقيق، فالراجل خاف وشالها لوحده."
تميم: "والشراكة دي مكنش لها أوراق تثبت تورط زياد؟"
زين: "للأسف، زياد كان عامل حساب كل حاجة، ومكتب الشريك اتعرض لحريق كبير بعد القبض على الشحنة بدقائق."
تميم: "ده كان مأمن نفسه كويس."
زين: "علشان كده إحنا كمان عاوزين نأمن نفسنا كويس."
تميم: "متقلقش يا جدو."
زين: "أنا ما ليش حد غيرك أنت وبيسان يا حبيبي، أنتم أهم حاجة في حياتي بعد ابني الله يرحمه."
تميم: "إن شاء الله خير، بس إحنا مش لازم نستنى الضربة اللي مش عارفين جايه منين، إحنا لازم نسبق بخطوة ونأمن نفسنا. وبالنسبة لبيسان، بلاش تروح الجامعة خالص."
زين: "أنا مش عاوز زياد المنشاوي يحس إن إحنا خايفين منه."
تميم: "عندك حق يا جدو."
تميم: "أنا هراجع ترتيبات الإجراءات الأمنية مع معتز ونزود الحراسة وكاميرات المراقبة في الشركة وفي القصر. والأهم لازم نتأكد من ولاء الناس القريبين علشان نضمن إن تحركاتنا تكون سرية، دي أول خطوة. أنا هرتب كل حاجة مع معتز، وحضرتك ما تحملش هم يا جدو."
زين: "أنا كان عشمي فيك كده برضه. استعنا بالله، روح على مكتبك، أنا خليت معتز جهز لك مكتب مصطفى الله يرحمه، وجهز لك أوضة جيم ملحقة بيه وفيها أحدث أجهزة علشان أما تتنرفز ما تطلعش غضبك في الموظفين وتكرر غلطة امبارح. يلا، الله المستعان."
تميم: "الله المستعان."
وياخذ معتز ويذهب إلى مكتبه.
في قصر القاضي...
تنزل بيسان من غرفتها إلى بهو القصر تبحث عن داده عايدة فلم تجدها، تدخل إلى المطبخ.
بيسان: "صباح الخير يا دادا." بابتسامتها المشرقة.
عايدة ومديحة: "صباح الورد على عيونك يا قمر."
بيسان: "أنا جعانة، عايزة آكل."
عايدة: "حاضر يا بوسي، دقائق وأحضر لك أحلى أكل، على ما تجهزي."
بيسان: "أنا مش رايحة الكلية النهارده."
عايدة: "ليه يا بوسي؟"
بيسان: "أكيد ليلى مش هتروح بعد اللي حصل من تميم."
عايدة: "آه، أكيد عندك حق، تلاقيها لسه زعلانه."
بيسان: "حقها والله."
مديحة: "أنا مش عارفة إيه اللي حصل، بس أكيد ليلى عصبته جامد، هو عمره ما عمل كده مع حد."
بيسان: "حتى لو عصبته يا دادا، ده مش مبرر إنه يضربها."
عايدة: "عندك حق يا بوسي."
مديحة: "أنا مش عارفة إيه اللي حصل، بس تميم ما فيش حد في طيبة قلبه وحنيته، أكيد في سبب تاني."
بيسان: "على العموم، أنا هاكل معاكم في المطبخ."
عايدة: "لأ يا بوسي، لو الست فريدة هانم نزلت وشافتك بتاكلي في المطبخ، هيبقى الدم للركب."
بيسان بضحك: "لأ يا دادا، مامي بتلعب رياضة، وقدامها أكتر من نص ساعة على بال ما تخلص، نكون أكلنا."
عايدة: "كده هعمل لك أحلى أكل."
تقوم عايدة وتضع أطباق كثيرة على مائدة المطبخ وتبدأ في تناول الطعام هي ومديحة وبيسان.
في لندن، في شركة تميم.
يجلس سليم داخل مكتبه يتابع أعماله على الحاسوب الخاص به. يفتح الباب فجأة بغضب لينتفض سليم فزعًا ليجد أمامه بيرلا تنظر إليه بغيظ ونيران الغضب تتطاير من عينيها.
سليم: "إيه اللي بتعمليه ده؟"
بيرلا: "أين تميم؟"
سليم: "نزل مصر."
بيرلا: "فجأة دون أن يخبرني؟"
سليم: "للأسف، حصل ظرف طارئ اضطر ينزل من غير ما يبلغ حد."
بيرلا: "علمت أنكم تنهون أعمالكم بلندن وستستقرون بمصر."
سليم: "عرفت منين؟"
بيرلا: "لا يعنيك."
"لماذا عاد تميم إلى مصر؟"
سليم: "معرفش."
بيرلا: "هل يريد زين القاضي أن يزوجه من مصرية؟"
سليم: "لا أعرف."
بيرلا: "كنت أعلم أنك لن تتحدث." ثم تصرخ بيرلا بغضب: "سوف أعلم بطريقتي."
في مصر، في مكتب تميم.
يجلس تميم يتابع أعماله على الحاسوب بعنجهية تليق به، ثم يتصل بالبوفيه يطلب قهوة.
"الو، هات لي قهوة سادة يا ابني على المكتب."
عامل البوفيه: "أوامرك يا باشا."
يردف تميم: "سادة... سادة." ويغلق الهاتف، ثم يقف ويتجه إلى الشرفة الزجاجية ينظر إلى الطريق ويسرح في تلك المجنونة التي تحدت كبرياءه وأهانته ليشعر بالضجر والغضب: "أنا... أنا تميم القاضي، بنت تعمل معي كده؟ أقسم بالله لأوريكِ، بس أخلص من موضوع زياد المنشاوي يا زفتة أنتِ."
يدخل معتز: "السلام عليكم."
تميم: "عليكم السلام. عملت اللي قلت لك عليه؟"
معتز: "حصل يا باشا."
تميم: "إيه الأخبار؟"
معتز: "في واحد من الرجالة القريبين قوي من المنشاوي، ممكن نجنده لصالحنا."
تميم: "إزاي؟"
معتز: "الراجل ده كان خاطب بنت زميلته في الشركة في قسم الحسابات، وكانوا قربوا يتجوزوا، لكن لما شافها المنشاوي في حفلة الشركة عجبته وقرر يضمها للقائمة بتاعته. والراجل طبعًا ما قدرش يعمل معاه حاجة لأن البنت عينها زغللت بالفلوس والهدايا، وفكرت إن المنشاوي هيتجوزها، لكن هو غفلها وضحك عليها وبعد كده اداها المقلب الكبير. فده لو عرفنا نوصل له، هيكون سهل علينا الطريق كتير، خاصة إنه مستني الوقت المناسب علشان ياخد تاره من المنشاوي."
تميم: "ممتاز، هو ده الشخص اللي نشتغل عليه. اتواصل معاه واعرض عليه أي مبلغ."
ثم يرن هاتف تميم، ينهض معتز في عجالة: "عن إذنك يا باشا."
يتناول تميم الهاتف ليجد بيرلا تتصل.
تميم: "كيف حالك؟"
بيرلا: "أنا لست بخير."
تميم: "لماذا؟ هل أنتِ مريضة؟"
بيرلا: "لا، لكنك سافرت إلى مصر دون أن تعطينى خبر، وعلمت عن طريق الصدفة إنك ستستقر هناك وستتزوج من مصرية اختارها لك جدك."
يضحك تميم ملء فمه حتى ظهرت نواجذه: "مين قال لك ذلك؟ أنا لن أتزوج مصرية أو غيرها، أنا هنا من أجل العمل وفقط."
بيرلا: "وقد هدأت. حتى أنا لن تتزوجني؟"
تميم: "أنا لم يسبق أن حدثتك في أمر الزواج."
بيرلا: "لكنني أحبك."
تميم: "أعلم ذلك، لكنني لا أنوي الزواج."
بيرلا: "وقد يئست من إقناعه بالزواج. هل ستعود إلى لندن مرة أخرى؟"
تميم: "في هذا الوقت لا أعلم، ربما لاحقًا بعد فترة من الزمن. إلى اللقاء بيرلا." ويغلق الخط.
في قصر القاضي مساء.
يجلس الجد بغرفته يقرأ كتابًا. يدق الباب بنغمة يعرفها زين جيدًا.
زين: "ادخلي يا بوسي."
بيسان: "مساء الخير يا جدو."
زين: "مساء الخير يا حبيبتي، إيه؟ كنتِ عايزة حاجة؟"
بيسان وهي تدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا وتفرك يديها بتوتر: "أيوه يا جدو، عاوزة أروح عند ليلى أذاكر معاها."
ينتبه الجد ويخلع نظارته ويقول: "ليه يا بوسي؟"
بيسان: "ليلى رفضت تيجي القصر يا جدو، وبصراحة هي عندها حق، كل ما تيجي يحصل معاها مشكلة، يا إما مامي يا إما تميم. غلطة تميم كبيرة قوي يا جدو، وأنا فعلاً مكسوفة من ليلى."
زين يحدث نفسه: "والله البنت عندها حق، الواحد فعلاً مكسوف منها." ثم ينتبه وينظر نظرة خبيثة ويبتسم ابتسامة جانبية مزيفة ويقول: "ماشي يا بوسي، ابعتي لي تميم وأنا هتصرف."
بيسان: "تميم ليه؟ يا جدو ما تقلوش، هو مش هيرضى."
زين: "ابعتيه بس، وأنا هتصرف."
وبعد عدة دقائق يأتي تميم إلى غرفة الجد ويدق الباب.
زين: "ادخل يا تميم."
تميم: "حضرتك كنت عاوزني يا جدو؟"
زين وهو يدعي العصبية: "عاوزك علشان تشوف نتيجة عملتك السودا."
تميم باندهاش: "خير يا جدو، أنا عملت إيه؟ أنا بقى لي يومين بس في مصر."
زين: "ليلى رفضت تيجي تذاكر مع بوسي."
تميم وهو يشعر بارتياح: "والله عملت خير، فين المشكلة بقى؟"
زين: "بيسان مبتعرفش تذاكر من غيرها."
تميم: "هذاكر لها أنا، هو حضرتك نسيت إنها نفس تخصصي؟"
زين: "يا ابني، علاقة أختك بليلى مش مهمة عشان المذاكرة وبس، ده هي الوحيدة اللي عرفت تتواصل مع أختك.. بيسان نفسها ما بتقدرش تستغنى عنها، والبنت مخلصة جدًا وأصيلة ومحترمة، نوع من البنات نادر إنك تلاقيها دلوقتي."
تميم بضجر: "والمطلوب مني إيه يا جدو؟"
زين: "تروح تعتذر لها."
تميم ببرود وكأنه حسم أمره: "آسف جدًا، ما أقدرش أعتذر لها، وما أقدرش أروح عندهم، خاصة بعد تصرف أختها النهاردة."
زين وقد نفذ صبره: "أنت عارف يعني إيه ليلى ترفض تيجي القصر؟ يعني بيسان لازم تروح لها البيت، وبيت ليلى في مكان شعبي صعب جدًا تأمين بيسان وضمان سلامتها."
تميم: "بس ده كتير قوي يا جدو."
لتدخل فريدة فجأة وهي تشيح بيديها: "بس ده كتير فعلاً يا عمي."
ليندهش تميم وزين وتنتفخ أوداجه من الغضب ويصيح فيها: "بطلي يا فريدة العادة الزفت دي، أنتِ كبرتي على الكلام ده، وبعدين لو حد من الشغالين شافك وأنتِ بتتصنتي زي المجرمين يقول عليك إيه؟" ثم يكمل بتهكم: "مش خايفة على برستيجك؟"
فريدة بارتباك: "أنا كنت معدية بالصدفة وسمعت كلامكم."
زين: "كذابة يا فريدة، دي عادتك طول عمرك."
فريدة: "يا عمي..."
يقطع تميم حديثها وينظر إلى جده: "لو سمحت يا جدو، أنا تعبان وعاوز أنام، ممكن نكمل كلامنا بكرة في الشركة علشان نعرف نتكلم براحتنا من غير ما حد يقاطعنا."
لتنظر إليه فريدة بغيظ: "يعني أنت هتروح تعتذر لها؟"
ينظر تميم إليها بطرف عينيه ثم ينظر إلى جده: "تؤمر بحاجة تانية يا جدو؟"
زين: "لأ يا تميم، تصبح على خير."
ثم يوجه تميم حديثه إلى فريدة: "تصبحين على خير يا فريدة هانم." وينحني أمامها وهو خارج بطريقة مسرحية ساخرة: "هانم."
يخرج تميم ويترك فريدة تواجه قدرها بمفردها أمام غضب زين الذي يقترب منها ببطء، ويقف في مواجهتها، ويدنو منها ويهمس بتحدي: "شيلي ليلى من راسك الفاضية دي يا فريدة، أحسن لك، وإلا قسمًا بربي هتندمي."
فريدة: "ليلى مين دي اللي تشغل بالي؟ دي ولا حاجة."
زين: "ليلى شخص مهم جدًا لبيسان، ابعدي عنها، وده آخر إنذار ليكي. لو فكرتي تأذيها، أنا اللي هقف لك وما تلوميش إلا نفسك. أنا لسه ما نسيتش اللي عملتيه زمان، اللي مسكني عليك يا فريدة إنك أم أحفادي وبس. أنتِ فاهمة؟"
يخرج كل حرف من تحت أسنانه: "ولو عقلك الفاضي ده..." (ويشير بإصبعه لرأسها) "... فكر يأذي ليلى، ساعتها هحاسبك ع القديم والجديد."
ثم يعطيها ظهره: "اتفضلي، اخرجي، عاوز أنام."
تخرج فريدة وهي تنفخ نيران الغضب وتتوعد في سرها.
صباح يوم جديد في منزل ليلى.
تستيقظ ليلى مبكرًا كالعادة، وبعد طقوسها اليومية تدخل المطبخ وتبدأ في إعداد الفطور، ثم تخرج تصيح: "يا نور... يا نور، اصحي بقى، هو كل يوم نفس الفيلم عشان تصحي؟"
نور بتهكم من تحت الغطاء: "هو كل يوم نفس الفيلم يا ليلى عشان تصحيني؟ سيبيني أنام الله يخليكي."
ليلى: "اصحي عشان تذاكري."
نور: "أنا خلصت مذاكرة."
ليلى بسخرية: "آه... خلصتيها وإنتي نايمة؟"
ليدق الباب بطريقة رسمية غريبة. تنظر ليلى إلى الباب وتتحدث بصوت خائف: "مين هيخبط علينا بدري كده؟"
ثم تتجه إلى الباب بخطوات بطيئة وهي ترتدي ملابس بيتية قصيرة تبرز ساقها وبفتحة صدر واسعة تتهدل من إحدى كتفيها لتبرز رقبتها وجزء كبير من كتفها، وترفع شعرها بكعكة عشوائية وتترك بعض خصلات تنزل على وجهها وكأنها تحتضنه.
تفتح ليلى الباب بهدوء وترقب لتجد..... آخر شخص تتمنى رؤيته.
حد عارف مين ع الباب؟
اكتبوا توقعاتكم.
رواية تكسرات الروح الفصل الخامس 5 - بقلم نادية شعيب
البارت الخامس
ليلى: (بصدمة) بس علاقتي ببيسان أكبر من كده! (ثم تكمل بتحدي) وأكبر منك أنت شخصيًا.
تميم: (وهو ما يزال يرتدي قناع البرود رغم العاصفة التي تهب بداخله) أنا وقتي ضيق ومش فاضي أتناقش معاكي. عاوزة كام يا ليلى؟
ليلى: أنت جاي تدفع ثمن كرامتي اللي دوست عليها؟
تميم: مش بالظبط كده. أنا جاي أنقذ كرامتي أنا، لأني مستحيل أعتذر لك. لكن حكاية كرامتك دي سيبيها على جنب دلوقتي، لأني مش هدفع في كرامتك فلوس طبعًا.
تقف ليلى فجأة وقد امتلأت غضبًا، وتشير بيدها في اتجاه الباب: اطلع بره! (تخرج كل حرف من بين أسنانها بغضب يوحي بنشوب حرب).
تميم: (بهدوء شديد ووجه صامت غير مقروء) فكري الأول وردي عليّ، وبلاش القرارات غير المدروسة. أنتي ممكن تاخدي مبلغ يريحكم العمر كله.
ليلى: اطلع بره قبل ما أفقد أعصابي وأعمل أكتر من كده! أنا هسكت لك بس عشان خاطر بيسان.
يتجه تميم إلى الباب ويستدير إليها ويكمل بثقة: هستنى قرارك. معاكي لبكرة بالليل.
يصل تميم إلى الباب ويتحدث بتهديد دون أن يلتفت: وطردك ليا ده هحاسبك عليه بعدين. سلام يا لولة.
تغلق ليلى الباب بغضب شديد وهي تصرخ: في ستين داهية! إنسان وقح بيهددني في بيتي!
لتسمع صوت تميم من الخارج: سمعتك على فكرة!
تصيح ليلى دون أن تفتح الباب: وغبي كمان!
في مكتب زين القاضي
يدق الباب.
زين: ادخل.
تميم: طلبتني يا جدو؟
زين: تعالى يا تميم.
يدخل تميم ويجلس على الكرسي المقابل لجده. يمد له زين يده بملف: خد الملف ده يا تميم وادرسه كويس. دي أوراق صفقة أجهزة كهربائية لدول أفريقية. تدرسها وتعمل اللازم.
تميم: حاضر يا جدو.
زين: عملت إيه في موضوع المنشاوي؟
تميم: في واحد من رجاله القريبين بنحاول نجنده لصالحنا، ومعتز شغال على الموضوع ده، وإن شاء الله تكون في أخبار كويسة في أقرب وقت.
زين: على خيرة الله. خلي بالك من نفسك كويس يا تميم. (ويكمل محذرًا بسبابته) وإوعى تأمن لحد.
تميم: أنا فعلًا شغلي في لندن علمني ما أمنش لأي حد بسهولة، لأن كل إنسان له ثمن.
زين: المهم عندي سلامتك.
تميم: ما تقلقش عليّ يا جدو. أنا برضه حفيد الثعلب الكبير، ما حدش يقدر عليّ بسهولة.
يبتسم زين ابتسامة اطمئنان ويكمل بثقة: طب يلا روح على مكتبك وادرس الصفقة دي كويس.
في مكتب تميم
يجلس تميم على مكتبه يتابع أعماله، فيدق الباب.
تميم: ادخل.
يدخل معتز بخطوات واثقة ثابتة: السلام عليكم.
تميم: أهلًا يا معتز. عملت إيه؟
معتز: نفذت أوامرك يا باشا. قابلت الراجل وعرضت عليه طلباتك، بس هو عاوز يقابل حضرتك.
تميم: (باندهاش) يقابلني ليه؟ مش أنت عرضت عليه مبلغ كويس؟
معتز: أيوه يا فندم. هو ما عندوش مشكلة إنه يتعاون معانا، بس عاوز يقابلك الأول.
تميم: أوكي. حدد معاه ميعاد وأمن مكان كويس وبلغني. أما نقابله نشوف عاوز إيه.
معتز: حاضر يا فندم. هتصرف وأبلغ حضرتك.
تميم: عاوزك تشوفلي سكرتيرة.
معتز: أوامرك يا باشا.
تميم: في خلال يومين بالكتير.
معتز: إن شاء الله.
يرن تليفون تميم. يتناول تميم الفون ليجد سليم يتصل. يفتح الهاتف.
تميم: ألو سليم، إزيك عامل إيه؟
سليم: إزيك يا صاحبي؟ وحشتني. لندن وحشة جدًا من غيرك.
تميم: أنت كمان وحشتني يا سليم. أخبارك إيه؟ عملت إيه في الشركة؟
سليم: (ساخرًا) أنت قاعد في مصر في حضن جدك وسايبني أنا أولع هنا! تصفية الشغل من ناحية وجنان بيرلا من ناحية!
تميم: (مستفهمًا) مالها بيرلا؟
سليم: هتتجنن من وقت سفرك ومصممة إنك نزلت مصر عشان تتجوز مصرية.
تميم: سيبك منها. قولي عملت إيه في الشغل؟
سليم: كام أسبوع إن شاء الله أخلص وأنزل مصر.
تميم: ياه! كام أسبوع كتير قوي! أنا محتاجك قوي معايا.
سليم: خير يا صاحبي في إيه؟
تميم: الموضوع اللي كان قلق جدو كبير فعلًا يا سليم.
سليم: خير طمني.
تميم: مش هينفع أتكلم في التليفون. أما ترجع نتكلم وهتعرف كل حاجة.
سليم: تمام يا صاحبي.
تميم: حاول تخلص بسرعة. أنا محتاجك هنا. أنا حاسس إني لوحدي من غيرك.
سليم: (بصوت نسائي) أنا كمان يا روحي مش عارفة أعيش بعيد عنك أكتر من كده!
تميم: (ساخرًا) أنا رأيي خليك عندك أحسن. أنا مرتاح من هزارك الرخم.
سليم: (بحنان أخوي) أنا بحاول أفكك يا صاحبي. يلا سلام دلوقتي. أشوفك في مصر.
تميم: ترجع بالسلامة إن شاء الله. (ويغلق الخط ويسرح متذكرًا ليلى عندما فتحت له الباب بتلك الملابس البيتية، وكم كانت جميلة مثل الطفلة الصغيرة البريئة. ويحدث نفسه) هي البنت دي بتتحول فجأة! قلبت واحدة تانية وطردتني واتعاملت معايا وكأنها السفيرة عزيزة ورفضت الديل بتاعي! أنا مش عارف أعمل إيه معاها عشان أرضي جدو. أنا ما أقدرش أعتذر لها. دي بنت متعجرفة ما تستحقش. لازم أشوف حل تاني.
في قصر القاضي
بعد مرور يومين يدخل تميم إلى بهو القصر ليجد مديحة في انتظاره.
مديحة: حمد لله على السلامة يا تميم.
تميم: الله يسلمك يا ديحة. أنا هموت من الجوع. عاملة أكل إيه؟
مديحة: (بسعادة وابتسامة واسعة) عاملة لك محشي ورق عنب.
تميم: الله يا ديحة! محشي ورق عنب! أحبك أكتر من كده إيه يعني؟
مديحة: يعني لو ما كانش في محشي ما كنتش هتحبني؟
تميم: أحبك طبعًا، بس بمحشي ورق العنب بحبك أكتر. أمال فين بوسي؟
مديحة: جوه في مكتب جدك.
تميم: هروح أنده لها على ما تحضري الأكل. عاوز أكبر طبق ورق عنب في العالم على السفرة يا ديحة. كمان خمس دقائق.
مديحة: أنت تؤمر يا حبيبي. ألف هنا على قلبك.
يتجه تميم إلى غرفة جده ليسمع أصواتًا قادمة من الغرفة فيبطئ من خطواته ويمشي بحذر إلى أن وصل إلى الباب ليسمع ليلى وهي تتحدث.
ليلى: فهمتي يا بوسي؟
بيسان: فهمت طبعًا يا لولة.
تغلق ليلى الحاسوب الخاص ببيسان.
ليلى: (وقد ارتدت ثوب الجدية) أنا عاوزة أتكلم معاكي في موضوع مهم.
بيسان: خير يا ليلى؟
ليبتلع تميم غصة تجمعت في حلقه خوفًا من أن تخبر بيسان بحديثه معها وينصت باهتمام أكبر.
ليلى: أنا عاوزاكي تتعودي الفترة الجاية دي على عدم وجودي في حياتك. أنا مش دايمًا هكون معاكي.
تتفاجأ بيسان وتتحدث بصوت باكي: ليه يا ليلى؟ أنتي زعلانة مني؟
ليلى: لا طبعًا يا بوسي. أنا ما أقدرش أزعل منك، بس هو ده الطبيعي. كلها كام شهر ونتخرج وأنا هدور على شغل وأنتي هتشتغلي في شركة جدك وكل واحدة هيكون لها كارير خاص بيها.
بيسان: يعني مش هنتقابل بعد التخرج يا ليلى؟
ليلى: لا طبعًا يا بوسي هنتقابل.
بيسان: لا يا ليلى. أنا ما أقدرش أستغنى عنك. أنت صاحبتي الوحيدة. لو كان عندي أخت كنت أحبك أكتر منها برضه.
ليلى: وأنا والله يا بوسي بحبك زي نور بالظبط، لكن دي طبيعة الحياة. كل واحدة فينا هيبقى لها حياة مختلفة. أنتي لازم تتعودي على عدم وجودي معاكي على طول.
بيسان: أنا عارفة إنك بتقولي كده علشان أنت زعلانة من مامي وتميم. كل ما تيجي عندي تحصل لك مشكلة مع حد فيهم. أنا بعتذر لك بالنيابة عنهم وجدو كمان اعتذر لك.
ليلى: الموضوع مالوش دعوة بوالدتك أو أخوكي خالص.
بيسان: (بحزن) أنتي يا ليلى بتفكري تقطعي علاقتك بيا وأنا بفكر إن إحنا نشتغل مع بعض بعد التخرج. أنا نفسي نشتغل أنا وأنتي في شركة جدو. (وتكمل بحماس) إحنا لو اشتغلنا مع بعض هنقدر ننجح قوي ونعمل مشاريع ناجحة جدًا.
ليلى: أنا مستحيل أشتغل في شركة جدك حتى لو آخر شركة في مصر.
بيسان: ليه يا ليلى؟
ليلى: (بارتباك) يعني علشان أنا مش عايزة أشتغل مجاملة. أنا عايزة أشتغل بمجهودي وتعبي علشان أنا أستحق الشغل مش مجاملة من حد.
بيسان: أنتي ما تعرفيش جدو. جدو مستحيل يجامل في الشغل.
ليلى: أنا عارفة جدك كويس بس مش هبقى مرتاحة لو اشتغلت في شركتكم.
بيسان: على العموم خلي الموضوع ده نتكلم فيه بعدين بعد التخرج. أنتي عارفة يا ليلى طول ما إحنا سوا أنا بحس إني مش لوحدي. عارفة أنا طول عمري لوحدي ما ليش أخوات غير تميم وهو مسافر من زمان وكمان دايمًا مشغول عني. أنا مش فاكرة أي ذكريات تجمعني بتميم. أكتر حاجة فاكراها يوم سفره أول مرة. ده كان أسوأ يوم في عمري. أنا فضلت أعيط طول الليل ومكلتش لمدة يومين. (ثم تكمل بسخرية موجعة) كنت عاملة إضراب عن الأكل. كنت مفكرة إنه لما يعرف إني مضربة عن الأكل هيرجع بس هو مرجعش. مفيش ذكريات حلوة لنا سوا. يعني عمرنا ما خرجنا اتفسحنا سوا. مالناش صور مع بعض.
ليلى: إن يكون عندك أخ ده شيء جميل في حد ذاته.
بيسان: كلامك صحيح بس أما يكون في بينهم علاقة طبيعية. أنا وتميم ما فيش بينا علاقة الأخوات اللي أنتي متخيلها. عمره ما اتصل بيا عشان يطمن عليّ. كان يا دوب يسأل جدو عني أما يتصل بالصدفة ولما ينزل مصر إجازة ينزل بالعافية عشان جدو ضغط عليه ويقضي وقته كله بره القصر. عمره ما اتكلم معايا زي الأخوات. عمره ما هزر معايا. عمره ما حضني وحسسني إني مهمة عنده. عمره ما اتكلم معايا عن أحلامه في شغله... في حياته...
عن مواصفات البنت اللي يحلم يتجوزها، عمره ما جاب لي هدية.
ليلى ضاحكة تحاول إخراجها من حالتها: يمكن مش معاه فلوس ولا عليه أقساط.
بيسان: تميم أخويا غني جدًا على فكرة، وجدو بيقول إن شركته في لندن ناجحة جدًا.
ثم تكمل بيأس: بأقول لك حتى ما لناش صور مع بعض، يعني ما فيش أي ذكريات نحكيها لأولادنا أما نكبر. كان نفسي نعمل حاجات كتير سوا.
وتسرح تفكر وتنظر إلى الأعلى: مثلًا كان نفسي أما يحب أول حد يعرف، أكون أنا، يجي جري يحكي لي عنها. كان نفسي نسافر سوا، ندخل سينما سوا، نلعب في الجنينة سوا، حتى نفسي نتخانق سوا. كان نفسي يعلمني ركوب الخيل.
تقاطعها ليلى ضاحكة لتخرجها من حزنها: ممكن تجيبوا أي متخصص يعلمك ركوب الخيل، ولا ما معكوش فلوس يا بخيلة؟
تبتسم بيسان بحزن: لأ يا ليلى، أنتِ مش فهماني. أنا كنت عاوزة تميم هو اللي يعلمني، ويعلمني السباحة كمان. عارفة؟ كنت أوقات لما أحلم بكابوس، نفسي يكون نايم هنا في أوضته، وأدخل جري عليه علشان أطمن بوجوده، لكن لما كنت بأحلم حلم وحش كنت بأجري على دادة عايدة.
إحنا أخوات بالاسم بس. أنا بأفتكر إني عندي أخ من الحراس اللي أجبرني على وجودهم معايا في الكلية.
ليلى ساخرة: أحمدي ربنا إنه جايب لك حرس بيدفع لهم دم قلبه. أنا يا ستي بأشوف الويل في الشارع وفي المواصلات كل يوم.
بيسان: كلامك صح، لكن الحرس بيحموني علشان ده شغلهم، وبياخدوا عليه فلوس مش خوف عليا. يعني حتى حمايتي رمى حملها على الحراس.
عارفة لما بأشوف بنت في الكلية أخوها بيوصلها بأزعل أوي.
ثم تكمل بدموع: بأحس وقتها إن أنا أفقر بنت في العالم.
ليلى بحزن وكلمات بطيئة تتعثر على شفتيها: للدرجة دي يا بوسي؟
بيسان: قبل ما أعرفك يا ليلى، صاحبتي الوحيدة كانت دادة عايدة، حتى مامي دايمًا كانت مشغولة عني. عمري ما كنت في جدول مواعيدها. كنت بأسمع جدو يتخانق معاها علشان تهتم بيا شوية. عارفة؟ كنت بأفرح لما بأسمعه بيتخانق معاها عشان كنت بأفكر إن بكرة الصبح هتهتم بيا وتاخدني تفسحني، لكن ما كانش في حاجة بتتغير. مامي عمرها ما اتغيرت ولا هتتغير، وهأفضل طول عمري مش في حساباتها. وبابي الله يرحمه مات وأنا كنت صغيرة قوي، حتى مش فاكرة أي حاجة عنه. يعني يا ليلى القصر الكبير اللي أنتِ شايفاه ده، وناس كتيرة بتحسدنا عليه، ما فيش بين سكانه أي علاقة إنسانية. إحنا ساكنين هنا مش عايشين هنا.
كل هذا تحت سمع تميم الذي يتألم بشدة من وقع كلمات أخته التي نزلت عليه كصاعقة عصفت به.
كانت كل كلمة وكأنها لكمة عنيفة أصابت قلبه في مقتل.
كانت كل كلمة وكأنها أفعى تلتف حول عنقه ليشعر وكأنه مكبل داخل دائرة من الذنوب التي ارتكبها مغلقة عليه بإحكام لا فرار منها ولا نجاة، متسائلًا: هل سببت لكِ كل تلك الآلام يا صغيرتي؟ هل أوجعتكِ إلى هذا الحد؟
هل أنا سبب كل تلك الندبات الراقدة داخل زوايا روحك؟ هل تلك التي تتحدث وتصف أوجاعها بكلمات وكأنها سيف بتار هي نفسها تلك الصغيرة التي كانت تتمسك بيدي وتبكي وتترجاني ألا أتركها وأرحل؟
هنا يتذكر تميم... نعم كانت تبكي وتترجاني عندما سافرت في المرة الأولى... ثم المرة الثانية ثم... ثم صمتت... توقفت عن الترجي... توقفت عن البكاء... وكأنها تعلن عن يأسها في صمت تعلن انتهاء أملها... لقد خذلتها دون أن أدري وكأنها ألد أعدائي... بأي ذنب خذلتك... بأي ذنب تعاقبين؟
ليتذكر قول نور: "لو اعتذرت مئة سنة قدام وبكيت دم مش هنقبل اعتذارك". هل صدقت عندما قالت ذلك؟ هل صدقت في كلماتها؟ هل أحتاج إلى الاعتذار مئة سنة قدام وأبكي دمًا؟ هل أحتاج إلى طلب السماح لتغفر لي صغيرتي؟
عشرات وعشرات من الأسئلة التي لا توجد لها إجابات تصفعه بقوة ليفيق على حقيقة واحدة: نعم...
نعم أحتاج إلى مغفرتها فالخذلان أكبر جريمة عندما ترتكب في حق من نحب.
هنا تبدأ ساعة الندم في الدوران وتعلن أولى دقاتها.
أنا... نادم... نادم بشدة، لكن هل هذا يكفي؟ هل تستطيع القلوب البريئة المجروحة الغفران؟ هل من سبيل إلى الغفران يا صغيرة؟ هل ستغفرين لي كل تلك الجرائم التي ارتكبتها بحق قلبك البريء؟ أم أنه بات دربًا من المستحيل؟
بعد أن ألقيت بكِ داخل بئر مظلم منذ أن كنتِ صغيرة، وتركتكِ للوحدة تنهش جدران قلبكِ الصغير، والآن تبحثين عن الدفء عند الغرباء، تبحثين عن الأمان الذي سلبته منكِ بقسوتي دون أن يرف لي جفن.
بعد أن ألقيت بكِ داخل بئر مظلم منذ أن كنتِ صغيرة، وتركتكِ للوحدة تنهش جدران قلبكِ الصغير، والآن تبحثين عن الدفء عند الغرباء، تبحثين عن الأمان الذي سلبته منكِ بقسوتي دون أن يرف لي جفن... لسنوات وسنوات والمسافات تتسع بيننا دون أن أشعر حتى صارت كخندق عميق... سامحيني يا صغيرة أم لم تعودي بحاجتي؟ هل تعودتِ غيابي؟ هل أخذت تلك ليلى مكاني؟
أعتذر... أعتذر يا صغيرتي حقًا... حقًا سأظل أعتذر ما حييت. ليتذكر قول ليلى: "علاقتي ببيسان أكبر منك أنت شخصيًا". هل صدقت عندما قالت ذلك؟ هل انتهى وقتي؟
هل أصبح وجودي والعدم سواء؟
قسمًا بربي لأمحو كل تلك الذكريات وأضع مكانها كل ما تطلبين... وتريدين... وتشتهين...
قسمًا بربي ستعيشين كل ما أردتيه وتمنيتيه ولم تحظي به.
قسمًا بربي لأجعل عقارب الزمن تدور باتجاه أحلامك فصبرًا صبرًا يا صغيرة أخيها.
سأحقق لكِ كل ما أردتِ... فأنا الآن هنا... أنا الآن معكِ وفقط... أنا الآن لأجلكِ وفقط... سنبدأ عهد جديد... عهد يبدأ بكِ ولأجلكِ ومعكِ بل والأكثر منه سأجعلكِ أغنى الفتيات.
يرفع تميم يده ويحاول أن يدق الباب لكن هيهات فقد تيبست أطرافه. يسأل نفسه: هل أستطيع مواجهة تلك الصغيرة التي أصابت وأخطأت أنا؟
كم هو صعب على النفس مواجهة أخطائها... كم هو صعب الوقوف أمام من وضع بك كل آماله وخذلته... كم هو صعب المرور فوق أحلام أحدهم مرور المنتصر والتظاهر بالبراءة وكأن شيئًا لم يكن.
ليحسم أمره ويدق الباب دقات بطيئة خائفة.
بيسان: ادخل.
يفتح تميم الباب ويدخل بخطوات ثقيلة مثقلة بذنوب سنوات لا يعرف عددها... خطوات المذنب الخائف... المترجي...
وهو يردد لنفسه: عاقبيني... عاقبيني إذا كان العقاب سيكفيكي... عاقبيني إذا كان عقابي سيبرأ جراحك... أعترف بذنبي... أضع عمري وأيامي تحت تصرفك فافعلي ما شئتِ اقتَصّي مني حتى تبرئي... جئتك متذللًا معترفًا بأخطائي. جئتك مكبلًا بقيود تلتف حول عنقي تكاد تزهق روحي فرفقًا بأخيك.
تنظر إليه بيسان مندهشة وتسأله بخوف: مالك يا تميم؟
تتعثر الكلمات على شفتيه تبحث عن مخرج فيسكت مطولًا.
تنظر إليه بيسان وليلى بخوف لتتحدث بيسان: مالك يا حبيبي أنت كويس؟
ليشعر تميم وكأن نظراتها البريئة تقتله لينطق بعد طول صمت ونظرات تائهة وهو يردد في نفسه: لقد تعلمت الدرس وحفظته عن ظهر قلب، علمت خطئي وقسمًا بمن خلق حبك في قلبي لن أعيده.
تلكمه بيسان بخفة في كتفه: أنت مالك يا تميم؟
تميم: أنا... أنا بخير.
ويتجه بنظرة إلى ليلى نظرة المهزوم: إزيك يا آنسة ليلى عاملة إيه؟
ليلى: بخير الحمد لله إزيك يا باشمهندس؟
تميم: خلصتوا مذاكرة ولا لسه؟
بيسان: خلصنا من بدري، إحنا كنا بنتكلم مع بعض شوية.
تميم بكلمات مهتزة: لو في حاجة واقفة قصادكم أنا ممكن أساعدكم.
ليلى بغضب مكبوت: شكرًا يا باشمهندس، ما فيش حاجة واقفة قصادنا الحمد لله.
يدخل الجد زين: مساء الخير يا بنات، مساء الخير يا تميم.
يرد الجميع: مساء الخير يا جدو.
زين: أهلًا يا ليلى منورة يا حبيبتي.
ليلى: منورة بحضرتك يا جدو.
يرد زين برسمية: أنا شايف إنك خلاص رضيتي عننا.
ليلى: أستغفر الله يا جدو أنا عمري ما أزعل من حضرتك.
زين: يعني قبلتي اعتذار تميم؟
يندهش تميم وليلى وينظران لبعض بعدم فهم.
ينظر زين إلى تميم متشككًا: هو تميم اعتذرلك؟
ليلى بارتباك: آه... آه اعتذر وأنا قبلت اعتذاره.
تحت نظرات تميم المندهشة.
زين باطمئنان وابتسامة مرحة: الحمد لله نتعشى سوا حلاوة الصلح.
ليلى: أنا آسفة يا جدو الوقت اتأخر ولازم أروح.
زين بثقة: تاكلي الأول وبعدين تميم هيروحك.
ليلى: لأ... لأ يا جدو بلاش تتعب الباشمهندس.
زين: اسمعي الكلام يا ليلى.
ليلى بيأس من إقناعه: حاضر يا جدو.
في غرفة السفرة.
يجلس الجد على رأس الطاولة وبجانبه تميم، والجهة الأخرى تجلس بيسان وبجوارها ليلى.
تضع بيسان لليلى الكثير من الطعام في طبقها.
ليلى بخجل: كتير كده يا بوسي؟
بيسان: كلي يا ليلى، ديحة بتعمل ورق عنب تستاهل عليه جايزة أوسكار.
يضحك زين ملء فمه: أنتي اخترعتي الجايزة دي يا بوسي ولا جبتيها منين؟
ليلى بعد أن تذوقت الطعام: الأكل تحفة فعلًا يا بوسي.
كل هذا وتميم ليس هنا، هو في مكانٍ آخر حيث يعد ذنوبه التي صفعته في وجهه في غفلة لم يكن يحسبها.
بيسان تصفق بيدها أمام وجه تميم: أنت فين يا تميم؟
ينتبه تميم على صوتها: أنا هنا يا بوسي.
بيسان: أنت مابتكلش ليه؟ هو أنت تعبان؟
ثم تكمل بخوف: تحب نكلم الدكتور؟
تميم: لأ يا حبيبتي أنا كويس.
زين: مالك يا تميم أنا ملاحظ إنك ساكت وحتى مكلتش حاجة.
تميم: لا يا جدو أنا بخير.
زين بضحك: بخير إزاي؟ أنت العادي بتاعك بتاكل خمس أطباق ورق عنب.
وينظر في طبق تميم ويكمل: أنت لسه في أول طبق.
ثم يكمل ساخرًا: ولا مديحة سبقتك ع الأوضة بكل ورق العنب اللي في المطبخ؟
تميم: أنا بخير يا جدو.
ثم يقف برسمية وينظر إلى ليلى: لو كنتِ خلصتِ يا آنسة ليلى اتفضلي أروحك.
تقف ليلى: الحمد لله أنا شبعت، ممكن حضرتك تخليك ومعتز يروحني؟
زين بثقة ونظرات ذات مغزى: تميم هيروحك يا ليلى.
يشير لها تميم بيده لتتقدمه ليلى، يخرج تميم وراءها، يركبان في الخلف وفي الأمام يركب معتز لتنطلق السيارة ووراءها موكب من أربع سيارات.
تتحدث ليلى بصوت منخفض يسمعه تميم: خمس عربيات وكل الجاردات دي عشان أروح؟
ثم تلتصق بالباب لتبتعد عن تميم قدر الإمكان وسط صمت ملئ بالتساؤلات ليقطعه تميم: أنتي ليه قولتي لجدو إن أنا اعتذرت لك...؟!
ليلى بلامبالاة ودون أن تنظر إليه: فين المشكلة...؟!
تميم يرفع حاجبه مندهشًا: يعني مستغرب موقفك؟
ليلى: كل الموضوع إني مش منتظرة اعتذارك عشان كده مش فارق معايا تعتذر ولا لأ.
وتكمل ساخرة: لإن موقفي من حضرتك مش هيتغير، وكمان رأيي فيك مش هيتغير.
تميم: بس... بس... بس إيه مكنة في الرد.
ثم تكمل ليلى بعدم اكتراث له: غير إن علاقتي ببوسي مش هتتغير علشان لها أخ وقح زيك.
كانت كلماتها بسيطة لكنها دهست كرامته للمرة التي لا يعرف عددها.
هنا تدرك ليلى من نظراته المشتعلة وقبضته الفولاذية التي التفت حول ذراعها حتى بات إفلاتها منه شبه مستحيل أنها في موقف قد لا تُحمد عقباه.
ليصيح فيها تميم بغضب مرعب يهدد بنشوب حرب: أنا غلطان، أنا قلت أفتح صفحة جديدة معاكي بس للأسف أنتي ماينفعش مع لسانك اللي عاوز قطعه ده الذوق.
هنا تنكمش ليلى في نفسها بعد أن شعرت ببوادر الخطر تتسلل إلى قلبها لتهمس بخوف: أنا... أنا.
لتنحرف السيارة فجأة وتتوقف ويتفاجأ الجميع بوابل من الرصاص ينهال على الموكب في مشهد تتوقف عنده الحياة وتحبس الأنفاس وتبلغ القلوب الحناجر.
رواية تكسرات الروح الفصل السادس 6 - بقلم نادية شعيب
كنت أظنها نهاية العالم عندما جاءت تلك الرصاصة واخترقت صدري واستقرت داخل أضلعي بجوار ذلك النابض بيساري.
كنت أظنها نهاية أحلامي التي قضيت سنوات عمري وأنا أبنيها.
كنت أظنها جاءت لتأخذني من تلك الحياة الظالم أهلها.
لكنها في الحقيقة جاءت وفق بوصلة لتصحح الخطأ وترمم المتصدع.
تنحرف السيارة فجأة وتتوقف، ويتفاجأ الجميع بوابل من الرصاص ينهال على الموكب في مشهد تتوقف عنده الحياة وتحبس الأنفاس وتبلغ القلوب الحناجر.
يجذب تميم ليلى إلى أحضانه بسرعة وينحني فوقها ليحميها من تلك الرصاصات التي تخترق جسد السيارة. مرت ثوانٍ على هذا الحال وجسد ليلى يرتعش بخوف شديد. يسحبها تميم ويضعها في دواسة السيارة.
تميم بصراخ: انزلي هنا، ما تتحركيش خالص.
ترفع ليلى رأسها بخوف شديد وتصيح برعب وعيون باكية: أنت رايح فين؟ وتتمسك بذراعه. خليك هنا متنزلش من العربية.
يضع تميم يديه الاثنين فوق رأسها لينزلها في الدواسة مرة أخرى ويحذرها بسبابته: ما تتحركيش من هنا خالص، واوعي تنزلي من العربية مهما حصل.
ثم يستدير ليفتح جراب سري موجود بظهر المقعد الخلفي ليخرج سلاحه الخاص ويشد أجزاءه.
فتصرخ ليلى فيه باكية: أرجوك يا تميم، ما تنزلش من العربية، الحرس كثير بره، سيبهم يتصرفوا.
كل هذا والطلقات تنهال على الموكب ويتعامل معها الحراس بحرفية شديدة بأوامر معتز.
تميم: ما تخافيش يا ليلى، أنا لازم أنزل، مش ينفع أسيب الحراس لوحدهم. ما تخافيش، مش هيحصلك حاجة، إحنا كلنا هنا هنحميكي، مستحيل يحصل لك حاجة وأنا موجود.
تتمسك به ليلى أكثر حتى كادت تقطع قميصه: لأ، مش هسيبك تنزل.
تميم بانزعاج: سيبينى يا ليلى، دقيقتين وهـرجع.
ليلى بخوف شديد: وعد هترجع؟
تميم بثقة: هرجع.
ثم ينزل من السيارة ويستدير إليها مرة أخرى: اوعى تنزلي من العربية تحت أي ظرف، حتى لو مرجعتش.
ثم يغلق الباب عليها ويسير بمحاذاة السيارة مستخدماً جسد السيارة كساتر من الرصاصات التي لا تتوقف.
وهو يتحرك بخفة محترف إلى أن وصل إلى معتز الذي يستخدم الباب الأمامي كساتر ضد الرصاص.
يصيح تميم في معتز: الضرب للقتل، مش تهويش يا معتز.
معتز: الضرب في المليان، مش في الهوا.
تميم: صوت الطلقات مكتوم.
ثم ينصت باهتمام: الضرب من أربع أسلحة مختلفة، واللي بيضرب متخصصين.
(تميم مدرب على استخدام الأسلحة وأنواعها المختلفة في مدرسة متخصصة في لندن)
لينتبه فجأة على تلك التي تفتح الباب بهدوء وتخرج رأسها من السيارة ثم تنزل منها. يشير لها تميم بفزع شديد: خليكى عندك.
ليلى ببكاء: أنا خايف.....
وقبل أن تكمل كلمتها يسمع تميم صوت صرخة مكتومة جعلت قلبه يترنح ليرى مشهد لن ينساه طيلة حياته. الرصاصة وقد أصابت صدرها واخترقت أضلعها. يقطع تميم المسافة بينه وبينها في أقل من لحظة، يحملها بين يديه قبل أن تصل الأرض ويصيح فيها بفزع: ليلى... ليلى، فتحي عيونك.
تنظر إليه ليلى بضعف ثم تغلق عينيها مرة أخرى. ثم يسمع منها تأوهات متألمة تخرج من شفتيها ووجهها الذي يكاد تنسحب منه الحياة، وتهمهم ببطء.... تميم.... ثم تغمض عينيها لتغيب عن تلك الحياة التي تضرب ولا تبالي.
ينسحب مطلقي الرصاص بعد أن تمكن الحراس من إصابة بعضهم.
يحاول تميم كتم مكان الدم ليفيق على صوت معتز: شيلها بسرعة يا تميم، حطها في العربية، لازم توصل المستشفى حالا، شكل الرصاصة جت في القلب.
يحملها تميم، يضعها في الخلف ويجلس بجوارها واضعاً رأسها على رجله. يركب معتز السيارة على كرسي السائق ويقود بسرعة رهيبة. يصرخ فيها تميم وهو يربت على خدها: فتحي عينيك يا ليلى، خليكي معايا. ثم يصرخ في معتز: بسرعة يا معتز، البنت هتموت. وهو ينظر إلى ليلى نظرات فزعة. ليسرع معتز أكثر لتبدو السيارة وكأنها تلتهم الطريق.
في غضون دقائق تصل السيارة إلى المستشفى، ثم ينزل تميم بسرعة وينحني ليحملها على ذراعيه ويجري بها إلى داخل المستشفى، ووراءه الحرس. يصرخ بفزع: دكتور بسرعة.
يهرع إليه مجموعة من الأطباء بعد أن حدثهم معتز أثناء الطريق. يضع تميم ليلى على السرير المتحرك برفق ويدفعه معهم إلى غرفة العمليات وهو متشبث بيد ليلى ويحاول الدخول وراءها، لكن يمنعه الأطباء. ليمسك تميم أحدهم من ياقته بعنف ويديه ملطخة بالدماء، مهدداً إياه: لو حصل لها حاجة، ههد المستشفى على دماغك.
الطبيب بفزع من هيئته: إن شاء الله مش هيحصل حاجة يا فندم.
يتركه تميم. يدخل وراءها ويظل تميم أمام غرفة العمليات يزرع الممر ذهاباً وإياباً، ويدعو الله أن ينقذها، ويفرك يديه بغضب ويحدث نفسه: قسماً بربي، لاشربن من دم اللي عمل فيكي كده. اللي ضربوا نار علينا كانوا قاصديني أنا، هي اتصابت بسببي أنا.
يقترب منه معتز بهدوء حذر: اهدى شوية يا تميم.
تميم وهو ينفخ نيران الغضب: اهدى.... اهدى إزاي بس يا معتز؟ البنت ممكن تموت بسببي أنا، معرفتش أحميها. ثم يكمل بيأس: كان بيني وبينها متر واحد ومعرفتش أحميها. لو حصل لها حاجة، عمري ما هسامح نفسي.
يربت معتز على كتفه ويتحدث بهدوء: روح أنت ارتاح يا تميم، وأنا هفضل هنا.
يرد تميم بصوت زرع فيه كل غضب العالم: أنا مش همشي من هنا غير ورجلي على رجلها.
يفتح معتز عينيه بصدمة وذهول ويسأل نفسه: هو ده تميم اللي كان لسه بيتخانق معاها في العربية؟ ده كان خلاص هياكلها.
يتجه تميم إلى باب غرفة العمليات ويدق عليه بعصبية ويصيح بصوت جهوري: حد يخرج يطمنا أحسن أهد المستشفى على اللي فيها.
معتز بصدمة: اهدى يا تميم، إن شاء الله خير. ويحاول إبعاده عن الباب ويحدثه بهدوء: تعال ننزل تحت في الهوا على ما ليلى تخرج من العمليات.
يدفعه تميم بشدة: سيبني يا معتز، أنا مش همشي من هنا إلا أما أطمن عليها، أنت ماشوفتش حالتها كانت عاملة إزاي.
ثم يأتي أحد الحراس يحمل بيده حقيبة ليلى وبداخلها هاتفها يرن. يأخذ منه معتز الحقيبة ويعطيها لتميم، لينتبه تميم على صوت الهاتف. يفتح الحقيبة ويخرج الهاتف ليرى اسم أختها ينير الشاشة.
يتحدث تميم بصوت مسموع: هقولها إيه دي. ليصمت الهاتف دون أن يجيب عليها.
في نفس الوقت يخرج الطبيب. يهرع إليه تميم: خير يا دكتور.
الطبيب بهدوء: الحالة مصابة بطلق ناري وحالتها خطيرة، ولازم تعمل العملية حالا.
تميم بفزع واستنكار: يعني إيه حالتها خطيرة؟
الطبيب: بعملية، الرصاصة جنب القلب وفقدت دم كتير.
تميم بغضب شديد: اتصرف، هاتلها دكاترة من بره أو نسفرها بره، المهم عندي تعيش.
الطبيب برسمية: المستشفى هنا مجهزة وفيها دكاترة على مستوى عالمي.
تميم وقد نفذ صبره: مستوى عالمي إيه اللي بتتكلم فيه، وأنت واقف تناقشني وليلى جوه بتموت.
الطبيب: هي بتجهز للعملية.
تميم يرفع سبابته في وجه الطبيب محذراً: قسماً بربي، لأمحو أسماء كل دكاترة المستشفى من سجل الأحياء لو ليلى مخرجتش على رجلي.
يتركه الطبيب بفزع ليندس داخل غرفة العمليات مرة أخرى.
يعود هاتف ليلى ليرن من جديد. يفتح تميم الهاتف ويرفعه ببطء إلى أذنه ويرد: الو.
تصيح نور دون أن تنتبه: مبترديش ليه يا ليلى؟
يصمت تميم للحظات.
نور بغيظ: ردي عليا يا ليلى، ساكتة ليه؟
هنا يبتلع تميم غصة ظلت عالقة في حلقه ويجيبها بتلعثم: أيوه يا نور.
نور بخوف: مين معايا؟
تميم: أنا... أنا تميم القاضي.
نور بصوت خائف مهتز وكأنها شعرت أن أختها بخطر: فين ليلى؟
تميم: ليلى.... ليلى كانت.... ثم يصمت. لا تسعفه الكلمات.
تصيح نور بغضب وحدة: ليلى فين؟
تميم: بكلمات هاربة من فمه: ليلى...... ليلى كانت معايا في العربية و.... ويعني إضرب علينا نار وليلى...... ثم يصمت.
تصرخ نور برعب: مالها ليلى، انطق.
تميم: وكأنه وجد مخرج: هي اتصابت في دراعها وجوه في العمليات.
تشهق نور وتخبط على صدرها: يا نهار أسود، إنتوا في مستشفى إيه؟
تميم: في مستشفى......
نور بهلع: أنا جاية حالا. وتغلق الخط.
يغلق تميم هاتف ليلى ليجد هاتفه يرن. يخرج الهاتف من جيبه ليجد جده يتصل. يفتح تميم الخط.
زين بخوف: اتأخرت ليه يا تميم؟
تميم بصوت هادئ: أنا....
زين وقد انتبه إلى نبرة صوته المهتزة: في إيه يا تميم؟ أنت فين؟
تميم: أنا.... إحنا في المستشفى.
يقف زين ويهتز الهاتف في يده: إيه مستشفى... مستشفى ليه؟
تميم: اتعرضنا لكمين واتضرب علينا نار.
زين وقد وصل قلبه إلى الحلقوم: أنت.... أنت بخير يا تميم؟
تميم: أنا بخير يا جدو، بس ليلى....
زين: مالها ليلى؟
تميم: اتصابت يا جدو وحالتها خطيرة.
زين: أنا جايلك حالا. ويغلق الخط بيد مهتزة وهو يردد: استر يا رب.
بعد مرور نصف ساعة يصل الجد زين إلى المستشفى ويصعد إلى غرفة العمليات ليجد تميم بجوار الباب ينفخ نيران الغضب. يهرع الجد زين إلى تميم يحتضنه ويربت على كتفه ثم يخرجه من أحضانه وينظر إليه نظرة فاحصة من رأسه إلى أخمص قدميه: الحمد لله إنك بخير، الحمد لله. طمني ليلى عاملة إيه؟
تميم بخوف شديد: ليلى في أوضة العمليات وحالتها خطيرة، الرصاصة جت جنب القلب.
زين: إن شاء الله خير، ما تخافش، ليلى بنت قوية وإن شاء الله تقوم منها بالسلامة.
يتحدث معتز برسمية: أنا هروح أحجز لحضرتك جناح عشان ترتاح فيه.
تميم: لأ، جدو هيروح، أنا اللي هفضل هنا لحد ليلى ما تقوم.
زين بنبرة صارمة: روح يا معتز، احجز جناح عشان نرتاح فيه على بال ليلى ما تقوم بالسلامة.
لتصل نور في نفس اللحظة. تتفاجأ بوجود تميم وثيابه ملطخة بالدماء، وفور رؤيته تفقد نور وعيها. يهرع إليها معتز يحملها ويذهب بها لغرفة خاصة.
زين بهلع: هاتوا دكتور يطمنا عليها بسرعة.
يذهب تميم إلى غرفة الأطباء ويدق الباب بيده وقدمه بغضب ويصيح: فين دكاترة المستشفى الزفت دي. ويفتح الباب بعصبية مفرطة. يفزع الأطباء داخل الغرفة ويصيح أحدهم: أنت يا غب... ويقطع حديثه بدهشة متسائلاً: مين... تميم القاضي؟ ويقترب منه محاولاً احتضانه ثم يتراجع بعد رؤية ثيابه الملطخة بالدماء ويسأله: إيه الدم ده؟ أنت مصاب؟
تميم بعد أن هدأ قليلاً: لأ، أنا مش مصاب. أنت بتشتغل هنا يا جاسر؟
(جاسر الغازولي طبيب جراح صديق معتز منذ الطفولة من عائلة تتمتع بثراء فاحش، شخصية ذكية خفيف الظل مجتهد لا يستسلم بسهولة، يمتلك من الشجاعة ما يؤهله لتخطي كل العقبات التي تعترض طريقه ولا يخشى مواجهة التحديات، طويل القامة رياضي ذو شعر أسود وعيون سوداء وذقن وشارب كثيفين)
جاسر: آه، بشتغل هنا. أنت بتعمل إيه هنا وإيه الدم اللي على هدومك ده؟ هو أنت مصاب؟
تميم بنفاذ صبر: قلت لك مش مصاب يا جاسر.
جاسر بتفهم: هو أنت اللي جاي مع الحالة المصابة بطلق ناري؟
تميم: أيوه، عايز أطمن عليها. الدكاترة دخلوا أوضة العمليات وما حدش خرج يطمنا.
جاسر: أنا هروح أطمن وأجي أطمنك عليها.
تميم: بسرعة يا جاسر، الله يخليك.
يذهب جاسر وتميم باتجاه غرفة العمليات بخطوات سريعة. يدخل جاسر ويراقب تميم الطريق بانتظار خروجه.
ثم يخبط مقدمة رأسه بيده متذكراً: أنا نسيت نور اللي مغمى عليها دي كمان. ليتناول هاتفه ويتصل بمعتز، وعندما يجيب يحدثه: هاتلها دكتور يا معتز، وخليك جنبها هي وجدو.
معتز: هاجيبلها دكتور وتعالى أنت ارتاح شوية، أكيد العملية هتطول.
تميم: اعمل بس اللي قلتلك عليه.
يخرج جاسر فيغلق تميم الخط ويركض إليه: طمني يا جاسر.
جاسر بهدوء شديد: ما أخبيش عليك.... ثم يصمت.
تميم وعيناه مثبتة بوجه جاسر: انطق يا جاسر.
جاسر: يقذف الكلام دفعة واحدة: حالتها خطر يا تميم، للأسف.
يسمع تميم تلك الكلمات البسيطة لتتجمد أطرافه وتنسحب الدماء منها، ويفقد قدرته على صياغة أي رد، وتتجمع غصة داخل أعمق نقطة بقلبه.
رواية تكسرات الروح الفصل السابع 7 - بقلم نادية شعيب
فيلا زياد المنشاوي.
يقف زياد المنشاوي مع مجموعة من رجاله المقربين. يصيح فيهم بغضب وعينيه تطلق شرار:
"أنا مشغل معايا رجالة نس..."
ثم يكمل بغضب وحقد:
"طول عمر زين القاضي بيعرف يختار رجالته صح. عرفوا يخلوكم تجروا في الشارع زي الكلاب."
يرد ذكي (وهو كبير الحرس الخاص بزياد والعقل الخبيث والشيطان المدبر لكل جرائمه):
"يا باشا، البنت اللي كانت معاه في العربية اتصابت."
زياد:
"وهو أنا بعتك تقتله ولا تصيب البنت اللي كانت معاه؟ وبعدين هي مين دي اللي كانت معاه؟"
ذكي:
"مش عارفين بالظبط، يا إما اخته يا إما خطيبته."
يصرخ فيه زياد وقد وصل غضبه إلى منتهاه:
"هو أنت لسه هتقولي أما... أو... يا ذكي، أنا عاوز معلومات مؤكدة."
ثم ينتبه فجأة بنظرة خبيثة:
"ممكن تكون اخته؟ معقولة حفيدة زين القاضي دي محدش يعرف شكلها من كتر الحرس اللي عليها. دي ما بتخرجش من القصر إلا على الجامعة وحرسها ما حدش يعرف عددهم."
ثم يكمل بنظرات خبيثة:
"أنا عاوز أعرف مين البنت اللي كانت معاه في العربية وعاوز أعرف كل حاجة عنها، سواء كانت اخته أو غيرها. أحسن بشرفي يا ذكي، هقعدكم كلكم في بيوتكم زي الحريم."
ذكي:
"أوامرك يا باشا."
أمام غرفة الرعاية التي ترقد بها ليلى.
يفتح تميم الباب ويدلف إلى الغرفة. ثم ينتبه على صوت جاسر وهو يحذره:
"خمس دقائق بس يا تميم وتخرج."
يلتفت تميم ينظر إليه بغضب ونظرات محذرة، ثم يدخل دون أن يرد عليه. ويغلق الباب خلفه ويستدير ليجد ليلى ترقد على فراشها. يقترب منها بخطوات بطيئة وكأنه يخاف الاقتراب، إلى أن يصل إلى سريرها وهي ممددة صامته بلا حراك ووجهها شاحب شحوب الموتى، ومتصلة بالعديد من الأسلاك وكأنها في حالة صراع مع الحياة.
يقترب منها ويمسك يدها المتصلة بالأجهزة ليشعر بمدى ضعفها واستسلامها. ليتغلغل إلى قلبه شعور لم يختبره من قبل، لتعلو دقاته وكأنها طبول الحرب. وبيده الأخرى يمسد على شعرها بحنان وينظر إليها نظرات صامتة طويلة، لا يقطعها سوى صوت الأجهزة التي تشير إلى بقائها على قيد الحياة.
ويحدث نفسه:
"سامحيني يا ليلى، ما عرفتش أحميكي. بس صدقني والله لو كانت الرصاصة جت فيا كان أسهل من كده بكتير. أنا أول مرة أخاف كده، بس قسما بربي لادفع اللي عمل كده ثمن كل نقطة دم منك عمر كامل يتمنى فيه الموت وما يطولهوش."
ثم يقترب منها ويهمس في أذنها:
"ارجوكي يا ليلى، اياكي تعمليها فيا... اياكي تستسلمي... اياكي تموتي وتسيبيني لضميري يدبحني كل يوم... اياكي تعاقبيني العقاب ده."
ثم يبتعد عنها بهدوء ويترك يدها ويرجع بظهره إلى الوراء ونظراته مثبتة عليها.
ليدخل جاسر يربت على كتفه:
"كفاية يا تميم. أنت لازم تخرج. ربنا يقوم لك مراتك بالسلامة إن شاء الله ويجمعكم من تاني على خير."
ينتبه تميم على هذه الكلمة التي أصابت شيئًا ما في قلبه وهو يحدث حالة:
"مراتك... مراتي؟"
وكأنه يتذوق تلك الكلمة التي وقعت على مسمعه لأول مرة، فمست شغاف قلبه ليحفظها قلبه ويدسها في أحد زواياه البعيدة.
في قصر القاضي.
بيسان في غرفتها تحاول الاتصال بتميم، لكنه لا يرد. لتحدث نفسها:
"هو تميم اتاخر ليه؟ كل الوقت ده بيروحها مش معقول. هو أكيد اتخانق معاها تاني."
لتغضب عندما يصل إليها هذا الشعور وتقسم:
"والله لو كان زعلها تاني هقول لجدو يتصرف معاه."
تدخل فريدة هانم تجدها تحدث نفسها. لتقترب منها فريدة بهدوء وتمسكها من كتفها وتسألها باندهاش:
"هو أنت بتكلمي نفسك يا بيسان؟"
تفزع بيسان من وجود أمها المفاجئ لتصيح بخوف:
"خضتيني يا مامي."
فريدة:
"أنت كنتي سرحانة في إيه يا بيسان وبتكلمي نفسك كمان..؟"
بيسان:
"أصل تميم اتأخر يا مامي."
فريدة:
"اتأخر فين؟"
بيسان بارتباك وقد أدركت أن العاصفة ستندلع، تتعثر الكلمات لا تجد مخرج:
"تميم... تميم..."
فريدة بخبث وهي تضغط على كل حرف:
"تميم فين يا بيسان..؟"
بيسان بتلعثم:
"تميم راح يوصل... يوصل..."
فريدة بنفاذ صبر وقد فهمت:
"تميم راح يوصل ليلى صح يا بيسان..؟"
بيسان بخوف وحروف متقطعة:
"واللهي يا مامي جدو هو اللي صمم."
فريدة بخبث وهي تضع يديها في وسطها:
"أنا متأكدة إن جدو هو اللي صمم."
تخرج فريدة من غرفة بيسان باتجاه غرفتها وهي تدك الأرض بغضب وتوعد:
"لو طلع اللي في دماغي صح، ههد الدنيا على دماغ الكبير والصغير."
في المستشفى أمام غرفة الرعاية.
يجلس تميم على كرسي مستند برأسه إلى الوراء على الحائط الرخامي للممر أمام الغرفة، مستغل خلو المكان من الأطباء والمرضى. ليتغلغل إلى قلبه شعور بالقهر والضعف والعجز. يدعو الله من داخله أن تنزاح هذه الغمة بسلام. لينتبه على رنين هاتفه.
يخرج الهاتف من جيبه ليجد اسم سليم ينير الشاشة. يفتح تميم الهاتف.
سليم:
"إزيك يا صاحبي، وحشتني. مبتسألش يعني، أنت نسيتني ولا إيه؟"
تميم:
"أبدا يا سليم، بس الدنيا خربانة هنا."
سليم بعد أن انتبه لصوته:
"مالك يا صاحبي؟ صوتك متغير ليه..؟"
تميم:
"أنا عاوزك تنزل مصر بكرة يا سليم."
سليم:
"ليه السرعة؟ حصل إيه؟ طمني. وبعدين أنا لسه مخلصتش تصفية الشغل هنا."
تميم:
"سيب كل حاجة للمحاميين وانزل، أنا محتاجك هنا."
سليم:
"بس طمني الأول."
تميم:
"اتعرضت لمحاولة قتل."
سليم بفزع:
"وحصلك حاجة؟"
تميم:
"لأ... أنا بخير، بس صاحبة بيسان كانت معايا واتصابت."
يسأل سليم بطريقة بوليسية:
"صاحبة اختك كانت معاك ليه وفين؟"
تميم:
"كنت بوصلها."
سليم بخبث وهو يضغط على كل حرف:
"بتوصلها ليه؟ وأنتم عندكم حرس يسد عين الشمس؟ وبعدين أنت سايب بيرلا تطلع عيني وأنت عايش حياتك مع صاحبة اختك."
تميم بغضب:
"عايش حياتي إيه يا حيوان؟ دي صاحبة اختي، أنا كنت بوصلها."
سليم:
"وتوصلها بنفسك ليه؟ من امتى الحنية دي؟ أكيد البنت جميلة وحضرتك بتحضر لمصلحة معاها وأنا أولع هنا."
تميم بعد أن اشتعل غضباً لا يعرف سببه وهو يخرج كل حرف من تحت أسنانه:
"جميلة إيه يا غبي؟ دي صاحبة اختي، يعني عمري ما أخرف معاها."
سليم:
"خلاص... خلاص. هو أنت علقت؟ صاحبة اختي... صاحبة اختي... عرفنا إنها صاحبة اختك. المهم طمني، صاحبة اختك يا سيدي حلوة... قصدي... جميلة يعني... قصدي... ثم عاملة إيه؟"
تميم:
"اتلم يا حيوان. دي في غيبوبة وحالتها خطيرة كمان."
سليم:
"وعرفت مين اللي ضرب عليكم نار؟"
تميم:
"أنا عارف طبعاً وكنت متوقع يعمل كده، بس مش بالسرعة دي."
سليم:
"إن شاء الله تقوم بالسلامة. وأنا هحجز على أول طيارة نازلة مصر. سلام يا صاحبي."
في جناح زين القاضي.
ترقد نور على السرير فاقدة وعيها، ويجلس زين القاضي بجوارها. يفتح الباب ويدخل تميم. ينظر إلى نور بضعف ويسأل:
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
زين:
"الدكتور قال دقايق وتفوق."
تميم:
"ربنا يستر. أما تفوق أحسن دي مجنونة."
ويجلس على أقرب كرسي بتعب.
وبعد مرور دقائق تبدأ نور تفتح عينها بضعف لتلتفت يمين ويسار في محاولة لاستيعاب مكان وجودها. وفجأة تتذكر ليلى لتقوم بغضب وتحاول الوصول إلى تميم وهي تصرخ:
"أنت عملت إيه في أختي يا مجرم؟"
يمنعها زين ويحتضنها بحنان ويحاول تهدأتها:
"متخافيش يا نور، الدكتور طمنا وقال إنها هتفوق على بكرة الصبح إن شاء الله."
نور بنظرات مترجية وقد هدأت قليلاً:
"حضرتك بتكلم بجد يا جدو؟"
زين وهو يبعد عينيه عنها:
"بجد يا نور، إن شاء الله هتقوم بالسلامة. وبعدين أنت عارفة ليلى غالية عندي قد إيه."
تدخل نور في نوبة بكاء. يحتضنها الجد زين ويربت على رأسها بحنان.
نور ببكاء من بين أحضانه:
"أنا خايفة عليها قوي يا جدو، أنا وتيتا ملناش حد غيرها."
ليزداد بكاؤها وتدخل في نوبة بكاء هستيري. ينتفض الجد زين خوفاً عليها ويحدث تميم:
"هاتها دكتور يديها حاجة تهديها."
يفتح تميم باب الجناح بنفاذ صبر ليجد جاسر بوجهه.
تميم:
"بزهق، تعالى يا سيدي شوفلنا حل في المصيبة دي."
جاسر وقد بدأت تظهر عليه علامات الضيق:
"مصيبة إيه تاني؟ الله يحرقك. ما أنا أصلي ما فيش ورايا غيرك. وبعدين المستشفيات كتير، اشمعنى جبت مراتك هنا يعني؟ هو ما فيش إلا المستشفى بتاعة أبويا؟"
تميم:
"اتلم يا جاسر، أنا اللي فيا مكفيني. اخت ليلى جوه بتعيط ومنهارة. تعالى اديها حاجة تخمدها لحد ليلى ما تفوق. أنا مش ناقص مجانين."
جاسر بغضب:
"هو أنا ترزي يا ابني عشان تقول لي أعمل إيه؟ أنا دكتور، يعني أعالجها... أديها الدوا المناسب لحالتها، مش تقول لي أديها حاجة تخمدها."
تميم وقد وصل الغضب مبلغه:
"تعالى يا أحسن دكتور في العالم، اتصرف فيها وريحني من زنها."
يدفع جاسر تميم من كتفه بزهق:
"ادخل يا أخويا وريني المجنونة التانية."
ينظر إليه تميم بنظرات متسائلة:
"وهي مين المجنونة الأولى؟"
جاسر:
"أكيد اللي تتجوز تميم القاضي مجنونة."
تميم:
"تصدق، أنا غلطان إني بتكلم مع واحد زيك. أنا هشوف دكتور غيرك."
جاسر:
"آه والله. أنا هشوفها وأديها منوم وأروح بيتنا. مش هاجي المستشفى لحد مراتك ما تخرج من هنا خالص. وصدفة سعيدة، ويارب متتكررش. وبارك الله فيما رزق وألف ألف مبروك."
يفتح تميم الباب وينحني بجذعه أمام جاسر بطريقة مسرحية ساخرة وهو يقول:
"اتفضل يا دكتور."
يدخل جاسر ليجد نور مازالت غارقة في بكائها في حضن الجد زين وهو يربت عليها بحنان:
"اهدّي يا نور، كفاية يا بنتي."
نور بترجّي:
"علشان خاطري يا جدو، دخلني أشوفها خمس دقايق بس."
زين:
"الزيارة ممنوعة يا نور، حتى اسألي الدكتور."
وينظر إلى جاسر:
"قول لها يا دكتور."
تنتفض نور من أحضان الجد زين وتركض باتجاه جاسر تحدثه بعيون مترجية:
"دخلني أشوفها يا دكتور، أرجوك."
تقع عين جاسر على تلك الباكية... تلك المجنونة الصغيرة. لتحدث كهرباء من نوع جديدة، منظومة العقل يصيبها فيروس لتتوقف عن العمل وتفقد قدرتها على إعطاء الأوامر. ليقف جاسر صامتاً مثل تمثال وكأنها ألقت عليه تعويذة بعينيها... وصوتها الباكي فأصابت قلبه لتجعله أسيراً لها دون أدنى مجهود منها، ليشعر بعدها بالسلام والاستسلام... بالهدوء والضجيج..... بالسكينة والانهيار.... بالخوف والأمان.... فكانت كمن أطلقت من عينيها الجميلة تلك سهماً أصاب منتصف قلبه.
ليحدث نفسه:
"كنت أظن أن الحب من أول نظرة أسطورة اخترعها عاشق أحب حد النخاع، لكنى وجدتها حقيقة أحياها الآن بكل تفاصيلها. وأنا أتساءل كيف لعينيها البريئة تلك أن تكون صياداً ماهراً يصيب ويقتل؟ أما يكفيكى ما فعلتيه بقلبى من نظرة واحدة؟ والآن تقصدين روحى؟ لقد فعلت عينيك بقلبى أمراً لا يعلمه إلا الله. فمن أنتِ أيتها الحورية؟ أأنتِ من نسل البشر؟ لأ لأ لأ... من الفراشات؟ لأ لأ لأ... من الغزلان؟ لأ لأ لأ.... مهرة جميلة؟ لأ لأ لأ حورية من الجنة؟ نعم... نعم... هي.... أنتِ.... أنتِ حورية من الجنة."
هههههه، أهلاً بحب جديد.
رواية تكسرات الروح الفصل الثامن 8 - بقلم نادية شعيب
تقع عين جاسر على تلك الباكية، تلك المجنونة الصغيرة، لتحدث كهرباء من نوع جديد.
هنا تتوقف منظومة العقل عن العمل، وكأن فيروسًا أصابها، وتفقد قدرتها على إعطاء الأوامر.
يقف جاسر صامتًا مثل تمثال، وكأنها ألقت عليه تعويذة بعينيها وصوتها الباكي، فأصابت قلبه لتجعله أسيرًا لها دون أدنى مجهود.
ليشعر جاسر بالسلام والاستسلام... بالهدوء والضجيج... السكينة والانهيار... الخوف والأمان.
فكانت كمن أطلقت من عينيها سهمًا أصاب منتصف قلبه.
ليحدث نفسه:
كنت أظن أن الحب من النظرة الأولى أسطورة اخترعها عاشق أحب حد النخاع، لكنني وجدتها حقيقة أحياها الآن بكل تفاصيلها.
وأنا أتساءل: كيف لعينيها البريئة تلك أن تكون صيادًا ماهرًا يصيب ويقتل؟
أما يكفيكِ ما فعلتيه بقلبي، والآن تقصدين روحي؟
من أنتِ؟
أأنتِ من نسل البشر؟
لا... من الفراشات؟
لا... من الغزلان؟
... من الحوريات؟
... نعم، أنتِ من الحوريات!
يفيق جاسر من الغيبوبة التي أصابته على صوت بكائها.
ليحدث نفسه وهو لا يستطيع أن يبعد عينيه عنها:
مين يقدر يبكي الجمال ده؟
ثم يتجه بنظره إلى تميم ويسأله بحروف متعثرة:
مين دي يا تميم؟
يشير إليها تميم بغضب ونفاذ صبر:
الآنسة نور، أخت ليلى.
ينظر إليها جاسر بعيون هائمة:
وكمان اسمك نور، ده أحلى اسم في الدنيا، ولا إيه؟
يلكمه تميم في كتفه:
انت فين يا جاسر؟ شوف شغلك يا دكتور.
لينتبه الجميع على صوتها من جديد:
أنا عاوزة أدخل أشوف ليلى.
ليصيح فيه تميم بغضب:
قلتلك هي كويسة، الصبح هتفوق وتدخلي تشوفيها.
تصرخ فيه نور بغضب أشد:
أنا مش هستنى لبكرة، أنا عاوزة أشوفها حالا.
يتجه تميم بنظره إلى جاسر، ذلك الغارق في النظر إليها:
انت يا دكتور، ويشير بيديه إلى نور، اتفضل اتصرف، ولا انت فقدت الذاكرة وجاي تتنح هنا؟
تقف الكلمات على شفتيه متعثرة، لا تستطيع الخروج.
ثم يوجه حديثه إلى تميم:
اهدأ يا تميم شوية، ما تزعقش لها كده.
ثم ينظر إلى نور مجددًا:
أنا بعتذر بالنيابة عن تميم، ممكن تهدّي شوية.
كل ذلك تحت نظرات زين الثاقبة، لينطق بعد طول صمت بسؤال خبيث:
مالك يا دكتور، انت مش معانا هنا ولا إيه؟ من ساعة ما دخلت وأنت كأنك في دنيا تانية.
ينتبه جاسر على حاله ويحدث نفسه:
آآآآه، دنيا تانية.
ثم يوجه حديثه إلى نور:
أنا هدخلك لها يا آنسة نور.
نور بنظرات يملأها الترجي:
بجد هدخلني أشوفها؟
يحدث جاسر نفسه:
أرجوكي بلاش النظرات دي.
ثم ينتبه لها:
أيوه هدخلك لها، بس حاولي تهدّي عشان مصلحة أختك، هي محتاجاكي تكوني قوية.
أنا هعلق لك محلول، وأما يخلص هدخلك لها.
نور بهدوء:
ماشي، بس بسرعة الله يخليك.
جاسر:
اتفضلي ع السرير ارتاحي، وأنا هتصرف.
تتجه نور إلى السرير بهدوء شديد، ويخرج جاسر هاتفه ويتصل بإحدى الممرضات لتحضر له المحلول وحقنة مهدئة.
تجلس نور على حرف السرير، ويجلس جاسر على الكرسي المواجه لها.
ينظر إليها يتأمل ملامحها، وتلك الدموع العالقة برموشها، وأنفها الأحمر من شدة البكاء، وتلك الخدود التي أصبحت...
زين:
مالك يا دكتور، أنت تعبان؟
لم ينتبه جاسر لصوت زين، ليلكمه تميم مجددًا وينحني يحدثه في أذنه بغضب:
انت تعبان يا دكتور؟ ويكمل ساخرًا: تحب أجيب لك دكتور يكشف عليك؟ أصل أنا جايبك تخلصني من مصيبة، توقعني في غيرها.
لينتبه جاسر لوجود تميم وزين، وكأنه لم يراهم من قبل.
ليتنحنح بخجل:
اتفضلوا أنتوا عشان ترتاحوا، وأنا هفضل معاها.
تميم بنظرات متسائلة خبيثة:
انت قلت إنك هتروح بيتكم.
ويكمل بسخرية:
عندك إجازة لمدة شهر.
جاسر بتلعثم:
لأ، أنا كنت بهزر معاك، ما بتهزرش يا تميم، ولا إيه؟
تميم بنبرة ارتياح:
الحمد لله تعالى يا جدو عشان ترتاح.
يخرج تميم والجد من الغرفة، وهو مطمئن على نور، فهو رجل عاش من الحياة ما عاش، وخبر منها ما خبر.
تدخل الممرضة معها المحلول.
يقف جاسر وياخذ منها الأدوية:
روحي أنتِ شوفي شغلك.
الممرضة:
ممكن أستنى مع حضرتك؟
جاسر:
لأ، مش محتاج حد معايا.
تنظر نور إلى المحلول بخوف وتضم ذراعها إلى صدرها:
أنا... أنا بخاف من الحقن.
جاسر بنظرات زرع بها كل حنان العالم:
متخافيش يا نور، مش هتوجعك، ثقي فيا، افردي دراعك ومش هتحسي بحاجة.
لتمد نور ذراعها باستسلام.
يبدأ جاسر في تركيب المحلول بهدوء ومهنية، متحاشيًا النظر إليها.
ثم يقرب الكرسي من السرير حتى بات لا يفصله عنه انش واحد، وينظر إليها ويسأل بحنان ولهفة:
ها، حسيتي بحاجة؟
نور:
لأ يا دكتور، ما حسيتش بحاجة خالص، بس إيه الحقنة اللي حطيتها فيه؟
جاسر بتلعثم:
دي فيتامينات عشان أنتِ شكلك مبتاكليش كويس.
نور باستعجال:
المحلول ده هيخلص إمتى؟
جاسر وهو ينظر إليها متأملاً:
هو انتي زهقتي مني ولا إيه؟
نور بارتباك:
لأ، بس عاوزة أدخل أطمن على ليلى.
هو حضرتك هتفضل هنا لحد المحلول ما يخلص؟
يتمتم جاسر بصوت ضعيف:
هو أنا هقدر أمشي من هنا؟ ده أنا في جنة.
نور بعدم فهم:
حضرتك قلت حاجة؟
جاسر:
لو وجودي مضايقك أنا ممكن أمشي وأبعت لك...
تقاطعه نور بخجل:
لأ، أبداً مش مضايقني، بس كده هعطلك عن شغلك.
جاسر وهو يعتدل في جلسته ويضع قدم على الأخرى:
لأ... أنا خلصت شغلي من بدري، وما فيش ورايا حاجة.
نور ببراءة:
يعني هتروح؟
جاسر:
لأ، أنا هفضل معاكي لحد ما أدخلك عند أختك وتطمني عليها... و.....
قبل أن يكمل حديثه، تستسلم نور لسلطان النوم حتى الصباح.
كل هذا وجاسر ينظر إليها وكأنه يرسم ملامحها الرقيقة ليحفظها داخل زوايا قلبه.
في منزل ليلى.
تحمل الجدة هاتفها بيديها المرتعشة وتحاول الاتصال بليلى ونور، وهي تحدث نفسها بخوف:
هم مبيردوش ليه؟ استرها معانا يارب.
ثم تتجه إلى شقة أمجد وتدق الباب بلهفة.
يفتح أمجد الباب ويسأل الجدة:
خير يا تيتا، في حاجة؟
الجدة:
معلش يا أمجد، أصلي برن على البنات والاتنين مبيردوش.
أمجد بقلق:
هم فين لحد الوقت ده؟
الجدة:
ليلى كانت عند بيسان من بدري، وأنا طلعت عند أم محمد أشوفها عشان تعبانة والوقت خدنا.
ونزلّت ملقتش نور كمان، ومن ساعتها وأنا برن عليهم.
أمجد:
يعني هما مع بعض؟
الجدة بخوف:
معرفش.
أمجد:
طيب أنا هرن عليهم وأشوفهم فين وأروح أجيبهم، متقلقيش.
يخرج أمجد هاتفه من جيب بنطاله ويرن على ليلى دون إجابة، ثم يرن على نور.
في المستشفى، يرن هاتف نور.
الموضوع على الكومود، ليجد جاسر اسم أمجد فيفزع ويحدث نفسه:
مين أمجد ده؟ خطيبها ولا إيه؟
ثم ينظر إلى يديها فلا يجد دبلة أو خاتم، ليهدأ قليلاً ويحدث نفسه بارتياح:
لأ، مش لابسة دبلة، يعني مش مخطوبة. الحمد لله.
وقبل أن يشعر بالرضا لهذه الفكرة، ينتبه بفزع ويتحدث بصوت مسموع:
يا نهار أسود! ممكن يكون حبيبها؟
وينظر لها بتوعد:
عارفة لو طلعتي بتحبي حد تاني.....؟
وما أن يصمت الهاتف حتى يبدأ من جديد في الرنين.
ينظر جاسر إلى الهاتف بغضب:
لأ، أنا لازم أعرف مين أمجد ده.
فيفتح الهاتف بعنف:
الوه، مين حضرتك؟
أمجد بفزع:
انت مين وبترد على تليفون نور ليه؟
جاسر بغضب:
أعرف انت مين الأول.
أمجد:
أنا أمجد، جار نور.
جاسر:
و بتتصل بيها في وقت متأخر ليه؟
أمجد وقد نفذ صبره:
وانت مالك؟ قولي أنت، نور وليلى فين؟
جاسر بعد أن شعر بسخافة تصرفه:
الآنسة ليلى اتعرضت لحادث وفي الرعاية، ونور واخده مهدئ عشان انهارت لما عرفت بحادث ليلى.
أمجد وقد تملك الرعب منه:
ليلى... ليلى مالها؟ طمني عليها أرجوك.
لتفزع الجدة وتبدأ في الصراخ.
جاسر:
متقلقش، هي بخير، هتفوق على الصبح إن شاء الله.
أمجد:
انتوا في أي مستشفى؟
جاسر:
مستشفى الغازولي.
أمجد:
إحنا جايين حالا.
تصرخ الجدة:
أنا كان قلبي حاسس إن فيه مصيبة.
أمجد وهو يغلق الباب بلهفة:
يلا ع المستشفى بسرعة.
في جناح زين القاضي.
يجلس الجد زين وتميم ومعتز.
زين:
عملت إيه يا معتز؟
معتز:
قدرنا نوصل لصور العيال اللي ضربوا علينا نار، بس للأسف العربيات ما فيهاش نمر.
ورجالتي بيحاولوا يوصلوا لهم، وإن شاء الله على الظهر بالكتير هيكونوا في إيدينا.
تميم:
أول ما توصل لهم يا معتز، تديني خبر. أنا لازم أربيهم بأيدي.
وهو يخرج كل حرف من تحت أسنانه.
زين:
أهم حاجة دلوقتي ليلى عاملة إيه؟ عايزين نطمن عليها.
تميم:
أنا لسه مكلم الدكتور وطمني عليها، إن شاء الله هتكون بخير يا جدو، ما تقلقش.
بعد مرور نصف ساعة، أمام باب المستشفى.
ينزل أمجد والجده ركضًا اتجاه مكتب الاستعلامات.
أمجد:
لو سمحت، الآنسة ليلى زيدان المحمدي في غرفة كمال؟
موظف ينظر في الشاشة الكمبيوتر أمامه:
الآنسة ليلى زيدان المحمدي في الرعاية المركزة.
الجدة بفزع:
رعاية مركزة؟ ليه؟ بنتي مالها؟
أمجد بكلمات مهتزة تقطر خوفًا:
فين الرعاية المركزة؟
الموظف:
في الطابق الرابع.
بعد مرور عدة دقائق، يصل أمجد والجده إلى غرفة الرعاية المركزة ليجدوا الطبيب يخرج منها.
الجدة:
طمني يا دكتور، ليلى عاملة إيه؟ وحادثة إيه اللي حصلت لها؟
أمجد:
طمني يا دكتور على وضعها.
الطبيب:
مين حضرتكم؟
الجدة:
أنا جدتها.
الطبيب:
الآنسة ليلى جت مصابة بطلق ناري، وكانت حالتها خطر، والحمد لله العملية عدت بنجاح.
وهي دلوقتي في الرعاية، وإن شاء الله هتفوق على الصبح وتقدروا تشوفوها.
تستند الجدة على ذراع أمجد وهي تقاوم السقوط وتبذل مجهودًا لتظل واقفة:
مين اللي ضربها بالنار؟ وهي تصرخ: حفيدتي مالهاش أعداء ولا حد بيكرهها.
أمجد وقد تملك الخوف منه:
مين اللي ضربها بالنار يا دكتور؟
الطبيب برسمية:
أنا ما عنديش أي معلومات غير إنها كانت مع زين باشا القاضي وتميم حفيده، وهم في جناح رقم......
لتندهش الجدة وأمجد، الذي يسأل نفسه:
ليلى كانت بتعمل إيه مع حفيد زين القاضي لوقت متأخر زي ده؟
تصيح الجدة:
أنا عاوزة أدخل أشوف ليلى.
يصل زين القاضي وتميم في نفس الوقت، ليتقابلوا مع الجدة، التي تصيح بفزع:
عايز أشوف ليلى حالا.
وتستند على أمجد، الذي تبدو عليه علامات الضيق.
يقترب منهم زين وينظر إلى الجدة ويتحدث بهدوء شديد:
مساء الخير يا خديجة هانم.
الجدة بلوم وغضب:
هي دي الأمانة يا زين باشا؟
ينظر إليها زين نظرات خجلة:
أنا... أنا عارف إن مافيش كلمة اعتذار تكفي، لكن عزائنا إن ليلى الحمد لله حالتها مستقرة، وإن شاء الله هتفوق على الصبح، وإن شاء الله كلها كم يوم وترجع لبيتها ودراستها.
الجدة بغضب وتصميم:
أنا عاوزة أعرف مين اللي ضربها بالنار.
زين وهو ينظر إلى الأرض بخجل:
مش هي اللي كانت مقصودة، اللي ضرب عليها نار كان قاصد تميم حفيدي، بس الرصاصة جت في ليلى.
لينتبه أمجد ويسأل بغضب:
وحفيدك كان معاها ليه؟
زين بنبرة رزينة:
تميم كان رايح يوصلها، واللي حصل حصل.
لكن أوعدك يا خديجة هانم، اللي عمل كده هدفعه الثمن غالي.
الجدة:
أهم حاجة دلوقتي إنها تقوم بالسلامة، وعاوزة أدخل أشوفها.
ينظر تميم إلى الجدة ويحدثها بهدوء:
أنا حاولت أحميها، لكن هي فتحت الباب ونزلت من العربية، والرصاصة جت فيها.
أنا عارف إن ده مش عذر، بس أنا حاولت أحميها بكل قوتي، بس هي خافت من صوت الرصاص ونزلت من العربية و....
ليقاطعه أمجد وهو يضغط على كل حرف:
يعني لو كانت روحت لوحدها، كانت دلوقتي في بيتها وبخير.
في غرفة ليلى.
تفتح الجدة الباب ببطء وتدخل، لتجد ليلى مستسلمة لتلك الغيبوبة بلا حراك، وكأنها في عالم آخر.
لتجهش جدتها في البكاء وتتحدث بصوت مسموع:
قلبي يا ليلى، مين اللي عمل فيكي كده يا قلب جدتك؟
لتقترب منها وتمسح بيدها على جبينها الشاحب وتقبلها وتناجي ربها:
يارب قومها بالسلامة يارب، أنا ماليش غيرهم يارب، طمني عليهم.
ثم تدخل الممرضة لتقول:
لو سمحت يا حاجة، كفاية كده عشان مصلحة المريضة.
الجدة:
سيبيني شوية معاها كمان، الله يخليكي.
الممرضة:
للأسف ما ينفعش عشان مصلحتها، دي أوامر الدكتور.
تخرج معها الجدة.
في الخارج، أمام باب الغرفة، يقف أمجد يفرك يديه بغضب شديد، يحاول السيطرة على أعصابه.
وعندما يفتح الباب، يهرع إلى الجدة التي تبكي ولا تستطيع الوقوف على قدميها التي أصبحت رخوة وكأنها هلام، ليمسكها قبل أن تقع:
طمنيني يا تيتا، ليلى عاملة إيه؟
الجدة ببكاء:
في غيبوبة يا ابني، مش حاسة بحاجة خالص.
زين:
اطمني يا خديجة هانم، إن شاء الله على الصبح هتفوق وتكون كويسة.
الدكاترة طمنونا، ما تخافيش.
الجدة:
اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه.
ثم تتجه بنظرها إلى تميم وتسأله:
انت كنت معاها يا تميم يا ابني؟
تميم:
أيوه يا هانم، كنت معاها وحاولت أحميها زي ما قلت لحضرتك، بس للأسف.....
ليقاطعه أمجد بغضب:
يعني إيه حاولت أحميها؟
ينظر إليه تميم بنصف عين ولا يرد.
أمجد بغضب أشد:
انت سامعني؟ أنا بكلمك.
تميم ببرود:
مين حضرتك؟ وارد أرد عليك ليه؟ بصفتك إيه؟
أمجد بارتباك:
أنا.... أنا...
الجدة:
ده أمجد جارنا ومتربي مع أحفادي من وهم صغيرين، إحنا تقريبًا عيلة واحدة.
وتنتبه الجدة:
أمال نور فين؟
تميم:
في جناح جدو، وهي واخده منوم عشان كانت منهارة.
ممكن حضرتك تيجي تشوفها لحد ليلى ما تفوق.
ويشير إليها بيديه لتتقدمه إلى الجناح.
في جناح زين، في غرفة نور.
يجلس جاسر على الكرسي المقابل لسرير نور، ليفتح فجأة الباب وتدخل الجدة تركض باتجاه نور.
يقف جاسر:
مين حضرتك؟
لترد وهي تجلس وتمسد على شعرها وتقبل جبينها ببكاء:
بعد الشر عليك يا قلب جدتك.
ثم تنظر إلى جاسر وتسأله:
هي عاملة إيه يا دكتور؟
جاسر:
هي بخير يا فندم، هي نايمة بس بسبب المنوم وهتصحى على الصبح إن شاء الله.
الجدة:
شكراً يا دكتور.
يتنحنح جاسر بخجل:
أنا هسيب حضرتك معاها يا فندم وأروح أشوف شغلي، لو احتاجتي حاجة ابعتي لي الممرضة.
أنا دكتور جاسر الغازولي.
الجدة:
شكراً يا دكتور.
يخرج جاسر إلى غرفة الأطباء.
في غرفة الأطباء، يجلس جاسر أمامه فنجان قهوة، يفكر في الجميلة التي احتلت تفكيره وأشعلت الحرائق داخل قلبه.
يتذكر نظراتها... صوتها... ملامحها البريئة.
يبتسم ابتسامة الواقع في الحب حد الثمالة.
ليدق الباب ويدخل تميم.
جاسر:
اتفضل يا تميم.
تميم:
لو سمحت يا جاسر، أنا عاوز أدخل أطمن على ليلى.
جاسر:
اصبر للصبح، كلها ساعتين والنهار يطلع.
تميم بانفعال:
تاني هتناقشني وتجادلني؟ لما أقولك عايزة أدخل لها، يبقى تدخلني على طول، بدل ما أكسر الباب وأدخل.
ينظر له جاسر مطولاً بنظرات تملأها الدهشة دون أن يتكلم.
تميم:
خلاص يا جاسر، أنا هتصرف.
يمسكه جاسر من ذراعه:
خلاص يا تميم، هدخلك.
يرتدي تميم ملابس معقمة ويتجه إلى غرفة الرعاية، ليجد أمجد مازال يقف ينظر إلى تميم بغضب يكاد يفتك به.
أمجد:
هو انت رايح فين باللبس ده؟
ينظر إليه تميم بطرف عينه دون أن يجيب، ليجذبه أمجد من ذراعه:
أنا بكلمك، انت داخل عند ليلى؟
يدفعه تميم بغضب محذرًا بسبابته:
إياك تفكر تتصرف كده تاني، وإلا هتندم.
هنا يدخل جاسر بينهم:
مينفعش كده، انتوا في مستشفى.
أمجد:
هتدخل عندها بأي عين؟ ليلى بتموت بسببك، لو كانت روحت لوحدها مكنش كل ده حصل، انت شر ماشى على الأرض.
تميم:
احترم نفسك بدل ما أخليك تندم. أنا عامل حساب لخديجة هانم اللي انت جاي معاها، وإلا كان زماني عرفتك مقامك.
يتدخل جاسر للمرة الثانية:
ما ينفعش يا جماعة اللي بيحصل ده، إحنا في مستشفى.
تميم بغضب:
انت مش سامع؟
أمجد:
الكلام زعلك عشان حقيقة؟ وبعدين انت هتدخل عندها بصفتك إيه؟
تميم:
شيء ما يخصكش.
أمجد:
يخصني طبعًا.
تميم بثبات ونظرات تملأها التحدي:
هدخل بصفتي إن أنا السبب في اللي هي فيه، وإن أنا كنت آخر حد معاها.
ده غير إني تميم القاضي، بعمل اللي أنا عايزه، وأدخل المكان اللي أنا عايزه، وما حدش يقدر يمنعني. فهمت ولا لسه؟
تحت نظرات أمجد القاتلة، الذي لا يجد ما يرد به.
ويكمل تميم بنبرة واثقة:
أنا رأيي إنك تروح ترتاح في بيتكم، وما تحملش هم ليلى ولا عيلتها، إحنا معاهم.
ثم يتجه تميم إلى داخل حجرة ليلى، ويترك أمجد وراءه يحترق غضبًا.
في غرفة ليلى.
يدخل تميم ويتجه بخطوات سلحفية إلى سريرها.
يقف بجوارها ينظر إليها نظرات مليئة بالندم والخوف.
يتذكر وقت إطلاق الرصاص وخوف ليلى وذعرها، وكيف نطقت باسمه بصوت ضعيف وهي تفقد وعيها والدماء تلطخ جسدها الضعيف.
ليفوق من شروده ويحدثها بصوت مسموع:
إن شاء الله هتبقي كويسة، أنا متأكد إنك بنت قوية وهتعدي المحنة دي بخير.
قومي يا ليلى عشان خاطر جدتك وأختك، وعشان خاطر بيسان.
أنا اكتشفت النهارده إن انت سند لناس كتير، مش بس جدتك وأختك.
قومي يا ليلى، وأنا هاخد حقك من اللي عمل كده.
ثم يبتسم ابتسامة صغيرة:
قومي عشان نكمل خناقتنا، بس قولي لي، بنت جميلة ورقيقة زيك ومتفوقة في دراستها، إزاي يكون لسانها طويل كده؟
ثم يحاول أن يقترب منها، ليدخل جاسر قائلاً:
كفاية يا تميم.
يتراجع تميم إلى الوراء ويخرج بجانب جاسر، ثم يلتفت إليها مرة أخرى وينظر إليها مطولاً:
أنا مستنيكي بره يا ليلى، ما تتأخريش.
يحدثها وكأنها تسمعه:
أنا واثق في قوتك.
في مكتب زياد المنشاوي.
زياد:
عملت إيه يا ذكي؟ عرفت حاجة عن البنت اللي كانت مع تميم القاضي؟
ذكي:
أيوه يا باشا، البنت صاحبة أخته، وكان رايح يوصلها، بس شكله كده في حاجة بينهم.
لأن زين القاضي واخد جناح في المستشفى، ومرجعش بيته، ومستني يطمن عليها.
والمستشفى من كتر الحرس اتحولت لثكنة عسكرية، محدش عارف يدخل ولا يخرج إلا بعد ما يتفتش.
زياد:
يعني البنت دي خطيبة تميم؟
ذكي:
أكيد يا باشا.
زياد بغضب:
أكيد لأ يا غبي! واحد زي تميم القاضي هيخطب في السر ليه؟
أكيد في حاجة تانية. أنا عايز أعرف كل حاجة عنها، سواء كانت خطيبته ولا في بينهم حاجة تانية.
في جناح زين القاضي.
يجلس تميم مع الجد زين.
يدق الباب بنغمة رسمية.
تميم:
ادخلي.
يفتح معتز الباب ويدخل بخطوات سريعة واثقة.
زين:
خير يا معتز، شكلك جايب أخبار كويسة.
معتز:
فعلًا يا باشا، العيال اللي ضربوا نار تحت أيدينا، تحب نتصرف معاهم؟
ينهض تميم من جلسته واقفًا، يحذره بسبابته:
أنا قلت لك، أنا اللي هتصرف معاهم.
زين:
أنا مش عايزك تتورط في دم يا تميم، هو ده اللي زياد بيخطط له دلوقتي.
تميم:
أنا متأكد من كده يا جدو، متخافش عليا.
أنا مستحيل تهون عليا روح إنسان، حتى لو كان مجرم.
أنا هاخد حق ليلى منهم من غير ما أخسر ضميري.
ثم يكمل مبتسمًا:
أنا برضه حفيد الثعلب الكبير، وحضرتك علمتني إن الحياة معارك، وعلمتني إن الاستسلام ما يشبهناش.
وأنا أعرف أحدد مين هو خصمي، وأنا خصمي مش العيال دي.
أنا خصمي زياد المنشاوي.
أنا بس هعلم عليهم وأخليهم ما يعرفوش يعملوا كده مع حد تاني، وزياد له ترتيبات تانية أكبر من كده بكتير.
ثم يتجه بنظره إلى معتز:
خلي الشباب يوديهم مخزن السيراميك على ما نوصل.
معتز:
هم فعلاً هناك من عشر دقايق يا تميم.
زين:
خلوا بالكم من نفسكم.
تميم ومعتز:
الله المستعان.
يتجه تميم ومعتز إلى الخارج باتجاه موكب السيارات بخطوات سريعة ثابتة تدك الأرض، توحي باندلاع حرب قادمة لا محال.