تحميل رواية «ثمن اخطائي» PDF
بقلم الاء محمد حجازي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رفع عينه من الموبايل بملل واضح: _ نعم؟ بلعت ريقها، وصوتها طلع مبحوح: _ أنا حامل. سكت. ما اتفجأش، ولا حتى اتغيّرت ملامحه. قفل الموبايل وحطه جنبه: _ وبعدين؟ قربت خطوة، قلبها بيخبط في صدرها: _ وبعدين؟ وهو اية اللي وبعدين؟ يعني فضيحة. يعني لو بابا أو أخويا عرفوا… أنا هموت. إنت فاهم يعني إيه هموت؟ اتنهد بضيق: _ وأنا مالي؟ اتسمرت مكانها: _ إيه؟ _ وأنا مالي بالحمل بتاعك؟ قربت بإحساس واحدة بتغرق: _ حسام… إحنا متجوزين. ضحك ضحكة قصيرة مستفزة: _ متجوزين؟ تقصدّي العرفي؟ ا تسعت عينيها: _ آه… العرفي. اللي إنت...
رواية ثمن اخطائي الفصل الأول 1 - بقلم الاء محمد حجازي
رفع عينه من الموبايل بملل واضح:
_ نعم؟
بلعت ريقها، وصوتها طلع مبحوح:
_ أنا حامل.
سكت.
ما اتفجأش، ولا حتى اتغيّرت ملامحه.
قفل الموبايل وحطه جنبه:
_ وبعدين؟
قربت خطوة، قلبها بيخبط في صدرها:
_ وبعدين؟
وهو اية اللي وبعدين؟
يعني فضيحة.
يعني لو بابا أو أخويا عرفوا… أنا هموت.
إنت فاهم يعني إيه هموت؟
اتنهد بضيق:
_ وأنا مالي؟
اتسمرت مكانها:
_ إيه؟
_ وأنا مالي بالحمل بتاعك؟
قربت بإحساس واحدة بتغرق:
_ حسام… إحنا متجوزين.
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة:
_ متجوزين؟
تقصدّي العرفي؟
ا
تسعت عينيها:
_ آه… العرفي.
اللي إنت أقنعتني بيه،
واللي حلفتلي إنه جواز،
واللي خلتني أستخبى من أهلي علشانه.
ميل عليها:
_ ما هو ده بقى…
حتة ورقة.
شهقت:
_ ورقة؟
دي كانت حياتي!
قال ببرود قاتل:
_وبالنسبة ليا ورقة لا راحت ولا جت،
وأقدر أقطعها في أي ثانية.
حست إن قلبها بيتسحب من صدرها:
_ إنت بتهزر معايا صح؟
ده ابنك؟
قرب أكتر، صوته واطي وسام:
_ اثبتي بقى الطفل اللي في بطنك ده ابن مين.
صرخت بخضة:
_ حسام!
ارجووووك
كمل ببرود من غير ما يرد عليها:
_ ما يمكن مش ابني.
دموعها نزلت غصب عنها:
_ إنت مجنون؟
ده ابنك، وإنت عارف كده كويس.
وعارف إن ما فيش حد لمسني غيرك.
زق إيديها بعيد:
_ وأنا إيه اللي يضمنلي؟
اتخبطت في الكرسي ووقفت بالعافية:
_ يضمنلك إيه؟
إني سيبت بيتي؟
إني خبّيت عن أهلي؟
إني عايشة كل يوم مرعوبة يتكشف أمري؟
صوتها علي:
_ إنت اللي كنت بتيجي وتقفل علينا الباب،
إنت اللي كنت بتقولي إحنا متجوزين بالحلال.
رفع حاجبه بسخرية:
_ بالحلال؟
مين قالك كده؟
شهقت:
_ إنت!
_ لا يا مريم…
أنا قولتلك اللي إنتِ حابة تسمعيه.
قربت منه وهي بتنهار:
_ طب والطفل؟
ذنبُه إيه؟
لف وشه:
_ مش مشكلتي.
صرخت بصوت مبحوح:
_ ده ابنك!
رجع بص لها ببرود:
_ إثبتي.
حطت إيدها على بطنها:
_ أعمل إيه أكتر من كده؟
أروح أقول لأبويا؟
ولا أخويا؟
دول يموتني وبعدين يموتو نفسهم؟
سكت شوية، وبعدين قال:
_ إنتِ اللي ورطتي نفسك.
ضحكت وهي بتبكي:
_ ورطت نفسي؟
ولا وثقت في واحد طلع جبان؟
اتنرفز:
_ مريم خلي بالك من كلامك.
_ خلي بالك إنت…
إنت ضيعتني.
قرب منها وقال بهدوء أبرد من الصريخ:
_ أنا مش مستعد أتحمل فضيحة،
ولا طفل مش متأكد إنه ابني.
رفعت راسها بوجع:
_ يعني إيه؟
_ يعني تمشي.
تختفي.
وتحلي مشكلتك لوحدك.
نزلت دموعها في صمت:
_ كنت فاكرة إن الجواز العرفي بيحمينا…
طلع بيحميك إنت بس.
قربت آخر مرة، وبصوت مكسور: _
حسام…
لو ما وقفتش جنبي، أنا هضيع.
بصلها من غير أي إحساس:
_ ده اختيارك.
سكتت.
نظرتله نظرة وداع طويلة…
نظرة واحدة اتكسرت مش من حبيبها بس،
من جوزها.
لف ومشي.
سابها واقفة…
ولوحدها قدّام فضيحة أكبر من عمرها.
سابها واقفة، ماسكه بطنها بإيد،
وقلبها بالإيد التانية…
والاتنين بينزفوا.
----------------------------
مشيت وأنا حاسة إن الدنيا ماشية من غيري.
الناس حواليا بتعدي، بتضحك، بتتكلم، وأنا حاسة إني واقفة، حتى وأنا بمشي.
أنا مريم…
أنا وحسام.
زمايل جامعة.
كلمة عادية قوي، بس أنا عارفة كويس يعني إيه الكلمة دي.
طول عمري بابا مربيني تربية واضحة، ما فيهاش لف ولا دوران.
مفيش اختلاط، مفيش كلام زيادة، مفيش خروج.
كنت بنت من المدرسة للبيت، بنت هادية، وبصراحة كنت مقتنعة بده.
لبسي كان دايمًا واسع،
ألوان هادية،
مفيش حاجة تلفت النظر.
مش علشان حد كان غاصبني،
علشان اتعودت.
دخلت الجامعة،
وحسيت إني دخلت عالم تاني.
بنات مختلفة،
ضحك عالي،
ولاد واقفين مستنيينهم على الباب.
كنت بعدي جنبهم وأبص في الأرض.
مش علشان أنا أحسن،
علشان كنت حاسة إني مش شبههم.
كنت بسأل نفسي:
هو أنا ليه كده؟
هو الغلط فيّ؟
كنت بشوف صحباتي،
كل واحدة بتحكي عن صاحبها،
عن خروجة،
عن حد بيفتكرها.
وأنا؟
ولا حد.
كنت حاسة إني مش مرغوبة.
مش ملفتة.
مش حد يتحب.
عدّت أول سنة في الكلية وأنا كده.
أروح محاضراتي،
أرجع البيت،
ولا حاجة تانية.
مع بداية السنة التانية، حسام ظهر.
مش فجأة،
ولا بشكل ملفت.
كان بسيط، هادي، شبهّي.
قالّي:
_ إحنا صحاب.
ضحكت،
قلت ماشي.
يعني إيه صحاب أصلًا؟
فضل يظهر في كل حتة.
في المدرج،
في البريك،
حتى لو غيرت مكاني ألاقيه.
كنت أقول صدفة.
بس الصدف لما بتزيد، بتبقى مقصودة.
بقينا صحاب.
الكلمة اللي بنضحك بيها على نفسنا.
صحاب!
أخدنا أرقام بعض.
في الأول كلام بسيط عن الكلية.
محاضرات،
دكاترة،
امتحانات.
بعد كده الكلام طول.
بقينا نسهر نتكلم.
حد بيسألني يومي كان عامل إزاي.
حد بيسمعني.
كنت أول مرة أحس إني مرئية.
إني مهمة عند حد.
بقينا نخرج.
قعدات بسيطة،
قهوة،
مشاوير قصيرة.
كنت دايمًا قلقانة.
ببص ورايا.
خايفة حد يشوفني.
أول مرة مسك إيدي،
قلبي دق جامد.
سكت.
قلت ما حصلش حاجة.
وهنا كل حاجة بدأت تتغير.
التنازلات.
مرة ورا مرة.
كل مرة أقول:
آخر مرة.
قالّي بيحبني، عايزني.
قالّي نتجوز.
اتجوز؟
وأنا في الكلية؟
وأهلي؟
وأهله؟
قالّي إن ده مستحيل دلوقتي.
بس الحل عرفي.
ورقة.
رفضت.
بعدت.
خفت.
بس فضل ورايا.
كلامه كان جاهز دايمًا.
ده حلال، وان احنا مش بنعمل حاجة غلط.
وفي أقرب فرصة نتجوز رسمي.
كنت عايزة أصدّق.
كنت محتاجة أصدّق.
دلوقتي وأنا ماشية،
مش فاهمة أنا عملت في نفسي كده ليه.
حاسّة إني كنت ماشية ورا إحساس ناقص،
ورميت كل حاجة وراه.
مش عارفة هواجه بابا إزاي.
بابا اللي عمره ما رفع صوته عليّ.
بابا اللي تعب في تربيتي.
لو عرف…
هيبص لي إزاي؟
هيشوفني بنت إيه؟
طب أخويا؟
أخويا اللي دايمًا شايفني صغيرة،
دايمًا حاسس إنه مسؤول عني.
هيبقى شكله إيه؟
غضبان؟
مكسور؟
ولا الاتنين؟
مش عارفة أعمل إيه.
ولا رايحة فين.
ولا ههرب ولا أواجه.
بس حاجة واحدة متأكدة منها…
إني عمري ما كنت فاكرة إن النهاية تبقى كده.
----------------------------
كانت ماشية من غير ما تحس بطريقها، رجل ورا رجل، الشارع قدامها طويل ومفتوح، بس دماغها كانت زحمة قوي، أفكار بتخبط في بعض، خوف، لوم، وأسئلة ملهاش إجابة.
كانت بتبص قدامها بس مش شايفة، عقلها واقف عند كلمة قالها حسام، عند نظرته الباردة، عند إحساس إنها فجأة بقت لوحدها في الدنيا.
و كان سايق عربيته بهدوء، تفكيره مشغول بحاجات تانية، شغل، كان مركز، بس مش متوقع حاجة، ولا حاسس إن ثانية واحدة ممكن تقلب يومه كله.
مريم عدّت الشارع من غير ما تاخد بالها، خطوة زيادة، ونص خطوة متأخرة، ونور العربية جه في عينيها فجأة.
شد فرامل العربية بكل قوته، صوت الكاوتش احتك في الأرض، قلبه وقع، بس المسافة كانت أقرب من إنها تلحق.
الخبطة ما كانتش عنيفة قوي، بس كفاية تخلي جسمها يقع على الأرض.
وقف العربية بسرعة، نزل وهو بيجري، نفسه متقطع، قلبه بيدق بجنون.
شافها مرمية على جنبها، دم كتير نازل من جنب راسها.
ركع جنبها وهو متلخبط، صوته طالع واطي ومكسور:
_ إنتِ سامعاني؟ طيب افتحي عينيك.
ما كانش في رد.
ناس بدأت تقرب،
وواحد قال ما حدش يحركها، حد تاني قال كلم إسعاف.
إيده كانت بتترعش وهو بيطلب الرقم، كل ثانية بتمر عليه كانت تقيلة.
الإسعاف اتأخرت، وهو واقف محتار، باصص عليها وخايف يتحركها، بس خايف أكتر تفضل كده.
قرر بسرعة، وشالها بحذر شديد، حاسس بثقلها، مش في وزنها، في المسؤولية اللي وقعت فجأة على كتافه.
حطها في العربية وساق بأقصى سرعة، عينه على الطريق وقلبه معلق فيها، كل مرة يبص في المراية يشوف وشها، يحس بوخزة في صدره، ودعاء طالع من غير ما يحس.
وصل المستشفى، نزل وهو بيصرخ يطلب مساعدة، الممرضين جريوا، دكاترة، نقالة، وأسئلة سريعة.
قالوا:
_ على العمليات فورًا.
و
قف برة، إيده كلها دم، هدومه ملطخة، نفسه مش مظبوط.
عدّى شوية وقت وهو واقف مكانه، وبعدين افتكر حاجة ضربته فجأة… أهلها.
رجع على العربية بسرعة، فتح شنطتها، طلع التليفون.
كان بيرن.
الاسم على الشاشة شد قلبه:
بابا حبيبي.
اتردد لحظة، بس ما كانش في اختيار.
رد.
_ ألو؟
صوت راجل قلقان ومليان حنية:
_ أيوه يا مريم، اتأخرتِ كده ليه؟
بلع ريقه، حاول يظبط صوته:
_ حضرتك… أنا مش مريم والله.
سكت الصوت ثانية، وبعدين نبرة شدّت:
_ إنت مين؟ ومعاك تليفون بنتي ليه؟
قال بسرعة، وهو حاسس إن الكلمة تقيلة:
_ بنت حضرتك عملت حادثة، وهي دلوقتي في العمليات.
الصوت اتخض:
_ حادثة؟ مستشفى إيه؟
قال اسم المستشفى، وسمع النفس المتقطع قبل ما الخط يقفل.
بعد شوية، المستشفى اتملت توتر.
الأب دخل وهو مش حاسس برجليه، عينه بتلف في المكان، قلبه قبل صوته.
وابنه يوسف كان جنبه، وشه متغير، فكه مشدود، قلق وخوف باينين من غير كلام.
يوسف لمح شاب واقف بعيد، هدومه فيها دم، باين عليه التوتر.
وقف فجأة.
_ يحيى؟
يحيى رفع راسه، اتفاجئ:
_ يوسف؟
قرب منه تلقائي:
_ إنت كويس؟
يوسف بص له بذهول:
_ إنت… إنت اللي خبطت أختي؟
وش يحيى شحب، هز راسه بسرعة:
_ والله ما شفتها، ظهرت قدامي مرة واحدة، حاولت أقف، بس…
الأب قرب، صوته هادي رغم الرجفة:
_ خير إن شاء الله… خير.
وقفوا كلهم قدام باب العمليات، الوقت بيمر تقيل، مفيش كلام، بس عيون مليانة خوف.
وفجأة الباب اتفتح.
الدكتور خرج.
يوسف جري عليه من غير ما يفكر:
_ طمني يا دكتور، أختي عاملة إيه؟
الدكتور قال بهدوء مهني:
_ الحمد لله إننا لحقناها بسرعة، و كويس إنها ما اتحركتش من مكانها، واللي شالها كان حريص جدًا.
تنفسهم خرج شوية، بس الكلمة اللي بعدها وقعت زي السكينة:
_ لكن للأسف… خسرنا الجنين.
الأب اتجمد:
_ جنين؟ جنين إيه يا دكتور؟
اللي جوه بنت.
الدكتور بص لهم بأسف واضح:
_ اللي جوه… مش بنت.
يوسف قال بصوت مكسور، مش طالع:
_ حضرتك متأكد؟
الدكتور سكت ثانية، وهز راسه.
الصمت نزل عليهم تقيل.
ولا حد عرف يتكلم.
ولا حد عرف يبكي.
بس كسر واضح، وحزن دخل المكان كله من غير استئذان.
---------------------
•
رواية ثمن اخطائي الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي
جنين اية اللي خسرنا؟ اللي جوه بنت يدكتور؟
الدكتور بص لهم بأسف واضح:
اللي جوه… مش بنت.
يوسف قال بصوت مكسور، مش طالع:
حضرتك متأكد؟
الدكتور سكت ثانية، وهز راسه.
الصمت نزل عليهم تقيل.
ولا حد عرف يتكلم.
ولا حد عرف يبكي.
بس كسر واضح، وحزن دخل المكان كله من غير استئذان.
الدكتور كمل كلامه بهدوء مهني، كأنه مش شايف اللي واقف قدامه:
إحنا نقلناها أوضة عادية دلوقتي، ساعة ولا حاجة وهتفوق، وتقدروا تدخلوا لها.
الأب هز راسه ببطء، هزة تقيلة مليانة وجع.
يوسف عمل زيه، من غير ما يطلع صوت.
ولا واحد فيهم كان قادر يتكلم.
يحيى كان واقف على جنب، تايه، مش عارف يعمل إيه، ولا يحط عينه فين، ولا حتى ينفع يقرب ولا يبعد.
حاسس إن وجوده تقيل، وإن غيابه كمان تقيل.
الوقت بدأ يعدي.
الدقيقة كانت سنة.
والساعة كانت عمر كامل.
واقفِين،مش بيتكلموا،ولا حتى قادرين يبصوا لبعض.
كل واحد فيهم جواه دعوة واحدة بس:
يا رب كلام الدكتور يطلع غلط.
لما الساعة خلصت، يوسف اتحرك فجأة، جري ناحية الأوضة كأن حد بيناديه.
دخل قبل أي حد.
الأب وقف عند الباب شوية، رجليه تقيلة، قلبه سابقه، وبعدين دخل.
مريم فتحت عينيها على نور أبيض تقيل.
راسها بتوجعها، جسمها تقيل، ومش فاهمة هي فين.
أول حاجة شافتها…
وش أبوها.
ووش أخوها.
نظرة عمرها ما كانت تتخيل تشوفها منهم.
لا غضب صريح…ولا حنية.
نظرة كسر.
حبت تتكلم، بس صوتها ما طلعش.
لسه بتحاول تفهم هي فين، حصل إيه، ليه هم باصين كده؟
فجأة يوسف قرب منها.
قرب قوي.
صوته طالع واطي بس حاد:
كنتِ حامل من مين؟
الكلمة وقعت عليها زي الطوبة.
بصت له بصدمة، عينيها وسعت، بُقها اتحرك بس ولا كلمة طلعت.
بسألك يا مريم…
يوسف كررها وصوته علي شوية:
كنتِ حامل من مين؟!
حاولت تهز راسها، تحاول تتكلم، بس جسمها خانها.
قرب أكتر، صوته بدأ يرتعش:
ردي عليا…إنتِ ليه عملتي كده؟
الأب كان واقف، ساكت، بس وشه باين عليه وجع سنين.
يوسف كمل، صوته بدأ يطلع من قلبه:
إنتِ فاكرة الموضوع سهل؟
فاكرة إننا هنعديها كده؟
إيده كانت بتترعش وهو بيكمل:
أمك ماتت وإنتِ صغيرة…وأبوكي من ساعتها عاش حياته لينا.
ما رضاش يتجوز،ما فكرش في نفسه،كرّس عمره علشان يربينا صح.
بص لأبوه لحظة، وبعدين رجع لها:
علّمنا الصح من الغلط،والحلال من الحرام،علّمني أكون راجل،وأكون أخ.
صوته علي أكتر:
وأنا أول ما كبرت،ما شوفتكيش أخت بس،شوفتك بنتي.
وحبيبتي.
وصاحبتي.
دموعه نزلت غصب عنه:
ليه تعملي كده؟ليه؟
قرب منها زيادة، صوته بقى مبحوح:
ليه تحطي راسنا في الطين؟
ليه تجيبي لنا العار بإيدك؟
حاولت تتكلم:
يوسف…
قاطعها بزعيق لأول مرة:
لا!ما تقوليليش يوسف!
بص لها بنار بتخرج من عنيه:
أنا سألتك سؤال واحد…كنتِ حامل من مين؟!
الأب اتحرك خطوة، صوته طلع واطي بس موجوع:
قولي يا مريم…قولي علشان أمك ما تموتش مرتين.
الجملة كسرتها.
يوسف صوته علي أكتر، صريخ:
ليه؟!ليه يا مريم؟!
إحنا عملنا إيه غلط؟
قصّرنا في إيه؟
نقصناكي إيه علشان تعملي فينا كده؟
مسك راسه بإيديه:
الناس هتقول إيه؟
هتبص لنا إزاي؟
هتقول ربّوا بنتهم إزاي؟
رجع يبص لها، صوته متكسر:
ده إنتِ كسرتينا…كسرتي أبوكي.
الأب كان واقف، دموعه نازلة في صمت، من غير ولا كلمة.
مريم كانت سامعاهم…بس مش قادرة تستوعب.
حاسّة إن كل كلمة بتخبط فيها وهي نايمة على السرير، عاجزة، مكسورة، لوحدها.
يوسف سكت فجأة.
بص لها نظرة أخيرة، نظرة وداع مش مفهوم.
والأوضة غرقت في صمت…صمت تقيل،صمت مليان خيبة،صمت أصعب من أي زعيق.
يوسف رجع خطوتين لورا، صدره بيطلع وينزل بعنف.
الأب اتحرك.
قرب من السرير ببطء، كأنه خايف خطوة زيادة تكسر اللي باقي.
بص لمريم نظرة طويلة، نظرة أب مش لاقي بنته.
وأخيرًا… اتكلم.
ليه يا بنتي…
صوته كان واطي، مبحوح:
ليه تعملي كده؟
سكت لحظة، بلع ريقه بالعافية:
أنا قصّرت معاكي في إيه؟
قوليلي…قصّرت في إيه؟
إيده اتحطت على صدره:
من ساعة ما سمعت اللي قاله الدكتور، وأنا حاسس إن ضهري اتكسر.
مش وجع جسمي…وجع قلبي.
قرب أكتر، صوته رجف:
تعرفي يا مريم…يمكن إنتِ مش فاكرة.
ابتسم ابتسامة باهتة مليانة دموع:
وإنتِ صغيرة،كنا ماشيين أنا وإنتِ في الشارع في الشتاء.
كان في حتة طين كبيرة.
بص لها وهو بيحاول يفتكر:
إنتِ وقفتي،قلتي لا…مش عايزة أعدي.
صوته اتكسر أكتر:
قلت لك ساعتها:أنا هشيلك.
وشلتك…وعدّيتك من الطين.
دموعه نزلت وهو بيكمل:
وإحنا ماشيين قلت لك:زي ما أنا ما رضيتش أحط رجلك في الطين…مش عايزك لما تكبري تحطي راسي في الطين.
صمت.
صمت طويل.
وبعدين كمل بصوت واجع:
إنتِ لما كبرتي عملتي إيه؟
حطيتيني أنا وأخوك في الطين.
يوسف غمّض عينيه، دموعه نزلت غصب عنه.
الأب رجّع نظره لمريم:
كان عندي أمل…أمل صغير قوي…إن كلام الدكتور يطلع غلط.
تنهد تنهيدة كسرت قلبه:
بس أول ما بصيت في عينك…عرفت.
سكت لحظة، وكمل:
عايز أعرف ليه…عملتي كده ليه؟
أنا كنت هرفض؟
لو كان جه وقال لي؟
كنت هطردك؟
كنت هكسرك؟
قرب منها، صوته بقى أضعف:
طب…إنتِ كنتِ متجوزة؟
الكلمة وقفت في زوره.
ما عرفش يكمل.
نزل راسه، هزها بأسى:
ولا …ولا هو…
وقف فجأة.
بعد وشه عنها، وصوته طلع مكسور:
تعرفي…أنا مش قادر حتى أكمل الكلمة.
الأوضة كانت ساكتة.
سكات تقيل، مليان خيبة، ووجع، وانكسار أب عمره ما كان يتخيل اللحظة دي.
مريم كانت باصة لهم، دموعها نازلة في صمت.
ولا قادرة تدافع.
ولا قادرة تعترف.
ولا حتى قادرة ترجع الزمن.
يوسف فجأة اتحرك.
من غير ما حد يلحق يفهم إيه اللي حصل.
اندفع ناحيتها بعنف، إيده مسكت في كتافها، وصوته طلع مبحوح مليان نار:
قولي لي!قولي لي ليه!!
بدأ يضرب فيها، ضرب مش بس بإيده… ضرب وجع، ضرب خيبة.
مريم صرخت، حاولت تحمي وشها بإيديها، بس هو كان خارج عن شعوره.
ليه تعملي فينا كده؟!
صرخ وهو بيضرب:
قصّرنا معاكي في إيه؟
ها؟قوليلنا قصّرنا في إيه؟!
الأب حاول يتحرك، بس رجله خانته.
واقف مش قادر يعمل حاجة غير إنه يتفرج على الكارثة.
يوسف كمل، صوته كان عالي ومكسور:
أعمامك!أخوالك!الجيران!هنعمل فيهم إيه؟!
ضربة أقوى نزلت، وهو بيكمل:
هنوريهم وشنا إزاي؟
إزاي؟!
قرب منها أكتر، مسك رقبتها بإيده، ضغط، وهو بيصرخ:
ارحمينا!حرام عليكي!حرام!!
مريم كانت بتشهق، نفسها بيتقطع، عينيها بتطلع من مكانها.
في اللحظة دي…
الباب اتفتح بعنف.
يحيى دخل على الصوت، اتجمد مكانه أول ما شاف المنظر.
يوسف بيحاول يخنق أخته.
يوسف!
صرخ يحيى وهو بيجري عليهم:
إنت مجنون؟
إنت بتعمل إيه؟!
دي اختك يمجنون؟
شد يوسف من ورا، بالعافية بعده عنها.
مريم وقعت على السرير، بتكح وبتعيط.
يوسف لف ليحيى بعين حمرا مليانة كره:
إبعد!
دي مش أختي!
يحيى اتصدم:
إنت بتقول إيه؟!
يوسف صرخ:
أنا ما استنضفش إن واحدة زي دي تكون أختي!
الأب أخيرًا اتحرك، صوته طلع مكسور:
كفاية…كفاية!
قرب منهم وهو بيهز راسه:
إحنا لازم نلاقي حل للكارثة دي…وبسرعة.
سكت لحظة، وبص لمريم بنظرة تخوف:
قولي.
قولي عملتي كده مع مين؟
مريم كانت بتترعش.
دموعها نازلة من غير صوت.
بصت لأبوها، لأخوها، ليحيى.
وبصوت واطي مكسور، ابتدت تحكي.
حكت عن الجامعة.
عن الوحدة.
عن حسام.
عن كلامه.
عن الجواز العرفي.
عن الثقة اللي خانها.
وقالت اسمه.
وقالت عنوانه.
يوسف ما اتكلمش.
بس وشه كان بيتشد أكتر مع كل كلمة.
بعد دقائق…
يوسف ويحيى كانوا في العربية.
ولا كلمة بينهم.
العربية ماشية بسرعة، والغضب سابقهم.
وقفوا قدام العمارة.
طلعوا.
خبط يوسف الباب بعنف.
الباب اتفتح.
حسام واقف، وشه مستغرب.
أهلا….مين حضراتكم؟
يوسف قرب خطوة، صوته كان هادي بشكل يخوف:
أنا يوسف.
أخو مريم…اللي إنت ضحكت عليها.
حسام حاول يضحك:
مريم؟
آه…طيب،
إنت اتجننت؟!
ممكن أعرف بقى…إنتوا جايين هنا ليه؟
يوسف رد من غير ما يرمش:
جايين ناخدك…عشان تتجوزها.
حسام انفجر ضحك، ضحكة مستفزة:
أتجوزها؟
إنتوا بتهزروا؟
بص لهم باحتقار:
إنتوا عايزيني أتجوز واحدة سلمت نفسها قبل الجواز؟
أنا أتجوز دي ليه؟
من قلة البنات يعني؟!
الصمت نزل تقيل.
يحيى شد نفس، حاول يمسك نفسه.
يوسف عينه اسودت.
خطوة واحدة كانت كفاية…واللي جايكان أبعد بكتير من مجرد مواجهة.
رواية ثمن اخطائي الفصل الثالث 3 - بقلم الاء محمد حجازي
انتوا عايزينيني أتجوز واحدة سلمت نفسها قبل الجواز؟
أنا أتجوز دي ليه؟
من قلة البنات يعني؟
الصمت نزل تقيل.
يحيى شد نفس، حاول يمسك نفسه.
يوسف عينه اسودت.
خطوة واحدة كانت كفاية…
واللي جاي كان أبعد بكتير من مجرد مواجهة.
يوسف قرب خطوة من حسام، صوته كان عالي، مش ثابت:
لما هي كده… لما هي زي ما بتقول… كنت بتتجوزها عرفي ليه؟
حسام فرد كتافه، وابتسامة باردة طلعت على وشه:
واحد لقى لعبة جاية له لحد عنده… ما يلعبش؟ ما يتسلى شوية؟
الكلمة نزلت على يوسف زي النار.
عقله فصل.
في ثانية، إيده اترفعـت ونزلت على وش حسام بقوة.
ضربة ورا ضربة، وهو بيصرخ:
إنت شخص حقير! حيوان! قليل الأدب!
مسكه من هدومه، هزه بعنف:
وأنا اللي هعلّمك الأدب! وهتتجوزها… وغصب عنك!
حسام كان بيضحك، ضحكة مستفزة وهو بياخد الضرب:
إنت فاكر نفسك مين؟!
بص له بعين مليانة احتقار، وقال ببرود:
أنا مستحيل أتجوزها.
يوسف وقف لحظة، صدره بيطلع وينزل.
حسام كمل، وهو ماسك بوقه اللي نزل منه دم:
هو في حد بعد ما يتف…
التفة يرجع يلحسها تاني؟
سكت ثانية، وبابتسامة أقذر:
وأنا خلاص… تفيت التفة.
الصوت اللي طلع بعدها ما كانش صوت يوسف.
كان صوت ضربة.
بس مش من يوسف.
يحيى.
يحيى اللي كان واقف ساكت، ماسك نفسه بالعافية، فجأة ساب يوسف.
وفي ثانية، كان فوق حسام.
ضرب. ضرب بجنون. مش بيتكلم. ولا بيصرخ. بس إيده شغالة.
ضربة على وشه. ضربة على بوقه. ضربة خلّت راسه تخبط في الحيطة.
حسام حاول يرفع إيده، بس ما لحقش.
وشه ابتدى يغرق دم.
يوسف وقف متجمد، لأول مرة حد غيره يسبق غضبه.
يحيى كان بيضرب وهو بيطلع نفس تقيل، كأنه بيطلع وجع سنين:
دي بنت… فاهم يعني إيه بنت؟!
ضربة.
دي إنسانة!
ضربة أقوى.
مش لعبة!
حسام وقع على الأرض، جسمه بيرتعش.
وشه كله دم، مش قادر يتحرك.
يحيى قرب منه، مسكه من ياقة هدومه، صوته كان واطي ومخيف:
آخر مرة في حياتك تتكلم عن واحدة بالطريقة دي.
سابـه.
وقف.
صدره كان بيطلع وينزل.
حسام حاول يتكلم، صوته طلع مبحوح، متقطع:
خلاص… خلاص.
كح، دم نزل من بوقه.
أنا… أنا موافق.
يوسف قرب بسرعة:
موافق على إيه؟
حسام رفع عينه بالعافية:
أتجوزها.
سكت لحظة، وكمل بتعب:
بس… خلّصوني.
الصمت نزل تقيل.
مش صمت راحة… صمت كراهية.
يوسف وقف قدام حسام، صوته كان هادي بشكل يخوّف:
تمام.
حسام رفع عينه بالعافية.
يوسف كمل:
بكرة تيجي على مستشفى…
المأذون هيكون هناك.
ونخلص كل حاجة.
قال العنوان بوضوح، من غير ما يستنى رد.
لفّ وابتدى يمشي، ويحيى وراه.
وقبل ما يفتح الباب… يوسف وقف.
رجع تاني بخطوات بطيئة، وقف قدام حسام اللي كان لسه مرمي على الأرض.
صحيح… قالها وهو باصص له بنظرة غريبة:
مريم عملت حادثة.
حسام بلع ريقه.
يوسف كمل، صوته مليان سخرية سوداء:
وابنك نزل.
سكت لحظة، وبعدين قال:
تصـدق؟ أنا فرحان.
حسام بص له بدهشة.
يوسف كمل بحدّة:
فرحان إنه مش هيكون عنده أب وأم زيكم. عالم زبالة. جاي نتيجة غلطة مقرفة.
لفّ وفتح الباب.
خرج هو ويحيى من غير ما يبصوا وراهم.
ركبوا العربية.
يوسف قفل الباب بعنف، حط راسه على الدركسيون.
سكتوا شوية.
صمت تقيل، ما فيهوش كلام.
يوسف أخيرًا اتكلم، صوته كان واطي ومكسور:
أنا خايف يا يحيى.
يحيى بص له:
من إيه؟
يوسف رفع راسه، عينه مليانة تعب:
خايف ما يجيش بكرة. ويكون قال كده علشان نسيبه ونمشي وخلاص.
تنهد:
تبقى كسرة لينا قوي.
يحيى رد من غير تردد، صوته كان ثابت:
علشان لو ما جاش… أجيبه من بيته ميت.
يوسف ابتسم ابتسامة مكسورة، وهز راسه:
يمكن…
سكت لحظة، وبعدين صوته نزل أكتر:
يمكن يستاهل الموت فعلًا.
يحيى ما ردش.
يوسف كمل، وهو بيبص قدامه:
بس مش هو بس.
لفّ وشه ليحيى:
التانية… اللي خبطتها.
يحيى اتشد:
تقصد إيه؟
يوسف ضحك ضحكة باكية:
أنا اللي سيبتها توصل لكده. أنا اللي كنت فاكر إني بحميها… وطلعت أعمى.
صوته اتكسر:
تعرف يا يحيى…
سكت، حاول يبلع الغصة، ما عرفش.
دموعه نزلت غصب عنه.
أنا مش عارف أرفع عيني في عينك.
يحيى قرب منه شوية.
يوسف كمل، صوته بيترعش:
اتكسرت يا صاحبي. مش بس قدامك…
مسح دموعه بسرعة، بس نزلت أكتر.
قدام نفسي كمان.
العربية فضلت ماشية في هدوء.
نور الشارع معدّي عليهم، وكل واحد فيهم شايل وجع مش سهل يتقال.
---
يحيى وصل يوسف قدام المستشفى.
ما نزلش.
استناه لحد ما شافه داخل من الباب، جسمه تقيل وخطواته أبطأ من العادة.
لفّ العربية.
وداس بنزين بهدوء.
الطريق كان فاضي، بس دماغه زحمة.
أسئلة بتخبط في بعض، ومفيش ولا إجابة.
إزاي؟ إزاي ممكن بنت تعمل كده؟ تتجوز عرفي؟ ليه؟ يعني إيه عرفي أصلًا؟ ورقة من غير ضهر؟ جواز من غير شهود حقيقيين؟ من غير أهل؟ من غير ستر؟
شدّ على الدركسيون وهو بيكلم نفسه:
هو إزاي حد يقبل على نفسه يعيش نص بني آدم؟ نص زوجة؟ نص أمان؟
سكت لحظة، وبعدين رجع السؤال أقسى:
طب ليه تعمل كده في أبوها؟ أبوها اللي باع عمره عشانهم. اللي ما رضييش يتجوز بعد أمهم. اللي عاش ليهم وبس. إزاي قلبها طاوعها؟ إزاي ما خافتش عليه؟ ما خافتش يتكسر؟ ما خافتش يموت من القهر؟
نفَسه طلع تقيل.
وبعدين يوسف جه في باله.
طب و يوسف… اللي شايل نفسه فوق طاقته. اللي عامل نفسه جبل. واللي انهار النهارده قدامه. ليه تحط أخوها في الموقف ده؟ ليه تخليه يرفع إيده؟ ليه تخليه يشوفها بالشكل ده؟
هز راسه بأسف:
أخوها كان شايفها بنته. حبيبته. صاحبته. ودلوقتي؟ دلوقتي بقى بيبص لها ومش عارف يشوف إيه.
ساق شوية، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة مالهاش طعم:
ليه أي بنت تعمل كده؟ ليه بنت ترمي نفسها في حضن حد من غير أمان؟ ليه تصدق كلام؟ ليه تحب وعود؟ يعني إيه واحد يقولك بحبك؟ يعني إيه هنتجوز بعدين؟ وبعدين إمتى؟ ولما بعدين ما يجيش؟ ليه البنت دايمًا هي اللي بتدفع؟ ليه هي اللي بتتنازل؟ ليه هي اللي تقول معلش؟ ليه هي اللي تخاف؟
تنهد بوجع:
البنت أول ما تتنازل خطوة… تجر وراها ألف خطوة. وكل خطوة بتبعدها عن نفسها أكتر.
فكر في حسام. فكر في بروده. في ضحكته. في كلمته القذرة.
جزّ على سنانه:
إزاي حد يبقى بالقسوة دي؟ إزاي يشوف إنسانة لعبة؟ إزاي ينام مطمّن؟
بس رجع يفكر تاني… هو الغلط كله عليه؟ طب في لحظة مريم قالت لنفسها: لا؟ ما كنش في خوف؟ ولا في شك؟ ولا في إحساس إن الطريق ده آخره وحش؟
ساق أسرع شوية.
قلبه تقيل.
يمكن الوحدة؟ يمكن الاحتياج؟ يمكن الفراغ؟ بس هل ده مبرر؟ هل الوحدة تبرر تكسري بيت؟ هل الاحتياج يبرر تضيعي نفسك؟ هل الحب يبرر الغلط؟
هز راسه بعنف:
مفيش حاجة تبرر اللي حصل. ولا حاجة تبرر دموع أب. ولا صرخة أخ. ولا بنت مرمية على سرير مستشفى، مش فاهمة هي وصلت لكده إزاي. الغلط عمره ما بيقف عند صاحبه. الغلط بيوجع ناس ملهاش ذنب. بيـ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ـantoss.
---
عند يوسف فتح باب الأوضة بهدوء.
النور كان مطفي.
بس الصوت… كان واضح.
مريم كانت قاعدة على السرير، لابسة إسدال الصلاة، وشها مبلول دموع، إيديها مرفوعة، وصوتها مبحوح وهي بتكلم ربنا:
يا رب… أنا عارفة إني غلطت.
شهقتها قطعت كلامها، وكملت وهي بتعيط:
أنا مش فاهمة عملت كده إزاي. ولا عقلي كان فين. كنت حاسة إني نايمة… مغناطيس شدّني ومفـ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ـ
فوق.
سكتت لحظة، وبعدين صوتها اتهز:
ما فوقتش غير على النظرة اللي شفتها في عين أبويا.
نزلت دموعها أكتر، وهي بتضرب صدرها:
يا ريتني مت قبل ما أشوفها. يا ريتني مت.
صوتها بقى أعلى، مكسور:
أنا بقيت زبالة… بقيت شخصية مش كويسة. كسرت نفسي بإيدي.
يوسف كان واقف عند الباب.
سامع كل كلمة.
مش قادر يتحرك.
قلبه كان بيتشد من جواه، بس وشه ما اتحركش.
لفّ ببطء… وطلع.
وقف برة الأوضة، سند راسه على الباب، غمّض عينه.
صوته طلع واطي، مبحوح، من غير ما يدخل:
كسرتينا… وكسرتي نفسك قبلنا يا مريم.
فتح الباب تاني.
دخل.
مريم رفعت عينيها أول ما شافته.
خافت.
يوسف قرب خطوة، صوته كان بارد، خالي من أي إحساس:
جهزي نفسك.
سكت لحظة، وبعدين قال:
كتب كتابك بكرة… يا عروسة.
قال كلمة عروسة بسخرية موجعة.
نظرته كانت قرف. مش غضب… قرف.
سابها.
لفّ وطلع.
والباب اتقفل وراه بهدوء أقسى من أي خبط.
---
تاني يوم.
اليوم اللي مريم كانت حاسة إنه تقيل على صدرها من أول ما صحيت.
اليوم اللي ما نامتش فيه أصلًا.
الأوضة كانت متجهزة.
والمأذون قاعد قدام الورق، مستني.
هي كانت قاعدة على طرف السرير، ضهرها متشدّد، إيديها فوق بعض، عيونها في الأرض.
مش بتبص لحد. ولا حتى لنفسها.
استنوا حسام.
استنوا كتير.
الدقايق كانت بتعدي، وبـ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ
رواية ثمن اخطائي الفصل الرابع 4 - بقلم الاء محمد حجازي
مبروك يا عروسة، قرب أكتر.
صوته واطي وسام: مبروك في جحيمك.
مريم كانت ساكتة. ثواني. باصّة له بنظرة غريبة… مش خوف. ولا انكسار. قرف.
رفعت عينيها عليه أخيرًا، وصوتها طلع ثابت على غير المتوقع:
أنا بكرهك.
حسام ابتسم باستفزاز.
هي كملت، من غير ما تهتز:
إنت أكبر غلطة عملتها في حياتي. وأوسخ قرار خدته وأنا فاكرة إني بفهم.
قربت خطوة، ونظرتها اشتدت:
بتمنى الزمن يرجع بس علشان ما أكررش الغلطة دي تاني. ولا أقرب لشخص أناني زيك. شخص ما عندوش قلب… ولا ضمير.
ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة:
حيوان.
حسام رفع حاجبه.
مريم كملت، صوتها بقى أعلى شوية، بس لسه ثابت:
وإن شاء الله اللي إنت عملته فيا ده… هيترد فيك. في أختك… أو في أي حد عزيز عليك.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتحط إيدها على صدرها:
وربنا مش هيسيبني أنا كمان. أنا غلطت… وأنا عارفة إني هدفع تمن غلطي.
حسام ضحك. ضحكة باردة، مالهاش روح.
هو إنتِ مفكرة الناس كلها رخيصة شبهك؟
الكلمة نزلت عليها زي صفعة، بس ما رجعتش خطوة.
هو كمل، بصوت واطي مليان احتقار:
أنا أختي؟ أختي عمرها ما تكون كده.
قرب منها شوية:
أختي محترمة. ومتربية.
مريم عينها وسعت. الغضب طلع فجأة، من غير تفكير.
متربية؟
قالتها بسخرية موجعة:
ما تتكلمش عن التربية وإنت واقف قدامي! لو كانت تربيتك صح… ما كنتش عملت كده فيا!
حسام مدّ إيده فجأة، شدّها من شعرها بعنف. وشدّ راسها ناحيته.
القلم نزل على وشها. وبعدين… انفجر.
مسك إيدها بعنف، زقّها، صوته طلع غليظ:
إنتِ اتجننتي؟!
شدّها من دراعها جامد:
أنا بقى هوريك التربية اللي بجد!
قرب منها، عينه بقت سودا:
هوريك يعني إيه واحدة ما لهاش قيمة.
مريم حاولت تفلت، بس إيده كانت تقيلة. قلبها كان بيدق بسرعة، بس عنادها لسه واقف.
اعمل اللي تعمله!
صرخت في وشه:
إنت مش هتقدر تكسرني أكتر ما إنت كسرتني!
ضحك بسخرية:
لأ… لسه.
ساب إيدها فجأة، وبعد خطوة، قال ببرود قاتل:
إنتِ فاكرة نفسك اتعاقبتي؟ ده إنتِ لسه في أول الطريق.
لفّ وراها، وصوته نزل:
الجواز ده مش نهاية. ده بداية.
مريم كانت واقفة مكانها، صدرها بيعلى ويهبط. باصّة له، وقلبها بينزف… بس عينيها فيها نار.
قالت بصوت واطي، متقطع:
حتى لو كسرتني… أنا عمري ما هنسى إنك أوسخ غلطة في حياتي.
وقف. لفّ وشه لها بنص ابتسامة:
وإنتِ عمرك ما هتنسَي إنك اللي جيتي لحد عندي.
سابها. وطلع من الأوضة.
مريم وقعت على الكرسي. إيديها بتترعش. بس دموعها ما نزلتش.
كانت عارفة… إن اللي جايمش مجرد جحيم. ده حساب طويل. وحساب قاسي.
***
عدّت الأيام… عدّت ببطء قاتل، كل يوم كان تقيل أكتر من اللي قبله.
مريم كانت لسه في المستشفى، جسمها بيتعافى بالعافية، بس روحها؟ روحها كانت بتنزف.
ولا مرة الباب اتفتح ولاقِت حد داخل يقول: عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟
مفيش بابا. مفيش يوسف. مفيش حتى حد من بعيد.
وقتها بس فهمت. فهمت يعني إيه كانت بنت مدللة. يعني إيه كانت لو كحت بس، أبوها يقوم مفزوع. يعني إيه أخوها كان بيخاف عليها أكتر من نفسه.
دلوقتي؟ السرير أبيض. الأوضة ساقعة. والوحدة فاضحة.
كانت بتكلم نفسها وهي باصة للسقف:
هو الغلط يعمل كده؟ هو أنا استاهل أتحرم من أهلي؟ طب ما أنا اتعاقبت… ليه لسه؟
دموعها كانت بتنزل من غير صوت.
يوم الخروج. الممر كان زحمة، ناس داخلة وناس طالعة، كل واحد وراه حد مستنيه.
إلا هي. قعدة على السرير، شنطتها جنبها، باصة في الفراغ.
الممر هادي، بس دماغها دوشة.
أنا هطلع أروح فين؟ بابا قافل بابه في وشي… يوسف دفني وأنا عايشة… وأنا أصلًا مليش بيت.
كانت لسه بتلم هدومها بإيد بتترعش، لما سمعت صوت الباب بيتفتح.
رفعت عينها ببطء. اتجمدت.
حسام. واقف على الباب، مفرود، مبتسم ابتسامة مالهاش علاقة بأي حاجة آدمية.
نظرة مليانة قرف… وانتصار.
قال وهو بيبص حواليه:
– إيه؟ مفيش زغروطة؟ ولا ورد؟ ولا حد مستني العروسة؟
مريم قامت بالعافية، وقفت قدامه، صوتها واطي بس ثابت:
– إنت جاي تعمل إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة:
– جاي آخد مراتي… ولا نسيتي؟
ضغطت على سنانها:
– مراتك؟ إنت مش مكسوف وانت بتقول الكلمة دي؟
قرب خطوة، بصلها من فوق لتحت:
– لا، أتكسف ليه؟ واحدة سلمت نفسها بسهولة، وبعدين تيجي تقولّي اتكسف؟
اتنفست بعصبية، حاولت تسيطر:
– اطلع بره… أنا مش عايزة أشوف وشك.
رفع حاجبه:
– وبرضه؟ هتعملي إيه؟ هتنادي أبوكي؟ ولا أخوكي اللي قالك اختي ماتت؟
الكلمة دخلت في صدرها زي السكينة.
سكتت ثانية… وبعدين قالت بصوت مكسور بس فيه قوة:
– أيوه… قال كده. وحقه. بس إنت عمرك ما هتبقى بني آدم.
ضحك بصوت عالي:
– بني آدم؟ وانتي تعرفي اي عن البني أدمين؟ ده انتي كنتي لعبة، وأنا لعبت.
قرب أكتر، بقى وشه قريب من وشها:
– ما تيلا يا عروسة، ولا مستنية حد يعزم عليكي؟
نزلت عينها الأرض، دموعها نزلت غصب عنها.
مسكت شنطتها، ومشيت وراه.
أول ما دخلوا الشقة، رما المفاتيح على الترابيزة.
بص حواليه وكأنه بيتفرج على ملكه.
قال بسخرية:
– اتفضلي يا واطية. ده بيتك بقى.
رفعت عينها فجأة، نظرتها كانت نار:
– مفيش حد واطي ورخيص غيرك يا حسام.
لف بسرعة، عينه شرارة:
– إيه؟ بتكلمني؟
– آه بتكلمك. و هتكلم العمر كله. إنت إنسان حقير، استغليت ضعفي، وضحكت عليا، وضيعتني.
قرب منها فجأة، ومد إيده.
قلم. واحد ورا التاني.
– بقا أنا حقير؟ ده انتي رخيصة وسهلة!
وقعت على الكنبة، حطت إيدها على وشها. بس قامت تاني.
– حتى لو غلطت، عمري ما أوصل لقذارتك.
مد إيده تاني، ضربها أقلام أكتر. صوته عالي:
– أخرسي! أنا اللي أتكلم، انتي مالكيش صوت هنا.
صرخت وهي بتعيط:
– حرام عليك! كفاية!
مسكها من شعرها، قرب وشه منها:
– حرام؟ لما كنتي بتيجي برجلك وتضحكي؟ كان حرام؟
زقها، فوقعت على الأرض. قعدت تبكي، صوتها طالع من قلبها:
– أنا بكرهك… وهقولهالك تاني إنت أكبر غلطة عملتها في حياتي. بتمنى الزمن يرجع عشان ما أكررهاش. إنت أناني، حيوان، وما عندكش ضمير.
ضحك ببرود، وهو بيعدل هدومه:
– ضمير؟ انتي آخر واحدة تتكلم عن الضمير.
رفعت راسها، عينها حمرا من العياط:
– والله اللي عملته ده هيترد فيك. يمكن في أختك، يمكن في حد بتحبه. ربنا مش سايب حد. وكما تدين تدان. صحيح أنا كمان غلطت… بس ربنا أرحم منك.
اتغير وشه فجأة، مسكها من شعرها بقوة، شدها:
– إنتي جريئة قوي. فاكرة نفسك مين؟ يكلبة، يبنت الكلب.
رفعت إيدها بالعافية، ضربته بالقلم. صوت الضربة رن في الأوضة.
سكت ثانية. وبعدين انفجر. نزل فيها ضرب. إيده، صوته، شتيمته.
– أنا هربيكي من أول وجديد!
سابها بعد شوية، وهي مهدودة على الأرض.
رن تليفونه. بص لها بإحتقار وهو بيرد:
– أيوه… آه… حاضر.
قفل، بص لها:
– ما تقلقيش، أنا ما نجدكيش مني غير التليفون. بس ملحوقة… وراجعلك يا مريم.
خرج وقفل الباب وراه.
فضلت قاعدة على الأرض. ساكته. دموعها بتنزل في هدوء.
وقالت بصوت واطي جدًا، كأنها بتكلم ربنا:
– يا رب… أنا غلطت. بس أنا تعبت. خلصني.
***
كانوا قاعدين في الصالة. الهدوء تقيل، خانق، كأنه حاطط إيده على صدر البيت كله.
الأب كان قاعد ساكت بقاله كتير، عينيه في الأرض، ضهره محني.
يوسف قاعد قدامه، إيديه متشابكة، وشه شاحب، وعينيه مليانة حاجات مش عارف يطلعها.
فجأة الأب اتنهد تنهيدة طويلة، طالعـة من جوه صدره، وقال بصوت مكسور:
– قلبي واجعني على أختك يا يوسف…
وسكت لحظة، كأن الكلمة تقيلة عليه.
– مريم فيها حاجة… بنتي مش كويسة. أنا حاسس بده.
يوسف رفع عينه بالعافية، صوته طلع مبحوح:
– وأنا كمان والله يا أبويا… أنا قلبي مش مطاوعني من ساعتها. مهما حاولت أقسى… مش قادر.
سكت ثانية، وبعدين كمل بوجع:
– بس مش في إيدي حاجة أعملها لها. هي ما سابتش لي فرصة واحدة أقرب منها. قطعت كل الطرق… كل الأبواب.
الأب بص له:
– دي أختك يا يوسف… مهما عملت.
يوسف ضحك ضحكة باكية:
– عارف… بس صدقني مش قادر أبص في عينيها. ولا حتى أبص في عين نفسي. اللي عملته كسرني أنا قبلها.
الأب حط إيده على راسه:
– أنا مش فاهم… أنا ربيتها غلط؟ قصرت؟ شدّيت زيادة؟ ولا سيبت زيادة؟
يوسف بسرعة:
– لا يا أبويا… والله لا. إنت عمرك ما قصرت. إنت عملت كل اللي عليك وزيادة. الغلطة غلطتها… ومحدش يشيلها غيرها.
الأب صوته واطي أكتر:
– طب ليه قلبي حاسس إنها بتغرق؟ ليه حاسس إنها لوحدها؟
يوسف بلع ريقه:
– لأنها فعلاً لوحدها. الكلب اللي معاها ده… سابها في عز احتياجها. وأنا… وأنا مش قادر أسيبها له.
رفع صوته فجأة، وهو بيضرب بإيده على رجله:
– مش قادر يا أبويا! مش قادر أسيب أختي لواحد زي ده، ولا قادر أرجع أضمها كأن مفيش حاجة حصلت.
الأب بص له بعينين فيها دموع:
– وأنا؟ أعمل إيه؟ أقول للناس إيه؟ أرفع راسي إزاي؟
يوسف قال بانكسار:
– مفيش كلام يتقال. دي نتيجة غلطة… ولا زم نستحمل.
الأب هز راسه ببطء:
– بس الغلط لما يكون من بنت… بيوجع أكتر.
يوسف قال بصوت متكسر:
– عارف. وبيكسر أكتر. وأنا اتكسرت يا أبويا. مش قدام الناس… قدام نفسي.
سكتوا الاتنين. الصمت كان أعلى من أي صوت.
الأب مسح دمعة نزلت غصب عنه وقال:
– ربنا يهديها… ربنا يرحم ضعفها.
يوسف بص للسقف، صوته طالع من جوه قلبه:
– يا رب… يا رب بس تكون لسه عايشة من جوه. لأن اللي شوفته في عينيها يوم المستشفى… ما كانش بني آدم.
***
رجع حسام متأخر. فتح الباب بعنف خلّى البيت كله يرتعش.
مريم كانت قاعدة في الركن، ضامة نفسها، وشها متورم من الضرب اللي قبل كده، وعينيها حمرا من كتر العياط.
أول ما شافها، نبرة صوته كانت نار:
– بقا بتمدّي إيدك عليا يا كلبة؟
قرب منها خطوة خطوة، وهي بتتراجع لحد ما ضهرها خبط في الحيطة.
– ده أنا لمّيتك من الشوارع بعد ما أبوكي وأخوكي رموكي! دي جزاتي؟
إيده نزلت بالقلم. وشها لف، بس ما صرختش.
بصّت له بثبات غريب، صوتها مبحوح لكنه واضح:
– إنت مش راجل. ما فيش راجل يمد إيده على بنت.
ضحك ضحكة خلت الدم ينشف في عروقها:
– مش راجل؟
قرب أكتر، صوته واطي بس مرعب، و مسكها بعنف.
وفجأة ضحك ضحكة باردة خلت جسمها كله يقشعر، وقرب منها أكتر وهو بيقول بصوت مليان احتقار:
– أنا هوريكي أنا مش راجل إزاي.
مد إيده عليها بعنف. واعتدى عليها بكل واحشية
مش كزوج. ولا حتى كإنسان.
كانت بتحاول تبعده، صوتها مخنوق، أنفاسها متلخبطة، بس مفيش حاجة وقفته.
ولا دموعها، ولا توسلاتها، ولا حتى كونها على اسمه.
كان بيتعامل معاها كأنها مش مراته. ولا ليها أي حرمة. كأنها واحدة جايبها من الشارع. كأنها بلا قيمة، بلا اسم، بلا روح.
كان قسوة متعمدة. تشفي. انتقام.
كان بيتصرف كأنهمش بني آدم. كان ذئب بشري.
رواية ثمن اخطائي الفصل الخامس 5 - بقلم الاء محمد حجازي
أنا هوريكي أنا مش راجل إزاي.
مد إيده عليها بعنف.
اعتدي عليها بكل وحشية، مش كزوج، ولا حتى كإنسان.
كانت بتحاول تبعده، صوتها مخنوق، أنفاسها متلخبطة، بس مفيش حاجة وقفته.
ولا دموعها، ولا توسلاتها، ولا حتى كونها على اسمه.
كان بيتعامل معاها كأنها مش مراته، ولا ليها أي حرمة.
كأنها واحدة جايبها من الشارع.
كأنها بلا قيمة، بلا اسم، بلا روح.
كانت قسوة متعمدة، تشفي، انتقام.
كان بيتصرف كأنهمش بني آدم، كان ذئب بشري.
سابها.
سابها مرمية مكانها، جسمها بيرتعش، وصدرها بيطلع النفس بالعافية.
مريم فضلت تعيط.
مش عياط بصوت عالي، عياط مكتوم، يوجع أكتر.
كانت حاسة إن جسمها مش جسمها.
إن روحها اتسحبت منها.
إنها بقت حاجة ملهاش اسم.
قعدت دقيقة، ولا عشرة، مش عارفة.
وبالعافية سندت نفسها، وقامت.
رجليها كانت بتتهز، وإيديها مش قادرة تمسك في حاجة ثابتة.
دخلت الحمام.
قفلت الباب وراها، وكأنها بتستخبى.
فتحت الميه.
الميه نازلة، بس مش قادرة تطفي اللي جواها.
فضلت واقفة تحت الدش، جسمها بيتلُف، وعقلها واقف.
مش فاكرة حاجة، ولا عايزة تفتكر.
طلعت بعد وقت مش معروف.
لابسة هدوم واسعة، عيونها منفوخة، وشها شاحب.
وأول ما خرجت… لقيته قدامها.
قرب منها، نبرة صوته باردة، خالية من أي إحساس:
– قومي حضريلي الأكل.
بص لها من فوق لتحت بقرف.
نظرة كسرتها أكتر من أي ضرب.
لف ومشي.
ولا كلمة تانية.
مريم فضلت واقفة مكانها.
مش فاهمة هي فين، ولا هي مين.
عدّت الأيام.
بس الأيام ما عدّتش عليها، ده داسوا فوقها.
حياتها بقت أسوأ.
ضرب.
شتيمة.
إهانة.
كل يوم شكل.
وكل مرة أقسى.
بقت بتتجنبه.
تستخبى من صوته.
تخاف تتكلم.
حتى تتنفس على مهله.
بقى يقرب منها غصب.
من غير ما يسمع.
من غير ما يشوف رعشتها.
كأنها مستسلمة.
إيديها بترتعش.
أي حد يكلمها، حتى لو بهدوء، قلبها يقع.
بقت تخاف من البني آدمين.
من الصوت العالي.
من الخطوات التقيلة.
ندمت جدا علي عملته وبقت في كل صلاة تدعى رنا يتوب عليها.
وفي يوم…
وهي قاعدة لوحدها، سرحانة، عينيها في اللاشيء…
الجرس رن.
انتفضت.
قلبها دق بسرعة.
قامت ببطء، رجليها مش شايلها.
راحت ناحية الباب وفتحته.
اتفاجئت.
مروة.
أخت حسام.
كانت واقفة مبتسمة ابتسامة عادية، أول ما دخلت قالت:
– إزيك يا مريم؟
مدّت إيدها تسلّم عليها.
مريم أول ما شافتها، رجعت خطوة لورا لا إرادي.
جسمها كله شد.
إيدها استخبت في ضهرها.
مروة وقفت مكانها.
الابتسامة اختفت.
لاحظت الرعشة.
لاحظت الخوف.
قالت بهدوء:
– مالك؟ أنا مروة… مش حد غريب.
مريم حاولت تبتسم… ما عرفتش.
مروة قربت بحذر.
سلمت عليها.
وأول ما لمست إيدها… حسّت إنها بتترعش.
عين مروة وسعت.
قلبها وجع.
بصّت لوش مريم.
للعيون الغارقة.
للملامح اللي اتغيرت.
وقالت لنفسها وهي مصدومة:
معقول؟ دي مريم؟ البنت العسولة، المتدلعة، اللي كانت تضحك من قلبها؟
كانت دايمًا بتسأل نفسها: إيه اللي خلّى جوازها هي وأخوها ييجي فجأة بالشكل ده؟
دلوقتي بس فهمت.
قعدت جنبها، صوتها هادي، دافي:
– اقعدي… تعالي اقعدي جنبي.
مريم قعدت، عينيها في الأرض.
مروة كانت حاسة بالشفقة بتخنقها.
مش متخيلة إن مريم توصل للحال ده.
حاولت تتكلم.
و تطلعها من اللي هي فيه.
مروة حاولت تغيّر الجو شوية، فابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت وهي بتبص لمريم:
– بقولك اي انا عاوزه اخد نصيحتك في حاجة… أنا عندي واحدة صاحبتي، بتحب واحد وهو بيقولها عايز يتجوزها عرفي، بس عند محامي، وفي شهود وناس عارفة وكده… بس هي خايفة توافق، من رايك تعمل اي؟
مريم كانت ساكتة، عينيها في الأرض.
أول ما سمعت الكلمة… جسمها انتفض.
قامت من مكانها مرة واحدة كأن حد لسعها.
قالت بسرعة وصوتها عالي لأول مرة من أيام:
– لا! لا طبعًا! مستحيل!
مروة اتفاجئت:
– ليه بس؟ ما هو بيقولها جواز…
مريم قطعتها وهي بتضحك ضحكة مكسورة، ضحكة وجع:
– جواز إيه؟ هو في جواز من غير أهل؟ من غير أمان؟ من غير اسم يحمي؟
قعدت تتهز وهي بتتكلم، صوتها طالع من قلب محروق:
– البنت اللي تعمل كده بتقلّل من نفسها قوي… قوي. بتبيع نفسها بإيدها. بتفرّط في روحها، في كرامتها، في اسمها.
قربت من مروة خطوة، وعينيها مليانة دموع:
– قولي لصاحبتك… لو عملت كده، هتخسر نفسها قبل أي حد. وهتخسر أهلها. وهتخسر سمعتها. والأسوأ؟ إنها لما تقع… محدش هيشيلها.
سكتت ثانية، وبعدين كملت بانفعال:
– الراجل دايمًا يطلع من الموضوع سليم. حتى لو كان أوسخ واحد في الدنيا. يقولك: هي اللي جت. هي اللي وافقت. لكن البنت؟ هي اللي بتتشال وتتحط على رف العار.
مروة كانت ساكتة، متسمّرة.
مريم كملت، وصوتها مليان قهر واحتقار لنفسها:
– البنت اللي بتعمل كده بتظلم نفسها قبل ما أي حد يظلمها. بتعيش عمرها كله بتدفع تمن لحظة ضعف. لحظة صدّقت فيها كلام حلو… ووعد كدّاب.
مسحت دموعها بعصبية:
– الحب مش مبرر. والوحدة مش مبرر. ولا الاحتياج مبرر. مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إن البنت تكسّر ضهر أهلها بإيدها.
قعدت تلهث وهي بتكمل:
– قولي لها لو فاكرة إن العرفي حماية، تبقى غلطانة. العرفي ده باب مفتوح للوجع. باب من غير قفل. وأول ما الراجل يزهق… يرمي الورقة، ويرمي البنت معاها.
مروة بصّت لها بصدمة:
– مريم…
مريم نزلت راسها، صوتها واطي بس موجوع:
– أنا مثال حي. أنا الغلط بعينه.
رفعت عينيها لمروة، دموعها بتنزل بغزارة:
– وإنتِ عارفة اللي حصل معايا ومع أخوك. أنا مش فاهمة عملت كده إزاي. ولا إزاي عقلي غاب بالشكل ده.
إيديها بدأت ترتعش، وصوتها اتكسر:
– ندمانة… ندمانة قوي يا مروة. ندمانة إني وصلت نفسي للمرحلة دي.
حطّت إيدها على صدرها:
– نفسي ربنا يتوب عليا. نفسي أحس إن لسه في فرصة. بس… بس أنا حاسة إن اللي عملته كبير أوي.
انهارت في العياط:
– حاسة إن ربنا مش هيقبل توبتي. مع إن قلبي مولّع ندم. بس الذنب تقيل… تقيل أوي.
مروة قربت منها بسرعة وحاولت تضمّها، لكن مريم كانت بتبكي بانهيار:
– قولي لصاحبتك تهرب. تهرب قبل ما تقع. قبل ما تبقى زيّي…
كانت واقفة بتنصح غيرها وهي نفسها ضايعة.
فضلت تبكي، وصوتها مكتوم في صدرها، وكل كلمة كانت طالعة كأنها وصية… مش مجرد نصيحة.
وكملت بصوت واطي، متقطع، كأنه طالع من وجع سنين:
– قولي لكل بنت… متسمعيش لحد يقولك أصلك مش فاهمة، ولا الدنيا اتغيرت، ولا احنا بنحب بعض. اللي بيحب بجد… ما يستخبّاش. ما يستسهلش. ما يطلبش منك حاجة في الضلمة. اللي بيحبك، ييجي من الباب. يرفع راسك مش يوطّيها. يحمي اسمك مش يهدّه.
– متصدقيش اللي يقولك ورقة، ولا شهود، ولا محامي. الورقة اللي ما تحميش كرامتك… ولا تساوي الحبر اللي عليها.
– افتكري دايمًا… إنتِ مش لوحدك. وراكي أب. وراكي أم. وراكي أخ. وراكي بيت كامل. ولو حسّيتي بالوحدة… الوحدة أهون ألف مرة من الوجع اللي بعد الغلط.
رفعت وشها، وعينيها محمرة من العياط:
– أنا ضيّعت نفسي بإيدي. وكل يوم بندم. وكل يوم بدفع تمن لحظة ضعف.
– متبقوش أنا. لو كلامي يوصل لبنت واحدة بس… وتفوق… يبقى وجعي ما راحش هدر.
وسكتت.
وسابت دموعها تنزل.
كأنها سلّمت حكايتها للعِبرة… مش للحكاية.
------------------------------
مروة كانت سامعة مريم، وكل كلمة بتقع على قلبها تقيلة.
عينيها لمعت، وصوتها طلع هادي بس ثابت.
– مريم… بصي ليّ.
مريم رفعت وشها بالعافية.
مروة قالت بحنية حقيقية:
– اللي إنتِ فيه ده وجع… بس مش نهاية.
قربت منها أكتر وكملت:
– ربنا عمره ما قفل باب التوبة في وش حد. ولا قال ده ذنبه كبير مش هقبله.
مسكت إيدها وقالت:
– ربنا قال: ﴿قُل يا عباديَ الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾.
سكتت لحظة تخلي الآية تدخل قلبها، وبعدين كملت:
– سمعتي؟ الذنوب جميعًا… مش ذنب واحد ولا اتنين.
مريم كانت بتعيط بصمت.
– ربنا بيبص للندم. للقلب اللي راجع. مش للماضي.
قالت بصوت دافي:
– أهم حاجة إنك ندمانة بجد. إنك رجعتي له. مش لحد تاني.
– التوبة مش كلمة. التوبة إنك تقولي: يا رب أنا غلطت… بس أنا جاية لك.
ابتسمت بحزن:
– ربنا أرحم بينا من نفسنا. وأكرم من أي ذنب.
قامت مروة وهي بتمسح دموعها:
– أنا لازم أمشي دلوقتي… بس صدقيني… ربنا سامعك.
استأذنت ومشيت.
مريم فضلت قاعدة مكانها.
كلام مروة بيلف في دماغها.
الآيات.
التوبة.
الرجوع.
كانت حاسة لأول مرة إن في نور صغير… بعيد، بس موجود.
وفجأة… الباب اتفتح بعنف.
حسام دخل وقال بخشونة:
– قومي اعمليلي أكل.
مريم كانت سرحانة، ما سمعتش.
قرب وصوته علي:
– إنتِ يا زفتة! أنا بكلمك!
قامت من غير ولا كلمة.
راحت ناحية المطبخ بهدوء.
السكوت ده استفزه.
قرب منها بعصبية:
– إيه؟ انت اتخرستي؟ ولا بتعملي فيها عليا واحدة؟
مسكها بعنف:
– إنتِ عمرك ما كنتِ واحدة. إنتِ حيوانة… وزبالة.
مريم وقفت فجأة، وعيونها مليانة وجع وغضب:
– كفاية بقى! حرام عليك!
صوته هدي شوية بس كلامه سام:
– حرام؟ دلوقتي افتكرتي الحرام؟
صرخت لأول مرة بقوة:
– ليه دايمًا بتشتمني؟ ليه دايمًا بتضربني؟ لو على الغلط… إحنا الاتنين غلطنا!
دموعها نزلت وهي بتكمل:
– ليه أنا اللي بشيل النتيجة لوحدي؟ المفروض إنك حبيبي… مش جلادي.
اتنهدت بوجع:
– برغم كل اللي عملته فيا… كنت بدعي لك. ربنا يصلح حالك. ويتوب علينا إحنا الاتنين.
رفعت راسها بثبات:
– بس من دلوقتي… أنا هدعي عليك. وهتطلق منك يا حسام. وهعيش حياتي. وأسيبك تعيش وتموت لوحدك.
ضحك بسخرية مرعبة:
– تطلقي؟ إنتِ ملكي. وهتفضلي طول عمرك ملكي، لعبتي.
قرب منها:
– سيبك من الكلام ده. إنتِ ليا.
قالت بثبات:
– أنا مش ليك، وهتتأكدي من كده لما أكون لغيرك.
صرخ فيها بغضب:
– وأنا اللي هثبت لك إنك ولا ليا وعمرك ما هتكوني لغيري!
قالتها وهي بتعيط وغضبانة:
– عمرك ما هتثبت غير إنك ضعيف.
اللحظة اللي بعدها، الدنيا اسودّت.
ويعتدي عليها بكل وحشية.
مش صوت، مش حركة، غير وجع مكتوم، وأنفاس متكسرة، وقلب بيصرخ من غير صوت.
كان بيعملها فيها كأنها مش مراته… ولا إنسانة… كأنها حاجة.
بعد وقت… سابها.
جسمها مرمي.
أنفاسها متقطعة.
قالت بصوت واطي لكنه قاطع:
– فاكر نفسك كده راجل؟ إنت عمرك ما كنت راجل يا حسام. حتى الحيوانات مش بتعمل كده.
الكلمة جننته.
فجاة نزل فيها ضرب… بعنف.
لحد ما جسمها كله وجع.
وقعت من طولها.
وقتها بس فاق.
اتخض.
شالها وجري.
المستشفى.
دكاترة.
تمريض.
بعد تلات ساعات، دكتورة خرجت وقالت بحدة:
– مين الحيوان اللي عمل فيها كده؟
بصت له مباشرة:
– دي حالة اعتداء وتعذيب. وإيديها ورجلها مكسورين.
قال بتوتر:
– دي وقعت من على السلم. وبعدين دي مراتي، يعنى ما فيش اعتدي ولا حاجة؟
الدكتورة بصت له بقرف:
– على العموم… هي ساعة وتفوق. وهيمشي اللي هيتكلم.
بعد ساعة، الدكتورة دخلت لمريم:
– مين اللي عمل فيك كده؟
مريم عيطت.
الدكتورة قالت بشفقة:
– بصي… لا لازم نعمل محضر. ده حقك.
مريم هزت راسها:
– لا… مش عايزة محاضر.
الدكتورة بصت لها بأسف:
– في خبر لازم أقوله لك… أنا ما قلتش للراجل اللي بره.
مريم قلبها وقع:
– خبر إيه؟
– إنتِ حامل.
مريم انتفضت من مكانها:
– لا! مش عايزاه! مش عايزة الحمل ده!
مسكت إيد الدكتورة برجاء:
– أرجوك… اعملي أي حاجة، ونزليه.
رواية ثمن اخطائي الفصل السادس 6 - بقلم الاء محمد حجازي
بس انا مش عايزة الحمل ده!
– أرجوكي …اعملي أي حاجة، ونزليه.
الدكتورة قربت من مريم أكتر، سحبت الكرسي وقعدت جنبها، صوتها كان هادي بس مليان وجع:
– بصي يا مريم…أنا مش جاية أضغط عليك، ولا أحكم عليك، بس جاية أقول لك كلمة حق، يمكن تنقذك.
مريم كانت باصة قدامها، دموعها بتنزل على المخدة.
الدكتورة كملت:
– إنتي دلوقتي تعبانة، مكسورة، ومخنوقة، وأي حد في مكانك ممكن يفكر في نفس اللي بتفكري فيه. بس صدقيني…مش كل اللي يريحنا دلوقتي بيبقى صح بعدين.
خدت نفس طويل وقالت:
– الطفل ده مالوش ذنب. لا في غلطك، ولا في قسوته، ولا في اللي حصلك. هو جاي الدنيا ضعيف، ما يعرفش غير إن له أم. إنتِ.
بصّت لها بجدية:
– إنتِ فاكرة إنك لما تنزليه هترتاحي؟ لا. الوجع ده مش بيمشي، ده بيستخبى. بيطلع بعد سنين في كوابيس، في ندم، في سؤال دايمًا: كان ممكن يبقى عندي طفل دلوقتي.
سكتت شوية وبعدين قالت بنبرة أصدق:
– في بنات كتير فاكرة إن الإجهاض صفحة وتقفل. بس الحقيقة؟ دي صفحة بتفضل مفتوحة طول العمر.
قربت إيدها من قلب مريم:
– الندم ده ما بيروحش. ولا الزمن بيمسحه.
مريم صوتها طلع واطي:
– بس أنا مش قادرة أربيه… ولا أواجه الدنيا بيه.
الدكتورة ردت بهدوء:
– ومين قال لك إنك لوحدك؟ ربنا عمره ما بيحط روح غير ومعاها رزقها. يمكن الرزق ده يكون صبر، يمكن يكون شخص، يمكن يكون قوة ما كنتيش عارفة إنك تملكيها. بس إنك تنهي روح؟ دي حاجة ما بترجعش.
اتنهدت وقالت:
– أنا شفت ستات كتير قوي. اللي نزلت حملها فضلت تعيط سنين. واللي كملت، رغم كل الوجع، كانت بتيجي بعد كده تقول: الحمد لله إني ما عملتش كده.
بصّت لها نظرة أم:
– الطفل ده ممكن يبقى سبب توبتك، مش سبب عذابك. ربنا بيغفر، وبيستر، وبيبدل السيئة حسنة، بس في ذنوب صعب القلب يستحملها.
مسكت وش مريم بين إيديها:
– إنتي محتاجة تطلعي من الدايرة دي، مش تغرقي أكتر. وأنا بنصحك، وبكررها للمرة التانية: حرام. وما ينفعش. ومُش حل.
الدكتورة قربت أكتر من مريم، صوتها بقى أحن، وفيه وجع حقيقي:
– مريم… إنتِ عارفة أكتر حاجة بتكسر قلبي في شغلي إيه؟
مريم ما ردتش، بس دموعها نزلت أكتر.
الدكتورة كملت:
– إن في أوض تانية في نفس المستشفى دي، ستات قاعدين بيعيطوا علشان مش عارفين يخلفوا. واحده مستنية تحليل، واحده مستنية نتيجة حقن مجهري، واحده بقالها عشر سنين بتقول: يا رب طفل بس.
سكتت ثانية وقالت:
– في ناس بتبيع دهبها، وفي ناس بتستلف، وفي ناس بتستحمل إبر ووجع وإهانات… علشان تحضن طفل. وإنتِ… ربنا بعته لك من غير ما تطلبي.
قربت أكتر:
– أنا مش بلومك، ولا بزايد عليك، بس عايزاك تفكري للحظة واحدة: الروح دي غيرك كان نفسها فيها. في واحدة لو ربنا قال لها خدي وجعك كله بس إديني طفل، هتوافق من غير تفكير.
مسحت دمعة نزلت من عينها هي كمان:
– الطفل ده ممكن يبقى نعمة متغلفة في امتحان. مش كل النعم بتيجي سهلة. إنتِ فاكرة إنك لو نزلتيه هترتاحي؟ يمكن جسمك يرتاح شوية، بس قلبك؟ ضميرك؟ ده مش هيسكت. هتفضلي كل ما تشوفي طفل تقولِي: كان ممكن يبقى عندي واحد.
بصّت لها بجدية أكتر:
– وفي نقطة مهمة قوي يا مريم… الغلط اللي حصل، ما ينفعش نغطيه بغلط أكبر. إنتِ مش محتاجة تربطي نفسك بيه، ولا تفضلي في القهر ده، بس الطفل مالوش ذنب يدفع الثمن.
مدت إيدها ومسكت إيد مريم:
– أنا بكلمك كدكتورة، وكست، وكأخت. فكري كويس قبل ما تاخدي قرار مفيش رجوع منه. في قرارات بتوجع، بس بتعدّي. وفي قرارات بتفضل علامة في الروح طول العمر.
مريم صوتها طلع مكسور:
– بس أنا تعبت… ومُش قادرة.
الدكتورة ردت بهدوء:
– التعب بيروح، الكسرة بتتلحم، بس الروح… دي أمانة.
لسه مريم كانت هترد… الباب اتفتح بهدوء، مريم كانت لسه دموعها نازلة، عينيها محمرة، جسمها كله بيرتعش.
رفعت عينيها بالصدفة… وأول ما شافت أبوها واقف قدامها، الدنيا كلها سكتت.
مشيت خطوة… اتنين… وبصوت طالع من أعماق قلبها:
– بابا…
قبل ما تكمل، هو جري عليها، حضنها حضن ما حضنش زيه قبل كده، حضن أب كان فاكر إنه خسر بنته للأبد ولقيها لسه بتناديه. كان بيبوس راسها ووشها وإيديها وهو بيقول بصوت مكسور:
– حقك عليّا يا حبيبتي… حقك عليّا إني سيبتك في الدنيا لوحدك… سامحيني… سامحيني يا بنت قلبي.
مريم انفجرت في العياط، حضنته جامد، حضن واحدة كانت غرقانة وطلعت على سطح الأمان فجأة.
الدكتورة لما شافت اللي حصل:
– طب عن إذنك أنا يمريم وهرجعلك تاني.
مريم تهز راسها وهي مركزة مع ابوها. وأول لما الدكتورة تطلع تقول بسرعة:
– أنا آسفة يا بابا… والنبي سامحني… أنا غلطت… غلطت قوي.
كانت بتكررها وهي بتعيط، وأبوها بيهدهدها كأنها طفلة صغيرة:
– خلاص… خلاص… إنتي بنتي… والبنت مهما تعمل… تفضل بنت أبوها.
يوسف كان واقف على الباب. مش قادر يدخل. مش قادر يمشي. واقف بيتفرج على حضن كان نفسه فيه… وعينه مليانة نار ووجع وكسرة.
الأب بعد شوية لاحظ العلامة على وشها، إيده وقفت في الهوا، صوته اتبدل فجأة:
– إيه ده؟ إيه اللي في وشك ده يا مريم؟
مريم اتلخبطت، بصت في الأرض، لسانها تقيل، مش قادرة تقول.
يوسف قرب خطوة، صوته واطي بس مليان غضب وحسرة:
– الحيوان ده اللي عمل فيك كده… صح؟
مريم ما ردتش… بس دموعها نزلت أكتر.
يوسف شد شعره بإيده، لف وشه الناحية التانية علشان ما ينهارش، صوته خرج مبحوح:
– أنا كنت حاسس… كنت حاسس إنك بتتكسري هنا وإحنا مش جنبك.
مريم بصت له بعينين مليانين ندم:
– وحشتني يا يوسف…
الكلمة ضربته في قلبه. سكت ثواني طويلة، وبعدين قال بصوت مخنوق:
– متأكدة....
قربت منه خطوة:
– أنا آسفة… على كل حاجة… على الوجع اللي سببته… على الكسرة اللي كسرتها لكم بيها.
بص لأبوها، وبعدين لها:
– حقك عليّا يا بابا… وحقك عليّا يا يوسف… أنا أذيتكم… وأنا عارفة إن اللي عملته ما يتغفرش.
الأب مسح دموعها بإيده المرتعشة:
– إيدك يا بنتي… امسحي دموعك… إنتي تعبانة ومكسورة.
مريم بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
– هو… هو إنتوا عرفتوا مكاني إزاي؟
الأب بص ليوسف، يوسف اتلخبط ثانية، وبعدين قال:
– مش مهم، المهم إننا لقيناك.
الأب سكت، وبعدين سأل بهدوء يخوف:
– هو فين جوزك يا مريم؟
مريم اتنفضت:
– معرفش… تقريبًا في كافيتريا المستشفى.
يوسف شد نفس طويل، إيده اتقبضت:
– تمام… أنا هعرف أجيب حقك إزاي.
مريم مسكت إيده بسرعة، صوتها مليان خوف:
– يوسف أرجوك… ما تعملش حاجة توديك في داهية. أنا مش عايزة غير حاجة واحدة بس.
الأب قرب منها:
– عايزة إيه يا بنتي؟
مريم دموعها نزلت تاني:
– عايزة أطلق.
الأب حس كأن حد خبطه في صدره، قعد على الكرسي:
– تطلقي؟
مريم هزت راسها:
– آه… أنا ما اقدرش أكمل… ولا أستحمل دقيقة زيادة.
يوسف بص لها بوجع:
– ليه ما قولتيش من بدري؟ ليه استحملتي لوحدك؟
مريم صوتها طلع ضعيف:
– كنت فاكرة إن ده عقابي… إن ده اللي أستاهله.
الأب رفع راسه وبص لها بحنان موجوع:
– محدش يستاهل اللي حصلك يا بنتي… ولا الغلط يتصلّح بالضرب والإهانة.
سكتت شوية وبعدين قالت بصوت خافت:
– وكمان… علشان أربي ابني.
الأب اتجمد.
يوسف لف فجأة، صوته اتكسر:
– ابنك؟
مريم حطت إيدها على بطنها:
– أنا حامل.
الأب غمض عينه، مش من الصدمة… من الخوف عليها.
يوسف قرب منها، قعد قدامها لأول مرة، صوته كان مهزوز:
– بصيلي يا مريم… والله العظيم… محدش هيقربلك تاني. ولا يمد إيده عليك. ولا يكسرك.
بص لأبوه:
– وأنا هقف في وش الدنيا كلها علشانها.
الأب مد إيده وحطها على راس مريم:
– إنتي مش لوحدك… ولا هتربي ابنك لوحدك.
ابتسم ابتسامة حزينة:
– إنتِ بنتي… وابنك حفيدي.
ومريم في اللحظة دي حست إنها، رغم كل اللي حصل… رجعت بيتها.
---
يوسف نزل السلم بخطوات تقيلة، كل خطوة كأنها شايلة سنين غضب مكبوت.
شاف حسام واقف بعيد شوية، ماسك الموبايل وبيضحك، ولا كأن الدنيا مقلوبة فوق.
يوسف قرب منه ببطء، صوته طالع واطي بس مليان نار:
– مبسوط؟
حسام رفع عينه باستغراب مصطنع:
– خير؟ في إيه؟
يوسف فجأة مسكه من ياقة قميصه وزقه في الحيطة:
– طلقها.
حسام اتخض، بس حاول يلم نفسه:
– إنت اتجننت؟ طلق إيه؟
يوسف قرب وشه من وشه:
– مريم. طلقها دلوقتي قبل ما الموضوع يخرج من إيدك.
حسام ضحك ضحكة قصيرة مستفزة:
– مش مطلقها.
يوسف عينه وسعت:
– بتقول إيه؟
حسام عدل هدومه وقال ببرود:
– مفيش طلاق. مريم مراتي وهتفضل مراتي لآخر نفس فيا.
يوسف اتقدم خطوة، صوته اتخن من الغضب:
– هو إنت فاكر عشان سيبتها معاك شوية كده أبقى أنا نسيت؟ فاكر إني اتبرّيت من أختي؟ لا يا حسام… أنا سايبها تطمّن، وأنا راجع لك بكل اللي عملته فيها.
شد نفس:
– وصدقني، اللي جاي مش في صالحك.
حسام قرب منه هو كمان:
– وبعدين؟
يوسف كمل ببرود:
– إنت عايز تعيش مع واحدة مش عايزاك؟
حسام ابتسم بثقة مريضة:
– مين قال لك إنها مش عايزاني؟ مريم بتحبني. وبتموت فيّ كمان.
يوسف هز راسه بأسف:
– لا… إنت عمرك ما فهمت الفرق بين الحب والخوف.
قرب أكتر:
– خلي عندك رجولة ودم، وطلقها.
حسام سكت لحظة، صوته اهتز لأول مرة:
– لما أثبتلك الأول إنها بتحبني.
يوسف شد على أسنانه:
– إنت بتلعب بنار.
حسام لف وبدأ يطلع ناحية أوضة مريم:
– تعالى.
دخلوا الأوضة. أول ما حسام شاف مريم، جري عليها ومسِك إيدها.
مريم اتفزعت، رجعت لورا، قلبها وقع.
– سيبني!
حسام شد أكتر، صوته بقى غريب، مريض:
– مريم حبيبتي… أخوكي بيقول إنك عايزة تطلقي مني.
لف وبص ليوسف:
– قوليله الحقيقة.
رجع لها، قرب وشه منها:
– قولي له إنك بتحبيني… إنك بتموتي فيّ… وإنك مستحيل تسيبيني. صح؟ صح يا مريم؟
فضل يكررها، بنفس الإلحاح، بنفس الجنون.
مريم كانت بتبكي، صوتها طالع مكسور:
– لا… أنا عايزة أطلق يا حسام.
شدت إيدها بالعافية:
– كل واحد فينا يروح لحاله… إرحمني… والنبي إبعد عني.
حسام ضحك ضحكة قاسية:
– أطلقك؟ إنتِ نسيتي أنا اتجوزتك إزاي؟
قرب أكتر، صوته واطي ومليان تهديد:
– أنا ممكن أفضحك في دقيقة. أخلي اسمك على كل لسان. وأخوك وأبوك يشوفوا بعينهم.
يوسف كان واقف، ساكت، بس عينه اتحولت.
اتكلم أخيرًا، بهدوء يخوّف أكتر من أي ضرب:
– قبل ما تفكر تفتح بقك بكلمة… تحب أقول لها؟
الكلام نزل علي الكل زي جردل المية الصاقعة في عز الشتا.
كلهم اتصدمو.
الصوت نزل في الأوضة زي السكينة.
مريم بصت ليوسف بصدمة، حسام اتجمد، الكلام اتكسر في بقه.
يوسف كمّل، صوته ثابت:
– تحب أقول لها الحقيقة كاملة؟ ولا دلوقتي هتكون راجل وتطلقها؟
وسكت.
رواية ثمن اخطائي الفصل السابع 7 - بقلم الاء محمد حجازي
يوسف كان واقف قدامه، صوته هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي يسبق العاصفة.
وكمل:
– وبعدين إنت عمال تغلط أختي… وأنا ساكت لك.
رفع صوته شوية:
– ساكت مش عشان ضعيف، ولا عشان مش قادر، لكن عشان كنت مستني اللحظة اللي تفهم فيها. بس شكلك مش بتفهم.
قرب خطوة:
– بدل ما تبص لأخواتك وتربيهم، جاي تحاسب أختي على غلطة… غلطة إنت شريك فيها.
خد نفس تقيل:
– إنتوا الاتنين غلطانين، بس اللي عملته فيها كان أوسخ من الغلط نفسه.
حسام حاول يضحك بس ضحكته خانته:
– إنت بتقول إيه؟ إنت جاي تبرر لها؟
يوسف هز راسه ببطء:
– لا… أنا جاي أقول لك حاجة واحدة.
سكت ثانية، وبعدين قالها زي السكينة:
– كما تدين تدان يا حسام باشا.
واللهم لا شماتة… أختك حامل.
الكلمة وقعت.
حسام حس كأن حد شد الأرض من تحت رجليه.
– إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت؟!
قرب منه، صوته عالي ومهزوز:
– مروة؟ مروة أختي؟ مستحيل… دي عمرها ما تعمل كده!
يوسف رد ببرود قاتل:
– لا يا حسام. مروة ما عملتش كده. أنا أصلاً معرفش دي اختكم إزاي؟
حسام وقف، متلخبط:
– أمال مين؟
يوسف بص له بنظرة احتقار:
– ياسمين.
الكلمة خبطت في دماغه. اتراجع خطوة.
– ياسمين؟ إنت بتهزر؟ دي… دي طفلة!
يوسف قرب أكتر:
– أيوه. هي الطفلة دي، ولو مش مصدقني روح شوف بعينك. روح اسألها حامل من مين.
لفّ يمشي، وبعدين وقف وقال:
– آه، نسيت أقول لك حاجة.
بص له نظرة تقيلة:
– إنت هتطلع أختي من حياتك… برضاك أو غصب عنك.
حسام كان واقف حاسس أن الدنيا بتلف بيه.
مش فاهم. مش مستوعب. إزاي؟ إزاي ياسمين؟ إزاي دي بنتي، مش أختي؟
ده كان شايفها ملاك؟
ركب عربيته، ساق من غير ما يحس بالطريق. صور مريم بدأت تطلع قدامه فجأة. دموعها. ارتعاشها. صرخاتها اللي كان بيتجاهلها.
وصل البيت. دخل وهو مش شايف قدامه.
وفجأة… سمع صوت. صوت ياسمين من الأوضة، بتتكلم في التليفون، صوتها مكسور ومتوسل:
– أرجوك… بطني عمالة تكبر.
سكت لحظة، وبعدين كملت وهي بتعيط:
– اتجوزني حتى لو أسبوع واحد بس… وبعدها نطلق… بس الناس ما تتكلمش.
حسام حس إن قلبه وقع. إيده اتسمرت في مكانها.
سمع صوتها بيكمل:
– أنا هموت من الخوف… والله هموت.
حسام… الكلمة خبطته أكتر من أي حاجة. افتكر مريم. افتكر لما كانت بتقول له: ارحمني. افتكر لما كان بيضرب، ويشتم، ويكسر. افتكر نفسه وهو بيقول: أنا ممكن أفضحك.
حس بنفسه بيترعش. الدنيا قفلت. كل حاجة قفلت.
حسام لأول مرة حس باللي عمله. مش عشان مريم. ولا عشان الغلط. عشان الغلط لما دخل بيته. عشان الوجع لمس أخته.
وقف ساكت. مش عارف يصرخ. ولا يضرب. ولا حتى يعاقب. كل اللي قدر يعمله إنه يقعد على الكرسي… ويحط راسه بين إيديه.
ولأول مرة في حياته يحس إن كل اللي زرعه رجع له… ضعف. مكسور. ومرعب.
وبعدين قام ودخل عليها الأوضة بخطوات تقيلة. وشه كان متشدد، عينه حمرا، صوته مخنوق من الغضب.
– اللي أنا سمعته ده… صح؟
ياسمين رفعت عينيها بالعافية، شفايفها بترتعش.
– حسام… أنا…
قاطعها بصوت عالي لأول مرة:
– إزاي قدرتي تعملي كده إزاي؟ إزاي تكسريني كده؟ إزاي تحطي راسي في الأرض؟
قرب منها خطوة:
– أنا تعبت عمري كله عشان اسمنا يفضل مرفوع… تيجي إنتِ في لحظة تدوسي عليه؟
انهارت وهي بتعيط:
– أنا آسفة… حقك عليا… والله كان غصب عني.
ضحك ضحكة موجوعة:
– غصب عنك إيه؟ إيه اللي غصبك؟ حد كان ماسكك من إيدك؟
ضرب بإيده على الترابيزة:
– إنتِ فضحتيني! إنت عملت نفس الفضيحة دي ولا ناسي.
وقفت قدامه، عيونها حمرا من العياط بس فيها جرأة غريبة.
– بتبصلي كده ليه؟ مصدوم؟ ولا أول مرة تحس إنك مش مسيطر؟
رد بحدّة:
– إنتِ عملتي مصيبة.
ضحكت بمرارة:
– مصيبة؟ هو ده نفس اللي انت عملته، ما قولتش عليه مصيبة ليه؟
سكت. قربت خطوة:
– ولا لما تكون أنا تبقى مصيبة، وفضيحة؟ ولما تكون انت عادي، ومريم عادي؟
شد نفس طويل وقال ببرود متكلف:
– ما تجيبيش سيرة مريم.
– ليه؟ عشان الحقيقة بتوجع؟
رفع عينه وقال بنبرة ثابتة:
– مريم مالهاش ذنب في اللي حصل.
اتصدمت.
– إيه؟
– مريم… كانت أنضف واحدة في الحكاية كلها.
ضحكت ضحكة قصيرة:
– بجد؟ طب ما كنتش شايف ده وانت بتكسرها؟
رد بصوت واطي بس واضح:
– كنت أعمى. كنت فاكر القوة إني أدوس عليها وطلعت غبي.
قربت أكتر وقالت بسخرية:
– يعني دلوقتي بقت ملاك؟
– لا. بقت إنسان.
سكت لحظة وكمل:
– تعرفي عمرها ما كانت وسخة، وزبالة زيك.
رفعت صوتها لأول مرة:
– زبالة؟
ضحكت بمرارة:
– لو اللي بيعمل كده يبقى زبالة… يبقى إنت أساسها.
وقف مصدوم.
– إنت اللي نشرت الزبالة في المكان. أول واحد.
ياسمين بقوة:
– أنا بس عندي سؤال هو ليه؟ ليه دايمًا الغلط يتحط على البنت؟
– ليه لما أنا أغلط أبقى زبالة ولما إنت تغلط تبقى راجل؟
– وكمان ليكي عين تتكلمي؟
– طب ما انت ليك عين تتكلم انت كمان.
سكتت ثانية… وبعدين ابتسمت ابتسامة موجوعة.
– عندك حق. ده حق مريم.
الكلمة نزلت عليه تقيلة. قربت أكتر:
– ما تحاسبنيش لوحدي يا حسام. حاسب نفسك.
الأرض هزّت تحته. قعد على الكرسي. مش قادر يرد. ولا يزعق. ولا حتى يدافع.
سأل بصوت مكسور:
– اسمه إيه؟
رفعت عينيها:
– اسم مين؟
– الحقير ده.
سكتت. لفّ وشه الناحية التانية:
– قولي اسمه… مش هقول.
قام فجأة:
– خلاص. أنا عارف هتصرف.
وأخد بعضه وخرج.
عند مريم أول لما حسام مشى والب باب اتقفل… لفت مريم ناحية يوسف، صوتها مليان رعب:
– يوسف… أوعى تكون بتقول الكلام ده وخلاص!
قربت منه:
– دي سمعة بنت… وشرفها.
– لو ظلمتها… هيترد لك.
سكتت لحظة وبعدين قالت:
– على الأقل أنا عملت كده وغلطت واستاهل… إنما هي لو لأ؟ هتلاقي اللي يتكلم في عرضك وشرفك.
يوسف كان هادي زيادة عن اللزوم. بص لها نظرة طويلة، وبعدين قال:
– إنتِ تعرفي عني كده؟ تعرفيني ممكن أتكلم في سمعة واحدة؟
سكت شوية، وبعدين بدأ يحكي:
– من فترة… كنت رايح ليحيى صاحبي البيت.
– وأنا طالع شفتها ماشية بتتلفت. قلبي اتقبض… بس قلت أكبر دماغي.
– فجأة، لقيت واحد نازل وراها، من نفس الشقة.
– كان بيتكلم في التليفون وبيقول: ياسمين مين دي عيلة هبلة… ضحكت عليها بكلمتين وجات لي جري من غير جواز ومن غير أي حاجة.
شد نفس:
– أنا ما كنتش هتكلم. أبدًا.
– بس هو اللي استفزني.
الأب كان واقف يسمع… قرب وقال بهدوء موجوع:
– مهما كان يا ابني… أوعى تجيب سيرة واحدة على لسانك.
– لأن كما تدين تدان. والدنيا دوّارة.
– وإحنا… عندنا بنات.
سكت المكان. ولا كلمة زيادة. الوجع كان أكبر من أي صوت.
نزل حسام من البيت وهو حاسس إن السقف واقع على دماغه. قفل الباب وراه بهدوء غريب، الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة. وقف لحظة في السلم، إيده على الدرابزين، ونَفَسه تقيل كأنه طالع من صدر واحد اتخنق.
– لا…
– مش معقول.
طلع التليفون من جيبه، فتحه، وبص في الأسماء. إيده بتترعش، بس عقله شغال.
– لازم أعرف.
– لازم.
بدأ يعمل مكالمات ورا بعض. قفل المكالمة وهو بيشتم بينه وبين نفسه. رجع رن تاني.
– أيوه…
– أيوه هو ده…
– تمام.
قفل التليفون وبص قدامه. الاسم ثبت في دماغه.
– يبقى هو.
نزل الشارع، وقف أول تاكسي، ركب. وبعدين غير رأيه فجأة.
– لأ…
– أنا هاروح بنفسي.
ركب عربيته، وداس بنزين. أول لما وصل. نزل من العربية. طلع السلم بخطوات سريعة. خبط على الباب بعنف.
الباب اتفتح.
– أيوه؟ مين، حضرتك؟
– أنا حسام عز الدين.
الشاب بص له من فوق لتحت.
– خير؟
صوته كان متماسك بالعافية:
– وأخو ياسمين.
الشاب اتنهد، ونبرته باردة:
– أه… عرفت. اتفضل.
دخل. الجو تقيل. الصمت أوجع من الكلام.
حسام قالها مرة واحدة:
– أنت لازم تتجوزها.
الشاب رفع حاجبه بسخرية.
– أتجوز مين؟
– ياسمين.
ضحك ضحكة قصيرة.
– لا.
– إيه؟
– قلت لا.
قرب منه خطوة، صوته علي:
– بس أنا أختي مش لعبة!
رد بهدوء مستفز:
– ولا أنا، وبعدين، أنا مستحيل أتجوز واحدة حصل بينها وبيني اللي حصل.
الكلمة ضربت حسام في صدره. وقف مكانه.
– يعني… يعني إيه؟
– يعني أعلى ما في خيلكم اركبوه.
سكت. الدنيا سكتت حواليه. طلع من البيت وهو مش شايف قدامه. الهوا خبط في وشه، بس ما فاقش. ركب عربيته. داس بنزين.
وهو سايق، الذكريات ضربت في دماغه زي سكينة. الوقفة دي بتتعاد من تانى، بس التانية كانت من شهور. نفس المكان تقريبًا. نفس النبرة. نفس الجملة. ساعتها كان هو واقف قدام يوسف، وساعتها كان هو القوي. المسيطر. اللي بيقول:
– أعلى ما في خيلكم اركبوه.
افتكر نفسه وهو بيضحك بسخرية. وهو شايف مريم واقفة مكسورة. وهو بيوافق على الجواز مش عشان ضمير ولا عشان حق لكن عشان كان خايف من يوسف.
غمض عينه لحظة وهو سايق.
– الفرق إيه؟
– الفرق إني كنت جبان.
فتح عينه تاني.
– أنا وافقت غصب.
– وهو… رفض.
ضحك ضحكة مرة.
– نفس الذنب… بس الوجع مش واحد.
لف في الشوارع. شارع ورا شارع.
– أنا اتكسر كده؟
افتكر مريم. افتكر كلمتها ليه: وهي بتقول كما تدين تدان.
– آه…
– أهي بتترد.
السرعة زادت. الطريق بقى سِكّة طويلة، فاضية. فجأة… نور تقيل قدامه. صوت عالي. فرامل. آخر حاجة شافها عربية نقل جاية عليه.
فتح عينه بعد وقت مش عارف قد إيه. صوت أجهزة. ريحة مطهر. حس بتقل في جسمه.
– أنا…
صوته ما طلعش. الدكتور قرب:
– الحمد لله على السلامة.
بص حواليه.
– في إيه؟
الدكتور سكت ثانية.
– حصل حادثة كبيرة.
حاول يتحرك… ما قدرش.
– رجليّ؟
– مش حاسس بيهم ليه؟
الدكتور خد نفس طويل:
– اضطرينا نعمل بتر.
الكلمة نزلت عليه زي حجر.
– إيه…؟
وقعد يصرخ:
– لاااا!
– إنتوا بتضحكوا عليا؟
الدكتور بهدوء:
– إنت محتاج دعم نفسي كبير، مش من حد قد مهو من نفسك لنفسك، بس الأهم من كل ده إنك عايش.
ضحك ضحكة مكسورة:
– عايش؟
– عايش إزاي؟
قفل عينه، دموعه نزلت غصب عنه.
بعد ساعات، الهدوء دخل الأوضة. فتح عينه تاني… وشافها. مريم. واقفاله بهدوء غريب. ولا دموع. ولا ارتباك.
صرخ بصوت عالي:
– إنتِ جايه ليه؟
– جايه تشوفي نهايتي؟
– ولا تشمتي؟
– شمتانة في اللي حصل فيا… وفي أختي!
قالتها بهدوء ثابت، من غير انفعال:
– آه.
صوته علي:
– آه إيه؟ إنتِ مجنونة؟ أنا اتكسرت!
– ضاعت حياتي!
ردت بصوت هادي بس تقيل:
– وأنا؟ حياتي كانت إيه؟ كانت خوف. كانت إهانة. كانت كسر يومي. الفرق إنك شايف كسرك وأنا كنت بدفنه.
بلع ريقه:
– بس أنا…
قاطعته:
– مفيش بس. اللي عملته فيا اتعمل فيك. اللي قلتلي عليه اتقال لأختك. اللي وجعني وجعك.
سكت. صوته طلع مبحوح:
– يعني إنتِ شمتانة؟
بصت له نظرة ثابتة، هادية، من غير قسوة زيادة.
وقالت:
– آه… شمتانة.
رواية ثمن اخطائي الفصل الثامن 8 - بقلم الاء محمد حجازي
إنتِ جايه ليه، جايه تشوفي نهايتي، ولا تشمتي، شمتانة في اللي حصل فيا…وفي أختي!
قالتها بهدوء ثابت، من غير انفعال:
– آه.
صوته علي:
– آه إيه؟
إنتِ مجنونة؟
أنا اتكسرت!
ضاعت حياتي!
ردت بصوت هادي بس تقيل:
– وأنا؟
حياتي كانت إيه؟
كانت خوف.
كانت إهانة.
كانت كسر يومي.
الفرق إنك شايف كسرك
وأنا كنت بدفنه.
بلع ريقه:
– بس أنا…
قاطعته:
– مفيش بس.
اللي عملته فيا
اتعمل فيك.
– اللي قلتلي عليه
اتقال لأختك.
– اللي وجعني
وجعك.
سكت.
صوته طلع مبحوح:
– يعني إنتِ شمتانة؟
بصت له نظرة ثابتة، هادية، من غير قسوة زيادة.
وقالت:
– آه… شمتانة.
مريم بصت له شوية، نفس طويل خرج من صدرها، وبعدين قالت بهدوء غريب:
– مش هو ده اللي إنت عايز تسمعه…
– بس لا، أنا مش شمتانة يا حسام.
اتعدل شوية، ملامحه فيها ذهول.
كمّلت:
– عارف ليه؟
– لأن اللي داق طعم الظلم،
والوجع،
والقرف،
والقهر…
وعاشهم كل يوم…
ما بيشمتش.
قربت خطوة:
– ربنا لما يجيب حق حد،
بيحس بإحساس غريب…
راحة،
انتصار،
إنصاف،
فرحة هادية كده،
بس مش شماتة.
سكتت ثانية، وبعدين قالت بمرارة:
– الشماتة دي بتاعة واحد مريض نفسي.
ضحكة قصيرة خرجت منها غصب عنها:
وأنا آه…
أنا مريضة نفسياً على فكرة.
إنت، بسم الله ما شاء الله، خليتني مريضة نفسياً.
عينيها لمعت:
– أنا بقيت بخاف من الرجالة.
بخاف منهم قوي.
بقيت شايفة إنهم حيوانات… شبهك كده.
نفسها كان متقطع:
– بقيت بخاف من البشر عموماً.
أي صوت عالي،
أي حركة مفاجئة،
أي قرب…
جسمي كله بيترعش.
حسام كان سامع، ملامحه اتغيرت، صوته واطي:
– مريم…
أنا…
قاطعته:
– لا، استنى.
خليني أكمّل.
أنا مش فرحانة فيك،
أنا فرحانة إن ربنا جاب لي حقي.
فرحانة إن في عدل…
حتى لو جه متأخر.
صوته كان مكسور، عينه فيها توسّل:
– سامحيني يا مريم…
سامحيني.
مريم سكتت شوية، بصّت له بعمق، كأنها بتفتّش جوا ذاكرتها.
وبعدين قالت بهدوء موجع:
– كنت هسامحك…
آه والله، كنت هسامحك.
اتعدل في سريره، بصّ لها بلهفة.
كمّلت:
– كنت هسامحك لو في حالة واحدة بس.
لو كنت سيبت لي ذكرى واحدة حلوة.
ضحكت ضحكة باهتة:
– ذكرى واحدة بس يا حسام…
أمسك فيها لما أضعف،
أقول يمكن ما كانش كله وحش.
قربت خطوة:
– إنما إنت؟
من ساعة ما عرفتك، ما سبتش وراك غير وجع.
مفيش موقف واحد أقول
كان راجل.
مفيش كلمة طبطبت.
مفيش أمان.
نبرتها بقت أوضح وأقسى:
– إنت ما فيكش صفة حلوة أصلاً.
كان باصصلها بذهول حقيقي.
قالت بصراحة جارحة:
– تحب تسمع حاجة كمان؟
إنت أكتر حد أنا فرحانة إنه دخل حياتي.
اتصدم.
كملت بسرعة قبل ما يتكلم:
– آه، فرحانة…
وبكلمك بأمانة.
عارف ليه؟
لأنك علمتني دروس
عمري ما كنت هتعلمها من غيرك.
نَفَسها خرج تقيل:
– علمتني إن الظلم مهما طال له نهاية.
– وإن كما تدين تدان حتى لو بعد حين.
– علمتني إن الصبر نهايته جبر.
– وإن الظالم نهايته وحشة قوي.
بصّت له بنظرة أخيرة:
– نهاية زي اللي إنت فيها دلوقتي يا حسام.
سكتت، وهو فجأة صوته اتكسر، دموعه نزلت وكمل كأنها متكلمتش اصلا من شواية:
– أنا غلطت.
أنا كنت أعمى.
تعالي نبدأ من جديد.
صفحة جديدة.
و ننسى اللي فات…
كأن مفيش حاجة حصلت.
الصمت وقع تقيل.
مريم ضحكت…
ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرح.
– يا بجاحتك يا أخي…
إنت إزاي بجح كده؟
قربت أكتر، صوتها علي شوية:
– إنت بعد كل الأذى اللي أذيته لي،
عايزني أبدأ معاك صفحة جديدة؟
– إنت كتابك كله معايا
مليان بقرفك.
– صفحة جديدة إزاي؟
و الحساب ده لسه مفتوح،
ودمي لسه سخن فيه.
نبرتها بقت أقسى:
– وأنا جاية لك كنت فاكرة إني هشوف حد
اتعظ،
اتكسر،
اتذل.
– كنت فاكرة اللي حصل لك هيهدك.
ضحكت بمرارة:
– بس أنا لقيت إيه؟
لقيت البجاحة زادت.
الجبروت كبر.
لا دم،
ولا إحساس.
قربت وشها منه:
– إنت ضعيف يا حسام.
بس ضعفك ده متغلف بقسوة.
اتنهدت:
– أنا بجد مش لاقية كلام أقوله لك
غير كلمة واحدة.
– طلقني.
صوته طلع فجأة، حاد:
– وأنا مستحيل أطلقك يا مريم.
بصت له بثبات:
– يبقى هخلعك.
اتكلمت بثقة:
– وعلى فكرة…
أنا هكسب القضية من أول جلسة، التقرير الطبي اللي معايا كفاية.
مش محتاجة محامي، بس هقدمه.
لفت ضهرها:
– أنا عايزة ورقتي توصل لي
خلال الأسبوع ده.
وقفت عند الباب، من غير ما تبص له:
– المرة دي… أنا اللي بختار.
وسابته.
لوحده.
مكسور أكتر ما كان.
---------------------------------
خرجت مريم من عند حسام بخطوات تقيلة، كأن الأرض نفسها مش ثابتة تحت رجليها.
أول ما فتحت باب الأوضة، رفعت عينيها ولقت يوسف واقف مستنيها، ضهره مسنود على الحيطة، أول ما شافها فتح دراعاته من غير ولا كلمة.
دخلت في حضنه، حضن أخ، حضن أمان كانت محتاجاه من شهور.
مسّد على دماغها وقال بصوت واطي دافي:
– أحسن دلوقتي يا حبيبتي؟
هزّت دماغها بهدوء:
– أيوه.
ما سألش، ما ضغطش، بس حاول يخفف الجو وقال بنبرة فيها هزار خفيف:
– طب يلا بقى، وإحنا ماشيين كده أنا هعزمك على حتة أكلة محترمة،
وتعملي بعدها غسيل معدة على طول.
ضحكت ضحكة صغيرة، أول ضحكة حقيقية من زمان:
– لا مش عايزة…
أنا اللي هطبخ لكم.
بص لها باستغراب مصطنع:
– لا والله؟
ده يبقى يوم تاريخي لازم يتسجل.
مسك إيدها ومشيوا.
أول ما وصلوا تحت البيت، لقوا يحيى واقف ، مستني.
يوسف ابتسم:
– إيه ده؟ الشارع نور ولا إيه؟
يحيى سلم عليه، وبعدين بص لمريم وقال بهدوء:
– إزيك يا مدام مريم؟
في اللحظة دي، مريم اتشدّت، خطوة واحدة ورا يوسف، راسها نزلت في الأرض، إيديها بقت تفركهم في بعض، ونَفَسها اتلخبط.
يحيى لاحظ…
ويوسف لاحظ.
يوسف على طول علشان يغير الجو:
– إنت واقف من بدري ولا إيه؟
تعالى نطلع فوق، نقعد شوية.
طلعوا، ومريم دخلت أوضتها.
أول ما بقوا لوحدهم، يحيى سكت شوية وبعدين قال بهدوء صريح:
– يوسف… مريم محتاجة علاج نفسي.
يوسف أخد نفس طويل، كأنه مستني الجملة دي:
– وأنا جبتك علشان كده يا يحيى.
إنت أكتر واحد عارف اللي حصل كله من الأول،
وإنت اللي كلمتني يوم المستشفى…
وإنت اللي شفتها هناك.
وأهم حاجه، أنت دكتور نفسي كمان.
سكت لحظة وكمل بصوت مكسور:
– مريم بقت بتخاف من أي راجل على وش الأرض.
أي صوت عالي، أي حركة مفاجئة…
حتى السلام.
زي ما شوفت من شواية كده.
يحيى هز راسه بأسف:
– ده واضح جدًا.
الشخص اللي اتجوزته حطها تحت ضغط نفسي رهيب لفترة طويلة.
خوف، تهديد، إحساس دائم إنها ضعيفة ومكسورة.
يوسف قال بوجع:
– أنا أخوها…
ومش عارف أرجّع لها الأمان.
– مش عارف أعمل إيه غير إني واقف جنبها.
يحيى قال بثبات:
– وده أهم حاجة دلوقتي.
مريم محتاجة وقت،
ومحتاجة تحس إن الدنيا مش كلها شبهه.
– محتاجة تعرف إن في رجالة
مش بتأذي،
ولا بتهدد،
ولا بتكسر.
يوسف عينه دمعت:
– نفسي ترجع مريم اللي كانت بتضحك من قلبها.
يحيى بص له بثقة:
– هترجع…
بس خطوة خطوة.
وإنت أول خطوة في طريق شفاها.
يوسف سكت شوية، وبعدين رفع عينه ليحيى وقال بصوت واطي فيه قلق حقيقي:
– طب… احنا نبتدي معاها إزاي؟
يحيى قرب من الكنبة وقعد قدامه، ونبرته كانت هادية بس حاسمة:
– أهم حاجة يا يوسف… إنها تتقبّل فكرة العلاج.
يوسف استغرب:
– بس هي مش مجنونة.
يحيى ابتسم ابتسامة خفيفة فيها تفهّم:
– وأنا ما قلتش إنها مجنونة.
العلاج النفسي مش جنان، ده محاولة إن الواحد يرجّع نفسه لنفسه.
يوسف فرك إيده بعصبية:
– طب أقول لها إيه؟
أدخل عليها أقول لها إنتي محتاجة دكتور نفسي؟
يحيى هز راسه:
– لأ طبعًا.
ما تدخلهاش من باب الوجع،
دخلها من باب الأمان.
– قول لها إنك قلقان عليها،
إنك حاسس إنها تعبت قوي،
وإنك نفسك ترجع تشوفها مرتاحة.
يوسف بص للأرض وقال:
– هي بتخاف…
من أي راجل.
يحيى قال بهدوء:
– علشان كده إنت اللي تكلمها.
إنت أمانها دلوقتي.
– ولو رفضت في الأول،
ما تزعلش،
ولا تضغط.
– سيب الفكرة تزرع جواها بس.
يوسف رفع عينه:
– يعني لو اقتنعت بالفكرة؟
يحيى قاطعه بثقة:
– يبقى الباقي كله سهل.
الجلسات، العلاج…
كل ده تفاصيل.
– إنما طول ما هي شايفة العلاج كاتهام،
مش هتتحرّك خطوة.
يوسف تنفّس براحة بسيطة:
– تمام…
يحيى وقف وهو بيقول:
– وإفتكر،
أكتر حاجة بتعالج بني آدم مكسور
إنه يحس إن اللي قدامه مصدّقه
ومش مستعجل عليه.
يوسف بص ناحية أوضة مريم، وصوته طالع من قلبه:
– إن شاء الله هرجّعها تضحك…
حتى لو خد الموضوع عمره كله.
وفي أوضتها، مريم كانت واقفة و إيدها على قلبها، دموعها سايلة في صمت.
ما كانتش فاهمة كل التفاصيل،
بس لأول مرة من زمان…
حاسّة إنها مش لوحدها.
-------------------------------
بعد ما مريم سابت الأوضة،
حسام فضِل لوحده على السرير.
الأجهزة حوالينه بتطلع صوت رتيب،والسرير الأبيض بقى أوسع من
اللازم،كأن الفراغ بيبلعه.
حاول يتحرك…
نسي للحظة.
وبعدين افتكر.
بص لتحت.
البطانية متكومة بشكل غريب.
ما فيش رجلين.
بلع ريقه بالعافية،
وعينه دمعت غصب عنه،
مش من الوجع…
من الإهانة.
قال لنفسه بصوت واطي مكسور:
– أهو…
زي ما كنت فاكر نفسك قوي…
ربنا وريّك ضعفك.
الباب خبط خبطتين خفاف،
ودخل الشخص اللي غلط مع ياسمين.
حسام أول ما شافه، وشه اتشد،
وعروقه برزت،
بس ما قدرش يقوم،
ولا حتى يبعد وشه.
والشخص واقف قدامه.
حسام بص له بغيظ، صوته طالع مخنوق:
– إنت؟
جاي ليه؟
الراجل خد نفس عميق وقال بهدوء:
– عارف إنك مش طايقني،
وعارف إن وجودي تقيل عليك…
بس أنا جاي أتكلم.
حسام ضحك ضحكة صفرا:
– تتكلم؟
بعد ما عملته؟
ولا جاي تكمل اللي فاضل؟
الراجل هز راسه:
– لأ.
أنا جاي أقول لك إني عايز أتجوز ياسمين.
الكلمة نزلت على حسام زي القلم،بعد ما فرح افتكر اللي عملة في مريم لما اتجوزها، قال بحدة:
– تتجوزها؟
علشان تذلها؟
تكمل كسر فيها؟
ولا علشان تبقى فاكر نفسك كده سترتها؟
الراجل رفع عينه بثبات غريب:
– لا.
أنا عايز أتجوزها لأني بحبها.
حسام انفجر:
– بتحبها؟
إنت فاكر اللي عملته فيها اسمه حب؟
الراجل قال بسرعة، كأنه مستني اللحظة:
– اللي عملته كان غلط…
وغلط كبير.
وأنا ما بنكرش.
– بس الحقيقة؟
أنا كنت ماشي مع شياطين،
ناس وسخة بتفكرني إن الرجولة سيطرة،
وإن البنت كرامتها لعبة.
– لما شفت ياسمين…
كده،مكسورة بسببي،
حسيت إني واحد حقير.
سكت شوية، وبعدين كمل بصوت أهدى:
– وكمان حطيت أخواتي البنات قدامي.
قلت لو واحدة فيهم حصل لها ربع اللي حصل لياسمين؟
كنت هعمل إيه؟
– عمري ما كنت أقبلها.
ولا أقبل إن حد يقرب منهم.
حسام حسّ بحاجة بتخبط في صدره.
صورة مريم عدّت قدامه فجأة…
صوتها، دموعها، خوفها، وقال بصوت واطي:
– وإنت فاكر الجواز هيمسح اللي حصل؟
الراجل رد بثبات:
– لا.
بس هو أقل حاجة أقدر أقدمها.
ستر،واحترام،ومحاولة إصلاح…
حتى لو مش هتسامحني.
سكتوا شوية.
الصمت كان تقيل، خانق.
حسام فجأة قال:
– إمتى؟
الراجل استغرب:
– إمتى إيه؟
– إمتى ناوي تتجوز؟
الراجل قال بسرعة:
– في أقرب وقت.
وأي شروط…
أنا موافق.
حسام هز راسه ببطء:
– تمام.
حدد ميعاد…
وكلمني.
الراجل قام، وقبل ما يمشي وقف وقال:
– على فكرة…إنت كده بتعمل اللي صح.
حسام ما ردش.
الباب اتقفل.
قعد لوحده.
سند ضهره وغمّض عينه.
دماغه مولعة.
مريم.
صوتها وهو بيزعق.
نظرتها وهي مكسورة.
جملته وهو فاكر نفسه راجل.
فتح عينه فجأة وقال بصوت مبحوح:
– أنا عملت إيه؟
مسك راسه بإيده،
والندم ضرب قلبه بعنف.
قال لنفسه:
– الراجل ده…
غلط…بس لسه عنده قلب.
لسه عرف يراجع نفسه.
ضحك بسخرية موجوعة:
– وأنا؟
أنا عملت إيه؟
سكت شوية، وبعدين قال بقرار واضح:
– الحاجة الوحيدة اللي أقدر أقدمها لمريم دلوقتي…
مش اعتذار.
ولا دموع.
– حريتها.
وبصوت ثابت رغم الوجع قال:
– وحريتها هي الطلاق.
ده حقها…
وأنا لازم أديه لها.
وسند راسه تاني،
عارف إن القرار ده جاي متأخر قوي…
بس يمكن يكون أول مرة يعمل حاجة صح.
غمّض عينه،
والدمعة نزلت ببطء،
عارف إن القرار ده
مش هيغفر له اللي عمله…
بس يمكن يخفف عنها شوية.
------------------------------------
بعد ما يحيى مشي،
الشقة سكتت فجأة.
يوسف قاعد على الكنبة،
إيده متشابكة،
مواطي راسه،
واضح عليه إنه تايه…
مش عارف يبدأ منين ولا يقول إيه.
مريم واقفة عند باب الأوضة،
بتبص له شوية
وبعدين بقت تقرب خطوة خطوة.
صوتها واطي وحنين:
– مالك يا حبيبي؟
فيك إيه؟
يوسف اتخض،رفع راسه بسرعة،ابتسم ابتسامة مش في وقتها:
– مافيش…
مافيش حاجة.
مريم قعدت قدامه على الأرض،
زي وهي صغيرة،
مدت إيدها ولمست إيده بخفة:
– يوسف…
إنت عمرك ما كنت بتعرف تخبي عليا.
سكت.
بلع ريقه.
إيده شدت على إيدها غصب عنه.
– قولي…
أنا سامعاك.
يوسف خد نفس طويل،وكأن الكلام تقيل قوي عليه.
قال بسرعة، من غير ما يبص لها:
– مريم…
إنتي لازم تتبعي مع دكتور أمراض نفسية.
الكلمة وقعت.
تقيلة.
جارحة.
مريم سحبت إيدها بهدوء،
ابتسامتها اختفت.
رواية ثمن اخطائي الفصل التاسع 9 - بقلم الاء محمد حجازي
مريم إنتي لازم تتبعي مع دكتور أمراض نفسية.
الكلمة وقعت، تقيلة، جارحة.
مريم سحبت إيدها بهدوء، ابتسامتها اختفت.
مريم سكتت شوية.
بصت في الأرض، وبعدين رفعت عينيها عليه ببطء.
– قصدك إني… أتعالج؟ يعني أروح لدكتور وكده؟
يوسف قرب شوية، صوته هادي وحنين:
– أيوه يا مريم… وده مش عيب ولا نقص.
قرب أكتر، بس من غير ما يلمسها:
– مريم حبيبتي، المرض النفسي مرض زي أي مرض في الدنيا. زي الضغط، زي السكر، زي القلب. بيوجع… وبيحتاج دكتور.
ابتسم ابتسامة خفيفة:
– وبصراحة؟ كلنا محتاجين دكاترة نفسيين في حياتنا. بس في ناس بتعترف، وناس بتفضل ساكتة لحد ما تتكسر.
مريم بلعت ريقها، نبرة صوتها بقت واطية:
– أنا عارفة الكلام ده يا يوسف… وعقلي فاهمه كويس.
رفعت عينيها له، وفيهم وجع:
– أنا كنت لسه هفتحك في الموضوع ده. وقلت… لو تعرف دكتور نفسي كويس، أروح له.
يوسف اتنفس براحة:
– الحمد لله إنك فكرتي كده.
لكن فجأة صوتها اتغير وبدأ يترعش.
– بس المشكلة مش هنا…
يوسف قلق:
– أمال فين؟
مريم حطت إيديها على صدرها:
– أنا بقيت بخاف… من خيالي.
يوسف سكت.
– يعني إيه؟
دموعها بدأت تلمع:
– يعني… لو إنت بتكلمني وصوتك علي شوية، أنا أخاف. ازاي هتعامل مع دكتور وأقوله كل حاجة عني ازاي؟
صوتها اتكسر:
– إنت متخيل؟ أخويا… اللي عمره ما أذاني… أخاف من صوته.
يوسف عينه دمعت:
– مريم…
– بقيت بخاف أمشي في الشارع لوحدي. بحس إن أي حد ماشي ورايا هيعمل فيا حاجة. أي نظرة… أي حركة… أي صوت.
نفسها بقى سريع:
– بقيت بخاف من أي حد عموماً. رجالة… ستات… حتى الأطفال أوقات.
قعدت على الأرض فجأة، ضمت رجليها لصدرها:
– إنت متخيل؟ أنا بخاف من البشر.
يوسف نزل على ركبته قدامها:
– لا حول ولا قوة إلا بالله…
– أنا مش بعرف أنام. ولو نمت، أقوم مفزوعة. ولو صحيت، قلبي بيدق كأني كنت بموت.
صوتها بقى مبحوح:
– أنا تعبت قوي يا يوسف. تعبت بجد.
وبعدين… انهارت.
عيط بصوت عالي، شهقة ورا شهقة، جسمها كله بيترعش.
– أنا خايفة! خايفة قوي! أنا مش حاسة بأمان في أي حتة!
يوسف دموعه نزلت، بس حاول يفضل ثابت.
مد إيده ببطء، وشَدّها لحضنه:
– أنا معاكي. إنتي مش لوحدك. ولا عمرك هتكوني لوحدك تاني.
سابها تعيط. ما قاطعهاش. ما استعجلهاش.
وبصوت واطي قوي قال:
– والخوف ده… مش هيبقى هو اللي ماسك حياتك. وعد.
وبعدين لاحظ إنها سرحت شوية، فقال بسرعة علشان يطلعها من الدايرة اللي دخلتها:
– طب اسمعي بقى… أنا عندي لك دكتور كويس قوي.
مريم رفعت عينيها له بحذر:
– دكتور؟ مين؟
– حد إنتي عارفاه.
اتشدّت في قعدتها:
– مين؟ أنا مش عايزة حد غريب.
– يحيى.
سكتت فجأة، وشها اتغير.
– يحيى؟ صاحبك؟
يوسف أيوه براسه:
– أيوه.
هزّت راسها برفض:
– لا… لا يا يوسف.
– ليه؟
– عشان… عشان راجل.
قالتها وكأنها بتعتذر، صوتها واطي ومكسور.
يوسف قرب أكتر، صوته هادي:
– مريم، اسمعيني بس للآخر.
سكتت.
– يحيى شاطر جدًا جدًا، مش مجرد دكتور والسلام، ده درس بره، وأخد دكتوراه في علم النفس.
ابتسم ابتسامة مطمّنة:
– وعلى فكرة… مش أي دكتوراه، ده تخصص صدمات نفسية وعنف.
مريم بلعت ريقها:
– بس… أنا مش مرتاحة.
– فاهم. والله فاهم.
قعد قصادها، على نفس المستوى:
– بس خليني أقولك حاجة. يحيى مش راجل عادي بالنسبة لك. ده حد قريب مني. حد أنا واثق فيه على نفسي قبل ما أكون واثق فيه عليكي.
رفعت عينيها بقلق:
– بس أنا مش هعرف أتكلم.
– لأ. هتعرفي.
– يوسف، أنا لما بيبقى في راجل في الأوضة… دماغي بتقف. كلامي بيهرب.
– عشان كده بالذات هو مناسب.
اتنفضت:
– إزاي؟
– لأنه مش هيضغطك. ولا هيستجوبك، ولا هيقرب خطوة واحدة غير لما إنتي تطلبي.
سكت لحظة، وبعدين قال بصدق:
– وكمان… هو عارف تقريبًا نص الحكاية.
اتسعت عينيها:
– عارف؟
– أيوه. عارف اللي حصل في المستشفى، وعارف إنك اتكسرتي، بس مش عارف التفاصيل… ومش هيعرفها غير لما إنتي تقولي.
نزلت راسها:
– أنا خايفة.
– الخوف ده طبيعي. ومش عيب.
قرب إيده منها، من غير ما يلمسها:
– بس خلي بالك… الخوف لو فضل جوه، هيفضل يكبر.
– وأنا تعبت.
قالتها وهي بتعيط تاني:
– تعبت من نفسي. تعبت من الخضة. تعبت من قلبي اللي بيدق على أقل حاجة.
يوسف حس بقلبه بيتعصر:
– عشان كده محتاجة حد يفهمك. مش بس يسمعك.
– طب ليه مش دكتورة؟ ليه لازم راجل؟
ابتسم بحنان:
– لأن في حالتك… المواجهة جزء من العلاج.
شهقت:
– مواجهة؟
– أيوه. مش مرة واحدة. ولا بالعافية. بس واحدة واحدة.
بص لها بصدق:
– يحيى مش هيعالجك بس، ده هيعلّمك إزاي ترجعِ تثقي. وإزاي تفرّقي بين الخطر الحقيقي، والخطر اللي دماغك خلقه.
سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مبحوح:
– ولو ما قدرتش؟
– يبقى نوقف. ولا حد هيغصبك على حاجة.
ابتسم بخفة:
– أنا معاكي في كل خطوة. لو قلتي بس مش قادرة، نمشي.
دموعها نزلت تاني، بس المرة دي أهدى.
– إنت بجد عمرك ما هتسيبني؟
يوسف من غير تفكير:
– لا. ولا في أي سيناريو.
هزّت راسها ببطء:
– طب… خلينا نجرب.
ابتسم لأول مرة من قلبه:
– بجد؟
– أيوه. بس وعدني… لو حسيت إني اتخنقت، نمشي.
– وعد.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
– يوسف… شكرًا.
– على إيه؟
– إنك ما حسستنيش إني مكسورة زيادة. ولا مريضة. ولا غريبة.
ابتسم وهو بيبص لها بفخر:
– إنتي قوية يا مريم. بس القوة ساعات بتحتاج مساعدة.
مريم كانت حاسة إن الدنيا لسه واقفة، بس هي اللي اتحركت.
و يوسف جنبها خطوة بخطوة، أول مرة تحس إنها مش لوحدها فعلًا.
في اللحظة دي، قررت.
من غير صوت عالي، من غير إعلان، قرار جاي من تعب طويل، قررت إنها تتعالج.
مش علشان حد قال لها، ولا علشان تثبت حاجة لحد، لكن علشان تستاهل تعيش من غير خوف.
افتكرت نفسها وهي ضعيفة، وهي ساكتة، وهي بتتنازل مرة ورا مرة، لحد ما خسرت نفسها.
ندمت… ندمت بصدق، مش ندم بكاء بس، ندم وعي.
بس وسط الندم، كان في إحساس تاني بيكبر جواها.
امتنان.
امتنان إنها ما وقعتش لوحدها، إن في حد مد إيده وما سحبهاش.
إن في أخ… واقف، ثابت، مش بيحاسبها كل يوم، ولا بيذكرها بالغلط، بس بيقول لها من غير كلام: أنا هنا.
مريم بصت ليوسف، ولأول مرة من زمان تحس بالأمان.
الأمان اللي مش مشروط، مش محتاج مقابل، ولا اعتذار كل شوية.
كانت فرحانة… فرحانة مش علشان الدنيا بقت سهلة، لكن علشان بقى عندها ضهر، حد لو تعبت، تشيل عليه.
لو وقعت، يقومها.
لو خافت، يقف قدام الخوف معاها.
في اللحظة دي حمدت ربنا من قلبها.
مش على اللي فات، لكن على اللي ما سابهاش.
على الستر اللي جه في شكل إنسان.
على الرحمة اللي جت في صورة أخ.
حست إن الطريق لسه طويل، وفيه وجع، وفيه علاج، وفيه أيام صعبة، بس لأول مرة… مش خايفة.
كانت اللحظة بداية مش حياة جديدة، لكن بداية وعي جديد.
وعي إنها تستحق، وإن الغلط ما كانش نهاية، وإن وجود حد جنبك في أسوأ وقت نعمة تستاهل ألف شكر.
وفي قلبها قالت بهدوء: الحمد لله… أنا مش لوحدي.
----------------------------
عدّت الأيام ببطء، مش ببطء الوقت، ببطء الوجع وهو بيهدى واحدة واحدة.
مريم ابتدت تتابع مع دكتور يحيى، مش بسهولة، ولا بشجاعة مفاجئة، لكن بخوف ماشي جنبها في كل خطوة.
أول مرة راحت، إيديها كانت بتترعش، صوتها مكسور، وعينيها ما كانتش قادرة ترفعهم في وشه غير ثواني ويرجعوا الأرض تاني.
بس مع الوقت، ومع كل جلسة، الخوف ما اختفاش… لكن بقى أضعف شوية.
كانت بتتكلم كتير عن الصمت. عن اللحظات اللي كانت بتبقى قاعدة فيها من غير صوت، بس جواها دوشة.
عن الخضة اللي بتيجي من غير سبب، عن النوم اللي بقى متقطع، عن الإحساس الدائم إنها مش في أمان حتى وهي في بيت أبوها.
يحيى ما كانش بيستعجلها. ولا بيفتح جراح قبل ما تبقى مستعدة.
كان سايب المساحة… والمساحة دي مع الوقت بقت أمان.
وفي وسط كل ده، حسام طلق مريم.
الورقة وصلت بهدوء، من غير خناقات، من غير صوت عالي.
طلاق كان شكله عادي، بس معناه كان تقيل قوي.
الغريب إن مريم ما عيطتش. ما فرحتش. ما حسّتش بانتصار.
حسّت بس بحاجة واحدة: إن في قيد اتفك من رجليها.
وفي نفس الفترة، ياسمين، أخت حسام، اتجوزت الشخص اللي كانت غلطت معاه.
جواز اتعمل بسرعة، من غير فرح كبير، من غير ضحك حقيقي.
ناس كتير قالت إن ده ستر، وناس تانية قالت إن ده خوف.
بس الحقيقة؟ مريم ما شغلتش بالها.
كانت أخيرًا بتبص لنفسها.
جلسة ورا جلسة، حالتها ابتدت تتحسن.
مش فجأة. مش بشكل مثالي.
لكن التحسن كان واضح في تفاصيل صغيرة جدًا.
إنها تقدر تمشي في الشارع من غير ما تبص وراها كل ثانيتين.
إن صوت الرجالة ما يبقاش مرعب قوي زي الأول.
إن إيديها ما ترتعشش طول الوقت.
إن النوم يرجع… حتى لو مش كامل.
ابتدت تفكر. مش في اللي فات. لكن في اللي جاي.
وسألت نفسها سؤال بسيط، بس كان جديد عليها: أنا هعمل إيه؟
اكتشفت إنها ما عندهاش إجابة جاهزة.
بس عندها رغبة.
رغبة إنها تعتمد على نفسها. إن ما تستناش حد.
إن الأمان اللي بتدور عليه يكون منها، مش من حد تاني.
قررت إنها تشتغل. أي حاجة.
مش علشان الفلوس بس، لكن علشان تحس إنها واقفة على رجليها، علشان تحس إن ليها قيمة غير إنها بنت، أو أخت، أو زوجة سابقة.
ابتدت تدور. تسأل. تجرب. تقع وتقوم.
وفي وسط الانشغال ده، وسط الأيام اللي شكلها عادي، وسط الروتين اللي ابتدى يرجع حياتها طبيعية شوية… في يوم، حصلت حاجة.
حاجة ما كانتش في حسابها خالص. ولا في حساب أي حد.
وحياتها… وقفت لحظة.
كانت قاعدة فجأة مريم حست بدوخة خفيفة، قعدت على طرف السرير وهي ماسكة بطنها بإيدها، مش وجع قوي… قد ما هو إحساس غريب، إحساس خوف أكتر منه ألم.
يوسف كان واقف قدامها، أول ما شاف وشها شاحب قرب منها بسرعة.
يوسف بقلق: مالك يا مريم؟ فيكِ إيه؟
مريم بصوت واطي: مش عارفة… حاسة بتعب كده… قلبي مقبوض ومخي تايه.
يوسف بص لها شوية، وبعدين قالها بهدوء حذر:
– بصي… يمكن ده من الحمل.
مريم رفعت عينيها له فجأة.
حمل؟
أيوه… تعالي نطمن ونكشف وخلاص.
مريم سكتت، ما قالتش آه ولا لأ، بس قامت من مكانها، كأنها ماشية ورا الفكرة مش ورا يوسف.
في العيادة، كانت قاعدة على الكرسي، صوابِعها متشابكة، وبتفرك فيهم من التوتر.
الدكتورة دخلت وبصت في الملف قدامها.
الدكتورة: إيه اللي جايبك يا مريم؟
أنا… تعبانة شوية… وكمان أتابع الحمل.
الدكتورة باستغراب: مين قال لك انك حامل؟
دكتورة في المستشفى… وقتها قالت لي إني حامل.
الدكتورة رفعت حاجبها، وابتدت تكشف وتعمل التحاليل.
الوقت كان بيمشي تقيل، ومريم حاسة إن قلبها بيدق في ودانها.
بعد شوية، الدكتورة رجعت وقعدت قدامها.
الدكتورة بهدوء:
– بصي يا مريم… مفيش حمل.
مريم سكتت. اللي كان حاصل قبل كده اسمه حمل كاذب.
– يعني… إيه؟
الدكتورة: يعني جسمك كان متأثر نفسيًا بشكل كبير، فابتدى يدي أعراض شبه الحمل، بس في الحقيقة مفيش جنين.
مريم فضلت باصة للدكتورة، ولا دمعة نزلت، ولا كلمة طلعت.
طلعت من العيادة، الهوا خبط في وشها، يوسف كان مستنيها.
يوسف بلهفة: طمنيني.
مريم بصوت هادي غريب: مفيش حمل.
يوسف تنفس بعمق. الحمد لله… بس ثانية والدكتورة اللي قالت انك....
وبعدين سكت لما لاحظ وشها.
مالك؟
مريم وقفت مكانها، وبصت قدامها، كأنها بتكلم نفسها.
مش عارفة أفرح ولا أزعل.
ليه؟
زعلانة… علشان جزء جوايا كان متخيل إن في روح… بس فرحانة… فرحانة قوي… إن مفيش طفل كان هيفضل رابطني بحاجات عمري ما عايزة أفتكرها.
يوسف ما قاطعهاش.
الطفل ده… لو كان جه… كان كل ما أبص له أفتكر الغلطة، وأفتكر حسام، وأفتكر الظلم، والضرب، والإهانة، وأفتكر إني كنت ضعيفة في يوم من الأيام.
صوتها ابتدى يترعش.
يمكن كنت هكرهه… وده ذنب ما كنتش هستحمله.
يمكن كنت هظلمه… علشان هو كان هيبقى شاهد على أسوأ أيام حياتي.
يوسف قرب منها خطوة.
يوسف بهدوء: ربنا لطيف يا مريم.
مريم بابتسامة باهتة: أيوه… ربنا سترها. مش كل ستر بيبقى شكله حلو في الأول… بس ده ستر.
سكتت شوية، وبعدين قالت: أنا تعبت قوي… بس لأول مرة حاسة إني خفيفة. كأن حمل تقيل كان فوق قلبي واتشال.
يوسف حط إيده على كتفها.
واللي جاي أحسن.
مريم بهدوء وحزن: أنا عايزة أعيش… من غير ما أي حاجة تفكرني إني كنت مكسورة.
وقفوا شوية في الصمت، صمت مش مؤلم، صمت بيقفل باب وراهم.
وهم خارجين من عند الدكتورة، الجو كان هادي زيادة عن اللزوم، السكوت بين مريم ويوسف بقى تقيل.
يوسف كان ماشي جنبها بس مش باصص لها، إيده في جيبه، خطوته سريعة شوية، واضح عليه التوتر.
مريم لاحظت ده، وبصت له من جنب عينها.
مريم بنبرة خفيفة: مالك يا يوسف؟
ما ردش. كمل مشي.
وقفت فجأة.
مريم: يوسف…
وقف هو كمان، لف وبص لها.
يوسف وهو بيحاول يبتسم:
– مريم… أنا عايز أفتحك في موضوع.
مريم بهزار خفيف تحاول تكسر الجو:
– يا سلام؟! وبعدين قربت منه شوية وقالت وهي بتضحك: إيه ده؟ متوتر كده ليه؟ انتي مكسوفة يبطة؟
يوسف ما ضحكش، ولا حتى ابتسم.
يوسف بجدية:
– لا… أنا بتكلم بجد. وموضوع مهم قوي. وأنا بصراحة مش عارف أبدأ إزاي.
ضحكتها وقفت.
مريم بهدوء: خير؟ قولي… أنا سامعاك.
يوسف خد نفس طويل، وبص في الأرض شوية، وبعدين رفع عينه وبص لها:
– بصي… قبل ما أتكلم، لازم تعرفي إني عمري ما هأذيكي بكلمة، ولا عمري هعمل حاجة تضايقك. أنا بس… مش عارف أخبي أكتر من كده.
قلبها دق أسرع:
– يوسف… قلقتني. فيه إيه؟
يوسف وهو بيحاول يسيطر على صوته:
– أنا كنت ناوي أستنى، بس حسيت إن ما ينفعش. خصوصًا بعد اللي مريتي بيه، وبعد العلاج، وبعد كل الوجع ده.
مريم بلعت ريقها:
– يوسف… لو سمحت… اتكلم.
يوسف قرب خطوة، بس وقف قبل ما يوصل لها، كأنه خايف يقرب زيادة:
– اللي هقوله ده… مش سهل عليا، ولا سهل عليكي. بس السكوت عنه أصعب.
مريم حسّت برجفة في إيديها.
مريم بصوت واطي:
– طيب… قول.
يوسف سكت ثانية، ثانيتين، كأنهم سنة.
وبعدين قال…:
– مريم… أنا
رواية ثمن اخطائي الفصل العاشر 10 - بقلم الاء محمد حجازي
يوسف وقف قدامها، واضح عليه التردد. فتح بقه كذا مرة… وبعدين سكت.
مريم لاحظت. قربت خطوة، قلبها بيدق أسرع من الطبيعي.
مريم بهدوء متوتر: يوسف… ما تسكتش. قول.
يوسف خد نفس عميق، كأنه بيشد شجاعته من آخر الدنيا: أنا… أنا عايز أتجوز مروة. مروة أخت حسام.
الكلمة وقعت في الهوا تقيلة. مريم عينيها وسعت، ملامحها اتشدّت.
مريم بصدمة: إيه؟ إنت عايز تتجوز أخت الشخص اللي أذاني؟ أخت حسام؟!
يوسف هز دماغه بسرعة: عارف… عارف إن الكلام ده صعب، وتوقيته أصعب، وعارف إنك ممكن تشوفيني بجح، أو أناني، أو واحد مش حاسس باللي قدامه.
قرب خطوة، وصوته بدأ يهتز: والله يا مريم حاولت أبعد. حاولت أقنع نفسي إن الموضوع ده غلط، وإنه مستحيل، وإني أولى إن مشاعرك تتراعى قبل أي حاجة. شهور وأنا بهرب من الفكرة، بهرب من إحساسي.
سكت لحظة، وبص في عينيها مباشرة: بس ما قدرتش. مش قادر. أنا بحبها.
مريم ما ردتش. وشها كان مشدود، مليان أفكار ومشاعر متلخبطة.
يوسف كمل بانفعال مكتوم: من أول مرة شفتها حسيت إن قلبي خرج من مكانه. مش لهفة، مش إعجاب وخلاص… إحساس أمان. كأن روحي عرفتها قبل ما عيني تشوفها.
إيده كانت بترتعش وهو بيكمل: طريقتها في الكلام شدّتني، هدوءها، أسلوبها… كنت فاكرها زي حسام. قلت أكيد شبهه، أكيد من نفس القساوة.
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها وجع: سألت عليها. وسألت كويس. ناس مالهاش مصلحة تقول كلام. عرفت إنها قريبة من ربنا قوي، نضيفة، بريئة، قلبها أبيض. شخصية ملهاش أي علاقة بأخوها.
رفع عينه لمريم، صوته واطي ومكسور: وأنا بقول لك الكلام ده حاسس إني قليل الذوق، وحاسس إني أناني… بس صدقيني، ما قدرتش أخبي أكتر من كده. أنا فعلاً بحب مروة.
مريم سكتت ثواني. ثواني طويلة. وشها كان جامد… وفجأة ضحكت. ضحكة صافية، طالعة من القلب.
يوسف اتخض، يوسف بارتباك: إيه؟ إنتِ… بتضحكي؟
مريم ضحكت أكتر، وعينيها دمعت: إنت فاكرني هأعمل إيه يعني؟ أعيط؟ أزعق؟ أقول لك لأ؟
قربت منه فجأة، وحضنته بقوة: ألف مبروك يا عيوني. ألف مبروك يا يوسف.
يوسف اتجمد مكانه: إنتِ… إنتِ بجد مش زعلانة؟
مريم بعدت شوية، وبصت له بعينين مليانين حب وصدق: زعلانة ليه؟ عشان حسام؟ حسام صفحة واتقفلت. اللي أذاني هو حسام… مش مروة.
مسحت دمعتها بإيدها، وكملت بابتسامة هادية: وبصراحة؟ مروة فعلًا شخصية كويسة قوي. تتحب، وتتعاشر، وتتطمن. قلبها نضيف.
يوسف كان باصص لها ومش مصدق.
مريم كملت: إنت أخويا. وأغلى حاجة في حياتي. وأكتر حاجة تفرحني إنك تحب بجد. وأخيرًا يا يوسف… قلبك دق.
حضنته تاني: أنا فرحانة لك قوي. فرحانة من قلبي. إنتوا الاتنين تستاهلوا بعض. إنتوا الاتنين نضاف… وشبه بعض.
صوتها كان دافي وحقيقي: ألف مبروك يا حبيبي. ربنا يتمملك على خير، ويعوضك خير، ويعوضها بيك.
يوسف عينه دمعت، يوسف بصوت مكسور: أنا كنت خايف… خايف أوجعك.
مريم ابتسمت بهدوء: لا. إنت عمرك ما وجعتني. إنت دايمًا كنت سبب نجاتي.
---
يوسف ما نامش. قعد طول الليل قاعد في الضلمة، الموبايل في إيده، يفتحه ويقفله، يقوم ويمشي، يرجع يقعد. كل مرة يقرر يكلم حسام، يفتكر وش مريم وهي بتضحك وتقول له ألف مبروك، ويحس إن الضحكة دي ممكن تنكسر لو خد خطوة غلط.
مريم كانت حاسة بيه. دايمًا كانت بتحس. بصت له وهو واقف عند الشباك وسألته بهدوء: إنت مش على بعضك… فيك حاجة.
يوسف حاول يبتسم، ابتسامة ناقصة: لا… بس لازم أعمل حاجة.
مريم بهدوء: حاجة ليها علاقة بحسام؟
يوسف هز راسه: لازم أكلمه من الباب. مش هينفع أبني فرحتيعلى خوفك.
مريم سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت واطي: إنت عمرك ما كنت سبب وجعي. اعمل اللي يريح قلبك.
وكملت بصوت واطي: وبعدين إنت مش مسؤول عني يا يوسف.
يوسف قرب خطوة: إنت أختي. ودي أكبر مسؤولية في حياتي.
عدا يومين ويوسف كلم حسام واتفقوا على المعاد.
يوم ما دخلوا البيت. يوسف، ومريم، وأبوهم.
سكوت أطول من اللازم، ونظرات بتتشال وبتترمي من غير كلام.
يوسف عدّل قعدته، واتكلم بثبات: يشرفني إني أطلب إيد أختك الآنسة مروة على سنة الله ورسوله.
مروة كانت واقفة بعيد، قلبها بيدق بسرعة لانها هي كمان معجبة بيوسف.
حسام ابتسم ابتسامة باهتة، مد إيده على دراع الكرسي، وقال: وأنا طبعًا يشرفني إن حد زيك يا يوسف، أخلاقك واحترامك، يبقى جوز أختي.
يوسف ارتاح شوية… بس الارتياح ده ما طولش.
حسام كمل، وهو عينه مش بتفارق مريم: بس عندي شرط واحد.
يوسف شدّ حواجبه: خير؟
حسام قالها بهدوء مستفز: يوم كتب كتابك على مروة… هو يوم رجوع مريم لبيتها.
الهوا اتسحب من المكان. مريم اتجمدت. القلب وقع منها.
يوسف قام واقف فجأة: أفندم؟ ممكن تعيد اللي قلته ده تاني؟
حسام بهدوء مستفز: سمعتني كويس، الجوازة دي علشان تتم، مريم لازم ترجعلي؟
حسام وهو مكمّل استفزازه: ردك إيه؟
مريم كانت واقفة بين نارين. فرحة أخوها… ولا نجاتها هي؟ حاسة إن أي اختيار هتعمله، هيطلع من قلبها حتة. مريم كانت واقفة تايهة. فرحة أخوها في كفة، وروحها في كفة.
قبل ما يوسف يتكلم، مروة تقدمت خطوة، وصوتها طلع مكسور وغضبان: إنت إزاي لسه عندك البجاحة والجبروت ده كله يا حسام؟
الكل بص لها. حسام اتفاجئ.
مروة مكملة: هي مش صفقة خُد وهات. دي بني آدمة. وأنا أختك مش سلعة علشان تتباع بشرط.
قربت خطوة، وعينيها نار: إنت المفروض تفكر في سعادتي أنا، مش في سعادتك إنت. عايز ترجع مريم ليه؟ مش كفاية اللي عملته فيها؟
صوتها علي شوية: مش كفاية إني كنت شايفة اللي بتعمله وساكتة؟ مش كفاية إني مش قادرة أنام من تأنيب الضمير؟ عايزها ليه؟ علشان عارف إن مفيش واحدة هترضى بيك دلوقتي؟
حسام انفجر: وإنا ناقصني إيه يعني؟ رجلي؟ أنا هعمل عملية، وهركب رجل صناعية، وهبقى أحسن من الأول! قرب منها بغضب: وبعدين إنتِ بتعيري أخوكي يا مروة؟
مروة هزّت راسها بهدوء موجع: لا… مش علشان رجلك. إنت ناقصك أهم حاجة يا حسام. المبادئ. الاحترام. الأخلاق.
الكلام نزل تقيل. مريم دموعها اتحجرت في عينيها.
مروة كملت، وصوتها مكسور بس ثابت: على فكرة… لو كنت بموت في يوسف، وإنت قلت لي لأ، كنت هحترم رأيك وقرارك. علشان إنت أخويا.
رفعت صوتها: بس اللي إنت بتعمله ده علشان مصلحتك إنت وبس. عمرك ما فكرت في مصلحتنا، ولا إحنا عايزين إيه.
بصت له بنظرة وجع: ولا حتى ياسمين. فكرت فيها؟ انت فكرت في شكلك قدام الناس بس؟
حسام صوته وِطي، مهزوز: ياااااه إنتِ شايفاني وحش قوي كده؟ شايفاني شخص سيّئ للدرجة دي؟
مروة دمعت، بس ما رجعتش خطوة: حتى لو إنت سيّئ… إنت بالنسبالي كنت أحسن شخص في الدنيا. بس الفترة اللي فاتت… النظرة دي بتتغير.
سكتت لحظة، وبعدين قالت اللي كسر فيه حاجة: وخايفة… تروح خالص. وأشوفك أسوأ حد في الدنيا.
السكوت خيّم. حسام حسّ لأول مرة إنه فعلاً لوحده. السكوت نزل تقيل. مريم كانت بتترعش. يوسف لف وبص لها. شاف في عينيها خوف قديم… مش منه، من القرار. وساعتها عرف إن أي كلمة جايةهتغير كل حاجة.
السكوت فضل مسيطر ثواني طويلة. ثواني كانت كفاية تهد جبل. حسام كان واقف، عينه باصة في الأرض، إيده بتترعش لأول مرة. مش غضب… ولا استفزاز… دي كانت كسرة.
رفع راسه ببطء، بص لمروة الأول.
حسام بصوت واطي: إنتِ… عندك حق.
الكل اتصدم. حتى هو نفسه كأنه مش مصدق الكلمة وهي طالعة.
في كل كلمة قولتيها… أنا غلطان. بلع ريقه، وبص لمريم. المرة دي ما كانش في تحدي، كان في وجع: أنا أذيتك. أذيتك قوي يا مريم. مش بس بإيدي… لا، أذيتك بكلامي، بتملكي، بجبروتي.
صوته اتكسر: كنت فاكر إن القوة ضرب، وإن الرجولة سيطرة. طلعت جاهل… وغبي.
مريم كانت سامعة، بس مش قادرة تبص له. أنا ما طلبتش رجوعك علشان بحبك، ولا علشان أستاهلك. طلبته علشان كنت بحاول أهرب من نفسي.
سكت لحظة، وبص لأبوهم: سامحوني كلكم. أنا خذلتكم.
وبص ليوسف: وإنت… راجل. واقف جنب أختكوما بعتش وجعها.
يوسف ما ردش، حسام لف لمروة تاني، صوته بقى أوضح: إنتِ مش سلعة. ولا ورقة ضغط. ولا حاجة تتباع علشان أصلح بيها صورتي.
قرب منها خطوة، وبص في عينيها: لو إنتِ شايفة سعادتك مع يوسف… أنا آخر واحد يوقف في طريقك.
مروة دموعها نزلت، بس حاولت تفضل ثابتة: الكلمة دي اتأخرت قوي يا حسام… بس لسه ليها قيمة.
حسام مد إيده، شدها لحضنه فجأة. حضن أخ، مش تملك، مش سيطرة.
حسام بصوت مكسور: ألف مبروك يا أختي. من قلبي.
مروة عيطت، مش عياط راحة.
يوسف خد نفس عميق، وقرب خطوة: أنا عمري ما كنت هبني حياتيعلى كسر حد. خصوصًا مريم.
بص لأخته: إنتي اللي وقفتيني على رجلي، من غير ما تحسي.
مريم ابتسمت، ابتسامة صغيرة بس حقيقية: إنت تستاهل تكون سعيد، يا يوسف.
يوسف لف لمروة، نبرة صوته اتهزت شوية: لو لسه رأيك ثابت… أنا أتمنىإنك تكوني شريكتي.
مروة بصت له، وعينيها مليانة طمأنينة: أنا عمري ما حسيت بالأمانغير وأنا واقفة جنبك.
مريم كانت واقفة، حاسّة لأول مرةإن في حاجة اتقفلت جواها. باب اتقفل… وباب جديد اتفتح. مش حب بس. عدل. وجبر. وبداية نضيفة.
---
عدّى سبع شهور. سبع شهور كانوا أطول من سنين. مش علشان الوقت… علشان اللي مريم كانت بتواجهه جواها كل يوم. سبع شهور علاج، نوبات خوف، رجفة إيد، صحوة مفزوعة، ذكريات بتهجم من غير استئذان، وساعات كانت بتيجي الجلسة ومش قادرة ترفع عينها في عين حد.
بس النهارده… كانت قاعدة قدّام يحيى بهدوء مختلف. مش هدوء ناس مطمّنة قوي. لا. هدوء ناس عدّت من النار وطلعت.
يحيى بص في الورق اللي قدامه، وبعدين سابه على المكتب، وسند ضهره، وبصلها بابتسامة صافية: عارفة يا مريم… إحنا النهارده مش بس آخر جلسة.
سكت لحظة، وكمل: النهارده بيكمل حداشر شهرمن أول يوم دخلتي فيه هنا.
مريم رفعت عينها، اتلخبطت شوية.
ويحيى كمل: حداشر شهرمن بنت كانت بترتعش من صوت نفسها… لبنت قاعدة قدّامي دلوقتيبتتنفس من غير ما تعتذر.
ابتسم: أنا فخور بيكي. وفخور مش كلمة سهلة.
قرب شوية وهو بيتكلم بهدوء: مافيش حد عاش اللي إنتِ عشتيهواتغلب عليه في الزمن دهغير ناس قليلة قوي. ناس قررت تواجه، مش تهرب. وتفهم، مش تنكر.
مريم دموعها لمعت، بس ما نزلتش: إنتِ قوية يا مريم. مش القوة اللي بتكسر، ولا اللي بتعلّي صوتها. قوة اللي تقعوتقوموتتعلم.
سكت ثانية، وبعدين صوته بقى أعمق: بس قبل ما تمشي… عايزك تطلعي من هناوأنتِ شايلة نصيحة واحدة بس. بس تكون ثابتة جواكي.
مريم هزّت راسها، مستعدة تسمع.
اللي حصل لكمش وصمة. ومش تعريف ليكي. قرب بإيديه فوق المكتب: غلطك ما كانش إنك وحشة. غلطك إنك وثقتي في غير محلها، وسيبتي نفسك من غير حماية. بس بصيلي كويس… رفع صباعه: الغلط ما يبقاش نهايةغير لما نصرّ نكرره. وأنتِ ما كررتيش. إنتِ وقفتي… وسألتي نفسكوتوبتيواتعلمتي.
تنفس بعمق: إوعي تعيشي باقي عمركبتجلدي نفسك على حاجةإنتِ أصلًا دفعتِ تمنها أضعاف. إوعي تخلي الوجعيسرق منك حقك في الفرح.
صوته بقى دافي: عيشي حياتك يا مريم. اشتغلي، احلمي، غلطي تاني… بس غلطة وراها وعي، مش غفلة.
خد نفس طويل: اختاري نفسك كل مرة. وما تسلميش روحك لحدغير لما تشوفي أفعالهقبل كلامه.
ابتسم ابتسامة خفيفة: والأهم… لو رجع الخوف يخبّطوده طبيعي يحصل، ما تجريش. اقفي، قولي: أنا عدّيت الأسوأ… وما زلت واقفة.
سكت، وبعدين قال بهدوء حاسم: إنتِ مش محتاجة علاج تاني دلوقتي. إنتِ محتاجة حياة.
وقف: اطلعي عيشيها.
مريم قامت مريم بصوت واطي: شكرًا… مش بس على العلاج. على إني صدّقت نفسي تاني.
يحيى ابتسم: دي شطارتك إنتِ. أنا بس كنت شاهد.
مريم كانت لسه واقفة عند الباب. إيديها على شنطتها، وعينيها في الأرض، مستعدة تمشي.
يحيى ناداها بهدوء: مريم… استني ثانية.
وقفت. قلبها دق دقة مش مفهومة. لفّت وشها له.
يحيى اتردد لحظة. واضح عليه إنه بيختار كلامه كلمة كلمة: أنا… كنت مستني اللحظة دي من زمان.
مريم اتشدّت. حست إن في حاجة تقيلة جاية.
يحيى كمل بهدوء: مش كدكتور. ولا كمُعالج. ولا حتى كحد كان مسؤول عنك في فترة صعبة.
قرب خطوة، بس فضل محافظ على مسافة محترمة. كنت مستني اللحظة اللي أقدر أقولك فيهاإني… معجب بيكي.
الكلمة نزلت عليها زي الميه الساقعة. مريم سكتت. مش عارفة تقول إيه. ولا حتى تحس بإيه.
يحيى كمل بسرعة قبل ما تقاطعه: وقبل أي كلمة… قبل أي رد… عايز أوضح حاجة مهمة قوي.
رفع إيده كأنه بيهدّي الجو. اللي بقوله دهمش تقليل منك، ولا من اللي مريتي بيه. وحاشا لله يكون استغلالأو شفقةأو لعب بمشاعر حد.
صوته كان صريح، ثابت. ولا علشان إنتِ مريضة. ولا علشان ضعيفة. ولا علشان محتاجة حد.
بص لها مباشرة: أنا عارف كل حاجة عنك. وعارف وجعك، وغلطك، وانكسارك، وقوتك.
وسكت لحظة، وبعدين قال بهدوء: وفضلت معجب بيكي برضه.
مريم بلعت ريقها. لسانها تقيل.
أنا جاي آخد رأيك المبدئي بس. مش أكتر. قرب خطوة، وصوته واطي: وفكري كويس. على مهلك. من غير ضغط. من غير إحساس بالذنب.
ابتسم ابتسامة خفيفة: وأيًا كان قرارك… صدقينيأنا أول واحد هدعمك فيه.
سكت. ساب لها المساحة. مريم فضلت واقفة. ساكتة. ولا كلمة. مش علشان مش عايزة تتكلم… علشان دماغها وقف. إزاي؟ إزاي بعد كل اللي عرفه عنها؟ بعد كل اللي شافه؟ بعد كل كسورها؟
خرجت من العيادة وهي تايهة. مش حاسة برجليها. مش فاهمة هي إزاي سكتت. ولا ليه قلبها كان بيدق بالشكل ده.
أول لما وصلت البيت دخلت اوضتها وقعدت.
دخل يوسف عليها وهي قاعدة، سرحانة، بتبص في ولا حاجة.
يوسف بضحكة: إيه يا ست… مين واخد عقلك كده؟
مريم فاقت فجأة.
مريم بتوهان: ها؟ لا… مفيش.
يوسف قرب، بقى جاد: لا في. قولي.
سكتت ثانيتين… وبعدين قررت. حكت له كل حاجة. كلمة كلمة. من غير ما تشيل ولا تزود.
يوسف سمع لآخر نفس. ولما خلصت، قال بهدوء: أولًا… يحيى كلمنيقبل ما يكلمك.
مريم رفعت عينيها.
وثانيًا… ده شخص محترم جدًا جدًا جدًا. وأنا عمري ما شفت حد ملتزم بحدودهزيه.
سكت لحظة، وكمل: ومن رأيي؟ أنا شايف توافقي.
مريم اتفاجئت. بس… أهم حاجةراحتك. ابتسم لها: صلي استخارة. وفكري. وقولي رأيك.
قام. عن إذنك. خرج. وسابها تايهة أكتر.
قامت. اتوضّت. صلّت. ودعت.
وعدّى أسبوع. يحيى كل يوم يكلم يوسف. يسأل. يوسف يرد بأدب… بس ما يضغطش. لحد ما في يوم قال: كفاية.
دخل عليها: ها يا مريومة… رأيك إيه؟ الراجل كل يوم يكلمني.
مريم بصوت مهزوز: أنا صليت كتير. ومرتاحة… بس خايفة.
يوسف: خايفة من إيه؟
سكتت لحظة: من التجربة. من الوجع تاني.
يوسف قرب منها: بس يحيى غير حسام. وإنتِ عارفة كده كويس.
مريم نزلت عينيها.
يوسف: عندك حق.
يوسف ابتسم: يبقى على بركة الله. ألف مبروك يا حبيبة أخوكي. حضنها. ومن رأيي… إنتِ اللي تبلغيه بنفسك.
مريم اتلخبطت: لا… مش هينفع.
يوسف: بطلي هبل. قومي.
لبست. راحت العيادة.
قربت من الباب. كانت هتخبط. لكن… وقفت. سمعت صوته.
يحيى من جوه، بضحكة خفيفة: اتجوز مين يا عم؟ هي فهمت الموضوع غلط.
مريم اتجمدت.
أنا كل اللي عملته ده، علشان العلاج بتاعها. وعشان تتصدموتخف.
ضحكة تانية. وأنا مستحيل أفكر في الجواز أصلاً.
الدنيا لفت. قلبها وقع. إيديها رعشت. ودمعة نزلت غصب عنها.