تحميل رواية «ثأر بلا رحمه» PDF
بقلم عبير فاروق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد منتصف الليل بساعة، أصوات البرق وضوء الرعد تنشر الخوف في القلوب. وهبوب الرياح والمطر تزداد وتعلو، تتخللها دقات قلوبهم الفازعة الهاوية إلى مكان مجهول الهوية. يجري هارباً ممسكاً بيد زوجته، يحملان طفليهما، وفي أحشائها طفلان آخران. لا تعلم أين يتجهون، ولكن كل ما تعلمه أنها إذا تباطأت فقدت زوجها. تحمل طفلتها وتجري بلا هوادة، غير عابئة بآلامها. هي في الوقت الحالي لا تشعر بآلام الجسد ولا حملها، هي تشعر بالخوف من ثأر غادر يدق أجراس الخطر بابهم. تتذكر قبل هذا الوقت بساعة سمعت طرق على باب منزلهم. **Fla...
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الأول 1 - بقلم عبير فاروق
بعد منتصف الليل بساعة، أصوات البرق وضوء الرعد تنشر الخوف في القلوب. وهبوب الرياح والمطر تزداد وتعلو، تتخللها دقات قلوبهم الفازعة الهاوية إلى مكان مجهول الهوية. يجري هارباً ممسكاً بيد زوجته، يحملان طفليهما، وفي أحشائها طفلان آخران. لا تعلم أين يتجهون، ولكن كل ما تعلمه أنها إذا تباطأت فقدت زوجها. تحمل طفلتها وتجري بلا هوادة، غير عابئة بآلامها. هي في الوقت الحالي لا تشعر بآلام الجسد ولا حملها، هي تشعر بالخوف من ثأر غادر يدق أجراس الخطر بابهم.
تتذكر قبل هذا الوقت بساعة سمعت طرق على باب منزلهم.
**Flash Back..!!**
أمل بتعب: حمدي قوم، الباب بيخبط... حمدي قوم افتح.
حمدي بعيون ناعسة: نامي يا أمل، باب إيه اللي هيخبط علينا دلوقتي.
أمل: قوووم شوف مين.
حمدي: نامي بأه انتِ كل ليلة عايزة تصحيني وخلاص.
أمل: لااا والله الباب بيخبط بجد، مش أنا حتى اسمع كده.
حمدي فتح عيونه وانتبه على خبط الباب العنيف، قام مفزوع.
حمدي: استر يارب.
فتح الباب بسرعة وأمل تختبئ وراء باب الغرفة.
حمدي: عبدالله إيه، فيه إيه بتخبط ليه؟ حصل حاجة؟
عبدالله: حصل... حصل، يالله لم اللي تقدر عليه وهات مراتك وبناتك وتعالى بسرعة.
حمدي: إيه، ليه إيه اللي حصل؟
عبدالله بأنفاس متقطعة: عمك قتل ابن عيلة سلطان والكبير حالف مايدفن ابنه إلا لما ياخد بتاره. بالله عليك بسرعة مفيش وقت.
حمدي: طب وأبوي هسيبه لمين والأرض؟
عبدالله: سيب أبوك، أنا هاخد بالي منه ومن الأرض دي لو سابوها. بس انفد بجلدك أنت ومراتك أحسن، حالفين مايخلوا لا راجل ولا مرة في عيلتكم. اخلص.
حمدي: طب وعمي فين دلوقتي؟
عبدالله: ااا... الله يرحمه، ملحقش يهرب. بعد ما شافه مع مراته في سريره، قتلها وقتله. واللي شفوه قالوا لسلطان الكبير، وقبل ما يدخل المركز قتلوه. وهم دلوقتي بيدوروا على ولاد عمك ويدوروا على شباب العيلة كلها، والدور جاي عليك. اخلص بأه وفوق.
حمدي وقف في وسط المنزل ذهاباً وإياباً، عقله توقف عن التفكير وهو يردد: هروح فين ومراتي بطنها قدامها وعلى وش ولادة وبناتي الصغيرين؟ أنا هسيبهم هنا مع أبوي.
عبدالله: لاااء أوعى، بقولك حالفين... حالفييين مايخلوا كبير ولا صغير، ولااا راجل ولا مرة. اخلص. أبوك راجل ضرير (أعمى) محدش هيقربله.
أسرع يأخذ زوجته الحامل وبناته التوأمين اللتين لم يتجاوز عمرهما الثمان سنوات، ومبلغ من المال. وأخذت أمل الذهب وملابس أطفالها وأي شيء غالي الثمن. وتركوا منزلهم يواجهون مجهولهم إلى حيث تأخذهم أرجلهم.
**عودة إلى الوقت الحالي...!!!**
قصر كبير يطلق عليه أهالي القرية ثراية سلطان الكبير. رجل كبير ليس في العمر فقط، ولكن كبير في كل شيء، في الهيئة والهيبة والسلطة والقرارات. عندما يقف يتوقف الزمن وتقف معه الأنفاس.
يخرج من غرفة المكتب بعصاه المدببة من أسفلها الغليظة، من أعلاها هي كفيلة بضربة واحدة أن تقتل أي رجل ينال منها العقاب، وياويله من ينال منها العقاب. ينظر إلى رجاله نظرة ذات معنى. صمت، ثبات. عدد من الرجال يقفون في صفين وهو يسير في منتصفهم، أنظارهم مسلطة على أرجلهم ولا أحد يجرؤ على النظر إليه.
قال بصوت يشع منه رائحة الموت: مرعي.
تقدم مرعي مهرولاً: أفندم جنابك.
سلطان: جبت جثة سيدك مجدي.
مرعي: حصل جنابك، وهو دلوقتي بيغسله شيخ المسجد والرجالة...
مرعي وهو يتردد في الحديث، ينهره سلطان محدثاً إياه: انـ ط ق.
مرعي: الظابط الجديد اللي في المركز واقف بره، مصمم ياخد جثة سي مجدي و... و... وياخد أقوالك... ويشوف هتتهم مين.
سلطان بصوت يرعب: قل له معندناش جثث، ولا حد اتقتل، ولا فيه أقوال. وخليه يسكت بمعرفتك، أو تدفنه جمب سيدك.
مرعي: أوامر جنابك.
***
وأثناء حديثه وصل إلى مسامعه صوت عويل وبكاء النساء. صعد بخطوات سريعة، فتح باب الغرفة التي تقطن بها مجموعة من النساء.
قال بصوته الجهوري: اسكتي يا مرة منك ليها، مسمعش صوت واحدة فيكم... واللي تخالف أمري هدفنها وياه في القبر. قبر يلمك.
تكلمت امرأة كبيرة في العمر: ولدي... ولدي، ما عايزنيش أحزن على ولدي.
سلطان: لاااه، احزني عليه العمر كله، خدي عزاه كمان، بس دلوقت لااااه. إلا ما أخد بتاره، أنت فاهمة.
نظر بجانبها، رأى امرأة صغيرة صامتة تنظر إلى اللا شيء، تحتضن ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر سنة. نظر له بحزن وعلى صغير ابنه الذي تيتم في توه. انحنى إليه، يجذبه إلى أحضانه ويربت على كتفه.
سلطان بحنان: متبكيش يا ولد، فيه راجل بيبكي.
فارس: أبوي يا جدي، مش هشوفه تاني. ستي قالت مات ومراح يجي تاني.
سلطان جفف دموع فارس وهو يتوعد لعائلة الجبالي. الشر والحقد يتطاير من بين عيونه قائلاً:
سلطان يتوعد: ورحمة ولدي اللي دمه مبردش، وبكى ولده، لا تنبت لهم زرع، ولا يدق بابهم فرح، ولا يستر لهم عرض. وهقطع دابرهم كلهم.
وبالفعل في غضون ساعات قليلة تم قتل كل شباب عائلة الجبالي، وجاري البحث عن البقية. وساد الحزن والسواد في جميع بيوت عائلة الجبالي.
دفن القتيل مجدي سلطان الكبير في صمت دون عزاء، حتى يكتمل الانتقام والثأر من آخر فرد منهم. أمر رجاله بالبحث عنه، ولكن دون جدوى. لم... ولن يجدوه. نعم، لقد ذهب ولم يستدل على عنوانه.
؟؟؟
بعد مرور سبعة عشر عام! ! !
***
في قرية من قرى الصعيد، على أطراف البلدة، على طريق الأوتوستراد الرئيسي، يوجد كافتريا وبنزينة ومجموعة محلات. يعمل في سوبر ماركت، كاشير يضع البضائع في أكياس ويحاسب الزبائن.
الرجل: يا أستاذ... أستااااذ... أنت يا أخينا...
: آسف... ١٦٠ جنيه يا أستاذ.
دفع المبلغ، ثم سأله مرة أخرى.
الرجل: لو سمحت، هو الطريق لــ سوهاج من هنا ياخد وقت قد إيه؟
: بتنهيدة حارة واشتياق، حوالي ٣ أو ٤ ساعات، توصل بالسلامة.
الرجل: شكراً، ربنا يجزيك خير.
ذهب مع اندهاشه، فهذا الرجل الذي سأله ورد عليه بحنين وحزن غريب.
***
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الثاني 2 - بقلم عبير فاروق
الرجل: يا أستاذ....... أستاااااذ....... أنت يا أخينا .
حمدي: آسف... ١٦٠ جنيه يا أستاذ ..
دفع المبلغ ثم سأله مرة أخرى:
الرجل: لو سمحت هو الطريق لسوهاج من هنا ياخد وقت قد إيه؟
حمدي بتنهيدة حارة واشتياق: حوالي ٣ أو ٤ ساعات توصل بالسلامة.
الرجل: شكراً ربنا يجزيك خير.
ذهب مع اندهاشه فهذا الرجل الذي سأله رد عليه بحنين واضح وحزن غريب!!!!!
أغلق حمدي درج النقود وشرد بعض دقائق إلى ما كان عليه حين هرب هو وزوجته وبناته.
حمدي: يالله يا أمل الفجر قرب والناس هتطلع من بيوتها على الغيطان وهيشوفونا.
أمل: اااهه ياحمدي أنا بجري على أخر جهدي والله.
حمدي: طيب معلش يا حبيبتي أنا عارف إنه ملكيش ذنب في اللي إحنا فيه ده... منه لله اللي كان السبب.
أمل خلاص وصل بيها الألم ومش قادرة تستحمل. وقفت مرة واحدة ومش قادرة تاخد نفسها.
حمدي: إيه وقفت ليه يا أمل؟
أمل بأنفاس منقطعة: خلاص يا حمدي مش قادرة أنا حاسة إني هولد.
وفي ثواني حست أمل أن المية اللي حوالين الجنين بتخرج منها وبغزارة. تركت طفلتها التي تحملها ووضعت كلتا يديها على فمها كاتمة صوتها وسقطت على الأرض تمسك بطنها وتعتصر ألماً.
نزل حمدي إلى مستواها لا يعلم ماذا يفعل. فنظر إلى بناته وقال لهم:
حمدي: شمس قمر بصو يا حبايبى ماما تعبانة هشيلها شوية وأنتم تمسكوا إيد بعض وتجروا جنبي ماشي يا حبايبي واللي هتبقى الأول وما تسبش إيد أختها هخليها تشيل النونو الجديد ماشي يا حبايبي اتفقنا؟
قمر وشمس بصوت طفولي: اتفقنا يا بابا.
حمل حمدي أمل بيدين ترتعشان وروح ترتجف. وأخذ يجري ومعه ابنتاه حتى وصلا إلى الطريق العام فوجدا سيارة كبيرة لتحميل الأخشاب. أشار إلى السائق حتى وقف. نظر لهم السائق يتفحص أمرهم ووجد طفلتان تلتقطان أنفاسهما بصعوبة ورجل يحمل امرأة حامل تتأوه بألم.
حمدي: بالله عليك يا اسطى وصلنا لأقرب مستشفى. مراتي بتولد.
السائق أشفق عليهم وقرر أن ينقلهم إلى أقرب مستشفى.
السائق: اركبوا يالله بسرعة.
حمدي: كتر خيرك يا اسطى.
وركب حمدي وعائلته وذهب بيهم السائق لأقرب مستشفى. حمل حمدي زوجته ودخل إلى المستشفى والسائق يمسك بناته وهم يبكون على ألم أمهم وأنينها. أسرعت الممرضات وأخذوها إلى حجرة الولادة. وبعد ساعات خرجت الطبيبة تجفف وجهها من كثرة التعب. هرول إليها حمدي يسألها عن زوجته.
حمدي: خير يا دكتورة مراتي عاملة إيه واللي في بطنها؟ طمنيني الله يخليك.
الدكتورة: الحمد لله بخير هي حياتها كانت خطيرة عشان المية اللي حوالين الجنين كانت خلصت والمشيمة اترفعت لفوق بس قدرنا نلحقها وربنا سترها معاها. ساعة وتفوق والمولود في الحضانة أنت عارف هي في الشهر السابع وحجمه صغير بس متخافش هما يومين وهيكون بخير حمد لله على سلامتهم عن إذنك.
تنهد بارتياح ونظر إلى ابنتيه الجالستين على كراسي الاستراحة وبجانبهم السائق. توجه إليه حمدي قائلاً:
حمدي: مش عارف أشكرك إزاي يا اسطى والله من غيرك كانت مراتي واللي في بطنها راحوا مني.
السائق: متقولش كده يا ابني ربك بيسبب الأسباب هو اللي بعتني في الوقت ده علشان إلحقكم.
حمدي: شكراً لحد كده تعبتك معانا اتفضل.
ويخرج من محفظته رزمة من النقود ويعطيها للسائق.
السائق: إيه ده يا ابني أنت بتشتمني الله يسامحك على العموم أنا مش مستني مقابل الخير ما أنا شايله عند ربنا عشان يقعد لي في مراتي وفيا. الواحد ماشي على الطريق ما يعرفش أجله إمتى وأنا مش مستني حاجة منك يا ابني كله عند الله.
حمدي: ربنا يديك الصحة يا عم الحاج كتر خيرك.
السائق: قولي عباس عمك عباس.
حمدي: ربنا يخليك يا عم عباس.
عباس: قلي بقى أنت كنتو رايحين فين ولا كنتو راجعين بيتكم.
حمدي سكت والحزن على ملامح وجهه لا يعلم ماذا يقول. تنهد وقال:
حمدي: والله يا عم عباس إحنا كنا خارجين من بلدنا ومش عارفين هنروح فين.
عباس: ليه يا ابني كفانا الشرح.
حمدي: أنا هحكيلك وأمري لله.
وحكى حمدي كل اللي حصل والعم عباس وليه هرب ومراته وبناته في عز الليل.
عباس: لا حول ولا قوة إلا بالله كل ده بس ده ظلم يا ابني بس الحمد لله إنك سليم إنت ومراتك وبناتك الأول مراتك ولدت إيه؟
حمدي: يا خبر نسيت أسأل الدكتورة بس الحمد لله تمام بخير كل اللي يجيبو ربنا كويس.
عباس: بص يا ابني أنت بمشيئة الله تطمن على مراتك وأنا أوصل حمولة الخشب اللي معايا ما هي بلدك والطقس كده على الحكاية واديك خبر.
حمدي: مش عارف أرد جمايلك دي كلها إزاي يا عم عباس.
عباس: ولا جميل ولا حاجة يلا خد بناتك وروح أطمن على مراتك وعلى عيالك اللي ماتعرفش جنسه إيه هههههه وإن شاء الله خير أنا همشي دلوقتي سلام.
حمدي: في رعاية الله يا عم عباس.
أفاق حمدي من ذكرياته على صوت صديقه.
محمد: ااااااااه حمممممممدي.
حمدي: إيه يا محمد حصل إيه سوارتني.
محمد: أنت اللي رحت فين مش مروح ولا إيه ساعة بنده عليك.
حمدي: لا يا عم نروح هي الساعة كام دلوقتي.
محمد: الشفت بتاعنا خلص بقالي ربع ساعة أنت كنت نايم ولا إيه.
حمدي: لا أبداً سرحت شوية يلا بينا.
ذهبا سويا إلى منازلهم محمد صديق حمدي صديقه ورفيقه الوحيد داخل العمل بحكم الفترة التي قضياها مع بعض.
في مطار القاهرة الدولي يعلن عن وصول رحلته الأخيرة العائدة من الولايات المتحدة الأمريكية.
شاب في ساحة الانتظار يقف بشموخ يرتدي ملابس كاجوال شورت وتيشيرت وكاب يتعالى على الناس من يراه يستنتج من نظراته ماذا يقول ما أكثر هذه الناس هم بشر مثلي أم حشرات كثيرة على الأرض وما هذه الأرض أرض فساد وغباء كل من فيها حشرات قاذورات تسير على الأرض.
انتهى من تافهه على صوت أصدقائه الذين يرتدون ملابس كاجوال مثله وليسوا أصدقاء فقط فهم في الدم والحياة حلوها ومرها أصدقاء الطفولة والمراهقة والشباب.
عز: فارس فارس إيه يا عم رحت فين.
فارس: بس بس إيه يا ظريف أنت وهو طوشتني أنت بتزعق ليه.
ياسين: ما أنت اللي سرحت ومش بترد إيه شفت girl لوحتلك.
فارس: أنت لحقت لسانك يتعوج Oh my God.
عز: ههههههه هههههه فعلا بقت Local أوووي ههههه.
ياسين: أنت عملت أنت وهو ولاد ناس وبعتوني أنا هنا شهر بحاله لوحدي يا جبابرة.
فارس: ههههههه هههههه ما انت عارف إني قررت بالعافية إني أرجع هنا تاني وعز ما رضيش يسيبني لوحدي خليك أنت الجدع يا سينو.
أخذ كل منهم أغراضه وخارج المطار نظر كل منهم إلى الآخر.
عز: هنروح فين!؟
فارس: أنا مش قادر عايز أغطس وأنام.
ياسين: لا أنسى إحنا هنروح المجموعة الأول تشوفوا الشغل اللي أنا عملته وبعدين أنتو حرين.
عز: مفيش حاجة اسمها أنت في إحنا ياعم الأمور.
فارس: خلاص هنروح المجموعة الأول وبعدين على البيت.
عز: لا لا المجموعة الأول وبعدين على الفندق تغطس براحتك ونستريح نغط بالليل.
ثم غمز لـ فارس.
ياسين: غطوا أنتو أنا مليش في الغط بتاعكو ده.
عز: بس يالله أنا أصلا شاكك فيك طول السنين دي في أمريكا اللي ما شفتك ماسك الفرخه حتى.
فارس بضحكة رجولية: تصدق أه. لا وكمان أقنعنا إن إللي بنعمله غلط وبقينا نضرب عرفي بدل ما نعمل الغلط.
ياسين: هو أنت فاكر أن العرفي ده مش غلط.
عز: مالو بقى العرفي على الأقل بتبقى ساعتها مراتك وبعدها سلام ياسين و تقطع أم الورقة.
ياسين بنظرة كلها يأس: على رأي سعد زغلول مفيش فايدة.
توجه الشباب الثلاثة إلى مجموعة الشركات المؤسسة حديثاً مع العلم أن فارس هو رئيس المجموعة.
أمام بوابة الشركة وقفت السيارة نزل منها فارس نظر إليهم بتساؤل:
فارس: إيه مش نازلين.
ياسين: لا اسبقنا أنت وإحنا هنظبط حاجة مع الأمن و وراك على طول.
هز رأسه بمعنى نعم واتجه إلى داخل البوابة ينوي الصعود بالمصعد الكهربائي.
حيث كانت تقف فتاة في غاية الجمال. عيونها لون السماء الصافية تخفيها بنظارة. بشرتها بيضاء شفافة كالقمر. هي بالفعل قمر. ترفع شعرها إلى أعلى على هيئة كعكة. وترتدي بنطلون جينز بعدت ثنيات من أسفل الرجل وكوتش بني وتيشيرت على شكل تويتي وبلورة جينز قصير كان شكلها طفولي ومضحك للغاية.
تقف تنتظر المصعد (الأسانسير) ولا تبالي بمن يقف بجانبها.
نظر هو إلى اللوحة الموضوعة مكتوب عليها (خاص للمدراء).
تحدث إليها بتساؤل.
فارس: يا.... يا أنت بتشتغلي إيه هنا يا؟
فتنظر له نظرة ثاقبة تحرق من يراها وردت عليه باعتراض وتأفف:
الفتاة: نعم وده إيه ده كمان.
فارس بعدم فهم: إيه انــ......أنت اتجننتي!
الفتاة: وانت مال أهلك أنا اشتغل ولا مشتغلش بأتوو حاجة تقرف.
فارس وقد اشتعل غضباً وفقد السيطرة على أعصابه مردداً:
فارس: اييييه أهلي..... أنت متعرفيش أنت بتتكلمي مع مين؟
نظرت له من رأسه إلى رجله وأصدرت صوت:
الفتاة: ياسم..... هكون بكلم مين المحافظ. ماهو باين على منظرك بالشورت اللي لبسه ولا التشيرت. يللي ياض أمشي من هنا إحنا هنا شركة محترمة مش مصيف بلاوي والله.
ولم تعطيه فرصة الرد حتى فتح باب المصعد ودخلت فيه تحت أنظاره المشتعلة.
يقف هو تحت تأثير الصدمة ولا يرتجف له جفن.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الثالث 3 - بقلم عبير فاروق
فارس: يا انت بتشتغلي إيه هنا؟
نظرت له نظرة ثاقبة تحرق من يراها. مسحت هيئته بعيونها من رأسه حتى أخمص قدميه وردت عليه باعتراض وتأفف واضعة يديها على خصرها.
قمر: نعم؟ وده اسمه إيه ده كمان؟
فارس: إيه؟ انت اتجننت؟
قمر: وانت مال أهلك؟ أنا اشتغل ولا مشتغلش؟ بقيتو حاجة تقرف.
فارس فقد السيطرة على أعصابه مردداً: إيه؟ هي حصلت أهلي؟ انت متعرفيش انت بتتكلمي مع مين؟
قمر مقاطعة غضبه: هتكون مين يعني؟ المحافظ؟ ماهو باين على منظرك بالشورت اللي لابسه ولا التشيرت. يللا ياض امشي من هنا، إحنا هنا شركة محترمة مش مصيف. بلاوي والله.
لم تعطه فرصة للرد حتى فتحت باب المصعد ودخلت فيه تحت أنظاره المشتعلة. يقف تحت تأثير الصدمة ويأتي أصدقاؤه من الخلف. وضع عز يده على كتف فارس يسأله.
عز: إيه ده؟ انت لسه هنا؟
ياسين: هو الإسانسير عطلان ولا إيه؟
فارس بوجه أحمر من شدة الغضب قائلاً: هي شركة دي ولا وكالة من غير بواب ولا إيه؟ فين الأمن اللي هنا؟
تجمع موظفو الشركة إثر صوته المرتفع. تلفت حوله لمح رجلاً كبيراً في السن. انتبه له قبل حدوث الشجار. رأى الساعي يرحب بالفتاة بعد أن أومأت له برأسها فاستدعى الساعي على الفور.
فارس: تعالى هنا.
الساعي: افندم يا بيه.
فارس: هي مين البنت اللي اللي شاورت ليك براسها من شوية؟
ارتفع صوت فارس وهز أرجاء الشركة.
الساعي بخوف من غضب فارس: انهي بنت؟ والله ما عملت حاجة.
فارس: البنت اللي كانت واقفة هنا قدام الإسانسير؟ انت شفتها؟
تدخل ياسين وعز في محاولة لتهدئة فارس ولم يستطيعوا.
الساعي بعد تفكير وخوف من فارس: أيوه أيوه يا بيه، أيوه دي جعفر.
فارس بعدم فهم: جعفر مين يا بني آدم؟ بقول لك بنت. بنت انت مبتفهمش.
وهنا تدخل مدير المشروعات محدثاً فارس.
أيمن: مستر فارس، هو يقصد البشمهندسة قمر. إحنا هنا مسمينها جعفر عشان من ساعة ما جيت الشركة وهي مش مدية وش لحد ولا فرصة لحد يكلمها عشان كده كل الموظفين سموها جعفر.
فارس نظر إلى ياسين: تترفد حالا.
أيمن: بس يا فندم دي...
قطع كلماته فارس: ولا كلمة. قلت تترفد يعني تترفد.
ياسين بأمر: أيمن نفذ.
أيمن: مستر ياسين مش هينفع الـ...
قطع كلماته فارس بغضب.
أمسكه فارس تاالبيت قميصه رافعاً إياه: هو إيه اللي ماينفعش؟
تمسك ياسين وعز يدا فارس مفلتين أيمن من قبضته مهدئين فارس.
عز: خلاص يا كينج، كل اللي انت عايزه هايتنفذ.
ياسين: إهدى يا كينج وأنا هاتصرف.
التقط أيمن أنفاسه بصعوبة. نظر إليه ياسين مردداً.
تفضل انت على مكتبك يا أيمن ونفذ أوامر مستر فارس.
أومأ أيمن براسه بمعنى الموافقة وانصرف تحت أنظار موظفي الشركة.
صعد فارس وعز ثم توجها إلى مكتبه وهو في حالة غضب عارم من ما حدث. عز مهدئ له.
عز: خلاص يا فارس، أخدت جزاءها مش مستحقية كل الغضب ده.
فارس: انت مشفتهاش كلمتني ازاي.
دخل ياسين بابتسامته المشرقة مغير الموضوع: إيه يا عم أستهدي بالله كده ومش معقولة أول يوم تدخل برجلك الشمال الشركة تقول تترفد على طول؟ طب كنت استنى لما تسبع عشان تروش الملح في الشركة و ونطرد الشياطين بالمرة.
فارس بغضب: أنت تخرس خالص. سبتك تأسس وتختار موظفين مش سواقة وناس شوراعية. باه دي مهندسة؟ امال لو فراشة كانت كلمتني ازاي؟ أنا اللي غلطان اني سبتلك التفهات دي؟ كان لازم من الأول أباشر كل حاجة بنفسي.
تدخل عز ملفت انتباه فارس بعيداً عن ياسين حتى لا يصاب بقذائف الدمار الشامل لدى فارس. فهو يعلم أنه اذا غضب سيشعل الأرض وما فيها قائلاً.
عز: الا صحيح يا فاروستي، البت صاروخ زي ما سمعت ولا؟
فارس مستفهماً: بت مين وصاروخ إيه؟
عز مكملاً: أصل سمعت وإحنا ماشين واحد من الموظفين بيقول عليها صاروخ. طب ينفع كده يا جدع؟ مش كنت تسبهالي اعاينها الأول.
فارس: دي حتت بت...
صمت يسترجع ملامحها. لم يتذكر شيء سوى بياض بشرتها. ثم راودته سماء عينيها الصافية تخالها خلف نظارتها.
ظهر على وجهه شبح ابتسامة. انتبه عز ناظراً إلى ياسين نظرات ذات مغز. مكملاً حديثه.
عز: يبأه صحيح.
أفاق من شروده على كلمات عز متساائلاً: صحيح إيييييه؟
عز بخبث: الصاروخ المصري اللي أطلقته وعامل عليه حفلة دلوقتي ومستنتش أخوك يقص الشريط معاك. واطي. واطي يا مان.
أمسك فارس بشيء موضوع على المكتب وألقاه على عز. تفاداه عز و ضحك ياسين على أصدقائه. ف عز الوحيد الذي باستطاعته إخراج فارس من الشحنات السالبة إلى الموجبة. فهم بالفعل ينطبق عليهم مقولة. الصاحب الجدع رزق. وهم بالفعل رزق لبعضهم.
في مكتب تاني في الشركة تدخل قمر وعفاريت الدنيا بترقص على كتفها. نظرت لها صديقتها المهندسة بتفحص.
مها بتعجب: مالك يا جعفر؟ في إيه؟
قمر: هي دي شركة ولا قهوة بلدي؟
مها: على حد علمي إنها شركة وعالمية كمان. ههههه.
قمر: اومال إزاي يسمحو للأشكال دي يدخلو كده؟
مها: أنا مش فاهمة حاجة. انت بتتكلمي عن مين؟
قمر: عن واحد بأف واقف عند الإسانسير عمال يسالني رايحة فين وجاية منين وانت مين. عالم ملزقة. تفوووو على دي رجالة.
مها تضع كفاً على كف: كوول الهوليلة دي عشااان واحد سألك؟
قمر: ويسأل لييييه بسلامته؟
مها: اومال لو عاكسك. ودي تبأه معجزة يا عفروتو. هههههه.
قمر: انت هتخرسي انت الثانية ولا طلعهم عليكي؟
مها: لاااااا. وعلى إيه خليهم لك يا... يا جعفر.
ضحكت وهي تخرج مسرعة من أمامها. ولكن هي لن ولم تترك حقها من اي مخلوق على وجه الأرض. هي ليست الضعيفة الرقيقة. هي أقوى من الصخر الذي تتعامل معه وأشد من الزلط واسخن من الرمال وأحدُ من أسياخ الحديد. هي تختار الصلابة وهي واحِدة في التعامل مع البشر. ليست من قوة شخصيتها لا من شدة ضعفها. نعم إنها هي. هي من أتحدث عنها. هي قمر. الفتاة الضعيفة متصنعة القوة. هي تعتقد بصوتها العالي وحِدة كلماتها تتجنب إذاء الناس لها. هذا هو تفكيرها.
دخل أيمن مكتبها ووضع مظروف أمامها على المكتب وقال.
أيمن: اتفضلي يا بشمهندسة.
أمسكت به قمر.
قمر بعدم فهم: أفندم مستر أيمن. إيه ده؟
أيمن بسخرية: قرار فصلك.
صدمت قمر من هذا القرار ثم قالت: ليه؟ إيه اللي حصل؟
أيمن: يعني مش عارفة المصيبة اللي عملتيها؟
قمر بدهشة: ليه بقى ان شاء الله؟ عملت إيه؟
أيمن: انت لسه بتسألي؟ طب إحنا و خدنا خلاص على طولة لسانك وعلى جعفر اللي كل شوية تطلعيه علينا. لكن يوصل بيكي الحال لصاحب المجموعة كلها كده كتير.
شهقت قمر ووضعت يدها على فمها من قبح ما صنعت وقالت: لا. هو اللي كان عند الأسانسير ده صاحب المجموعة؟ ده أنا افتكرته الواد السايس بيتلزق ده. أنا مسحت بكرامته الشركة.
أيمن يضع يديه على بعضهما فوق صدره بحركة درامية: لاهو أنا مقولكيش إن اللي شلفطي هيبته وبعزقتي كرامته ده صاحب الشركة.
قمر: مستر أيمن، أنا بحترمك. لو سمحت متدعداش حدودك.
أيمن: خلاص احمدي ربنا إنه اكتفى برفك ومصعدش الموضوع للنيابة الادارية. يلا كل واحد بياخد نصيبه. اتمنالك النجاح في مكان تاني. سلام.
جلست قمر على مكتبها وهي مشتتة. لملمت أغراضها وخرجت تحت أنظار الجميع المتسائلة و الغاضبة والشامتة. ذهبت إلى منزلها هي وصديقتها من أيام الجامعه. هي تسكن معها يستأجران شقة حجرتين وصالة تتناسب معهما كونهما مغتربتان عن عائلتهم. ف هند مهندسة للاكترونيات تعمل في شركة من شركات الاتصالات. تعرفت عليها وهما في مخيم يضم الطلاب المتفوقين من مختلف الجامعات قبل التخرج بيوم يسمى يوم الطالب المثالي. ومن هنا توطدت علاقتهم وتبادلتا أرقام الهواتف وتخرجت كل منهم و تقدمت الى العمل في أماكن عده حتى وصل بهم المطاف إلى القاهره و قررتا العيش معا.
وصلت قمر إلى منزلها ودخلت فتعجبت هند من وصولها في وقت مبكر. اتجت إليها فرأت ملامحها الحزينة الشاردة. اغمضت عين واحدة و تحدثت إليها.
هند: مالك يا حزينة؟ شكلك مش مريحني.
قمر: .........
هند: مرمر ردي علي وحياة أبوك مالك؟ متخضنيش عليكي.
قمر بتنهيدة: اترفدت من الشغل.
هند لطمت يدها على صدرها مع شهقة لمعرفة مدى أهمية العمل لـ قمر.
هند: ليه؟ انت انت عملتي إيه؟ ده انت ما بقالكش ثلاث شهور.
قمر: أهو اللي حصل. طشت مع صاحب الشركة.
هند بنفاذ صبر: بركاتك انت وصلتي لصاحب الشركة؟ مش مكفيكي الموظفين اللي مرمطاهم. صاحب الشركة يا مفترية.
قمر: وأنا أعمل إيه؟ ما هما اللي رجالة ز***له. كل اما يشوفوا طرف بلوزة يريلو عليها وأنا ما بحبش كده. وهو كمان في حد صاحب أكبر مجموعة شركات يجي الشركة ب شورت وتيشيرت وكاب؟ ليه فاكر نفسه أحمد السقا؟ أوهو أخد اللي من نصيبه.
هند بحزن: هتعملي إيه دلوقتي؟ هترجعي بلدكم؟
قمر: لا طبعاً مش هستسلم. هدور على شغل شغل تاني.
هند بقلة حيلة: طب قومي ياختي امسكيلك طبق اغسليه ولا سرير انفضيه. إحنا مش بتوع شغل يااما.
ضحكت قمر على منظر هند. ف كانت ترتدى ملابسها بالمقلوب وتربط شعرها بى باضي كارينه وفى ارجلها شبشب مطرز بالورد الأحمر. ممسكه بيدها كبشة الطعام من الواضح عليها أنها تعد وجبة الغداء. اشتعلت عيني هند من ضحكات قمر. أعلنت عن غضبها رافعة الكبشة التى تمسكها.
هند: بت انت بتضحكى على إيه؟ مش كفاية إجازة النهاردة من السبوبة اللي حيلتي عشان أعملك طفح.
قمر بطريقة كوميدية ممسكة يدها: إحنا اسفيييين يا ابو صلاح. ههههه.
ضحكت هند حاضنة صديقتها داعية لها الله ان يثبت أقدامها لما يحبه ويرضى.
في مكان آخر في منزل يتسم بالبساطه حيث توجد الفراشات الثلاثة. هم مش فراشات قوي يعني هما زي ما أبوهم يطلق عليهم جنيات. يلا نشوف من هناك.
صوت T.v أغنية سعاد حسني تعالوا تعالوا مع صوت فتاة لا تشبه البشر في شيء. هي بالفعل جنية لا محال تتمايل وتتراقص على أنغام الاوبريت تدندن معه.
عم حزمبل فاعل خير دايما أنا أحب اساعد الغير. طب قولي ياعم حزمبل انا راح اقولك سر خطير. بس السر ده بيني وبينك. قولي يا بنتي السر في بير. عايزة افتح عيني وأغمض الاقي سني بقى 20. علشان إيه؟ علشان أعجب شاب يكون 35. لا مش ممكن. علشان خاطري بس ولو يومين. لا يوم واحد بس بشرط تمشي معايا على طول الخط. اهو هو ده. كله إلا ده. أنا عايزة من ده ياحزومبل. أنا عايزة من ده. اههو ده اللي هيسعدني من كلمة واحدة.
وتجول في أرجاء الغرفة فتاة أخرى لا تختلف عنها بشيء سوي في لون العينين. نسخة منها في كل شيء حتى يصدر صوتها الصارخ.
عااااااااااااااا. باااااااااااااااس.
نورسين: يا بنتي حرام عليكي. سيبني أركز. هو انت مش عندك امتحان ولا أنا بيتهيالي؟
روكان: لا بيتهيألك. ههههه. طب بذمتك هذاكر ليه؟ ولاااا كمان بكرة عندنا تاريخ و حبيب القلب مشربهولك و .................
أسرعت إليها نورسين: اخرسي الله يحرقك. اختك تسمع.
روكان: عيب عليك. ده أنا روكا. ما تخافيش. شمس الشموسة بتحضر الغدا. بتعمل العملية الجراحية للبطاطس. ههههه.
نورسين: ههههه ها ها ها ها. طول عمرك تافهة وعقلك بلح خالص.
روكان: سيبنالك العقل ياساسو.
والقلب للمستر. وفرت من أمامها راكضة خلفها نورسين وهي ممسكة بيدها الشبشب.
نورسين: وديني ما هسيبك. ولا أقولك ابقى قابلني بكرا وانت قاعدة طور الله في برسيمه في الامتحان مش هعبرك.
روكان: لاااااا. كله إلا دي. ساسو حبيبتي توأم روحي. ده إحنا روحين في بزازة واحدة يا قلبي.
نورسين: ابدأ ولا اعرفك.
روكان: طب أفكرك مين اللي بيعمل المصيبة وبيجري ويدبس اللي حوليه فيها.
نورسين: أنت طبعاً.
روكان: يا ختاااااااي. جيت أكحلها عميتها. طب مين اللي سبتلك البلوزة الحمراء؟
نورسين: انت بس. دي بتاعتي اصلاً.
روكان بنفاذ صبر: طب مين اللي بيغطي عليكي وانت بتتكلمي. بصوت مرتفع نسبياً. مع مستر أحمد.
جريت عليها روكان ووضعت يدها على فمها كي تسكته.
نورسين: انت... انت يابت اقفلي بؤك خلااااص. هساعدك فى امتحان بكرا. اسكتي بأه.
روكان بنبرة عالية: ناس مبتجيش إلااااا بــــ.
مستر أحمد. ههههه.
اتجهت روكان إلى باب الغرفة خوفاً من ضربات نورسين. فهي تطلق عليهابعض النكات فى ثقل ضرباتها قائلة.
روكان تخفى وجهها بيدها: والنبى بلاش جمعية المرأة المتوحشة. دا انت مشلفطانى على الآخر.
فتح باب الغرفة عليهم وأطلت فتاة في غاية الجمال بعيون عسلية فاتحة مثل ضوء الشمس. وهي شمس أشرقت إشرقتها المعهودة وطلتها المميزه الضاحكه. توجهت الى اختيها واضعه يديها في خصرها متسائلة.
شمس: مالكو مقطعين بعض ليه؟ مال صوتكم عالي ومسمع الجيران؟ ومين أحمد ده إن شاء الله؟
تفاجأت الأختان بما سمعتا. احمر وجه نورسي وثلجت أطرافها. توترت روكان من سؤال شمس خوفاً من أن تكون سمعت باقي حديثهم.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الرابع 4 - بقلم عبير فاروق
دخلت عليهم فتاة في غاية الجمال بعيون عسلية فاتحة.
مثل ضوء الشمس، وكيف لا وهي شمس أشرقت بابتسامتها المعهودة وطلتها المميزة الضاحكة، توجهت إلى أختيها متسائلة:
"مالكم مقطعين بعض ليه؟"
روكا، وهي تنظر لنورسين بضحكة خبيثة، تحدثت:
"أصلي ساسو مش عارفة سؤال في التاريخ، كنت بقول يعني تتصل بـ مستر أحمد تسأله."
ثم غمزت لها.
نورسين بتوتر:
"لا والله يا شمس، أنا عارفة كل الأسئلة، هي اللي مش بتذاكر!"
شمس:
"طب ومالك، فيه إيه؟ لما تكوني مش فاهمة وفي سؤال عايزة تسألي المستر بتاعك عنه، روكا ما غلطتش."
روكان:
"قولي لها يا مشمش والنبي، لحسن ساسو عاملة لها مشكلة."
وضحكت عليها. نورسين نظرت إليها بتوعد.
شمس:
"طب خلاص يا حبيباتي، شيلوا حاجاتكم دلوقتي وتعالوا حضروا السفرة معايا، بابا زمانه جاي."
بعد عدة دقائق، دخل أبوهم وأغلق الباب وهو ينادي على بناته:
"مشمش... ساسو... روكن... انتو فين يا بنات؟"
روكان:
"والله ما حد مبوظ أونثتي غيرك يا حمودي."
ضحك حمدي على ابنته المدللة، هو يثير غضبها بالفعل.
حمدي:
"الله، وعايزاني أدلعك أقولك إيه؟ الله يرحم أمك، هي اللي صممت تسميكم كده، مش عارف ضاقت بيها الدنيا من الأسماء! ماله جمالات على اسم أمي."
روكان:
"الله يستر، أصلك يا حج جمالات لالا، وأنا اللي كنت زعلانة من ركن! طلع ركن أرحم بكتير."
ضحكوا سوياً وسأل على أخواتها، قالت إنهم يحضرون الغداء، دخل غرفته كي يبدل ملابسه. أغلق الباب، جلس على حافة السرير وتنهد باشتياق، يتذكر زوجته وحبيبته ورفيقة دربه وهروبه.
...!!!
أمل في المستشفى بعد الولادة، وبعد ذهاب السائق، عم عباس يكتشف أخبار القرية وأخبار حمدي.
دخل حمدي على أمل ينظر إليها بكل حب قائلاً:
"حمد الله على السلامة يا نور عيني."
أمل بصوت ضعيف:
"الله يسلمك يا حمدي، هو حصل إيه والبنات فين؟"
وضعت يديها على بطنها بخضة.
"هو أنا ولدت يا حمدي؟"
حمدي:
"بس بس بالراحة، متخافيش، آه يا ستي ولدتي وجبتي بنتين زي القمر كمان. والبنات أهم ناموا يا حبايبي من كتر التعب."
وأشار على كنبة بجوارها.
أمل بطمئنان:
"الحمد لله، كنت خايفة عليك وعليهم أوي، هو إحنا فين دلوقتي؟"
حمدي:
"في المستشفى على الطريق، نقلنا عم عباس هنا."
أمل بتساؤل:
"مين عم عباس؟"
حكالها حمدي ما حدث بعد إغمائها وكيف أوصلهم إلى المستشفى ومساعدته لهم.
أمل:
"الحمد لله، ربنا بعتلنا ولاد الحلال عشان عارف إننا مظلومين."
حمدي:
"خلاص، متفكريش في حاجة دلوقتي، لازم تشدي حيلك عشان نعرف نبعد عن هنا!"
سألها حمدي مغيرًا ما جرى الحديث.
حمدي:
"ها ياستي، هتسميهم إيه؟"
أمل:
"هما حلوين زي أخواتهم ولا شبه مين؟"
حمدي بضحكة مريحة:
"لأ، أحلى من أخواتهم بكتير، و عيونهم ملونة كمان أخضر وأزرق. هههههههه."
أمل:
"أنا كنت حاسة إنهم بنات بس محبتش أقولك عشان متزعلش."
حمدي:
"إيه اللي انت بتقوليه ده، أنا أزعل من رزق ربنا ليا."
أمل:
"طب خلاص، متزعلش مني، أنا كنت مختارة اسمين حلوين بس عايزة منك وعد إنك ما تقولش لأ."
حمدي:
"طب قولي يا ستي."
أمل:
"اوعدني الأول."
حمدي بضحكة:
"طالما عايزاني أوعدك، يبقى عارفة إني مش هوافق عليهم، بس أوعدك، انت أغلى حاجة في حياتي، انت والبنات."
أمل بحب وهي تنظر لعيونه تكلمت بسرعة:
"أنا اخترت نورسين وروكان."
حمدي بصدمة:
"مين دول؟"
أمل بتضحك:
"بناتنا يا حبيبي."
حمدي:
"مستحيل."
أمل بحزن مصطنع:
"انت وعدت ماترجعش في كلامك."
"طب تعالى أفهمك، بص يا سيدي، نورسين معناها ضوء القمر."
"روكان معناها الشمس الضحى. شوفتي بقى هما حلوين إزاي."
حمدي:
"بردو مش فاهم."
أمل بنفاد صبر:
"انت بناتك الكبار اسمهم إيه؟"
حمدي ببلاهة:
"شمس وقمر."
أمل:
"الله، ما انت بتفهم أهو، امال بتتعبني ليه؟ يبقى انت يا حبيبي عندك شمس وقمر ونورسين وروكان، عرفت ليه أنا اخترت الأسماء دي."
ابتسم حمدي وعيونه لمعت ورد عليها:
"عرفت، أنت اخترتي أسماءهم بمعانيها تربطهم ببعض عشان طول عمرهم يفضلوا مربوطين ببعض، وأنا يا حبيبتي موافق، ربنا يخليكي ويخليهم لي."
وطبع قبلة على جبينها.
...عودة للوقت الحالي...
انتبه حمدي على خبط الباب ونداء شمس.
شمس:
"بابا، بابا، الغدا جاهز."
حمدي:
"ادخلي يا شمس."
دخلت وتوجهت إليه واحتضنته بكل حب، وبادلها هو الحضن بحنان، إنه يرى زوجته في حنان ابنته وقلبها الرقيق.
حمدي:
"عاملة لنا إيه النهارده يا دكتورة؟"
شمس مبتسمة:
"مشرحالك صينية بطاطس وممبار، وملوخية، والرز لسه خارج من العمليات، هههههههههههههه."
حمدي بضحك:
"ربنا يستر، طب اطلب لنا واحد إسعاف وصلحه."
جلس حمدي وبناته على السفرة يتناولون الغداء بسعادة.
حمدي:
"مالك يا ساسو ساكتة ليه يا حبيبتي؟"
تحدثت روكا مشاكسة إياها:
"أصلي ساسو حبيبتي خايفة من امتحان بكرة عشان مذاكرتش كويس، وأنا بسم الله ما شاء الله عليا كلت الكتاب أكل يا بابتي، وهي هاتيك رقص من الصبح وتغني أنا عايزة من ده يا حزومبل، آه والله."
شهقت نورسين وشمس عند سماع روكان، وضحك الأب على مراوغة ابنته وتحدث قائلاً:
حمدي:
"آه آه، ما أنا عارف، هي برضه اللي فاكرة نفسها سندريلا."
تعالت ضحكات البنات مع أبوهم، متذكرين أختهم الغائبة ومواقفها معاهم ورد فعلها الأوفر على حد قولهم.
"ما خلاص يا عم، ما كنتش بنت اللي قصت قابلتك دي."
هههههه ههههه ههههه. قالها عز وهو يرتدي ملابسه مع فارس وياسين في غرفة الفندق كما أشار عليهم عز.
فارس:
"آخرس يالا، بدل ما اخلي جبهتك مرمية على الأرض وحزنك عليها."
ضحك ياسين وقال:
"والله بنت جدعة وتستاهل، اومال انت فاكر إيه، كل البنات سهلة زي اللي تعرفوهم؟ ههههه."
عز:
"المهم يا خفة، انت جاي معانا ومفيش اعتراض زي كل مرة."
ياسين:
"ماشي، هاجي أسهر، بس افهموا إن ماليش دعوة باللي انتو هتعملوه."
فارس:
"ليه يا عم الشيخ، مش بنعمل حاجة حرام، ده جواز."
ياسين:
"جواز إيه ده يا عم، روح، أنا تعبت أقول لكم إن ده هو هو القرف اللي كنتوا بتعملوه، بس رشيت عليه شوية فارمسي (شوكولاتة) عشان الطعم بس. يا... يا أبو الفوارس."
عز:
"بس يالا، الأوفر اللي انت فيه ده، محدش طلب رأيك، الأسد واخرس خالص، هتضربلنا اليوم من آخره."
نزل ثلاث شباب إلى الديسكو، ومن بداية دخولهم التفتت الفتيات عليهم يتهامسون وينظرون إليهم بنظرات إعجاب من طلتهم الأنيقة الرجولية.
تقدم الثلاث شبان جالسين على كراسي فردية ونصف طاولة مستديرة عالية، توجت إليهم فتاة تتمايل أمامهم ظناً منها أنها تستطيع إثارة غرائزهم، نظر إليها عز بخبث باين وطلب كل واحدة منهم مشروبه المفضل.
وعلى الجانب الآخر حيث توجد ثلاث فتيات قمرات لابسين قطع معينة (هما مش لابسين أوي يعني) بدأ تبادل النظرات بين الشباب والبنات، غمز عز لإحداهن.
تقدمت فتاة من فارس ووضعت يدها أمام وجهه كنوع من السلام.
الفتاة قائلة:
"هاي، أنا جيسي، وانت؟"
فارس بنصف ابتسامة:
"فارس."
غمز لها.
جيسي بابتسامة ساحرة:
"ترقص؟"
فارس بعد أن هز أكتافه:
"أرقص."
وبعد نجاح جيسي بأنها تشد انتباه فارس، تقدمت اثنتان من نفس الشلة إلى عز وياسين.
(إيه ده، هو السما بتحدف نسوان؟) قالها عز محدثاً ياسين.
تقدمت إليه سولي:
"هاي، قاعدين ليه؟"
عز:
"انت تؤمر يا قمر."
نظر ياسين بغضب إلى الفتاة التي وضعت يدها على كتفه ثم حدثها بخشونة:
"لو سمحتي، ما بحبش كده."
عز:
"مبتحبش إيه، الله يحرقك، تعالي يا قمر، أنا بحب كده وكده، هههههههههه."
تركهم ياسين مع شيطانه وشهواته وارتكاب معصية جديدة، صاعداً إلى غرفته، وبعد ساعات كثيرة من الرقص والشرب والتوهان، صعد كل من عز وفارس مع الفتاتين.
وعلى مدار الأيام كانت تخرج قمر كل يوم للبحث عن عمل في جميع الشركات على أمل أن توفق، لكن كل مرة ينتهي بها الأمر بـ "CV بتاعك وهكلمك".
في الشركة، في غرفة الاجتماعات، كان يجلس مع المهندسين يراجع ملف المشروعات الجديد. تصاعد الغضب إلى قمة رأسه، بصوته الجهوري نطق قائلاً:
"يعني إيه مش عارفين يكملوا المشروع؟ هو لعب عيال ولا انتو لسه طلبة وأنا معرفش؟"
قالها فارس بغضب شديد.
أيمن:
"مستر فارس، المشروع ده أول مشروع ندخل بيه السوق في مصر ولازم يكون على أعلى مستوى."
فارس:
"وإيه اللي منعكم تكملوه؟ ولا نشوف غيركم؟"
أيمن بخوف من عاصفة أتت.
...!!!
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الخامس 5 - بقلم عبير فاروق
فارس: وإيه اللي مانعكم تكملوه؟ ولا نشوف غيركم؟
أيمن: المشروع ده اللي كان ماسكه أكفأ مهندسة في الشركة بشهادة الكل بمقدرتها. هي الوحيدة اللي عرفت إمكانيات الأرض وهي اللي عالجت التصميم بعد مناقشات كتير. الكل أجمع إن مفيش حد جدير بالمشروع ده إلا هي. ولو المشروع مكملش هنخسر كتير في السوق.
فارس يسأل: وهي فين المهندسة دي؟ المفروض تكون حضرت الاجتماع؟
أيمن بتردد: ما... ما... ما...
فارس: أنت لسه هتأ...
أيمن: ما هي... دي حضرتك اللي رفدتها.
فارس بعدم تصديق: نعم؟ هي إيه؟ هي البتاعة دي مهندسة؟ دي كبيرها فراشة تجيبلي القهوة واقرف اشربها منها أصلاً!
أيمن: بس هي دي الحقيقة وأنا ساعتها حاولت أتكلم بس حضرتك منعتني.
فارس: طب وأنت عايزني أعمل إيه دلوقتي لسيادتك؟ اتصرف تقب وتغطس وألاقيها قدامي، فاهم؟
أيمن: أوك مستر فارس.
انصرف أيمن يبحث عن قمر التي لا أحد يعرف عنها شيء.
بعد يومين ورد اتصال إلى حمدي من صديقه الصدوق عبد الله ورد عليه بسرعة.
حمدي: عبد الله، أزيك يا خويا؟ عامل إيه؟ أخبارك وكيف البلد؟
عبد الله: الحمد لله، البلد زي ما هي. نهاية الجهل والفقر كاس على كل الناس. أنت عامل إيه والبنات أزيهم؟
حمدي: الحمد لله في نعمة. شمس في طب وقمر بقت مهندسة قد الدنيا. ونورسين وروكان داخلين الجامعة السنة دي.
عبد الله: بسم الله ما شاء الله، ربنا يبارك لك فيهم. وأنت عامل إيه بعد المرحومة؟
تنهد حمدي بمرارة: هعمل إيه؟ راحت وخدت الحلو كله معاها. مسبتش لقلبي إلا المرار وهم البنات والخوف عليهم. من يوم المرحومة وأنا خايف عليهم. عايز أخبيهم بين ضلوعي ومش عارف أروح بيهم فين ولا فين من غدر الزمن.
عبد الله بتردد: حمدي، اسمعني كويس. أنا وصلني طراطيش كلام إن سلطان الكبير بيعس عليك نواحي البلد اللي أنت فيها. فخلي بالك وجهز نفسك وامشي من عندك بحر يا أخوي. روح بحري شوية. أنت بقالك سنين في قبلي لحد ما يتهد بقى ولا موتة تشيله.
حمدي: حتى لو مات، ابن مجدي عايش ومش هيسيب تاره. وأنا خايف على البنات مش خايف على نفسي.
عبد الله: لسه معاك وقت يا أخويا وتوكل. وأنا لو عرفت أي حاجة هبلغك. سلام عليكم.
أغلق حمدي الاتصال وسيطر عليه الحزن والضيق.
في نفسه: إلى متى؟ إلى متى؟ يرحل؟ ويهرب؟ إلى متى؟ ألا يكفيهم؟ قتل وغدر؟ ألا يكفيهم الثأر مني في زوجتي؟ لم تكن هي التي قُتلت، بل أنا الذي قُتل قلبي دفن معها. إلى متى؟
أفاق من شروده على صوت صديقه محمد ينفخ بضيق: هي عيشة تقرف خلاص، الواحد مش عارف يمشي حياته. كل واحد عايز يحكم فيها بمزاجه.
حمدي بتساؤل: إيه مالك؟ مطلع ظربينك على الصبح ليه؟
محمد: مفيش يا سيدي. أنت عارف أنا بعتبرك أخويا الكبير وأحكيلك يمكن ألقى حل عندك. أنا جايلي سفرية للكويت كنت بجري وراها من سنتين ومراتي دلوقتي الحمد لله حامل بعد خمس سنين عذاب عند الدكاترة. والمفروض أسافر خلال أسبوعين وهي ممنوعة من الحركة وأبوها راسه ألف جزمة إنها متتحركش من عنده لحد ما تولد. وأنا مقدرش أسيبها، هبقى قلقان عليها أوي. ولو تأخرت عن أسبوعين هتروح علي الشغلانة. كلمت الكفيل اللي جايب لي العقد وشرحت ظروفي وقالي لو عايز ما يروحش عليك العقد ابعت حد مكانك المدة دي. ومش عارف مين هيرضى يروح مكاني ووقت ما أقول ينزل ما يطمعش في الشغل. أنا مش عارف أتصرف.
حمدي: طب اهدى كده وروح شوف شغلك ومن هنا لبكرة ربك يحلها.
انصاع محمد إلى كلمات صديقه، توجه إلى مكان عمله تاركاً حمدي في أفكاره المشتتة في كيفية حل مشكلته هو وصديقه معاً في آن واحد.
ثرايا سلطان الكبير.
سلطان: يعني إيه موصلتش ليه؟
نطق بها سلطان بغضب عارم.
مرعي وهو مطأطئ رأسه: معرفش جنابك. عمال يتنقل من مكان لمكان ابن الفرطوس كأنه حيا تنشج الأرض وما يطلعش جنابك.
سلطان بصوت تهتز له الأبدان: لييييه؟ ساحر إياك؟ ولا يكون بيشم على ضهر إيدي؟ أنا اللي مشغل شوية خواريف معرفوش يمسكوا حتة عيل وبناته.
مرعي: عيل إيه جنابك؟ زمناته كبر والبنات بقت عرايس. ده عدى زمن جنابك.
سلطان بحرقة: ولو عدى 100 سنة هفضل وراه لحد ما خد عزا ولاده وأبرد ناري. عيلة الجبالي كلها حريم بس، فاهم؟ مفيش فيهم راجل.
مرعي: مفهوم جنابك. آ... وو...
سلطان: انطق، عايز تقول إيه؟
مرعي: وا... ف... في واحد من رجالتنا نواحي بلد كده صغيرة بيقول لمحو ومن ساعتها وهو بيدور عليها.
سلطان: قوله لو لجاه ميقتلووش. تبعت الرجالة تجيبوا هنا قدام أهل البلد عشان يكون عبرة للي يفكر يهرب من سلطان.
مرعي: أوامر جنابك.
في شركة «F.A.y» للهندسة والتمويل العقاري.
"دخل أيمن مكتب فارس وهو متوتر منذ آخر اجتماع. وهو يبحث عن المهندسة قمر أو جعفر كما يقال عنها ولم يجد لها أثر. فمن واقع عنوانها في البطاقة الشخصية ومع البحث لم يستدل على عنوانها، فهي تتنقل باستمرار ولن تثبت في مكان واحد أكثر من عام. وهكذا. وهي من الشخصيات الكتومة التي لا تثق بأي أحد وليس لها أصدقاء في العمل ولا يعرف أحد شيء عن تفاصيل حياتها.
أيمن: إحم... إحم... مستر فارس.
فارس: امممم... عايز إيه؟
أيمن: آآآ... م. إ... مم...
فارس ترك الملفات ونظر إليه بتفحص.
أيمن وهو يبتلع ريقه: أصل... أصل مش عارف أوصل لجعفر.
فارس بتساؤل: جعفر؟ جعفر مين؟
أيمن: قصدي بشمهندسة قمر. العنوان اللي في CV بتاعها ملقناش حد فيه. بس هي كانت قايلة لزميلتها في المكتب إنها عايشة في شقة مفروشة مع وحدة صاحبتها عشان هي مغتربة. ومعرفش عنوان صاحبتها ولا بلدها.
فارس باستهزاء: المفروض أنا أعمل إيه؟ أضرب الودع ولا أقرأ الفنجان؟
بصوت عالي جذب انتباه عز وياسين من مكاتبهم، فخرج كل منهما مهرولاً إلى مكتب فارس.
فارس: اتصرف تجيب اللي اسمها إيه دي؟
أيمن: جعفر يا فندم.
فارس: اسمها زفت جعفر قمر أي نيلة. أو حد تاني يكمل المشروع. إحنا مش هنوقف مشروع بملايين عشان حتة عيلة متسواش 3 جنيه. غور من وشي.
خرج أيمن مسرعاً قائلاً: أشهد أن لا إله إلا الله. أنا سليم. أنا خرجت.
تدخل عز وياسين مهدئين فارس.
عز: اهدى يا فارس مش كده. الراجل كان هيجيله سكتة بسببك.
فارس: أعملك إيه؟ ما انتوا مشغلين شوية أغبية. تقدر تقولي اشمعنا الزفتة دي اللي تسلمها مشروع كبير زي ده؟
ياسين: أنا أقولك يا سيدي. أول ما خدنا المناقصة كان فيه عقبات كتير. ومهمناش غير بالربح والخسارة. وإن المناقصة إحنا بس اللي نفوز بيها. كانت منافسة شرسة جداً بين الشركات والأقوى هو اللي هيمسك السوق. وأول ما حصلنا عليها، إحنا فرحنا بالمناقصة لكن مخدناش بالنا إن الأرض اللي عليها المشروع فيها مشاكل تمنع البناء عليها. اتوصلت مع المسؤولين مفيش حد اتعاون معانا لأن باختصار إحنا أخدنا المناقصة من بق السبع زي ما بيقولوا. وكل الرد اللي حصلنا عليه هي دي الأرض المتفق عليها ودي كراسة الشروط والتزم بيها. عرضت الموضوع على مجموعة من المهندسين وكلهم أجمعوا ن لازم الأرض تتغير ومستحيل يتم البناء عليها.
ههههههههه ههههههههه
ضحك ياسين بين نظرات عز المصدومة مما سمع وفارس المشتعلة مما سيحدث.
فارس: بتضحك؟ ممكن أعرف فيه إيه يضحك؟
ياسين: أصلك مشفتش شكل المهندسين وهي طايحة في وسطهم وعمالة ترزع وتخبط بالكلام إنهم معاهم شهادات من عند أم ترتر. هههههه
اتسعت عينا فارس من وقع ما سمع وفتح عز فمه مندهشاً من جرأة هذه الفتاة.
ياسين: وهي الوحيدة اللي كان رأيها غير كده. قدرت تثبت إنها تقدر تظبط في مقاسات وأساسات المباني. وإنها عملت بحث قبل كده وكل المهندسين انبهروا بأفكارها وأيدوها. عشان كده هي المسؤول الوحيد عن المشروع ده وأي قرار يخص تصميم المشروع أو البناء هي اللي تاخده الأول.
ذهل فارس من أن بنت بهذه العقلية والعلم والاجتهاد تكون هي نفس البنت الوقحة التي أشعلت غضبه.
ورد بشرود في كم العوائق التي تواجهه قائلاً: طب والعمل؟
فارس: طب والعمل؟ العمل إيه؟
عز: اهدى يا فارس. أنا اتصرفت. كلمت مروان ينزل من أمريكا. أنا عارف إنك ما بتحبوش، مفيش عمار ما بينكم. بس ما تقلقش. أنا هتصرف معاه وكل حاجة هتبقى تحت إشرافي أنا. سيب كل حاجة عليه. يمكن يعرف يتصرف.
مكملاً بجدية: أنت كلمت والدتك إمتى؟
فارس: بتسأل ليه؟ كلمتها من أسبوعين قبل ما أنزل مصر.
عز: طب جدك كلمني وعايزنا ننزل البلد في أسرع وقت.
فارس: ليه؟ أمي جرالها حاجة؟ حد من أهلك جراله حاجة؟
عز: مفيش حد جراله حاجة. بس أمك أول ما عرفت إنك نزلت مصر وهي عمالة تعيط. ليها حق يا فارس ما هي بقالها قد إيه ماشفتكش. دول عشر سنين بحالهم ماشفتكش فيهم إلا مرتين. حتى يا أخي حرام عليك دي أم برضو.
حزن فارس على أمه الحبيبة وحزنها عليه وعدم استطاعته أن يأخذها من هذا الظلام المميت. هو بالفعل يطلق على هذه البلدة الظلام المميت.
ياسين: انزلوا انتوا. أنا مش نازل.
فارس: ليه بقى؟ يكونش جدنا إحنا بس؟ ما هو جدك انت كمان. يا نروح سوا يا بلاش. وأنا بصراحة بتلكك.
عز: خلاص يا أبو عمو منك لله. هنروح كلنا. هو أساساً طالب كل واحد بالاسم عشان محدش يفلفص منه. البس يا سيمو.
ياسين: أوف بقى. انتوا عارفين من ساعة ما أمي وأبوي ماتوا وأنا ما بحبش أدخل البلد ولا بحب جدك سلطان نفسه. ما شوفناش منه غير الألم والعذاب والدم.
غمز عز إلى ياسين عندما وجد فارس شاردًا في أحزانه، خاف عليه أن يرجع لقوقعته الأولى. تحدث عز مغيراً مجرى الحديث: المهم يا أبو الفوارس عملت إيه مع المزة بتاعت امبارح؟ كانت إيه صاروخ يا جدع! كان عيني فيها والله بس قولت مش خسارة فيك.
انتبه فارس إلى حديث عز وابتسم.
فارس: أعملك إيه؟ ما هي كانت قدامك مخدتهاش ليه؟ هي اللي جات لحد عندي. ولو كنت عجبتها كانت جاتلك. ههههه.
عز متصنع الغضب: بقى هي كده يعني؟ طيب هنشوف النهاردة مين هيشقط أكتر موزة فورتيكه. واللي يكسب ها؟ فاكر أحكامنا بتاعت زمان؟ ههههه.
تحدث ياسين: بلا مزة بلا مولاه. انتوا هتناموا بدري النهاردة عشان نمسك الطريق من أوله للبلد عشان نخلص من أم المشوار ده لأن الوفد الإيطالي هيجي آخر الأسبوع.
عز لـ فارس: نفدت المرة دي بس ملحوقة. لما نرجع التحدي مستمر.
ضحك الشباب على طفولتهم في التحدي.
في الصباح الباكر في موقف الأتوبيس كانت تنتظر قمر موعد انطلاق الحافلة حتى تعود إلى بيت أبيها بعد شقاء البحث عن عمل. قررت أن تذهب عدة أيام للجلوس مع أخواتها وأبيها وتشبع اشتياقها لهم بعد غياب شهرين كاملين. صعدت الحافلة وقبل الإقلاع رن هاتفها معلناً اتصال توأمها. ابتسمت وردت عليها.
قمر: أظن لو بفكر في إني أكلم الشمس كانت الناس افتكرتني مجنونة. هههههههههه.
ضحكت شمس على دعابة أختها وردت عليها.
شمس: عاملة إيه يا قمري؟ قلبي مقبوض مش عارفة ليه. أنت بخير؟
قمر بعد تنهيدة: آه يا حبيبتي بخير. أخبارك والبنات وبابا؟
شمس: الحمد لله. أنت في الشركة وإيه الصوت اللي جنبك ده؟
قمر: شمس، بابا جنبك؟ اديهوني أكلمه.
شمس: ما أنا بتصل بيكي عشان كده. بابا قال لي الصبح قبل الشغل اتصل بيك وأقولك تيجي النهاردة ضروري.
قمر: خير يا رب. فيه إيه يا شمس؟ حد حصله حاجة؟
شمس: بخير يا حبيبتي. بس مش عارفة بابا بقاله كام يوم مش طبيعي. قلقان كده ومتوتر وسرحان على طول ومش بيكلم حد. وأول ما اتكلم قلي اكلمك.
قمر: خلاص أنا كده كده كلها ثلاث ساعات وأكون عندك. أنا ركبت خلاص.
شمس: بجد؟ أنت كنتي جاية؟ طب والمشروع اللي كنتي قولتي عليه هو خلص؟
قمر: لا يا أختي. طلعوني في التطهير وعملوني معاملة الديتول. طهروني بنسبة 99.9%. ههههههه.
شمس: يا خبر! عملتي إيه؟ أكيد أڤورت مع حد من الموظفين أو المسؤولين. أقول عليك إيه بس يا شيخة؟ مش هتبطلي اللي بتعمليه ده. احكي عملتي إيه؟
قمر: خلاص بقى يا شمس. لما أرجع نبقى نتكلم.
شمس: خلي بالك من نفسك. لا إله إلا الله. سلام بقى.
قمر: محمد رسول الله. سلام.
أغلقت قمر الهاتف وهي تسأل نفسها فها قد دق بابهم الخطر مرة أخرى. ومن ستفقد؟ هذه المرة إلى أي مكان وجهتهم؟ هذه المرة؟ نعم، فهي تعلم عندما يدق القلق باب أبيها يرحلون إلى بلد أخرى أو محافظة. فهم زاروا أرض مصر بجميع محافظاتها وقراها وبلدانها. وكل مرة هذا القلق والترحال. ماذا تخفي يا أبي؟ ماذا عن مجهول يطاردهم؟ إلى متى؟ وإلى أين؟ ألف سؤال. وما من مجيب.
وظلت شاردة في أفكارها حتى وصلت إلى محطة الحافلات. نزلت ثم أخذت عربية أخرى إلى بيتها. وفي أول شارعها يقف مجموعة من الشباب الفاسدين وهم لا يمثلون شباب الصعيد بأي شكل من الأشكال. نزلت قمر تحمل حقائبها إلى بيت أبيها. تعرض إليها واحد من الشباب موقفاً إياها.
الشاب مبتسم بسماجة: إيه ده؟ القمر بحاله وصل عز الضهر كمان؟ لا ده إحنا نهارنا قشطة. هاتيه عنك يا قمر النهار.
قمر بقرف وتقذذ: ابعد بدل ما يحصل حاجة مش هتعجبك.
الشاب 2 برخامة: هيحصل إيه يعني؟ ده إحنا هنساعدك يا جميل ونشيل لك الشنطة لحد باب البيت وفوق كمان لو حابة.
أثناء حديثهم كانت تضع يدها في الحقيبة الخاصة بها وتبحث بيديها عن أغلى وأثمن شيء في حياتها الذي لا يفارقها أينما كانت. فهو رفيقها الوحيد في غربتها وأمانها بعد ربها.
الشاب 3: أوعي كده يلا. أنت لسه هتحكي؟
تقدم منها ممسكاً يدها بكل قسوة. دب الخوف في أوصالها ثم.
وأثناء سيره رآها طفل يدعى (بليه). أخذ يأكل الأرض حتى وصل إلى الأسطى هشام الميكانيكي. دخل الطفل يأخذ أنفاسه بصعوبة ووقف أمام هشام: مالك يا ابني بتجري كده ليه؟
بليه: الحق يا أسطى هشام. في شباب بيتعرضوا للست قمر على أول الشارع.
أسرع هشام وأخذ معه مفتاح كان يمسكه في يده ويتبعه اثنين من عمال الورشة مهرولين وراءه. وصل هشام وصُدمَ من المنظر الذي أمامه.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل السادس 6 - بقلم عبير فاروق
نزلت قمر تحمل حقائبها إلى بيت أبيها.
تعرض إليها واحد من الشباب واقفاً لها.
الشاب مبتسماً بسماجة: إيه ده القمر بحاله وصل عز الضهر كمان، لا ده إحنا نهارنا قشطة.
هاتي عنك يا قمر النهار.
قمر بقرف وتقزز: ابعد بدل ما يحصل حاجة مش هتعجبك.
الشاب الثاني برخامة: هيحصل إيه يعني، ده إحنا هنساعدك يا جميل ونطلعلك الشنطة لحد باب البيت وفوق كمان لو حبيتي.
أثناء حديثهم كانت تضع يدها في الحقيبة الخاصة بها وتمسك بيديها أغلى وأثمن شيء في حياتها الذي لا يفارقها أينما كانت، فهو رفيقها الوحيد في غربتها وأمانها بعد ربها.
الشاب ٣: أوعي كده يلا، انت لسه هتحكي.
تقدم منها ظاناً في نفسه أنه يستطيع إمساكها، ولكن هيهات، فهذه قمر.
وبلمح البصر أخرجتها وبحركة فجائية أمسكت بها وأخذت تضربهم على رؤوسهم بكل ما أوتيت من قوة حتى ارتمى كل شاب منهم على الأرض ينزف من رأسه دماً نتيجة تطاولهم على هذه القمر.
وأثناء المعركة رآها طفل يدعى بله.
أخذ يضرب الأرض راكضاً حتى وصل إلى هشام الميكانيكي.
دخل الطفل يلتقط أنفاسه بصعوبة ووقف أمام هشام.
هشام: مالك يلا بتجري كده ليه.
بله: إلحق يا اسطى هشام، في شباب بيتعرضوا للست قمر على أول الشارع.
أسرع هشام وأخذ معه مفتاحاً كان يمسكه في يده، وتبعه اثنان من عمال الورشة مهرولين وراءه.
وصل هشام وصُدمَ من المنظر الذي أمامه.
كل الشباب مطروحون في أرضهم ينزفون الدماء، والناس متجمهرون يصفقون ويهللون لهذه الفتاة التي تغلبت على هؤلاء الشباب الفاسدين بمفردها دون مساعدة.
تلقت قمر الهتاف والصفير من الأولاد والدعوات من النساء الكبار.
نظرت إلى سلاحها بحب، فهو منجاها بعد ربها.
هو عبارة عن استك مقوى كبير من الطرفين ليمتد طوله كيفما تشاء، ممسكة به كرة من الحديد الصلب، قادرة على قتل من يقع تحت تأثيرها.
ظل هشام مندهشاً مما رآه وعلى وجهه ابتسامة نصر وفخر، فهي محبوبته التي يعشقها حتى الجنون.
لا يجرؤ أحد على إيذائها منذ عام وهو يتبعها بنظراته الصامتة العاشقة، منذ أن أتى إلى هذا الحي.
فهو تقدم لها عدة مرات، في كل مرة يحصل على رفض قاطع منها دون أمل، ولكنه لم ولن يفقد الأمل، سيعاود المحاولة مرة أخرى وأخرى حتى تتم وتقبل به.
تنهد بحب وشوق حين مرت من أمامه، فهو اشتاق لها منذ شهرين.
كان يعرف إلى أين ذهبت وأين تسكن وأين تعمل، فهو يتتبعها من وقت إلى آخر، فهو يتنفس عشقها، ولكن عشق من طرف واحد دون أمل.
يجلس حمدي يتطلع إلى صورة زوجته أمل.
اشتاق إليها.
يحدثها من خلال الصور: أمل وحشتيني، سبتيني ليه، كان المفروض أنا اللي أموت مش انت.
وأمسك بيديه صورة أخرى فيها أمل تحمل طفلتيها روكان ونورسين وبجانبها شمس وقمر.
ضحك على طفولة زوجته وسط البنات وهي تقلد تعبير وجوههم، قمر الغاضبة دائماً وبشاشة وجه الشمس.
و تذكر بعد خروجهم من المشفى بعد الولادة.
***
حتى أتى عم عباس يأخذ أنفاسه.
تلقاه حمدي بكوب ماء.
حمدي: ها يا عم عباس، إيه الأخبار.
عباس: أخبار مهببة، انت لازم تمشي من هنا حالا، البلد مقلوبة عليكم والرجالة في كل حتة، مفيش نملة بتخرج ولا تدخل إلا لما يفتشوها، دول وصلوا الطريق العمومي.
حمدي بزعل وخوف عارم: طب والعمل، هروح فين ومراتي وعيالي دلوقتي.
عباس: ما تخافش، انت ترجع معايا على اسكندرية عندي في العربية صندوق سحري يعني محدش بياخد باله منها، تستخبوا فيها لحد ما نعدي من هنا ويحلها ربنا بعد كده.
استجاب حمدي لحديث عم عباس وذهب معه في طريق لا يعلم مصيره إلا الله.
وبعد مرورهم على نقاط التفتيش المستمرة من رجال سلطان والشرطة، نعم الشرطة وهو رجل ذو نفوذ وسلطة وأمر بالبحث عنهم في كل مكان، وصلوا إلى الاسكندرية عروس البحر المتوسط.
اصطحبهم عم عباس إلى حيث يسكن في حي شعبي يطلق عليه (الماكس).
وصعد بهم إلى شقته وطرق الباب.
فتحت زوجته وتدعى سكينة.
سكينة: كل ده يا عباس، مش قلت هتوصل في الليل.
عباس: معلش يا حاجة وسعي كده معايا ضيوف.
سكينه: أحيه، مش تقول أهلا وسهلا اتفضلوا، ده احنا زارنا النبي.
عباس: اتفضلوا يا جماعة، ما تستغربوش، هي الحاجة سكينة كده لازم تقابلني بزعبيبها، هههههه.
حمدي: يزيد فضلك يا حاجة، إحنا آسفين على الإزعاج.
سكينة: بقى كده يا عباس، أنا عندي زعبيب، طب اصبر علي أما أوريك النوه على حق.
ثم نظرت إلى أمل التي تحمل واحدة من البنات ممسكة بأخرى قائلة سكينة: اقعدي يا حبيبتي، انت شكلك تعبان كده ليه.
عباس: الست أمل لسه والدة امبارح وعايزك تاخدي بالك منها، هي تعبانة الولادة والطريق طويل، خديها تستريح شوية وخذي العيال أكليها.
سكينه: يا حبيبتي يا بنتي، من عينيه، هاتي عنك انت.
ثم نظرت إلى المواليد وقالت: بسم الله ماشاء الله، قمرات يتربوا في عزكم انت وأبوهم، تعالي ورايا يا بنتي.
حمدي: مش عارف أرد جمايلك دي كلها ازاي يا عم عباس، أنا وشي منك في الأرض.
عباس بعتاب: إخص عليك يا ابني، ليه بتقول كده بس وتزعلني منك، بس أنا هريحك وأقولك، أنا وسكينة متجوزين بقالنا ٤٠ سنة، يعني لو كنا خلفنا كان معانا قدك وأكبر منك كمان، يعني انت من هنا ورايح تعتبر نفسك في بيتك يا ابني، ماشي يا ابني.
ابتسم حمدي بمحبة على هذا الرجل الذي لا ينتمي إليه بأي صلة وقد وضعه الله له في طريقه كطوق النجاة له ولأسرته.
وحمد الله على هذه النعمة وهذه الملائكة المتجسدين فيه شخص عباس وسكينة.
ومرت الأيام والشهور والسنين، عدت خمس سنوات عاشوا معهم في هناء مع سكينة وعباس كأب وأم لهم.
وأغلب القدر محياهم، وتوفاهم الله تاركين كل ما يملكونه لحمدي وأمل وبناتهم وبعض من النقود ومصاغ سكينة.
وبعد شهور من وفاة عباس وسكينة.
أتاه اتصال من عبد الله يحذره أنهم عرفوا طريقه وحثّه على الهروب مرة أخرى.
وبالفعل لم شتات عائلته وهرب مرة أخرى وأخرى.
وكل مرة يصله اتصال يرحل حاملاً زوجته وبناته إلى مكان غير معلوم إلى أن يشاء ربه.
***
استقل الشباب الثلاثة سيارة فارس متوجهين إلى البلدة وكان يقود السيارة عز.
عز: إيه مالكو زي ما يكون رايحين على موتكم كده ليه.
ياسين: سوق وانت ساكت، لا أنزلك منها، والله أنا مش طايق نفسي أساساً.
أوقف عز السيارة يُريد شراء بعض الأطعمة والمشروبات.
نزل معه ياسين لاختيار بعض الأشياء تاركين فارس بمفرده في السيارة.
اتجه عز وياسين إلى السوبر ماركت على الطريق العام.
نظر فارس إليهما من نافذة السيارة، لفت نظره تجمع من الشباب ملتفين حول شيء يشاهدونه.
فكر لجزء من الثانية أن يذهب ويرى ما يحدث بين تجمع الشباب بعد سماعه للهتاف والصفير، ولكن هربت هذه الفكرة من رأسه فور وصول عز وياسين إلى السيارة مستكملين حديثهم.
عز لياسين: بس إيه ياض ياسينو، بت بمية راجل.
ياسين: أهي دي التربية ولا بلاش، أنا أتمنى أتزوج بنت متربية زيها وتقدر تدافع عن نفسها.
سأل فارس ياسين: هي مين اللي تتمنى تتجوزها دي.
ياسين: أنا مشفتهاش، كنت بحاسب أبو عيون زايغة ده جري أول لما عرف إنها خناقة وفيها بنت، جري وسابني هههههه.
عز بانبهار: دي مش بت يا بني، دي زينا بتاعة فيلم هرقل، آآه لو شفتوها وهي طايرة في الهواء ونزلت على التلت عيال طاخ طيخ لحد ما كومتهم في الأرض من غير ما حد يلمس شعرة منها، والأغرب إنها تحل من على حبل المشنقة، وكله كوم وشعرها كوم لوحده، كانت رافعاه لفوق وهي طايرة فيهم، انفرد على ضهرها كله لولا لمته كان طال الأرض، لا أنا نفسي أجرب الصنف ده، متهيألي مش هيكفيني منها ليلة دي ألف ليلة وليلة، هههههه.
شعر فارس بضيق لا يعلم أسبابه فور سماع عز وصف الفتاة دون معرفتها.
سأل نفسه عما يدور بخاطره، هو لا يعلم ماذا أصابه، نفور من حديث عز، غضب، هياج مشاعر، غيرة.
ماذا؟ غيرة ممن وعلى من؟ ما هذا الهراء الذي يحدث بخاطري.
رجع برأسه إلى مقعده وغرق في بحر ذكرياته.
بينما كان فارس شارداً في ذكراه القديمة بعد وفاة أبيه في غرفة أمه سمع من خلف الباب جدته والدة أمه تتحدث.
***
الجدة: يا بنت ساكتة ليه، انطقي، طب عيطي، ما تفضليش ساكتة أكده.
حياة: عايزاني أولول وأعيط على إيه.
الجدة: وااه، وااه على جوزك يا بنتي.
حياة: جوزي الخاين المفتري، اللي زيه ما يتعيطش عليه، اللي زيه نحمد ربنا إنه غار في داهية.
الجدة: اسكتي ساكت يا بت، لو حد سمعك سلطان مش هيرحمك.
حياة: يعمل اللي يعمله، معتش تفرق معايا بعد ما كل البلد عرفت بلاويه.
الجدة: يا بنتي بكفايك عااااد، اللي انت بتقوليه ده تضيع في رقاب.
حياة: كفاية، كفاية، ده خاين شهواني، وكان بيجبر الستات الغلابة على كده، واللي مطاوعوش كان بيهددها أو يخطف عيل من عيالها، كل ستات البلد مسلموش من أذاه، كان كل ليلة بيرجع وريحة النجاسة فايحة منه.
ما فكراش صفيه بنت أحمد أبو علي عصت أوامره ومسلمتش نفسها ليه، سفر جوزها يومين عشان يعرف يستفرد بيها وحط السكينة على رقبة بنتها وأخدها غصب.
حبسها يومين بلياليهم وجوزها رجع لقها ميتة، عارفة إزاي دبحت نفسها بالسكينة اللي كانت على رقبة بنتها.
كل ده وعايزاني أعيط وأولول عليه.
ولا الناس اللي ماتت بس على تار ملوش أصل، انت فكرك إن سلطان الكبير فارق معاه إن ابنه مات، ده خلص منه ومن بلاويه زمانه بيحمد ربه إنه خده وإن مش هيعمله مشاكل تاني.
كل الحكاية إن إزاي ابن سلطان يتقتل ويخرجوه من دار ملفوف بملاية مش أكتر.
ضمر عيلة بحالها عشان المظاهر ووضعه قدام البلد، وقتل في عيلة بحالها عشان ماحدش يطالبه برد شرف من عيلة البت وجوزها.
كان يستمع إلى حديثهم دون أن يراه أحد، وكل كلمة كانت تُطبع في ذاكرته.
كان طفلاً، يعد طفلاً لا يفقُه كلمة خائن ولا يفهم عن أي حديث هم يتحدثون، ولكنه علم كل شيء مع مرور الزمن والسنوات.
وما زال يتردد في مسامعه كلمتين: خائن، شهواني.
خائن، شهواني.
رفع يديه إلى أذنيه حتى يمنع وصول الصوت الذي بداخله إليه، فهو الآن أدرك معنى هاتين الكلمتين ولا يكره أكثر منهما على وجه الأرض.
يغفر كل شيء وأي شيء ماعدا الخيانة والكذب، وبهما قد يدمر ويحرق الأرض.
***
لاحظ توقف السيارة وانتبه للصوت.
عز: وصلنا يابشر، لبيك اللهم لبيك، هههههه، نحن الآن على مشارف خربتها، يلا يا خاين انت وهو ولا أشيلكم كمان، صحصحو يا هوووه.
ياسين: أعوذ بالله منك يا شيخ، فصلتني.
عز: انزل ياخويا، استعنا ع الشقى بالله.
نزل كل منهم.
فارس ينظر إلى هذا المكان الضخم الذي يضم معظم آلامه وشهد على الظلم البين، فهو يكرهه، يبغضه، يحسه كبيت أشباح.
***
صوت طرق على الباب بطريقة معينة.
سمعت الفتيات وتسارعت على من يفتح الباب أولاً.
روكا: أنا اللي هفتح.
ساسو: لا اوعي كده.
شمس: لا انت ولا هي، أنا اللي هفتح، توأمي حبيبتي.
قمر من خلف الباب وهي تستمع إلى أصواتهم وشجارهم على من يفتح لها.
قمر: أي حد يفتح، هموت من التعب يا جزم.
فتحت لها شمس وهجمت عليها روكا بالأحضان والتقبيل في كل إنش من وجهها، وبعدها ساسو وشمس.
تعالت أصواتهم في محيط الشقة، سمع الأب صوت هتاف البنات، مسح دموعه ودارى آلامه وخرج يستقبل ابنته التي تشبهه تماماً في الطباع وسرعة الغضب.
تجمعت الدموع في عينيه عندما رأى بناته يحضنون بعضهم البعض بمحبة واشتياق.
رأته قمر وأسرعت إليه تحضنه وركضت إليه كي تضحكه.
قمر غامزة له: اتوحشتك جوي جوي يا بوي.
ضحك على ابنته ولكنتها اللهجة الصعيدية التي يعشقها واتقنتها ابنته مردداً إلى مسامعهم.
حمدي: مشتاقين جوي جوي يا حشيشة قلبي.
ضحكت الفتيات على حديثهم، على حديث الأب وابنته المحببة إلى قلبه.
روكا وهي تتصنع الغضب والغيرة من أختها على أبيهم: إحم، إحم، نحن هنا يا محاميحو.
حمدي بخبث: وانت كمان يا ركن قلبي.
روكا بغضب: ركن تاني خلاص يا عم، حبوا بعض بعيد عني.
وعدى اليوم على حمدي وبناته في حب وضحك ومراقبة قمر توتر وقلق أبيها حمدي.
في الصباح ذهب حمدي إلى العمل بعد أن أخذ القرار الذي توصل إليه بعد تفكير طويل.
هذا القرار الذي سيصيب بناته بضربة تهز أرجاء كيانهم، قرار مصير حياة أو موت.
نعم حياة يسعى لكي يوصل بناته إلى بر الأمان، ولكن هل هو نعم الرأي وحسن القرار.
وما هو هذا القرار.
وما هو رد فعل البنات.
ومن منهم يرفض أو يوافق هذا القرار.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل السابع 7 - بقلم عبير فاروق
في صباح يوم جديد ذهب حمدي إلى العمل. اتخذ القرار الذي توصل إليه بعد تفكير طويل، استدعى صديقه محمد وأبلغه قراره. أنه مستعد أن يذهب بدلًا منه لإتمام عقد العمل لمدة ستة أشهر فقط وعليه الرجوع.
دخل فارس مترددًا في قصر سلطان الكبير، لا يريد استعادة الذكريات مرة أخرى. وقف في وسط القصر، أتته خيالات الطفل تظهر وتختفي، يضحك تارة ويجري تارة ويبكي تارة أخرى. صوت عويل وبكاء جدته وعلو صوت سلطان الكبير، كل هذه الذكريات هاجمته في آن واحد. انتبه على صوت امرأة تنزل درجات السلم وهي تقول:
حياة: ولدي... ولدي فارس حبيبي أنت جيت يا نضري.
احتضن فارس أمه بحب وشوق ولهفة، فإنه يعشق هذه المرأة التي عاشت في ظلال الظلم لسنوات. أقسم على أنه لن يأتي إلى هذا القصر إلا عندما يحررها، وها هو يخالف قسمه للمرة الأولى بسبب هذا السلطان.
فارس: حبيبتي يا أمي وحشتيني أوي أوي.
حياة: وحشتك لو كنت...
قاطع كلمتها فارس: لا يا أمي ما تقوليش كده، أنت عارفة اللي كان مانعني عنك. فمتصعبيش عليا الموضوع.
فاجأهم صوت سلطان قائلًا:
سلطان: حمد لله على السلامة. يعني كان لازم أبعت لكم؟ ما ينفعش تيجوا لوحدكم؟
اتجه إليه عز وياسين ممسكين بيده، واضعين عليها قبلة تدل على الاحترام. غير ما بداخلهم، تنحنح عز قائلًا:
عز: الله يسلمك يا جدي. معلش بقى كان عندنا شوية شغل.
سلطان وهو يسلط أنظاره على فارس ردًا على عز:
سلطان: هو الشغل أهم من العيلة؟ ولا راجل الأعمال الكبير خلاص بقينا مش قد المقام؟
تدخل ياسين قبل أن ينفجر فارس ويتفاقم الحديث:
ياسين: العفو يا جدي، بس أنت عارف إن الشركة لسه في أولها وإحنا بنتابع الفرع اللي في أمريكا. وكمان خليها عليك المرة دي.
نظره في اتجاه فارس قائلًا:
سلطان: وانت مش هتسلم عليا ولا هتقول حاجة؟
تقدم إليه فارس برأس مرتفع وخطى حادة بعض الشيء وجمود. رفع كف يده أمام وجه جده مدعيًا السلام. نظر الجد إلى يده.
فارس: أزيك يا سلطان بيه.
سلطان يمد يده بنفس البرود والحدة:
سلطان: أهلا وسهلا يا فارس باشا. الثرايا نورت.
تجاهله وتوجه إلى أمه مرة أخرى، أخذها في أحضانه مرة أخرى وصعدا سويًا إلى غرفته.
سأل عز:
عز: هم أبويا وأمي فين يا جدي؟
سلطان: أبوك في قنا بقضي مصلحة وجاي بكرة. وأمك فوق. اطلع لها.
صعد عز إلى غرفة والديه.
حدثه فارس أثناء صعوده:
فارس: سلم لي على عمتي لغاية ما أشبع من أمي. أكمل محتضن أمه وده اللي مش هيحصل أبدًا. مش هشبع منك كل حياتي. هههههههه.
ضحكت حياة على غزل ابنها الذي تعشقه، فهو حصاد أيامها ولياليها المظلمة.
وقف عز أمام غرفتان يختار إحداهما قائلًا:
عز: حادي بادئ كرمب ذبادي؟ أدخل عند لولو ولا عند حنونتي؟ أخص لولو الأول.
وضحك بشر. داخل غرفة فتاة في أوائل عقدها الثاني تجلس أمام اللاب توب تُتابع صفحتها الشخصية عبر الفيس بوك في انسجام كبير. خلفها باب الغرفة لم ترى عز عند دخوله على أطراف أصابعه كي يخيفها، فهي صغيرته المشاغبة التي دائمة الشجار معه. وهو يستمتع بإخافتها وانتفاضها والركض إلى أحضانه، فهو ملجأها الوحيد. هو بالفعل بعيدًا عن مكان تواجدها ولكنه باستمرار معها في كل وقت عبر وسائل الاتصال المستمر. وعندما يشعر من حديثها أن مكروهًا أصابها، قبل أن تغمض عينها في ليلها تراه أمامها يجفف دمعها، فهي أخته الوحيدة والحبيبة. احتضنها من الخلف، كاتمًا أنفاسها بيده مرددًا إليها بصوت خشن مخيف بغيض قائلًا:
عز بخبث شيطاني: لو صرختي هدبحك، بس لو سمعتي الكلام مش هأذيكي.
ليلى: وهي مازالت تتشبس بيده الممسكة إياها بخوف ورعب أجابت بهز رأسها موافقة على كلماته.
عز: هسيبك بشرط ولازم تنفذيه.
هزت رأسها مرة أخرى بالموافقة.
عز: هشيل إيدي واوعي تصوتي. وتلفي وتحضنيني.
اتسعت عينين ليلى فور سماع كلماته. أنزل يده لافًا إياها أمام وجهه وهي مغمضة عينيها. تحدث بمحبة إليها قائلًا:
عز: وحشتيني يا لولو.
فتحت ليلى عينيها بعدم تصديق وأصدرت صوتًا عاليًا:
ليلى: عااااااااااااااا.
عناقته بحب زائد، وبعد تذكرها بما صنع معها أزاحت يده قائلة:
ليلى: بأه تعمل فيه كده؟ طب والله لأوريك.
أخذت تركض خلفه في أرجاء الغرفة توعد له وهو يسايرها في مرحها كي يعوض هذا الحرمان من إهمال وقسوة أمها ولا مبالاة والدها وانصياعه لأوامر سلطان فقط، غير عابئين لأولادهم وما يدور في خلددهم.
ياسين: أستأذن أنا يا جدي.
سلطان قاطع حديثه:
سلطان: وانت رايح فين انت كمان؟ مش هنخلص؟ الموضوع ده اطلع فوق أوضتك جاهزة.
ياسين: يا جدي أنا عايز أروح بيت أبويا.
سلطان: هنا بيت أبوك وامك وخلصنا عاد من السيرة دي. ولو على البيت ابقى روح شقر عليه، لكن قعاد فيه لا. انت ابن بنتي مش عشان اسمك ياسين العدوي يبقى مش من عيلة سلطان. لا. ودي آخر مرة هنتحدد في الموضوع ده. اطلع على أوضتك.
صعد ياسين دون أي كلمة، وهو يعلم أنه مهما حاول لن يستطيع إقناعه. وحاول تجنب المشاكل، قائلًا في نفسه:
ياسين: هما يومين يخلصوا بالطول والعرض.
في المساء جلست الفتيات يتسامرون وكل منهن تخبر أخواتها. وكانت تقود هذه المهمة قمر باستجوابهم في كل تفاصيل حياتهم وقت غيابها. وبالطبع لا تخلو هذه الجلسة من مشاكسة روكا لساسو وإخبار قمر بخبث في حديثها عن مستر أحمد. ثم ذكرت روكا أنها عندما كانت خارج المنزل تطرق إلى مسامعها خبر المشاجرة التي حدثت مع قمر صباحًا وسألتها متشوقة معرفة ما حدث. أخبرتهم قمر بما صنعت لهؤلاء الشباب وتعليمهم درسًا لن ينسوه. استكملوا حديثهم عن باقي رغبات روكا وساسو وفي أي كلية يرغبون الالتحاق لإكمال مسيرتهم التعليمية وتحقيق هدفهم في الحياة. وقد أعربت روكا عن رغبتها في كلية الهندسة راكضة خلف قمر قدوتها في الحياة. وألقت عليهم ساسو محاضرة في حقوق الإنسان ورغبتها في كلية الحقوق. نالوا التشجيع من قمر وشمس والتحفيز لمستقبل واعد بالنجاح والازدهار إلى أن يشاء الله.
عاد الأب من العمل وبعد العشاء جلس مع بناته حتى يخبرهم بقراره المرير الصادم بالنسبة لهم. جمع الفتيات حوله ثم تحدث قائلًا:
حمدي: كان في موضوع عايزة أبلغكم بيه.
قمر بقلق: تبلغنا شكلك واخد قرار يا حج.
حمدي بجدية: تقدري تقولي كده. أنا... أنا نويت أسافر الكويت فترة.
صُدمت البنات بقرار أبيهم. نظرت كل منهن إلى الأخرى بصدمة، غير مستوعبين كلماته.
تنحنح الأب ثم أكمل مرة أخرى:
حمدي: احم... احم. ومش بس هسافر. أنا... أنا هجوزكم قبل السفر.
صدمة أكبر وقعت فوق رؤوسهم. صمت مطبق حل في المكان وكأن أحدهم نزل على رؤوسهن بالمطرقة. لم يسمع الأب أي كلمة فأكمل:
حمدي: جهزوا نفسكم ومن بكرة اشتروا لوازمكم عشان السفر خلال الأسبوع ده. وكتب كتبكم قبل السفر.
نظرات صدمة، غضب، دهشة. كيف؟ ماذا يسمي هذه النظرات؟ كيف يقابلهن؟ كسرة، وجع وألم منه. خبأ كل هذه الأحاسيس وراء حدة كلماته. وقف وسط ذهولهم وصدمتهم قائلًا:
حمدي: وده قرار نهائي. حد عنده سؤال قبل ما أمشي؟
وقفت أمامه بذهول معترضة ومستفهمة عن أي قرارات أنت تتحدث. لا بالطبع هذه خدعة أو كذب. رفعت يدها تمسح شعرها حتى تستجمع قواها وترتب حروفها أمامه، قائلة بهدوء:
قمر: أنت أكيد بتهزر صح؟
حرك رأسه نافيًا:
حمدي: لا. من إمتى بهزر؟ أي قرارات أخذتها.
قمر محركة يدها بغضب شديد:
قمر: ومن قالك إننا موافقين على قرارك ده؟
حمدي: وأنا ما باخدش رأيكم. أنا أبوكم وأعرف مصلحتكم.
قمر برفض:
قمر: هتجوز أطفال؟ وأشارت بيدها إلى روكان ونورسين.
حمدي باعتراض:
حمدي: لا مش أطفال. البنت عندنا في البلد تتجوز أصغر من كده. وهي دي عوايدنا. اللي زيهم عندهم عيلين تلاتة.
قمر بتصميم:
قمر: وأنا مش هسمح بكده. لا لينا ولا ليهم.
حمدي بغضب وألم بداخله:
حمدي: هتخرجي عن طوعي إياااك! فهو عندما يغضب تتحول لهجته إلى أصولها ومنبعها وينفر عرقه الصعيدي.
قمر بتحدي:
قمر: طالما قرارك غلط مش هسمحلك.
رفع يده وأنزلها بصفعة على وجه ابنته. شهقت البنات الثلاثة إثر الصفعة، واضعين أيديهم على فمهم وأنظارهم حائرة بين أختهم الواقعة على الأرض من أثر الصفعة وأبوهم الذي ينظر إلى يده الضاربة وابنته الواقعة في ذهول من فعلته. وفي جزء من الثانية كاد أن يحنوا إليها حاضنًا إياها ولكنه عاد إلى جموده قائلًا:
حمدي: وانت يا دكتورة عندك قول تاني؟
أخرجت كلمتها من بين شهقاتها بألم ولوم:
قمر: مفيش كلام يتقال يا بابا.
نظر إلى ابنتيه الصغيرتين سائلاً:
حمدي: وانتوا؟
ناظرين له وبذهول واضعين أيديهم على فمهم مع حركة رأسهم بمعنى لا يوجد اعتراض.
نظرة سريعة إلى الواقعة ثابتة في مكانها كأنها صارت هي والأرض كتلة واحدة. التفت ناحية الباب وأعطاهم ظهره قائلًا:
حمدي: قراري نهائي وجهزوا نفسكم. جوازكم الأسبوع الجاي.
ثم ذهب تارك المكان بأكمله.
أفاقت قمر من صدمتها على غلق باب المنزل. انتفضت من مكانها راكضة إلى غرفتها وأغلقت بابها غارقة بدموعها وآلامها وتساؤلات عديدة أكدت شكوكها. نعم هم في مرحلة أخرى وشكل جديد للهروب.
تعالى نحيب البنات واحتضنتهم شمس مهدئة إياهم، تطمئنهم لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
بعد منتصف الليل دخل حمدي بخطوات هادئة حتى لا يوقظ بناته هربًا من قمْره الذي أطفأها هو بيده اليوم. فتح باب الغرفة وقبل أن يغلقه أضاء النور فجأة. التفت والخوف والرعب يأكلان أوصاله من ثأر عرف مكان فؤاده، وانطلقت منه شهقة عندما وجد أمامه.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل الثامن 8 - بقلم عبير فاروق
بعد منتصف الليل دخل حمدي بخطوات هادئة حتى لا يوقظ بناته، هارباً من قمره الذي أطفأه بيديه اليوم. فتح باب الغرفة بهدوء، وقبل أن يغلق، أضاء النور فجأة. التفت بزعر ورعب يأكل أوصاله وانطلقت منه شهقة عندما وجد أمامه قمر في انتظاره. تنهد باستسلام بعد إغلاق الباب، متجاهلاً وجودها. اتجه ناحية الفراش ليجلس عليه.
تقدمت نحوه.
قمر: بابا...
أجابها وهو مغمض العينين بخنقة: عايزة إيه يا بنت أمل؟
قمر معترضة: أنا قبل ما أكون بنت أمل، أنا بنت حمدي وعناد حمدي. ثم أشارت إلى صدره قائلة: وقلب حمدي...
تنهد بضعف من حديث لمس قلبه، فهي بالفعل تشبه كثيراً، تصنع الحدة كي لا يظهر على ملامح الندم لما فعله.
حمدي: اللي يطلع عن طوعي يبقى مش ابـ...
وضعت يدها على فمه قاطعة كلمته.
قمر: أوعى تقولها، أوعى تصدق نفسك. أنا عمري ما أخالف أمرك ولا أطلع عن طوعك لو السيف على رقبتي، بس أخواتي دول أمانة أمي لي. وصتني عليهم قبل... قبل ما ربنا يرحمها، كان آخر كلامها ليا إني أحافظ عليهم وأحميهم.
حمدي: عارف، بس أنا الوحيد اللي مسؤول عنكم كلكم.
قمر: عارفه، طب ليه؟
حمدي: ...
قمر: أرجوك جاوبني، ليه؟
حمدي: ...
قمر: ليه على طول إحنا مطاردين؟ ومن مين؟ ومين اللي قتل أمي؟
نظر إليها ولم يندهش من سؤالها، فهو يعلم أنه سوف يسأل هذا السؤال من قبل، فقد كان يلمحه في عينيها كلما ذكر اسم أمها. كانت تلوم نظرات عينيها وسؤاله. ولكن لا يوجد رد.
وبعد صمت تحدثت فيه العيون وعجز فيه القلب عن الرد، تحدث اللسان بعدم وعي قائلاً:
حمدي: دي أعمار بتاعة ربنا، وكلنا رايحين لا بنسأل فين... ولا إمتى... ولا ليه... وكل واحد بياخد نصيبه.
أكمل ممسكاً يديها بحنان وحب وأسف.
حمدي: سامحيني يا بنتي، بس هو ده الصح. قراري ده لمصلحتك وأنا عمري ما أجبرتكم على حاجة، بس المرة دي لازم علشان مصلحتكم.
قمر بنفاذ صبر: طب صارحني وأوعدك هنفذ كلامك.
حمدي بعد تفكير دام لحظة: أوعدك إنك هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب. ولو في يوم ما رجعتش، اعرفي إني عمري ما حبيت حد في حياتي قدكم، وإن كل اللي عملته كله علشانكم أنتم وبس. أوعديني...
نزلت دموعها تحتضن أباها داعية إليه.
قمر: ربنا يخليك لينا، ما تقولش كده، أنا مقدرش أعيش من غيرك، أنت كل اللي ليا.
شدد على أحضانها، وتعالت شهقاتها واختلطت دموعهم سوياً.
رفع رأسها أمامه، وجه نظره إلى عينيها قائلاً:
حمدي: قمر بصيلي، أنت واثقة إني عمري ما أضركم وأفديكم بعمري؟
قمر: أكيد يا بابا، مش محتاج تسأل.
حمدي: يبقى تسمعي كلامي وتجهزي أنتِ واخواتك.
قمر باستسلام، مطأطأة رأسها بخضوع: حاضر يا بابا. بس هما مين اللي هنتجوزهم؟
ارتبك ونظر إلى اللاشيء، ثم قال: هتعرفوا في الوقت المناسب اللي فيه الخير يقدمه ربنا. ويلا خشي نامي عشان تجهزي أنتِ واخواتك من بكرة.
ذهبت إلى غرفتها باكية، تشعر بخوف أبيها وعذابه مما يفعله، قائلة: ليه يابابا بتضمر حياتك وحياتنا بإيدك؟ بس أنا وعدتك أنت وأمي إني أحافظ وأحمي اخواتي.
وهنا استعادت ذكرى حادث أمها.
***
في الصباح الباكر في إحدى المحافظات التي تنقل إليها حمدي، ذهب حمدي لاصطحاب شمس إلى المدرسة الإعدادية، وروكان ونورسين المدرسة الابتدائية. وترك أمل ومعها قمر التي كانت تشعر بالمرض. في وقت الظهيرة، كانت تعد الطعام وقمر نائمة في غرفتها. سمعت أمل صوت طرق على باب المنزل. أسرعت فاتحة ظناً منها أنه زوجها. ولكنها صدمت عندما رأت رجال ملثمون. دفعها رجل ودخل الباقي مغلقين الباب وراءهم.
أفاقت قمر على صوت أمها وهي تقول:
أمل: انتو مين و عايزين مني إيه؟
خافت قمر من صوت هؤلاء الرجال وعنفهم مع أمها، بكت ووضعت يدها على فمها، تسمع أحد الرجال.
الرجل: اخرسي خالص، فين جوزك؟
علمت أمل مقصدهم.
أمل نافية: انت بتتكلم عن مين؟ أنت تعرفني أصلاً منين؟
أمسكها بقبضة من حديد، صافعاً إياها صفعة وقعت على أثرها الدماء تسيل من فمها.
الرجل: بتكلم عن مين؟ انتي هتقوليلي مكانه فين ولا أقتلك.
تلجلجت أمل: مـ...اا...معـ...معرفش هـ...هو فين، سبني بقاله سنين.
الرجل: وعيالك فييييين؟
أمل: عيالي... مـ...متـ...ماتو ااه...ااه ماتو وهو سبني. الله يخليك سبوني أنا معرفش عنه حاجة.
نظر المتحدث إلى أحد الرجال قائلاً:
الرجل: دورو في كل مكان!
وعندما سمعت قمر هذه الجملة، فرت تبحث عن مكان تختبئ فيه، كاتمة أنفاسها بيدها. فتحت الدولاب واختبأت بين الملابس المعلقة وتمسكت بها من الرعب. دخل رجل يبحث في الغرفة. تحت السرير، فتح الدولاب. أول ضلفة... الثانية... وعندما أمسك الثالثة، أغمضت قمر عينيها مستسلمة لقدرها.
نادى عليه أحد الرجال يسأله.
الرجل ٢: مفيش آيتها حد، بس المرة دي بتكدب، خلاجات جوزها وعيالها جوة.
عند سماع أمل أنه لا يوجد أحد، صعقت ودب الرعب أكثر في قلبها. ابنتها نائمة، أين ذهبت؟ هل أصابها مكروه أو قتلتها ولم يخبرها.
نظر إليها كبيرهم وأمسكها مثبتًا إياها بالحائط. صرخت هي من أثر الضربة وقال لها:
الرجل: بتكدبي، بس هيروح مننا فين؟ وده عقابك على كده!
نظرت إليه بعينين مفتوحتين مرعوبة من أثر كلماته. أمسك هو سكين حاد من يدي رجل بجانبه وأمسكها من شعرها كأنها دجاجة مستباح ذبحها. مرر السكين بعنف على نحرها وألقى بها على الأرض وأمر الرجال بالنزول والانتشار في أرجاء الحي حتى يأتي حمدي وبناته.
ألقى الرجل نظرة أخيرة وهي تلفظ أنفاسها، قائلاً لها:
الرجل: سلام اللي داريته عليه هيحصلك دلوقتي. إياك يكون فاكر إن سلطان هينسى تاره، ههههه.
ذهب إلى رجاله في انتظار حمدي. خرجت قمر من محبسها، ممسكة فمها وملابسها من الرعب إثر كلمته الأخيرة، تبحث بعينين غارقتين وسط الدموع على أمها، فوجدتها ملقاة على الأرض وتسيل الدماء من عنقها. هرولت إليها ممسكة إياها.
قمر: مـ...اا...ما.......ما ااا...
أمل قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، رددت إليها:
أمل: اخـ...وا.....تك وا...بو...كي... خـ...لـ..لي... با....لك .. هـ..قتـ..ل.. س..سلطا.
توقفت أنفاسها، مغمضة عينيها.
أخذت قمر تردد وتهدهد أمها حتى تجيب، ولكن ما من مجيب. وقفت تخفي عينيها بيدها، مبتعدة عنها، ترجع بخطواتها إلى الخلف، غير قادرة على النطق بأي آه، حتى سمعت أحد يطرق على باب منزلهم. فزعت أكثر ظناً أنهم عادوا مرة أخرى. وحين سمعت صوت جارتهم، أسرعت إلى الباب. فتحت لها بشكلها الهزيل إثر صدمة موت أمها أمام أعينها. نظرت جارتها إليها شاهقة، واضعة يدها على صدرها بسبب منظر يدها الملطخة بالدماء.
الجارة: قمر، إيه اللي عمل فيكِ كده؟ فين أمك؟
لم ولن يأتيها رد من قمر، انعقد لسانها. نظرت الجارة إلى الداخل، وعندما وقعت أنظارها على أمل الملقاة على الأرض الغارقة في دمائها، أخذت تصرخ وتصرخ. سمع صوتها أهالي الحي وأسرعوا إليها. وعند صعود الناس، ركضت قمر خارج المنزل. وجدت رجل من هؤلاء. توقفت خلف باب المنزل، ثم أسرعت في تغيير الاتجاه، راكضة وراكضة حتى اصطدمت بأحد.
ركضت قمر خارج المنزل، فوجدت رجل من هؤلاء. أسرعت في تغيير الاتجاه، راكضة حتى اصطدمت بأحد. أمسكها أبوها يسألها قائلاً:
حمدي: قمر، مالك بتجري كده ليه ونازلة بهدوم البيت كده ليه؟
رفعت عيونها إلى من يتمسك بها في حالة من الرعب، فوجدته أباها ومعه أخواتها عائدين من المدرسة. ارتجفت بين يديه وتلعثمت بكلماتها وهي تخبرهم.
قمر: مـ.....ا.....ما....... مـ.....اما......ا ..مـ....ات ....ت.
صعق حمدي إثر كلماتها المتقطعة. نظر لها بعدم فهم. رأى يدها ملوثة بالدماء، وفي لمح البصر خارت قواها وفقدت وعيها بين يدي أبيها. حملها متجهاً إلى المنزل مهرولاً، وبجانبه بناته الثلاثة ممسكين أيدي بعضهم والدموع تعرف مجراها على وجوههم. وقبل أن يصل على أول الحي، لمح رجل يرتدي الملابس الصعيدي وآخر يمشطون الحي بأعينهم. توقف عن السير، وفي الحال فهم ما ترمي إليه ابنته الملقاة بين ذراعيه. استدار وأخذ يركض حاملاً ابنته ويحث بناته الثلاثة على الركض في عكس الاتجاه هرباً من هؤلاء الرجال، من خطر واجهته زوجته بمفردها. يركض بفلذات كبده لا يستطيع إخفائهم عن أنظار هذا الثأر الذي أفقدهم أغلى ما يملكون، يبكي ويبكي حتى زالت الرؤية من عينيه.
فتحت عينيها ببطء، وجدت نفسها في مكان محاط بالأبيض في كل اتجاه. حركت عينيها مرات كثيرة حتى اتضحت الرؤية أمامها أخيراً وعلمت أنها في المشفى، وأخواتها يقفون حولها غارقين في دموعهم، وأبيها ممسك بيديها. أول ما رأتها شمس فرحت كثيراً مرددة:
شمس: بابا، قمر فاقت.
رفع حمدي رأسه وتهلل وجهه بالفرحة على عودة ابنته من غيبوبتها الطويلة قائلاً:
حمدي: قمر، أنتِ سمعاني؟ قمر يا بنتي طمنيني عليكِ.
قمر تنظر إلى اللا شيء، غير قادرة على النطق.
شمس: إجري نادي على الدكتور بسرعة.
أسرعت شمس تنادي عليه. دخل الطبيب حتى يعرف تطورات حالتها.
الدكتور: حمد لله على سلامتك، أنتِ سامعاني؟
قمر: ...
الدكتور: طب لو سمعاني اديني أي إشارة، حركي عينيكِ.
قمر: رمشت بضعف بعيونها.
الدكتور: ده شيء عظيم. طب حرك كده إيدك أو صوابعك؟
قمر: حاولت ترفع إيديها معرفتش، بس حركت صوابعها.
الدكتور: طب حركي رجليكِ كده؟
قمر: قدرت بصعوبة كبيرة تحرك رجليها.
أمسك الطبيب الملف الخاص بها، يدون ملاحظاته، خرج واستدعى حمدي متحدثاً إليه.
الدكتور: طبعاً حضرتك مش فاهم حاجة وعايز توضيح.
حمدي: الله يخليك طمني على بنتي ومتخبيش علي حاجة.
الدكتور: شوف يا حاج، أنت من ساعة ما جبت قمر وهي في غيبوبة، يعني قاعدة في العناية شهرين رافضة الحياة والعالم الخارجي. والحمد لله مؤشراتها الحيوية متضررتش، بس هتاخد وقت علشان ترجع زي الأول. هي حالياً فاقدة النطق، وإن شاء الله خير، هترجع كل حاجة تدريجياً. ادعيلها أنت بس.
حمدي: شكراً يا دكتور. يا رب، مالناش غيرك.
***
رجوع للوقت الحالي.
أغمضت عينيها وراحت في سبات عميق.
سمع حمدي صوت المؤذن ينادي الناس على صلاة الفجر. قام من شروده يتجه إلى الله، هو الوحيد الذي يعلم ما بداخله، هو الوحيد الذي بيديه ملكوت كل شيء وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. دعا ربه أن يفك كربه ويحل معضلته. كان يفكر كيف يأتي بأزواج لبناته، كيف ومن أين؟ وهل إن وجدهم سترضى الفتيات؟ كيف سيكون تقبل بناته لرجال لا يمتون لهم بصلة، أتوا من اللاشيء يأخذونهم إلى حياة مجهولة ومصير مجهول؟ وماذا إذا كانوا غير مؤتمنين؟ أي عقل يقول هذا؟ ماذا يفعل؟ أيعقل يبحث عن أزواج لبناته؟ وماذا سيقولون هؤلاء الرجال عليهن؟ هل يدلل عليهن؟
حين قال هذا، أوقفه عن التفكير صوت الإمام وهو يقول خطبة قصيرة عن السنة الغائبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
من السنن الغائبة والمستغربة التي هجرها أكثر المسلمين، وقد جاء ذكر هذه السنة في القرآن الكريم حين عرض الشيخ الصالح ابنته على موسى عليه السلام في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [27 سورة القصص آية 27].
فصاحب مَديَن يعرض ابنته على موسى عليه السلام، وقد جاء غريباً مهاجراً ولم يتحرج من هذا العرض، ولم يشترط في موسى أن يكون من قومه أو وطنه أو جلدته، وإنما اكتفى بشرط هو الدين والخلق والكفاءة.
أما السنة المطهرة فقد أكدت فكرة عرض الرجل ابنته على الرجل الصالح. أخرج الإمام البخاري في باب [عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير].
(إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت له: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر؟ فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعللك وجدت علي حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فلم أكن أفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتها). رواه البخاري.
فهل نجد الآن من يتصدى لظاهرة العنوسة ويواجهها بهذه السنة الغائبة والمستغربة عند كثير من الناس؟
وآخر دعوانا فيها أن الحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة.
وانتهت الخطبة وإقامة الصلاة، ونهض خارجاً من المسجد عازماً على هذا الحل الذي أهداه الله إليه ومصراً على تنفيذ مخططه.
***
مر اليوم الثاني مثل سابقه دون أي اعتراض، غير أن نورسين كانت تتحدث في الهاتف مع شخص مجهول.
نورسين ببكاء: مش هعرف أخرج.
...: ليه؟ مالك بتعيطي ليه؟
نورسين: خلاص مش هقدر أشوفك تاني.
...: أنتِ بتقولي إيه؟ إزاي يعني؟ أنتِ بطلتي تحبيني؟
نورسين: أغمضت عينيها بكسرة قلب. عمري ما حبيت ولا بحب ولا هحب غيرك يا أحمد.
أحمد: دي فزورة بقى؟ تنهي اللي بينا وتقولي بحبك!
نورسين ببكاء حاد وشهقات متتالية، قصت عليه ما حدث أمس من أبوهم وقراره المفاجئ وقصة زواجهم.
أحمد: ده لا يمكن يحصل أبداً، على جثتي إنك تكوني لغيري.
نورسين: مفيش في إيدي حاجة أعملها ومقدرش أخرج عن طاعة بابا.
أحمد: أنتِ مش هتعملي حاجة، أنا اللي هعمل. امسحي دموعك وافتكري وعدي ليكِ إني مش هعيش يوم واحد وأنتِ بعيدة عني، أنتِ فاهمة؟
صمت يأخذ أنفاسه ثم أكمل.
أحمد: سمسمه حبيبتي، أنتِ بتثقي فيّ ولا لأ؟
نورسين: طبعاً، مش محتاج تسأل ولا أقولك.
أحمد: يبقى خلاص امسحي دموعك اللي بتموتني دي وأنا هتصرف. سلام يا حبيبتي.
نورسين: لا إله إلا الله.
ابتسم على جملتها التي لا تنساها كل مكالمة، وهو يتعمد نسيانها حتى يسترجع ذكرى أول مكالمة.
نورسين محذرة: متقولش سلام. قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علشان نتلاقى تاني.
رد عليها مبتسماً على طفلته الباكية: محمد رسول الله. عازماً على أخذ محبوبته رغماً عن أنف الجميع، حتى لو استدعى الأمر إلى اختطافها، فهو يستحيل أن يعيش بدونها.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل التاسع 9 - بقلم عبير فاروق
بعد اعتكافه يومين متتاليين في أحضان أمه، لم يتزحزح انشأً واحد عن حضنها الدافئ. خرج في ظلام الليل يستعيد ذكرياته في طرقات طال الوصال إليها. طفولة يختزنها بين ثناياه، طفل في الثالثة عشرة من عمره.
أتته ذكرياته، وقف بجانب شجرة ضخمة جداً مربوطة بحبال متهالكة ذابت مع الزمان. أمسك بأطراف الحبال وابتسم من ذكرى طفولية.
بنت مثل الملاك تصغره بعدة أعوام، ينادي عليها.
فارس: حور... حور! حاسب هتقعي!
تجلس البنت على الحبال مثل الأرجوحة.
البنت: يوووه! قلت لك 100 مرة أنا ما اسميش حور.
ضحك فارس على براءتها معه.
فارس: لاااا! أنا شايفك حور، أصلك زي الملايكة.
ضحكت البنت من حديثه المعسول.
البنت: مش عايز تعرف اسمي إيه؟
فارس: لا لا مش عايز. انت بالنسبة لي حور وبس. ولما أكبر هتجوزك واسمي بنتنا حور.
غضبت البنت من حديثه، أوقفت الأرجوحة ووقفت أمامه وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بغضب شديد.
البنت: وأنا مش موافقة أتجوزك.
بادلها فارس بغضب مماثل.
فارس: وأنا ما باخدش رايك. لو موافقتيش هاخطفك وأتجوزك غصب عنك.
انتهت الذكرى. وتذكر أيضاً عندما ذهب إلى نفس المكان ولم يجدها. ثلاث أيام وعاد، وبعدها حادثة مقتل أبيه. عند تذكره لهذا اليوم، نغزه قلبه لذكرى أليمة.
خرج من الذكريات على صوت ياسين وعز يبحثون عنه في نواحي القرية.
ياسين: إيه اللي جابك هنا يا عم؟ انت لسه فاكر المكان ده؟
فارس مبرراً: عادي نزلت أتمشى، كنت مخنوق. سمعت جدك بيسأل عليا فقولت أسبهاله مخضرة.
عز مستفهماً: تتمشى بس ولا جاي ترجع اللي كان؟
فارس: بقولك إيه انت وهو؟ انتوا هتفوقوا عليا ولا إيه؟ روح يابا إجري ورا أختك الهبلة اللي طول النهار تجروا ورا بعض في الجنينة، وانت روح عند عمك والأرض اللي مسبتهاش من ساعة ما جيت وبتهرب فيها من وش سلطان.
ياسين بيقين: لسه فاكرها؟ ده إحنا كنا عيال صغيرين يا فارس. متهيألي انت لسه فاكر شكلها لغاية دلوقتي ولا حتى تعرف اسمها؟
سرح فارس في ملامح حوريته الصغيرة. "حوور" كما يدعوها. ولعن نفسه، ولو طال أن يلكم وجهه لفعل على غبائه، أنه رفض أن يعرف اسمها واكتفى باسمه الذي أحبه وأعطاه لها.
انتبه لياسين الواقف أمامه مباشرةً يحاول أن يقرأ تعابير وجهه قائلاً.
ياسين: مش قلت لك مش ناسيها. كنت عارف إنها هنا. وأشار إلى صدره. مكملاً: تصدق هي دي الحاجة البريئة اللي في حياتك كلها؟
فارس بنفي: فاكر مين يالا انت وهو؟ أوعى كده. لا يكون عز اداك حاجة تبلبعها.
ضحك عز وياسين على إنكار صديقهم.
عز لـ ياسين: يلا بينا يا سينو. هنعمل نفسنا مصدقين. بس احيات أمك ابقى استغطى وانت نايم بدال ما كل ليلة الكوابيس اللي بتبقى وأنا نايم جنبك. هتبوسني في بوقي واللهم اخزيك يا شوشو. بأه ولا يوم ما كنت متقل في الشرب شوية. كانت البت سالي بايته معانا. صحيت لقيتك ماسكها من شعرها وهي نايمة وعمال تقولها: "مشيتى وسبتيني ياحور هنت عليكي". لولا صحيت ساعتها كان شعر البت طلع في إيده. ولا واحنا صغيرين. كل لما يشوف عيون زرقا لون السما يجري على البنت ويبحلق فيها لحد ما يحسبوه مجنون. ولا، ولا أقول تاني؟ ولا كفاية كده.
احمر وجه فارس غضباً من ذكر أفعاله السابقة. وضحك ياسين عليهم متجاهلاً نظرات فارس الحارقة.
ياسين: إنجز يا عم بسرعة عشان هنسافر البلد الليلة. عندنا اجتماع على الساعة تلاتة. يا دوب نلحق.
فارس: هتسافر دلوقتي كده على طول؟
ياسين: إيه عندك مانع؟ ولا الشجرة وحشاك كده؟ أحسن من الصبح. هيكون الطريق رايق ونعرف نوصل بسرعة.
أخذ ضربة على كتفه من فارس عقاباً له على حديثه. متجاهلاً وقوفهم، تركهم ليجمع أشياءه ويودع أمه الحبيبة وعمته التي لم يرها ثلاث مرات بالكثير. فهي لا تهتم لأحد، بل يهمها فقط أن تجمع المال واكتساب الكثير من أصحاب النفوذ. فهي تعترف فقط بالسلطة والجاه والمال. هم مبدأها في الحياة. وهي تتودد إلى فارس لغرضها في الاستحواذ على الجزء الأكبر في ثروة سلطان الكبير. ففارس هو الوريث لهذا الجزء بحسب الشرع. فهو يملك نصف تركة سلطان. وهي الربع. وياسين الربع يرثه عن أمه المتوفاة. لذلك فهي تعمل على الاستيلاء على الميراث بأكمله. ولكن هذا الثعلب لا يقدر أحد على خداعه. فإنه يعلم بكل مخططها. وفي كل مرة يرد عليها بالفشل. فهي تريد أن تزوجه لابنتها ليلى. وكيف لا يعلم بذلك. ولكن هو لا يعبأ إلا بقلب هذه الصغيرة. ماذا إن أحبته؟ فهي بالنسبة له أخته مثل فارس. ويعلم أنها هي الأخرى تحبه مثل أخيها. ولكن لا يثق في تقلبات خطط عمته وماذا تنوي في المرة القادمة.
دخل غرفته يجمع أغراضه. تبعته أمه باكية تقف أمامه.
أمه: خلاص هتسبني وتسافر تاني؟ ملحقتش أشبع منك.
ترك ما بيده واحتضن أمه مجففاً دموعها قائلاً.
فارس: سامحيني يا أمي. كان نفسي تكوني معايا وفي حضني على طول. بس أنت عارفة إن شاء الله اليوم ده قريب أوي. أول ما أخلص من شرط سلطان ساعتها مش هيقدر يقف قدامي. انت عارفة أنا بحبك قد إيه ومقدرش أبعد عنك.
تذكر عندما عاد من سفره لاصطحاب أمه.
سلطان: أهلا أهلا. انت إيه اللي جابك هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟ أكيد جاي بعد ما تمرمطت وتزللت في الشوارع.
يضحك فارس بصوته عليه.
فارس: طبعاً كنت مستنيني اتقطع وأجي تحت رجلك هههههههه. وإزاي بس؟ اللي انت متعرفوش إن أنا الثعلب حفيدك يا سلطان بيه. وأنا كنت عارف كويس وعامل حساب اليوم ده. كنت فاكر لما توقف الفلوس اللي بتبعتها هرجع تحت رجلك وأتذل لك؟ لا تبقى غلطان. كنت واثق إنك هتعمل كده. بس اللي انت متعرفوش، ولا كلابك اللي بعتهم ورايا ما قلت لكش عليه. إن أنا واقف على رجلي من سنين وعندي فلوسي وشركاتي. اللي طبعاً لو عرفت بيهم يوم كنت دمرتهم. بس مش هتقدر. واسأل كويس. مين؟ الثعلب في سوق.
ابتسامة أشرقت بداخله. ثم أجاد إخفاءها. فهو يسمع عن هذا الثعلب. ولكنه لم ولن يتوقع أنه حفيده. ابتسامة فخر أخفاها سريعاً.
سلطان: تقدر تقولي يا ثعلب؟ انت جاي دلوقتي عايز إيه؟
فارس: طبعاً مستحيل أكون عايز منك انت حاجة. أنا جاي آخد أمي. وبعد ما نخرج من البوابة دي مش عايز أعرف عنك حاجة ولا يبقى ليك صلة بينا.
ضحك سلطان بصوته الجهوري.
سلطان: روح يا شاطر العب بعيد. أمك إيه اللي انت جاي تاخدها؟ لو انت بقى الثعلب صح وجاي عايز تاخد أمك يبقى تديني.
نظر له فارس بتفحص.
فارس: وأخرج دفتر الشيكات. هاا؟ عايز كام يا سلطان بيه؟
سلطان: اللي أنا عايزه. مال الدنيا كله ما يسواش فيه. أنا عايز تار ابني اللي مفروض انت تدور ومتسيبهوش. عايز أمك. آخذ عزاء ابني. وإلا مش هتطلع من هنا إلا على جثتها.
فارس: تارك اللي انت عايز تاخده؟ ما انت قتلت العيلة كلها. عايز إيه تاني؟ وبعدين انت فاكر إن أنا أوسخ إيدي عشان تار واحد زي ده.
سلطان بشدة: خلي تفكيرك لنفسك. واللي عندي قلته. عايز أمك تاخد تار أبوك. وهتفضل هنا. وأول لما ألاقيه هبعتلك تاخد تاره وأديك أمك. خلص الكلام لحد هنا.
نظر فارس إلى السلم الذي تقف عليه حياة الباكية. دموعها تنزل على وجهها من غضب السلطان عليها وعلى ابنها.
رجع فارس من أسوأ ذكرى عنده. وأكمل احتضان أمه واعداً إياها بهذا الوقت القريب. ثم تركها وغادر البلدة.
قبل صلاة الفجر، عزم حمدي أمره على أن يذهب لإيجاد أزواج لبناته. وبعد تفكير دام طويلا، وجد أن أفضل مكان يبحث فيه هو المسجد. ذهب إلى مسجد كبير على الطريق العام يبعد عن منزله منعاً للإحراج. جلس في أول الصفوف منتظراً إتمام الصلاة.
يجلس ثلاثتهم في السيارة. عز خلف المقود كعادته، وفارس بجانبه، وياسين في الخلف. كانوا يتناولون العصائر والمياه الغازية بشراهة في وقت الصيف ورطوبة الجو عالية.
نظر ياسين في ساعة يده قائلاً.
ياسين: عز أوقف عند أول مسجد يقابلك. عايز أصلي الفجر حاضر.
عز مكملاً: فكرة برضه. واستعمل W.C بالمرة. مش قادر.
ياسين باستهزاء: ده بدل ما تقول أصلي. عايز W.C. ربنا يهديك.
فارس: هشهشهششش. خلاص بقى. مش عارف أغمد عيني شوية منكم.
وبعد عدة دقائق، أوقف عز السيارة بجانب مسجد. نزل ياسين وعز تاركين فارس بمفرده. بعد فترة من الوقت، شعر فارس أنهم تأخروا عليه. فذهب يوبخهم. بعد انتهاء الصلاة، دخل المسجد يبحث عنهم في W.C. لم يجد أحداً. ظل يبحث بعينيه حتى وجدهم يقفون في وسط المسجد ومجموعة من المصلين يستمعون لشخص يقف على المنبر قائلاً.
حمدي: السلام عليكم ورحمة الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يستطيع منكم الباء فليتزوج". وأنا اقتدي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة بتاعته. وسمعت امبارح الخطبة بتاعت الشيخ وهو بيقول إن مش عيب الواحد يطلب جواز بناته. وأنا ياخواننا عندي أربع بنات. مش طالب من الله غير سترهم. وزي الرسول ما قال. من يستطيع منكم وأد الأمانة يتقدم. وأنا أجوزها له.
نظر بتفحص ينتظر رد فعل الناس.
وفي الجانب الآخر.
فارس: إيه يا ابني انت وهو واقفين كده ليه؟
أشار إليه ياسين: معنا. اصبر.
تقدم ياسين بين المصلين قائلاً.
ياسين: لا مؤاخذة يا حج. انت عايز تجوز بناتك كده ليه؟
نظر إليه بغضب إثر سؤاله، حيث شعر فيه اتهام لبناته. وبنظرة حادة.
حمدي: ملكش صالح. عايز تتجوز قول. مش عايز اتفضل.
عقد ياسين كلمات هذا الحمدي وأخذ ينظر إليه مستشعراً ما بين كلماته وأسبابه. محدثاً نفسه: الراجل ده ليه جيت الصعيدي؟ إيه اللي يخلي صعيدي يجوز بناته بالطريقة دي؟ وحشين مثلاً؟ مش ممكن. إذا كان أبوهم وسيم بالشكل ده. أشحال لما يكونوا بنات. فكر ياسين وأخذ الثواب.
ذهب إلى أصدقائه. عرض عليهم الأمر. يتحدثون بجانب في المسجد.
ياسين بعينين لامعة: هااا؟ إيه رايكم؟
فارس: رأينا في إيه؟ انت عبيط يا ابني؟
عز المستفهم: طب وانت رأيك إيه؟
ياسين: موافق طبعاً.
فارس فاتح فمه مدهوشاً: انت سامع نفسك بتقول إيه؟
عز: استنى بس يا فارس. لما نسمع وجهة نظره. مش يمكن تعجبنا.
حملق به فارس: تعجبنا إيه انت كمان؟
ياسين: اصبر بس. أنت لما بتعوز تقضي ليلة بتعمل إيه؟
فارس وعز ببلاهة: بنضرب عرفي.
ياسين: يعني على حسابتكو انتوا إن كده بتبقى مراتك صح؟
فارس وعز: صح.
ياسين: إيه بقى اللي يمنع إنكم تجربوا؟ ما هي هتبقى مراتك بردو.
فارس: لا يا عم. العرفي بتخلع منه. لكن الشرعي لا.
عازماً على تغيير نظرة أصدقائه وإخواته عن مفهوم الزواج والمرأة. فهي في نظر كل منهما للمتعة فقط. هي وسيلة لإشباع رغبات شهوانية فقط. في هذا الفارس لا يعترف بأنها نصف المجتمع. فهي بمثابة خادمة عاهرة ساقطة تسعى وراء المال والجاه فقط. ما عدا اثنين: أمه. وهذه الحور التي يبحث عنها في مناماته. ينادي كل ليلة عليها بعد كل هذه السنوات. والآخر عز. المرأة تمثل عنده كائن ضعيف يفضل التحكم. واتصلت عليها. وأنا سوف أعلم كل منهم درس لن ينساه.
ياسين: هو سيادتك لما واحدة تعجبك بتقضي معاها قد إيه؟
فارس: على حسب ما أزهق منها. وبعد كده بح...
يستمع إليهم عز صامتاً يتابع حديثهم.
ياسين: طب منت جاوبت على نفسك أهو. لما تزهق طلقها. وأهو حاجة كده. مش انت دايخ على خدامة منه تخدمك ومنه تمتع نفسك. وبرده لما يجي وقتها قولها بح...
أعجب عز بالفكرة.
عز: يا ابن اللذين. ده انت طلعت سهوان. كل ده مدكنه. طلعت واطي يامان. هههههههههه.
نظر إليه فارس بتفحص بعد ارتياح. مغمض عين وفاتح الأخرى.
فارس: مش مطمن لك. وانت بتضحك كده ليه؟
تصنع البراءة ياسين.
ياسين: أنا.... أنا هضرك بردو يافارس. مكنش العشم. طب جرب وانت هتخسر إيه؟
عز بموافقة: اشطة. وأنا موافق. هاا يا فارس اخلص.
فارس بعدم ارتياح: موافق. بس لو حصل حاجة كده ولا كده متلومش إلا نفسك.
اتجاه الشباب إلى المنبر الواقف عليه حمدي. يحادث المصلين.
تحدث ياسين: إحم... إحم... هو حضرتك اسمك إيه؟
حمدي: اسمي حمدي.
ياسين: اتشرفت بحضرتك. طب إحنا مستعدين نتحمل الأمانة في بنات حضرتك. قلت إيه؟
تقدم بخطوات سريعة. كان يتابعه منذ بداية الصلاة. وهو من الأساس كان يراقبه حتى يجد الوقت المناسب للإختلاء به. تفاجأ بصعوده إلى المنبر وطلب أزواج لبناته. تقدم باهتمام.
حمدي: ياحج أنا لي الشرف في نسبك. ومستعد آخذ بنتك دلوقتي وأكتب عليها لو حضرتك وافقت.
نظر إليهم يستشفي من وجوههم اللهو والعبث بأطفاله. ولكن وجد عليهم معالم الجدية والارتياح والتهذيب في حديثهم. نزل عن المنبر متجهاً إليهم محدثاً إياهم.
حمدي: اتفضلوا معايا. البيت قريب. نفطر ونتفق على التفصيل.
اتفضل حضرتك وإحنا وراك. نطق بها ياسين. وبالفعل ذهبوا إلى بيت حمدي. طرق الباب قبل أن يفتح كي يخلو له طريق. دخل الشباب بأنظار منخفضة. لمحهم حمدي وسعد كثيراً وعلم أنهم على قدر من الأخلاق. يجلسون في غرفة الصالون منتظرين قدوم حمدي. تقدم إليهم يحمل صنية كبيرة فيها بعض المأكولات وأخرى بها الشاي قائلاً.
حمدي: نفطر الأول عشان يبقى عيش وملح. أصل حق العيش والملح أقوى من أي عقد جواز. اتفضلوا.
تقدم الشباب إلى الإفطار. ما عدا فارس المتحفظ الذي لم يفتح فمه بكلمة واحدة. فهو حالياً يدرس هذا الرجل وكيفية التعامل من خلال حديثه. وبنظرات سريعة على محتويات الغرفة ثبت أنه ميسور الحال إلى حدا ما. وأن طلبه ليس طمعاً بالمال. وظل يستنتج. ولكن لم يصل إلى سبب.
بعد انتهائهم تحدث حمدي.
حمدي: نتعرف يا شباب؟ الاسم والوظيفة؟
تحدث ياسين بالنيابة عنهم: ياسين العدوي. مهندس معماري. ثم أشار. عز إسماعيل. إدارة أعمال. وابن خالتي. ثم أشار. فارس مج...
يتبع.
ياترى حمدي هيعرف فارس ولا إيه اللي هيحصل؟
وشخصية حوور الجديدة دي اختفت فين؟
وإيه أسباب اختفاها؟
وهتظهر تاني ولا لا؟
دُمتم متابعين.
بيروووو.
رواية ثأر بلا رحمه الفصل العاشر 10 - بقلم عبير فاروق
تحدث ياسين بالنيابة عن الشباب.
ياسين: ياسين العدوي، مهندس معماري. ثم أشار إلى عز.
عز: إسماعيل، إدارة أعمال وابن خالتي. ثم أشار إلى فارس.
فارس: وده... نظر إليه فارس بتحذير ثم أكمل هو. فارس الجندي، مهندس معماري وصاحب مجموعة شركات معمارية لها فروع في معظم العالم. نظر إلى الكائن بجانبهم ثم تحدث إليه.
أحمد: محمد، مدرس ثانوي في مدرسة الآنسات بنات، حضرتك.
نظر إليه حمدي بترقب.
حمدي: أنت تعرف بناتي؟
أحمد: أنا جاي على سمعة حضرتك وأدب وأخلاق الآنسات.
استشف حمدي من كلماته أنه يقصد واحدة بعينها.
حمدي: وحضرتك يا أستاذ أحمد جاي تطلب مين من البنات؟
أحمد: احم... احم. اتشرف بطلب الآنسة نورسين، ده بعد إذنك.
أعجب حمدي بلباقة أحمد في طلب ابنته وسعد كثيراً أنه يرغب في زواجها، على الأقل واحدة منهن ستسعد في حياتها الزوجية دون فرض أو ضغط. ابتسم حمدي معطياً له إشارة بالموافقة. سعد أحمد كثيراً على نجاحه في وفاء وعده لمحبوبته.
التفت حمدي إلى ثلاثتهم ووقع نظره على هذا المغرور فارس، إنه يجلس واضعاً رجله على الأخرى كأنه مالك الأرض وما عليها. ومع ذلك أحبه، لا يدري لماذا. وعزم على إعطائه قمر لأنه لا يناسبها إلا هذا المغرور. وترقب طيبة ياسين الظاهرة على ملامحه مثل الشمس، وشقاوة عيون عز مثل جنيته الصغير. تنحنح في جلسته قائلاً:
حمدي: طبعاً انتوا مستغربين من طريقة عرض الزواج دي. الحقيقة أنا عندي فرصة ولازم أسافر لمدة 6 شهور. وأنا ربنا مرزقنيش بولد أتسند عليه وأسيب بناتي أمانة في رقبته. فكرت أمشي على سنة الرسول والصحابة بأني أخطب لبناتي وأختار لهم أزواج صالحين. واخترت وقت صلاة الفجر عشان ألاقي ناس طيبين يتقوا الله فيهم. بس عندي شرط لإتمام الجواز.
نظر الشباب بعضهم إلى بعض.
حمدي: أنا مش هطلب مهر ولا شبكة ولا فرح. هو شرط واحد. لو الكلمة تقيلة اعتبروها طلب. احم... احم... مفيش طلاق قبل 6 شهور. ولو واحد فيكم محبش يكمل، يسيبها في بيته معززة مكرمة لحد ما أستلمها منه بنفسي زي ما سلمتها له. غير كده في بند في عقد الجواز. ده وفي حالة مخالفة هتدفع لبنتي 50 مليون. هو ده شرطي. متفقين؟
رد أحمد بدون تفكير: أنا موافق جداً.
نظر فارس إليه مندهشاً من موافقته السريعة دون تفكير، ثم إلى عز وياسين بنظرات اعتراض. أسرع ياسين في الرد قبل فارس قائلاً:
ياسين: وإحنا كمان موافقين.
اشتغلت نظرات فارس ود لو يلكمه على تسرعه في الموافقة.
حمدي: يبقى على بركة الله.
أثناء حديثهم سمع طرق عنيف على الباب. أسرع بحذر، تدافع إلى الوراء عقب دخول هشام بقوة وهو يعنفه وتعالت أصواتهم. خرج إليه الشباب بعد حديثه.
هشام: بقى كده يا عم حمدي، دي آخرتها؟
حمدي: في إيه يا أسطى هشام، وإيه الدخلة دي؟
هشام بغضب: سمعت إنك هتجوز بناتك، مظبوط ولا لأ؟
حمدي بتأكيد: أيوه الكلام مظبوط. عندك مانع؟
تزايد غضب هشام: آه عندي مانع. جوزهم كلهم إلا قمر... قمر دي بتاعتي.
اشتغلت نظرات حمدي: بتاعتك إيه، أنت اتجننت؟ متعقل كلامك يا أسطى. كلامك ده تضيع فيه رقاب وخلاص ما منهوش فايدة. الكلام ده قمر اتجوزت خلاص.
صعد أهالي الحي عقب استماعهم أصوات خناق. تجمع الكثيرون.
كور هشام قبضت يده ولكم على باب المنزل قائلاً:
هشام: هو مين ده اللي يستاهل قمر؟ أنا قايل عليها الأول وأنا أولى بيها من حد تاني.
نظر حمدي إلى الشباب الثلاثة يتفحص ملامح وجوههم. رأى غرور فارس وبذرة غضب في عينيه، ثم أشار عليه قائلاً:
حمدي: هو ده جوز قمر. أهو قدامك. اتفق معاه وشوف هيقولك إيه.
وفي ذلك الحين حاول هشام الهجوم عليه. أمسك به رجال الحي وهو بين أيديهم بنبرة أمر محذراً قائلاً:
هشام: طلقها. أنت هتطلقها ورجلك فوق رقبتك وإلا هموتك بإيديا دول.
وقف فارس يضع يده في جيب بنطاله ولا يهتز له جسد ولا يرجف له رمش. وضع ساقه أمام الأخرى مبتسماً باستفزاز مما أشعل تلابيب غضب هشام. صعد أسطى خلف يجذبه من ملابسه محدثاً: إيه، خلاص الأمر نفذ. ملكش نصيب فيها. اعتذر لحمدي على انفعال ابنه. رد عليه حمدي قائلاً:
حمدي: ولا يهمك يا أسطى خلف. هشام زي ابني مش زعلان منه. اللي مفروض يزعل هو جوزها.
نظر إليه الأسطى خلف: إحنا آسفين يا أستاذ. قمر بنتنا ومحدش يقدر يتكلم عليها كلمة واحدة. ومبروك. السلام عليكم.
خرج أهالي الحي وبعد فض الشجار وخلت الشقة على حمدي والشباب والبنات في الداخل يستمعون إلى كل ما يحدث.
كانت نظرات حمدي وفارس إلى بعضهما تحمل تساؤلات. لماذا أنا وليس أي أحد غيري؟ ابتسم حمدي بخفة عقب تفهم نظرات فارس ولم يعقب عليها. أكملوا حديثهم وبعد ساعة خرج هو والشباب إلى أقرب مأذون لعقد قران البنات بتوكيل عام موافق إلى أبوهم كان يستعمله أثناء تنقلهم من مكان لآخر لتخليص أوراق البنات. وبعدها اتفقا معهم على أنه هو من سياتي بهم إلى منازلهم بعد غد. وافق الشباب. أعطى ياسين كارت به أرقام الهاتف وعنوان الشركة ولم يعط له عنوان المنزل لحين ترتيب كل منهم مسكن خاص لأنهم يعيشون في مسكن واحد. وانتهى اليوم إلى هذا الحد مكملاً كل واحد منهم طريقه.
"والله مش مصدق اللي إحنا عملناه ده. أنا إزاي طاوعتكم كده."
نطق بها فارس في حالة ذهول من نفسه على انصياعه وراء هراء ياسين وعز.
عاد حمدي إلى بيته يبحث عن البنات. وجدهم في غرفة قمر وهي جالسة على فراشها، حاضنة إياهم، متمسكين بها بقوة. فتح الباب وجدهم بهذا الحال. تقدم إليهم فاتحاً ذراعيه. ركضوا إليه يحتضنهم وقد علا صوت شهقاتهم بين يديه. ذرفت دموعه. يتمسك بهم، هل يطمئنهم؟ لا، بل هو الذي يحتاج إلى الاطمئنان. نظرت إليه قمر بعيون غارقة في بحر من الدموع. فهمت خوفه. امتدت يدها إلى عينيه ماسحة دمعته، تنظر إليه بكل ثقة. الحنان والأمان الذي طالما وجده لديها يتحدثان بأعينهما فقط دون النطق بأي كلمة.
حمدي: اعتمد عليك.
قمر: أنت سندي وضهري.
حمدي: وأنت أماني وحضنهم.
قمر: بيك وليك.
حمدي: أنت أمهم.
قمر: وأنت كل اللي ليا.
حمدي: أنت ها تخلي بالك منهم؟
قمر: ارجع لي بسرعة.
حمدي: هرجعلك بس لو معرفتش...
قمر: بنظرة رجاء، ما تكملش.
حمدي: دي أعمار.
قمر: ربنا ما يرضاش بالظلم.
حمدي: أوعديني.
قمر: أوعدني أنت الأول.
حمدي: أوعدك بإيه؟
قمر: إنك ترجعلي. أنا من غيرك أم...
حمدي: أوعي تكملي.
قمر: مش بتقول دي أعمار؟
حمدي: ونعم بالله.
قمر: هستناك ترجعلي وتاخدني تاني.
حمدي: راجعلك تاني.
قمر: وأنا واثقة في ربنا.
حمدي: لا إله إلا الله.
قمر: محمد رسول الله.
بعد يومين مروا سريعاً دون أحداث. جاء أحمد إلى منزل حمدي.
حمدي: يلا يا بنات هنتأخر. الطريق طويل ولسه هسلمكم لجوازكم.
روكا: حاضر يا بابا، خلاص أهو.
سمع طرق على باب المنزل. أسرع حمدي يفتح لمن الطارق. وجده أحمد. تبسم حمدي على هذا الذي لا يستطيع الانتظار حتى يذهب إليه هو. تحدث إليه.
حمدي: أهلاً وسهلاً يا أستاذ أحمد.
أحمد: أهلاً بيك. العفو يا عمي. هو حضرتك مش معتبرني ابنك ولا إيه؟
حمدي بمحبة: طبعاً يا ابني. أنا في ديك الساعة.
أحمد بعفوية: طب من أولها كده مفيش أستاذ دي تاني. في أحمد وبس. ولو زنقت معاك قوي يعني قولي يا واد يا أحمد.
حمدي بضحك: طب اتفضل يا أحمد.
أحمد مبتسماً: أيوه كده يزيد فضلك يا عمي. إزاي حضرتك؟
حمدي: الحمد لله يا ابني.
أحمد: احم... احم... أنا آسف إني أنا اللي جيت رغم إن حضرتك قولت إنك أنت اللي هتجيب نورسين، بس اسمح لي أنا اللي آخدها. نور غالية عليا وما يرضينيش إن هي اللي تجيني لغاية عندي. نور الدنيا كلها هي اللي توقف وتمشي لها بالمشوار وتكون تحت رجليها.
ربت حمدي على كتف أحمد واحتضنه من فرط سعادته. فقد اكتسب ابناً له.
حمدي: أنا دلوقتي أدهالك وأنا مغمض عيني ومتطمن 24 قيراط. ومن النهاردة أنت ابني وأخ للبنات.
أحمد بمشاكسة: أخ بناتك إيه؟ هو أنت رجعت في كلامك ولا إيه؟ لا قولي يا أستاذ أحمد أحسن.
ضحك حمدي: ومش هوصيك على نور عيني. أنا هوصيها على ابني.
فرح أحمد من هذه الثقة التي اكتسبها عن جدارة وحب.
أحمد: طب ممكن بقى عروستي، لحسن خلاص مش قادر أستنى أكتر من كده.
ضحك حمدي ونادى على نورسين التي كانت تقف تتابع الموقف هي وأخواتها ممسكين أيدي بعضهم. احتضنوها مودعين إياها، فرحين لسعادة أختهم التي نالت ما تتمناه. على الأقل واحدة منهم نالت مبتغاها، مطمئنين عليها لأنها هي التي ستفارقهم. فقد علموا أن قمر وشمس وروكا أزواجهم أقارب. وبما أن قمر هي درعهم الحامي وأمهم الحنون، كانت قلقة على نورسين. ولكن بعد أن رأت هذا أحمد شعرت بالارتياح له. تقدم إليها محدثاً إياها.
قمر: السلام عليكم يا أستاذ أحمد.
أحمد يقف ينظر إليها مستنتجاً من تكون هي.
أحمد: وعليكم السلام يا... يا بشمهندسة، صح؟
ابتسمت القمر ونظرت إلى نورسين: واضح إنك تعرفني.
نظر أحمد إلى حمدي متحمحماً.
أحمد: احم... احم... آسف بس عمي قال إنه عنده بشمهندسة ودكتورة وروكا. أنا عرفها واستنتجت...
ابتسمت قمر على الرد المنطقي.
قمر: واستنتاجك في محله، بس أحب أوضح لك حاجة صغيرة. إني مش اختهم، بس أنا أمهم اللي ربت وكبرت ودلعت وشالت هموم وهم، وهي لسه عندها 7 سنين. يعني مفهوم الأمومة عندي يختلف عن أي أم. تقدر تعتبرني كده زي القطة اللي بتنط بعيالها السبع بيوت وهم في بقها عشان توفر لهم الأمان. ومعنديش استعداد إني امسح دمعة في عينيها، مش تتأذى. لأن قبل ما حد يفكر يأذيها، هيلقيني أنا قبلها.
أحمد باطمئنان: حضرتك مش محتاجة تقولي الكلام ده. نور في عيني، مستحيل أفكر أو أسمح لحد يأذيها.
قمر بطيبة: عارفة ومتأكدة، واثقة فيك. بس كان لازم أوضح الكلام ده. ودلوقتي أقدر أسلمك عروستك بإيدي. مدت يدها ساحبة نورسين في مقابل أحمد.
أحمد بمراوغة: لا مش عايزها.
تفاجأ الجميع برد أحمد. نظرت نورسين إليه ثم إلى أخواتها بحزن شديد. انطفأ نور وجهها. وقبل أن يتحدث أحمد، أخرج علبة عليها قطيفة حمراء متوسطة الحجم بها خاتم بفص زجاجي بألوان مختلفة، وسلسلة وانسيال على نفس الشكل. ووضعها أمام أعينها ثم هتف قائلاً:
أحمد: مش هاخد عروستي إلا لما ألبسها الشبكة. هو في عروسة من غير شبكة وفرح؟
تحول الموقف من اندهاش وحزن وغضب إلى فرح وسعادة. فرحة أضاءت نور وجه نورسين. أمسك يدها بيده الأخرى. نظر إلى قمر قائلاً:
أحمد: ممكن ألبسها الشبكة يا أم العروسة؟
ابتسمت قمر بشدة ودمعت عيناها من فرط سعادتها على زوج أختها. نظر إلى حمدي وشمس وروكان اللتان لا تختلفان عن قمر فرحين لأختهم. وبعد الانتهاء من تلبيس الشبكة، وضع قبلة على يدها بمحبة أمام أعينهم مردفاً:
أحمد: ثانية وحدة و جاي.
اخفضت رأسها بكسوف من فعلته أمام أبيها وأخواتها. خارجة من باب المنزل إلى سيارته تحت نظراتهم المتسائلة. ظهر مرة أخرى وبيده شنطة هدايا كبيرة. وضعها أمامها.
أحمد محدثاً إياها: اتفضلي.
أمسكتها نورسين بعيون سائلة. سبقها حمدي بالسؤال:
حمدي: إيه ده يا ابني؟
أحمد: فستان لعروستي. أه، هو مش فستان فرح أبيض كبير، بس هو مناسب لأحلى عروسة.
ثم نظر إلى حمدي: آسف يا عم، أصلي استحالة آخد عروستي بالمنظر ده.
رجع حمدي بنظره إلى ابنته الواقفة أمامه. وجدها ترتدي عباءة سوداء، وأخواتها مثلها. نظر إليها بحب ثم إلى أحمد.
حمدي: والله يا ابني، معرفش هم مسودنها ليه.
ثم ثبت أنظاره إلى قمر الواقفة أمامه متسائلاً:
حمدي: انتوا هتروحوا بيت جوزكم كده؟
قمر: هو ده لبسنا. عندك مانع؟
نظر حمدي لها بعتاب. بادلته نفس النظرة. فهم أحمد حديث العيون. رد عليه قائلاً:
أحمد: والله يا عمي، هما بسم الله ما شاء الله أخواتي. نظر إليهم: تسمحولي تبقوا أخواتي؟
تبسمت البنات موافقين على حديثه. ردت شمس:
شمس: أكيد نسمح لك. انت أخدت حتة مننا، يعني انت دلوقتي تعتبر نفسك أخونا.
أحمد: ودي أجمل حاجة في الدنيا إني يكون عندي نظر لشمس أجمل، ثم روكا وأشقي، ثم لقمر وأجدع أخوات.
ضحك الجميع وتمنوا أن يتوقف الزمن كي لا يفترقوا عن بعض.
أحمد: احم احم.. تسمحولي بقى آخد عروستي وأطير.
ودعت نورسين أباها وأخواتها. وقفت أمام روكان قائلة:
نورسين: هتوحشيني يا نصي المجنون.
روكان: هتوحشيني يا نصي العاقل الحلو.
احتضنا بعضهما. ثم احتضنت شمس قائلة:
شمس: مش هنسى نصائحك في غرفة عمليات المطبخ. هههههه.
ضحكت شمس هي والبقية. ثم اتجهت إلى قمر تحتضنها.
نورسين: هتوحشيني يا ماما قمر.
بادلته قمر الأحضان بحنان أم قائلة:
قمر: وانت يا روح قمر، أي وقت حسيتي إنك عايزة تكلميني، محتاجاني، كل يوم انت فاهمه. انت مش لوحدك، أوعى تحسي كده أبداً.
نورسين: حاضر يا ماما قمر.
تركتهم. أمسكت بيد زوجها وحبيب قلبها أحمد وغادرت بيتها لبداية حياة جديدة.
استدعى حمدي سائق تاكسي كي يوصل بناته إلى القاهرة، كل منهم إلى بيتها. استقلوا السيارة. وأثناء طريقهم نظر إليهم السائق قائلاً:
السائق: وحدوووووه، إيه يا جماعة مالكم ساكتين ليه؟ اشحال إن الحاج قايل إنكم عرايس ورايحين لعرسانكم.
نظرت إليه البنات بعينين تلمع بالدموع من خلال المرآة. وعندما رآهم السائق بهذه الحالة، أحب أن يغير الحديث قائلاً:
السائق: طب أنا هبسطكم وأعملكم أحلى زفة. وكبس زر الكاست بالسيارة. وورد إلى مسامعهم صوت أسامة منير، برنامج كلام في الحب.
"النهاردة حبيت أتكلم عن الفراق، المواقف الكتير اللي مرينا بيها. مواقف الفراق يحسسك الكون بيوقف ثواني، وأحياناً تحس إن حياتك انتهت من بعد موقف يجرحك. وبعض الناس تنسى الجرح ده بسهولة، ولكن بعضهم بيعيش معاهم لفترة طويلة. الفراق لما يبعد عنك إنسان كنت تحس في يوم من الأيام نصفك التاني، ويجي القدر في يوم وليلة ويطلع الإنسان من حياتك. والمؤلم إنك مش تقدر تتكلم وتطمن عليه. الفراق والآلام والحب، كتير بيسألني هو الفراق مقتصر على الحبيب بس؟ طبعاً لأ. الفراق بيشمل كل حد غالي أو عزيز على قلبك، ممكن صديق أو أخ أو زوج أو أم أو أب. الفراق اسم تاني للآلام. بشكر صاحبة الرسالة وأسيبكم مع الأغنية ووو كلام في الحب على إف إم 0.6."
والله يا مية خسارة.. القسوة ماهيش شطارة
لو فيكي رحمة يا دنيا.. طيب إيه الأمارة
صعبانة عليا نفسي.. مش قادر أسيبكوا وامشي
وأودع كل حاجة.. قدام باب العمارة
يعني الذكرى الجميلة.. وسنين عمري الطويلة
فجأة بسببك يا دنيا وقفوا عليا بخسارة
ومع السلامة السلامة.. مع السلامة.. مضحوك علينا م الدنيا ياما
ومع السلامة السلامة.. مع السلامة.. دنيا غريبة ومفرقانا
شايف ف عنيكوا دمعة.. شايل منها ف عنيا
ومافيش حاجة بإيديكوا.. ولا فيه حاجة بإيديا
مش مستحمل أشوفكوا.. قاعدين بتداروا روحكوا
وماحدش فيكوا قادر.. ييجي يسلم عليا
لو تبعدنا الليالي.. لكن دايماً في بالي
دنيا بتجمعنا مرة وتفرق بينا ميه
ومع السلامة السلامة.. مع السلامة.. مضحوك علينا م الدنيا ياما
ومع السلامة السلامة.. مع السلامة.. دنيا غريبة ومفرقانا
سكة يا عالم آخرها.. ومافيش قدامنا غيرها
وسنين سايبالنا دايماً.. في قلبنا علامة
وتعبت يا دنيا فيكي.. من همي دعيت عليكي
خدتي حقوقك وحقي.. سايبه ليوم القيامة.
طول سماع الأغنية نظرات حمدي لا تفارق بناته ويرى بكاءهم الصامت يزداد حزنهم. كلمات هذه الأغنية يرى من خلالها شريط حياته يمر أمامه دون توقف. وكل منهم يبكي حياتهم تمر أمامه. ضحكهم، حزنهم، طفولتهم بكل ما فيها. أغلق السائق الكاسيت قائلاً:
السائق: ناس غم يبعد عنكم. أنا اللي قولت نفرفشكم. اديني جيت أكحلها عمتها. ااااااه لو صوتي حلو شوية كنت غنيتلكم أنا. بس أجرب يمكن تكتشفوني. هههههه.
ياليلي ليلي يا ليلي يا ليل ليلي ليلي ليلي ياااااااااا ليل. اه اه اه. كتاكيتي كتاكيتي صو صو صاو صو صو صاواااااااا. بيتك بيتك بيتك كتاكيتي صو صو صو صو صو صو. كوكو كوكو كوكو. حب ايه اللي انت جاي تقول عليه. انت عارف ابله معنى الحب ايه. هش هش يا ديك الفرخه دي مش ليك.
وعندما صمت عن الغناء، نظر في مرآة السيارة. وجد البنات وحمدي ينظرون إليه بصدمة. وفجأة انفجروا ضاحكين على طريقة الغناء وصوته الذي لا يمت للأصوات بشيء. ضحك معهم وهو متعمد هذه الطريقة المهرجة لإخراجهم من جو الكآبة والبكاء الذي كانوا فيه. توقفت السيارة عند باب عمارة ضخمة في منطقة من مناطق القاهرة الجديدة، حي راقي بمعنى الكلمة في كل ما فيه. ڤيلات عبارة عن شقق مجمعة من طابقين أو ثلاثة. أخرج حمدي الكرت الذي أعطاه له ياسين يتأكد من العنوان. أخرج هاتفه وضغط عدة أزرار وأرقام. جاءه الرد وكان ياسين.
حمدي: السلام عليكم يا ياسين يا ابني.
ياسين: وعليكم السلام. مين معايا؟
حمدي: أنا حمدي أبو مراتك.
ابتسم ياسين: أهلا أهلا يا عمي. إزيك حضرتك؟
حمدي: الله يسلمك يا ابني. إحنا وصلنا قدام باب العمارة.
ياسين: إزاي كده؟ طب ما قولتش ليه إن حضرتك هتوصل النهاردة؟ كنت بعت لكم عربية.
حمدي: حصل خير يا ابني. أنا اتصرفت. ما تشيلش همي. المهم انتوا فين؟
ياسين: أنا آسف يا عمي. بس المفروض كنت اتصلت بيا على الأقل تبلغني إن حضرتك هتوصل النهارده. كنت أبقى في انتظارك. بس إحنا حالياً في الساحل عندنا اجتماع في القرية السياحية وهنوصل على آخر النهار.
حمدي: طب والعمل دلوقتي؟
ياسين قاطع كلمته: اهدا يا عمي. البواب معاه مفاتيح الشقق بتاعتنا. حضرتك خليك مكانك وأنا هتصرف.
حمدي: خلاص يا ابني. بس مش هوصيك على البنات. أنا مش هقدر أستناك لإن طيارتي بعد ساعتين ولازم أمشي. بس آخر كلمة هقولها ليك: الأمانة هسألكم فيها عند رب العالمين يوم القيامة.
ياسين: في رقبتي يا عمي. اتكل على الله. ربنا يرجعك بالسلامة لينا. وإن شاء الله هحاول أتواصل معاك بس أول ما توصل اتصل طمني عليك.
حمدي: مع السلامه يا ابني.
بعد انتهاء الاتصال، أتى إليهم البواب مهرولاً.
البواب: يا أهلا يا أهلا يا أهلا بالهوانم والبيّه. اتفضلوا اتفضلوا. ياسين بيه سايبلكوا يا هانم المفتاح الشقة والعماره دي كلها بتاعتهم. نورتوا والله. بس هي ثلاث تدوار. ياسين بيه في الدور الأول، وعز في الدور الثاني، وفارس بيه في الدور الثالث، أصل ما بيحبش الخنقة. هههههههه. والأماكن المقفلة. يا مرحب يا مرحب يا 300 أهلا وسهلا.
فتح البواب شقة ياسين. وقف أمامها حمدي مودعاً شمس بالأحضان والقبلات والدموع. ثم صعد إلى الدور الثاني وفتح شقة عز وأدخل بها روكا. ودعها حمدي قائلاً:
حمدي: عايز لما أرجع ألاقيِك لسه شقية زي ما انتي. أوعي نظرة الشقاوة اللي في عينيكي تروح أو تطفي. سمعاني يا روكا.
روكا: سامعاك يا بابا.
وصعد إلى الدور الثالث حيث ستسكن قمر. وكان أسرع وداع هو لقمر. احتضنها وزاغ بعينيه هرباً منها حتى لا يفقد تصنعه بالشجاعة والقوة. دخلت كل منهم تتعرف على منزلها. تشعر بالغربة من أول دقيقة. تفقدت الفتيات محتويات المنزل. فكل الشقق على نفس المنوال. في كل شقة يوجد ثلاث غرف نوم، كل غرفة بها حمام، وريسيبشن كبير به أثاث أنيق، غرفة مكتب، غرفة المعيشة، غرفة ألعاب رياضية كبيرة، ورووف ساحر، ومطبخ أمريكي. وكانت أقل ما يقال عنها أنها شقة لأن كل شقة فيلا منفصلة عن الأخرى. جلست كل واحدة منهم تنتظر قدرها بملابسها السوداء وحقيبتها بجانب الباب. لا تدري بأي غرفة تضعها. حل عليهم الليل وجاء موعد الشباب. وصلوا إلى بيوتهم. وقبل صعودهم تحدث ياسين إلى البواب.
ياسين: يا محمود تعالى هنا.
محمود: أيوه يا ياسين بيه.
ياسين: عملت اللي قلتلك عليه.
محمود: حصل يا بيه. جبت الغدا لكل شقة وبعته مع فتحية مراتي والهوانم. كل واحدة خدتها من ورا الباب. طوال...
ياسين أخرج من محفظته نقودًا وأعطاها للبواب.
محمود: تشكر يا بيه، من يد ما نعدمهاش.
وتقدم إليهم صاعدين إلى منزلهم.
فارس: كنت بتعمل إيه؟
ياسين: كنت موصيه على غدا البنات.
فارس: لا والله فيك الخير، وإزاي أبوهم يسيبهم ويمشي كده من غير ما يشوفني ولا إيه؟ ما صدق خلص منهم.
ياسين: يا أخي ما اتقدمش سوء نية، الراجل كلمني وطَيَّارته كمان ساعتين، كنت عايزه يعمل إيه؟
عز بضحكة خبيثة: الليلة ليلتك يا معلم وهتتجوز هتتجوز، ده إحنا نهارنا فل، أنا إجازة من بكرة.
ضحك فارس وياسين على مرح عز.
فارس: اللي يشوفك كده يقول أول مرة تشوف بنات.
عز بمرح زايد: مش عارف بقى يا فراستي، بس الحلال طعمه حلو.
ياسين: ولسه لما تشوف عروستك هتبسط أكتر.
أمسك عز ياسين من تلابيب قميصه: وعرفت منين يا خفيف؟ هو أنت شفتها؟
ياسين: لا ما شفتهاش، بس من شابه أباه فما ظُلم، وأبوها حلاوة كده ومسمسم.
ههههههه. ضحكوا سوا.
صعد كل منهم إلى شقته، يضع كل واحد منهم المفتاح في الباب، وتيك تاك توك انفتح الباب.