تحميل رواية «طائر النمنمة» PDF
بقلم ملك العارف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ل 1 - "صمت دائم"تيك تيك تيك"إشارات ضبط الوقت و قد أعلنت منتصف ليل القاهرة" جملة نطقها مذيع راديو إذاعة القرآن الكريم صدحت من الراديو الأنيق المعلق فوق الحائط، تلك الجملة التي اعتادت سماعها وهي تجلس بمفردها في منزلها تنتظر زوجها الذي لا يعود إلا بعد ساعة أو ساعتين من الأنتنهدت بثقل وهي تشعر وكأن الملل قد مل منها، حدثت نفسها بشرود قائلة: أنا مش فاهمة مستنية إيه قومي نامي، متخلية لو جه هيقعد معاكِ وتتكلموا مع بعض شوية زي أي اتنين متجوزين لا سمح الله مثلا، ولا هتتعشوا سوا ويحكيلك يومه كان عامل إزاي؟...
رواية طائر النمنمة الفصل الأول 1 - بقلم ملك العارف
"صمت دائم"
تيك تيك تيك
"إشارات ضبط الوقت و قد أعلنت منتصف ليل القاهرة"
جملة نطقها مذيع راديو إذاعة القرآن الكريم صدحت من الراديو الأنيق المعلق فوق الحائط، تلك الجملة التي اعتادت سماعها وهي تجلس بمفردها في منزلها تنتظر زوجها الذي لا يعود إلا بعد ساعة أو ساعتين من الأن
تنهدت بثقل وهي تشعر وكأن الملل قد مل منها، حدثت نفسها بشرود قائلة:
أنا مش فاهمة مستنية إيه قومي نامي، متخلية لو جه هيقعد معاكِ وتتكلموا مع بعض شوية زي أي اتنين متجوزين لا سمح الله مثلا، ولا هتتعشوا سوا ويحكيلك يومه كان عامل إزاي؟
متبقيش موهومة وتحاولي تغيري وضع أنتِ عارفة إنه مش هيتغير.
لكنها هتفت من جديد:
بس زي ما هو كان مُجبر علي الوضع ده أنا كمان كنت مُجبرة، فلو مش هنكون زوج وزوجة طبيعيين علي الأقل نتعامل مع بعض كـ اتنين كبار ناضجين، لكن جو يعتبرني شماعة ولا كرسي ده مش نافع أنا تعبت، ده حتي مش بيخليني أخرج وحدي!
مرت ساعة أخري قد أوشك سلطان النوم أن يجذبها لـعالم الأحلام لكنه هرب حينما انفتح باب الشقة و طل زوجها من خلف الباب ببذلته الميري، حمحم بخشونة حتي تستيقظ
فركت عيناها بِنعاس وهي تلقي بنظرها نحو الساعة التي أشارت عقاربها للساعة الواحدة و النصف استقبلته وهي تتجه خلفه للداخل قائلة بصوت هادئ:
حمد الله علي السلامة.
هز رأسه دون إجابة وهو يفك أزرار بذلته بهدوء
اتجهت للخارج وهي تخبره
هسخن الأكل علشان تتعشي.
ولكنه كالعادة خيب آمالها قائلًا:
مش عايز
زفرت بضيق وقد طفح منها الكيل وعادت له برأسها
اسمع بقي أنا هسخن الأكل و أنت هتاكل معايا، أضعف الإيمان يا أخي.
ظل يرمقها مطولًا دون رد تنهد وهو يجلس فوق الكرسي خلفه قائلًا باستسلام:
يا ريت بسرعة عايز أنام.
غادرت وعلي وجهها ابتسامة منتصرة، دخلت للمطبخ وأشعلت الموقد أسفل أواني الطهي
نظرت من النافذة أمامها وهي تتحدث بخفوت:
الله يسامحك يا ماما أنتِ اللي أكلتي بعقلي الحلاوة بكلامك اللي خططتم ليه أنتِ وسيادة اللوا أبويا، هقول إيه بقي.
قامت بتقليب الوعاء الحاوي لحساء الفاصولياء وهي تشم رائحته التي انبثقت منه بتلذذ وعادت تكمل:
معرفش جبت عقل منين علشان اتجوز حد مش بحبه ولا بيحبني لاء و كمان رافض مبدأ الجواز و إيـ…
قطع استرسالها في الحديث، سماعها لصوت تأوه خافت مكتوم صدر منه، أتجهت للغرفة بقلبٍ وجل، وجدته يحاول ارتداء قميصه ولكن حال جرح كتفه دون ذلك شهقت بفزع لرؤيته مصابً بهذا الشكل تقدمت منه مسرعة بلهفة
_سلامتك، إيه اللي عورك كده، أنت أتخانقت مع حد ولا إيه؟
رد بهدوء ولكن بان الألم في نبرته يخبر بأن حركته تركت أثرًا في جرحه:
أنا كويس مفيش حاجة.
لكنها أصرت:
ايوة برضو من إيه، وسطحي ولا كبير، فهمني!
قالتها وهي تحاول استكشاف كتفه من أسفل الضمادة الطبية لكن لم يفلح معها وطال صمته حتي تحدثت من جديد بضيق
يابني رد عليا، الجرح كبير؟ و مين عمل فيك كده؟
جذبها بذراعه السليم لتجلس أمامه فوق الفراش قائلًا بنفاذ صبر:
ممكن تهدي شوية، دي مش أول مرة أتصاب، عادي كنت بتدرب وكان في مسمار في الحيط خبطت فيه.
انسكب القلق من عيناها دمعة سقطت فوق وجنتها وسألته
_هي كبيرة طيب؟ بتوجعك؟حاسس بإيه؟
أجابها بالنفي:
مش بتوجعني لاء، والجرح سطحي، وفيه ألم بسيط هاخد مسكن و أنام وهبقي كويس.
لازال القلق مرسومًا فوق ملامحها فقال:
في عشا ولا أنام.
أجابت وهي تجذب منه قميصه
لاء خلاص هغرف علطول.
وضعته في رقبته وهي تسأل بضيق
لما أنت متعور وعارف مش هتعرف تلبس وحدك، قولي اساعدك.
جلست أمامه وهي تنزله علي جسده خاتمة حديثها بسخرية:
اعتبرني مراتك يعني و اسمحلي أساعدك، مش هعضك!
كان متعجبًا من غضبها المبالغ فيه _من وجهة نظره _ هذه الليلة، ولكنه رجح الأمر لقلقها أن تكون إصابته كبيرة
وضعت الأطباق وقبل أن تناديه كان قد خرج للأنصمام إليها، جذب الكرسي وقد جلس كليهما في صمت سألت وقد اشتاق عقلها لتبادل الحديث مع أي بشر:
هو أنت قايل إيه لوالدتك عننا؟
نظر لها وقد ضاق ما بين حاجبيه، فأوضحت
أصلها كلمتني الصبح، وكانت بتسأل أسئلة كتير، عننا وعن حياتنا سوا، فقولت أسألك لو قولتلها حاجة
هز رأسه بالنفي وهو يرفع لفمه ملعقة الأرز، ضاقت منه ذرعًا فعادت تسأل
أنت لما كنت صغير كنت بتتعاقب لما تفتح بوقك؟
نظر لها دون استيعاب في البداية حتي فهم مقصدها فتنهد وهو يرفع حاجبيه دون اهتمام و هو يواصل طعامه
يابني استعمل الكلمات، سيب حواجبك في حالهم شوية، ثبتهم مكانهم، أنت حرفيًا أخترعت أسلوب إشارة جديد
نظر لها بغضب وهي تكمل قائلة أثناء تحريكها لحاجبيها بسخرية:
إشارات الحواجب، دي بتتعلموها في الجيش دلوقتي؟ طب أفرض المكان ضلمة هتشوفوا بعض إزاي! أو مثلا بعيد عن بعض، بس ممكن تحطوا عليها مادة فسفورية هتنور…
شعر بالغضب من طريقتها، كان يمسك بالشوكة في يده يحركها وكأنه سوف يغرزها في عنقها، حينما جال هذا الخاطر بعقلها لم تمسك ضحكتها وهي تضع يدها فوق فمها، تعجب وهو يسألها بضيق:
بتضحكي علي إيه؟
أجابت ولازالت تضحك:
تخيلتك بتدب الشوكة في رقبتي و تفصل دماغي عن جسمي.
قالتها وعادت تضحك وهي تضرب بيدها فوق السفرة ما جعله يدير وجهه عنها يداري بسمته لم يمنع نفسه من قول:
عرفتي منين إني عايز أعمل كده؟
نظرت له لبرهة ومن ثم ضحكت مجددًا وهي تسأله بذات البسمة:
طب و إيه اللي مانعك يا حضرة الظابط!
هز رأسه بقلة حيلة قائلًا:
سيادة اللواء أبوكِ طبعا، اصله موصيني عليكِ.
ردت بسخرية:
أه قول كده.
مسح فمه بالمنديل الذي أمامه وهو يمدحها بقوله:
تسلم إيدك، الأكل طعمه حلو، تصبحي علي خير.
ردت عليه
بالهنا و الشفا، و أنت من أهل الخير
غاب عنها للداخل تنهدت مبتسمة ومن ثم استقامت واقفة وهي تنطق بتعجب:
هو كان قاعد بيتكلم معايا دلوقتي بجد! كان بيضحك، وقالي تسلم إيدك الأكل حلو كمان؟
أرخت جسدها فوق الكرسي من جديد:
أه مش مصدقة بجد!
جمعت الأطباق ودلفت للمطبخ، أنهت عملها فيه و اتجهت للغرفة وجدته وقد أخذ أقراص المسكن ورفع الغطاء ليتدثر أسفله، ما كاد كتفه المصاب يلام س الفراش حتي تأوه وهو يعتدل، رأته من المرأة فهمست بنبرة ساخرة قصدت جعله يسمعها لتثير غضبه:
العقل زينة صحيح!
زفر بضيق وهو يعتدل للجهة الأخري التي تجعله يطل فيها عليها هي، انتهت من فك شعرها وتمشيطه استعدادًا للنوم، توجهت نحو الفراش تدثرت أسفل الغطاء وقد أولته ظهرها، تنهد براحة لم تدم طويلًا حيث وجدها تعتدل ليصبح وجهها موازيًا لوجهه، بقي كلاهما علي هذه الحالة حتي غلبهما النعاس
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
في الصباح
جلس كليهما علي المائدة الصغيرة التي تتوسط المطبخ أمام النافذة الصغيرة التي أنارت المكان بنور الصباح ونسيمه البارد
كان الصمت يجلس فوق الكرسي الثالث بينهما.
لا يعلوا سوي صوت "الشيخ نصر الدين طوبار" في المذياع وهو يبتهل بإبتهاله الشهير، نظرت له كيف يتناول طعامه بهدوء، تذكرت يوم إلتقته أول مرة في عيد مولد اخته كانت في طريقها للدخول من الباب الذي خرج منه هو مسرعًا فصدمها بكتفه دون أن ينتبه وهو يتحدث في الهاتف ولم يلتفت ولو للحظة، انتقلت بذاكرتها يوم علمت من والدها أنه تقدم لخطبتها، لم يكن يعرفها، هو لم ينظر لوجهها حتي، لكن والده هو الذي قرر و أختارها له بعد أن طفح كيله من ابنه الذي يرفض الزواج.
وبحكم الصداقة بين الأباء وافق كل منهما علي أن يتم هذا اللقاء، تذكرت حديثه الجاف، جمله الصلبة، وكأن فمه رشاش و كلماته رصاص حيّ، تذكرت قوله الخشن:
"شوفي بما إن مفيش حد في حياتك هتضطري تفترقي عنه بإرتباطنا و أنا كذلك الأمر فمفيش مشكلة ندي بعض فرصة، وارد نقدر نتعود علي بعض و الحياة تمشي، لو لاء فربنا شرع الطلاق، و أكيد مش هجبرك تعيشي معايا"
بعد تلك الجملة كانت قد نوت أن ترفضه، لكن مع إصرار الجميع و قبوله هو بها، رضخت، لا يمكنها أن تنكر أن جزءًا داخلها اقتنع بحديثه، بالإضافة إلي كونه مقبول شكليًا لا ليس مقبولًا فقط، لا يمكنها الإنكار كونه وسيمًا من وجهة نظرها، كانت تظنه سيكون ودودًا لطيفًا معها وسيأتي الحب بعد أن يعتادا علي بعضهما البعض لكنه لم يحدث، هو لا يوجه لها كلمة، لا يبارد بأي حديث، بعد 5 أشهر من زواجهما أدركت أنها مجرد "كوبري"
يتزوجها حتي يستقل بعيدًا عن والديه و عن إزعاجهما له بتكرار أمر الزواج أكملت ما تفكر به بصوت سمعه هو دون إدراك منها:
و أهو خدامة في البيت تطبخ وتغسل و تنضف.
فهم مقصدها و استنتج ما تفكر به لكنه أثر التظاهر بأنه لم يفهم، رفع رأسه لها يسألها بعينيه، ضحكت بغيظ:
انسي اقسم بالله ما هقولك غير لو سألت بلسانك، أنا بعد كده لما أكلمك مش هبص في وشك يا طه علشان تبقي تتكلم.
تحولت نبرتها للجدية وسألت بحزن:
أنت شايفني مش مهمة للدرجة دي!، مستخسر حتي تتكلم معايا!
لم تنتظر منه رد بل نهضت مسرعة تتجه للغرفة مغلقةً الباب خلفها، ضرب بقبضته فوق الطاولة وهو ينظر أمامه بضيق شديد لقد تعكر مزاجه كليًا، ارتفع صوت بكائها في الداخل ما جعله ينهض متجهًا إليها، فتح الباب وجدها وقد جلست فوق الأريكة الموضوعة بزاوية الغرفة وانكمشت فوق نفسها تبكي
جلس أمامها يتحدث بهدوء:
ممكن افهم أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
عادي أنا مبحبش اتكلم، المفروض تحترمي رغبتي دي
زي ما أنتِ بتحبي تتكلمي و تسألي، و أنا احترمت رغبتك دي، أنا من وقت جوازنا مفيش مرة قولتلك اسكتي أو صدعتيني أو بتتكلمي كتير، بالعكس أنا بسمعك
أجابت من بين دموعها
كوني بكلمك و أنت مش عايز ترد عليا يا طه يعتبر عدم احترام ليا، وعدم تقدير منك لكلامي، أنت بترد علي اسئلتي لما يكون إجابة السؤال محتاجة كلام، و أشك إن دي كمان هتوقفها بعد شوية ما أنت كل فترة بتطور لغة الإشارة بتاعتك.
حافظ علي هدوئه وهو يجيب:
ممكن لو سمحتي تبطلي عياط.
جذب منديلًا من الكومودينو جواره ومد لها يده، يقول:
امسكي امسحي دموعك.
نظرت له فحثها بنظرات، فتنهدت وهي تأخذه، و واصل هو:
كوني بسمعك فده إهتمام علي فكرة، و علي فكرة أنا بحترمك، وبقدرك، وتهميني؛ لأنك مراتي يا آية.
رفعت عيناها له وهي تنزل قدميها للأرض فركت كفيها وهي تحدثه:
أنت مش عايز تتكلم طيب وبعدين، أنت قولت ندي بعض فرصة نتعرف علي بعض وناخد علي طباع بعض، طب ازاى وانت هتقوم تلبس وتنزل شغلك وترجع بعد نص الليل تدخل تنام يا إما تتعشي في جو صامت، أنا امبارح مكنتش مصدقة إنك أتكلمت معايا!
هتف يتهرب:
دي ظروف شغلي و أنتِ عارفاها و أكيد من زمان لأن شغلي نفس شغل والدك.
هزت رأسها برفض:
لاء، ده مبرر خايب، بابا كان بيتكلم، ايوة هو شديد شوية لكنه كان صاحب لينا برضو بيتكلم ويهزر و يهتم بينا، كنا بنسمع صوته في البيت علي الأقل!
بان البكاء في نبرتها وعادت الدموع لعيناها وهي تكمل:
أنت حتي مش بتتصل تطمئن عليا لما بتغيب بالأسبوع في شغلك، وعارف إني وحدي وممكن يحصلي حاجة أو أكون خايفة من القعدة وحدي ومحتاجة حد بس يقولي متقلقيش، طب ليه كل ده؟ أنا عملتلك إيه علشان تعاملني كده يا طه؟
نهض يوليها ظهره:
معملتيش حاجة يا آية، أنا بس مش واخد علي الوضع ده لسه، قلة الكلام ده طبع فيا صعب أغيره بسهولة، مش متعود اتكلم و أحكي يومي أو اتصل بحد اطمئن عليه، مش بيجي في بالي.
ألمتها جملته الأخيرة، نهضت تقف أمامه وهي تنظر في عيناه
بحزن جعله يندم:
مش بيجي في بالك أصلا؟ يعني مش فاكرني، طب كويس إنك لما بترجع بتفتكر إني مراتك مش الشغالة!
رفع رأسه ينظر للسقف بتعب سمعها وهي تنهي الحديث وترحل
عمومًا أنت حر، أنا تعبت خلاص.
ذهب نحو دولابه يخرج منه ثوبه ويتجه للحمام خرج فوجدها وقد إرتدت ثياب خروج وتنتظره بالغرفة، نظر لها بتساؤل، بينما رأي في عيناها تحدي، تنتظر أن يسألها بلسانه، ضحك داخله علي تصرفاتها الطفولية ألقي المنشفة من يده علي الكرسي وقف يمشط شعره وهو ينظر لها من خلال المرأة:
خير رأيحة فين كده؟
أجابته بهدوء:
عايزة أروح أقعد مع ماما شوية.
ترك الفرشاة وهو يتجه لجذب حذائه
خليها وقت تاني أنا أتأخرت مش هلحق أوصلك.
ولكنها أصرت:
مش مشكلة هاخد تاكسي
ترك الحذاء وهو ينظر لها
و أنا قولت مفيش خروج وحد.
ربعت يديها أمام صدرها قائلة:
هكلم بابا يبعتلي السواق طالما حضرتك مشغول للدرجة دي!
أنهي غلق ازرار بذلته وهو يجيبها
برضو لاء.
وقفت بغضب صائحة
هو إيه اللي لاء، أنا أتخنقت من قعدة البيت، عايزة أخرج.
وقف أمامها محذرًا:
و أنا قولت مش فاضي، و وطي صوتك إحنا مش في خناقة!
ضربته في كتفه السليم
لاء هي خناقة، وهتاخدني في طريقك يا إما هنزل بعد ما أنت تنزل، فبلاش ندخل للسكة دي مع بعض.
جذب متعلقتاته وهو يتجه للخارج:
أنا قولت اللي عندي، و منصحكيش تعملي اللي قولتيه ده علشان رد فعلي مش هيعجبك.
خرج من الغرفة فجذبت هاتفها وهي تهمس
ماشي يا طه هنشوف كلام مين اللي هيمشي
انهت ما تفعله وخرجت خلفه كان بالمطبخ يشرب الماء
يعني ده أخر كلام عندك، مش هتاخدني معاك.
أكد:
أيوة مش هاخدك، ريحي نفسك، يوم تاني إن شاء الله. ★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
كانت تجلس جواره في السيارة وتعلوا وجهها ابتسامة لا تقوي علي محوها منذ نزلت من البيت برفقته بعد أن هاتفه والدها يطلب منه أن يجلبها للبيت و قد رضخ هو رغم تقديمه لمبرراته، إلا أنه في النهاية يصطحبها الأن لبيت و الدها
كان ينفخ بضيق بين كل ثانية و الأخرى ما يقرب من عشر مرات، ومع كل مرة تتسع بسمتها اكثر
نظر لها بطرف عيناه فرأي بسمتها التي جعلته يقطم شفته بغضب، سألها بضيق:
هتقضي اليوم كله مع والدتك في البيت؟
نظرت له وقبل أن تفتح فمها تراجعت وهي تكتفي وهي تهز رأسها بالإيجاب رفع حاجبيه بتعجب بينما هي لم تهتم و نظرت من النافذة جوارها، صف سيارته أمام الفيلا المملوكة لوالدها وهو يخبرها:
احتمال أتأخر باتي هنا و الصبح هاجي أخدك.
نظرت له تهز رأسها بالرفض فرد:
بقولك هخلص متأخر، هتفضلي صاحية لحد ما أجي؟
هزت رأسها بالأيجاب فهتف بغيظ:
طب مش جاي غير تاني يوم وخليك سهرانة.
هنا تخلت عن صمتها وهزت كتفيها بلامبالاة:
عادي، هاخد تاكسي و قبل ما توصل هتلاقيني في البيت.
قبض فوق المقوض بغضب وقرب وجهه وهو يصيح:
يابنتي اصطبحي و قولي يا صبح بقي في إيه؟
قربت وجهها منه بالمثل ولم تتحدث بقيت تنظر له بغضب ومن ثم أخرجت له لسانها وهي وترفع حاجبيها معا بغيظ وتخرج من السيارة بعد أن اخذت حقيبتها وتوجهت للداخل، بينما بقي هو علي حاله لا يصدق أن تلك التصرفات الصبيانية تخرج منها، أدار المقود وهو يكمل طريقه لعمله ومن ثم وعلي حين غرة أنفجر ضاحكًا علي فعلتها.
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
وصلت للباب الذي كانت تقف فيه والدتها تنتظرها بشوق، ولكنها تعجبت وهي تراها قادمة بمفردها
أومال فين جوزك.
احتضنتها وهي تخبرها:
مشي علطول، اصل عنده شغل و جابني معاه بالعافية.
لم تقتنع والدتها بهذا المبرر، فخمس دقائق لإلقاء التحية عليهم لم تكن لتؤخره ولكنها جذبتها للداخل وهي تسألها:
انتو متخانقين يا آية؟
أجابت بموافقة وهي تجلس أمامها فوق الأريكة، لا تريد أن تكذب عليها، جائت من الأساس لتسرد لها كل شيء وتأخذ
منها النصيح.
إحنا مش بنعمل حاجة غير الخناق، ماما طه صعب أوي، أنا مش عارفة أوصل معاه لمنطقة آمان نتفاهم فيها، ساكت، مش بيشاركني أي حاجة، بيتكلم بالقطارة، مقعدني في البيت ومفيش خروج غير وهو معايا، وطبعا علشان مشغول طول الوقت فـ أنا مُجبرة أفضل قاعدة في البيت لحد ما ظروف شغله تسمح.
كانت والدتها تسمع باهتمام، بقيت صامتة ترتب كلماتها حتي لا تخرب علي ابنتها حياتها الزوجية
حبيبتي ده طبيعي في أول الجواز، مع الوقت هتفهموا بعض
اسندت ظهرها للخلف وهي تكتف يديها أمامها مصححة لها:
قصدك مع الوقت هبقي مجرد قطعة أساس في البيت.
رفضت وهي تنظر لها:
متقوليش كده هو مع الوقت هتلاقيه بيقرب حتي لو إيه هيرجع
نظرت لها بضيق وهي تسأل:
يرجع فين؟
اكملت تفهمها:
يرجع لحضنك يا آية.
حضني إيه يا ماما بقولك مش بنبطل خناق؟
ضيقت عيناها وهي تسأل بصوت منخفض:
أنتو محصلش بينكم حاجة لحد دلوقتي غير الخناق؟
اغمضت عيناها بضيق، لا تريد أن تتحدث بهذا الأمر ولكنها بحماقتها سقطت فريسة والدتها.
ماما خلاص مش عايزة اتكلم.
ماشي يا آية، بس لازم تعرفي إن الامور مش بتمشي بالخناق، وكده هتكرهوا بعض، خلي فيه ولو نقطة تبنوا عليها حوار، هو مش بيهتم اهتمي أنتِ، كلميه في التليفون اطمني أنتِ عليه، ده طول اليوم وسط عساكر و ظباط ومجرمين، أكيد مش عايز يرجع يلاقي عسكري في البيت يزعق و يتخانق معاه، أرجعي آية أم دم خفيف اللي محدش بيقعد معاها و يبقي عايز يقوم
مش العصبية اللي بتتخانق، قومي يلا أطلعي اوضتك غيري هدومك وكلميه شوفيه وصل ولا لسه، و اطمني عليه، لو مش بيتكلم في البيت غير بالإشارة في التليفون مش هيعرف، ولازم يتكلم و أنتِ وشطارتك بقي.
اقتنعت بحديثها نوعًا ما، لم تتهكم سوي علي قولها بأن تحادثه علي الهاتف
ماما إحنا دابين خناقة علي غيار الريق كده أكلمه إيه بس!
أكدت والدتها:
وماله كلميه برضو حسسيه إنك مهتمة بيه يا آية علشان هو كمان يرد الإهتمام ده، يلا ولما يرجع أبوكي علي الغداء هبعتلك.
تنهدت وهي تنهض لأعلي
أستلقت فوق فراشها وهي تنظر للسقف ومن ثم أعتدلت تنظر لغرفتها بحنينٍ لكل ما فيها جذبت هاتفها و بعد تردد طويل ضغطت زر الأتصال عليه، وضعت الهاتف فوق أذنها وهي تهمس:
يا رب ما يرد.
وبالفعل لم يجبها انتهت المكالمة دون استجابة ألقت الهاتف جوارها بضيث نادمة علي اتصالها، مرت خمس دقائق ابدلت فيها ثيابها وفكت قيد شعرها حينها علا رنين هاتفها وكان المتصل هو، أجابت بتوتر هاتفة
ألو، السلام عليكم
وعليكم السلام ورحمة الله،مشوفتش أتصالك غير دلوقتي خير محتاجة حاجة؟
نبرته الجافة هذه تقتلها:
لا، أنا بس كنت بطمن عليك وصلت ولا لسه.
وصلت من شوية أه
صمت كليهما، هرب الحديث منها حتي سألت بهمس وهي تجلس في طرف الفراش
كتفك عامل إيه، لسه بيوجعك؟
كويس الحمد لله، ومش بيوجعني لا.
طب الحمد لله، طه كنت عايزة أعتذرلك علي إني يعني… عليت صوتي عليك الصبح و …وضربتك علي كتفتك، أنا مكنتش عايزة أعمل كده بس لما بتعصب مش بركز في اللي بعمله.
وصلته نبرة الندم في صوتها، يدرك أنها تتحمل الكثير أجابها بهدوء:
مش مضطرة تعتذري علي حاجة يا آية عادي، مفيش اتنين مش بيتخانقوا وطالما حسيتي إنك غلطتي لما عليتي صوتك وندمتي خلاص، أنا مش زعلان، وبعدين أنتِ بتسمي خبطتك دي ضربة، دي كنا بنصبح بيها علي بعض في الكلية
عقب جملته صوت ضحكتها التي رنت بأذنيه جعلته يبتسم وهو ينظر للقلم أمامه، أمسكه يدق به فوق سطح المكتب ولم يستطع منع نفسه من قول:
آية، هو اللي أنتِ عملتيه قبل ما تنزلي من العربية الصبح ده كان بجد؟
رنت ضحكتها من جديد وهي تضع أصابعها بين شعرها وتلقي بجسدها فوق الفراش
متفكرنيش بقي، ولعلمك دي خطة تكنيكية للأنسحاب بأقل الخسائر.
ضحك بخفوت وهو يصحح لها:
اسمها تكتيكية مش تكنيكية يا هانم.
كلها مسميات المهم إنها نجحت؟
ابتسم وهو يجيبها:
ايوة نجحت، لسه مصممة إني أجي أخدك.
سألت بضيق:
أنت عايز تسيبني هنا ليه مش فاهمة، أصلا البيت مش هيبقي ليه طعم منغيري لمعلوماتك.
كاد يخبرها بأنها علي صواب ولكنه لم يفعل بقي صامتًا، واكملت هي:
طه أنا هستناك بالليل، فلو سمحت متتأخرش، ممكن؟
هحاول حاضر، بس برضو لو أتأخرت بلاش تستني.
هزت رأسها بنفي:
لا هستني وهتيجي، مهما تتأخر أعرف إني مستنياك.
دق فؤاده لكلماتها وسألها:
بجد؟
سألته:
هو إيه اللي بجد!
وضح لها:
هتفضلي تستنيني مهما أتأخر؟
فهمت أنه يرمي لشيءٍ أخر ولكنهأ أكدت قولها مبتسمة بخجل و كأنه أمامها:
هفضل مستنياك مهما تتأخر يا طه.
عقب جملتها أغلقت الاتصال وبقي هو ينظر لأسمها أمامه دون فعل أي شيء ★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
أعلمتها الخادمة بمجيئ والدها فنزلت مسرعة لتراه، فتح ذراعيه لها يستقبلها بترحاب شديد، قبَّلَ شعرها وهو يخبرها:
وحشتيني يا حبيبتي.
و أنت كمان يا بابا وحشتني أوي، بقي كده تديني لـ أبو رجل مسلوخة كده منغير ما أصعب عليك.
ضحك والدها علي قولها بينما أتت والدته من خلفها موبخة:
وبعدين يا آية عيب كده ده جوزك يا حبيبتي.
ربت والدها فوق رأسها بحنان:
نتغدي وندخل المكتب نتكلم علي اللي مزعلك ولو عايزة أقرصلك ودنه معنديش مانع.
هزت رأسها ضاحكة وهي تذهب خلفه لمائدة الطعام
أكلك وحشني يا ماما، أنتِ و دادة كوثر.
بالهناء و الشفاء يا حبيبتي.
أنهت طعامها و ذهبت لمكتب والدها الذي سبقها للداخل، جلست أمامه وقبل أي حديث، دخلت والدتها تحمل قهوتهما حينما وقفت أمامه هتف يسأل:
إيه الفستان الحلو ده، مش بشوف الحاجات الحلوة ديه ليه، ولا علشان آية هنا؟
نظرت له والدتها بغيظ ومن ثم سألتها وهي تشير نحوه
شايفة أبوكي!
وفعل هو بالمثل:
شايفة أمك!
ضحكت وهي تسند رأسها لذراعها الممدود فوق المكتب وتنظر لهما بحب كبير، ذهب عقلها لتخيل أنها مكان والدتها وطه مكان والدها، بالتأكيد كان سيرمي بالقهوة في وجهها عند هذه النقطة أمتعضت ملامحها ولاحظ أبويها هذا، فأشار والدها لأمها كي تخرج و جذبها هي من طور أفكارها:
ها يا آية مالك، وليه طلبتي أكلم طه و أصمم إنه يجيبك، هو مانعك تيجي ولا إيه؟!
ردت تنفي عنه التهمة:
لا يا بابا مش اللي حضرتك فهمته.
قصت له ما حدث فهز رأسه موافقًا وابتسم:
بنت أبوكي بصحيح، طيب وبعدين عايزة إيه، عايزة تسيبيه؟
شعرت بشيء غريب داخلها شعور بالضيق ربما، وشعور بالرفض الشديد، لاحظ والدها حيرتها تركها حتي تصل لما يريحها، و ااذي قالته بهدوء:
لا يا بابا مش عايزة أسيبه، ومش علشان حبيته مفيش حب بيتولد وسط الجفاء، لكن علشان ولا أنا ولا هو أخدنا فرصتنا نعرف بعض، أنا ضيقي وخنقتي من تصرفاته، هو كويس، ومش كويس في نفس الوقت.
ابتسم والدها لنضجها و عقلانيتها في حساب الأمور
مش بقولك بنت أبوكي، بتحسبيها بعقلك، لو عايزاني اتدخل و اتكلم معاه معنديش مانع علي فكرة.
استحسنت الفكرة لبرهة ولكنها رفضت:
لا برضو، هو محافظ علي اللي بينا، بينا وبس، مش بيقول لحد من أهله حاجة عننا علشان محدش يتدخل، و أنا برضو مش حابة حضرتك تكلمه، أنا جيت بس علشان افضفض و أخد من حضرتك ومن ماما النصيحة.
نهض والدها يجلس فوق الأريكة ف أنتقلت هي لجواره ولكنه أوقفها:
هاتي قهوتك معاكي علشان هتبرد.
ابتسمت وعادت تلتقطها، ارتشف القليل وفعلت هي المثل تنتظر منه أن يتحدث، تدرك أن ما سيقوله الأن سيكون من الأقوال التي لا تخرج كثيرًا، كان هو بارعًا في قراءة الفضول و الترقب من فوق ملامحها، و تعمد أن يطيل حتي وضع فنجانه فوق الطاولة واسترخي في جلسته ينظر لها:
شوفي يا آية، أنا هكلمك كـ راجل طبيعي، مش أبوكي، وهحط نفسي مكان جوزك اللي أنا عارفه بقالي سنين ويمكن اعرف عنه أكتر منك، أنا كراجل في شغلي ومركزي ده، محطوط في ضغط و توتر و ترقب و شد وجذب عايز أخر يومي أرجع البيت ألاقي حاجة حلوة تطري علي قلبي بعد كل الجفاف اللي كنت فيه، أكلة حلوة، زوجة حلوة زي القمر كده شبهك مستنياني تساعدني في لبسي وتقف علي دماغي لحد ما تاخد عني كل أفكار الشغل اللي بتطاردني وتجردني من كل اللي شاغل بالي غيرها هي، وعلي فكرة ده من الست نفسها، محدش بيوقف دماغه عن التفكير بسهولة، أنتِ بإيدك تاخديه من الزحمة دي للهدوء.
هزت رأسها بموافقة وقد عاد يجذب قهوته من جديد مكملًا
مفيش راجل في الدنيا يقدر يقاوم حسن و جمال الست اللي معاه طالما هي عايزة تظهر الحسن ده وتقربه منها، بس الرجالة درجات منهم اللي بيقع علي بوزه ومنهم اللي عايش في بر. جه وعايز اللي تطلع لحد عنده وبين الاتنين بتختلف الرجالة
تحدثت برفض
بس لو هو في برج عالي أنا مش هطلعله، هو مين اللي بيسعي الراجل ولا الست يا بابا؟!
نظر لها بخبث:
يبقي خليه ينزلك من البرج ده، لو علاقة غير الجواز،او قبل الجواز مثلًا، الست لازم تعزز نفسها لأبعد حد، حتي لو هي عمرها كله ذليلة، لازم تعلي من قدرها علشان الراجل يحس بقيمتها، لكن دلوقتي أنتو زوج وزوجة، السعي علشان العلاقة دي تنجح واجب علي الاتنين.
صمتت تقلب حديثه في رأسها، ولكنه اكمل:
آية حبيبتي، أنا بنصحك لأنك طلبتي النصيحة، لكن أنا مش عايزك تبذلي طاقة ومشاعر في علاقة أنتِ مش متقبلاها، لو عايزة تبعدي قوليلي، أنا يمكن اصريت توافقي، بس ده لأني شايفه مناسب وعارف إنكم هتحبوا بعض، لكن جايز أكون غلط، ولو عايزة تبعدي أنا في ضهرك، بس ادي الموضوع فرصة تانية.
هزت رأسها وهي تكرر بخفوت:
أخليه ينزلي من البرج بتاعه!
نظرت له ورأي السؤال في عيناها قبل أن تفصح عنه:
إزاي أخليه ينزل من البرج ده طيب، أنا مش عارفة أعمل إيه
غمز لها وهو يبتسم:
ديه بقي هتلاقيها عند والدتك.
ابتسمت بخجل وهي تنهض للخارج وقفت أمام الباب و استدارت له:
خليكم كده حدفوني لبعض أنتو الاتنين لحد ما تدخلوني أنا وهو محاكم الأسرة.
قالتها بنبرة مازحة جعلته يضحك مجددًا.
ضحكات قلت منذ زواجها ورحيلها للعيش ببيت زوجها، كانت تضفي للبيت بهجة ليس لها مثيل، عادت بعودتها اليوم، ألقت له قُبلة في الهواء وهي تغلق الباب خلفها، وقفت بمنتصف المنزل تنظر حولها بحثًا عن والدتها، تشعر كأنها ضابط تحقيقات يحقق في قضية.
همست ساخرة:
قضية الغرام ياختي.
اتجهت نحو السلم تبحث عن والدتها بالاعلي وهي تدندن:
أول معرفت إنك عايزني جيت قوام، مقدرش استغني عنك يامعلمني الغرام.
فتحت الباب وهي تدخل غرفة والديها صائحة:
وكله كله كوم وزعلك أنت كوم أنا عندي الدنيا تزعل ولا تزعل مني يوم يلا.
اخذت تدور وتتمخطر وكأن الموسيقي تعمل في اذنيها حتي قفزت فوق الفراش جوار والدتها وتعالت ضحكاتهما سويًا:
بصي يا ست أنتِ جوزك قالي لازم أعمل للوحش اللي متجوزاه ده حاجة تطري علي قلبه و تخفف عنه جفاف اليوم، أعمله أيه يعني؟
سألتها بغيظ:
أنتِ بجد مش عارفة تعملي إيه
مفهمتش قصده والله، أعمله كنافة ولا أم على مثلا.
نهرتها بغيظ:
قومي من وشي يابت.
ياماما بجد بقي، قالي كمان لازم تخليه ينزل من البرج بتاعه بشطارتي باين ولا مش فاكرة، بس قالي التفاصيل عندك.
انقضي اليوم وهي جوار والدتها تستمع لها وسط اعتراضاتها علي ما تقوله والدتها ولكنها كانت تصغي، ربما طريقتها لا تجدي نفعًا وهذه الطريقة قد تنجح. اقتربت الساعة من الحادية عشر و النصف، كان والديها قررا النوم ولكن هي بقيت تنتظره رغم إصرار كليهما علي أن تبقي هذه الليلة لكنها صممت أن ترحل، كان داخلها يتمني مئة مرة أن يأتي، خرجت تجلس في حديقة المنزل جلست فوق العشب ورفعت رأسها للسماء تنظر للبدر و النجوم التي ملاءتها، وبخها عقلها بأنه لن يأتي أن تكف عن انتظاره لكنها همست:
هو هيجي، هو قال جاي، ايوة هيتأخر بس جاي، و أنا قولتله هستناه.
عقب جملتها وجدت سيارته تقف أمام باب المنزل وهو يترجل منها، أصبحت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولكن لا يهم المهم أنه أتي وقف أمام السيارة لا يدري هل يدخل أم أنها ملت الإنتظار ونامت، ربما لو طرق الباب لاستيقظ كل من في البيت و أثار هو بفعلته هذه جلبة ليس منها داعي، قاطع هذه الأفكار صوتها وهي تناد:
أنا هنا يا طه.
نظر لها وهي تجلس أرضًا تلوح له بذراعها، لم يدرك متي جائت تلك البسمة لشفتيه وهو يتجه نحوها، وقف أمامها فأشارت بيدها للأرض جوارها حتي يجلس، تردد كثيرًا حتي أمسكت بيده تحثه:
أقعد ارتاح شوية من الطريق، الجو حلو أوي النهاردة.
نظر ليدها التي غابت بداخل كفه جذبته أكثر ما جعله ينصاع لها جلس وقد أسند ذراعيه للخلف ينظر نحوها وهي تخبره:
أتأخرت علي فكرة.
تنهد وهو يخبرها:
كنت هاجي بدري، بس حصلت مشكلة هي اللي اخرتني، متزعليش.
ابتسمت
مش زعلانة المهم إنك جيت.
اشارت للداخل تقترح عليه:
جعان؟ تيجي ندخل أحطلك تتعشي.
هز رأسه بالنفي وهو يمدد جسده فوق العشب و وضع يده خلف رأسه:
أنا جعان نوم.
ظلت تنظر له ولا تدري من أين أتتها الجرأة لتستلقي جواره، فرد ذراعه لها بتلقائية تعجب منها بقي كليهما ينظران للسماء بأنفاس مضطربة همست تخبره:
تعرف نفسي في إيه دلوقتي؟
همهم وكأنه يسألها ماذا
فأكملت:
نقفل كل النور بتاع الجنينة، الجو بيكون أحلي وهو منور بنور البدر و النجوم بس، زمان أنا وماما كنا ننزل سكينة الكهرباء فـ بابا يعرف ويخرج متعصب علشان هو بيحب يقعد يقراء في مكتبه فماما تشده بالعافية يقعد معانا كنا نسهر هنا لقرب الفجر.
كان قد أدار رأسه لها وهي تتحدث ناظرةً للنجوم كان لمعان عيناها لا يوصف أنعكاس القمر فيهما يسرد قصصًا لم تكتب بعد، نهض يجذبها من يدها لتنهض معه
هنروح فين؟
أجابها بتردد:
هنزل سكينة الكهرباء، تعالي وريني مكانها.
ضحكت وهي تجذبه وتهرول للجانب الخلفي من المنزل وقفت تسترد أنفاسها وهي تشير له:
اهي بس أنا معرفش بتتعمل إزاي ماما اللي كانت تعملها دايمًا
فتحها ومن ثم ضغط الزر المسؤل عن كل الأضواء فأظلم المكان حولهما وزاد ضوء عيناها لمعانًا وهي تنظر للسماء بعيني طفلة.
جذبته للعودة وهي تهمس:
تعالي يلا نرجع مكان ما كنا علشان اللي فوقينا دي بلكونة بابا وممكن ينزل يحبسنا.
جلست و عاد هو يستلقي كمان كان
تعلق بصره عليها وهي تنظر للسماء ولكنها عادت تنظر له لم يحد ببصره عنها
كانت بداخلها رغبة مُلحة أن تعود وتستلقي فوق ذراعه بالقرب منه، ذراعه الممدود وكأنه ينتظر منها أن تعود كما كانت، ولم ترفض هي طلبه الذي لم يطلبه قولًا و أستلقت جواره مجددًا بل و اقتربت حتي التصقت به و وضعت رأسها فوق كتفه، رفعت نظرها له تستكشف ما إن كان منزعجًا من إقترابها أم مُرحبًا أم لا يبالي، ولكنها رأت في عينيه الكثير من الأسئلة أثرت آلا تجيب عنها وعات تنظر للقمر، تردع نفسها ردعًا عن العودة و النظر إليه، أغمض عيناه وراح في نومٍ عميق وفعلت هي بالمثل.
لم يشعر إلا و نور خفيف يداعب جفنيه ففتح عينيه، خمن أن الساعة الخامسة بعد الفجر حيث لم تشرق الشمس بعد همس يوقظها:
آية، آية اصحي.
همهمت وهي تفرد ذراعها فوق صدره:
لازم ينزل من البرج بتاعه.
نومها ثقيل لن تستيقظ، بقي كما هو لا يدري ماذا يفعل حتي وجد باب المنزل يُفتح وقد خرجت والدتها نحوهم، ظنته نائم ولكن كان فتح عينيه مجددا ينظر لها، ابتسمت:
اكيد طبعا سهرتك معاها وهي بترغي ونمتوا من التعب منغير ما تحسوا.
لم يستطع النهوض حتي لا يزعجها ولكنه يريد الأعتدال ليحادث والدتها التي اخبرته؛
شيلها يلا وتعالوا كملوا نومكم فوق بدل نومة الأرض ديه.
نهض بالفعل وحملها برفق بين يديه ولكنه رفض الدخول، بقوله:
لا مالوش لزوم أنا هاخدها و امشي.
ولكنها أصرت:
تمشي إزاي يعني، أنت منمتش كويس مينفعش تسوق كده ياحبيبي، هاتها يلا وتعالي أوضتها.
سار خلفها مغلوبًا علي أمره وتعلقت هي بعنقه وأرأحت رأسها فوق كتفه، صعد بها السلم وفتحت له والدتها الباب وما أن دخل حتي أغلقته خلفه، و ضعها بالفراش و و ضع فوقها الغطاء، جذب أنظاره الدبابيس التي ثبتت بها حجابها خشي أن يؤذيها فشرع في نزعه عنها حتي سحبه من رأسها و وضعه فوق طاولة الزينة، نزع بذلته وحذائه و استلقي جوارها، تقلبت هي مرارًا حتي وصلت له و وضعت رأسها من جديد فوق كتفه، ابتسم و هذه المرة أحاط كتفها بذراعه، و أغمض عينيه و راح في النوم.
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
استيقظت علي صوت أحدهم يطرق الباب ويناديها، رفعت رأسها وبرقت عيناها عندما فتحتهما و وجدت نفسها بين ذراعيه بهذا الشكل، كيف وصل كليهما إلي هنا؟
عاد الطرق من جديد ولكنها والدتها تدعوها للفطور وزوجها
ورحلت، شكرت صنيع والدتها التي لم تنتظر منها جواب وذهبت.
عادت تنظر له من جديد تحادثه في سرها:
أنا متأكدة إن في حاجة مستخبية ورا صمتك الدائم ده، متأكدة إنك كنت حد تاني بس في ظروف أجبرتك تبقي كده، و أتمني مكنش أنا الظروف ديه.
رفعت كفها تمرره فوق وجهه وقف أحد أصابعها فوق حاجبه الأيمن همست مازحة ولم تدرك أنه يسمعها:
أنت لو صحيت في يوم ولقيت حواجبك دول اختفوا، هتفقد سبل التواصل مع العالم.
انهت جملتها وجلجلت ضحكتها دون وعيٍ منها ما جعله يفتح عيناه يطالعها وقد زام ما بين حاجبيه فـ ابتعدت عنه ولكن لم تتوقف عن الضحك، ولم تصدق نفسها وهي تراه يشاركها الضحك صمت وهو يتمتم مبتسمًا قبل أن ينهض:
أنتِ بجد مش طبيعية.
اتجه للحمام يغسل وجهه استعدادًا للنزول، خرج وهي لازالت مكانها فوق الفراش فحثها:
قومي يلا علشان نمشي.
إحنا جينا هنا إزاي أنا مش فاكرة حاجة.
سألته وهي تعرف أن الجواب سيجعله يتحدث ولو قليلًا
شرع في ارتداء ما خلعه مسبقًا وهو يخبرها:
عادي نمنا تحت والدتك الصبح نزلت و صممت نطلع ننام هنا لحد ما تصحي علشان نمشي، فشيلتك وطلعنا هنا، وبس
هزت رأسها وهي تنهض لتبديل ثيابها بأخري، دخلت الحمام ولكنها قبل أن تغلق الباب نظرت له محذرة وهو يربط ساعته حول معصمه:
أوعي تنزل منغيري.
دار ببصره حوله يستكشف الغرفة التي طغي عليها اللون البرتقالي بدرجاته، غرفة دافئة، مثلها.
خرجت بعد نصف الساعة تجفف شعرها و من ثم ربطته للخلف قائلة:
يلا أنا جهزت
بقي ينظر لها حتي شعرت بالتوتر، نظرت لما ترتديه ظنته متسخًا او فيه عيب فلم تجد ولكنه قال سائلًا:
جهزتي إزاي يعني مش فاهم؟ فين طرحتك، بقولك هنمشي، حتي لو قعدنا نفطر هنمشي علطول.
اقتربت منه:
فين المشكلة يا طه، نفطر وهطلع البسه و أنزل علطول، مش هياخد 5 دقايق.
سأل:
طب ما تعمليه دلوقتي! هتفرق؟
هزت رأسها مؤكدة:
ايوة مش بعرف اقعد بيه، صدقني مش هأخرك يلا بس علشان أكيد الكل مستني تحت.
فتح لها باب الغرفة خرجت أمامه و أغلق هو الباب خلفه امسك بيدها وهو يهبط السلم، تعجبت من فعلته، نظرت له لم يظهر علي ملامحه شيء، ما إن دخل غرفة الطعام، رحب بهما والدها جلس فوق الكرسي المجاور لوالدها وهي جواره دارت بينهم أحاديث عامة كان يبادر فيها بجمل مقتضبة، حتي سأله والد زوجته:
أنت مانع آية تيجي عندنا ليه يا طه؟
سؤال انتبه له الجميع بينما هي برقت عيناها من قول والدها، فهي أوضحت له الأمور، نظر هو لها بطرف عيناه فنظرت تخبره بأنها لم تقل هذا، عاد ينظر به وهو يجيبه بثبات:
مين قال كده، أومال إحنا بنعمل إيه هنا؟
جادله برده:
اومال مش بتسيبها تخرج وحدها ليه، علي الأقل لو جاية هنا هبعتلها السواق يجيبها ويرجعها، وده راجل ثقة وشغال بقاله سنين معانا؟
ترك ملعقته من يده:
و ليه حضرتك فسرت ده علي إني بمنعها، مش يمكن بخاف عليها؟
أكد والدها:
أكيد بتخاف عليها و أنا لو شكيت لحظة إنك مش هتخاف عليها مكنتش جوزتها ليك، لكن خوفك مبالغ فيه، و أنت مش هتربط نفسك بكل تحركاتها أكيد!
سأله من جديد:
هي آية أشتكت لحضرتك؟
نظر لها يسألها من جديد بعيناه:
فهتفت هي بنبرة مازحة للتخفيف من حدة الأجواء
إيه يا بابا أنت عايز تخرب عليا و لا إيه، ما أنا فهمت حضرتك الموضوع لما سألتني أمبارح!
ابتسمت والدتها وهي تحدثها:
بعد الشر يا حبيبتي يخرب عليكِ ده إيه، هو بس عايز يحل الخلاف اللي بينكم في الموضوع ده.
هزت رأسها بإحترام:
ماشي علي عيني يا حبيبي لكن إحنا موصلش بينا الأمر لخلاف الموضوع عادي، و امبارح كنت مخنوقة ولما شدينا سوا اتصلت ببابا، وحتي لو وصلت لـ خلاف بينا مع احترامي لحضرتك يا بابا وحضرتك يا ماما، أنا أفضل إنه اللي يحله يكون إحنا الاتنين بس برضو.
كان قد توقف عن تناول الطعام منذ بداية الحديث في الأمر لكنه الأن هز رأسه باستحسان وعاد يكمله حتي فرغ الجميع من طعامه، نظر لها بعيناه أن ترتدي حجابها ليرحل كليهما و بالفعل اتجهت لغرفتها، ناداه والد زوجته مجددًا لتناول القهوة، لكنه رفض بأدب
معلش مرة تانية أنا أتأخرت ولسه هوصل آية البيت.
نظر له بمكر:
خلاص روحت أنت و أنا هخلي السواق يوصلها أخر اليوم.
ابتسم وهو يراها تنزل من فوق السلم، فأجابه:
أنا مش هقول حاجة، اللي هي تقوله هعمله إيه رأيك؟
وقفت أمامهما قائلة:
يلا بينا.
ولكن والدها هتف:
لا خلاص خليكِ و السواق هيروحك أخر النهار، مش عايزين طه يتأخر علي شغله.
مطت شفتيها بضيق وهي تنظر له:
علي فكرة أنا مكملتش خمس دقايق فوق، مش معقول شغلك أهم من إنك توصلني البيت؟
سأل والدها:
يعني مش عايزة تقعدي النهاردة كمان؟
هزت رأسها بالنفي:
لا، عايزة أمشي.
نادي والدها الخادمة وهو يخبرها:
خلاص سليمان هيوصلك.
لكنها نظرت لوالدها وهي تزم شفتيها:
يا بابا جوزي موجود وهيوصلني.
عادت له ببصرها تسأله:
أنت مش عايز توصلني البيت بجد؟
نظر لوالدها يبتسم بإنتصار و أمسك كفها وهو يسير للخارج:
اكيد طبعا هوصلك، بباكي بس كان فاكر إني واخدك إجباري.
اوقفته قائلة:
استني طيب هسلم عليه و أسلم علي ماما.
عادت لأبيها تحتضنه فهمس لها:
علي فكرة هو متمسك بيكِ زيك بالظبط، بس هو متكتف، فكي أنتِ اللي مكتفه ده بطريقتك.
خرجت من بين يديه تقبل وجنته:
شكرًا يا بابا، ربنا ما يحرمني منك.
اتجهت للمطبخ تودع والدتها التي خرجت معها حتي الباب و ودعته هو أيضًا، أغلق خلفها باب السيارة ودار يركب جوارها
بقيت صامتة حتي خرج من منزلهم، فركت كفيها بتوتر وهي تسأله:
طه، أنت متضايق من كلام بابا؟
هز رأسه بالنفي:
لاء مش متضايق، هو أكيد عايز يطمئن عليكِ.
صمتت قليلًا وعادت تسأل:
طب أنت مصدق إني فعلًا مقولتش إنك مانعني أزورهم صح؟
نظر لها ولعيناها الخائفتان من أن يكون قد صدق ما قالته
تذكر عيناها بالأمس كيف كانت تتطلع إليه ابتسامتها وضحكتها التي كانت تزيد لمعان عيناها أكثر و أكثر، فاق من خيالاته قائلًا:
لا يا آية مش مصدق.
عادت تسأل:
ليه، مش جايز أكون قولت كده؟
هز رأسه يرفض قولها:
علشان أنتِ مش كذابة لو قولتي كده فعلا كنت اعترفتي بده عادي وطلبتي إنهم يشوفولك حل، وعلشان أنا عارف إن والدك عايز يوصل لحاجة تانية بسؤاله.
لم ترغب في سؤاله عن ما يقصده بجملته الأخير ولكنها سألت تتأكد:
يعني أنت مصدقني صح!
نظر لها بتعجب:
أكيد يابنتي مصدقك في إيه مالك؟ هو أنا أمتي قولتي حاجة وكذبتك فيها!
ابتسمت وهي تهز رأسهابإطمئان تسندها للنافذة:
وصل أمام البيت نزلت منه ونظرت له من النافذة تمازحه:
مش هتطلع معايا؟ وارد يكون في عصابة علي السلم تخطفي ولا حاجة!
ظهر الضيق فوق ملامحه وهو ينزل معها، جذبها من يدها نحو مدخل البناية
يا ساتر عليك وعلي ألفاظك بجد!
رددت خلفه:
ألفاظي، مالها! هو أنا شتمتك؟
أدخلها المصعد ودخل خلفها موضحًا:
الصبح تقولي لأهلك هتخربوا عليا و دلوقتي عصابة هتخطفك، مش كده يعني..
فهمت مقصده وصمتت
تشعر بالسعادة؟ نعم لا تصدق أنه يتحدث معها، ربما لكونهما قاما بقضاء بعض الوقت معًا، نعم بالتأكيد لقد أعتاد أن يحادثها ولو بشكل مختصر، وهذا أفضل من صمته الدائم، عليها أن تحافظ علي ما وصلت إليه و ألا تجعله يعود ويغلق نافذة البرج، يجب عليه أن يظل ينظر لها من برجه حتي يغلبه الفضول وينزل إليها، وكأنه ينفذ أفكارها فكانت عيناه لا تحيد عنها بجواره يراقب بسمته التي تتسع وتضيق كل ثانية
انفتح باب المصعد وخرجت فمرت من بين قدميها قطة جعلتها تصرخ وتحتمي به خلفها، ابتسم بخفة
إيه ياعم فاندام، اومال هتعملي إيه مع العصابة اللي مستنية جوا!
قلدته قائلة جملته السابقة:
يا ساتر عليك وعلي ألفاظك بجد.
مما جعله يبتسم بإتساع وهو يفتح باب الشقة و يفسح لها حتي تدخل، أشعلت الضوء وهي تبتسم،ثم اتجهت نحو النوافذ تفتحها ليملأها الضوء وهتفت له:
أطفي النور تاني، نور الصبح مفيش أحلي منه
فعل ما طلبته وهو يتجه لغرفة النوم ذهبت خلفه تسأله:
أنت هتنزل تاني؟ ما تقعد معايا النهاردة، كده كده عدي ٣ ساعات علي ميعاد نزولك، إيه رأيك تنام شوية و اصحيك علي الغدا تتغدي معايا و…
ولكنه اوقفها بهدوء:
حيلك حيلك، أنا يادوب اغير و انزل، وبعدين مبعرفش أنام بالنهار.
اصرت علي قولها لعله يقبل:
يا طه بقي مجاتش من يوم، مفي كتير في الداخلية غيرك هو أنت مفيش غيرك يعني؟
هز رأسه بالنفي:
تؤ، إزاي طبعا في غيري كتير، بس مفيش زيي
ابتسمت بغيظ
ماشي ياعم المغرور، خليك النهاردة، مش أنت جامد في الداخلية، عادي تغيب يوم يعني.
نظر في دولابه يبحث عن بذلته الأخري فوجدها منذ أخر مرة خلعها لم يحركها أحد، ابتسمت حينما وجدتها متسخة
أهو شوفت دي إشارة، هتنزل بإيه؟
تعجب من إصرارها و ابتسم داخله علي رغبتها في وجوده معها، ولكن لا يمكنه عدم الذهاب لعمله، الواجب يوضع فوق كل الإعتبارات، أخرج بنطالًا باللون الأسود و قميصًا بنفس اللون و ألقاهم فوق الفراش وشرع في خلع ما يرتديه
رأي الضيق في عينيها فأشار لها أن تقترب فوقفت أمامه:
بصي مش عايزك تزعلي، لكن مينفعش الفترة دي بالذات مروحش في قضية شغالين عليها مهمة ومحتاجة كل وقتي وتركيزي فيها، إن شاء الله لما تخلص و أقعدلك يومين في البيت هتزهقي مني وتبقي عايزاني ارجع للشغل.
لمعت عيناها بالدموع:
أكيد مش هزهق منك في يومين يا طه!
مسح الدمعة التي سقطت من عينها بإبهامه:
طيب خليكِ قد كلامك ده، شوفيلي بقي جاكت ألبسه علي الهدوم دي عقبال ما أخد دش.
هزت رأسها موافقة و ذهب هو نحو الحمام.
بعد قليل من الوقت خرج وقد شرع في إرتداء ثيابه تعجب من عدم وجودها بالغرفة هل حقًا لازالت غاضبة لأنه لن يبقي، نظر للفراش فلم يجد ما طلبه منها قبل قليل زام ما بين حاجبيه وهو ينهي غلق أزرار قميصه و يربط حزامه الجلدي، حينها جائت هي من الخارج وهي تخبره:
البليزر ده لونه حلو أوي، هيليق عليك.
تعجب وهو يسألها:
هو كان بيعمل إيه بره؟
أوضحت له:
أنا لقيته مش مكوي كويس، فكويته تاني
نظر لها بإمتنان إلتقطه منها ولم يستطع منع نفسه من قول
تسلم إيدك، تعبتي نفسك.
ابتسمت بالمثل:
تعبك راحة، وبعدين يمكن تمسكوا المجرم اللي محيركم النهاردة، فلازم تكون بشياكتك كاملة علشان لما يجي مشهد النهاية و الجملة الوطنية اللي ييقولها البطل يكون شكلك أمور.
ابتسم باستهزاء وهو ينظر لها في المرأة:
أفلام أحمد عز اللي كلت دماغكم ديه.
اقتربت تقف أمامه وهي تعدل من ياقة الجاكت ذو اللون اللبني رفعت عيناها له وقالت بتوتر وخجل:
بس أنت أحلي من أحمد عز بكتير.
نظر لها لوقت طويل وكذلك فعلت هي، يشعر بأنها أصبحت مصدر خطر عليه، عيناها هذه التي تنظر له بهما سيسقط صريعًا لهما في يوم من الأيام، ملامحها البريئة و شخصيتها المشاغبة، إنها تتشعب داخله دون وعي منه ولا إرادة، يغرق دون أن يشعر ، عند هذه النقطة، حمحم وهو يلتقط الفرشاة ليمشط بها شعره كانت تنظر له بإعجاب، تلك البذلة الميري التي يرتديها تجعله وسميًا لكنه في هذا الثوب أكثر جاذبية، كل شيء يليق به، كانت تستند علي جانب طاولة الزينة وهي تتأمله، ترك الفرشاة ونثر القليل من عطره و أقترب منها يقف أمامها فتغلغلت رائحته لرئتيها فأغمضت عيناها وهي تبتسم، حمحم بخشونة وهو يوقظها من أحلام اليقظة قبل أن تسقط فيها نظرت له بإستفهام فـ أشار للدرج خلفها
أنت شغال في الدرج يعني؟
هتف يضايقها:
أكيد لاء، عايز الساعة بتاعتي من الدرج
تنحت جانبًا وتركت له الغرفة أنهي كل شيء وخرج لها وقف بالردهة وغير وجهته حينما رأها بالمطبخ
دخل إليها و وقف خلفها، استدارت له تسأله:
إيه حاطط الشرابات مع المعالق؟
ابتسم و هز رأسه بنفي يخبرها بعد تردد طويل:
علي فكرة أنا مبحبش ألبس الألوان الفاتحة دي في الشغل، عمومًا مش بحبها، بس لبست ده النهاردة علشان أنتِ اختارتيه و كويتيه بنفسك.
انقشع ضيقها و اتسعت ابتسامتها وهي تنظر له بسعادة، لم يستطع مقاومة تلك الرغبة المُلحة التي تجذبه نحوها و بشدة، اقترب خطوةً أخري فرفعت عيناها إليه لفارق الطول بينهما، وضع يده خلف رأسها وهو يخفض رأسه يطبع قبلة فوق جبينها، تنهدت بطمأنينة وهي تمسك بطرف ثوبه بيديها بتوتر
نظرت له:
خلي بالك من نفسك، هستناك بالليل متتأخرش
هز رأسه بموافقة وهو يرحل وقد ترك كل منهما بأفعاله إضطرابًا كبيرًا داخل الأخر.
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
أعلنت إشارات ضبط الوقت تمام الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، لازال حتي الأن لم يعد من العمل، ولازالت هي تنتظره فوق كرسيها ولكن غلبها النعاس، مرت نصف ساعة حتي عاد، فتح الباب برفق ظنًا منه بأنها نائمة بالداخل ولكنه وجدها فوق الكرسي وضع مفاتيحه فوق الطاولة جوار الباب وتقدم منها أنحني بجسده لمستواها يزيح شعرها عن وجهها، همس:
آية، نايمة هنا ليه؟
فتحت عيناها وهي تعتدل تلقي بجسدها بين ذراعيه تخبره بنبرة ناعسة:
قولتلك هستناك مهما تتأخر.
أسندت رأسها فوق كتفه وراحت في النوم من جديد
وضع يده أسفل قدميها ونهض يحملها للداخل، وضعها بالفراش وهو يعدل من وضعية رأسها فوق الوسادة، ما كاد أن ينهض حتي تمسكت به بكلتا يديها:
رايح فين تاني، أنت ليه مش عايز تقعد معايا؟
أمسك يدها ينزلها برفق يخبرها:
هغير هدومي و جاي علطول، مش هروح في حتة.
تركته وعادت تضع يدها اسفل رأسها رفع تلك الخصلة المتمردة التي تهوي السقوط فوق وجهها، بقي علي حاله هذا كثيرًا، يتطلع لها وحسب، تنهد بضيق وقد أدرك بأنه يتعلق بها، كلما أقتربت منه كلما تعلق أكثر بوجودها، وكلما جعلها هذا تشكل خطرًا عليه، ولا يزيده هذا الشعور سوي اقترابًا منها دون قدرة علي الرفض.
نزع نفسه من جوارها انتزاعًا، أخرج ثياب النوم ودخل للحمام غاب قليلًا بالداخل، طار النوم من عينيها فنهضت تجلس فوق الفراش حتي خرج يلف رأسه بالمنشفة لم يتنبه لها وهو يجلس فوق الأريكة ينظر للسقف مطولًا حتي تنهد بثقل، همست تجذبه من افكاره:
كل ده شايله جواك.
نقل بصره لها وهو ينهض متجهًا للفراش لينام، سألته بلين
جعان أحطلك تتعشي؟ ولا جعان نوم؟
رفع الغطاء وتدثر أسفله
جعان نوم طبعًا
استلقي فوق ظهره و وضع يده أسفل رأسه وقد أغمض عيناه بقيت تنظر له حتي قال:
أطفي النور بقي و نامي.
أطفأت الضوء و استلقت دون أي قول، يوم طويل حافل بكل ما هو يدخل علي الأعصاب إضطرابًا
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
مر يومان عاد فيهما كل شيء لما كان عليه، يستيقظ صباحًا يتناول فطوره ويذهب ويعود متأخرًا علي موعد النوم، حتي أنه لا يتناول أي طعام، تعجبت هي من هذا الصمت الذي إحتمي به عنها، فما عادت تملك الرغبة لتحاول من جديد، تركته يغلق نافذة برجه بل و إن تركه ورحل لا يهم، هي الأن تريد أن تري أخر ما عنده، إلي متي سيدوم هذا الأنعزال، رجحت الأمر لتلك القضية للتي يعمل عليها، قررت تركه حتي ينتهي منها، حتي لا تشتت تركيزه.
جلست في الصباح تتناول معه طعام الفطور، كان يتطلع إليها بين الثانية و الأخري يتعجب من صمتها، وهو الذي أصيب بشهوة الأستماع إلي حديثها و أسئلتِها التي لا تتوقف عن طرحها، صباحه ناقص دون ثرثرتها، بينما هي علي الجانب الأخر كانت تتذكر حينما رأته بزيه الميري خاصته أول مرة هيئته كانت مخيفة ملامحه المكتظة وحاجبيه الكثيفان، بالإضافة لملامحه السمراء، ظنته يتناول في فطوره عجلًا كاملًا بينما غدائه رجحت أنه يكتفي بفخذ ديناصور، و علي العشاء لا يكثر ربما ديكًا روميًا سيفي بالغرض، لكنه ليس كذلك، انظروا إليه كيف يدهن خبز التوست بالجبن الأبيض ويتناولها بهدوء
لاحظ شرودها، قرر أن يبادر هذه المرة، أن يدق بابها ويستمتع ببعض الحديث قبل رحيله، جذبها من أفكارها وهو يحمحم، رفعت
عيناها إليه فسألها:
أنتِ كويسة؟
هزت رأسها بالإيجاب:
أه، ليه؟
جذب قطعة خبز أخري وهو يخبرها:
حاسك متغيرة، ساكتة و سرحانة علطول مش بعادتك!
كانت ستبتسم لإهتمامه، سعدت لكونه يلاحظها، ولكنها وأدت هذه البسمة وهي تقطم شرائح الخيار المخلل وتجيبه بسخرية:
من عاشر القوم بقي هنقول إيه.
ضحك بخفة علي قولها، وقد فهم ما ترمي إليه، فهمهم قائلًا:
بقيتِ مش بتحبي الكلام يعني؟
نفت برأسها وهي توضح له:
مفيش حد مبيحبش الكلام، بس الإهمال وعدم الاهتمام بيقتلوا الحماس
صمتت قليلًا ثم عادت تقول:
علي فكرة شهد أختك قالتلي إنك عادي يعني كنت بتتكلم بتفتح حوار مع اللي قدامك، بس أتغيرت فجأة، هي قالت من قبل ما نتجوز بس أنا متأكدة إنها قالت كده علشان أنا مزعلش.
سأل وهويرفع حاجبه الأيسر:
هو مش المفروض إننا مش بنحكي حاجة بينا لأي حد؟
أكدت:
ايوة، أنا مقولتش ليها حاجة، لكن الكلام جاب بعضه عادي يعني.
هز رأسه بموافقة، نهضت تغسل يدها وتعد لها قهوة فطلب منها:
أعمليلي معاكِ قهوة.
تعجبت وهي تستدير تنظر له:
هتقعد تشرب قهوة؟ معقولة!
هز كتفيه و رد ببساطة:
اه إيه الغريب في كده؟
يعني أنت علطول بتفطر وتنزل بسرعة، فعلشان كده استغربت
عادي.
أجاب بهدوء:
مش مستعجل النهاردة.
اعطته ظهرها وهي تفتح علبة البُن تأخذ منها وتضعه بالكنكة، استدارت له مجددًا و هي تكمل الحديث الذي بدأته:
مقولتليش بقي.
أنهي طعامه ف استدار لها بجسده يوليها أهتمامه وهو يضيق ما بين حاجبيه بتساؤل فأكملت هي تسأل:
أنت بقيت تتكلم بالقطارة كده من قبل جوازنا ولا من بعده، وبلاش تكذب عليا.
اتجهت للموقد علي يمينه تضع القهوة فوقه وتنظر له منتظره جوابه، حتي سألها:
أنتِ ليه مهتمة أوي كده؟
أوضحت له:
علشان عايزة أعرف يا طه.
سألها مجددًا:
تعرفي إيه؟
نظرت بعيناه وهي تجيبه:
أعرف أنا شخص مرغوب فيه و في وجوده ولا لاء يا طه
تنهد وهو ينهض متجهًا نحوها قائلًا:
وهو وجودي هنا معاكِ، و استمرار جوازنا المدة دي كلها مجاوبش علي السؤال ده يا آية!
هزت رأسها بنفي:
لا، حتي لو وضح، فهو مش كفاية، مش كفاية يطمئني.
أمسكت كفه تخبره:
أنت ليه كده؟ ليه أوقات بحسك بتتعامل طبيعي، بتتكلم وتضحك وترد عليا، و أوقات تانية بتبعد تمامًا بتهرب مني، ليه كل ده، ليه تاعبني وتاعب نفسك، متهدمش الجسر اللي بينا من قبل ما يتبني يا طه لو سمحت.
انبثقت دموعها عقب جملتها كان سيجيبها ولكن قطع هذا فوران القهوة التي لم تستطع إنقاذها فنظرت لها بضيق لما خلفته من اثر فوق الموقد تحرك للحوض ليغسل يده، مسحت هي القهوة المسكوبة وأخبرته:
ثواني و هعمل غيرها.
لكنه رفض و ألتقط هاتفه راحلًا
مالوش لزوم خلاص، اشوفك بالليل.
رحل وتركها هي و سؤالها خلفه.
مر يومها كما يمر غيره تقضي مهامها من تنظيف و قراءة أحد الكتب، مشاهدة التلفاز و تصفح هاتفها، مهام يغلفها الانتظار.
أنهت صلاة المغرب و نهضت تطبق سجادة الصلاة تفاجئت به يفتح باب المنزل يطل منه، صُدمت من عودته مبكرًا و تداركت هذا وهي تتجه نحوه بقلق:
أنت كويس، إيه اللي رجعك بدري؟
تفحصت بيدها وعيناه كل جزء فيه، ما جعله يمسك بيديها يوقفها:
عادي يعني إيه الغريب في كده؟
نظرت له بضجر:
والله! أنت مش عارف إيه الغريب في كده، دي أول مرة أشوفك فيها في الوقت ده من وقت ما اتجوزنا اصلا.
ألقي مفاتيحه فوق الطاولة كما أعتاد وهو يتوجه لغرفة النوم ولازال يمسك بيدها أشعل الضوء وتركها وشرع في خلع ثوبه
عادي برضو، شغلي ملهوش مواعيد ثابت مهما كان.
أخذت منه ما خلعه تضعه فوق الشماعة و أعطته غيرها ليرتديه لاحظت جرح كتفه السابق وقد خلع عنه ضمادته شهقت وهي تضع أصابعها فوقه:
كل ده يا طه و تقولي جرح بسيط!
ابتعد وهو يكمل لبس قميصه قائلًا:
خف خلاص متشغليش بالك، المهم العشا أو الغداء خلص؟ أنا جعان.
نظرت له وهتفت بتقطع:
مهو…مهو أصل أنا معملتش غداء و لسه برضو معملتش عشا
نظر لها بتفحص:
ليه؟ أنتِ تعبانة ولا إيه، فيكي حاجة؟
ابتسمت نافية وهي تخلع عنها إسدال الصلاة
لا، أنا مش بتغدا فمعملتش، و العشا المفروض أبداء فيه دلوقتي بما إنك كده كده بتيجي متأخر.
اكملت تقترح عليه:
بص ناملك ساعة ساعتين أكون خلصت و هصحيك علطول
نظر لها وهو يكرر ما أخبرها به سابقًا:
ما قولنا مش بعرف أنام بالنهار.
جادلته:
نهار إيه، المغرب أذن خلاص، بص لو مش هتنام تعال ساعدني، و أهو تبقي بتعمل حاجة مفيدة.
أمسك هاتفه وهو يقترح:
أو ممكن نعمل حاجة تالتة.
سألته:
إيه هي؟
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
بعد ما يقارب الساعة كان يقف مع عامل توصيل البيتزا يأخذ منه ما طلبه و يدفعُ له ما أن أغلق الباب و استدار للدخول حتي وجدها أمامه
أمسكت بالعلبتين وهي تخبره:
هناكل في البلكونة، الجو حلو و السما شكلها جميل.
رضخ لقولها و سار خلفها دون أي أعتراض، أخذت خاصتها و كذلك هو، وصل إلي أنفها رائحة السجق الشهية الموضع فوق خاصته ما جعلها تأخذ القطعة التي بيده وهي تقول ضاحكة:
تصدق السجق ريحته تجنن، ما تيجي نبدل!
ابتسم وهو يهز رأسه رافضًا، ولكنه عرض عليها:
ممكن تاكلي معايا عادي، مش هخلصها.
ابتسمت وهي تغلق خاصتها و تنهض جالسة جواره فوق الأريكة الصغيرة التي جلس عليها هو
أخذت العلبة بين يديها و ألتصقت به تحتمي من نسمات البرد الخفيفة، كل هذا وهو ينظر لها يتابع همساتها حتي نظرت له وهي تلك اللقمة بفمها وتضحك:
كل يا طه متتكسفش دي حتي العلبة بتاعتك.
ابتسم ومد يده يأخد التي بيدها يأكل منها، ابتسمت بخجل و وضعت وجهها بالعلبة تتحاشي النظر له حتي عادت تتحدث سائلة:
مامتك اتصلت بيا، بتقولي إن تليفونك مغلق وهي كانت عايزاك في حاجة مهمة، كلمتها؟
هز رأسه بالإيجاب
أيوة و أنا في الطريق اتصلت بيها
همست ولكنه سمعها:
عقبال ما تغلط في مرة وتتصل بيا.
رفعت صوتها تسأل:
كانت عايزة إيه؟
التقط قطعة أخري وقطم منها ولازالت هي تنظر له تنتظر الإجابة، هتف:
عاملين عزومة لأهل أمير خطيب شهد علشان يحددوا ميعاد الفرح، و طلبت أبقي مع بابا.
هزت رأسها بموافقة، وسألت:
هتروح أمتي؟
صحح لها:
هنروح، هتيجي معايا.
عارضته:
أيوة يا طه بس أنتو عيلة مع بعض هاجي اعمل إيه؟
كانت تتحاذق عليه تود أن تسمع جوابه الذي قاله:
و أنتِ من عيلة الجيران ولا إيه، أنتِ مراتي يعني إحنا الاتنين واحد و أي مكان ليا فيه أنتِ ليكي فيه أكتر مني، فاهمة؟
ظلت تنظر له مبتسمة، هزت رأسها بالإيجاب، وهي تسأل بخفوت:
هنروح أمتي؟
يوم الخميس إن شاء الله، علي أخر النهار هنتحرك من هنا
أومأت بموافقة وهي تضع العلبة فوق الطاولة بعد أن لاحظت أنه توقف عن تناول الطعام، عادت تسترخي في جلستها جواره و هي تضع رأسها فوق كتفه وتمسك بذراعه صمتت قليلًا فظن أنها أنهت مخزونها من الكلمات ولكن ظنه خاب حينما رفعت عيناها إليه تسأله:
تفتكر لو كنت حاجة تانية غير إنسان كنت هبقي إيه
ضاق ما بين حاجبيه لهذا السؤال الغير متوقع نظر لها بتفكير و من ثم أجابها:
النمنمة.
تعحبت و بان تعجبها وهي تردد:
النمنمة؟ ده من الزواحف ده ولا أيه
ابتسم وهو ينفي:
لا، ده طائر مُغرد، أسمه طائر النمنمة.
ابتسمت:
ده بجد؟ أول مرة أسمع عنه، اشمعنا بقي النمنمة؟ إيه المشترك بيني وبينه؟ وشكله إيه؟
وصف لها الطائر قائلًا:
لونه بُني ومنقاره صغير و جسمه واخد شكل مدور شوية وديله قصير ورفيع.
وتابع وهو ينظر لعيناها:
من أشهر أنواع الطيور المغردة، و تغريداته مبهجة وحيوية و رغم إن حجمه صغير بس صوته صاخب تقريبًا بيصنف من الطيور اللي بتملك أعلي تغريدة.
ضيقت عيناها وهي تسأله بشك:
أنت بتتنمر عليا صح، قصدك إني قصيرة و مدورة و صوتي عالي؟
رفع حاجبيه بغيظ وهو يجيب بتهكم:
هو ده بس اللي لقت نظرك، قومي من وشي.
ضحكت وهي تنهض بالفعل قائلة:
هروح أعمل حاجة نشربها يا بتاع النمنمة أنت.
استدارت للداخل ولم تستطع منع تلك البسمة التي زينت ثغرها.
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
جاء صباح الخميس وكالعادة نهضت مبكرًا لإعداد الفطور، قررت أن تصنع لهما كوبين من القهوة مع الفطور عوضًا عن تلك التي لم يُكتب لهما شربها في الصباح الماضي
وضعت الأطباق و القهوة و انتظرت حضوره مرت خمس دقائق ولم يأت، ما جعلها تتعجب وتذهب نحو الغرفة تبحث عنه فتحت الباب فوجدته لازال نائمًا، اتجهت نحو النافذة الموازية للفراش فتحتها، انكمشت تعابير وجهه بسبب الضوء، ما لبث أن يغطي وجهه بالوسادة حتي صاحت به:
أنت لسه هتنام تاني،مش عندك شغل؟
اعتدل قليلًا وهو يسألها ولازال النُعاس يُمسك جفنيه:
الساعة كام؟
اجابته وهي تعدل الفراش مكانها
الساعة 8 ونص، أنت مش متعود تنام كل ده
نهض ببطء يتجه نحو المرحاض:
عادي سهرت كتير بالليل.
تعجبت وهي تسأله:
سهرت إزاي مش إحنا دخلنا ننام 12؟
ابتسم:
أنتِ بس اللي نمتي.
اغلق الباب خلفه وجلست هي فوق الفراش تحلل ما قاله
(معقول يكون خدني علي قد عقلي لحد ما نمت وصحي يقعد وحده؟ يكونش كان بيخلص مني؟ مش هنقول خاين كان بان عليه أبو كلمة و التانية ناقصة ده، يعني معقول هو بيزهق مني لما أتكلم كتير؟ ولا إيه أنا مش فاهمة حاجة؟)
فاقت من شرودها علي سؤاله:
بتكلمي نفسك ولا إيه؟
نظرت له بطرف عيناها بضيق ونهضت للخارج بعد أن قالت:
لسه متجننتش اطمئن.
بعد قليل من الوقت أنضم لها علي طاولة الفطور، سألته:
هتتحرك من شغلك الساعة كام علشان اجهز نفسي؟
أجابها:
ممكن علي العصر كده.
هزت رأسها بالإيجاب وصمتت، أنهي طعامه ونهض يلتقط معطفه من فوق الكرسي وهو يخبرها:
يلا أنا همشي ولو أحتاجتي حاجة اجيبها و أنا جاي اتصلي بيا، سلام.
همست له وهي لازالت شاردة:
مع السلامة.
★***★***★***★***★***★***★***★***★***★
ألقت ما بيدها من ثياب أرضًا بضيق ، تشعر أن لا شيء منهم يليق بها، لا تدر ماذا ترتدي هذه الليلة، هي ليست من النوع الذي يقضي وقتًا طويلًا في التفكير فيما يود إرتدائه ولكنها لا تعلم لما هذه المرة تهتم بشدة، تهتم أن تكون بشكل مميز فوق المعتاد، طرقت فكرة باب العقل فنهضت تمسك هاتفها، لقد مر علي آذان الظهر ما يقارب الساعة، عبثت في الهاتف حتي وصلت لرقمه وضغطت زر الاتصال، أجابها قبل أن تنتهي المكالمة:
ألو، السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا طه.
صمتت فسألها:
في حاجة، عايزة تقولي إيه.
جلست فوق الكرسي أمام طاولة الزينة:
هو يعني…لو ينفع…اقصد…
جلس هو الأخر فوق مكتبه بعد أن عاد من الخارج:
إيه كل ده، قولي علطول.
شجعها لذا قالت:
كنت عايزة تيجي بدري شوية علشان توصلني للبيوتي سنتر.
كرر بتعجب:
بيوتي سنتر! ليه؟
بررت بخفوت:
أصل حاسة إني باهتة الفترة دي و بشرتي بايظة خالص، فقولت اروح يحاولوا ينقذوا ما يمكن إنقاذه، لو مش هتقدر أنا ممكن أطلب أوبر و بعدين هو قريب من البيت وهكلمك لحد ما أوصل هناك والله.
سمعها حتي انهت حديثها و أجاب:
أنسي حكاية اوبر دي خالص، و بعدين أنتِ مش محتاجة حاجة من اللي بيعملوها ديه، أنتِ لو غسلتي وشك بس هتبقي أحلي من أي واحدة.
ارتسمت بسمة خجولة فوق شفتيها وكأنه أمامها همست:
شكرًا يا طه.
استرخي في جلسته:
مش بجاملك علي فكرة، لكن شوفي لو مصممة هاجي أوصلك
هتفت برفض:
لاء خلاص مش عايزة، طب بص…أنا مش عارفة ألبس إيه خالص حاسة اللبس كله مش حلو.
عاد يهتف:
أي حاجة بتلبسيها بتكون حلوة عليكِ يا آية.
ضحكت بغيظ وهي تهتف:
وبعدين بقي شكلي وقعت في واحد بخيل، يعني ولا بيوتي سنتر ولا فستان أنا اتضحك عليا.
ابتسم وهو يسألها:
أنتِ عايزة إيه دلوقتي؟
مش عايزة حاجة، أقفل سلام.
ولكنها انتظرت حينما سمعته يهتف بأسمها فردت:
نعم عايز إيه؟
أجابها:
ياريت لو تجهزيلي أي حاجة البسها أنا كمان.
طرقت فكرة أخري بعقلها فسألته بحماس:
إحنا نعمل ماتشينج فكرة حلوة أوي، تحب تلبس لون إيه؟
أضطر لغلق الهاتف للعودة لعمله وهو يخبرها:
أي حاجة، سلام دلوقتي.
رواية طائر النمنمة الفصل الثاني 2 - بقلم ملك العارف
كانت تجلس جواره في السيارة تنظر لفستانها الذي طابق لونه لون سترته الخريفية التي ليس لها أكمام وحقيبتها الصغيرة التي تتماشى مع قميصه أسفل السترة.
ابتسمت وهي ترفع رأسها إليه فقبض عليها وهي تتلصص بنظراتها عليه:
"إيه الانشراح ده كله!"
ضحكت على كلمته وهي تكررها:
"انشراح! مش معقول أنت بتقول انشراح!"
ضحك معها بخفة وعادت هي تتحدث:
"أصل شكلنا حلو أوي بالماتشينج ده، اللون الكحلي والهافان تحفة عليك."
ضحكت عقب جملتها وهي تتذكر تذمره حين رأى ما حضرته له من ثياب ورفض رفضًا شديدًا أن يرتديهم ولكنه رضخ لها بالنهاية.
بعد ساعة أخرى كان قد وصل أمام البيت. فتح له الحارس البوابة وهو يلقي عليهما التحية بحفاوة. صفت السيارة أمام الباب وخرج منها وفتح لها الباب. ابتسمت له بشكر وخرجت معه. لا يدري لماذا ولكنه مد لها كفه ليمسك بكفها بعد أن أمر الحارس بأخذ ما جلبه من السيارة ويدخله. اتسعت ابتسامتها وهي تدس يدها بيده وتسير جواره.
خرجت والدته التي سمعت صوت سيارته وهي بالأعلى. رحبت بهما وهي تحتضنه:
"أهلا يا حبايبي، كل ده يا طه متجيش نشوفك هتنسى أهلك ولا إيه؟"
احتضنها بالمثل وقال مبررًا:
"معلش حضرتك، عارفة شغلي."
تركته ورحبت بزوجته وهي ترد عليه:
"الشغل برضه ولا آية القمر دي خلاص خدتك مننا!"
ضحكت وهي تحتضنها مازحة:
"والله يا طنط، هو شغله واخده مني شخصيًا وحاسة إن الشغل ده ضرتي."
ضحكت والدته وهي تجذبهم معها للداخل:
"هو ده طه في الشغل، ميعرفش أبوه."
جلس ثلاثتهم حتى سألت:
"أومال شهد فين؟"
أجابتها والدته:
"فوق يا حبيبتي في أوضتها لسه بتلبس، اطلعيلها لحسن دي من الصبح جننتني علشان تختار حاجة تلبسها."
أسند ذراعه على ظهر الأريكة وهو يجيب والدته ساخرًا:
"واضح إن ده داء عند البنات كلهم."
فهمت ما يرمي إليه فأعطته الوسادة الصغيرة بعنف وهي تنهض قائلة:
"هطلع أشوفها، بعد إذنكم."
غابت فوق السلم فضحكت والدته عليها وهي تنظر لها.
"عسولة آية، عاملين إيه سوا، كله تمام؟"
نظر لها مطولًا ثم هز رأسه بهدوء بالإيجاب. نهضت تجلس جواره تقول بهدوء:
"طه حبيبي أنا عارفة إن اللي حصل لسه ماثر فيك، بس لإمتي يا ابني، بلاش تضيع عمرك وأنت واقف عند لحظة بقت ماضي وعدى وتضيع من إيدك الحاضر والمستقبل. مراتك ما فيش منها اتنين، وباين عليها إنها مايلة ليك فـ ليه مش مديها فرصة؟"
غمغم بضيق قائلًا:
"لزومه إيه الكلام ده يا ماما دلوقتي؟"
أجابته بحنو وهي تضع يدها فوق وجهه:
"لزومه إن قلبي عايز يتطمن عليك يا حبيبي."
سألها وهو يضيق عينيه بترقب ينتظر ردة فعلها على سؤاله:
"هي آية اشتكت لحضرتك؟ أو قالتلك حاجة؟"
ضحكت وهي تجيبه:
"أنت فاكر حركات الظباط دي هتتعمل عليا ولا إيه يا واد، ده أنا أعرفها من قبل ما أنت تتولد."
ضحك بخفة وهو يجيبها:
"لأ بجد قوليلي."
هزت رأسها بنفي تخبره:
"لأ مقالتش حاجة حتى لما بسألها بتقول كويسين وزي الفل وبت تقول كده لشهد برضه، بس أنا قلبي بيقولي غير كده. طريقتها وهروبها من الكلام لما أسألها بيقولي إن في توتر في علاقتكم. بيقولي إنكم بعيد عن بعض لسه، حتى نظراتكم لبعض نظرات هربانة، ولا أنت ليك رأي تاني؟"
بقيت تنظر له، وصمت هو كثيرًا حتى صرح:
"مش قادر يا أمي أبقى عادي، حتى لو أنا عايز فـ أنا مش قادر على ده. هي بتشدني ليها، كل حركة منها بتشدني، حاسس إني بغرق، بس في لحظة بفوق وأشد نفسي بعيد عنها. واقف في النص، وهي شوية بتحاول وشوية بتسكت زيي، فـ أنا مش عارف أعمل إيه."
ربتت فوق كتفه وهي تبتسم له ناصحة:
"سيب نفسك يا طه، بطل تتحكم فيها، بلاش تفكر بعقلك، سيب قلبك المرة دي هو اللي يتحكم."
نظر لها يسأل:
"ولو غرقني؟"
أجابته:
"الغرق ده مش معناه نهاية الحياة، معناه حياة جديدة بتتبني بشكل تاني. حياة فيها ألوان كتير غير الأبيض والأسود. أقولك بطل تفكر خالص، اتصرف معاها بتلقائية هتلاقي نفسك حبيتها."
كرر بتعجب:
"حبيتها مرة واحدة! مش صعبة شوية دي؟"
استنكرت قوله وهي تجيب:
"صعبة! بقي الأنوثة والرقة دي كلها بين إيديك وصعب تحبها؟ ده كفاية بس ضحكتها اللي بترج القلب كده رج. عينيك بتقول غير اللي لسانك بيقوله، عينيك محاوطاها."
نظرت لما يرتديه وهي تبتسم بخبث:
"ده أنت حتى لابس قميص كحلي لون شنطته يا أبو صعبة أنت."
ضحك ينفي عن نفسه الأمر وكأنه تهمة:
"على فكرة هي اللي صممت على ده ومرضيتش أزعلها."
جاءت الخادمة تخبرها بعودة زوجها من العمل. وضعت يدها فوق وجهه تنصحه قبل أن تنهض راحلة:
"بلاش تضيعها من إيدك يا طه، لأنها مش هتتعوض، وبلاش على الأقل تصدها. اسمحلها تقرب وهي هتقوم بالواجب."
ختمت قولها وهي توجه رأسه نحو السلم فرأها تهبط بابتسامتها الرقيقة وقول والدته لازال يتردد بعقله (بلاش تضيع عمرك وأنت واقف عند لحظة بقت ماضي وعدى وتضيع من إيدك الحاضر والمستقبل).
فاق من شروده وهي تجلس جواره تهتف بحماس:
"شهد عسولة أوي بجد، ما شاء الله عليها، يا بخت أمير بيها، كفاية الفرحة اللي بتنط من عينيها إنها خلاص شوية وهتبقى معاه لآخر العمر."
كان ينظر لها فقط، ترتسم على شفتيه ابتسامة بسيطة، يحب هذا الحديث ذو النبرة الحماسية منها، لم يكذب حين شبهها بذلك الطائر المغرد، وهو يحب منها هذا التغريد. فرقعت أصابعها أمام وجهه فأنتبه لها وهي تسأله:
"إيه سافرت فين كده!"
هز رأسه بنفي يسألها:
"معاكِ أهو، اومال هي منزلتش ليه؟"
ابتسمت وهي تجيبه:
"اصلها مكسوفة، قالت هتنزل لما كله يتجمع، فقولتلها إني هنزل عشان أبقى مع مامتك وهبقى أطلع أجيبها لما يوصلوا، وهي عجبتها الفكرة عشان توزعني وتكلم أمير."
أنهت جملتها ضاحكة، فبادلها هو أيضًا الضحك يهز رأسه بأن.
"لأ فائدة."
سألته:
"إحنا هنبات هنا ولا هنروح بعد ما يمشوا؟"
سألها هو:
"أنتِ عايزة إيه؟"
رفعت كتفيها وهي تجيب:
"مش عارفة علشان كده سألتك، أنا بقول نفضل هنا الليلة، عايزة أشوف أوضتك جدًا."
عبس وجهها وهي تكمل:
"بس أنا بحب بيتنا برضه، بحب أصحى الصبح بدري أفتح الشبابيك وأعلي صوت الراديو وأحضر الفطار ونفطر أنا وأنت سوا، أينعم أنت مش بتتكلم وبتفضل ساكت بس…"
صمتت فهز رأسه يحثها بنظراته أن تكمل ولكن بقيت صامتة فسأل:
"بس إيه قولي."
ابتسمت بخجل وهي تنظر للسلم:
"أقصد يعني إن أنت مش بتتكلم غير قليل بس وجودك بيكون كفاية."
كان ينظر لها وليديها التي كانت تفركها بتوتر. همس باسمها فنظرت له وعيناها تهربان منه فهتف:
"تعالي هوريكِ أوضتي دلوقتي ولما يمشوا الناس نبقى نرجع بيتنا، اتفقنا؟"
تحمست للفكرة وهي تهز رأسها ونهضت تسبقه:
"أنا برضه بقول كده، يلا تعال."
ابتسم وهو ينهض يلحق بها. وصل جوارها حينما توقفت بنهاية السلم ونظرت له بتساؤل:
"أوضتك فين؟"
سألها:
"خمّني كده!"
رفعت يدها تشير ناحية باب على يدها اليسرى، ولكنه ضحك وجذبها من يدها في الاتجاه المعاكس.
وقف كلاهما أمام باب الغرفة. كانت تنظر للباب بحماس فضحك عليها قائلًا:
"على فكرة ده باب أوضتي مش باب الأحلام!"
نفخت بضيق وهي تنظر له:
"يا ربي على الفصلان يا طه، خلص افتح الباب."
ابتسم وفتحه ودلف للداخل يجذبها ويغلق الباب خلفه.
وقفت تتأمل الغرفة وهي تبتسم. كل شيء هنا يشبهه الألوان والأثاث كله. كيس الملاكمة الموضوع في زاوية الغرفة، ومكتبه ذو اللون الأسود وما فوقه من أوراق، ميدالياته وجوائزه المعلقة فوق الحائط والمرآة الطولية في الزاوية الأخرى. كان هناك باب مغلق خمنت أن المرحاض وغرفة تبديل الثياب. كان قد تحرك ليجلس فوق الفراش أمامها ويشاهد ردة فعلها.
هتف بهدوء يجذبها من تأملها:
"على فكرة وأنا كمان."
لم تفهم ما يقصده فنظرت له بتساؤل:
"وأنت كمان إيه؟"
قالتها وجلست جواره فوق الفراش تنظر له وهي تفك الدبابيس التي ثبتت بها حجابها فهتف يوقفها:
"الناس ممكن يوصلوا في أي لحظة خليكِ زي ما أنتِ."
رفضت وهي تنزع الطرحة عن رأسها وتقوم بفك شعرها الذي نزعت عنه المشبك وحركت رأسها يمينًا ويسارًا حتى ينساب فوق ظهرها. كان مأخوذًا بها وبحركته، هي تهوى الحديث، وهو يهوي النظر إليها. يشعر كأنه لو بقي عمرًا يتطلع لها وهي تنزع عنها غطاء رأسها لن يشعر ولو للحظة واحدة بالسأم أو الضيق. فاق من شروده وهي تخبره:
"ما قولتلك مش بحب أقعد بالطرحة طالما ما فيش حد غريب. المهم، كنت بتقول وأنت كمان إيه؟"
كان سيخبرها أنه أيضًا يحب وجودها معه، ويحب حديثها الصباحي وطعام الفطور الذي تعده، ويحب حينما يعود من عمله يجدها بانتظاره مهما أطال الغياب فهي تبقى في انتظاره. لكنه هرب بعينيه وهو يسألها:
"مقولتيش إيه رأيك في الأوضة؟"
ضحكت على تهربه، هي متيقنة بأنه كان سيقول شيئًا محوريًا حقًا لكنه تراجع. تراجع لأنه أخذ وقتًا يفكر بعقله، وعقله لا يتوقف عن ردعه من قول أي شيء قد يمثل عليه خطورة.
حدثت نفسها ساخرة: "طول عمرك نفسك في راجل تقيل يا آية، أهو وقع من نصيبك التقل كله، اشربي بقى."
نظرت له وعادت تحدث نفسها: "بس أنا كنت عايزاه تقيل مع كل الستات ومدلوق عليا، بس طه السيستم عنده عامل Select all."
ضربت برأسها فكرة ما. نظرت له بتحدٍ هي لن تخرج من هذه الغرفة قبل أن تعرف ما الذي كان سيتفوه به. اقتربت منه حتى أصبحت ملاصقة له. نظرت بعينيه وهي تضع يدها فوق وجنته تدير وجهه ناحيتها وتهمس باسمه. ما إن وقعت عيناه بعينيها حتى تاه ولم يعرف أين يجد المفر، وكيف يحمي نفسه من السقوط بمقلتيها. همست من جديد تسأله بنبرة ناعمة وحزينة:
"أنت ليه بتهرب من عنيا؟"
هز رأسه بنفي وهو يهمس:
"أنا مش بهرب."
عادت تهمس وهي ترسم على وجهها ابتسامة سلبت عقله:
"طب قولي، كنت بتقول وأنت كمان إيه؟"
أزاح عن وجهها تلك الخصلة التي لم تتوقف عن مداعبة رموشها. وضع يده بخصرها يجذبها إليه أكثر حتى التصقت به ومال يطبع قبلة فوق وجنتها. تملك منها الخدر. أفعال لم يسبق لها أن تعرضت لها. تصدر منه هو. اقتراب زاد من اضطرابها. علا وجيب قلبها ينذر بأن لا سبيل للعودة إما الاستسلام أو الهلاك!
ابتعد عنها بسرعة اقترابه ولكنه لم يفلتها، يرى أثر فعلته على ملامحها الساكنة وتلك الابتسامة التي زينت ثغرها بهدوء. همس جوار أذنها:
"الطرق دي عمرها ما هتجيب معايا، أنا أعرف كل السبل اللي ممكن أي حد يستعملها عشان ياخد معلومات من اللي قدامه، وخصوصًا لو واحدة ست، ودي أسهل طريقة، بعتبرها طريقة الخايبين."
امتعضت ملامحها وهي تفتح عينيها تنظر له بضيق جعله يضحك عاليًا وهو يُلثم وجنتها مجددًا وينهض متجهًا للخارج.
"قومي لفي طرحتك وحصليني على تحت."
أغلق الباب خلفه وتركها. ألقت بالوسادة على الباب وهي تنفخ بضيق ولكنه زال وحلت مكانه ابتسامة خجولة وهي تضع يدها فوق وجنتها حيث طبع قبلته. ألقت بجسدها فوق الفراش وهي تضحك وتغطي وجهها بكلتا يديها قائلة:
"شكلها كده بدأت تندع."
تعالت ضحكاتها برقة وصلت لأذنيه وهو يقف خلف الباب. ابتسم وتوجه ناحية غرفة أخته ليتفقدها.
***
مر الشهر سريعًا ولم يتبق منه سوى أسبوع. كان قد أنهى ارتداء ملابسه وتناول طعامه وفي طريقه لباب المنزل. ولكنه توقف حينما لاحظ أنها تسير خلفه. نظر لها فوجدها تفرك كفيها بتوتر. سأل بعينيه، فأجابته:
"بص، أصل يعني… شهد…شهد كانت عايزة في أسبوع الفرح أكون معاها يعني، ومفروض أروح لها النهاردة."
سألها بضيق وهو يضيق ما بين حاجبيه:
"والكلام ده ما اتقالش من يوم أو اتنين ليه؟ على الأقل امبارح بالليل؟ مش على الباب وأنا رايح شغلي؟ إيه رأيي مجرد تحصيل حاصل بالنسبة لكِ؟!"
لم تجبه فهتف بغضب طفيف:
"يبقى تتحملي نتيجة تأخيرك ده وتستني لبكرة أو بعده عشان نروح."
نظرت له تحاول إقناعه قائلة:
"يا طه مهو…"
ولكنه قاطعها وهو يرفع إصبعه في وجهها:
"ولا كلمة مفهوم! عن إذنك ورايا شغل."
رحل وقد صفق الباب خلفه بعنف. لم تشعر بأي شيء سوى دموعها التي سقطت فوق وجنتها. حتى وإن كانت مخطئة ما كان يجب أن يحادثها بهذا الشكل الجاف. عادت للداخل تجر قدميها جرًا. لا تدري ما الذي فعلته في دنياها للوصول لهذه النقطة، وهي التي كان يسعى لها من هم حولها لنيل رضاها وكانت هي التي لا تقبل. سنوات عديدة كانت تضع نفسها في الأعلى، كانت قمرًا بين النجوم. كانت قد اتخذت قرارها بألا تقبل إلا بمن يجعلها ملكة متوجة على عرش قلبه، أن تكون هي شغله الشاغل، أن يبذل سعيه لإسعادها. نظرت حولها لما آلت إليه تأملاتها، تعيش مع رجل يشاركها الفراش ولكنها بعيد عنها كل البعد، متروكة في شقة سكنية طيلة يومها، لا ترى أحدًا ولا أحد يراها، لا يسمح لها بالخروج إلا بصحبته وكأنها سجينة وهو سجانها.
مسحت دموعها بعنف شديد وهي تنظر لانعكاسها في المرآة:
"أنا مش هستحمل أكتر من كده خلاص، هو فاكر نفسه مين، ولا فاكرني معنديش كرامة. أنا لو صبرت على كل ده فـ ده عشان مبقاش أنا اللي هديت كل حاجة ويتقال عليا برفس النعمة."
ضحكت ساخرة وهي تجيب:
"هي فين النعمة دي أصلاً، أنا محطوطة في سجن!"
هزت رأسها وكأنها تحاور شخصًا أمامها:
"هو ده الصح وما فيش صح غيره. بعد فرح شهد حكايتنا دي لازم تنتهي."
***
قاطع حديثه مع الضابط الجالس أمامه رنين هاتفه. نقل بصره تجاهه فوجدها أخته. زفر بضيق وهو ينهض مبتعدًا ليرد عليه.
ما لبث أن أجابها حتى سألته بضجر:
"إيه يا طه كل ده أنتو فين؟"
أجابها بهدوء:
"أنا في الشغل."
سألته مجددًا:
"طيب آية جاية مع السواق بتاع باباها يعني ولا إيه؟"
ولكنه نفي ذلك بقوله:
"لأ، آية في بيتنا."
عادت تصيح بضيق:
"أنت بتهزر مجبتهاش ليه، طه أنا محتاجة آية معايا الأسبوع ده بس علشان خاطري."
رفض بقوله:
"ما تشوفي حد من أصحابك يا شهد إشمعنا آية يعني؟"
بررت له:
"عشان هي صاحبة جدعة، وفي نفس الوقت مرات أخويا، يعني في مقام أختي، مينفعش يبقى عندي أخت وأروح أجيب صاحبتي تساعدني."
أصر على رفضه:
"الصحاب على قفا من يشيل يا شهد، متوجعيش دماغي أنا عندي شغل."
علمت أن هذا الأسلوب لن يفيد. لانت نبرتها واصطنعت البكاء بقولها:
"يا طه طب علشان خاطري ده أنا أختك، أنا عمري كله كنت بتمنى يكون عندي أخت وشهد الوحيدة اللي حسيت إنها في المكانة دي. فمن فضلك متحرمنيش من الإحساس ده بعد ما دوقته، علشان خاطري هاتها وتعالوا قضوا الأسبوع ده هنا ولما أمشي أبقى خدها ورجعوا شقتكم."
صمت ولم يجبها فهتفت تحثه:
"طه علشان خاطري بجد!"
قال مغلوبًا على أمره:
"حاضر يا شهد هجيبها بكرة."
طلبت:
"وليه مش النهارد…"
قاطعها بقوله الصارم:
"قولت بكرة خلاص خلصنا، بدل ما أحلف متحضرش الفرح من أصله."
أغلق الهاتف وعاد يباشر عمله بعد أن تعكر مزاجه كليًا.
مساءً عاد في موعده المعتاد. كانت تجلس فوق كرسيها المعهود وقد غلبها النعاس وهي تنكمش على نفسها من البرودة. زفر باختناق وهو يتقدم منها. ظن أن بعد حديثه معها صباحًا أنها ستجافيه، ستتوقف عن أفعالها التي لا تزيد سوى من شعوره بالذنب. مال يحملها ولكن ما إن لامست يداه جسدها حتى انتفضت مستيقظة. نظرت له بتفحص تتأكد من عودته سالمًا ومن ثم هبت واقفة وهي تدفع يديه عنها قالت وهي تدور بعينيها على كل الأركان سواه:
"حمد الله على سلامتك، أحضرلك تتعشي؟"
أجابها بجمود يتطلع إليها ينتظر فعلتها القادمة:
"مش جعان."
هزت رأسها بإيجاب وهي تبتعد نحو غرفة النوم قائلة قبل أن تختفي عن ناظريه:
"طيب تصبح على خير."
تعجب جفائها هذا وهي التي جلست في البرد تنتظره ولكنه نفض عن رأسه كل الأفكار وتوجه للداخل يطلب النوم بسلام.
***
صباحًا استيقظ مبكرًا قبلها بكثير من الوقت. تعجبت حينما وقعت عيناها عليه فوجدته في كامل ثوبه. نهضت دون حديث لم تلقِ عليه حتى تحية الصباح، ولكنها توجهت بوجه عابس نحو المرحاض، وغابت داخله لبعض الوقت. كانت تنتظر أن يرحل لعمله لا تريد أن تتشاجر معه مجددًا ولكنه لم يرحل فخرجت مضطرة. وجدته وقد توسط الأريكة يتصفح هاتفه. رفع رأسه لها قائلًا:
"جهزي نفسك عشان أوصلك البيت عندنا قبل ما أروح الشغل."
رفعت حاجبها بغيظ وهي تسأله:
"والله، أنت عايز تمشيني بمزاجك، إيه تحكمات سي السيد دي، كنت فاكرك أعقل من كده على فكرة."
لم تلحظ نبرة صوتها العالية، ولكنه لاحظها فهتف بتخذير:
"صوتك عالى!"
لكنها صاحت بغضب:
"صوتي وأنا حرة فيه، وأقولك حاجة كمان، أنا مش رايحة في حتة، يلا بقى روح على شغلك."
لم يجبها بل رفع الهاتف لأذنه يجري اتصالًا حتى هتف:
"صباح الخير يا شهد عاملة إيه؟"
صمت يسمع ردها ومن ثم أخبرها:
"دلوقتي آية اللي قولتي عليها امبارح أختك، بقولها تجهز نفسها عشان أوصلها عندكم، اتعصبت واتنرفزت وقالت مش رايحة في حتة."
صمت من جديد يسمعها، مد يده بالهاتف للواقفة أمامه قائلًا:
"أهي معاك، كلميها."
كانت تنظر لها بغضب شديد، ودت لو أخذت منه الهاتف وحطمته في وجهه، أو ربما يمكنها الخروج وتركه هكذا، ولكنها رفضت هذا والتقطته منه بعنف أولته ظهرها وهي تضع الهاتف فوق أذنها:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا شهد… يا بنتي أنتِ فهمتي غلط، أخوكي بيقول الكلام على كيفه، أنا هاجي بس عشان خاطرك وعشان أنتِ غالية عندي، تمام ماشي، يلا سلام."
أغلقت المكالمة وألقت بالهاتف فوق الفراش وهي تتجه للمطبخ. رفع حاجبه بغيظ والتقط هاتفه وخرج خلفها وجدها تعد القهوة وتمسك بيدها خبزًا قد وضعت فوقه بعض الجبن تقطم منه. هتف بضيق:
"هو أنا مش قولت يلا عشان أوصلك!"
نظرت له ببراءة مصطنعة:
"هفطر وأشرب القهوة، أكيد مش هنزل على لحم بطني!"
سأل بغيظ:
"ده على أساس إننا رايحين مجاعة، ما هنفطر هناك معاهم."
صبت قهوتها وهي تخبره:
"عادي، عقبال ما نوصل هكون جوعت تاني."
حملت الكوب وسارت للغرفة وأغلقت الباب خلفها. جلس فوق الكرسي المواجه للغرفة وقدمه تدك الأرض دكًا بغضب.
خرجت بعد ما يقارب الساعة إلا الربع تحمل حقيبة صغيرة وضعت بها بعض الثياب و بيدها الأخرى حقيبة يدها قائلة:
"يلا أنا خلصت."
نهض يتوجه نحوها حتى وقف أمامها. ظنته سيأخذ منها حقيبة الثياب لكن ظنه خاب حين هتف بضيق شديد:
"للعلم اللي حصل ده مش هيعدي كده عادي، ولو اتكرر تاني مش هيحصل كويس."
أعطاها نظرة تحذيرية واتجه نحو الباب فتحه بغضب ولم ينتظر أن تخرج أمامه بل خرج هو وتركه مفتوحًا. همست لنفسها بحسرة:
"شكلها ولعت وإحنا بنجيب آخرها خلاص."
انفتح باب المصعد فخرج بخطوات سريعة. ركب سيارته وانتظر منها أن تضع حقيبتها بالخلف وتأتي للجلوس في مقعدها جواره. ولكنها أدخلت الحقيبة بالخلف وجلست بالخلف هي أيضًا. رمقها من المرآة بنظرات غاضبة بادلته هي بأخرى متحدة. لكنه أثر الصمت. أدار مقود السيارة بعنف وهو يأكل الطريق أكلًا. خيم الصمت بينهما ونظرات التهكم تسود بينهما. ما إن توقفت السيارة خرجت منها مسرعة للداخل. استقبلها في بهو المنزل والد زوجها مرحبًا:
"أهلا يا آية يا بنتي، وأنا أقول البيت نور كده ليه!"
ابتسمت وهي تصافحه بمودة:
"ده منور بوجودك يا عمو ووجود طنط وشهد كمان."
نزلت والدة زوجها من فوق السلم قائلة:
"شهد قالتلي إنك مكنتيش عايزة تيجي النهاردة، وإمبارح طه هو اللي مكنش عايز يجيبك، إيه حكايتكم انتوا الاتنين."
عقب جملتها دخل طه يحمل حقيبته. وقف أمامهم وقبل أي شيء أجابت هي:
"والله يا طنط السؤال ده يجاوبنا عليه طه مش أنا."
أخذت حقيبتها منه دون أن تعطيه نظرة واحدة واستأذنت منهم بأدب:
"بعد إذنك هطلع الشنطة وأروح أشوف شهد."
رحلت وخلفها ثلاثة أزواج من الأعين. زوجان منهما متعجب والثالث حانق على ما تفعله. توجهت نظرات والدته إليه وكانت والدته الأسبق وهي تقول:
"فهمنا إيه اللي بيحصل ده."
صاح بنبرة غاضبة وصلت لها وهي في منتصف السلم:
"اللي بيحصل ده اسمه لعب عيال وأنا لا عيل ولا بلعب فياريت تفهم ده كويس عشان أنا جبت آخري."
هل قال هذا حقًا، هو من فاض كيله منها؟! يرى نفسه مظلومًا هذا الأشعث. حاولت نزع نفسها من فوق درجات السلم انتزاعًا والصعود لأعلى لكنها لم تقدر. ألقت الحقيبة التي وإن ملكت القدرة على الحديث لكانت صرخت تطلب الكف عن معاملتها بهذه القسوة.
هبطت مسرعة تلحق به قبل أن يخرج من الباب جذبته من ذراعه بعنف وهي تصيح بوجهه متناسية وجود والديه.
رواية طائر النمنمة الفصل الثالث 3 - بقلم ملك العارف
انفتح باب المصعد فخرج منه بخطوات سريعة.
ركب سيارته وانتظر منها أن تضع حقيبتها بالخلف وتأتي للجلوس في مقعدها جواره، ولكنها أدخلت الحقيبة بالخلف وجلست بالخلف هي أيضًا.
رمقها بنظرات غاضبة، بادلته هي بأخرى متحدية.
لكنه أثر الصمت، أدار مقود السيارة بعنف وهو يأكل الطريق أكلًا.
خيم الصمت بينهما ونظرات التهكم تسود بينهما.
ما أن توقفت السيارة خرجت منها مسرعة للداخل.
استقبلها في بهو المنزل والد زوجها مرحبًا:
"أهلاً يا آية يا بنتي، وأنا أقول البيت نور كده ليه!"
ابتسمت وهي تصافحه بمودة:
"ده منور بوجودك يا عمو ووجود طنط وشهد كمان."
نزلت والدة زوجها من فوق السلم قائلة:
"شهد قالتلي إنك مكنتيش عايزة تيجي النهاردة، وإمبارح طه هو اللي مكنش عايز يجيبك، إيه حكايتكم أنتو الاتنين؟"
عقب جملتها دخل طه يحمل حقيبتها.
وقف أمامهم وقبل أي شيء أجابت هي:
"والله يا طنط السؤال ده يجاوبنا عليه طه مش أنا."
أخذت حقيبتها منه دون أن تعطيه نظرة واحدة واستأذنت منهم بأدب:
"بعد إذنك هطلع الشنطة وأروح أشوف شهد."
رحلت وخلفها ثلاثة أزواج من الأعين، زوجان منهما متعجب، والثالث حانق على ما تفعله.
توجهت نظرات والديه إليه، وكانت والدته الأسبق وهي تقول:
"فهمنا إيه اللي بيحصل ده؟"
صاح بنبرة غاضبة وصلت لها وهي في منتصف السلم:
"اللي بيحصل ده اسمه لعب عيال وأنا لا عيل ولا بلعب فياريت تفهم ده كويس علشان أنا جبت آخري."
هل قال هذا حقًا، هو من فاض كيله منها؟!
يرى نفسه مظلومًا هذا الأشعث.
حاولت نزع نفسها من فوق درجات السلم انتزاعًا والصعود لأعلى، لكنها لم تقدر.
ألقت الحقيبة التي وإن ملكت القدرة على الحديث لكانت صرخت تطلب الكف عن معاملتها بهذه القسوة.
هبطت مسرعة تلحق به قبل أن يخرج من الباب.
جذبته من ذراعه بعنف وهي تصيح بوجهه متناسية وجود والديه:
"مين ده اللي جاب آخره! أنت؟ ليه معيشاك في نكد ولا مفضية جيوبك بطلباتي، ده أنا بآخد منك الكلام بالعافية، الكلام اللي هو مش بيكلفك أي حاجة ده بتستخسره. لو في حد بيلعب فهو أنت ولو في عيل فهو أنت برضو عيل وستين عيل كمان، اللي يقول كلام في الأول وميبقاش قده ويرجع فيه يبقي عيل يا طه."
كان انفعالها واضحًا، أنفاسها المتلاحقة وتوترها الذي ظهر في ارتعاشة كفيها.
رفع رأسه للسقف يستدعي ثباته حتى لا يصدر منه أي فعل متهور.
نظر لها بتحذير أرعبها داخليًا، وقال بغضب قاتل:
"أقسم بربي يا آية صوتك لو علي عليا بالشكل ده تاني مش هيحصلك كويس، أنتِ فاهمة؟"
صرخ بكلمته الأخيرة فانتفضت خطوة للخلف، بينما اقترب هو خطوتين وهو يواصل قوله:
"أنا مش هرد على لعب العيال بتاعك ده، لأنه ميفرقش معايا وعلشان أبويا وأمي اللي واقفين دول، في ظروف غير دي أنا كنت هندمك على كل حرف قولتيه بس حظك."
انتهى حديثه وأولى ظهره راحلًا.
ولكنها أبت أن يرحل منتصرًا، عليها الثأر لكرامته.
فعادت تقف أمامه، نظرت لعينيه بتحدٍ وهي تخبره:
"أنا عمري ما أندم على اللي قولته لو عملت إيه، وكل اللي قولته ده ميفرقش معايا بشلن."
ظنت أنها ستشعل النار التي خمدت داخله وتهدأ نيرانها هي.
ولكنه زاد اشتعالها حينما ابتسم ببرود ورفع كفه يربت فوق وجنتها، وهو يقول:
"إلعب بعيد يا شاطرة يلا."
رحل وتركها تغلي فوق مراجل استفزازه.
صاحت وهي تنظر لظهره بغضب:
"بارد."
ولكنه واصل سيره حتى غاب عن أنظارها.
استدارت راحلة فاصطدمت بوالديه خلفها، ولكنها لم تتوقف بل أسرعت نحو السلم، أخذت حقيبتها واختفت عن ناظريهما.
هتفت لزوجها بتعجب:
"أنا مش فاهمة حاجة يا عبد اللطيف، أنت فاهم؟"
هز رأسه بنفي وهز يخبرها:
"لأ، وبلاش تدخلي بينهم أو تتكلمي معاها في أي حاجة علشان متزوديش المشكلة، اطلعي يلا شوفي هتعملوا إيه لبنتك وانسوا النكد ده شوية، يلا."
بالفعل صعدت إليهن.
فتحت الباب ودخلت فقابلها صوت زوجة ابنها، تقول بنبرة آمرة:
"بصي أنتِ هتقومي تلبسي وننزل نشتري الحاجات اللي قولتي عليها يا إما هقوم آخد تاكسي وأروح البيت، أنا مش جاية كل ده علشان تقوليلي نختار أونلاين يا شهد!"
جزت شهد فوق شفتيها بضيق لا تدري ماذا تقول لها.
أتخبرها بأن هذه أوامر أخيها وأنه رفض أن يأخذها ويخرج بها لأي مكان.
فاقت على صوتها وهي تواصل قولها:
"أصلًا الأونلاين حواراته كتير وهياخد وقت، ممكن لما يوصل يكون فيه مشكلة أو عيب أو يطلع عايز يتظبط ومفيش وقت لكل ده أكيد، متبقيش خنقة زي أخوكي ويلا."
نظرت لوالدتها تستنجد بها حتى ترفض.
لكنها اقتربت منهن وهي تقول:
"عندك حق يا حبيبتي، قومي يا شهد يلا البسي وهننزل إحنا التلاتة سوا، السواق يوصلنا ويرجع ياخدنا لما نخلص."
وأدت شهد تلك الابتسامة التي كادت أن ترتسم فوق شفتيها وهي تتذكر تحذير أخيها قائلة:
"بس يا ماما…"
قاطعته:
"مابسش يلا متضيعوش وقت علشان نلحق نيجي بدري."
ابتسمت هي بانتصار وهي تلقي لوالدة زوجها قبلة قائلة بضحكة واسعة:
"حبيبة قلبي أنتِ والله."
صاحت شهد من داخل غرفة تبديل الثياب بتخابث تسألها:
"ماما حبيبة قلبك طب وطه إيه نظامه؟"
ابتسمت والدته وهي تنظر لها، تنتظر جوابها لكنها تصنعت عدم سماعها وهي تقول:
"بتقولي حاجة يا شوشو."
أجابتها ضحكة شهد العالية وكأنها أدركت هروبها جيدًا.
انتصف النهار ولا يزال ثلاثتهن يتجولن من متجر لآخر.
جلست شهد جوار والدتها بإنتظار آية التي دلفت لغرفة البروفا لقياس أحد الفساتين والذي اختارته لها شهد بعد عناء بذلته لإقناعها بأن ترتديه "يوم الحنة".
وعللت كونه مكشوفًا ولا يصلح مع حجابها بأن الحفل في المنزل بمكان معزول ولن يكون فيه سوى فتيات مثلهن ولن يقوم أحد بتصوير أي شيء.
صاحت من الداخل بضجر وهي تنظر لنفسها بالمرآة:
"أكيد بتهزري يا شهد أنا مش ممكن ألبسه قدام حد حتى لو بنات بس."
كان ضجرها لا يقل عنها وهي تخبرها بنبرة متذمرة:
"آية اخرجي أبوس إيدك وسيبينا إحنا نحكم، ده تالت فستان تلبسيه وتقولي كده، اخرجي بس نشوف شكله عليكي."
ضربت الأرض بقدميها متذمرة هي الأخرى وأزاحت الستار وتقدمت من كلتيهما.
ابتسمت والدة زوجها بإنبهار لطلتها الرائعة، كأن الثوب صُنع خصيصًا لها، وقد ناسب قدها الممشوق وبشرتها الخمريّة التي تناسب معها لون الرداء الأحمر الداكن، وطوله الذي يصل حتى ركبتيها، صدر متسع يأخذ شكل المثلث من الأمام ومن الخلف مع كتف عريض بعض الشيء، شعرها الذي روضته لينام فوق كتفها الأيسر، الحمرة الطفيفة التي لونت وجنتيها خجلًا.
تعجبت لصمتهن لذا سألت بقلق خجول:
"إيه، مش حلو ولا إيه؟"
خرجت أخيرًا شهد عن صمتها وهي تتقدم منها وتدور حولها.
"مش حلو إيه بس، ده يهبل يا يويو…غمزت وهي تبتسم بشقاوة قائلة: دلوقتي أنا عرفت مبقيناش نشوف طه كتير من وقت ما اتجوز ليه."
هزت رأسها بلا فائدة وهي تبتسم بسخرية ظنتها هي خجلًا.
وجهت بصرها لوالدة زوجها تسألها بعين مليئة بالتوتر:
"إيه رأيك يا ماما، حلو؟"
مررت يدها فوق شعرها بحنان وهي تبتسم:
"حلو علشان أنتِ لابساه يا حبيبتي."
هتفت شهد وهي تجذب الفستان الذي اختارته لنفسها وتتجه لغرفة القياس صائحة:
"هدخل أقيس الفستان ده علشان شكلي هغير رأيي في اللي جبته الأول."
صاحت والدتها بنزق:
"دي خامس مرة تقولي فيها كده يا شهد كفاية بقى."
أجابتها وهي تتصنع البراءة:
"دي خامس مرة يا ماما مش العاشرة يعني يا حبيبي، هقيس بسرعة متقلقيش."
أغلقت الستار وخلفها ضحكات زوجة أخيها ووالدتها التي طمأنت الواقفة بجوارها بقولها:
"لو قلقانة علشان طه مش هيوافق على الفستان، سيبها عليا، أنا هكلمه."
ابتسمت بسخرية:
"طب ده الفستان، وخروجنا؟"
صمتت لثانيتين وأكملت:
"أنا عارفة إني أصرت على الكلام ده وقت غضبي منه، بس لما غضبي ده راح استوعبت إني غلط، مهما كان الخلاف مكنش يصح أكسر كلمته اللي سبق وقالها قبل كده، لأنه غلط وحرام. أنا متضايقة أوي يا طنط ومش عارفة أعمل إيه؟"
ربتت فوق كتفها وهي تقول:
"ادخلي غيري هدومك وتعالي نتكلم على ما المجنونة دي تخلص عرض الأزياء بتاعها."
أومأت لها موافقة واستدارت راحلة من أمامها.
بينما توجهت هي لجانب الغرفة تخرج هاتفها الذي علا صوت رنينه.
نظرت لاسم المتصل بضجر والذي كان طه.
أخذت نفسًا عميقًا أخرجته وهي تضغط زر الإجابة وعاجلها هو بصوته الغاضب:
"مش كفاية كده يا أمي ولا إيه، أنا أصلًا مش عارف إزاي وافقتك على كلامك ده والهانم لحد دلوقتي متصلتش تعرفني ومستمتعة عادي جدًا بالشوبينج بتاعها، ماشي يا آية!"
عنفته والدته بغضب وهي تكابد حتى لا يعلو صوتها ويصل لمن بالداخل:
"تصدق عندك حق، إيه رأيك أبعتلك اللوكيشن وتيجي تمسك في زمارة رقبتها لحد ما تخلص عليها وترتاح!"
لم يجبها فواصلت مؤنبة:
"أهدي على نفسك وعلي البنت شوية يا طه، أنا كل ما أبص في عينيها ألاقي الخوف والقلق بينطوا منهم، ليه كده يا حبيبي، هي زعلانة وندمانة إنها عملت كده من وراك على فكرة، وخايفة من ردة فعلك، فخليك أنت هادئ شوية معاها، سيبها هي تتكلم وبطل تهب زي البوتاجاز كده، بدل ما بعد كده هتعمل ده من وراك عندك فيك ومش هتقولك، يلا سلام."
ألقى الهاتف على الكرسي المجاور له بالسيارة مرددًا بسخرية قول والدته:
"أخليني هادئ آه، ماشي يا آية ماشي."
وأخيرًا انتهى كل شيء.
جملة هتفت بها سرًا لنفسها وهي تجاور والدة زوجها في السيارة في طريق العودة للمنزل.
والتي ما أن صف السائق السيارة أمام الباب حتى خرجت منه تجذب حقائب مشترياتها وهي تسبقهم متعللة بإرهاقها من التجول طيلة النهار.
غابت عن أنظارهن للداخل ولم تتوقف إلا داخل غرفته.
وضعت الحقائب فوق الفراش وتقدمت حتى جلست فوق كرسي موازٍ لتلك المرآة الطولية بزاوية الغرفة.
نظرت لانعكاسها بالمرآة بملامح باهتة لمعت الدموع بمقلتيها وهي تلقي على ذاتها سؤالًا:
"ليه عملتي كده؟ وإزاي أصلًا تعملي كده، مفكرة نفسك عيلة، فوقي يا آية أنتِ أكبر من كده مش لسه في سن المراهقة، خرجتي من غير إذن جوزك اللي سبق ونبه إن متخرجيش غير معاه، والأدهى كان من وراه، وكل ده ليه؟ عندًا فيه، طب مفكرتيش في إن ده هيغضب ربنا، متعرفيش إن ده حرام؟"
عند هذه النقطة انهارت وهي تجهش ببكاء مرير تبكي نادمة على ما فعلته.
لم تدرك كم من الوقت بقيت حتى سمعت طرقًا على الباب.
نهضت لغرفة تبديل الثياب مسرعة تغسل وجهها حتى لا يدرك أحد بكائها.
صاحت قبل أن تدلف للداخل قائلة:
"ادخل."
كانت شهد وقد بدلت ثياب الخروج لأخرى بيتية وجاءت لتفقدها.
خلعت عن رأسها حجابها وبدلت ثيابها وعكفت فوق صنبور المياه تحاول إخفاء آثار الدموع عن مقلتيها.
دقائق ثم خرجت مبتسمة للتي تنتظرها بالخارج وهي تسألها:
"إيه ده وحشتك بسرعة كده!"
ضحكت على قولها وهي تقفز فوق الفراش وتجيبها:
"حبيبة قلبي أنتِ، قولت أجى أخليكي تلبسي تاني الفستان اللي جبناه ليكي، علشان نشوفه أوفر فعلًا زي ما قولتي ولا عادي."
تمددت بجوارها وهي ترفض بقولها:
"إنسي إني أقوم ألبس أي حاجة تانية، أنا عايزة أنام."
لكن الأخرى أصرت وهي تدفعها من كتفها.
"هو إيه ده قومي يابنت يلا اعملي اللي بقولك عليه."
رفضت وهي تتمسك بالفراش ضاحكة:
"لو جدعة قوميني."
نظرت لها بتحدٍ:
"لو وقعتك من على السرير هتقومي تعملي اللي أقولك عليه!"
تحدتها هي الأخرى وهي تحرك جسدها لمنتصف الفراش:
"يلا."
بدأت شهد بدفعها وسط تشبثها بالفراش وضحكات كلتيهما حتى كادت تسقطها فهتفت بإستسلام:
"خلاص يا مجنونة هقوم، لو وقعت من على السرير ده مش هنفع تاني!"
ضحكت على قولها وهي تؤكد قائلة:
"عندك حق، طه مش نايم على سرير، ده خط بارليف."
أكملت قهقهاتها وهي تخرج الفستان من الحقيبة، وتدلف للغرفة الملحقة.
دقائق وخرجت إليها لكن الذي لم تحسب حسابه هو وجوده بالغرفة.
كيف ومتى عاد من عمله لا تعلم لكن ما تعلمه أنها تذوب خجلًا الآن.
كان قد عاد لتوه من عمله، فقد بقي فيه طيلة النهار يغلي فوق مراجل غضبه منها ولم يحتمل البقاء أكثر من ذلك وهكذا ها هو الآن هنا يقف أمام الباب مشدوهًا بها وبهذا الثوب.
هذا الثوب الساحر.
بينما هي تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها.
فبالرغم من مرور ما يقرب الثمانية أشهر على زواجهما إلا أنه لم يرها بثوب مكشوف مثل هذا من قبل، فحيائها كان حاجزًا، وعدم اكتراثه كان حجر أساس هذا الحاجز.
والآن دون مقدمات خرجت أمامه هكذا.
حمحم هو بخشونته المعتادة يقطع هذا الصمت وهو يلقي التحية:
"مساء الخير."
هربت بعينيها منه، كانت ستعود أدراجها ولكن شهد التي قبضت فوق معصمها حالت دون ذلك.
جذبتها إلى منتصف الغرفة بمحاذاته وهي تسأله:
"إيه رأيك يا طه في القمر ده، الفستان هياكل منها حتة."
هي لا تعلم الكثير عن الخلافات بين أخيها وزوجته تظنه بعض العناد الأجوف أو مشاغبات زوجية عادية، ولم يرغب هو بتعكير صفو سعادتها لذا ابتسم وهو يقترب منها.
أمسك كفها وأدارها أمامه بخفة وهو يتطلع إلى تفاصيلها، حتى ثبتت أمامه تنظر ليديها بخجل.
كان متعجبًا لهذا الخجل منها، وهي التي لا تكف عن الثرثرة.
لم تتفوه بشيء منذ عشر دقائق حتى الآن.
رفع وجهها لتنظر له لكن أبت عيناها أن تطالعه.
لكنه ابتسم وهو يجيب على حديث أخته متغزلًا فيها بقوله:
"بصراحة الفستان وصاحبة الفستان ملهومش حل."
هنا فقط نظرت له خلسة تستشف الصدق من ملامحه التي كُتب عليها أنه لا يدعي قوله.
ابتسمت شهد وهي تلقي قنبلتها:
"طب الحمد لله، أصل يويو هتلبسه يوم الحنة."
عقد حاجبيه متصنعًا عدم الفهم وهو يسأل:
"يويو مين؟"
تذمرت أخته وهي تهتف:
"طه متهزرش!"
ابتعد عنهما وشرع في فك أزرار قميصه وهو يقول:
"انسوا إن ده يحصل."
عند هذه النقطة شرعت أخته في بذل كل ما ادخرته من حجج منطقية لجعله يوافق، بينما التزمت هي الصمت وكأن الأمر لا يعنيها.
حتى قطع هذا الجدال طرقات على الباب.
هتف يأذن بالدخول للطارق، كانت والدته التي حادثت أخته بقولها:
"أنتِ هنا وأنا بدور عليكي، تعالي يلا خلي أخوكي يرتاح له شوية قبل العشا، يلا."
خرجت مجبورة وعلي ملامحها رفض شديد ولكن ما باليد حيلة.
بينما نظرت له والدته بنظرات توصية بأن يتحلى بالهدوء، فهز رأسه وهو يتوجه لتغيير ثيابه عقب خروجهن.
عاد فوجدها تجلس فوق طرف الفراش.
رفعت نظراتها له تسأله بهدوء:
"أنت فعلاً مش عايزني ألبس الفستان ده؟"
هز رأسه موافقًا دون التفوه بأي حرف.
فعادت تسأله:
"طيب ليه، بعد كل اللي شهد قالته ده ولسه برضو!"
هز رأسه مرة أخرى بالإيجاب وهو يجلس بجوارها يقول:
"علشان ميصحش واحدة محجبة، أو أي واحدة عمومًا تلبس فستان زي ده برة أوضة نومها، إزاي وافقتي أصلًا؟ أنا قولت لا يعني لا خلاص، شوفي غيره، أو كلموا البيدج اللي طلبتوا منها تغيره."
ألقى جملته الأخيرة ليرى ردة فعلها، يود معرفة ما إن كانت ستصارحه أم لا.
فركت هي كفيها كحركة مصاحبة لتوترها أصبح هو يحفظها عن ظهر قلب.
ابتلعت ريقها وهي تستدير بمقابلته وهي تقول:
"مش مشكلة خلاص، أنا مكنتش موافقة عليه وشهد وطنط أصروا…في…في حاجة تانية عايزة أقولك عليها."
نظر لها ينتظر منها أن تكمل، فقالت:
"ممكن بس تبقي هادئ وتسمعني من غير عصبية، أنا مش عايزة نتخانق، ممكن؟"
استدار هو أيضًا فأصبح مواليًا لها وهتف بهدوء:
"ممكن، عايزة تقولي إيه؟"
قررت البوح بكل شيء وليحدث ما يحدث، قالت:
"الفستان ده مش مطلوب أونلاين."
عقد حاجبيه واصطنع التساؤل بقوله:
"شهد كانت جايباه ليكي؟"
لكنها نفت ذلك بهزة من رأسها وهي تفصح:
"لأ برضو، أصل…أنا خرجت مع ماما وشهد للمول القريب من هنا بعد ما أنت مشيت…أنا كنت غضبانة ومتعصبة وقررت أعمل أي حاجة في سبيل إني أضايقك فصممت نخرج، بس من وقت ما رجلي خرجت برة البيت وأنا الندم بيقتلني، بس صدقني دي أول مرة تحصل والله."
رفع حاجبه وهو يسأل بخشونة:
"وآخر مرة؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقد انسابت دمعة ندم من عينيها التي أغمضتها وهي تخفض رأسها.
نهض عن الفراش، يوليها ظهره وهو يخبرها:
"ماشي يا آية."
استدار ينظر لها وصدمها بقوله:
"بس على فكرة وعلشان أكون صريح معاكي زي ما أنتِ كنتِ صريحة معايا، أنا كنت عارف."
رفعت رأسها له وهز كتفيه وهو يعود لمجلسه بجوارها ويصارحها:
"ماما كلمتني قبل ما تخرجوا، وقالت لي كل اللي حصل."
سألته بلهفة:
"و أنت قلتلها إيه؟"
ابتسم وهو يقول:
"لأ عادي اتعصبت شوية."
سألت باستنكار:
"عادي وشوية ميتحطوش مع عصبيتك في جملة على فكرة."
نظرت أمامها ومن ثم ابتسمت وهي تهتف:
"ثانية واحدة، معنى كلامك إنك كنت عارف!"
نهضت تنظر له وقد اتسعت ابتسامتها أكثر:
"يعني أنا مخرجتش من وراك، الحمد لله بجد."
ومن ثم زار الغضب نبرتها وهي تسأله:
"بقي كنت عارف وبتلاعبني يا حضرة الظابط؟ يعني متوافقش أخرج لما أطلب أنا لكن لما مامتك هي اللي تطلب توافق وعادي جدًا!"
هز كتفيه ببرود وهو يجيبها:
"علشان دي أمي."
أشارت على نفسها بتعجب:
"وأنا ماليش تسمية، واحدة جاية من الشارع مش كده؟"
هز رأسه بنفي:
"أنا مقولتش كده."
ولكنها صاحت:
"بس ده معنى كلامك."
سأل بنزق:
"أنتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
جذبت كرسي من خلفها لتوازي جلسته وهي تهتف بإصرار:
"أنت مخبي حاجة ورا رفضك وإصرارك على الخروج وحدي وأنا لازم أعرفه يا طه و…"
قاطع قولها طرق على الباب من إحدى الخادمات تخبرهما بأن الجميع ينتظرهما لتناول العشاء بالأسفل ولم يجد هو فرصة أفضل من هذه للهرب من حصار أسئلتها التي ما كانت ستنتهي على خيرٍ هذه الليلة.
نهض مسرعًا وهو يخبرها:
"يلا علشان بابا مبيحبش حد يتأخر على مواعيد الأكل."
انقضى بقية الأسبوع سريعًا بين تهرب طه منها وبين انشغالها بتجهيزات الزفاف.
كانت قد عادت للتو من جولة التسوق الأخيرة مع شهد ووالدة زوجها وجلس ثلاثتهن فوق فراش شهد.
وقد فتحت كل منهن أكياس التسوق وعلب التغليف للتأكد من أن كل شيء بالفعل قد تم شراؤه ولقياس البعض منهم.
حتى نهضت والدة زوجها للخارج تخبر الخادمة بصنع القهوة لثلاثتهن.
انتهزت هي هذه الفرصة ونظرت لشهد بترقب وهي تراوغها بالحديث قائلة:
"تعرفي طه امبارح حكالي على المشكلة اللي مر بيها وأثرت في شخصيته بالشكل السلبي ده، أنا بجد مش قادرة أصدق إنه عاش كل ده!"
ارتسم الحزن فوق وجه شهد وهي تهز رأسها بالإيجاب.
ومن ثم سألتها:
"هو حكالك إيه بالظبط؟"
زاغت عيناها وتلبسها بعض الارتباك ولكن هتفت بثقة:
"ما قولتلك كل حاجة، بس أنا حاسة إنه قال كده علشان يستعطفني وده محصلش، علشان كده بسألك."
لمعت الدموع بعينيها وهي تخبرها بنبرة يملؤها الحزن على أخيها:
"لأ مش بيستعطفك طه فعلا حاله اتبدل من وقت ما نانسي خطيبته الأولى اتخطفت واتقتلت و…"
"شهد!"
كان هذا صياح والدتها التي عادت للتو وسمعت قوله.
تقدمت منها وهي تزجرها بقولها:
"أنتِ مين سمح لك تتكلمي في حاجة تخص أخوكِ من غير إذنه؟"
تلجلجت من ظهور والدتها في هذه اللحظة.
أما هي فقد كانت في حالة يرثى لها، صدمتها أوضحت أنها تسمع هذا الحديث لأول مرة.
بررت شهد لوالدتها وهي تحرك كفيها بعشوائية:
"مهو…مهو يا ماما آية مش غريبة، دي بقت مراته ولازم تعرف، هو أصلًا قالها!"
نظرت لها بطرف عينها، وقد أوضحت الدموع التي إلتمعت بعينيها كذب ما قالته هي قبل قليل.
ما جعل شهد تسأل باستنكار:
"آية أنتِ مكنتيش تعرفي صح، بتضحكي عليا."
أثرت أن تقلب الطاولة وتدير دفة اللوم لتكون هي المتحكم.
مسحت الدمعة التي انبثقت من عينيها بعنف وهي تنهض لتقف أمامها تسأل بغضب:
"هو إزاي حاجة زي دي أنا معرفهاش، أنا مش فاهمة بجد، أنا نايمة قايمة أفكر هو ماله ولا في إيه، طب العيب فيا ولا فيه ولا الظروف اللي اتجبرنا عليها، وكلكم عارفين وأنا بس المغفلة اللي متعرفش!"
بررت والدة زوجها بحجة واهية حتى هي غير مقتنعة بها:
"حبيبتي طه رفض حد مننا يتكلم في الموضوع ده، وقولنا هو يقولك وقت ما يكون عايز يقول."
هزت رأسها رافضة وهي تنظر لشهد بحزن:
"أنا اعتبرتك أختي بجد وكنت بتعامل معاكِ على الأساس ده، إزاي تعملي فيا كده!"
حاولت شهد التحدث:
"آية اديني فرصة أفهمك طيب."
ولكنها هزت رأسها برفض لا تود سماع أية تبريرات:
"لأ مالوش لازمة أي حاجة هتقوليها دلوقتي ملهاش لازمة، أنا عايزة أعرف تفاصيل اللي أنتم مخبينه عني كلها، والكلام اللي هيتقال أنا مش عايزة طه يعرف إني عرفته مهما يحصل."
وبالفعل أرغمت كلتيهما على إخبارها بكل شيء.
بعد وقت طويل دلفت غرفتها وأغلقت الباب.
نظرت إلى صورته المعلقة فوق الحائط وتجمعت الدموع بعينيها وهي تسند ظهرها للباب بضعف شديد.
ما سمعته منذ قليل ثقيل عليها.
رن بعقلها قول شهد: "طه كان خاطب أخت واحد صاحبه، وكان في إعجاب بينهم، نانسي كانت عنيدة وشخصيتها قوية مكانتش بتحب تسمع كلام طه نهائي، كانت بتشوفه تحكم، لكن طه كان بيشوفه اهتمام بيها، وأنه بيخاف عليها، هي مقدرتش تفهم ده، كانت تخرج في كل حتة من غير ما تعرفه من باب العلم حتى وممكن تسافر مع أصحابها ويعرف لما تنزل صورها وهي هناك، بس هو كان عنده أمل تتغير وفضل مكمل لأنه اتعلق بيها برضو، وهي كانت بتعرف تمتص غضبه بطريقتها، لحد ما في فترة أخوها كان ماسك قضية تقيلة مع ناس مبتتفاهمش، وكان خايف عليها وكان بيمنعها تخرج من خوفه عليها، وطه كمان كان قلقان إنهم يعملولها حاجة عشان يهددوا أخوها، بس هي مصدقتش كلامهم، كانت توافق وهما بينصحوها، وتخرج من وراهم بعد كده، لحد ما في مرة اتخطفت فعلاً، سواق التاكسي خدرها وخدها، لما عرفنا طه كان هيتجنن وهو مش عارف يوصلها، آخر اليوم اتصلوا بأهلها يا إما أخوها يسيب القضية يا يقتلوها، أخوها رفض يسيبها وقال أختي هرجعها بنفسي، ورجعها فعلًا، اتصلوا بيه من رقمها وهي كلمته وقالت له العنوان، وكلمت طه كمان بس هو كان حاسس إنه مش هيشوفها تاني، لأن مستحيل يسيبوها تكلمهم إلا لو قرروا يتخلصوا منها، وفعلاً وصلوا المكان ده ولقوه فاضي، مكنش فيه غير نانسي غرقانة في دمــ،ها بعد ما دبحوها وهربوا."
سالت دموعها الساخنة فوق وجنتيها، وهي تنتحب بالبكاء.
ارتمت فوق الفراش وقد خارت كامل قواها، وهي تستعيد بقية الحديث: "طه اتدمر من بعد اليوم ده، خصوصًا إنه أول واحد دخل المكان وشافها وهو اللي شالها وخرج بيها لحد العربية ومن العربية للمستشفى، كان عنده أمل إنها تعيش وهي ميتة بين إيديه. مش هقولك إن طه كان شخصية مرحة بتهزر وتضحك 24 ساعة ومن بعد الحادثة اتحول 180 درجة، لأ هو كان زي ما أنتِ شايفة برضو يمكن كانت عصبيته أقل، كلامه زيادة شوية ممكن يهزر فين وفين، بس ده بقى نادر من بعد الحادثة اللي مكانتش هينة برضو، بعد اللي حصل ده أخوها اللي كبريائه منعه يسيب القضية وهي مخطوفة سابها وقدم استقالته وساب البلد كلها، وطه هو اللي طلب يمسك القضية ومكنش ساكت لحد ما جابهم كلهم، كانت فترة صعبة علينا كلنا، سنتين كاملين قلق وتوتر وخوف، طه من بعدها بقى رافض يتجوز وكان شايف إنه مش هيقدر يحمي الإنسانة اللي هيتجوزها، مكنش قادر يتخطى لحظة ما عرف إنها ماتت ومبقتش موجودة في وقت هو كان خلاص اتعلق بيها، وأي حد يكلمه في الموضوع ده يثور ويغضب وكان يسيب البيت بالشهور منعرفش عنه حاجة، بعدها بابا بطل يكلمه لحد ما فاض بيه وحلف عليه إنه يجي يتقدملك والباقي أنتِ عارفاه."
تذكرت قول والدته التي اقتربت تحتضنها وتربت فوق رأسها: "آية حبيبتي، أنا أم ومحدش هيحس بـ طه قدي، وأنا بأكدلك إن طه بيحاول يتعافى من اللي مر بيه، وعايز يستغل فرصتكم سوا، بس هو في خوف متملك منه خايف يتعلق بيكِ ويعيش معاكِ نفس اللي عاشه مع نانسي، حاولي تطمنيه، أنا متأكدة إن في جزء جواكِ مايل ليه، وإلا مكنتيش هتكملي معاه الفترة دي كلها، أنا حكيتلك علشان فعلًا من حقك تعرفي، وعلشان أنا كنت رافضة طه يخبي عنك وقلت استني عليه شوية، محدش يقدر يجبرك على حاجة، أنتِ كبيرة كفاية عشان تاخدي قرار تكملي أو لاء بعد اللي سمعتيه، وكوني متأكدة إن سعادتك تهمني زي ما سعادة طه برضو تهمني ولو سعادتك بإنك تبعدي فأنا عمري ما هزعل منك ولا غلاوتك هتقل عندي."
تتذكر جيدًا كيف قالت جملتها الأخيرة بصوت متحشرج يغلب عليه البكاء.
هي تعلم جيدًا أنها قالت هذا من وراء قلبها.
خرجت من المرحاض تجفف شعرها.
كانت تظن بأن حمامًا باردًا سوف يخمد تلك النيران المستعرة برأسها ولكن ذلك لم يفلح.
حتى أنها لم تنتبه لذاك الذي دلف للغرفة ووقف أمام الباب يطالعها وهي تقف شاردة أمام المرآة الطولية.
حمحم بهدوء وهو يخلع عن رأسه طاقيته ويتقدم نحوها بهدوء حتى وقف خلفها ولا تزال لم تنتبه.
ما جعله يعقد ما بين حاجبيه بتعجب.
رفع يده يفرقع أصابعه أمامها وهو يناديها:
"آية."
صرخت بفزع وهي تستدير له.
ما أن وقعت عيناها على ملامحه حتى عادت الدموع تملأها من جديد.
ضربته فوق كتفه قائلة بعتاب:
"حرام عليك يا طه خضتني!"
كان البكاء يغلب على صوتها، ولم تكتفِ عند هذا بل أجهشت بالبكاء وهي تغطي وجهها بكفيها.
كان متفاجئًا من ردة فعلها لم يتوقع أبدًا أن يحدث هذا.
تملك منه القلق حينما علا صوت نحيبها مد يديه يرفع رأسها محاولًا إبعاد يديها عن وجهها وهو يقول:
"آية مالك؟… يابنتي في إيه لكل ده، أنا أسف طيب، مكنتش أقصد أخضك بالشكل ده."
لكن محاولاته لم تفلح ظلت على حالها، ما جعله يسأل:
"حد زعلك هنا طيب؟ ماما أو شهد."
هزت رأسها برفض من بين شهقاتها.
لم يدرِ ماذا يفعل، يشعر حقًا بأنه لا يفقه شيئًا بأمور كهذه.
كان ينظر لها بحزن وهي تبكي بحرقة، وكأن شيئًا داخلها محطم.
قطع الخطوة الفاصلة بين كليهما، ورفع يده بتردد يحيطها بها.
قربها إليه ببطء حتى رست رأسها وبحور عيناها فوق شاطئ صدره، وارتفعت يده الأخرى يضم بها رأسها إليه أكثر.
بينما سيطر عليها الذهول مما يفعل.
تلك أول مرة يضمها إليه دون تظاهر أمام أحد، دون أن يكون مجبرًا.
لأول مرة تسند رأسها بالقرب من قلبه، تشعر به يكاد يخرج من مكانه من شدة اضطراب صاحبه الذي أخذت يده تمسد فوق شعرها بحنانٍ تعجب هو منه.
كان يبتلع لعابه بين الثانية والأخرى، يسيطر عليه الندم لما يفعله، وندم آخر يأنبه لتضييعه كل الفرص التي كان بإمكانه معانقتها فيها ولم ينتهزها هو بحماقته.
هدأ نحيبها وانتظمت أنفاسها تدريجيًا حتى سكنت وكادت أن تغفو ولكن منع ذلك همسه الحاني وهو يخفض بصره نحوها:
"مش هتقوليلي مالك طيب؟"
رفعت عيناها إليه، عيناه في قربهما ضياع، وفي بعدهما هلاك، فماذا عساها تختار.
لا يزال سؤاله الأخير مرسومًا في عيناه ينتظر جوابًا.
لكن ناقوسًا دق بعقلها، يذكرها بما سمعته، بأنه رغم كل ما تكنه له داخلها فهو مخادع، أخفى عنها أمرًا لازال أثره يؤرقه وينغص عليهما حياتهما، أخفى عنها بل ولم يبخل في إلقاء اللوم عليها منذ يومين.
كان يرغب أن يمارس دور الضحية وهو الجاني.
هل يخشى أن يتعلق بها؟
وماذا عن تعلقها به؟ هل فؤاده غالٍ وثمين بالنسبة له، وهي ومشاعرها وفؤادها ليس لهم أي أهمية؟
أ لهذه الدرجة هو أناني؟
يريد أن يظهر للجميع أنه تعافى بزواجه منها، لكنه لم يدرك أنه يصنع من نفسه نسخة أخرى، تعاني ألم التعلق، وبرود المشاعر منه، تنتظر منه القليل الذي يجود به إن رغب.
كان بين جنبات قلبها بذرة تنوي أن تندس في أرضه لتنبت شجرة فروعها من نور وأغصانها من الحب، لكنه بحماقته أشعل النيران بأرضها، تركها دون رعاية والنهاية أصبحت محتومة.
عند هذه النقطة خرجت من بين يديه منتفضة وقد دفعته عنها بطول ذراعيها.
انقشعت نظرات الاهتمام والدفء والرعاية من عينيها وتحولت لمشاعر أخرى لا يدرك هو وصفًا لها، ولا يعرف سببًا للغضب الجالس فوق ملامحها.
هز رأسه وهو يسألها بضيق:
"أنا عايز أفهم إيه اللي بيحصل ده؟"
أولته ظهرها وهي تعود أدراجها للمرحاض كي تزيل آثار الدموع ولكن حال بين تقدمها يده التي قبضت فوق معصمها وهو يديرها ناحيته من جديد يسأل وقد فاض كيله منها:
"لما أكلمك تقفي تردي عليا، كنتي بتعيطي ليه؟"
نفضت يده وهي تصيح بغضب:
"ملكش دعوة، ملكش دعوة بيا نهائي يا طه، أنت فاهم ولا لأ؟"
لكنه أجاب بصوت آمر:
"اتكلمي عدل أحسن لك، ثم يعني إيه مليش دعوة أنتِ مراتي، بمزاجك غصب عنك مراتي."
ضحكت بسخرية، تقول:
"مراتك؟ بجد والله، أنت مصدق اللي بتقوله ده، مراتك على أساس تتحكم فيا وبس، لكن أي حاجة تاني من حقوقي لاء، فاكرني عروسة لعبة في إيدك؟!"
ابتلعت لعابها بمرارة وهي تبتعد عنه باتجاه مكتبه تقف أمامه وهي تكمل بكلمات كانت تصفع فؤادها قبل فؤاده:
"هنتجوز وناخد فرصة سوا يا آية، ماشي، لو مكلمناش هننفصل يا آية ماشي، مش بتكلم عشان ده طبعي يا آية، ماشي، متخرجيش من غيري يا آية ماشي، بنتعامل كأننا اتنين أغراب بيمثلوا إنهم يعرفوا بعض وقولت ماشي، يمكن مع الوقت كل ده يتعدل ويتصلح بس طلعت أنا ببني وأنت قصاد كل طوبة ببنيها بتهدم ألف، كل خطوة بغطيها أنت بتوقعني، أنت عايز إيه مني، اتجوزتني ليه، رد عليا اتجوزتني ليه؟"
اقتربت منه وهي تبكي بحرقة ولا تزال تسأله السؤال ذاته.
ظلت تدفعه بيديها بكامل قواها حتى جعلته يتزحزح خطوتين للخلف، بينما لم يحرك هو ساكنًا تقبل عتابها وغضبها دون أي فعل أو قول.
دفعته مرة أخيرة قبل أن تبتعد خطوة وهي تردد بإنكسار:
"ليه تعمل فيا كده، إيه الوحش اللي شوفته مني يخليك تعمل فيا كده؟"
لم يعد لقدميها القدرة على الوقوف فجلست فوق الأرض وهي تسند ظهرها للفراش.
ظل هو على حاله يسمعها وهي تهمس:
"عمري ما هسامحك يا طه."
عند هذه النقطة فر من الغرفة يتأكله الشعور بالذنب.
قادته قدماه لغرفة أخته طرق الباب بعنف ومن ثم فتحه دون اكتراث.
تركت الهاتف من يدها بفزع وهي تنهض من فوق كرسيها بغضب قائلة:
"في إيه يا طه من امتى بتدخل أوضتي بالشكل ده؟"
لم يبالي بقولها، ولكنه سأل بقسوة وعيناه ترسل رسالات تحذيرية بألا تكذب:
"آية مالها؟"
تلجلجت وفر غضبها وحل محله التوتر، فعاودت سؤاله:
"مالها آية! هو في حاجة ولا إيه؟"
جذبها من معصمها وقد زادت وتيرة غضبه قائلاً:
"أنا اللي بسأل هنا، آية مالها؟"
ابتعدت عنه بعد أن جذبت ذراعها منه بقوة:
"متمسكنيش كده تاني، أنا مش مجرمة عندك في القسم عشان تحقق معايا بالطريقة دي، ومعرفش آية مالها هي مراتي ولا مراتك أنت؟"
ولكنه عاد يصرخ في وجهها:
"وهي طول اليوم قاعدة مع مين مش معاكِ، أروح أسأل حد من الشارع؟"
لوحت بذراعيها دون اكتراث تخبره:
"اللي يريحك أعمله يا طه، هي كانت معايا طول اليوم وكانت عادية بتضحك وتهزر، شوف أنت عملت إيه مزعلها، اسأل نفسك آية مالها قبل ما تيجي وتسألني أنا."
كانت أنفاسه متعالية صدره يعلو ويهبط من شدة غضبه، وكما جاء إلى الغرفة رحل منها، بل رحل من المنزل بأكمله.
كانت تقف هي بالشرفة، رأته وهو يغادر بغضبه وبسرعته القصوى.
عقب دخولها من الشرفة انفرج الباب ودخلت شهد التي ما أن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها.
ولم تتردد هي بل اتجهت إليها وارتمت بين يديها تبكي بحرقة، لا تدري أي كانت كل هذه الدموع، ما تعلمه أن ما بقلبها الآن جرح غائر يؤلمها بشدة.
طلبت بتوسل من بين دموعها:
"خديني من هنا يا شهد، مش قادرة أقعد في الأوضة دي، خديني من هنا أرجوكي."
ظل يجوب الطرقات دون أن يعلم إلى أين يذهب، حتى أضاء في عقله سؤالها "أنت اتجوزتني ليه؟".
عن هذه النقطة أدار المقود وغير وجهته إلى مكانٍ يعلمه.
بعد ساعة مرت كان يجلس أمام شاهد قبر دون فوقه "نانسي حسن منصور".
نظر للاسم مطولًا حتى غلبته الدموع.
مسح فوق اسمها وهو يسألها:
"ليه مسمعتيش كلامنا؟ ليه مقدرتيش خوفي عليكي، ليه تعملي فيا كده، ارتاحتي أنتِ كده؟ أنتِ موتي، وأخوكي سابني ساب كل حاجة ومشي، وأهلك اتدمروا من بعدكم."
أشار نحوه بضعف مكملًا:
"وأنا، أنا مبقتش عارف إيه اللي حصلي، أنتِ خليتي ثقتي في نفسي تتهز، كنتِ بتستغلي إني متعلق بيكِ غلط، كنتِ شايفة إني هفضل أسامح على طول، جايز كنت أعمل كده لو حبيتك فعلًا، إيه مش مصدقة إني مش بحبك؟! دي الحقيقة اللي كنا بنداريها أنا وأنتِ، لو حبيتك مكنتش فكرت أتزوج غيرك، مكنش قلبي شافها حلوة، وحب كل حاجة هي بتعملها، بس مع ذلك برضو محبيتهاش! خايف أحبها، خايف تروح زي ما أنتِ رحتي ومقدرش أتخطاها زيك."
نهض ينفض الغبار عن ثوبه وهو يخبرها قوله الأخير، وكأنها أمامه تنظر له:
"أيوة يا نانسي أنا اتخطيتك خلاص، لازم أكمل عشان أنا مش أناني، عشان في ناس حواليا مهمين عندي زي ما أنا مهم عندهم، عشان أنا مقدر مشاعرهم لازم أتخطاكِ، عشان مراتي، اللي استحملتني الفترة اللي فاتت دي كلها وهي مش فاهمة أي حاجة، بس اتمسكت بيا رغم إن هي مش مجبرة تعمل ده."
أنهى حديثه وفر بعيدًا وكأنها ستخرج تستعطفه.
قاد سيارته بذات السرعة التي جاء بها حتى توقف أمام منزل والديه.
صعد الدرج بخطوات شاردة قابلته شهد التي خرجت من غرفتها للتو تعاتبه:
"كل ده يا طه بره قلقتني عليك!"
قبّل رأسها وهو ينظر لها يقول:
"كنت مخنوق شوية، أنا آسف لو زعلتك بطريقة كلامي معاكِ قبل ما أنزل."
اتسعت ابتسامتها وهي تحتضنه قائلة:
"مش زعلانة طبعًا، أنا متعودة من أيام ماتشات المصارعة اللي كنا بنلعبها زمان."
تبادل معها الضحك وهو يعود أدراجه لغرفته ولا يدق بعقله سوى سؤال واحد: تُرى هل لازالت تنتظره حتى الآن أم أنها فقدت الأمل فيه؟
دلف لغرفته والتي كانت فارغة من دفئها، هوى قلبه أرضًا.
أين ذهبت، هل رحلت إلى بيت أبيها؟ أم إلى منزلهما؟ أم إلى أين؟
أغلق الباب وعاد أدراجه لغرفة أخته طرق الباب برفق وانتظر حتى فتحته وخرجت له بعد أن أغلقت الباب.
سأل بتحفز:
"آية فين؟"
ابتسمت:
"يابني هو أنا ولية أمرها، أنا مالي؟"
رفع حاجبه بضيق وهو يهتف بضجر:
"شهد أخلصي."
أجابته حتى لا يعلو صوته أكثر ويوقظ النائمين:
"نايمة عندي جوا، بعد ما أنت مشيت روحتلها كانت مفطورة من العياط، فخدتها تقعد معايا ونامت من التعب."
أمرها ببرود:
"صحيها."
ولكنها عاندته:
"مستحيل يا طه لو تعمل إيه."
أبعدها عن طريقه وهم بفتح الباب قائلاً:
"يبقى هدخل آخدها بنفسي."
ولكنها حالت بين ذلك وهي تستعطفه:
"يا طه بقى، هي نايمة صدقني، وشكلها زعلانة منك جامد لو شيلتها ممكن تصحى ومترضاش تروح معاك أوضتك وهيبقى شكلك فانلة حمالات قدامي."
نقل نظراته بينها وبين الباب، حتى تراجع وعاد لغرفته.
دلفت هي الأخرى للجالسة فوق سريرها تنظر لها بلهفة:
"مشي؟"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تجاورها في جلستها.
"كان هاين عليه يكسر الباب على دماغي ويدخل ياخدك."
نهضت من الفراش إلى كرسي بجوار النافذة تخبرها:
"مش قادرة أبص في وشه يا شهد، على الأقل دلوقتي."
امتعضت شهد بضيق مصطنع وهي تتذمر قائلة:
"جبتك يا عبد المعين تعين، هو ده الأسبوع الفرفشة اللي هنقضيه قبل ما أمشي من هنا يا بومة أنتِ وجوزك."
غلبتها ضحكتها التي خرجت من بين شفتيها.
ابتسمت شهد وهي تنهض لها قائلة:
"أيوه كده يا شيخة اضحكي محدش واخد منها حاجة."
أجابتها بالموافقة:
"عندك حق، أيام الفرحة بتعدي بسرعة ومحسوبة علينا يا نعيشها يا هتضيع من إيدينا."
سألتها:
"يعني إيه؟"
نهضت تتجه للفراش:
"يعني هنسى كل اللي حصل النهاردة وهركز معاك ومع كل اللي المفروض نعمله للفرح وبس."
تدثرت كلتاهما في الفراش، فسألتها:
"طب وطه هتقوليله إيه؟"
أجابت:
"طه ميعرفش إني عرفت أي حاجة، وأنا هتعامل على الأساس ده لحد ما أشوف هيقولي أمتى، ومتقلقيش إحنا بنتخانق وبعدها عادي بنتعامل، ده العادي بتاعنا، ونامي بقى يلا عشان بكرة الحنة، وكتب الكتاب وده يوم طويل جدًا."
في الصباح الباكر كانت أول المستيقظين.
خرجت من غرفة شهد متوجهة إلى غرفته، كان لا يزال نائمًا.
اقتربت منه وهي تجلس بمحاذاة وجهه، وضعت يدها فوق وجهه وهي تهمس:
"ملامحك وانت نايم كأنك شخص تاني غير اللي أعرفه يمكن عشان وانت نايم مش بشوف في عينيك نظرات الكره ليا!"
باغتها بهمسه:
"أنا عمري ما كرهتك يا آية."
أجابته بإنهمار:
"بس عمرك ما حبيتي يا طه."
عقب جملتها فرت إلى المرحاض حتى لا ينكشف ضعفها أمامه، بينما اعتدل هو في نومته يتطلع للسقف في حيرة ليس لها نهاية، حتى خرجت هي من المرحاض ووقفت تصلي ركعتي الضحى.
حينها نهض يتجهز لعمله.
مرت ساعة استيقظ فيها البقية واجتمع الجميع حول مائدة الفطور في صمت.
قطعته شهد وهي تحدث أخيها:
"يعني يا طه خلاص البلد هتبوظ لو مروحتش الشغل النهاردة، يوم كتب كتابي، يا أخي اعتبرني زي أختك."
ابتسم وهو ينظر للجالس جواره يتذكر قولها المشابه "اعتبرني زي مراتك يعني واسمحلي أساعدك، مش هعضك!"
بالرغم من أن هذه الصداقة بين أخته وزوجته لم تنشأ إلا قبل زواجه بوقت قليل إلا أنهن أصبحن يتحدثن بذات الطريقة.
نفض عن رأسه تلك الأفكار وهو يعود بناظريه لأخته يمازحها بقوله:
"أنتِ عارفة شغلي يا شهد، ومتقلقيش هعتبرك زي أختي وهاجي بدري."
تحدثت بتهكم مرة أخرى، رغم ابتسامتها الواضحة على وجهها:
"وبكرة برضو هتروح، المفروض كنت خدت أجازة."
مسح فمه بالمنديل وهو ينهض منهيًا هذا الجدال:
"أجازة ليه هو أنا العريس ولا إيه؟ وبعدين ده أنا جايبلك مراتي بنفسها تبقي معاكِ وتساعدك متبقيش طماعة."
نظرت له لأول مرة منذ بداية الجلسة كان يبتسم لأخته ونقل بصره لها وقد اتسعت ابتسامته وهو يخبرها:
"همشي أنا، لو احتاجتي حاجة كلميني."
هزت رأسها بالموافقة دون التفوه بأي كلمة، ورحل هو من الغرفة.
سار ببطء حتى باب المنزل صوت داخله يخبره بأنها ستأتي خلفه، وصدق هذا الصوت حينما سمع صوتها الناعم ينادي باسمه حينما هم بركوب سيارته.
كانت تقف أعلى السلم تحرك نحوها وهبطت هي بضع درجات حتى وقفت فوق آخر واحدة حينما وقف هو أمامها.
ارتبكت وبان هذا في حركة يديها.
سألها:
"عايزة حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي:
"لأ عايزة سلامتك، أنا بس كنت هقولك خلي بالك من نفسك و… ومتتأخرش بالليل عشان شهد متزعلش."
أنهت جملتها وتأهبت للفرار من أمامه ولكنه قبض فوق كفها يوقفها يطلب تفسيرًا:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل امبارح ده، وعلشان إيه؟"
وللوهلة الأولى يلحظ عيناها المنتفختان من كثرة البكاء ونبرتها المتحشرجة وهي تقول:
"مفيش حاجة، أنا بس كنت تعبانة من المشاوير اللي روحناها وكده، وشوفت خبر حادثة صعبة على النت تعبتلي أعصابي، ولما أنت خضتني انفجرت فيك مش أكتر."
كانت تدعو أن يصدقها، لا تريد منه أن يعلم الحقيقة وراء بكائها هذا كلها.
ولكن سقطت دعواتها أرضًا حينما ابتسم وهو يقبل كفها قائلاً:
"مبتعرفيش تكدبي يا آية، أنتِ زعلانة مني؟"
هزت رأسها بالنفي تسأله:
"ليه بتقول كده!"
مرر إبهامه فوق وجنتها يمسح تلك الدمعة المنسكبة من عينها وهو يخبرها:
"كلامك اللي قولتي امبارح، هروبك مني لما عملتي نفسك نايمة امبارح عند شهد وأنا متأكد إنك كنتي صاحية، متأكد عشان سبق وقولتي إنك هتفضلي مستنياني مهما اتأخرت، رجعتي في كلامك؟!"
هزت رأسها بالنفي وهي تمسح دموعها:
"لأ مرجعتش فيه، أنا زعلانة منك يا طه فعلاً، بس مش هقولك السبب، على الأقل دلوقتي، ممكن ننسى أي حاجة ونركز إننا نبقى جنب شهد وأمير صاحبك وبس؟"
ابتسم وهز رأسه بالموافقة وهو يخفض رأسه يُقبلُ كفيها مجددًا، وكأنه وجد في هذا متعةً لا توصف.
ما أن رفع رأسه ينظر لها من جديد حتى جذبت كفيها وعادت مسرعةً للداخل.
من جديد ألقت كل ما جلبته من ثياب فوق الفراش وهي تنظر لهم بضيق لا تعلم ماذا سترتدي.
حقًا؟! بعد كل هذا لا يعجبها أيًا من هذه الفساتين، هناك واحدٌ فقط تود لو ترتديه، لكن سبق ورفض ذلك الأشعث أن ترتديه.
قطع أفكارها طرقٌ فوق الباب.
أذنت للطارق بالدخول والتي كانت شهد وبيدها صندوقًا.
سألتها:
"إيه ده؟"
وضعته فوق الفراش وهي تغمز لها بشقاوة:
"ده فستان ومش بس كده طه اللي جايبه!"
فتحت فمها بدون تصديق وهي تنقل نظرها بين الواقفة أمامها والصندوق.
لابد وأنها تكذب.
اقتربت منها تضع يدها فوق رأسها وقالت:
"لأ، مش سخنة يبقي مش بتهلوس، أومال أنا اللي بهلوس ولا إيه؟ طه مين اللي جايبلي فستان؟"
ضحكت تخبرها:
"طه جوزك يا حبيبتي مالك، يلا افتحيه نشوف ذوقه حلو ولا أي كلام."
فتحته بالفعل ليقابلها فستان باللون الأحمر الداكن كـ الذي اختارته سابقًا ورفض أن ترتديه، ولكنه أفضل بكثير أفضل للدرجة التي جعلت عيناها تلمعان بسعادة وهي تقول:
"إيه الجمال ده! تحفة بجد!"
وافقتها بالرأي وهي تحثها:
"طيب يلا ادخلي خدي شاور دافي كده عشان تفوقي عقبال ما الميكب ارتست توصل هي والبنات اللي هيساعدوها وأنا هروح أكلم أمير."
رحلت وبقيت هي تنظر في أثرها بتعجب.
ألا تشعر بالملل هي وأمير هذا من كثرة الثرثرة؟
وما بال ذاك الأشعث طه لا يحادثه ولو مرة مثل ذلك المدعو أمير، أليس من المفترض أنهما صديقان.
فاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها امسكته ولم تصدق أنه هو.
هتفت بضحكة واسعة:
"الأشعث بيتصل!"
حمحمت تستعيد زمام نفسها وهي تجيب:
"ألو، السلام عليكم."
أجابها بهدوء:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الفستان عجبك؟"
ابتسمت وهي تنظر له بسعادة:
"آه، حلو أوي يا طه، شكرًا بجد، تعبت نفسك."
تنهد مجيبًا:
"تعبك راحة يا آية، المهم إنه عجبك."
كان هذا قوله الذي زاد من ابتسامتها وهي تسأله:
"أومال أنت فين البدلة بتاعتك؟"
أجابها:
"هجيبها وأنا جاي، هتحتاجي حاجة أجيبها؟"
ردت مبتسمة:
"لأ عايزة سلامتك، متتأخرش."
انقضت ساعات النهار بين استعدادات الفتيات وضحكاتهن وصوت الموسيقى والرقص وزادت الأجواء بهجة بقدوم رفيقات شهد المقربات.
لا يمكنها الإنكار بأن هذه الأجواء عدلت الكثير من حالتها التي كانت عليها منذ الأمس.
اقترب موعد وصول المأذون وقدوم الرجال ما جعلها تتجه لغرفتها جذبت القطعة العلوية للفستان المكون من قطعة ذات أكمام قصيرة والذي يصل طوله حتى نهاية قدميها وتلك القطعة التي ما أن ترتديها يكون بإمكانها أن تضع حجابها فوقه بشكل طبيعي.
ابتسمت وهي تنهي تثبيت الحجاب بالدبابيس تقول لنفسها:
"طه طلع بيفهم والله، الفستان ده جه نجدة، مش عارفة إزاي مفكرتش أجيب واحد زيه."
دارت حول نفسها تري الشكل النهائي بسعادة.
ومن ثم جذبت هاتفها لتنظر لما لم يأت حتى الآن، ولكنه سبقها وهو يطرق الباب ويدخل بيده بدلته.
وقبل أي شيء هتف:
"عارف والله إني اتأخرت هلبس في خمس دقايق وجاي استنيني مكانك."
رسمت ابتسامة على وجهها حتى أغلق الباب خلفه ومن ثم تحدثت بتهكم:
"مقالش حتى إيه الحلاوة دي يا يويو ولا إيه القمر ده ولا أي حاجة، عيل أشعث والله."
بعد الربع ساعة طرقت الباب تناديه:
"يا، طه، يلا هنتأخر على الناس تحت بتعمل إيه كل ده؟"
عادت تجلس من جديد حتى خرج في حلته اللامعة.
حاولت أن تداري بسمتها المعجبة به وهي تنظر بعيدًا ولكنه اقترب منها يمد لها يده برابطة عنقه وينظر لها كطفل لا يجيد ربط حذائه.
ابتسمت وهي تنهض ممسكةً بها، تقول:
"أول مرة أعرف إنك مبتعرفش تربطها."
ذهب خلفها نحو المرآة، وضعتها حول عنقه فأجابها:
"عشان مبحبش ألبسها أصلًا."
ابتسمت وهي تنظر ليديها حتى تربطها بشكل جيد.
دققت النظر فيها لتجد أنها تحوي زهورًا صغيرة تتماشى مع لون فستانها لا تظهر إلا حينما تركز بصرك عليها.
حادت ببصرها نحو جيب البذلة لتري منديلًا حريريًا يحمل اللون ذاته.
لم تتمكن من وأد ابتسامتها وهي ترفع عينيها له.
ما أن رأته يبتسم حتى تحولت بسمتها لضحكة مرتفعة وهي تنهي عملها في رابطة عنقه، هتفت بضحكة واسعة:
"أنت عامل ماتشينج معايا؟!"
حك عنقه بحرج وهو يهز رأسه بالإيجاب.
ظل كلاهما ينظران لبعضهما بإبتسامة بسيطة هادئة.
لحظات صفائهما نادرة وثمينة للغاية قطعها وهو يخرج من جيب سترته علبة مستطيلة.
مد يده بها لها ابتسمت وهي تفتحها، ضحكت بسعادة وقد أدمعت عيناها وهي تخرجها وتنظر لها.
كانت تحمل عصفورًا صغيرًا حوله زهور حمراء.
همس بقوله:
"ده النمنمة، طائر النمنمة."
مدت كفها له بالقلادة، فألتقطها منها.
أولته ظهرها وهي تنظر بالمرآة وهتفت:
"يلا لبسهالي."
أنهى غلقها ونظر لانعكاسهما بالمرآة.
وضعت يدها فوقها وهتفت:
"حلوة أوي يا طه، حلوة أوي أوي، دي أحلى هدية جاتلي في حياتي."
أدارها لتنظر له، قال وهو يتفحص كل جزء بملامحها:
"أنتِ اللي حلوة أوي يا آية، حلوة بكل تفاصيلك."
ابتسمت بخجل طردته وهي تسأله بمراوغة:
"الهدية الحلوة أوي دي بقى اعتذار عن إيه؟"
ابتسم وهو يضيق بين حاجبيه مفكرًا:
"شوفي أنتِ عايزة توظفيها في أنهي خناقة بينا!"
ضحكت برفض قائلة:
"لأ مينفعش أنت اللي تقول."
تنهد وهو يضع كفه فوق وجنتها قائلاً:
"نمشيها اعتذار عن اللي حصل امبارح، واللي حصل أول يوم لما جبتك هنا وعملنا مناظرة على مين فينا عيل."
ضحكت وبادلها هو الضحك.
هزت رأسها بالموافقة، ولكنها سألته:
"طب واللي قبل ما نيجي هنا؟"
مال ليطبع قُبلة فوق وجنتها قائلًا:
"كل شيء بأوانه يا آية."
كانت تشعر وكأن طائر النمنمة المعلق في قلادتها يُغرد الآن بين ضلوعها.
لم تجرؤ على النظر لوجهه وعفاها هو من هذا الحرج فجذبها بين ذراعيه يحتضنها.
وقد عزم أمره بأن يصارحها بكل ما حدث في حياته قبل زواجهما بعد الاطمئنان على أخته.
إن كان هذا السر هو ما ينغص عليهما حياتهما فليبح به وبالتأكيد هي ستغفر له، بالتأكيد ستتمسك به.
ارتفع طرق والدته فوق الباب تعاجله بقولها:
"يلا يا طه أهل العريس وصلوا."
خرجت من بين ذراعيه وهي تنقل بصرها في كل مكان.
تنهد كليهما وهمس هو:
"أنا هنزل عشان الناس تحت، وأنتِ روحي عند شهد."
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
تعالت صيحات التهليل من الشباب والزغاريد من الفتيات والنساء.
نهض أمير يحتضن والد زوجته ورفيقه العزيز.
بينما كانت عيناه على شهد التي توالت عليها المباركات لا تستطيع الوصول إليه.
حتى هتفت فيهن بضجر وصوت خفيض:
"ما خلاص بقى يا جدعان، عايزة أحضن الواد جوزي."
ضحكن جميعًا وأفسحن لها المجال.
وقف أمامها وقد مد يده لها يصافحها، صافحته مبتسمة وهي تتحدث بضيق:
"إيه يا باشا فين حضن كتب الكتاب؟"
اقترب منها أكثر ومال يهمس بأذنها قائلاً:
"أنتِ مش شايفة الرتب اللي حوالينا دي كلها المكان كله محاصر."
أمرته بنفس النبرة:
"أمير والله لو ما حضنتني هنكد عليك شهر العسل كله."
عند هذه النقطة حمحم وأحاطها بذراعيه محتضنًا إياها فعادت الزغاريد من جديد تملأ المكان.
حملها ودار بها وسط أجواء يعمها الفرح.
كان قد تحرك من بين الزحام ووقف جوارها.
لكنها كانت تراقب هذا المشهد المفعم بالمحبة والمودة بين شهد وأمير.
كان يحيطها بنظراته قبل عينيه.
ولم تنتبه لهذا الواقف يراقبها حتى حمحم بهدوء فنظرت له مبتسمة وقالت تمازحه:
"ألف مبروك لشهد، عقبالك."
أجابها وهو يهز رأسه:
"الله يبارك فيكِ، إيه…"
ضحكت على ردة فعله ومن ثم صاحت في الفتيات حتى ينتقل هذا الجمع للأعلى بالمكان المخصص للاحتفال.
وبالفعل صعد الجميع للأعلى وهي بالأخير حتى سمعت إحداهن تناديه بغنج قائلة:
"طه إزيك Miss You So Much."
اختفت ابتسامتها وهي تدير رأسها للخلف تنظر لهما.
هبطت درجات السلم مسرعة تقف جواره وقد أمسكت يدها الممدودة لمصافحته قائلة بتكلف:
"أهلاً يا مدام، اتفضلي البنات طلعوا فوق مش هنا."
امتعضت ملامح الفتاة وهي ترد:
"مين دي اللي مدام، أنا آنسة على فكرة!"
أمسكت بذراع طه وهي تجيبها بلا اهتمام:
"مش فارقة، تعالي معايا يا طه عايزة أقولك حاجة."
اصطنعت أنها تجذبه حتى رحلت تلك الفتاة للأعلى بضيق.
نفضت ذراعه وهي تنظر له بغضب مقلدةً تلك الفتاة:
"إزيك يا طه Miss You نيننيني، عيلة صفرا، مين دي؟"
هز كتفيه دلالة على عدم معرفته:
"واحدة."
استشاطت غضبًا وهي تردد:
"وحدة! أنت بتهزر واحدة هتيجي تقولك وحشتني يا بيبي."
ابتسم معلقًا:
"مقلتش يا بيبي على فكرة."
زمجرت بغيرة:
"قالت زفت على دماغها، تكلمك كده ليه أصلًا؟"
كان يبدو مستمتعًا للغاية فأجابها:
"وأنا مالي هو أنا اللي قولت، روحي اسأليها هي."
هزت رأسها رفضًا؟
"طالما أنت مديها ريق حلو، لازم تقولك كده."
ردد ضاحكًا:
"ريق حلو، أنا برضو بتاع الكلام ده، ده أنتِ أدري واحدة طيب."
أمسك كفها يربت فوقها مكملًا:
"مش بخونك متقلقيش."
جذبت كفها وهي تردد:
"مش قلقانة، متقدرش تعمل كده أصلًا عشان لو بس فكرت والله ممكن أخلص عليك وعليها."
نظر لقلادتها مبتسمًا ثم نظر لها قائلاً بهدوء:
"اللي معاه الغالي ميبصش للرخيص حتى لو جه لتحت رجليه."
انقضت الليلة سريعًا وغادر الجميع بعد أن أخذ أمير شهد بصحبته لتناول طعام العشاء سويًا بالخارج.
عادت لغرفتها وما أن رأت الفراش إلا وارتمت عليه بإرهاق شديد.
نظرت للسقف بتعب قائلة:
"نريح خمسة كده وأقوم أغير، عشان اللي فات تسخين واللي جاي الفرح."
في أحد أكبر القاعات النيلية اجتمعت عائلة العروسين وجمع كبير من الضباط والمناصب العليا في حفل راقٍ من يراه يظنه خرج من أحد الأساطير القديمة.
وعلى منصة الرقص وقف العروسان يرقصان بمفردهما.
بينما على الجانب الآخر كان يبحث هو عن زوجته بقلق.
اختفت من بين الجموع منذ نصف ساعة يبحث عنها ولا يجده.
تقدم نحو والدته يسألها فأجابته:
"قالت مخنوقة ومصدعة، ممكن تكون خرجت بره بعيد عن الدوشة وجاية."
ما قالته والدته أشعل الفزع بقلبه، خشي أن يصيبها مكروه.
دقيقتان وكان يقف في مدخل القاعة يتطلع يمينًا ويسارًا بقلق.
حتى نظر أمامه، للجهة الأخرى من الطريق.
كانت تقف بمفردها وتوليه ظهرها.
عبر مسرعًا نحوها ولا يزال القلق ينهشه.
ما أن وقف خلفها حتى جذبها من ذراعها يتفحصها، قائلاً:
"أنتِ كويسة، إيه اللي خرجك من القاعة وحدك، وليه مقولتيش."
لاحظت يده التي يمررها فوق رقبتها بقلق، وكأنه لازال محجوزًا في تلك الليلة.
ابتسمت بسخرية قائلة:
"طه فوق، أنا آية، مش نانسي."
تصنع عدم الفهم بقوله:
"نانسي مين؟"
نفضت ذراع
رواية طائر النمنمة الفصل الرابع 4 - بقلم ملك العارف
في أحد أكبر القاعات النيلية اجتمعت عائلة العروسين وجمع كبير من الضباط والمناصب العليا في حفل راقٍ.
من يراه يظنه خرج من إحدى الأساطير القديمة.
وعلى منصة الرقص وقف العروسان يرقصان بمفردهما، بينما على الجانب الآخر كان يبحث هو عن زوجته بقلق.
اختفت من بين الجموع منذ نصف ساعة، يبحث عنها ولا يجدها.
تقدم نحو والدته يسألها فأجابته:
"قالت مخنوقة ومصدعة، ممكن تكون خرجت بره بعيد عن الدوشة وجاية."
ما قالته والدته أشعل الفزع بقلبه، خشي أن يصيبها مكروه.
دقيقتان وكان يقف في مدخل القاعة يتطلع يمينًا ويسارًا بقلق، حتى نظر أمامه.
للجهة الأخرى من الطريق، كانت تقف بمفردها وتوليه ظهرها.
عبر مسرعًا نحوها ولا يزال القلق ينهشه.
ما أن وقف خلفها حتى جذبها من ذراعها يتفحصها، قائلًا:
"أنتِ كويسة، إيه اللي خرجك من القاعة وحدك، وليه مقولتيش."
لاحظت يده التي يمررها فوق رقبتها بقلق، وكأنه لا يزال محجوزًا في تلك الليلة.
ابتسمت بسخرية قائلة:
"طه فوق، أنا آية، مش نانسي."
تصنع عدم الفهم بقوله:
"نانسي مين؟"
نفضت ذراعيه وهي تهم بعبور الطريق عقب قولها الغاضب:
"نانسي اللي أنت قتلتها."
لم تنتبه لتلك السيارة القادمة بمحاذاتها.
صرخت بفزع وهي ترى السيارة قادمة نحوها بأقصى سرعتها.
لم تشعر بشيء بعدها، ولكنه رآها.
رآها وهي تصدمها وتُطيح بها أرضًا غارقة بدمائها وفاقدة للوعي.
ولا يملأ الأجواء سوى صخب الحفل في الجهة المقابلة.
وفي هذه الجهة صوته وهو يصرخ باسمها:
"آية"
أيعيش الكابوس مرتين؟ لكن هل سيتحمل هذا الكابوس كما تحمل السابق؟ لا يعلم.
لكن ما يعلمه أن فؤاده هو الذي سقط أسفل إطارات هذه السيارة.
هرول ناحيتها بقلبٍ صريع.
ارتعش كفاه وهو يرفع رأسها عن الرصيف يسندها لفخذه.
برقت عيناه وهو يرى الدماء تنزف من عنقها بشكل غريب:
"لا، لا، مش هتمشي دلوقتي، لا، مينفعش بقولك مينفعش."
نظرت له وهي تهمس باسمه، ومن ثم لفظت أنفاسها الأخيرة وسقطت رأسها للوراء.
هز رأسه رافضًا بشدة ويكرر:
"لا يا آية لا..."
رفع رأسه للسماء وقد التمعت بعينيه الدموع وصرخ:
"يا رب علشان خاطري هي لا، آية قومي يلا."
كان ينتفض في الفراش ويهذي بحديثٍ غير مفهوم.
بينما هي كانت تقف بالقرب من الفراش تحاول أن تتبين ما أصابه.
مدت كفها توقظه من كابوسه الذي سقط به عنوة.
ما لبث كفها يلامسه حتى انتفض صارخًا باسمها وقبض فوق كفها بشدة.
صرخت هي أيضًا من حركته المفاجئة.
جلست فوق طرف الفراش واضعة كفها فوق قلبها قائلة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، وقفت قلبي، أنت كويس؟"
لم يتفوه بكلمة بقي ينظر لها وهو يلهث وكأنه شرد في الصحراء ظهرًا.
نهضت تجذب كوب الماء المجاور للفراش ولكن حال ذلك كفه القابض فوق معصمها.
عادت لوضعها السابق ووضعت يدها فوق قلبه بتردد وهي تهمس:
"بسم الله على قلبك حتى يهدأ، بسم الله على قلبك حتى يطمئن، في إيه شوفت إيه؟"
جذبها أكثر نحوه مرر كفه فوق رقبتها حتى وجهها.
ابتلع لعابه براحة وهو يهمس بسؤاله:
"أنتِ كويسة؟"
هزت رأسها مؤكدة:
"أنا كويسة."
كررها خلفها ليتأكد داخله.
أغمض عينيه وهو يعود للخلف مسندًا ظهره على الوسادة خلفه وقد انتظمت أنفاسه.
نهضت هي تجذب الكوب مدت له كفها وهي تمازحه:
"طلعت خفيف أوي يا طه، كابوس يعمل فيك كل ده!"
ابتسم بسخرية وهو يلتقط الكوب يرتشف منه بهدوء قائلًا:
"اللي ميعرفش يقول عدس فعلاً."
ضحكت وهي تنهض تكمل تمشيط شعرها الذي بقي في منتصفه، وسألته:
"إيه اللي حصلي؟ كنت بتقول اسمي وصرخت بيه."
هرب بعينيه عنها وهو ينهض من الفراش دون إجابة.
بينما بقيت هي تنظر لأثره بحزن.
لا يزال الجفاء صديقًا له، وصمته هو رابط هذه الصداقة.
كانت تتخبط بين جنبات عقلها بحيرة لا تدري للخلاص من حيرتها سبيل.
لا يزال عقلها يدق أجراس الخطر يدفعها للفرار بعيدًا عنه، لكن تلك الغصة العالقة بقلبها تأبى تركه.
نظرت للمرآة بشرود، همست:
"يا ريتني سمعت كلام بابا لما قالي لو عايزة تنفصلي مش همنعك، ياريتني ما اتعلقت بيه وبوجوده، أنا مش عارفة ليه قلبي واجعني كده، ولا قادرة أكمل، ولا قادرة أبعد، يا رب دلني."
***
إنه الفطور الأخير لها هنا ببيت أبيها قبل زواجها.
هذا ما حاورت به شهد نفسها سرًا بعد أن جلست بصحبة عائلتها يتشاركون طعام الفطور.
كان الجميع يرتدي صمته وكأنه طقس متوارث لديهم.
لكنها قطعته بقولها:
"واخدين بالكم إن دي آخر مرة هفطر معاكم فيها هنا ولا مش فاكرين أصلًا."
ابتسمت آية بحزن، بينما صوت بكاء والدتها هو ما جذب الانتباه.
هتف طه بضيق:
"وإنتِ رايحة النرويج يعني، لازم نبين قد إيه إحنا زعلانين لفراق الملكة."
عبست ملامحها بضيق هي الأخرى لما قاله.
بينما نظرت له آية بعتاب لم يبالِ هو به:
"أنا مش هرد عليك يا طه، أنت مش أخويا قولتلك قبل كده، الراجل الطيب والست المحترمة دول لقوك على باب جامع أصلًا مش كل شوية بقي هفكرك."
أشاح لها بيده بلا اهتمام.
بينما نهضت هي تحتضن والدتها تمازحها بحديثها:
"خلاص بقي يا ماما والله كنت بهزر، ده أنا وأمير هنبقى لاجئين عندكم هنا، أنتِ مفكرة هتخلصي مني بسهولة ولا إيه؟"
غمزت لآية التي تجلس بمحاذاتها تكمل لإثارة غيظ أخيها:
"وهنعدي ناخد آية معانا ونسيب الواد ده لوحده."
نفخ الهواء من فمه بضيق.
الجميع يظنه مغتاظًا من حديثها، لكنه وحده يعلم أن فكرة زواجها ورحيلها عن بيت أبيه والعيش مع شخص آخر يكون مسؤولًا عنها غيره هو ووالدهما تثير في نفسه حزنًا.
حتى وإن كان زوجها هو رفيقه وبينهم قرابة، إلا أن غيرته على أخته الصغيرة لا يمكنه التغاضي عنها.
نهض يجمع مفاتيحه وهاتفه بجيبه وهم بالرحيل.
ولكن أوّقفته أخته:
"رايح فين مش قولـ..."
قاطعها موضحًا ونبرة غاضبة بعض الشيء:
"هخلص مشوار ورايح لأمير، ركزي في تجهيزاتك وملكِيش دعوة بيا بقي."
ورحل دون رد منها، يشعر بالضيق الشديد.
القلق يعزف على أوتار عقله ألحانًا تدب الخوف بفؤاده.
ذلك الكابوس الذي رآه في نومه لا يروح عن باله لحظة.
يخشى أن يصيبها أي مكروه.
لا يزال يتردد في أذنيه صوت صراخها وكأنه حقيقي.
***
وصل إلى مكتبه بعد قيادة متهورة بالسيارة كادت أن تودي به دون أن يدرك.
جلس فوق مكتبه بتثاقل لا يقوى على فعل أي شيء.
حتى أنه لا يذكر السبب الذي جاء به إلى هنا.
أسند رأسه فوق مكتبه وذهب عقله ليوم بعيد بعض الشيء.
________
أولُ يومٍ خرجت فيه برفقته بعد أن تمت خطبتهما رسميًا.
كان صامتًا جامدًا، عكسها هي، كانت تنبض بالحيوية.
وصل إلى أحد المقاهي المطلة على النيل والذي اختارته هي.
استقر كل منهما بمكانه وبقيت هي تنظر له تنتظر مبادرته بالقول وتبادل أطراف الحديث.
لكنه لم يفعل.
حتى شعرت هي بالضيق وأخذت تتململ في جلستها.
بينما لم يُحد هو بصره عن منظر النيل أمامه.
قطع هذا قدوم النادل.
طلب كل منهما قهوة، وجدتها فرصة جيدة لفتح حديث فسألته:
"أنت بتحب القهوة ولا طلبت زيي وخلاص؟"
نظر لها وبقي صامتًا لدقيقتين.
رفعت حاجبيها متعجبة وما لبثت أن تكرر قولها فنطق هو:
"أنا مش بشرب حاجة غير القهوة."
كان لديها الكثير من الردود على وقاحته هذه لكنها فضلت الصمت.
غريب الأطوار، هذا ما تأكدت منه.
لا يهم، ستشرب قهوتها وتطلب العودة للبيت.
لا يمكنها تحمل كل هذا البرود، كثيرٌ عليها هذا.
بعد مرور ساعتين صف سيارته أمام منزلها وانتظر منها أن تنزل.
ولكنها رسمت ابتسامة صفراء وتحدثت ساخرة:
"ميرسي جدًا على الخروجة التحفة دي، مش مصدقة إننا اتكلمنا الوقت ده كله، أنا أول مرة في حياتي أتكلم كتير أوي بالشكل ده، حقيقي خروجة أتمناها لألد أعدائي."
بقي ينظر لها دون أن ينبس ببنت شفة حتى سألها ببرود رافعًا حاجبيه:
"وإنتِ عندك أعداء؟"
زَمَّت شفتيها بغيظ وهي تهز رأسها بالإيجاب مؤكدة:
"أيوة طبعًا، وأنتَ أولهم."
ابتسم ببرود وهو يدير محرك السيارة.
بينما هي خرجت من السيارة وقد أغلقت الباب خلفها بقوة تنم عن غضبها الشديد.
______
فاق من شروده ولا يزال مبتسمًا.
انتبه لرنين هاتفه الذي انقطع لتوه ومن ثم عاد يضيء من جديد.
التقطه مبتسمًا وقال مشاكسًا:
"إيه ياعريس، نموسيتك كحلى ولا إيه؟"
قهقه أمير قائلًا:
"عريس بقي وبراحتي ياعم وإنت مالك، إيه فينك كده؟"
حك عنقه بحرج، لا يعلم بماذا يجيبه ولكنه لم يجد سوى قول الحقيقة:
"أنا في مكتبي."
توقع أن يتلقى منه توبيخًا أو قول غاضب كأقوال أخته لكنه لم يسمع إلا قهقهاته عبر الهاتف قائلًا:
"بصرة، أنا كمان في المكتب، في ورق قضية لازم أسلمه للمقدم مدحت قبل ما أسافر."
ما جعله يسأله بمكر:
"وياتري بقي شهد عارفة الكلام ده؟"
اعتدل في جلسته مرتابًا وهو يحدثه بتحذير:
"طه اوعي تقولها أنا مش حمل أختك ونكدها بالذات النهاردة!"
رد عليه بتسلية:
"والله هفكر."
ألح عليه في قوله:
"طه متهزرش، أنا نصاية كده وهتحرك، هبقي أكلمك علشان نتقابل ونروح على الفندق مع بعض."
انتهى عمله الذي جاء لأجله وها هو الآن يقف أمام المرأة يغلق أزرار قميصه بعدما تأكد بأن رفيقه تجهز تمامًا.
كان ينظر لرابطة العنق أمامه على الطاولة بضيق.
من أين له أن يأتي بها الآن؟
اقترب منه أمير غامزًا وهو يضع يده فوق كتفه:
"مش هتعرف تربطها ولا إيه؟"
أزاح يده قائلًا ببرود:
"ملكش دعوة."
ولكن الآخر أصر على عرضه:
"لعلمك أنا اسمي أمير وساعات بيكون آية في أوقات الأزمات."
رفع حاجبه الأيمن وهتف محذرًا:
"طب اهمد بقي شوية بدل ما أخليك سوسن في أهم ليلة في عمرك."
حمحم متراجعًا واسند مرفقه فوق كتفه مرة أخرى قائلًا:
"طب بالمناسبة دي معندكش أي نصيحة تقدمها لأخوك؟"
لم يجبه بقي صامتًا وهتف لنفسه بسخرية "كان القرد نفع نفسه".
تركه وهو يجذب هاتفه قائلًا:
"هكلم آية أشوفهم خلصوا ولا لسه."
خرج من الغرفة والأخر من خلفه يهتف منبهًا:
"طب والجرافته؟"
لكنه أعطى جل تركيزه لتلك الرقيقة التي أجابت اتصاله في المرة الثانية:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رد السلام وهتف بتلقائية:
"وحشتيني."
الضوضاء هنا تكاد تصم أذنيها.
نظرت حولها واستأذنت من الجميع للخروج حتى تتمكن من سماعه.
وقفت في الممر أمام الغرفة وعادت تتحدث:
"قولت إيه يا طه علشان مكنتش سامعة؟"
استفاق مما أصابه وسألها:
"بقولك أخبارك إيه؟ خلصتوا ولا لسه؟"
ابتسمت:
"كويسة الحمد لله، أنا وطنط خلصنا بس طبعًا العروسة لسه."
تردد في الحديث ولكنها سألته كأم تطمئن على صغيرها الذي رفض البقاء معها لتتمكن من الاعتناء به:
"أنت خلصت؟ عرفت تربط الجرافته؟"
هنا اختفى تردده وهو يتحرك بالممر مجيبًا:
"بصراحة لا، معرفتش، وبما إنك خلصتي فمفيش مانع تعمليها ليا، أخرجي برة وأنا جايلك."
أجابته:
"أنا بالفعل برة، تعالي."
أغلق المكالمة وأسرع هو بخطواته حتى وصل للممر الذي كانت تقف بمنتصفه.
انخفضت سرعته وهو يراها في أبهى صورة لها، لامعة دومًا وتحيطها هالة من نور لا يعلم أ يراها الجميع أم هو فقط.
فستانها الرقيق ذو اللون الفيروزي قدها المياس، وحجابها الذي ماثل الفستان في اللون.
ابتسامتها الرقيقة التي تنظر له بها الآن.
هو هائم بها ولكنه لا يشعر كل مؤشرات الخطر التي اعتاد أن تدق؛ فيبتعد.
هي الآن في أوج أحوالها، لكنه لا يبالي يود أن يقترب وحسب.
يود لو يضمها إليه إلى الأبد.
بينما توترت وهي تراه يتقدم نحوها ولا يحيد ببصره عنها حتى استقر أمامها لا يفصلهم سوى خطوتين.
امسك بكفها يضع به رابطة العنق.
لم تنبس ببنت شفة وهو كذلك، مجرد نظرات توضح إعجابًا صامتًا وحسب.
أمال برأسه ناحيتها لتضعها حول عنقه.
ولا تزال صامتة، منذ ما حدث صباحًا وهو يشعر بها تتهرب منه.
عيناها تدور في كل مكان ولا تلتقي بخاصته.
تجافيه؟ ولكن ماذا فعل.
حمحم يحاول فتح أي حديث، ويبتسم ساخرًا بداخله على حالهما.
كانت هي من ترجو منه الحديث والآن انقلبت الآية وأصبح هو في موضعها.
نظرت له تنتظر قوله:
"هو في بنات معاكم جوا؟"
هزت رأسها بموافقة وهي تعقد الرابطة، ولكن سؤاله:
"حلوين ولا أي كلام؟"
جعلها تضيق عليه الخناق حتى سعل وهو يمسك كفيها ينزلهما قائلًا:
"إيه هتموتيني"
رفعت سبابته في وجهه محذرة:
"اسمع بقي أنا على أخرى منك أصلًا، مش عايزة قلة أدب وعينك لو شوفتها راحت على واحدة يمين ولا شمال والله يا طه ما هسكتلك، أنا مش كيس جوافة قدامك."
ضحك وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره.
هادئة في غالب الوقت، لكنها تملك روحًا شرسة تخرج إن لزم الأمر.
قطع كلتا الخطوتين الفاصلتين بينهما ودفعها للحائط ممررًا يده فوق وجنتها قائلًا:
"أنا نقطة ضعفي الجوافة."
نفضت يده عنها بتذمر:
"أنت مزاجك رايق فجاي تفوق عليا صح؟...مش عملتلك البتاعة يلا شوف رايح فين."
رفع حاجبيه وعلى وجهه ابتسامة متعجبة من طريقتها:
"أنا فاهم إني جوزك وكده، بس أنتِ عارفة فرق السن بيني وبينك يا كتكوتة علشان تكلميني كده؟"
ابتسمت مستهزئة:
"مين دي اللي كتكوتة أهو أنت اللي ستين كتكوت، ولعلمك الست علميًا عقلها أكبر من الراجل بـ ٥ سنين يعني كل اللي بيني وبينك سنتين يا كتكوت."
زاد من اقترابه أكثر وهتف متغزلًا بها ومغيرًا للحوار بقوله:
"بس إيه الحلاوة دي يا يويو!"
كادت أن تبتسم بخجل ولكنها وأدتها وهي تشيح بوجهها عنه.
عادت تنظر له، عيناه تنتظر منها رد تغزله ولكنها أبت أن تفعل:
"إيه عايز إيه يلا عايزة أرجع للناس جوا."
رفع حاجبه مستنكرًا:
"والله، يعني مش هتقولي رأيك في البدلة؟ ولا علشان مفيهاش لون من فستانك؟"
مَطَّت شفتيها بملل:
"عادي يعني بدلة زي أي بدلة، هقولك إيه!"
تحاول بكل الطرق إفقاده ثباته وهدوءه لكنه يتمسك به حتى الرمق الأخير:
"غريبة مع إن عينك دققّت في كل تفصيلة فيا من ساعة ما وقفت قدامك."
وقبل أن تتحدث قاطعها وقد تبدلت نبرته للجدية:
"أنا مش فاهم مالك النهاردة، أنتِ متغيرة، دي مش طريقتك ولا ده العادي بتاعك، لو في حاجة مضايقاكِ قوليها، ممكن أكون عملت حاجة زعلتك وأنا مش واخد بالي فقوليلي علشان أوضح موقفي على الأقل، لكن ده مش أسلوب!"
نظرت بعيدًا وهي تخبره:
"لو مش واخد بالك ده نفس أسلوبك، ما أنا كنت بتكلم وأهزر وأتشقلب وأنت كنت بترد ده بإيه؟ ولا حاجة، مجرد إنك مبتعملش أي حاجة، جاي مستغرب ليه دلوقتي معترض إني بعاملك بنفس طريقتك، مش ده اللي كنت عايزه، إني اسكت، أنا سكت أهو، مالك بقى معترض على إيه؟"
سألها بغضب:
"أنا أمتى قولتلك أسكتي، هو أي تُهم وخلاص، كفاية بقي النغمة دي كل شوية، أنا بحاول أقرب بحاول أشيل الحاجز اللي قولتي إني بنيته بيننا، مفيش عندي زرار هدوس عليه هتحول لشخص تاني مطابق لمواصفاتك، أنتِ علطول مستعجلة، معندكيش صبر، بتحبي تهربي، أو بلاش تهربي، لكن نفسك قصير، أنتِ متخيلة إننا في يوم وليلة هنحب بعض ونبقى أسعد زوجين في الحياة، الدنيا مش وردية للدرجة دي يا آية؟"
هزت رأسها بنفي:
"أنا مش عايزة منك حاجة يا طه، متقربش ومتحبنيش، مش عايزة حاجة ولا طلبت حاجة، خليك زي ما أنت، وسيبني في حالي، ما شهد و..."
رفع إصبعه في وجهها مقاطعًا:
"متقارنيش علاقتنا بحد، شهد وأمير دول مع بعض من وهما لسه عيال كل واحد حافظ نظرة عين التاني معناها إيه من غير ولا حرف، فبلاش تحطي دي قصاد دي علشان ده أكبر غلط."
كانت تضم شفتيها بقوة تحاول كبت دموعها التي خذلتها وأنزلقت فوق وجنتها وهي تسأله بصوت متحشرج:
"أنت عايز مني إيه دلوقتي يا طه، أنا مبقتش فاهماك، عايز إيه؟"
مرر إبهامه فوق وجنتها يزيل دموعها واخفض رأسه يقبل هامتها ونظر بعينيها قائلًا بتأنٍ:
"عايزك كويسة، وعايزك تديني وقت، أديني فرصة أحاول أصلح، عايزك معايا."
أنهى جملته ورحل.
رحل وتركها مشتتة وتائهة أكثر من أي وقت مضى.
هزت رأسها بيأس تتحدث وكأنه أمامها:
"أتأخرت، أتأخرت أوي يا طه، خلاص مبقاش ينفع، مبقاش عندي طاقة."
***
مرت ساعات أوصلتها إلى هنا تقف جوار والدة زوجها تصافح إحدى النساء اللاتي جئن للتهنئة بهذه المناسبة السعيدة.
حتى ظهر أمامهن شابٌ خمنت كونه في نهاية عقده الثالث، وقد تزين بحلية زرقاء لامعة تناسبت مع لون عينيه وبشرته البيضاء.
كان وسيمًا بحق، تعجبت من ابتسامته الواسعة التي يناظرها بها وحدها.
رحبت به والدة زوجها:
"أهلًا يا شريف يا حبيبي، عقبالك."
استفاق من تحديقه بها وهو يمد يده يصافح محدثته:
"أهلا بحضرتك يا طنط، ألف مبروك لشهد..."
نظر لمن تجاورها وعادت له بسمته الواسعة وهو يعرض مصافحته:
"ألف مبروك يا آنسة، عقبالك."
ولكن بدلًا من أن يلامس كفه يدها الرقيقة سقط له كف خشن قوي يقبض كفه بقوة:
"أهلاً يا شريف، عقبالك أنت بس..."
أحاط خصر الواقف جواره يلصقها به قائلًا بفظاظة:
"آية تبقى مراتي، شكل القعدة بره شغلاك عن أخبار العيلة."
تراجع بإحراج متمتمًا:
"حقيقي أنا آسف مكنتش أعرف، عقبال ما نشوف ولادكم."
رحل بعيدًا وتركهم خلفه.
نظر لها طه بغيرة واضحة وهتف بغضب:
"إنتِ إزاي واقفة تضحكي و تسلمي على كل من هب ودب كده مش فاهم، أنا مش قولت تقعدي ومتقوميش من مكانك."
لم تجبه نقلت نظرها بينه وبين والدته التي كانت تنظر له بغير رضا على ما تفوه به.
ورحلت مهرولة كانت في طريقها لمنصة العروس لتشتت عقلها عن التفكير بأي شيء يخصه.
ولكنها تفاجئت بإطفاء جميع الأضواء عدا ساحة الرقص التي أضاءت بنورٍ خفيف وتوسطها الحبيبان للرقص سويًا على الموسيقى الهادئة.
تراجعت في جانب بعيد بعض الشيء حتى شعرت به يقف جوارها.
تشعر بحضوره دون أن تنظر، يشعر به قلبها...ماذا قلبها؟ كيف؟
اقترب منها وهمس جوار أذنها:
"أنا آسف، متزعليش."
تنهدت بقوة.
هل قال أنه يتغير ويحاول لأجلها؟ يكفيها أن تشعر بهذا منه ولو لبعض الوقت.
لا يمكنها أن تقسو عليه أكثر من ذلك، تعلم جيدًا كم يكلفه هذا الحديث، وكم يغالب عقله ليتحدث بهذا الشكل.
ابتسمت ونظرت له بطرف عينيها:
"أسفك مقبول يا طه، أنا كمان آسفة على طريقتي اللي اتكلمت بيها فوق، بس مش آسفة على الكلام اللي قولته."
هز رأسه موافقًا وابتسم وهو يتحرك للوقوف خلفها.
أحاطها بذراعيه بغتة وجذبها نحوه حتى صافح ظهرها صدره العريض فغابت بين ضلوعه.
أسند ذقنه فوق كتفها مشاكسًا:
"أي حاجة منك مقبولة يا آية."
غلبتها عاطفتها وهي تريح رأسها فوق صدره، وتحاوط ذراعيه بيديها الرقيقتين.
تمايلت بهدوء مع نغمات الموسيقى بين يديه.
أغمضت عينيها مبتسمة وكأنها تحلق بين الغيوم.
طالعها بإعجاب، لم يكذب حينما قال أنها رائعة بكل تفاصيلها.
جاء لعقله فكرة فهمس يعرض عليها:
"تحبي نرقص زيهم؟"
رفعت حاجبها تذكره بقوله منذ قليل:
"عايزنا نرقص عادي كده قدام كل من هب ودب؟"
هز رأسه نافيًا بتأنٍ:
"تؤ، مين قال كده؟"
جذبها من يدها وسار بها حتى وصل إلى مكانٍ بعيد عن صخب الحفل.
وخاصةً عن عيون الجميع.
النيل يرسل نسماته الباردة تحيطهما والسماء تلمع نجومها فوقهما ترسل ضوئها ليتغلغل بين ثنايا قلوبهم.
عند هذه النقطة أدرك كل منهما أنها الرقصة الأولى لهما.
تعالت أنفاسها بتوتر بينما تولى هو زمام الأمر كاملًا.
جذب ذراعها الأيمن يضعه فوق كتفه، أحاط خصرها بذراعه الأيسر وقربها إليه، وقبض كفها الآخر ومال برأسه يقبله.
وبدأت رقصتهما.
يتنقل فوق ملامحها بكل حرية وكأنها يرسمها بعينيه.
بينما وضعت هي عنادها جوارًا، تركت قرارها بالهجر وقلبها يهمس:
"لا مانع من بعض الذكريات اللطيفة، تواسيني في ليالي سهادي بعد فراقه."
أسند كفها فوق كتفه وأقترب ممررًا يده فوق وجنتها مرورًا بشفتيها.
رفعت عيناها إليه بخجل.
سمعته يهمس:
"فاكرة لما سألتيني إذا كان وجودك مرغوب فيه ولا لأ؟"
رمقته بإهتمام وهي تهز رأسها بالإيجاب وأرضى هو فضولها أخيرًا:
"أنتِ الإنسانة الوحيدة اللي لو رغبتي في وجود كل الناس انعدمت، هبقى عايزك أنتِ بس جنبي."
وكعادتها تحدق فيها تستشف الصدق من عينيه وكعادته يؤكد لها بنظراته أنه ليس سوى صادق.
برقت عيناها وهي تراه يميل بوجهه ناحيتها أنفاسه تلفح وجهها تدفئه من برودة الجو.
لحظات مرت كادت أن تترك لنفسها العنان وتحنو عليه بأن تتركه يقترب ولكن زال سحر اللحظة دفعته من كتفه وهي تبتعد خطوة للخلف.
جعلته يفتح عينيه هربت بنظراتها وهتفت بتوتر:
"شهد أكيد بتدور عليا جوا لازم أدخلها."
تركته وعادت للداخل بخطوات متعثرة، وقلبٌ يخفق بشدة.
بقيت بعيدة عنه بقية الحفل تشارك رفيقتها تلك الليلة التي لا تتكرر مرتين بالعمر حتى انقضت الليلة وذهبت العروس لبيتها الجديد لبداية فصل جديد من حياتها.
***
ساعات أخرى مرت وانتهت بهم حيث وقف طه جوار آية أسفل البناية التي تقطن بها شهد بانتظار والدته التي أصرت أن تصعد مع ابنتها حتى شقتها ورافقها والده حتى يهدئ من بكائها الذي لم ينقطع منذ خروجهم من قاعة الزفاف.
كان قد أسند ظهره للسيارة وفعلت هي المثل بجانبه.
مال برأسه ينظر لها يسأل:
"المفروض نروح معاهم ولا نرجع شقتنا؟"
هزت كتفيها دلالة على عدم معرفتها ما الذي يجب عليهما فعله واقترحت:
"ممكن نستني نشوف والدك هيقول إيه، لو معرضش نروح معاهم يبقى نرجع بيتنا، يا رب يقولنا روحوا على شقتكم علشان البيت وحشني أوي، ده غير إني مش عايزة أروح وشهد مش هناك، حاسة مش هقدر أقعد وهي مش موجودة."
هم بالرد ولكن قاطعه نزول والده الذي كان يحادث زوجته مواسيًا:
"خلاص بقي يا رجاء البنت مش مهاجرة لكل ده، دي سنة الحياة، خلاص علشان متتعبيش طيب."
أقتربت منها آية تحتضنها وحاولت تخفيف حزنها قائلة:
"إن ما شوفتك بتعيطي كده يا طنط يوم فرحي أنا وطه، حضرتك مبطلتيش ضحك وزغاريط طول اليوم، شكلك ما صدقتي خلصتي منه."
واصل والد زوجها مشاكسًا وهو يغمز لها:
"أصلها كانت فاكرة إن معمولها عمل على رجل معزة، وماصدقت أتفك."
ضربته زوجته في كتفه بينما قهقه ضاحكًا وشاركته آية.
بينما وقف هو يطالعهم وقد شبك يديه في بعضهما البعض رافعًا حاجبه بغيظ مصطنع قائلًا:
"طيب مش هنروح ولا أطلع أجيب أمير أضربه؟"
وكزته في كتفه:
"أنت فارد عضلاتك عليه علشان هو طيب وبيحترمك يعني."
هتف والده:
"يلا كفاية وقفة في الشارع، خلي عربيتي هنا ونروح بعربية طه كلنا."
نظر كل منهما للآخر فلاحظ والده هذا:
"أنتو مش عايزين تروحوا معانا ولا إيه؟"
بررت آية:
"أصل يا عمو قولنا كفاية كده و..."
قاطعتها والدة زوجها:
"كفاية إيه يا حبيبتي، مش كفاية شهد كمان هتمشوا إنتو كمان في نفس اليوم، تعالوا معانا وبكرة ارجعوا بيتكم."
وافق كلاهما حتى لا يحزن والديه.
جلست بجواره في المقدمة وشردت في لحظة بعينها.
تذكرت قوله: "أنتِ الإنسانة الوحيدة اللي لو رغبتي في وجود كل الناس انعدمت، هبقى عايزك أنتِ بس جنبي."
ابتسمت وهي تنظر له وكأنه بقوله هذا أثلج نيرانًا مشتعلة بعقلها.
حمدت ربها بأنهم لن يذهبوا لمنزلهم الليلة وتبقي بمفردها معه، بالتأكيد.
كان سيحاول التقرب منها، وهي ليست مستعدة لهذا، وتخشى أن تضعف أمام تودده هذا كله.
لا تزال تفكر بالانفصال عنه، حتى وإن كان يضمر داخله مشاعرًا لها فهي لا تكفي؛ فالبيوت وعلاقات الزواج لا تقوم على الحب فقط مهما بلغت قوته.
صفت السيارة أمام المنزل ودلف الجميع للمنزل وأسرع والده يجذب والدته لأعلى قبل أن تفكر في أي شيء يخص ابنتها وتعود للبُكاء من جديد.
بينما نظرت هي لطه الذي كان يقف خلفها ينظر لها وقد كسي عيناه وميضًا دب القلق بفؤادها.
همست لنفسها: "لا مش كده، مش كده يا طه أوكي قولت نفسي يكون مدلوق لكن مش حمدي الوزير مفيش عندك أي وسطية."
نظرت أمامها وعادت تنظر له وهو يقترب منها عادت تقول: "خير وسيلة للدفاع الهجوم، لازم نتخانق علشان الليلة تعدي بدون أي خساير وميأثرش على قراري."
استدارت له بكليتها وقد نزعت القلق عنها وهاجمته بقولها:
"مين البت أم أصفر اللي كانت واقفة بتضحك معاك في الفرح النهاردة؟"
عبس وجهه وانعدم ذاك الوميض العابث بمقلتيه ما جعلها تضحك داخلها.
تنهد بضيق:
"ما إحنا كنا كويسين وليلتنا فيروزي، لزومه إيه الصفار ده؟!"
رفعت رأسها بكبرياء:
"أنا مبهزرش، روح يا حبيبي للسحلية اللي كنت بتضحك معاها تفرفشك."
أنهت جملتها وفرت لأعلى وتركته يقف متعجبًا من فعلتها هذه وهمس:
"يخربيت نكد الستات الغير مبرر ده."
صعد خلفها، دلف متأففًا بينما حاولت هي إخفاء ابتسامتها حتى لا يغضب أكثر.
أنهت تبديل ثيابها وتدثرت بالفراش بعد قولها:
"تصبح على خير."
كان يقف بمنتصف الغرفة متعجبًا يطالعها بضيق.
نفخ الهواء من فمه بصوت مرتفع.
مرت عشر دقائق.
كان قد أبدل ثيابه وتدثر جوارها في الفراش.
استلقى فوق ظهره بينما بقيت هي تتقلب جواره حتى استقرت وهي توليه وجهها.
نزل بجسده حتى صار وجهه أمام وجهها.
لاحظ ارتعاش جفنيها وتظاهرها بالنوم فابتسم ساخرًا:
"لو هربتي النهاردة مش هتعرفي تهربي بكرة أكيد!"
تلجلجت داخلها، ومن ثم قالت وهي تعطيه ظهرها:
"نام يا بتاع البت الصفرا."
***
مر أسبوع كاملًا منذ أخر لقاء لها مع شهد حينما وقفت تعانقها بالمطار قبل رحيلها لقضاء شهر عسلها بالخارج.
لا تزال تذكر همسها لها:
"ممكن متاخديش أي قرار بخصوصك أنتِ وطه لحد ما أرجع ونفكر سوا، على الأقل ابقي جنبك، ممكن؟"
لم ترغب بذلك، كانت تود أن تنهي الأمر قبل أن يصبح الرحيل أصعب ولكنها لم تستطع الرفض أمام الرجاء بعينيها؛ لذا هزت رأسها موافقة ووقفت بجواره حتى غاب كلاهما عن مرمى البصر.
تنهدت وهي تجلس بشرفة المنزل تحدق بالسماء المظلمة.
منذ عادا للمنزل وقد عادت لروتينها القديم يتناولان الفطور سويًا ويغادر لعمله الذي يقضي فيه النهار كاملًا ويعود بعد منتصف الليل يشاركها طعام العشاء ومن ثم يتوجه للنوم.
لا يمكنها أن تنكر كونه تخلى عن صمته بشكل ملحوظ حتى أنه يستجيب لحديثها ويحاورها وأحيانًا يبادر هو بالاتصال للاطمئنان عليها وهو في عمله.
حتى أنه عاد ذات مساءٍ باكرًا وجلس معها لبعض الوقت.
تذكرت حينما سرد لها قصته مع الحصان الذي سقط من فوقه في صغره ونتج عن ذلك تورم رأسه إثر سقوطه عليها.
ابتسمت حينما تذكرت كيف كانت تضحك عليه وهي تتخيل ما حدث.
تلك كانت المرة الأولى التي تسمعه يشاركها شيئًا كهذا، أول مرة تضحك بقربه من قلبها.
ولكن زالت تلك الابتسامة عندما تذكرت ما أخبرتها به شهد عن حادثة خطيبته الراحلة.
هذا هو ما يؤرقها، يؤلمها أنه حتى الآن لم يخبرها.
تسأل نفسها كل ليلة متى؟ متى ستأتي وتستند فوق كتفي وتسرد لي ما سبق وطبع بقلبك حزنًا لازلت تتألم منه.
تريدني بقربك، ولا تريد أن تفتح لي قلبك؟
أوشك صبرها أن ينفذ.
تنهيدة أخرى صدرت منها وهي تستمع لصوتٍ يأتي من بعيد تحديدًا من راديو إحدى الجيران:
صبرني الحب كثير
وداريت في القلب كثير
ورضيت عن ظلمك لكن
كل ده كان له تأثير
والقرب قساه وراني
البعد أرحم بكثير
ولقيتني وأنا بهواك
خلصت الصبر معاك
لم تفلح تلك الكلمات في جذب انتباهها، تصفها بل وتصفعها، ولا تعلم بالأساس من أين جاءها كل هذا الصبر عليه.
قطع حديثها مع نفسها مواصلة الغناء:
وبأملي بعيش ولو إنه
ضيع لي سنين
ضيع لي سنين في هواك
حسنًا هذا يكفي، قالت هذا وهي تنهض للداخل مكتفية بهذا القدر.
ولكن أبت أم كلثوم تركها فعلاً صوتها أكثر وهي تهتف:
وأهي غلطة ومش حتعود
ولو إن الشوق موجود
وحنيني إليك موجود
إنما للصبر حدود
للصبر حدود، للصبر حدود يا حبيبي
أغلقت النافذة بكل قوتها وأستندت بظهرها عليها وهي تحدث نفسها بشرود:
"كان عندي حق لما اعتزلت الست، مفيش حد بيحط ملح على الجرح غيرها."
***
طرقت باب الغرفة ودلفت، وجدته يخرج من المرحاض وتقدم نحو الفراش ينوي النوم.
لكنها وقفت أمامه تفرك يديها بتوتر جلي فوق ملامحها.
عقد حاجبيه بتعجب وسألها:
"في إيه؟"
رفعت عيناها إليه وهمست:
"ممكن...ممكن يعني تقعد ٥ دقايق، عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم."
حول بصره لساعة الحائط وسأل مستنكرًا:
"موضوع مهم الساعة ١ ونص، ميستناش كام ساعة للصبح؟"
هزت رأسها بنفي:
"لا، مش هاخد منك وقت كتير."
هز رأسه موافقًا جلس على طرف الفراش وأشار لها لتجلس.
تنهدت وهي لا تدري ماذا تقول، هربت كل الكلمات التي جلست ترتبها لأيام طويلة.
نظرت له فوجدته يحدق بها منتظرًا.
تلعثمت كلماتها فنطقت:
"فاكر لما جيت تتقدملي قولتلي إيه؟"
نفخ الهواء من فمه بملل قائلًا:
"آية، مش وقت مقدمات، ادخلي في الموضوع."
تجاهلت جملته وهي تلقي على مسامعه قوله السابق:
"قولتلي هندي لعلاقتنا فرصة لو ارتحنا نكمل، لو لأ هننفصل عادي...فاكر؟"
ساد الضيق فوق ملامحه ونظراته، يشعر وكأن القادم لن يسره.
هز رأسه بموافقة، ينتظر وبشدة جملتها التالية.
ابتلعت لعابها بمرارة، أكملت:
"أنا فكرت كتير قبل ما أقولك الكلام ده علشان مرجعش أندم وعلشان مبقاش حاسة إن حد منا ظلم التاني معاه..."
قاطعها بسؤاله:
"قولي اللي عايزة تقوليه يا آية."
دمعت عيناها وهمست ولكنه سمعها:
"عايزة أقولك...يعني...أنا عايزة أتطلق يا طه."
سمعها وكأن العالم بأكمله صمت لتصدح تلك الكلمة بفؤاده تصفعه.
وقف ينظر لها وقت نكست رأسها بحزن وهي تبكي بصمت، فصاح مستنكرًا:
"إيه قولتي إيه، أنا أكيد سمعت غلط!"
هزت رأسها بنفي ولم تتحدث بل زاد بكائها وارتفع صوته.
جذبها من مرفقها يوقفها وسألها:
"يعني إيه، أكيد بتهرجي، مهو ده كلام ميتصدقش."
خرجت عن صمتها واجابته بقوة لا تعلم من أي جائتها:
"لا يا طه مش بهرج، أنا عايزة اتطلق، خلاص تعبت من العيشة دي."
ما لبث أن يجيبها فصدح صوت رنين هاتفها على الكرسي بجانبها.
حادت ببصرها نحوه لتجد أن المتصل ليس سوى والدتها.
قفز قلبها فزعًا من أن يكون قد أصابها هي أو والدها مكروهًا.
ترك مرفقها وهرعت هي نحو الهاتف، أجابت وقبل أن تتحدث سبقتها والدتها التي صاحت بانهيار:
"الحقيني يا آية أبوكي تعبان أوي."
تجمدت الدماء بعروقها وهمهمت:
"بابا...بابا ماله...ردي عليا يا ماما حصله إيه."
اقترب منها، سألها بقلق:
"في إيه؟"
لكنها لم تنتبه له كان الانتباه من نصيب والدتها وهي تبلغها:
"معرفش جراله إيه، كان واقف وبيتكلم في التليفون وفجأة وقع من طوله ومبيردش عليا..."
لم تعد تتحمل سماع أكثر من هذا، كاد الهاتف أن يسقط من يدها لولا تلقفه هو منها وهو يحادث والدتها.
هتف بعد أن فهم منها ما حدث:
"طيب اهدي متقلقيش أنا هجيب آية ونيجي على المستشفى دلوقتي حالًا، إن شاء الله خير."
بينما جلست هي أرضًا ولا تزال تهمس "بابا".
لا بكاء ولا صراخ ولا دموع فقط عدم التصديق، والخوف من فقدانه.
هل يرحل ويتركها؟
وتخشى أن تكون الإجابة نعم، تخشى أن يكون وداعه قد اقترب.
من أين لها أن تستمد قوتها إن لم يكن والدها فمن من؟
من سوف يساندها في قرارها الذي اتخذته وأخبرت به زوجها منذ دقائق بسيطة.
لا تعلم كل ما تريده هي رؤية والدها الآن.
رواية طائر النمنمة الفصل الخامس 5 - بقلم ملك العارف
رواية طائر النمنمة الفصل السادس 6 - بقلم ملك العارف
بعد ساعة أخرى، كان طه في سيارته يتجه نحو مكان عمله بنشاط وحيوية، وكأنه طائر العنقاء يولد من جديد. تذكر جلستها في الغرفة وهي تتابع تحركاته حتى يستعد للنزول، وهو يسرد عليها تفاصيل مهمته الأخيرة وكيف تم إلقاء القبض على هؤلاء المجرمين في لمح البصر. ابتسم من جانب وجهه وهو يتذكر لمعان عينيها كطفلة صغيرة يسرد لها والدها مغامرات السندباد.
في لحظة، انقلبت ملامحه المبتسمة لأخرى يشوبها الريبة وهو يتفقد فرامل سيارته، ليتضح له أنها لا تعمل. لعن من تحت أنفاسه وهو يحاول تجميع أفكاره. رفع وجهه للطريق بعدما ارتفع بوق إحدى السيارات التي تسير في اتجاه معاكس له. حاول تفاديها، ولكن سائقها استدار بها لتصطدم بسيارة طه بقوة، ما جعل سيارته تنقلب على جانبها.
مرت دقائق تجمع فيها الناس حول السيارتين، بينما في الداخل كان يصارع ألا يفقد وعيه قبل الخروج من كومة الحديد هذه. ولكن جرح رأسه شوش رؤيته، وذراعه الذي حُشر بين السيارة والمقعد عاق حركته وقيده. سكنت الأصوات من حوله، ولم يتردد على مسامعه سوى قولها الأخير له قبل أن يرحل:
"خلي بالك من نفسك يا طه، ومتتأخرش بالليل."
شعر بأحدهم يحاول فتح الباب بجانبه، وقبض فوق يده يجذبه. هنا فقط ترك لعينيه العنان بأن يغلقا، وغاب في دنيا اللاوعي.
***
في الطريق للمشفى، كانت آية تجلس في المقعد الخلفي لسيارة أمير، وجاورتها شهد. لم ينقطع بكاؤها منذ علمت بما أصابه. فبعد رحيله لعمله بنصف ساعة، جاءها اتصال من رقم مجهول يخبرها بما أصابه. تردد في أذنها ذلك الصوت المقيت بقوله:
"متستنيش المحروس جوزك بالليل، أصله زمان ملك الموت واخد روحه في حضنه دلوقتي، البقاء لله يا حلوة."
شلت الصدمة وعدم التصديق أطرافها. جذبت الهاتف الذي سقط من يدها، وعادت تهرول بين الأرقام حتى جاءت برقم طه. وضعت الهاتف فوق أذنها بعد أن ضغطت عليه بأصابع مرتعشة، ولكن الصوت الذي أخبرها بأن الهاتف مغلق دب الرعب في فؤادها. عادت تمرر الأرقام أمام عينيها حتى جاءت برقم أمير وطلبته بأنفاس متسارعة. أجاب في المرة الرابعة بعدما انهار ثباتها، فقالت بدموع وغضب:
"أنت مبتردش ليه يا أمير، طه مبيردش عليا، وفي... في رقم كلمني قالي..."
سردت له المكالمة وما حدث فيها، وسألته بأمل:
"قولي إن طه كويس، وإن ده مقلب من حد سخيف بالله عليك قولي كده."
ولكن خاب أملها وهو يردف بأسف:
"أنا آسف يا آية، بس ده مش مقلب."
تعالى صوت بكاؤها، وتتابعت شهقاتها، ولم تملك قدرة على إمساك تلك الأنفاس الهاربة منها، بينما صمت هو ينتظر أن تهدأ قليلًا. قالت من بين شهقاتها:
"طيب هو حصله إيه طيب، يعني هو خلاص كده، أنطق متسكتش كده، جوزي حصله إيه."
سارع ينفي ما وصل لها:
"لا، لا أطمني طه عايش الحمد لله، هو بس عمل حادثة بالعربية واتنقل على المستشفى دلوقتي. بصي أنا رايح البيت أجيب شهد وأنتِ اجهزي هاجي آخدك ماشي، طه هيبقي كويس صدقيني."
كانت هي على الجانب الآخر، منذ سمعت قوله بأنه على قيد الحياة وهي تكرر همس "الحمد لله" حتى سمعت قوله الأخير:
"متتأخريش ارجوك أنا مش قادرة أتلم على أعصابي."
مرت ما يقارب الساعة، لا تعلم كيف استطاعت أن تبدل فيها ثيابها. كانت تارة تبكي، وأخرى تجلس أرضًا لا تستطيع النهوض، وتارة تهرول لتكون مستعدة حالما يصلوا إليها. سمعت طرقًا على بابها، فجذبت حقيبتها وهرولت تفتحه. كانت شهد، وما أن رأتها إلا واحتضنت كلتاهما الأخرى ببكاء، حتى أبعدتها آية للوراء وقالت بقوة وأمل تحاول إيصالهم للتي أمامها:
"هيبقي كويس، إن شاء الله هيقوم، ربنا مش هيوجعنا فيه أنا واثقة من ده."
جذبتها حتى المصعد الذي انفرج بابه. هنا في مدخل البناية، ومنه إلى السيارة، حيث هي الآن.
صف أمير سيارته أمام المشفى، وهرول الجميع نحو موظف الاستقبال للاستعلام عن مكانه. بعد خمس دقائق، كان الثلاثة يقفون أمام غرفة العمليات بانتظار خروج أي أحد ليطمئنهم. كان أمير يروح ويجيء بأعصاب تالفة، بينما وقفت كلتاهما ودموعهما مصاحبة لهن. خرج فرد من طاقم التمريض، ولكن قبل أي سؤال رحل بعد قوله بأنه لا يملك أي صلاحية لقول أي شيء.
ساعة كاملة لا علم لهم بما يحدث بالداخل، حتى طرق أمير الباب بغضب ونفاذ صبر:
"إحنا هنفضل كده كتير، ما حد يخرج يطمنا."
مرت نصف ساعة أخرى، لم تعد لقدميها القدرة على التحمل أكثر، فأنهارت بالأرض جالسة. انفرج باب العمليات، فخرج أفراد طاقم التمريض يدفعون السرير المدلول، وهو مستلقٍ فوقه لا حول له ولا قوة. شهقة ملتاعة خرجت من جوفها وهي تنهض نحوه بقلب مات من خشية فقدانه. همست باسمه وهي تهرول معهم، ترفض تركه، حتى أوقفتها إحداهن قبل دلوفهم للمصعد. بقيت تنظر له حتى انغلق الباب، فعادت لهم تسمع قول الطبيب:
"واضح إن الحادثة كانت شديدة عليه، لكن إحنا عملنا اللازم، وقدرنا نسيطر على النزيف الداخلي. الخبطة اللي في الدماغ سببت جرح كبير، لكن إحنا خيطناه، وباقي الجروح والكدمات مع الوقت هتروح. إحنا هنحطه في العناية المركزة لحد ما يفوق، ادعوله الـ 24 ساعة الجايين يعدوا على خير، بعد إذنكم."
أوقفته برجاء:
"دكتور لو سمحت ممكن أشوفه، دقيقة واحدة بس أرجوك."
عادت تبكي بقوة، فأسندتها شهد، بينما نظر أمير للطبيب الذي رفع نظارته بسبابته وقال مضطرًا نظرًا لحالتها:
"مفيش مشكلة، بس ياريت بلاش نزعجه."
تحرك ثلاثتهم خلفه حتى غرفة العناية. أشار لها الطبيب بالدخول، بينما أفسح لها شهد وأمير لتدخل. قبضت فوق مقبض الباب، واتخذت عدة أنفاس قبل أن تديره وتدخل مغلقة خلفها. تقدمت نحوه ببطء. لامس كفها الرقيق المرتعش كفه الكبير الساكن بجانب جسده. طالعت الأجهزة الموصولة بجسده بدموع.
منذ ساعات قليلة كان بجانبها، كان يضحك لها ويحادثها ويرتب لحياة قادمة برفقتها، والآن ينازع الموت حتى يبقى، وينازعه الموت ليأخذه. تذكرت حديثه لها بعدما انتهى من ارتداء ملابسه صباحًا. جلس جوارها وهو يلف ساعته الغليظة والأنيقة فوق معصمه، فسألته وهي ترفع إحدى حاجبيها:
"قولي يا طه، هو مش المفروض بعد مهمة كبيرة زي دي وترقية كبيرة زي اللي خدتها دي تاخد أجازة يومين حتى، ولا هو خلاص ياعم الجامد الداخلية هتنهار من غيرك؟"
رفع سبابته يفك انعقاد حاجبيها ضاحكًا:
"إيه ياعم كرومبو أنتِ أهدي، ده اللي كنت هتكلم فيه دلوقتي على فكرة، الأجازة أنا أجلتها بعد ما الهانم قالت مش راجعة غير بعد ما شروطها تتنفذ."
سألت من جديد:
"طيب ودلوقتي، هتاخدها؟"
هز رأسه بالإيجاب واقترب منها:
"أيوة، هظبط شوية حاجات هنا الأول وبعدها شوفي حابة نسافر فين ونروح."
أخذتها الحماسة وهي تصفق بيديها، ولم تنتبه لكونها نهضت فوق ركبتيها لتحتضنه. قالت وهي تحيط عنقه بذراعيها:
"أنت برنس الداخلية والله."
فاجأته حركتها المباغتة، ولكنه تداركها مبتسمًا وهو يعانقها بالمثل، متنهدًا بقوة وهو يحرك رأسه ليستقر وجهه مقابلًا لعنقها. شعرت بالخجل وهي تفك قيد يدها وتحاول دفعه، ولكنه أبي تركها، فقالت تسايسه:
"طه هتتأخر على شغلك."
همس ولا يزال كما هو:
"يتحرق الشغل."
ضحكت على قوله وهي تهتف:
"أنت قد الكلمة دي؟"
أمام إصرارها، ابتعد قليلًا برأسه ولم يفلت جسدها. قال وهو ينظر لها ولهروبها منه بشكل مستمر، مازحها بقوله:
"مش المفروض كبرنا على موضوع الكسوف ده ولا إيه؟"
نظرت له، فسقطت عيناها أسيرة لتلك النظرة الشغوفة في عينيه. قالت بصوت خفيض متذمر:
"مفيش حاجة اسمها كده، محدش بيكبر على فطرة اتخلق بيها."
عقد حاجبيه سائلًا:
"أفهم من كده الحالة دي هتستمر كتير، أصل إحنا مطولين مع بعض، حسبة تأبيدة كده ولا حاجة."
ضحكت وهي تفك انعقاد حاجبيه كما فعل لها:
"ولو بعد 100 سنة هفضل زي ما أنا كده، أيوة بنتخانق وبنبقى ناقص نخلص على بعض، بس في وقت هقلب قطة سيامي مش عارفة تروح فين عشان متبصلهاش."
ابتسم بخبث وقال بوقاحة لم تعتدها:
"ده بيتهيألك بس، علشان إحنا لسه محصلش بينا حاجة، لكن بعد..."
قاطعته تضع يدها فوق فمه بوجه تكسوه حمرة الخجل وتذمرت:
"إيه يا طه، إيه يا حبيبي مش كده، أنت غلبت حمدي الوزير بجد، قوم شوف شغلك، وحاسب كده."
تركها ونهض واقفًا وهو يضحك بقوة عليها وسط تحاشيها النظر له. نهضت هي الأخرى وقد قررت التظاهر بترتيب الغرفة، فقبض عليها لتنظر له ولملامح وجهه التي حاول جعلها تشبه ملامح تلك الشخصية التي شبهته بها. وأمام هذا لم تتمالك نفسها، فعلا صوت ضحكها مجلجلًا يملأ الغرفة. نظرت له بعينين تلتمعان، وقالت:
"تعرف أنت بتفكرني بجملة كنت قرأتها مرة في رواية."
صمت تثير فضوله حتى يسألها، وحينها قالت:
"كانت بتقول: 'كنت أعلم أن خلف صمتك كنوزًا ودرر مدفونة.' أعتقد إن أنا قولتها صح. طول الفترة اللي فاتت دي أنا كنت بكتشف طه تاني غير طه الصامت المكشر، اللي مش بيتكلم، أو إجمالًا لكل ده، طه الأشعث."
قالتها وراقبت ملامحه الممتعضة حتى شعرت به يفلتها ويستدير للمغادرة بعد قوله:
"أنتِ مش بوظتي اللحظة، أنتِ دشملتي أمها، سلام يا حمقاء."
تعالت ضحكاتها مجددًا وأسرعت خلفه حتى لحقت به عند الباب، فقالت قبل أن يغلقه:
"خلي بالك من نفسك يا طه، ومتتأخرش بالليل."
عاد برأسه يُقبل وجنتها سريعًا وقال غامزًا:
"لما أرجع هنكمل اللي وقفنا عنده قبل طه الأشعث اللي قولتيها دي، هتوحشيني."
هزت رأسها موافقة وراقبته حتى أغلق باب المصعد. رحل نحو مصيره المحتوم. أغلقت هي الأخرى باب المنزل واستندت بظهرها عليه مبتسمة، وهمست وهي تضع يدها فوق قلبها:
"إيه يا معلم مش كده، هتفرفر مني عشان قال هتوحشيني، أومال لما ننقل لليڤل أعلى هتخرج من مكانك."
عادت من شرودها، لا تدري أتبكي أم تبتسم. همست له قبل خروجها:
"وأنت كمان بتوحشني في كل وقت يا طه."
غادرت بعدما مالت تلثم كفه، خرجت إليهم. ودون التفوه بأي كلمة، توجهت نحو مقعد مقابل باب غرفته وجلست فوقه تبكي بصمت، وكأنها بعالم آخر غيرهم. جلست شهد بجوارها، والتي لا يقل ما يعتليها عن ما تعانيه الأخيرة. ربتت فوق كفها تؤازرها دون أي حديث. نظرت لها وقالت:
"كنا خلاص يا شهد هنبدأ صفحة جديدة، كنا بنتفق هنقضي الإجازة بتاعته فين، افتكرت الحياة ضحكت لينا خلاص، ليه يحصل كل ده ليه؟"
احتضنتها شهد بعدما دخلت في نوبة بكاء أخرى، قالت من بين دموعها:
"وحدي الله يا آية مش كده، أنتِ مؤمنة بالله وبقضائه وقدره، واللي حصل ده مكتوب مفيش منه مهرب يا حبيبتي، ادعيله يقوم بالسلامة."
بقيت بين يديها تتضرع لله هامسة، في حين نظرت شهد لأمير بقلق:
"أمير أنت كلمت بابا أو ماما؟ لو اتصلوا بماما زيي أنا وآية دي كانت تروح فيها."
طمأنها بقوله:
"كلمت والدك وقولتله، قالي هيجيبها ويجي، ربنا يستر بس لما تعرف."
قالت شهد:
"حسبي الله ونعم الوكيل، منهم لله."
نظرت له آية:
"الحادثة دي بفعل فاعل يا أمير مش كده؟"
هز رأسه بحيرة:
"لسه منقدرش نجزم بشيء، بس سواق العربية اللي خبطت طه مكنش موجود لما الناس اتلمت، وواحد من الشهود قال إنه شافه بينط من العربية."
أكملت آية بتفكير وهي تزيل دموعها:
"ولو افترضنا إنه مش قاصد يخبط طه كان هيبعد عن العربية ماشي، لكن مش لدرجة يهرب، وده معناه إنه كان عارف هو بيعمل إيه. طه مش أول مرة يسوق، وأكيد حتى لو السواق ده حاول يخبطه كان هيفادي، أكيد العربية هي كمان كان فيها حاجة."
هز رأسه استحسانًا لما قالته:
"كل شيء جايز، على العموم هنستنى تقرير المعمل الجنائي وكمان شهادة طه ونشوف هنوصل لإيه."
***
في نهاية اليوم التالي، حضر الطبيب لفحصه، وحالما تأكد من تحسن مؤشراته الحيوية، سمح بنقله لغرفة عادية. ترك الممرضات داخل الغرفة وخرج للواقفين أمام الباب:
"الحمد لله، في تحسن كبير عن امبارح، دلوقتي هيتنقل لغرفة عادية وهننتظر إنه يفوق."
كان قول الطبيب بمثابة عود الروح للجميع، آية، شهد، زوجها ووالديه. الجميع لم يغفُ له جفن منذ اليوم الماضي. مرت نصف ساعة كان قد وصل فيها لغرفته الجديدة، ووقف الطبيب بجانبه وممرضته المساعدة يعطيها تعليماته، بينما وقفوا جميعًا بالجانب الآخر، وجلست هي بطرف الفراش تنظر له ببكاء صامت، تطالع ملامحه الشاحبة وكأنها تحاكي الموتى في صمت، شاربه الكثيف وملامحه السمراء التي ما طالعت قلبها مثلها من قبل. مرت يدها فوق رأسه بحنان وهي تنظر لجرحه المخيط بألم، وكأنه أصابها هي.
انتهى الطبيب من تعليماته ونظر للجميع باستياء:
"يا جماعة مش هينفع كده لو سمحتوا، ياريت الكل يروح وواحد بس اللي يفضل معاه، لكن المنظر ده لا، مش عايزين نتعب المريض."
هز أمير رأسه موافقًا، وكان أول من تحدث:
"الدكتور عنده حق يا جماعة يلا بينا، والصبح إن شاء الله نبقى عنده كلنا."
غمز بعينه خفية لزوجته مشيرًا نحو تلك الجالسة، ودون اهتمام لما يقال حولها، حمحمت شهد وربتت فوق كتف آية:
"حبيبتي يلا بينا عشان نوصلك، والصبح نرجعله."
هزت رأسها نافية وقالت بقوة:
"أنتم عايزين تسيبوه لوحده إزاي يعني مش فاهمة، دي محاولة قتل وممكن اللي عمل كده يرجع يعملها تاني."
صحح لها أمير ظنها:
"مين قال بس هنسيبه لوحده، أنا هوصلكم وارجع له، وكمان في اتنين عساكر هيكونوا برة على الباب."
هزت رأسها استحسانًا وقالت وهي تعود ببصرها نحو طه:
"طيب كويس روح وصل عمو وطنط ومراتك وابقى تعالوا الصبح، وأنا هفضل مع طه."
مرت نصف ساعة كاملة حاول فيها الجميع إثنائها عن قرارها، لكن الإصرار بعينيها أرغم الجميع على الرضوخ لها بعدما أنهت النقاش بقولها:
"متتعبوش نفسك على الفاضي، أنا مش هسيب جوزي وأمشي. أمير حابب توصلهم وترجع تبقى قريب من هنا زيادة أمان أنت حر، بس الأول شهد تروح الڤيلا عند عمو عشان متبقاش لوحدها، لكن أنا مش هعرف أقعد في مكان غير جنب طه لحد ما يفوق وأطمئن عليه."
جلست فوق الكرسي المجاور لفراشه وراقبتهم يتوجهون للخارج حتى توقف أمير قبل غلقه للباب:
"هوصلهم البيت أرجع علطول، اقفلي باب الأوضة من جوه ومتفتحيش غير ليا أو للدكتور اللي كان معانا من شوية، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بيا."
رحل، وبقيت هي لجواره حتى غلبها النعاس فوق كرسيها. لم يوقظها سوى طرق خافت فوق الباب. حركت رأسها يمينًا ويسارًا تستوعب أين هي، حتى عاد الطرق مجددًا، فتوجهت نحو الباب بقلق بعدما نظرت في ساعة يدها وجدتها قاربت على الخامسة فجرًا. همست بصوت بان فيه أثر نومها:
"مين؟"
فقال الطارق:
"أنا أمير افتحي."
هدأت ضربات قلبها القلقة وهي تدير المفتاح بالباب وأدارت المقبض تفتح الباب. مد لها أمير يده ببعض الأكياس وحقيبة صغيرة وقال بهدوء:
"أنا جبتلك أكل، والحاجات دي بعتهالك شهد، قالت هتحتاجيها، وأنا قاعد قريب من هنا متقلقيش من أي حاجة."
ابتسمت له بامتنان تشكره على حسن تعامله، ووفائه لصديقه. نظر للداخل بقلق وهو يسألها:
"طه عامل إيه، لسه مفاقش؟"
هزت رأسها بنفي مجيبة:
"لاء لسه، الدكتور كان هنا من شوية قبل ما تيجي وطمني عليه متقلقش، إن شاء الله بكرة يفوق ويطمنا عليه بنفسه."
أومأ موافقًا، أغلقت الباب بالمفتاح بعد رحيله وعادت للداخل. ووضعت الأكياس فوق الأريكة المجاورة للباب وفتحت الحقيبة التي أرسلتها شهد لتجد بها ثياب لها وسجادة للصلاة. ابتسمت وهي تجذب بعض الثياب وتتوجه لمرحاض الغرفة. بعض قليل من الوقت خرجت بعدما بدلت ملابسها لأخرى وجذبت سجادة الصلاة لتصلي سنة الفجر، لكنها وقفت حائرة بمنتصف الغرفة لا تفقه أين القبلة، حتى جذبت هاتفها تحاول تحديها.
بقيت هكذا حتى طرقت إحدى الممرضات باب الغرفة. وقفت الممرضة تراقب مؤشراته الحيوية وتتأكد من أن المحلول المعلق يعمل جيدًا. ما أن همت بالمغادرة بعد قولها:
"كل حاجة تمام الحمد لله، حضرتك محتاجة أي حاجة قبل ما أمشي؟"
سألتها وهي تشير لسجادة الصلاة بيدها بقلة حيلة:
"عايزة أصلي، ومش عارفة القبلة فين."
ابتسمت الأخرى وأعلمتها ما تجهله وولّت راحلة. عادت تغلق الباب من خلفها بالمفتاح. وقفت تؤدي صلاتها، وجلست من بعدها بمكانها تدعو الله بأن يرد له عافيته. غلبها دموعها فبكت بصمت، قطعه شهقاتها بين الدقيقة والأخرى حتى سمعت همهمات ضعيفة تأتي من ناحيته. رفعت رأسها ببطء وهي توجه نظرها نحوه دون حركة. ولكن همسه الضعيف باسمها جعلها تنتفض بسرعة البرق إليه. أشعلت ضوء المصباح الصغير المجاور له وهي تجلس بطرف الفراش تتأكد إن كان ما سمعته حقيقي.
فتح عينيه ونظر لها بنظراته التي تحيطها من كل اتجاه. ابتسمت وهي تنظر له دون حديث، ولكن همست مقلتاها بالأشعار سرًا، تغازل عينيه الصافيتين تحت ضوء الغرفة الخافت المائل للأصفر، والتي أضفت لهما بريقًا جذبها إليه برفقٍ كمن يجذب أميرته نحو ساحة الرقص لأداء رقصة، تحت ضوء القمر ووسط ألحان موسيقى هادئة. مرت يدها فوق وجهه وقد امتلئت عيناها بالدموع ولا تزال صامتة. فيحدث أن يأتيك ما صبرت لنيله، فيكون ترحيبك به صامتًا ليس لانطفاء لهفتك نحوه، بل لأن الكلمات لا يمكنها أن تعبر عن فرط ما يعتليك من مشاعر. ثوانٍ ودقائق مرت وهما هكذا، حتى مرر يده يزيل دمعتها وهمس:
"عينيكِ حلوة أوي يا آية."
ابتسمت وخرجت عن صمتها وهي تميل برأسها تضعها فوق صدره وقالت ببكاء:
"روحي كانت بتروح من بعد ما عرفت اللي حصلك، حسيت الدنيا ضلمت ومبقتش عارفة إزاي آخد نفسي… رفعت رأسها تنظر له، سألته بخوف: كنت هعمل إيه لو حصلك حاجة، كنت هعيش إزاي يا طه؟"
ربت فوق كفها وقال بوهن:
"أنا بقيت كويس على فكرة."
قالت بعتاب مُحب:
"من كام ساعة بس كنت هتسبني، من كام ساعة بس أنا قلبي اتخلع مني ومرجعش غير لما فتحت عنيك دلوقتي."
ابتسم وأجاب:
"أنا جنبك لآخر يوم في عمري، حتى لو أنتِ عايزة تبعدي مش هسمحلك."
ابتسمت وخرجت من سحر لحظتهما وهي تجفف دموعها وسألت:
"أنت تعبان؟ في حاجة بتوجعك؟… هنادي الدكتور يشوفك."
وقبل أن تضغط الزر لاستدعاء أي أحد منهم، أوقفه قائلًا:
"أنا كويس مش محتاج حد."
ولكنها رفضت وهي تضغط على الزر:
"وأنا عايزك كويس دايمًا، بس الدكتور لازم يشوفك برضو."
بان تذمره فوق ملامحه، حتى سمعت طرق الطبيب. توجهت نحو الباب تفتحه فأوقفها قائلًا بضيق:
"غطي شعرك ده، مش ابن أختك اللي على الباب."
غطت بضيقٍ خصلاتها التي تمردت عن حجابها دون أن تشعر، ونظرت له تخبره:
"مخدتش بالي أكيد."
مرت خمس دقائق وقف فيها الطبيب يقوم بعمله، حتى ختم ما يفعله قائلًا:
"الحمد لله إحنا كنا فين وبقينا فين يا بطل، حمد الله على سلامتك."
هز رأسه دون رد على حديثه وسأل:
"هقدر أخرج أمتى؟"
تعجبت من سؤاله، وكذلك الطبيب الذي قال:
"إيه يا حضرة الظابط زهقت مننا بالسرعة دي ولا إيه."
فأجاب الأخر بجمود:
"مبحبش قعدة المستشفيات."
هز الأخر رأسه بعملية:
"مفيش مشكلة، شد حيلك بس أنت، وإن شاء الله لو في تحسن ممكن تخرج بعد أربع أو خمس أيام أسبوع بالكتير، بعد إذنكم."
ابتسمت له بامتنان وشكرته وهي تغلق خلفه الباب وتعود للراقد خلفها بتذمر:
"إيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي، وبعدين خروج إيه ده اللي بتتكلم فيه، أنت مكملتش ساعة فايق."
ولكنه ناطحها بغضب:
"أنتِ بتتكلمي مع الدكتور ده كده ليه؟"
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"بكلمه إزاي مش فاهمة، أنا عملت إيه؟!"
قال بنفس النبرة وقد ظهرت غيرته جلية على وجهه:
"بتضحكي وبتسمي وبتشكريه وبتوصليه للباب، مخترعش الذرة هو يعني؟"
وقفت تحملق فيه دون فهم لما يتفوه به، حتى وصلت لنقطة أنه يغار عليها. ابتسمت داخلها وهي تتقدم من تنظر لضمادة رأسه بتفحص وسخرت بقولها:
"هي الخبطة شغلت الجزء المسؤول عن المشاعر اللي في دماغك صح؟… إحنا لازم نشكر اللي كانوا السبب على كده."
تفاقمت حُمم غضبه وهو ينظر لها بإشتعال، بينما نظرت له عي مبتسمة وقالت بمكر:
"أنت غيران من الدكتور يا طهطوها؟"
امتعضت ملامحه لهذا اللقب الذي تفوهت به. هز رأسه موافقًا وقال:
"كنت غيران آه، بس بعد الاسم ده أنا ممكن أقوم أحدفك من البلكونة اللي هناك دي عادي."
ابتعدت ضاحكة وهي تغلق المصباح المجاور له وقالا بهدوء:
"أنت بقيت رغاي على فكرة، نام شوية يلا عشان متتعبش، ولأن بمجرد ما يتعرف إنك فقت مش هتعرف تغمض عينك من كتر الناس اللي هتيجي عشان تشوفك."
ابتعدت تتأكد من أن الباب مغلق بإحكام وتحررت من حجابها وجلست فوق الكرسي جواره دون حديث آخر، بينما هو كانت لا تزال شهوة الحديث لديه لم تشبع لذا قال بتذمر طفولي:
"أنا مش عايز أنام."
مرت دقيقة حتى قالت:
"أومال عايز إيه؟"
وقع في شر تذمره وهو لا يجد ما يطلبه، قال بهمس مراوغًا:
"احكي لي عنك شوية."
عقدت حاجبيها وهي تكذب ما سمعته، وقالت بضحك:
"ده بجد؟ أنت فاكر أنا مين طيب ولا إيه حكايتك؟ أنادي الدكتور؟"
همس بغضب سمعته:
"هتطلعني مجنون دلوقتي! يابنتي مرة واحدة اعملي اللي أقوله بدون اعتراض ورغي كتير."
اقتربت أكثر بكرسيها وسألته مجددًا:
"طيب أنت فاكرني بجد؟ إيه آخر حاجة فاكرها قبل الحادثة."
رفع حاجبه وقال بقوة:
"فاكر طه الأشعث."
ضحكت بخفة وهي تقول مطمئنة:
"كده أنا اطمنت عليك، عايز تعرف إيه بقي عني؟"
همس من جديد يغالب ألمه:
"ليه استحملتِ كل ده معايا؟ يعني أنتِ بنت جميلة جدًا، وشخصيتك قوية، أخلاقك، أدبك، ذكية، بتدخلي قلب أي حد يشوفك و…"
قاطع استرساله صوت قهقهتها الرقيقة المتعجبة، وهي تنظر له بعبث وسألت:
"ده أنت واقع خالص بقي."
تجهم وجهه:
"طيب جاوبي."
هزت كتفيها بشرود:
"تصدق إن أنا نفسي معرفش! فجأة لقيتني مع واحد صامت غامض معرفش عنه غير شوية معلومات لا تذكر، في الأول قولت شوية وهنتعود على بعض، بعدها قررت إنه خلاص أنا مش عايزة أكمل، بس… بس لما بابا قالي لو عايزاني أتدخل وأبلغه إنك عايزة تنفصلي قوليلي، حسيت إني متضايقة ومخنوقة وفي إحساس بالخوف جوايا رافض للفكرة، وإن أيوة أنا رافضة الوضع ده، لكن ده مش معناه إني عايزة ابعد للدرجة دي!"
صمتت فثار فضوله بقول:
"وبعدين، إيه برضو اللي يخليكِ تكملي."
قالت بهدوء:
"مبحبش أخد قرار وأنا مشتتة، كان لازم أقف على أرض صلبة وأفهم فيها مشاعري رايحة فين عشان أعرف هعمل إيه."
سأل بهدوء:
"وطلعت مشاعرك رايحة فين؟"
قامت تجلس فوق طرف الفراش:
"رايحة ناحية واحد كده عصبي شوية، وطباعه غريبة شويتين، وبيقول كلام حلو مرة كل فين وفين، وبيقول إنه بيحبني."
مال برأسه قليلًا واستطرق:
"وأنتِ بقي بتحبيه؟"
مررت يدها فوق كفه برقة وابتسمت:
"ماما سألتني نفس السؤال ده، عارف قولتلها إيه؟"
سأل بعينيه، فقالت وهي تدس يدها داخل كفه:
"مفيش حاجة ممكن تصبرني عليه كل الوقت ده غير إني بحبه."
مرت دقائق صامتة بينهما وكأنه يُمتع أذنيه باعترافها المُبطن. تكررت جملتها في قلبه ما جعل ابتسامة شحيحة تظهر فوق ملامح وجهه المليئة بالخدوش. بقيت تراقبه دون أي حديث، حتى همست برقة وهي تمرر يدها فوق إحدى كدماته وهمست:
"ممكن بقي ترتاح شوية؟"
رضخ أخيرًا لقولها وراح في نومه، حتى شق النهار طريقه في الأفق وملا ضوء الشمس الغرفة متسللًا من النافذة وداعب جفنيها، فحركت رأسها من فوق مسند الأريكة حينما سمعت صوت طرق خافت فوق باب الغرفة. عدلت ثيابها ووقفت خلف الباب تستعلم عن الطارق. أجاب أحد العساكر بالخارج:
"أنا عبد الله يا مدام في حد جاب بوكيه الورد ده لـ طه باشا ومشّي علطول."
قطبت جبينها بتعجب وهي تدير المقبض وتلتقط باقة الورود من الأخير، شكرته وأغلقت الباب من جديد وهي تنظر لما بيدها بتعجب. زمّت شفتيها بضيق وقد وصل عقلها لاستنتاج أنها من امرأة، فما من ضابط مثله سيرسل له هذه الباقة الرقيقة بهذه الألوان المبهجة. راحت وجاءت بأرجاء الغرفة بغضب وقد اشتعلت داخلها غيرتها بقسوة. ألقت الباقة فوق الطاولة الصغيرة فسقطت زجاجة المياه أرضًا. وضعت يدها فوق فمها وشهقت بخفوت وهي تنظر جهة الفراش.
رفرفت أهدابه بضيق وقد أزعجته الضوضاء. قال بضيق:
"إيه الدوشة دي؟"
لم تجبه، ولكنها جذبت باقة الزهور ورّمتها بين يديه وقالت بحنق شديد:
"اتفضل شوف مين الحلوة اللي بعتلك ورد على الصبح."
لم تنتظر جوابه بل دلفت لحمام الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة تحت دهشته. تنهد بكلل وهو يعبث بالزهور يبحث عن كارت الإهداء ليعلم هوية الراسل. التقط الورقة وفكها يمرر عيناه فوق ما دون فيها. قرأها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يزداد لديه شعور سلبي واحد تلو الآخر حتى كاد ينفجر. عاد يقرأها مجددًا وقد أظلمت عيناه بغضب:
"حبيت أكون أول واحد يقولك حمد الله على السلامة يا باشا، طلعت زي القطط بسبع أرواح، بس يا ترى المدام زيك؟ ولا هتودع من أول مرة؟"
رواية طائر النمنمة الفصل السابع 7 - بقلم ملك العارف
شق النهار طريقه في الأفق، وملا ضوء الشمس الغرفة متسللًا من النافذة وداعب جفنيها. فحركت رأسها من فوق مسند الأريكة حينما سمعت صوت طرق خافت فوق باب الغرفة. عدلت ثيابها ووقفت خلف الباب تستعلم عن الطارق.
أجاب أحد العساكر بالخارج:
"أنا عبد الله يا مدام، في حد جاب بوكية الورد ده لـ طه باشا ومشي علطول."
قطبت جبينها بتعجب وهي تدير المقبض وتلتقط باقة الورود من الأخير. شكرته وأغلقت الباب من جديد وهي تنظر لما بيدها بتعجب. زمت شفتيها بضيق، وقد وصل عقلها لاستنتاج أنها من امرأة. فما من ضابط مثله سيرسل له هذه الباقة الرقيقة بهذه الألوان المبهجة. راحت وجاءت بأرجاء الغرفة بغضب، واشتعلت داخلها غيرتها بقسوة. ألقت الباقة فوق الطاولة الصغيرة فسقطت زجاجة المياه أرضًا. وضعت يدها فوق فمها وشهقت بخفوت وهي تنظر جهة الفراش.
رفرفت أهدابه بضيق، وقد أزعجته الضوضاء. قال بضيق:
"إيه الدوشة دي؟"
لم تجبه، ولكنها جذبت باقة الزهور ورمتها بين يديه وقالت بحنق شديد:
"اتفضل شوف مين الحلوة اللي بعتالك ورد على الصبح."
لم تنتظر جوابه، بل دلفت لحمام الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة تحت دهشته. تنهد بكلل وهو يعبث بالزهور يبحث عن كارت الإهداء ليعلم هوية الراسل. التقط الورقة وفكها، يمرر عيناه فوق ما دون فيها. قرأها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يزداد لديه شعورًا سلبيًا واحدًا تلو الآخر حتى كاد ينفجر. عاد يقرأها مجددًا وقد أظلمت عيناه بغضب:
"حبيت أكون أول واحد يقولك حمد الله على السلامة يا باشا، طلعت زي القطط بسبع أرواح، بس يا ترى المدام زيك؟ ولا هتودع من أول مرة؟"
سبة نابية خرجت من بين شفتيه تزامنًا مع خروجها من المرحاض. نظرت له بتعجب من كم الغضب المتربع فوق ملامحه المتجهمة. حرك رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يبحث عن شيء. تركت غيرتها جانبًا وسألت بلامبالاة ظاهرية:
"بتدور على إيه؟"
أجاب بجمود وهو يحاول فتح الدرج بجانبه لكنه لم يستطع الوصول إليه، فقال:
"تليفوني فين؟"
تحركت نحو حقيبتها وأخرجته منها وذهبت به نحوه. التقطه منها وهنا لاحظ ضيقها المبالغ فيه. نفخ الهواء من فمه بصوت مرتفع وقال بحدة وهو يجذب يدها لتنظر له:
"الورد مش واحدة اللي بعتـاه، وسبق وقلت مش بخونك، لازمته إيه بقى أم البوز اللي انتِ مصدراه ليا ده؟"
سحبت يدها وقررت عدم الخوض في شجار صباحي معه. مهما كان الأمر، فهو مريض وليس بكامل عافيته، وجدال كهذا سيرهقه. فقالت وهي تبتعد:
"ولا بوز ولا غيره، شوف تليفونك وأنا هطلب الفطار عشان تاخد أدويتك."
عاد تركيزه ينصب على مهاتفة أمير ومحادثته بخصوص تلك الرسالة التي وصلته. ولكن شاشة هاتفه المكسورة وبطاريته الفارغة منعت هذا. ناداها من جديد يطلب:
"آية هاتي تليفونك."
سألت بتعجب:
"ليه؟"
هز رأسه بملل:
"أكيد مش هلعب جيمز، عايز أعمل مكالمة ضروري انجزي."
رفعت سبابتها بوجهه وقالت:
"أنت… أنت…"
ولكنه قاطعها مستعطفًا:
"أنا تعبان، وحاسس إن جسمي كله واجعني كأني لسه في العربية وهي مقلوبة بيا، فـ أرجوكي مش دلوقتي على الأقل."
تنهدت بضجر وأخرجت الهاتف من جيبها ووضعته بيده وذهبت خارج الغرفة. بينما نفض هو كل هذا عن رأسه وصب تركيزه على الاتصال بزوج أخته. انتظر الرد حتى أجاب أمير بصوتٍ بان فيه النعاس:
"خير يا آية محتاجة حاجة؟"
نسي ما كان سيخبره به وقال بغضب:
"آية حاف كده يلا، ده أنت نهارك مش معدي، تعالالي دلوقتي حالًا."
استفاق أمير من نعاسه، هتف بسعادة:
"يخرب عقلك أنت فوقت أمتى، أنا كنت جاي أطمن عليك أصلًا."
دقائق مرت حتى وصل للغرفة وجلس أمامه والفرحة تعلو وجهه لرؤيته بخير. دار بينهما حديث طويل ختمه طه بقوله:
"انسي يا أمير أنا مستحيل أوافق على حاجة زي دي."
سايسه الآخر يحاول إقناعه:
"يا طه الموضوع مفيهوش أي خطورة والله وأنا هأمن كل حاجة، وبعدين ده مجرد تخمين ممكن ميحصلش حاجة أصلًا، لكن لو نجحنا هنعرف نوقعه، وافق بس وثق فيا."
لكنه لم يقتنع وعلا صوته بالرفض:
"أنا قولت لأ، يعني لأ، وأقفل الكلام لحد كده."
هز الآخر رأسه بيأس. تزامن قوله الأخير مع دخول آية للغرفة بعدما جذبها الصوت المتعالي. قالت بتعجب:
"إنتو بتتخانقوا ولا إيه صوتكم عالي! لو سمحت يا أمير نأجل أي كلام دلوقتي لحد ما طه صحته تتحسن شوية."
هز الآخر رأسه مستحسنًا ونهض راحلًا. بينما نظرت له هي بضيق وضمت شفتيها تعبيرًا عن رفضها لتصرفه. قالت بمزاح:
"يعني أنا أجلت خناقة الورد عشان أنت تعبان، تروح تجيب أمير تتخانق معاه، طب والله عيب!"
ابتسامة شحيحة ارتسمت فوق وجهه ولكنه نظر بعيدًا محاولًا إخفائها.
ابتسمت بإنتشاء وهي تفتح نافذة الشاليه المطلة على البحر وتضم على كتفيها شالها الخفيف. أسندت يديها فوق السور، حادت ببصرها للنائم خلفها بملامح منبسطة ينام نومة محارب أنهى معركة طاحنة مع الحياة ونال منها جائزته الكبرى. غلف نظراتها دفء روحها، وحنان فؤادها، وحبها الغامر له. عادت تنظر للبحر أمامها. بقيت هكذا لدقيقتين حتى قررت الاقتراب أكثر من تلك الأمواج. لا مانع من إخباره بما مرت به في الفترة الماضية أو ربما إلقائه بالماء والرحيل بدونه. جلست فوق الرمال ورفعت ركبتيها تسند ذقنها فوقهما، وقد داعبت الأمواج أطراف قدميها. عادت بذاكرتها للأسابيع الماضية.
بالتحديد إلى غرفته بالمشفى حيث منذ علم الجميع بخبر الحادث وتوالت الزيارات إليه حتى امتلأت الغرفة بالكامل. كان طه يجلس فوق فراشه والضيق يعتليه بالكامل حيث أرهقته كثرة الحديث والتساؤلات حول كيفية حدوث هذا به، وعن صحته. نظر لتلك التي جلست مع زوجة أحد أصدقائه تتجاذب معها أطراف الحديث بكل سلاسة. أغمض عينيه وفتحها وقد أوقع نظره فوق ساعة الحائط يشعر وكأن العقارب لا تتحرك. ساعة والثانية مرت حتى انتهى موعد الزيارة ولم يبقَ سواها معه. ما أن ودعت والديها وأغلقت الباب خلفهما فاستدارت تفك غطاء رأسها متنهدة بإرهاق وقالت:
"يا الله، حاسة طاقتي الاجتماعية لشهر قدام استنزفت من كتر الكلام."
سخر منها بقوله:
"غريبة مع إن شكلك وأنتِ بتتكلمي ميقولش كده!"
جلست بجواره فوق الفراش كعادتها في هذا التوقيت في الأربع ليالي الماضية حيث تجلس إليه وتغوص معه في أحاديث كثيرة متفرقة منفصلة ومتصلة، ومتعددة لساعات طويلة. شغفه للحديث معها يجعل قلبها يطير فرحًا. تراقبه طيلة النهار وهو صامت دون حديث إلا من بضع كلمات مقتضبة مع الجميع وفي الليل يصبح درويشًا يغازلها، وينافس أفضل رواة القصص في سرده واسترساله وهو يحكي لها أمورًا عنه لا يعلمها أحد سواها. ابتسمت وقد استقرت في جلستها وأجابته:
"أكيد مش هرسم على وشي تكشيرة زيك كده في وش الناس اللي جاية تطمن عليك، حاول تخبيها شوية."
لم يتحدث فقالت هي:
"صحابك لُذاذ أوي بصراحة وزوجاتهم كمان لُطاف أوي، حاسة هنبقى صحاب أنا وهما، حتى بفكر نعزمهم كلهم في مرة عندنا وكده أنا بحب الأجواء دي جدًا."
رفض بقوله:
"حبيها ماشي، نعملها لاء."
تسألت:
"ليه؟ دول أصحابك على فكرة."
نظر بعينيها:
"أنتِ عارفة أنا مبحبش الدوشة والزحمة."
وافقته:
"ماشي بس دول مش زحمة، أنت أصحابك المقربين تقريبًا ٤ يعني مش هنعمل مهرجان، وبعدين يا حبيبي، اللمة الحلوة دي مش بتتعوض، وأكيد مش هنعيش في كهف وننعزل عن الناس."
قرر إنهاء الحديث فقال:
"بعدين نشوف الموضوع ده."
تقبلت تهربه وانتظرت منه قولًا جديدًا:
"أنا عايز أخرج بكرة على أخر اليوم إن شاء الله."
عارضته:
"أيوة يا طه بس أنت…"
قاطعها:
"بقيت كويس، كفاية بقى القعدة دي أنا حاسس إني متكتف، وبعدين نومتك على الكنبة دي مش نافعة."
ابتسمت:
"ياسيدي ملكش دعوة بيا، أهم حاجة عندي دلوقتي أنت تبقى كويس."
تنهد وأكد:
"يبقى نخرج من هنا، أنا هبقى كويس أكتر لما أمشي."
سألته بتذمر وهي تعقد ذراعيها وتشيح بوجهها عنه:
"عشان تاني يوم الصبح أقوم ألاقيك لابس ونازل الشغل صح؟"
ضحك بخفة وأمسك بكفها لتنظر له:
"لا مش صح، أصلًا أنا أجازة أسبوعين تقريبًا فـ قاعد على قلبك لحد ما تزهقي."
نظرت له بطرف عينيها وقالت:
"المية تكذب الغطاس."
نهضت تجذب الغطاء فوقه وتعدل من وسادته وقالت:
"يبقى يلا كفاية وارتاح شوية عشان نمشي بكرة."
تركته وتوجهت لأريكتها وتمددت فوقها وهي تطالع السقف كما كان حاله هو الآخر. مرت نصف ساعة صامت حتى همس هو:
"آية، نمتي؟"
ابتسمت وهي تجيبه:
"لا، صاحية."
اعتدلت بنومتها لتواجهه استعدادًا لجولة جديدة من الحديث.
انتقل فكرها لصباح اليوم التالي حينما نهضت من الأرض وبيدها سجادة الصلاة بعدما أدت فريضة الظهر. ناداها برفق بعدما حسم أمره فيما يؤرقه منذ حديثه مع أمير بعدما أفاق:
"تعالي يا آية."
جلست فوق طرف الفراش وعلى محياها بسمتها التي شعر في هذه اللحظة تحديدًا أنها أكثر مما يستحق. تنهد بنزق ولا يدري من أين يبدأ، حتى قال:
"عارفة أنا نفسي في إيه دلوقتي؟"
سألت بلهفة بانت في عينيها قبل قولها:
"إيه، قول."
قال بطريقة طفولية تعجبت منها كثيرًا:
"عايز آكل رز وبسلة من إيديكِ."
ضحكت بشدة غير مصدقة:
"يعني ده أقصى طموحك بجد؟"
لم يتحدث فهزت رأسها بموافقة وقالت بحب:
"من عيني حاضر، تخرج بالسلامة وأعملك أحلى بسلة ورز بالشعرية كمان."
هز رأسه بالنفي وقال:
"لا مش هستنى كل ده، أنتي تروحي دلوقتي تعمليه، وأنا أخر النهار هخرج وأمير هيوصلني للبيت."
بان الرفض في قولها:
"لا طبعًا أنا مش هخرج من هنا من غيرك."
مرت نصف ساعة بين جذب وشد من كليهما حتى كان هو المنتصر. رفع هاتفه يحادث أمير يطلب منه المجيء إليه ليوصلها للبيت بعدما تجهزت للخروج. وقفت أمامه بتحذير وقالت وهي ترفع سبابتها بوجهه:
"إياك يا طه تخرج قبل ما أجيلك، أنا هخلص اللي طلبته وأجي عشان نخلص إجراءات الخروج ونروح بيتنا ماشي؟"
هز رأسه بهدوء عجيب. تنازلت عن حدتها وجلست أمامه ونظرت لعمق عيناه، وسألت:
"أنت مش مخبي عليا حاجة صح؟ إحنا متفقين محدش يداري على التاني أي حاجة!"
توترت نظراته للحظة ولكنها تماسك وقال بثبات:
"مفيش حاجة، أنتِ متوترة على الفاضي على فكرة."
هزت رأسها ونهضت بهدوء:
"ماشي يا طه."
انتقلت ذاكرتها من جديد لنقطة بعينها حيث تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وفي المقدمة يجلس السائق، بعدما أصرت على أمير ألا يتحرك من جانب طه. حدثها يخبرها بأن شيئًا ما سيحدث يأكلها القلق عليه، ولكن ما لم تحسب حسابه هو أن الكرسي المجاور لها يتربع فوقه الخطر، وبادرت بوادره حينما عدل السائق وضع المرأة وأمسك الهاتف يجري مكالمة. لاحظت هي حركته وتركيزه على الطريق خلفهم. دارت بجسدها للخلف وداخلها يتمنى أن يكون ما بعقلها مجرد أوهام، ولكن لا خلفهم سيارة سوداء عملاقة يجلس بها ما يزيد عن أربعة رجال ولا يبدو على وجوههم الخير إطلاقًا. قفز القلق من قلبها لعيونها وبان في أنفاسها المتعالية. انتبهت على قول السائق:
"أمير باشا حصل اللي كنا متوقعينه، في عربية ماشية ورانا وللأسف أنا مش هقدر أتصرف لو وقفونا عددهم أكبر من إني أوقفهم، تمام ياباشا تمام."
أغلق الهاتف وصب تركيزه على محاولة تفادي هذه السيارة حتى زادت الطين بلة حينما أخرج أحدهم يده وبها سلاح ناري وأطلق عليهم. صرخت بهلع، حينما صاح من بالأمام فيها بقوة:
"أنزلي تحت بسرعة، ولو وقفونا متخرجيش من العربية نهائي مفهوم."
لا تعلم هل نزلت بإرادتها أم أنسياب أعصابها جعلها تنزلق دون وعي. بقيت ترتل آيات القرآن الكريم وبعض الدعوات التي تحفظها عن ظهر قلب، ودموعها تتسابق. لا تخشى الموت بقدر ما تخشى عليه هو. تعلم جيدًا بأنه لو أصابها مكروه لن يتحمله هو، ربما لا يتخطاه كما تخطى سابقته.
بينما على الجانب الآخر بالمشفى دلف أمير الغرفة ما أن تلقى مكالمة السائق قائلًا بعجالة:
"اللي توقعته حصل، هما لسه قريبين مننا، لازم أتحرك وهتابع معاك بال…"
توقفت الكلمة بفمه وهو يراه متجهزًا للخروج ويشد أجزاء سلاحه الناري ويضعه خلف ظهره متحاملًا على ألم ذراعه. نظر له مستنكرًا:
"وإيه؟ هتابع معاك بالتليفون؟ أنت واعي للكلام ده، مراتي بتتخطف وأنا هريح على السرير!"
وهكذا ها هما بالسيارة، وعلى حسب ما يشير جهاز التتبع فهما على مقربة كبيرة منهم. حاول كثيرًا الاتصال بها يطمئنها بأنه قادم إليها ولكنها لا تجيب. يعلم جيدًا أنها لا تريد أن يسمعها وهي خائفة. صوتها المرتعش سيمزق قلبه بالفعل، ولكن قلقه الأن يقتله. أكل الطريق أكلًا حتى لاحت أمامه السيارة على بعد قليل منه. بينما انطلقت طلقة غادرة منهم نحو إطارات السيارة جعلتها تنحرف للطريق الرملي وتتوقف. تقلصت المسافة بين سيارة المجرمين والسيارة المتوقفة. هبط منها ثلاثة رجال واقتربوا منها، ضرب أحدهم السائق بسلاحه فوق رأسه فسقط أرضًا وحاول الآخران فتح الباب الخلفي وسط صرخاتها المتعالية. كسر أحدهم زجاج النافذة فتناثرت أجزاء منه فوق وجهها، فتح الباب وما لبث أن يجذبها من السيارة إلا وكانت طلقة طه الأسرع وهي تستقر بذراعه. صرخ الرجل متألمًا، ولم يلحق أي من البقية فعل أي شيء حيث أكمل طه هجومه وهو يصوب نحو ظهر الآخر.
تحركت السيارة بمن فيها للهروب بينما حاول أمير ملاحقتها ولكنها زاغت منه فعاد إليهم. في حين فر الثالث هربًا حينما وجد السيارة قد ولت بعيدًا. أسرع طه خلفه، ولكن جسده الذي ليس في كامل لياقته المعتادة خذله بعض الشيء. توقف مصوبًا سلاحه ومطلقًا رصاصته في قدمه ليسقط أرضًا مثل البقية. غير وجهته مسرعًا نحو السيارة التي لازالت داخلها. تخطى ذلك الذي سقط أمام الباب وأدخل جسده كاملًا بالسيارة وجذبها نحوه يتفحصها بخوف وسط قوله المتكرر بذعر وهو يتفحص جرح جبينها النازف:
"أنتِ كويسة، فيكي حاجة، آية ردي عليا، حاسة بأي حاجة وجعاكي."
كان جوابها نوبة بكاء عنيفة وهي تدفن رأسها بصدره وتبكي من أعماق روحها. ضمها بقوة وأغمض عينيه بطمأنينة. قالت من بين بكائها:
"كنت فاكرة إنه خلاص كده خلصت، فكرت إني مش هشوفك تاني، كنت خايفة عليك أوي، كنت…"
امسك وجهها بين كفيه:
"ششش كل ده عدى خلاص، أنتِ بخير وأنا بخير ومفيش أي حد فينا حصلت له أي حاجة."
سألت بضياع:
"بجد، أنت بخير؟"
أعادها بين ذراعيه مؤكدًا:
"طول ما أنتِ بخير أنا بخير."
وصل الخبر في لمح البصر لوالدها. لازالت تذكر مشاجرته مع زوجها بغرفتها في المشفى بعدما أصر طه على الذهاب إلى هناك ليتأكد من أنها بخير تمامًا، خاصةً بعدما تبين جرحًا برأسها من أثر الزجاج المحطم. وقرر الطبيب تعليق بعض المحاليل لها حينما رأى الإصرار بعيني زوجها. لا تعلم ما دار بينهما من حوار خارج الغرفة، ولكن لأول مرة ترى والدها يتحدث بهذه العصبية المفرطة مع طه. تذكرت صياح والدها:
"الظاهر إني كنت غلطان لما وثقت فيك وسلمتك بنتي، فكرني كده أنا جوزتها ليك عشان إيه، عشان تصونها وتحافظ عليها، ولا عشان تعملها كبش فداء، وطعم للمجرمين."
لم يتحدث بقي محافظًا على صمته وهي تنظر له دون فهم. حاول أمير الدفاع عن صديقه مبررًا:
"يا عمي، حضرتك فاهم غلط، إحنا كنا مأمنين الوضع كويس، والموضوع عدى على خير من غير ما يحصل لحد حاجة."
هز والدها رأسه وقال بنزق:
"عندك حق الحمد لله المرة دي عدت، أنا اسكت وأستنى لما المرة الجاية يجيبهالي مقتـ.ـولة أي رأيك."
قال جملته الأخيرة وهو ينظر لعمق عينيه وكأنه يؤكد له انهيار ثقته فيه. ولكن لم يهتم، أشاح بوجهه ناحيتها يتأكد من سلامة المحلول. بينما تحدث أمير مجددًا يحاول منع مشكلة قد تحدث إذا طفح كيل صديقه:
"بعد الشر يا عمي أنا مقصدش كده، لكن ده شيء استثنائي مش كل يوم بيحصل، طه بيحب مراته وبيخاف عليها أكتر من نفسه ولولا إصراري عليه مكنش وافق، وبمجرد ما العربية اتحركت بيهم إحنا كنا وراها، حضرتك متأكد مليون في المية إن طه لو اتطلب الأمر هيفديها بروحه وده اللي خلاك توافق يتجوزوا، وأنا متأكد إن كلامك ده في ساعة غضب مش أكتر."
هنا فقط خرجت عن صمتها وسألت بصدمة بانت في نبرتها المبحوحة:
"أنت تقصد إيه بكلامك ده يا أمير إنه لولا إصرارك مكنش وافق؟ طه أنت كنت عارف؟ طب ليه مقولتش لي؟ ليه تخبوا عني حاجة زي دي، أنتم عارفين إني عشت أسوأ لحظات حياتي وأنا جوا العربية دي، سيبتوني القلق ينهش فيا من وقت ما قفلت باب أوضتك وخرجت لحد ما شوفتك عند العربية، رد عليا يا طه أنت بجد كنت عارف ومرتب كل ده مع أمير؟"
لا يزال صامتًا. صمته أصبح مثيرًا للاستفزاز لها ولوالدها أيضًا الذي ضرب كفًا بالأخر وصاح بغضب:
"طيب رد، اتكلم، دافع عن نفسك قول أي حاجة، أنا مش فاهم أنت ساكت كده ليه؟!"
وقبل أن يتفوه أمير بأي شيء أشار له بتحذير:
"أسكت يا أمير أسكت أنت، أنا عايزة أسمع منه هو، من جوز بنتي."
نقل نظره بينهما وقال بعدما أخرج تنهيدة توحي بثقل المشاعر التي عصفت به وثقل سؤالها المعلق دون إجابة. قال بتريث:
"معنديش رد حاليًا على أي كلام، المهم عندي دلوقتي مراتي تخلص المحلول اللي في إيدها ونروح على بيتنا، وقتها ممكن يبقى عندي حاجة أقولها وهيكون ليها هي."
هنا فقط ضحك والدها وبشدة مثيرًا تعجب ثلاثتهم حتى انتهائه. نظر له وقال بغضب عكس ما كان عليه:
"تروح معاك فين؟ أنت متخيل إني هأمنك عليها لدقيقة واحدة تاني، أنسي."
وقف طه واقترب منه خطوتين وقال بثبات:
"محدش يقدر ياخد مراتي غصب عني."
بينما اقترب منه هو الآخر حتى أصبح أمامه مباشرة وقال:
"لا أقدر، وقسما بربي يا طه آية ما هتخرج من هنا غير على بيت أبوها."
وقبل أن ينفجر توسطهما أمير وقال مهاودًا:
"يا جماعة مش كده، ممكن نهدأ شوية."
ابتعد كليهما للخلف. طرق أحدهم على الباب ومن ثم دلفت منه شهد ووالديها. بدد صوت شهد المرح الغضب المتربع فوق الوجوه وهي تدلف:
"إيه يا يويو مش معقول فيلم السرعة والغضب اللي أنتِ وطه دخلتونا فيه ده."
نظر لها أمير مبتسمًا وأفسح لها مجال للتقدم ناحية آية تعانقها:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟"
ابتسمت باصطناع:
"كويسة يا شهد."
اقترب منها البقية من أهل زوجها للاطمئنان عليها. ومن ثم نظر لها والدها بجمود:
"يلا يا آية المحلول خلص، ترتاحي في البيت أفضل."
وافقتـه شهد:
"عندك حق يا عمو، يلا يا أمير عشان نوصلهم."
ولكن قول فاروق الصارم أوقفها:
"آية هتروح معايا بيتي."
نظرت له والدة طه بتعجب:
"إيه الكلام ده، ما تقول حاجة يا عبد اللطيف!"
نظر عبد اللطيف لابنه وسأل:
"أنت مزعل مراتك ولا إيه يا طه؟"
أجاب أمير عن صمت صاحبه:
"ربنا ما يجيب زعل يا عمي…"
قاطعه فاروق منزعجًا:
"وبعدين معاك يا أمير هو أنت المتحدث الرسمي بتاعه ولا إيه، اسكت أنت خالص."
أدى أمير التحية العسكرية قائلًا:
"تمام يا افندم."
ابتسم الجميع على حركته، وأكملت شهد ملطفة وهي تغمز لزوجها:
"بقولكم إيه إحنا نطلع كلنا منها ونسيبهم هما يتصافوا سوا، أنتم قاعدين كاتمين أنفاسهم وهما ممكن يحلوا مشكلتهم بكلمتين وشكرًا، يلا نروح نشرب أي حاجة في الكافتيريا تحت ونرجع لهم."
وافق والديها وجذبت هي والد آية من يده للخارج بلطف فلم يملك شيئًا للرفض. أغلق الباب ومرت دقيقة كاملة ارتفع فيها صوت الصمت بينهما حيث رقص في زاوية الغرفة أمامهم. نهض من كرسيه وجلس فوق طرف الفراش دون حديث، ولم تتفوه هي سوى بـ:
"كل مرة بقول خلاص بقينا قريبين من بعض، ومفيش حواجز بيننا، بتعمل حاجة تكشفلي قد إيه إحنا بعيد أوي عن بعض."
راقبت تعابيره دون النظر لعيناه. تعلم تمام العلم بأنها لو نظرت داخلها فلن تتمكن من الحديث، لن تستطيع معاتبته. ولاحظ هو هذا، أدرك هروبها. حرك يده لتصافح وجهها وأدار رأسها لتتقابل عيناهما. عتاب صامت وألم. قابله بقصائد اعتذار مطولة ورجاء بأن تصفح عنه، أن تقترب وتسمح له أن يصلح ما اقترفه من خطأ. الألم بعينيه يخبرها بما كان يعانيه في الساعات الماضية، وكأن صدمته تعود للحياة بعدما انتهت. لذا قرر قلبها أن يضع العتاب جانبًا بشكل مؤقت، أن تحتضنه حتى يسكن، وبالفعل فردت ذراعيها تجذبه نحوها برقة، وانصاع هو كـ صغير وبخه استاذه وعاد لوالدته يشكو إليها. اتخذت رأسه موضعها المعتاد فوق كتفها، فأغمض عينيه متنهدًا براحة. شدد من عناقه لها وكأنها ستفر من بين يديه. بينما ربتت بيدها فوق ظهره مرارًا وتكرارًا وكأنها تزيل ما علق به من ألم.
مفقد يحدث أن تواجه الحياة مواجهة فارس شجاع، ولكن لابد لك في النهاية من ركن دافئ تطمئن به وتأمن فيه، أن ترخي سدولك جانبًا وتعانق الهدوء.
لا يعلم أي منهما كم مر من الوقت، فقط هي تربت فوق ظهره حتى شعرت بدموع تسقط منه وتُبلل كتفها. تعلمه لا يحب أن يراه أحدًا ضعيفًا، وإن كان يظهره لها فهو لن يقبل أن تنظر لهذا الضعف وجهًا لوجه، على الأقل في الوقت الراهن. تركت له المساحة الكاملة. ذهابه لذلك المعالج النفسي ساعده كثيرًا، والدليل الأكبر هو حالته الآن. إن جاء أحد في بداية زواجهما وأخبرها بأنهما سيعيشان هذه اللحظة في يوم من الأيام ما كانت لتصدقه مطلقًا.
ولكن هذا الرجل يدهشها كل يوم، دهشة تدغدغ قلبها، شعورٌ رائع بالتميز يغمرها. فهذا الرجل اليافع يُحبها، لا يعلم عن جانبه هذا سواها، لا يتعامل بطبيعته سوى معها. يخشاه الجميع بينما يمكنها هي الغضب في وجهه ومناطحته في الحديث. يتودد إليها في حزنها، يتحايل على أفعاله التي تثير حنقها حتى تصفح عنه. يُقدرها ويعطي اهتمامًا لمشاعرها فيضعها في أولوياته. كيف لها ألا تحبه، بل كيف لها أن تفترق عنه كما يقول ويرمي والدها بحديثه؟
وعلى ذكر والدها همست وهي ترفع يدها لتتغلغل أصابعها في شعره:
"طه لو سمحت بلاش مناهدة مع بابا، أنت عارف إنه تعبان والعصبية دي غلط على صحته."
تنهد وهو يرجع رأسه لتكون في مقابل وجهها وقال ببراءة مصطنعة:
"على فكرة أنا متكلمتش غير كلمة ونص، والدك هو اللي سايق فيا بكلامه وأنا عشان خاطرك أنتِ ساكت."
رفعت حاجبها بتعجب وقالت:
"طه أنت صمتك مستفز أكتر من ردك، فلو سمحت ترد عليه، بابا بيكره الحركة دي كره العمى، فـ بلاش الطريقة دي، وبلاش تزعل بابا وتخسره عشان إحنا الاتنين وجهين لعملة واحدة."
ابتعد عنها وقد أسند ذراعه جوارها فوق الفراش. رفع حاجبها متسائلًا:
"وده معناه إيه بقى إن شاء الله؟"
هزت كتفيها بلامبالاة قائلة:
"معناه اللي وصلك."
تبدلت نبرتها للجدية وهي تمسك كفه:
"طه ياريت تقدر إن أنا البنت الوحيدة لبابا، فـ لو خوف الأب على ولاده في العادي قيراط فـ بابا بيخاف عليا الـ 24، ومش بيستحمل عليا الهوا. أنا لحد دلوقتي مجبتش ليه سيرة عن الفترة اللي كنت طالبة فيها الطلاق، لإني عارفة أنه كان هيتصرف بشكل قاطع وينهي الموضوع في وقته، عشان خاطري متزعلهوش منك وتبوظ علاقتكم ببعض!"
تنهد وهو يربت فوق كفها وهز رأسه موافقًا. وقبل أن تضيف قولًا جديدًا، عاد والدها من الخارج وقال بجمود:
"مش يلا بينا يا آية ولا إيه؟"
هتفت مهاودة له برجاء:
"بابا لو سمحت، الكلام…"
قاطعه من جديد بقوله:
"يلا بينا يا آية."
قبل أن ترد، عاد البقية من الخارج. نظر طه لوالده ليتدخل. فهم الآخر بقول:
"يا فاروق مش كده، أنا مقدر إحساسك بس الولاد مش عايزين يسيبوا بعض، آية مش هتسيب جوزها وهو خارج من حادثة صعبة زي دي ولسه مبقاش في كامل صحته، ولا طه عايز مراته تبعد عنه بأي شكل من الأشكال، خليهم…"
ولكن لا فائدة، قاطعه من جديد بحزم:
"على رأسي من فوق كل الكلام ده، بس أنا حالف يمين ومش هنزله لو إيه يجري."
تدخل أمير ملاطفًا:
"مش مشكلة يا عمي نخلي طه يطلع كفارة ليك."
أجابه بهدوء:
"مش هكرر كلامي تاني على فكرة…"
لاحظت شهد ثورة أخيها من نظرات عينيه وقبضة يده المنكمشة بقوة فسارعت تقترح:
"خلاص يا أونكل آية هتروح معاك وحضرتك كمان تروح معاها، هي أكيد أعصابها تعبانة ومش هتقدر تعمل أي حاجة ليهم، ولا حتى طه، يبقى الحل الأنسب فعلًا يروحوا معاك."
وافقها أمير وقال مسرعًا لإنهاء هذا الجدال:
"فكرة هايلة، يلا يا طه هات آية وهستناك أنا وشهد في عربيتي، وحمايا وحماتي يروحوا على البيت وعمي قدامنا بعربيته."
لم يتحرك سوى شهد وأمير لتنفيذ ما قالاه. بينما نظر فاروق في أثرهما بتعجب وسأل:
"هما الاتنين دول على طول كده واخدينها جري."
ابتسمت والدة طه وهي تجيبه:
"وليه متقولش إنهم بياخدوا الأمور ببساطة عشان الدنيا مش مستاهلة."
رد بهدوء ورزانة:
"مش كل حاجة ينفع ناخدها ببساطة، في حاجات لازم ليها وقفة."
اقتربت من فراش آية تودعها وجادلته:
"ده من وجهة نظر حضرتك بس، هنمشي إحنا وبالليل هنعدي نطمن عليكي وعلى طه يا حبيبتي، خلوا بالكم من بعض."
رحلت برفقة زوجها. بينما تبادل ثلاثتهم النظرات في صمت حتى قال والدها مغلوبًا على أمره:
"يلا كفاية كده، هسبقكم وأنتم تعالوا مع أمير."
صفت سيارة أمير أمام منزل والد آية. دلف منها طه الذي ساعد آية للخروج وهم بالدخول برفقتها. ولكن أوقفه نداء أمير فعاد إليه. اخفض رأسه للنافذة يستمع نصيحته:
"مشي أمورك مع سيادة اللواء، ولما دنيتك تتظبط بالليل رنلي عشان في كلام كتير لازم تعرفه."
هز رأسه موافقًا وابتعد عن السيارة ليسمح له بالتحرك.
بينما خلفه استغلت آية ابتعاده وتمسكت بذراع والدها تطلب منه برفق:
"بابا لو سمحت بلاش تقول لماما حاجة بما إنها لسه معرفتش، مش عايزها تقلق."
هز رأسه بضيق وقال متفحصًا:
"مش عايزها تقلق، ولا مش عايزها تقلب على طه أفندي؟"
نظرت له برجاء:
"حبيبي أنا مقدرة خوفك عليا، بس قدر كمان إن طه خارج من حادثة كبيرة ولسه مبقاش كويس كفاية عشان نفضل نجادل معاه كل شوية. طه من وقت ما فاق مش بينام ساعتين على بعض من الصداع اللي شبه مش بيروح بسبب خبطة دماغه، فـ عشان خاطري كفاية عليه اللي عملته وقولته في المستشفى."
جاء في هذه اللحظة طه الذي أحاط كتفيها بذراعه الأيمن وقال برفق:
"يلا ندخل ولا إيه؟"
هزت رأسها موافقة وتقدم ثلاثتهم للداخل. جاءت والدتها من الداخل بترحاب شديد وتلقت كل منهما بين ذراعيها تطمئن عليهما، حتى انتهى بهما الأمر في غرفة آية بعد تناول العشاء مع عائلتها. انتهى طه من تبديل ثيابه بأخرى بيتيه مريحة اقترضها من والد زوجته. توجه نحو الفراش بجوارها. وجلس مسندًا ظهره فوق ظهره ونظر لها بابتسامة طفيفة. بادلته النظرة ذاتها دون أي ردة فعل حتى قبضت فوق كفه وقالت برقة:
"قول اللي عايز تقوله يا طه، مستني إيه، أنا جنبك، وسمعاك، اتكلم."
اعتدل في جلسته ليواجهها وفعلت هي بالمثل، ليبدأ:
"أنتِ مش ممكن تتخيلي غلاوتك في قلبي زادت قد إيه لما أجلتي أي عتاب ممكن يتقال وحضنتيني وبس، أنا في حياتي محدش فهمني قدك يا آية."
تنهد بثقل وشرع في سرد تفاصيل ما دار بينه هو وأمير من اتفاق:
"فاكرة الورد اللي جالي في المستشفى، كان مبعوت من اللي دبروا ليا الحادثة، وفيها تهديد مبطن إنهم هيأذوكي. كلمت أمير اللي عرفني إن الحادثة فعلًا بفعل فاعل واقترح فكرة إنك تخرجي من المستشفى وحدك عشان يظهروا ونشوف هيعملوا إيه ووقتها يتقبض عليهم متلبسين ونعرف مين اللي عايز ينتقم مني، أنا رفضت طبعًا زي ما شوفتينا واحنا في المستشفى."
بسط كفه أمامها ونظر لعينيها. أبصر قلبها لطلبه فسبح كفها بمحيط كفه بطمأنينة. أغلق عليه بقوة وأكمل بهدوء:
"يوم ما خدتك من والدك أخدت عهد على نفسي إني أحميكِ بروحي مهما يحصل، موافقتي على اللي حصل ده كله كانت عشان حياتنا الجاية كلها، عشان أحس بإني متطمن عليكي ولو شوية. لحظة ما اتحركت العربية بيكِ من قدام المستشفى فـ أنا كنت في لحظتها وراكي، ده اللي عايزك تتأكدي منه، أنتِ مصدقة كلامي ده صح، أنتِ عارفة إنك لو طلبتي مني عمري دلوقتي هقدمهولك وأنا راضي؟"
ابتسمت وهزت رأسها بتأكيد. رفعت كفها الآخر لتضعه فوق صدره وقالت:
"عارفة ومتأكدة، عشان واثقة إني موجودة هنا، وليا مكان كبير فيه."
امسك كفها ومال يقبله وأكد:
"القلب ومفاتيحه كلهم بتوعك يا آية."
ابتسمت وسألت بهدوء:
"طيب مين الناس دول يا طه، أنت شاكك في حد معين؟"
هز رأسه موافقًا:
"بنسبة كبيرة أيوة شاكك، بس لسه التحريات شغالة."
أرجع جسدها للوراء حتى استقر ظهرها فوق الفراش، جذب الغطاء الخفيف فوقها وسط استسلامها التام وابتسامتها المتعجبة. قال بهدوء:
"اليوم النهاردة كان طويل وصعب، ارتاحي شوية عشان نهرب بدري قبل ما أبوكي يصحي."
اختتم جملته الأخيرة بغمزة من عينيه، فضحكت بقوة غير مصدقة ما جعله يسرع بغلق فمها برفق وهمس محذرًا:
"هشش بدل ما يسمعك ويجي يقولي أنت طابق أنفاسها كده ليه، البنت تعبانة."
هزت رأسها موافقة وهي تنظر له ببراءة وعينيها تصرخ ضاحكة على تصرفاته. ما كاد ينهض من جانبها فامسكت به تسأل:
"رايح فين، مش هتنام، على فكرة أنت كمان تعبان أكتر مني."
قال موافقًا:
"تليفون مهم لازم أعمله وراجعلك أرتاحي."
عاد للداخل وتقدم نحو الفراش يبسط جسده فوقه بهدوء حتى لا يوقظها. استند على جانبه ليطالعها وحدثته نفسه متسائلة بحزن:
"ياترى الدنيا مش عايزة تصفي لينا سوا ليه، معقول ممكن تتأذي بسبب شغلي أنتِ كمان؟ ولا ده عقاب من ربنا عشان أنا مكنتش مقدر نعمة وجودك؟"
وعند سؤاله الأخير أخذه سلطان النوم لعالم آخر. ما انقلب الليل لنهار إلا وكان كليهما على أهبة الاستعداد للمغادرة. كانت تتحرك بخفة بالغرفة تلملم متعلقاتها الشخصية وهي تنظر له خفية وهو يلف ساعته حول معصمه وسط انعقاد حاجبيه وكأنه يتشاجر مع الأفكار بعقله. وقفت أمامه ودفعته للخلف قليلًا بمشاكسة لتتأكد من سلامة حجابها وثيابها. بينما نظر هو لها في المرأة رافعًا حاجبه الأيسر فقالت مبررة:
"أعملك إيه بقالك ساعة واقف وأنا عايزة أشوف الطرحة مظبوطة ولا لاء."
نظر لساعته وقال بهدوء وهو يتوجه للباب:
"طب يلا قبل ما حد يصحي مش ناقصة عطلة على الصبح."
جذبت حقيبتها ولحقت به. أغلق الباب خلفها دون إحداث صوت ومن باب غرفتها لباب سيارة الأجرة التي طلبها استقر كليهما وتحركت السيارة نحو العنوان المنشود. نظرت له بحماس وقالت وكأنها فتاة مراهقة هربت من البيت خلسة مع حبيبها:
"يا ربي مش مصدقة إننا خلعنا من غير ما نتمسك."
نمت بسمة ثقيلة فوق ملامحه وقال:
"أدفع نص عمري وأشوف ردة فعل أبوكِ لما يصحي."
نكزته بخفة:
"قلتلك متحطش بابا في دماغك عشان هزعلك مني."
لم يجبها وبقي على صمته حتى صف السائق سيارته أمام مدخل البناية. هبط كلاهما بعدما ناول السائق نقوده وشكره. انفرج باب المصعد في طابق شقتهما. أشار لها بالخروج فتقدمت أمامه ووقفت أمام الباب أعطته مفاتيحها وسمحت له بفتح الباب وسبقته بالدخول تفعل كما اعتادت تفتح النوافذ وتشغل المذياع. اقتربت منه تسأله:
"جعان، هعملنا فطار سريع…"
ولكنها سرعان ما ضربت رأسها بتذكر:
"مش عارفة في حاجة تتاكل ولا لاء، من وقت الحادثة مدخلتش هنا."
ربت فوق كتفها وقال برفق:
"شهد وأمير جابوا حاجات امبارح وسابوها جوا هتلاقي كل اللي تحتاجيه، بس أنا مش جعان متتعبيش نفسك تعالي ننام ساعتين كمان عشان أنا تعبان."
أنهى جملته وسبقها للداخل ليبدل ثيابه. مرت سبابتها فوق شفتيها بتفكير، وقالت:
"مش جعان ودي ممكن نعديها، لكن عايز تنام ساعتين وأنت قايل 15 ألف مرة إنك مش بتنام بالنهار كده يبقى في حاجة."
تقدمت خلفه. مر نصف ساعة انتهى فيه من أخذ حمام دافئ وتبديل ثيابه وفعلت هي المثل وتدثرت بالفراش وهي تنظر له ينهي تمشيط شعره. ابتسمت بسعادة وقالت:
"مش معقول إن مجرد اللحظات دي تكون نعمة مش حاسين بيها، ووجودنا أصلًا في البيت وإحنا بنعمل أي حاجة روتينية ده في حد ذاته نعمة كبيرة أوي، النوم في سريري وهدوم البيت دي، سبحان الله كنت بشوفها عادي وحق مكتسب، بس طلع إنها ممكن تتسلب مننا في ثانية، الحمد لله على كل النعم البسيطة دي اللي مش بنحس بقيمتها غير كل فين وفين."
ألقى فرشاة الشعر واقترب منها ما إن رآه يأتي نحو جهة نومها فأعتدلت قليلًا. جلس قبالتها وقال:
"أنا برضو مكنتش حاسس بقيمة نعمة وجودك وكنت شايف إنه حق مكتسب لحد ما في لحظة لقيتك طالبة الطلاق، مش عارف أشوفك بعد ما كنتي بداية يومي ونهايته، ومبقيتش عارف أقعد معاكي ولا أسمع كلامك العشوائي الكتير ومواضيعك المتعددة، كل دي حاجات كنت بشوفها عادي، بل في الأول كنت مجبر عليها، كنت غبي لدرجة متتوصفش يعني."
أنهى قوله ببسمة ساخرة وهو يحك مؤخرة عنقه. قالت وهي تنظر له مبتسمة:
"وأنا كفاية يعوضني عن كل اللي فات نظرتك للأمور اللي اتغيرت وبقيت شايف وجودي نعمة بدل ما يكون نقمة."
أفسحت له المجال ليشاركها الفراش. مد ذراعه ليكون وسادتها وجذبها نحوه برفق حتى توسطت قلبه ويديه. نظر بعينيها الساحرة تحت إضاءة الغرفة المظلمة إلا من أشعة الشمس التي تسللت من خلف الستائر. طبع قبلة فوق جبينها وقال بصدق:
"أنتِ أكبر نعمة في حياتي."
ابتسمت وهي تغمض عينيها وشعور عجيب بالطمأنينة غمرها كليًا لتلصق جسدها بقربه أكثر تتأكد من وجوده. نصف ساعة مرت في هدوء حتى شعرت به يسحب نفسه من جوارها بمهارة حتى لا تشعر حيث ظنها غافية ولكن خاب ظنه وهي تسأله بتقرير:
"رايح فين يا طه؟"
برقت عيناه وبانت صدمته ولم يحاول إخفائها في سؤال:
"أنتِ لسه صاحية بجد، كده أنتِ عايزة النهار بطوله؟!"
ضحكت وهي تقترب منه المسافة التي ابتعدها، وقالت:
"أنت فاكرني ست مغفلة ولا إيه، خليك صريح وتعالي دغري وقولي رايح فين."
أرجع كتفيها للخلف وقال بضحكة خفيفة:
"اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟"
قهقهت هي بالمثل، حتى قرر هو القول:
"نازل الشغل."
انتظرت منه البقية ولكنه صمت فسألت:
"و وبس…نازل الشغل وبس؟ هو ده اللي مفيش شغل أسبوعين تلاتة؟"
حاورها برفق:
"أكيد يا حبيبتي الإجازة مش قبل ما القضية دي تتقفل واللي عمل كده يتحاسب، المفروض كنت هوصلك وأمشي على طول بس مكنتش عايزك تزعلي فطلعت معاكي، بس راح عن بالي الحس الأمني اللي عندك."
ضحكت وهي تبتعد عن الفراش وأخبرته بذلة لسانه:
"عشان يا حضرة الظابط مينفعش تكون مأكد ليا معلومة إنك مش بتعرف تنام الصبح، وتقولي يلا ننام، اعقلوا الكلمة."
هز رأسه بإقتناع وهو يخرج ثوبه يضعه فوق الفراش وقد شرع في ارتدائه وقال ممازحًا:
"القضية الجاية لازم تبقى معايا."
فاقت من ذكرياتها حينما شعرت به يجلس خلفها ويحيطها بذراعيه وقد أسند رأسه فوق كتفها. ابتسمت له ولملامحه الناعسة. سأل بنبرة يغلفها النوم:
"إيه اللي قومك من جنبي بدري كده؟"
ابتسمت بحزن مصطنع:
"عادي، افتكرت إننا خلاص راجعين بالليل فقولت أشبع شوية من البحر."
أصدر صوتًا بالنفي وهو يديرها قليلًا نحوه:
"تؤ، المفروض تشبعي مني مش من البحر على فكرة."
ضحكت بخفة وهي تنصب طولها وتجذب ذراعه ليفعل المثل وقالت:
"بس أنا مش هشبع منك ولو بعد 100 سنة، تعال نتمشى شوية."
ولكنه لم يتزحزح وقال بنبرة مغوية:
"طب ما تيجي نرجع الشاليه؟"
هربت من بين يديه قبل أن يقبض عليها وركضت مبتعدة لمسافة قصيرة تشاكسه:
"أنا غيرت رأيي على فكرة وشبعت منك، حاليًا عايزة أشبع من البحر."
اغدقت ساقيها بالمياه وهي تسير بمفردها بينما وقف هو بالخلف مغتاظًا حتى تقدم منها وحملها وسار بها داخل المياه أكثر فأكثر وسط صخب ضحكها وتحذيراتها الواهية. ولكنه لم يستمع لها وقال بصوت مرتفع:
"أنا هخليكي تشبعي من البحر ومية البحر يا حبيبة قلبي."
أنهى جملته ومد ذراعيه ملقيًا إياها بقوة، فجذبتها المياه لأسفل لثوانٍ حتى أخرجت رأسها تتخذ أنفاسها وسط صدمتها من فعلته هذه. دفعت بيدها فوق المياه بقوة لتصيبه وسط قولها المتذمر:
"أنت أي هزار العساكر بتاعك ده بجد، مخوفتش أغرق ولا الموج يسحبني لبعيد؟!"
لم يفعل شيئًا ردًا على فعلها ولكنه قفز مقتربًا منها. لم تسمح له بالدنو منها حيث أخذت تدفعه وتضرب بيديها المياه تعيق اقترابه حتى قرر أن يجذبها من قدميها لتخمد. ثورتها ولكن حركاتها العشوائية جعلتها تلطم وجهه بقدمها. شهقت ما إن أدركت فعلتها وسارعت بالسباحة مبتعدة عنه تعود للشاطئ وصوت ضحكها يجلجل في الأرجاء وهي تستلقي فوق الرمال حتى خرج هو وعلى وجهه علامات الغضب الدفين. ما زاد من ضحكها وهي تراه يستلقي مثلها متمتمًا بتذمر وما لبث أن اعتدل وقال:
"عارفة لو حد غيرك عمل كده؟ مكنتش سيبته يخرج من المية غير غرقان."
اعتدلت تنفض حبات الرمل عن شعرها وعن كتفيه وهي تخبره بأدب:
"حقك على عيني يا حبيبي، والله مكنش قصدي، وبعدين اعتبرها رد على رميك ليا يبقى كده واحدة بواحدة وخالصين."
زاد الغضب في عينيه فنهضت من أمامه تهرول للداخل:
"تصدق أنا غلطانة، قوم نرجع دلوقتي لحسن أنا خلاص كده مش قادرة."
انبثقت ابتسامة شقية من جانب فمه وقد نال ما أراده وهو أن تعود للداخل بإرادتها فنهض ينفض عنه بعض الرمال وأسرع خلفها هامسًا بتسلية:
"استعنا على الشقي بالله."
بعد مرور عامين.
خرج كليهما من عيادة الطبيبة النسائية والشرر يتطاير من عينيه والغضب يقفز من حركاتها وملامح وجهه المكفهرة حتى دلفا للسيارة في صمت لم يخلو من صوت غضبه وصدمتها. نظرت له تحاول الاقتناع بأن غضبه ليس سوى من كون حملها جاء بوقت غير مناسب ليس إلا، وألا يكون لا يريد الإنجاب منـ… قاطع أفكارها سؤالها الغير مصدق بصوت هز السيارة:
"أنا عايز أفهم إزاي ده حصل، إحنا اتفقناش على كده يا آية!"
ودت لو تبكي بصوت مرتفع، أن تصرخ بوجهه، أنا تتركه وتعود للبيت بمفردها ولكنها أثرت أن تتمسك هي بلجام العقل، أن تفعل كما اعتادت معه، تبتلع غضبه بتريث، حتى يهدأ ويعود معتذرًا عما فعله. امسكت كفه برفق وقالت:
"حبيبي إرادة ربنا فوق كل شيء مهما عملنا اللي ربنا رايده هيكون، وبعدين ده رزق من ربنا لينا نرفضه ونقول مش عايزينه؟!"
قال وهو يجز فوق أسنانه:
"متدخليش من الحتة دي عشان مش هتجيب نتيجة، آه ربنا قادر على كل شيء بس في أسباب زي إن سيادتك مأخدتيش الحبوب سواء بقى قصدة أو ناسيه."
جادلته برفق:
"ولنفترض ده حصل، هنعمل إيه يعني؟ ده أمر واقع ولازم نقبله، قول الحمد لله."
حك رأسه بغضب وعض شفته السفلية:
"وناسية إن الواقع وقواقعك إن في اتنين في البيت مكملوش السنة لسه؟ واخدة بالك إن أنتِ أصلًا جسمك لسه مأخدش هدنة من الحمل والولادة والرضاعة بتوع الولدين؟ أنتِ إزاي تهملي حاجة زي دي يا آية، فهميني إزاي؟"
اعتدلت في كرسيها تنظر أمامها ولم تقل سوى:
"أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم فلو سمحت أجل أي كلام لبعدين وروحني."
ضرب المقود بيديه يفرغ غضبه وأدار محرك السيارة عائدًا للمنزل. كان ينظر لها بين الدقيقة والأخرى يلمح دموعها التي تجففها سرًا كي لا يرى، لكن قلبه يشعر بها وبحزنها. توقفت السيارة أسفل البناية وقبل أن يتفوه بأي شيء أسرعت تدلف منها وتتقدم نحو المدخل مسرعة. لحق بها بعد قليل من الوقت استعاد فيه هدوءه الهارب منه. أغلق باب الشقة خلفه متعجبًا من الهدوء حوله ونظافة المكان أيضًا. ترك مفاتيحه فوق المنضدة وتوجه نحو غرفة أبنائه فوجدها تجاورهما الفراش تمسح فوق رأس أحدهما وتقبل وجنة الآخر وتقاوم بكائها من جديد. أشار لها لتلحق به بالخارج. وقف أمام الباب ينتظرها حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. قبل أن ينطق أي منهما جائت السيدة التي تساعدها في أعمال البيت من المطبخ وهي تجفف يديها وقالت:
"آية يا حبيبتي، أنا خلصت كل حاجة خلاص، أحضرلكم حاجة خفيفة تتعشوا؟"
حادت ببصرها نحوه تسأل بعينيها فأشار لها بالرفض:
"لا يا أم بلال متتعبيش نفسك، أنا كلمت السواق وهو زمانه جاي عشان تروحي، وبكرة بإذن الله خديه أجازة عشان ولادك اللي جايين من السفر."
ولكن المرأة رفضت:
"وأسيبك مع القرود الصغننين دول لوحدك لا مقدرش، ولادي قاعدين يومين تلاتة مش هيحصل حاجة لو جيت بكرة ساعتين حتى."
أجابتها:
"يا حبيبتي مالوش لازمة تتعبي نفسك، أنا هتصرف متقلقيش هو أنا ورايا غيرهم."
استمر الجدال بينهما حتى وصل السائق ورحلت برفقته بعدما انتصرت آية. دلفت للغرفة فوجدته لازال ينتظرها وكأنه يصر على إكمال الحديث الذي قطعته هي.
قالت وهي تتوجه للحمام:
"لو سمحت يا طه خلينا نتكلم الصبح أنا مش قادرة والله."
ولكنه عاقب تقدمها بوقوفه أمامها وقوله بندم:
"أنا آسف."
عادت الدموع لعينيها وعاد صوت صراخه عليها يتردد بأذنيها، وأمام حالتها هذه احتضنها ليجدها وقد استسلمت للبـكاء وعاتبته بقولها:
"متأخر أوي الحضن ده يا طه، كنت مستنياه من وقت ما كنا في العيادة، مكنتش متخيلة إنك هتقسى عليا كده."
مرر كفه فوق رأسها برفق:
"حقك عليا والله، مش هتتكرر تاني، أنا آسف، بس مكنش مسيطر عليا غير إحساسي بالصدمة."
لم تنتبه لما يقول اكتفت بالانخراط في نوبة بكائها دون توقف، ولم يقاطعها هو، بل جذبها لتجلس فوق الأريكة وجلس هو الآخر وجذب رأسها لتستقر فوق كتفه وأحاط كتفها بذراعه.
قالت من بين دموعها:
"أنت متخيل إني عملت ده عن قصد وجايب اللوم كله عليا، هو الحمل ده بإيدي وحدي يعني؟"
ابتسم بخفة وهو يحك أنفه برفق، بينما أكملت وهي تحاول إخماد شهقاتها:
"وبعدين أنا باخد الحبوب بانتظام على فكرة، وعارفة إن الولاد لسه في مرحلة صعب أشغل عنهم بحاجة تانية، وإن الحمل هيكون صعب عليا، وإني كمان ممكن أضطر أفطمهم بدري، بس لازم تعرف كمان إن أنا معملتش ده قصد، أنا أصلًا كنت بفكر إن كفاية اتنين ومنخلفش تاني، وبعد ردة فعلك دي فـ أتأكد فعلًا مش هكررها تاني وكفاية لحد كده."
رد مستنكرًا قولها الأخير:
"هو إيه ده اللي كفاية لحد كده، أنا عايزة نخلف تاني وتالت وعاشر، بس بالعقل، زي ما عايز ولاد كتير فـ أنا مش مستغني عنك وتهمني صحتك قبل أي حاجة تاني، وعصبيتي كانت عشان كده قبل أي حاجة تانية، خايف تتعبي أو تحصلك مضاعفات مع الوقت، لكن أنا بحبك يا آية، ويابختي إن ولادي أنتِ أمهم."
رفعت رأسها تسأله وهي تمسح دمعاتها:
"بجد؟ يعني أنت مش ندمان؟ أو بتفكر ننزل البيبي؟"
رفع حاجبه بغيظ:
"مش هرد عليكي والله، ربنا يشفيكي."
سألت مجددًا بنبرة تهدد بنوبة بكاء جديدة:
"يا طه بجد أنت مش زعلان طيب، أو…"
قاطعها بصدق وهو يحيط وجهها بكفيه:
"والله لأ، ليه بتقولي كده، ما أنا فهمتك سبب عصبيتي ووضحت لك الأمور."
هزت رأسها بإطمئنان ونظرت له ببرأة:
"تفتكر هيطلع ولد ولا بنت؟"
رفع كتفيه بحيرة:
"مش عارف بس أنا نفسي تكون بنت، وتبقى شبهك في كل حاجة، هادية وعاقلة، وبتخطف قلبي بكلامها وضحكتها."
ولكنها خالفته الرأي:
"بس أنا نفسي يطلع ولد."
نهض يفك أزرار قميصه وعارضها:
"ده على أساس إن ريان وحسن دول قرود ولا إيه؟"
تقدمت منه وقالت:
"لا بس لو بنت فـ فرق السن بينهم هيكون صغير، وأنا مش عايزة كده؟"
أغلق ضلفة الدولاب بعدما ارتدى ثيابه واستدار لها:
"أشمعنا يعني؟"
قالت ببساطة وهي تنهي تبديل ثيابها هي الأخرى:
"عشان لما البنت بتكون أصغرهم والفرق بينهم كبير بتبقى دلوعة أخواتها، وبيدوها حب أكتر بكتير من لما تبقى قريبة منهم لأن شعورها هي بالمسؤولية تجاههم بيكون أكبر بكتير."
ابتسم:
"وجهة نظر تحترم وكل حاجة، بس أبوها موجود وفي كل الأحوال هديها كل الحب اللي ممكن تحتاجه، فـ متقلقيش."
جلست فوق الفراش وقالت معترضة:
"والله، ولما تدي الهانم كل الحب، أنا مين يحبني ويهتم بيا؟!"
جلس في الجانب الآخر وقال ببساطة:
"هحبكم سوا، متقلقيش."
ولكنها رفضت:
"لا أنا مش موافقة وخد بالك أنا غيرتي وحشة!"
اقترب منها وهو يجذبها إليه لتستند فوق صدره وسأل مهاودًا لتقلباتها المزاجية:
"يعني عايزني أعمل إيه؟"
لانت نبرتها لقربه المحبب وقالت:
"حبني وحدي، ومحدش غيري يكون ليه مكان في قلبي."
نظر لعينيها بتأكيد:
"طب ومين قال إن في غيرك في قلبي يا يويو؟!"
وأعلم يا عزيز فؤادي بأنه وإن كان في الحياة متسع للاعتراف بالحب في كل دقيقة لما توقفت عن فعلها حتى الدقيقة الأخيرة من عمري.
في الصباح الباكر استيقظ على كف صغير "حسن" يصفعه على وجهه بقوة. اعتدل في نومته ليواجهه وقال بابتسامة واسعة:
"طيب يا ابن الناس يا متربي خلاص صحيت، أمك فين؟"
نهض وحمله بين ذراعيه يتبع ضوضاء صغيره الثاني "ريان" الذي لا يكف عن البكاء وصياح زوجته الدائم منه. ما أن رآه جلست فوق كرسيها بإرهاق وقالت:
"طه بجد تعالي شوف ابنك من وقت ما صحي مش مبطل زن تعب أعصابي والله."
أجلس حسن في مقعده وحمل المشاغب الآخر وتوجه للحوض يغسل له وجهه وكفيه من بقايا الطعام التي لطخ بها نفسه. جذب منديلًا يجفف به بقايا المياه وهو يداعبه فضحك له الصغير، ما أثار تعجبها وهي تتحدث بتبرم:
"طلع عين أهلي من الصبح ودلوقتي بيضحك لأبوه، أنا الواد ده مش ابني، أنا خلفت رينو وبس."
وضعه في كرسيه ومال إليها يقبل رأسها:
"صباح الورد، على القمر الغضبان."
ابتسمت له بحنان وقالت:
"صباح الخير يا حبيبي، اقعد افطر ودقيقتين والقهوة هتكون جاهزة."
جلس أربعتهم لتناول الفطور وسط ضحك الطفلين وحديثهما الصباحي المعتاد. كان يطالع ثلاثتهم بعين تفيض بالمحبة وأخرى تفيض بالشكر والعرفان لله الذي منحه فرصة أخرى ليحيا هذه الحياة الدافئة، والتي لا تخلو من الشجارات والصدامات مع زوجته، ولكن مادام الحب بينهما فالأمر ينتهي كله في ثوانٍ معدودات. تذكر يوم علم منها بخبر حملها، كان شعورًا لم يملك الجرأة حتى ليحلم به. انتقل بذاكرته ليوم الولادة، كاد أن يموت قلقًا خارج غرفة العمليات وهو ينتظر خروجهم منها بخير. لا يمكنه نسيان قول الطبيبة بأن الولادة متعسرة وأنها تحاول بذل أقصى جهدها لإنقاذ الأم وطفليها. مشهد آخر وهو يحمل الصغيران بذراعيه لأول مرة، تلك كانت من المرات القليلة التي شعر فيها بقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه فرحًا. عام كامل مليء بصوت هذان الملاكان وبتصرفاتهما العجيبة، وثلاثة أعوام برفقة هذه المرأة المذهلة كلمة منها تساوي الدنيا بما فيها، ودمعة منها قادرة على جعله يهدم هذه الدنيا وما فيها. وحدها القادرة على إخماد غضبه، إذهاب ضيقه.
كان يطالعها محدثًا نفسه "وما كنت أدري شفاءًا لعللِ فؤادي سوى الارتواء من رحيق أزهارك."
مشهد أخير مر أمام عينيه، زيارة الطبيبة، حديثهما بعد مغادرة العيادة وحديثهما الأخير قبل النوم. انتفض بجلسته وهو يسند قهوته فوق الطاولة ويسألها وكأن عقله لازال غير مدرك للأمر:
"آية، أنت حامل بجد ولا أنا كنت بحلم؟"
نظرت لهيئته والصدمة على ملامحه وما لبثت أن انفجرت بالضحك ما جعله يتأكد بأنه حقيقة. تدارك صدمته ليشاركها الضحك وسط متابعة الصغيران لهما بتعجب.
"كأن وجودك كان شفاء من كل أحزاني، بقربك ابتسمت لي الحياة، وبجوارك أشرقت روحي، وكأن وجودك هو الملاذ الذي أرمي فيه هربًا من كل هم، وكأنك الهواء والهوى والداء والدواء."
النهاية
تمت بحمد الله