"حور" قالت بصدمة وهي تنظر إلى "رحمة":
_ أيوه، خطوبتك!! لا أنا مش هسمحلكم تعملوا خطوبتكم دلوقتي إلا لما اطمن إنه حلمي في السجن، مش هخاطر، وإنت إيه رأيك يا رعد؟
"رعد" وافقها الرأي قائلاً بهدوء:
_ حور معاها حق يا عمرو، وهي رحمة مش هتطير يعني.
"رحمة" نظرت لهم بتوتر، ثم إلى "عمرو"، وقالت في نفسها:
_ يعني عمرو قال لأهله قبل ما يتقدملي، وأنا زي الغبية جرحته، ودلوقتي أنا اللي مجروحة.
"عمرو" قال وهو ينظر إليها:
_ بس مش رحمة اللي أنا عاوز أخطبها.
من كان يصدق أن بضع كلمات قد تكون مثل الخنجر يضرب بالقلب ليمزقه إرباً إرباً، نظرت إليه بقلب يترجاه ألا يفعل ذلك، علمت خطأها، هي لا تريد أن يخطب غيرها، بل لن يكون إلا لها فقط.
"عمرو" أكمل:
_ اللي عاوز أخطبها اسمها كاميليا، زميلة ليا في المستشفى.
لم يكن هناك شيء مضاف بعد، غير الهدوء الذي حل عليهم جميعاً، حتى "سيف" وزوجته صامتون، ينظرون تارة إلى "رحمة" التي يبدو عليها كم الوجع المكبوت داخل قلبها، مقلتيها على وشك أن تهطل أمطارها، وكذلك "رعد" الذي فضل أن يؤجل الكلام في الحوار لاحقاً ليفهم ماذا ينوي أن يفعل ولده، قائلاً:
_ ماشي يا عمرو، بعدين نتكلم في الحوار ده.
"حور" وقفت، وأخذت "رحمة" بيدها خارجين من الغرفة متجهين لغرفة "رحمة"، يجب أن تعلم ما الذي حدث بينهم كي يقرر خطبة غيرها، وهي تعلم أنه يحبها وبجنون.
***
"مالك" تنحنح لجذب انتباه هؤلاء العشاق الذين يحتضنون بعضهم كأنهم لم يروا بعضهم منذ سنوات وسنوات.
"حنين" ابتعدت عن أحضانه ووجهها ملطخ بحمرة الخجل الطاغية، تتمنى لو أن تنشق الأرض وتبتلعها.
"عمر" قال بوقاحة:
_ مالك يااض، المفروض شايفنا كده تحس على دمك وتقول مشافوش بعض من زمان وتغور، إنما لا لازم تكسفها يعني.
"حنين" نظرت إليه بغضب، ولكمته بغضب قائلة:
_ إذا هو كسفني شبر، فأنت كسفتني مترين يا سكر.
"نور" قالت بملل:
_ خلصتوا! مش شاطرين إلا في الرغي وخلاص، هروح أطمن على بابا، وإنت يا عم العاشق الولهان لو خلصت من الأحضان، ورينا شطارتك بإقناع أمك وأبوك إنك اتجوزت من وراهم.
وتركتهم تدخل القصر.
"عمر" وضع يده على وجهه قائلاً:
_ اهو ده اللي معملتش حسابي فيه، هقولهم إزاي دول.
"مالك" قال بضحك:
_ هههه والله وطلعت مش سهل يا خويا، ومتجوز كمان، أآه يآتيك بتحضن بعشم هههههه.
"عمر" لكمه على وجهه بغضب قائلاً:
_ مش وقتك خااااالص يا مالك، اتفضل قول لي هنتنيل نعمل إيه في المصيبة دي.
"حنين" قالت بغضب:
_ بقا أنا بقيت مصيبة يا عمر! مااشي.
ثم تركته وذهبت بغضب، تتمتم بكلمات غير مفهومة البتة.
"عمر" نظر إلى أثرها كأنه كان ينقصه زعلها هي الأخرى، من يراضي الآن؟
"مالك" قابل صدمته بضحك قائلاً:
_ هههههه يعيني عليك يا سيادة الضابط، دلوقتي تقنع أهلك من ناحية وتراضيهم، ومن ناحية تانية تصالح مراتك، هههههه، السنجلة طول عمرها جنتلة، أبو النكد على اللي عايزه يا جدع.
"عمر" نظر إليه بغضب، ليتركه ويذهب ليرضي تلك التي تعشق النكد كعينيها، لم تراه لمدة سنتين، والآن لم يكمل لقاءهما خمس دقائق، لتقلبه لنكد.
***
"حور" دخلت ويدها "رحمة"، لتقول بهدوء:
_ إيه اللي حصل بينكم يا رحمة، احكيلي يا بنتي.
"رحمة" توترت من سؤالها قائلة:
_ تقصدي إيه يا خالتو، محصلش حاجة بينا.
"حور" جلستها على الفراش وجلست أمامها ممسكة يدها قائلة بحنان أم:
_ عمرو قبل ما يجي ويتقدم لكِ، قالنا أنا وباباه واحنا وافقنا، ولما قالنا إنه عاوز يخطب ويعمل حفلة اليومين الجايين، قولنا خطوبته عليكِ، إيه اللي حصل بقا خلاه يعوز يخطب واحدة تانية؟
"رحمة" أخذت نفساً عميقاً ثم أخرجته بعنف، تحاول السيطرة على دموعها، لكنها لم تستطع إلا الهطول، معلنة لـ "حور" أن شيئاً عظيماً قد حدث.
"رحمة" قالت بألم ودموع تهطل بلا توقف:
_ هحكيلك من البداية يا خالتو، من وأنا صغيرة كنت مفكرة تعلقي بعمر حب، وتماديت في الحب ده لحد ما عمرو جه وتقدملي، وأنا فكرته أنه عمر، فوقتها اتكلمت معاه على أساس عمر، وبعدها سابني ومشي من غير أي كلام، وبعدها حصل الهجوم ده، معرفتش أتكلم معاه، ووقت اتكلمنا، قال لي إنه هيخطب، ده كل اللي حصل.
"حور" مسحت دموع تلك الفتاة التي تعتبرها مثل "نور" ولا تفرقها عن أبنائها:
_ وقلبك عاوز إيه يا حبيبتي؟
"رحمة" قالت بضياع:
_ مش عارفة يا خالتو، حاسة بضياع، مش عارفة قلبي عايز إيه، موجوعة أوي يا خالتو.
تلك المسكينة ضائعة بين نيران الحب، تعلم أنها تحب "عمرو" ولكنها تكابر.
"حور" قالت بخبث:
_ طيب خلاص، مدام كده يبقى نعمل خطبة عمرو بكرة على كاميليا.
"رحمة" قالت بسرعة:
_ لا لا، إزاي وأنا خطيبته أصلاً.
ثم صمتت قليلاً تستوعب ما قالته للتو.
"حور" ابتسمت قائلة بهدوء:
_ لما القلب ينبض للحبيب واحنا بنعانده وبنقول "ده صديق مش أكتر"، مستحيل يكون حبيب في القلب، يعاندك أكتر ويوجعك أكتر، فريحيه وريحي قلبك يا حبيبتي، وخذي القرار الصح اللي من بعده متندمييش، لأنه لو الوقت اتأخر، مفيش إلا انتوا الاتنين بس اللي هتتعذبوا.
وقبلت رأسها ثم ذهبت مغادرة الغرفة، تاركة إياها تأخذ طريقها بمفردها وبإقناع كي لا تظلم نفسها ولا تظلم ولدها معها.
***
"مريم" سارت في طرقة القصر، ترى أن هناك بعض التحف الجديدة التي لم تتصور بجانبها بعض.
اقتربت تلتقط الصور، تحمل تلك التحفة معها، تتصور هنا وهناك.
اصطدمت بها عاملة وهي تحمل بعض المشروبات ذاهبة بها إلى جناح "رعد"، فسقطوا جميعهم على "مريم" وتلك العاملة.
العاملة اعتذرت بشدة قائلة بأسف:
_ آسفة جداً يا آنسة، مخدتش بالي من حضرتك.
"مريم" قالت بضيق وهي تحاول تنظيف ثيابها:
_ ولا يهمك، أنا اللي كنت عمالة أتحرك هنا وهنا، إنتي ملكيش ذنب.
"مريم" تركتها وذهبت لأقرب مرحاض كي تنظف ثيابها، وهي تتمتم وتسب حظها ذلك.
***
"حنين" وقفت في جنينة القصر غاضبة جداً من كلماته تلك، إذا يعتبرها مصيبة ويعتبر علاقتهما مصيبة، وهي من كانت تعتقد أنه يشتاق لها وسيفرح بعودتها.
"عمر" ذهب إليها، يستعد لنوبة أخرى من النكد، يفكر ببضع كلمات كي يثبتها بهم، ليأخذ نفساً عميقاً ثم يتقدم يعانقها من الخلف قائلاً بهمس:
_ وحشتيني.
"حنين" قلبها نبض بسرعة وتوترة من قربه الشديد لها الآن، لكنها لن تضعف، ابتعدت عنه قائلة بغضب:
_ جاي ليه بقا دلوقتي؟ أنا همشي وهسيبلك المصيبة بتاعتك.
"عمر" أوقفها قائلاً بحب:
_ والله العظيم بحبك وبحب مصايبك يا ملكة النكد، رايحة فين بس؟ مكفياكي كل ده بعد، عايزة تبعدي تاني.
"حنين" ابتسمت، فهو ينجح دائماً بتثبيتها بكلمتين.
"عمر" لفها إليه، يراها تحاول إخفاء ابتسامتها، ليقول بمزاح:
_ ضحكت يعني قلبها مااال ههههه.
ضحكت معه كأن شيئاً لم يكن.
"عمر" أخذها للداخل كي يعرفها على والدته أولاً، لأن والده ليس بحالة جيدة الآن.
"مالك" كان يقف بعيداً يتعلم كيفية المصالحة تلك التي تمت خلال دقيقتين فقط، ليضحك قائلاً:
_ كل عقلها بكلمتين، هههه، ع رأي ريان، الحمد لله ع نعمة السنجلة ههه.
تذكر "ريان"، ليضرب بيده على رأسه، بنسيان كيف نسيه وتركه وحده وسط كل تلك الأحداث، ليقرر أن يذهب ويرى.
***
"مريم" دخلت تلك الغرفة، وقفت أمام المرآة تنظر بحزن، ماذا حدث بفستانها؟ ذلك فستانها المفضل.
قالت بحزن:
_ أووف، ده باظ خااالص، ياربى، ده ينشال إزاي؟ ده أكتر فستان بحبه. الناس كلها حظوظها ضربة السما، أما حظي بيضرب السما عشان تقع ع راسي.
"ريان" خرج من المرحاض وهو يلف المنشفة على خصره، عاري الصدر، يدندن.
"رحمة" لفت وجهها لمصدر الصوت، وقفت بصدمة مما تراه عينيها الآن.
"ريان" قابلها بنفس الصدمة.
لحظات وأصبحت الغرفة تهتز من صراخهما.
"رحمة" وضعت يدها على عينيها قائلة:
_ إنت إيه اللي جابك هناااا.
"ريان" وضع يديه الاثنين يخبئ نفسه قائلاً بغضب:
_ إنتي اللي بتعملي إيه هناااا. قولتي لي واد حليوة وخواجة، بقا مش فاهم حاجة، استغله وأعمل اللي أنا عايزه صح!!! حرام عليكي، معندكيش إخوات ولاد.
"رحمة" نزعت يدها وهي تقول بغضب:
_ إزاي تكلمني كده يا جدع إنت، اعااااااااا.
وضعت يدها مرة أخرى على عينيها قائلة:
_ متلبس حاجة، وإلا تتنيل واقف كده لييييه.
"ريان" ارتدى ثيابه قائلاً بخبث:
_ ولا حاجة، عاجبني نفسي كده، إنتي مالك.
"رحمة" قالت وهي ما زالت تضع يدها على عينيها:
_ إنت واحد قليل الأدب، خلص البس واخرج برا.
"ريان" اقترب منها ليهمس بالقرب من أذنيها قائلاً:
_ أينعم قليل الأدب شوية، بس محترم.
"رحمة" فتحت عينيها بزعر، لتنزلق قدمها من شدة صدمتها، لتتمسك يدها بثيابه لتسقط على الفراش، ليسقط معها هو الآخر.
تعالى نبضات قلبها لقربه الشديد ذلك، أما هو فعينيه تغرقان في بحور تلك العينين، يعلم أنها ملاك، لكن لم يكن يعلم أنها ملكة للجمال أيضاً.
"ريان" اقترب منها أكثر، "رحمة" فاقت من تأثيره الطاغي على كيانها، ثم دفعته عنها بغضب راكضة للمرحاض تغلقه عليها من الداخل، تتنفس بصعوبة، تسمع دقات قلبها تقسم أنه يكاد يخرج من قفصها الصدري، ترى ماذا يحدث لها، لما ينبض قلبها بسرعة، ما هذا الإحساس يا ترى.
"ريان" ما زال يتسطح واضعاً يده أسفل رأسه، سرحان بذلك الجمال العربي الأصيل الذي لم يراه بكل جميلات ألمانيا، تعرف على الكثير والكثير، لكن خجل تلك الفتاة يأسر عقله ولا تجعله يفكر بشيء آخر إلا تلك الملاك الساحر.
لا يعلم ما ينجذبه لها منذ أول لقاء لهما بها، شيء مميز.
ابتسم واضعاً يده على قلبه قائلاً:
_ هتقع والا إيه!! مش قادر أقولك العيب عليك، لأنه جمالها لا يقاوم بجد.
وقف يغادر الغرفة كي تستطيع الخروج ولا يحرجها أكثر من ذلك.
***
"نور" دخلت للاطمئنان على والدها، لتجد أن جارها المصون وزوجته هناك أيضاً، كانت تتوقع ذلك، فإنها قد رأت ابنته الكبرى بالأسفل.
"رعد" رحب بابنته قائلاً:
_ يا مرحب بالغالية، سمعت أنه لولاكي كان زماني في خبر كان ههه.
"عمرو" أكمل كلامه قائلاً:
_ ده حقيقي يا بابا، نور الوحيدة اللي مكانتش مصدقة إنه حضرتك خلاص.
"نور" قاطعته وهي تضع يدها بيد والدها قائلة:
_ الحمد لله على كل حال، مش عايزين نفتكر اللحظات دي تاني، نسيناها أحسن.
"رعد" ربت على يديها، وهو يشير لصديقه وزوجته قائلاً:
_ أعرفك ده صديق عمري سيف، ودي مراته فيروز، أعرفكم دي بنتي الصغيرة نور رعد عز الدين.
كم أسعدها أن أباها عرفها وذكر اسمه كاملاً بعد اسمها، شعرت أخيراً أنه بين عائلتها.
"سيف" قال:
_ نور بنتك!
"رعد" قال باستغراب:
_ هوا إنتو تعرفوا بعض قبل كده؟
"نور" قالت بهدوء:
_ ساكنة جنب الفيلا بتاعته، فأكيد شفتني وقت كنت أروح هناك.
"سيف" أكد كلامها قائلاً.
رنين هاتف "نور" قطع حديثهم، لتستأذنهم تخرج من الغرفة، تفتح المكالمة قائلة:
_ أنا جاية.
ثم أغلقت الخط في وجهه، لتذهب ووجهها لا ينذر بأنها ذاهبة لخير أبداً.