تحميل رواية «صياد النايا الحانا» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
رحلات القطار إلى بلدتنا ذهابًا بلا عودة. لذا فالمسافر إليها لا يتخذ قراره عبثًا، بل يقرره حبًا. وبلدتنا تستحق، ف أيٌ غيرها تُبهرك مقدمتها! وأيّ غيرها تأسُرك أزُقتها ونجوعها! وأيّ غيرها تُسحرك قصص لياليها حينما يشفُق قمرها! بلدتنا لا تعرف لهوًا، والطلقة لا تنطلق من سلاحها غدرًا. فالحكيم هنا ملكًا والخائن فيها أسِفًا وزوارها رُحبً. ف أهلًا بكم وسهلًا على متن القطار المتجه إلى... الأقصر. البلد المليئة بالقصور، والآثار، والأسرار. بلد التناقضات والعادات والموروثات وتعدد اللكنات. هنا تختلف عادة أهل هذ...
رواية صياد النايا الحانا الفصل الأول 1 - بقلم اية العربي
رحلات القطار إلى بلدتنا ذهابًا بلا عودة.
لذا فالمسافر إليها لا يتخذ قراره عبثًا، بل يقرره حبًا.
وبلدتنا تستحق، فـ أيٌ غيرها تُبهرك مقدمتها!
وأيّ غيرها تأسُرك أزُقتها ونجوعها!
وأيّ غيرها تُسحرك قصص لياليها حينما يشفُق قمرها!
بلدتنا لا تعرف لهوًا، والطلقة لا تنطلق من سلاحها غدرًا.
فالحكيم هنا ملكًا والخائن فيها أسِفًا وزوارها رُحبً.
فـ أهلًا بكم وسهلًا على متن القطار المتجه إلى... الأقصر.
البلد المليئة بالقصور، والآثار، والأسرار.
بلد التناقضات والعادات والموروثات وتعدد اللكنات.
هنا تختلف عادة أهل هذه القرية ولكنتهم عن تلك القرية، وهنا يتبع أهل هذا النجع عادات لم تكن لتناسب أهل ذلك النجع.
فرّقتهم العادات وجمعتهم الخبايا، ووراء كل بابٍ قصة غامضة، إن أردت معرفتها أطرق ثلاثًا، إن فُتح أدخل بيمينك وإن لم يُفتح ارحل بصمت.
في قصر آل حانا.
يتم التجهيز للحفل الكبير المُقام على شرف استقبال نجلهم الصغير جابر العائد من روسيا بعد استكمال دراسته العليا في مجال البرمجة والأمن السيبراني.
ذلك القصر العتيق الذي يحتل مركز نجع آل حانا، يقف شامخًا بهيبته التي تليق بآل حانا، والنيل من أمامه يمر والمراكب تلقي سلامها عليه باستمرار ذهابًا وإيابًا.
لتحتضنه المساحات الخضراء من كل الجوانب، إنها أراضي العائلة التي تحتضن عددًا كبيرًا من العمال.
قصرٌ تأثر خارجه بعوامل الطبيعة مع ترميمه المستمر من أجل الحفاظ على الهوية، بينما داخله له طابعًا خاص به، له عادات ربما لا تشبه القصور الأخرى، وله قوانين مُلزمة من يخترقها يجب أن يعاقب.
ومع ذلك فقلبه ينبض بالرحمة قبل العدل.
يقف عند أسواره الشامخة عددٌ كبيرٌ من الحراس، يحرسونه من خارج السياج و داخله، يبدلون دوريتهم كل ثماني ساعات.
في غرفة النوم الرئيسية.
يقف الحاج عبد الوهاب أمام المرآة، وخلفه تقف زوجته رابحة تمسك بالعباءة الخاصة به وتستعد لتضعها على منكبيه.
سعيدة لعودة ابنها الصغير من سفره، ولكن سعادتها باتت مبتورة، تدرك أن هناك ضريبة يجب أن تُدفع نتيجة سلطتهم وقوة مركزهم، وكم تتمنى أن تدفعها بعيدًا عن أولادها، ولكنها تظل أمنيات يتفق أو يختلف معها القدر حسب رغبته.
إلا أنها في جميع الأحوال راضية، وذلك الرضا لن يمنعها من إيجاد حلول والسعي وراء الأسباب التي تجعلهم آمنين بأي شكلٍ كان، فهي عند اللحظات الجادة تتحول من أمٍ حنونة إلى لبؤة شرسة تهاجم كل من يمسسهم بسوء.
وضعت الرداء على منكبي زوجها الذي التفت يطالعها بترقب فابتسمت في وجهه قائلة بنبرة مدحٍ وإعجاب:
- صُح الحاچ عبد الوهاب بيليج عليه كِل حاچة يلبسها، بس بردك العباية غير أي حاچة تانية، كأنها اتعملت علشانك وبس.
ابتسم لإطرائها ونطق وهو يطالعها بحب:
- الولاد دول كبرونا جوي يا رابحة، لسة إمبارح الواد چابر كان بيلعب جدامنا في الچنينة، والنهاردة راجع بشهادته، ملحجناش نتدلع صُح يا زينة.
جعلها تبتسم ابتسامة صادقة تبعها نفسًا طويلًا كأن المخاوف تأبى أن تتركها تفرح لذا قالت بمغزى مبطن:
- سُنة الحياة يا حاچ عبده، وبعدين نبجى نتدلع براحتنا مع عيالهم، واهو چابر رجع أهو، عايزين نفتح معاهم موضوع الچواز بجى، يمكن چابر يشچع أخوه.
أومأ لها فهو يدرك أمنيتها لذا أردف مطمئنًا:
- ماتجلجيش، أني عامل حسابي اتحدتت وياهم بكرة إن شاء الله، واللي فيه الخير ربك ييسره.
أومأت له وتنفست مطولًا ثم التفتت على أثر طرقات الباب لتسمح للطارق أن يدخل وبالفعل فُتح الباب ودلفت نوارة تبتسم وتردف بنبرة هادئة:
- عمي حسنين وأولاده برا يابوي وبيسألوا عليك.
تأملها لثوانٍ في فستانها الأزرق المحتشم وحجابها الكريمي الذي أبزر جمال ملامحها، وحليتها الرنانة، العقد و الأساور، لذا تقدم منها ورفع كفيه يحيط وجهها ثم دنا يقبل جبهتها ويبتعد قليلًا يستطرد بنبرة حنونة وقلقة في آن:
- ربنا يحفظك يابتي ويحميكي.
التفت ينظر لزوجته ونطق بنبرة مرحة ملغمة بالجدية:
- أرجيها يا حاچة صابحة جبل ما تدخل ع الحريم، فيه عيون لا بتسمي ولا بتصلي.
- حاضر، أخرچ انت بس علشان الرچالة اللي چم تحت.
قالتها صابحة فأومأ وتحرك يغادر الغرفة واتجهت هي تضع يدها على رأس ابنتها وبدأت تتلو آيات الرقية الشرعية تحت أنظار ابنتها التي تفشى الصداع في رأسها وباتت وكأنها تريد الركض مبتعدةً عن هذه الرقية.
❈-❈-❈
على بعدٍ ليس ببعيد.
وبالتحديد في نجع الحوامدية، على ضفاف النيل، حيث تعيش عائلة آل حامد، متخذة من هذه الأرض مملكة وقلعة تحيط بها الأراضي الزراعية من ثلاث جهات والجهة الرابعة هو النيل، مثلها كمثل عائلة آل حانا، لا ولن تقبل أن تكون بأقل منها.
عائلة عريقة عُرفت بالصرامة والقوة، يتميزون بقوتهم ودفاعهم عن نسلهم، العداء بالنسبة لهم أشد قوةً من المحبة، وربما هذا السبب جعلهم يحتفظون بوجهٍ جليدي خاص بهم، فلا يحبون ولا يعادون إلا بمقادير وأسباب قوية، يعيشون على السمعة الحسنة وتصدير المحاصيل الزراعية الطيبة المختومة بجملة (خيرات آل حامد).
لا ينافسهم غيرهم في ذلك مثلما لا ينافس عائلة آل حانا أحدًا في مجال السياحة.
في قصر كبيرهم الحاج زيدان آل حانا.
دلت فرحة غرفة شقيقها أيوب بعدما طرقت بابه وسمح لها، كان يستعد لتنفيذ الأمنية التي باتت مركز حياته، لربما تهدأ حُرقة قلبه على شقيقه المغدور، اليوم وبعد خمس سنوات سيقتص ممن سلب روح غاليه الأكبر.
كان قد ارتدى جلبابه واتجه حيث خزانته يفتحها ليسحب مسدسه أمام شقيقته التي غزا القلق أوردتها واقتربت منه تتساءل:
- عتعمُل إيه عاد؟ ورايح على فين إكدة يا أيوب؟
التفت يطالعها وعلامات التحفز باديةً على تقاسيم وجهه لتشق ابتسامة خاطفة محياه ويرفع كفيه محيطًا وجهها يقول بفخرٍ وحماس تجلى في نبرته:
- النهاردِة يا فرحة، أخوي هينام مرتاح في تربته النهاردِة، ابن عبد الوهاب هيدفع التمن النهاردة وفرحتهم حتتحول لعزا كَبير.
اتسعت حدقتاها وابتعدت خطوة للخلف تطالعه بريبة ثم نطقت:
- كيف يعني يا أيّوب؟ واشمعنى الليلة؟
نطق بغضبٍ دفين:
- وهو احنا عارفين نوجّعه جبْل سابج؟ كنك مش دارية باللي فيها عاد؟ الليلة عنديهم ناس كَتير وچايلهم أغراب وهيُبجى صعب عليهم يأمنوه.
أخذتها ذاكرتها إلى المرة السابقة، ليلة زفاف مهران آل حانا حينما حاول شقيقها آنذاك ولم يُفلح لذا قالت بخوفٍ شديدٍ عليه برغم نظرات القوة التي تمتلكها:
- اصبر ياخوي، أني خايفة عليك جوي، لو وجعت في يدهم ماحدش منيهم حيرحمك، وأني ماعتحملش واصل، وبعدين چَدي نبه عليك جبل سابج ماتتصرفش من راسك عاد، بلاش الليلة يا أيوب، أخاف عليك تروح تحرجهم ترچع رماد.
طالعها مستنكرًا يقطب جبينه ويبتعد خطوة للخلف مستفهمًا:
- من ميتا وانتِ جبانة إكدة؟ ولا ليكون دم أخوكي بجى مية؟ چرالك إيه يا فرحة، ماكنش ده حديتك، لتكوني ناوية تجبلي كفنه زي ما مرت عمك رايدة؟
ظهر غلًا مركزًا في مقلتيها، لم تستطع السنين تقليله، على العكس ربما يزداد في كل يومٍ يحيى فيه ابن آل حانا.
تبدلت ملامحها كأنها ارتدت قناعًا متوحشًا، لتصبح وكأنها ترى أمامها عمار آل حانا لذا قذفت كلماتٍ من رصاصٍ وعبرت عن وحشية ما يعتليها قائلة:
- كفن مين اللي أجبل بيه مكان مؤمن؟ الكفن ده هو اللي حيتلف فيه جريب جوي وهو محشور في جبره، محاجاش هتطيب جلبي وتبرد ناره غير واني مملية عيني بدخلته الجَبر، بس أني ماعنديش استعداد أخسرك إنت كمان، بكفاية نار مؤمن اللي جايدة ومسعورة چوايا يا أيوب.
ولهذا فهو يريد أخذ ثأره بشكلٍ مضاعف، لأنه يرى مدى حزنها الذي اشتعل منذ ذلك اليوم ولم ينطفيء، وألمها الساكن في أسارير وجهها، وحق شقيقهما المسلوب الذي لم يأخذه القانون لتصبح بعدها عائلة آل حانا هي العائلة الأشد كرهًا لهما برغم أن زوجة عمهما هي السيدة منصورة آل حانا شقيقة عبد الوهاب آل حانا نفسه.
عمّر سلاحه ودسه في جيب جلبابه الداخلي من فتحة الصدر ونطق بتصميم سافر:
- يبجى بعّدي عن طريجي يا فرحة وسبيني انفذ اللي في راسي جبل ما چدك يجبل بالصُلح.
تحرك مندفعًا يغادر الغرفة وتركها تقف تنظر إليه كأنها تودعه، بقلبٍ نازف، وتفكير يتأرجح بين كفتي ميزانها المهموم، أتتركه يذهب ويأخذ ثأرهم ويعود وحينها سترتاح من هذا العذاب؟ أم لا يعود وتنغمس في عذابٍ جديد؟ ويحيا ذلك الغدار عمار ويتباهى بنفسه في كل مرة يشارك منشوراته وأعماله على موقع التواصل فيس بوك؟
ضاق صدرها حينما تذكرته، فالكره الذي تدخره له يفوق حد الكره المتعارف عليه، وكلما رأت هيأته وافتخاره بنجاحه وعمله أرادت أن تنهش قلبه بيديها، ليتها تستطيع هي قتله بنفسها لتكن سيرته على لسان أهل النجوع ويلحقه العار بأن امرأةً مِن عائلة آل حامد هي مَن قتلت عمار آل حانا، ولكن صبرًا يا ابن عبد الوهاب.
❈-❈-❈
اليوم تمت مضاعفة عدد الحراس بناءً على رغبة الحاج عبد الوهاب، ليس لأنه حاكم ظالم لهذا النجع، بل على العكس تمامًا فهو رجلٍ عُرف بعدله ورحمته في آن، اجتمع على حبه الكبير والصغير داخل النجع، ولكنه يحترم أعداءه من النجوع الأخرى، يقدرهم، يحسب حسابهم دومًا ويعرف مدى كرههم له، ولربما كان هناك بعض الأعداء من دمه يخشى استيقاظ حقدهم وشرهم في أيّة لحظة، لذا فهو دومًا حذرًا يحرّص ولا يخوّن.
توافد الحضور من قريب ومن بعيد، باتت ساحة القصر معبأة برجالِ محافظة الأقصر وغيرهم من المحافظات الأخرى، حتى أن هناك قلة من خارج مصر نظرًا لعملهم في مجال السياحة حيث شركتهم الخاصة التي يديرها مهران وعمار.
جلس الحاج عبدالوهاب بين الحضور يرحب بهم ترحيبًا يليق به، يتابعه من المسافة صفر شقيقه حسنين، باهتمامٍ وتركيز وغيرة دفينة من هيبته وسلطته ومركزه بين الناس، على يساره يجلس ابنه الأكبر راجح المتزوج حديثًا يميل على والده ويهمس باستنكار:
- كل البعزجة دي والليلة الكَبيرة جوي دي علشان خاطر المحروس چابر راچع من السفر؟ أومال ليلة فرحه حيعملوا إيه؟ وانت ساكت ليه يا بوي مش كل البزخ ده من فلوس العيلة ولينا حج فيها ولا إيه؟
لكزه حسنين وحدجه بنظرة متوعدة نظرًا لقرب عبد الوهاب منه فتحمحم راجح والتزم الصمت يلتفت بأنظاره نحو شقيقه سيد الذي أومأ له بعينيه في إشارة بأن يهدأ، ليس هذا المكان المناسب لهذه الكلمات، فلينتظروا العودة للمنزل.
في النافذة العلوية تقف نهاد خلف الستار تتطلع على والدها وشقيقيها بقهرٍ ينهك روحها ويسلب راحتها، لم تستطع تجاوز الظلم الذي تجرعته منهم، لم تستطع نسيانه، لم تستطع غفرانه، حتى أنها لا تحب النظر في وجوههم، وبرغم هذا كلهُ ألا أنها في كل مرةٍ تستنكر عدم سؤالهم واهتمامهم بها.
عادت تتذكر ما مرت به وما عاشته معهم، عادت تتذكر كيف تم بيعها كأنها جارية وليست ابنتهم، تتذكر كيف أجبروها أن توقع عن تنازل في ورث والدتها بحجة أن البنت لا تورث، وبالفعل وقّعت مجبرة ولكن أبت شقيقتها أن تفعل، شقيقتها ولاء التي تتحلى بالجرأة لذا فهي أقل ضررًا منها، أو ربما تجرأت بعدما رأت تعامل والدها وشقيقيها مع شقيقتها، فلم يكن أمامها سبيلًا إلا بناء حصنٍ لها، فاتخدت من التمرد حلًا لهذا الظلم، بينما نهاد اتخدت الخوف والتنحي بعيدًا والغرق في بحر المظلومية والحزن.
فُتح الباب فانتفضت على أثره والتفتت لتجد زوجها مهران أمامها، لذا أسرعت تغلق النافذة وتجفف دموعها والتفتت تطالعه بتوترٍ من نظراته، ولكنها اقتربت منه تحدق به مجددًا بعدما تخلى عن حِلّته الرسمية وارتدى جلبابه الصعيدي فبدا وسيمًا ذو هيبة وعزة، تراه بعينين عاشقتين حد النخاع لذا وقفت أمامه تفرك كفيها وتردف بنبرة متحشرجة:
- حُصل حاچة يا مهران؟
بنظرات ذات مغزى طالعها وتساءل بهدوء:
- واجفة عندك ليه دلوك يا نهاد؟ مش المفروض تنزلي تحت مع أمي والحريم؟
توترت قليلًا وأجابته شاكية بمقلتين لامعتين:
- أني كنت معاهم وطلعت أغير خلجاتي بس وجفت أبص على أبوي وأخواتي، أني متأكدة زين إنهم ماعيفكروش فيا واصل، مافيش واحد منيهم عيجول أشوف اختي واطمن عليها، ولا أبويا يفكر حتى ولا جلبه يحن.
تأفأف مهران ومسح على وجهه مستغفرًا من تكرار شكواها التي باتت مملة، فأصابها الحزن وابتلعت ريقها تسترسل قبل أن يتعكر صفوه وهي تملس على صدره:
- خلاص يا مهران عاد ماتتأفأفش إكدة، أني بفضفض معاك.
رفع نظره يطالعها بملامح ثابتة، كلما نظر إليها ذكرته عينيها بعمه، وإن لم تذكره عينيها فلسانها يفعل، وهو لا يريد أن يخوض حديثًا مركزه ذلك العم الذي لا يحبه، لا يطيقه، لا يتحمله، خاصةً بعدما أُجبر على هذا الزواج.
نطق بنبرة صلدة بعض الشيء:
- دي مش فضفضة يا نهاد ولا ده وجته، إحنا إكدة اللي بنعيده نزيده، قلتلك جبل سابج شيليه من راسك، إنتِ إهنة بتتعاملي كنك بنت الجصر وكلهم بيحبوكي، اطلعي بجى من دور المظلومية دِه.
نظرت له بخيبة من عدم اكتراثه لآلامها، حتى وإن بالغت ولكنها تتمنى لو يشعر بها، يشاركها مبالغتها، يفهمها أو يطيب خاطرها، تدرك أنها باتت درامية في الآونة الأخيرة، خاصةً بعد إنجابها لطفلها الأول حمزة والذي يبلغ من العمر خمسة أشهر، لا تعلم سبب هذه المبالغة ولكن كل ما تعلمه أنها لن تغفر لوالدها قط.
تحرك مهران يلتقط هاتفه من فوق الكومود ثم التفت عائدًا للخارج يستطرد بجدية قبل أن يغادر:
- يالا انزلي علشان حمزة بيبكي وعايز يرضع وماتشغليش بالك باللي مش سائل عنك، ركزي مع اللي بيحبوكي.
قصد عائلته، ربما ألقى هذه الجملة كمؤازرة لها ولكنه لم يستطع أن يحتويها، كلما حاول أن يفعل ذلك صدته مشاعره، لم يتجاوز لحظة إجباره عليها بعد، ولكن تبقى كلمة السر لديه هو والده الحاج عبد الوهاب.
تحرك ينزل الدرج ليلتقي بشقيقه عمار الذي وقف آخر الدرج يطالعه ويردف بنبرة عالية:
- حتيچي معايا نچيب أخوك من المطار يا مهران ولا تخليك إهنة؟
وصل مهران إليه ونطق بخوفٍ متوارث من والداه:
- لا خليك إنت إهنة يا عمار وأني هروح اچيبه.
قرأ عمار خوفه لذا ابتسم بضيق يصيح مستنكرًا:
- حتى في يوم زي دي عايزين تخبوني كيف الحريم ولا إيه؟ بلاش إكدة يا مهران، بزيادة عليا الحاچ والحاچة، ماتبچاش إنت كمان عليا.
ربت مهران على كتفه يردف بتأنٍ:
- مش إكدة يا عمار، بس إنت خابر زين أيوب عيفكر كيف، خليك إنت إهنة مع الرچالة علشان الليلة تعدي على خير.
زفر عمار بصعوبة شاعرًا بالاختناق يداهم عنقه، وكاد أن يتحدث لولا ظهور والدهما الذي وقف أمامهما يردف وهو يستند بكفيه على عصاه الشامخة:
- روح ويّا أخوك يا عمار، لازم چابر يلاجيكم جدامه انتوا الچوز، وانت يا مهران جول للرچالة يچهّزوا العربيات ويطلعوا وياكو، يالا عاد ماتغيّبوش.
قالها والتفت يغادر ليقف عمار يحدق فيه بهدوء مبهم على عكس ثورته الداخلية، إلى متى سيظل محاصرًا بهؤلاء الحرس للدرجة التي باتت تشعره أنه سجين، يشعر أن الموت أهون لديه من هذه الحياة التي يعيشها.
أصدر زفرةً قوية واستمع إلى مهران وهو يتحدث مع الحرس عبر الهاتف ويجهزهم ليقرر التحرك الآن بقلة حيلة باتت جزءًا لا يتجزأ منه، ولولا احترامه الكبير لوالده لما تقبّل هذا الوضع قط.
❈-❈-❈
في مندرة النساء الواسعة.
جلسن جميعهن تتحدثن كل مجموعةٍ عن موضوعٍ مختلف، أصواتهن عالية وكلماتهن لا تفهم من كثرتها.
ترتدين جلابيب معظمها باللون الأسود، تلتف أعين بعضهن على ملكات القصر تارة وعلى الضيافة التي تحتل منتصف المندرة والتي عبارة عن كل ما لذ وطاب تارةً أخرى، لذا فالأقاويل لا تتوقف والنميمة لا تترك ألسنة الكثيرات.
في منتصف المجلس جلست الحاجة صابحة بكامل زينتها وحُليّها ترحب بهن بوقار، تجاورها عن يمينها ابنتها نوارة، وعن يسارها جاءت للتو نهاد وجلست، ومن حولهن نساء العائلة والنجع ولكن بالطبع غابت عنهن العمّة منصورة.
كانت نوارة صامتة، تنظر أرضًا كأنها تفكر في شيءٍ ما وهذه عادتها حينما تجتمع مع النساء، اقتربت منها عمتها نجوى تبتسم وتردف بنبرة مغلفة بالعاطفة ومبطنة بالخبث وهي تربت على ظهرها:
- مالك يا بت أخوي؟ شاردة في إيه عاد؟
ابتسمت نوارة بمجاملة ولم تجب لتستطرد نجوى بتمني:
- افرحي يا بتي لچية أخوكي، عجبال مانفرح بيكوا ونعمل ليلة كَبيرة يتحاكى عنها الصعيد كلياته.
ابتسمت نوارة وتحدثت بنبرة خافتة:
- فرحانة أكيد يا عمتي، بس راسي مصدعة شوي.
توسعت حدقتاها في اهتمامٍ مبالغ به ونطقت:
- من إيه بس يا جلب عمتك؟ تلاجيكي ماكلتيش زين، جومي معايا وانا اجولهم يچهزولك وكل، وبعديها تاخدي مسكن ولا حاچة، السهرة طويلة وماينفاعش تجعدي إكدة.
هي بالفعل لا تفضل هذا المجلس، لا تحب الزحام خاصةً وأن أنظار النساء تلتفت لها بين الثانية والأخرى، بعضهن تغار منها لجمالها وحسبها ونسبها وتعقلها لذا...
أومأت لعمتها ونهضت معها تتحرك إلى الخارج والأخرى تتبعها وتحيط ظهرها بحماسٍ وانتصار من تأثيرها عليها.
فهذا ما تريده نجوى، تتمنى لو تتحقق أحلامها ويتزوج ابنها من نوارة و جابر يتزوج من ابنتها وبهذا ستكون قد امتلكت الكثير من السلطة والقوة والمال، لذا لن تكف سواءً هي أو زوجها عن السعي وراء هذا الحلم.
❈-❈-❈
في مدينة طيبة إحدى مدن الأقصر.
جلست ريم حول مائدة الطعام بعدما جهزته مع والدتها، طاقتها كبيرة وسعيدة لما حققته اليوم من إنجازٍ في عملها، تنظر لوالدتها بسعادة وقلقٍ في آن خوفًا من ردة فعل شقيقها الذي لاحظ ما يدور من حوله لذا التقط خوفهما و تساءل بترقب:
- امم، خير، مخبيين ايه عليا؟
نظرتا لبعضهما تبتسمان ثم نطقت ريم بتروٍ وحنجرة صعيدية تجعل كلماتها ترتدي الهيبة:
- هقولك طبعًا يا نوح، أنا النهاردة اتصرف لي مكافأة من المدير بنفسه، بعد ما نچحت في فك شفرات فيروس الكتروني كان بيهدد الشركة كلها، وقدرت أحوله بعد ما كان بيهاچمهنا بقى بيهاچم الشركة المنافسة اللي خرچ منها.
نظر لها بفخرٍ كبير، لقد أفلح من رباها بعد موت والدهما منذ أن كان عمرها خمس سنوات، طموحة ونشيطة وتسعى لكي تكون في القمة، تمتلك قلبًا لينًا وحنونًا يخشى دومًا من استغلاله.
حدق بها ونطق مبتسمًا:
- برافو يا ريم، بنت أخوكي بصحيح، أنا عارف إنك ذكية وچدعة وراسك توزن بلد اللهم بارك.
مدحه جعلها تتحمس لتخبره بما يعتليها لذا نطقت بشكلٍ عفوي برغم توترها:
- حبيب قلب أخته يا ناس، وعلشان ذكائي ده المدير عايزني أسافر معاه النرويچ أسبوع.
- نـــعـــــــــم؟
نطقها مشدوهًا وقد تبدلت نظراته وتحفز جسده لتسرع مسترسلة توضح قبل أن يتحول:
- هيكون معانا وفد كبير، ومش أنا البنت الوحيدة اللي مسافرة يا نوح، بس دي رحلة مهمة قوي وهستفاد منها كتير واسمي واسم الشركة هيسمّع، علشان خاطري يا نوح ماترفضش، فكر بس كويس هتلاقيها فرصة ماتتعوضش.
نظر نوح لوالدته ليجدها تهز كتفيها بتردد، لقد حاولت مع ابنتها منذ قليل ولم ترضخ لذا تركت القرار بيد ابنها الأكبر، هي لم تستطع الرفض المطلق إلا بعد الرجوع إليه فتركت له زمام الأمور.
التفت يحدق بشقيقته التي تستعطفه بنظراتها ولكنه نطق بصرامة مغلفة بالخوف عليها:
- آسف يا ريم الطلب ده مرفوض من أساسه، ماقدرش أوافق على سفر أختي لوحدها مع رچالة غريبة عنها، حتى لو معاكي بنات، أنا مش هآمن لحد غريب، إنتِ مش رايحة القاهرة ولا الإسكندرية، دي دولة تانية وقارة تانية، والمفروض أصلًا مانتناقش في حاچة زي دي، إنتِ عارفة رأيي فيها كويس قوي.
تجهمت ملامحها وحل الحزن عليها بعدما شيدت آمالًا داخل عقلها، لتحاول معه قائلة بإحباط:
- طب تعالى معايا يا نوح؟ هو أسبوع واحد بس.
هز رأسه برفضٍ يستطرد بجدية تعلمها جيدًا:
- ماقدرش آخد أسبوع غياب من الكلية خصوصًا إننا داخلين على مراچعات، وبعدين إنتِ فعلًا اسمك معروف يا ريم في المچال ده، لو على الطموح أنا معاكي وبدعمك بس من غير مانتخطى حدودنا، فهمتيني؟
لم تجبه بل زفرت بضيق وأرادت أن تنهض فلم يعد لديها شهية حيث كانت تتمنى لو وافق وتسافر إلى تلك البلد الأوربية، ولكنها تدرك بأنه لن يحب تصرفها هذا لذا أُجبرت على الجلوس وتناول الطعام تحت نظرات والدتها التي تحاول دعمها بالنظرات، بينما نوح تعلق بحدته كي لا تحاول معه مجددًا لذا نهض يردف بعبوس:
- الحمدلله، أنا همشي، لو احتچتوا أي حاچة كلموني.
❈-❈-❈
بعد وقتٍ.
وقفا أمام مطار الأقصر يستندان على سيارتهما وينتظران شقيقهما الذي أوشك على الخروج، يتحدث عمار بنبرة ساخرة مبطنة بالألم والملل بعدما التفت يمينًا ويسارًا:
- جال يعني هما دول اللي حيمنعوا عني الموت!
التفت مهران يطالعه لبرهة ثم عاد ينظر أمامه وتكتف ينطق بمغزى:
- ماحدش بيمنع الموت عن حد ياخوي، ده مجدّر ومكتوب، بس إحنا نجدر نمنع الغدر، وانت خابر زين إن أيوب غدار ومالوش أمان.
أومأ عمار وشرد يفكر كعادته ولم يزِد من شكواه لذا تساءل مبدلًا حواره ينطق مازحًا:
- أخوك اتأخر چوة، جلبي حاسس إنه هيطلع دلوك ومعاه مرته وعياله.
ابتسم مهران وتخيل ذلك لينطق بنبرة يسكن فيها الرفض والاستنكار:
- ومالو، إكدة أحسن بردك من إن أبوك يچبره على واحدة مهواش رايدها.
أدرك عمار مقصده فتنفس ونطق مترويًا:
- مش إكدة يا مهران، لو أني خابر إن جلبك كان ميال لغيرها كنت جولتلك معاك حج، لكن إنت جلبك فاضي، وينفع نهاد تسكنه، ماتخدهاش بذنب عمك، فكر زين ياخوي لأجل عيون حمزة.
شرد مهران في أمره وحياته التعيسة ثم نطق معبرًا عما يعتليه:
- أني جفلت جلبي بالضبة والمفتاح يا عمار، مارايدش فيه حد، عادي يعني مش كل چوازاتنا لازمًا تبجى عن حب، وعلشان خاطر عيون حمزة أني بحاول اتعود على الحياة اللي اتفرضت عليا.
حزن عمار لأجله ورفض استسلامه هذا لذا نطق مستفهمًا ببعض الضيق:
- ماجولتش لاء ليه يا مهران؟ مارفضتش ليه ياخوي بدل ما تظلم نفسك وتظلم بنت عمك معاك؟
ابتسم مهران بملامح متألمة والتفت ينظر لشقيقه ويردف بمغزى وهو يشير نحو الحراس:
- وانت عرفت ترفض الحراس دول يا عمار؟ عرفت تجول لاء للحاچ عبد الوهاب؟
مسح عمار على وجهه يتنفس بقوة ثم قرر الصمت الذي يجعله حائرًا لا يعلم هل شقيقه ظالمًا أم مظلومًا، وهل يستوي رفض الحراسة برفض الزواج أم لا.
قطع تفكيرهما ظهور جابر أمامهما يخرج من بوابة المطار، وحينما لمحهما ترك حقائبه وركض نحوهما يعانقهما سويًا باشتياق ويردف وهو يدفن وجهه بينهما بسعادة مفرطة:
- اتوحشتكم جوي يا اخواتي.
بادلاه العناق والترحاب بحفاوة ليبتعد عنهما وينظر لهما قليلًا ثم نظر حوله ليجد الحراس منتشرين لذا زفر واسترسل بضجر ومزاح:
- رچعنا لوچَع الجلب عاد، ماتيچوا معايا نرچع على روسيا، أخدكم ونهرب دلوك وماحدش عيعرفلنا طريق، هناك شوية حريم يحلوا من على حبل المشنجة.
طالعه مهران بنظرات عتابٍ بينما هز عمار رأسه بقلة حيلة يردف مجابهًا:
- لساتك زي مانت يا ولد أبوي، ماتعلمتش حاچة من الغربة واصل؟ ماعتكبرش عاد؟ أومال هتعجل ميتا؟
أجابه مهران بدلًا عنه يردف باستفزاز:
- لما يحب واحدة صعيدية صُوح تمشيه ع العچين.
ضحك جابر يجيبهما بثقة وتأكيد:
- لسة ماتخلجتش اللي تمشي چابر آل حانا ع العچين، أخوك بعون الله هو اللي هيمشي البنات كلياتها وراه، انتوا نسيتوا ولا إيه؟
حثه مهران على التحرك نحو السيارة بربتات حادة على ظهره كعقاب، بينما تحدث عمار وهو يتحرك معه:
- لا ماحدش ناسي، يارب بس ماتكونش نسيت آخر مرة إيه اللي حُصل مع أولاد الحاچ سعد، مش عايزين مشا مشاكل يا چابر، المفروض إنك كبرت وعجلت.
ضحك جابر حينما تذكر واستقل السيارة ينطق بعفوية غير متعمدة:
- يا ولد أبوي أنا مشاكلي صغيرة عاد ماعيچيش من وراها هم، خلينا في حكايتك إنت وجول وصلت لفين؟
تجهمت ملامح عمار وزفر بقوة ثم رفع كفه يشير نحو الحراس قائلًا:
- وصلت لهنه، بجيت ماشي شايل روحي على كف عفريت، ماعتحركش خطوة من غير الرچالة.
زفر جابر وشعر أنه تمادى لذا أسرع يسترسل بمرح وهو يلكز مهران الذي يجلس في الأمام مجاورًا السائق:
- هو ده الفلتة اللي فينا، كنْ رحم الحاچة صابحة حلف مايچيب غيره، عاجل وراسي، من يوم يومه مابيعملش مشا مشاكل وماشي دوغري.
ابتسم مهران ولم يعلق بل نظر أمامه بصمت يفكر في حياته، نعم بالفعل ربما يمتاز بالهدوء والتروي ولكن ألا يكفيه أن حياته الزوجية بائسة لا شغف فيها، وكأن هذا الهدوء تحول إلى صقيع غلف قلبه مع نهاد برغم محاولاتها الدائمة لإرضائه.
بدلوا ثلاثتهم الحديث ليصبح عامَا و تساءل جابر عن أحوال النجع والعائلة وعمار يزوده بالمعلومات التي يحب جابر الغوص فيها، وبالطبع لا يخلوا حديثهم من مزاحه وكلماته الجريئة وأفعاله الصبيانية التي برغم استنكارها إلا أن مهران وعمار يستقبلانها منه بمرحٍ، ربما طريقته هذه هي التي كسرت حدة حياتهما.
❈-❈-❈
عم الليل أرجاء النجع.
وصلوا إلى القصر وتعالت الصيحات وأصوات الرصاصات لاستقباله، يفتخر الحاج عبد الوهاب بتعليم أولاده، فهو يوقن أن العلم والمعرفة هما السلاح الأقوى في هذا الزمن، لذا حرص على تعليم جميع أولاده تعليمًا عاليًا، فلم يبخل عليهم قط، كذلك ابنته نوارة التي تدرس في كلية الآثار في سنتها الأخيرة، ولكنها هذا العام لم ترغب بالذهاب للجامعة لذا قررت الدراسة عبر الإنترنت!
وقف جابر في باحة القصر حيث استقبله والده بعناقٍ حار، وصدح صوت المزمار الصعيدي لتبدأ فقرة الرقص بالعصا، لذا تحمس جابر لها فناوله عمه حسنين عصاه ليقف أمام والده يرقص معه و يجابهه في مبارزة يغلب عليها الحب وتغلفها الفرحة من قبل الجميع، ليسقط جابر عصاه عن عمدٍ أمام عصا والده الذي ابتسم وعاد يعانقه بحفاوة.
على بعدٍ مناسب، وخلف أحد أسوار القصر الذي يتناوب عليها الحرس بين الفينة والأخرى.
وقف أيوب متوترًا، يصوّب فوهة سلاحه نحو الداخل منتظرًا اللحظة المناسبة ليضغط على زناده ويصيب عمار في مقتل قبل أن يأتي أحد الحراس.
يتصبب عرقًا وفي الوقت ذاته يتمنى ألا يفشل، بات بينه وبين انتقامه وأخذ ثأره خطوةً ولكن يمنعه وقوف جابر ومهران أمام شقيقهما.
أصبح متأهبًا بكامل تركيزه حينما ابتعد مهران وبقى جابر الذي تحرك خطوة كاشفًا جسد شقيقه أمام العدو الذي تجلى العداء في مقلتيه وكاد أن يضغط على الزيناد، ولكنه وجد يدًا تدفعه بعنفٍ فخرجت الطلقة في الهواء وصدح صوتها منفردة لينتفض الجميع ويتأهب عبد الوهاب وأولاده ملتفين كدائرة ثلاثية حول عمار، وانتشر الحراس على الفور لذا أسرع يونس ابن عم أيوب يسحبه بقوة برغم اعتراض الآخر، إلا أنه نجح في سحبه و إدخاله السيارة وانطلق يغادر مسرعًا قبل أن يلحق بهما أحد.
ولكن ما حدث كان كفيلًا بأن يوتر الأجواء ليدرك عبد الوهاب أن هذه الطلقة ليست عابرة وأنها لم تخرج احتفالًا بل كانت تستهدف ابنه خاصةً حينما جاؤه أحد الحراس ومال يهمس إليه بشيءٍ ما، لذا أومأ ووقف يردف بنبرة عالية وشموخٍ يواري بهما ألمه وصخب قلبه وخوفه على ابنه:
- كملوا الليلة يا رچالة، الناس فرحانة وعيضربوا نار في الهوا، بس بزيادة إكدة لاجل ما حد يتصاوب لا سمح الله.
أومأ الجميع وعادوا للاحتفال بينما تبادل عمار النظرات مع والده وشقيقيه ليدرك أنه الهدف، زفر بقوة وتجهمت ملامحه وقبض على كفيه حتى برزت عروقهما ليقرر أن يتحرك إلى داخل القصر، وهل يملك حرية التحرك خارجه؟
دلف فاستقبلته والدته التي وصل إليها الخبر عن طريق إحدى الخادمات، تتفحصه بلهفة أمام الأعين وهذا الأمر لم يزده إلا عجزًا وضيقًا لذا أبعدها ونطق يحدق بها بثقبٍ ورجاء:
- أني زين، سيبيني دلوك.
قالها وتحرك نحو غرفته يختلي بها بهمومه وأفكاره ووقفت تطالعه بقلبٍ عاجز ومنفطرٍ عليه.
❈-❈-❈
في نجع آل حامددلفت يونس يقبض على ذراع أيوب ويدفعه للداخل بحدة والآخر يقاوم بعنف حتى نفضه أمام جده والجميع ليصيح الآخر بغضبٍ سافر:
- وجفتني ليه؟ وتلحجني ليـــــــــــه؟ كان زماني خلصت عليه وارتاحنا من العار ده.
من حسن الحظ أنه لحق به، فقد رآه حينما كان يعود من المسجد، كان يتخطى حدود أراضيهم ويعبر حدود أراضي آل حانا ليدرك يونس أنه لا يُقبل على خير، خاصةً وأن الجميع يعلم بالحفل المقام لديهم.
نطق يونس بغضبٍ مماثل معترضًا:
- وبعدين؟ إيه اللي حيحصُل بعد ما تجتله؟ فكرك انهم حيسبوك تعيش دجيجة واحدة يا غبي؟
صاح أيوب مستنكرًا وأعماه الغضب والفشل عن وجود جده وعمه وزوجة عمه:
- مالكش صـــــــــالح انت، ولا لتكون حنيت لولد خالك ومارضيتش ناخد بتارنا منيه؟ صوح الوچع والجهر اللي جوة جلوبنا لا انت ولا أمك عتحسوا بيه.
- أيــــــوب.
صاح بها الجد زيدان مستنكرًا وهو يدب عصاه أرضًا بغضبٍ ليسترسل محدقًا فيه بنظرة محذرة:
- لما تتحدت عن مرت عمك تبجى تحترم حالك زين، منصورة هي اللي ربتك وكبرتك انت واختك، ولو مالكش خير فيها يبجى انت ابن حرام.
توسعت حدقتا أيوب وكظم غيظه من حدة جده، لتتحدث فرحة التي جاورت شقيقها بنبرة جسورة كشخصيتها:
- لا يا چدي إحنا أولاد الحوامدية وماحدش فينا ولد حرام، وأمي منصورة فوج راسنا، بس أيوب معاه حج، ماحدش حاسس ولا داري بالنار اللي جايدة في جلوبنا، وانت وعدتنا إننا حناخد بتارنا من اللي جتل أخوي بدم بارد، ومن خمس سنين لحد النهاردة وهو عايش بيتمتع بحياته وبيتباهى باللي عمله ومافيش جواه ذرة ندم واحدة، عايزنا نتحمل اللي بيحصل ده كيف؟
تفاقمت نيران أيوب من كلمات شقيقته وتجلى ذلك على تقاسيم وجهه المكفهر، بينما التزمت منصورة الصمت مراعاة لمشاعرهما برغم قلبها المتألم على ابن شقيقها وعلى الحالة التي وقعت بين العائلتين فجعلتهما أعداء، أما حسان زوجها فنطق بتعقل يردف:
- يابتي مش كل حاچة بتتحل بالدم، يعني أخوكي يروح يجتله دلوك ويرجعوا هما يخلصوا عليه وندخل في سلسال دم ماحدش هيخرچ منيه سليم؟ فكروا زين.
نطقت بحرقة وتخبط وملامح مشدوهة بالغضب والنار:
- يبجى أنا اللي اجتله، وماحدش هياخد تارة من حُرمة، اجتله واريح أخوي في تربته.
عاد الجد زيدان يدب عصاه أرضًا ونهض يصيح بغلظة:
- مابجاش في رچالة في الحوامدية ولا إيه؟ هنسيب حريمنا هما اللي ياخدوا بتارنا؟ اطلعي فوج وابجي اعرفي عتجولي إيه بدل الهرتلة دي، الموضوع ده سبيه للرچالة تحلوا.
التفت ينظر إلى أيوب و تابع:
- وانت يا ولد علي، من ميتا واحنا بنغدروا بالناس؟ عنديهم مناسبة وابنهم چاي من سفره يبجى مانسرجش فرحة الناس حتى لو لينا عنديهم حج، اكدة ولا اكدة حجنا هناخده، ودم مؤمن ماعيروحش هدر واصل، ومرة تانية لو اتصرفت من راسك من غير ما ترچعلي حرفع يدي عنيك وحسفرك برا وماعترجعش النچع مرة تانية، خد خيتك واخفو من جدامي.
قالها يلوح بيده ناهيًا النقاش معهما لتنظر فرحة نحو شقيقها لبرهة ثم تتحرك نحو غرفتها ويتبعها أيوب بغضٍ مكظوم.
التفت الجد بعدها ينظر إلى يونس حفيده ويستفهم بترقب:
- حد منيهم لمحكم يا ولدي؟
وقف يونس بشموخه المعتاد ينطق بنبرة رصينة:
- لا يا جدي اطمن، بس هما أكيد خابرين زين إن العيار ده خرج من عندينا.
أومأ الجد وعاد يجلس ويفكر وهو يملس على لحيته الطويلة لتردف منصورة بحنينٍ ملازمٍ لها على مدار سنوات:
- بالله عليك يا أبوي شوف حل في التار ده ووجفه، هنفضل عايشين في الوجع دي لحد ميتا؟
نطق حسان زوجها يحاول فرد التوازن بينهما:
- اعمل اللي تشوفه صُوح يا أبوي، ولو تحب تچمع أعمامي وأولادهم ونتفج كلياتنا على جرار واحد يبجى عين العجل، وساعتها أيوب ماعيخرجش من تحت طوعنا، واللي تحكموا بيه حيمشي ع الكل.
صمت زيدان يفكر ولم يعطِهم جوابًا لما ينوي فعله، بل أشار لهم بيده أن يغادروا وبالفعل تحرك كلٍ منهم نحو غرفته وتركوه.
❈-❈-❈
بعد وقتٍ.
غادر الجميع قصر آل حانا وانتهت الحفلة.
وقف عبد الوهاب بين أولاده في حديقة القصر بعدما نادى عمار وانضم إليهم مجددًا، يحاولون تجاوز ما حدث، أو هكذا يدعي عبد الوهاب ولكن من المؤكد أنه يبحث عن حلٍ لينطق بهدوء:
- ما حنعيدش ونزيد في اللي حُصل، لو طلع ولد الحوامدة هو اللي عمل إكدة يبجى ليه كبير يترد عليه.
نطق جابر معترضًا بانفعال:
- وإحنا لسة حنجول هو ولا مش هو يا بوي؟ ما كلنا خابرين زين إن ماحدش يجرؤ يعمل كدة غيره، الواد ده لازمًا يتعلم الأدب صوح، سيبوهولي وأني هربيه.
طالعه عبد الوهاب بغضبٍ ثم تجاهله والتفت ينظر نحو عمار الذي نطق بملامح ساخرة تحمل على متنها اليأس:
- إيه يا بوي؟ أخوي الصغير هو اللي هيربي أيوب؟ والحرس هما اللي حيأمنوني زين؟ ولساتني حجعد خمس سنين كمان في الحظر ده؟ أني بجول نهملهم ياخدوا بتارهم ونرتاح بجى.
نطق عبد الوهاب يواري ضيقه حيث عجز في حل هذه المسألة برغم براعته في حل مشاكل كل من حوله:
- مافيش تار حيتاخد، وجريب جوي الموضوع ده حيتحل من جذوره، وماعيزش اسمع حديت مالوش عازة.
نظروا لبعضهم بصمتٍ وكلٍ منهم يحمل أفكارًا مثقلة ولكن الاعتياد أجبرهم على التعامل لذا زفر جابر وأردف بعد أن انتهى والده:
- أني حروح أسهر شوي مع الشباب.
نظر له والده باستنكار يردف:
- شباب إيه دلوك؟ أومال الليلة اللي عملناها اهنة دي لزومها إيه؟ ادخل يا چابر علشان والدتك وابجى روحلهم ليلة تانية.
تحمحم جابر ونظر لشقيقيه المترقبان لينطق معترضًا يحاول إقناعه:
- يا بوي أنا سلمت على أمي وحبيت على يدها كمان، ادخلوا انتوا واني معاتأخرش، أني أديت كلمة للرچالة مايصحش أرجع فيها عاد.
زفر عبد الوهاب مجبرًا على القبول ولكنه أردف رافعًا سبابته:
- جدامك ساعة وترچع، وإياك تروح أماكن مش بتاعتنا، فاهمني عاد!
أومأ چابر زافرًا ثم تحرك يغادر مع أصدقائه الذين يقفون له في الخارج وحينما لمحوه هللوا ترحيبًا فاندمج معهم وتحركوا سويًا يستقلون سيارة أحدهم متجهين إلى وجهتهم.
تحدث الأول يتساءل بترقب:
- إيه يا چابر ناوي على إيه؟
ابتسم شاعرًا بـ طاقة مضاعفة بعدما خلع ثوب هموم عائلته يجيب:
- ماتجلجوش يا رچالة أنا عند وعدي، حفتح شركة البرمجة ونتلم كلياتنا فيها، وحنعمل أحلى شغل مع بعض، إحنا راچعين وبجوة وماحدش هيجدر ينافسنا.
أردف الآخر:
- أيوة بجى يا چابر، أني جولت ماحدش هيكسر شوكة معتز النعماني غير ولد الحنانوة، لو تشوفه دلوك، بجى ماشي طايح في الكل وماعيعبرش حد واصل كنه عمل اللي ماحدش عمله.
ليناقشهما الثالث مردفًا بنبرة عقلانية:
- بس الحج يتجال يا رچالة هو عرف يختار الفريج اللي معاه زين، وهما دول اللي منچحينه، منجيهم ع الفرازة كيف ماعيجوله.
شرد جابر في حديثهم لبرهة ثم تساءل بترقب:
- مين يعني دول؟ شباب من اللي كانوا ويانا في الجامعة؟ ولا وچوه چديدة؟
أجابه الثالث:
- لاء، وچوه چديدة، تجريبًا إكدة دي الدفعة اللي چت بعدينا بسنتين، بس دماغهم ذرية، شغالين شغل من نار وياه، طول عمره محظوظ الواد ده.
تملكت جابر روح المنافسة، واستعاد ذكريات جامعته مع ذلك المعتز الذي كان يتلذذ باستفزازه آنذاك، لذا ابتسم بحماسٍ وقرر أن يرد له جزءًا من استفزازه، ليردف بمغزى مبطن:
- خلونا نچمع معلومات عن الناس دي يا رچالة، مش معجول يلم كل الحلوين وياه، فيها إيه يعني لما ناخد من عنديه واحد ولا اتنين ولا حتى تلاتة.
تحمسوا واشتعلت داخلهم شرارة المنافسة مثله، حيث كانوا بانتظاره ليعود ويحفزهم ويضع لهم الخطط الحماسية، لذا تعالت ضحكاتهم وانطلقوا يستكملون حديثهم عن ذكرياتهم مع معتز النعماني.
❈-❈-❈
في قصر حسنين.
جلس هو وأولاده يتحدثون عن تفاصيل حفل استقبال جابر، يدققون في أصغر التفاصيل، يهتمون ويحقدون على معارف الحاج عبد الوهاب ومحبتهم له.
صاح حسنين معنفًا ابنه راجح:
- وانت يا مخبول، حبكت يعني تتحدت وعمك جاري؟ افرض سمعك وانت بتجول اكدة؟ مش تظبط نفسك اكدة وتتعلم من أبوك.
تأفأف راجح بضيق يلوح بيده ونظر الى شقيقه سيد الذي نطق:
- سيبك من راجح دلوك يا بوي وجولي عتتحدت مع عمي ميتا في موضوع نوارة؟
نظر حسنين لابنه يبتسم بمكرٍ وشرد يوضح:
- من غير ماتكلم، موضوعك انت ونوارة يعتبر محلول، مهو مش معجول أخوي هيروح يرمي بنته لابن عمتك نچوى الشمام، مافيش غيرك أحج واحد بيها، بس اصبر لما أفتح معاه موضوع عمار الأول ونضرب عصفورين بحچر واحد ونعمل ليلة كبيرة، إنت و نوارة، وعمار وولاء.
جاءت ولاء تحمل صينية الشاي وتتبعها رانيا زوجة راجح وجلستا لتردف الأولى بضيق:
- عمار كيف بس يا بوي؟ عتجوزني لواحد عليه تار؟
حدجها بنظرة غضب وصاح يوبخها:
- اكتمي يابت ماتتحدتيش واصل، جال عليه تار جال، وبعدين ماتخافيش جوي إكدة، ماحدش من الحوامدة يجدر يجرب عليه، عمك عبد الوهاب مأمنه زين، وحتى لو جربوا عليه وخدوا تارهم بردك حتطلعي إنتِ الكسبانة.
نطقها بلا مبالاة فطالعته بضيق فابتسم باستفزاز حيث يدرك وهي تدرك أن لا رأي بعد قراره، نعم كانت ترغب وتتمنى الزواج من عمار ولكنها تحب نفسها أكثر لذا تخشى الزواج منه الآن فيقتلوه وتصبح أرملة وتضيع حياتها هباءً، فهي تتمنى لو تغادر هذا المنزل وتحظى بزوجٍ هاديء وحنون كمهران زوج شقيقتها، وربما عمار يشبهه ولكن يبقى ثأره مسألة اعتراض كبرى بالنسبة لها.
عاد حسنين يستطرد بنبرة متسلطة عالية أمام الجميع:
- ماعايزش حد فيكم يعترض على حاچة أجولها، أني عارف مصلحتكم زين، وجدامكم أهو مرت أخوكم راجح، وچوازة نهاد من مهران.
هدفه المكسب سواءً كان سلطة أو مال فعائلة رانيا زوجة راجح تمتاز بالثراء والقوة لذا اتخذها زوجة لابنه بدعم وتدخل من عبد الوهاب برغم صغر سن الفتاة حيث لم تكمل الثامنة عشر بعد، وكذلك سعى مرارًا ليزوج ابنته نهاد من مهران ونجح في هدفه حينما طلبها عبد الوهاب لابنه عنوةً مرغمًا على ذلك.
❈-❈-❈
الليل في النجع يشهد على الكثير من الخبايا، القمر مكتملٌ في سمائه، والناس نيام، والأجواء هادئة تتناسب مع بعض النفوس السيئة.
خطت خارج منزلها تلتفت حولها، تتحرك دومًا في هذا الوقت من الليل كي لا يراها أحد، ترتدي عدة أقنعة ولكنها الآن تبدو بوجهها الحقيقي المخيف، السمار عادةً يعكس الطيبة ولكن سمارها خبيث خاصةً حينما يتحد مع نظرتها المخيفة.
تسير بين الأزقة لتصل إلى وجهتها متجردة من بقايا الضمير وكأنها لم تكن يومًا ابنة هذه العائلة التي تربي أبناؤها على الأخلاق والدين.
نزعت عنها هاتان الصفتان، وقررت أن تتخذ سبيل الطمع و الحقد، فلن تتنازل عن تحقيق هدفها مهما حدث، وستستحوذ على المال والسلطة ولن تتركهما لشقيقها حسنين، يكفيه زواج ابنته من مهران.
طرقت باب أحد البيوت ووقفت تتلفت حولها إلى أن فُتح الباب فدلفت مسرعة قبل أن يراها أحد....
❈-❈-❈
دلف غرفته بعد جلسة مطولة مع والده لم يرحب بانتهائها وظل يناقشه عن العمل والشركة، ولكن عبد الوهاب أجبره على الصعود لزوجته مع تقديم بعض النصائح التي يسمعها بأذنه اليمنى ويليقيها من اليسرى.
كانت تنتظره بعدما نام صغيرها بصعوبة، ترتدي رداء نومها ذو اللون الأزرق، وتركَت خصلاتها الناعمة تنسدل خلف ظهرها، ووضعت عطرًا تعلم أنه يحبه، ووقفت تستقبله بابتسامة باهتة تخفي خلفها حزنها الذي بات جزءًا لا يتجزأ منها.
وقف يحدق بها، لا ينكر حُسنها ونعومتها وأنوثتها ولكن هناك حاجزًا مُقامًا داخله لا يستطيع هدمه مهما حاول، لذا تنفس بصعوبة وتحرك نحو الحمام يردف بهدوء:
- حمزة نام بدري يعني، مش عوايده.
أومأت تبتسم وأدركت أنه يتجاهلها كالعادة ولكنها حاولت التقرب منه فقالت وهي تتحرك وتعيق حركته:
- نيَّمته، إنت أكيد همدان ومحتاچ ترتاح، عنك أنت.
حاولت أن تخلع عنه جلبابه ولكنه اعترض يردف بخفوت:
- وجفي عاد عتعملي إيه؟
أجابته بعدما نجحت بالفعل في تجريده منه:
- ارتاح انت بس يا مهران وأني هعملك اللي إنت رايده، أني مش عايزاك تبجى زعلان مني و النهاردة صُوح زودتها، إنت معاك حج، مهواش وجته الحديت اللي جولته.
وقف يتعمق فيها، ورائحتها تشتته عن جموده وتحرك حواسه برغم أقفال قلبه الموصدة لذا زفر وأومأ يجيبها:
- حُصل خير، أني بس عايزك ماتفكريش في الماضي كتير.
ابتسمت له وشعرت بحنانه الذي تتلهفه في هذه الجملة، اعتادت أن تعتصر حروفه لتستخرج منها حبًا تتلهف له، لذا أومأت تجيبه وهي تضع كفيها على صدره وتحدق به بنظراتٍ هائمة:
- حاضر.
تنهد مطولًا وظل يتفحصها عن قربٍ ليجد نفسه محاصرًا بمطالبه كرجل، وباتت مشاعره تناديه لذا حاوط رقبتها بكفيه ومال عليها يقبلها ويغمض عينيه لينتشل دقائق لا ينكر أنها تظل الأفضل من بين جميع أوقاته على الإطلاق.
رواية صياد النايا الحانا الفصل الثاني 2 - بقلم اية العربي
أنهى شرح محاضراته للتو، وخطى يسير في باحة الجامعة بخطوات ثابتة، يحمل حقيبته، ويرتدي نظارته، ويتحرك بثقة، وهو يدرك أن العيون تلتفت إليه.
اعتاد ذلك ولكنه لا يفضل استغلال هذه النظرات، بل يضع كل واحدة منهن في مكانة شقيقته ريم.
حاولن الطالبات كثيرًا معه، ولكنه يلتزم بآداب مهنته التزامًا صارمًا جعلهن يتلهفن للحديث معه أكثر.
ربما وسامته وحفاظه على روتينه الرياضي كانا سببًا في انجذاب الطالبات إليه، ولهذا فهو اتخذ من الجدية والصرامة مبدأ يسير عليه طوال فترة عمله هنا.
ولكن إحداهن تراه بعينٍ أخرى، ربما لأنها تفتقد في حياتها ما يملكه من مسؤولية وجدية محكمة الغلق على عاطفة مدخرة إلى أجلٍ مسمى، كلما رأته دقت السعادة جدران قلبها، وشعرت بأنه مخلصها، ولكنها تظل مقيدة بالخجل على عكس الأخريات اللاتي حاولن مرارًا التودد إليه.
أما هي فتكتفي بنظراتٍ خافتة وحبٍ صامت يواري صرخاته واحتياجه عنه، تصرّح بها فقط مع نفسها عند الليل حينما تضع رأسها على الوسادة.
توقف حينما نادته إحدى الفتيات لذا التفت يطالعها بجدية فابتسمت ونطقت بحجة واهية:
- يا دكتور نوح أنا ما جتش أفهم المحاضرة زين ولا أكتب الشرح، لو سمحت خلينا على الأجل نكمل الشرح أون لاين، كله بيعمل إكدة، بليز وافج.
نظر لها قليلًا ثم ابتسم مجاملًا ونطق بمغزى:
- بس أنا شرحت ووضحت كويس جدًا، لو إنتِ ما فهمتيش كلامي تقدري تحضري محاضرات أون لاين مع دكتور تاني.
زفرت سجود بنزق واسترسلت:
- بس إنت دكتور المادة دي والمفروض تتابع ويانا، حتى لو وجت المراجعات بس، يالا بجى يا دكتور نوح وافق مستقبلنا في خطر.
قالتها بدلال مفرط فتنفس ورفع رأسه ينظر للبعيد بضجر، فوقعت عينيه على مودّة التي كانت تتأمله خلسةً وحينما لمحها هربت بنظراتها وتوترت وأسرعت تغادر مبتعدة عن مجرى بصره، لذا وقف يفكر سريعًا في أمرها واختلافها عن غيرها من البنات هنا ولينتبه مجددًا إلى سجود التي استرسلت بصياح ملح:
- هاااا جولت إيه؟ أبلغ الدُفعة؟
زفر بقلة حيلة برغم أنه يمتلك صرامة الصعيد إلا أنه شعر بمسؤوليته تجاه طلابه لذا أومأ بقبول يجيبها:
- ماشي يا سجود بلغي الدُفعة وأنا هظبط معاد وأقولكم.
صفقت بحماس نسبةً لنجاحها في إقناعه، بينما تحرك يغادر الجامعة وانشغل عقله بشقيقته، فهو لا يستطيع أن يخطو خطوة تجاه نفسه إلا بعدما يطمئن عليها، هي ليست شقيقته فقط وإنما ابنته التي تعهد أمام والده وهو على فراش الموت بأن يحافظ عليها ويؤمنها ويسلمها لرجلٍ أمين.
مشاعره جدية نحو مودّة، وهو ذلك الرجل الذي إذا شعر بشيءٍ ما يقدم عليه بشجاعة، ولكنه مجبر بألا يتخذ خطوة نحو مستقبله إلا بعد الاطمئنان على شقيقته ريم.
غادر ووقفت سجود ابنة نجوى تطالعه وتتعهد لنفسها بأنها ستسعى وتجذبه إليها بأي طريقة، فهي لا تضمن الزواج من جابر كما ترغب والدتها، لذا عليها أن تؤمن نفسها برجلٍ تُحسد عليه.
***
كانت ريم في طريقها إلى مكتب مديرها معتز النعماني الذي طلب رؤيتها، ربما أراد أن تخبره بقبولها السفر معه لذا فهي تتجه إليه بملامح محبطة، طرقت الباب فسمح لها فدلفت توميء بترحاب فابتسم لها وتعمق في عينيها متسائلًا بترقب:
- ما لقيتكيش جيتي تبلغيني عملتي إيه قولت ابعتلك، بس واضح كدة من ملامحك إن أخوكي ما وفقش.
أومأت بخيبة تجيبه بقلة حيلة وهي تبتسم بمهنية:
- فعلًا يا مستر معتز ده اللي حصل، وأنا ما أقدرش أخالف قراره حتى لو كنت بتمنى السفرية دي.
تعمق فيها قليلًا ثم تساءل بهدوء نسبةً لحزنها:
- تحبي اتكلم معاه؟ يمكن أعرف أقنعه!
هزت رأسها بلا تجيبه بجدية:
- لا يا مستر معتز، نوح مادام قال لاء يبقى لاء، معلش تتعوض.
تنفس مطولًا وأردف بنبرة لطيفة:
- تمام، وكدة كدة أنا هبقى مطمن على الشركة وانتِ فيها طول الأسبوع ده، فتحي عينك كويس يا ريم علشان كل ما هننجح أكتر ونتعاقد مع شركات أكتر كل ما المنافسين هيحاولوا يوقعونا زي المحاولة الأخيرة، لازم نفتح عينينا كويس أوي ومانسمحلهمش يهدوا اللي بنبنيه.
أومأت بقناعة ونطقت بجدٍ وعزيمة امرأة صعيدية تمتلك عقلًا ذكيًا يغلبه قلبًا عطوفًا:
- اطمن يافندم، أنا مفتحة عينية كويس أوي معاهم، ماحدش هيقدر علينا بإذن الله.
أومأ مبتسمًا بإعجاب تجلى في نظراته فنطقت بجدية:
- عن اذنك، أنا هروح أكمل شغلي.
تحركت تغادر بعدما سمح لها، ليفرد ظهره على مقعده ويتنفس مبتسمًا ومتباهيًا بما وصل إليه من انجازات وتعاقدات مع شركات كبرى بفضل موظفيه وأهمهم ريم، فهي ورقته الرابحة التي يستهدفها منافسيه، تمتلك ذكاءً بارعًا في هذا المجال ومن حسن حظه أنه من نصيبه.
لقد علم أمس بعودة جابر آل حانا من روسيا، وبالتأكيد ينتظر منه تحديات ومبارزات كثيرة، ولكنه على مدار أربع سنوات يعد نفسه لمحاربته، نجاح جابر وتفوقه في الجامعة آنذاك لن يشفع له ليلحق به الآن، لن يسمح بأن يسطع اسم جابر في هذا المجال وسيحاربه بالجنود الذين أعدهم لهذه المعركة، يكفيه ما أخذه منه في الماضي.
***
في المقابر..
جاءت إليه كعادتها، جاءت لتتحدث معه وتشكي له ما يعتليها، فكلما شعرت بالوحدة والضيق زارته، كلما احتاجت للبوحِ بما يؤرقها استهدفت مقبرته.
دلفت تلقي دعاء دخول المقابر واتجهت تقف أمام قبره وتنظر له بحنانٍ كأنها تراه، حملت زجاجة مياة وبدأت تروي الورود المزهرة حول قبره، ثم جلست تملس بيدها عليه وتتساءل بقلبٍ مهموم:
- عامل إيه يا خوي؟ عارفة إنك زعلان مني، بس غيابي عنيك مهواش بكيفي، كان نفسي أزفك خبر موت اللي غدر بيك ونيمك اهنه بعيد عنينا، بس لسة في عمره بجية، لو الأمر بيدي كنت خلصت عليه من تاني ليلة بعدك يا غالي، ماتخدش على خاطرك مني يا حبيبي، سامحني يا مؤمن.
لم تكن تبالغ في حديثها معه، فهو لم يكن مجرد أخٍ بالنسبة لها، بل كان أسطورة وقدوة، لم يكن يسمح لأحدهم أن يؤلمها بكلمةٍ واحدة، كان يتباهى بها في نجع الحوامدية خاصةً وباقي النجوع عامةً، هو بنفسه حسّها على التعلم وتحدى جده في جعلها تلتحق بالجامعة وليتها لم تفعل، فربما لو لم تذهب إلى تلك الجامعة لكان اليوم بينهما، لذا فهي لم تكمل دراستها بعد السنة الثانية، وبعد أن رحل عنها تاركًا داخلها ندبة لا تلتئم أبدًا، والعجيب أنها رفضت الزواج رفضًا قاطعًا، وتعهدت أمام الجميع أن ليلة قتل عمار ستكون ليلة زفافها على أحد الراغبين في الزواج منها.
تنفست بعمقٍ ثم استرسلت حديثها تقص له ما يحدث معها في القصر ولم تترك تفاصيل إلا وسردتها، تبتسم وتتجهم مع المواقف كأنه يجلس يستمع لها، ولكنها تفتقد لعناقه لها حينما كان يحتويها ويغطيها بجلبابه الصعيدي فتشعر بدفءٍ لم تكن تظن أنه نعمة تلاشت من قلبها حتى تجمد واحترق كشمعة مضيئة داخل مكعب ثلجٍ تتنافى مع كل قوانين الفيزياء والطبيعة، لذا فهي لا ترتاح ولا تهدأ.
***
في شركة آل حانا للسياحة
جلس مهران خلف مكتبه يريح ظهره ويغمض عينيه سابحًا في أفكاره، لو عاد الأمر له لاتخذ من مكتبه هذا منزلًا كي لا يعود إلى القصر، تنجح دومًا في استقطابه إلى علاقة متبادلة بالمشاعر ولكن هذه المشاعر تؤرقه بعدها، وكأنه يخلف وعده لنفسه بألا يحبها، عناده وصل لزروته فلن ولن يتخطى إجباره على الزواج منها ونظرة الانتصار التي لمعت في عيني عمه آنذاك.
ذنبها الوحيد أنها ابنته، تحمل دمه، وبعض صفاته الابتزازية في التعاطف معه، ربما الفرق بينهما أنها صادقة وهو كاذب، ولكن هذا لا يشفع له ليتقبلها، فهو يكرهه منذ الصغر، ولن يزحزح أحدهم هذا الكره بل تركوه ينمو حتى جعل بينه وبينها سدًا منيعًا.
طرق الباب فسمح للطارق بالدخول، ظنًا منه أنه شقيقه عمار لذا فُتح الباب وانتظر مهران أن يسمع صوتًا فلم يسمع لذا فتح عينيه ليتفاجأ بـ سميّة سكرتيرة مكتبه تقف تحدق به وتبتسم وحينما قطب جبينه مستفهمًا تحدثت مبررة:
- سوري يا مستر مهران، كنت جاية أبلغك إن الفوج السياحي هيتحركوا بكرة من الفندق ع الساعة 3، بس واضح إنك مجهد، تحب أطلبلك قهوة؟
تحمحم واعتدل في جلسته يجيبها بهدوء محيدًا أنظاره عنها:
- لاء متشكر يا سمية، جهزي نفسك بكرة إن شاء الله علشان تطلعي وياهم.
تقدمت خطوة من مكتبه تتساءل باستفهام فضولي:
- وانت؟ مش جلت إنك هتكون مع الفوج ده علشان الشخصيات المهمة اللي فيه؟
زفر بقوة ثم أردف بتريث:
- ححاول يا سمية، بس أني حاسس حالي مش مظبط، بفكر ارتاح بكرة.
تقدمت من المكتب أكثر وأظهرت اهتمامًا مبالغًا فيه تردف بنبرة متلهفة وعينيها تجوب على ملامحه:
- جلتلك يا مستر مهران بلاش تضغط على نفسك أوي كدة في الشغل، إنت فعلًا محتاج تفصل شوية، علشان كدة لازم تيجي معانا، صدقني هتغير جو وهتجدد طاقتك.
رفع نظره يطالعها فأومأت له مبتسمة تغيريه بكلماتها مستطردة:
- إنت عارف كويس رحلاتي شكلها إيه، هنروح أسوان بالمركب ونرجع بعد جولة ممتعة، صدقني مش هتندم.
دومًا تسعى سمية لفرد بساط الراحة أمامه، وهو المتعب عاطفيًا وفكريًا لذا تنجح في جعله يفكر في عروضها، وها هو يبتسم ويوميء مردفًا بهدوء:
- سبيها بظروفها يا سمية.
كادت أن تتحدث وتواصل إقناعه ولكن قطع حديثها طرقات الباب ودخول عمار الذي وجدها تلتصق بالمكتب لذا حدجها بنظرة غاضبة، فتحمحمت تبتعد وتستأذن مغادرة فهي لا تحب عمار ونظراته الحادة.
غادرت وتركتهما ليردف عمار مشيرًا على أثرها:
- مالها لازجة في المكتب إكدة؟ جلتلك جبل سابج حط حدود وياها يا مهران، أو مشيها ونشوف واحدة غيرها.
هز مهران منكبيه يعترض قائلًا وهو ينفرد بأريحية:
- نمشيها ليه عاد؟ واحدة شايفة شغلها زين وعارفة تتعامل مع السياح صُح، يبجى أمشيها ليه؟
جلس عمار أمام شقيقه يحدق به قليلًا ليجيبه بمغزى:
- هي من جهة بتعرف تتعامل فهي ذكية جوي في الحتة دي، علشان إكدة خد بالك يا خوي، ما برتاحش لتصرفاتها وياك، وأخاف تفسر طريجتك معاها تفسير تاني.
نهض مهران يستل جاكيته من فوق العليقة، وتحرك خارج المكتب يردف بنزق:
- جوم يا عمار خلينا نروح، ولا تفسير تاني ولا تالت ما تخافش، أخوك ما بيكررش نفس الغلط مرتين.
زفر عمار ونهض يتبعه ويغادران سويًا بعدما انتهى عملهما، ولكنه يخشى أن يختار شقيقه اختيارٍ خاطيء نسبةً لعناده وعدم تقبله لمحبة نهاد ومحاولاتها إرضائه.
***
في قصر آل حامد
أغلق يونس أحد كتب علم النفس الذي يقرأهم، فهو اعتاد إدارة أعمال أراضيهم من بعد الفجر حتى الحادية عشر، ثم يذهب للمسجد يصلي الظهر بالناس، ثم يعود للمنزل يتناول غداؤه ويجلس في غرفته إلى اقتراب موعد أذان العصر، وهذا هو روتينه الصباحي.
نظر في ساعته ليجدها الثانية مساءً، فنهض يمدد عضلاته المتشنجة، ثم أطلق زفرة حادة وقرر أن يذهب ليرى والدته كما اعتاد قبل أن يتجه إلى المسجد الذي تولى إدارته بتعيين من وزارة الأوقاف، حيث دراسته الأزهرية.
تحرك خارج غرفته وتقدم من الدرج ينزله بجسدٍ رشيقٍ وثبات، ليرى والدته تجلس في البهوِ شاردةً، يشغل عقلها شيئًا ما.
جلس يتفحص شرودها، حتى أنها لم تنتبه له، لذا رفع يده يلوح بها أمام عينيها ويستفسر بترقب:
- الموضوع كنه كبير يا حاجة منصورة.
التفتت تحدق به وابتسمت ثم تنهدت وقررت مشاركته ما يعتليها كما اعتادت، خاصةً بعد زواج ابنتها يسر ورحيلها من القصر إلى منزل زوجها.
نطقت بنبرة خافتة خوفًا من أن يسمعها أحد:
- أني حلمت عشية بخالك عبد الوهاب يا يونس، جايب وشه حزين ومهموم، نفسي أشوفه يا ولدي، اتحرم عليا شوفته وشوفة عياله وإن رجلي تخطي النجع كله، بس حعمل إيه، نار بعدهم عني ولا إن حد يتمس منيهم بأذى، أني خايفة جوي من أيوب وفرحة، مهماش حيسكتوا يا ولدي، لولا ستر ربنا كان زمان فرحة بيت أخوي اتجلبت لعزا، الحمدلله إنك لحقته.
ربت يونس على كفها بحنانٍ بالغ ونطق بنبرة يشع منها الإيمان:
- يا حاجة منصورة ماتحمليش فوق طاقتك عاد، جولي يارب وربك بيدبرها بمعرفته، أني ما أخبرش الحجيجة فين ولا حد خابر إيه اللي حصل من خمس سنين وليه عمار عمل إكدة، بس اللي مكتوب ليه حاجة حيشوفها، وماحدش هيمنع القدر، أيوب وفرحة نارهم ما حتبدرش غير لما ربنا يأذن، واللي حماه خمس سنين منهم أكيد عنده حكمة ماحدش فينا فاهمها زين، خلينا ناخد بالأسباب ونشوف الحكاية دي رايحة على فين، إنتِ بس جولي يارب واتحدتي مع أبوي واجعدوا ويّا جدي وشيعوا للكبار يدخلوا، والموضوع يتحل من غير دم، أكيد فيه مخرج من الحكاية دي.
أومأت بقناعة وتنفست بعمقٍ ثم استرسلت:
- حعمل إكدة يا ولدي، بس إنت أمانة عليك حاول تقنع أيوب وتكلمه تاني وتالت، خدوا وياك الجامع وعرفه إن دم عمار هيبجى ذنب في رقبته لو طلع مظلوم.
أومأ وشرد قليلًا يفكر، الأمر ليس هينًا، ومن يصب الوقود على نيران أيوب هي شقيقته فرحة، فإن حاول إقناعه هدمت محاولاته بكلماتها المسمومة التي تبثها لأخيها دومًا، ولكنه لن ييأس وسيحاول بالقدر المستطاع.
زفر ونظر في ساعة يده مجددًا، ليجد الوقت قارب على موعد أذان العصر، لذا نهض وأردف وهو يستعد للخروج:
- خير إن شاء الله يا حاجة منصورة، أني حطلع دلوك ع الجامع علشان العصر جرب، ولو أيوب جا خليه يحصلني.
- ربنا معاك يا ولدي ويعمر جلبك بطاعته كمان وكمان.
أمّن خلفها وتحرك متجهًا إلى مسجد النجع، وجلست هي تدعو ربها بألا يحدث مالا تحمد عقباه، منذ خمس سنوات وهي تضع يدها على قلبها تخشى أن يُقتل ابن شقيقها في أي لحظة ويتحول ثأر الدم إلى سلسال لا ينتهي.
لمحت فرحة تدخل من باب القصر وترتدي جلبابها الأسود وحجابها المشابه فنادتها تردف بهدوء وقلبٍ قلقًا منها برغم حبها لها:
- تعالي يا فرحة.
نظرت لها وأجبرت على التوجه نحوها، كانت تكن لها احترامًا وحبًا كبيرًا ظنت أنه لن يتزعزع، خاصةً وأن منصورة هي من تكفلت برعايتهم والاهتمام بهم منذ موت والديهم، ولكن بعدما قتل عمار شقيقها أدركت أن منصورة لا شيء تخشاه سوى أخذ الثأر من عائلتها، أظهرت وجهها الحقيقي واتضح في أي جهة يميل قلبها لذا حملت ضغينة نحوها لا تظهر سوى من خلال عينيها.
وتقرأها منصورة جيدًا لذا تجاهلت نظراتها وأردفت حينما وقفت فرحة أمامها تنتظر حديثها:
- اجعدي يابتي، حتتحدث وياكي كلمتين.
زفرت فرحة وجلست تجاورها بتجهم، فتتابعت تتساءل:
- إنتِ كنتِ في المقابر؟
أومأت ونطقت بمغزى ونظرات ثاقبة:
- أيوة يا مرت عمي، كنت بزور أخوي مؤمن، فكراه؟
لامتها بنظراتها ونطقت بنبرة لينة وهي تميل عليها بتودد:
- لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وهو مؤمن يتنسي يابنتي؟ إنتِ خابرة زين إنه كان عندي كيف يونس ولدي.
صاحت فرحة بقهرٍ تهز رأسها وتردف استنكارًا:
- لاء يا مرت عمي مهواش كيف يونس، لو كان كيف مابتجولي كنتِ انتِ بنفسك خلصتي على ولد اخوكي وجتها، بس انتِ حمتيه منينا، مع إن جتله ده عدل ربنا.
تحلت منصورة بالهدوء التام ولم تظهر غضبها من كلمات فرحة بل نطقت بتروٍ:
- أني مش هتناقش معاكي في اللي ولد أخوي يستحقه يابتي، ربنا وحده اللي يشهد ويحكم في القضية دي، أني بس رايدة إنك تفكري زين لأجل ما تندمييش بعد إكدة، أيوب مهواش عاجل وانتِ خابرة زين إنه مندفع وعصبي وطباعه دي ممكن لا سمح الله تحرج العيلتين، نارك مش هتبرد لو حصله حاجة، ومش إنتِ شيفاني خايفة على ولد أخوي! بس الحجيجة واللي أني متأكدة منه إن لو عمار صابه حاجة عيلتنا ما حتستناش ساعة واحدة وهياخدوا بتاره، ووجتها حتجولي ياريتني سمعت حديث منصورة.
جعلتها تتخبط وشردت تفكر في اليوم التالي للانتقام، لذا هزت رأسها تنفض أي فكرةٍ تعطلها عن ثأرها ونهضت تردف بحدة لتكمم صوت عقلها:
- ريحي بالك يا مرت عمي، كيف ما جلتِ، ربك هو اللي يحكم في القضية دي، عن إذنك.
تحركت تغادر مندفعة نحو المطبخ وتاركة خلفها منصورة تطالعها بنظرات يائسة من عودة فرحة السابقة التي كانت تنثر بهجتها وضحكتها في القصر، فهي محبوبة، خاصةً بطباعها الجريئة وكلماتها الثاقبة دون تجمل أو مبالغة، ورحمتها التي كانت ترتدي رداء القوة، ويراها كل سكان النجع حتى النمل في جحوره، ولكنها قتلتها منذ ذلك اليوم، وغمست قلبها في النار والدم حتى تشبع بالقسوة.
***
بعد أيامٍ
في قصر آل حانا
وبعد تناولهم لوجبة الغداء
جلسوا جميعهم في مندرة القصر بعدما ناداهم والدهم ليتحدث معهم، نظر لزوجته التي تحسه على الحديث فنطق بنبرة ثابتة مترقبًا بنظراته ردود أفعالهم:
- خلاص إكدة يا جابر إنت حتفتح شركتك جريب والأمور تمام، خلونا نفرح بجى ونچوزك إنت وعمار.
تجهمت تعابير وجه عمار، لم يكف والده عن هذا الأمر، يكرره دومًا عنوةً عنه لذا نطق بضيق:
- يا أبوي أني جلتلك جبل سابج ماريدش اتچوز واصل، أني مرتاح إكدة.
نطقت صابحة مستنكرة:
- وه؟ كيف عاد يا عمار؟ جلت مش رايد دلوك وجولنا نستنى لما أخوك يرجع من السفر ونعملكوا ليلة كبيرة سوا، يعني إيه مارايدش تتچوز؟ هو فيه إكدة يا ولدي؟
نظر لوالدته باستغراب ورفع يده يشير على الحراس ويصيح بقهرٍ مستنكرًا:
- واللي هناك دول إيه يا أمي؟ بجالي خمس سنين ماشي بيهم وما عتحركش خطوة من غيرهم وشايل روحي على كف عفريت، رايدني اتچوز وأظلم بنت الناس معايا؟ أخلف عيال ويتيتموا؟ أني اكدة مرتـــــــــــاح.
نطق عبد الوهاب بنوعٍ من الحكمة المبطنة بالحزن على حاله:
- ما بتحسبش إكدة يا ولدي، الأعمار بيد الله وماحدش فينا ضامن عمره، الموت ما يعرفش بين راجل عليه تار وراجل تاني محداهوش مشاكل مع حد، شوف حياتك وافرح واتچوز وعيش وطلع نفسك من الحالة المغفلجة دي.
نطق جابر يؤيد كلام والده عن شقيقه بنبرة ممتعضة:
- أبوك معاه حج يا عمار، شوف نفسك يا اخوي، وبعدين ماحدش يجدر يجرب عليك من الحنانوة، اللي هيجرب هندفنه مطرحه، بزيادة اللي المحروق مؤمن عمله زمان، اسمع كلام أبوك هو أكيد مختارلك عروسة زينة.
أومأ عبد الوهاب يستطرد بهيمنة:
- ولاء بت عمك.
- يا زين ما اخترت يا حاچ.
قالها جابر مرحبًا حيث أنه يكن لعمه حسنين حبًا كبيرًا له ولأولاده ليتابع عبد الوهاب قاطعًا حبل بهجته:
- وانت يا جابر عتتجوز سجود بت عمتك نجوى.
- نجوى مين يابوي؟ ولا نجوى ولا فضيحة أني ماعتجوزش غير اللي جلبي يريدها.
نطقها جابر منتفضًا فحدجه والده بنظرة محذرة بألا ينفلت لسانه، بينما صاح مهران الذي يجلس مجاورًا لزوجته يستمع بصمت إلا أن فاض متألمًا:
- ماتجبرهمش على جوازة مش رايدينها يا حاچ، سيبهم يختارو هما، ده جواز ولازما يكونوا مرتاحين.
نظر عبد الوهاب لإبنه وفهم مغزى حديثه وفهمت نهاد أيضًا لذا تعالت وتيرة أنفاسها بحزنٍ ولفت وجهها عنهم ونظرت إلى نوارة التي ابتسمت لها كمؤازرة والتزمت الصمت شاعرةً بالخمول كعادتها مؤخرًا، بينما نطقت صابحة معترضة:
- لو عمار مش رايد ولاء مش مشكلة، يشاور بس على اللي جلبه يميل لها وأني هروح من بكرة أطلبهاله، بس جابر لاء، أبوك معاه حج يا مهران، الواد ده حيتعبنا وياه، لو سبناه يختار اللي جلبه رايدها يبجى الجصر هيتملي علينا صبايا، ده جلبه كيف حبة الرمان مدكن كَتير جوي.
نظر عبد الوهاب ومهران إلى جابر وضحكا فهي محقة في ذلك لينطق الأخير متباهيًا:
- وهو فيه أحلى ولا أفيَد من الرمان يا صبوحة؟ أني مش طالب كتير، هما اربعة بس كيف ما الشرع حلل، وأديني أهو حفتح شركتي والخير هيبجى كتير، طب عليا النعمة أني اللي حأسعد جلبكم عن ولادهم الحزانة دول.
قالها يشير على أشقائه الذين يباغتوه بحذرٍ، بينما استرسل عبد الوهاب متجاهلًا مزاح جابر وموجهًا حديثه إلى عمار المتجهم:
- كيف ما أمك جالت يا عمار، لو مش رايد ولاء جول يا ولدي، لكن موضوع إنك ماعتتچوزش واصل ده مهواش عندينا، فكر زين وعرفني جرارك.
هو لن يجبره على ابنة شقيقه ولاء لأنه يدرك طباعها المتناقضة مع شقيقتها نهاد، لذا سيجعله يقرر ويختار ولكن يكفيه أن يقبل بالزواج.
أثناء ترقبه لجواب ابنه اقتحمت نجوى مجلسهم بشكلٍ مفاجيء كعادتها، فقد اعتادت أن تأتي من منزلها بشكلٍ يومي إلى قصر شقيقها لتستمتع بالراحة ولتتلصص على الأخبار ولتنثر خبثها وشرها الذي ستحقق به رغبتها، لتصيح بعلوٍ بعدما استمعت إلى كلام شقيقها الأخير:
- مين ده اللي ماعتتچوزش؟ عمار؟ كيف يا أخوي؟
نطقتها وهي تصعد إليهم وتجاورهم بتطفل، ليزفر عمار بضيق لذا نهض يتحرك للداخل مبتعدًا عن هذا الحديث الخانق، بينما نطقت صابحة بحدة قاطعة عنها التدخل وهي تشير بيديها وأصوات أساورها تصدح رنانة:
- مالكيش صالح يا نجوى، خليكي في اللي إنتِ جاية عشانه.
نظرت لها نظرة حقدٍ سريعة، ثم نظرت لشقيقها عله يوقفها ولكنه لم يفعل لذا ضحكت ضحكة صفراء وأردفت وهي توزع نظراتها بين جابر ونوارة:
- صُح يا مرت أخوي، خليني في اللي جاية عشانه، أني جولت مادام جابر رجع يبجى آجي ونتحدت عن موضوع سجود وجابر وراضي ونوارة.
ارتعشت نوارة كأن هاجمها وحشًا واستباح جسدها فجأة، وتعلقت نظراتها بوالدها ليرفض حديثها من أساسه، بينما نطق جابر باستنكار ولا مبالاة:
- خير يا عمة؟ هو أني طولت جوي إكدة في روسيا والعادات اتغيرت إهنة ولا إيه؟ مش كان الراجل هو اللي بيطلب يد البنية؟ عتجوزيني لبتك غصب؟
شهقت وتعالت نبرتها وهي تشكي لأخيها وتشير عليه قائلة:
- عاجبك حديث ولدك الماسخ ده يا عبد الوهاب؟ هو أني جاية أرمي بتي؟ ماتجوله إن ده كان حديثك ليا وهو مسافر.
زفر عبد الوهاب وأردف محذرًا ابنه:
- حتجعد محترم ولا تجوم وتسيبنا نتحدت؟
احترم جابر كلمات والده ولكنه لن يقبل بها ولن يصبح نسخةً من مهران الذي يجلس ويحتسي شايه ويستمع بصمت كأنه اعتاد، بينما استطرد عبد الوهاب بهيمنة:
- دلوك يا نجوى إحنا اتحدتنا صُح، وجلتلك لما جابر يرجع هنجوله، وافج وافج ما وفقش يبجى خلاص، وبالنسبة لموضوع راضي أني سألت بتي وهي مش موافجة.
استنكرت نجوى قائلة بهجوم جعلها تجلس على ركبتيها وتظهر قلة حيلتها في عينين يختفي وراءهما الشر المأجج:
- معناته إيه الحديث ده يا خوي؟ وانت كلمتك فين؟
هناك شيئًا ما يحاك في عقل عبد الوهاب لا يدركه أحدًا، لذا زفر يجيبها بهدوء شديد يخفي وراء أسواره الكثير:
- أني جد كلمتي وفتحت معاهم الموضوع كيف ما جلتلك، غير إكدة مافيش حاجة أعملها واصل، هما رافضين، عايزاني أغصبهم ولا أضربهم يا نجوى؟
لم تستطع إخفاء وجومها كالعادة لذا نهضت تحدجهم بنظراتٍ حادة ثم نطقت مجبرة بنبرة تبدو متقبلة لقراره:
- اللي تشوفه يا أخوي، فوتكم بعافية دلوك.
اندفعت تغادر من حيث أتت وتركت نوارة تسرع نحو والدها تعانقه أمامهم قائلة بارتياح:
- ربنا يخليك ليا يا أبوي، أني كنت خايفة تغصب عليا صُح.
ربت على ظهرها بحنانٍ ونطق مؤكدًا:
- عمري ما غصب عليكي حاجة يا جلب أبوكي.
نطقها بعفوية تحت أنظار نهاد التي تغار من علاقتهما كأبٍ وابنته غيرة لا تؤذي سواها، وعادت تتذكر قسوة والدها معها وتتألم داخلها، لا تتذكر أنه عانقها ولو لمرةٍ واحدة، قطع حزنها بكاء صغيرها الذي ينام على ساقي جدته التي قالت وهي تهدهده:
- جومي يا نهاد يابتي رضعيه، دلوك جا عيني.
أومأت ونهضت تحمله منها وتحركت داخل القصر مبتعدة عنهم وتبعتها نوارة بسعادة توغلتها بعد حالةٍ لا تحبها.
بينما نظر مهران لوالده نظرة عتابٍ صامتة يتساءل، إذًا لماذا أجبرت أنا على هذه الزيجة؟ لماذا وجب علي أن أقبل بنهاد زوجة ولم يختارها قلبي؟ لماذا يا أبي؟ هل تختبر قوة حبي لك؟ هل استغليت هذا الحب بينما لم تستطع إجبار أيًّا من أشقائي على فعلها؟
نهض بعدها يخفي أفكاره وحزنه ومعاناته ويردف:
- عن إذنكوا حطلع أريح شوية.
تحرك للداخل وتركهم، بينما نطق جابر الذي أعلن هاتفه عن رسالة نصية وفتحها يقرأها وهو ينهض قائلًا:
- وأني كمان ورايا شغل كَتير مع الرجالة، يالا سلام.
غادر هو أيضًا وبقى عبد الوهاب وصابحة تطالعه وتوميء له رابتة على كفه وداعمة أبدية له في جميع قراراته، برغم القلق الذي يلتهما على أولادها.
***
استغل انشغالهم وظنهم بأنه دخل القصر، والحقيقة أنه تحرك بخفةٍ من الباب الخلفي، يريد أن ينفرد بنفسه بعيدًا عن الحرس، خاصة بعد حديث والداه معه عن الزواج.
لأول مرة يتمنى لو أنهم بالفعل ينهوا عذابه ويقتلوه، باتت الحياة عبئًا ثقيلًا عليه، ما الفائدة من حياةٍ كهذه؟
استطاع أن يُفلت من عيون الحراس، وتحرك يخطو بين الأراضي الزراعية بيأسٍ يداهم قلبه، وكأن الموت يناديه، حقًا يتمناه لذا رفع رأسه إلى السماء ونطق برجاءٍ يناجي ربه:
- هونها عليا يارب، ما بجتش قادر أتحمل الحياة دي، خلصني يارب.
زفر بقوة وأنزل رأسه وعاد يكمل طريقه تاركًا الهواء يصفعه ومبتعدًا بالقدر المستطاع عن عيون الجميع.
في هذه الآونة اعتادت فرحة أن تنزل أراضيهم لتجمع بنفسها حبات الرمان، تعرف جيدًا الثمرة الجيدة من الفاسدة، فكلما ثقل وزن الرمّانة كلما كانت جيدة، وهي عاشقة لهذه الفاكهة، لذا تحركت بمفردها بين طرقات مساحتهم الخضراء ومعها سلتها، تتنفس الهواء العليل الذي يشعرها دومًا بالراحة، تلك الراحة التي تحصل عليها لمدة ساعة في يومها، ولمدة ثلاثة أشهر في العام موعد حصاد الرمان فقط.
أما عمار؛ فقد امتدت قدميه إلى الأراضي المحرمة حيث تجاوز نجع آل حامد، ظاهريًا ينكر أنه خطى بقدمه إلى هنا ولكن داخله يعلم، بل ويريد أن يتقدم، شيئًا ما يجذبه إلى هنا، هل حقًا الموت يناديه؟
كانت قد وصلت إلى شجر الرمان ووقفت تجمع الحبات التي تريدها ولكنها لمحت غريبًا يأتي من بعيد لذا تأهبت وقبضت على خنجرها الذي يلازمها دومًا، وتساءلت بعلوٍ ولم تحدد ملامحه بعد:
- مين هناك؟
توقف عمار مكانه، وظل يحدق بها من بعيد، في بادئ الأمر ظنها فتاة عادية تجمع الثمار، ولكن حينما دقق النظر تأكد أنها فرحة آل حامد، لذا شعر لا إراديًا بنبضاته تركض، كأنها تحسه على الهرب ولكنه متسمرًا مكانه، لم يجبها بل ينظر من بعيد ويراها تقترب.
تُعرف بالجسارة، لا تهاب أحد، ورثت طباعها هذه من عائلتها، لذا تحركت نحوه بشراسة وظنته لصًا، ولكن حينما باتت على بعد عشرين قدمًا منه تجمدت، رأته وعلمت من هو لذا صدمتها ثبتتها مكانها تنطق بعدم تصديق وحجوظ مقلتين يشبهان نجمًا براقًا:
- إنت؟
وقف يحدق بها، وتبادلا النظرات لمدة لا تتجاوز الدقيقة، حتى وجدها ترفع خنجرها وتركض نحوه كأنها نالت فرصة عظيمة، وحينما اقتربت منه وظنت أنها ستغرزه في قلبه وجدته يقبض على كفها ويتحكم بقبضة فولاذية بيدها برغم محاولاتها الشرسة، إلا أنه منعها فصاحت تدفعه بيدها الأخرى قائلة:
- هقتلك يا عمار يا ابن الحنانوة، هقتلك وحاخد تار أخويا منك الليلة.
منذ قليل كان يتمنى الموت، ولكن حينما جاؤه الموت بات متلهفًا للنجاة، وهذه هي حقيقة الإنسان، غريزة البقاء تجبره على النجاة مهما تمنى الموت.
كانت مندفعة وعادت تحاول قتله وتتحرك بغلظة، إلا أنه ظل ثابتًا يمنعها من استهداف قلبه، ولم يتحدث بكلمة بل فقط بنظراته نحوها، وتفحصه لعينيها، تبادلها هي بأخرى كارهة، لذا أُجبر على دفعها ونزع الخنجر منها، فابتعدت وكادت أن تسقط لولا عزيمتها المختلطة بالغضب والغل، وقفت أمامه تنظر لخنجرها في يده وترفع سبابتها متوعدة:
- هقتلك بإيديا دول، هقتلك يا عمار لو آخر يوم في عمري.
انحنت بغضبٍ عاصف تلتقط حبة من الرمان الهشة والملقاة أرضًا، ونهضت تعصرها بين كفها وتصيح بغلٍ صريح:
- دمك حيتصفى في يدي كيف الرمّانة دي، وده وعد من فرحة بنت الحوامدية اللي إنت قتلت أخوها وضيعت فرحتها.
نظر لعصير الرمان المتساقط من بين أصابعها والذي يشبه الدم، ثم عاد ينظر لها بصمتٍ كأنه فقد النطق، شيئًا ما بداخله مستمتعًا بشراستها هذه وكأنها تقدم عرضًا مسرحيًا أمامه ولا تهدده، ليأتي صوت شقيقه مهران من خلفه يلهث صارخًا:
- عمــــــــــار.
التفت ينظر لشقيقه الذي لحق به حينما لم يجده، ثم عاد يطالعها وأخيرًا تحرك لسانه ينطق متوعدًا قبل أن يغادر:
- ومن دلوك لحد ما تقتليني خنجرك هيبجى معايا يا بنت الحوامدية.
حدجها بتحدٍ سافر ثم التفت يتحرك أمام أنظارها وعجزها في الانتقام منه، فها هو أمام عينيها دون حراسة، ولكن كيف تفعلها وقد سلب منها خنجرها كما سلب روح شقيقها؟
***
جلس في غرفته يقرأ المعلومات التي أرسلها له أحد أصدقائه، يدقق ويتفحص، وبنظرة وخبرة درسها في بلد الجليد، استطاع تحديد أهم الشخصيات التي تعمل في شركة منافسه وعدوه اللدود معتز النعماني، وهي ريم البسيوني، لم يقف عند حسنها فقط بل شغله ذكائها، خاصةً بعدما قرأ ما فعلته مؤخرًا لأجل الشركة، لذا ابتسم ونطق بنظرة لعوب:
- كَتيرة عليك دي جوي يا ابن النعماني، متستاهلهاش واصل.
استكمل بحثه عنها وشرع يعبث بحاسوبه ليتفحص مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها، وبعد وقتٍ ليس بكثير رفع هاتفه يهاتف أحدهم ليردف بعدما أجاب الآخر:
- اسمع زين اللي حققولك عليه ونفذه بالحرف الواحد، ما عايز أي غلطة.
***
يأتي الليل وينسحب كلٍ منهما إلى ملكوته الخاص به، ولكن نوارة حالتها مختلفة، لم تعد تفضل الجلوس معهم، ولم تعد تشعر بالراحة حتى وهي معتزلة في غرفتها، لذا عادةً ما تفضل الهروب بالنوم.
لم يمر على غفوتها خمس دقائق حتى شعرت بثقل يعتليها ويقيد حركتها، لم تستطع حتى أن تتحرك وكأنها مقيدة بقيودٍ صلدة حول الفراش، أنفاسها بدأت تتباطأ، تحاول سحب الأوكسجين الذي بات يشبه الأثقال، وعجز صدرها عن سحبه، شيئًا ما يقترب منها حتى باتت تشعر بأنفاسه على وجهها لذا فتحت عينيها ببطءٍ وخوف وحينما توهمت بملامح وجهٍ شيطاني صرخت بعلوٍ وانتفضت ترتعش وأسرعت تميل قليلًا لتشعل إضاءة الغرفة فلم تجد شيء.
ثوانٍ مرت واقتحم والدها غرفتها متلهفًا يرنو منها ويتساءل بحنانٍ بالغ:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خير يابتي؟ كابوس ولا إيه؟
جلس مقابلها فأسرعت ترمي في حضنه، تبكي وتلف ذراعيها حوله بقوة متشبثة فيه تشكي بنحيب:
- حتى النوم يابوي، حتى النوم بجى كَتير عليا.
هدهدها وبدأ يتلو آيات القرآن الكريم على رأسها فشعرت بثقل ورفعت كفها تكمم فمه وتمنعه من استكمال قراءته فصدم من فعلتها واستمع إلى شكوكه، لذا صمت وعاد يملس على خصلاتها قائلًا باستفسار:
- احكيلي يابتي اللي حصل.
أبعدت كفيها عن فمه وابتعدت تطالعه بعيون تائهة، لتسمع همس يستهدف أذنها فقط ويهددها بألا تبوح له وتخبره ما يحدث معها لذا ابتسمت تردف بنبرة جعلتها طبيعية:
- كابوس يا بوي، ماتخافش عليا حبجى زينة.
تفحصها بشكٍ ثم تساءل مباشرةً:
- أومال ليه كتمتي حنكي؟
نظرت له بريبة تصارع شيئًا ما داخلها ثم هزت رأسها تجيبه:
- ما خبراش، بس لما بتقرأ جنّب ودني بتوجعني وبحس براسي تقيلة.
أومأ لها بتفهم وابتسم حتى لا يخيفها، ولكنه نهض بقلبٍ منفطر يحدق بها قائلًا:
- ماتجلجيش، بكرة إن شاء الله نطلع ع المدينة ونكشف عليكي ونطمنوا زين، ممكن يكون ده بسبب التفكير الكَتير والجعدة ع النت بردك.
ابتسمت تجيبه وهي تعتدل في فراشها وقد بدأت تستعيد طبيعتها:
- بس أني جعدتي ع النت للمذاكرة يا بوي ومحاضراتي، مهياش رفاهية يعني.
أردف مؤكدًا:
- بردك بتتعبك، لو تحبي تجومي تجعدي برا وتشمي شوية هوا في الجنينة، وتعمليلنا اتنين قهوة سادة، يا سلاااام، هتبجى زي الرهوان.
رحبت بفكرته كثيرًا فهي لا تريد البقاء بمفردها، ليتها لا تدخل غرفتها أبدًا، وليتها لا تختلط بالبشرٍ قط، حقًا لم تعد تعلم ماذا تريد، لذا ترجلت تبتسم وتجيبه مراوغة لحالتها:
- عينيا الجوز، وأني بديك الساعة لما أشرب قهوتي مع الحاج عبد الوهاب بنفسه، بس يارب الحاجة صابحة ماتجفشناش.
قالتها وضحكت فتبعها يصفع رأسها بخفة ويجيبها مشاكسًا بمرح وهو يضع ذراعه حول كتفها ويسحبها معه للخارج:
- وهو فيه أجمل من غيرة الحاجة صابحة عليا! داني بفكر اتچوز مرة كمان علشان أشوف غيرتها صوح.
ضحكت نوارة وهي تتجه معه نحو المطبخ وأردفت بتأكيد:
- إكدة ماهياش غيرة يا أبوي، إنت كدة رايد تجلبها حريجة في الجصر كله، أمي ما بعتهزرش في الموضوع ده بالذات.
أومأ متباهيًا بحب زوجته له ليجيبها بحبٍ متبادل:
- وهو أني أجدر أكسر جلبها بردك، وبعدين لو لفيت الدنيا كلها مالجيش زي صابحة وعيون صابحة وضحكة صابحة، دي ست الستات.
غزله في زوجته جعل ابنته تشعر بالسعادة وبالراحة والألفة، لم تتذكر يومًا أن والدها أهان والدتها أمامها، أو عنفها، في كل مرة يظهر حبه لها دون قيودٍ أو خوفٍ من مجتمعه الذي يخشى إظهار الحب فيقع في شباك الضعف والاستهزاء من الآخرين، لذا فهو اتخذ من نفسه قدوةً ليوضح لهم أن التعبير عن حب الزوجة الجيدة لا ينقص من رجولته شيء.
***
في غرفة مهران ليلًا.
ينام كلٍ منهما على طرفي الفراش، يواليها ظهره وهي كذلك، يفكر في حياته وهي كذلك، كلماته اليوم لوالده لم تمر عليها مرور الكرام، خاصة حينما تدمجها مع أفعاله ومعاملته معها، عينيها تبكي حرقةً ولم تعد تعلم ماذا تفعل وكيف تجعله يحبها ويتقبلها كزوجة، تشعر أن قلبها سيخرج من مكانه نسبةً للأحزان المتتالية التي تعيشها.
التفتت تقابل ظهره وتنظر له لبرهة، أيعقل ألا يكون قد أحبها حتى لو بمقدارٍ صغير؟ هذا السؤال جعلها تحرك يدها وتربت على ظهره تناديه بهمس قائلة:
- مهران؟
اعتصر عينيه فهو يستمع لصوت نهنحتها ولم يجد لديه كلمات تناسبها لذا ظل كما هو ولكنها تناديه، يعلم أنها ستبدأ سرد أحزانها وذكر سيرة والدها وشقيقيها وهذا ما لا يريده لذا زفر وأردف بنبرة خافتة:
- أني عايز أنام يا نهاد، ورايا شغل كَتير بكرة ومحتاج أرتاح.
تألمت بشكلٍ مضاعف ولكنها قررت ألا تصمت لذا باحت:
- ما حترتاحِش يا مهران، لا أنا ولا إنت حنرتاح طول ما بنتجاهل وجعنا إكدة، حتفضل تهرب مني لحد إمتى؟ معقول طول الوقت ده ما حبتنيش واصل؟ مافيش أي مشاعر جواك اتحركت علشاني؟
أُجبر على أن يلتفت ويواجهها وحينما اصطدم بعينيها انعقد لسانه، هو يسعى ألا يجرحها ولكنه لا يدرك أن صمته وتجاهله أشد حدةً من كلماته لذا استرسلت بنبرة مترجية:
- ساكت ليه عاد؟ طلع اللي جواك، محبتنيش واصل؟ مش قادر تنسى إنهم جوزوك غصب؟
زفر مطولًا وآلمه ضميره لما تمر به لذا تحمحم يردف بخفوت:
- وهو أني لو ما حبتكيش حخلف منك كيف؟ كل ما في الأمر إني نفسي تشوفي حالك وتهملي كل اللي بتفكري فيه دي، هونيها على حالك يا بنت الناس.
هزت رأسها تتساءل بحرقة:
- أهونها كيف يا مهران؟ بيجوله اللي أهلها كارهينا جوزها ما عيشيلهاش من أرضها، أهونها كيف على حالي وانت علطول مش معبرني ولا مهتم بيا؟ ومش بلومك لإني خابرة زين إن الغلطة غلطة أبوي واخواتي، بس أني ماليش ذنب يا مهران، أني بحبك جوي ولما جالو إننا نتچوز حسيت إن ربنا بيجبر خاطري فيك، ماتبجاش زيهم وتجسى عليا إنت كمان، هما السبب في حالتي دي وهما اللي وصلوني لِكْدة، جرب تساعدني يا مهران يمكن أقدر أتخطى الوجع اللي جوايا وابجى الست اللي إنت عايزها صُح.
أطال النظر إليها يفكر هل حقًا يجب أن يساعدها؟ ولكن ماذا إن فعل؟ هل سيصبح مجبرًا على حبها؟ ويغض الطرف عن كرهه لعمه وإجباره عليها؟ هل يستطيع أن يفعل؟ أم أنه لا يريد؟
زفر بحرارة فوجدها تمد يدها تلتقط كفه وتسحبه إليها لتلثمه ثم احتضنته داخل صدرها وأغمضت عينيها لتغفو عليه بعدما فضفضت بما لديها، وكالعادة أفعالها تزيد من الضغط عليه، ليتها تتوقف عن محاولة استعطافه هذه.
غفت وتركته ينظر لها ولتفاصيلها ليصبح مشتتًا بين ما يريد ومالا يريد، عاجزًا عن احتوائها.
يتبع....
رواية صياد النايا الحانا الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي
لم تنم منذ ليلة أمس، لا تصدق أنها كانت تقف أمام قاتل شقيقها وبرغم ذلك لم تستطع قتله. لا تصدق أنه سرق خنجرها وطعنها طعنة غدرٍ أخرى. نظراته كانت قوية كأن يده لم تتلوث بالدم. عيناه بهما تحدٍ جعلها تبدو في حالة ضعفٍ أمامه، وهذا أكثر ما يحرقها.
قضت ليلتها تفكر هل تخبر شقيقها أم لا، وإن أخبرته ماذا سيفعل، وكيف ستوضح له سرقة الخنجر الخاص بها. تضاعف كرهها له، وتفاقم الغل داخل قلبها وباتت خلاياها متلهفة للحظة الانتقام. لذا حينما تعالت طرقات شقيقها على باب غرفتها انتفضت للحظات قبل أن تسمح له بالدخول.
دلف يغلق الباب خلفه، واقترب منها حيث كانت تقف بالقرب من نافذتها تفكر، يترقب النظر لها ويتساءل بقلقٍ من تأخرها على الخروج حيث اعتاد استيقاظها باكرًا ورؤيتها تخطو بنشاط في الصباح.
"مالك يا فرحة؟ حابسة نفسك چوة أوضتك ليه عاد؟ حُصل حاچة؟"
رفعت نظرها تحدق به لبرهة وحينما وقف أمامها يتفحصها قررت أن تخبره، ليشاركها نارها فمن غيره هنا ليسمعها ويفهمها؟ الجميع يظنوها ظالمة، ووحدها تحترق ويؤجج نيرانها كل زفير يخرجه عمار.
لذا التقطت نفسًا قويًا ونطقت وهي تتكتف وتومئ محدقةً به بترقب تخشى ردة فعله وتنتظرها في آنٍ.
"حُصل يا أيوب."
مال بوجهه قاطبًا جبينه متسائلًا بتحفز.
"إيه الي حُصل؟ انطجي."
مسحت على وجهها تتحلى بالصبر وهي تتحرك بتيه، ثم نطقت وعينيها تتفحصه بتأهب.
"شوفت ولد الحنانوة، وكنت حجتله، بس فلت من يدي."
تأهب أيوب بدوره تساءل بوجومٍ وغل.
"شوفتيه كيف؟ وفين؟"
تمسكت بكفيه تحثه على الجلوس ونطقت تعبر عن غضبها.
"شوفته عند الحدود اللي بينا، كان ماشي من غير حراسة، كان نفسي وجتها أجتله بيدي ونرتاح، بس مالحجتش، جه أخوه الكَبير ونده عليه وخده ومشوا جدام عيني وأني متكتفة مش عارفة أعمل حاچة."
هز رأسه رفضًا ونطق بغل وتأكيد بعدما اشتعل فتيل انتقامه مجددًا.
"مش إنتِ اللي حتعملي يا فرحة، أني اللي حخلص عليه، والمرة الچاية ماحيفلتش من يدي واصل، و ده وعدي."
أردفت بنبرة اهتمامٍ وحذر وتحفيز.
"بس خد بالك زين من يونس يا أيوب، ماتعرفوش بتفكر كيف، وخد بالك واضح إكدة إن ولد الحنانوة زهج من الحراسة، ومن اهنة ورايح حيحب يتمشى لحاله، علشان إكدة ركز صُح ونفذ في الوجت المناسب."
أومأ مؤيدًا فكلاهما يعلمان جيدًا أن في كل مرةٍ يحاولان فيها الأخذ بثأرهما لا يمنعهما سوى يونس، لذا وجب عليهما الحذر وها هو يردف بتوعد.
"حيحصُل يابت أبوي، أني مجهزله موتة تليج بيه وبعذابنا خمس سنين بسببه، ماتجلجيش كل واحد حياخد حجه وزيادة."
***
تحركت المركب المتجهة إلى أسوان وعلى متنها عددًا من الأفواج السياحية التابعة لشركة آل حانا.
قرر مهران أن يستمع إلى كلام السكرتيرة الخاصة به ويذهب معهم، لربما عدّلت هذه الرحلة من مزاجه قليلًا.
وقف عند السياج في الطابق الثاني من المركب ينظر إلى النيل ويتأمل هذا المنظر الطبيعي بشرود.
حالة العناد بين المركب والمياه تنتج هذا التناقض الذي يثير إعجاب من يراها.
لذا شبه نفسه بمياه النهر السارية بعكس اتجاه المركب العنيدة التي تشبه زوجته، تذكر حديثها أمس وطلبها المساعدة منه، تذكر حينما احتضنت كفه وغفت، ولم ينسَ سيرة عمه التي عكرت صفوه كليًا.
يتساءل هل يستطيع مساعدتها! هل يمكن لهذه المياه أن تعكس اتجاهها لتوافق سفينته؟ أم أنه يجب على السفينة أن تغير دفتها وتستسلم لرغبة المياه؟ من منهما على استعداد ليتنازل كي يحدث التناغم؟
ربما هذا يعد مستحيلًا الآن ولكنهما سيتفقان عند العودة، ذلك التناغم الذي يبحثان عنه كليهما سيحدث فقط حينما تعود السفينة إلى جذورها وتنتهي هذه الرحلة.
قطع شروده صوت ارتطام قوي بالقرب منه لذا اعتدل ينظر حوله بتعجبٍ حيث الجميع في الأعلى.
تحرك خطوتين ليرى ما هذا الارتطام، ليتفاجأ بجسد أنثوي ملقى على الأرض وإحداهن فاقدة للوعي.
أسرع يرنو منها ويحاول إفاقتها وهو يربت على وجنتها مناديًا بلغة أجنبية.
"يا آنسة؟ أتسمعينني؟"
تبدو شابة في العشرينات من عمرها، بخصلاتٍ شقراء توزعت من حولها، غائبة تمامًا عن وعيها لذا تنفس بقوة واستشعر أنفاسها ليزفر باطمئنان حينما وجدها تتنفس. نظر حوله فلم يجد أحدًا لذا أُجبر على حملها ونقلها لأقرب أريكة ومددها عليها وعاد يناديها بترقب.
"يا آنسة، هيا انهضي."
لم تسمعه لذا تحرك يحضر زجاجة مياه وصب منها القليل على كفه ثم نفض الماء على وجهها بشكلٍ مفاجئ لينجح أخيرًا في إفاقتها فحاولت التململ وهي تنظر حولها بتخبط وتضع كفها على رأسها الذي يؤلمها من أثر السقوط لذا نطقت من بين أنينها بلغة أجنبية وهي تعتدل في جلستها.
"ماذا حدث لي؟ يا إلهي رأسي يؤلمني كثيرًا."
دقق النظر لها ونطق بتروٍ وهو ينهض.
"لا تقلقي رأسك يؤلمك بسبب السقوط، ولكن كيف هكذا سقطتي بشكلٍ مفاجئ؟ هل لديك دوار البحر؟"
نظرت له قليلًا بعينين ذابلتين ثم أومأت وهي تدلك رأسها بخفوت ونطقت بوهن.
"نعم لدي، شكرًا لك على مساعدتك."
هز منكبيه يجيبها.
"لم أفعل شيئًا، هل تحبي أن أساعدك لتصلي إلى غرفتك؟"
بدا الحرج على ملامحها ولكنها بالفعل تريد ذلك لذا أردفت بإجهاد.
"لو سمحت."
أومأ وساعدها بالفعل على النهوض يمسك بيدها ويخطو معها حتى وصل إلى الممر المؤدي للغرف وتوقفا أمام غرفتها فنظرت له بامتنان فأردف بنبرة لينة.
"ارتاحي قليلًا وسأرسل لكي مساعدة على الفور."
"شكرًا لك مرة أخرى."
ابتسم وتحرك يغادر وتركها تدخل وتتمدد على الفراش الخاص بها لتستريح قليلًا نسبةً لألم رأسها وعقلها يفكر في حياتها هنا وكيف ستتعامل وماذا ستفعل ومن سيساعدها.
***
ترجل من سيارته أمام شركة معتز النعماني، يهندم حلته وينظر بعينين ماكرتين إلى الصرح الكبير والاسم الذي كُتب بالبنط العريض و المكان الراقي الذي اختاره كموقع لشركته.
يقسم داخله أنه سيزيحه من سوق البرمجة والأمن السيبراني، فذاك المعتز لا يستحق ما يسعى للحصول عليه، يعلمه جيدًا ويعلم مدى خبثه لكي يصعد على أكتاف من حوله، لم ينسَ ما حدث بينهما في الماضي، ومعتز أيضًا لم ينسَ، كلاهما يتذكران وكلاهما أجلا انتقامهما لحين إشعارٍ آخر، وها قد حانت اللحظة، هذه المرة سيكون محقًا حينما يسحب البساط من أسفل قدميه.
زفر وأغلق زر بدلته ثم تحرك نحو الداخل، هيأته الرتيبة والمنمقة والثرية بالإضافة إلى هويته جعلته يتجاوز الأمن بسهولة، اتجه يستعمل المصعد ليصعد إلى الطابق المنشود.
خرج يخطو في الردهة ليجد إحدى الفتيات تقف في مكتب جانبي لذا توقف يسألها بابتسامته التي يوقن أنها تُليّن حديدهن.
"مساء الخير، ممكن أجابل مستر معتز؟"
نظرت له الموظفة وابتسمت تجيبه بأسفٍ.
"للأسف مستر معتز مسافر برا مصر، حضرتك ممكن تقول اسمك ورقمك وأنا احددلك معاد مع أستاذة ريم مديرة مكتبه ولما يرچع تبقى تنورنا وتقابله يا فندم."
ادعى تفاجؤه بالخبر وبدا منزعجًا وهو يزم شفتيه ويومئ ثم أردف بتخابث.
"مع إني كنت رايده في موضوع مهم بس تمام، اسمي چابر عبد الوهاب آل حانا، ورقمـــ"
شهقت الموظفة تطالعه بدهشة لم تستطع تحجيمها قائلة.
"حضرتك ابن الحاج عبد الوهاب آل حانا؟"
أومأ مبتسمًا فاسترسلت وهي ترفع سماعة الهاتف المجاور.
"لاء ثواني هخليك تقابل الآنسة ريم حالًا."
قالتها وهي تهاتف ريم التي أجابتها مستفسرة لتستطرد الأولى.
"آنسة ريم، مستر چابر عبد الوهاب آل حانا هنا، كان چاي يقابل مستر معتز وأنا بلغته إنه مسافر، بس هو بيقول إنه عايزه في موضوع مهم، فقولت أبلغك!"
صمتت ريم قليلًا تفكر فهي لا تعرفه ولم تسمع اسمه من قبل برغم معرفتها المسبقة بعائلته.
أردفت بهدوء مبهم.
"تمام يا رقية خليه يتفضل في المكتب."
"حالا."
قالتها رقية وأغلقت تبتسم له وتجيبه بحماس.
"اتفضل يا چابر بيه آنسة ريم في انتظارك."
ابتسم لها يميل بوجهه نحوها قائلًا قبل أن يتجه نحو الممر الذي أشارت إليه.
"متشكر جدًا."
خطا مستعدًا للمقابلة التي خطط لها جيدًا منذ أيام وانتظر سفر معتز لينفذها، وها هي تستقبله ريم بنفسها عند باب مكتبها، تبتسم ابتسامة رسمية وتردف مرحبة برتابة.
"أهلًا وسهلًا يا مستر چابر، اتفضل."
قالتها وهي تشير على المقعد الذي يقابل مكتبها فأومأ مرحبًا متفحصًا إياها بنظرة شاملة وسريعة في آن واتجه يجلس مردفًا بنبرة تحمل الود على سفينة مَكْرِه.
"متشكر چدًا يا آنسة ريم، أني بصراحة لو كنت أعرف إن معتز مش إهنة كنت أچلت جيّتي، بس خير، كفاية إننا شوفناكي."
ابتسمت بتكلف تجيبه وهي تجلس خلف مكتبها وتطالعه مشبكةً كفيها أمامها.
"متشكرة چدًا، اتفضل أقدر أساعدك إزاي؟"
تنفس بعمقٍ فتضخم منكبيه واعتدل يحدق بها بنظراته الصائدة ويوضح بمكرٍ يبرع فيه.
"تسلمي يا ست البنات، أني ومعتز كنا صحاب من أيام الچامعة، كنا دُفعة واحدة وهو غالي عليا كَتير، بس أني سافرت روسيا أكمل هناك دراستي ولسة راچع من يادوب سبوع، وجولت آچي أشوفه واعرفه إني هفتح شركة برمچة جريب، يعني نفس المچال، وچيت أمد يدي بالخير والمحبة، أني خابر زين إن فيه شركات منافسة عتحب تصطاد في المية العكرة، وعلشان إكدة أني رايد اتجدم خطوة ونحط يدنا في يد بعض، ولو معتز موافجش يبقى على الأجل نلتزم بآداب المهنة وماحدش منينا يضر التاني."
راق لها حديثه وسعيه لتقديم يد العون خاصةً وأنها لم ترَ أحد المنافسين يفعل مثله من قبل، ولكنها على ثقة بأن معتز لن يضره لذا ابتسمت تجيبه بنبرة عملية يحتلها الذكاء.
"خليني الأول أشكر حضرتك على المبادرة القيمة دي، طبعًا الحاج عبد الوهاب آل حانا غني عن التعريف وأكيد أولاده زيه، للأسف في الفترة الأخيرة المنافسين فعلًا حاولوا يلعبوا من تحت الترابيزة، بس الحمدلله إحنا هنا إيد واحدة وقدرنا نكشف مؤامراتهم ونتصدرلها، علشان كدة أنا ممتنة ليك ولچيتك قبل ما تبدأ شركتك علشان تظهر حسن النية، وتأكد إن مستر معتز مش هيحاول أبدًا يضر شركتك بأي شكل، وعامةً هو قدامه كام يوم وييچي ووقتها هبلغه وهتواصل معاك علشان تيچي تقابله."
ابتسم لها ودقق النظر فيها ليصيبها بالتوتر وبالفعل نجح حينما أبعدت عينيها عنه فأومأ يردف مادحًا.
"واضح إنهم إهنة محظوظين بوچود مديرة أعمال چميلة وذكية زي حضرتك يا آنسة ريم، ادعيلي الاجي واحدة كيفك أو حتى واحد يكون مصدر ثجة، إنتِ أكيد خابرة زين إن مش أي حد نثج فيه ونأمنه، وخصوصًا في مچالنا ده، الغلطة الواحدة بفورة كيف ما بيجوله."
أومأت مؤيدة تخفي خجلها من مدحه وتنصحه بخبرتها الجزئية قائلة.
"معاك حق طبعًا يا مستر چابر، علشان كدة نصيحتي ليك دوّر كويس وتچنب تعيين الموظفين اللي سبق واشتغلوا مع شركات منافسة في أماكن حساسة، يعني البيانات السرية اللي هينطلب منك تأمينها الأفصل تكون مع حضرتك و بس، أكيد إنت فاهمني في النقطة دي."
أومأ يؤكد.
"أكيد طبعًا، ومتشكر ع النصيحة، وأني صوح عامل حسابي ومش هبجى لوحدي، أصحابي ويايا، يعني إحنا فريج صغير اكدة على جدنا وربنا ييسر، وبردك معتز يعرفهم زين، وأدينا هنبدأ وعلى الله التساهيل."
تزينت بابتسامة مجاملة وأردفت بطبع طيبتها.
"بالتوفيق إن شاء الله، ولو احتجت أي حاجة أنا ممكن أساعدك."
اتسعت حدقته تفاجؤًا وأظهر ترحيبه وسعادته و أردف.
"معجول؟ إكدة كَتير منك جوي يا آنسة ريم، إني كنت چاي ومتعشم في معتز يساعدنا، بس بأمانة كنت خايف يردني، بس ربنا رايد إني آچي وأشوفك، لعله خير إن شاء الله، وأكيد لو وجف عليا حاچة هتواصل وياكي."
نهض بعدها يمد يده إليها فشعرت بالحرج وأُجبرت على مبادلته السلام فاحتوى كفها بدفء يده عن عمدٍ ولكنه يدعي العفوية وهو يسترسل مبتسمًا.
"متشكر جوي جوي."
تحمحمت خجلًا وسحبت يدها تردف بنبضات متسارعة.
"العفو، أنا ماعملتش حاچة، نورت."
أومأ مبتسمًا وتحرك ليغادر ولكنه عاد يلتفت لها ويستطرد ماكرًا.
"لو ممكن بعد إذنك آخد رجم تليفونك؟ لو تحبي يعني، بس لو ماعيزاشي خلاص."
هزت رأسها تردف بحرج.
"لاء عادي، ثواني."
انتشلت ورقة ملاحظات ودونت رقمها ثم اعتدلت تناوله اياه فالتقطه منها يبتسم ابتسامة ساحرة ويردف بنظرات مصوّبة.
"تسلمي يا ست البنات."
قالها والتفت يغادر وعلى محياه ابتسامة مكرٍ صافية، فها هو قد رمى شباكه ويبدو أنها عن قريبٍ ستقع داخلها.
بينما هي جلست تلتقط نفسًا قويًا كأن الهواء فضّل تركهما بمفردهما، جلست وهي تفكر هي قد تعاملت مع رجال كُثر ولكن هذا الشاب طاقته غريبة بالنسبة لها.
استغفرت وعادت تكمل عملها وتحاول نفض كلماته ونظراته من عقلها.
***
بعد عدة ساعات انقضت في عمل تحاليل وأشعة بناءً على رغبة الطبيب الذي ذهب إليه عبد الوهاب مع ابنته نوارة ليفحصها.
جلسا أمامه ينتظران حديثه وهو يتفحص النتائج بدقة، كانت عينا نوارة موصبةً عليه وقبل أن ينطق بالنتيجة كانت تسمعها وحدها بصوتٍ يتردد في عقلها لا تعلم مصدره لذا أسرعت ترفع كفيها وتكمم أذنيها عن السمع فالتفت لها والدها يطالعها بلهفة وكذلك الطبيب الذي ترك ما في يده وحدق بها بتعجب.
أسرع عبد الوهاب يمسك بكفيها وينزلهما وهو يتفحص عينيها متسائلًا بقلق.
"إيه اللي حُصل؟"
وعت على نفسها ونظرت له ثم التفتت تنظر إلى الطبيب وشعرت بالحرج الشديد لذا نطقت معتذرة.
"أني آسفة، أني بس حسيت بصفير عالي چه في وداني فچأة، جولنا يا دكتور التحاليل فيها حاچة؟"
نظر الطبيب لوالدها نظرة ذات مغزى وبرغم شعوره بحالة غريبة تتملكها إلا أنه مُجبر على التصرف بعملية حسب وظيفته لذا نطق.
"التحاليل كلها تمام، الأشعة المقطعية اللي ع المخ تمام چدًا، ممكن يكون الضغط بيعلى شوية وده هنظبطه ما تقلقوش، بس حاولي تسترخي وماتفكريش كتير، وخلي راسك متساوية عند النوم، بلاش مخدات كتير، ده هيساعد الدم يوصل للمخ بشكل أسرع."
تساءل عبد الوهاب بقلقٍ وترقب.
"جول يا دكتور لو فيه حاچة غير إكدة نعملها، مش معجول اللي بيحصل مع بتي ده يكون سببه الضغط!"
ابتسم الطبيب وشبك كفيه ينطق وهو يوزع نظراته بينهما.
"لا ده وارد چدًا، هي بس تهتم بأكلها وتبطل تفكير زيادة وهتبقى زي الفل."
صمت الطبيب لبرهة ثم استأنف حديثه يتساءل.
"بتصلي يا نوارة؟"
نظرت له متفاجئة من سؤاله ثم نظرت لوالدها ليسعفها في الإجابة، فهي تؤدي الفرض كما لو كان يتبعها وحشًا، تؤديها مسرعةً قبل أن تشعر بالثقل والخمول، حتى أنها ذات يومٍ غفت وهي تصلي.
أومأت له حينما لم يجِبه عبد الوهاب لذا تحمحم الطبيب ونطق بهدوء.
"تمام، لما بيچيلي مريض بيعاني من الصداع أو علو الضغط، بنشخص حالته وبنعرف الأسباب ومع الأدوية اللي بنوصفها بننصحه يطوّل في السجود، ده أكثر حاجة مفيدة للمخ على فكرة."
أومأت بقناعة فهي تعلم ذلك ولكن ما يحدث معها ليس بيدها لذا نطق عبد الوهاب حينما أدرك حالتها.
"صُوح يا دكتور، ربنا يچعلنا مقيمين الصلاة إحنا وذريتنا، تأمر بحاچة تانية؟"
قالها وهو ينهض لتسرع نوارة في النهوض معه لذا دوّن الطبيب وصفته وناولهما الأوراق يردف بابتسامة عملية.
"هتمشي على الأدوية دي أسبوعين وأشوفكم تاني يا حاج عبد الوهاب، وبإذن الله آنسة نوارة هتبقى زي الفل."
"تسلم يا دكتور محمد، عن إذنك."
قالها وحاوط كتف ابنته وغادر الغرفة وهو يتمنى لو بالفعل أتت هذه الأدوية بنتيجة جيدة.
أما هي فقد شعرت بالقليل من الراحة حينما غادرت، كأن أحدهم كان يقبض على صدرها في الداخل، لتزدرد ريقها وتفكر فيما يحدث معها، هل ستظل في هذه المعاناة، أم أنها ستصبح بخير؟
نطق عبد الوهاب بترقب وهما يستقلان السيارة عائدين.
"إيه يا جلب أبوكي؟ تحبي نروح نجعد في حتة جبل ما نروَح؟"
نظرت له وابتسمت بحبٍ وامتنان فهو يسعى ليفعل أي شيءٍ يجعلها سعيدة، لذا مدت يدها تربت على كفه ونطقت.
"أني زينة يا بوي، ماتجلجش عليا، يمكن صُح بسبب التفكير الكَتير."
دقق النظر فيها يتأملها ثم نطق بمزاحٍ مستتر وتجهمت ملامحه.
"تفكير كَتير في مين؟ أوعاكي تكوني بتفكري في حد غير أبوكي؟"
نطقت بثقة مؤكدة تبتسم.
"لاء، من الناحية دي اطمن ع الآخر، مافيش في الجلب غيرك."
ابتسم برضا وتباهٍ وتحركا عائدين إلى النجع وكلاهما يفكران في الحالة التي تراودها وتشعر بها.
***
بعد صلاة العصر وداخل مسجد آل حامد بعدما غادر المصلين، اعتاد يونس الجلوس بمفرده والتسبيح قليلًا.
تقدم رجلٌ منه يلقي السلام و جلس يجاوره بعدما انتبه له الثاني.
"إحنا جاصدينك في خدمة يا شيخ يونس، بتي أميرة مسحورة، لفينا بيها على دكاترة الأقصر كلياتهم ماحدش عارف يعالچها، ووديناها للحاچة بدر وبردك لساتها عتتوجع، أحب على يدك تعالى وشوفها إنت، أني خايف تروح من يدي."
كان يعد حبات مسبحته وهو يستمع له بتركيز ثم أجابه بأسفٍ.
"ياريتني أجدر يا حاچ أحمد، إنت خابر زين إني مابرجيش حريم واصل، الموضوع ده بتعمله الحاچة بدر، يبجى كيف ماهياش عارفة لبتك؟ مهياش أول مرة يعني."
طالعه بيأسٍ و حزن.
"ماهي كبرت بردك يا شيخ يونس، دلوك بجت تتوه وهي بتقرأ الرؤية ومابجتش تعرف تتحكم زين بالبنات، وبعدين إنت بتعمل عمل خير والكل اهنة بيشهدلك وربنا چعل على يدك الشفا لشباب النچع، معلش علشان خاطري جرب المرة دي بس."
مط يونس شفيته بأسفٍ فهو لا يستطيع مساعدته في هذا الأمر، لقد جعل لنفسه حدودًا لا يمكنه تخطيها، و برغم أن علاج السحر قد وصفه الله تعالى لنا في آيات القرآن الكريم، إلا أن كثيرين يجهلون استخدامها، فمنهم من يلجأ لرجال الدين، والأشد خطورة أن البعض يلجأ للدجالين بجهلٍ تام وعقلٍ عابث.
هناك بعض أنواع السحر الأسود تصنف كحالات نفسية، وحالات أخرى تُعالج تلقائيًا بثقة تامة من المريض بأن النفع والضرر بيد الله وهؤلاء أصوبُهم على الإطلاق، لأن قوة الإيمان توقي من شر الأسحار.
ولكن هناك عدة حالات خاصة يتملك منها السحر الأسود، نظرًا لكثرة التفكير في الأمر، أو لسوء الظن في الخالق والعياذ بالله، أو بالجهل والاستهانة بمفعول العلاج القرآني، أو لتجاهل الأمر برمته والاعتقاد بأنه هراء.
وفي كلتا الأحوال، التجاهل مؤذي، والانغماس مع الدجالين أكثر إيذاءً،حيث يدخل المسحور في صراعاتٍ خارقة للطبيعة، ويرغمه عقله على فعل تصرفات تخيف كل من حوله وتجبرهم على المضي في طرقٍ أشد سوءًا.
وسعيد الحظ هو من تمتد له يد العون ويلجأ لمعالج ديني على دراية وعلم صحيحين، وحينها يرفضه المسحور ويستنكر التعافي ويحاربه بشراسة رغمًا عنه. لذا يجب على المعالج بالرقية أن يتحكم به جيدًا، وأن يمتلك البنية الجسدية السليمة ليثبته بالقدر المستطاع، وهذا ما جعل يونس يرفض التعامل مع النساء في هذا الأمر لأنه يحترم ويلتزم بدينه، ولأنه يرى أن من يفعل ذلك يرتكب إثمًا وبهتانًا بحجة المعالجة، لذا استغفر ربه ونطق بتريث.
"خد بتك يا حاچ أحمد وروح للحاچة بدر تاني و أنا هتحدت وياها واجولها تعمل إيه."
طالعه الرجل بترجٍ يستعطفه بنظراته، لا يتحمل أن تصاب ابنته بمكروهٍ، و هو بالأساس يراها تموت بالبطيء، لذا استرسل يونس يطمئنه وهو يخرج ورقة من جيب جلبابه كُتب بها جميع الآيات والأذكار والسور القرآنية الصحيحة للعلاج وناولها له.
"ماتخافش بتك هتبجى زينة، خد بس الورجة دي ونفذ اللي فيها صُح، واقرأ الآيات اللي إهنة على راسها، وكمان على إزازة مية وخلي بتك تشرب منها كل ما تعطش، وأكلها ماحدش يطبخهولها غير أمها، ولو ليها صور على النت خليها تحذفها."
أومأ الرجل وسأله بريبة.
"هو إنت ممكن تعرف مين اللي أذيها يا شيخ يونس؟"
تجهمت ملامح يونس ونطق بحدة.
"أني مش دچال يا حاچ أحمد، وماحدش يعرف مين غير ربنا وحده، إياك تصدج اللي يجولك فلان وعلان وتظلم حد، ده وزر كَبير، إحنا كل اللي علينا إننا بنعمل كيف ما الحكومة بتعمل، بنمشي ورى الأدلة لحد ما يبان الساحر بنفسه ولو مابانش يبجى ربك كفيل بيه، وكلها أقدار ومكتوبة علينا، روح لبتك وسيبها على الله، هو اللي بيده النفع والضرر مش بيد مخلوج."
أومأ الرجل وتحرك يحمل بعض الطمأنينة ويردف مغادرًا.
"ونعم بالله يا شيخ يونس، ربنا يبارك فيك يابني ويكرمك ويراضيك كيف مانت راضيه."
نهض يونس بعد ذلك يتنفس بعمق وبرغم اعتياده على معالجة أمور السحر هذه إلا أنه في كل مرةٍ يستنكر كيف لبشرٍ أن يشارك في معاناة إنسان لهذه الدرجة؟ لقد رأى في هذا المجال ما يجعل رأسه يشيب برغم صغر سنه، ولكنه في نهاية المطاف على يقين تام بأنه كلما تمسك المرء بدينه وإيمانه وقوّاه بالأذكار والصلاة والثقة بالله لن يتملك منه سحرًا ولا أذى، سيحاولون وسيفشلون مادام ثقة العبد بربه لم تتزعزع.
***
حل المساء وتجمع السائحون على متن السفينة لتناول العشاء، جميعهم مستمتعون بهذه الرحلة الرائعة، مع شرح المرشدة للآثار والقصور التي ترتص على ضفاف النيل، وبعض الصور التذكارية الرائعة.
جلس الجميع حول الطاولات المعدة من قبل طاقم إعداد الطعام على المركب، وجلس مهران مع سكرتيرته وبعض السياح الذين على معرفة مسبقة به.
صعدت تلك الشابة لتوها لتنضم إليهم، نظرت حولها بحرجٍ فلم تعلم على أي طاولة تجلس لذا توقفت عينيها عند مهران الذي كان يتحدث إلى صديقه ليرفع عينيه تلقائيًا فيراها، تقف ترتدي فستانًا قصيرًا بعض الشيء بأكمام طويلة ولونٍ أسود، خصلاتها حرة تتطاير مع الهواء ذهابًا وإيابًا.
حياها برأسه فابتسمت وبادلته ثم عادت تلتفت حولها لينهض ويردف بنبرة واضحة وبلغتها.
"تفضلي هنا."
اتسعت ابتسامتها وتحركت على الفور نحوه فأشار لها نحو المقعد المجاور له على الطرف الآخر فابتسمت ونطقت بنبرة خافتة.
"شكرًا لك."
"على الرحب."
جلست وبدأت تتناول طعامها على استحياء والجميع انشغل بالطعام والحديث عن مواضيع شتى.
مرت الدقائق وانتهى الطعام ونهض كل ثنائي ليستمتعا بالموسيقى التي صدحت في الأجواء ولم يبقَ سوى القليل ومنهم مهران الذي لا يحب الضوضاء لذا قرر أن ينعزل بنفسه ويعود إلى الطابق الثاني فنهض ينوي التحرك لتوقفه قائلة بترقب.
"ألا تحب الموسيقى؟"
زم شفتيه في تعجب من ملاحظتها ثم أجابها بهدوء وهو يطالعها.
"لا، أنا أفضل الاستمتاع بالهدوء، عن إذنك."
"وأنا أيضًا لا أحب هذه الأجواء، هل يمكن أن نتحدث قليلًا؟"
قالتها وهي تنهض ليتفاجأ من طلبها ولكنه نظر حوله فهذه الأجواء لا تناسب أي حديث لذا عاد يطالعها ويردف.
"حسنًا تفضلي، لنتحدث في الطابق الآخر."
أومأت بحماس ونهضت تتحرك معه تحت أنظاره المتعجبة من أمرها ولكنه اعتاد على الجرأة التي تحدث من بعض السياح، واعتاد أيضًا على نظرات الإعجاب المصوبة نحوه.
لكنه دومًا يتعامل برقي ودبلوماسية تأهله لنيل محبتهم ورضاهم فيزداد ثقة الزوار به وبشركته.
بعد قليل جلسا سويًا في ذات المكان الذي أراحها عليه نهارًا، يردف بنبرة لينة حيث يرى منظر المياه من حوله.
"تفضلي أسمعك؟ ولكن أرجوكي لا تصابي مرةً أخرى بالدوار."
اتسعت ابتسامتها تجيبه بمرح.
"نعم أخشى هذا، ومع ذلك أعشق الرحلات البحرية، وودت لو أجرب رحلة النيل أيضًا فأنا من الشغوفين به، ولكن كالعادة أقع كالبلهاء."
بادلها ابتسامة هادئة ثم تساءل بفضول.
"يبدو أنها الرحلة الأولى لكِ في النيل فكيف ومتى شغفتِ به؟"
عادت تبتسم وتجلت الشقاوة على ملامحها لتجيبه بحماس وبلهجة مصرية.
"لإني مصرية، وصعيدية كمان، بابا الله يرحمه من الأقصر ووالدتي أمريكية."
تعالت الدهشة ملامحه وشقت ابتسامة محيّاه وعبر عن دهشته قائلًا.
"وه؟ وسيباني احكي أچنبي؟ مش تجولي يا بنت الناس؟"
ضحكت عليه وأردفت بنبرة صعيدية مرحة بعدما اندمج معها.
"أديني جولت اهو، وحجول كمان إني جيت إهنة أدور على عيلة أبوي مش چاية سياحة."
خيم الحزن فجأة على ملامحها وهي تتابع بتوتر.
"لإن والدتي اتوفت الشهر اللي فات، وطبعًا والدي متوفي من سنتين، يعني بقيت وحيدة، فقولت أنزل بلدي وأدور على عيلتي أحسن من العيشة في أمريكا، بابا الله يرحمه كان نفسه في كدة بس ماما هي اللي كانت دايما بتعترض، لكن بعد ماتوفت مابقاش فيه سبب يخليني أفضل هناك."
استمع لها بتركيز حتى انتهت لذا طالعته وتابعت بنبرة معتذرة.
"أنا آسفة دخلت في الموضوع علطول، بس أنا حبيت اسألك يمكن تكون عارف عيلتي، أنا اسمي تيا فاروق بدران."
قالتها وهي تمد يدها إليه في مبادرة للسلام فتحمحم يبادلها بحرجٍ قائلًا.
"وأني مهران آل حانا، وتحت أمرك طبعًا،نسأل عليهم ونچيبلك معلومات عنّيهم، بسيطة يا آنسة تيا."
ابتسمت بلطفٍ تجيبه شاكرة.
"بجد هكون شاكرة جدًا جدًا، أنا للأسف معرفش أي حد هنا خالص، وبعتذر لو أزعجتك بس حسيت إنك فعلًا اللي هتقدر تساعدني."
أخرج بطاقته التعريفية وناولها إياها و أردف.
"اتفضلي ده الكارت بتاعي، كلميني في أي وجت، وهاتي رجمك علشان لما أوصل لحاچة أبلغك."
ابتسمت له وأومأت وهي تتناول منه البطاقة وتتفحصها قليلًا ثم عادت تحدق به مردفة.
"حقيقي متشكرة جدًا، بس للأسف الرقم اللي معايا حاليًا مش ثابت وناوية أغيره بكرة، أول ما أغيره هتواصل معاك، وبتمنى توصلهم في أقرب وقت وتبلغني."
أومأ بقبول برغم بعض تساؤلاته حولها وأردف وهو يستعد للنهوض.
"إن شاء الله، عن إذنك."
برغم فضوله حولها إلا أنه لا يفضل الثرثرة كثيرًا وها هو يتحرك كي يعتزل بنفسه ويفكر كعادته وتركها خلفه تبتسم وتتطلع على أثره بحماس وشرود.
***
وقفت نهاد في المطبخ تجاور صابحة وتساعدان الخادمات كالعادة.
تركت صابحة مافي يدها والتقطت المنشفة تجفف كفيها وتردف بهدوء.
"هدو ع الوكل يا بنات، وأني هروح أكلم الحاج أشوفه بجى فين دلوك."
تحركت تغادر المطبخ وتركتهن لتردف رتيبة بحنان.
"روحي يا بتي ارتاحي انتِ واحنا هنكمل."
نطقت نهاد بشرود وهي تقلب الطعام بينما عقلها هو الذي يتقلب بين أفكارٍ عدة.
"أني واجفة معاكو أهو يا خالة رتيبة."
صدح رنين هاتف فظنته هو لذا رفعت رأسها تبحث عنه متلهفة اتصالًا من زوجها ولكنه كان هاتف حسناء الخادمة التي توترت ونظرت لهما ثم ضغطت تغلق الاتصال فنطقت رتيبة معنفة.
"من صباحية ربنا مابطلش رن رن، مايصحش إكدة يا بتي، اتعدلي يا حسناء بدل ما اكسر راسك واكسر الخاتم اللي لبساه كمان، كان ناجصنا وچع النافوخ ده كمان."
نطقت حسناء مدافعة بحالمية.
"وه يا خالة رتيبة؟ وهو يعني انتِ تكرهيلي الفرح؟ ماتجولي حاچة يا ست نهاد!"
قطبت نهاد جبينها بعدم فهم تتساءل وهي تترك ما في يدها.
"خير في إيه؟"
زفرت رتيبة تستغفر ولم تتحدث بينما أسرعت حسناء تعلل.
"هو الحب حرام ولا عيب يا ست نهاد؟ أني ماعملتش حاچة غلط."
حدجتها رتيبة بنظرة غاضبة ونطقت موبخة.
"ماعملتيش حاچة غلط كيف؟ وهو الحب بالغصب عاد؟ خليني ساكتة يا حسناء عشان لو الست صابحة عرفت بعملتك حطين عيشتك."
ازدردت حسناء ريقها واتجهت تستنجد بنهاد قائلة بنبرة استعطافية.
"وحياة حمزة يا ست نهاد تجفي چاري، أني ماعملتش حاچة ولا أذيت حد."
عاد هاتفها يعلن عن اتصال فاستغفرت رتيبة واتجهت تنتشله منها وتغلقه بنفاذ صبرٍ ثم ناولتها إياه ونطقت تشير للبعيد.
"روحي كلميه بعيد عني وفهميه لو رن عليكي تاني وانتِ بتشتغلي هكسر التلفون ده على راسك."
أومأت حسناء مرارًا وتحركت تغادر مسرعة لتجيب على حبيبها بينما دلفت للتو مروة ابنة رتيبة تتساءل بعدما استمعت لحدة والدتها.
"خير ياما مالك تاني؟ ماتسبيها هي حرة، نصحتيها كَتير حتعملي إيه يعني؟"
شعرت نهاد بالضيق بينهن حيث أنها لا تفهم ما يحدث لذا نطقت وهي تنظر إلى مروة.
"فهميني إنتِ يا مروة فيه إيه؟ عملت إيه حسناء؟"
نظرت مروة لوالدتها التي التفتت تباشر الطعام وتركتها لذا زفرت توضح بتعابير وجهٍ متوترة.
"أصل حسناء كانت بتحب واحد، والچدع ده مكانش معبرها، بس هي راحت لواحدة من إياهم عملتلها عمل وخلته يكلمها ورايد يتجدم لها، والعمل ده محطوط في الخاتم اللي هي لابساه في يدها علطول، ومن وجتها أمي مش طيجاها."
شهقت نهاد وتجلى الذهول على وجهها وصمتت لبرهة تفكر ثم تساءلت باستفسار وتعجب.
"واتجدم لها صُح؟ عملتها كيف دي؟"
التفتت رتيبة تنظر إلى نهاد ونطقت موضحة بإيمان.
"يابتي سيبك من الحديت ده، كله بأمر ربنا، بس هي اللي عجلها تعبان ومفكرة إن الدچالة دي خلته يحبها بحج وحجيجي، زمن مايعلم بيه إلا ربنا."
عادت لترى الطعام ووقفت نهاد تنظر إلى مروة وتمط شفتيها بتعجب وعقلها شرد يفكر في هذه القصة الغريبة ومروة تسرد لها أفعال ذلك الشاب بعدما ارتدت حسناء الخاتم.
***
في منزل نجوى آل حانا.
جلست عصرًا مع زوجها في مندرة المنزل يتبادلان غليلهما دون حذرٍ، لتنطق بعيون ثاقبة وهي تحتسي الشاي.
"وانت مفكر إن الموضوع ده حيعدى إكدة والسلام! أني ماستنيتش كِل الوجت ده لما الغندور يرچع من سفره عشان في الآخر يجولي ولادي مش راضيين، لو كان أخوي عجله كبر وخرف ومابجاش أد كلمته صُح، أني بجى حعرفه إن المرَة مابترچعش في كِلمتها واصل، والچوازتين دول حيتموا لو فيها موت."
أومأ زوجها مؤيدًا يعينها على شرها ويردف بغلظة وملامح مكفهرة.
"أخوكي حسنين هو اللي لاعب في دماغ عبد الوهاب، وعايز يجش كله وياخد الواد والبت زي ماچوّز بته الكبيرة لمهران، بس لا، بزيادة عليه إكده، يسيبلنا بجى نايبنا، ولو رايد جوي إكدة يبجى ياخد عمّار لبته."
تجهمت ملامحها ونطقت معنفة وهي تقبض على خصلة من شعرها.
"وحياة ده ماحيحصُل، وبعدين عمّار ده هيسلم روحه جريب، الحوامدة ماعيسبهوش أكتر من إكده."
دخلت عليهما ابنتهما سجود وجاورتهما تجلس وتتساءل باستفهام وتقلب عينيها باعتياد ممل.
"بتخططو لإيه تاني؟ لساتك بردو ياما حاطة في راسك تچوزيني لچابر ولد خالي؟"
"وحتتچوزيه."
قالتها نجوى بأمرٍ نافذ و هي تحدجها بقسوة، لتتجهم ملامح ابنتها وتردف بجرأة وتحدٍ وتلوح بيدها أمامها.
"حتچوزه غصب إياك؟ إنتِ مفكرة إن الحال كيف زمان؟ لاه ياما الدنيا اتغيرت وأني دلوك من حجي اختار الراچل اللي حتچوزه، وبصراحة بجى چابر ده دمه تجيل على جلبي، لو كان عمّار كنت وافجت، إنما بتاع البنات ده ماهواش على كيفي."
لكزتها نجوى بعنفٍ تصيح بطمع.
"اللي مش على كيفك ده يا مزغودة حيفتح شركة لحاله، وماعندوش تار، وعجله يوزن بلد، والبنات اللي عتجولي عليهم دول يتمنوا نظرة منيه، ماتبجيش خايبة يابت بطني."
زفرت سجود وتألمت ونطقت وهي تدلك كتفها وتتذكر معيدها الدكتور نوح.
"ياما أني رايدة اتچوز عن حب، هو كَتير عليا يعني."
حدجها والدها بنظرة غاضبة وكاد أن يهجم عليها ولكن منعته نجوى بيدها وعيناها فنطق وهو يعود لمكانه.
"اجعد يا عواد، بتك عتتدلع عليك دلع ماسخ، وبعدين ماتتكلمش تاني في موضوع الچامعة ده، بتي حتتعلم تعليم عالي علشان تليج بابن خالها وترفع راسها وسطيهم، ولا حيعچبك لما تبجى عايشة في جصر آل حانا وهي أجل منيهم!"
أزدرد ريقه وجلس يشيح بكفه ويكمل احتساء شايه بينما التفتت نجوى لابنتها تسترسل بخفوت ومغزى.
"اسمعي يابت بطني، ماعيزاش اسمعك مرة تانية تجولي حب وكلام ماسخ، الحب عندينا بياچي بعد الچواز، وبعدين عايزة تعيشي جصة حب يبجى قربي من چابر وخليه يحبك ويتعلج بيكي، ولا ماعتعرفيش يا بت نجوى؟"
استطاعت أن تشغل عقل ابنتها بتحدٍ جديد؛ بعدما كانت تنوي التقرب والتودد إلى نوح، ولكن لا بأس أن تحاول مع جابر وفي الوقت نفسه لا تقطع حبل دكتورها الذي سيفيدها في الامتحانات، ولا بأس أيضًا بأن تكمل مثلث تسليتها بعمار الذى ترى فيه الصفات الجيدة.
أردفت وهي تنهض متذكرة.
"ياحوستي كنت حنسى المحاضرة، سبيني الوجتي ياما عندي محاضرة أون لاين للچامعة، عنتحدت وجت تاني."
قالتها وهي تسرع خطاها نحو الداخل لتحضر محاضرة نوح الذي أقنعته بها ودعت الجميع لحضورها.
***
عاد إلى النچع منتصرًا مبتسمًا بعد تلك المقابلة، ريم البسيوني، تلك الذكية والجميلة والبريئة في آن، تشبه غزالةً شامخة وقعت في فخ صيادٍ محترف، مستمتعًا بذكائه في إقناعها مساعدته، ويعلم جيدًا كيف سيسير السيناريو أمامها لتصبح هي اليد التي سيصفع بها معتز دون أي تدخل منه.
التلاعب على العواطف مهنته السرية، يستخدمها ليحقق أهدافه، وهذه الصفة ورثها عن عمه حسنين، لذا فهو يفكر فيه الآن وقرر التوجه إليه ورؤيته.
لم يجلس معه بأريحية منذ أن عاد من سفره، وها هو يصف السيارة أمام منزله ويترجل متجهًا نحو الداخل وحينما لمح عمه صاح يشهر ذراعيه ويخطو نحوه مردفًا.
"يا حاچ حسنين ياللي ناسي ولد أخوك، أكده لا سؤال ولا چواب!"
اتسعت ابتسامة حسنين واتجه يعانقه بحرارة وترحاب مردفًا.
"ودي تيچي بردو يا ولدي، أني بس جولت نشوف روسيا جمدت جلب چابر ولا لساته بيحن لعمه، اتوحشتك يا وله."
ضحك جابر وابتعد عنه وجلسا سويًا على أرائك المندرة يجيبه.
"لا طبعًا يا عمي، إنت خابر زين معزتك في جلبي كيف، واديني چيت اشوفك اهو."
أومأ العم متباهيًا بحب جابر له ونطق بعلو ينادي على ولديه.
"يا سيد، يا راچح، ولد عمكم چابر إهنه، بت يا ولاء علجي ع الشاي وهاتي الجراجيش يا بت."
جاء ابنه راجح أولًا، يرحب بجابر وجلس جواره ثم نطق متسائلًا.
"أخبار روسيا إيه؟ حد يروح روسيا بردك ويرچع إكدة إيد ورا وايد جدام؟ مش كنت چبتلنا فردة روسي وياك تغيّر النسل!"
ضحك جابر ونطق بنبرة مرحة.
"لا يا ولد عمي، دول عالم باردة مايتعشروشي، البلدي يوكل بردك."
أومأ عمه يدعي اقتناعه ليتساءل بترقب حيث يخشى ان يقبل جابر بسجود.
"وعلى إكده في بالك حد بعينه ولا لسة حتختار؟"
رفع كفيه كأنه ينكر تهمة كانت تلتصق به قائلًا.
"لاء ماعيزش دلوك، أني داخل على شركة وهدف ناوي أحججه الأول وبعد كدة ابجى أدور على سعيدة الحظ."
اعترض راجح يردف بلؤم وهو يلكزه.
"يا چدع اتچوز، هو فيه أحلى من الچواز، دورلك على صبية زينة تدلعك ووجتها عتعرف تظبط شغلك وتحجج أحلامك، اسمع مني بس."
نظر له جابر ونطق ساخرًا.
"مانت عملتها جبلي وماحدش شاف ليك حلم ولا حاچة؟ اللي سمعته إنك من يوم چوازك وانت ماعايزش تتحرك من البيت، يا عم كِل واحد ينام ع الچنب اللي يريحه."
ضحك راجح برغم انزعاجه من السمعة التي لحقت به ولكنه تجازو يردف بفتور.
"يا عم چابر ورينا شطارتك، بس خد بالك لتيچي واحدة تشجلب حالك وتوديك البحر وترچعك عطشان، بنات الصعيد بلدي بصحيح، بيلففوك حوالين نفسك كيف الغزلان."
ابتسم جابر ساخرًا ونطق باستهانة.
"الحديت ده وياك إنتِ يا راچح، مش معاي."
لف نظره يسترسل ناهيًا هذا الحوار المملل بالنسبة له.
"أومال سيد فين؟"
وقعت عيناه على الباب حينما ظهرت ولاء ابنة عمه تخرج حاملة صينية الشاي وتتقدم منهم مبتسمة تردف مرحبة بخجل زائف.
"نورت دارنا يا چابر، حمدالله على السلامة، اتفضل الشاي."
وضعته وهو يجيبها بهدوء واعتدلت تطالعه للحظات قبل أن يحدجها شقيقها بنظرة غاضبة ويصيح والدها بجمود اعتاده معها ومع شقيقتها من قبل.
"خشي چوة ونادي على أخوكي."
التفتت تنظر إلى والدها بغيظ وتحركت نحو الداخل بحرجٍ ليسترسلوا حديثهم دونها لمدة تجاوزت النصف ساعة قبل أن ينهض جابر ويغادر بعدما ودعهما.
اقترب راجح من والده وسأله بترقب واستفهام.
"اللا جولي يا ابوي، يعني طالما چابر بيحبك جوي إكدة ليه ماتحاولش تجوزه ولاء بدل عمار؟"
مال حسنين على ابنه يوضح له بخبث.
"واخسر محبته دي؟ چابر ذكي، ومايحبش حد يفرض عليه حاچة واصل، ولو أني حاولت أفرض عليه بتي كيف ما حُصل مع نهاد ومهران حيجلب عليا، وبردك ماحيتچوزش غير على كيفه، لكن عمّار مش فارجة معاه، وسهل أبوه يجنعه لإنه عارف إن أيامه جليلة، اصبر انت بس وشوف أبوك بيلعب كيف."
***
انتهى العمل في شركة آل حانا وغادر الجميع.
كان عمار يجلس يتابع جرد الرحلات غير منتبهٍ للوقت، فاقدًا للشغف، لا يهمه إن قضى هنا ساعةً أو دهر.
يتذكر حينما دافع عن نفسه أمام تلك الفرحة، لقد خطا إلى أراضيهم لينال خلاصه فلِمَ أوقفها وأخذ خنجرها يحتفظ به داخل خزنته؟
هل ما زال متعلقًا بأملٍ في هذه الحياة؟ أم أنه لم يرد أن يُقتل على يد امرأة؟ أم أن لعينيها سحرٌ خاص؟
زفر بقوة وتذكر الكره المرتكز فيهما، ودم الرمان المعصور في يدها، و الخنجر الخاص بها.
أتاه اتصالٌ من أحد حراسه فأجاب بضيق.
"روحوا انتوا يا علي، أني حبات إهنه."
اعترض علي يجيبه.
"كيف بس يا عمّار بيه؟ الحاج عبد الوهاب ماعيجبلش."
زاد ضيقه وقهره لينطق بحدة.
"اسمع الحديت زين ونفذه، عجولك حبات اهنه، روّحو وجول لأبوي إني اللي طلبت اكده منيكم، يالا اتكلوا على الله."
أغلق الهاتف ونهض يتجه نحو النافذة ليستنشق القليل من الهواء ويرى ماذا هم بفاعلون، وحينما وجدهم يستقلون سيارتهم ويغادرون التقط زفيرًا حارًا وشعر بأن قيدًا من قيوده قد انكسر، لذا اتجه يتمدد على الأريكة وينظر للأعلى مطولًا ليفكر في ذلك اليوم المشؤوم.
في الأسفل.
كان أيوب يجول حول الشركة منتظرًا نزوله في أي لحظة، يتخفى بين الأشجار ويراقب، وحينما وجد الحراس يرحلون بدونه تعجب وتساءل داخله، أيمكن أن يكونوا قد اكتشفوا خطته وقاموا بتهريبه؟ ولكن إن كان هذا صحيحًا لقاموا بمهاجمته، إذن أين هو؟ أيمكن أن يكون مازال في الأعلى؟
تذكر حديث شقيقته عن استياء عمار من الحراسة لذا لانت ملامحه وشعر أن الليلة هي ليلة الخلاص وظل يراقب بحذرٍ شديد.
***
في الأعلى.
هجمت تلك الذكرى السيئة عليه لتصبح كالقبضة الحديدية حول عنقه وتشعره بالاختناق لذا نهض يستغفر ربه واتجه يتوضأ ليصلي.
رن هاتفه أثناء ذلك فلم يجب على والده وحينما انتهى نهض وتناوله يعيد الاتصال عليه حينها أردف بانزعاج.
"ماعتريحش جلوبنا ليه يا ولدي؟ أمك جاعدة بتبكي دلوك، يعني إيه تشيع الحراسة وتنام في الشركة لحالك؟ ماينفعش إكده يا عمار، علي راچعلك تاني، انزل وياه وتعالى ع الجصر دلوك."
مسح على وجهه يستغفر، دومًا كانت حالة أمه هي نقطة ضعفه، و بكاءها يؤرق قلبه، لذا زفر وأردف بهدوء.
"ماشي يا حاچ."
أغلق معه ونهض يستل أغراضه وتحرك يغادر مكتبه وينزل للأسفل ينتظر علي، وصل أمام بوابة الشركة ليجد حارس المبنى يحيه برأسه فبادله ووقف يتطلع على جهتي الطريق ليتفاجأ بأحدهم يظهر قبالته من وسط الظلام والأشجار على الطرف الآخر من الشارع، يشهر سلاحه ويلتف بـوشاح حول رأسه ووجهه.
لحظة فقط هي الفاصلة بين الطلقة التي انطلقت وكأنها لن تنتظر أكثر ولم تمهله فرصة الهرب، ولكن روحه تعلقت بالنجاة لذا انحنى مسرعًا قبل أن تستهدف قلبه فاستهدفت كتفه كصفعة قوية تلقاها أدت إلى ارتطامه أرضًا والحارس يسرع في مساعدته بجحوظ.
حدث هذا في نفس توقيت مجيء سيارة الحراسة حيث أسرع علي يترجل وتشتت بين عمار الذي يئن و الحارس الذي يحاول إسعافه وبين الفاعل الذي يركض ليهرب، ليقرر أن يلحق بالفاعل لذا ركض يشهر سلاحه ويلحق به وحينما شعر أنه سيفشل في القبض عليه نسبةً لسرعة الآخر وابتعاده؛ صوب سلاحه نحوه وضرب طلقةً استهدفت ساقه وأصابتها فوقف أيوب يصرخ متألمًا للحظات قبل أن يعاود الانطلاق ليهرب بدلًا من إمساك عائلة آل حانا به.
ليعود علي خالي الوفاض ويلحق بعمار ليطلب له سيارة الإسعاف.
رواية صياد النايا الحانا الفصل الرابع 4 - بقلم اية العربي
كانت تغط في نومها حينما اقتحم شقيقها غرفتها بخفوت وأسرع يوقظها. فتحت عيناها تطالعه بنعاس، وحينما وجدته يئن انتفضت تحدق به حتى لمحت دماءه. فشهقت، فأشار لها بألا تصدر صوتًا ونطق:
"في رصاصة في رجلي، ولازم تخرجيها."
وضعت كفها على فمها في صدمة، ثم تساءلت وهي تترجل وتتفحص قدمه:
"عملت إيه يا أيوب؟ ومين اللي عمل فيك كده؟ وحنطلعها كيف دي؟"
نطق وهو يتألم ويتمنى في آن:
"حارس ولد عبد الوهاب ضرب عليا رصاصة بعد ما ضربت عمار في صدره. ادعي نسمع خبره بكرة الصبح وما ينجيش منها."
لم تعش الفرحة المنتظرة نسبةً لجرح شقيقها المتألم، فنظرت له لبرهة، ثم أسرعت تبحث عن رباطٍ لتمنع نزيفه. ثم اعتدلت تطالعه بملامح متجهمة، فنطق متعجبًا من بين أنينه:
"مفرحتيش يعني؟ جرالك إيه عاد؟"
لم تحسب حساب اليوم التالي للانتقام، دومًا كانت تُغيّب عن عقلها هذا التفكير. فقط كل ما تريده هو دفن عمار تحت التراب كما دُفن شقيقها الغالي. لذا نطقت معنفة بتخبط:
"افرح كيف وأنت راجع متصاب! ورايح تخلص عليه وسط حراسته؟ افرض كانوا صفوك؟ مش جولت لي في راسك خطة؟"
قلب عينيه بضيق، ثم لوح بيده يقول بثقل وأنين:
"طب روحي شوفي أي حاجة نطلع بيها الرصاصة دي قبل ما جدي يصحى."
نظرت له بغيظ ونطقت موبخة:
"أي حاجة كيف؟ هي إزازة عاد؟ أني رايحة أنادي يونس."
لم يعلق، فألمه بات يشتد، بينما هي التقطت حجابها وتحركت مسرعة نحو الخارج تتمتم بضيق وتفكر. هل بالفعل قتله؟ هل سيُشفى غليلهم بعد كل تلك السنوات؟ تنهدت بتمني وخطت نحو غرفة يونس ابن عمها بملامح متجهمة وطرقت الباب بخفوت لتوقظه وتشركه في الأمر، فهو الوحيد هنا الذي سيسعفها في هذا الوقت، لذا فهي مجبرة على ذلك.
طرقت بابه وانتظرت، ففتح يطالعها بنعاس مستفهمًا ومتعجبًا من مجيئها في هذا الوقت:
"خير يا فرحة؟ في حاجة؟"
نظرت له بريبة دامت لثانتين قبل أن تنظر حولها، ثم عادت تردف بخفوت:
"أيوب اتصاب في رجله بطلقة وبتنزف دلوك، لازما نتصرف قبل ما جدي يصحى."
تجهمت ملامحه وتبخر نعاسه يستفسر:
"اتصاب كيف؟ ليكون عمل عملة سودة على دماغه؟"
لوت فمها ونطقت بعجالة وهي تحثه على الحركة:
"تعالى معايا شوفه الأول يا يونس وبعدين ابقى اعمل فيه اللي إنت رايده."
أسرع يتحرك معها ويستغفر ربه من أفعال ابن عمه الصبيانية الذي لن يهدأ حتى يفتعل المصائب. دلف الغرفة ينظر نحوه ليجده في حالة يرثى لها، لذا أسرع يتفحص قدمه. وحينها نهض نظر إلى فرحة قائلًا بتهكم منهما:
"لازم طبيب، خليكي كاتمة النزيف وأني هروح أجيب الدكتور، ومش جدي بس اللي حيعرف، ده النجع كله حيعرف بسبب غباء أخوكي."
قالها موبخًا وتحرك يغادر الغرفة. وقفت تنظر لشقيقها الذي أصبح متعرقًا بشدة والآه تخرج من فمه مكتومة، لذا أسرعت تحضر رباطًا آخر وانحنت تلفه على ساقه وتعقده بقوة كي تهدئ من سرعة النزيف، وهي تتساءل بصمتٍ ظاهري وصخب داخلي، ماذا سيحدث الآن؟
***
لم تمر ساعة إلاّ واجتمعت العائلة بأكملها في المشفى عدا مهران الذي مازال في رحلته. دلف عمار غرفة العمليات على الفور، وجميعهم يقفون ينتظرون خروجه. وبالطبع أشدهم حزنًا كانت صابحة التي تنتحب وتميل على زوجها قائلة بعدما أكد لهما علي أن الفاعل هو أيوب آل حامد:
"شوفلك حل يا عبد الوهاب، أني ماجدراش اتحمل نار ولدي، اتصرف وانهي التار ده بأي تمن، لو طلبوا أروح أحب على يدهم ورجليهم أني موافقة، بس ولدي يرتاح من الهم ده، مش مكفيهم عمره اللي بيضيع وهو مراضيش يكمل حياته كيف الخلج، اللي بيحصل ده حرام."
ربت على كتفها ونطق بنبرة قوية وتعهد:
"وحدي الله يا أم مهران، يخرج بس عمار بالسلامة وهيبقى لينا حديث تاني مع الحاج زيدان، لازم يوقف ولد ولده عند حده."
تحدث جابر بنبرة هجومية غاضبة:
"هيوقفه بعد ما يموت أخوي؟ وعلى إيه مانا أروح أطخه عيارين في نص راسه أجيب أجله وخلصنا."
رفع عبد الوهاب نظره يحدجه بحدة ونطق موبخًا:
"بلاش حديث مالوش لازمة، مش وقتك أنت التاني، ماتخلنيش أقول يا خسارة العلام فيك، هنحل مشاكلنا بالقتل إياك!"
صمت جابر ولف وجهه للجهة الأخرى يكظم غضبه. فالتفت عبد الوهاب للجهة المعاكسة ليجد ابنته تقف بعيدًا، باكية تحتضن نفسها بذراعيها، تنظر لهما وبرغم ذلك تبتعد عنهما. وكل ما يشغل عقلها هو شقيقها عمار، لذا نطق يوجه حديثه لابنه:
"روح شوف اختك وطمنها."
التفت جابر تلقائيًا ينظر نحو شقيقته فوجدها في حالة يرثى لها، ترتعش وتبكي بنحيب، لذا تقدم منها وتنفس بعمقٍ ليهدئ من نفسه حتى وصل لها وحاوط كتفها يردف بحنانٍ مستتر يناقض نبرته وغضبه القائمين:
"متخافيش عاد، عمر الشقي بقى، هيبجى زين وهيطلع دلوك."
طالعته لثوانٍ ثم نطقت بتلعثم وهي تجاهد للتحكم في رعشتها:
"أني حلمت باللي حصل يا جابر، شوفت عمار وهو بينضرب بالنار من يومين ومارضيتش أحكي لحد واصل، أني خايفة جوي يا جابر."
احتواها بحنين وشرد يفكر بعد تنهيدة قوية، ثم نظر نحو غرفة العمليات يتمنى لو يخرج منها أي أحد ويطمئنهم لتهدأ أفئدتهم على عمار، ولكنه تعهد لو أصاب شقيقه مكروه ستعاقب عائلة آل حامد جميعها.
***
جلس نوح خلف مكتبه ينظم محاضراته في غرفته. انشغل عقله بتلك الفتاة الصامتة، لا تحاول بأي شكل التودد أو التقرب منه على عكس غيرها، ولكن نظراتها تكشف أمرها. في النهاية هو مُعلم، تعامل مع طالبات غيرها ويعلم كيف تفكرن وتتعاملن، لذا يؤكد أنها مختلفة، خجولة في زمن قل فيه الحياء. يجد نفسه دومًا رغمًا عنه منجذبًا إليها ويفكر بها.
لقد تعهد ألا يرتبط إلا بعدما يطمئن على شقيقته، ومع مشاعره هذه يخشى أن يصبح أنانيًا، ويخشى إن لم يفعل فتذهب تلك النادرة من بين يديه. هي تمتلك الصفات التي يريدها، وحينما تحرى عنها وعن عائلتها تأكد أنهم أُناسٌ ذوو خلق، حتى حينما تحضر مع الطلبة دروس الأونلاين تكون كنسمة مرت خفيفة أنعشت روحه وغادرت دون أن تصدر صوتًا.
تنهد بحرارة لينتبه على طرقات على باب غرفته فسمح بالدخول لتدخل ريم تطالعه بابتسامة وهي تتجه وتجلس أمامه قائلة بتوتر بدا على ملامحها:
"كنت عايزة أسألك عن حاجة."
أصغى اهتمامه وتكتف يعيد ظهره للوراء تاركًا ما في يده وأومأ لها ينطق بترقب:
"اتفضلي."
نظفت حلقها ثم نطقت بتروٍ ظاهري:
"إنت تعرف عيلة آل حانا كويس؟"
قطب جبينه متعجبًا وعاد يستند بكفيه على مكتبه ويرنو منها قليلًا مستفهمًا:
"اشمعنى يا ريم؟ بتسألي عنهم ليه؟"
هزت كتفيها وأبعدت أنظارها تجيب:
"أصل فيه شاب جه عندنا في الشركة وبيقول إنه ابن الحاج عبد الوهاب آل حانا، كان عايز يقابل مستر معتز ويتكلم معاه عن حاجة في الشغل، تقريبًا عايزه يساعده لإنه ناوي يفتح شركة برمجة، طبعًا مستر معتز مكانش موجود بس لما كلمته وقلتله حسيته اتضايق جداً على عكس ما التاني ده حكالي انهم أصحاب وكده، حتى معتز طلب مني أخلى الأمن يمنعوه يدخل الشركة تاني، فأنا استغربت وقلت اسألك لو تعرفهم عن قرب، لإن أنا اللي أعرفه عنهم إنهم ناس كويسين جداً."
شرد نوح يفكر قليلًا يحك ذقنه ثم مط شفتيه يجيب:
"أنا أعرف مهران وعمار واسمع عنهم كل خير، بس جابر ده أكيد أخوهم التالت اللي كان مسافر، الصراحة ماعرفوش، يمكن فيه بينه وبين معتز تاتش ولا حاجة، إنتِ شاغلة بالك ليه يا ريم؟ اعملي كيف ما معتز قال وخلاص، هو حر."
استندت على المكتب تجيبه بعفويتها مستنكرة ما يقوله:
"إزاي يعني يا نوح؟ إنت تعرف عن كده؟ واحد طالب مساعدتنا ولسه بيبدأ طريقه وبيفتح شغل جديد ليه، إزاي مانساعدوش؟ لعلمك دي مش أصول الصعايدة واصل."
يعلمها جيدًا ويعلم حماسها تجاه أي شيء متعلق بالبرمجة، تحب أن تعطي طاقةً مضاعفة وتستكشف المزيد في هذا المجال، وتعشق مساعدة الغير ومد يد العون في ما تستطيع فعله، ولكن هذه الصفات أحيانًا توقعها في مشاكل لذا نطق وهو يباغتها بنظرات محذرة:
"وافرضي وقعتي نفسك في مشاكل؟ مالك إنتِ ومال مساعدته؟ هو طلب من معتز مش منك، ماتعرفيش تخليكي في حالك أبدًا!"
طالعته بعتاب ونطقت بعبوس زائف:
"إنت غلطان على فكرة يا نوح، أنا في حالي جدًا، وعلشان كده أنا جيت أسألك عنه الأول، لو يعني حد كويس ورايد مساعدة يبقى ليه لأ؟ نساعده وكله بثوابه."
أجابها بنبرة ثاقبة وتحذير دون ضغط:
"طيب أنا معرفوش يا ريم، والأفضل تعملي اللي معتز قالك عليه ومالكيش صالح بالحوار ده، هو لو عايز مساعدة يقدر يطلب من كذا حد غير معتز، وبس كده."
زفرت ثم أومأت بهدوء تخفي خلفه شغفها في معرفة تفاصيل عن جابر الذي منذ ذلك اللقاء وهو يشغل عقلها حتى جعلها تبحث عن وسائل تواصله وأخباره، خاصة بعد رفض وضيق معتز من زيارته، أخذها فضولها لمعرفة الكثير عنه وحينما فشلت ووجدته يغلق جميع حساباته جاءت لتسأل شقيقها، ولكنها ستعلم، لن تبقى ريم البسيوني إن لم تبحث عنه وتعلم الكثير.
ناداها شقيقها مترقبًا بقلق:
"سرحتي في إيه يا بنت أخوكي؟"
نظرت له وابتسمت تنهض وتردف:
"ولا حاجة، هروح أعمل فنجانين قهوة وأرجع أرغي معاك، جهز حالك وخد حباية الصداع."
قالتها وضحكت تتحرك للخارج بعفوية وجلس يتتبعها بنظراته ويهز رأسه بقلة حيلة والقلق لم يتركه من ناحيتها، فهو المسؤول عن سلامتها وسلامة والدته ويجب أن يكون واعيًا لكل شيء يحدث. هو يتخذها صديقة، واعتادت هي على ذلك كما اعتادت على السهر معه وشرب القهوة والثرثرة بعدما تنام والدتها، نوح بالنسبة لها عالمها الصغير.
***
ذهب الجميع إلى المشفى وظلت هي بمفردها مع صغيرها في القصر. زوجها في رحلته، حتى إن وُجد فمن المؤكد ستعيش الشعور ذاته، الوحدة، والعزلة.
وقفت تنظر من النافذة، وصغيرها ينام بعدما تناول طعامه، تواصلت معهم للتو وأخبروها أن عمار بخير حيث أخبرهم الطبيب بذلك.
تقلب هاتفها بين يديها وتفكر؛ هل تخبر زوجها بهذا الخبر؟ هو لا يعلم بما حدث مع شقيقه ومن المؤكد لن يخبره أحد ولكنها تشتهي سماع صوته والتحدث إليه، لتتخذ من هذا الحادث سببًا وتخبره، فهو في كل الأحوال سيعلم.
ابتسمت بألمٍ ساخر، فهي تبحث عن سببٍ لتهاتف زوجها، هذه ليست الحياة التي كانت تتمناها، ولكن جفاؤه أرغمها على ذلك.
عبثت بهاتفها وطلبت رقمه وهاتفته فلم يجب.
حاولت مرةً أخرى فأجاب بنعاس يتساءل بقلقٍ نظرًا لغرابة اتصالها به في هذا الوقت:
"ألو؟ خير يا نهاد؟ حصل حاجة؟"
تنفست ونطقت بتوتر:
"إنت كويس؟"
زفر بضيق وأجابها وهو يفرك عينيه:
"كويس، إنتِ متصلة علشان كده؟"
آلمتها نبرته فتنهدت تجيبه بانفعال خافت:
"عمار اتصاب وفي المستشفى والعيلة كلها عنده، جولت أعرفك باللي حصل."
نطق مستفهمًا بفزع بعدما صفعه الخبر:
"اتصاب كيف؟ وهو عامل إيه؟ طمنيني؟"
حاولت تهدئته ونطقت بتناقض:
"اهدأ ماتقلقش هو كويس دلوك، أني كلمتهم وطمنوني، بس هو إنت لسة قدامك كتير؟"
مسح على وجهه يستغفر ثم أردف مختصرًا بقلق:
"حاجي الصبح يا نهاد، اقفلي دلوك علشان أتحدت وياهم."
أغلق قبل أن تجيبه وأسرع يهاتف والده ليطمئن على شقيقه، وجلست هي على مؤخرة الفراش تفكر، هل ستظل تتسول منه الحب هكذا؟ إلى متى ستشعر أنها ليست ذات قيمة لديه؟ إلى متى سيظل يعاملها بهذا الجفاء؟ ماذا عليها أن تفعل لتستحوذ على حبه واهتمامه؟
***
في قصر آل حامد
تمدد أيوب على فراشه بعدما نجح الطبيب في استخراج الطلقة من ساقه، ينظر إلى جده الذي استيقظ ووقف يستند على عصاه ويحدجه بغضبٍ حاد، بينما تقف عند رأسه فرحة بشكلٍ متوتر تحاول إخفاءه بتكتفها ونظرتها الثاقبة.
ويقف يونس يجاور والده حسان الذي نطق موبخًا:
"استفدت إيه دلوك؟ عاجبك كده لما رجلك عجبت؟ هتعقل ميتا يا ولدي وتحترم الكبار والعيلة؟"
لف وجهه عن عمه بضيق، فاندفع يونس يغادر الغرفة غير متقبلٍ لأفعاله. بينما دلفت منصورة بملامح مطمئنة الآن، بعدما تلقت الخبر بصدمة وخوف خشيةً من إصابة ابن شقيقها بسوء واشتعال نيران الحرب بين العائلتين.
تفحصها زيدان وتساءل بترقب:
"ولد أخوكي عايش؟"
طالعته بصدمة، فكيف علم باتصالها برتيبة؟ لقد تعهدت ألا تتواصل مع أحدٍ من عائلتها ولكن يبدو أن فرحتها بنجاته تجلت على ملامحها وهو يعلمها جيدًا. لذا نظرت أرضًا ونطقت بصدق:
"عايش يابا الحج، جولت أكلم رتيبة وأسألها وجالت إنه بخير."
لم يعلق عليها، بل نظر إلى وجهي حفيديه ليجد الغضب والحقد اعتلا ملامحهما وخاصةً فرحة التي نطقت بعدما تخلت عن توترها تتمتم:
"يتحرق في جهنم إن شاء الله."
نطق الجد بصرامة معهودة:
"من هنا ورايح مافيش سلاح هيبجى في يدك، وهتمشي كيف الحريم في النجع، وهيبجى وراك حراسة كيف ولد الحنانوة، ومش علشان يأمنوك والحديث الفارغ ده، دول علشان يراقبوك، عشان إنت كل مرة أثق فيك وأقول أيوب بجى راجل صح تطلع عيل مش جد ثقتي."
جحظ بصدمة ونطق معترضًا بضيق:
"كيف دي يا جدي؟ اللي بتجوله ده ما يرضيش حد واصل."
صاح الجد يرفع عصاه ويشهرها أمامه قائلًا بقسوة:
"اكتب ماسمعش نفسك، مابقاش ناقص غيرك تجولي إيه يصح وإيه ما يصحش."
بالفعل التزم أيوب الصمت الذي كاد أن يفجره نسبةً لشدة الغضب. بينما نظر زيدان إلى فرحة ونطق مستفسرًا بنظرة ثاقبة ونبرة لا تبشر بالخير لها:
"كان عندك خبر باللي عمله؟"
توغلتها حزمة من التوتر والخوف، ولكنها تتقن التظاهر بالجسارة، لذا نطقت بفمٍ ممتلئ بكلمات الغل وأعصاب وجهٍ مشدودة:
"عندي ولا ماعنديش يا جدي، في الآخر ولد الحنانوة عايش وأخوي هو اللي رجله عجبت، وانت فرضت علينا العقاب صح كأننا ارتكبنا خطيئة، مع إن ده تارنا وشرفنا."
نظرته جعلتها تدرك أنها تجاوزت حدها معه، لذا اكتفى بذلك ونطق بنبرة حادة ثاقبة:
"الحوامدة شرفهم في كلمتهم يابنت علي، أبوكي اللي يرحمه مكانش بيخرج عن طوعي واصل، بس يظهر إن الغلط عندي، ومن هنا وجاي حعدله."
تحرك يغادر الغرفة، بينما نظرت منصورة لزوجها ونطقت حينما أدركت أنهما غير مرغوبٍ بهما:
"يلا يا أبو يونس عشان تلحق صلاة الفجر."
غادرا وتركاهما ينظران لبعضهما وكلٍ منهما يحمل من الهم والغضب ما يكفي النجع بأكمله.
***
بعد مرور عدة أيام
جلس صابحة في بهو القصر الواسع. تجاور عمار الذي يحمل ذراعه الأيسر، تحاول معه كي يتناول الحساء الذي أعدته له قائلة باستنكار من رفضه:
"يا ولدي كني بتحايل على عيل صغير! طب دوه لأول ولو ما عجبكش وجتها جول لا."
تناول كفها يقبله ثم أردف مراوغًا بإطراء مبالغ يخفي حزنه:
"أني خايف أدوقه لاجل ما أخلصه كله، وأني متأكد إنه حيعجبني جوي بس وحياة صابحة عندي مالي نفس، خلاص بجى عاد."
زفرت تطالعه باستسلام وأبعدت الحساء عنه تنادي بعلو:
"تعالي يا رتيبة خدي الوكل ده، جلبي على ولدي انفطر وجلب ولدي عليا حجر."
قالتها وهي تحدجه بعتاب ليبتسم قائلًا:
"ماليش بركة إلا إنتِ يا حاجة فاطمة تعلبة، أومال أبويا اتأخر ليه؟"
تدرك أنه قلق من هذا الأمر المُقبل عليه، تعلمه جيدًا وتشاركه القلق والتوتر لذا تنفست ونطقت وهي تميل عليه:
"إنت جاهز يا ولدي؟ عيلة الحوامدية ما يعجبولوش دية، دول كيف الذئاب، أني خبراهم زين، ولولا إن نفسي ترتاح ماكنتش قبلت بالمشوار ده واصل، بس حجول إيه، لعله خير."
شرد يفكر قليلًا وعيناه تنظران للا شيء يتذكر حينما حاولت فرحة قتله ثم عاد يطالعها وينطق:
"أني مش خايف من الموت ياما، أني كنت رايدهم يفهموا اللي حصل زين، بس أيوب واخته جواتهم نار جايدة لدرجة خلوني صدجت إنهم صح والغلط عندي، ما بجتش خابر المفروض أعمل إيه؟"
نطقت باستنكار وحدة وهو تلوح بيدها:
"لااا ياعمار ماهماش على حق، هو علشان إنت طيب وحنين وهما صوتهم عالي وعاملين غيغة، كذبوا الكذبة وصدقوها والناس صدقتهم، العيلة دي مافيهاش ولد عاجل غير يونس ولد عمتك، ماتقلقش، بإذن الله الموضوع ده هيتحل وكفاية بجى لحد كده."
نزل جابر من الأعلى ينظر لهما لينطق بغيرة مفتعلة:
"الحاجة صابحة اللي ماخلفتش غير عمار، طب جولي لخالة رتيبة تصحي الغلبان اللي نايم ده يفطر ولا يشوف شغله، ينفع كده ياما؟ تفرجي بين ولادك؟"
وصل إليهما وجلس معهما فطالعته صابحة باستنكار تردف موبخة:
"على رأي المثل، اللي رايد العسل يتحمل لدغة النحل، لما إنت وراك شغل تشوفه مانمتش بدري ليه يا ابن بطني؟ سهران كل يوم مع الشوية المخروبين وراجع نص الليل وترجع تلوم على امك، فكرك كده هتنحج؟"
زفر بملل ثم طالعها بعتاب يردف بحزن صناعي:
"ليه كده بس ياما؟ ده بدل ما تدعيني؟ كسرتي بخاطري."
صفعت كتفه تصيح:
"هتعملهم عليا يا ولد الحنانوة؟ يا ولد دانا خبزاك وعجناك صح، أوعاك تفكر إن الكام سنة اللي قعدتهم في روسيا هينسوني عمايلك."
نظر لها بنصف عين ثم استنجد بشقيقه الذي يبتسم قائلًا:
"ماتتوسط لي عند الحاجة يا أخوي ينوبك ثواب، ده جلبها وربها راضيين عليكِ، يابختك."
صاحت بحنان مستتر:
"رتيبة، حضري الوكل لچابر، وماتنسيش كوباية الحليب."
التفت يطالعها فوجدها تحدجه فابتسم يميل عليها وينطق بمزاح:
"أهي طيبة جلبك دي يا صبوحة اللي مشندلة حالك."
"- عندك مانع؟"
نطقتها بنظرة حادة فابتسم يرفع يديه باستسلام، بينما تساءل عمار وهو يبحث بعينيه:
"أومال نوارة فين؟"
أجابته صابحة بنبرة حنونة تتبدل خصيصًا له:
"طلعت السوق هي ونهاد يشتروا شوية طلبات."
استرسل يتساءل باهتمام:
"وخدوا حمزة وياهم؟"
هزت صابحة رأسها تردف:
"لا يا حبيبي نايم جوه، زمناته حيصحى."
أومأ يزفر لينتبهوا لطرقات الباب تبعها دخول عبد الوهاب ومعه مهران يلقيان السلام، بينما ينظر الأول إلى ابنه عمار قائلًا:
"يالا يا ولدي، جاهز؟"
نهض عمار وتنفس بقوة ثم أومأ يردف بثبات يخفي توتره:
"جاهز يا بوي، توكلنا على الله."
أردف جابر وهو ينهض:
"خلاص يا خالة رتيبة خلي الفطار بعدين."
نهض فطالعه والده بضيق يردف موبخًا:
"ما أعرف كيف حتفتح شركة وتبجى مسؤول عن أمن شركات تانية وانت حالك متشندل كده."
ابتسم جابر وتقدم منه حتى وقف أمامه يردف بنظرة تحدٍ لم تقلل من احترامه له:
"وحياة محبة الحاج عبد الوهاب في قلبي بكرة تشوف الشركة دي حتبجى كيف، ابنك دماغه بتتاجل بالدهب يا بــــــــــــوي."
نظر له بسخرية بينما صفعه مهران على كتفه يردف معترضًا وهو يحثه على التقدم:
"مش لما تصحى بدري أول، يالا يا حاج هنتأخر."
تحركوا جميعهم فأوقفتهم رابحة تنطق بتلهف وقلق:
"ابجوا طمنوني يا عبده."
التفت زوجها ينظر لها بمقلتين مطمئنتين ويردف:
"ماتقلقيش يا أم مهران، إن شاء الله خير."
تحركوا يغادرون ليتساءل جابر بترقب أزعج مهران وجعله يزفر بضيق:
"عمي حسنين جاي ويانا؟"
أومأ عبد الوهاب وهو يستقل سيارته ويوضح:
"أيوة جاي هو وولده، الرجالة اللي جايين ويانا كتير ومستنيينا على الحدود، يالا عاد."
***
عاد معتز من سفره واليوم يعود بنشاطه لشركته وعلى وجهه تتجلى ملامح العزيمة للنيل من جابر وسحقه قبل حتى أن ينهض.
يعلمه جيدًا، ويدرك أن مجيئه لشركته ليس لمد يد السلام كما قال، بل لإشعال فتيل التحدي والحرب، لذا فهو مستعدٌ له، بل كان ينتظره منذ أن سافر.
رفع سماعة هاتفه وطلب حضور ريم إليه، فنهضت تتحرك بالفعل نحو مكتبه وطرقت الباب فسمح لها فدلفت تردف برسمية وابتسامة عملية:
"اتفضل يا مستر معتز!"
حدق بها مبتسمًا وتساءل بخبث:
"جابر آل حانا حاول يكلمك تاني؟"
هزت رأسها بلا تخبره:
"لا يا فندم، هو منتظر منا اتصال، أنا بلغته لما ترجع هنكلمه."
أومأ مرارًا وشرد لبرهة يفكر ثم ابتسم ونطق:
"طب خلاص كلميه ياريم ييجي ونشوف هو عاوز إيه."
تعجبت من قبوله بعد رفضه وغضبه حينما أخبرته في الهاتف، ولكنها تجاوزت تومئ حيث ظنته أعاد تفكيره وقرر مساعدته لذا ابتسمت تجيبه:
"تمام أنا حتواصل معاه وأبلغه وأقول للأمن يسمحوله."
تحمحم يردف بهدوء خبيث:
"كلميه إنتِ ياريم وأنا هبلغ الأمن يسيبوه يدخل."
أومأت وسألت قبل أن تغادر:
"تمام، في حاجة تانية؟"
هز رأسه يردف وهو ينظر في حاسوبه:
"لا شكرًا، اتفضلي."
تحركت بالفعل تغادر عائدة إلى مكتبها ثم التقطت هاتفها تتنفس بعمق وقررت مهاتفته.
طلبت رقمه وانتظرت بترقب ولا تعلم سبب تسارع نبضها بهذا الشكل، فما تفعله هو أمرٌ اعتادت عليه، لما تشعر بقلبها يدق كالطبول؟
التقطت تنهيدة عميقة تنتظره ليجيب ولكنه لم يفعل لذا أغلقت ووضعت الهاتف تتمتم بخفوت وضيق:
"براحتك."
***
أسواق الأقصر مختلفة عن غيرها، تمتزج مع قسوة الحجارة، وعبق التاريخ، وشموخ الآثار.
يغمرها بعض الغموض، وهذه طبيعة الأجواء هنا، لذا فالسائح حينما يأتي ينبهر بالتراث قبل المنتج فيصبح على موعدٍ مع جلب الكثير من الأعراض لتظل هذه المدينة عالقةً في ذهنه مهما ابتعد.
تسيران في الطرقات تبتاعان الكثير من الأغراض، تجمعهما علاقة أخوة وصداقة منذ أن دلفت نهاد القصر، ولكن أحيانًا تتخذ نوارة من الصمت سبيلًا، حيث أنها تخجل من الحديث عما يصيبها خوفًا من نعتها بالمجنونة.
وقفتا أمام دكان أثري يعرض حلى يدوية واكسسوارات تحمل عبق وهوية الفراعنة، مدت نهاد يدها تتلمس الخواتم ذات الشكل الجذاب، والتقطت أحدهم تدقق النظر فيه، خاتم ذو فصٍ أحمر ناري متوهج، يثير نظرتها نحوه وتشعر بالانجذاب، ليتحدث البائع بنبرة تسويقية كلاسيكية:
"دي اسمه خاتم السعادة، كل اللي اشتراه بيقول إن بيدي طاقة وجوة لصاحبه بتخليه يحس إنه مبسوط، والطاقة بتتفتح جدامه، الحجر اللي فيه ده جايبينه من مقبرة فرعونية مهواش تجليد، جربي يا ست البنات وهتشوفي إن كلامي صح."
لم تتقبل نوارة حديثه ولا تؤمن به بمقدار ذرة لذا استنفرت فشعرت بصداعٍ يقتحمها لذا نطقت وهي تميل على نهاد:
"خلينا نمشي من هنا دلوك."
أوقفتها نهاد تردف بشرود وعقلها منشغلٌ بالخاتم وقدراته المذكورة:
"استني بس يانوارة."
رفعت أنظارها تتساءل وكل ما يجول في خاطرها استحضار السعادة لحياتها مع مهران:
"بكام الخاتم ده؟"
ابتسم البائع وأردف يحرك يديه بابتسامة مهنية ماكرة:
"هيبقى كتير عليكي ده يابتي، أجيبلك نوع تاني تشوفيه؟"
قالها وهو يستل خاتمًا آخرًا ذو فصٍ أزرق وهجه هادئ بعض الشيء وكاد أن يعرضه عليها، ولكن لكزتها نوارة مجددًا حيث لم تحب طريقته ونطقت بملامح مشدودة:
"نهاد جلتلك يالا نمشي."
التفتت نهاد تطالعها بتعجب لتجدها عابسة لذا نظرت للرجل ونطقت وهي تناوله الخاتم:
"خلاص ياعم شكرًا، هبجى أمر عليك وجت تاني."
تركت الخاتم في يده وتحركت تغادر مع نوارة ولكنه أسرع يوقفها قائلًا:
"وجفي طيب، حعملك تخفيض."
التفتت تشكره مضطرة:
"معلش وجت تاني."
ولكنه كان لحوحًا فعاد يتحرك نحوهما وفي يده الخاتم قائلًا:
"خلاص خديه حلال عليكي وادفعي اللي إنتِ رايداه."
هذه المرة التفتت نوارة تطالعه بملامح مكفهرة وصاحت بنبرة غليظة تفاجأ الرجل منها وعاد بخطواته للخلف:
"جالتلك وجت تاني، ارجع مكانك أحسنلك."
التفتت تخطو مع نهاد المصدومة من ردة فعلها، لا تعلم كيف أتتها الجرأة وفعلت هكذا، هي ذاتها تعجبت من جرأتها ونبرة صوتها ولكنها لا تحب طريقة الإلحاح هذه، خاصةً حينما شعرت بنهاد تستجيب وتصدق كلماته.
لتنطق الأخرى بتعجب وهي تلحق بها:
"كبرتيها يا نوارة، براحة شوي."
طالعتها بضيق ونطقت معاتبة:
"إنتِ واقفة تفكري في كلامه يا نهاد؟ خاتم إيه اللي بيجلب السعادة؟ ده حديث جاهل بتصدجي كيف؟"
خجلت نهاد ونطقت توضح بمراوغة:
"ماصدجتش حديته بس الخاتم شكله عجبني."
تنفست نوارة بعمق وأومأت تتجاهل ما حدث وتبتسم قائلة:
"خلاص حصل خير، يالا نروح لإن راسي وجعتني."
***
في قصر آل حامد
الجميع متأهب بشكلٍ قاسٍ. الحراس تضاعف عددهم فباتوا يعبؤون حديقة القصر وحدوده، والجد زيدان وولده وحفيديه وأشقائه وأولادهم اجتمعوا لاستقبال عائلة آل حانا.
التأهب الأشد والحزن الكبير كانا من نصيب فرحة التي تقف مع النساء في شرفة علوية كبيرة، تطل على المجلس الذي سينعقد وتنتظر القرار.
تشعر بأن جدها سيتنازل عن الثأر، وهذا الشعور وُلد منذ زمن ولكن عززه موقفه منذ أيام حينما ألقى بقراراته وعقابه عليهما.
ما فعله أيوب أيقظ وحش جده، فهو لا يحب خيانة العهود بأي شكلٍ كان، نعم لديهم ثأر مع عائلة آل حانا ولكنه يوقن أن حتى العداوة لابد أن تكون نزيهة.
لذا فهي اتخذت قرارًا يعد الأصعب من بين القرارات، في حال قبل جدها بالصلح وتنازل عن ثأر شقيقها؛ حينها ستقتله هي ولن يوقفها شيء هذه المرة، وليحدث بعدها ما يحدث حتى لو قتلوها، فالموت بالنسبة لها أحن وأرحم من هذه الحياة الثقيلة التي باتت تعيشها، باتت تشبه هذا القصر القاسي وجدرانه الشامخة وقلبه الأجوف الذي لا يعرف اللين أو التنازل.
إن لم تفعلها بخنجرٍ، وإن لم تفعلها برصاصةٍ، ستفعلها بالسُم، عاجلًا أو آجلًا.
حضر رجال عائلة آل حانا، يصفون سياراتهم السوداء، في مشهدٍ مهيب، واستقبال أشد هيبة برغم قوة العداء.
تعالت الأصوات في المجلس، وتهافتت الترحيبات المشحونة بالتوتر ونظرات الغضب والكرم في آن.
كانت منصورة تجاور فرحة من الأعلى وتسلطت عينيها على شقيقها وأولاده، اشتاقت لهم كثيرًا وتخشى حتى البوح بذلك.
رفع عبد الوهاب نظره تلقائيًا كأن قلبه أخبره بمكانها، والتقت عيونهما في نظراتٍ لو تجسدت لكانت عناقًا حارًا تبكي له الحجارة، يطالعان بعضهما بحديثٍ صامت وكلماتٍ تختبئ خلف لمعان مقلتيهما، يخبر كل منهما الآخر بأن الشروق سيتجلى قريبًا وسينقشع ذلك الظلام الذي منعهم عن بعضهم.
حثه إبنه مهران على التقدم حينما وجده شاردًا فتحمحم يخطو بثباتٍ نحو مقعده.
تحدثت إحدى نساء العائلة بمؤازرة وهي تربت على كتف منصورة:
"يارب يحصل الصلح يا أم يونس وترجع المية لمجاريها."
حدجتها فرحة بنظرة سوداء معبأة بالحقد فاعتدلت السيدة تبعد يدها عن كتف منصورة التي فهمت ونظرت لها تبتسم قائلة وهي تقف حائلةً بينهما:
"ربنا يقدم اللي فيه الخير يا أم عبد المعطي."
لم تسمعها فرحة حيث سلطت أنظارها على عدوها اللدود عمار آل حانا الذي يجاور والده ويخطو نحو المقعد برأسٍ شامخة، كأنه لم يكن يومًا مذنبًا، يدخل على قدميه القصر الذي قتل أحد أبناءه، ولم تعقه إصابة ذراعه في شيء. في هذه اللحظة تمنت لو أنها تمتلك قوة خارقة أو أشعة ثاقبة تخترق بها قلبه فيسقط صريعًا في الحال، تعاظم كرهها له خاصةً حينما وجدته ينظر لشقيقها أيوب بتحدٍ والآخر مُجبرٌ على التحمل احترامًا للرجال وطواعية مجبر عليها، وإلا انقض عليه وقتله.
وهذا القدر من التحمل يخنقها ويقبض على روحها فتشعر أنها ستنفجر من وجوده ورؤيته ولكنها أيضًا مُجبرة على الانتظار والمتابعة، فهي لا تعلم ما يدور في خلد زيدان آل حامد.
في مركز المجلس جلس الحاج زيدان آل حامد، وأمامه جلس عبد الوهاب، وبينهما على الطرفين جلس عددٌ كبيرٌ من الرجال ومن حولهم يقف عددٌ أكبر حتى يظن من يراهم أن هناك حربًا على وشك أن تبدأ.
بدأ المجلس بخطبة دينية مؤثرة من يونس آل حامد، بنبرة عالية شامخة يوضح فيها أهمية الصلح والتسامح وعقاب القتل بغير نفسٍ. هذه الخطبة ليست جديدة على مسامعهم ولم تؤثر على القلوب المتعطشة للدماء في شيء، ولكن كلمات يونس تحمل رونقًا مميزًا به تجعل من يسمعها يقلبها في عقله، يفكر بها، يحاول فهمها والتعمق فيها.
نبرة يونس وشرحه لوسطية الدين اخترقا قلوبٍ أرهقها الألم والحزن، كقلبي عمار ومهران مثلا، وانتهى ابن العمة من خطبته الثمينة، لينطق بعدها زيدان بصرامة وهو يمسك بعصاه بيدٍ متصلبة تظهر صلابته التي لا يثنيها الزمان:
"من خمس سنين ولدنا اتقتل، ومارضناش ناخد عزاه غير لما ناخد بتاره، وبعدها اتجال إنه كان بالخطأ والحكومة برأت ابنكو، واحنا احترمنا القانون، بس اللي وصلنا بعد كده إنه كان قتل عمد، وان ابنك هدد حفيدي قبلها بأسبوع، وانكوا اخفيتوا الأدلة، علشان كده النار جادت جوانا تاني، وحسينا إن فيه غدر صدر منيكم ناحيتنا، وانتوا خابرين زين إن الحوامدة بيكرهوا الغدر والخيانة، وبرغم كده عملت حساب للنسب اللي بيناتنا، واستنيتك انت تحكم في الموضوع ده بالحق كيف ما بتحل مشاكل الناس يا عبد الوهاب، بس لحد دلوقتي مافيش غير العداوة والدم، وآخرة الطريق ده واعرة، والدليل اللي حصل على يد حفيدي من كام يوم، وبرغم اني ما يرضنيش اللي عمله، بس لازم يتحط حد للموضوع ده والحق اللي لينا عندكوا ناخده، علشان كده اتجمعنا النهاردة، جولوا اللي عندكم قدام الكل، وقدموا قربانكم ووجتها نشوف نقبل بيه ولا لا."
نظر عبد الوهاب نحو عمار الذي أومأ بعينيه فعاد يطالع زيدان والجميع، وينطق بنبرة ثاقبة قوية لا تتزعزع بين الرجال:
"كلامك كله على راسنا يا حاچ زيدان، وكيف مانت عملت خاطر للنسب اللي بيناتنا، إحنا كمان عملنا خاطر كبير جوي، ومعروف عن عيلة آل حانا إنهم لا في يوم غدروا ولا خانوا، والحادثة اللي حصلت مع ولدي كانت بالخطأ كيف ما الأدلة جالت، واللي جه بعد كده فتنة وزور وتوجيع وانتوا صدجتوه."
تنفس عبد الوهاب بعمق يسترسل بنظرات ثاقبة نحو زيدان:
"الحق اللي إنت كنت رايده مني هو تأميني لولدي، لإني خابر زين إنه أخطأ بس ماغلطش، علشان كده ما يستاهلش يتعاقب على حاجة مش بطوعه، ولولا إننا لا بنغدر ولا بنخون كان زمان التار بجى سلسال دم بين العيلتين بسبب ولد ولدك أيوب، أني حافظت على ولدي وحافظتلكم على ولدكم، وإحنا إهنه النهاردة علشان اللي عمله آخر مرة دي ما يتكررش تاني واصل، وجينا نقدم يدنا بالصلح والخير وننهي العداوة اللي ماحدش منينا مستفيد منها بحاجة."
التفت زيدان بعدما انتهى عبد الوهاب من كلماته، يتطلع على حفيده الذي كاد أن يتحول إلى ذئبٍ شرس يهاجمهم دون رحمة، الغضب جعله يجلس على صفيحٍ ملتهب.
وهو يسعى كي لا يصيبه مكروه لذا عاد ينظر حوله ليجد أصوات آراء الرجال تداخلت في بعضها والكل يحاول إبداء رأيه ونثر كلمات العفو أو اللوم، لذا دب الأرض بعصاه فسكت بعضهم وتهامس البعض الآخر وترقبوا وهو ينطق ناظرًا إلى عبد الوهاب:
"وإيه المجابل يا عبد الوهاب؟ عندك اللي تقدمه ولا نحكم إحنا؟"
للمرةِ الثانية يعاود عبد الوهاب النظر لأولاده وآخرهم عمار، يطالعه بنظرة متفق عليها مسبقًا ليفهمها ولده وينهض بين الرجال يقف بثباتٍ، في ظهره إخوته ومن أمامه عدوه لذا تسلطت أنظاره على زيدان دون غيره ونطق بجسارة لا سبيل سواها:
"أني واقف قدامكم دلوك وطالب الصلح، ويشهد ربنا عليا إن يدي ماتمدش على ولدكم بالغدر ولا بالعمد، علشان كده أنا بطلب يد بتكم فرحة على سنة الله ورسوله."
رواية صياد النايا الحانا الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي
رواية صياد النايا الحانا الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل الخامس من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي.
هل جربت من قبل شعور الخذلان؟
لاتخبرني عن الوجع إن شُفيت
ولا تحدثي عن الذكريات إن تجاوزتها
فأنا مازلت عالقة بين هذا وذاك،وجاء الخذلان قاطعًا رباط نجاتي الوحيد.
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
فلاش باك
قبل يومين
جلس عمار أمام والده في مكتبه بعدما ناداه ليتحدث إليه.
سأله عبد الوهاب يستشيره ليعلم ماذا هم بفاعلون :
- دلوك يا عمار إحنا هنجعد مع الحوامدية ونعمل مچلس صُلح على أي أساس ؟ لازمًا نكون رايحين ومعانا قربان جوى يخليهم يحطوا يدهم في يدنا، ونوجف مسألة الدم دي يا ولدي.
صمت الأب لبرهة يفكر وعينيه على ابنه الشارد الذي ينكس رأسه ويشبك كفيه كأنه يفكر،ليسترسل بترقب :
- أيوب مش ماحيوجفش إكدة بسهولة، وإني خابر زين إن موضوع الحراسة ده مبجاش على كيفك، والحنوانة ماحيجبلوش دية ولا كفن حيبرد نارهم.
نهض الأب من خلف مكتبه وبدأ يخطو خطوات ثابتة ويفكر، ما يجول في خاطره يدرك جيدًا إن ابنه سيرفضه جملةً وتفصيلًا، لذا أوصد أمامه جميع الأبواب التي يمكن أن يدخل منها.
ولكنه لا يدرك أن عمار يقف أمام ذلك الباب منذ أن رآها في أرضها وتحدته، منذ أن رأى نظرة الكره والقوة في مقلتيها وهي لا تنزاح من عقله، منذ أن انتشل خنجرها وهو يفكر بها، تشبه فرسة جامحة تحتاج لخيال ماهر يروضها وحينها سينتهي عذابه وتهدأ الصراعات القائمة على حياته، لذا تنفس بقوة يستدعي شجاعته لينطق بهذا القرار الذي يعلم يقينًا أن عواقبه ليست لينة وليست صلبة بل مشتعلة بنيران الكره والغضب والخوف، ولكن هذا هو القرار الأقرب لقلبه وعقله ومنطقه، لذا نطق يرفع رأسه يحدق بوالده الذي يواليه ظهره :
- النسب يا بوي، القربان هو إني اتچوز بنت الحوامدية، فرحة اخت مؤمن.
تصلب جسد عبد الوهاب فظنها عمار صدمة كلماته، وبالفعل هي كانت كذلك ولكنها صدمة تلاقي أفكارهما سويًا، لتصطدم مخاوفه مع قرار ابنه بين جدران الغرفة الأربعة لذا التفت عبد الوهاب يطالع عمار بثقب فوجد نظرته ثابتة يوميء مستطردًا :
- هو دِه الحل اللي ممكن الحاچ زيدان يجبل به، وهنجطع أي محاولة لأيوب، وننهي بجى العداوة دي وعمتي منصورة تتحرر من حصارهم ليها طول الخمس سنين دول .
اتجه عبد الوهاب يعود لمكتبه وجلس يطالع ابنه ويتساءل بترقب :
- وانت عندك استعداد تتچوز بتهم؟ خد بالك زين، أخت مؤمن مهياش غلبانة، دي واخدة عهد على نفسها اليوم اللي هتتجتل فيه هيكون يوم چوازها ، إنت كدة نهيت التار وفتحت حرب تانية على نفسك يا عمار، فكر زين.
برغم أن هذه الفكرة التي أتفقا عقليهما عليها إلا أنه يجب أن يكن صريحًا مع نفسه ومع ابنه الذي أردف بتروٍ بعد تفكير وتعمق في جمع التوقعات :
- اللي رمانا على المُر يا بوي، إحنا هنجول اللي عندينا ولو ربنا يسر الأمور يبجى يا أهلًا بالمعارك، ولو ماتيسرتش نبجى ساعتها ندور على حل تاني، أو يجتلوني ونخلص من الحكاية الماسخة دي.
نطقها باستهانة يبتسم أمام أعين والده الذي لن يضحي به مهما حدث لذا أردف عبد الوهاب بنبرة صلدة :
- اللي يرش أولادي بالمية أرشه بالدم، أني طيب مع الطيب، بس ربنا يكفينا شر الحليم إذا غضب، علشان إكدة أنا رايد الموضوع ده يتحل لإن لو ماحُصلش هتبجى نار واتفتحت ع الكل .
أومأ عمار مطمئنًا ومتباهيًا باحتواء عائلته له بينما استرسل عبد الوهاب بحذر :
- لو ده جرارك يبجى على بركة الله يا ولدي، بس الحوار ده هيبجى بيناتنا لحد يوم المجلس، لا امك ولا اخواتك حيعرفوا بيه.
يدرك السبب جيدًا وهذا ما يفضله لذا أومأ دون نقاش يردف :
- تمام يا حاچ، توكلنا على الله .
عودة للحاضر.
القى عمار بالقنبلة الموقوتة وسط المجلس لتصعق فرحة في الأعلى وتنظر حولها لوجوه النساء بعدم استيعاب كأنها تتأكد من واقعها وواقع ما سمعته، بينما هب أيوب يستند على عكازه وينهض صائحًا :
- أنتوا باين عليكوا مچانين، نسب إيه اللي بتتحدتوا عنيه؟
نهض حسان يحاول إسكات أيوب قبل أن يغضب الجد منه قائلًا من بين أسنانه :
- أجعد ياولد أخوي مايصحش إكدة .
نفض عمه واسترسل بهياج غير مباليًا بشيءٍ فهو لن يسمح لهم بهذا النسب مهما يكن :
- اللي بيجوله ده ماحيحصلش يا چدي، اللي بينا وبينهم دم مش نسب، وأني مستحيل أجبل اختي تتزوج من جاتل أخوها .
نظر له الجد بحده وانتظر الجميع إسكاته من قبله، ولكنه لم يبُح بشيء لذا التفت أيوب إلى عمه بغضبٍ وتقدم من جده يتابع بشرٍ حينما ظن أن زيدان يستمع إليه :
- بأي منطج وعجل يا چدي؟ اللي بينا وبيهم عداوة ليوم الدين، ولو ع النسب إحنا نرچعلهم أختهم ونجطع العِرج ده.
فاض كيل كلٍ من يونس وحسان الذي وقف بدوره ولم يستطع كظم غيظه كإبنه بل صاح في ابن أخيه يردف بحدة :
- أيـــــــــوب، الزم حدك .
دب الجد بعصاه الأرض وسط نظرات عائلة آل حانا، وترقب الجميع، وصدمة فرحة التي أفقدتها النطق، ليرفع رأسه نحو عمار ويردف بصرامة كممت أفواه الجميع :
- وأني موافج ، ماعيزش أسمع صوت حد واصل.
نظر في عيني عمار واسترسل بمغزى :
- طلبت يد بنتنا، واحنا وافجنا، وادي يدي اتمتدت للصُلح .
مد يده يعرضها على عمار ، لذا أشار له عبد الوهاب ليفعل وعلى محياه رسمت معالم الفرحة بهذا النصر العظيم، كان يعلم أن زيدان يريد صلحًا على عكس حفيديه، يتنفس بعمق وارتياح بينما ينظر مهران لشقيقه جابر بتعجب، فكيف سيتزوج عمار من امرأة تريد قتله؟
أما عمار فخطى يتقدم من زيدان وانحنى يحتوي يده بين كفه ويقبلها ليعلو صوت الرجال وتنهال طلقات الفرحة التي تمنت فرحة لو أنها استهدفتها جميعها وأودت بها صريعة بدلًا عن هذا الكابوس الذي تعيشه، لا تصدق أن قاتل أخاها طلب يدها للتو، وأن جدها قرر تزويجها من أكثر رجلٍ تكرهه على هذه البسيطة.
حدج أيوب عمار بنظرة حادة كادت أن تُفجر مقلتيه من شدتها، ونظر حوله لوجوه الجميع وهو يرى مباركتهم تنزل على جسده كسوطٍ لاسع، ولم يحتمل أن يظل هنا أكثر لذا اندفع يغادر القصر ويترك الجميع ليراه زيدان ويشير إلى يونس أن يتبعه .
بينما رفع عمار رأسه تلقائيًا فالتقت عيناه بها، تقفن النساء حولها تطلقن الزغاريد وهي لا تسمعهن ولا تراهن، بل سلطت أنظارها عليه في تحدٍ مرير وضاقت الدنيا بها واسودت من حولها، لتشعر أنها لم تعد بين بشرٍ بل تقف في غرفة مظلمة لا ترى منها شيء سوا وجههُ،ولا تسمع من حولها صوت سوى آهات شقيقها مؤمن .
ولكنها لن تكون فرحة مادام هو حيٌ يرزق، ستفعلها، حسنًا ليكن هذا العَقد لعنةً عليه لذا حينما راودتها هذه الفكرة ابتسمت في وجهه بتناقض سافر جعله يدرك أنها تدخر له كرهًا خالصًا لن ينفك عنه بسهولة .
❈-❈-❈
جالسًا على الأريكة في غرفته مع زوجته التي تدلـله وتفرك له حبات الرمان في كأسٍ زجاجي، ثم مدت يدها تناوله إياه قائلة بغنجٍ :
- وانت ماروحتش وياهم ليه يا راچح؟ اختك ولاء خلعتني،بتجول انهم ممكن يخلصوا على عمار وسط الرچالة.
تناول راچح ملعقتي رمان بتمزج ثم نظر لها ولخصلاتها الغجرية بهيام ونطق وهو في قمة نشوته :
- أروح معاهم وأسيب الجمر بردك؟ سيبك من عمار وتاره وتعالي چاري إهنة.
تركت مافي يدها وانتشلت مناديل ورقية تجفف كفيها ثم تحركت تلتصق به قائلة بمغزى :
- أصل اختك ولاء جالت لو موضوع التار ده اتحل صُوح هتفرح جوي.
استرسلت وهي تميل على أذنه تفشي سرها :
- أصلها بتحبه جوي، وكانت رايداه من زمان، بتجول إنه زي أبوه، ولولا موضوع التار ده كان زمانها مرته .
تجهم وجه راجح وغضب من شقيقته،فقد اعتاد أن لا حقوق لهما، والحب ليس من الخيارات المطروحة أمامهما ، وإبداء الرأي والمشاورة لم يخلق لمثلهما ، لذا هاج منفعلًا :
- هي جالتلك إكدة؟ نهارنا مش فايت.
نهض قاصدًا تعنيفها ولكنها أسرعت توقفه وتردف بدلال يصيب هدفه دومًا :
- اهدى يا راچح هتروح تُضربها يعني وتجول عني إني ولعت الدنيا بيناتكوا؟ أني بعرفك اللي فيها علشان أبوك رايد إكدة، وبعدين دي حاچة تفرحك، فكر زين، اخواتك التنين متجوزين أولاد كَبير النچع كله، إنت المستفاد.
قالتها وهي تملس على صدره فزفر يستغفر وعاد يجلس مكانه يفكر، لذا عادت تجاوره وتنتشل حبة موزٍ تقشرها وتمدها ليأكلها ففعل فاسترسلت باستفهام :
- وبعدين فيها إيه لما تحبه؟ ماني جعدت أحبك 3 سنين، من وأني عندي 15 سنة وانت شاغلني وكنت ورايا في الروحة والچاية، ولا هو حلال ليك وحرام ليها؟
نطق بنبرة ذكورية ترعرع عليها :
- أيوة حلال ليا وحرام ليها يا رانيا واتظبطي معايا، أني راچل اعمل اللي رايده ، لولا إنه ابن عمي ومننا فينا أنا كنت رحت كسرت نفوخها دلوك .
نظرت له بتعجب ولكنها تجاوزت ولم تتعمق في جملته حيث قلة الخبرة وصغر السن والاعتياد حسب عادات النچع.
لتتساءل بترقب عائدة لدلالها عليه :
- طب انت هترچع شغلك أمتى؟ وافتكر إنك واعدني بشهر عسل ولحد دلوك ماطلعتش برا الجصر.
لف يده حول خصرها ودنى يقبل وجنتها ويردف بهيام متأثرًا بها :
- وهو فيه أحلى من جعدتنا دلوك؟ واخدين راحتنا ع الآخر أهو وبناكل فاكهة في عز الضهر ولا حد يجدر يزعچنا.
تأفأفت بضجر ونطقت تبتعد عنه :
- لاء يا راچح الحديت ده مايلدش عليا ، أني رايدة أسافر وياك كيف ماوعدتني .
كاد أن يتحدث ولكن قاطعه طرقات على بابه فعلت نبرته يتساءل بضيق :
- مين؟
نطقت ولاء بغيظ :
- بزيادة عليك إكدة ياخوي انزل بجى شوف مصلحتك جربت تنبت ، وجول لرانيا تيچي تجعد ويايا أني زهجت .
غضب ونهض يتجه نحو الباب ويفتحه ليجدها تقف تطالعه بتجهم ولم تبالِ بغضبه بل استرسلت تتكتف :
- أبوك وصاني أجولك تنزل تُجَف مع العمال اللي بيچمعوا المحصول دلوك، ولو جه ولجاك لساتك لازج في أوضتك هيخلي ليلتك طين، وصُح إنت زودتها جوي.
احتد عليها وكاد أن يمد يده ويصفع كتفها ولكنها ابتعدت فصاح :
- ازودها ولا أنجصها انتِ مالك ومالي يا بومة؟ ورانيا مين اللي إنتِ عوزاها تيچي تجعد وياكي؟ طب إيه رأيك بجى أنا حخليها تجطع علاجتها بيكي،لاجل ما تزهجي بحج .
نطقت بنبرة درامية متعمدة ألا تظهر حزنها من كلامته :
- تعملها، مانت من زمان شايل جلبك وحاطط مكانه صخر، بس ولا يهمني، ماحتمسكنيش من يدي اللي بتوچعني بردك يا ابن أبوي،هو أني يعني حغلب!
التفتت تغادر برأسٍ مرفوعة لتستفزه ولكنه نطق يبصق كلماته ليغتال انتصارها :
- خليكي إكدة كيف البومة، وابجي جابليني لو حد عبرك بلسانك اللي عايز الجطع ده، ومتتأمليش في بيت عمك، بعد اختك ماحيجبلوش ياخدوكي لو عملتي اللالي .
ولكنها ليست نهاد لتتأثر بكلماته، تتقن جيدًا التظاهر باللا مبالاة برغم أنها تعاني داخليًا، لتلتفت له وتطالعه بنظرة تحدي ثاقبة وتنطق قبل أن تكمل خطواتها نحو الأسفل :
- بكرة نشوف.
❈-❈-❈
تجلسن ثلاثتهن في بهو المنزل، تحاول نوارة تهدأة والدتها القلقة حيث قالت وهي تخرج إحدى المنامات من حقيبة ورقية وتعرضها عليها :
- اتفرچي على دي بجى ياما، چبت منها 3 ألوان، شوفي ناعمة كيف!
التقطتها صابحة منها تتفحصها، لتبتسم وهي تتحسس خامتها حيث بالفعل النعومة المطلقة التي تجعلها تشعر بالاسترخاء لذا نطقت تنسج هيأتها وتنشغل معها :
- هتبجى زينة عليكي جوي يابتي، ماتجومي تچربيها إكدة وأشوفها عليكي!
ابتسمت نوارة بتورد ونظرت إلى نهاد التي نطقت بترقب وشيئًا من الغيرة :
- وأني كمان يامرت عمي چبت زييها بس تفصيلة تانية، شوفيها إكدة وجوليلي رأيك.
مدت يدها تتناول منامتها التي تشبه ملمس الأولى لتبتسم صابحة لها، ربما تدرك مشاعر الغيرة التي تظهر عند تعاملهم مع نوارة ولكنها تتقبلها وتتفهم سببها، بل أنها تحب نهاد وتحب طيبتها، ولأنها تدرك جيدًا أنها تحب مهران وهذا كافٍ بالنسبةِ لها، فهي أمٍ تعهدت ألا تمارس سلطة الحماة على أي زوجة إبن تمارس العشق لزوجها، الأهم بالنسبة لها أن يظل أولادها سعداء، نعم تدرك أن مهران يتمرد ولكنها ترى أيضًا المجهود المبذول من قبل نهاد لإرضائه .
نطقت صابحة بنبرة مماثلة منفرجة :
- لاء ماينفعنيش الحديت دي، أنا رايدة أشوفهم عليكوا، جوموا غيروهم وفرّچوني زين جبل ما الرچالة يرچعوا.
أسرعت نهاد تنهض متمنية أن تنال إعجاب مهران كما حال صابحة،لتردف وهي تتحرك باتجاه غرفتها :
- أني هطلع أغيرها وأشوف حمزة وچاية.
تحركت وسط تعجب نوارة التي نهضت تحمل أغراضها وتردف بهدوء يخفي خمولها :
- وأني حدخل أرص الحاچات دي ياما،عن اذنك.
نطقت صابحة بترقب وهي تتبع ابنتها بنظراتها :
- يعني ماحتوريهانيش بردك؟
ابتسمت لوالدتها التي تحفظها ونطقت بخجلٍ :
- هبجى أفرچك عليها وجت تاني، أصل أني رايدة أنام ساعة ولا حاچة.
نظرت صابحة لها بريبة فحالة ابنتها لا تسرها، وفي كل مرة ينتابها الشك تستغفر وتشجع صغيرتها على الالتزام بصلاتها وأذكارها،لتتنفس بعمقٍ وتشير لها قائلة بتحفز:
- تعالي أجعدي چاري إهنة إما أرجيكي .
تراجعت نوارة للخلف ترفض رقيتها بل حاول التملص تردف بعدما زادت نسبة صداعها :
- لما اصحى بجى ياما،وبعدين هو إنتِ كل ماتشوفيني هترجيني عاد؟ مين اللي هيحسدني؟هو حد بيشوفني من أساسه؟ده حتى الچامعة بطلت أروحها،ماتحطيش الحديت دي في راسك يا حاچة صابحة.
تحركت بعدها تحت نظرات والدتها القلقة ولكنها تدرك أن ابنتها تتعامل مع حالتها بتهاون مفرط.
أما هي فيتملكها الشك منذ أن أخبرها زوجها بوصف الطبيب لحالة ابنتها وأنها لا تعاني سوى من كثرة التفكير والتوتر .
في خضم انشغالها بحالة ابنتها سمعت صوت الرجال يعودون فهبت واقفة تتحرك نحو باب القصر وفتحت لتطمئن وتقر عينيها بأولادها.
رأتهم يترجلون من السيارة ويسبقهم والدهم فتسائلت بنبرة عالية :
- عملتوا إيه يا حاچ عبده؟ طمنوني أني جاعدة على أعصابي .
يدرك جيدًا أن ما ستسمعه لن تقبل به لذا نطق بتريث :
- اصبري علينا يا أم مهران لما ناخد نفسنا .
سلطت عينيها على ابنها عمار الذي يطرق رأسه ويرفض مواجهتها بنظراته،بينما تقدم مهران يدخل قبلهما ويصعد لغرفته ليبدل ثيابه ويسرع نحو الشركة،أما جابر فتحرك نحو الحديقة الخلفية ليجري اتصالًا ما .
نظرت لزوجها وهو يدخل ويتجه يجلس على مقعده الذي يحتل وسط المجلس واتجه عمار يجاوره بتوتر، لتتحرك وتجلس قبالتهما وتصيح بعلو :
- چهزوا الوكل يا رتيبة .
قالتها وعينيها توزع نظرات ثاقبة بين زوجها وولدها لتستطرد متسائلة :
- عملتوا إيه؟طمنوني؟
رفع عمار رأسه وثبت أنظاره عليها ينطق بثبات ظاهري :
- تم الصُلح ياما،وطلبت يد بنتهم فرحة للچواز .
دبت كفها في صدرها تصيح بصدمة :
- يا مُري .
❈-❈-❈
في الخارج وقف جابر ينتظر ردها على اتصاله، لم تجب في المرة الأولى ، لذا ابتسم يهز رأسه استنكارًا ثم كرر الاتصال لتجيبه بعدها قائلة بنبرة رسمية بحتة :
- مساء الخير يا فندم، مع حضرتك ريم البسيوني سكرتيرة مكتب مستر معتز النعماني، هو بيبلغك إنه في انتظارك .
ابتسم بمكر وصوب نظراته المتحدية نحو اللا شيء يجيبها بنبرة رجولية رصينة مؤثرة يبرر لها :
- مساء الورد والياسمين يا أنسة ريم، حجك عليا إنتِ رنيتي وأني كنت مع العيلة في مكان عام ماعرفتش أرد عليكي وجتها.
ابتسمت ولانت ملامحها وشيئًا ما داخلها عفا عنه لذا نطقت مبتسمة بنبرة لينة :
- حصل خير، تقدر تيچي تقابل مستر معتز كمان ساعة .
نظر في ساعة يده ونطق مرحبًا بنبرة خبيثة :
- هاچي طبعًا، أني كنت مستني اتصالك ده، كمان ساعة وهكون عندك بإذن الله.
أومأت تردف بهدوء :
- في انتظارك .
أغلق معها وتحرك مسرعًا نحو الداخل ليبدل ثيابه ويذهب إليها .
حينما دلف وجد والدته حزينة ومتعجبة وغاضبة في آن، تطالعهم باستنكار كيف طلبوا هذا الطلب، وعبد الوهاب يحاول إقناعها قائلًا :
- هي دي الحاچة الوحيدة اللي زيدان جبل بيها ووجفنا التار يا صابحة، ماعيزش بجى حديت كتير .
نطقت باستنكار وخوفٍ :
- كيف يعني يا عبده؟ إنت چبتله حية تنام في حضنه؟ يعني أني كان نفسي أفرح بولدي واچوزه تجوم تطلبله أكتر واحدة بتكره ونفسها تموته؟ بأي عَجل ده يعني؟
طالعها بنظرات لائمة وكاد أن يتحد ولكن عمار أسرع يردف بتروٍ :
- ياما ده قراري لحالي، النسب هو الحل الوحيد، وبعدين متخافيش على ولدك جوي إكدة، إنتِ خابرة زين إني ماحسمحش لحرمة تجتلني، ولا عنديكي شك؟
تنفست بعمقٍ ونظرت لهما وهي تهتز توترًا وقلقًا ثم التفتت تلمح جابر وهو يمر بلا مبالاة فصاحت توبخه وتلقي بغضبها عليه :
- وانت بتتسحب إكدة ورايح على فين؟ تلاجيك كنت عارف ومخبي عني، ماشي يا چابر حسابك معايا بعدين .
توقف مكانه وطالعها مستنكرًا يصيح :
- اللا؟ وأني مالي ياما؟ ماعندك ولدك أهو اللي فاجئنا كلياتنا هناك، أني طالع أغير خلجاتي علشان عندي مشوار مهم.
تحرك يستأنف طريقه لتصيح مجددًا بتوبيخ بينما عينيها مسلطة على عمار الذي لا تحتمل توبيخه :
- لا رايح ولا چاي غير لما نتغدا، جبتولي الضغط يا أولاد الحنانوة.
استغفر عبد الوهاب بينما سرق جابر خطواته متجاهلًا، لينهض عمار ويتجه إليها وجلس يحتويها ويسترسل بنبرة لينة حنونة ممازحة كعادته :
- أني راضي ذمتك، إنتِ مصدجة إن فيه واحدة تجدر تدخل الجصر دي وتجتلني وانتِ موچودة؟
التفتت تحدجه لتلمح شيئًا من السعادة يحتل نظراته، تلك السعادة التي انطفأت من عينيه لسنوات، السعادة التي تجبرها على التمهل لذا مطت شفتيها تستغفر وتلف وجهها عنه ثم عادت مجددًا تردف بنبرة خافتة لينة متناقضة لنبرتها منذ قليل :
- جبل ما تفكر حتكون روحها في يدي، بس دي هتبجى مرتك يا ولدي، هتنام جارك في سرير واحد وهتجبى أجربلك مني، لازما أخاف يا عمار.
رسم كلامها في عقله فكونت لوحة شرد ينظر لها للحظات قبل أن يبتسم وينطق بيقين :
- سبيها على الله، اللي ربنا كاتبهولنا هنشوفه مهما حُصل، ماتزعليش نفسك بجى علشان ضغطك .
استطاع أن يجعلها تتراخى وتتخلى عن غضبها لينظر لها عبد الوهاب باستنكار قائلًا بغيرة واضحة :
- هديتي دلوك؟ كن مابجاش ليا معزة في جلبك بعد ما الواد ده أخدها كلياتها،أني جايم أشوف بتي حبيبتي .
قالها وهو ينهض ليستفزها فنطقت بنبرة عشقٍ وغيرة تتوارى بين جدران هدوءها :
- بتك بتغير خلجاتها ماتروحش دلوك، تعالى جاري علشان رتيبة حتچهز الوكل أهو.
ابتسم وعاد يجلس ويتحمحم وينظر نحو عمار نظرات ذات مغزى والآخر شرد يفكر في أمره وما هو مقبلًا عليه
❈-❈-❈
في غرفة مهران .
كان يقف أمام المرآة يهندم حاله ليذهب لشركته ، استيقظ صغيره وأصدر صوتًا فالتفت يطالعه ويبتسم ثم تحرك نحوه ودنى يقبله وينطق ممازحًا وهو يميل عليه ويناغشه :
- كل ده نوم يا راچل؟ مش تجوم بدري عاد وتشوف مصلحتك كيف أبوك؟ يالا فوج إكدة وانزل علشان تاكل وتاچي معايا الشركة .
ابتسم الصغير ونالت إعجابه كلمات والده ومداعبته له ورفع يده يشبكها في أنفه فحاول مهران التملص مبتسمًا ونجح ينهض ليجد أمامه نهاد خرجت لتوها من الحمام، ترتدي منامة حريرية ابتعاتها خصيصًا له بتوصية من نوارة، لونها كريمي، تنساب بنعومة بالغة لتكشف عن ذراعيها ومقدمة صدرها، وعصجت خصلاتها على شكل ذيل حصان فباتت تشبه المهرة البيضاء .
وقفت أمامه تحدق في عينيه التي تتفحصها وسألته بابتسامة وهي تخطو نحوه بدلال :
- إيه رأيك؟ اشتريتها النهاردة، وفيه كمان غيرها، حفرچك عليهم بعد دي.
كانت بالفعل جميلة، ناعمة، متوردة، تنتظر منه حبًا، ومتعطشة لرأيه لذا ابتسم ونطق بصدق يحاول أن يبدو متوازنًا :
- چميلة جوي، لايجة عليكي صُح .
ابتسمت ونظرت لصغيرها الذي يمكث في مهده وينشغل مع الكرات المعلقة أمامه لذا عادت تحدق بزوجها وتضع كفيها على قلبه قائلة بنبرة حالمة والحب يفيض من مقلتيها :
- كنت عارفة أنها حتعچبك، خليك إهنة النهاردة، ماتروحش الشركة.
تحمحم يحاول التحرر من سطوة حبها، تناقض داخلي بين عقله ومشاعره لذا نطق معتذرًا :
- لازمًا أروح النهاردة، ماينفعش أني وعمار مانروحش .
حزنت ولكنها لم تبدِ ذلك بل ابتسمت توميء وابتعدت تتساءل حينما تذكرت:
- صُح عملتوا إيه عند الحوامدية؟
برغم تعجبه من نسيانها لهذا الأمر ولكنه يدرك طباعها لذا أجابها وهو يلتفت ويستل ساعته يرتديها :
- عمار طلب يد بنتهم، وتم الصُلح.
شهقت ونطقت بتعجب :
- وه؟ كيف ده؟ حيتچوز فرحة؟
التفت يطالعها ويوميء بصمت ولم يشاركها رأيه أو تعجبه لتستطرد بضيق :
- معجول؟ فرحة بنت الحوامدة تدخل جصر آل حانا؟
رفع نظره يطالعها بترقب وكاد أن يستفهم مقصدها ولكن صدح هاتفه باتصالٍ فالتقطه ونظر ليجده رقمًا لمجهول ففتح الخط يجيب :
- ألو؟
أجابته تيا بنبرة حماسية :
- مساء الخير، أستاذ مهران آل حانا؟
بدى الشرود على ملامحه ونطق مستفهمًا :
- أيوة مين؟
أجابته بانفراج :
- أنا تيا بدران، اتقابلنا على المركب ؟ إنت نسيتني ولا إيه؟
نظر إلى نهاد التي تترقب بنظراتها لذا نطق بهدوء يخفي توتره :
- أيوة اتفضلي!
أحبطها بنبرته ولكنها نطقت بنبرة بدت منكسرة :
- أنا عرفت مكان عيلتي، بس بصراحة خوفت أروح لهم لوحدي، قلت يعني لو ممكن تيجي معايا؟
علا الاستنكار أساريره وتفاجأ من طلبها لذا تحمحم ونطق ليتحرر من نظرات نهاد ومن طلبها المفاجيء :
- معلش هكلمك وجت تاني .
أغلق معها ودس الهاتف في جيبه ثم تحرك نحو صغيره يقبله واعتدل ينظر إلى نهاد التي وقفت تسأله بترقب نظرًا لاعتيادها على اتصالات من هذا النوع :
- مين دي يا مهران؟
نطق يوضح دون النظر لها ويدعي انشغاله بجمع أغراضه :
- دي بنت أمريكية تبع الفوچ السياحي، أبوها الله يرحمه كان من إهنة ولما مات نزلت تسأل عنيهم وكانت محتاچة مساعدة لإنها صغيرة وماتعرفش حاچة إهنة .
أومأت تفكر ولكنه استرسل بعدما جمع أغراضه :
- لو احتچتوا حاچة كلموني .
نطقها وأسرع يغادر وترك عقلها منشغلًا بهذا الاتصال .
❈-❈-❈
انتهت المحاضرات
وقفت مودة تفكر مرارًا وتكرارًا هل تذهب إليه وتستفهم منه نقطةً ما لم تفهمها بشكلٍ جيد، أم لا تفعل خوفًا من ظنها تتودد إليه كما تفعلن الأخريات؟
هي لا تحب أن توضع في هذا القالب ولكنها بالفعل لم تستوعب إحدى النقاط الهامة، وربما شيئًا ما بداخلها يشتهي التحدث معه ولكن شهوتها مغلفة بالخجل والقلق .
أوقفنه مجموعة من الفتيات عن عمدٍ، تتحدثن معه، بينما هو جاد وثابت يوضح لهن بجدية ما جئن للسؤال عنه.
لمحها تخطو باتجاهه على غير عادة، فتشتت تفكيره ولم يعد يشرح بشكلٍ جيد، لذا تحمحم وأردف بهدوء ثابت :
- كفاية كدة يا بنات، بكرة هعيد شرح الجزء ده تاني.
أومأن بإحباط ولكنهن ابتعدن عنه تضحكن بلا سببٍ، بينما هي شعرت بالتردد بعدما اقتربت لذا حاولت الهرب لكنه أوقفها يتساءل بترقب :
- أنسة مودّة؟ كنت عايزة تسألي عن حاچة؟
توقفت تطالعه وعم التورد ملامحها وأسرعت تنطق بتوترٍ وهي تشير على مدونتها، ظنًا منها أنها تخفيه عنه :
- أيوة فيه، الجزء ده مافهمتوش قوي، حضرتك تقصد إن طبيعة الوعي مرتبطة ببداية الحياة؟
لا إراديًا وجد نفسه يسبح في عينيها الزيتونية أثناء سؤالها وحينما توقفت ورفعت أنظارها له توترت أنظاره وتحمحم يجيب برسمية :
- أنا عارف إن الموضوع معقد شوية والشرح يطول في المسألة دي علشان كدة بكرة بإذن الله هعيد شرح الچزء ده تاني، ماتقلقيش.
أومأت وشعرت بشيءٍ من الحنان في نبرته، لذا ابتسمت بخفة بينما تكاثرت الأقاويل من حولهما من قبل زميلاتها اللاتي نظرن لهما بغيظٍ وغيرة، كادت أن تشكره وتتحرك ولكنها لمحت سيارة تعلمها جيدًا تتوقف أمام الجامعة ويطل من نافذتها شقيقها يحدجها بنظرة استكشافية قبل أن تتجهم ملامحه، لذا تملكتها الريبة ونطقت بتوتر وهي تسرع خطاها نحو السيارة :
- تمام، عن اذنك.
لمح تبديل لون وجهها وأدرك ريبتها لذا التفت ليجدها تسرع وتستقل سيارة أحدهم الذي بدوره تحدث إليها بطريقة فجة وأدار المحرك وانطلق، ليدرك أن هناك شيئًا ما يحدث خلف الأقنعة، ومن المؤكد أنها تواجه مشكلةً ما، ثم راوده سؤالاً جعله يطيل مدة توقفه ليثبت لمن حوله اهتمامه بها، ترى من هذا الشاب الذي استقلت سيارته؟ولماذا ارتابت هكذا؟؟
❈-❈-❈
بعد أن عادت من جامعتها، وانتهت مهتمها الأولى بالتودد إلى الدكتور نوح، ها هي تخطو داخل قصر خالها عبد الوهاب لترى جابر وتتودد إليه .
كانوا قد انتهوا للتو من تناول غدائهم وتحرك جابر مسرعًا ليلحق بلقائه المنتظر، لذا حينما فتح الباب كاد أن يصطدم بها فشهقت وابتسمت حينما وقعت عينيها عليه تردف بنبرة ممازحة :
- حاسب يا ولد خالي، واخد في وشك كيف الجطر ليه إكدة؟
توقف يبتسم ويتفحصها، نعم إنها سجود ابنة عمته، تغيرت ملامحها وبالفعل كبرت عن آخر مرةٍ رآها قبل سفره، باتت أكثر اهتمامًا بذاتها لذا ابتسم لها ونطق بتلاعب وهو يضع كفيه في بنطاله :
- سچود؟ ماعرفتكيش يا بنت، كبرتي واحلويتي.
ضحكت بتباهٍ ونطقت وهي تتوسط خصرها :
- طول عمري زينة يا ولد خالي بس إنت اللي نسيت.
اعتدلت تسترسل باهتمام ظاهري :
- إنت عامل إيه؟ وأخبار روسيا إيه؟ عرفت تتعامل مع چوها يا ولد الصعيد؟
نظر في ساعة يده ليوقن إنه سيتأخر وهذا مالا يريده لذا عاد إليها وابتسم يردف بتملق وهو يتحرك من جوارها :
- لاء الحديت ده ماينفعش دلوك، إنتِ تدخلي تجعدي من الحاچة صابحة وتستنيني لما أرچع، ورايا مشوار مهم حخلصه وراچع علطول .
استطاع جعلها تتحمس وتردف وهي ترفع يدها وتتلمس كتفه تدفعه بخفه في حركة بدت تلقائية :
- تمام تمام، روح انت الحج مشوارك وأني مستنياك إهنة .
ابتسم لها وتحرك وحينما التفتت تبدلت ملامحه وظهرت معالم الضيق على وجهه وهو يستقل سيارته ويغادر مسرعًا إلى شركة معتز النعماني.
يدرك جيدًا أنها أتت بتوصية من والدتها، وبالطبع لن تفلحا ولكنه سيتسلى قليلًا..
❈-❈-❈
عاد مرغمًا إلى القصر بعدما أجبره يونس على العودة، بقلة حيلةٍ وعجزٍ دلف يجر معه أذناب الحقد والغل التي لم تفلح في تحقيق انتقامه .
كان قد ودّع الجد عائلته ودلف للتو إلى القصر هو الآخر، لذا اتجه يجلس على أريكته ونظر في وجهي حفيديه، يجاوره حسان ومنصورة التي التزمت الصمت وقررت أن تتابع فقط لترى عواقب ما حدث وهي على يقين أن فرحة لن تهدأ .
وبالفعل لم تعد فرحة تحتمل الصبر، مر عليها أكثر من ساعةٍ احترق قلبها فيها حتى بات رمادًا ثم تبخر الرماد بفعل عاصفة ما قيل ، لا تعلم كيف تحكمت في غضبها أمام مباركات النساء، ولم تتفوه ببنت شفة إلى الآن وكظمت حقدها لذا بصقت مافي جبعتها من كرهٍ وحرقةٍ وألمٍ ودموعٍ فقالت :
- إزاي يا چدي تحكم عليا حكم زي دي؟ جدرت تعمل إكدة فيا كيف ؟ داني كنت بجول اليوم اللي هاخد بتاري من عمار فيه هو يوم كتب كتابي، تجوم توافج على زواچي منيه؟ ياريتك كنت طلعت طبنجتك وخلصت عليا جبل ما اسمع اللي سمعته دي .
صمت الجد يطرق رأسه ينتظر انتهائهما من حديثهما حيث يدرك أن أيوب سيتحدث وبالفعل نطق بحرقة ونيران غضبه تتفاقم :
- إنت حرجتنا يا چدي، ولعت النار في جتتنا واحنا واجفين وخليته يفرح بدل ما الحزن يعم نچعهم كيف ما الحزن غيم علينا من وجت ما اتجتل مؤمن .
لم يراعي وجود منصورة بينهم، بل يدعس على خاطرها بالقوة سواءً كان متعمدًا أو عن جهلٍ، ليسترسل بغلظة :
- إنت رضيتهم على حسابنا انا واختي، فكرك اكدة مش حنخرچ من تحت طوعك؟ إنت إكدة ماحلتهاش يا چدي إنت عجدتها عن لوّل بكتير .
تكتفت فرحة تنتظر حديثه والدموع معلقة في مقلتيها، تدرك جيدًا أنه لن يغير قرارًا اتخذه بين الرجال، ولكنها تريد تفسيرًا لذلك ومن ثم سترى هل تحرق قلوب آل حانا فقط، أم تحرق قلوب الجميع مثلما فعلوا معها؟
رفع الجد رأسه عاليًا ونظر لحفيده يردف بهدوء شديد :
- خلصت حديتك يا ولد علي؟ ولا لسة حداك تهديد تاني تهدد بيه چدك؟
لم يجبه أيوب بل صمت يستمع إليه وهو يتابع :
- عتفكروا إن جلوبكم من لحم ودم وإحنا جلوبنا حديد! لساتكم صغيرين جوي ومافهمينش حاچة واصل، وخداكم الحماجة وكل اللي عتفكروا فيه إنكوا تجتلوه وترتاحوا بعد إكدة، عايزين تفتحوا علينا لعنة التار مرة تانية واحنا بنحاول نشفى منيها، ياخسارة العلام والتربية الزينة.
نظر أيوب نحو شقيقته التي لم تتزعزع ولم تتأثر بكلمات جدها بل تنتظر تفسير أكبر ومنطق يقنع عقلها المنغلق عن كيف تتزوج بقاتل شقيقها؟ لذا حدجها زيدان بنظرة ثاقبة ونطق بمغزى :
- الجلوب المحروقة يابتي مابيطيبهاش الدم، بيطيبها الجُرب والعشرة، ولو انتِ خابرة چدك صُح حتعرفي إن قراري ده مهواش علشان روح ولد الحنانوة، ده علشانك إنتِ، ومش حتحدت كتير بس بكرة تجولي جدي كان معاه حج.
ابتسمت حتى كادت ابتسامتها أن تشق فمها من شدتها ولم تكن سوى ابتسامة كرهٍ ونفور وهي تنطق بتحدٍ وثبات وتوعد بعدما فهمت مغزى حديثه :
- تمام يا چدي، حديتك صُوح، وكلمتك سيف على رجبتي، ماحيشفيش جلبي المحروج غير الجُرب من ولد الحنانوة، ومافيش أجرب من إني أبجى مرته، ووجتها هرجعلك إهنة واجولك كان معاك حج، وهثبتلك إن جلبي ارتاح .
تبادلا النظرات الثاقبة والمتحدية، بينما تهاوى قلب منصورة من توعد فرحة، ونظرت لزوجها استنجادًا فنطق بنوعٍ من التهدأة :
- وحدي الله يابنتي وبلاش غضبك يعميكي عن حياتك ومتسجبلك عاد، آن الآوان بجى ترچعي فرحة بتاعة زمان لاجل ما مؤمن يرتاح في جبره .
التفتت تنظر نحو عمها الذي تدرك جيدًا أنه يراعي مشاعر زوجته لأبعد حدٍ لذا أومأت مرارًا ونطقت بتأكيد :
- ماتجلجش يا عمي، هيرتاح جريب جوي.
عادت تنظر إلى جدها ونطقت قبل أن تتحرك نحو غرفتها :
- عن اذنك يا چدي .
أسرعت خطاها تحت أنظارهم لتلتفت منصورة إلى زيدان وتنطق بقلبٍ منفطر :
- فرحة مهياش هتچيبها لبر يابوي، أني خايفة لنكون عجدناها أكتر .
نظر الجد نحو أيوب الذي باغتها بغضبٍ ثم اندفع نحو غرفته وتركهم ليمد زيدان يده ويربت على كف منصورة قائلًا بنبرة غامضة تحمل طمأنينة وحكمة :
- العبد في التفكير والرب في التدبير يابتي، جولي يارب .
اندفعت داخل غرفتها تغلق الباب وتقف خلفه تضع يدها على قلبها النابض وبكت بحرقة تكتم صوت بكاءها فتحترق بصمتٍ كما اعتادت، حسنًا سيزوجوها منه، فليكن .
❈-❈-❈
يقود سيارته متجهًا إلى الشركة، ضغط على هاتفه المعلق أمامه بعد تفكير يعاود الاتصال بها.
انتظرها لتجيب ثم تحدث عبر السماعة بنبرة رتيبة :
- أنسة تيا، اتفضلي معاكي، كنتِ بتجولي إيه؟
الآن يتحدث بأريحية وهذا ما استشفته تيا لتردف معتذرة :
- أسفة لو كنت كلمتك في وقت مش مناسب بس انت قولتلي لو احتجت مساعدة أكلمك، وانا فعلا ماعرفش حد هنا ومتوترة جدًا وخايفة أروح اقابل عيلة بابا لوحدي .
توغله شعورًا لا يدرك ماهيته، يرحب باتخاذها إياه حماية، لذا نطق بقبول يتساءل
باستفهام :
- ماعنديش أي مانع آچي معاكي، بس إنتِ عرفتي توصليلهم كيف؟
ازدردت ريقها ونطقت :
- شوفت إعلان لدكتور من عيلتي فأخدت الرقم وتواصلت معاه وطلع يعرفهم ودلني عليهم.
أومأ يجيبها بهدوء :
- تمام، شوفي حابة تجابليهم ميتا وأني معاكي، وبإذن الله خير، ماتجلجيش.
ابتسمت بارتياح تجيبه :
- أوكي تمام، متشكرة جدًا .
- العفو .
❈-❈-❈
ترجل أمام شركة معتز وخطى نحوها قاصدًا الدخول ولكن أوقفه رجل الأمن يتساءل بترقب :
- حضرتك أستاذ چابر آل حانا!
أومأ جابر وضيق عينيه يستفسر :
- أيوة؟ خير؟
هز رأسه ونطق معتذرًا :
- أنا آسف، بس استاذ معتز قال ممنوع تدخل الشركة.
أيقن أن معتز يتلاعب معه، لذا حدجه بنظرة حادة ثم ابتعد خطوة للوراء والتقط هاتفه يطلب رقم ريم التي كانت تقف أمام معتز تنتظر سبب طلبه لها بينما هو منشغلًا بمراقبة جابر من خلال كاميرا المراقبة وعلى محياه ابتسامة تشفي وسعادة ومكر .
كان هاتفها فوق مكتبها ولم تسمعه بل نطقت متعجبة :
- مستر معتز؟ حضرتك طلبتني؟ فيه حاچة؟
تحمحم ينظر لها ثم نطق باستفهام ماكر :
- كلمتي الأمن علشان لما چابر آل حانا ييچي؟
تعجبت تجيبه :
- لاء، حضرتك اللي قولت هتكلمهم؟ وهو زمانه على وصول .
أسرع يدعي التقاطه لهاتفه ويردف وهو يطلب رقم فرد الأمن بينما يداه الأخرى تعبث بالحاسوب من أمامه :
- أيوة صح نسيت، أوف ده فعلًا وصل وواقف تحت أهو.
تملكها التوتر فتحفزت وهي تسمعه يطلب من الأمن أن يمرره وأغلق فتحدثت وهي تستعد للتحرك :
- طيب عن اذنك يا مستر معتز أنا هروح استقبله .
تحركت خطوة ولكنه أوقفها يردف بضيق من اهتمامها :
- استني يا ريم، أنا هعمل مكالمة مهمة، خليه يستناني لما أخلص .
نظرت له بتساؤلات ولكنها أومأت وتحركت نحو مكتبها لتستقبل جابر الذي سمح له الأمن بالصعود .
وبالفعل دقائق ووجدته أمامها فابتسمت له ونهضت ترحب به ولكنها وجدته يمد يده فمدت يدها تردف بهدوء يخفي توترها من نظرته التي سلطت عليها :
- أهلًا وسهلًا يا مستر چابر، اتفضل.
جلس يتحمحم ويتساءل بنبرة بدى فيها الانزعاج :
- أنا كنت حمشي لما لجيت الأمن بيجول إن معتز رافض دخولي، ورنيت عليكي اتأكد منك الأول يمكن يكون فيه لخبطة ولا حاچة؟ هو معتز عمل إكدة صُح؟
توترت نظرتها لا تعلم بماذا تجيبه ولكنها في نهاية الأمر أجابته بدبلوماسية :
- أكيد فيه سوء تفاهم ومستر معتز هيوضحلك كل حاچة، بس هو معاه مكالمة ضرورية هيخلصها ويستقبل حضرتك علطول.
أومأ بملامح منزعجة ونطق مجاملًا وهو يعتدل في جلسته :
- ماشي يا أنسة ريم كلامك ع العين والراس، حستنى واشوف ولوني حاسس إن معتز مش مرحب أنه يساعد ولا يمد يده.
سؤاله الخبيث جعلها تطالعه بنظرة عاطفية برغم نبرتها الرسمية المبطنة حينما قالت :
- ماتقلقش، كله خير إن شاء الله .
أومأ مبتسمًا وجلس ينتظر انتهاء مكالمة معتز وهو على يقين أنه سيحصل على مبتغاه بعد قليل ....
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية صياد النايا الحانا الفصل السادس 6 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل السادس من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
إن زارتك السعادة اليوم، وزارك الحزن غدًا؛ فاعلم أنك تسير على الطريق السليم للحياة
لا تبتهج حينما تزورك السعادة كل يوم، وانتبه لـ ألا يصطحبك الحزن دومًا
راجع نفسك باستمرار لترى أفعالك جيدًا
(بقلم آية العربي)
❈-❈-❈
انعزل في غرفته فقد قرر أخذ قسطًا من الراحة وعدم الذهاب اليوم إلى الشركة بعد نجاح ذلك المجلس وإنهاء أهم وأثقل قضية كادت أن تنهي حياته .
منذ خمس سنوات وهو يعاني ويواجه الموت كل لحظة ، ينتظر أي طلقة غدرٍ تستهدف قلبه أو رأسه .
خمس سنوات محاطًا بأسوارٍ بشرية بعدما كان طيرًا حرًا ، حُرم من ممارسة هوايته المفضلة بسبب الخوف والثأر .
أُتهم بالقتل وتبدلت وجوهًا كثيرةً من حوله وارتكب ذنبًا عظيمًا لم يقع فيه برغبته .
خرج من الحمام وتقدم يقف في منتصف غرفته ، يرتدي سروالًا وقميصًا قطنيا ، وخفًا يبعث الدفء في قدميه وكأنه لأول مرةٍ يشعر به ، ينظر أمامه بملامح شاردة ، واضعًا كفيه في جيبيه ، وخصلات شعره الغزيرة الرطبة تبلل رقبته ولا يبالي ، كل ما يشغله أنه على وشك التحرر .
ينظر لغرفته نظرة عامة حتى استقر عند سريره وتوقف يحدق به ، يتعجب من نفسه ويردد جملة والدته ( هل سيجلب أكثر النساء كرهًا له لتنام في أحضانه ؟ ) هل ما فعله يعد منطقيًا ؟؟
لف رأسه لليمين نحو غرفة ملابسه ليتحرك بخطوات ثابتة نحوها ، ثم مد يده يفتح خزنته المُشفرة ليستل منها الخنجر الخاص بفرحة .
تناوله والتفت يعود إلى الفراش ، يجلس على طرفه ويحدق به ويتلمسه بأصابعه ، مميزًا ، له يدًا خشبية عتيقة مزخرفة وثقيلة ، ملونة بلون الدمِ عن عمد ، تحتضن داخلها جزءه الحاد الذي صُنع من المعدن الأسود وشحذ طرفه باحترافية عالية ليقطع برحمة وسرعة ، يلف منتصفه قطعة أخرى من المعدن المنقوش لتساعد اليد في احتضان السكين حتى لا تفلتها.
ابتسم متعجبًا فكيف تستخدم هذا في تقطيع الرمان ويفترض أن تحتفظ به لمهمة عظيمة ، بنظرةِ تباهٍ وسخرية استنتج ؛ ربما تصطحبه معها دومًا بهدف الانتقام منه ، إذا هذا الخنجر خُصص لقتله .
اتسعت ابتسامته وشعر بالأهمية حتى لو كانت من عدوٍ ، ليردد مع نفسه قائلًا بتوعد :
- عايزة تجتليني بده يا بنت الحوامدية ؟ داني طلعت غالي جوي .
رفع رأسه يضحك ثم عاد يتنهد بقوة وهجمت على ذاكرته عينيها البرّاقة ، ونظرتها الحادة ليستطرد بشرود :
- بس عيونك أحدّ من خنچرك يا فرحة ، جتلوني يا رُمانة .
لف وجهه ينظر لوسادته ويحدثها كأنها تعاتبه :
- آخر حاچة كنت أتخيلها إن اچبلك أخت مؤمن إهنة چارك بعد الوحدة دي كِلاتها .
وضع الخنجر على الكومود ، ومد جسده على الفراش يضع رأسه علي وسادته ويدفن كفّاه أسفلها ، ابتسم وردد محذرًا :
- خدي بالك زين ، دي چاية كيف النار ، أوعاكي تغفّلك وتكتم نفسي بيكي ، داحنا عشرة بردك .
أخذ يقهقه وهو يتخيلها تجرب جميع الطرق لقتله ، مستمتعًا كأنها تلاعبه ، متقبلًا نارها التي لسعته بها ، كان يجب أن يحذر ويبتعد ، ولكن يبدو أن صقيع قلبه يتلهف للدفء .
لذا فها هو يضحك لانتهاء ثأره وبداية عذاب قلبه .
❈-❈-❈
لم يخرج معتز من مكتبه إلا بعدما لمح غضب ريم على محياها عبر الكاميرا ، أما جابر فقد كان مستمتعًا به كثيرًا ، لذا قرر معتز أن ينهض ويراه في الخارج ، أمامها ، ليريها وجهه الحقيقي ويذله كما يريد .
خرج يتطلع على ريم في تجاهل متعمد لوجوده ، وأردف بهدوء ظاهري :
- قوللهم يچهزوا العربية علشان طالع .
اتسعت عيناها ونطقت بنظرة لومٍ وهي تشير نحو جابر :
- مستر چابر مستنيك من بدري يا مستر معتز .
التفت معتز أخيرًا يحدجه بنظرة متعالية ثم استند على المكتب يميل بقدمه التي وضعها أمام الأخرى ونطق باستهانة :
- اه چابر ، معلش ماخدتش بالي ، كنت عايز إيه ؟ سامعك لحد ما يچهزوا العربية .
ابتسامة جابر الداخلية تنافت مع قناع الضيق الذي ارتداه وهو ينهض ويردف بنبرة منكسرة معبأة بالمكر :
- كيفك يا معتز ؟ تحب أچيلك وجت تاني ؟ هي آنسة ريم كلمتني وجالتلي اچي أجابلك .
اعتدل معتز يطالعه بتعجب ، فنبرة جابر الآن لا تعكس شخصيته التي يعلمها جيدًا ، ولكن أعماه الغرور بالفعل ونطق وهو يحرك يديه بعجالة وملل :
- أيوة ايوة قول بسرعة سامعك .
نظر جابر إلى ريم نظرة استعطافية ، والأخرى لم يرُق لها على الإطلاق هذه الطريقة المهينة فكادت أن تعترض ولكن معتز التفت لها واسترسل آمرًا :
- كلميهم ياريم يالا ، مستعجل .
أُجبرت أن تستل الهاتف وتنفذ أمره وهي تحمل على عاتقها هم جابر وحالته وما يشعر به حينما نطق بتجهم قبل أن يندفع ويرحل :
- لاء متشكر ، يظهر إني غلطت لما فكرت أمد يدي ليك بالخير جبل ما افتح شركتي ، عن اذنكو .
نظر إلى ريم نظرة أخيرة واندفع يغادر تحت أنظار معتز الغاضبة من مكره فقد كان يريد أن يريها وجهه الحقيقي ويطرده بنفسه ، ولكن جابر لم يترك له فرصة كهذه .
ليلتفت إلى ريم التي تطالعه بنظرة حادة ونطقت تتحكم في نسبة غضبها :
- اللي حضرتك عملته ده ماكنش يصح خالص ، هو چاي يمد إيده لينا بالخير ، كدة إنت بتعمل لنفسك عداوة چديدة .
غضب من تصديقها لوجه جابر البريء ونطق بحدة :
- إنتِ مقتنعة بالمسرحية اللي عملها دي ؟ ده واحد خبيث چاي وهدفه الأول والأخير يحاربني ، إنتِ ماتعرفيهوش ، أنا اللي فاهمه كويس جدًا .
لم تصدق حديثه ، فهي تصدق ما تراه حتى لو انتابتها بعض الشكوك ولكن في نهاية المطاف ترى أن معتز أخطأ بشكلٍ فج لا تتقبله ، حتى الأعداء يجب أن نعاملهم بطرقٍ دبلوماسية ذكية .
أردفت وهي تبتعد بنظراتها عنه :
- اللي تشوفه يا مستر معتز .
غضب فاندفع يغادر المكتب وتركها ترتد على المقعد وتفكر ، ليرغمها قلبها على الاتصال بجابر ، وبالفعل تناولت هاتفها وحاولت الاتصال به ولكنه بالطبع لم يجِبها ، من المؤكد يشعر بالضيق والغضب والإهانة .
أما هو فكان يقود سيارته ويبتسم بتوعد خاصةً حينما هاتفته لتوها ، سيأخذها من معتز في أقرب وقت ، ولن يكون جابر آل حانا إن لم يفعل ويحاربه بكل ما أوتي من خبث .
❈-❈-❈
عم الليل أرجاء البلدة ، وجاء السكون يحمل معه صخب الأفكار .
جلست القرفصاء على فراشها ، تدفن رأسها بين ساقيها وتبكي ، بابها موصود حتى لا يراها أحد وهي في هذه الحالة التي حرمتها على نفسها، ولكن ما يحدث أكثر من طاقتها لتتحمله ، لا أحد يشعر بها ، الحياة القاسية التي يعيشها الجميع هنا تصفعها دومًا دون رحمة حتى جعلتها أشد قسوةً منها .
طرقات على بابها تبعه محاولة فتح فاشلة ، لتسمع بعدها شقيقها أيوب ينادي بترقب :
- افتحي يا فرحة .
أسرعت تكفكف دموعها ونهضت تنتشل المناديل الورقية وتلقيها في السلة وتغلقها ، تحركت نحو المرآة لتزم شفتيها بضيق حينما رأت ملامحها وعيناها الباكية لذا تحركت تلتقط زجاجة المياه ، تأخذ منها حفنة وتمسح على وجهها ثم عادت تجففه بمحرمة ، واتجهت تفتح الباب وتقف بشموخٍ أمام شقيقها تتساءل :
- خير ؟
حدق بها ليرى احمرار عينيها وأنفها لذا تساءل بتعجب :
- إنتِ بتبكي ؟
خشت أن يسمعه أحد فسحبته إلى الداخل وأغلقت الباب تطالعه بحدة وتتساءل :
- چاي ليه دلوك يا أيوب ؟
قطب جبينه يستفسر :
- بتكلميني كدة ليه ؟ لتكوني مفكرة إني السبب ؟
نظرت بحرقة ونطقت بكره من بين أسنانها تلقي باللوم عليه :
- مش لو كنت صوبت طلجتك صُوح وجتلته كان زماني بضحك دلوك بدل القهر اللي واكل جلبي ده ؟
اشتعل غضبه مجددًا وقبض على رسغها وتحرك بها نحو الأريكة يجلسان عليها ونطق بتأكيد :
- اللي أني فشلت فيه إنتِ تكمليه يا بنت أبوي ، عمار حيتجتل إكدة ولا إكدة .
هزت رأسها بألمٍ ونطقت بنبرة حزينة ترتدي رداء القوة :
- صُوح ، إكدة ولا أكدة حيتجتل ، وعلى يدي ، وبعدها حروح أسلم نفسي .
جحظ شقيقها يردد مستنكرًا :
- تسلمي نفسك كيف ؟
ابتسمت بتهكم تجيبه بواقعية بعد تفكير عميق :
- مهو لو ماسلمتش نفسي عيلته حتجتلني ، ولو جيت إهنة چدك محايجدرش يحميني كيف ما أهله حموه ، چدك ضحى بيا خلاص ، وأني وافجت .
غضب حينما وضعت أمامه السيناريو الأشد واقعية لذا زفر يفكر بشرود ، لن يقبل أن تقتل شقيقته أو تسجن بسبب ذلك القاتل .
طال صمتهما ليقطعه هو قائلًا :
- وإنتِ ليه تعرفيهم إنك اللي جتلتيه ؟
نظرت له باستنكار وتعجب ليستطرد بخطة خبيثة جالت على عقله :
- ماتعمليش إكده أول ما تدخلي دارهم ، خليهم يصدجوا إننا جبلنا بالصُلح ، وبعدها خلصي عليه من غير ماحد يحس ، وأني حهربك من إهنه .
هزت رأسها بجنون تتساءل بغضب :
- كيف ماجتلوش أول مادخل دارهم ؟ عايزني اشاركه الهوا اللي بيتنفسه ؟ اتحملها كيف دي ياخوي .
صاح بها وهو يلتفت لها :
- لازما تتحمليه ، ولازما نهدي اللعب على الآخر ، خمس سنين ونارنا جايدة وماحدش بيتحرج بيها الا أنا وانتِ ، خلينا نچرب نخمدها ونحط خطة من غير ما حد يحس بينا .
وجدها تطالعه بتخبط فاستطرد بشرٍ :
- مابجولكيش تتعاملي معاه على إنه چوزك ، بس لازمًا نمثل إننا استسلمنا يا فرحة ، هو ده الحل اللي هينچينا ويخلينا نعمل اللي احنا رايدينه .
شردت تفكر فتابع مؤكدًا :
- إني مش حجبل إنهم يجتلوكي علشان واحد رخيص زي دي ، ولا حتى تتسچني يوم واحد ، بس لازمًا نهدى يا فرحة ونفكر صوح المرة دي .
دومًا هي من تحفزه ، ولكن هذه المرة هو من يفعل ، يخبرها أن تتحمل ، وأن تتقبل ، وأن تستسلم أو تدعي ذلك ، كيف ستتحمل رؤيته أمامها ؟ وتتقبل أن تظل معه في غرفة واحدة ؟ وتستسلم للزواج منه ؟
هل ستنجح في ادعاء ذلك ؟ أم أن غضبها سينقض على من حولها كالعادة...
❈-❈-❈
تسحبت عائدة إلى منزلها في الليل الساكن ، دلفت تغلق الباب بحذر كي لا يستيقظ ولديها ، ولكن لسوء حظها لمحها ابنها راضي الذي لم ينم بل يجلس في ركنٍ ما يدخن لفافة تبغه المحشوة ويفكر في أمره !!
تعجب حينما وجد والدته تتحرك نحو غرفتها ولم تلمحه فناداها بخفوت وتعجب قائلًا وهو ينهض ويتجه نحوها :
- أما ؟ إنتِ راچعة منين دلوك ؟
انتفضت بفزع ونظرت له بحدة ثم أبعدت عباءتها عن صدرها وبصقت داخله لتعود تطالعه وتردف بتوبيخ خافت :
- خلعتني يا راضي ، إنت جاعد اهنة بتعمل إيه دلوك !
حاولت أن تراوغ ولكنه لم يفلتها بل تابع بتحقيق :
- حلّك مني دلوك وفهميني كنتِ فين ولا اصحيلك أبويا !
تكتفت وطالعته بلا مبالاة ، وكيف تخشى تهديده وزوجها يعلم أين تذهب وماذا تفعلِ ، لذا مدت يدها تقبض على معصمه وسحبته معها نحو ذلك الركن وجلسا لتتحدث وهي تعرض عليه ورقة مطبقة عدة طبقات بشكلٍ معين ودقيق حتى يصعب فتحها أو قراءة ما كُتب بها ، وزجاجة صغيرة بحجم العُقلة تشبه زجاجة قطرات العين .
مد يده وكاد أن ينتشلهما بتعجب وجبينه مقطب ولكنها أسرعت تقبض عليهما وتضمهما لها قائلة وهي تبتسم بشرٍ وتميل عليه :
- بعد يدك ، دول اللي حيجبولك نوارة لحد عنديك اهنه ، عرفت دلوك كنت بعمل إيه ؟
- تــــــــــاني يا اما ؟ رچعتي لسكة الأعمال دي تاني ؟ ربنا سترها في الأول والحجيجة ادفنت ، تفتحي على نفسك أبواب الچحــيم ليه ؟
احتدت ملامحها ونظراتها وغلظت نبرتها وهي تجيبه بتوبيخ وشر مطلق :
- وأني إيه اللي رميني ع المُر ده يا ولد بطني ؟ مهو لاجلك انت وخيتك ، أني ليا مين غيركم ؟ ولا حتكون مرتاح وهي بتروح من يدك لسيد ولد خالك .
لفت وجهها تنظر أمامها واستطردت بغموض مخيف :
- ولا يتجدم لها يونس ولد منصورة بعد الصُلح ده ووجتها اخرچ من المولد بلا حمص ، بس وحيات ده ما حيحصل .
قالتها وهي تقبض على خصلة من جانب شعرها فشرد راضي يفكر في ابنة خاله التي يشتهيها كثيرًا ، بل أنه غضب حينما ذكرت عدوه يونس ابن خالته لذا تأهب ونطق وهو يطالعها :
- يتجدم لها كيف ؟ داني اجطع خبره وأني على أخري منيه ، محدش غيري حياخد نوارة والا عليا وعلى أعدائي .
ابتسمت ابتسامة شيطانية ونطقت متباهية :
- يبجى تسيبني أشوف شغلي ومالكش صالح بيهم ، أني حخليها ماتجبلش بأي راچل غيرك ، وعبد الوهاب هيچوزهالك غصب عنيه وعن مرته ، وبكرة تجول أمي جالت .
قالتها بابتسامة منتصرة ولم ينطق ضميرها ببنت شفة ، بل أنها دفنته عند عتبة أول دجال ذهبت إليه ، والآن ترى أنها معها كل الحق فيما تفعله .
أما راضي فبرغم أنه لا يحب طريقتها في الحصول على ما تريد بالسحر والأعمال السفلية ، ولكنه بالفعل رأى قبل سنوات كيف نجحت في إثارة فتنة عظيمة وقعت بين العائلتين ، لذا ارتاح على مقعده وفرد ظهره يفكر ، هل بالفعل ستنجح هذه المرة وتأتي بنوارة له ؟ سيرى....
❈-❈-❈
بعد يومين .
خرج مهران من شركته في طريقه إلى تيا التي تنتظره ليذهبا إلى عائلتها .
استقل سيارته وغادر في طريقه إليها ، ليتوقف بعد دقائق حينما لمحها تشير له عند قارعة الطريق .
ابتسمت تلوح له كأنها معتادةً عليه ثم أسرعت تلتفت وتفتح باب السيارة ، تستقلها وتجاوره قائلة :
- أزيك ، عامل إيه ؟
طالعها بهدوء ، ترتدي ملابس عصرية ربما لا تليق بالمكان ولكنه يدرك أنها من عالمٍ آخر لذا أومأ يجيبها برتابة :
- الحمد لله بخير ، چاهزة للمجابلة دي ؟
تلاشت ابتسامتها ونطقت بعيون بريئة :
- متوترة شوية ، أو كتير ، بس مبسوطة جدًا إنك وافقت تيجي معايا .
أعطته شعورًا بالتميز الذي توغل إلى عقله الباطن خلسةً ، لذا ابتسم ونطق قبل أن يستأنف قيادته :
- ماتجلجيش ، أكيد هما حيفرحوا جوي لما يعرفوا ان بنت ابنهم رچعالهم .
عبست تمامًا تتنفس بعمق ونطقت بشكٍ :
- مش متفائلة أوي ، لإنهم كانوا رافضين تمامًا جواز بابي ومامي ، أصل مامي هي الزوجة التانية .
نطقتها بتوتر فتعجب ولكنه أجابها بنبرة اعتيادية :
- طب وفيها إيه ؟ أبوكي ماعملش حاچة حرام أو عيب ، وبعدين إنتِ في الأول وفي الأخر لحمهم .
هزت كتفيها وورد على عقلها كيف تخلى والدها عن زوجته الأولى وأولاده وهاجر مع والدتها ومعها إلى أمريكا ، لن تخبره بذلك حتى تحافظ على صورة والدها ولكنها تخشى استقبال عائلتها لها ، خاصةً زوجة أبيها التي من المؤكد ستأخذها بذنبِ والديها .
أردفت بشرود وهي تعاود رسم ابتسامة مصطنعة :
- اتمنى .
أومأ بصمت وأكمل طريقه دون النظر إليها ، وهي كانت تطرح بعض الأسئلة العابرة عليه فيجيب مختصرًا وعينيه على الطريق حتى جعلها تلتزم الصمت..
❈-❈-❈
بعد قليل
وصل إلى منزل عائلة بدران وترجل وتبعته تنظر إلى البيت الكبير بتوترٍ وحماسٍ في آن .
المنزل يبدو قاسيًا كحال سكانه ، وأشعة الشمس متعامدةً عليه لتؤكد هويته وصلابته وسمار أهله ، لذا تحركت تجاور مهران وعلى حين غفلة مدت يدها تحتضن يده لتطمئن تحت أنظاره الرافضة ، ولكنها تشبثت به لذا أبدى مرونةً وتغافلًا و تقدم معها يطرق باب العائلة وينتظر ردهم .
مرت ثوانٍ وفتحت سيدة خمسينية ترتدي جلبابًا أسودًا وحجابًا مماثلًا ، ذات تقاسيم وجهٍ حادة ، وعينان غلفتهما القسوة والحزن .
طالعت على مهران بثقب ثم لفت نظرها نحو تيا لتحتد نظرتها كأنها علمت هويتها لذا نطقت بجمود :
- اتفضلوا ؟ عايزين مين ؟
نطق مهران بدلًا عنها بترقب :
- ممكن نجابل الحاچ عابد ؟
لم تزِح عينيها عن تيا بل أجابته وهي تحدجها :
- الحاچ عابد مايبجدرش يجابل حد ، بجاله سنتين ماعيتحركش من فرشته ، وولده الحاچ عبد الچبار مش إهنه دلوك ، إنتِ مين ؟
نطقت الأخيرة قاصدة بها تيا التي تحمحمت تزدرد ريقها وتجيب مباشرةً بجرأة لحظية :
- أنا تيا بدران ، حفيدتكم .
اشتعلت نظرة السيدة بالغضب وصاحت موبخة بنبرة قاسية :
- عيلة بدران ملهاش حفايد غريبة ، ارچعي من مطرح ما چيتي وماتفتحيش على نفسك أبواب الشر يابنت چوليا .
ارتعبت وقبضت بقوة على يد مهران الذي أردف في محاولة منه لتهدئة الأمور :
- وحدي الله يا حاچة ، وخلينا نتحدت مع الرجالة ، دي حفيدتكم ولحمكم وراچعة تعيش وسطيكم بعد ما أهلها ماتوا ، مايصحش عاد الحديت ده .
هاجت السيدة وصاحت تلوح بيدها بغضب :
- بجولك إيه يا چدع إنت ، أنا مانجصاش فزلكة وتنظير ، خد البت دي وادلى من إهنة بلا لحم بلا هم ، إحنا جفلنا الباب ده من زمان في وش أبوها ، ودلوك هيتجفل في وشها .
قالتها ودلفت تصفع الباب في تناقض تام لكرم أهل النجع ، لتتركهما واقفان متجمدان لثوانٍ قبل أن يلتفت مهران إليها ليجدها على وشك البكاء وهي تطالعه وتردف بنبرة مستنجدة :
- اعمل إيه ؟
وجد نفسه مجبرًا على تحمل مسؤوليتها لذا نطق بنبرة لينة :
- روجي وهنلاجي حل أكيد ، حنتواصل مع عمك عبد الچبار وأكيد مهواش حيجبل بحديت الست دي .
تملكها الضعف ونطقت بانكسار يرسم الوداعة على ملامحها :
- أنا ماعرفش حد هنا غيرك ، أنا خايفة أوي .
نكست رأسها تسترسل بخجلٍ وتردد :
- وللأسف المبلغ اللي معايا مش هيكفيني أسبوع ، أعمل إيه دلوقتي ؟
لم يرحب بما تمر به من ظروفٍ قاسية ، لذا نطق وهو يحثها على التحرك :
- تعالي بس نمشي من إهنه دلوك وماتشليش هم حاچة .
بالفعل تحركت تستقل معه السيارة ليزفر بقوة وينطلق متسائلًا باهتمام :
- إنتي جاعدة فين دلوك ؟
هزت رأسها سلبًا تصرح بعيون لامعة :
- في فندق ، كنت حاسة إنهم هيرفضوا يقابلوني ، أكيد الست دي هي مرات بابا الأولانية ، هي بتكرهني من غير ماتعرفني ، واضح جدًا من طريقتها .
حاول تهدأتها فنطق يفكر :
- انسيها خالص دلوك ، خلينا في المهم ، أني حتواصل مع عمك واتحدت وياه وحلاجي حل ، بس جوليلي عنوان الفندق دلوك وروحي ارتاحي وماتفكريش كتير ، وماتحمليش هم المال .
لم تعترض بل تقبلت على الفور تجيبه بامتنان :
- متشكرة جدًا ، أنا بجد مش عارفة لو ماكنتش قابلتك كنت هعمل إيه .
شرد يفكر ، هل بالفعل أوقعه القدر في طريقها ليساعدها ؟ إنها وحيدة دون عائلة ، صغيرة ، يتيمة ، وغريبة ، لذا فوجب عليه مساعدتها ، وهذا ما سيفعله ...
❈-❈-❈
في تلك الأثناء
كانت تقف نهاد في المطبخ تساعد الخادمات كالعادة .
انتهت حسناء من جلي الأطباق ليرن هاتفها مجددًا لذا أسرعت تجفف يدها وتلتقطه تغلق رنينه قائلة وهي تتلفت :
- أباي عليك يا جمال ، خالتي رتيبة هتجطع خبري بسببك .
نظرت إلى نهاد واستطردت بترجٍ تستعطفها :
- بالله عليكي يا ست نهاد غطي عليا ، حروح أرد عليه وراچعة طوالي .
أسرعت تركض نحو الخارج قبل أن تعود رتيبة من ترتيبها للغرف ، ووقفت نهاد تطالع أثرها بتعجب ، فها هي حسناء تنشغل بحبيبها الذي تمنته بعدما كان لا يعيرها ذرة اهتمامٍ ، كانت ترى بنفسها حزنها والآن ترى لهفتها وسعادتها ولمعة عينيها حينما يهاتفها جمال .
تمنت لو تبدل حال زوجها وأصبح يراها ويحبها كما حدث مع حسناء ، تنفست بعمقٍ والتفتت لتغسل يدها لتلاحظ خاتم حسناء متروكًا جانبًا بعدما غفلت عنه بسبب غسيلها للصحون .
مدت يدها تلتقطه وتملس عليه ، هذا هو الخاتم نفسه الذي تحدثت عنه رتيبة ، أيعقل أن يكون هذا بالفعل سبب سعادة حسناء ؟
شيئًا ما داخلها حثها على ارتدائه لتدخله في أصبعها بالفعل وترفع كفها تطالعه بشرود وتفكر ، ماذا إن كان ما يقال صحيحًا ؟؟؟
شردت في حجَره الأزرق وابتسمت لتنتبه لعودة حسناء تبحث عن الخاتم وحينما لمحته في يد نهاد شهقت تردف بضيق :
- إنتِ لبستيه ليه يا ست نهاد ؟
أسرعت نهاد تخلعه بتوترٍ وتناولها إياه قائلة :
- خدي أهو ، أني لجيتك نسياه إهنة جولت أجربه .
زفرت حسناء بتهكم ونطقت بعبوس وقناعة :
- أصل الشيخ اللي عملهولي جال لو حد تاني لبسه غيري حيجل مفعوله ، وساعات التعويذة اللي جوة الحچر بتخدم اللي لبسه چديد ، ربنا يستر بجي .
قالتها وهى تنفضه بيدها وتمسحه في جلبابها ، كأنها بذلك تزيل أثر نهاد عنه ثم قامت بارتدائه وعادت تستأنف عملها تحت أنظار نهاد المتعجبة من حديثها ...
سمعت طرقات على الباب فزفرت تنفض رأسها من هذه التراهات وتحركت لتفتح ، لتتفاجأ بشقيقتها ولاء تبتسم لها وتعانقها بشكلٍ مفاجيء قائلة :
- أزيك يا نهاد ؟ اتوحشتك جوي ؟
بادلتها بتعجبٍ فهذه تعتبر المرة الأولى التي تزورها فيها شقيقتها وتعبر عن اشتياقها لها هكذا ، لذا نطقت بنبرة مستنكرة وهي تبتعد عنها :
- معجول ؟ اتوحشتيني صوح ؟
بالطبع لم يحدث ، بل جاءت لترى عمار وتحججت بها ، فقد حلت لعنة الثأر وعليها أن تسعى لأهدافها حتى بعدما علمت بالزواج المرتقب بين عمار وفرحة .
أفسحت لها المجال لتدخل وهي تجيبها بتأكيد مخادع :
- أيوة صُوح يا بنت أبوي ، زهجت من عمايل أخواتك جولت اچي أجعد معاكي شوية ونتحدت .
لم تقتنع نهاد بحديثها ، وربما استشفت سبب مجيئها ، ولكنها تغافلت تحاول إقناع نفسها بأنها بالفعل اشتاقت لها ، هل يا ترى بدأ مفعول الخاتم ؟
تحركت معها ونطقت بهدوء :
- نورتي يا ولاء ، اجعدي .
جلستا سويًا والتفتت أعين ولاء تجوب المكان ثم عادت إليها تتساءل :
- أومال مرت عمك وبنته فين ؟
أجابتها نهاد بتريث :
- مرت عمي طلعت مشوار ، ونوارة في أوضتها ، طمنيني عنك إنتِ عاملة إيه ؟
استرسلت بترقب حزين :
- واخواتك ؟
لوحت ولاء بيدها تجيبها بنزق وتهكم :
- ماتچبليش سيرتهم ، دول خنجوني ، نفدتي إنتِ بچلدك وسبتيني وسطيهم ، مطلعين عيني ، لولا البت رانيا هي اللي بتهون عليا هبابة .
أسرعت تنهض من مقعدها تتلتصق بها متسائلة بخفوت :
- عمار إهنة .
التفتت نهاد تحدجها بعتاب قائلة :
- أيوة أيوة ، جولي بجى إنك چاية علشان عمار .
عبست ملامح ولاء ونطقت بحزنٍ مخادع :
- چاية علشانه كيف يا نهاد ! ماني عرفت إنه حيتجوز بنت الحوامدية خلاص ، يعني يوم ما افرح بالصُلح ونهاية التار ألاجيه حيتجوز غيري .
نجحت في استعطافها فربتت على كفها تجيبها بخفوت :
- معلش يا ولاء ، مالكيش نصيب فيه...
أومأت ولاء بشرود لتستطرد نهاد بترقب :
- طب إيه رأيك في چابر ؟
هزت ولاء رأسها سريعًا مستنكرة تردف :
- لااااا ، ده نسخة تانية من أبوكي ، أني ناجصة ؟
ابتسمت نهاد ثم نهضت تردف بفرحة ارتبطت بوجود شقيقتها :
- طب استنيني ، حروح أجبلك عصير وحلويات ورجعالك علطول .
كادت أن تتحرك ولكن منعتها ولاء وسحبتها لتجلس مجددًا فتساءلت بترقب :
- سيبك من الوكل دلوك ، جوليلي بس هو إهنة ؟ نفسي أشوفه جوي .
حزنت لأجلها ونطقت بأسف :
- لاء مش اهنة ، راح ع الشركة مع مهران ، بس زمانهم على وصول ، خليكي جاعدة معايا شوية لحد ما يرچعوا .
أومأت تبتسم ونطقت وهي تحثها على النهوض مجددًا :
- طب يالا جومي هاتي العصير والحلويات .
ابتسمت نهاد ونهضت بالفعل تتحرك نحو المطبخ لتحضر لها الضيافة بسعادة مؤقتة ظهرت مع ظهورها ، لتتساءل ،هل بالفعل اشتاقت لها ؟
أحبطتها أفكارها بأنها تتوهم ، لقد أتت ولاء بعد هذا الغياب لترى فقط عمار الذي حلت عنه لعنة الثأر ، ولكنها لن تحزن ، ستفرح بوجودها مهما كان السبب ..
❈-❈-❈
تقف في المطبخ تجهز الغداء مع زوجة عمها والخادمة ..
لمحت حركة غير اعتيادية في الخارج من خلال النافذة المطلة على الحديقة ، وفتحت بوابة القصر على مصراعيها لتدخل شاحنة صغيرة محملة بخيرات تم إرسالها من عمار آل حانا .
لمحت جدها يخرج ليستقبل الرجال ، ويجاوره عمها حسان ، لذا تأهبت ووقفت تتكتف وترى بنظرة ثاقبة ما يحدث حيث ترجل السائق يقف أمام الجد وينحني يقبل يده احترامًا ثم اعتدل ينطق وهو يشير نحو الشاحنة :
- الأستاذ عمار باعت الحاچات دي يا حاچ زيدان ، وبيجولك هدية بسيطة ياريت تجبلها .
برغم انزعاج زيدان من فعلته ، إلا أنه لا يمكنه رفضها خاصةً بعد الصلح لذا أشار له يردف بقبول :
- نزلوها يا ولدي، هدية مجبولة .
أومأ السائق وأسرع يشير للرجلين اللذان يقفان في صندوق الشاحنة لذا قفزا وبدأوا ينقلون الأغراض إلى الداخل .
كانت عبارة عن صناديق فواكة لا تُزرع لديهم ، وعبوات من زيت الزيتون الأصلي الفاخر ، وعددًا من علب الشوكولاتا الفاخرة والحلويات الشرقية المتنوعة ، وحقيبتان كبيرتان مغلفتان بأشرطة الساتان اللامعة ، تلفتان الأنظار من حولهما .
انتهى الرجلان من نقل الأغراض ولكنهما تمسكا بالحقيبتين ليتحدث السائق بترقب :
- الشنطتين دول مبعوتين للآنسة فرحة يا چدي .
سمعتهم فاشتعلت نيرانها أكثر وأكثر وكادت أن تتحرك نحوهم بصبرٍ نافذٍ وتحرق الأخضر واليابس ، ولكنها عادت تتذكر كلمات شقيقها ، فالتزمت الصمت المميت ، ووقفت تنظر لهما وهما يدخلان القصر حاملان الحقيبتين ومتجهان نحو الأعلى ليتركانهما أمام غرفتها كما أمرهما الجد .
كانت تلاحظها منصورة وتشعر بها ، وودت لو تذهب وتحتويها ولكنها توقن جيدًا أنها لن تتقبل ذلك لذا تنفست بعمق وتابعت عملها تاركةً إياها تفعل ما تريد .
غادر الرجال بعد ذلك ليدخل الجد مع ابنه حسان الذي أردف بشموخ :
- لازما نردها يا ابوي .
أومأ زيدان وتحرك يجلس على مقعده قائلًا :
- حنردها يا حسان وحنرد أحسن منيها كمان .
خرجت فرحة تطالعه ليكمل حديثه بمغزى مصوبًا نظراته عليها :
- حياخدوا بتنا الغالية ، فيه أحسن من إكدة هدية .
قالها لربما لانت تجاهه بعدما حدث مؤخرًا ، ولكنها لم تلِن بل اندفعت تصعد الدرج وتتجه نحو غرفتها لتجد الحقيبتين تعيقانها عن الدخول .
توقفت تطالعهما بحقدٍ اختلط بالفضول لما بداخلمها ، لذا فكت ذراعيها المتكتفتين وحاولت حمل أحداهما لتجدها ثقيلة ولكنها تحدتها ودفعتها باتجاه غرفتها ثم خرجت تسحب الأخرى لتغلق الباب بعد ذلك وتقف تطالعهما كأنها تراه أمامها وحان وقت الانتقام .
انحنت تنزع الساتان وتهدر أنفاسها بعنفٍ حتى فعلت بقسوة ومزقته ، ثم اعتدلت ترطم الحقيبة هذه تارة والأخرى تارةً أخرى بغلٍ وصرخة مكتومة وبكلتا قدميها .
لو كانت الحقيبة بشرية لصرخت مستنجدة تطالب بالخلاص من يدها وتندم على مجيئها بعدما امتلأت بالكدمات ، ولكن من حسن حظها أنهما جماد .
ظلت تركل الحقيبتين واستعانت بيديها أيضًا حتى فتحتهما وتبعثرت محتوياتهما أمامها.
هدايا كثيرة ومتنوعة
جلابيب بيتية ومنامات حريرية وقفطانات مطرزة ، ساعات واكسسوارات وأحذية وطوق للشعر ، حتى أنه لم ينسَ الملابس الداخلية والعطور الفواحة والزيوت العطرية .
تعبت فجلست أرضًا تنظر للأغراض المبعثرة من حولها وتفكر ، هل لو أضرمت النيران فيها الآن ستهدأ ؟ هل سترتاح إن فعلت ؟ أم تشعلهم وتلقي بنفسها داخلهم لترتاح ؟
انتصر عليها ، وهذه الأغراض هي خير دليل على ذلك ، بعثها ليثبت لها أنها سقطت في بئره المظلم .
ولكن هو لم يعرفها بعد ، ليست هي التي تُشترى بهذه الأغراض ، هناك دمٌ جمعهما ولن ترضى بغيره مهما حدث .
مدت يدها تلتقط إحدى القطع بغلٍ ، كان قميصًا حريريًا بتفصيلة مميزة ، ويبدو أنه يتناسب مع جسدها ، شردت فيه لثوانٍ قبل أن تسقط دموعها كأنها استدعتها استنجادًا بما تعيشه الآن فجلست تبكي وتستسلم وتظهر ضعفها بين هذه الأغراض ...
❈-❈-❈
دلفا الفندق سويًا ، كانت تتصرف بمرحٍ وتناست ما حدث قبل قليل ، تطالعه وهو يتقدم من موظف الفندق ويخرج بطاقته الائتمانية قائلًا :
- مساء الخير ، تجدر تسحب من إهنه حساب أنسة تيا لأسبوع كمان .
أومأ الموظف برغم تعجبه من الأمر ولكنه التقط البطاقة يمتثل لكلماته فالتفتت تيا له تطالعه بنظرة لامعة وتردف :
- كدة كتير جدًا ، كان كفاية يومين بس ، وأول ما اقابل عمي هبعتلك المبلغ فورًا .
أبدى مرونة وهو يبتسم ويجيبها بهدوء وهو يخرج محفظته من جيب جاكيته :
- ياستي سيبك دلوك ، وخلي دول معاكي بردك .
قالها وهو يمد لها يده ببعض العملات الورقية فشعرت بالحرج ورفضت بتصميم :
- لاء طبعا كفاية الفندق ، متشكرة جدًا .
صمم بدوره ونطق وهو يؤكد :
- خديهم دلوك وحنتحاسب بعدين ، ويالا اطلعي ارتاحي وفي اجرب وجت هكلمك اجولك عملت إيه مع عمك ، وبردك لو احتچتي أي حاچة كلميني .
كسر تصميمها وبالفعل مدت يدها تلتقطهم منه بحرجٍ وأومأت تطيعه ثم رفعت نظرها تحدق به قائلة باستعطاف :
- تفتكر ممكن يرفض يقابلني زي الست اللي قابلناها ؟ يعني هما أصلًا وصلهم خبر موت بابا وماحدش سأل ، أنا بس اللي كان نفسي أعيش وسطهم ، بس يظهر إني هرجع تاني على أمريكا .
لا يحب هذه النبرة المنكسرة لذا تنفس بعمق ونظر للموظف وهو يناوله البطاقة فالتقطها منه لتستطرد سريعًا ضاحكة بمرح :
- بس على فكرة أنا عندي حلول كتير ، ممكن أجرب اشتغل هنا جنبهم ، يعني مش هيأس ، هفضل متفاءلة جداً .
ابتسم لها ونظر لساعته فتحمحمت بحرجٍ تطالعه وهو يردف :
- أني لازمًا امشي دلوك .
أومأت تجيبه ملوحة :
- تمام ، باي باي .
أومأ وودعها والتفت يغادر تحت أنظارها الثاقبة عليه قبل أن يستقل سيارته ويغادر ، لتلتفت بعدها تنظر للموظف الذي أسرع يحيد أنظاره عنها لذا عادت تنظر للأموال في يدها وتبتسم وهي تلتفت نحو المصعد لتصعد غرفتها وتفكر فيما هي فاعلة .
❈-❈-❈
غادرت ولاء بتأفأف بعدما هاتفها والدها يعنفها بسبب تأخيرها ، لم تستطع رؤية عمار كما كانت تتمنى ، فالأخير لم يعُد بعد .
بينما جلست نهاد تلاعب صغيرها وتدلـله ويضحك لدلالها ، رفعت رأسها نحو باب القصر حينما اقتحمته عمتها نجوى ودلفت تردف باعتياد فج :
- سلام عليكم ، جاعدة إكدة ليه يا بت اخوي ؟ أومال أهل الجصر فين ؟ عبد الوهاب فين ؟ كنت چاية اتحدت وياه .
قالتها وهي تتجه نحوها وتجاورها وتنظر بثقب نحو الصغير الذي يبتسم باستمتاع ، لتتحمحم نهاد وتتلاشى ابتسامتها قائلة بهدوء يخفي عدم تقلبها لها :
- عمي راح يحل جضية أولاد الدهشوري ، بعتوله علشان چدهم مابيتحركش من مكانه ، بس زمانه على وصول .
أومأت ثم نظرت حولها واسترسلت بترقب :
- وصابحة فين ؟ راحت وياه !
نطقتها ساخرة لتجيبها نهاد بضيق يصاحبها كلما رأتها :
- لاء مرت عمي نزلت مشوار وزمانها على وصول هي كمان .
التحفظ الذي بدا في حديثها لا يروق لنجوى ، فهي تريد أن تعلم أدق التفاصيل ، ولكنها تدرك أن نهاد لن تخبرها لذا زفرت بضيق ونطقت :
- خلاص ، لما اجوم أشوف نوارة لحد ما ييجوا .
نهضت تتحرك نحو غرفة نوارة لتتنفس نهاد الصعداء فهي دومًا تهب كرياحٍ عاصفة .
اتجهت الأخرى بالفعل نحو الغرفة وطرقت الباب ثم دلفت تظهر ابتسامة مزيفة حينما وقعت عينيها على نوارة التي تتربع على الفراش وتتابع محاضراتها عبر الحاسوب ، لتقول وهي تتجه نحوها :
- جلب عمتها يا ناس ، بتعملي إيه يا نوارة ؟
ابتسمت نوارة بتكلف وأغلقت حاسوبها ، هي تحب عمتها ولا تحب طريقتها الفظة ، لذا لفت نحوها تجيب بهدوء :
- كنت بذاكر يا عمتي ، عاملة إيه ؟
ارتاحت نجوى في جلستها ومدت يدها تربت على ساقها قائلة بمكرٍ يخفي شرها :
- أني زينة يا جلب عمتك من چوة ، تعرفي إني مابحبش حد في الجصر ده جدك ، علشان إكدة كان نفسي اچوزك راضي ولدي ، لساتك بردك يابتي مش موافجة ؟
سألتها بترقب خبيث لتشعر نوارة بالحرج ولكنها حاولت التملص لذا نطقت :
- أني مابفكرش في الچواز دلوك يا عمة ، أني نفسي أخلص دراستي واشتغل مع مهران وعمار في الشركة ، وبعدين أني بعتبر راضي واحد من أخواتي ، وأني وانتِ جريبين من بعض أهو ومش النسب هو اللي هيجرِبنا .
تبدلت نظرة نجوى ولكنها حاولت إخفاء الشر المتمركز في مقلتيها ونطقت وهي تبتسم ابتسامة صفراء :
- ومالو يابتي ، دراستك أهم دلوك ، ربنا يحققلك ما تتمني .
شعرت حينها بصداعٍ مفاجئ يداهم رأسها فرفعت يدها تدلك جبينها بملامح منزعجة لتتساءل نجوى بترقب :
- إيه اللي حُصل ؟
نطقت نوارة وهي مغمضة تصارع ذلك الصداع اللعين :
- راسي يا عمة ، بيچيلي صداع فچاة إكده ، بحس إني نفوخي هيتچسم نصين .
أسرعت العمة تربت عدة مرات على ساقها وتردف بخبثٍ هاديء :
- طب مددي إهنة على رچلي وأني حيضيعهولك دلوك .
لم تفعل نوارة بسبب الطرقات الحادة التي هاجمتها لذا مدت نجوى يدها تسحبها إليها وتمددها عنوةً لتضع رأسها على ساقها ، لتقوم برفع كفها وتملسه على خصلاتها ذهابًا وإيابًا وتبدأ في تمتمة بعض الكلمات التي لم تفسرها نوارة ولكنها وجدت نفسها تسير نحو نفقٍ مظلم وتغيب عن عالمها غافيةً ولم تشعر بشيءٍ بعدها .
❈-❈-❈
في طريق العودة إلى المنزل ، شغلت عقله بحالتها البائسة، بنظراتها ، باحتياجها للأمان ، بوحدتها ، بيتمها ، بصغر سنها .
ربما لأنه اعتاد تنفيذ المطلوب دومًا ، وربما لأن حياته باهتة ومملة ، وربما لأنها أعطته شعورًا بالمسؤولية ليقرر عنها .
لا يعلم ولكن ما يعلمه أنه يحب هذه الحالة التي وضعته بها اليوم .
توقف بسيارته داخل القصر وترجل ينظر له ولأول مرة يشعر أن باستطاعته تقبل الأمر الواقع الذي وضع فيه ، حالته المزاجية تؤهله لذلك .
تقدم وصعد الدرجات ثم دلف حيث كان الباب مفتوحًا ليجد نهاد تحمل صغيرها وتهدهده بعدما بكى بشكلٍ مفاجئ .
التفتت لتجده أمامها وعلى غير عادةٍ يبتسم ويتجه نحوها مستفسرًا وهو يأخذ الصغير منها ويقبله :
- ماله يا نهاد بيبكي ليه ؟
تجمدت لثوانٍ من نبرته وابتسامته لها ولم تجِبه إلا حينما نظر لها بتعجب يكرر :
- مالك بلمتي ليه ؟
ازدردت ريقها وطرأ على عقلها الخاتم وتأثيره ولكنها نفضت تجيبه بسعادة التمعت في عينيها :
- ماعرفاش يا مهران ، كان بيضحك دلوك وفجأة بكي ، يمكن چاله مغص ولا حاچة .
حاول مناغشته ولكن الصغير لم يهدأ لذا نطق يطالعها :
- ناخده على الدكتور ؟
بدت الدهشة على ملامحها وهي تشير نحوهما :
- أنا وانت ؟
قبّل وجنة صغيره وأراحه على كتفه وتفحص نظراتها نحوه ليردف ممازحًا حينما بدأ الصغير يهدأ :
- لا خلاص ، شكله اكده كان رايد حضن أبوه .
ابتسمت بهيام وربتت على ظهر صغيرها ودنت تقبله وهو يرتاح على كتف والده ثم اعتدلت تحدق بمهران وتساءلت :
- أچهزلك الوكل ؟
سألها بهدوء :
- هو عمار چه ؟
هزت رأسها بلا تجيبه :
- لاء لسة ماحدش چه ، مافيش غيري أني ونوارة وعمتك نچوى عنديها .
مط شفتيه بضيق وقلب عينيه يردف :
- جولتيلي عمتي ، تمام .
ابتسمت عليه متلهفة لحالته هذه دومًا ونطقت :
- وطي صوتك لتسمعك وتعملها موال .
نطق بلا مبالاة وهو يعاود تقبيل صغيره :
- مهو الواد كل اما يشوفها بيبكي ، ولا انتِ مش واخدة بالك ؟
أومأت تجيبه مؤكدة بضحكة أشرقت ملامحها :
- صُوح ، بس ماجدرش اتحدت إكده ، أهي بتيچي تجعد ساعة ولا اتنين وتروح .
أومأ ونطق وهو يربت على ظهر صغيره بحنان :
- أني حهرب دلوك على فوج قبل ما تخرج وتشوفني ، حطلع انام شوية مع حمزة ، ولما هما ييچوا صحيني .
أومأت له وصعد وتركها تطالع أثره بسعادة بعدما أعطاها جرعة من الاهتمام للتو ..
رواية صياد النايا الحانا الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل السابع من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
تظل المرأة تتجاوز، وتغفر، وتمرر، وتتغافل، ولكنها لا تنسى؛ فاحذر من يومٍ يأتي حاملًا معه رحيل بلا عودة، حينها لن ينفعك قضم أناملك العشر ندم .....
آية العربي
❈-❈-❈
منذ ما حدث في الشركة و هي لا تنفك عن التفكير بالحالة التي يشعر بها جابر ، خاصةً أن ما حدث كان أمامها ، ومن المؤكد أنه شعر بالإهانة البالغة ، و بانزعاج يزعجها .
ليته كان أجاب على اتصالها آنذاك واستطاعت مساعدته بدلًا من أن يصبح منافسًا لهم فيما بعد يريد الانتقام .
هل هذا حقًا ما يقلقها أم أنها تبالغ في التفكير بأمره ؟ هل تفعلها وتهاتفه مرةً أخرى لتعرض عليه المساعدة خلسةً ؟ أم تترك الأمر برمته ؟
ها هي تجلس خلف مكتبها في غرفتها تقلب هاتفها في يدها ، تفكر وهي على وشك التنفيذ ، ولكن حياؤها يمنعها ..
يبدو أن الأفكار تلتهم سكان هذا المنزل ، فها هو نوح يقف أيضًا في غرفته ، مستندًا على نافذته يشغله أمر مودّة .
منذ لقائهما و هي لم تأتِ ، ولم تحضر محاضراتها عبر الإنترنت ، يشعر بالحرج في السؤال عنها ولكن عقله لا يتوقف عن التفكير فيها ، يخشى أن يكون قد أصابها مكروهًا ، خاصةً وأن نظرات ذلك الشاب نحوها كانت غاضبة متجهمة ومتوعدة .
لتأخذه أفكاره إلى شكٍ جعل قلبه مُلتاعًا ، هل يمكن أن تكون عائلتها متشددة ؟ هل عاقبوها لمجرد وقوفها معه وسؤالها عن شيء ؟
اعتدل في وقفته ونطق مستجيرًا وهو ينظر للأفق :
- يارب .
راودته فكرة سريعة وقرر تنفيذها ، وإن صدق حدسه سيذهب ويطلب يدها ، هذان اليومان جعلا قلبه وعقله يعيدان تفكيرهما في أمرها ، لن ينتظر زواج ريم ولن يقصر معها قط ، ولكن عليه أن يلحق بمن هواها فؤاده ، وهكذا سيتحدث مع والدته وشقيقته ليرى ماذا هو بفاعل .
تحرك يستل هاتفه من فوق مكتبه و خرج من غرفته باتجاه غرفة شقيقته المنشغلة في التفكير بجابر .
لذا حينما طرق نوح الباب انتفضت كأنه اقتحم عقلها ، لترفع رأسها نحو الباب بترقب ناطقة :
- اتفضل .
دلف نوح يطالعها مبتسمًا ابتسامة تعلن تأهبه حينما دلف واتجه يجلس أمامها متحمحمًا ، فقطبت جبينها بتعجب من حالته ونطقت :
- خير يا نوح ؟
مسح على وجهه بتوتر لا يعلم كيف يبدأ كلامه ولكنه نطق مُجبرًا :
- فيه خدمة صغيرة عايزك تعمليهالي ، ممكن ؟
نطقت بإيماءة مؤكدة والترقب باديًا في نظرتها وهي تتكتف باستعداد :
- أكيد ، قول وأنا عيوني ليك .
ابتسم لها ثم نطق بهدوء :
- فيه طالبة عندي مابتحضرش بقالها يومين ، ولا حتى بتدخل محاضرات الأونلاين ـــــــ
تجلى التوتر على أساريره فازدرد ريقه وهو يتابع :
- يعني بس لو اچبلك رقمها وتكلميها على إنه إنتِ زميلتها وكدة ؟ نطمن بس ونشوف هي كويسة ولا إيه ؟
قلبت عينيها أمامه وأطرقت رأسها تطالعه بثقب ثم تساءلت بمكر :
- طالبة عندك ؟ وغايبة بقالها يومين ؟ من امتى وانت بتهتم بالمواضيع دي يا نوح ؟ ماتخليك دوغري ياخويا !
حدجها بنظرة ثاقبة فتحمحمت توضح ماكرة :
- قصدي يعني احكيلي ، دانا افرحلك بردك !
زفر بضيق لتسرع في تهدئته فهي تدرك حذره وخجله من هذه المواضيع ، لذا استطردت :
- يا نوح لو بتحبها عرفني ، وفيها إيه يعني ؟ دي حاچة تسعدني إنك أخيرًا فكرت في نفسك .
أعطته الأمان ليهدأ ، ولكنه يفكر هل يبوح لها بالفعل بكل ما يعتليه ، أم يعطيها رؤوس أفكاره ؟
ليتنهد بعمقٍ ثم نطق موضحًا :
- ياريم هي بنت مختلفة عن اللي في الدفعة ، هادية ومتحفظة وفي حالها ، وانتِ عارفة إن دي الصفات اللي بحبها ، مش حنكر وأقول إني مش منچذب ليها ، بس كنت متردد آخد الخطوة دي دلوقت ، لكن من يومين بعد ما خلصت المحاضرة هي چت ووقفت قدامي تسأل عن حاچة ، وقتها چه واحد وقف بالعربية وأول ما شافته وشها اتغير وخافت وچريِت تركب معاه ، ومن وقتها لا چت الچامعة ولا حضرت أي محاضرة أونلاين .
عم التوتر أركان ملامحه حينما نهشه القلق مجددًا واسترسل بترقب :
- أچبلك رقمها وتكلميها كإنك زميلتها ؟ تسألي عليها بس ؟
رأت حالته وشعرت به ، برغم فرحتها تجاهه فهو يهمل التفكير في نفسه كثيرًا ، في المقابل يهتم بها وبوالدتهما ، لذا ابتسمت تجيبه باهتمام :
- طب يالا مليني الرقم ، وقولي اسمها .
انتعش داخله فبدا ذلك على ملامحه وهو يعبث بهاتفه متلهفًا بثقل ولكنها تقرؤه ، لذا استعدت وبالفعل بدأ يملي عليها الرقم وهي تكتبه وأخيرًا أعطاها اسمها بعيون لامعة قائلًا :
- اسمها مودّة .
أخفت ابتسامتها ثم قررت الاتصال وعم الصمت في تأهب بالغ من كلاهما .
أعطى جرسًا ، واثنين ، وثلاثة ، ثم فُتِح الخط لتستعد ريم للحديث ولكنها سمعت صوتًا ذكوريًا يتساءل بغلظة كأنه على وشك المشاجرة :
- ألو ؟
توترت ريم وتأهب نوح ولكنها أشارت له بأن يهدأ ونطقت بنبرة متروية في ظاهرها :
- سلام عليكم ، ممكن أكلم مودّة لو سمحت ؟
صمت قليلًا ثم تساءل بذات النبرة :
- أجولها مين ؟
أدركت أنه ليس من مدينتهم لذا استرسلت بهدوء مبهم وعينيها على شقيقها :
- أنا زميلتها في الچامعة ، قلقت عليها لما ماجتش وقلت اطمن ، هي كويسة ؟
صمت الرجل لثوانٍ حتى شعرت ريم بالريبة وتهاوى قلب نوح قبل أن يسمعا صوتًا أنثويًا ينطق بخفوت :
- ألو ؟
عرفها على الفور ليومئ لشقيقته بتحفز عالٍ يحثها على مجاراتها لتنطق ريم بذكاء خشية من وجود أحدهم بجانبها :
- أزيك يا مودّة ، أنا ريم البسيوني ، قلقت عليكي لما ماچتيش ، ودفترك معايا ، وحتى محاضرات الأونلاين مش بتحضريها ، إنتِ كويسة ؟
كانت مودّة تقف أمام شقيقها الأكبر ووالدها ، يطالعانها بنظرات ثاقبة حادة لذا لفت وجهها قليلًا وأسرعت تفكر ، ريم البسيوني ؟ ليس في دفعتها بنت بهذا الاسم ؟ لتشعر بهمس قلبها يخبرها أن هذه الريم تابعة لدكتور نوح البسيوني لذا أجابتها بهدوء ظاهري وهي تلتفت وتطالعهما مجددًا :
- أزيك يا ريم ، أنا كويسة ، كنت واخدة دور برد شديد شوية ، شكرًا على سؤالك .
أسرعت ريم تتابع بنبرة ود ظاهرية :
- ألف سلامة عليكي ، طيب حترچعي امتى ؟ فيه محاضرات مهمة ماينفعش تفوتك ، ماتنسيش إن الامتحانات قربت .
أشار لها والدها بأنها سوف تعود غدًا لذا انفرجت أساريرها وهي تجيبها بارتياح :
- حرچع بكرة إن شاء الله .
هدأ قلب نوح ، فأخيرًا ستعود ويراها ، وبعدها لن ينتظر أكثر من ذلك ، ليترك ريم تنهي المكالمة قائلة :
- تمام يا مودّة حشوفك بكرة بقى إن شاء الله .
أغلقت معها ونظرت إلى نوح تبتسم قائلة بترقب :
- الحمد لله هي كويسة أهي ، بس بيتهيألي يا نوح أهلها متشددين شوية ، شوف أنا بتكلم مع عملا كتير بس أول ما سمعت صوت أخوها اتوترت ، ممكن يكونوا مشددينها عليها شوية .
أومأ يؤكد على حديثها فهذا ما يتضح له لذا نطق وهو ينهض :
- فعلًا معاكي حق ، بس الحمد لله إننا اطمنا عليها .
قطبت جبينها تطالعه وهو يستعد للمغادرة فنطقت بتذمر :
- إنت رايح فين ؟ خلاص كدة مهمتك خلصت ؟ يعني مالكش أخت تقعد معاها ؟
حدجها بتفحص ونطق مستنكرًا :
- إحنا حنبدأ غيرة بدري ولا إيه ؟ أنا رايح أنام علشان اقوم بدري أشوف مصلحتي .
تحرك خطوة ولكنها أوقفته تردف بتلاعب :
- تشوف مصلحتك ولا تشوف مودّة يا دكتور نوح ؟ عادي عادي تصبح على خير ، وانا بردك في الخدمة لو في أي مصلحة .
ابتسم يجز على شفتيه ثم مال نحوها ومد يده يصفع رأسها بخفة ثم اعتدل يردف بابتسامة تعبر عن ارتياحه :
- تصبحي على خير ، قومي نامي إنتِ كمان يالا .
غادر الغرفة وتركها تبتسم عليه وتعيش الفرحة من أجله ، ثم قرر أن يتجه إلى غرفة والدته يطمئن عليها ككل ليلة قبل أن ينام ، ليجدها تصلي قيام الليل لذا جلس ينتظرها بعدما اطمأن قلبه .
بينما عاد جابر آل حانا يحتل رأس ريم ، وتفكر هل ترسل له رسالة ؟ ربما عليها أن تتبع إحساسها ، لذا عادت تلتقط هاتفها وتعبث به لمدة ثوانٍ ثم قررت إرسال رسالة نصية محتواها
( مساء الخير يا أستاذ چابر ، أنا قولت أسيبك يومين تهدى ، وبعتذر عن الطريقة اللي مستر معتز تعامل مع حضرتك بيها ، وحكون مرحبة چدًا بأي مساعدة اقدر اقدمها ليك ولشركتك الجديدة ، بتمنى ترد على رسالتي )
أرسلتها وجلست تفكر ، هل سيجيب ؟ وهل سيقبل المساعدة ؟ أم أن غضبه سيجعله يود لو ينتقم ؟
❈-❈-❈
على الجهة الأخرى عند مودّة
وقف الأخ محتدًا مستنكرًا قرار والده :
- حتبعتها بكرة كيف يابوي ؟ مش جولنا موضوع الچامعة ده انتهى عاد ؟
نطق الأب وهو يتطلع على مودّة التي تقف تتكتف وتنظر نحو شقيقها بحزن :
- بزيادة إكدة يا مسعود ، ده مستجبلها بردك ، وهي عرفت غلطتها وماحتكررهاش تاني واصل ، ولا إيه يا بتي ؟
أومأت مؤكدة تجيب والدها بنبرة منكسرة عاجزة :
- حاضر يا بابا .
انفعل شقيقها وزادت حدته وهو ينطق بتأكيد :
- يبجى ماحتخرچيش من إهنة غير وانتِ لابسة النجاب .
تأهبت وعبست ملامحها تجيبه باستنكار وهي تشير بيديها :
- حلبسه كيف يا مسعود غصب عني ؟ أني ماريداهوش .
كاد أن يهجم عليها أمام والده الذي رفع يديه يصيح بنظرات حادة لكليهما :
- ارچع مكانك يا مسعود ، وانتِ يا مودّة اللي أخوكي يچوله حيتنفذ ، النجاب سُترة يابتي وحماية ليكي ، ومعايزش اسمع حديت تاني .
تجهمت ملامحها ونظرت لهما بخيبة ولكنها لا تمتلك حق الاعتراض ، فإن فعلت ستحرم من جامعتها لذا أومأت بصمتٍ حزين ونطقت قبل أن تتحرك نحو غرفتها :
- اللي تشوفوه .
غادرت وتركتهما يقفان ينظران لبعضهما وكلاهما يرى أنه على صواب .
❈-❈-❈
باتت غرفتها تضيق بها ، وكأن الجدران الأربعة يقبضون عليها كلما نظرت لهذه الأغراض المبعثرة التي لم تجمعهم ، بل تركتهم لتتشبع بالحقد منهم .
إنه يحرقها عن عمد ، يريد أن ينتقم منها على محاولتها لقتله آنذاك ، ما يفعله ليست أفعالًا عابرة على الإطلاق ، إنه أخبث مما توقعت .
يفكر ويخطط وينفذ ويستمتع بالنتيجة التي دومًا تصب في مصلحته .
التفتت مجددًا تنظر نحو الملابس والعطور وغيرها بكرهٍ يقطر من مقلتيها وحدثتهم بتوعد :
- افرح يا عمار دلوك ، افرح وانبسط جبل ما تتجتل بالغدر والخيانة كيف ماغدرت باخوي ، هانت يا ولد الحنانوة ، إنت اللي اخترت تاخدني حداك .
ابتسمت حينما نسجت لها شياطينها الخطة التي ستسير عليها من اليوم فصاعدًا لذا نهضت من على فراشها وتحركت نحو الحقيبتين ثم دنت تجمع الأغراض وتعيدهم بداخلهما بعنف مرددة وهي تتمسك بإحدى الجلابيب السوداء :
- حلبسها وأني باخد عزا أخوي بعد ما احرج جلبك على كل اللي عملته .
نفضتها بعدها وأسرعت تلملم البقية وتتمتم بغضب وتوعد ثم انتهت ونهضت تحاول إغلاقهما وسحبهما إلى أحد الأركان .
❈-❈-❈
في قصر حسنين
جالسًا مع ولديه في المندرة، يرتشفون الأرجيلة والدخان يتصاعد عاليًا تزامنًا مع قهقهاتهم الصاخبة .
ليتحدث حسنين بنبرته الساخرة عن شقيقه :
- بس أني اتكيفت جوى لما عيلة عبود ماجبلوش بحكمه ، مهو مش كل حاچة حتمشي على كيفه .
نطق ابنه راجح بعدما نفث دخانه عاليًا يلقي برأيه :
- بس بردك يابوي عيلة عبود غلطانين ، والمرة دي عمي كان معاه حج لما جال إن لازما يدفعوا حج المحصول للهلايلة .
ردد حسنين مؤكدًا بانتشاءٍ وحقد :
- عارف إنهم حرامية ، بس كيفوني لما صغروه جدام الهلايلة ، أصل عبد الوهاب بجى شايف حاله جوي ، خليه يعرف إن مش كل حاچة حتمشي تحت طوعه .
نطق سيد وهو يضع الجمرة على رأس الأرجيلة ويقلبها :
- بس من ساعة ماتحل موضوع التار ده يابوي والبلد مالهاش سيرة غير عن عمي والشيخ زيدان ، ده الرچالة بيجولولي إنهم طلبوا منه يرشح نفسه في الانتخابات وهو رفض ، ماتعملها إنت يا بوي ؟
صوبها باتجاه عقله فانطلقت تخترق رأسه ليردف مستفسرًا وهو ينسج هذه الفكرة :
- ابجى نايب ؟ تصدج ياد يا سيد عچبتني الفكرة دي ، بس حنعملها كيف ؟
نطق راجح مقترحًا :
- سهلة يا بوي ، بس حتحتاچ دعم كَبير جوي ، ودعاية صُوح ، أني من رأيي اللي ممكن يفيدك في الليلة دي هو چابر ، كلمه واتحدت وياه ، مادام عمي مهواش رايد يبجى أنت أحج بيها من الغريب .
أومأ سيد مؤكدًا :
- صوح يا بوي ، بس كلم عمي لاول وعرفه بردك علشان مايجولش إنك ماكبرتوش .
حدجه حسنين بنظرة مستنكرة ولوح بيده برغم أنه محق ، ولن يخطو خطوة كهذه بدون دعم شقيقه ، ليشرد ويفكر في الأمر بالفعل ، بينما مال سيد على شقيقه راجح يغير دفة الحوار قائلًا بخبث :
- أبوك دلوك لازمًا يدور على خطة بديلة ، موضوع عمار وولاء طلع فنكوش وأهو هيتچوز بنت الحوامدية .
تنفس بانتشاء يسترسل وهو يتذكر ملامحها وشموخها وقوتها المعهودة والمعترف بها لدى الجميع :
- البت دي فرسة يا راچح ، أني عيني كانت منيها ، بس حنجول إيه ، ولاد عمك حظهم نار ، بعد ما جولنا هيجتلوه طلع تعلب كبير وطلب يدها .
نطق راجح يستفسر بتعجب :
- مش دي اللي جالت مش حتچوز ، ووجفت جدام الناس كلياتها وحلفت إن يوم ما ياخدو بتارهم ويجتلو عمار هيكون يوم فرحها ؟ دي بتكره كره العمى ، حتتجوزه كيف ؟
هز منكبيه يجيبه مغتابًا إياها بفجور :
- ماهو مر خمس سنين أهو ، وتلاجيها زهجت وغيرت رأيها ورايدة تتچوز بأي طريجة ، مهو خسارة فرسة زي دي تعنس بردك .
نطق حسنين حينما استمع لكلام ابنه الأخير بنبرة غامضة :
- الحوامدية مرحبين جوي بالنسب ده ، بس مهواش حيكمل ، وافتكروا حديتي .
تساءل سيد بتأهب :
- اشمعنى يا بوي ؟
استنشق حسنين من أرجيلته يصدر أصواتًا متتالية ثم نفث دخانه وأردف مبتسمًا ومتباهيًا بذكائه :
- أصل البت فرحة دي استرچلت ومن وجت ما مات أخوها وهي طايحة في الكل ، ماحتنفعش مع عمار واصل ، عمار كيف أبوه معايزش واحدة تعلى عليه ، علشان إكدة الچوازة دي حتتفشكل ، ووجتها حجوزه ولاء وحعمل اللي في راسي بردك ، حسنين ولد الحنانوة مهواش حيخسر واصل ، وبكرة تشوفوا أبوك يا واد منك ليه .
❈-❈-❈
فتحت باب غرفتها ودلفت تحمل فنجانًا من القهوة التي أعدتها له ، تسلطت أنظارها عليه وهو يدلل صغيره ويناغشه ، يجلس على الفراش ويحمله ويحدثه كأنه رجلٌ رشيدٌ قائلًا بجدية زائفة :
- مش المفروض بجى تنزل الشركة مع أبوك بدل مانت جاعد في الدار إكده ويا الحريم ؟ مايصحش عاد إنت عندك أربع شهور دلوك ؟
يطالعه الصغير ويبتسم بمرحٍ لتتقدم نهاد مبتسمة وتضع الفنجان على الكومود وهي تنطق بسعادة :
- كلامك صوح يا مهران ، خده معاك وحتكون عملت فيا چِميلة ، بس ماتچيش تشتكي بعدها .
تحمحم واعتدل تتلاشى ضحكته تدريجيًا وهو يطالع القهوة قائلًا بهدوء :
- تسلم يدك .
نطقت مأخوذة به :
- بألف هنا على جلبك .
جلست قبالته تطالعه وتبتسم فتعجب وتساءل وهو يريح صغيره جانبًا :
- فيه حاچة ولا إيه ؟
نطقت بعفويتها وحبها له :
- فرحانة إنك مبسوط ، يارب دايمًا إكدة .
أنبه ضميره لذا لف وجهه عنها ومد يده يحمل فنجان القهوة وارتشف منه رشفة ليتجلى على ملامحه الإعجاب بها ، فهي تصنع فنجان قهوة متميز المذاق ، لا ينكر تعلقه به من يدها لذا نطق بهدوء :
- أهو الفنچان ده هو اللي بيظبط مزاچي .
ابتسمت تجيبه وتسرد له ماحدث بعفويتها :
- عارف مين چه يزورني النهاردة ؟
ترقب يطالعها ويتساءل :
- مين ؟
نطقت بقلق من تغير حالته المزاجية ، ولكنها لا تنوي إخفاء شيء ٍ عنه ولم تعتد ذلك لذا نطقت :
- ولاء ، چت تشوفني وتجعد معايا شوية ، انبسط جوي لما شوفتها .
شعر أن استكمال الحديث سيأخذ منحنى آخر ولكنه لم يرد كسر خاطرها لذا ابتسم ونطق ببرود مغيرًا دفة الحوار سريعًا :
- كويس ، هي عمتي نچوى لسة تحت ؟
أجابته ولم تستشف هروبه من سماع شيء عن عائلتها بل استرسلت :
- لاء روّحَت ، بس فيه حاچة غريبة حُصلت معايا عايزة احكيهالك .
أدرك أن لا مفر من حديثها لذا أومأ وعاد يرتشف قهوته ويستمع لها مجبرًا لتسرد :
- البت حسناء لابسة خاتم بيجولوا مقروء عليه ، الخاتم ده اللي يلبسه بيتحقق اللي هو عايزه ، طبعًا أني ماصدجتش الحديت ده ، مع إنها لما لبسته الچدع اللي كانت بتحبه اتجدملها وحيخطبها ، بس النهاردة وإحنا في المطبخ چاتلها مكالمة وراحت ترد ونسيته على الحوض ..
لكزت ساقه بخفة وضحكت بعفوية تتابع بترقب :
- جومت أني لبسته ودعكته بيدي ، جولت أشوف الحديت ده صوح ولا أي كلام ، ولجيتها راچعة تاخده واضايجت جوي لما شافته في يدي و جال ايه إني إكدة حاخد من سعادتها .
قهقهت ولم يفعل بل يتابعها وهي تستطرد :
- كنت عايزة أجولها بطلي عبط يابت إنتِ حتصدجي المكروب ده....
انفرجت أساريرها وبدى التحفز على ملامحها وهي تتابع :
- بس جبل ما افتح بؤي لجيت ولاء چاية وبتجول إني اتوحشتها ، وفضلنا جاعدين سوى نتحدت كيف الأخوات ، وبعدها لجيتك داخل بتضحك ومبسوط ، تفتكر صوح أخدت من سعادة حسناء ؟
نطقتها وضحكت فابتسم وقطب جبيته يستفسر متسائلًا :
- بتهزري صُوح ؟
هدأت ضحكتها ونطقت وهي تقف حائلة بين الجدية والمزاح :
- ماعرفاش يا مهران ، أني بسمع حكايات كَتير إهنه .
هز رأسه معترضًا ونطق محذرًا :
- ماتصدجيش الليلة دي ، اللي حصل ده مچرد صدفة طبعًا ، وبعدين كيف تلبسي خاتمها من أساسه ؟
حينما لمحت الضيق ارتسم على ملامحه أسرعت تحاول تهدئته فنطقت بمراوغة :
- ماجصديش حاچة يا مهران ، أني بهزر معاك ، هو يعني معجول أصدج الحاچات دي ؟
نظر لها بشكٍ ثم زفر يومئ ونظر لصغيره الذي غفا فرفع الغطاء على جسده وربت عليه ثم عاد لها ينطق موضحًا :
- الحاچات دي حتى لو چابت نتيجة وجتها ، بس بعد إكده بتجلب الخراب ، لإنها حرام ، أوعي تصدجي !
رفعت كفيها تنطق مدافعة :
- مامصدجاش يا مهران ، أني بحكيلك اللي حُصل وعارفة إنها صدفة ، ماتضايجش نفسك واشرب الجهوة عاد .
زفر وعاد يرتشف فنجانه وعم الصمت لبرهة بينما نهضت نهاد بعدها تتحرك نحو خزانتها تنتقي ثيابًا لها ثم نظرت له تردف بمقلتين لامعتين وترقب :
- حدخل أخد شاور ورچعالك ..
أومأ لها فتحركت تختفي في الحمام وجلس يتابع أثرها ويفكر فيها ، ألهذه الدرجة تتلهف لابتسامته !
ابتسم ساخرًا من نفسه ، فهو أيضًا بات يتلهف للضحك والسكينة وكل ما يريده أن يعيش حياة هادئة ويجد من يفهمه جيدًا ...
❈-❈-❈
دلفت غرفة ابنتها لتراها بعدما طرقت الباب والأخرى لم تجِب ، نظرت نحوها لتجدها متسطحة على الفراش تغط في نومٍ عميق .
عبست ملامحها من كثرة نوم ابنتها واتجهت تجلس بجانبها وتحاول إيقاظها بخفة لذا نطقت وهي تملس على جبهتها :
- نوارة ؟ جومي يابتي وبزياداكي نوم عاد .
لم تستيقظ بسهولة لذا حاولت صابحة مجددًا تلكزها بخفة فتململت نوارة والتفتت تفتح عينيها وحينما فعلت ونظرت في وجه والدتها ؛ انتفضت فجأة تعلن عن صرخة مكتومة وعيون جاحظة مبتعدة عن محيطها لذا صُدمت صابحة وتجمدت تنظر لابنتها بصمت قبل أن تحرر لسانها وتنطق بتروٍ :
- أعوذ بالله من الشيطان الرچيم ، مالك يابتي ؟ اتخلعتي كده ليه ؟
حدقت نوارة بها تتأكد مما تراه ، لتجده وجه والدتها بالفعل لذا التمعت عينيها ، فحينما أبصرت لم يكن وجه والدتها بل كانت ملامح مخيفة .
التقطت نفسًا قويًا ثم أسرعت ترتمي في حضن والدتها وتبكي موضحة :
- ماعرفاش إيه اللي بيحصل معايا يا أما ، أني خايفة جوي .
تهاوى قلب صابحة وهي تحتضن ابنتها وشردت تسبح وتفكر ثم تساءلت وهي تملس على خصلاتها :
- احكيلي يا نور عين امك ، ماتخبيش حاچة يا نوارة ، جولي .
سمعت صوتًا في عقلها هي فقط ، يخبرها ألا تبوح بشيءٍ وإلا سيتم إيذائها بشكلٍ لم تتوقعه .
ذلك الصوت يردد على مسامعها كلمات فيجعلها تستجيب لهُ ، وتتأثر به لا إراديًا ، لذا ابتعدت ورفعت عينيها تنظر لوالدتها التي تحثها مسترسلة :
- احكيلي يا بتي اللي بيحصل معاكِ !
ابتسمت نوارة ، بل قهقهت بشكلٍ مخالف لحالتها ونطقت :
- اتفرچت على فيلم رعب جبل ماعيني تغفل ، علشان اكده جومت مخلوعة ، مافيش حاچة ماتجلجيش .
نظرت لها صابحة بشكٍ بدأ يتضخم داخلها ولكنها أومأت ونطقت وهي تربت على ساقها :
- طب تعالي ريحي على رچلي لما أرجيكي ، لاجل ما الكوابيس دي تحل عنك ، وماتتفرچيش على الأفلام دي تاني .
حاولت الهرب من الرقية بناءً على تعليمات من ذلك الصوت الذي يقطن داخلها لذا نهضت تردف وهي تخطو نحو الحمام :
- حروح الحمام وأجيلك نطلع نجعد برا شوية لإني چعانة ..
تحركت نحو الحمام وجلست صابحة تفكر ، وعقلها يدور حول نجوى ، يجب أن تنتبه بشكلٍ أكبر على ابنتها ، وألا تسمح لنجوى بأن تنفرد بها ، فهي لا تثق بها على الإطلاق ، وحالة ابنتها هذه لا تبشر بخير ...
❈-❈-❈
كان يجلس في غرفته يتحدث مع أحد أصدقائه وشريكه في العمل ، يخططان لشركتهما الجديدة ويتابعان آخر المستجدات عبر الحاسوب والهاتف .
لم يلحظ رسالة ريم بعد ، حيث كان بالفعل منشغلًا في العمل ، ولكن حينما انتهى وقت العمل وسأله أحمد شريكه عن خطته قائلًا :
- إنت متأكد إن ريم دي هتكلمك تاني يا چابر ؟ ولا هناكل هوا كلياتنا ؟ خد بالك أكيد بردك البنت دي مهياش سهلة ، دي سكرتيرة معتز .
شرد جابر يتذكرها ويتذكر ملامحها حينما أهانه معتز ، تذكر مكالمتها له حينما غادر ، تذكر عرضها للمساعدة آنذاك ، ليجيبه بنبرة واثقة :
- ماتجلجش ، حتتكلم ، ولو ماتكلمتش صاحبك مش حيغلب بردك ، اكده ولا اكده حناخدها منيه .
زفر أحمد مطولًا ونطق بنبرة عملية بحتة :
- أني المهم عندي إن مشروعنا يسمع ويچيلنا عملا وعروض من ناس كَبيرة وتجيلة في أجرب وجت ، لو ده حُصل حنبجى عدينا يا چابر .
ابتسم چابر ونطق بتثاؤب وتأكيد :
- حيحصل يابو حميد ، يالا اجفل دلوك النوم كبس عليا .
ودعه وأغلق معه ثم عبث بهاتفه ليظبط ساعة المنبه ليتفاجأ برسالة نصية منها ، لا ينكر اندهاشه برغم أنه كان يتوقع ذلك ، انفرجت ملامحه وأسرع يفتحها ويقرأ محتواها ، لينفجر بعدها ضاحكًا وقد أحرز هدفه لذا أسرع يهاتف أحمد صديقه مرةً أخرى عبر الحاسوب مكالمة مرئية ، ليفتح الآخر متعجبًا ينظر إلى جابر الذي نطق بحماسٍ عالٍ وهو يعرض الهاتف أمامه من خلال الكاميرة :
- شوف واقرا بنفسك اللي مهياش سهلة باعتة إيه ؟ اسمع يا ابو حميد واتعلم من چابر ولد الحنانوة (مساء الخير يا أستاذ چابر ، أنا قولت أسيبك يومين تهدى ، وبعتذر عن الطريقة اللي اتعامل بيها مستر معتز ، وحكون مرحبة چدًا بأي مساعدة اقدر اقدمها ليك ولشركتك الجديدة ، بتمنى ترد على رسالتي ) .
رأى أحمد وسمع بحماس وعلت ملامحه ابتسامة ماكرة ليتساءل :
- حترد عليها ؟
أومأ جابر ونطق مأخوذًا ومتباهيًا بنفسه :
- استنى حكلمها دلوك ، اسمع واتعلم .
بالفعل عبث بهاتفه يتصل بها وينتظر ، لم تغفُ بعد ، لذا حينما أتاها اتصاله ترددت أتجيب أم لا ، خاصةً وأن الوقت قد تأخر ، ولكنها لن تطيل لذا فتحت الخط تردف بتوتر :
- مساء الخير يا أستاذ چابر .
أجابها برزانة مخادعة :
- مساء الخير يا أستاذة ريم ، أني آسف إني بكلمك دلوك ، بس كنت شغال وماختش بالي من رسالتك حجك عليا .
تحمحمت وازدردت ريقها تجيبه بتوتر برغم نبرتها الرسمية :
- لا أبدًا ، أنا بس قلت أسيبك لما تهدى شوية بعد اللي حصل وأأكد عليك إني موچودة في أي وجت للمساعدة أو الاستفسار عن أي حاچة .
ادعى العبوس والحزن ونطق يستعطفها أمام أحمد المشدوه بطريقته :
- أني عارف إني كنت جليل الذوج معاكي آخر مرة ، وماعرفتش أرد عليكي بعد ما نزلت من الشركة ، أني آسف بس وجتها كنت حاسس إني مخنوج ومش عارف اتحدت ، سامحيني معلش .
نجح في استعطافها ببراعة فنطقت مؤازرة :
- لا خالص أنا متفهمة ده ، ومش عايزاك تفكر في اللي حصل وقتها ، يعني حاول تتچاوز وأنا معاك في أي مساعدة زي ما قولتلك ، وأنا واثقة إن خلال فترة قريبة شركتك حتسمع بإذن الله .
ابتسم ونطق وهو يغمز لصديقه عبر الشاشة بحماس :
- مش عارف اشكرك كيف يا أنسة ريم بس حجيجي رسالتك دي جت في وجتها ، أني فعلًا محتاچ مساعدتك چدًا .
شعرت بالسعادة لأن هذا ما تحب أن تفعله ، تقديم المساعدة بالنسبة لها شيئًا تفتخر به لذا نطقت بحماس :
- تمام ، بكرة إن شاء الله حخلص شغلي وارچع اتواصل معاك وتقول اللي محتاچه ولو قدرت أساعدك فيه خير وبركة .
سيختلق لها خصيصًا مشكلةً ما في عمله ليضمن وجودها معه لأطول فترة ممكنة لذا نطق بمكرٍ :
- لو ينفع معلش نأچلها لبعد بكرة ، أصل أني رايح بكرة أشوف الموقع وأرتب مع كام موظف إكده ، إيه رأيك ؟
أومأت تجيبه بهدوء :
- تمام مافيش مشكلة ، يبقى بعد بكرة إن شاء الله .
تحمحم يردف بخبث :
- تحبي آچي أخدك ولا أجولك العنوان ؟
تفاجأت وتأهبت تعتدل بعدما كانت تستند على وسادتها لتتساءل :
- هو لازم وچودي ؟ أنا ممكن أقدم المساعدة من البيت ، ولا إيه ؟
نطق بترقب وتحفز شديدين كمن يطهو أرز على نار هادئة :
- براحتك خالص ياست البنات ، رايداني أبعتلك الفايلات على إيميلك ماعنديش مانع ، رايدة تنوريها في الشركة وتشتغلي على سيرفرات الشركة هكون ممتن طبعًا ، اللي إنتِ ترتاحي فيه .
استشفت أنه يسحبها نحو شركته ، ولم تستشف خبثه في الانتقام من معتز لذا نطقت بهدوء في محاولة منها لإرضائه :
- معلش خليني أتابع من البيت ولو لقيت إني لازم أتواچد معاكم ححاول ، بس زي مانت عارف أنا في الأول وفي الآخر موظفة أساسية في شركة النعماني ، ومش مناسب أكون متواجدة معاكم في الموقع بشكل متكرر .
أومأ بتفهم يجيبها برزانة ماكرة :
- كلامك كله موزون يا آنسة ريم ، وانتِ صوح ، عامةً اللي تشوفيه ، ومش عارف حرد چميلك ده كيف ، بس إنتِ لحجتيني من مشكلة واعرة جوي .
ابتسمت وشعرت بالسعادة مجددًا تجيبه :
- العفو ، أنا فعلًا حكون مبسوطة لو قدرت أقدملك حلول لمشكلتك .
تنهد مطولًا بتعمد ثم نطق بنبرة مؤثرة :
- تصبحي على خير .
- وأنت من أهله .
أغلقت معه ليبتسم بمكرٍ شديد وينظر بثقب إلى صديقه الذي يتكتف ويطالعه بنظرة إعجاب قائلًا :
- دانت طلعت تعلب كبير جوي يا ولد الحنانوة .
ابتسم جابر يظهر أسنانه الناصعة ويردف متباهيًا :
- لساتك شوفت حاچة يا ابو حميد ؟ بكرة تشوف ريم دي وأني بحركها كيف الخاتم في اصباعي ، اصبر بس داني ناوي اسحب البساط من تحت رچلين ولد النعماني ، واكفيه على وشه كمان .
❈-❈-❈
بعد يومين
ظهرًا .
أعد الحاج زيدان آل حامد هدية كبيرة ليرسلها إلى قصر آل حانا مع حفيده يونس .
انتهى الرجال من تحميل سيارتي نقل صغيرتين ، إحداهما ممتلئة بخيرات مزارعهم المتنوعة ، والأخرى معبأة بعددٍ من الأغنام التي تصدح أصواتها في الأرجاء لتصل إلى فرحة التي تقف تتكتف وتطالعهم من نافذة المطبخ ناطقة بغلٍ صريح :
- بالسم الهاري إن شالله .
سمعتها منصورة فتنفست بعمق تستغفر سرًا ونطقت بما لم تعد تحتمل :
- مايصحش إكده يابتي ، راعي إن دول أهلي بردك .
حدجتها بغضبٍ مكبوت ولم تجبها بل اندفعت خارجًا تصعد لغرفتها بينما في الخارج نطق حسان موجهًا حديثه لابنه :
- يالا يا ولدي اتوكل على الله ، روح مع الرچالة ووصلهم سلامنا .
أومأ يونس بطاعة وتحرك يرتدي جلبابه ويقبض على مسبحته واستقل السيارة الأولى يجاور السائق وانطلقت السيارتين تحت أنظار زيدان المترقبة ليلتفت بعدها وينظر إلى ابنه متسائلًا :
- أيوب فين يا حسان ؟
نطق حسان وهو يلتفت معه ويتجهان نحو الأريكة الخشبية المرتكزة في الحديقة يجلسان عليها ويوضح :
- كيف ما جولت يا بوي ، شيعته أسيوط يچيب الحاچات اللي جولت عليها .
أومأ بارتياح فهو لم يرغب في تواجده هنا أثناء إرسال هذه الأغراض حتى لا ينهشه الغضب ، يكفيه حفيدته فرحة التي من المؤكد أنها الآن تشعر بالحزن ، ولكنه على يقين أن حزنها هذا سيدفنه ابن آل حانا بنفسه ..
❈-❈-❈
بعد قليل
توقفت السيارتين في باحة قصر آل حانا ، وترجل الرجال منها ووقف عبد الوهاب وعمار يستقبلانهم بحفاوة وترحاب ، أسرع يونس نحو خاله يرحب به فعانقه عبد الوهاب باشتياقٍ بالغ يعبر عنه بأريحية الآن ، يربت على ظهره مرددًا بحنين :
- أخيرًا يا ولد منصورة الغمة انزاحت ، اتوحشتك واتوحشت أمك جوي .
بادله يونس بحنين ونطق وهو يبتعد قليلًا :
- وهي كمان يا خال نفسها تشوفك جوي .
اتجه يرحب بعمار ولكنه لم يعانقه بل اكتفى بسلام اليد ليبادله عمار قبل أن تخرج صابحة وتنطق بحفاوة وسعادة تجلت على أساريرها :
- يا مرحب يامرحب بولد الغالية .
أسرعت تعانقه فهي تحبه كثيرًا وكانت تتلهف لرؤيته ، ليبادلها بترحابٍ وحبٍ برغم تحفظه و نطق وهو يبتعد ويطالعها مبتسمًا :
- تسلمي يا خالة صابحة ، مبسوط إني شوفتك بخير .
ليتابع بعدها وهو يوزع نظراته بينهم :
- دي هدية بسيطة من چدي وباعتلكم السلام هو وأبوي .
ابتسم عمار ورفع رأسه بشموخ ليدرك أن الجد يرد بهدية مماثلة ، بينما نطق عبد الوهاب مرحبًا :
- الله يسلمهم يا ولدي ، وهدية مجبولة ، اتفضل .
تحمحم يعترض ويردف معتذرًا :
- معلش وجت تاني ، باجي ع العصر ساعة ولازمًا أبجى في المسچد .
كان الرجال ينقلون الأغراض إلى المطبخ من بابه الخلفي ، بينما آخرون يسحبون الأغنام إلى الحظيرة الخلفية ، لتنطق صابحة بتصميم وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الداخل :
- لاء ماحيحصلش الحديت ده ، داني ماصدجت شوفتك ، حتتغدى ويانا الوكل چاهز أهو .
كاد أن يعترض ولكن خاله دفعه من ظهره بخفه ونطق قبل أن يتفوه :
- أوعاك تعترض على أمر صدر من الحاچة صابحة ، الدار كلها تزعل .
ابتسم واضطر للقبول ودلف معهم ليصدح صوت صابحة وهي تنطق بحماس :
- يالا يا رتيبة چهزوا السفرة ، يونس ولد الغالية حيتغدى ويانا .
اتجهوا يجلسون لحين تجهيز المائدة لتأتي نهاد من المطبخ ترتدي عباءتها وحجابها واتجهت ترحب به بابتسامة قائلة :
- كيفك يا يونس ؟ وكيف عمتي صحتها عاملة إيه ؟
ابتسم لها ونطق وهو يغض الطرف باحترام :
- الحمد لله يا أم حمزة ، كلنا بخير تسلمي ، إنتِ عاملة إيه ؟
ابتسمت تومئ ونطقت بحنين لعمتها منصورة الحنونة :
- أني زينة ، سلملي على عمتي كتير ، وجولها إني نفسي أشوفها جوي .
أومأ لتؤكد صابحة على حديثها :
- كلنا يابتي نفسنا نشوفها ، الحمد لله الغمة انزاحت وجريب هنتچمع تاني .
جاءت نوارة من المطبخ أيضًا تخطو على استحياء حتى وقفت أمامهم ونطقت مرحبة بهدوء :
- أزيك يا يونس ، عامل إيه ؟ نورتنا ؟
لا إراديًا رفع رأسه يطالعها ولم يستطع بعدها أن يغض الطرف بسهولة بل أنه أطلق العنان لعزيمته بأن يطرق رأسه قليلًا ونطق بهدوء يحوي الكثير داخله :
- الله يسلمك يا نوارة ، تسلمي .
نظرت صابحة لهما وشيئًا من السعادة راودها وتمنت خفيةً أن يتحقق ما تفكر به لذا ابتسمت ونطقت وهي تلوح بيدها :
- يالا يا نوارة انتِ ونهاد ساعدو رتيبة والبنات وچهزوا أحلى سفرة .
أومأتا وأسرعتا تتحركان نحو المطبخ وبالفعل لم يمر بضع دقائق حتى تم تجهيز مائدة تحمل كل ما لذ وطاب ترحيبًا بيونس ابن الغالية .
تجمعوا حول المائدة ليتساءل يونس بترقب :
- أومال مهران وچابر فين ؟
أجابه عمار بهدوء :
- مهران في الشركة مالوش وجت محدد ، وچابر بردك ويا اصحابه في الشركة الجديدة بتاعتهم .
أومأ بتفهم وجاءت نهاد تجلس بينهم ثم تبعتها نوارة التي بدأت تشعر بصداع يهاجم رأسها منذ أن رأت يونس ولكنها تحاملت حرجًا لوجوده .
خطت تسحب مقعدًا لتجلس عليه ولكن بدون مقدمات اقتحم عقلها دوار عنيف وتداخلت الأصوات في عقلها ورأت وجوه الجميع متجهمة وهم ليسوا بذلك ، حاولت أن تقبض على المقعد لتحتمي به من السقوط ولكن قبضتها كانت مبالغ فيها فانسحب المقعد من بين يديها منزلقًا يسقط وتسقط معه فاقدة للوعي وسط صدمة الجميع وهرولة عبد الوهاب وعمار نحوها ..
❈-❈-❈
يجلس خلف مكتبه منشغلًا في عمله ، سمع رنين هاتفه فنظر له ليجده رقم تيا ، زفر وترك مافي يده ونظر للهاتف يفكر ، هو لم يتواصل مع عمها إلى الآن ، لقد حاول بالفعل ولكن الأخير يعمل خارج الأقصر ولم يعد بعد ، ومن المؤكد هي تنتظر خبرًا منه ، أو ربما تكون بحاجة إلى النقود أو أغراضٍ ما لذا زفر وأجبر على الإجابة .
وضع الهاتف على أذنه بعدما فتح الخط يتحدث بهدوء :
- مساء الخير يا آنسة تيا .
سمع صوتًا أنثويًا ليس لها وإحداهن تخبره :
- سلام عليكم يا فندم ، أنا بكلمك من مستشفى المدينة ، صاحبة التليفون ده فيه ناس لقوها مضروبة ضرب چامد ومرمية في حتة مجطوعة ، وتليفونها لقيناه في چيبها وممعهاش أي حاچة تاني ، فتحناه لقينا رقمك ، ممكن تاچي علشان إحنا بلغنا المركز وزمانهم على وصول ..
انتفض من مكانه وهب واقفًا يعيد الحديث في عقله بصدمة لينطق وهو يستل مفاتيحه و سترته ويتحرك مسرعًا :
- تمام، چاي حالًا ..