تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
الفصل 78 — رواية صرخات انثى الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم ايه محمد رفعت
الثلاث أيام تمر بثقلهم على قلب الشيخ مهران والسيدة رقية. كلاهما يخشى من وقت كشف الحقيقة لآيوب. مرت تلك الأيام عليهما بصعوبة، وها هما الآن يجلسان على طاولة طعام الإفطار دون أي شهية.
تدفقت دمعات رقية على خديها، وحررت صوتها الذي بح من فرط البكاء، متسائلة:
_ وبعدين يا مهران، هنفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كده ونسيبه يأخد ابننا؟ أنا لا يمكن أقبل بده أبدًا حتى لو اضطريت أروح أقوله الكلمتين دول في وش عديم الضمير ده.
طالعها بنظرة شفقة، يعلم حجم الوجع الساكن داخلها. كيف تحتمله وهو رجل لا يحتمل آلامه. تحرر عن صمته، يخبرها بعقلانية وتمنى أن تتفهم حديثه:
_ افهمي يا بنت الناس، إحنا عرفنا الحقيقة. ولو سكتنا عليها ربنا سبحانه وتعالى هيغضب علينا يا رقية. ده اختلاط أنساب يا رقية، إنتِ أد أنك ترتكبي معصية كبيرة زي دي!
تمادت بالبكاء، فترك مقعده وجلس جوارها، يناديها بأفضل ما أحبت سماعه:
_ يا وصية رسول الله، والله يحزنني حزنك، ويقتلني بكائك. لو امتلك العبد الفقير إلى الله فرصة، ما رغبت أن أفرقك عنه أبدًا.
مالت على كتفه، فربت عليها وهو يشد من عزيمتها:
_ آيوب عمره ما هيبعد عننا، حتى لو عرف الحقيقة.
ومال برأسه لها، يسألها:
_ إنتِ تايهة عن تربية إيدك ولا إيه يا حجة رقية؟
أزاحت دموعها عن وجهها، وقالت برجاء وقلق:
_ واثقة في ربنا إنه مش هيكسر قلبي يا شيخ!
***
دار خلفه وهو يتابع عمل فريقه في تنسيق الديكورات، فناداه بضجر:
_ تسمح يا خواجة.
منحه عمران نظرة شاملة، ثم عاد يتمعن باللوحة التي يعرضها له أحد عماله. شملها بنظرة متفحصة، ثم أشار له بالجانب الخارجي من المحل:
_ الفكرة حلوة، بس هتحتاجوا تكسروا الباب ده خالص. عايزة كله إزاز ومن النوع اللي كتبتهولك.
وتابع وهو يرفع رماديته للأعلى:
_ وعايز باب من الحديد يدعم الإزاز.
هز العامل رأسه باحترام:
_ تحت أمرك يا بشمهندس، حالًا هنبدأ فيه.
زفر إيثان بغيظ، ونكز كتف عمران بغضب:
_ يكسروا إيه؟ ما تفهمني إنت بتعمل إيه هنا؟ خلاص خلصت جولتك في الجيم نزلتلي هنا؟ وبعدين إنت جبت مفتاح البوتيك منين؟
قال ببرود دون أن يستدير إليه، بينما يتابع تفحصه للوحة التي حملت تصميم فريقه لشكله النهائي:
_ أخدته من يونس.
واستدار يخبره بعنجهية:
_ تسمح ترجع المحل لحد ما نخلص، إنت عامل لي إزعاج أنا وفريقي!
احتقنت مقلتا إيثان، فجذبه إليه وهو يصيح بانفعال:
_ بقولك إيه يا خواجه، أنا جبت آخري منك. يا تقولي ناوي على إيه يا تطلع من هنا إنت وفريقك كله.
وزع نظراته الهادئة بينه وبين يده الممدودة على بدلته الزرقاء الباهظة بنظرة جعلت إيثان يسحب كفه بارتباك، أرضى غرور الطاووس. استدار يسلم اللوحة لأحد الفريق وسار للخارج، يعطي أوامره بغرور:
_ تعالى ورايا.
حك إيثان لحيته وهو يعتصر أسنانه بغيظ منه، ومع ذلك لحق به للخارج، حتى وصل لإحدى التريلات المصفوفة على جانبي الحارة، فقال ساخرًا:
_ دول العربيتين اللي واقفين هنا من تلات أيام كأن مالهمش صاحب. التالتة مشت بعد ما نزلت الأجهزة بتاعت الجيم، شكلها تعرف طريق الرجوع ودول تاهوا منها.
قالها بسخرية وصوت ضحكاته لم تثر في عمران مثقال ذرة، بل أشار للسائق الذي يحرص السيارة، فهبط يتجه للباب الخارجي، ومن خلفه يتبعه إيثان بفضول لمعرفة ماذا تحوي تلك الشاحنة. فتح الباب من أمامه، وبرز من خلفه صناديق حملت لوجو شركات أزياء عالمية، ومن حولها متعلقات ذهبية تحوي بداخلها أفضل أنواع البذلات والملابس الرجالية. جحظت عين إيثان صدمة، وولج للداخل كالمسحور، وكأنه يفرك مصباحه السحري الآن، فتحققت كافة أمانيه المعلقة.
بقى بالداخل لثلاثين دقيقة يحاول بهم استيعاب ما يراه، ثم خرج يهرول لعمران الذي يطالعه من خلف نظارته السوداء وبدلته الرسمية التي لجأ لها بعد فترة طويلة، هيئته توحي بأنه كان بالعمل للتو. وبالفعل خرج من مقر شركاتهم هنا بالقاهرة واتجه لحارة الشيخ مهران، دوائه ومسكن إزعاجه اليومي الشاغر. وها هو ينتظر رد فعل إيثان بكل ترقب.
هرول إليه يحتضنه بقوة ألمت جسد عمران، ومع ذلك استقبله بكل ترحاب. بالرغم من مناوشاتهما المستمرة، إلا أنه يحمل معزة ومكانة غريبة لهذا الإيثان. ابتعد عنه يطالعه بسعادة وقال:
_ بقى التريلا دي فيها كل ده ومركونة هنا من يومها!
هز رأسه وقال بمشاكسة:
_ ولو مسكت لسانك وسبتني مع فريقي ساعتين كمان كانوا هيتعلقوا جوه البوتيك وهتستلمه كامل، بس هنقول إيه في الغبي اللي معطلنا من الصبح جوه!
وأضاف، والآخر يتابعه بصمت:
_ عشان كده مرحتش مع يونس وآدم وهما بيجيبوا آيوب!
هز رأسه إليه، فلطم جبهته برفق وهو يردد بضيق:
_ طول عمري لساني أطول من دراعي، بس يقصر النهاردة لأجل عيونك الملونة دي يا خواجة.
حدجه بنظرة ساخرة وقال:
_ أتمنى!
ذهبت سكينته المؤقتة فور أن رأى عدد من الشباب يوزعون بطاقة الدعوات لافتتاح الجيم الرياضي، فقال يشكو لعمران:
_ العيال دي قليلة الرباية، وزعوا على الناس كلها ومش راضيين يدوني دعوة. هو أنت مقولتلهمش إن الجيم بتاعي ولا إيه؟
أزاح نظارته للخلف وصاح ساخرًا:
_ أنا منبه عليهم إن البطاقات توصل للشباب والرجالة بس!
احتقنت مقلتاه بوميض خطير وصاح باستنكار:
_ وأنا أيــــــــه؟!!!
كبت عمران ضحكاته بصعوبة، وأشار لأحد الشباب ليقترب إليه، التقط منه دعوة وقدمها لإيثان قائلًا:
_ راجل وسيد الرجالة، طول ما أنت بعقلك وراسي كده، هتخف منك. هقلب على أمك!
وتابع وهو يمضي خطوتين بعيدًا عنه:
_ بكرة الافتتاح، هستناك الساعة ٧ بليل متتأخرش يا إيثو.
قالها وغادر من أمامه، بينما الأخير يعبث بما بيده وهو يردف بصدمة:
_ هو عزمني ليه، أنا صاحب الجيم!!
هرع من خلفه يوقفه صائحًا:
_ اسمع يا خواجـــــــــه!
توقف عمران محله واستدار ملتحفًا برداء ثباته، بينما الأخير يقذف الدعوة تجاه الشاب ويخبره بغيظ:
_ اعزمه بيه حد من الشباب يابني، أنا مش محتاج عزومة، ده المكان مكاني!
التقط الشاب الدعوة وما كاد بالابتعاد حتى أوقفه عمران قائلًا:
_ رجعاله الدعوة ونبه على الشباب إن الكائن ده ميدخلش إلا بيها.
ارتبك الشاب بينهما، وخاصة حينما لمح نظرات هذا الإيثان الذي يود أن يندرج بحرب دموية بينه وبين عمران. ومع ذلك التقط الدعوة منه بقوة جعلت الشاب يهرول حبًا بالنجاة. شيعه بنظرة أخيرة، وأشار لسائق الشاحنة الأخرى باتباعه، ومضى بطريقه تاركًا ذاك الحائر من خلفه، يتطلع للبوتيك الخاص به بنظرة شاردة. فإذا بريح طيبة تدغدغ أنفه، جعلته يبتسم وهو يهمس بحب:
_ شيخ مهران!
قالها واستدار لذاك الرجل الذي يتعطر بالمسك والريحان، رائحته تطيب منه قبل وصوله. سبقته لا تفارق يده ومئزره البني يرفرف من خلفه فوق جلبابه الأبيض. قابله بابتسامة بشوشة وقال:
_ واقف مش على بعضك ليه؟
أشار بعينيه على البوتيك:
_ الخواجة باعت فريق يشطب لي المحل ومش كده بس، التريلا اللي واقفة من كام يوم دي فيها لبس ماركة مقدرش على تمنه.
وأضاف بحيرة نجحت باطرائها على تعابيره:
_ أنا مش عارف هو بيعمل معايا كده ليه؟ مش معقول بيعملها جمايل يعني، أكيد وراه حاجة أنا معرفهاش!
ابتسم الشيخ مهران وقال:
_ ولما عملت كده يا يونس كان وراك حاجة؟
عبث بمقلتيه بحيرة، فتابع الشيخ حديثه:
_ الخير اللي عملته لو نسيته رب العباد عمره ما بينساه. الخير بيتردالك بالأعظم من عطية العبد يابني. ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
"لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"
"صدق الله العظيم".
وأضاف بحكمة منه:
_ فعلت الخير ومنتظرتش مقابل، اتخليت عن أحلامك ووقفت واقفة راجل جنب صاحبك المسجون، واللي ربنا سبحانه وتعالى أعلم إذا كان حي ولا ميت. أكرمته وربنا أكرمك، فسخر لك عمران سبب، ويمكن ده سبب من أسباب نزوله مصر، والله أعلى وأعلم.
شرد بحديثه المتقن، كان منظمًا بطريقة لمست قلبه. عاد الشيخ يربت على ظهره بحنان ومن ثم غادر على الفور لجلب الأغراض التي تحتاجها زوجته لتعد وليمة استقبال لابنه آيوب، بينما بقى إيثان يتطلع للفراغ ببسمة صغيرة ويقين تام بحديث الشيخ مهران.
***
ارتشف من كوب قهوته متلذذًا بالسكون الذي يغمر المكان من حوله، بينما يقرأ كتابه المفضل بتمعن. فإذا بطبق يوضع من أمامه ومن فوق الطاولة تطل شقيقته، ومن جوارها زوجة أخيه التي وضعت كوبًا من العصير.
راقبهما علي بشك، وتساءل بحيطة:
_ في إيه؟
كانت شمس أول من تحدث:
_ عملت لك سلطة زبادي وخيار ومنستش الليمون زي ما بتحبها بالظبط.
أضافت مايا بابتسامة واسعة:
_ وأنا عملت لك عصير برتقان فريش ومن غير أي سكر.
منع ظهور ابتسامة على وجهه، ورفع عينيه لمن تقف خلف مقعدهما، متسائلًا بسخرية:
_ وإنتِ يا فطيمة جبتيلي إيه؟
رفعت كتفيها ببراءة مصطنعة:
_ لا أنا معنديش أي مشاكل مع عمران، هما كام مشكلة بسيطة كده تبع الشغل ومحلولة يعني. شوف بس شمس ومايا وحاول تساندهم يا علي.
همس بصوت خافت ولكنه كان مسموعًا للجميع:
_ يا عيون علي إنتِ!
وتنحنح وهو يترك الكتاب عن يده، ثم تساءل بخشونة:
_ أيه اللي حصل؟
انفجرت شمس بوجهه كالبركان:
_ عمران مصمم خطوات رقصة لفرحي ومصر يخلي آدهم يرقص عليها! يعني إنت حليت مشكلة الهدية وفعلًا إداله يطلع لي بحكاية الرقصة دي. متخيل يا علي إن آدهم ممكن يرقص!
_ لأ مش متخيلها!
قالها علي بصدمة من حديث شقيقته، فصاحت بحنق:
_ شوفت!
هز رأسه بخفة، واتجه بعينيه لزوجة أخيه التي قالت بعصبية بالغة:
_ أخوك من وقت ما جينا مصر وهو مختفي يا علي. أنا عارفة إنه مشغول بنقل أعماله هنا، وافتتاح المركز اللي إنت اشتريته وسبتهوله يعدل شوية تفاصيل فيه، بس ده مش مبرر يهملني أنا وابنه ولا إيه يا علي؟
_ لا مش مبرر طبعًا!
قالها بضيق أجاده صنعه وهو يراقبهما بنظرة حزن مصطنعة. وما إن رفع مقلتيه إلى زوجته التي تراقب الفتيات بتأثر حتى ابتهجت معالمه وشق الخفق قلبه العاشق. وما أن تلاقت أعينهما حتى أشارت له بحدة على الفتيات، فتنحنح بخشونة لحقت حزمه التام:
_ متقلقوش أنا مش هسكت عن لعب العيال ده، وهأخد منه موقف.
طرقت شمس الطاولة بحماس:
_ احلى أخ بالدنيا كلها يا علي، بص هو تقريبًا بقى مريض نفسي ومحتاجاك تعالجه.
استدارت لها مايا تهاجمها بعدوانية:
_ مين ده اللي مريض نفسي يا شمس، ما تلمي لسانك شوية ومتنسيش إنك بتتكلمي عن جوزي أبو ابني!
تساءلت بحدة ساخرة:
_ وهو فين جوزك ده يا مايا؟
_ موجود ورهن إشارتها يا شمس، إنتِ اللي لازم تخافي وتخافي أوي من اللي هعمله معاكِ إنتِ وحضرة الظابط بتاعك ده!
صوته اقتحم مجلسهم، فإذا بشمس تصعد فوق مقعدها وهي تبحث من حولها عنه. ارتعبت مايا هي الأخرى وهي تراقب المكان من حولها، قائلة بصدمة:
_ عمران إنت فين؟
_ في قلبك ومعاكِ مكان ما تكوني يا بيبي!
عادت نظراتها لعلي الذي ابتسم وهو يشير لفاطمة التي تحمل الهاتف وتتطلع لهم بصدمة. فور أن تلاقت مكالمة منه فتحت الهاتف، تحاول سماعه من بين أصوات الشجار العنيف بينهم. حررت السماعة الخارجية عساها تتمكن من سماعه، وكأن عقلها تعطل عن العمل، وتناست تجمع المجلس وادناته إليه.
منحتها شمس نظرة قاتلة، فقدمت لها فاطمة الهاتف وهمست برعب:
_ نسيت والله إننا بنتكلم عليه!!!
تحرر صوتها المرتجف بصدمة:
_ ومُدّياني الفون لييييه، اديه لعلي.
أتاها صوت عمران يتواقح:
_ وماله يا شمس، إديني علي، أنا كده كده راجعالك، هتروحي مني فين يعني؟ ولعلمك لو حضرة الظابط بتاعك مطلعش وهز وسطه قدام الخلق مفيش جواز وإبقي وريني هتمنعيني إزاي عن اللي في دماغي!
قذفت الهاتف لزوجته التي طالعت الهاتف بريبة، ورددت بتلعثم:
_ أنا… آآ… معملتش حاجة أنا!
كبت ضحكاته وقال ساخرًا:
_ حبيب قلبه كبر وبقى بيشتكي جوزه لأخوه الكبير وشكل كده الموضوع كبر ومحتاج كوبايتين قهوة وقعدة صباحي.
_ لااااا لأ، متجيش النهاردة خليك مع أصحابك وعند الشيخ مهران زي ما بترتاح.
_ وده تيجي يا بيبي، حبيب قلبي مشتاق لي وبيشتكيني مش لازم ألبي النداء ولا أسيبه زعلان. بالله ده كلام؟
قذفت مايا الهاتف لعلي الساقط بنوبة من الضحك من مظهر الفتيات من حوله، حتى زوجته اكتسى وجهها الرعب وكأنها ترى زومبي قافز من أفلام الرعب للتو. التقط الهاتف من مايا وقال يهدئها:
_ مش هيعملك حاجة، إهدي يا مايا.
رددت بحروف متقطعة بينما تشد الهمة للفرار:
_ ابعد أخوك عني يا علي، أنا هلم هدومي وهروح لبابا كام يوم، أصلًا نفسيتي سيئة ومحتاجة راحة.
_ أصلًا أممممم!! طيب يا بيبي لو بوابة الكمبوند لمحت طرف فستانك البينك ده هعلقك بيه من الدور التاني وشوفي بقى بنفشك الوجه الإجرامي للبشمهندس عمران سالم الغرباوي بنفسك. إنتوا عيلة معتش ينفع معاكم التعامل السلمي، بعد كده همشي بالسلاح واللي مش هتعجبني كلامها هفرتك نفوخ أمـ... ولا بلاش خليني ساكت أحسن!
_ بعد كل اللي بتقوله ده وساكت، أمال لو انطلقت هتقول إيه تاني يا وقح يا عديم التربية، أنا معرفتش أربيك!!! وبعدين من امتى بتتكلم بالأسلوب السوقي ده!!
صعق حينما استمع لهذا الصوت الأنثوي الرقيق، فردد بدهشة:
_ فريدة هانم!!
أتاه صوت علي الضاحك يخبره:
_ حسيت إني مبقتش قادر على تربيتك فعملت إضافة لرقم فريدة هانم تربيك بنفسها، وعلى راي المثل الولد لما يثور ويخرج عن الحدود نجبله مامته تعاقله وتعلمه الأصول بقلم دكتور علي الغرباوي.
ردد من بين اصطكاك أسنانه:
_ من امتى وليك في حركة الصيع دول يا علي؟
_ سيبك من علي ورد عليا، إزاي تكلم زوجتك بالطريقة السوقية دي يا محترم!!
أجابها بهدوء ورقي صدم الفتيات:
_ مساء الجمال فريدة هانم، أنا قولت إن الصوت الشتوي الرقيق ده ميطلعش إلا من برنسس عيلة الغرباوي.
وأضاف بمكر:
_ حاسس إني مفتقد ضمة حنونة من القمر اللي وحشني ده، ساعتين وهشوفك على ترابيزة الغدا princess.
رددت بعدم تصديق:
_ إنت بكاش بشكل مش معقول.
قالتها وأغلقت الهاتف على الفور، فتصاعدت ضحكات عمران وقال يعاتبه:
_ بقى كده يا علوي بتسلمني تسليم أهالي، وأنا اللي نازل أرن عليك وأقول بيكنسل ومبيردش ليه، كويس إني لجئت لفاطيما عشان ربنا يكشف لي وشك الحقيقي.
ترك الفتيات يجتمعن حول الطاولة، وغادر ساجيبه باستنكار:
_ وشي أنا الحقيقي!! ولا وشك إنت يا أوقح خلق الله.
تخلى عن مرح الحديث بينهما وقال:
_ افتح موبايلك، باعتلك موقع ينفع تجيني فيه؟
أجابه بقلق:
_ عمران إنت كويس؟؟
التقط نفسًا مسموعًا وقال:
_ عمري ما كنت كويس زي النهاردة، بس محتاج لوجودك جنبي، حابب نقضي اليوم مع بعض بعيد عن أي خروجة مع الهوانم اللي عندك، ينفع ولا لا؟
خطف نظرة متفحصة للفتيات واجابه بترحاب:
_ مسافة الطريق وهكون عندك!
***
اقتحمت سيارة آدهم حارة الشيخ مهران، وبمقدمتها يجلس آيوب جواره، بينما بالخلف يجلس يونس. توقف قبالة المنزل، فشكره يونس وهبط يجذب حقيبة آيوب الصغيرة من الخلف، بينما بقى آيوب محله، يطالعه بدهشة تُرجمت بسؤاله المستنكر:
_ مالك يا آدهم؟ من آخر مرة شوفتك فيها وآنت مش طبيعي، حاسس إن فيك حاجة!
استدار إليه يقابله ببسمة باهتة وقال:
_ هتعرف تداويني يا آيوب؟
زوى حاجبيه باستغراب:
_ للدرجادي موجوع؟
أغلق عينيه يجيبه بحزن:
_ اللي يفرق لي وجع اللي حواليا، يهمني أكتر من وجعي.
تساءل وهو يعتدل بجلسته إليه متلهفًا:
_ طيب اتكلم واحكي لي.
افتتحهما صوت طرقات على زجاج نافذة السيارة، التفت آيوب فوجد إيثان يشير له صارخًا ببهجة:
_ بشمهندس آيوب وحضرة الظابط، أتاري الحارة منورة.
فتح آيوب باب السيارة، ووقف قبالته يتطلع له بنزق طال نبرته المتأففة:
_ خير يا كابتن؟
طرق على كتفه بغلظته المعتادة:
_ كل خير يابن الشيخ مهران، وحشتني وقولت أمسي عليك، ولا أنا موحشتكش!
نزع يده عنه وقال بحدة:
_ إبعد عني السعادي يا إيثان، أنا راجع واخد دور برد وجسمي همدان.
وقبل أن يشرح له صدق مرضه المفاجئ، انطلق بنوبة من السعال، جعلت آدهم يهبط من السيارة ويتجه إليه يسأله باهتمام:
_ مالك يا آيوب؟
منحه ابتسامة صغيرة وقال:
_ دور برد بسيط، متقلقش.
واستطرد وهو يدفعه برفق للبوابة:
_ بما إنك نزلت فلازم تطلع تتغدى معايا.
اعترض آدهم هاتفًا:
_ معلش اعذرني، أنا لازم أروح لشمس، هتعمل بروڤا على الفستان.
هز رأسه بتفهم، وشاكسه:
_ ماشي يا عريس، بس لينا حوار مكتملش.
خيم الحزن بعمق داخله، وهمس بقهر:
_ هيكمل في يوم من الأيام يا آيوب.
صافح آدهم إيثان، وقدم كفه إلى آيوب؛ ليودعه، فرفض أن يضع يده بيده وعانقه بحب. أرغم آدهم أن يبتسم وسط دوامة همومه، بل شدد من ضمه وهو لا يعلم هل سيكون مكانه المباح أم محظور بعد كشف الحقائق.
***
هبط من الأعلى يتألق بأحد الترنجات الرياضية ذات الماركة المعروفة، يصفف شعره باستخدام الماكينات التي علمه عمران باستخدامها. تميز بجاذبية جعلته كشابًا حديث الزواج.
هبط جمال للأسفل يحمل ابنه الذي استيقظ للتو. طرق الباب ففتحت والدته تحيه ببسمة واسعة وهي تثني عليه:
_ اللهم صلي على النبي، أيه الحلاوة والشياكة دي كلها!
انحنى يقبل مقدمة رأسها بحب واحترام:
_ هنروح فين جنبك بس يا ست الكل.
لكزته ضاحكة:
_ يوه جتك إيه يا جمال، أنا راحت عليا خلاص يابني.
شملها بنظرة مستنكرة وقال ليرضيها:
_ متخافيش من عنيا ياما، عمرها ما تحسدك أبدًا.
ازدادت ضحكاتها واستقطبت:
_ مش هعرف أغلبك بالكلام يابن آشرقت، والمرادي هسكت عشان قلبي راضي عنك اليومين دول بالذات.
تساءل بعدم فهم لمغزى حديثها:
_ واشمعنى اليومين دول بالذات!
غمزت بخبث أضحكه:
_ عشان صلحت أمورك مع مراتك وبقالها كام يوم كده بتنزل وشها منور ومبسوطة، كفايا إني محستش بمشاكلكم رغم إن كان في مشاكل بينكم وده يابني الرجولة اللي عشت عمري كله بزرعها فيك.
أردف ببسمة هادئة:
_ يعني طلعتي قافشة الليلة من البداية!
تخصرت بيدها وراحت تتغندج:
_ ده أنا أفهمها وهي طايرة يالا!
ضحك وشاركته الضحك، حتى توقفت فجأة تخبره:
_ بس أنا زعلانة أوي من عمران، كل يوم يديني مواعيد وميجيش. ده آخر مرة كان مأكد لي إنه هييجي واللي فرحني إنك نزلت من السفر فقولت هيتشجع وهيجي!
يشعر بأن عمران يتهرب من زيارة والدته عمدًا، بداخله شكوك حول تلاشيه مقابلة صبا بعد ما صار بين جميع الأطراف. مهما تسامح الجميع وحاولوا التظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام، لن تكون تلك حقيقة الأمر.
أفاق من شروده يزدرد ريقه الجاف بخشونة:
_ هييجي ياما، هو بيعزك ومش هيقدر يرفضلك طلب، بس هو اليومين دول مشغول عشان بينقل شغلنا هنا بالقاهرة، ده غير إنه بيشرف على قصر الغرباوي عشان يكون جاهز لاستقبال عيلته.
ربتت على كتفه بحنان وهي تحمل الصغير منه:
_ ماشي يا حبيبي، ادخل المطبخ قول لصبا تحضر الغدا بما إنك نزلت، واعملنا كوبايتين شاي بالنعناع وتعالى نقعد بالبرندا عما تجهز الغدا.
أشار بيده على عينيه:
_ عنيا يا ست الكل.
وإتجه للمطبخ، يستند على الحائط، يراقب تلك التي تتحرك كشعلة نشاط متحركة، تقلب محتويات الطعام بأكثر من وعاء، حتى انتبهت لوجوده، فنادته باسترابة:
_ جمال! واقف كده ليه؟
أجابها ومازالت يديه مربعة أمام صدره:
_ محبتش أفصل اهتمامك بتفاصيل وصفاتك السحرية.
أعادت غطاء الوعاء وهي تردد من خلفه ببسمة مشرقة:
_ وصفة سحرية مرة واحدة، مش للدرجادي أنا أكلي عادي.
دنى إليها يجيبها:
_ مش صحيح يا صبا، إنتِ نفسك هايل في الأكل ما شاء الله.
برقت بعدم تصديق، طوال تلك المدة كان يحسن الاهتمام بها، ولم يترك فرصة إلا وعبر بها عن حبه لها، وها هو يمدح ما تصنعه بشكل جعل وجهها يحمر خجلًا لاختبارها تلك الأحاسيس لأول مرة. انحنى يلتقط ما وضعته بالملعقة قبل أن تتذوقها، وقال بإعجاب:
_ أممم… جميل أوي تسلم إيدك.
وتركها تقف محلها ثم التقط البراد يصنع الشاي جوارها، فقالت على استحياء:
_ سيبه واطلع وأنا هعمله.
أجابها وهو يجذب أحد فروع النعناع من المزهرية المتطرفة بشرفة المطبخ:
_ كملي الغدا وأنا هعمله جنبك، متقلقيش، أنا بعمل شاي بنعناع عجب وهدوقك حالًا.
اتسعت ابتسامتها وقالت بحب ونظرات إعجاب سكنت حدقتيها:
_ وأنا متحمسة أدوق!
*****
_ يا يوسف مش معقول كده!! عشان تعمل أومليت تخلي المطبخ بالمنظر ده، وأيه كمية الدخان دي كلها فهمني!!!
قالتها ليلى بتعصب، بينما يتابع يوسف عمله في محاولة لتجاهلها، فرددت بغيظ:
_ بكلمك يا دكتور!!
دفع الملعقة بحوض الأطباق، واستدار ينزع مريول المطبخ بنفور:
_ تصدقي أني غلطان، بحاول كل يوم أفتكس بالأكل عشان متحسيش بملل.
صعدت على المقعد الطويل قبالته، تخبره بغضب:
_ مهما تعمل أنا حاسة بالملل وبنفور غريب من القعاد هنا، إتحيلت عليك ننزل مصر مع آيوب زي ما كنا مخططين بس إنت اللي رفضت.
مال على الطاولة أمامها يحدثها بجدية:
_ ليلى إنتِ مينفعش تسافري ولا تتحركي الفترة دي، إنتِ قايمة من حالة صعبة وإلى الآن متخطتيش الخطورة بشكل كامل، على الأقل بعد أسبوع أو عشر أيام ووقتها هقرر أنا.
لفت يديها حول رقبته وقالت بدلال:
_ طيب ينفع تأخد قرار بسرعة عشان زينب وحشتني أوي.
ضحك يشاكسها باستهزاء:
_ زينب بردو اللي وحشتك ولا الفسيخ!
جذبت ثمرة التفاح تلتهمها وهي تجيبه:
_ باشا عيب اللي بتقوله ده، طبعًا عايزة أرجع عشان الفسيخ ودي عايزة كلام مثلًا!!!
******
أخفض هاتفه بعدما اتبع الموقع إلى الطريق، دفن علي هاتفه بجيب سرواله واستكمل طريقه للداخل، حتى توقف أمام أحد مساجد حارة الشيخ مهران. راقبه علي بدهشة، حتى أنه عاد يتأكد من العنوان وإشارة الطريق.
صعد علي للأعلى وهو يتفحص الوقت بساعته الخاصة، فوجد أن الآذان سيقام بعد ساعة ونصف من الآن، إذًا ماذا يفعل أخاه بالداخل الآن؟
ولج علي للداخل، بعدما نزع حذاءه وجواربه، فتفاجأ بسجاد المسجد مركون جانبًا بأحد الزوايا، ثم رأى ما جعله يرمش بعدم استيعاب وتصديق لما يراه، الطاووس الوقح المتعالي، يقف أمامه مشمر الساعدين ويثني بنطاله، بينما يقوم بنفسه بتنظيف المسجد وعلى ما يبدو أنه يستعين بالشاحنة المصفوفة بالخارج، وقد تثنى له رؤية السجاد الفخم الذي ابتاعه خصيصًا للمسجد، حتى أدوات النظافة من ماكينات مياه حديثة، وخزانة عتيقة للأحذية، مكتبات مفصلة لأرجاء المسجد لوضع المصاحف الشريفة به، عدد من السبح بسيطة التصميم، وفوق كل ذلك عدد من الزهور الطبيعية التي قرر وضعها خارج المسجد على مسافة من الشارع الخارجي.
ابتسم علي بسعادة تنبع عن داخله، وخاصة حينما استدار عمران يخبره بحثه الفكاهي:
_ محبتش حد يشاركني الصواب ده غيرك، لإن محدش أقرب لي منك، لولا فرق السن بينا كنت ناديتك بأكتر اسم اتحرمت منه طول حياتي، بس لو هبصلها من جميع الجوانب فأنا ربنا بيحبني وعوضني بيك أب وأخ وصديق، وإنت مكنش ليك أب ولا حد أخد مكانته يا علي.
وأضاف بدمعة أبت الهبوط على وجهه:
_ ربنا سبحانه وتعالى مخلقناش كلنا زي بعض، من علينا بنعم مختلفة بس بالنهاية كلنا متساويين، ومن النعم اللي من بها عليك هي الصبر، طول عمرك صبور وراضي، طول عمرك بتدي أكتر ما بتاخد. أنا ملقتش حاجة واحدة إيجابية في حياتي أكتر، من علاقتي بيك! وعلى فكرة أنا فخور بيك لإنك البطل الحقيقي في حكايتي يا دكتور علي.
انتقلت الدموع لرمادية علي الساكن محله، فاستطرد عمران ليخفف غمة الأجواء:
_ ها يا دكتور هتساعدني؟
نزع عنه جاكيته الأسود، وأشمر عن ساعديه مثلما يفعل عمران، ثم انحنى يحمل المكنسة الكهربائية مشيرًا له بحماس:
_ تحب نبدأ منين؟!
*****
بحث عنها كثيرًا ولكنه لم يراها. انتهت رقية من وضع أطباق الطعام على السفرة، وهي تراقب ابنها الذي يبحث عنها بنظرات خبيثة.
وضعت الأكواب جواره وقالت بغمزة ماكرة:
_ العصفورة اللي بتدور عليها فوق على السطوح من بدري، واخده على خاطرها منك عشان منعتها تروح مع يونس المطار عشان يستقبلك.
وتابعت وهي تربت على كفه الممدود على الطاولة:
_ اطلع رضيها بكلمتين قبل ما الشيخ مهران يرجع.
اتسعت ابتسامته فرحة ومال يقبل يدها ورأسها، ثم هرول للأعلى سريعًا، وأبواق الشوق تسبقه على درج الغرام. صعد حتى وصل لسطح المنزل، فوجدها تجلس ببرج الحمام المشيد، تضع الحجاب باهمال على شعرها الذهبي، وتلقي الطعام بحزن يبدو عليها. دنى منها بغضب متناسيًا شوقه الجارف، جذب الحجاب عن رأسها وقال بحدة أفزعتها:
_ مش قولتلك ألف مرة تربطي حجابك ولا إنتِ مبتفهميش عربي!!!!!