تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
الفصل 86 — رواية صرخات انثى الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم ايه محمد رفعت
وصول الطائرة المصرية إلى ميلانو بهذه السرعة المفاجئة، كان من ضمن أسرار نوعية الطائرات السرية التي تخفيه بجدارة، واستخدامها في أضيق النطاقات.
إنقاذ آدهم من منتصف أرضهم كان أمرًا محالًا، ولكنه حينما أصبح محتملًا كان يعود لذكاء آدهم حينما حافظ على جسده وقت سقوطه من السيارة بحماية أجزاء جسده الحيوية، وحصوله على أطول وقت من البقاء بمحلٍ آمن، ولزوم البقاء على قيد الحياة، فكانت أولى خطواته النزوح بمكانٍ معاكس عن محل سقوط سيارته، فحينما انجرفت يسار الطريق، احتمل على جروحه واختبئ على الجانب المعاكس لها، لذلك استغرق العدو ما يقرب الساعتين بالبحث عنه وسط الأشجار والنهر المنجرف على طرفي الغابة، بينما هو بالأساس على الطرف الآخر من الطريق، يتمدد بين منزلق شجرتين، إحداهما جوفها فارغ، فاستغل تجويفها وتمدد داخلها.
وثاني خطواته للبقاء حيًا، حينما مزق قميصه الذي زهق لونه الأبيض وبات أحمر من شدة نزيفه، لفه حول جروحه النازفة بشكلٍ مؤقت.
مرت به الدقائق حتى تسلل له سماع أصوات وابل الرصاص المتبادل بين هؤلاء الجرذان وبين رجال رحيم، وحينما هدأ الصوت، علم بأن أحدهما انتصر على الطرف الآخر. حاول بكل طاقته الخروج من محله ليستعلم عن الأمر، ولكن شدة نزيف جسده جعل الدوار يتمكن منه، فسقط فاقدًا للوعي، لمدة تراوحت ما بين الساعة للساعة والنصف، وحينها وصلت طائرة الاستخبارات المصرية بشكلٍ سري ومفاجئ.
وبعدها انتشر رجال مراد يتممون البحث في نفس الطرف الذي يحمل بقايا سيارة آدهم المحترقة، وبأعلى الطريق الأسفلتي كان يقف مراد ولجوارة رحيم، ينتظران أن تعثر الرجال على أي إشارة.
قضاء فريق رحيم على سيارات العدو يؤكد مئة بالمئة أنهم لم يعثروا على آدهم، لذلك عملوا جاهدين للعثور عليه وسرعة التحرك من المكان قبل أن تحتشد قوة العدو، بنهاية الأمر هم دخلاء داخل وكرهم ودولتهم، فمهما امتلك رحيم ومراد من مهارات وفريقًا مجهز ومستعد لخوض النزال معهم، لن يتمكنوا من رضخهم لأنهم ببساطة داخل دولتهم وبالطبع يمتلكون جيشًا متكامل، لذا الانسحاب بأسرع وقت ممكن كان من أهم أولويات الجهاز المصري، فلن يعرض فريق كامل للخطر وعلى رأسهم اثنان من أمهر قادتهم كالجوكر والأسطورة، تواجدهما معًا بمكانٍ يحومه الموت وبذلك التوقيت كان خيارًا انتحاريًا لكلاهما، ومع ذلك لم يبالوا إلا بإنقاذ ذلك البطل الذي قدم روحه فداء بلده، فحق لهم التضحية بأرواحهم جميعًا لأجله، هكذا هو وسام شرف دماء العرب!
صعود أحد الضباط لإخبار الجوكر بأنهم لم يتمكنوا من العثور عليه، جعله يصرخ بجنون، حينما قال:
_ يعني أيـــــه مش لاقينه!! انت بتهرج معايا!!
تردد صوته المنفعل لأذن آدهم، الذي تحركت جفونه بشكلٍ طفيف، ونطقت شفتيه بهمسٍ مبحوح:
_ مراد باشا!
جاهد كل ألم يعتمر جسده، وانجرف بجسده زاحفًا خرج مكانه الأمين، لم يعنيه أغصان الشجرة العملاقة التي مزقت ظهره بقوة، كان يكبت صراخه بوجعٍ، ويواصل زحفه للخارج، حتى تسنى له من محله السفلي رؤية الجوكر، والسيارات الخاصة بفريق رحيم زيدان. حاول لفت الانتباه إليه ولكن محله المتدني بالأسفل يصعب رؤيته، بحث بجواره عن أي شيء يستخدمه ليجذب انتباهه، فعثر على قطعة حديدية ملقاة أرضًا، رفعها بيده وطرق بها عدة مرات بكل قوته، فتسلل صوتها للجوكر الذي هرول للطرف الآخر وهو يناديه بهلعٍ، حتى وصل لمكانه فوجده يترك ما بيده ويستجيب لفقدان وعيه الكلي بعدما اطمئن لوصول مراد إليه.
انحنى إليه مراد يتفقده وهو يصيح بهلعٍ:
_ عمــــــــــــر!
دفعه رحيم وهو يحذره:
_ متحركهوش يا مراد، ممكن يكون عنده كسور.
ورفع يده يشير لأحد رجاله، فرفع سماعته يستدعي الطائرة، بينما ركض إليه أحدهم ينذره بالقادم إليهم:
_ بيقربوا مننا يا باشا.
هز رأسه بهدوء، فما المتوقع سوى قرب مداهمتهم. ترك رحيم المكان واتجه للطريق الأسفلتي، يجمع رجاله من حوله، مر من بينهم بخطاه الثابت. أمامه ثلاث فرق مدربة على أعلى مستوى، تحت قيادته هو شخصيًا، ولكل فريق قائد يقوده، وثلاثتهم يخضعون لقائد أعلى "الأسطورة" رحيم زيدان.
أشار رحيم لقائد إحدى الفرق، وبحكمته ومكره الداهي سدد أمره المباشر:
_ عايز حفلة شوي نستقبل بيها حبايبنا.
ابتسم القائد وأدى تحيته:
_ اوامرك يا باشا.
وغادر سريعًا ينصب شباك الخديعة لهؤلاء اللعناء، بينما تبقى قبالته الفريقان، فقال لقائد منهما:
_ انسحب إنت ورجالتك، وبأقرب وقت إطلع من ميلانو.
هز رأسه في طاعة، وانطلقوا سريعًا للسيارات المصفحة، يغادرون من الطرق المعاكسة وكأن لم يكن لهم وجود من الأساس، بينما أصدر أمره الأخير للقائد الأخير بمجموعته الضئيلة مقارنة بالأخرى:
_ اتحركوا حالًا للموقع اللي معك، وفي طريقك هتدي إشارة للباشا عدي الجارحي، قبل وصولك هيكون بالمكان المحدد، مهمتك تحمي عدي باشا وحرم سيادة الرائد.
قدم التحية العسكرية، هادرًا:
_ علم وينفذ يا باشا.
وانطلق للطائرة هو وفريقه، منطلقين للمكان المتطرف بعيدًا عن موقع ليل، بينما مهمة الوحش الخروج بها لمكان تواجدهم.
انصرف الرجال بأكملهم ولم يتبقى بالمكان إلا رجال مراد، الذين وصلوا للتو برفقة الطائرة المتخفية التي أتت بالجوكر والأسطورة لذلك المكان، وفور أن تلاقت إشارتها حتى ظهرت لمحلهما من جديد.
انفتح بابها الحديث، العائد صناعته بروسيا، وانخفض منه سرير الطوارئ المتحرك، بقيادة أحد الأطباء واثنان من فريق التمريض، يسرعون تجاه المصاب.
أحاطوا رقبته بمانع للكسر، وثبتوا جسده بإحكام بالسرير، وهرلوا به سريعًا للطائرة، ومن خلفهم رحيم ومراد والمتبقي من الرجال.
غادرت الطائرة تاركة من خلفها الأجواء الهادئة، وكأن هذا المكان لم يكن يحمل أكثر من تسعة وثلاثون شخصًا مسلحًا على أعلى مستوى، بينما يلتقط رادار العدو عددًا من التجمعات بذلك المكان الذي يعج الهدوء المخادع، فانتابهم القلق، وقد صدق حدسهم حينما مرت السيارات بطريق محدد بخطوط سوداء، كإشارة لـ شيئًا غامضًا، بدا يتفكك عن شفرته، حينما ارتفع ستار جحيمي من خلفهما ومن أمامهما، صانعًا حجابًا كالحائط من حولهم، وفجأة انطلق صفير أربع قنابل مدسوسة بالأرض الأسفلتية!!!!!!!
وعند العد للثانية و الثانية والعشرون انفجرت السيارات وتفحمت محلها محدثة وابلًا جحيميًا، وهزيمة ساحقة ستقيد بالتاريخ، حتى أن طائرتهم ارتجت وتباعدت للخلف، خشية من شدة جذب النيران لأجسادهم، كمثلث برمودا الذي يجذب الأجساد مغناطيسيًا إليه، ابتعدت الطائرات لمحل أمن وصوروا ما يحدث للقيادات بصدمة، لم يشهدوا من قبل مثل أنواع القنابل تلك، ولا طريقة زرعها التي تطلب مجهودًا بدنيًا خرافيًا، وذكاءً فائقًا حتى لا تكشفهم عجلات السيارة، فإن كان الطريق منعرجًا ستهتز السيارة وتكشف ما بأسفلها، ولكنهم اتقنوا ما فعلوه وحق لهم ذلك بسيادة قائد بحجم #رحيم_زيدان…. #الأسطورة!!
اطمئن "مراد" بابتعاد الطائرة بشكل آمن عن ميلانو، واتجه للغرفة المنزوية بالطائرة، حيث يجتمع الطبيب وفريق التمريض، في محاولة لتسجيل حالة آدهم حتى يتوفر لهم الوقت فور وصوله للمشفى العسكري المصري، وإن تسنى له يعالج ما استطاع فعله قبل وصوله للمشفى.
شق صوت رحيم قلق الوجوه، حينما سأله:
_ وضعه العام إيه؟ في نزيف؟!
رد عليه الطبيب ومازال يلف اللاصق الطبي حول معصم آدهم:
_ جسمه مليان كدمات وجروح بس مش كلها إصابات خطيرة، الجرح اللي في جانبه الشمال هو اللي عميق، وعمله نزيف شديد قدرت أوقفه، ضهره كمان متأذي جدًا واضح إنهم من هجماتهم عليه بالسكاكين، وفي أثر لجذع الشجرة على ضهره، أنا خيطتله الجروح وعقمتها، لكن مقدرش أجزم بشيء قبل وصولنا للمستشفى.
وأضاف ببعض الحيرة وهو يتطلع لوجهه:
_ بس في حاجة غريبة بنحاول أنا والممرض نفهمها.
سأله مراد بلهفة:
_ حاجة إيه، اتكلم!!
سحب قطعة من القطن يجفف بها الدماء الحديثة على جفونه، وقال:
_ في دم على وشه، أول حاجة شكيت فيها إنه عندها نزيف أو جرح في راسه، دورت عليه ملقتهوش متصاب لا في وشه ولا راسه، بس الدم مازال مستمر حولين جفونه معرفش مصدره إيه؟
واستطرد يوضح لهما بعملية:
_ أنا شكيت إن يكون إزاز العربية دخل في عينه وعورهم، بس لما بصيت في عينه ملقتش حاجة!
توترت ملامح الجوكر وانتابه الخوف بشكل كان ملحوظًا لأخيه، الذي استدار للطبيب وسأله:
_ إنت استخدمت الجهاز اللي ادتهولك؟
انحنى يجذبه من أعلى الطاولة المثبتة وقال:
_ استخدمته على جسمه كله يا باشا ومنوررش، وده معناها إنه ملحقش يزرع الميكروفيلم بجسمه زي ما توقعت.
كان مراد أول من تحرك تجاه آدهم، تمعن بوجهه بحزن وعذاب ضمير يقتله، وبألم مد يده للطبيب قائلًا بصوت مبحوح:
_ هات الكشاف.
تعجب الطبيب من طلبه، ومرر له جهاز الضوء الصغير، رفع مراد جفن عين آدهم وراقب بتمعنٍ عدستيه، وقد تأكدت شكوكه، فإذا به يبحث بين أغراض الطبيب عن ضالته، وعاد يقترب منه مجددًا، يسحب أمامهم عدسات لاصقة بعينيه، والجميع في حالة دهشة، ففور أن سحبها. مراد توقف نزيف الدماء عن جفنيه.
وضع مراد العدستين جانبًا فالتحمت ببعضهما وبرزت من أمامهما حبة مستديرة، حملها مراد بقلب منشطر واستدار تجاه رحيم، يضعها بكف يده ويردد بعدوانية:
_ اتفضل.
حمل رحيم ما بيده يتطلع له بصدمة، انتهت ببسمة فخر ونطق متحفزًا على غير عادته:
_ مراد إنت عبقري!!
منحه نظرة قاتمة، وغادر من أمامه للخارج، فاتبعه وهو يتساءل بحماس:
_ إنت ازاي قدرت تحول الفلاشة للشكل ده وتزرعها على شكل عدسات!! أقف وفهمني!
استدار يواجهه بشراسة وتحذير:
_ خليك بعيد عني، أنا مانع نفسي عنك بصعوبة، متخلنيش أنسى إنك أخويا وأقتلك بإيدي.
رد عليه ببرود لطالما نجح بالتحلي به:
_ يعني بعد كل اللي قولتهولك وبردو مصمم على اللي في دماغك، على كده بقى هتفجر الجهاز كله لما مرين بنتك تنضم!
آن تعلق بأحد تلاميذه وأحبه هكذا ماذا سيفعل إن تعرضت ابنته للسوء، أفاق من شروده ناطقًا بعزيمة:
_ هعارضها ومش هخليها تدخل لو مهما حصل.
اقترب منه وقال بابتسامة ساخرة:
_ مش هتقدر، مرين عنيدة وهتنفذ اللي في دماغها، وأكيد هتلجئ ليا وأنا مش هتخلي عنها.
وأضاف ببراءة خبيثة:
_ مش هقدر للأسف، زي ما زين اقنعني مرين كمان هتقنعني.
سحب مراد سلاحه من ملابسه، وبسرعة الريح دفع رحيم لجانب الطائرة، وهو يصرخ فيه بجنون:
_ لا زين ولا مرين هيدخلوا سامع؟
راقبه بابتسامة واسعة، وقال:
_ زين ابني أنا! نسيت ولا إيه؟.
شدد من فوه سلاحه تجاه صدر رحيم الذي يطالعه بثبات، فصاح مراد بغضب:
_ إنت أب غير مسؤول، وهتدمر ابنك لو بقى تحت إيدك، عشان كده لو أنا قررت دخولهم الاتنين هيكونوا تحت قيادتي أنا، يا كده يا الحوار خالص من بدايته.
ازدادت ابتسامة رحيم بشكل استنزف مراد، خاصة حينما قال ببرود:
_ وهو ده اللي أنا عايزه، أكيد مش هكون مبسوط لو ابني طلع شبهي ملهوش بالتعامل الطري.
وأضاف وهو يتجه لمقعده المخصص بالطائرة:
_ كده كده هيبقى جوز بنتك، اللي هتزرعه فيه بنتك ميرال اللي هتجنيه!
جلس على بعد مسافة كبيرة منه، يطالعه بنظرات ضيق وغيظ، جذب رحيم حاسوبه، يرسل رسالة سرية للجهاز، بينما يتابع أخيه من الحين والآخر، حتى انتهى مما يفعل فنهض يجلس جواره، وقال يعاتبه:
_ قاعد بعيد ليه؟
تطلع للنافذة جواره يتجاهل وجوده، تنهد رحيم بقلة حيلة وردد بهدوء لا يتناسب مع شخصه، ولكنه يرضخ لأجل أخيه وشريك نجاحاته:
_ مراد الدكتور طمنا عليه، وكلها دقايق وهنوصل مصر وهنتطمن عليه أكتر.
مازال على جموده ووجهه للنافذة، زفر رحيم بضيق، وقال:
_ طيب ممكن أفهم أنا بتعاقب على إيه؟
استدار إليه الجوكر يوجهه بنظرة طاعنة وهدر، منفعلًا:
_ محدش كان عارف إني دربت آدهم على طريقة زرع الأجهزة جوه الجسم غيرك، دلوقتي بس عرفت إنت ليه إختارته هو.
ضم مقدمة أنفه بإرهاق ومع ذلك اتبع الهدوء طريقًا ممهدًا بينهما حينما قال:
_ مراد إنت حاولت مع كام حد محترف وأعلى رتبة من آدهم؟
عبث بزرقته وقال:
_ كتير.
رد عليه بسؤالٍ آخر:
_ كام حد نجح يعملها.
أجابه بفتورٍ:
_ عدد بسيط جدًا.
هز رأسه وكأنه وصل لمغزى حديثه:
_ وآدهم بالرغم من إنه أصغر ومستواه لسه موصلش ليهم اتعلمها، أنا لما شوفت مستواه بالعملية اللي قمنا بيها في لندن أيقنت إنه من الظباط القليلين اللي هيكون ليهم مستقبل حافل، ودليل كلامي زراعته للميكروفيلم بطريقة أنا نفسي مقدرش اعملها ولا أتخيلها.
وأضاف ببسمة واثقة:
_ اوعدك إنه لما يتعرف اللي عمله آدهم بالجهاز والمكانة اللي هيوصلها هو بنفسه هيشكرك على اللي عملته معاه.
تحرك بجلسته يقابل عين أخيه والغضب مازال يطوف داخل مقلتيه:
_ أنا عايز أعرف وحالًا إيه مضمونك من الخطة اللي عملتها، كل الأوراق اللي خفتها هتكشفها حالًا وقدامي.
زفر رحيم بإرهاق، وقال:
_ تفاصيل المهمة كانت مخفية عنك لاني كنت عارف ومتأكد إنك هترفض انضمام آدهم للمهمة، لكن انا محاولتش أخبي حاجة عنك.
هتف بنزقٍ:
_ إيه كان السبب اتكلم.
سحب رحيم نفسًا ثقيلًا وقال:
_ مراد المهمة دي مكنتش عايزة غيرك، وللأسف مكنش ينفع لانك وشك بقى مكشوف، وده أنا استغليته بظهورنا في الفندق إياه لحد ما قدر عدي وليل يخرجوا بالميكروفيلم.
قاطعه بحدة:
_ ده اللي أنا أعرفه، بعد كده التفاصيل مكنتش كاملة وواضحة قدامي.
هز رحيم رأسه وتابع:
_ من لحظة اختفاء الميكروفيلم وابتدت التشديدات على المخارج، وبالأخص المطارات، كان في تفتيش غير طبيعي وتدقيق على الرحلات اللي طالعة مصر واي دولة عربية، فمكنش ينفع نجازف ونخلي ليل أو عدي يرجعوا على مصر بالميكروفيلم، السفر لدولة غربية تابعة للكلاب دول كان هيقلل شكوكهم وهيخلينا نقدر نتحرك بسهولة.
وأضاف وهو يتابع وجه أخيه بقلقٍ:
_ وفي نفس الوقت وبدون ما نلفت الانتباه محتاجين حد يخرج بالميكروفيلم بدون ما نجذب الانتباه لينا، فمكنش قدامنا غير آدهم اللي مسافر بشكل طبيعي يقضي شهر عسله، جوازه من بنت عيلة ثرية ومعروفة زي عيلة الغرباوي ساهمت في انتشار خبر جوازهم بشكل كبير، فسفرهم كان متوقع ومش مثير للشكوك.
كز مراد على أسنانه، وأردف من بين اصطكاكهما:
_ اتفقت مع آدهم إمتى؟
اجابه بابتسامة خبيثة:
_ في مكتبك!
هز مراد رأسه بهدوء خطير، ومن ثم سحب سلاحه وسلطته على أخيه بينما ينحني بجسده يخنق أوردته، صارخًا بجنون:
_ أنا كنت شاكك فيك، إنت بتستغفلني وفي مكتبي، مشفتش حقارة بالشكل ده؟
انفتح باب الطيارة الأمامي، ليسرع الطيار العسكري يحذرهما:
_ باشا مينفعش كده، ممكن يحصل خلل!
مال رحيم من خلف جسد مراد يخبر الطيار بصرامة أرعبته:
_ وإنت لزمتك إيه على الطيارة، ارجع مكانك بدل ما أحدفك من الشباك!
أغلق الطيار المساعد الباب سريعًا، بينما رفع رحيم زيتونيته لأخيه هاتفًا ببسمته الشيطانية:
_ ده شكرك ليا على الدماغ العالية اللي علمت بيها على الكلاب دول!
وقيمه بنظرة ساخطة، ثم هتف بمكر:
_ هما جندوك ولا إيه يا جوكر!
جذب سلاحه وجلس والغيظ يتأكله، متمتمًا بعصبية:
_ لو كنت أنا اللي طلعت بداله مكنش ده هيكون حالنا، الولد عريس جديد يا عديم الاحساس!
رد عليه رحيم بتريثٍ:
_ الخطة اللي حطتها مكنش فيها عشرة في المية خطورة عليه، اللي حصل قلب الموازين يا مراد.
عاد يتمعن به باهتمامٍ، فقال يوضح له:
_ أنا مسبتش ثغرة ورايا، رتبت دخول ليل للحانة على أنه تاجر ألماظ، واللي خدمني شكله المريب، ولو الموضوع كان اتعرف مكنش حد هيشك في حاجة لان دي شغلتها، والمفروض إن ادهم بعدها كان هيروح نفس الحانة، ونفس البنت اللي اخدت الألماظ من ليل كانت هتستدرجه لخيمتها بعد ما يشرب ويبان الموضوع طبيعي، بس الغبية شافت آدهم على الشاطئ من قبل ما يروح المكان ده، راحتله وكان باين عليها انها تعرفه من الصورة اللي ليل سابهالها، وده زود شكوكهم فيه، وبدأوا يدوروا وراها، لحد ما اكتشفوا أمرها، وطبعا زي ما بتهرب المخدرات والالماس وأي شيء ممنوع، شكوا يكون ليها علاقة بالميكروفيلم، وكانت خطتهم الاخيرة رد فعل آدهم على موتها.
وأضاف بحزن اعتلى زيتونية عينيه الساحرة:
_ اللي حصل كان مفاجئ ومش طبيعي، أنا لاخر لحظة حاولت أخرجه برة الحرب، آدهم كان ذكي وقدر يتعامل، بعد ما دخل ولقاها مقتولة عرف من ترتيب أوضتها ودم رقبتها اللي لسه بتنزف إنها لسه مقتولة وملحقوش يوصلوا للميكروفيلم، كان عارف ان المكان مليان كاميرات، بس كان كل همه يخرج الميكروفيلم لانه ببساطة عارف لو وقع في ايدهم هيكون مصيرنا إيه! مهما كان اللي نقدر نعمله منقدرش نجازف وندخل في وسط مكانهم برجلينا، ولو اتقال دخلين ليه هنقول أصلنا معرفناش نأمن على معلوماتنا واتسربت بفعل خاين عندنا!! دي هتكون مهزلة مش هتسقط عننا أبدًا، فاللي عمله آدهم خلاه بطل.
واستطرد ببسمة هادئة:
_ أنا من أول ما شوفته وأنا لامح بعينه جرأة وقوة أتمنى أشوفها في ابني.
رفع اصبعه يشير له بتحذير مضحك:
_ إبعد عن آدهم يا رحيم، إبعد عن كل اللي يخصوني.
ونهض يتجه للغرفة، ليطمئن على آدهم، تاركًا الابتسامة الساخرة تحتل ثغر رحيم الذي همس باستهزاءٍ:
_ هو احنا بنختار قربان لطقوس الشيطان!
******
بمكانٍ منزوي عن الأعين، يحيط مياه البحر إحدى جوانبه، حيث يخطو هذا الفرس بحريةٍ دون أي قيد، وكأنه يعلم نهاية حدوده، على بعدٍ منه حيث تشتعل النيران بأعواد الخشب المنزوية بشكلٍ متقن، لتمنح الحرارة والدفء لمن يجاور محلها، كان يجلس بشموخه وعلى كتفه رفيقه المقرب، يتمتع بلمسات ذلك الليل على جسده، بينما الأخير هائمًا بحبات الرمل من أسفل قدميه.
وكأن حياته انبثقت من إسمه، فأصبح كالليل المظلم، يلتف الظلام والهلاك من حوله، اعتزل البشر وراحته في بعدهم سكينة، وإن اقترب يحمل ناقوس الخطر لمن حوله، وكأن وجوده بين البشر خلق للقتل والخراب.
التقطت أذنيه صوت يخت يقترب من محله، استعد بكل مهارة لضحيته القادمة، فأشار لطائره بإشارة فهمها من سيده، فحلق عاليًا يستكشف هوية الهدف القريب منهما، وعاد سريعًا يستوطن كتف "ليل" ويميل برأسه على خده، يتمسح فيه بإشارة أن القادم ليس عدوًا مشكوك بأمره، بل شخصًا قريبًا منه وسبق التعامل معه، لذا لم يبالي بهويته طالما لا يحمل إشارة الخطر، بل عاد يمسد على الطائر من جديد.
توقف اليخت على طرف الرمال، وخطى إليه من تمكن من مشاكسته طوال تلك الأيام المنصرمة، وقف عدي الجارحي قبالته، يتمعن به بنظرة باردة، وكأنه لا يحبذ لقائه من جديد، وبينما يتقاتل الجوكر والأسطورة جوًا على متن الطائرة، ستشن الآن معركة أخرى بين البر والبحر، بين ليلٍ جامح ووحشٍ ثائر لا يعرف الرحمة. قطع الصمت الجليدي بينهم صوت عدي الهادر:
_ هي فين؟
رفع رأسه إليه ببطءٍ وأشار بعينيه تجاه الغرفة المنغلقة من حوله، كاد عدي أن يتجه للغرفة، ولكنه توقف محله، بل عاد يتطلع للخيل الذي يرمح من حوله بصدمةٍ، قابل محل وقوفه من جديدٍ، قائلًا:
_ وصل هنا إزاي ده؟!
يقيم داخل برود إن انصهر ربما سيتحدث، هدر عدي بحدة وجنونه قد أشعلها هذا الملثم:
_ أنت مش طبيعي، إزاي قدرت تجيبه هنا، هو إحنا طالعين رحلة!!
واستطرد بصراخ حينما لم يجد أي ردًا منه:
_ ما تنطق إتخرست!!!
منحه نظرة هادئة جعلته يكز على شفتيه السفلية وهو يتوعد:
_ حسابك معايا تقل يا رحيم.
وتركه واتجه للداخل وهو يردد بغيظٍ:
_ كائن مستفز!
فتح عدي باب الغرفة، ليقف مصعوقًا محله مما رأه، فارتد للخلف يعود لذلك الجالس بهدوء، يتمتع بهواء البحر وصوت حفيف الأشجار، وكأنه لم يقتل أربعة منذ سويعات قليلة بدم بارد.
فشل عدي بالسيطرة على هدوئه، فجذبه من تلباب ملابسه يرغمه على الوقوف أمامه، بينما يصيح بانفعال:
_ إيه اللي إنت مهببه في البنت دي؟!! هو إنت إيه معندكش أي خلفية عن التعامل مع أنثى!!
تحرر عن صمته حينما قال ببرود:
_ لأ.
دفعه عدي للخلف بقوة تتناسب مع قوته الجسمانية، مشيرًا بنزقٍ:
_ أكيد طبعًا معندكش، ما أنت عايش في الصحرا مع حصانك والـ… اللي مش بيفارقك ده هيكون عندك خبرة التعامل مع البشر والجنس الناعم إزاي.
ورفع رأسه للأعلى، يسحب أكبر قدر ممكن من الهواء، هامسًا بكره:
_ منك لله يا رحيم!
وعاد يزفر ما التقطه من هواء منعش، متسائلًا بغيظٍ:
_ إنت عندك علم إن اللي جوه دي مرات ظابط مننا، ولا قالولك إنها مجرمة وعايزينها بأي شكل، قولي المعلومات اللي اتقالتلك عشان أعرف اتعاملت كده على إنهي أساس!
رد بجمود وهو يعود لجلسته:
_ متفرقش.
ازدادت أنفاس عدي بشراهةٍ حتى كاد أن يقتل ذلك الكائن المستفز من وجهة نظره، فما كاد بالعودة لها حتى عاد يسأله ببسمة شيطانية مخيفة:
_ معلش اعذر فضولي، هو إنت مفيش في حياتك واحدة؟ يعني متنيلتش حبيت، أو اتجوزت مثلًا مع إني أشك إن في حد ممكن يعمر معاك دقيقة على بعضها.
رفع بنيته له، يتعمق بالتطلع له طويلًا، ليفاجئه بقوله البارد:
_ كان في..
ابتهجت معالم عدي وردد:
_ بجد شكلي ظلمتـ…
_ بس قتلتها بإيديا.
ابتلع عدي باقي كلماته، وتساءل بصدمة:
_ قتلتها إزاي!!
اجابه وهو يلهو مع طائره بجمود:
_ حرقتها.
عبث عدي بمقلتيه بصدمة، وهدر بصعوبة:
_ ده سبب سجنك؟
ابتسم وهو يتلذذ بصدمته البادية على وجهه:
_ عيب يا باشا، لو أنا سبت دليل واحد ورايا يبقى إزاي كنت ظابط مهم في الجهاز!
احتقنت مقلتيه بشراسة، فانحنى يجذبه مجددًا وهو يصيح:
_ إنت جايب الإجرام ده كله منين!! مش خايف أرجعك تاني للسجن؟
قال وعينيه لا تفارق خاصته بقوة وجبروت:
_ اللي بيطلع من بينكم بيموت عشان أسرار بلده تدفن معاه، مقدرتوش تعملوا كده معايا لأنكم محتاجينلي، أي مهمة انتحارية فيها موت بنسبة أعلى من النجاة بكون أول المرشحين ليها، ومع ذلك محدش بيقدر يغصبني أكون موجود، بعمل كل حاجة بمزاجي، وللحظة اللي بكلمك فيها عتاولة المخابرات بنفسهم بيتمنوا إني أرجع لهم وأنا رافض.
وتابع ببسمة ساخرة:
_ قالولي انهم هيسقطوا كل التهم عني عشان أرجع، تفتكر جريمة زي دي مش هيسقطوها عني!
تركه عدي وهو يمنحه نظرة منفرة، وبعصبية هدر:
_ هات المفتاح خليني أغور من وشك.
سحب ليل المفتاح وقدمه له، فغادر عدي وهو يهتف بحنق:
_ يا ويلك مني يا رحيم، معرفش اتلميت على الكائن ده من أنهي مصيبة!!
قالها وغادر للغرفة سريعًا، حرر الضوء المنطفئ، واتجه إليها، تسلل لمسمع شمس صوت دعسات تقترب، رفعت وجهها المدفون أعلى ساقيها التي تقيدها سلسال من الكلبشات، ويدها مضمومة معًا بكلبش آخر، بينما تضم بها جسدها برعبٍ، فما أن وجدت رجلًا يقترب منها، زحفت للخلف وصوت بكائها يمزق القلوب، انحنى عدي تجاهها يشير بيديه بهدوء:
_ أنا آسف جدًا على الطريقة اللي قيدك بيها الكائن المستفز ده، متقلقيش أنا ظابط، وجيت هنا عشان أرجعك مصر.
هدأ بكائها قليلًا، ورددت بصوتها المبحوح:
_ آدهم فين؟
شملها بنظرة حزينة، وقال:
_ اضطر يطلع مهمة فجأة، عشان كده هننزلك مصر لأهلك، عشان تكوني في أمان أكتر.
قلبها لا يصدق أن محبوبها على ما يرام، بل حررت شكوكها بسؤالها:
_ آدهم كويس؟
هو بالفعل لا يعلم الوضع الفعلي له، وحتى إن كان يعلم لم يكن ليصيبها بالقهر، لذا قال بعملية باحتة:
_ معنديش أي معلومات عنه، كل اللي أعرفه إن وجودك هنا خطر عليكي، وإنك لازم تنزلي مصر بأسرع وقت ممكن.
ولج ليل إلى الداخل يتابعهما بنظرة عينيه القاتمة، ارتجف جسد شمس بشكل ملحوظ، وتراجعت للخلف مرة أخرى، فزحف عدي خلفها يقول في آسف:
_ متخافيش ده تبعنا بس هو غشيم حبتين.
وانحنى يفك قيود يدها، ثم قدميها، واستقام بوقفته يخبرها:
_ هدي إشارة وهنتحرك على طول.
وما أن تحرك ليغادر حتى تفاجئ بها تهرول من خلفه، تتبعه وعينيها تتلصصان لذلك المريب برعبٍ، تنحنح عدي بخشونة ومال يفسح لها الطريق لتسبق خطاه:
_ اتفضلي.
أشارت له بامتنانٍ، وأسرعت للخارج كمن طال النجاة، بينما شيعه عدي بنظرة محتقنة هاتفًا بنزق:
_ عندها حق، مهي شايفة التربي قدامها!
وتركه وكاد بتتبعها للخارج، فأوقفته كلمات ليل:
_ تقدر تبعت ابنك مع ابن رحيم زيدان، أنا وافقت أدربه.
استدار إليه عدي يشيعه بنظرة غامضة، ثم قال:
_ وأيه سبب الكرم ده؟
ابتسم من خلف وشاحه، وحرر طائره فحلق تجاه عدي، في نفس لحظة قول ليل:
_ إفرد ايدك، بيقدملك قربان الصداقة يا باشا.
فعل كما طلب منه، فصعد عقاب على ذراع عدي حتى وصل لكتفه، ثم مال على خده يمسح وجهه ومن ثم عاد لصديقه يحتل كتفه، رمش عدي بأهدابه الكثيفة بدهشة:
_ إيه اللي عمله ده؟
قال وهو يمرر يده على ريش طائره:
_ اللي يرتاح ليه عقاب بيكون في خانة الصداقة عندي، والصداقة بالنسبالي إني أشوفك على المدى البعيد، وبما إن ده آخر لقاء بينا أتمنى أشوفك كمان عشرة أو خمسة عشر سنة.
مرر يده على وجهه بثبات يجاهد له:
_ هو ده مفهوم الصداقة عندك!
قال باتزان مخيف:
_ ده المحتمل عندي، أنا مبقدرش أتعامل مع البشر!
اسبر فضول عدي تجاه هذا الشخص الغامض، فابتسم وقال:
_ أوعدك إني هعرف حكايتك كلها وكاملة.
اختزل الحزن عينيه، وقال بصوت ممزق:
_ يبقى هتحتاج لدكتور نفسي يعالجك.
وأضاف ينهي مقابلته:
_ مع السلامة يا باشا.
بالرغم من مشاغبة كل لقاء لهما، ولكنه لمس فيه شيء يتمكن من الشعور به جيدًا، لذا قال مبتسمًا:
_ هيكون لينا لقاء تاني إنت وعقاب.
قالها وانصرف على الفور، يعاون شمس بالصعود لليخت بذوقٍ راق، ليتحرك بهما تجاه النقطة الأساسية، حيث كانت بانتظارهما الطائرة الخاضعة لفريق رحيم زيدان، لتتحرك بهما على الفور إلى مصر.
***
بمجرد دخوله لمكتبه بعد أن انتهى أول اجتماع له، حتى التف من حوله الموظفون السابقون للعمل بلندن، عادوا لبلدهم مرة أخرى للعمل بنفس الشركة.
تفاجئ عمران بوجودهم من حوله، يبتسمون ويرحبون بوجوده بينهم، شعر برغبتهم العارمة في مصافحته فنهض عن مقعده وانضم بينهم يضمهم واحدًا تلو الآخر.
غادر الجميع لمكاتبهم ولم يتبقى سوى "حسام" السكرتير، يتطلع له بحزنٍ، طالعه عمران بغرابة:
_ مالك يا حوس، قالب سحنتك ليه؟
اجابه بضيق:
_ من الصبح بلف معاك في المكاتب والاجتماعات، ومدتنيش الحضن ده، سلامك عليا كان عابر يا مستر!
توسعت رماديته بدهشة مضحكة، وفرق ذراعيه راسمًا ابتسامة واسعة:
_ تعالى خدلك حضن، هي جت عليك يا عم!
ابتهجت معالمه وأحاطه بضمة قوية، بينما يهمس عمران ساخرًا:
_ عوض عليا عوض الصابرين يا رب!
وعاد يرسم ابتسامته وهو يربت على ظهره كالطفل الصغير:
_ يلا يا حبيبي روح شوف شغلك، وكل ما تشتاقلي تعالى احضن لما نشوف آخرتها إيه.
هز رأسه بضحكة واسعة، وغادر على الفور، بينما اتجه عمران لمقعده يتابع عمله، فإذا بحاسوبه الشخصي يستقبل رسالة أخرى من الشركة المجهولة المصدر:
«مرحبًا سيد عمران، لم تخبرنا عن الموعد المناسب للقاء بيننا»
كتب عمران:
«لست موافقًا على عرضك للقائك، لست بحاجة للبقاء في لندن، سأبقى هنا وسأستكمل مشاريعي هنا ببلدي..»
أتاه الرد قاسيًا:
«حاول أن تحسبها بعقلك، هنا سنوفر لك كل ما ستحتاج إليه، بأرباح لم تحلم بها يومًا»
تأكدت ظنون عمران من هوية هؤلاء، فكتب لهم:
«ما الغير واضح بحديثي يا هذا!! عرضك مرفوض!!»
قالها وأغلق حاسوبه بغضب، ثم نهض يحمل مفاتيح سيارته ومر على فاطمة، وغادروا معًا للمنزل.
******
انتقل "آدهم" للمشفى العسكري فور وصول الطائرة إلى مصر، استقبلته غرفة العمليات المجهزة على أعلى مستوى، تشخيص الطبيب المسبق له على الطائرة ساعد الأطباء بكسب وقت لمعالجته سريعًا، بل وتركزت قوة إصابته على إصابة جانبه، وعينيه المتضررة بشكلٍ مؤلمٍ.
مضت ساعة كاملة عليهم ومازالوا يعافرون لإنقاذه، بل ومازال الوقت يطول بهم داخل غرفة العمليات.
******
اجتمعت عائلة "الغرباوي" حول طاولة الطعام، بجو من اللطف والمحبة، وفجأة ظهرت من أمامهم شمس بعينيها المنتفخة من البكاء وخدها المتورم، شعرها الأشعث، تقف قبالتهم وبكائها أسقط القلوب. كان علي أول من هرع إليها، يهتف دون تصديق:
_ شمس!!
تركت فريدة مقعدها وأسرعت لابنتها تصرخ برعبٍ:
_ شمس… بنتي!!
التفت فاطمة ومايا من حولها، بينما سحبها عمران من أحضان فريدة يسألها بصدمة:
_ مين اللي عمل فيكِ كده!!
مالت على صدره تبكي بقهرٍ، بينما يمسد علي على خصلات شعرها لتهدأ، أبعدها عُمران عنه وهو يهزها بعنف:
_ مين اللي عمل فيكِ كده ردي عليا؟؟ وفين آدهم!!
انتزعها علي منه وأشار له بصرامة:
_ سيبها لما تهدى الأول، إنت مش شايف حالتها!
سحبها علي بعيدًا عن الجميع، على إحدى الأرائك، يحاوطها بين أحضانه وهو يحاول أن يهدهدها، مرددًا بحب:
_ اهدي حبيبتي.
مال أحمد إليهما يقدم لها كوب من المياه:
_ اشربي يا شمس.
حمل عنه علي الكوب، وعاونها على ارتشافه، بينما يحوم عُمران من حولهم بأعين مشتعلة، منظرها الغير مرتب لا يدل إلا على شيئين، أولهما أن يكون آدهم قد أبرحها ضربًا وخاصة بتعليم الأصابع على خدها، والخيار الثاني أكثرهما خطورة وهو تعرضها للاعتداء الجسدي سواء من زوجها أو من رجل آخر. عقله سينفجر، ووجهه يزداد بالاحمرار.
توقف عن الخطى ودنى منها يصيح بعصبية:
_ انطقي يا شمس، مين اللي عمل فيكِ كده؟!!!!!
جذبه أحمد للخلف بحزمٍ:
_ عُمران اهدى شوية على البنت، مش شايفها بترتعش إزاي، سيبها تهدى وهنعرف كل حاجة.
رد عليه بعنفوان:
_ مش هقدر أستناها لما تهدى، حالًا تقولي مالها!
أشار لهما علي بهدوءٍ، ثم أحاطها بحنان وقال:
_ شمس إحكيلي اللي حصل يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكِ كده؟
انهمرت دموعها تباعًا، وازدردت صوتها المبحوح:
_ معرفش.
كور عمران قبضته، يحاول أن يتحكم بذاته أكبر قدر ممكن، بكت فريدة وجلست جوارها، تربت على خصلاتها بحنان، وسألتها بقلقٍ:
_ حد عملك حاجة؟
هزت رأسها تنفي ذلك، ورددت ببكاء:
_ في حد قتلهم ومنعهم إنهم يقربولي، لولاه كان آ….
اقتطع عنها الحديث وانفجرت باكية بين ذراع فريدة التي بكت بانهيار وهي تحاول أن تهدئها، هدوءًا لم يصل لعمران الذي صاح بجنون:
_ مين الكلاب دول وحضرة الظابط المحترم كان فيــــــن؟!
تطلعت له بانكسارٍ، وهتفت:
_ معرفش، الظابط اللي جابني هنا قالي إن جاتله مهمة ضرورية، وده السبب اللي خلاهم يتعرضولي.
جلس أحمد على المقعد، يهتف بغرابة:
_ مهمة إيه!!
تحرر وحش عمران القابع داخله، فهدر بعصبية بالغة:
_ مهمة!! مسافرك من هنا لهناك عشان شغله!! أنا كنت شاكك فيه من طريقة سفره المريبة.
قال علي ليهدأ من روعه:
_ آحنا منعرفش تفاصيل اللي حصل يا عمران وآ..
قاطعه حديثه بغضب:
_ تفاصيل إيه اللي مستني تعرفها يا علي!! الحقير ده غامر بمراته عشان شغله!! إنت متخيل إيه اللي ممكن كان يحصلها، وتتخيل ليه ما أنت شايف وشها عامل إزاي، بسبب الحقير ده حد اتجرأ ورفع إيده على أختي أنا! أخت عُمران سالم الغرباوي!!!
واستطرد بوعيد قاطع:
_ أقسم بربي لأندمه على اليوم اللي اتخلق فيه، وتمن اللي حصل لأختي ده هخلصه منه هو.
رفع هاتفه يحاول الوصول لآدهم، وحينما فشل، أشار لعلي بإصرارٍ ونية يخفي غضبه من خلفه:
_ إنت تعرف القائد بتاعه، "مراد زيدان" اتصل بيه وشوفلي البيه ده فين؟
نهض علي واتجه إليه يخبره برزانة:
_ خلينا نستنى آدهم لما يتصل، أكيد عنده تبرير لكل ده، هو بيحب شمس ومستحيل يعرضها لـ..
قاطعه عُمران بإِمْتِعَاض:
_ اتصل بيه حالًا يا علي، بدل ما أسافرله على أقرب طيارة ومش هيهمني حد.
ربت أحمد على معصم علي:
_ اتصل يا علي، عُمران معاه حق، اللي حصل لشمس ده ميتسكتش عليه، وطالما آدهم قافل تليفونه يبقى نكلم القائد بتاعه أكيد عارف مكانه.
حرك رأسه في طاعة، وحرر الاتصال بالجوكر على وضع سماعته، فإذا بصوت المهموم يجيبه:
_ دكتور علي، إزيك.
اجابه بلباقةٍ:
_ بخير الحمد لله، أخبارك إنت إيه؟
رد عليه بوجومٍ:
_ أنا كويس.
تنحنح بحرج، وقال:
_ إحنا كنا بنحاول نتواصل مع آدهم، وللأسف مش عارفين، أختي رجعت من ميلانو بشكل غريب، وبتقول إنه في مهمة! عرفني يا مراد إيه اللي بيحصل من فضلك، فين آدهم وليه ده حصل معاها؟
ساد صمتًا غريبًا، إتبعه صوتًا مضطربًا:
_ آدهم إتصاب وفي أوضة العمليات يا علي، إدعيله.
تفاجئ الجميع بما استمع إليه، بينما تتمزق روح شمس تدريجيًا ليتحرر عنها صرخة زلزلت حوائط المنزل:
_ آدهــــــــم!
سحبها عمران لاحضانه بينما يتابع علي بصدمة، كان الحديث ثقيل على "علي" الذي هتف بصعوبة بالحديث:
_ هو فين؟ في مستشفى إيه؟؟
أجابه مراد بحزن:
_ المشفى العسكري.
رد علي بالم:
_ عايزين نكون جنبه.
= صعب حاليًا يا علي.
_ ارجوك حاول يا مراد، شمس منهارة وإحنا مش هنقدر نكون هنا ونسيبه.
وأضاف علي:
_ أعتقد شخص بمنصبك ده مش صعب عليه يعمل حاجة زي كده، من فضلك.
زفر بحزن لتخيله حالة تلك العروس المسكينة، فنطق بتفهم:
_ تمام، هاديهم تعليمات بدخولكم، بس بلاش تعرف والده يا علي.
= لا مش هقوله حاجة، لحد ما نطمن.
أغلق علي الهاتف، وركضت شمس إليه تترجاه ببكاء:
_ خدني معاك يا علي، بالله عليك خدني.
ربت على ظهرها بحزن وقال:
_ إنتِ راجعه تعبانه، ريحي وانا هطمن عليه وهطمنك عليه طول.
امسكت معصمه تتوسل له بانهيار:
_ مش هقدر صدقني، عشان خاطري يا علي، وديني عنده.
تألم عمران لأجلها، فجذبها إليه، وأشار لفاطمة وزوجته قائلًا:
_ ساعدوها تغير هدومها، وأنا هجهز العربية حالًا.
أبدلت شمس ملابسها، وانضمت لعلي، وعمران الذي أصر باصطحاب آيوب برفقته، أرسل رسالته إليه وحينما وصلت سيارته حارة الشيخ مهران، وجده بانتظاره.
انحنى آيوب تجاه نافذة عمران، يهتف بانزعاج:
_ وبعدين يا عمران، ما أنا لسه سايبك من ساعة!!
صمته الغريب، انقباض ملامحه الواجمة، زرع القلق داخله، وما زاد من توتره حينما وجد شمس تجلس بالخلف جوار علي، تعالى صوت أنفاسه المضطربة وبارتباك حرر صوته المكبوت:
_ مش شمس مع آدهم!!
ازداد بكائها بشكل جعله يضور بهلعٍ:
_ اخويا ماله يا عُمران؟؟؟؟
كسر سكونه المطول، قائلًا بوجعٍ:
_ اركب يا آيوب.
صعد جواره يوزع نظراته بين تلك المنهارة بين ذراع علي، وبين عمران اللامع عينيه بالدموع تأثرًا بشقيقته، فتيقن بأن هناك أمرًا مؤلمًا يخص أخيه، وجل ما يتردد لمسمعه جملته الأخيرة:
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!..»
******
جسده المتهالك ملقى فوق الفراش الطبي، ومن فوقه يوضع كشاف ضخم مسلط على بطنه وجزء مسلط فوق عينيه بالتحديد، الأطباء يهرلون من حوله وجل ما يتردد لمسمعه الخافت:
«رائحة الموت تحوم من حولي، وليس لي مناجي سواك، فاللهم إن كانت هذه لحظاتي الأخيرة، فأجعل من نفس اللحظة حياة جديدة لها، اللهم إنها العزيزة، والحبيبة، والرفيقة، اللهم إنها كانت خير زوجة لي فاحفظها ولا تجعل مصيرها مرهون بي، لا تجعلها تدفع ثمن عملًا أخلصته لوجهك الكريم، اللهم إني لا أطيق فراقها فأجعلني حيًا بقلبها، فتتذكرني كل حينٍ، وتدعو لي بالرحمة والمغفرة، وحينها سيرقص قلبي طربًا بأنها مازالت تحبني… مازالت تتذكرني!!»
دمعة تدللت من حرقة عينيه رغم أنه فاقد الوعي تحت تأثير المخدر القوي، بداخل أعماق روحه يناديها بكل كيانه:
_ شمـس!
شمس عالمه غربت فبات مظلمًا كسواد الليل المهجور عنه الضوء، يمتلك جسده القوة ولكنه دون الحب كالخرقة البالية، هو لا شيء دونها!
ليته يعود إليها، يضمها لصدره، يشم ريحها، ليده لمسة أخيرة بين خصلاتها، ولأنفه رائحة تخص عبيرها، جسده تكون هي أخر من تمسه وهي بين أحضانه، ليته يمنح فرصة ليستغلها بقربها الذي حُرم باكرًا منه!!
على بعدٍ من روحه وجسده المعذب، وصلت شمس تهرع لباب غرفة العمليات، تبكي دون توقف، وعلى بعد منها حيث يقف الجوكر برفقة علي، تسلل لمسمعها قوله:
_ بقاله تلات ساعات جوه!
سكن جسد آيوب وتجمد بعدما فهم الآن سبب تلك الحالة المكتسبة الوجوه، علم الآن سبب تواجده بذلك المكان، لم يمتلك الوقت لاستيعاب ما يحدث، فإذا بالباب يفتح ويخرج منه الطبيب، ينزع كمامته ويتحدث بعملية باحتة مع مراد ومن حوله:
_ قدرنا نسيطر على النزيف لما رجع مرة ثانية، بس للأسف عينه أنا شاكك إنها اتضررت جدًا، وخاصة إن زي ما حضرتك قولت إن نوعية العدسات اللي كان لابسها العين متقدرش تتحملها لأكثر من أربعين دقيقة لساعة كاملة بالكتير، فده أثر عليه جدًا.
سأله عمران بحزن:
_ يعني إيه يا دكتور؟
رد عليه بعملية باحتة:
_ يعني في احتمال إن نظره يكون اتضر، وده للأسف مقدرش أحدده إلا لما يفوق وآ..
قاطعته الممرضة حينما هرولت إليه صارخة:
_ النزيف رجع تاني يا دكتور.
ضمت شمس فمها تكبت صراخها، ومازال علي يضمها بتمكن، تلجلج الطبيب قبالتهم، فسأله رحيم الذي انضم إليهم للتو وتابع حديثه باهتمام:
_ في إيه؟؟
رد عليه بخيبة أمل:
_ الحالة حرجة ونزفت كتير، استخدمنا كل أكياس الدم اللي من نفس الفصيلة، استهلكنا الموجود.
سأله علي بلهفة:
_ فصيلته إيه؟
أجابهم الطبيب:
_ o+
استدار مراد بنظراته الغامضة تجاه آيوب التائه كالذي يتلقي ضربات متتالية، جعلته لا يقوى على فهم واستيعاب ما يحدث، وكأن الأحداث غير مفهومة بالنسبة له، وقف مراد أمامه وقال:
_ فصيلتك؟
هز رأسه ببطءٍ، ودون أي كلمة إضافية أشار الطبيب للغرفة متعجلًا:
_ اتفضل معايا.
اختل توازنه حتى تعثر بعمران الذي سانده وهو يهمس له بشفقة:
_ إجمد يا آيوب، آدهم محتاجلك.
تعمق بعينيه ومازال يتوهم ما يحدث، عاونه عمران حتى ولج من باب الغرفة، واختفى للداخل، وجد الممرضة تفرد الستار العازل بينه وبين الحالة، لتسحب منه العينة في وضع غير استعدادي لاستقباله بذلك التوقيت، المعتاد لديهم أن يسحبوا الدماء بغرفة خارجية، ولكن لتدهور الحالة سيتم السحب والإيصال بالمريض مباشرة لمحاولة إنقاذ حالة آدهم الحرجة.
وبينما تجذب الستار، رآه آيوب قبالته، لقد تخلى عن شموخه وقوته الذي اعتاد رؤيتهما فيه دومًا، من يتمدد جواره شخصًا لا يعرفه، ملامح وجهه تشبه ذلك الضابط المغوار، ولكنه ليس بهذا الهزل، اختل توازنه وسقط على الفراش الذي وضعته الممرضة للتو، أشارت له بأن يتمدد فاستجاب لها على الفور، ودموعه تنشق على طرفي عينيه.
اندس المحقن بوريده ومالت من خلف الستار تجذب يد آدهم وتفعل المثل، تسنى لآيوب رؤية ذراع أخيه والفاصل بينهما ستار أبيض ملعون!!!
مد آيوب يده الأخرى يلامس كف أخيه البارد، ودموعه تستفيض عن جفونه معبرة عن انكسار قلبه وروحه وكل ما تبقى منه، بل حرر صوته الهامس يترجاه:
_ متسبنيش يا آدهم، أنا ملحقتش أشبع منك، ملحقتش أفرح إنك مني، ملحقتش أشكيلك على وجعي الكبير من الدنيا، أنا لسه محتاجلك جنبي، نفسي أتحامى فيك من كل اللي اتعرضتله، عايزة أشتكيلك وتأخدني في حضنك.
ازداد بكائه كالطفل الصغير، وشريط حياتهما معًا يمر أمامه، جمل من مقتطفات ماضيهما معًا:
«يمكن لانهم بيقولوا الدم بيحن وانا وانت حنينا لبعض من اول لقاء جمعنا في شقة سيف»
«عرفت ليه بطلت اناديك بابن الشيخ مهران؟ لانك مش ابنه يا ايوب انت اخويا أنا!!..»
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!…»
تعالى صوت بكائه كالطفل الصغير، وصرخ بانهيار:
_ يا رررب.
تسلل إليه صوت الطبيب الذي صرخ بهم:
_ هاتي الجهاز بسرعة.
رفع آيوب الغطاء وتطلع لهم برعبٍ، فإذا بالطبيب يهبط على صدره العاري بصعقات من الكهرباء، مرة والثانية تفوق قوتها، ثم الثالثة، صفير الجهاز الذي انتقل نبضه لخط مستقيم، صراخ الممرضة يقتحم عقله:
_ بنخسر المريض يا دكتور!
عاد يعيد الصعقات الكهربائية بشكلٍ أقوى من السابق، بينما يخطو آيوب للداخل كالذي ينازع للحياة، مال على الفراش الملطخ بدم أخيه وناداه ببكاء:
_ آدهــــم أنت وعدتني إنك هتكون سندي وضهري في الدنيا، هتسبني محني لباقي عمري من غيرك!!!
وحركه بعنف وهو يصيح بصوته المبحوح:
_ أنت مش قد وعدك بتوعدني ليـــــــــه، بتقولي مش هتسيبني بتسيب ايدي ليــــه، بتكدب عليا!!!!
صاح الطبيب بالممرضات:
_ طلعوه بره بسرعة.
اتجهت الممرضة إليه تحاول إبعاده عنه، تحاول أن تشرح له أن ما يفعله خاطئ، تحاول حتى أن تدفعه للفراش المقابل، ولكنه تمسك بذراع آدهم وهو يعود لصراخه من جديد:
_ أنا مزعلتش منك يا آدهم، بس لو عملتها وكسرتني بالشكل ده مش هسامحك ولا هغفرلك.
سقط أرضًا جواره ومازال المحقن متصل بين كلاهما، بكى كالطفل الصغير، بكى وقد جعل الطبيب وفريق التمريض تدمع أعينهم من شدة تأثرهم بحديثه:
_ أنا محتاجلك أكتر من أي وقت، أنا طول عمري لوحدي، جنبي مية صاحب بس ماليش أخ من دمي، ومن لما قابلتك لمست فيك الحنان اللي اتحرمت منه، جاي دلوقتي تحرمني منك، ليه عايز تكون بالقسوة دي عليا، ليه عايز تكرهني فيك زي ما كرهت مصطفى الرشيدي!!
وتابع وهو يميل على كف يد آدهم يقبله ودموعه تغرق كفه:
_ قوم متوجعش قلب أخوك وهو بينزف من الوجع! قوم يا آدهم!
تدفقت دمعتين من أعين آدهم جعلت الطبيب يتطلع له بدهشة، عادت مؤشراته طبيعية بشكلٍ مخيف، وبالرغم من تخديره الكامل الا أنه ردد بهمس كان مسموع بفضل الصمت المتطرف على الجميع:
_ آيــوب!