تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
الفصل 107 — رواية صرخات انثى الفصل 107 - بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل 107 - بقلم ايه محمد رفعت
أضرم النيران بكومة من القش، وانتظر أن يشتعل فيها اللهب، ولكن أصابته الحسرة حينما وجده يطالعه ببرودٍ، وثبات يُدرس للأجيال، وكأنه فقد حاسة السمع للتو.
ازدرد "عُثمان" ريقه بتوترٍ من جمود ملامح الطاووس، الذي كسرت ثباته الفعلي ابتسامة، ويا لها من بسمة مقبضة للأخير.
راقبه من نفس محل قربه، ومازالت ساقه يستند بها على المقعد الحديدي، وبصوتٍ خرج رزينًا، هامسًا:
_ لو كان علي إختيارك إنت كمان كنت عفيت عنك يا عثمان.
توسعت مُقلتيه في صدمةٍ، بينما تتسع ابتسامة عُمران بانتشاء لرؤية الرعب يكاد أن يقبض روحه:
_ يا ريتك كنت ذكي كفايا، واستوعبت إن خروج بنتك من قصر الغرباوي عمره ما هيتم وموجود فيه دكتور علي الغرباوي.
وتابع بشماتة ضاحكة:
_ عيني عليك وإنت بتاخد الصدمة من رد فعل علي، صدم أمك صح؟؟
كاد أن يسقط بالمقعد من فرط التصاقه بأخره، والخوف يجلجل بدنه، بينما يستكمل عُمران حديثه:
_ كنت فاكر إني الصايع الوحيد اللي بيعرف يلاعبك، بابا علي المثقف ختم قفاك بقلم هيفضل معلم على قفا أمك العمر كله.
قبض أسنانه ببعضهما، ودفع المقعد بساقه، فسقط أرضًا بمقعده متألمًا، والهلع يقتحمه بلا هوادة، مما سيفعله به عُمران.
انحنى إليه يقابله بنظرة غمسها بالقسوة والكره، قبل أن يحرر كلماته:
_ الست اللي تعاشر عُمران سالم الغرباوي، عمرها ما هتشوف راجل تاني من بعده.
ابتلع ريقه بصوتٍ مسموع، وقال باضطرابٍ من خوض تلك المعركة التي سيكون أول خسائرها روحه:
_ حتى لو كان الراجل ده هو علي الغرباوي نفسه؟
سيطر على بوابة جحيمه الساطعة من رماديتاه التي فقدت كل جاذبيته وتوارت خلف تلك العاصفة خوفًا وطمعًا بمسكنٍ آمن، ومال إليه يفاجئه بلف يده حول عنقه، يرفعه تجاهه بجمودٍ بينما الاخير يسعل ويحاول تحرير ذاته من قبضة كانت كالفولاذ، ليصم أذنيه بخشونته المهددة:
_ بتلعب مع مين يا عثمان، إعرف مقامك وشوف مين اللي قدامك، وقبل ما عقلك يصورلك إنك هتكرهني في أحب الناس على قلبي، افتكر أنك متملكش القوة إنك تقف في تحدي وإنت بعمرك وسنك ده، هتفرفر مني من أول جولة!
وأضاف قبل أن يطرق عنقه:
_ وعشان فضولك ميقتلش أمك، خليني أكرمك مرة أخيرة لأجل عيون بنتك، لو كان ربنا كاتبلي الموت ورزق بنتك وكان ليها فرصة مع علي، فصدقني ده الشخص الوحيد اللي هأمن على مراتي وابني معاه، وعندي كل الثقة إنها لو فضلت معاه مليون سنة عمر عينه ما هتترفع في عينها.
وختم بقوله وابتسامة فخر تحتله:
_ كل أخلاقي الكويسة اللي جوايا راجعه للي زرعه علي الغرباوي جوايا، والبلطجي اللي بيتصرف معاك دلوقتي ده إتربى على إيدي أنا، ودلوقتي وقت حسابك جيه.
قالها ودفعه أرضًا، بينما الاخير يزحف للخلف برعبٍ من سماع كلماته الاخيرة، ماذا ينتوي إليه؟
تراجع لأخر الغرفة، وترجاه بتعبٍ:
_ هتعمل أيه يا عُمران، ده أنا في مقام أبوك يابني.
تمردت ضحكة رجولية منه، وصاح بتهكمٍ:
_ هو إنت كنت أب لبنتك عشان تكونلي أب، إنت عندك عجز في سد الخانات يا حمايا العزيز.
ومال إليه يصوبه بنظرة حارقة، قبل أن يخبره:
_ واجبي هيوصلك جوه الزنزانة، كل الرفاهية اللي أخدتها جوه السجن بسبب مركزك الآرستقراطي العبيط أنا هجردك منه، من اللحظة دي هتتنقل زنزانة جماعية، وخدمتهم كلهم هتكون عليك.
هز رأسه بصدمة، وقال:
_ حرام عليك، أنا مش آ..
قاطعه حينما هدر بسخطٍ:
_ معرفتش تقوم بدورك كأب هتحاول تكون أم مثالية، طبيخ وغسيل ومسح والذي منه.
واضاف بابتسامة ساخرة:
_ مش عايز حد من العيال يشتكيلي منك يا عثمان، عايزك تشرفني باختياري المثالي ليك.
وربت على كتفه ببرود ضاحك:
_ طالت عليك و وراك غسيل، أسيبك تشوف أشغالك، وكل ما نار اشتياقك ليا تزيد طفيها وإنت بتمرش الغسيل، وكتر الإريل متبقاش بخيل يا عثمان!
ولف ذراعه من حوله، فبدى وكأنه يضمه ولكنه كان يخنقه من فرط قوته الجسمانية:
_ مش عارف أقولهالك إزاي، بس مضطر أنصحك تحافظ على نفسك وسط الاوباش دول، أصلهم بيتعاطوا، فحاول متظهرش بليل قدامهم ليتلخبطوا فيك!
وتركه ونهض واقفًا بشموخٍ، ونظرة تشيعه بكرهٍ وحقد، يلتمعان برماديتاه، وهو يتذكر بكاء زوجته بين ذراعيه في صباح هذا اليوم، فبرع بالحفاظ على أعصابه، وقمع كل الافكار الشيطانية التي تطالبه بقتله، أو بزيادة أنواع العذاب الذي يملك سلطانا لها، ولكنه ولاجلها اختار أبسط الاشياء، بالاتفاق مع هؤلاء المجرمين الذين سيرافقهم بالحبس، حسنًا لقد كذب بجزئية أنهم يتعاطون المخدرات ولكن ليجعله يموت في جلده كل يومٍ، مثلما كتب الخوف والترقب مما كان سيفعل لزوجته، قرة عينه وقلبه!
أتجه ليغادر من الغرفة، تاركًا الاخير يتخيل نهايته البشعة بوقوعه بهذا المستنقع، وقبل أن ينجرف عن الباب الذي يحده اثنان من العساكر، استدار يخبره بنبرة واثقة لا تليق سوى بطاووس وقح مثله:
_ خليك عارف إن نيتي معاك كانت الاحترام، وأنت اللي قليت بأدبك وخلتني أحط عليك وبالجامد، من غير سلام لإن اللي زيك ميستهلوش!
سئم "جمال" من المماطلة أمام الوفد الفرنسي، وكل لحظة والاخرى كان يتفقد هاتفه، عسى أن يتلقى رسالة صريحة من عُمران أو فاطمة، ولكن الأمر ينتهي دون أي جدوى، ومع بلوغ الثلاث ساعات بالانتظار، وقف إحدهم يهتف بضيقٍ:
_ ما يحدث هنا إهانة صريحة لنا سيد جمال، لقد انتظرنا قرابة الأربع ساعات ولم يأتي بعد، لم نعتاد على عدم التقدير منكم، ولأكن صريحا سيكون هذا أول وأخر تعامل لنا رفقتكم.
_ ومن قال بأنه سيكون هناك تعامل بيننا بالاساس!
قالها الطاووس وهو يدلف لصالة الاجتماعات، بخطاه الواثق، فإذا بالجميع يقفون في أماكنهم بدهشةٍ وقلق من تصريحه، بينما يتطلع له جمال بذهولٍ من حدة نبرته المندفعة، وطريقته الغريبة بالحديث.
استكمل "عُمران" طريقه للمقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة، اعتلاه وهو يصوب نظراته للوفد الفرنسي المكون من ثلاثة رجال، نطق أحدهم بلطف اصطنعه لتلطيف الأجواء:
_ العفو والسماح منك سيد عُمران، ألبرت لم يقصد التقليل من احترامك.
لف مقعده المهتز تجاه محل وقوفه، ويده تطرق بقلمه الثمين من فوق الطاولة البيضاوية:
_ ومن سيترك له الفرصة للتقليل من شأني أندريه!!
قبل أن يفكر بفعلها كان ليفكر ألف مرة.
وأضاف ومازالت عينيه تجوب من يقف أمامه مستاءا:
_ يظن نفسه ذكيًا، يتحاشى التقليل مني ويفعل عكس ذلك لشريكي!
زم ذراعه رفقة الاخير وهمس له:
_ اعتذر للسيد جمال على الفور، والا لن يتمم السيد عُمران عملنا.
أذعن لمطلب رفيقه، واستدار تجاه جمال المدهوش لما يحدث قبالة عينيه، وأبدى اعتذاره أكثر من مرةٍ، ثم نظر تجاه عُمران ينتظر سماع رأيه فيما فعله، فقال ومازال يحرك مقعده بثبات:
_ بامكانكم الرحيل والعودة غدًا، سيخبركم سكرتيري الخاص بالموعد الجديد.
تطلعوا لبعضهم البعض، وانسحبوا بهدوء تاركين الغرفة الواسعة تحوي الرفيقين، وبمجرد خلو القاعة تحرك جمال من محله، وإتجه إليه يحرر دهشته بسؤالٍ حائر:
_ ممكن تفهمني أيه اللي بيحصل ده، وطريقتك بالتعامل مالها!!!
وأخيرًا سمح لنفسه التفرس بملامحه، فاحتل الحزن مُقلتيه حينما لاحظ انتقاص وزنه الملحوظ، لقد أدماه فراقه عنه، وجسده الهزيل يقص كل المعاناة التي حكاها، وبينما هو غارق بتأمله هز جمال المقعد وهو يناديه بقلق:
_ عُمران جاوبني!
رفع "عُمران" يده، يفك ازرار قميصه الأسود، بعدما نزع عنه جاكيته ببطءٍ أثار فضول جمال وريبته حول ما أصاب رفيقه الذي يتصرف بغرابة، أشمر عن ساعديه وإنتزع ساعته الباهظة، بينما يعود جمال لهزه مجددًا:
_ فهمني بتعمل أيه؟؟؟
رد بهمسٍ خافت وهو ينحني ليضع خاتمه جوار الساعه:
_ خايف تتعور.
عقد حاجبيه بعدم فهم:
_ أتعور من أيه؟
أجابته لكمته التي أصابت أنفه، فطرحته أعلى الطاولة الزجاجية الضخمة، وعينيه تتسع في صدمة، بينما يرنو إليه عُمران بخطواتٍ متهدجة، جعلته يردد بقلق:
_ عُمران إنت جرالك أيه، اهدى كده وإعقل، انا هتصل على دكتور علي حالًا يجي يشوف جرالك أيه؟
طرحه بعنف على الطاولة مجددًا حينما كان بطريقه ليجذب هاتفه من جاكيت بذلته المعلق على مقعده، بينما يميل تجاهه وهو يصيح بغيظٍ:
_ إنت الوحيد اللي حسيت ليه بالارتياح ويوم ما أجيلك بيتك تقابلني بلكمة يا حيوان!!!
وتابع ومازال يده تجذب قميصه بغضب:
_ بتستغل إني ناسي كل حاجة!!
اتسعت عينيه بذهولٍ، بينما يسترسل عُمران:
_ ثم إنك عامل في نفسك كدا ليه!! وأيه القرف اللي إنت لبسه ده!! حارم نفسك من متاع الدنيا بسبب موتي وإنت السبب فيه، لو كنت سمعت كلامي ونطيت من غير ما تعيش دور سي روميو العاشق كان زماني نفذت من اصابتي وكنت على الاقل ربيت الكلاب دول، بس انت كالعادة مخلوق عشان تعاندني وبس.
أدمعت عيني جمال بعدم تصديق، بينما يستطرد الطاووس بعنجهيةٍ:
_ اديني رجعتلك أهو وهنصفي القديم والجديد يابن أشرقت!!
تهاوت دمعته دون أي قيد، وهمس بعدم تصديق:
_ عُمـران!!!
خيم الحزن عليه وانشق قلبه لما حدث له، وكأن تلك اللحظة هي الاولى لرؤياه، فسانده ليستقيم بجلسته، ثم عدل من قميصه الغير مرتب بشكلٍ لائق، وانحنى يجذب جاكيته، وساعده بارتدائه، وجسد جمال ينساق خلفه دون أي تحكم منه، فقط نظراته المندهشة تتابعه بعدم تصديق، وما أن انتهى حتى استدار يجذب من جيب جاكيته الخاص مشط صغير، ومال يرفع به شعر جمال، قائلًا بضيقٍ:
_ مصمم على تسريحة عبحليم بردو، الظاهر أنك كسرت كل تعليماتي في غيابي، بس وحياة أمك هترجع تسف كل اللي فاتك عشان تتلاشى غضبي، وأولهم إنك ترجع لوزنك تاني.
وتابع ساخطًا:
_ فكرك إنك كده هتصعب عليا يعني ومش هنزلك معايا الجيم، بعينك يابن أشرقت، هتنزل معايا يعني هتنزل.
وأضاف مازحًا:
_ بفكر أعملك إنت وعلي مختوم من صنع ايدي، هتجيب معاكم من الأخر.
تمعن به حينما وجده يتابعه بصمت، فقال مبتسمًا:
_ أيه يا جيمي مش مبسوط أني رجعت ولا إنت كنت حابب تبدأ المنافسه على مكانتك من أول وجديد؟!!
تحرك إليه جمال باكيًا، وارتمى إليه محاوطًا عنقه ببكاءٍ بدد من ثبات عُمران، فضمه وهو يردد بصوتٍ محتقن بالبكاء:
_ عملت في نفسك كدليه يا جمال؟ أنا معرفتكش!!
شرع بتحرير صوته الباكي هاتفًا:
_ ولو كنت إتاخرت في ظهورك كنت هموت وراك، أنا حياتي كلها وقفت على مشهد موتك!
ربت على ظهره وقال وهو يجاهد لزرع المرح بينهما:
_ وأديني رجعتلك أنظملك حياتك البائسة دي من تاني، بس على الله متزهقش مني، بس ناويت والنية لله أعملك عملية ترميم من تاني، هبدأ من البدروم وسقف الدور الأول، هتستحملني ولا هتنخ من أولها!
ضحك وهو يبتعد عنه، ويدفعه بمزح:
_ لا ارجع مكان ما كنت، أنا كنت عايش مرتاح وبنط في أول لبس يقابلني، مش عايز أرجع اقف قدام المرايا ساعتين أنظم في نفسي عشان خوفي منك.
شاركه الضحك وهو يخبره:
_ ياض لازم تبقى شيك وجنتل مان، أنت بمنظرك ده مش محصل حتى صبي جزارة، والله حمص في الرمق عنك.
زوى حاجبيه باستغرابٍ:
_ مين حمص ده؟
مال يلتقط جاكيته وقال وهو يلف ذراعه حوله ليحركه تجاه الخارج:
_ هحكيلك بس ننزل أي مطعم أزغطك الأول، لحسن أنا حاسس إنك هتقع مني.
وأضاف وهو يضغط على زر المصعد:
_ اللي يشوفك يقول أن انت اللي داسك قطر الموت مش أنا!! ده أنا صالب طولي عنك!!! هموت وأعرف شوشو سكتت عليك بالوضع ده ازاي!!
أجابه ببسمة ساخطة:
_ محدش يقدر عليا، دماغي ناشف وحجر صوان ولا نسيت!
زم شفتيه بتهكمٍ صرح عنه:
_ ده على أمك يالا مش عليا، خف شوية عشان خلقي ضايق ودراعي سابقني، وإنت أصلًا مفيش فيك نفخة.
واستطرد بشفقة مضحكة:
_ ده انا كنت ناويلك على نية، بس خوفت لتتقطم في ايدي، بقيت شبه خلة السنان يا جمال!!
وربت على كتفه وهو يطمئنه مازحًا:
_ بس متقلقش يالا ولا يكون عندك أي خوف، أنا مش هتخلى عنك أبدًا، وهعالجك بعون الله، هخليهم يتوصوا بالسمنة البلدي وكل الأكل الدسم، لازم ترجع و بأقصى سرعة، عشان احساس الذنب اللي عندي ده يختفي، المهم أي حاجة تنزل على التربيزة تأكلها وانت ساكت.
وأضاف وهو يعتصر رأسه بالمأكولات التي ستعاونه برفع وزن جمال بأيام معدودة:
_ هنكتر من الكوارع والحمام المحشي، وكمان الفطير البلدي والمحاشي والذي منه.
واستدار يشمله بنظرة تقيمية:
_ أنت محتاج لكل حاجة فيها دهون، بفكر أخليهم يعملولك خروف بحاله، أيه رأيك؟؟
رد عليه وقد غلب نوبة ضحكه:
_ لو هتأكل معايا معنديش مانع.
أجابه عُمران بجدية جعلت كلاهما يسقطان من فرط الضحك:
_ أمال هسيبك تتدلع لوحدك بروح أمك!!!
انتهى من مهمته حينما ساعد عُمران بالوصول لأهدافه داخل المعتقل، وها هو يتجول بلا وجهة بسيارته، ليقطعه صوت رسالة هاتفه على الواتساب، فتحها ليجد أخاه يستنجد به:
«آدهم إلحقني بسرعة، أنا واقع في مشكلة، بعتلك اللوكيشين، تعالى بسرعة!»
ارتعب فور أن انتهى من سماع الرسالة، وعلى الفور انعرج بسيارته تجاه الموقع المرسل، ولحظه أنه كان على بعد عشر دقائق منه.
كونه ظابطًا محترفًا، إعتاد التصرف بحكمة وذكاء، فلم يشغل عقله بالاتصال، حتى لا يربك عقله عن القيادة، فيطول طريقه عن العشرة دقائق.
وصل "أدهم" للموقع المنشود، فإذا به يتجمد على مقعده من دهشته، المشهد برمته كان غريبًا، سيارة أخيه موضوعة اعلى الحاجز الإسمنتي الصغير، المصفوف بمحاذاة الرصيف، ومن أعلاه يجلس آيوب داخل السيارة، ويلتف من حوله مجموعه من الرجال يحاولون أن يجعلوه يقفز من السيارة ولكنه يرفض بإصرارٍ عنيف.
هبط أدهم من السيارة واستطاع ان يفض الجمع، بينما يطرق على أسفل باب السيارة، مشيرًا له بأن يفتح الباب، ففتحه وهو يخبره بحزن:
_ شوفت يا ادهم اللي حصل؟!
منع ابتسامة ساخرة من الانفلات:
_ مش انا لوحدي اللي شايف يا آيوب.
وتابع بسؤالٍ هام:
_ قولي أيه اللي طلعك الطلعة دي؟
توترت معالمه وكأنه طفلًا سيتعرض للعقوبة:
_ شوفت الطلعة اللي قبل الحاجز.
استدار آدهم للخلف يتمعن بما ذكر، وعاد يتفرس بأخيه الذي قال بحرج:
_ شوفت عُمران طلعها قبل كده ونزل منها عادي، بس معرفش لما عدتها أيه اللي حصل معايا، ملمستش بعدها الرصيف، العربية طارت وكملت على الحاجز اللي في نص الطريق، زي ما انت شايف كده!
تحررت ضحكته الرجولية، وهز رأسه هاتفًا:
_ شايف، وحاسس ان سقف طموحاتك عليت أوي، كنت لسه بتتعلم تطلع بالعربية، دخلت في الطيران من غير ما تضيع وقت، طموح انت أوي!
زم أيوب شفتيه ضيقًا:
_ انت بتضحك!!
رد عليه وهو يتفرس باصابة السيارة، التي استهدفت اسفلها:
_ مش عارف أهنيك على النطة ولا أواسيك على الخبطة!
منحه نظرة غاضبة، فكبت ضحكاته بصعوبة وهو يفرد ذراعيه له:
_ تعالى يا حبيبي، انزل.
لف رأسه باصرار:
_ مش نازل قبل ما عربيتي تنزل.
فشل في السيطرة على ضحكاته مجددًا، وادعى الرزانة والتعقل بحديثه:
_ الواقعة الحريفة دي عايزة ونش ينتشل العربية من فوق الحاجز، مينفعش معاها كتل بشرية يا بوب.
لف رأسه له مجددًا، واقترح ببلاهة اسقطت أدهم ضحكًا:
_ ما تزق من ورا لحد ما نوصل لنهاية الحاجز تقوم العربية نازلة طوالي، كده كده الحاجز مش عالي اوي.
أتاه الرد من بين سيل ضحكاته:
_ حد قالك إني هركليز عصرك، إنزل يا آيوب إنزل الله يسترك دنيا وأخرة.
احتقنت نظراته الاندفاعية تجاه أخيه، وباصرار طفل صغير قال:
_ طيب خلاصة الليلة دي يا أدهم إني مش نازل طول ما عربيتي متشعلقة الشعلاقة دي، اتصرف هات الونش ينزلها وأنا فيها، واعتبره تهديد بقى!
عقد حاجبيه بدهشة من أفعاله الطفولية:
_ الناس هتتلم علينا تاني يا آيوب، انزل وبطل لعب العيال ده.
ردد بتحدٍ وضيق:
_ هننزل مع بعض، مش هسبها كده.
منع ذاته من أن يشتبك معه لفظيًا، وسحب هاتفه يحرر اتصالًا بأحد الظباط، وما ان أنهاه حتى أعاد الهاتف متمتمًا بانزعاج وهو يدس يده بجيب بنطاله:
_ لما أشوف أخرتها معاك أيه؟
طرقت باب الغرفة مرارًا، وانتظرت أن يفتح بابه، فإذا بصوته الهادئ يأتيها:
_ تعالي يا خديجة.
ولجت للداخل تبحث عنه، فوجدته يجلس على سجادة الصلاة، ومن خلفه يغفو صغيرها على الفراش، انتظرت حتى انتهى من التسبيح وقراءة آية الاخلاص والفلق والناس والكرسي ثلاث مرات، تعلم جيدًا قيمة تلك الايات خلف كل صلاة، مثلما علمهم الشيخ مهران.
انتهى عما يردد ونهض يحمل سجادة الصلاة، يضعها على ذراع المقعد، ودنا يتساءل:
_ قولي اللي مترددة تقوليه وباين في عيونك.
سحبت نفسًا عميقًا من أنفها، ورددت بكل عزيمة:
_ انا أخدت قراري يا يونس، وهعمل العملية.
ترقبت رد فعله بارتباكٍ، رغم أنه بالاوقات الماضية شرع له موافقته المبدئية بما تريد، فاذا به ينهد بحزنٍ بدى بفيروزته، وانتقل عكسه بصوته الهادئ:
_ اللي يريحك أنا معاكي فيه يا خديجة، معانا رقم الدكتورة اللي دكتور علي ادهوني، هنحجز ونروحلها، واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
حُلت عقدة وجهها المترقب لردة فعله، ومالت إليه تلجئ لضمة صدره، فأحاطها بكل ترحابٍ، فرددت على استحياءٍ:
_ أنا عارفة إنك كنت معارضني في قراري ده، وقبولك بيه دلوقتي عشاني، شكرًا يا يُونس.
قوى ضمته لها، وقال بعشقٍ صادق:
_ ميهمنيش غير راحتك إنتِ يا ست البنات.
اتسعت ابتسامتها والراحة تتسلل لها، لتمنحها شعور الأمان كلما كان هو لجوارها، وفجأة انتفضت بين ذراعيه حينما اندفع فارس عليهما، فتمردت الضحكات بينهم، وقد التقفه يونس بين ذراعيه هو الآخر.
وصلت سيارة "علي" في نفس لحظة وصول سيارة "أحمد"، هبطت "فريدة" برفقته، وما أن رأت علي يخرج من سيارته برفقة فاطمة حتى اتجهت اليهما مبتسمة:
_ عديت على فاطيما في الشغل ولا اتقابلتوا برة يا دكتور؟
ردت فاطمة بابتسامتها الرقيقة:
_ مرحتش النهاردة يا فريدة هانم، روحنا لزينب وبعدها اتمشينا شوية بالعربية.
تعجبت من سماعها لما قالت، وتساءلت باسترابة:
_ غريبة إنك منزلتيش الشركة النهاردة، طمنيني أنتي كويسة؟
اتخذ علي محلها بالاجابة حينما حاوط والدته بحنان:
_ اطمني حبيبتي، فاطمة كويسة، بس زينب كانت عازمانا عندها وعُمران كده كده نزل الشركة مع جمال النهاردة.
وأضاف وهو يتابع عمه الذي اقترب إليهم بعدما صف السيارة:
_ طمنوني يومكم كان عامل ازاي؟
اجابه أحمد مبتسمًا:
_ ممتاز يا علي، كويس انك اقترحت عليا أخذ فريدة معايا تغير جو، خلصت ال meeting بعد ساعتين من وصولنا، وبعدها اتمشينا على البلاج، المنظر ساحر حقيقي.
أضافت فريدة لحديثه:
_ فعلًا يا علي الاجواء هناك ممتازة، وقررت اشتري شاليه هناك عشان نبقى نغير جو من فترة للتانية.
رفع يدها يقبلها برفقٍ، وقال:
_ طلبات فريدة هانم كلها أوامر وتتنفذ.
مررت يدها على خصلات شعره الطويل، بفرحةٍ:
_ متحرمش منك يا حبيبي.
وتابعت بلهفةٍ:
_ طمني على أخوك، حالته احسن دلوقتي؟
ارتسمت بسمة ماكرة على شفتيه، وأجابها:
_ أحسن الحمد لله، وهتشوفي ده بنفسك لما يرجع بإذن الله.
رددت في راحةٍ وارتياح:
_ ربنا يطمن قلبي بيكم دايمًا يا حبيبي.
وأضافت وهي تشير لهما:
_ هطلع أخد شاور وأريح شوية، لفينا كتير ورجليا تعبتني.
وتركتهما وصعدت للأعلى، فحمل أحمد الحقيبة، ونطق بنعاسٍ:
_ وأنا كمان هطلع أنام قبل معاد الطيارة.
تساءلت فاطمة بدهشة:
_ هو حضرتك مسافر؟
رد عليها بينما يميل بجسده الرياضي لحمل الحقيبة الصغيرة الخاصة بزوجته:
_ عندي اجتماع مهم بكره في لندن، مش هتأخر هناك، يومين تلاتة وراجع بإذن الله.
منحته ابتسامة صافية، وهتفت برقة:
_ تروح وترجع بألف سلامه يا عمي.
ابتسم لها بجاذبية تليق بعمره، وردد بامتنان:
_ تسلمي يا حبيبتي، لو عايزة حاجة من هناك بلغيني بيها وأنا تحت أمرك.
انحنى علي يحمل عنه الحقيبة، ويجيبه بتهذب:
_ عايزين سلامتك يا عمي، هنفتقدك اليومين دول.
منحه بسمة ممتنة لحمله الحقيبة، وقد أرهقته القيادة طوال الطريق، فمسح على ظهره بحب:
_ متحرمش منك يا علي.
صعد ثلاثتهم بالمصعد، وكان أول من وصل لجناحه أحمد، وتابعوا معًا للطابق العلوي، فلف علي ذراعه حول فاطمة، واتجهوا لجناحهما، فسألته بفضول:
_ مقولتش لفريدة هانم ليه أن عُمران رجعتله الذاكرة.
رد عليها ببساطة وهو يفتح الباب:
_ خليه يفاجئها ويشوف بعيونه فرحتها، أكيد هيتخزن في عقله ردود أفعال كل الاشخاص المقربين ليه في لحظة زي دي.
ابتسمت ونطقت:
_ دايمًا عندك حق وبعد نظر يا دكتور علي.
بابتسامته الساحرة رد:
_ قلب دكتور علي!
صف سيارته ببقعة منعزلة بالقصر، وبهدوءٍ مخيف نزع عنه جاكيته وجرفاته، وحل أزرار قميصه ببطءٍ، بينما تموج عينيه المساحات الخضراء، وحديث ذلك الأرعن يترك علاماته داخل أعماقه.
لم يكن بمخيلاته أن يوصل ألم زوجته لتلك الدرجة، لم يكن الأمر مقتصرًا على غيابه فحسب، بل كان للأغلب دورًا فيما خاضته بدونه، وما يُولم قلبه أن تكون والدته ممن تسببن بوجعٍ لها، لقد أقسم لها على أن يستعيد حقها كاملًا ممن تسببن لها بالأذى، فماذا سيفعل بوالدته بحق الله؟!
خرج عُمران من سيارته مهمومًا، بعد أن تمكن من معاونة جمال بالخروج من تلك الحالة التي كان سببًا بها، وفور أن انعزل ببقعته المعتمة، خنقه الألم وجعله يشعر بعدم مقدرته على التنفس بشكلٍ طبيعيًا.
رطمه الهواء ففرق قميصه المفتوح، ضاربًا صدره بتياراتٍ باردة، تمنى لو نفذ من جلده السميك لنيران قلبه المستعيرة، مضى بطريقه قاصدًا مدخل الحديقة الخلفية، المطعم بالرخام الثمين، وإذا به يكاد أن يمر للداخل فوقعت رماديتاه عليها تغفو على أرجيحة القصر الخارجية، بين الورود، أتجه إلى محيطها والعتاب يقتنص من عينيه، ويزيد من وابلها.
وجدها تحني ساقيها وقد وضعت حولهما قربة من المياه الباردة، رفعها عُمران عنها، فلاحظ احمرار أصابعها، فعلم أنها تؤلمها، جذب المقعد الخشبي الخاص بالطاولات الخارجية، وقربه منها، وبلمساته الخبيرة بفك تشنجات الساقين وقتما يمارس التمارين الرياضية، استطاع أن يخفف من حدة ألمها، فاسترخت معالمها وبابتسامةٍ رددت:
_ علي!
فتحت عينيها لتتفاجئ بصغيرها، الذي يضع عينيه نصب الوجع تهربًا من أن يتطلع لها، فابتسمت بسعادة ولهفتها تنطق بما فيها:
_ عُمــــــــران!! رجعت أمته يا حبيبي، أنا بستناك من ساعتها!
ازدرد غصته وأجابها:
_ من شوية..
وقال ومازال يفرك ساقيها برقة:
_ مالها رجلك؟
أجابته بوجعٍ وهي تمدد ساقيها:
_ كنت مع أحمد في العين السخنه، كان عنده اجتماع مهم هناك وروحت معاه، اتمشينا كتير ولما رجعت محستش برجليا.
ردد بحشرجة عميقة:
_ ألف سلامة على حضرتك.
انتظرت أن يرفع رأسه ولكنه لم يفعل، فسحبت ساقيها من يده وجلست قبالته، تسحب ذقنه وتجبره ليقابلها، وهي تناديه:
_ عُمـران!!
توسعت زُرقتها في صدمة، حينما رأت احمرار عينيه بشكلٍ نقل لها غضبه الشديد، فرددت بفزعٍ:
_ مالك يا حبيبي؟
تهرب منها بابتسامة زائفة:
_ مفيش، راجع مصدع شوية، هأخد مسكن وهرتاح.
لمست كذبته من قبل خروجها، وأصرت بقولها:
_ أيه اللي مضايقك ومخليك بالشكل ده، اتكلم يا عُمران!!
تعمق بعينيها وعتابه يجلدها دون حديث، وبشجاعة حرر ما ابتلعه بارادته:
_ مايا اتوجعت في بعدي، وزاد عثمان وجعها باصراره إنه يجوزها غصب عنها، فازاي جالك قلب تزيدي من وجعها لما قررتي تجوزيها من علي!!! إزاي قدرتي تعملي كده؟!!!
جحظت عينيها في صدمة، ورعب مما سيحدث بينها وبين صغيرها، انسحب كفها عن وجهه، وبالرغم من التماع الدموع بعينيها الا أنها ابتسمت فرحة نطقتها بحديثها:
_ اللي قدامي ده عُمران ابني، متتخيلش أنا ارتاحت ازاي أنك رجعت لقوتك ومبقاش في مجال لحيرتك بين شخصيتك اللي كنت وبقيت عليها.
رد بهدوءٍ والاحترام يلحق نبرته:
_ مش دي اجابة سؤالي، سؤالي واضح يا فريدة هانم.
تطلعت له بارتباكٍ، وتساءلت بتلعثم:
_ مين اللي قالك؟ عثمان أكيد لان مايا عمرها ما تعمل كده، تربيتي وأنا واثقة فيها.
ابتسم بألمٍ، وقال يعاتبها:
_ ولما هي تربيتك، إزاي قدرتي تكوني قاسية عليها بالشكل ده، مفكرتيش في علي، ازاي قبلتي تحطيه في موقف زي ده هو وفاطيما، ازاي أخدتي قرار قاسي ومتهور زي ده قوليلي يا أمي!!!
وأضاف والوجع يحشرج صوته المبحوح:
_ كان هيجيلك قلب تقدمي حياة ليها ولابني على حساب حياة علي وفاطمة؟؟!!
وبابتسامة ختم فيها وجعه المتضخم:
_ للدرجادي كنتِ مصدقة إني مش راجع، محطتيش أمل صغير أني عايش طالما مشوفتيش بعنيكي جثتي!!
أخفضت وجهها أرضًا عسى أن تخفي تلك الدمعة الزاحفة على وجهها، فما أن رأها عُمران حتى نهض يزيحها.