تحميل رواية «صراع الحياة» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وقفت على أعتاب الشرفة وابتسامة صافية تعلو وجهها. كانت تنظر إلى السيدة التي تجلس على المقعد وتعطيها ظهرها، وبجانبها طاولة متوسطة الحجم عليها فنجان قهوة، وبجانبه مذياع ينبعث منه صوت موسيقى. دخلت تمارا الشرفة وهي تغني مع الموسيقى. غنت بصوت عذب: "ياما عيون شغلوني لكن ولا شاغلوني إلا عيونك أنت دول بس اللي خدوني" التفتت ساجدة وابتسمت لابنة شقيقتها: "صباح الخير يا حبيبتي." اقتربت تمارا وقبلت خدها: "يا صباح الروقان. الواحد بقي مدمن أغنيكِ والقهوة بتاعتكْ اللي على الصبح ديِ." أجابتها ساجدة وهي تنظر أمامه...
رواية صراع الحياة الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد
وقفت على أعتاب الشرفة وابتسامة صافية تعلو وجهها. كانت تنظر إلى السيدة التي تجلس على المقعد وتعطيها ظهرها، وبجانبها طاولة متوسطة الحجم عليها فنجان قهوة، وبجانبه مذياع ينبعث منه صوت موسيقى.
دخلت تمارا الشرفة وهي تغني مع الموسيقى. غنت بصوت عذب:
"ياما عيون شغلوني
لكن ولا شاغلوني
إلا عيونك أنت
دول بس اللي خدوني"
التفتت ساجدة وابتسمت لابنة شقيقتها:
"صباح الخير يا حبيبتي."
اقتربت تمارا وقبلت خدها:
"يا صباح الروقان. الواحد بقي مدمن أغنيكِ والقهوة بتاعتكْ اللي على الصبح ديِ."
أجابتها ساجدة وهي تنظر أمامها بشرود:
"ده روتيني بتاع الصبح، ييجي من أكتر من عشرين سنة."
مدت تمارا يديها إلى فنجان القهوة وارتشفت منه رشفة.
مدت ساجدة يديها وأخذت الفنجان من يدها وتحدثت باعتراض:
"كام مرة قولتلك القهوة متشربش على الواقف كده."
ضحكت تمارا، فخالتها تعشق القهوة وتضع بعض القوانين لشربها. اقتربت منها وقبلت خدها سريعًا:
"آسفين يا ساجدة هانم."
ثم أكملت حديثها وهي تلوح لها وتودعها:
"أشوفك بالليل."
خرجت إلى الخارج فقابلت والدتها. هتفت فاطمة بتساؤل:
"رايحة فين؟ مش لسه بدري على معاد شغلك؟"
أجابت تمارا بنبرة يسودها الثبات، فهي تعلم ماذا ستواجه بعد إجابتها:
"رايحة لطارق."
تغيرت تعبيرات ملامح وجه فاطمة إلى الغضب:
"ريحاله فين!؟"
أخذت نفساً بصوت عالٍ ثم تحدثت بجدية:
"هكون رايحة له فين يعني يا ماما؟ مكان ما هو موجود."
تحدثت فاطمة بألم وحزن على ابنتها، فهي تعاني معها منذ سنوات. كلما رأتها هكذا لا تستطيع أن تتخطى ألمها:
"تاني! حرام عليكي يابنتي اللي بتعمليه في نفسك. كفاية بقى، كفاية السنين دي كلها. انسي بقى."
أدمعت عينا تمارا ثم تحدثت بنبرة يسودها الألم والحزن:
"مش هنسى. كفاية بقى. أنتي ليه مش عاوزة تفهميني؟ ده جوزي.."
قطعت حديثها عندما رأت خالتها تقف خلف والدتها:
"خالتو!؟ أحم، عن إذنك رايحة شغلي."
ثم غادرت، تاركة خلفها والدتها تشعر بالحسرة على حزن ابنتها، وخالتها التي تدعو لابنها بالمغفرة ولابنة شقيقتها بأن يرزقها من يمحو لها حزنها.
التفتت فاطمة إلى ساجدة ثم تحدثت بأسف وحزن:
"أنا آسفة، أنا مقصدش حاجة، أنا بس..."
قاطعتها ساجدة بألم حاولت أن تخفيه:
"متتأسفيش، تمارا من حقها تشوف حياتها."
***
بداخل إحدى مباني أفرع شركات المنياوي، صف سيارته أمام الباب ثم نزل منها. قام الأمن بفتح باب الشركة سريعاً بعد أن ألقوا التحية له. صعد إلى الأعلى، وقف أمام مكتب ابن عمه. وقفت سريعا عندما رأت رب عملها.
سألها يونس بهدوء:
"عمار جوه؟"
أجابت السكرتيرة بسرعة:
"أيوه يا فندم، تحب أبلغه بحاجة؟"
أشار لها يونس بيديه لكي تتوقف، ثم دلف هو. وقف عمار عندما رأى ابن عمه يدلف إلى غرفته:
"يونس! أنت إيه اللي جابك؟ مش قولتلك ترتاح شوية."
جلس يونس على المقعد:
"أنا كويس، متقلقش. وبعدين أنت ناسي إن افتتاح المعرض الجديد النهاردة."
صاح عمار بنبرة يسودها الغضب والخوف على ابن عمه، فهو في الفترة الأخيرة يشعر كثيراً أنه ليس على ما يرام:
"حتى لو في افتتاح، أنت بقالك فترة تعبان ومش عاجبني شكلك ده."
وقف يونس من مجلسه:
"متقلقش. قولي مصطفى هنا؟"
عقد عمار حاجبيه بتعجب:
"لا، هو مقالكش إنه مسافر؟"
هتف يونس بنبرة يسودها غضب خفيف:
"لا. واضح إن فيه حاجات كتير بقت بتحصل وأنا معنديش علم بيها. توصل له، يكون قدامي بالليل، أنت فاهم."
ثم غادر ولم يعطِ فرصة لعمار كي يجيب عليه. ذهب إلى مكتبه ثم قام بإخراج هاتفه ليُهاتف خطيبته. تكلم عندما سمع إجابة من الطرف الآخر.
هتف يونس بنبرة يسودها الحنان:
"كل ده عشان تردي؟"
أتته صوتها من الطرف الآخر:
"أهلاً يا حبيبي، لسه سامعة الفون دلوقتي."
سألها يونس بجدية:
"وصلتي ولا لسه؟"
أجابت نيرة قائلة:
"آه يا حياتي، لسه واصلة."
أجابها يونس بجدية:
"أنا مش عارف إيه لزمته سفرك المفاجئ ده."
أجابت نيرة معتذرة:
"ما أنا قولتلك صحابي اتفقوا إننا نسافر. أنا عارفة إنك زعلان عشان اتفقنا نقضي اليوم مع بعض. ما هو لو أنت بس تعرفني حاجة، إيه دي اللي عاوز تقول عليها؟"
أجاب يونس بشرود:
"قولتلك لما أشوفك هبقى أقولك. مضطر أقفل دلوقتي عشان عندي شغل. ياريت تكلميني كل شوية، متقلقنيش عليكي."
***
دخلت إلى المقابر، وقفت أمام مقبرته، قامت بوضع الزهور ثم قامت بقراءة الفاتحة. نظرت إلى القبر بحزن.
تحدثت بحزن ووجع:
"حبيت أعدي عليك النهاردة، وزي ما وعدتك إني أعرفك كل أخباري. تخيل النهاردة اتعينت مساعدة لرئيسة القسم. كان نفسي تبقى موجود جنبي."
صمتت لثوانٍ ثم شردت فيما حدث بالصباح:
"قبل ما أجيلك النهاردة ماما اتخانقت معايا عشان جيالك. عاوزاني أنساك إزاي؟ أنساك وأنت ساكن جوايا؟ إزاي أشيلك من حياتي؟ أنا كملت فيها عشانك أنت وحاولت أحقق كل حلم أنت طلبته مني."
مسحت دموعها ثم أكملت بحزن:
"أنا عايشة أحقق كل حاجة اتفقنا عليها عشان يوم ما أجيلك متزعلش مني."
مسحت دموعها بأناملها ثم أكملت حديثها مودعة:
"مضطرة أمشي دلوقتي وهجيلك قريب."
***
في منتصف النهار، كانت تسير في طرقات المستشفى. وصلت إلى إحدى المكاتب فقامت بدق الباب ودخلت عندما سمعت صوت يسمح لها بالدخول.
أطلت برأسها وارتسمت على وجهها بسمة:
"السلام عليكم، عرفت إن حضرتك طلبتني."
وقف حمزة مرحباً:
"أهلاً يا دكتورة، أيوه كنت عاوزك في خدمة."
عقدت تمارا حاجبيها في تساؤل:
"حالة جديدة؟"
شبك حمزة يديه وتكلم بجدية:
"يعني هي مش حالة أوي، ممكن تقولي حاجة شخصية أكتر."
أجابت تمارا بعدم فهم:
"معلش، ممكن حضرتك تفهمني أكتر."
مد حمزة يديه بملف إليها:
"ده ملف يخص ابن عمي، عنده لوكيميا."
أخذت تمارا الملف وقامت بقراءة الحالة:
"ده في المرحلة الأولى!"
هز حمزة رأسه بتأكيد:
"أيوه، وحاولت أفهمه إن فرصة العلاج الكيماوي تمانين في المية هتجيب نتيجة..."
أكملت تمارا جملته بتفهم:
"بس هو رفض، مش كده؟"
أكد حمزة على جملتها:
"فعلا، فأنا محتاج منك تساعدينا نقنعه."
قالت تمارا ببسمة:
"تمام، أنا معنديش مشكلة، وهبقى على انتظار إنك تجيبه وأقابله."
وقفت تمارا، فوقف حمزة ليودعها:
"شكراً جداً يا تمارا، وألف مبروك على الترقية."
أجابت تمارا ببسمة:
"العفو على إيه يا دكتور حمزة، حضرتك عارف مكانتك عندي."
أجاب حمزة بامتنان:
"عارف، المهم تكوني دايماً كويسة."
***
بعدما غادرت من مكتب حمزة، اتجهت إلى مكتبها الخاص. دخلت إلى مكتبها وتفاجأت بوجود لمار.
هتفت تمارا بنبرة يسودها الدهشة:
"لمار!؟"
أسرعت لمار باحتضانها، ففصلت تمارا العناق تحت أثر الصدمة:
"أنتي جيتي إمتى!؟"
جلست لمار على المقعد وجلست تمارا على المقعد المقابل لها:
"لسه جايه النهاردة الصبح، روحت البيت نمت ساعتين وجيتلك هوى."
سألتها تمارا بتعجب:
"أنتي عرفتي منين إني هنا!؟"
أجابتها لمار بتذكير:
"أنتي ناسيه إنك قيلالي امبارح إن عندك شغل بكرة وترقية."
هتفت تمارا بتذكر:
"فعلاً نسيت، بحسبك روحتي لطماطم."
قامت لمار بإخراج هاتفها:
"لا، لسه لكِ شغل كتير؟"
ردت تمارا:
"لا، هخلص شوية ورق وهمشي على طول. وبعدين أنا مش مرتاحة لمجيتك دي، فهاتي من الآخر."
فوضعت لمار الهاتف بجانبها ثم أجابت قائلة:
"من الآخر، عاوزة منك طلب، وأنا عارفة إنك تمارتي القمر ومش هترفضى."
أجابت تمارا بجدية:
"بعيداً عن الاسم، عاوزة إيه يا آخرة صبري."
تحدثت لمار مسرعة:
"عندي إيفينت لمعرض هيفتح جديد، وطبعاً مش هتسبيني أروح لوحدي."
أجابت تمارا برفض:
"أنتي عارفة مش بحب أروح معاكي حاجة تبع شغلك، خصوصا إنه بيبقى فيه كاميرات كتير."
صاحت لمار بنفي:
"أبدأ، ده مش شغل، أنا رايحة عشان أشوف عربية جديدة ليا بدل اللي بايظة. وافقي بليز."
نظرت لها لمار بحزن، فنظرت لها تمارا بمعني أنها موافقة، فأسرعت لمار بتقبيلها.
***
داخل معرض السيارات الخاص بعائلة المنياوي.
هتف يونس بغضب:
"بردو موصلتلهوش."
أجاب عمار بجدية:
"يونس، ممكن تهدى شوية وبلاش عصبية، أنت عارف مصطفى بيقفل تليفونه لما بيسافر ومحدش بيعرف يوصله."
هتفت يونس بنبرة يسودها الجدية:
"بكرة يكون قدامي. اتأكدت إن سالم وصل ألمانيا؟"
أجاب عمار محاولاً أن يبث إليه الطمأنينة، فهو يعلم حبه لسالم ومدى قلقه عليه:
"أيوه وراح الفندق، وبكرة فيه اجتماع مع الشركة الساعة عشرة. هخرج أشوف الناس اللي جات بره وأنت ارتاح هنا في المكتب."
غادر عمار إلى الخارج، وبقي يونس بداخل يحاول الوصول إلى نيرة.
***
بالخارج. وصلت لمار وتمارا، بحثت لمار بعينيها عن عمار.
فأشارت إليه عندما رأته:
"صاحب المعرض هناك أهو، تعالي نسلم عليه."
هتف تمارا بتذمر:
"مش عاوزين نتأخر، تشوفي عربية ونمشي على طول."
فجذبتها لمار اتجاه عمار وهي تجيب:
"اتفقنا، يلا تعالي."
وقفت أمام عمار ثم سألته عن هويته:
"أستاذ عمار المنياوي؟"
فانتبه لها عمار:
"آنسة لمار الشافعي، أهلاً يا فندم."
فأجابت لمار ببسمة:
"أهلاً بحضرتك، دي دكتورة تمارا بنت عمي."
فمد عمار يديه إلى تمارا:
"أهلاً يا دكتورة، نورتي المعرض."
فأجابت تمارا بخجل:
"آسفة، مش بسلم."
لكزتها لمار على عملتها، فبعد عمار يديه بخجل:
"لا طبعاً مفيش مشكلة."
ثم التفت إلى لمار وأكمل حديثه:
"تحبي تشوفي الموديلات الجديدة اللي نازلة؟"
فأجابت لمار ببسمة:
"طبعاً، اتفضل."
غادر عمار وأتبعه لمار وتمارا. قامت لمار بالتحدث بهمس إلى تمارا:
"كان لازم يعني تحرجي الراجل؟!"
فأجابت تمارا بجدية:
"لمار، ده طبعي ومش هغيره عشان حد."
فتحدثت لمار بلا مبالاة:
"طب خلاص خلاص، متتعصبيش."
***
بعد نصف ساعة، كان عمار ولمار وتمارا انتهوا من مشاهدة السيارات، وقامت لمار باختيار إحداها.
هتف عمار بجدية:
"خلاص اتفقنا، هبعتها لحضرتك على عنوان البيت."
قالت لمار بامتنان وشكر:
"متشكرة جداً لحضرتك، وإن شاء الله مش هيبقى آخر تعامل. لو مفهاش تعب، حابة أقابل أستاذ يونس المنياوي."
فأجاب عمار قائلاً:
"لا طبعاً ولا تعب ولا حاجة، استأذنك ثواني أشوفه."
تركهم عمار ثم دلف إلى غرفة المكتب. هتف:
"يونس…."
لم يكمل حديثه فقد رأى يونس ملقي على الأرض وتنزف الدماء من أنفه، فاتجه إليه مسرعاً وقام برفع رأسه ثم خبطه بيديه على خده وهو يهتف بلهفة وخوف:
"يونس، يونس أنت سامعني؟ أرجوك فوق."
هتف بصوت عالٍ على مساعده الخاص فأتى مسرعاً:
"عيسي، ساعدني نوديه على عربيتي من الباب اللي ورا بسرعة."
قاموا بإخراج يونس من الباب الموجود خلف المعرض. ثم وضعوه داخل السيارة بعدما أحضرها عيسي من الباب الأمامي.
قام عمار بأمر عيسي:
"عيسي، ترجع المعرض وتحاول تلم الموضوع من غير شوشرة، واعتذر من الأستاذة لمار الشافعي، مش عاوز حد يحس بحاجة، أنت فاهم."
قال عيسي بطاعة:
"متقلقش، المهم نطمن على أستاذ يونس."
غادر عمار، واعتذر عيسي من لمار وتمارا، فغادروا.
***
بداخل سيارة تمارا.
هتف لمار بنبرة يسودها الحيرة:
"تفتكري إيه اللي خلاهم يمشوا!؟"
فرفعت تمارا كتفيها بمعني أنها لا تعلم:
"الله أعلم، ممكن حصل ظروف أو حاجة،. وبطلي فضولك اللي قاتلك ده."
فضحكت لمار ثم هتفت:
"ماهو دي المشكلة. المهم قوليلي زعلانة ليه من طمطم؟"
فرفعت تمارا إحدى حاجبيها:
"عرفتي منين إن أنا وطمطم زعلانين من بعض وأنتي بتقولي إنك مروحتيش؟!!"
فأجابت لمار بغرور:
"أصل مكشوف عني الحجاب، عيب عليكي يعني، أكيد طمطم قالتلي."
فتنهدت تمارا بصوت عالٍ:
"عادي، حوار كل فترة."
فتحدثت لمار بهمس لكي لا تسمعها:
"أما لو عرفتي إن عمك جايب لك عريس هتعملي إيه!؟"
فعقدت تمارا حاجبيها:
"لمار، أنتي اتجننتي؟ بتكلمي نفسك!؟"
فانتبهت إليها لمار:
"ها، لا متخديش بالك، سوقي، سوقي خلينا نروح."
رواية صراع الحياة الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد
خرج حمزة من غرفة العناية. أزاح الكمامة عن وجهه ثم وجه حديثه إلى عمار الذي كان ينتظر خروج أخيه على نار ليطمئن على ابن عمه.
هتف حمزة، وآثار الإرهاق واضحة على وجهه:
- مضطرين نسيبه هنا للصبح.
فسأل عمار بنبرة يسودها الخوف:
- سبب التعب ده إيه؟
فنظر له حمزة بحيرة، فهو يعلم مدى تحفظ يونس بعدم علم أحد بمرضه:
- احم.. لوكيميا.
سند عمار بصدمة على الحائط:
- إيه؟! .. لا مش اللي سمعته، يونس مش تعبان مش كده؟
جذبه حمزة إلى أحضانه:
- لازم نقوي عشان نقدر نقف جنبه، يونس رافض العلاج.
فابتعد عمار عن حمزة وقام بمسح وجهه بكفيه:
- لازم يتعالج، لازم نشوف حل.
وضع حمزة يديه على كتف عمار يحاول أن يبث إليه الطمأنينة:
- اهدى، قدامي فرصة ممكن نقدر نقنعه بالعلاج.
ثم نظر إلى الهاتف المتواجد في يدي عمار وهتف متسائلاً:
- ده بتاع يونس مش كده؟
فنظر عمار إلى يديه بشرود:
- كان في إيديه لما دخلت ولقيته واقع على الأرض.
فهتف حمزة بتعجب:
- متعرفش إيه اللي وصله إنه يتعب كده؟
فأجاب عمار بحيرة:
- معرفش.
***
في صباح اليوم التالي، خرجت تمارا من الحمام الخاص بغرفتها بعدما ارتدت ملابسها لكي تتجه إلى العمل. نظرت إلى لمار التي كانت تنام بمنتصف الفراش بخبث، ثم اتجهت نحو كوب الماء الموضوع فوق المنضدة، وقامت بإلقاء محتواه على وجه لمار وهي تكتم ضحكتها.
صرخت لمار وهي تقفز من على الفراش وتهتف:
- بغرق، بغرق.
سريعاً استوعبت لمار الموقف واتجهت نحو تمارا بغضب وهي تضربها بالوسادة وتصيح بنبرة يسودها الغضب والغيظ:
- في حد عاقل يصحى حد كده؟!
تمارا وهي تحاول إبعادها:
- مش أنا عملتها يبقى فيه، وبعدين كفاية إني استحملتك وأنت نايمة جنبي طول الليل.
توقفت لمار عن الضرب وهتفت بنبرة يسودها الثقة:
- والله أنا أنام في المكان اللي يريحني.
نظرت تمارا إلى ساعة يدها:
- والله كان نفسي أكمل خناقتنا بس عندي شغل ومستقبل بيضيع.
خرجت تمارا إلى الخارج وتبعتها لمار. ألقوا التحية على الجميع، ثم اتجهت تمارا إلى تقبيل وجه والدتها وخالتها.
هتفت فاطمة بنبرة يسودها التذمر:
- حلو أوي الفطار اللي على الواقف ده.
فجلست تمارا وهي تبتسم:
- أهو قعدت يا ست طمطم.
فنظرت فاطمة إلى ساجدة ثم إلى لمار بخوف وتوتر من مواجهة تمارا. ثم تحدثت تمارا بعدما شعرت بنظراتهم إلى بعض:
- هو واضح إن فيه حاجة عاوزين تقولوهالي مش كده؟
وضعت فاطمة كوب القهوة ثم تحدثت بتوتر:
- أصل عمك عزمي اتصل امبارح وكان بيقولي.
توقفت فاطمة عن الحديث بتوتر، فهزت تمارا رأسها بمعني أن تكمل حديثها، فتحدثت فاطمة بنبرة يسودها القلق:
- بيقول يعني فيه عريس.
صمت المكان لبعض الوقت، نظر الجميع إلى ملامح تمارا بقلق من ردة فعلها.
نظرت تمارا لهم بغموض ثم وقفت من مجلسها:
- أنا هعتبر نفسي مسمعتش أي حاجة، عن إذنكم عندي شغل.
ثم غادرت. فجلست لمار بجانب زوجة عمها بحزن:
- متزعليش نفسك يا طنط، بكرة تعقل وتعرف مصلحتها.
وضعت ساجدة يديها على يد أختها:
- متقلقيش يا فاطمة، أنا هتكلم معاها.
تحدثت فاطمة بحزن:
- أنا مش عاوزة غير مصلحتها، هو يعني طارق مكنش ابني اللي مجبتهوش. أنا بموت وأنا شايفاها بتضيع عمرها كده.
فدعت ساجدة بشرود:
- إن شاء الله يرزقها بواحد ينسيها حزنها.
***
بداخل المستشفى التي يمكث بها يونس، لكن بدور آخر. بإحدى الغرف كانت بسمة تعد حقيبتها للمغادرة وتساعدها إحدى الممرضات.
تفتت الممرضة قائلة:
- ابقي عدي علينا كل فترة متنسناش.
فتحدثت بسمة بابتسامة:
- هو أنا أقدر أنساكم، وبعدين متقلقيش هاجي جلسة آخر الأسبوع.
قاطعهم دخول تمارا وهي تتحدث بحزن مصطنع:
- واضح إن فيه ناس كانت هتمشي من غير ما تستناني؟
فاتجهت إليها بسمة:
- هو أنا أقدر، ربنا عالم إني بعتبرك أختي الصغيرة.
فاحتضنتها تمارا بحب:
- هستناكي آخر الأسبوع، ولو احتاجتي أي حاجة أوعي تترددي إنك تجيلي.
فأجابت بسمة بحب:
- هجبلك منه وأجيلك، لازم أوريهالك. ادعيلي أبوها يرضي يسبهالي.
فوضعت تمارا يديها على كتف بسمة بدعم:
- هيسبهالك إن شاء الله، ولو مسبهاش يبقى كده هو قفل كل الطرق، والخطوة الأخيرة نتجه للمحكمة. خلي أملك في ربنا كبير.
فأجابت بسمة بدعاء:
- يارب، أنا رامية اتكالي عليه.
انشقت شفتا تمارا عن ابتسامة:
- وهو عمره ما يخذلك.
***
وصلت تمارا إلى مكتب حمزة. دقت الباب فسمعته يأذن لها بالدخول.
تمارا ببسمة:
- صباح الخير يا دكتور. عرفت إن حضرتك عاوزني.
فأشار لها حمزة إلى المقعد:
- اتفضلي، في الحقيقة إن يونس هنا ودي فرصة إنك تتكلمي معاه.
فوقفت تمارا بحماس:
- بجد؟ طب كويس، ممكن حضرتك توديني ليه؟
فوقف حمزة أيضاً:
- ثواني أشوفه فاق ولا لا.
فعقدت تمارا حاجبيها:
- هو تعب؟
فهز حمزة رأسه:
- امبارح اتعرض لحالة إغماء.
تمارا بتساؤل:
- سببها؟
عقد حمزة حاجبيه بتفكير:
- في الحقيقة مكنش فيه فقر دم، وهو مش بياخد علاج ممكن يخليه يشعر بإرهاق.
فأكملت تمارا حديثه:
- يبقى حاجة من الاتنين، توتر وضغط عصبي أو إرهاق وقلة نوم.
فهز حمزة رأسه بتأييد لحديثها:
- فعلاً.
على الجانب الآخر، بداخل إحدى الغرف، كان يمكث علي الفراش. رمش بعينيه عدة مرات ثم نظر حوله بإستغراب. حاول أن يعلم أين هو. سريعاً تذكر ما حدث أمس عندما بُعثت إليه هذه الرسالة وهو لم يستطع كتم غضبه. تطلع إلى الباب عندما رأى حمزة يدلف وبجانبه امرأة لا يعلم هويتها.
بينما أسرع إليه حمزة عندما رآه مستيقظاً:
- يونس! حمدالله على السلامة.
اعتدل يونس في جلسته وهو يشعر ببعض الإرهاق والتعب:
- أنا إيه اللي جابني هنا؟
ساعده حمزة على الجلوس:
- عمار جابك هنا امبارح.
دلك يونس رأسه ثم وقف:
- طيب ممكن تجبلي هدومي عشان أخرج.
فنظر حمزة إلى تمارا بحيرة:
- احم.. أحب أعرفك يا يونس، دكتورة تمارا.
لم تنتظر تمارا رده، إنما رحبت به:
- أهلاً يا بشمهندس، سمعت كتير عنك من دكتور حمزة.
عقد يونس حاجبيه بشك:
- أهلاً يا دكتورة.
نظرت تمارا إلى حمزة بتشجيع:
- دكتور حمزة عرفني عن حالتك وإنك لسه في المرحلة الأولى.
نظر يونس بغضب إلى حمزة، فتحدث حمزة مبرراً موقفه وخوفه عليه:
- مقدرتش أقف مكتوف وأنا شايفك بتضيع نفسك، لازم تقبل العلاج.
يونس بغضب:
- وأنت عارف إني أخدت قراري.
تدخلت تمارا بالحديث:
- حضرتك تقدر تقولي سبب رفضك للعلاج إيه؟
حاول يونس ألا يفقد أعصابه:
- وأنا من حقي إني مردش على السؤال.
نظرت له تمارا لثواني ثم ردت وهي تنظر إلى عينيه مباشرةً:
- عشان جبان.
ضم يونس كف يديه بغضب يحاول أن يكتم غضبه، ونظر لها حمزة بدهشة لجرأتها.
تحدث يونس بغضب وصوتاً عالي:
- تقدري تقوليلي تعرفي إيه انتي عن وجع المرض ده ولا تقدري تقوليلي إحساس اللي أنا حاسه من فكرة إن أخد كيماوي، مش هقولك شكلي اللي هيتغير ولا حياتي اللي هتقف. ياريت متكلميش في حاجة أنتي متعرفيهاش ولا حسيتي بيها.
حاول حمزة التدخل في الحديث فقاطعته تمارا عندما أشارت له بعدم التدخل:
- أنت صح، أنا معرفش حاجة.
ثم أشارت بيدها إلى يونس وتحدثت:
- ممكن تغير هدومك وتيجي معايا لثواني؟
فنظر لها يونس وحمزة بحيرة، فتحدثت تمارا بتشجيع:
- مش هاخد من وقتك كتير.
خرجت، فساعد حمزة يونس في تبديل ملابسه، ثم اتبعه تمارا.
***
بإحدى الأحياء الشعبية، توقفت سيارة التاكسي أمام إحدى المباني وخرجت بسمة منها بعدما دفعت الأجرة، ثم اتجهت نحو المبنى. صعدت إلى الدور الثاني ثم دقت الباب فسمعت صوت أحداً يأتي من الداخل.
تحدثت بسمة عندما رأت امرأة فتحت الباب:
- أكرم موجود؟
تحدثت سمية بصوت عالي:
- خير، مش كنا خلصنا منك؟
فردت بسمة بغضب:
- أنا كلامي مش معاكي، أنا كلامي مع اللي لمك من الشوارع واتجوزك. عاوزة بنتي.
خرج أكرم عندما سمع صوتها:
- خير يا بسمة، إيه اللي رجعك هنا تاني؟
تحدثت بسمة بغضب:
- عاوزة بنتي يا أكرم اللي انت حارمني منها.
فرد أكرم بصوتاً عالي:
- عاوزاني أديهالك عشان تعديها.
خرجت الصغيرة عندما سمعت صوت والدتها فاحتضنتها بسمة سريعاً، فحاول أكرم أن يزيح الصغيرة من أحضانها. وبالفعل استطاع أخذها.
تحدث أكرم وهو يغلق الباب:
- غوري من هنا، مش عاوزين نشوف خلقتك تاني.
دقت بسمة الباب بقوة وهي تبكي:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيك، حرام عليك عاوزة بنتي.
لكن لم يفد صراخها أو بكائها الذي اجتمع عليه بعض المارين.
***
على الجانب الآخر، وقفت تمارا أمام إحدى الغرف. نظرت عبر زجاج الغرفة ثم تحدثت بصرامة وهي تنظر إلى يونس:
- دي حياة عندها أربع سنين مولودة بالمرض، أربع سنين بتحارب، بتاخد جلسات وعمليات وبتتعمل. طفلة عندها أربع سنين عندها الشجاعة والصبر أكتر منك. ربنا لو مش عالم إنك مش قد الحمل ده مكنش أدهولك. لكل داء دواء. أنت مش حر نفسك يا بشمهندس.
صمت يونس ولم يستطع الرد عليها، بل غادر المكان. حاول عمار الذي وصل متأخراً أن يلحقه فأوقفاته تمارا قائلة:
- سيبه يا بشمهندس.
نظر لها عمار ثم تحدث عندما تذكرها:
- مش أنتي قريبة لمار الشافعي!؟
فعقد حمزة حاجبيه بتعجب:
- أنتم تعرفوا بعض؟
فأجاب عمار موضحاً:
- في الحقيقة قابلت الدكتورة امبارح في الافتتاح. المهم دلوقتي نلحق يونس.
فتحدثت تمارا بجدية:
- الأحسن إنكم تسيبوه لوحده دلوقتي.
وضع حمزة يديه على كتف عمار:
- متقلقش، الحراسة تحت زمانهم راحوا وراه.
رواية صراع الحياة الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد
وقف ينظر إلى الماء بحزن، يفكر فيما أخطأ به تجاه خطيبته. فهو قد قدم لها كل ما هو يقدر عليه، وأهمهم هو الحب الذي يسكن قلبه منذ الصغر. كان يعاملها كابنة صغيرة له، لكنها لم تقدر ذلك. منذ أن تقدم لها وهي باردة تجاهه، وفي جميع الأوقات تتحجج بالسفر خارج المدينة. والأمس كانت بأحضان أحدهم، فعندما بُعثت إليه هذه الصور، لم يستطع التحمل.
قطع شروده أحد الحرس الذين أرسلهم حمزة خلفه. نظر إليه الحارس بقلق، فهو قد تأخر بالجلوس أمام النهر ولم يتحرك.
"حضرتك كويس؟"
رفع يونس رأسه له بتعجب من وجوده.
"أيوه!"
فأخفض الحارس رأسه.
"في الحقيقة قلقنا لما الدنيا ليلت وحضرتك لسه قاعد مكانك."
فنظر يونس حوله باندهاش، فهو لم يلاحظ الوقت. كان يجلس هكذا طوال اليوم. فوقف بتعب وإرهاق.
"خلي حد يجيب العربية وسوق أنت."
فأجاب الحارس بطاعة.
"أمرك يافندم."
***
ببيت مهاب، عامد ذهب عمار إلى ملك. استقبلته ملك بقلق، فملامحه يكسوها الإرهاق والتعب.
"عمار أنت كويس!؟"
جلس عمار، فجلست ملك بجانبه. فوضع عمار رأسه على أرجلها.
"محتاج أنام."
فأجابت ملك بتساؤل وهي تمسح على رأسه بحنان والقلق يزداد بداخلها.
"تحب أطلب منهم يجهزولك أوضة فوق تطلع ترتاح؟"
فرفع عمار رأسه وقام بمسح وجه بيديه.
"عمو هنا؟"
فنظرت ملك إلى الأعلى.
"أخد علاجه ونام، مش هتحكيلي مالك؟"
فنظر لها عمار بحيرة. هل يقوم بإخبارها أم لا؟ فهو يعلم يونس جيدًا لا يحب أن يعلم أحد عنه أي شيء. لكنه قرر إخبارها، فهو الآن يريد أن يشارك تعبه وقلقه مع أحد يحبه. وقام بالقص عليها ما حدث منذ الأمس.
تغيرت تعابير وجه ملك إلى الصدمة مع كل كلمة كان يهتف بها عمار.
"كل دا يحصل يا عمار ومتعرفنيش!؟"
فتنهد عمار بصوت عالٍ.
"كل حاجة حصلت بسرعة وأنا مكنتش عارف، كده هنضطر نأجل الفرح شوية. أنا عارف أنك مرتبة كل حاجة و…."
فقاطعته ملك بحزن.
"بقي كده يا عمار فاكرني هزعل؟ أنت عارف يونس وحمزة بنسبة لي إيه، دول أخواتي الكبار."
فقبل عمار يديها بحب.
"عارف يا حببتي وكويس أننا كتبنا الكتاب."
هتفت ملك بتساؤل.
"وهي نيرة أختك عرفت؟"
فأجاب عمار بنفي.
"لامحدش يعرف غيري أنا وحمزة."
هتفت ملك بنفور.
"أنا معرفش يونس خطب نيرة إزاي؟"
عمار بشرود.
"ساعات نيرة بتصعب عليا باللي بتعمله في نفسها، مش هتفوق غير لما تضيع يونس من إيديها."
***
بداخل إحدى مباني مدينة الإنتاج المصرية، دلفت لمار بوقار وهي تنظر إلى المكان بإعجاب. فها هو يتحقق إحدى أحلامها. وصلت إلى مكتب المدير، وقفت أمام مكتب السكرتيرة الخاصة به.
رفعت السكرتيرة رأسها، وقفت مسرعة عندما رأت لمار. ثم تحدثت بابتسامة بلهاء.
"مش حضرتك أستاذة لمار!؟"
فابتسمت لمار.
"أيوه أنا، أستاذ فريد جوه؟"
فأشارت السكرتيرة إلى باب الغرفة بترحاب.
"أيوه يا فندم ومستني حضرتك جوه."
أشارت السكرتيرة للمار إلى الداخل، فتبعتها لمار.
وقف فريد بترحاب.
"أهلاً يا أستاذة لمار، أحب أعرفك أستاذ فادي منيب لو تعرفيه."
فمدت لمار يديها لتسلم عليه ببسمة.
"ومين ميعرفش أستاذ فادي منيب، اتشرفت بمعرفتك يا فندم."
فابتسم فادي وهو ينظر إليها بتفحص.
"دا أنا اللي ليا الشرف إن أشوف ملكة مصر قدامي وبرنسس الباليه."
لمار بفخر بنفسها.
"شكراً لحضرتك، حقيقي فرحت لما وصلني مسج من حضرتك إنك عاوز تقابلني."
فأجاب فريد بعملية.
"في الحقيقة أنا داخل فيلم جديد وكنا عاوزين البطلة واحدة تكون قريبة للجمهور وفي نفس الوقت تكون جديدة عليه في فكرة التمثيل."
فعقدت لمار حاجبيها.
"بس حضرتك أكيد عارف إن دا مش أول مرة ليا، بعيداً عن شغلي في ديكور المسرح ومواقع التصوير."
فأجاب فريد بتفهم.
"بس دا هيبقى أول مرة تكوني بطلة الفيلم، ولا إيه رأيك يا فادي."
أخذ فادي نفساً من السيجار الذي كان بيديه ثم أجاب.
"أنا شايف إن في فرق طبعاً ودي فرصة متضيعهاش من إيديك."
فمد فريد يده إليها بعض الأوراق.
"عمتاً دا الورق فيه كل حاجة عن الفيلم والدور اللي هتقومي بيه. معاكي مهلة أسبوعين وتردي عليا، وأتمنى أنك توافقي."
فأخذته لمار منه وهي تقف لكي تغادر.
"أكيد هكلم حضرتك أول ما أوصل لقرار، عن إذنكم."
بعد مغادرة لمار، نظر فريد إلى فادي بتساؤل.
"تفتكر هتوافق؟"
فارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه فادي.
"محدش بيجيله شغل مع فادي منيب ويقول لا."
***
في الصباح بداخل بيت عائلة المنياوي، دلفت نيرة من باب المنزل ثم أزاحت النظارة الخاصة بها. تطلعت إلى أركان البيت.
فرأت يونس يجلس على إحدى المقاعد يعطي ظهره للباب.
فاقتربت منه.
فرفع يونس يديه بإشارة أن تتوقف مكانها ثم تحدث بجمود.
"كنتي مسافرة مع مين؟"
فعقدت نيرة حاجبيها بدهشة من تصرفه ثم تحدثت.
"إيه لزمته السؤال ده، هو ده ترحيبك بيا بعد ما جيت من السفر؟"
فهتف يونس بنبرة يسودها الحدة.
"تِجاوبي على السؤال. كنتي مع مين؟"
فأجابت نيرة والقلق بدأ يزداد بداخلها.
"منا قلتلك مع بنات صحابي من النادي."
فوقف يونس أمامها وأخرج هاتفه ووضعه أمام عينيها.
"تقدري تقوليلي لما واحد يشوف خطيبته وحبيبته اللي كمان كام شهر وتبقى مراته وغير إنها تبقى بنت عمه، حاضنة راجل تاني إيه يكون رد فعله؟"
بلعت نيرة ريقها في خوف.
"دا كان، أحم دا واحد صديق لينا من النادي قبلناه هناك."
فأجاب يونس بهدوء جعل الخوف يسري بجميع أطراف جسدها.
"قبل ما تكوني خطيبتي أنتي بنت عمي يعني عارفة عاداتنا وتقاليدنا وعارفة كويس إني أقدر أعرف مين ده اللي كنتي في حضنه، وإني أكتر حاجة بكرها في حياتي هي الكدب. عارفة إيه أكتر حاجة ندمان عليها؟"
فلم تجب عليه نيرة. بل قررت أن تصمت. فاكمل يونس حديثه.
"إن ضيعت عمري وقلبي في حبي ليكي. كنت بتغاضى دايماً عن تصرفاتك ولبسك وكنت باجي دايماً ألفت انتباهك ليهم بطريقة متزعلكيش. اتغاضيت عن إهمالك بيا أنا شخصياً. تقدري تقوليلي إيه أكتر أكلة بحبها؟ إيه أكتر لون بحبه؟ فيلمي المفضل؟ تاريخ ميلادي؟ أبداً متعرفيش حاجة عني أبداً. في الأول قلت ممكن تكوني مكسوفة مني أو مش متعودة عليا غير إني ابن عمك وبس، بس الواضح إني كنت غلط، دي أول مرة أحسبها غلط."
حاولت نيرة التبرير.
"يونس أنا بس…"
فقاطعها يونس بكف يديه بعدم إكمال حديثها.
"مش عاوز أسمع تبرير."
مد يديه ثم أخذ يديها وقام بفتح كف يديها ثم وضع به خاتم الخطبة، ثم تركها وغادر بعد أن أخذ بعض الحقائب الموضوعة بجانب الباب.
***
بداخل إحدى النوادي الرياضية، بمبنى الألعاب الرياضية الخاصة بالنساء، ركضت لمار مسرعة إلى الداخل وهي تلهث.
ألقت نظرة حول المكان ثم اتجهت نحو تمارا عندما رأتها ووقفت بجانبها.
تحدثت تمارا وهي تتمرن على اليوجا بهمس.
"ما لسه بدري؟"
فأجابت لمار بصوت عالٍ نسبياً.
"منا قولتلك عندي مقابلة شغل."
فوضعت تمارا يديها مسرعاً على فم لمار ثم نظرت حولها باعتذار.
"صوتك، المهم عملتي إيه؟"
فتحدثت لمار بحماس.
"عرضوا عليا دور بطولة في فيلم."
فرحت تمارا لنجاح ابنة عمها.
"حببتي الف مبروك المهم متتسرعيش."
فأجابت لمار بنبرة يسودها الثقة.
"لا متقلقيش هاخد وقتي في التفكير وقراءة السيناريو. بقولك إيه كفاية عليا كده أنا رايحة أشوف كلاس الباليه ونبقى نتقابل في الكافتيريا، سلام."
ضحكت تمارا وهي تتمتم بكلمة.
"مجنونة."
***
بداخل مكتب حمزة، قاطعه دخول يونس. فوقف مسرعاً متجهاً نحوه.
حمزة بقلق.
"يونس أنت كويس."
فهز يونس رأسه.
"أطمن أنا كويس، أنا أخدت قرار."
فنظر له حمزة بتوتر.
"قرار إيه؟"
يونس بتوتر.
"أنا قررت……"
رواية صراع الحياة الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد
داخل مبنى شركة المنياوي، دلف إلى الشركة بعدما خلع النظارة الخاصة به.
قام بإلقاء التحية على بعض المارين ثم ذهب إلى المكتب الخاص به.
بداخل مكتب عمار، دلفت السكرتيرة الخاصة وهي تهرول مسرعة.
هتفت مسرعة:
"بشمهندس عمار، مستر مصطفى جه."
فوقف عمار من جلسته وهو يهتف بنبرة يسودها الحدة:
"متأكدة؟"
فعقدت السكرتيرة حاجبيها بتعجب ثم هتفت بتأكيد:
"أيوه يافندم، أنا شوفته بنفسي."
فخرج عمار من المكتب وهو يأمرها:
"طيب روحي أنتي على مكتبك واعملي اللي قولتهولك عليه."
***
بداخل مكتب حمزة، قاطعه دخول يونس. فوقف مسرعاً متجهاً نحوه والقلق تسرب إليه. فنظر إليه بتفحص وهو يهتف:
"يونس أنت كويس؟"
فهز يونس رأسه وهو يجلس على المقعد:
"أطمن، أنا كويس. أنا جيتلك عشان أخدت قرار."
فعقد حمزة حاجبيه بتوتر:
"قرار إيه؟"
فرك يونس كفيه بتوتر:
"أنا قررت أتعالج."
تغيرت تعابير وجه حمزة إلى الفرح من قراره:
"أنا مش مصدق، الحمد لله. حالا تيجي معايا ونعمل الفحوصات اللي هنحتاجها ومش عاوزين نضيع وقت، كفاية اللي ضاع."
فابتسم يونس على فرحة ابن عمه، فهو يعلم كم هو يخاف عليه، فهو يعامله كصبي صغير.
"أهدي طيب، فيه شوية حاجات لازم أعملها قبل ما أبدأ علاج. وأهمهم إن لازم الكل يعرف إني مسافر بره البلد."
فعقد حمزة حاجبيه ثم هتف بتساؤل:
"طب وده هيحصل إزاي؟"
فوضع يونس يديه على كتف حمزة:
"هيحصل متقلقش، الكل هيصدق. ممكن اللي هيبقى فيه قلق من ناحيته هو شخص واحد."
قطع حمزة جملته قائلاً:
"سالم مش كده؟"
فهز يونس رأسه بتأكيد:
"فعلاً، بس فيه سبب ممكن يصدقنا بيه."
فهتف حمزة متسائلاً:
"سبب إيه؟"
فأجاب يونس بهدوء وثبات وهو ينظر إلى حمزة بتفحص:
"إني سبت نيرة."
فأجاب حمزة بدهشة:
"سبت نيرة!، إمتى حصل الكلام ده وأنا إزاي معرفش؟"
مسح يونس بكفيه وجه ثم أجاب قائلاً:
"الكلام ده لسه النهاردة، وفي الحقيقة مش حابب أتكلم. طلع كلامك صح، شكل مكنش ليا نصيب مع أختك."
تحدث حمزة بأسف على حال ابن عمه:
"قولتلك إني كنت شاكك ورا موافقة نيرة وإن بابا هو السبب. والواضح إن طلع معايا حق."
ثم أكمل حديثه بنبرة يسودها الحزن:
"شكله مكنش هيرتاح غير لما يدمرنا كلنا. متعلمش من اللي عمله فيا ومن اللي ماتت، وحتى لو كانت عايشة كنا إحنا الاتنين عشنا في تعاسة. وبسببه أختك سابت البلد ومشيت."
هتف يونس بغضب:
"قلتلك سافرلها واجه مشكلتك، أنت اللي فضلت بعيد."
فوقف حمزة من جلسته بعصبية:
"أسافرلها أقولها إيه؟ خلاص مراتي اللي كانت أقرب حد ليكي ماتت وسابتلي بنت، تعالي يلا نتجوز. مقدرش أعمل كده، مقدرش كفاية عليا بنتي."
وقف يونس من جلسته ثم اقترب منه ووضع يديه على كتف حمزة:
"إن شاء الله كل حاجة تتحل وليلى ترجع. أختي وأنا عارف دماغها."
فهتف حمزة بنبرة يسودها اليأس:
"مفتكرش؟"
فأجاب يونس مازحاً محاولاً أن يغير مسار الحديث:
"لا بقولك إيه، فك كده. أنا واحد محتاج طاقة للي جاي."
فحاول حمزة مجاراته في المزاح:
"تمارا هتبقى معاك، من ناحية الطاقة فهي هتديك."
فهتف يونس بتساؤل:
"هي دكتورة إيه؟"
فبعد عنه حمزة بخوف خطوة إلى الخلف وهتف متسائلاً:
"من غير ضرب وشتيمة؟"
فأشار يونس له بمعنى أن يكمل حديثه. فباع حمزة ريقه ثم هتف وهو يذهب إلى باب الغرفة:
"دكتورة نفسية."
نظر له يونس بصدمة محاولاً استيعاب ما قال:
"نعم! دكتورة نفسية؟ جايبلي دكتورة نفسية ليه؟ شايفني مجنون ولا بشد في شعري؟"
فأجاب حمزة مسرعاً بمزاح:
"الاتنين."
***
أنهت تمارا ممارسة الرياضة الخاصة بها وذهبت إلى إحدى المطاعم الخاصة بالنادي. كانت لمار ومودة بانتظارها.
دلفت إلى الداخل، ألقت نظرة في المكان فرأت مودة تجلس بمفردها فاتجهت إليها.
انشقت شفتي تمارا عن ابتسامة ثم هتفت وهي تحتضن مودة:
"أسبوعين عشان أشوفك."
فأجابت مودة ببسمة هادئة:
"حقيقي آسفة إني مردتش عليكي، بس مكنش ليا نفس أقابل حد."
فربتت تمارا على كف يديها بحنية:
"لو ترحموا نفسكم من اللي انتوا فيه، وكل واحد فيكم يعترف للتاني. إنما تفضلوا كده، ولا هو بيتكلم ولا أنتي، وكل واحد فيكم عارف إن التاني بيحبه، يبقى بتتعبوا بعض."
مسحت مودة دموعها التي ذرفتها عينها بضعف:
"مقدرش. هروح أقوله إيه بحبك؟ هيقولي أنا كمان بحبك ونتجوز، طب بعد كده، أنتي عارفة إني مقدرش أخلف."
فقطعتها تمارا بتصحيح لحديثها:
"لا طبعاً، الدكتور قالك هتحتاجي فترة ومع العلاج هتقدري. سيبي كل حاجة على ربنا وخدى أنتي الخطوة. عادل خايف يعترف ترفضي ويبقى خسرك خالص، يا تبدأي أنتي يا مضيعيهوش من إيديك لو اتكلم."
تنهدت مودة بصوت عالٍ:
"هحاول. لمار بتعمل إيه كل ده؟"
فأشارت تمارا بعينيها على لمار التي تقف خلف مودة:
"بتتصور مع جماهيرها."
فخرجت قهقه من فم مودة:
"مجنونة."
قاطعتهم لمار وهي تجلس على المقعد أمام تمارا:
"أتأخرت عليكوا؟"
فأجابت تمارا بنبرة يسودها السخرية:
"لا يا حبيبتي، بقالك نص ساعة بس واقفة معاهم."
فأجابت لمار بنبرة يسودها الغرور:
"الله، هما اللي عاوزين يتصوروا معايا."
تحدثت مودة بجدية:
"سيبك من الكلام ده، عملتي إيه في الاجتماع؟"
فأجابت لمار بشرود:
"هقرأ وهرد عليهم."
***
دلف عمار إلى المكتب بدون استئذان. فوقف مصطفى من جلسته وهتف بدهشة:
"فيه إيه؟"
فعقد عمار يديه أمام صدره ثم أجاب:
"تقدر تقولي أنت فين بقالك يومين؟"
فنتف مصطفى بنبرة يسودها البرود:
"كنت مسافر بغير جو."
لم يستطع عمار كتم غضبه:
"بتغير جو وقت افتتاح المعرض يا برودك يا أخي."
فجلس مصطفى على المقعد:
"عادي يعني، وبعدين يونس فين؟ مش من عادته يغيب؟"
فأجاب عمار محاولاً التهرب من سؤاله:
"معرفش يونس فين، ويا ريت خلينا في الشغل اللي متأخر ده."
***
في صباح اليوم التالي ببيت حمزة، كان يجلس يونس ومرام يتناولون الإفطار.
مد يديه بقطعة الجبن إلى فم الصغيرة فتناولتها:
"هو بابي دايماً بيتأخر كده ومش بيفطر معاكي؟"
فهزت الصغيرة رأسها:
"ساعات، والنانا هي اللي بتفطر معايا."
فتحدث حمزة من خلفها وهو يهتف بجدية مصطنعة:
"إممم، لحقتي تشتكيله. شكلي غلطت لما جبته يبات هنا."
فأمسكت الصغيرة بيد حمزة:
"لا يا بابي، يونس حبيبي خليه يجي على طول."
فقربها يونس إليه ثم قبلها على خديها:
"حبيبة يونس."
فرفع حمزة حاجبيه وهتف بنبرة يسودها الغيرة:
"واضح إني اتبعت في ثانية."
فضحك يونس عليه وتبعته الصغيرة على مشاكسة والدها.
قاطع حديثهم رنين هاتف يونس، فقام بالرد عليه.
فنظر حمزة إلى الصغيرة وأشار إليها بارتداء ملابسها.
فأطاعته الصغيرة. بقي حمزة بجانب يونس يستمع إلى محادثته.
هتف يونس بجدية:
"يعني كده اتلغى."
ثم صمت واستمع إلى من يتحدث من الجانب الآخر.
ثم هتف يونس بعد ثوانٍ وهو ينهي الكلام:
"كويس جداً إنك عملت كده، وأي حد يسأل، أنا مسافر."
أنهى حديثه بالهاتف، فعقد حمزة حاجبيه متسائلاً:
"كنت بتكلم مين؟"
فأجاب يونس بهدوء:
"ده المحامي، كان بيعمل حاجة كان لازم تتعمل من زمان."
***
ببيت عائلة المنياوي بغرفة نيرة، كانت تأخذ الغرفة ذاهبة وإيابا وهي تتحدث في الهاتف.
نيرة بغضب:
"بقولك معاه صور ليا وأنا بحضنك. اللي خلاه يوصل ليها أكيد هيوصل ليك ويعرف أنت مين."
فسمعت رد من الجانب الآخر وهو يتحدث ببرود:
"وأنا بقولك يونس لو كان عاوز يعرف أنا مين كان عرف، مكنش استنى كل ده. متقلقيش. المهم دلوقتي إن لازم نشوف حل تاني ناخد منه الفلوس والشركة."
تحدثت نيرة بنفاذ صبر:
"أنا مش هشوف لسه حل تاني. عندك حل بعيداً عن إني أتجوزه، أهلا وسهلا. مفيش يبقى ننهي الموضوع عشان أنا تعبت."
فأتاها صوته من الجانب الآخر بمسايسة:
"طب خلاص متزعليش نفسك، أكيد هنلاقي حل."
رواية صراع الحياة الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد
وقفت سيارة حمزة أمام مدخل المستشفى.
تدرج منها يونس، وذهب حمزة إلى الجراج الخاص بالمستشفى ليركنها.
دلف يونس إلى المستشفى وعيناه تبحث عنها في كل مكان.
حتى لمحها تقف في إحدى الطرقات مع إحدى الممرضات.
ذهب إليها بعد مغادرة الممرضة.
أقترب يونس نحوها ثم ألقى عليها التحية:
"صباح الخير يا دكتورة."
ابتسمت تمارا أول ما وقع نظره عليها، وقد بان عليه القلق لرؤيته في المستشفى:
"صباح النور، حضرتك كويس؟"
أجاب يونس بنبرة يسودها التوتر:
"أنا الحمد لله كويس، في الحقيقة أنا هنا عشان قررت أتعالج."
تحدثت تمارا بحماس وقد انبعث في حركاتها:
"حضرتك بتتكلم جد، إن شاء الله هتبقى كويس، متقلقش. المهم متكونش زعلت مني لو تقلت عليك بالكلام؟"
أجاب يونس بالنفي:
"لا أبداً، ياريت ميكونش أنتي زعلتي مني."
هتفت تمارا بتفهم:
"على إيه يا بشمهندس، دا شغلي، وأنا موجودة في أي وقت تحتاجني فيه."
مسح يونس على شعره بخجل:
"بصراحة حمزة قالي على التجمعات اللي بتعمليها ونصحني إني أتابع معاكي."
ابتسمت تمارا على خجله:
"وأنا تحت أمرك في أي حاجة."
دخلت إليه السكرتيرة الخاصة به، تحدثت إليه ببعض التوتر:
"مستر مصطفى؟"
رفع مصطفى نظره إليها بتساؤل:
"خير؟"
تحدثت السكرتيرة بتوتر وقلق:
"الورق اللي حضرتك مضيت عليه مش عارفين نصرفه."
رفع مصطفى حاجبيه بتساؤل:
"نعم؟"
بلعت السكرتيرة ريقها في خوف:
"بيقولوا في مشكلة في الأمضة، فكلمت المحامي وفي الحقيقة قالي..."
وقف عمار بدهشة من اقتحام مصطفى لمكتبه، فهتف متسائلاً عن سبب هجومه:
"إيه يا مصطفى، في حد يدخل على حد كده؟"
خبط مصطفى على المكتب بيديه بغضب محاولاً كتمه:
"يونس ابن عمك فين؟"
عقد عمار حاجبيه بتعجب:
"يعني الدخلة دي كلها عشان تسألني على يونس، عمتاً يونس مش هنا، سافر. وأنت بتسأل عليه ليه؟"
أجاب مصطفى بجنون قد تملك منه:
"يعني إيه سافر، وسافر إزاي؟"
تحدث عمار بنفاذ صبر:
"يعني إيه سافر إزاي، أكيد في طيارة يعني مش هياخدها مشي. ممكن تنطق وتقولي إيه اللي حصل من الآخر؟"
أجاب مصطفى بعصبية مفرطة:
"التوكيل اتسحب مني."
أخذ عمار نفساً بصوت عالٍ ثم تحدث:
"هو الموضوع كده، عمتاً اطمن، مش أنت لوحدك، كل اللي كان له التوكيل تبع يونس، يونس إلغاه، حتى بتاع بابا."
عقد مصطفى حاجبيه بتساؤل:
"وهو ليه يعمل كده، وبعدين مين اللي هيمشي الاتفاقيات وهو مش موجود؟"
جلس عمار على المقعد بهدوء:
"لا اطمن، حمزة وليلى معاهم توكيل."
مصطفى بدهشة:
"وهي ليلى راجعة؟"
نظر عمار أمامه بشرود:
"معرفش."
دقت تمارا على باب مكتب حمزة فأذن لها بالدخول.
أطلت برأسها ثم دخلت وهي ترسم بسمة قد عرفها الجميع بها ولا تستطع الزوال بسهولة:
"هقاطعك عن حاجة؟"
أشار حمزة إلى المقعد:
"لا طبعاً، اتفضلي."
جلست تمارا ثم تحدثت بنبرة يسودها الجدية:
"في الحقيقة أنا قابلت بشمهندس يونس الصبح وعرفت منه إنه اتقبل فكرة العلاج."
أجاب حمزة بنبرة يسودها الفرح وقليل من القلق على ابن عمه:
"حصل، وهيفضل معانا طول فترة العلاج، خصوصاً إنه مش عايز الخبر يوصل لأهلنا. إحنا هنبدأ بالكيماوي ولو حصل أي حاجة هنضطر نتجه للعملية."
عقدت تمارا حاجبيها:
"بس لازم تحاليل الشخص اللي هناخدوا منه العينة تكون جاهزة، وفي موقف زي ده أهله لازم يبقوا عارفين."
تحدث حمزة بشرود:
"متقلقيش، هيعرفوا قبل ما نوصل للمرحلة دي."
وقت تمارا منهية للحديث:
"أتمنى ذلك، وفرصة إنه هيقضي فترة علاجه جوه المستشفى، بس أكيد هيجي عليه وقت إنه يحب يخرج ولازم نتقبل ده."
بداخل إحدى البيوت البسيطة الموجودة داخل إحدى المناطق الشعبية.
وضعت بسمة كوب العصير أمام شقيقتها سعاد:
"خير يا ختي، جاية ليه؟"
رشفَت سعاد رشفة من العصير ثم وضعته مرة أخرى أمامها:
"الله، هو أنا عشان أجي أشوف أختي يبقى لازم يبقى فيه سبب؟"
رفعت بسمة إحدى حاجبيها بتعجب:
"ده لو مكنتيش عندي إمبارح، هاتي من الآخر؟"
تحدثت سعاد ببعض التوتر:
"بصراحة يا أختي، مسعد جوزي، انتي عارفة داخل مشروع جديد ومن الآخر هو عايز ورثي، ومفضلش غير الشقة دي."
وقفت بسمة بحدة:
"ورثك ده لما يكون بتاعك لوحدك، إنما الشقة بتاعتنا إحنا الاتنين، وأنا مش هبيع البيت اللي مفضلش غيره معايا."
وقفت سعاد أمامها:
"يعني إيه؟"
ربعت بسمة يديها أمام صدرها:
"يعني مكنتيش تقعدي تبيعي دهبك وفلوسك اللي ورثتييهم وجاية كمان عايزة تبيعي حتة البيت اللي ليا فيه النص. روحي يا أختي قولي لجوزك إن أنا مش هبيع حاجة."
هتفت سعاد بنبرة يسودها الغضب:
"يعني ده آخر كلام عندك؟"
أجابت بسمة بثبات والقلق ينهش في قلبها:
"آه، ومعنديش كلام غيره."
أخذت سعاد حقيبتها بغضب:
"ماشي يا بنت أمي وأبويا، بس خليكي فاكرة إني جيتلك بالذوق."
جلست بسمة بحزن ثم نظرت إلى السماء ورفعت يديها ببكاء:
"يارب يارب أرحمني يارب، أنا تعبت والله تعبت."
جلس عمار أمام يونس وهو يقص عليه ما حدث في العمل.
أنهى عمار حديثه بجدية:
"هو ده كل اللي حصل، بس فيه حاجة مش فاهمها، ليلى هتتابع الشغل من هناك إزاي وليه حمزة بالذات؟"
أجاب يونس بنبرة ثقة:
"لحاجة في دماغي."
ثم رفع يونس يديه عندما كان عمار على وشك سؤاله:
"ومن غير أسئلة، سبني من الشغل، عرفت من حمزة إنك أجلت معاد الفرح، أجلته لي؟"
نظر إليه عمار بدهشة:
"عايزني أتجوز وأنت في الظروف دي؟"
ربط يونس على كتف عمار:
"طبعاً، لو عايز تفرحني اعمل فرحك في معاده، متستناش لحد ما أتعالج."
تحدث عمار بنبرة يسودها الحزن:
"بس أنا مقدرش أعمل كده."
أخذ يونس نفساً بصوت عالٍ ثم قطع حديثه:
"اعمل اللي بقولك عليه ومتجادلنيش."
أجاب عمار بتساؤل:
"طب كده الكل هيلاحظ غيابك، وحتى لو الكل ملاحظش كفاية سالم وأنس اللي بيحسوا بيك من أقل حاجة."
وقف يونس بشرود:
"متقلقش، كل حاجة مترتب لها."
بداخل بيت فضل المنياوي كانت الأمور ليست على ما يرام.
كان الجو مشحون ببعض القلق والتوتر.
تحدث فضل بغضب:
"أكيد أنتي السبب ورا إنه يسيبك؟"
تحدثت نيرة بنفاذ صبر:
"يووه، كفاية بقى، خليتني اتخطب له وأنا مش بحبه. قولتلي هينفذلك كل اللي عايزاه، وأنا عارفة غرضك الوحيد ورا الجوازة دي."
توقفت لثواني ثم أكملت بغضب قد كتمته طوال سنوات:
"كل ده عشان يونس قدر ينقذ الشركة من المشاكل اللي عليها، ومش بس كده، لأ وفتح شركة خاصة به، غير معارض العربيات اللي عنده. أنت مخلتنيش اتخطب له غير عشان فلوسه وبس."
تحدث فضل بغضب مماثل:
"اسمها فلوسنا مش فلوسه، وهو جاب كل ده منين مش من الشركة اللي المفروض جدك سابها للعيلة."
تحدثت نيرة بعند وهي تصحح حديثه:
"الشركة اللي مكتوبة باسم عمي؟"
حاول فضل التهرب من حديثها:
"جدك كان بيحب عمك أكتر مني وكتب له كل حاجة، وبعدين ده مش موضوعنا، أنتي هترجعي ليونس، أنتي فاهمة؟ تروحي بقى تترجيه تعملي اللي تعمليه، المهم إنك ترجعيله، أنتي فاهمة؟"
أجابت نيرة ببرود قد تملك منها:
"ريح نفسك يا فضل بيه، يونس سافر وساب البلد، ومحدش يعرف راح فين."
جلس فضل من صدمته فهو لم يستوعب ما هتفت به ابنته:
"يعني إيه سافر؟"
ربعت نيرة يديها أمام صدرها:
"يعني بح، معدش في يونس."
رواية صراع الحياة الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد
كانوا يسيرون بجانب بعضهم في طرقات المستشفى.
تطلع يونس إلى الغرف التي تحيطه من حوله ثم هتف بتفكير وهو يلتفت إليها:
- بس حقيقي فكرة إن المبنى دا يكون منفصل عن المبنى الرئيسي دا كويس جدا.
فأبتسمت تمارا ثم هتفت بعدما تأكدت منه لم يأتِ هنا من قبل:
- واضح إنك مجتش هنا خالص؟
فوقف يونس عن السير:
- في الحقيقة مكنتش باجي هنا نهائي ولو جيت مكنتش بهتم إن أشوف المباني اللي حوالين المبنى الرئيسي.
***
وصل فريد في الوقت المتفق عليه قام بشد المقعد ثم جلس وهو يهتف معتذراً:
- آسف لو إتأخرت عليكي.
فأجابت لمار بنفي:
- لا أبداً أنا اللي جيت بدري.
فهز فريد رأسه بتفهم:
- أتمنى ام يكون الورق عجبك؟
عقدت لمار كفيها ببعضهما ثم تحدثت بجدية:
- في الحقيقة يا أستاذ فريد الورق حلو جدا، بس في كام نقطة حابّة أنها تتغير.
فهز فريد رأسه بعدم اعتراض:
- مفيش مشكلة ممكن تقوليلي هما إيه.
فأكملت لمار حديثها بجدية:
- في مشاهد خارجة أنا مقدرش أعملها، يعني، ولا مبادئي ولا شخصيتي ووضع عيلتي في البلد يسمح بمشاهد زي دي.
فرك فريد ذقنه بتفكير:
- هو قرار زي دا يبقى في إيد فادي ممكن واحنا بنمضي الورق تعرفيه.
صمت لمار لثوانٍ تفكر في هذا الفادي الذي لم تقابله سوى مرة واحدة لكن شيئاً بداخلها يشعرها بالقلق لكن سريعاً ما أصمت شعور الفرحة هذا القلق وهزت رأسها بالموافقة.
***
بالحديقة الخاصة بالمستشفى دخلت بسمة وهي تبحث بعينيها في المكان فرقعت أنظارها على تمارا تقف وهي تسير بجانب شاب مجهول الشخصية لها، أسرعت الخطوة إليها ثم هتفت منادية إليها.
ألقت التحية على تمارا فاخذتها تمارا وجلسوا بجانب قريب من يونس بعدما أذنت منه تمارا بالتحدث معها.
صغت تمارا جيداً لما سردته بسمة على مسامعها من المعاناة التي حدثت لها مؤخراً، وبما قام به طليقها من عدم السماح لها بأخذ طفلتها، ومن طمع أختها بالمال.
أمسكت تمارا بكف بسمة في حزن على هذه السيدة التي عانت ومازالت تعاني في هذه الحياة بمفردها لكن دائماً هناك ما هو أحن من الأشخاص وهو الله.
هتفت بنبرة تحمل اللوم:
- كل دا يحصل يا بسمة ومتكلمنيش.
مسحت بسمة دموعها:
- محبتش أتقل عليكي أكتر من كده كفاية وقفتك جنبي أيام علاجي.
فتحدثت تمارا بعتاب:
- ولو، مش أنتي دايماً تقولي إني زي أختك الصغيرة.
فقطعتها بسمة بسرعة ومحلامح الحزن مازالت ثابتة على وجهها:
- طبعاً أختي وأكتر كمان، دا اللي هي من لحمي ودمي عايزة ترميني في الشارع.
فأبتسمت تمارا بهدوء:
- يبقى دلوقتي لازم نرفع قضية عليه.
فخفضت بسمة رأسها بتفكير لثوانٍ ثم رفعت رأسها وهي تهتف بتساؤل:
- طب وهنلاقي محامي فين؟
قطعهم صوت يأتي من خلفهم كان يستمع إلى الحديث منذ بدايته:
- لا متقلقوش دي عندي.
***
كان عمار ينزل على الدرج ويتجه نحو باب البيت لكن أوقفه صوت والده وهو يهتف بصرامة:
- كنت فين طول الأسبوع يا عمار؟
فتوقف عمار ثم رد ببعض التوتر:
- كان عندي شغل كتير في المكتب.
فأجاب فضل بتساؤل:
- لدرجة إنك تبات هناك؟
فهتف عمار مبرراً:
- ما حضرتك عارف يونس مسافر وأنا اللي شايل حاجات كتير في الشغل.
فتحدث فضل بتفهم:
- تمام، أنا كلمت حماك وقالي إنك كنت هتأجل فرحك، مفيش فرح هيتأجل،. مش ناقص يحصل مشاكل معاك أنت كمان.
فهتف عمار بنبرة يسودها بعض الغضب:
- دا فرحي أنا ومراتي وإحنا اللي نحدد نأجل ولا نتمم، وعمتاً إحنا رجعنا في قرارنا، بعد إذنك يا بابا عشان حمزة مستنيني عندنا شغل.
فنطر فضل إلى ابنه بتفكير ثم تحدث:
- ياريت تعرف البيه إن أهله لسه عايشين ليكون نسينا ولا حاجة.
فنهد عمار بصوت عالٍ وهتف وهو يغادر البيت:
- حاضر يا بابا.
***
نظرت له تمارا بدهشة من وجوده ثم انشقت شفتيها ببسمة ثقة فهي تعلم جيداً أن تدخله في هذا الأمر سوف يساعدهم كثيراً ثم نظرت إلى بسمة محاولة أن تطمئنها.
بالفعل بعد نصف ساعة كان المحامي الخاص بيونس قد وصل وقام بالتحدث مع بسمة، وقصت عليه ما حدث بالتفصيل.
وقف المحامي منهياً حديثه بعدما أخذ منها كل المعلومات:
- تمام يبقى حضرتك تعدي عليا بكرة يكون ورق التوكيل وباقي الأوراق جاهزة وبعدها نقدر نرفع قضية حضانة إنك تضمي بنتك ليكي، وإن شاء الله من أول جلسة تاخديها.
وقفت بسمة أمام يونس وهي تنظر له بالشكر والامتنان:
- حقيقي مش عارفة أشكرك إزاي، جميلك دا هيفضل على طول فوق راسي.
فأبتسم لها يونس ثم تحدث وهو ينظر إلى تمارا:
- دا مش جميل ربنا ساعات بيحط لنا ناس في طريقنا بيبعت لنا عن طريقهم مساعدته، زي ما ربنا بعتني هنا عشانك بالظبط، المهم دلوقتي متفكريش في حاجة غير إن بنتك هترجع تاني لحضنك، قوليلي أنتي خريجة إيه؟
فأجابت بسمة بتوتر:
- أحم كان معايا دبلوم تجارة.
فمد إليها ورقة مدون عليها عنوان وهو يهتف بنبرة يسودها الحماس:
- حلو تروحي بكرة العنوان دا هتعرفي اللي هناك إنك تبعي وتقدري تستلمي شغلك.
فأشارت بسمة إلى نفسها بذهول:
- شغل ليا أنا؟
فهز يونس رأسه بتأكيد.
بينما تمارا التي كانت تتابع ما يحدث لم تستطع أن تزيل نظرها عنها.
أغمضت عينيها لثوانٍ محاولة السيطرة على هذا الشعور الذي راودها ثم التفتت إلى بسمة ثم وضعت يديها حول كتفها وهي تهتف قائلة:
- شوفتي ربنا فرجها إزاي؟
غادر المحامي ثم أخذت تمارا بيد بسمة واتجهوا نحو التجمع الذي تعده تمارا بحديقة المستشفى وتبعهم يونس.
اتخذ كل منهما مقعداً لكي يجلسوا عليه ثم قامت تمارا بالتحدث:
- مساء الخير حقيقي مبسوطة بالتزامكم بالجلسة ودي حاجة مفرحاني جدا قبل ما نبدأ رحبوا بصديقنا الجديد.
فأشارت بيدها نحو يونس لكي يعرف عن نفسه فتحدث يونس ببعض التوتر:
- مساء الخير أنا يونس.
فقام الجميع بإلقاء التحية:
- أهلاً يا يونس.
مر الوقت كان الجميع تحدث بما مر به في الفترة الأخيرة.
أخذت تمارا يونس ثم تقدمت نحو سيدة كانت في عقدها الخامس فمن يقع نظره عليها يرى هذا اللون الأبيض الذي خطى شعيراتها السوداء القليلة التي تتطاير من الأمام وقد تمردت وخرجت عن طوع حجابها والتي من الواضح تمني جديدة.
علامات الشيب التي خطت على وجهها كان الحياة أثرت على أن تخطو على وجهها.
وقفت تمارا أمامها ثم تحدثت بفرحة لم تستطع إخفائها:
- أحب أعرفك على أكبر حد حضر ليا الجلسة بتاعتي ماما سميرة.
فمد يونس يديه:
- أهلاً بحضرتك.
فقابلته سميرة بابتسامة تزين وجهها:
- أهلاً يا ابني، إن شاء تخرج منها على خير، ومتحزنش كده ربك كبير.
فجلس يونس أمامها باستغراب لهذه السيدة التي تشع منها الطيبة:
- ليه حضرتك بتقولي كده؟
فابتسمت سميرة:
- مستغرب مش كده بس في الحقيقة واحنا قاعدين قدرت أشوف حزنك وخوفك بوضوح.
فنظر لها يونس بدهشة ثم نقل نظره بينها وبين تمارا الذي كانت تنظر إلى سميرة الذي استطاعت أن ترى حزنه هي الأخرى.
قطعته شرودهم سميرة وهي تهتف:
- هحكيلك قصة مرة كان في واحدة هي وجوزها عايشين في حياة سعيدة جدا ربنا حرمهم من الخلفة وكان هو السبب وحاربوا لسنين مع بعض إنهم يحاولوا لكن ربك ما أرادش.
وبعد أكتر من عشرين سنة جواز عرفت إنها عندها كانسر ولما عرف سابها ومشيت.
توقفت لثوانٍ وهي تنظر أمامه وانشقت شفتيها عن ابتسامة حسرة لم تستطع الأيام أن تمحوها:
- ومش بس كده لا اتجوز عليها؛ وهي بعدها بتلت سنين قدرت تحارب على المرض دا بمساعدة ناس ومن فترة عرفت إنه جاله نفس المرض ومش بس كده مراته سابته؛ عايز بعد دا كله ومقدرش أشوف اللي في قلبي بوضوح.
نظر لها يونس بأعين مليئة بالدموع أغمض عينيه محاولاً السيطرة عليه ثم هتف متسائلاً:
- دي قصتك أنتِ مش كده؟
فهزت سميرة رأسها بتأكيد.
مسحت تمارا دمعة قد هربت من مسكنها ثم حاولت أن تغير الموضوع:
- إحنا هنقلبها نكد ولا إيه، لا ماما سميرة دي أكتر حد ممكن تشوفه وتضحك من غير سبب.
فأشارت إليها سميرة لكي تقترب، فأقتربت منها ثم جلست بجانب يونس فتحدثت تمارا وهي تهتف بحماس:
- ماما سميرة نسيت تقلك إنها بتعمل شوية فساتين تحفة.
فتحدث يونس بنبرة يسودها الدهش:
- بجد!؟
فأجابت عليه سميرة:
- إيه مصدوم، زمانك بتقول الست الكركوبة دي عندها نظر وبتشوف تعمل فستانين على أديها.
فنظر إليها يونس باستغراب مصطنع:
- مين دي اللي كركوبة.
ثم اقترب منها وهو يتحدث بصوت منخفض لكنه وصل إلى أذن تمارا:
- طب عارفة انتي أحلى من الدكتورة دي، لا أحلى إيه دا انتي أصغر منها كمان.
فعقدت تمارا حاجبيها بزعل وهي تضم شفتيها مثل الأطفال:
- بقي كده يا بشمهندس.
***
بالمساء عادت تمارا إلى البيت، رأت بعض الحقائب موضوعة بجانب الباب فسألت والدتها باستغراب:
- الله الشنط دي بتاعة مين!؟
فأجابت فاطمة وهي ترتدي حقيبة اليد الخاصة بها:
- أنتي جيتي، خالك كلمني وقال إنه جاي بكرة فقولت أخد خالتك عشان نروح نفتح البيت.
فجلست تمارا على الأريكة:
- طب مبعتيش حد من الأمن ليه يفتح وكنتوا رحتوا الصبح.
فأجابت فاطمة قائلة:
- دلوقتي من الصبح مش فارقة المهم متنسيش تيجي بليل عشان تسلمي عليهم.
فوقفت تمارا ثم اتجهت نحو غرفتها بتهرب:
- موعدكيش إني أجي بكرة ولو على خالو في أي وقت ممكن أروحله الشركة.
أجابت هذه المرة ساجدة التي كانت تتابع الحديث وتعلم جيداً في مكنون نفسها أن ابنة شقيقتها سوف تهرب لسنوات:
- وهتفضلي تهربي لحد إمتي؟
فتوقفت تمارا عن السير ولكن لم تلتفت لهم:
- لحد ما ياسر يعرف إني مش له ويعرف كويس إنه خان صاحبه وابن عمته.
شدت فاطمة يد ساجدة محاولة السيطرة على غضبها:
- يلا يا ساجدة عشان أنا خلاص تعبت منها، لمار عندك جوه نايمة لما تصحي ابقوا اتعشوا.
رواية صراع الحياة الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد
في الصباح الباكر، جهزت الممرضة تمارا لكي تستطيع الدخول إلى يونس.
بعد أن تعقمت بالكامل، دخلت إلى غرفته. وقع نظرها عليه وهو يرقد فوق الفراش. دخلت إليه في توتر ثم وقفت أمامه وهي تفرك يديها.
اعتدل يونس في جلسته عندما رآها تدلف إلى الغرفة.
أبعدت أنظارها عنه بتهرب، محاولة أن تتحدث. فهتف يسائلها بسؤال تعرف إجابته جيدًا:
- عامل إيه؟
فتنهد يونس بصوت خافت:
- كويس.
بلعت تمارا ريقها بتوتر:
- جاهز؟
فنظرت لها يونس بحيرة:
- هكدب عليكِ لو قولتلك جاهز.
فنظرت له تمارا بحزن:
- عاوزَاك تخلي أملك في ربنا كبير. خليك متأكد إن ربنا حطك في الاختبار ده وإنك تقدر تعدي منه. ولو مكنتش أده مكنتش اتحطيتْ فيه. احمد ربنا على أي حال أنت فيه.
فتمتم يونس بحمد:
- الحمدلله.
قاطعهم دخول حمزة محاولًا السيطرة على قلقه:
- جاهز؟
فوقف يونس محاولًا ألا يبعد المصل عن يديه:
- جاهز.
فأخذه حمزة وخرج، وخلفهم تمارا تتمتم ببعض الآيات القرآنية من أجل أن يشفيه.
***
داخل إحدى مباني الإنتاج، دخلت لمار وبجانبها مودة، ويتبعهما المحامي الخاص بها. كان فريد وفادي ينتظرانهم بغرفة الاجتماعات.
هتف فريد بترحاب:
- أهلًا يا آنسة لمار، تفضلي.
فنظرت لمار إلى مودة والمحامي:
- أحب أعرفك مودة مديرة أعمالي أو ممكن نقول صديقتي المقربة، ودا المحامي منير شهاب المحامي الخاص بعيلتنا.
فنظر فريد وفادي إلى بعضهما بتوتر، ثم تحدث فادي بهدوء:
- أها أهلًا وسهلًا، بس الموضوع ما كانش يستاهل إنك تتعبي المحامي بتاعنا الموجود.
فأجابت مودة مقاطعة حديث لمار وهي تهتف بنبرة يسودها الجدية:
- حضرتك دي أمور قانونية وأعتقد دي حاجة متزعلش؟
فتحدث فريد محاولًا تغيير مجرى الحديث:
- طب تفضلوا يا جماعة، أنتم هتفضلوا واقفين ولا إيه؟ ها تحبوا تشربوا إيه؟
فأجابت لمار بنفي:
- ميرسي جدًا، إحنا حابين نبدأ الشغل. ممكن حضرتك تقدر تقولي عملت إيه في المشاهد اللي كلمت حضرتك عنها؟
فنظر فريد إلى فادي بنظرة بمعني أن دور الحديث معك.
- أحم، فريد قالي، مفيش مشكلة وقت الشغل نتفق على المشاهد اللي تتحذف.
تحدثت مودة وهي تنظر إلى العقود:
- ممكن حضرتك تقولي إزاي تحط بند إن لو جالها عمل تاني وقت الفيلم متعملوش؟
فأجاب هذه المرة فريد:
- المفروض ده إجراء عشان لو جالها شغل تاني ممكن تقصر في شغلها معانا.
فرفعت مودة حاجبيها باستغراب:
- ده تشكيك إنها مش قد كذا شغلانة مع بعض؟
فاحمر وجه فريد بخجل:
- لا طبعًا مش قصدي.
فأجابت مودة بجدية:
- يبقى البند يتشال.
بعد ساعة، ودع فادي وفريد لمار وصديقاتها والمحامي الخاص بها.
انتظر فادي خروجهم، ثم خبط على سطح المكتب بغضب موجهًا حديثه إلى فريد:
- ليه معرفتنيش إنها هتجيب المحامي بتاعها معاها؟
جلس فريد على المقعد:
- عشان مكنتش أعرف ومجابتش سيرة في الموضوع ده.
***
بخارج غرفة الكيماوي، كانت تمارا تأخذ الممر ذهابًا وإيابًا في قلق وتوتر، وهي مازالت مستمرة في الدعاء له.
قاطع شرودها وصول عمار وبجانبه فتاة، من هيئتها اعتقدت أنها خطيبته.
ألقى عمار عليها التحية:
- أهلًا يا دكتورة.
فأجابت تمارا وهي تحاول أن ترسم بسمة بسيطة:
- أهلًا يا بشمهندس.
أشار عمار إلى ملك:
- أحب أعرفك ملك، خطيبتي.
فمدت ملك يديها، فقابلتها تمارا ببسمة:
- أهلًا يا دكتور.
هتف عمار بتساؤل:
- أحم، هما اتأخروا جوه؟
فنظرت تمارا إلى الباب بقلق:
- مش كتير، أنا هنا من قبل ما يدخل، متقلقيش باذن الله هيبقى كويس.
فتمتم عمار بصوت مسموع:
- إن شاء الله خير.
بعد مدة من الوقت، خرج حمزة والإرهاق واضح عليه.
نظرت تمارا إلى الباب بلهفة محاولة رؤيته:
- طمني يا حمزة، البشمهندس عامل إيه؟
فأجاب حمزة بهدوء:
- الحمدلله عدت، حاليًا هيتحط تحت المراقبة.
فقاطعت تمارا حديثه:
- عشان لو الحرارة ارتفعت مش كده؟ خصوصًا إن بعد الجلسة الأولى ده الوقت اللي بيخسر فيه المناعة.
فهز حمزة رأسه بتأكيد:
- فعلًا هنتابع النهارده معاه عشان الحرارة مترتفعش.
فأجابت تمارا بعد تفكير:
- أنا ممكن أبَات النهارده في المستشفى، هخلص شغل وأجي أتابع الحرارة.
فعقد حمزة حاجبيه:
- مش حابب أتعبك!
فهزت تمارا رأسها بنفي:
- ولا تعب ولا حاجة. عن إذنك، عندي شوية شغل هخلصهم وأرجع لك.
بعد مغادرتها، نظرت ملك إليها باستغراب:
- عارفين لولا إني شفت دبلة الجواز كنت قولت إنها بتحب يونس من قلقها وخوفها عليه.
فنظر حمزة وعمار إلى بعضهما باستغراب، ثم تحدث حمزة بضحكة:
- تمارا تحب يونس؟ وبعدين تمارا مش متجوزة، تمارا أرملة.
فنظر عمار وملك إليه ومعالم الدهشة كانت هي المسيطرة عليه. سريعا ما أفاقوا من دهشتهم، فهتفت ملك بنبوه يسودها التعجل:
- بس دي شكلها صغيرة.
فتنهد حمزة بشرود:
- لا دي حكايتها حكاية، كانت مكتوب كتابها على ابن خالتها واستشهد في الجيش، كانت لسه في الجامعة وكان في بينهم قصة حب كبيرة جدًا، ومن وقتها وهي رافضة تتجوز تاني. فاتطمني، تمارا تحب يونس أكيد لا.
فرفعت ملك كتفيها بحيرة:
- ممكن!
***
دخلت بسمة إلى المبنى وهي تنظر إليه بإعجاب. أوقفها أحد العمال:
- على فين يا فندم؟
فأجابت بسمة بتوتر:
- أنا بسمة، أستاذ يونس بعتني هنا لواحد اسمه الأستاذ صالح.
فنظر إليها العامل بشك:
- طب خليكي هنا وأنا ثواني وراجعالك.
بقيت بسمة واقفة لبعض الوقت، لحين عاد العامل وبجانبه شاب وعلمت من هيئته أنه المدعو صالح.
سأل صالح بجدية:
- حضرتك مدام بسمة؟
فهزت بسمة رأسها:
- أيوه أنا يا أستاذ.
فأشار صالح إلى الداخل:
- طب تفضلي معايا عشان تستلمي شغلك.
ذهبت معه بسمة، وقام صالح بشرح لها عملها وهو يريها المصنع.
مد صالح إليها بمفتاح وورقة:
- كده مفيش مشكلة تبدأي شغل من بكرة، تفضلي.
فنظرت بسمة إلى الورقة والمفتاح باستغراب:
- ده إيه؟
فأجاب صالح بنبرة يسودها البساطة:
- ده مفتاح شقتك.
فنظرت بدهشة:
- شقتي أنا؟
فأجاب صالح:
- أيوه، يونس طلب مننا نديهالك. ودي عمارة تبع الشغل، هتلاقي زمايل ليكي ساكنين.
أخذت بسمة المفاتيح والعنوان بدهشة وهي تتمتم بالحمد على كم الأبواب التي أخذت تفتح أمامها.
***
بالمساء، ذهبت تمارا إلى غرفة يونس، فقد ارتفعت حرارته ويشعر بالغثيان.
وقفت بجانب حمزة وهي تضم يديها أمام صدرها، تنظر إلى يونس بعدما غفى.
تحدثت بصوت منخفض:
- إن شاء الله هيبقى أحسن.
فتحدث حمزة بحزن:
- عندي أمل إننا منتجهش للعملية نهائي وإن العلاج يجيب نتيجة.
فأجابت تمارا بأمل:
- بإذن الله هيخف ويقوم منها.
***
نظر مرة أخرى إلى النتيجة، فعلم أنه مر أكثر من عشرين يومًا على وجوده هنا. ثم وقف أمام المرآة، كان الإرهاق والتعب واضحين عليه. قد خسر الكثير من الوزن، نظر إلى وجهه، فقد تساقط الكثير من شعره. أغمض عينيه بألم.
قاطع شروده دخول عادل لكي يأخذه إلى الأسفل. فطوال هذه الفترة تناوب الجميع في زيارته، وكانت في مقدمتهم تمارا وبسمة أيضًا، فقد شكرته كثيرًا على مساعدتها لها.
ساعده عادل في النزول، وكانت تمارا بالانتظار خارج الغرفة. مشت خلفهم.
اتجهت بسمة تجاها الصغيرة التي كانت تجلس بالأسفل مع الجميع، ثم أمسكت بيد صغيرتها وأخذتها نحو يونس وتمارا وهي تتحدث بفرحة:
- أحب أعرفكم بنتي اللي رجعت لحضني تاني بسببكم أنتم الاتنين، مش عارفة أشكركم إزاي.
فنزلت تمارا إلى مستوى الصغيرة وقامت بتقبيلها:
- أهلًا بالأميرة منة اللي تعبتنا معاها لحد ما نشوفها.
حاول يونس التحدث:
- مفيش شكر، المهم إنها رجعت لحضنك تاني.
جلس الجميع، فتحدث عادل بصوت عالٍ ليستطيع الجميع أن يسمعه:
- جماعة، أنتو عارفين إنكم أهلي التانيين وأكتر من أهلي كمان، عشان كده قولت لازم أفرحكم معايا. أنا اتعرض عليا شغل، هبقى مذيع على قناة رياضية وقبلت الشغل.
فبارك الجميع له بسعادة. ثم تحدث مرة أخرى:
- وبصراحة فيه خبر كمان.
فتحدث أحد الأشخاص بنبرة يسودها المرح:
- واضح إن الأخبار كلها عندك ولا إيه؟
فضحك عادل ثم تنحنح:
- مش هطول عليكم، وعشان أنتم أهلي مفيش ابن بياخد قرار من غيرهم.
صمت لثوانٍ ثم نظر إلى مودة بحب وأكمل حديثه:
- من فترة دخل في حياتي شخص، ممكن ماكنش له تأثير في الأول زيه زي أي شخص، بس مع الوقت كان له أثر وكان له لمسة في حياتي.
كانت مودة تنظر له بتوتر ونبضات قلبها تزداد، لا تشك أن الجميع يستمع إليها. أكمل عادل حديثه:
- في الحقيقة، وللأسف، حبيتها وهي كمان حبتني، وكل واحد فينا كان عارف إن التاني بيحبه، وفضلنا مكملين كده من غير ما حد يعترف للتاني تقريبًا، عجبنا نبقى هبل كده.
ضحك عادل ثم أكمل حديثه:
- بس من النهارده قولت كفاية علينا كده، كفاية نفضل بعاد أكتر من كده.
نظر عادل إلى مودة ثم أخذ نفس بصوت عالٍ:
- مودة، تقبلي تكملي حياتك معايا؟
فهزت مودة رأسها بنفي محاولة السيطرة على دموعها:
- عادل، أنت بتقول إيه؟ أنت عارف إني مقدرش أخلف.
قاطعها عادل بنفي:
- متكمليش، حبي ليكي أكتر من كده، كل ده ميهمنيش.
فقاطعته مودة باعتراض:
- بس...
رفع عادل يديه باعتراض:
- مفيش بس. إيه رأيك، موافقة ولا لا؟
فهزت مودة رأسها بخجل، فضحك عادل بشدة ونظر لها بحب، ثم قام الجميع بالمباركة له.
نظر عادل إلى تمارا ثم حدثها بهمس لم يفت يونس:
- شكرًا، من غيرك كنت ضيعتها من إيدي.
فنظرت له تمارا بامتنان:
- متقولش كده، أنتو الاتنين أخواتي.
***
بعد أسبوع، بداخل مطار القاهرة، كان ينظر إلى الأرض عبر شباك الطائرة وصوت المضيفة يعم المكان.
*يعلن مطار القاهرة عن وصول الرحلة رقم 40 المتجهة من لندن إلى القاهرة عن وصولها إلى أرض الوطن بسلام.*
قام بإتمام إجراءات الدخول ثم خرج إلى الخارج. وقف أمام المطار يبحث عن ابن عمه. رفع نظارته عندما رآه يقف أمام سيارته ينتظره. اتجه نحوه مسرعًا.
هتف أنس بصوت عالٍ بعض الشيء:
- عمار!
فاتجه نحو عمار وهو يفتح ذراعيه ثم قام باحتضانه:
- أنس، أخيرًا، كل دي غيبة؟
فأبتعد عنه أنس وهو ينظر حوله بإعجاب:
- اطمن، قاعد على قلبك مش ناوي أرجع. وبعدين في حد يرجع بعد ما شاف الحلويات دي كلها.
فخبط عمار رأسه بقلة حيلة:
- أنت لسه معقلتش وأنا اللي قولت لندن هتغيرك.
فعدل أنس ياقة قميصه بغرور:
- يا ابني، ده مفيش أحلى من الجنون.
فضحك عمار بشدة وهو يدفعه نحو سيارته:
- طب اركب يا عم المجنون.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الثامن
وقفت سيارة عمار أمام المنزل، فرتجل أنس من السيارة ثم وقف قليلًا يتطلع إلى المنزل باشتياق وعيناه تنظر إلى هنا وهناك وتصور أمامه مشاهد من الماضي. ضحكات هنا ونداء والدته وشقيقه الذي كان يجلس أسفل هذه الضجرة.
أغلق عمار باب سيارته وهو يهتف، قاطعًا عليه شروده:
- أول ما حمزة عرف إنك راجع وإننا هنفتح القصر الكبير، مترددش إنه يجي يقعد معانا.
تغيرت تعابير وجه أنس إلى السعادة، فحَمزة ليس ابن عمه فقط بل مثل شقيقه. فتح عمار باب المنزل فأتى حمزة على أثره صوت فتح الباب.
ابتسم حمزة ابتسامة اشتياق لم يستطع أن يخفيها:
- أنس، حمد الله على السلامة أخيرًا، كنت ناوي تفضل هناك لآخر العمر ولا إيه.
فابتعد أنس عن أحضانه هاتفًا بمزاح:
- لا طبعًا، من النهارده قاعد على قلبك.
هتف حمزة متسائلًا:
- طمني عمو وطنت أخبارهم إيه؟
فأجاب أنس وهو ينزل إلى مستوى الصغيرة مرام التي كانت تقف خلف والدها:
- كويسين، بإذن الله هيظبطوا الدنيا وهينزلوا.
قاطعهم عمار وهو يغادر:
- طب أسيبكوا أنا وألحق ملك عشان مستنياني.
انتظر أنس مغادرة عمار ثم تحدث بنبرة يسودها الخبث:
- مفيش حد تاني حابب تطمن عليه؟
فنظر له حمزة بتهرب:
- حد تاني مين يعني؟
فضحك أنس ضحكة ماكرة:
- عليا أنا، إذا مكنتش أنا اللي بحجزلك التذاكر بإيديا.
فوضع حمزة يديه على فم أنس بمزاح:
- إيه فضيحة، هتنجز وتقول ولا أقوم ألعب في وشك ماتش ملاكمة من بتوع زمان.
فأبتعد أنس عنه وهو يتصنع الخوف:
- لا وعلى إيه؟
أنهى جملته ثم تغيرت معالم وجهه إلى معالم الحزن:
- ليلي مش تمام يا حمزة، ليلي اتغيرت لمية وتمانين درجة.
فتنهد حمزة بصوت عالٍ، فأكمل أنس حديثه:
- ليلي محتاجاك، محتاجة لحمزة يرجع لها.
فهتف حمزة متسائلًا بأمل قد تسرب إلى قلبه:
- تفتكر هقدر؟
فأجاب أنس محاولًا أن يبث إليه الأمل:
- هتقدر، بابا هيجيبها معاه وهو جاي وتكون فرصة تصلح كل حاجة.
فوقف حمزة لكي يغادر محاولًا الهروب، فهو مهما تسرب إليه الأمل لرجوعها، فهو يعلم ليليته جيدًا ويعلم كم هي صعبة المنال مرة أخرى:
- طب أنا لازم أمشي، سايبلك مرام إن شاء الله متكولش دماغك.
فقبل أنس خد الصغيرة:
- لا، إحنا هنتسلى خالص.
***
وضعت تمارا الكتاب على المنضدة وبجانبه نظارة النظر الخاصة بها، ثم اتجهت نحو يونس وقامت بأخذ طاولة الإفطار من أمامه وقامت بإعطائها إلى الممرضة، ثم غادرت تاركة يونس وتمارا بمفردهما.
هتف يونس بخفوت:
- مش هتكملي قراءة عشان أعرف البطلة عملت إيه مع البطل.
فجلست تمارا على المقعد أمامه:
- كفاية عليك كده النهارده، لما أجي بليل نكملها.
نظر يونس إلى يديها، لمح الخاتم بيديها فتحدث بشرود:
- زمانه بيقلق عليكي كتير؟
عقدت تمارا حاجبيها بتعجب مسائلة:
- هو مين؟
فأجاب يونس باقتضاب:
- جوزك.
نظرت تمارا إلى يديها:
- بس أنا مش متجوزة، في الحقيقة أنا أرملة.
قالت جملته الأخيرة بحزن لم يفت يونس، لكن صدمته كانت قوية. هتف مرددًا كلماته:
- أرملة؟
فهزت تمارا رأسها بتأكيد:
- استشهد في الجيش.
فنظر لها يونس بتساؤل:
- ده من أمتي؟
قاطع عليهم حديثهم دخول الممرضة، فحمدت تمارا ربها، فهي أنقذتها من حديث وأسئلة لن تتحمل أن تجيب عليها.
الممرضة باعتذار:
- آسفة يا دكتورة، بس في حالة لازم تشوفيها.
فوقفت تمارا ثم استأذنت من يونس:
- عن إذنك يا بشمهندس، زمان دكتور حمزة على وصول وهيكون معاك وقت التحاليل.
***
بمكان ما، أول مرة نذهب إليه بلندن، حيث بلد الجمال والرقي.
بإحدى البيوت التي تتكون من طابقين، كانت هذه الشابة ذات الملامح الحادة والشعر القصير بعض الشيء تنزل عبر الدرج.
ذهبت إلى غرفة الطعام، كان والدها وزوجة والدها يجلسان.
ألقت عليهم التحية:
- صباح الخير.
فأجاب خالد وزينب:
- صباح النور.
تحدثت ليلي بتساؤل:
- اطمنتوا أنس وصل ولا لا؟
فأجابت زينب:
- أه يا حبيبتي، كلمني أول ما وصل.
هتف خالد متذكرًا:
- شوفي هتخلصي شغلك إمتى واحجزي التذاكر لينا إحنا التلاتة عشان نسافر مع بعض.
فعقدت ليلي حاجبيها:
- بس أنا مش مسافرة مصر.
فتغيرت تعابير وجه خالد إلى الجمود ثم هتف مسائلاً:
- يعني إيه؟
فهزت ليلي رأسها بنفي:
- لو سمحت يا بابا، ياريت تحترم قراري، أنا مش حابة أرجع مصر.
فوقف خالد بعصبية مفرطة أدت إلى سقوط المقعد على الأرض ثم تحدث بصوت عالٍ:
- ليلي، هي كلمة واحدة، هترجعي معايا مصر يعني هترجعي معايا مصر.
فنظرت ليلي إلى والدها نظرة مطولة تحمل الكثير. فأغمض خالد عينيه، فهو يعلم جيدًا هذه النظرة التي أصبحت صديقة ابنته منذ فترة ليست بالقليلة. أصبحت منبعها الوحيد للتعبير عن رفضها لأي أمر يقابلها، لكن لم تعد تنطق بالرفض:
- اللي تشوفه، عن إذنك، عندي شغل.
بعد مغادرة ليلي، هتفت زينب بنبرة يسودها العتاب:
- ليه الحده بس يا خالد؟
فجلس خالد على المقعد بعدما قام برفعه من الأرض ومعالم وجهه قد تبدلت إلى الحزن الشديد:
- ليلي لازم تفوق، كفاية كده، قلبي بيوجعني وأنا شايفها بتدفن نفسها في الشغل.
فطبطبت زينب على يد خالد بحنان قد تسرب إليه، فهو يحمد الله بأنه قد رزقه بزوجة ثانية قد عوضته عن غياب حبيبته وابنته الأولى:
- سيبها على ربنا وكل حاجة هتتحل.
***
في الصباح أمام إحدى النوادي الرياضية، كان أنس يتحدث عبر الهاتف وهو يسير.
استمع أنس إلى الجانب الآخر ثم أجاب:
- طب يا سيدي، أنا وصلت أهو، دقيقة وهكون قدامك.
ثم أغلق معه وهو يضع الهاتف بجيبه. اصطدم بشخص.
هتفت لمار بصوت عالٍ نسبيًا:
- الله، مش تفتح.
التقط أنس هاتفها الذي وقع منها على الأرض:
- آسف، ما أخدتش بالي.
فأخذت لمار هاتفها من بين يديه وهي تنظر له بحزن:
- أعمل إيه بأسفك دلوقتي، الفون اتكسر، غبي.
فنظر لها أنس بصدمة وهو يشير إلى نفسه:
- أنتي بتشتميني أنا؟
فأجابت لمار بنبرة يسودها العناد:
- آه، وأوعى بقى كده من طريقي.
ثم قامت بدفعه وغادرت. وقف أنس ينظر إلى اختفائها وسط تجمع الفتيات بدهشة. لكن قاطعه صديقه وهو ينظر إلى ما ينظر إليه أنس:
- أنت يا ابني واقف كده ليه!
أفاق أنس من دهشته:
- مراد، إيه اللي جابك؟ كنت داخل أهو.
فاعتدل مراد في وقفته:
- ما أنت اتأخرت، صحيح، واقف كده ليه؟
فأشار أنس إلى لمار بتساؤل:
- هي مين دي اللي الكل واقف ملموم حواليها؟
فنظر إليها مراد:
- أنت متعرفهاش، دي لمار الشافعي، بنت عيلة الشافعي بتوع شركات التصدير، غير إنها كانت ملكة جمال مصر وبقالها فترة في السوشيال، وحاليًا داخلة فيلم مع فادي.
فنظر له أنس بتساؤل:
- فادي بتاعنا؟
فأجاب مراد بتأكيد:
- هو بعينه.
تحدث أنس بتساؤل:
- طب وبنت عيلة الشافعي إيه اللي وقعها في طريق فادي؟
فنظر لها مراد مرة أخرى وهو يرفع كتفيه دليلًا على عدم علمه:
- علمي علمك، وبعدين إحنا هنقضي اليوم كله كلام عنها.
***
بعد يومين، نظرت ليلي عبر زجاج الطائرة بقلق، فهي تعود إلى أرض الوطن بعد أكثر من خمس سنوات. لم تستطع البقاء فيه بعدما خانها القدر وخانها حبيبها، وقبلهم صديقة عمرها. كأن الجميع أجمع على تدميرها.
قاطع شرودها والدها:
- اطمنتِ على عمك.
فأجابت ليلي قائلة:
- أيوه، طيارته هتوصل معانا.
فسألها خالد أيضًا:
- وأكدتي على أخوكي يبعت عربية تاخدنا.
فأجابت ليلي بتأكيد:
- اطمن يا بابا، كل حاجة جاهزة.
فتحدثت هذه المرة زينب:
- لسه لحد دلوقتي معرفتيش يونس سافر فين؟
فأجابت ليلي بنبرة يسودها الحزن، فهي قد تتمنى أن يكون معها عندما تعود إلى أرض الوطن، فهي لن تطمئن سوى بين أحضانه:
- لا، آخر حاجة وصلتلي منه لما عمل التوكيل ليا أنا وحد كمان.
فسأل خالد باستغراب عن عدم إخبار ولده لابنته عن هوية الشخص الآخر:
- معرفتيش منه مين؟
فرفعت ليلي كتفيها بحيرة:
- مردش يقولي هو مين، بس احتمال كبير يبقى عمار. عمتاً، حبه وهنوصل، وبكرة هنزل الشركة وأعرف كل حاجة.
***
في الصباح أمام إحدى النوادي الرياضية، كان أنس يتحدث عبر الهاتف وهو يسير.
استمع أنس إلى الجانب الآخر ثم أجاب:
- طب يا سيدي، أنا وصلت أهو، دقيقة وهكون قدامك.
ثم أغلق معه وهو يضع الهاتف بجيبه. اصطدم بشخص.
هتفت لمار بصوت عالٍ نسبيًا:
- الله، مش تفتح.
التقط أنس هاتفها الذي وقع منها على الأرض:
- آسف، ما أخدتش بالي.
فأخذت لمار هاتفها من بين يديه وهي تنظر له بحزن:
- أعمل إيه بأسفك دلوقتي، الفون اتكسر، غبي.
فنظر لها أنس بصدمة وهو يشير إلى نفسه:
- أنتي بتشتميني أنا؟
فأجابت لمار بنبرة يسودها العناد:
- آه، وأوعى بقى كده من طريقي.
ثم قامت بدفعه وغادرت. وقف أنس ينظر إلى اختفائها وسط تجمع الفتيات بدهشة. لكن قاطعه صديقه وهو ينظر إلى ما ينظر إليه أنس:
- أنت يا ابني واقف كده ليه!
أفاق أنس من دهشته:
- مراد، إيه اللي جابك؟ كنت داخل أهو.
فاعتدل مراد في وقفته:
- ما أنت اتأخرت، صحيح، واقف كده ليه؟
فأشار أنس إلى لمار بتساؤل:
- هي مين دي اللي الكل واقف ملموم حواليها؟
فنظر إليها مراد:
- أنت متعرفهاش، دي لمار الشافعي، بنت عيلة الشافعي بتوع شركات التصدير، غير إنها كانت ملكة جمال مصر وبقالها فترة في السوشيال، وحاليًا داخلة فيلم مع فادي.
فنظر له أنس بتساؤل:
- فادي بتاعنا؟
فأجاب مراد بتأكيد:
- هو بعينه.
تحدث أنس بتساؤل:
- طب وبنت عيلة الشافعي إيه اللي وقعها في طريق فادي؟
فنظر لها مراد مرة أخرى وهو يرفع كتفيه دليلًا على عدم علمه:
- علمي علمك، وبعدين إحنا هنقضي اليوم كله كلام عنها.
***
بعد يومين، نظرت ليلي عبر زجاج الطائرة بقلق، فهي تعود إلى أرض الوطن بعد أكثر من خمس سنوات. لم تستطع البقاء فيه بعدما خانها القدر وخانها حبيبها، وقبلهم صديقة عمرها. كأن الجميع أجمع على تدميرها.
قاطع شرودها والدها:
- اطمنتِ على عمك.
فأجابت ليلي قائلة:
- أيوه، طيارته هتوصل معانا.
فسألها خالد أيضًا:
- وأكدتي على أخوكي يبعت عربية تاخدنا.
فأجابت ليلي بتأكيد:
- اطمن يا بابا، كل حاجة جاهزة.
فتحدثت هذه المرة زينب:
- لسه لحد دلوقتي معرفتيش يونس سافر فين؟
فأجابت ليلي بنبرة يسودها الحزن، فهي قد تتمنى أن يكون معها عندما تعود إلى أرض الوطن، فهي لن تطمئن سوى بين أحضانه:
- لا، آخر حاجة وصلتلي منه لما عمل التوكيل ليا أنا وحد كمان.
فسأل خالد باستغراب عن عدم إخبار ولده لابنته عن هوية الشخص الآخر:
- معرفتيش منه مين؟
فرفعت ليلي كتفيها بحيرة:
- مردش يقولي هو مين، بس احتمال كبير يبقى عمار. عمتاً، حبه وهنوصل، وبكرة هنزل الشركة وأعرف كل حاجة.
***
بمَكان ما، أول مرة نذهب إليه بلندن، حيث بلد الجمال والرقي.
بإحدى البيوت التي تتكون من طابقين، كانت هذه الشابة ذات الملامح الحادة والشعر القصير بعض الشيء تنزل عبر الدرج.
ذهبت إلى غرفة الطعام، كان والدها وزوجة والدها يجلسان.
ألقت عليهم التحية:
- صباح الخير.
فأجاب خالد وزينب:
- صباح النور.
تحدثت ليلي بتساؤل:
- اطمنتوا أنس وصل ولا لا؟
فأجابت زينب:
- أه يا حبيبتي، كلمني أول ما وصل.
هتف خالد متذكرًا:
- شوفي هتخلصي شغلك إمتى واحجزي التذاكر لينا إحنا التلاتة عشان نسافر مع بعض.
فعقدت ليلي حاجبيها:
- بس أنا مش مسافرة مصر.
فتغيرت تعابير وجه خالد إلى الجمود ثم هتف مسائلاً:
- يعني إيه؟
فهزت ليلي رأسها بنفي:
- لو سمحت يا بابا، ياريت تحترم قراري، أنا مش حابة أرجع مصر.
فوقف خالد بعصبية مفرطة أدت إلى سقوط المقعد على الأرض ثم تحدث بصوت عالٍ:
- ليلي، هي كلمة واحدة، هترجعي معايا مصر يعني هترجعي معايا مصر.
فنظرت ليلي إلى والدها نظرة مطولة تحمل الكثير. فأغمض خالد عينيه، فهو يعلم جيدًا هذه النظرة التي أصبحت صديقة ابنته منذ فترة ليست بالقليلة. أصبحت منبعها الوحيد للتعبير عن رفضها لأي أمر يقابلها، لكن لم تعد تنطق بالرفض:
- اللي تشوفه، عن إذنك، عندي شغل.
بعد مغادرة ليلي، هتفت زينب بنبرة يسودها العتاب:
- ليه الحده بس يا خالد؟
فجلس خالد على المقعد بعدما قام برفعه من الأرض ومعالم وجهه قد تبدلت إلى الحزن الشديد:
- ليلي لازم تفوق، كفاية كده، قلبي بيوجعني وأنا شايفها بتدفن نفسها في الشغل.
فطبطبت زينب على يد خالد بحنان قد تسرب إليه، فهو يحمد الله بأنه قد رزقه بزوجة ثانية قد عوضته عن غياب حبيبته وابنته الأولى:
- سيبها على ربنا وكل حاجة هتتحل.
***
أمام غرفة تتحطم فيها أحلام لبعض الأشخاص وبناء آمال للعيش مرة أخرى، خرج حمزة. فوقفت تمارا بقلق:
- طمني يا دكتور، أخبار الجلسة الثانية إيه؟
فتحدث حمزة بنبرة يسودها الأمل:
- إن شاء الله خير، أسبوع وهنعمله شوية فحوصات وتحاليل.
فأجابت تمارا:
- إن شاء الله، فترة صعبة وهتعدي وهيقوم ليكوا بإذن الله.
فهتف حمزة بنبرة يسودها الشكر:
- شكرًا جدًا لوقوفك جنبنا الفترة اللي فاتت والفترة اللي جاية.
نظرت له تمارا بهدوء:
- مفيش شكر، ده شغلي.
""
رواية صراع الحياة الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد
وحشتيني يا سلوم. قالها أنس وهو يجلس ويضع قدمًا فوق الأخرى.
نظر له سالم وهو يرفع إحدى حاجبيه: سلوم وحاطت رجل على رجل واضح إنك محتاج حفلة من بتوع زمان.
وقف أنس في خوف مصطنع: حد الله، وبعدين أنا غلطان يعني كنت واحشني.
جلس سالم على الأريكة وهو يوجه حديثه لخالد وزينب: على أساس إن مش كل إسبوع بشوفه.
تحدث عمار مقترحًا على عمه وزوجته لعله يحتاج إلى قسط من الراحة: أوضة حضرتك جاهزة يا عمو لو حضرتك تحب تطلع ترتاح أنت وطنط لحد معاد الغدا.
نظرت زينب لخالد بموافقة فوقف خالد ثم هتف أمرًا: صحوني على معاد الغدا.
بعد مغادرة خالد وزوجته سألهم سالم بجدية: يونس فين يا عمار؟
نظر لهم عمار بتوتر: علمي علمك مقاليش سافر فين.
نظرت لهم ليلي الذي كانت تحتل الصمت منذ وصولها ومعالم الحيرة تسود وجهها: يونس في حاجة، اختفى بعد ما انفصل عن نيرة قلقني، وخصوصًا أنه سايب الشغل ليا ولعمار.
هاف سالم متسائلاً موجهاً سؤاله إلى عمار: هو عمل توكيل ليك؟
بلع عمار ريقه بتوتر وهو ينظر لليلى تارة وإلى عمه تارة: آه.
قطع حديثهم الصغيرة التي كانت تقف أمام الدرج تنظر إلى ليلي بدهشة طفولية: ليو.
وقف عمار عن الحديث عندما رأى الصغيرة ثم نقل نظارته إلى ليلي بتوتر بينما التفتت ليلى للصغيرة بصدمة عندما استمعت إلى هذا الاسم.
نزل عمار إلى مستوى مرام محاولاً أن يأخذها ويغادر بعيداً عن هذا التوتر: مرام تعالي يا حبيبتي.
فأشارت مرام إلى ليلى ثم هتفت قائلة: دي ليو مش كده بشوف صورها مع مامي، بابي دايما يوريالي.
بقيت ليلي ثابتة مكانها تنظر إلى الصغيرة بجمود وببعض من الحزن فأمامها الآن تقف ابنة صديقتها وحبيبها.
***
خطت تمارا إلى الشركة الخاصة لعائلتها وهي تنظر إليها باشتياق فهي لا تأتي دائماً مثلما كانت تعيش بين حوائط هذا المكان عندما كان والدها يعيش.
وقفت السكرتيرة عندما رأت تمارا ثم هتفت بترحاب: أهلاً يا دكتورة نورتي المكتب.
انشقت شفتي تمارا عن ابتسامة لها: أهلاً يا لمياء عمو جوه.
فأشارت لمياء إلى الباب: أيوه مستر عزمي جوه ومعاه مستر سمير خال حضرتك جوه.
نظرت لها تمارا بتفاجؤ فلم تعتقد أن خالها سوف يبدأ العمل عند عودته من السفر مباشرةً.
فتحت الباب ثم مدت رأسها إلى الداخل وهتفت بنبرة يسودها المزاح: واضح إن حظي حلو عشان أدخل المكتب وألاقي أحلى وأجمل شباب في البلد موجودين فيه.
نظر سمير إلى عزمي ثم هتف بجدية مصطنعة: سمعت حاجة يا عزمي بيه؟
ضحكة خرجت من فم عزمي: ولا أي حاجة يا سمير دا تقريباً صوت عصفورة.
فصحح سمير حديثه: لا وأنت الصادق دا صوت أكبش واحدة.
نظرت لهم تمارا بغيظ مصطنع: واضح إن في حفلة عليا وأنا اللي قولت أجيبلكم مزتين وأنا جايه.
فنظر عزمي إلى الباب بمزاح: فين ها فين؟
تحدثت تمارا وهي تنظر له بنظرة يسودها الخبث: وكوكي عارف الكلام دا بقي؟
فنظر لها عزمي بغضب مصطنع: ليه بس السيرة دي؟
فضحك سمير وتمارا بشدة لكن لم تدم ضحكتها فقاطعهم دخول ياسر مما جعل ملامح تمارا تتحول إلى الجمود.
بينما تغيرت تعابير وجه ياسر إلى السعادة لم يستطع إخفائها عندما وقع نظره على تمارا: وأنا أقول ضحكتكوا جايبة لبره المكتب ليه أتاري تومي هنا.
هتفت تمارا بامتعاض: ازيك يا ياسر؟
فابتسم ياسر ثم أجاب قائلاً: كويس طول ما أنتي كويسة.
فأخذت تمارا حقيبتها لكي تغادر: طب هستأذن أنا لازم أمشي.
فأجاب ياسر مسرعاً: بسرعة كده!؟
فنظرت له تمارا بجمود فأكمل حديثه مصححاً: قصدي يعني لسه بدري؟
فأجابت تمارا بنبرة يسودها الصرامة: معلش عندي شغل عن إذنك يا خالو عن إذنك يا عمو.
***
صاحت الصغيرة وهي تجري نحو والدها: بابا.
رفعها حمزة إلى أحضانه وهو ينظر إلى ظهر ليلي، التي كانت تغادر المكان لكي تذهب إلى غرفتها، تخشبت رجلي ليلي عندما اجتمعت إلى هتاف الصغيرة فبقيت واقفة مكانها تعطي ظهرها للباب وضربات قلبها تزداد.
نظر سالم إلى عمار وأنس وأشار لهم بالمغادرة وتركهم بمفردهم لكن شعر حمزة بمغادرتهم، وعندما شعرت ليلي بأنها بمفردها معه كانت على وشك المغادرة لكن أوقفتها كلمته.
تحدث حمزة بمراوغة: شكلك مبتعرفيش تعملي حاجة غير الهروب.
التفتت له ليلي بصراخ وعلى أثر التفاتها تحركت شعرها بسرعة لدرجة أنه ضرب وجهها فرفعت أناملها لكي تزيله عن وجهها: دا ليا أنا؟
فخطى حمزة خطوة نحوها متجاهلاً سؤالها: قصيتي شعرك ليه؟
فأجابت ليلي بصرامة: حاجة متخصكش.
فأجاب حمزة بتأكيد وهو يقترب منها أكثر: كلك تخصيني.
فهتفت ليلي بنبرة يسودها الغيظ: شكلك بتحلم كتير؟
اقترب منها ثم أزال بعض من الشعيرات قد بقت على وجهها، فبلعت ليلي ريقها بتوتر ثم هتف بجانب أذنيها: شكل بنتي الكبيرة محتاجة تربية من أول وجديد؟
حاولت ليلي جمع الكلمات بفمها فلم تستطع أغلقت فمها مرة أخرى لثواني ثم هتفت بنبرة يسودها السخرية: إيه دا أول مرة أعرف أنك عندك بنت كبيرة ميكونش كنت متجوز قبل حياة؟ ولا يمكن كنت بتخونها؟
قاطعتهم الصغيرة وهي لا تفقه شيئاً من حديثهم: بابي أنتم بتقولوا إيه، هي ليو هتعقد معانا زي ما قولتلي مش كده؟
استغلت ليلي ابتعاده عنها ثم نظرت ليلي إلى الصغيرة ثم إلى حمزة وهتفت بنبرة يسودها الصرامة: فوق بنتك من أحلامها على الأقل متبقاش كداب وخاين للوعود قدامها.
قالت ليلي كلماتها ثم غادرت وتركته ولم تعطيه فرصة للإجابة نظر حمزة في أثرها وهو يتمتم بنبرة يسودها الثقة: بكرة تشوفي.
***
صباح يوم حفل الزفاف ببيت فضل المنياوي كان الزفاف يقام بالجنينة الخاصة بالبيت.
بغرفة المعيشة وقفت نيرة على أعتاب الغرفة وبجانبها بعض الحقائب فنظرت لها ناهد وملامح الدهشة تسودها: راحة فين بالشنط دي؟
فهتفت نيرة بنبرة يسودها البرود: مسافرة.
فنظرت لها ناهد بصرامة: أنتي باين عليكي اتجننتي! مسافرة والنهاردة فرح أخوكي؟
ثم التفتت إلى فضل الذي كان يجلس بجانبها متجاهلاً الحديث الذي يدور من حوله: ماتقولها حاجة؟
فصمت فضل لبعض ثواني ثم تحدث بهدوء: أنا هسيبك تسافري بس لسبب واحد، علشان مش ناقصين أسئلة الصحافة وكويس إن يونس مش موجود، أقل سبب ممكن يفتكروا إنك مسافرة معاه.
نظرت ناهد للاثنين بصدمة: لا دا انتوا اتجننتوا خالص.
***
بالمساء دخلت لمار بفستانها الأسود نظرت إلى المكان وهي تبحث بعينيها عن عمار، فهي قد زادت العلاقة بينها وبين عمار عندما علمت بأنه شقيق حمزة.
رأت حمزة فاتجهت إليه ولكن عندما اقتربت رأت ذلك الشخص الذي اصطدمت به بالنادي يقف معه لكنها تجاهلته تماماً: مساء الخير يا دكتور حمزة.
ابتسم حمزة عندما رآها: لمار أهلاً نورتي.
فأجابت لمار وهي ترجع شعرها إلى خلف أذنها: مبروك للبشمهندس عمار.
فابتسم حمزة: الله يبارك فيكي عقبالك.
فامسكت لمار بطرف فستانها: طب عن إذنك هروح أبارك لعمار وأرجعلك تاني.
أما عن صديقنا فعندما رآها تأتي نحوه قد شرد في طلتها منذ الوهلة الأولى ولم يفق من شروده إلا على أثر مغادرتها فالتفت إلى حمزة فهتف متسائلاً: أنت تعرفها منين؟
فنظر له حمزة بتساؤل: مين، قصدك لمار؟
فهز أنس رأسه بمعنى نعم، فأكمل حمزة حديثه: دي لمار الشافعي بعيداً عن إن لينا شغل معاهم، دي ليها مكانتها على السوشيال وعمار أكدلي إنها كانت أهم الداعمين لافتتاح المعرض الجديد، وأنا أعرفها من كام سنة بعيداً عن الشغل كمان، وبعدين أنت بتسأل ليه؟
فأجاب أنس بنبرة يسودها التوتر: ها عادي يعني، بقولك أي إيه أنا شوفت حد هناك كده أعرفه هروح أسلم عليه وأرجعلك.
وتركه وغادر فنظر له حمزة بنظرة يسودها الشك لكنه سريعاً ما تجاهل توتره، بحث أنس بعينيه عنها وسط الجميع، لحين أن وقع نظره عليها ثم ذهب إليها ووقف بجانبها، فنظرت له لمار بتعجب: نعم؟
فتحدث أنس بتسلية: إيه نعم دي ما أنتي كنتِ من دقيقة بتكلمي برقة؟
فعقدت لمار يديها أمام صدرها: أيوه يعني عايز إيه؟
فرفع أنس إحدى حاجبيه في خبث: عايزة تفهميني إنك مش فكراني؟
فأجابت لمار بكذب: لا.
فهتف أنس بنبرة يسودها المكر: بعيداً عن إنك بتكذبي، بس حابب أقولك حاجة أنا عرفت إنك شغالة مع فادي.
فقاطعته لمار بصرامة: دا أنت متابع بقي؟
فهتف أنس بنبرة يسودها الغرور: مش خبطي في أنس المنياوي طبيعي لازم أشوف مين دي اللي خبطتني ومشيت من غير ما تدور ليا تاني، وطلعت تستاهل بصراحة.
قال جملته الأخيرة وهي يتطلع إليها من الأعلى إلى الأسفل فنظرت له لمار في خجل قد تسرب إلى وجهها: أنت واحد مغرور.
فوضع أنس يديه في جيبه أجاب بثقة واضحة: عارف، بس نصيحة بلاش فادي أنتي مش قد سكته وهو مش بتاع شغل.
فنظرت له لمار بصدمة: لا أنت مش مغرور بس أنت كمان مجنون.
فتتركته وغادرت، فأرتسم على وجهه ابتسامة تسلية.
***
ابتعد حمزة عن مكان الحفل بعض الشيء ثم أخرج هاتفه وهو يتلفت حوله ليتأكد من عدم وجود أحد ثم قام بالاتصال بتمارا.
تحدث عندما سمع صوتها من الجانب الآخر: ألو يا تمارا طمنيني.
فأتاه صوت تمارا وهي تهتف من الجانب الآخر بنبرة يسودها الأسف: للأسف حرارته زادت.
فهتف حمزة وهو يأنب نفسه: مكنش ينفع أسمع كلام يونس وأمشي وأسيبه وأنا عارف إنه مبقالهوش يومين وهو واخد الجلسة الثانية.
فحاولت تمارا أن تبث له الطمأنينية: ممكن متقلقش أنا نزلت لدكتور حمدي تحت وطلبته وإن شاء الله يطمنا.
فهتف حمزة منهياً الحديث: تمارا ممكن تخليكي جنب يونس على ما أجي أنا هحاول أخرج من الحفلة بأي طريقة.
فأجابت تمارا: أنا جنبه متقلقش.
أغلق معها حمزة ولكن التفت عندما سمع صوتاً من الخلف يسأله بقلق: يونس ماله يا حمزة؟
رواية صراع الحياة الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد
طرقات المشفى كان سالم يسير مسرعاً، وعلى جانبه الأيمن تسير ليلي والقلق والخوف يأكلان بداخلها. وعلى جانبه الأيسر يسير حمزة، والتوتر هو الحالة المسيطرة عليه.
وصلوا أمام غرفة يونس، فرأوا تمارا تقف أمام الغرفة وحالة الإرهاق بادية عليها، فيستطيع المار أن يلاحظها.
تحدث حمزة متسائلاً بنبرة يسودها التوتر:
- تمارا، طمنيني عليه؟
فقطعت ليلي حديثه بنبرة تتمازج بين اللهفة والخوف:
- أنا عاوزة أدخل أشوفه.
فلم تجب تمارا على حديثها، بل التفتت إلى حمزة تجيب على سؤاله:
- اطمن يا دكتور حمزة، الحرارة بدأت في النزول.
فقطع سالم حديثهم محاولاً معرفة مرض ابن أخيه، فهو إلى الآن لا يصدق ما أخبرته به ليلي أن يونس يرقد هنا بين طيات المستشفى، والسبب لا يعلم ما هو. كل ما أخبرهم به حمزة هو أنه يعاني من مرض ما، لكن لم يخبره.
- يونس عنده إيه بالظبط؟
صمت حمزة لثوانٍ محاولاً جمع الكلمات، لن يستطيع أن يخبر عمه بما يعانيه يونس. يعلم جيداً وقع خبر كذلك على سالم، لكن قرر في الأخير أن يشرح له عن مرضه:
- لوكيميا. إحنا بدأنا في مرحلة induction (الحث)، وفي الحقيقة جابت نتيجة، قدرنا نسيطر على كرات الدم السرطانية، وعلاجها بيفضل من شهر لأكثر.
استندت ليلي على الحائط من خلفها محاولة السيطرة على ما هتف به حمزة الآن، فهتفت بنبرة يسودها الصدمة:
- مش ممكن، إزاي؟ طب مش ممكن نعمله عملية؟
فهز حمزة رأسه بالنفي وأجاب قائلاً:
- مادام العلاج جايب نتيجة، ما نقدرش نتجه للعملية. اطمنوا، يونس لسه في المرحلة الأولى. لو عايزين نعمل العملية، وقتها نقدر نعمل تحاليل لينا ونشوف أقرب حد له نفس الفصيلة.
فهتف سالم متسائلاً:
- أكيد هيبقى خالد أو أنس أو ليلي؟
فتحدث حمزة بالنفي:
- عمو، صحته لا تتقبل عملية زي دي، وليلي أكيد لا.
فنظرت له ليلي باعتراض، لكن لم يعطها فرصة للحديث، بل أكمل حديثه موضحاً:
- من غير اعتراض، إنتي جسمك ما يسمحش بعملية زي دي.
فتحدثت ليلي وهي تتطلع إلى الباب الذي يقع خلف تمارا:
- أنا عاوزة أشوفه.
فأجابت هذه المرة تمارا:
- بشمهندس يونس حالياً نايم، ولو حضرتك حابة تشوفيه، ممكن تيجي معايا أجهزك وأدخلك له.
فقاطعها حمزة:
- خليكي إنتي يا تمارا، كفاية عليكي كده، أنا عارف إني تعبتك.
فأجابت تمارا محاولة ارتسام بسمة مجاملة، لكن لم تستطع:
- ولا تعب ولا حاجة. لو مش طالب مني حاجة، أستأذن أنا؟
فأجاب حمزة بالنفي:
- لا، شكراً. ياريت متروحيش في الوقت ده لوحدك، خلي حد من الأمن يوصلك.
طوال حديث تمارا وحمزة، كان سالم يتطلع إلى ملامح تمارا باستغراب وتعجب، فملامحها ليست بالغريبة عليه، بل قريبة جداً من قلبه. نغزة قد ضربت بين طيات قلبه، حاول السيطرة عليها محاولاً أن يكذب عينيه. فاق من شروده على حديث حمزة:
- سالم، هاخد ليلي تشوف يونس، لو حابب تيجي؟
فأجاب سالم بالرفض:
- ادخلوا إنتوا، وأنا هحصلكوا.
أخذ حمزة ليلي إلى الداخل، وبقي سالم ينتظر دخولهم، ثم التفت إلى حرسه الذي كان يقف خلفه وحدثه بأمر:
- اعرفلي كل حاجة عن الدكتورة اللي كانت واقفة هنا دي، تقريباً اسمها تمارا؟
فهز الحارس رأسه بطاعة:
- أمرك يافندم.
***
في صباح اليوم التالي، ببيت عائلة الدمنهوري، كان ينزل أنس إلى غرفة الضيوف بعدما أخبرته الخادمة بوجود ضيف لديه. ألقى التحية على مراد ثم جلس.
تحدث مراد بعملية:
- معلش جايلك بدري، بس لقيت مبنى للشركة وقولت لازم آخد رأيك الأول قبل ما أمضي العقود.
فاعتدل أنس في جلسته:
- ولا يهمك، وريني؟
فمد مراد الهاتف وبعض الأوراق إلى أنس:
- ده المكان من بره ومن جوه، ودي العقود بتاعتهم.
نظر أنس إلى الصور والعقود جيداً ثم أعطاهم إلى مراد:
- تمام، خلص وابدأ شغل فيه.
فأجاب مراد بعد تفكير:
- هياخد حوالي شهر بالظبط، ونكون في الشهر ده نزلنا بالإعلان. فيه حد في دماغك للإعلان غير اللي اتفقنا عليهم؟
فعقد أنس يديه ثم تحدث بجدية:
- أيوه، بطلة إعلان، ممكن نشوف لمار؟
فهتف مراد ومعالم الدهشة قد تمكنت من وجهه:
- لمار مين؟ لمار الشافعي؟
فأجاب أنس بتأكيد:
- أيوه، هي. في مشكلة؟
فوقف مراد منهياً الحديث:
- لا، ابدأ.
***
فاق من غفلته، حاول أن يفتح عينيه بصعوبة بسبب ضوء النهار. نظر حوله، فصدم بوجود عمه وشقيقته بالغرفة معه. فحاول الاعتدال مسرعاً في جلسته، فأسرعت ليلي نحوه تساعده. حاول يونس التحدث وهو يتهتف متسائلاً عن سبب وجودهم، والذي لا يحتاج إلى الاستفسار، فمن الواضح أنهم قد علموا بما يخبئه عنهم.
- إنتوا بتعملوا إيه هنا؟
فأجابته شقيقته بحزن ولوم:
- كنت هعرف إمتى لما تخف؟ ولا مكنتش هتقول خالص؟ ولا كنت هتستنى لما يحصلك حاجة ولقيهم بيعرفوني؟
أبعد يونس نظره عنها متهرباً من نظرات اللوم الذي تسكن عينيها، ثم رفع نظره إلى سالم الذي يقف بجمود، يعلم جيداً ما يأتي بعده.
تحدث سالم بنبرة صارمة يسودها بعض من الحنان والقلق:
- عارف لو مكنتش تعبان كنت عرفتك يعني إيه تخبي عليا حاجة، بس إن شاء الله تعدي من المحنة دي وهعرفك.
فأجاب يونس متسائلاً جعل كل من يوجد بالغرفة يشعر بالألم:
- تفتكر؟
فأسرعت ليلي ترمي بين الحضن:
- قول إن شاء الله. وبعدين حمزة طمنا وقالنا إن العلاج جايب نتيجة، مش كده ولا إيه؟
فأجاب حمزة الذي كان يلتزم الصمت منذ الوهلة الأولى:
- فعلًا، وخصوصاً إننا كده كملنا شهرين، نقدر نعمل فحوصات ونتأكد إذا كان كرات الدم السرطانية فضل منها نسبة ولا خلاص.
تحدث سالم متسائلاً:
- يقدر يكمل العلاج من البيت؟
فأجاب حمزة بعد تفكير:
- حالياً مش هينفع يخرج، ممكن بعد أسبوع.
هتفت يونس معترضاً:
- بس أنا مش عاوز أرجع البيت، مش حابب حد يعرف وخصوصاً بابا.
فنظر الجميع له باعتراض، ثم تقدم سالم منه وجلس مقابله من الجانب الآخر:
- ممكن أسألك سؤال؟
فهز يونس رأسه بمعنى نعم، فاكمل سالم حديثه:
- لو ده حصل معايا أو حصل مع أي حد فينا، مكنتش هتقف جنبه وتقوم بدورك تجاهه؟
فصمت يونس لثوانٍ محاولاً أن يتخيل. لو أن هذا لأحد شقيقيه، بالطبع كان سوف يلازمه كالظل حتى يتعافوا، بالطبع كان سوف يحزن إن قام بتخبئة أمر كذلك عنه. طوال شروده، كان كل من سالم وليلي التي كانت تسكن بين الحضن ينظرون إلى بعضهم البعض بتوتر، لكن هزت رأس يونس باستسلام جعلتهم يشعرون بالراحة.
***
بالمساء، كان خالد وزينب يسيران مع سالم بعدم معرفة اتجاههم، فهو أخذهم إلى المشفى دون إخبارهم السبب.
تحدث خالد بنفاذ صبر:
- تقدر تقولي أنت جايبني هنا ليه؟
فالتفت له سالم بإرهاق، فكان ليس من السهل أن يجلب شقيقه وزوجته إلى هنا دون أن يعلمهم عن سبب مجيئهم:
- مش قادر تصبر؟ وبعدين خلاص وصلنا.
بالداخل، كان يجلس يونس على الفراش يعطي وجهه للباب، كانت حالة التوتر هي المسيطرة عليه. أخذ شهيقاً بصوت عالٍ عندما رأى باب الغرفة يفتح ويدلف منه سالم، ثم خالد، ويتبعه زوجة أبيه.
ثبتت أقدام خالد من الصدمة عندما رأى ابنه بهذه الهيئة، وجهه المائل إلى الصفار، شعره الذي لم يعد متداول، جسمه الخس. بينما زينب أمسكت في مقبض الباب من صدمتها. نعم، يونس ليس ابنها، لكن منذ أن خطت قدمها إلى هذا البيت وهي تعتبره ابنها.
حاول خالد السيطرة على صدمته ثم هتف:
- ابني!!
فحاول يونس الوقوف عندما رأى صدمة والده:
- أهدي يا حبيبي، أنا كويس.
فاقتربت ليلي من والدها عندما رأت حالته:
- متقلقش، والله هو بقى كويس وخلاص قرب يخلص علاجه.
اتجهت زينب إلى يونس وهي تحاول عدم البكاء وهتفت متسائلة:
- إنت كويس مش كده؟
فتحمل يونس على تعبه ثم اقترب هو منها:
- متقلقيش، أنا كويس.
تحدث حمزة بحزن:
- اقعد يا عمي، خليني أشرحلك كل حاجة.
قطعهم دخول أنس الذي كانت الصدمة هي المسيطرة على وجهه، فقد حدثته شقيقته عبر الهاتف وأخبرته بما حدث. أسرع تجاه أخيه ثم ارتمي بأحضان شقيقه وهو يتحدث بنبرة يسودها البكاء:
- ليه مقلتليش؟ ليه تخبي عليا حاجة زي كده؟
فأمسك يونس بوجهه بين يديه وهو يمسح دموعه:
- آسف إني كنت أناني ومشاركتكوش محنتي، بس مكنتش حابب حد يبقى قلقان عليا.
أمسك حمزة بأنس وأبعده عن يونس:
- اقعد يا أنس وبلاش تتعبه وخليني أتكلم.
فجلس الجميع، وقام حمزة بشرح حالة يونس لوالده وزوجة أبيه وشقيقه، الذين كانوا مع كل كلمة يهتف بها حمزة، كان القلق والخوف يتزايد بداخلهم. بعد ما أنهى حمزة حديثه، تحدث خالد وهو يحتضن ابنه:
- محنة وهنعدي منها بإذن الله.
***
بعد أكثر من أسبوع، قد سمح حمزة بخروج يونس مقابل أن يبعث معه أحد الممرضين والأطباء للاهتمام به من البيت. ومنذ خروجه، علم الجميع بمرضه، وقد وصل الأمر إلى الصحافة.
كان يأخذ غرفته ذهاباً وإياباً في غضب، فهو يحاول الوصول إليها لأكثر من أسبوع ولا يستطيع.
تحدث بغضب عندما سمع إجابة من الطرف الآخر:
- تقدري تقوليلي إنتي فين؟ إسبوعين بحاول أوصلك.
فأجابت نيرة بنبرة يسودها البرود والسخرية:
- إسبوعين؟ عاوز توصل لإيه؟ مش قادر على بعدي؟
فهتف مصطفى متجاهلاً السخرية التي هتفت بها:
- بعدك لا، اطمني. يونس طلع مكنش مسافر، ده طلع كان في المستشفى عنده كانسر، لازم ترجعي.
تحدثت نيرة بصدمة:
- كانسر؟ من إمتى الكلام ده؟
فهتفت مصطفى بلهجة أمر:
- طول الفترة اللي غابها كان بيتعالج. بكرة تكوني قدامي، إنتي فاهمه؟ لازم ترجعي ليونس، هنكمل الخطة بس بتغيير تاني.
أجابت نيرة بالنفي قائلة:
- بس أنا مش عاوزة أرجعله ومش عاوزة أكمل خطط، أنا تعبت.
فهتف مصطفى بنبرة يسودها الغضب والتهديد:
- مش بمزاجك، هترجعي. متنسيش فيديوهاتك اللي معايا.
فتحدثت نيرة بصوت عالٍ:
- إنت بتهددني.
فأجاب مصطفى بنفاذ صبر:
- افهميها زي ما تفهميها، بكرة تكوني عندي.
رواية صراع الحياة الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد
أزاحت الممرضة الستائر عن النافذة ثم استدارت إلى يونس الذي كان يجلس على المقعد، فهو ما زال مستيقظًا.
التفتت إليه الممرضة وهتفت سائلة بنبرة هادئة:
- تحب حضرتك تفطر هنا ولا هتفطر تحت؟
نظر يونس عبر النافذة إلى السماء:
- ممكن تخرجيلِي أكلي بره على ما دكتورة تمارا تيجي؟
فأجابت الممرضة بطاعة:
- طبعًا.
بعد ساعة، كان قد أتم يونس إفطاره. نظر إلى ساعته فوجد أن تمارا قد تأخرت عن موعدها، فقام بالنداء إلى الممرضة.
تحدث يونس بنبرة يسودها القلق، فهو يعلم أنها منضبطة في مواعيدها:
- رنّي على الدكتورة شوفيها اتأخرتْ لِيه.
أخرجت الممرضة الهاتف ثم قامت بالاتصال بتمارا، لكن لم تجب. فحاولت الممرضة مرة أخرى، فلم تجب أيضًا. فنظرت إلى يونس بيأس:
- برن عليها لكن مش بترد، تحب حضرتك أرن عليها في المستشفى؟
فأجاب يونس مسرعًا:
- شوفيها.
فطلبت الممرضة المستشفى ثم رجعت إلى يونس وأخبرته بما علمت به:
- طلبتهُم يا بشمهندس وقالولي إنها أجازة النهارده.
نظر يونس لها، وعلامات التعجب قد ارتسمت على وجهه:
- أجازة!
فقاطعهما حمزة وهو يجلس أمام يونس:
- مين اللي أجازة؟
فأجاب يونس قائلاً:
- تمارا، لما اتأخرت حاولتْ أكلمها بس مردتش، فكلمنا المستشفى قالوا إنها أجازة، ودي حاجة غريبة. تمارا عمرها ما اتأخرتْ عن التجمع بتاع نهاية الأسبوع.
فأشار حمزة إلى الممرضة لكي تغادر:
- لا أطمن، طبيعي في اليوم دا تقدر تاخد أجازة.
فنظر له يونس باستفهام:
- مش فاهم، يوم إيه؟
فاعتدل حمزة في جلسته ثم شرح ليونس السبب:
- النهارده 19 في الشهر. كل سنة في نفس اليوم بتاخد أجازة اليوم دا.
فعقد يونس حاجبيه بتفكير:
- ليه!؟
فنظر له حمزة بنظرة مطولة، فالشك قد ترسب إليه:
- جوزها مات زي النهارده. وبعدين مش ملاحظ إنك مهتم أوي بتمارا وبتسأل عنها كتير الفترة الأخيرة؟
فأجاب يونس متهربًا من نظرات حمزة:
- أولاً هو مش جوزها، هو كان خطيبها. ثانيًا مش مهتم ولا حاجة، هي بقت صديقة ليا.
حاول حمزة كتم ضحكاته من الغيرة الواضحة من حديث ابن عمه، ثم وقف لكي يغادر:
- هعمل نفسي مصدقك، هلحق أنا الاجتماع.
فأوقفه يونس بتردد:
- حمزة، هطلب منك طلب قبل ما تمشي.
***
بعد مدة من الوقت، داخل إحدى المكاتب الخاصة بشركة المنياوي، كان سالم يجلس على المقعد وأمامه إحدى الملفات، ينظر لها بشرود. قطع شروده دخول حمزة.
فتحدث حمزة بمزاح:
- لا دا أنت حالتك حالة يا سالم باشا، بقالك أكتر من أسبوع ماسك الملف دا.
ثم شد حمزة الملف، فحاول سالم مسرعًا أخذ الملف لكنه لم يلحق. فتطلع حمزة إلى الملف بدهشة عندما رأى صورتها، ثم رفع نظارته ونقلها إلى عمه:
- ملف عن تمارا؟ طب ليه؟
فهتف سالم بنبرة يسودها التهرب:
- عادي يعني، مش دي الدكتورة النفسية بتاعة يونس؟ وطبيعي إن أعرفَ كل حاجة عنها، خصوصًا إن يونس مقرب منها أوي. بعدين سيبك من كل دا، خلينا في الاجتماع.
فعاد التوتر يتسرب إلى حمزة مرة أخرى:
- ربنا يستر من بنت أخوك لما تعرف المصيبة اللي مخبينها عليها. عمار هيرجع أمتىَ ينجدني منها.
فأجاب سالم وهو يجمع متعلقاته:
- طب قدامي عشان زمان فضل وصل.
***
تحدث فادي بصوت عالٍ بعض الشيء:
- إزاي يعني مضيت على عقد جديد؟
فوقفت لمار بغضب:
- بعيدًا عن صوت حضرتك العالي، أنا ممضتش عقد، دا إعلان وعادي جدًا أعمله، ومعتقدش في بند في الاتفاق يمنعني أعمل إعلان.
قاطعهما دخول فريد، يتبعه أنس الذي دلف ثم وقف بجانب لمار مباشرةً، ثم وجه حديثه إليها:
- حد دايقك بحاجة؟
فأجابت لمار بدهشة من وجوده في المكتب، فهي لم يطل غيابها بالداخل كثيرًا:
- لا أبدًا.
فنظر أنس إلى فادي بجمود:
- عمتاً، هو محدش يقدر أبداً.
فابتعد فادي عن مكتبه متجهاً إلى أنس، فتدخل فريد مسرعًا منعًا من وقوع اصطدام بينهم:
- أنت إيه اللي دخلك هنا؟
فهتف أنس بنبرة يسودها الغرور:
- أنس المنياوي يدخل المكان اللي هو عايزه.
فنظر له فادي بغضب ثم تحدث قائلاً:
- ما هو أنس المنياوي ما بيلاقيشْ غير اللي يخصني وياخده مني، مش كده بردو ولا إيه؟
كاد أنس أن يجيب، ولكن قاطعته لمار هاتفه بنبرة يسودها الغضب، فهي لم تستطع التحكم بعد جملته، فكشفت عن مخلبها:
- أنا مش حاجة تخصك ولا حاجة شارياها بفلوسك عشان أنس ياخدها منك، ومن النهارده، ياريت كل العقود اللي بينا تتفسخ، أنا ميشرفنيش أتعامل مع واحد زيك أسلوبه همجي.
فأجاب فادي بنبرة يسودها السخرية:
- ياريت متنسيش الشرط الجزائي للي يفسخ العقود.
فأمسك أنس بيد لمار ثم هتف بثقة:
- هاخدهمْ على الجزمة.
ثم أخذها وغادر. حاول فادي التهجم على أنس، فمنعه فريد.
فصرخ به فريد:
- كفاية بقي يا فادي، مش كده؟
فقام فادي بإبعاد فريد عنه:
- أنت إزاي تدخل البني آدم دا هنا؟
فأجاب فريد بصوت عالٍ نسبيًا:
- أنا مدخلتهوش، تقريبًا كان مع لمار لما أنت كلمتها، ولما لمار اتأخرت مقدرتش أمنعه إنه يدخل.
***
نظرت ليلى إلى المحامي بصدمة، ووقف فضل بعصبية:
- اللي أنا سمعته دا صح!؟
فجذبه سالم لكي يجلس مرة أخرى:
- اقعد بس يا فضل واسمع الكلام.
فتحدث المحامي بتهذيب:
- يا أستاذ فضل، دي شركات يونس المنياوي، وهو الوحيد اللي مسؤول عن مين يبقى الوكيل له في كل حاجة هنا. والأوراق قدامي بتقول إن حمزة فضل المنياوي، وليلى خالد المنياوي هما اللي مسؤولينْ عن كل حاجة هنا.
فتحدثت ليلى محاولة السيطرة على صدمتها:
- يعني مش عمار زي ما عرفتوني. وبعدين إزاي يونس يعمل حاجة زي دي؟ إيه دخل الدكتور حمزة في شغلنا؟
فأجاب حمزة بنبرة يسودها السخرية:
- واضح إن البشمهندسة ليلى ناسيه إني اشتغلتْ هنا لفترة كبيرة، وطول السنين اللي فاتت كنت متابع الشغل مع عمار ويونس.
فتدخل فضل بالحديث:
- إزاي يونس يعتمد عليهم؟ المفروض حد كبير هو اللي يمسكها.
فأجاب سالم بجدية، محاولًا منع طمع أخيه، فهو يعلم جيدًا بما هو يطمع:
- دي شركته، ويعمل اللي هو عايزه فيها.
فهتف فضل بعصبية لم يستطع التحكم فيها:
- مش دي شركة المنياوي بردو، وابني شغال فيها.
فنظره له حمزة بسخرية، فهتف سالم منهيًا للحديث:
- دا زمان كنا نقدر نقول شركة عيلة المنياوي، بس لولا يونس وبشركتهُ اللي كانت لسه صغيرة أنقذك من كل الديون، اللي وصلت الشركة إنها تتقفل.
صمت لثوانٍ، ثم أكمل حديثه موضحًا:
- يعني من الآخر، دي شركة يونس خالد المنياوي، بس بردو يونس معملش كده وقال دي شركتي لوحدي. يونس حط عشرة من أسهم الشركة باسم عمار وحمزة، والباقي أخده هو وإخواته.
نظر له فضل بغضب، ولم يستطع أن يجيب عليه، فللأسف لم يكذب شقيقه بحرف، ثم غادر. فالتفت سالم للمحامي:
- سوري يا متر، ممكن تتفضل معايا للمكتب نشوف باقي الأوراق.
بقيت ليلى تنظر إلى حمزة بغضب، فتحدث حمزة بمشاغبة:
- إيه؟ خايفة لتكوني بتعكي الدنيا في الشغل؟ أنا أعرف زي زمان.
فوقفت ليلى وهي تمسك الملف بيديها:
- تصدق، أنا اكتشفت إن في غيابي إن دمك بقى خفيف. استني يا سالم عشان الجو هنا بقى خفة أوي.
***
بإحدى الأماكن التي تتوسط أطراف المدينة، وقفت سيارته ثم ترجل منها. مسح المكان بعينه ثم اتجه إليها عندما رآها تجلس على إحدى المقاعد. فاقترب منها ثم جلس بجانبها. فالتفتت على أثر جلوسه، ثم نظرت إليه بصدمة وتهجب من وجوده:
- يونس!! أنت جيت هنا إزاي؟ أنت كويس مش كده؟
نظر لها يونس لبعض الوقت ثم هتف بخفوت:
- متقلقيش، أنا كويس. استنيتكْ كتير زي ما وعدتيني.
فهتفت تمارا بنبرة يسودها الدهشة:
- فتقومْ تجيلي؟
فأجاب يونس وهو على نفس حالته:
- لو مجتيش أجيلك أنا.
لا تعلم تمارا ما هو هذا الشعور الذي سكن قلبها لثوانٍ، فبلعت ريقها بتوتر محاولة الهروب من نظراته:
- بس محدش يعرف المكان دا غيري أنا.
فأكمل يونس حديثها:
- وخطيبك. عمتاً، عرفته بطريقتي. نظر إلى المبنى الذي يسكن خلفهم ثم تحدث بتساؤل:
- دا بيته؟
فنظرت تمارا إلى البيت ثم تحدثت:
- الأول كنا عايشين في إسكندرية، ولما عمو وبابا قرروا أنهم يجوا القاهرة، طارق وخالتي جم معانا. كان والد طارق متوفي، وعرفت المكان دا عن طريق طارق، كنا لما حد فينا يزعل يجي هنا لحد ما طارق قرر يشتري البيت دا يبقى لينا لوحدنا.
بعدت تمارا أنظارها عن البيت، فتساءل يونس بجمود:
- كنتي بتحبيه أوي كده؟
فشبكت تمارا كفوف يديها ببعض بتوتر من سؤاله:
- طارق كان بالنسبالي كل حاجة، خصوصًا بعد ما بابا اتوفى. كان أب وأخ وحبيب وكان صديقي، وكان ونعم الصديق الوفي. سافر يوميها من غير ما أعرف، كلمني لما وصل، وأنا عملت فيها زعلانة منه. سابلي رسالة يراضيني فيها، وسمعتها ونمت وصحيت على أكبر كابوس، إنه معدش موجود وسطنا.
أخذت نفس ثم أكملت:
- محسيتش بحاجة غير بعدها بأسبوع، صحيت لقيت نفسي في مستشفىَ وحالتي كانت متدهورة وكنت فاقدة أعصابي. فضلت لفترة حوالي شهرين في المستشفىَ، في وسط التحاليل اللي كانت بتتعمل لي، الدكاترة اكتشفوا حاجة…
فتساءل يونس بنبرة يسودها القلق:
- إيه؟
فنظرت له تمارا لثوانٍ ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة:
- طلع عندي لوكيميا.
فأجاب يونس بصدمة:
- إيه!؟
فابتسمت تمارا:
- الناس كلها المرض بيجيلها وكانت بتخاف من الموت، وأنا جالي، كنت فرحانة بيه، كنت حاسة إن ربنا بيقولي أيام وهجمعكوا ببعض تاني. بس دا معجبش والدتي وأهلي.
مسحت باناملها دمعة قد انزلقت على خديها:
- وبعد فترة، لما فقت نفسيًا وقدرت أقابل ناس، جالي صديق لطارق كان سايبلي معاه جواب، اللي عرفته منه إن طارق كان عارف إنه في خطر وإنه ممكن يجراله حاجة في السفرية دي، كان بيطلب مني أكملْ حياتي لو جراله حاجة، كان عايزني أحقق كل حلم حلمناه مع بعض.
وقفت من مجلسها ثم أعطت له ظهرها. أغمضت عينيها لثوانٍ تمنع شهقاتها، ثم فتحت عينيها وحاولت التحدث:
- طول عمري بشوف إن الوجع والكسرة ممكن يتحولوا لطاقة وقوة تزقنا لقدام، بس المرة دي لقيت نفسي بغرقْ، بغرق وبصراحة مش عارفة إيه هو الحل، مرمية في نص البحر لوحدي، يا هستسلم يا هعافر، واعافر وفي الأخر هموت، ماهو مفيش أي طوق نجاة، واللي كان بينجدني مبقاش موجود، وبقى مطلوب مني أحارب لوحدي.
مسح دمعة قد نزلت من مقلتيه عندما شعر بالوجع والمعاناة التي مرت به، ثم وقف من جلستها بجانبها محاولًا مواساتها:
- هقولكْ كلمة حد عزيز عليا قالهالي، ربنا بيحطنا في مواقف وظروف عشان عالم إننا قدها، وبيشوف صبرنا أد إيه، وأنتي كنت قدها وعديتي منها.
فانشقت شفتي تمارا عن ابتسامة عندما علمت هوية هذا الشخص العزيز.