تحميل رواية «سر الكوخ» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يحكى في قديم الزمان عن مملكة لارسا كانت عبارة عن مجموعة مدن مترامية الأطراف تقع جميعها على تخوم غابة عظيمة تحدها من الشمال. يحكم لارسا ملك عجوز، كان قد حكم مملكته بعدل لكن مع الكثير من الحزم، إلى أن أضر به المرض في أيامه الأخيرة. المدن التي تتشكل منها لارسا هي سبع مدن تحكمها سبع عائلات عريقة، كل عائلة تحكم مدينة منها. ورؤساء تلك العائلات جميعًا يخضعون ويدينون بالولاء والطاعة لملك لارسا. وخلال فترة حكم الملك، كان رؤساء العائلات يتقربون ويتوددون للملك عسى أن يفوز أحدهم بولاية العهد كي تصبح عائلته...
رواية سر الكوخ الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
يحكى في قديم الزمان عن مملكة لارسا كانت عبارة عن مجموعة مدن مترامية الأطراف تقع جميعها على تخوم غابة عظيمة تحدها من الشمال. يحكم لارسا ملك عجوز، كان قد حكم مملكته بعدل لكن مع الكثير من الحزم، إلى أن أضر به المرض في أيامه الأخيرة.
المدن التي تتشكل منها لارسا هي سبع مدن تحكمها سبع عائلات عريقة، كل عائلة تحكم مدينة منها. ورؤساء تلك العائلات جميعًا يخضعون ويدينون بالولاء والطاعة لملك لارسا.
وخلال فترة حكم الملك، كان رؤساء العائلات يتقربون ويتوددون للملك عسى أن يفوز أحدهم بولاية العهد كي تصبح عائلته هي العائلة الحاكمة الجديدة في لارسا.
الملك كان محتارًا فيمن سيخلفه في ولاية العهد وإلى من سينوط بهذا الشرف العظيم دون أن تتذابح العائلات السبع فيما بينها.
ورغم أن للملك بنتًا في سن الزواج تدعى كناريا، وأن تزويجها لابن إحدى العائلات يعني فوز تلك العائلة بولاية العهد، لكن حتى قرار التزويج هذا ستتقاتل العائلات من أجله طمعًا في الحكم لا حبًا بالأميرة. وهكذا أمضى الملك المسكين أواخر أيامه طريح الفراش لا يجد حلاً لتلك المعضلة.
وفي أحد الأيام استيقظ سكان المملكة على وقع خبر صاعق، فلقد تم اختطاف أميرتهم المحبوبة كناريا، حيث أعلن قادة الحرس أن مختطفيها قد فروا بها إلى أعماق الغابة المجاورة.
وهكذا تم إجراء حملة تفتيش واسعة شملت الأجزاء المأهولة من الغابة، لكن دون جدوى.
الملك المريض اجتمع برؤساء العائلات السبع لبحث قضية الأميرة، فأخبره أحدهم أنهم لا يعرفون من الغابة سوى ثلاثين بالمائة فقط، وأن السبعين بالمائة الأخرى هي جزء مجهول لم تطأه قدم إنسان قط، ولابد أن الخاطفين قد توغلوا بالأميرة إلى تلك الأعماق السحيقة من الغابة.
وأمام تلك الأخبار، لم يجد الملك بداً من أن يعلن لرؤساء العائلات أن من ينقذ الأميرة منهم فسيزوجه إياها ويجعله وليًا للعهد.
رحب الجميع بذلك واعتبروه حلاً ممتازًا قد جاء على طبق من ذهب ليرضي جميع الأطراف وليبعد الخلاف والشقاق بينهم في حال رحيل الملك.
وهكذا تسابق زعماء العوائل السبع فيما بينهم للبحث عن الأميرة.
وقد اصطحب كل واحد منهم جيشه الخاص المكون من الجنود الأشداء والصيادين المهرة ومقتفي الأثر، بالإضافة إلى كلاب الصيد المدربة القادرة على تتبع أضعف الروائح.
واختار كل زعيم منهم جزءًا من الغابة المجهولة ليغطيها ببحثه، عسى أن يكون هو المحظوظ الذي سيفوز بالأميرة.
ومن بين أبرز تلك العوائل، عائلة المدعو سلطان، كان قاسيًا جدًا غليظ القلب متحجر الفؤاد لا يرتدع عن الإساءة للآخرين وتوجيه الإهانة لهم.
وعلى الجانب الآخر وعلى النقيض منه، عائلة الحكيم ياسين مع ولده الشاب موسى، والذي انطلق متحمسًا مع والده واتباعه في رحلة البحث عن الأميرة ضمن مجاهل تلك الغابة العملاقة.
لم يكن ياسين يسمح لموسى بالخروج كثيرًا لأنه كان يخشى عليه من الآخرين. الملك نفسه لم يعلم أن لياسين ولدًا لولا أن رآه بعينه عند زيارته قبل أشهر لقصر عائلة ياسين.
وبعد ثلاثة أيام من البحث الشاق والمضني، بلغ قوم ياسين جزءًا من الغابة حيث تتشابك قمم الأشجار العالية مع بعضها مشكلةً ما يشبه المظلة العملاقة التي تلقي بظلالها على أرضية الغابة وتمنع ضوء الشمس من التوغل والنفاذ إلى الأرض.
المكان كان خانقًا، والحيوانات الصغيرة اللزجة والعناكب والسحالي والحشرات الكبيرة تملأ المكان، والطيور بأصواتها التي لا تنقطع تكاد تصم الآذان.
كان موسى يسير خلف الآخرين عندما لمح فجأة فهداً أسوداً صغيرًا ينط هنا وهناك، فقرر الإمساك به، فركض خلفه، لكن الوحش الصغير هرب منه، فجاراه موسى بالجري حتى اصطدم وجهًا لوجه بأم الفهد وقد احتمى خلفها صغيره.
تراجع موسى عدة خطوات إلى الوراء، لكن الأم الغاضبة هاجمت عليه، فأطلق الفتى لساقيه الريح واندفع يخترق الأدغال هاربًا على غير هوادة، إلى أن سقط أخيرًا وقد أخذ التعب منه كل ما أخذ.
وبعد أن التقط أنفاسه، تطلع موسى حوليه، فأدرك أنه قد نجح في التخلص من الفهدة الأم، لكن الثمن مقابل ذلك هو أنه قد ضل الطريق وابتعد كثيرًا عن أبيه ومرافقيه.
رواية سر الكوخ الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
قرر موسى أن لا ييأس وأن يبدأ عملية البحث والعودة إلى رفاقه.
ولكن من أين سيبدأ؟ وما هو الاتجاه الدقيق؟
فالشمس تغطيها أوراق الأشجار، لذا لا يمكن الاعتماد عليها لمعرفة الوجهة الصحيحة.
فما العمل إذن يا ترى؟
لم يعرف موسى طريقه بالضبط، فالأشجار كلها متشابهة هنا.
لذا فقد اختار إحدى الجهات وبدأ بالسير وهو يصيح أثناء مسيره، لعل أحدًا يسمعه فيهب لنجدته.
لكن صوت ضجيج الغابة كان يغطي على صوته، مما زاد في تعاسة واستياء موسى من الورطة التي أوقع نفسه فيها.
خيم الظلام على الغابة والفتى ما زال يجد في السير، حتى أنهكه الجوع والتعب.
فجلس ليستريح وتساءل إن كان الآخرون قد انتبهوا إلى اختفائه أم لا.
ثم تذكر أن الطعام والشراب مع الحمالين الكثر الذين استأجرهم أبيه في رحلتهم هذه، فتسرب إلى نفسه الحزن والخشية على مصيره.
وما إن حاول موسى أن يغلق عينيه حتى شعر بدبيب الحشرات على جلده المتعرق ووخزاتها المزعجة.
فانتفض من مكانه وشرع يبعدها بيديه.
ثم نظر إلى أعلى وفكر أن يتسلق إحدى الأشجار لينام على أحد أغصانها العريضة، ليتخلص مما يدب على أرض تلك الغابة التي تضج بمختلف صنوف الحشرات.
وبعد أن فعل ذلك، أسند موسى ظهره ونام فوق ذلك الغصن العالي، وهو يحلم بأن يعود إلى أبيه بأسرع وقت.
لكن في وقت ما بعد منتصف تلك الليلة، أيقظ موسى من مضجعه صوت صراخ حاد شق سكون الليل.
فدار الفتى ببصره ليتبين مصدر ذلك الصراخ، لكنه لم ير شيئًا بسبب الظلام المطبق.
وعندما أراد أن يغلق عينيه ليعود للنوم، وإذا به يلمح ولو بصعوبة ضوءًا خافتًا.
قدّر موسى أنه يصدر من مكان بعيد جدًا، لذا فقد قرر أن يتسلق إلى نهاية الشجرة ليحظى برؤية أفضل.
وما إن فعل ذلك حتى تأكد له البعد الشاسع لمصدر النور.
لكن النور سرعان ما اختفى، غير أن موسى كان قد حفظ الاتجاه الذي صدر منه النور، مقررًا في الوقت ذاته السير نحوه ما أن ينفجر عمود الفجر.
كان ذلك بالفعل أول ما فعله موسى في اليوم التالي، فسار نحو مصدر النور وهو يلقط ويأكل ما تطرحه الأشجار أحيانًا من ثمار.
حتى حل مساء ذلك اليوم دون أن يبلغ الفتى مقصده.
ففعل كما فعل في الليلة الماضية، واختار أعلى الأشجار ليتسلقها ويربط نفسه على فرعها.
ثم أخذ يراقب فضاء الغابة الرحب عسى أن يجد النور الغامض ليستأنس به في ليلته هذه.
وبعد أن غارت النجوم واحتدم الظلام، شعر موسى بثقل جفنيه.
وما كاد يطبقهما حتى سمع صوت الصرخة التي مزقت هدوء الليل.
ففتح عينيه على اتساعهما وطفق ينظر بدهشة إلى بقعة الضوء التي رآها ليلة الأمس، لكنها الآن قد أصبحت أكثر قربًا واتساعًا من ذي قبل.
أصبح من الواضح الآن لدى موسى أن النور إنما يصدر من نافذة كوخ غامض يقبع هناك وحيدًا، منطويًا بين الأدغال التي جعلت منه صرحًا مخفيًا لا يمكن كشفه إلا من الأعلى، كما يفعل الآن موسى.
تساءل الفتى عن لغز ذلك الكوخ المحير وعن سر تواجده في هذا المكان المجهول من الغابة.
وبينما هو كذلك، وإذا بموسى يلمح شخصًا يقف في شرفة النافذة.
تطلع الفتى جيدًا فاستنتج من موقعه البعيد أن الواقف ليس سوى فتاة.
أخذ موسى يطالع الفتاة وكأنه لم ير آدميًا من قبل.
ورغم أنه لم يميز تقاسيم وجهها بسبب بعد المسافة، إلا أنه شعر بالراحة والأمان تجاهها، فزال خوفه وانبسطت أساريره.
كانت الفتاة تراقب النجوم وكأنها تنتظر من السماء أن تحقق أمانيها.
ثم ما لبثت أن أغلقت النافذة، فعاد الظلام ليتسيد الموقف.
في اليوم الموالي، هبط موسى من الشجرة وكله عزم على بلوغ الكوخ المجهول ومقابلة الفتاة الغريبة.
فسار وسار حتى وصل إلى بقعة صغيرة من الأرض يعتريها الظلام، بدا وكأن الأشجار قد اقتلعت فيها من جذورها لتوفير تلك الفسحة الصغيرة.
ورغم أن الفسحة عديمة الأشجار مما جعل السماء فيها بارزة للعين، إلا أن الظلمة فيها أشد من غيرها.
فاستغرب موسى للأمر، وزاد استغرابه عندما لم يعثر فيها للكوخ من أثر.
كان الفتى متأكدًا تمامًا بأنه سيعثر على الكوخ هنا حسب تقديراته.
لكن أين هو يا للغرابة؟
رواية سر الكوخ الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
جلس موسى طوال يومه في تلك البقعة ينظر إلى السماء ويفكر في الفتاة التي رآها تراقب النجوم، وتمنى لو يراها اليوم أيضًا.
وعند حلول مساء ذلك اليوم، حدث شيء عجيب. لقد أخذت الأغصان وألواح الخشب الملقاة على الأرض بالتجمع فوق بعضها البعض من تلقاء نفسها، حتى تكون في النهاية، وبما يشبه الخيال، كوخًا تام الصنع بجدرانه وسقفه وأبوابه، وحتى شبابيكه الزجاجية.
انعقد لسان موسى من الدهشة وظل يتطلع إلى الكوخ طويلًا، وهو لا يجرؤ على الاقتراب منه. إلى أن انفتح شباك الكوخ أخيرًا واطلت منه فتاة شابة على قدر عالٍ جدًا من الحسن والبهاء.
موسى سارع إلى الاختباء خلف الأحراش، ثم جعل يراقب الفتاة بعينين حائرتين. حتى قرر أخيرًا أن يتقدم ويخاطبها، فلعل نجاته تكون على يديها.
قال موسى بلطف:
مرحباً.
فنظرت إليه الفتاة. اعتقد الفتى أنها ستجفل لدى رؤيته، لكن وخلافًا للمتوقع، ابتسمت الفتاة وردت عليه التحية، ثم دعته للدخول بصوت يدعو للطمانينة.
توجس موسى خيفة من الدخول إلى هذا الكوخ الغريب، لكن شدة جوعه وإرهاقه تغلبا على حذره، فخطى إلى الداخل وهو يقلب ببصره في أرجاء الكوخ. وحالما فعل ذلك، شعر الفتى أن هذا الكوخ ليس بغريب عنه، أو أنه ربما سبق وأن رآه من قبل.
لاحظ موسى أن جدران الكوخ مصنوعة من خشب لا يشبه خشب الأشجار المحيطة به، بل مختلف عنها. فكيف هذا؟ وما هو السر العجيب في ذلك الكوخ يا ترى؟ هكذا تساءل موسى.
دعته الفتاة للجلوس فجلس وأراح قدميه، ثم أحضرت له ماءً وقليلاً من الطعام، فأكل وشرب حتى زال عنه الجوع والظمأ.
لاحظ موسى أثناء تناوله الطعام أن الفتاة كانت تراقب الغابة من النافذة بحذر، وكأنها تخشى أمرًا ما. فقال لها:
ادعى موسى. أفلا أخبرتني باسمك؟
أجابت الفتاة وهي لا تزال تراقب الغابة:
أنا أدعى كارينا.
ولماذا تراقبين طريق الغابة يا كارينا؟ أتنتظرين أحدًا؟
قالت:
كلا، ولكن أخشى من قدوم الغرباء.
استغرب موسى فقال:
ولكن أنا غريب عنك، فلم قابلتيني بوداعة ولم تخشينني؟
هنا نظرت إليه كارينا وقالت:
لقد استعدت قوتك ونشاطك، لذا فعليك بالرحيل الآن.
أرحل؟ وإلى أين سأذهب في هذا الليل البهيم؟ ثم إن عندي الكثير من الأسئلة التي أتمنى لو تجيبينني عنها.
فتحت كارينا الباب وتوسلت بموسى أن يرحل، حتى أنها أمسكت بيديه وقادته إلى الخارج، ثم قالت له:
أعدك أني سأجيب على كل أسئلتك ليلة الغد يا موسى. أرجوك غادر الكوخ الآن، ولا تعد إليه حتى مساء الغد.
نظر هو إلى عينيها وقال:
أتعدينني حقًا يا كارينا؟
ردت هي:
بالطبع سأفعل يا موس.
قالت ذلك، ثم أغلقت الباب.
سار موسى وهو يفكر بجمال كارينا الأخاذ الذي سلب عقله، حتى خرج دون أن يشعر من الفسحة التي بني الكوخ في وسطها. ولما التفت الفتى لينظر إلى كارينا نظرة أخيرة، وإذا به يفاجأ باختفاء الكوخ بأكمله، بل وحتى الفسحة الصغيرة اختفت، حيث ملأ مكانها الأحراش والأشجار ليصبح المكان جزءًا لا يتجزأ من الغابة.
أصيب موسى بالصدمة، فطفق عائدًا يبحث كالمجنون عن الكوخ، وهو يصرخ ويقول:
مستحيل، فالليل ما زال في أوله، ولا يمكن للكوخ أن يختفي الآن.
وبينما هو كذلك، وإذا بثعبان يلدغ قدم موسى، فسقط الأخير يئن من الألم. لكن فجأة لمح موسى مشاعل نارية قادمة باتجاهه. وعند وصولهم، اكتشف أنهم ليسوا سوى أبيه ياسين ورفاقه، والذين فرحوا لعثورهم على موسى حيًا بعد ضياعه لعدة أيام.
وبالنسبة لجرحه، فقد طمأنه والده الحكيم بأن أعطاه الترياق المضاد للسموم في الوقت المناسب. لكن موسى رغم ذلك، فقد أصيب بالحمى وصار يهذي بشأن الكوخ والفتاة، فلم يفهم الآخرون ما يقول.
بعد مرور بعض الزمن، فتح موسى عينيه فشاهد نفسه في منزلهم في لارسا، ووالده يجلس إلى جانبه، حيث بادره بتهنئته بالسلامة، ثم أخبره أنه كان غائبًا عن الوعي لثلاثة أيام خلت، وأنهم اضطروا إلى قطع مهمتهم والعودة به إلى لارسا للعناية به.
هنا سأل موسى أباه أن كانوا قد وجدوا كوخًا في المكان الذي عثروا فيه عليه، فنفى الأب ذلك. وسأل هو ابنه بدوره عن سر ذلك الكوخ الذي ما فتئ يذكره في هذيانه طوال فترة إصابته بالحمى.
فسحب موسى نفسًا عميقًا وقص على أبيه كل ما جرى معه لغاية عثورهم عليه. فبدا على الأب أنه لم يستوعب الأمر وشق عليه ذلك، لأن كل ما ذكره موسى هي أمور عجائبية أو ضرب من الخيال غير قابل للتصديق. والتفسير الوحيد الذي وجده الحكيم هو أن موسى لابد وقد أصيب بالهذيان قبل لدغة الثعبان بوقت طويل.
رواية سر الكوخ الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن استعاد موسى عافيته، قرر العودة إلى مكان الكوخ المجهول. بما أن أباه قد منعه من ذلك، خطط الفتى للقيام بذلك سراً. انتظر غياب أبيه عن القصر، فجهز متاعه وانطلق فجراً دون أن يشعر به أحد.
كان موسى قد علم من بعض خواص أبيه عن الموقع الدقيق للمكان الذي عثروا فيه عليه، لذا لم يجد صعوبة في الاستدلال على المكان، حيث بلغه في اليوم الثالث لانطلاقه وبعد حلول المساء. سر موسى كثيراً لدى رؤيته للكوخ المجهول وهو يتجسد أمامه مجدداً.
هذه المرة لم يتردد الفتى فسار عازماً على طرق الباب، لكنه وقبل أن يفعل ذلك، انفتح الباب أمامه وبان له ذلك الوجه المليح الذي تمنى طوال الأيام الأخيرة أن يراه مرة أخرى.
نظرت هي إلى الأرض وقالت بانكسار:
"ها قد عدت يا موسى، لماذا فعلت؟ تمنيت لو لم تفعل."
رد عليها:
"لقد وعدتني يا كارينا، أتذكرين؟ فلماذا تخلفين وعدكِ إياي؟"
وهنا أحست الفتاة بقدوم شخص ما فاضطربت وسحبت موسى من يده إلى الداخل وطلبت منه الاختباء، فاستجاب الفتى لها وانسل تحت السرير وصار يراقب القادم الغريب.
شاهد موسى أقدام الدخيل وهو يخطو إلى الداخل، ثم سمع صوته وهو يخاطب كارينا بالقول:
"كيف حالك يا سمو الأميرة كناريا؟ هل اشتقتِ إلي؟"
هنا صعق موسى بما سمعه، لكن الأكثر وقعاً على قلبه هو نبرة صوت المتكلم فقال:
"هذا الصوت أعرفه، إنه... إنه..."
ثم خرج موسى من تحت السرير وهو يصيح:
"أبي، أهذا أنت؟"
كان ذلك هو ياسين فعلاً، والذي حالما شاهد ابنه وهو يخرج من تحت السرير انصدم هو الآخر ولم يدرِ ما يقول.
فقال له موسى:
"أهذه هي الأميرة كناريا؟ وأنت الذي اختطفتها وخبأتها هنا؟"
قال الأب:
"كلا يا بني، ليس الأمر كذلك، دعني أشرح لك."
هنا أشارت الأميرة إلى موسى وقالت:
"موسى يكون ولدك؟ لديك ابن شاب ولم تخبرني؟"
أخيراً جلس الأب على الأرض وقد وضع يديه على رأسه وقال:
"لم يكن من المفترض أن تعثر على هذا الكوخ العجيب، لا أنت يا موسى ولا أي شخص آخر. وقد حاولت أن أقنعك أن ما رأيته يا ولدي كان بسبب الهذيان، لكن ذلك لم ينجح معك."
ثم ابتسم الأب وقال:
"يا لسخرية القدر، فآخر شخص في العالم أردته أن يعثر على الكوخ هو أنت، وها أنت أول من يعثر عليه ويكشف خطتي."
قال موسى:
"أي خطة؟ فقد اختطفتَ الأميرة وخبأتها هنا وادعيت أنك تبحث عنها مع الباحثين بانتظار أن تهدأ الأوضاع وييأس الجميع، ثم تظهر أنت المنقذ الذي وجد الأميرة وعاد بها، أليس كذلك؟ ثم لا شيء يسمى بسخرية القدر، فقدري هو أن أكشفك على حقيقتك قبل أن تنفذ مخططك وتخدع الجميع."
رد الأب:
"ولكن ألم تتسائل كيف أعود بالأميرة وهي قد رأت وجهي وتعرفت عليّ؟ كيف أكون أنا الخاطف والمنقذ في وقت واحد؟"
نظر موسى إلى الأميرة وقال:
"هل هذه العملية مدبرة؟ هل أنتِ شريكته في تلك الخديعة؟ أخبريني فلست أفهم لماذا كذبتِ علي؟"
أجابت هي:
"لم أكذب عليك أبداً."
قال هو:
"لقد قلتِ أن اسمك هو كارينا."
قالت:
"هو تصحيف لاسمى الحقيقي كناريا. نفس الأحرف لكن بترتيب مختلف."
قال:
"وقلتِ أنك تخشين الغرباء، لكنكِ فتحتِ الباب لي."
نظرت هي إلى ياسين وقالت:
"وما زلت أخشاه."
قال موسى:
"ووعدتني أنكِ ستجيبين على كل أسئلتي."
أجابت:
"وما زلت عند وعدي، فسأل عما بدا لك."
قال:
"سؤالي هو ما معنى كل هذا أيتها الأميرة كناريا؟"
جلست الأميرة هي الأخرى وقالت وهي تنظر إلى ياسين:
"هذه الخطة أو مهما تسميها هي من تدبير أبي."
انذهل موسى وصاح:
"جلالة الملك هو الذي أمر بذلك؟"
أومأت كناريا بالإيجاب وأضافت:
"لقد شعر أبي أن من واجبه أن يمنع الخلاف على السلطة قبل وقوعه، وبما أن جميع رؤساء العائلات السبع يرغبون بيدي طمعاً في ولاية العهد، لذا فقد اختار الملك أقربهم إليه وأكثرهم ثقة لديه."
رواية سر الكوخ الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
قال موسى: سؤالي هو ما معنى كل هذا أيتها الأميرة؟
جلست الأميرة كناريا وقالت وهي تنظر إلى ياسين: هذه الخطة أو مهما تسميها هي من تدبير أبي.
انذهل موسى وصاح: جلالة الملك هو الذي أمر بذلك؟
أومأت كناريا بالإيجاب وأضافت: لقد شعر أبي أن من واجبه أن يمنع الخلاف على السلطة قبل وقوعه، وبما أن جميع رؤساء العائلات السبع يرغبون بيدي طمعاً في ولاية العهد، لذا فقد اختار الملك أقربهم إليه وأكثرهم ثقة.
كمل ياسين الكلام بالقول: لقد أسر إلي جلالة الملك وبحضور سمو الأميرة نفسها بأنه يرغب بي ولياً للعهد، ولكنه خشي أنه إذا أعلن ذلك فلن يؤيد الباقون قراره وسيتهموه بالخرف، وبالتالي لن تكون قراراته نافذة حال مرضه، لذا فقد اقترح هو علينا هذا الاقتراح وهو أن نمثل حالة اختطاف الأميرة، وبعد مضي أسبوعين أعلن أنا عن عثوري عليها فأفوز بذلك بولاية العهد.
عقبت كناريا على هذا الكلام بالقول: وافقت أنا على مضض رغم كون ياسين بعمر أبي، لأن في ذلك مصلحة المملكة كلها.
أردف موسى قائلاً: بعمر أبيكِ؟ مهلاً مهلاً، هل كان أبي ينوي الزواج بكِ؟
قالت: لم يخبرني بأن لديه ولدٌ شاب، وهو أنت يا موسى.
نهض ياسين وقال: ولكن هكذا هو القانون، زوج الأميرة هو ولي العهد والذي سيصبح الحاكم الشرعي.
لم يعرف موسى ما يقول وهو يكتشف تلك الحقائق لأول مرة عن أبيه، فقالت له كناريا: أنت لا تعرف شيئاً بعد عن أبيك يا موسى.
فصرخ بها ياسين: اخرسي يا فتاة!
وفي تلك الأثناء شم الفتى رائحة قوية تنبعث من إحدى زوايا الكوخ، ولما ذهب ليستطلع شاهد غطاءً جلدياً، فلما رفع الغطاء وإذا به يصاب بالذهول التام عندما اكتشف جثة شاب في مقتبل العمر كان تحت الغطاء.
قالت كناريا: لم تكن أنت أول من يكتشف الكوخ كما زعم أبوك يا موسى، بل سبقك إليه هذا الشاب الذي عرف بأني الأميرة وأراد العودة بي، لكن أباك عمد إليه فذبحه وقضى عليه، ولم يجد الوقت الكافي لدفنه فخبأه هنا، لهذا السبب كنت أخشى عليك من نفس المصير وأردتك أن ترحل ولا تعودن إلى الكوخ المشؤوم، ألم أقل لك أنك لا تعرف عن أبيك شيئاً.
انحدرت الدموع من عيني الفتى وهو يخاطب أباه بالقول: لماذا يا أبي لماذا؟ قلت إن مدة العملية هي أسبوعين فقط، لكن قد مضى شهر حتى الآن، فلم انتظرت كل هذه المدة ولم تعد بالأميرة إلى أبيها؟ فلعل هذا الشاب لا يزال الآن على قيد الحياة ولم تكن مضطراً لقتله؟
أطرق ياسين إلى الأرض وقال: بعد أن نفذت الخطة كما اقترحها الملك، وإذا به يغير رأيه فجأة ويقرر أن يزوج الأميرة بك يا موسى حال عودتها، بعد أن تذكر أنه رآك يوم زارنا في قصرنا وقد أصبحت شاباً فتياً، فلقد أمرني أن أكون مستشارك وعوناً لك فقط. لهذا السبب فعلتُ فعلتي، فكنت أنتظر حتى يصبح الملك عاجزاً تماماً كي أعود بالأميرة.
استغرب موسى فقال: عاجزاً تماماً؟ ماذا تعني؟ ماذا فعلت أيضاً يا أبي؟
رد ياسين: بعد ثلاثة أيام سيصاب الملك الطيب بالشلل ويفقد النطق والحركة، لقد حرصت على ذلك، فأنا في النهاية الحكيم الخاص بالملك، وعندما أعود له بالأميرة فلن يكون قادراً على تزويجك إياها يا ولد، بل سيشهد الجميع على قراره الأخير وهو الوعد بتزويجها لمن يحضرها منا نحن رؤساء العائلات السبع.
بكت الأميرة وقالت: أبوك فعل ما هو أشنع من ذلك يا موسى، اسأله.
صاح الفتى بنفاد صبر: وماذا أيضاً؟ تكلم فأنا لم أعد أعرف من أنت حقاً.
قال ياسين: ما دمت مصراً على معرفة الحقيقة فسأخبرك.
مرض الملك قبل شهور هو من تدبيري كذلك، فلقد سقيته سراً دواءً خاصاً يعجل بشيخوخته ويجعله طريح الفراش، وأنا الذي أوحيت له في عقله الباطن بفكرة الاختطاف حتى ظن ذلك العجوز بأنه هو صاحب الفكرة.
فكما ترى يا موسى فإن تقربي من الملك طوال كل تلك السنوات لم يكن وليد اللحظة، بل كان عملاً مدروساً تم التخطيط له بعناية وصولاً إلى يومنا هذا، لكن الذي لم أحسب حسابه حقاً هو اكتشافك للكوخ ومعرفتك للأمر بطريق الصدفة.
هنا فطن موسى لأمر ما فقال: بطريق الصدفة تقول؟ ربما كان عثوري على الشبل الصغير ومطاردتي من قبل أمه وضياعي في الغابة كل ذلك كان من قبيل الصدفة، لكن رؤيتي للنور المنبعث من نافذة الكوخ في جوف الليالي لم يكن كذلك، لقد كانت الأميرة تتعمد وضع المصباح في شرفة النافذة كي يتم الاهتداء إليها من خلالها.
ثم انتقل موسى ببصره إلى جثة الشاب المطروح وواصل كلامه: أيتها الأميرة قلتي إن هذا الشاب قد سبقني في العثور عليكِ، لكن مما يبدو فإنه قد قتل قبل ثلاث أو أربعة أيامٍ فقط، ما يعني أنكِ كنتِ تعرفين هذا الشاب جيداً قبل تمثيلية اختطافك، أليس كذلك يا سمو الأميرة؟
واصلت الأميرة كناريا بكاءها وهي تقول: إنه جلال ابن سلطان، فرغم أن أبي أمرني أن أكتم قضية اختطافي عن الجميع، لكني استطعت أن أقابل جلال سراً في الليلة التي سبقت عملية الاختطاف وأخبرته بكل شيء، لأني كنت أحبه وأردته هو الذي يعثر علي ويكون مليكي، لذلك أخبرته بجزء الغابة الذي سيكون فيه الكوخ، فكنت أنير له كل ليلة حتى اهتدى في النهاية إلي، لكنه وصل متأخراً و….
لم تستطع الأميرة الإكمال فأجهشت بالبكاء.
ثم تذكر موسى أمراً آخر فقال: لقد وعدتِ أن تجيبي على كل أسئلتي، فاخبريني إذن لماذا فتحتِ الباب لي في أول مرةٍ التقينا فيها ولم تجزعي مني، ثم بدا عليكِ القلق بعد دخولي الكوخ؟
رواية سر الكوخ الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
تذكر موسى أمراً آخر، فقال لكناريا:
"لقد وعدتِ أن تجيبي على كل أسئلتي، فاخبريني إذن لماذا فتحتي الباب لي في أول مرةٍ التقينا فيها ولم تجزعي مني، ثم بدا عليكِ القلق بعد دخولي الكوخ؟"
حبت كناريا دموعها، ثم قالت:
"لأنك يا موسى كنت تشبه جلال، حتى أني اعتقدتك هو، ففرحت لذلك ولم أستطع تمييز الفرق إلا بعد دخولك الكوخ."
تمتم موسى قائلاً:
"أشبه جلال تقولين؟"
ثم اقترب من الجثة وأخذ يتمعن في وجه جلال، فلاحظ بالفعل الشبه الغريب بينهما.
وفي تلك الأثناء، كانت كناريا تقول لياسين:
"لماذا أخبرتني بأنه ليس لديك ولد، لماذا؟"
رد ياسين:
"لأنني بالفعل ليس لي ولد."
ثم أشار إلى الجثة وقال:
"جلال هذا ليس سوى أخيك الأصغر يا موسى، وهذا ما يفسر الشبه الغريب بينكما."
بُهت موسى فصاح:
"ماذا يعني هذا؟ هيا أخبرني، فلم أعد أفهم."
قال ياسين:
"لقد تعرضت عائلتنا في الماضي لحيف وظلمٍ شديدين من قبل المدعو سلطان، فقد تسبب لي بحادثة جعلتني أصاب بالعقم بطريقةٍ ما، وهذا يعني نهاية نسل عائلتنا."
"ولأجل ذلك، فقد انتظرت اللحظة المناسبة لأرد له الضربة. وعندما تزوج سلطان جاريته ورزق منها بولده البكر، نفذتُ أنا تلك الضربة. فقمت باختطاف الطفل من مهده وأردت قتله، لكن لم تؤاتيني الجرأة على فعل ذلك. وعوضاً عنه، فقد قمت باخفائه هنا في هذا الكوخ لثلاث سنوات مع مربية مستأجرة."
"ولم أعد به إلى لارسا إلا بعد أن رزق سلطان بابنه الثاني جلال، ونسي موضوع ولده المخطوف."
ثم وضع ياسين يده على كتف موسى وأضاف:
"ثم ربيته على أنه ولدي، وبذلك استعدتُ حقنا منهم. لهذا السبب كنت أمنعك من الخروج يا موسى خارج نطاق مدينتنا، لئلا ينتبه أحد للشبه بينك وبين جلال فيفتضح أمرك وأمرنا."
هنا شعر موسى بدفق الذكريات تمر أمام عينيه، ففهم لماذا أحس بأن هذا الكوخ ليس بغريب عنه عندما دخله قبل أسابيع، لحظة لقائه بالأميرة كناريا. فرفع كف ياسين من على كتفه وقال:
"هل في جعبتك مفاجآت أخرى تصعقني بها، أم أنك قد اكتفيت؟"
رد ياسين:
"بقي أمر أخير. لماذا برأيك يا موسى اصطحبتك معي في رحلة البحث هذه رغم خطورتها، في الوقت الذي كنت أخشى عليك طوال حياتي من الذهاب خارج مدينتنا؟"
فاجأ موسى ياسين بالقول:
"أنت قلتها يا يا أبي. فبعد أن تعرف علي الملك، خشيت أنت أن لا تنجح خطتك في إصابة الملك بالعجز والشلل، لذا فقد قمتَ بتنفيذ خطة احتياطية."
"وهي أن تصحبني معك إلى الغابة عسى أن تدبر لي مكروهاً يصيبني ويقتلني في الطريق. إلى هذه الدرجة كنت راغباً يا أبي في الحكم، إلى درجة أن تقتل ولدك الوحيد؟"
قال ياسين:
"تذكر أنك لست من صلبي. وجواباً على سؤالك، نعم، إن رؤيتك تموت لهو أهون علي من رؤية ابن سلطان يجلس على العرش الذي لطالما سعيت أنا للوصول إليه."
"ينبغي أن تعلم يا موسى أن وصولي أو وصولك أنت للحكم سيمكن سلطان من التعرف عليك، وبالتالي مطالبتك بك، لذا ففي الحالتين موتك هو الحل الوحيد لمنع نشوب الحرب بين عائلتينا."
قال موسى:
"وبذلك تكون قد قضيت على أولاد سلطان جميعهم وحققت انتقامك. إذا كان كذلك، فلماذا إذن عالجتني من لدغة الثعبان؟ لماذا لم تتركني للموت؟"
رد ياسين:
"كنت محاطاً بأتباعي، ولا يجدر بالحكيم إهمال ولده وهو بتلك الحالة، فكان علي انتظار فرصة أخرى. ولا أخفي عليك يا موسى، أن ضياعك في الغابة في ذلك اليوم قد أنقذك من موت محقق كنت قد أعددته لك. آسف يا موسى لقول ذلك، ولكني لم أنس يوماً بأنك ابن غريمي سلطان."
قال موسى:
"لكن بعد قتلي وزواجك بالأميرة، كيف سيكون لك وريث وأنت عقيم؟"
أجاب ياسين:
"لا يهم من سيأتي بعدي ومن سيخلفني، المهم أن أتمتع أنا بالحكم، وسحقاً لما عدا ذلك."
صاح موسى بغضب:
"لماذا ربيتني إذن؟ لماذا لم تقضي علي قبل ذلك؟"
رد ياسين:
"أردت أن تكون نهايتك أمام عيني سلطان، أردته أن يرى مرارة فقدان الولد فيك مرة بعد أخرى، مرة عند اختطافك، ومرة بعد أن يعثر عليك وقد قضيت نحبك. والآن، هل في ذهنك شيء تريد سؤالي إياه، أم أنك اكتفيت؟"
قال موسى:
"بقي أمر هذا الكوخ العجيب، ما هو سره؟"
رواية سر الكوخ الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
قال موسى: بقي أمر هذا الكوخ العجيب، ما هو سرها؟
أشار ياسين إلى جدران الكوخ وقال: تأمل الكوخ، فتصميمه يدل على أنه ليس من عمل سكان لارسا ولا سكان الغابة كذلك. الخشب المصنوع منه الكوخ لن تجد مثيلاً له في الأشجار المحيطة به، لابد أنك قد لاحظت ذلك. هذا يعني أن الكوخ قد تم بناؤه في مكان آخر ومن ثم تم إحضاره إلى هنا بطريقة ما.
زاد استغراب موسى فقال: بطريقة ما؟ تقول وكيف ذلك؟
أجاب ياسين: أنا عن نفسي لا أعرف كيف. كل ما أعرفه أنني بعد الحادثة التي أدت إلى إصابتي بالعقم، خرجت إلى الغابة هائماً على وجهي وكأنني أبغي الموت بعيداً عن عائلتي وموطني. حتى سرت أياماً وليالي إلى أن سمعت في واحدة من تلك الليالي صرخة عظيمة استوقفتني. فلما تبينت مصدرها، وإذا بي أكتشف هذا الكوخ.
التفت موسى إلى كناريا وقال: اعتقدت أنكِ أنتِ مصدر تلك الصرخات.
ردت الأميرة: أبداً، أنا أيضاً كنت أسمعها فيصيبني الذعر، ثم أفتح النافذة وأحاول تبيان مصدرها فلا أوفق.
واصل ياسين حديثه فقال: أنا أيضاً لا أعلم مصدر الصرخات ولا يهمني، لكن بفضلها عثرت على هذا الكوخ الذي يختفي نهاراً عن أعين الجميع ولا يظهر نفسه إلا في أحلك الليالي.
تمتم موسى قائلاً: يظهر نفسه، أنك تتكلم عن الكوخ وكأنه كائن مستقل بذاته.
رد ياسين: وهو كذلك، إن هذا الكوخ يحتجز بين خشباته روحاً شيطانية لساحر عجوز يدعى روكان. كنت قد عثرت عليه وهو يجود بنفسه في الليلة التي وجدت فيها الكوخ. كان يستلقي بلا حراك هنا.
وأشار ياسين بإصبعه إلى إحدى الزوايا ثم أضاف: أخبرني الساحر أنه كان محاصراً من قبل بعض الفرسان من مملكة بعيدة، حيث حاولوا إشعال النار في كوخه وإحراقه حياً لولا أن قام بتعويذة عجيبة، حيث تمكن من نقل الكوخ وما فيه إلى أقاصي الأرض، أي إلى هنا في وسط المجهول. سحر التعويذة شمل أيضاً إخفاء الكوخ عن العيون نهاراً وإظهاره ليلاً.
الساحر أخبرني كذلك أنه عاش هنا لعشرين عاماً دون أن يكتشفه أحد، حتى كبر في العمر واقترب أجله. لكنه خشي أن يموت دون أن يوصي بإرثه إلى أحد، لذا فقد عمد إلى محاولة إضعاف التعويذة التي أطلقها بنفسه. وربما كانت الصرخات المفاجئة ليلاً والتي تعلن عن بداية ظهور الكوخ للعلن هي إحدى نقاط ضعف التعويذة، لأنها حتماً ستفضح موقع الكوخ. وهذا بالضبط ما أراده الساحر، أن يتم العثور عليه.
أنا كنت أول من وجده، حاولت مساعدته لكنه ما إن أمسك بي حتى...
سكت ياسين لبرهة ثم استدرك قائلاً: لقد أراني مستقبلي كله أمامي، شاهدت نفسي وأنا انتقم من سلطان وأجلس على عرش لارسا. أخبرني الساحر أنني إذا أردت حصول ذلك فيجب أن أوافق على قبول تركته لي، وهذا ما فعلت. أخبرته بأني موافق.
قال موسى وهو لا يكاد يصدق ما يسمع: وما هذه التركة؟ وما الذي فعلته بها؟ هيا أخبرني.
رد ياسين: إن هذا الكوخ مهم جداً لتنفيذ خطتي، وبما أن بقاءه ببقاء الساحر، لذا كان علي أن أبقي الساحر على قيد الحياة ريثما يتحقق المستقبل الذي وعدني إياه.
وهكذا طوال العشرين سنة الماضية، كنت آتي إلى هنا كل بضعة شهور لكي أقوم بتزويد الساحر قارورة من دمائي كي يستقوي بها ولتدب فيه الحياة عدة شهور أخرى. وهو كان معلمي فيما يجب أن أفعله للوصول إلى أهدافي. إنه هو السبب في كوني حكيم الملك الخاص، وحتى أدويتي وعقاقيري كانت من صنعه هو.
هنا قال موسى بغضب: إنه ليس بمعلم، إنه شيطانك ليس إلا.
رد ياسين بحدة: لكن هذا ما أخبرتك به منذ البداية، أن روحه شيطانية. وقد أوضح لي بأني إذا ما أردت أن أحصل على مبتغاي فيجب أن أكون أطيب الجميع، وهذا ما فعلت. لقد أصبحت ياسين الطيب الذي يثق فيه الجميع، حتى أنت يا موسى قد انخدعت بي وظننتني والداً يهتم لأمرك.
لكني...
قاطعه موسى والأسى بادٍ على محياه: لكنك في الحقيقة لم تكن سوى تلميذاً للشيطان.
تدخلت الأميرة كناريا بأن قالت: للأسف، هذا ما تفعله الشياطين بالضبط، توسوس لنا وتغرينا ومن ثم تنقلب ضدنا وتضحك علينا.
قال ياسين: ها قد عرفتم كل شيء، أما الآن فقد آن الأوان لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتي.
قال موسى: هل ستقتلني الآن؟
كشف الفتى عن صدره وقال: هيا تقدم ونفذ ما تمليه عليك شياطينك.
هنا أخرج ياسين قارورة صغيرة من جيبه وقال: أنا لست مجبراً على قتلك بوحشية يا ولد، يكفي أن تشرب من هذا الدواء وسينتهي كل شيء.
أخذ موسى القارورة وفتح غطائها، فصاحت به كناريا أن لا يفعل. فالتفت إليها موسى وقال: أنا آسف أيتها الأميرة لأني لم أستطع إنقاذك. ثم تجرع ما في القارورة، فصرخت كناريا وهي تشاهده يتمايل ثم يسقط أرضاً بلا حراك.
رواية سر الكوخ الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد فترة ليست بالقصيرة كان موسى يفتح عينيه مجددا ليشاهد نفسه داخل حجرة معتمة.
رفع رأسه عن الارض وهو يتطلع حواليه فشاهد شيخا ملتحيا كبير العمر رث الثياب ومقيد بسلسلة طويلة حتى لكأن الرائي يكاد يحسبه في التسعين من العمر.
أخذ ذلك العجوز يقترب منه ثم قال له بحنان:
هل أفقت يا ولدي أأنت بخير؟
هز موسى رأسه بالايجاب ثم قال:
أنا على قيد الحياة كيف ذلك؟ ومن انت وما هذا المكان؟
قال الرجل:
انا ادعى روكان.
صاح موسى بتعجب:
الساحر الذي اخبرني به ياسين.
أردف الرجل الغريب:
انا أفضل لقب الحكيم بدلا من الساحر ولكن نعم وانا ايضا والدك يا موسى.
وعندما بدأت امارات الدهشة تعلو وجه الفتى حتى ادركه روكان بالقول:
مهلاً مهلا يا بني حتى أوضح لك.
استرخى موسى فيما استأنف روكان حديثه:
كانت امك حاملاً بك حينما هاجمنا الفرسان قبل عشرون عاما في بلادنا البعيدة وحاصرونا في هذا الكوخ وارادوا قتلنا جميعا لكننا رفضنا الاستسلام.
وعندما امهلونا حتى المساء للرضوخ لهم أو احراق الكوخ لم أجد بدأ من العودة للسحر واستخدام التعويذة للانتقال بنا الى هذا المكان.
عقّب موسى على كلام العجوز بالقول:
ماذا تعني بالعودة الى السحر؟
رد روكان:
انا اشتهرت بلقب الساحر نعم لكنني لم أؤذي احداً قط.
عملي كان أقرب الى الحكمة منه الى السحر بل وتركت السحر تماما عندما قابلت امك وتزوجت بها واردت العيش معها بسلام حتى آخر اعمارنا.
لكن فرسان المملكة كانوا يقومون بحملة تطهيرية للقضاء على جميع السحرة والمشعوذات في ذلك الوقت وبالطبع لم يصدقوا بأمر توبتي.
وكنت لأسلم نفسي لهم لولا انهم كانوا يقضون على جميع عوائل السحرة بل وحتى الاطفال الصغار لذلك فعلت ما توجب عليّ فعله لأنقاذك انت وامك.
بعد استقرارنا هنا بعدة ايام تمت ولادتك يا موسى.
أما انا فقد اصبحت اخرج للصيد كل نهار ولمدة عامين.
وفي احد الايام شاهدت رجلاً يسقط من منحدر عال نحو النهر ويفقد وعيه.
لم استطع ترك الرجل يغرق فادركته وانقذته.
ثم حملته الى كوخي وهناك اعتنينا به انا وزوجتي الى تمكن من الوقوف على قدميه مجددا.
ذلك الرجل كان ياسين والذي اخبرنا ان شخصاً يدعى سلطان قد قام مع اتباعه بالاعتداء عليه بالضرب ثم إلقاءه في الهاوية نحو النهر كي يلقى حتفه.
لم يخبرنا ياسين بسبب اعتدائهم عليه، لكنه كان كثيراً ما يتوعد سلطان بالعذاب الشديد وبأنه سيلقى أسوء العواقب.
وعندما استرد ياسين كامل عافيته فوجئنا به وهو يهجم نحوي وينهال علي بالضرب حتى أفقدني وعيي.
وعندما فتحت عيناي وجدت نفسي في هذه الحجرة التي تقع اسفل الكوخ مكبلا بهذه بالسلاسل.
لقد انقلب ياسين واظهر معدنه الحقيقي مجرد مهووسٍ بالسلطة لا هم له سوى التشفي والانتقام وأنا كنت أول ضحاياه فلقد أسرني واستولى على عائلتي وبيتي وانا محبوس هنا منذ ذلك الحين.
هز موسى رأسه بالنفي وقال:
كلا هنالك ثغرات كبيرة في قصتك انا ابن سلطان والدليل على ذلك هو اني اشبه اخي جلال ابن سلطان.
أجاب روكان:
انت اخو جلال ابن سلطان نعم لكنه اخيك من امك فقط.
أمسك موسى رأسه وهو يحاول ان يستوعب كمية الكلام الذي يسمعه فيما واصل روكان الكلام:
نصف القصة التي اخبرك بها ياسين كذب.
ياسين لم يستأجر مربية لتربيتك هنا امك هي من قامت بفعل ذلك يا ولدي.
قال موسى:
ياسين قال انه اختطفني من بيت سلطان.
رد روكان:
كلا لم يختطفك انت بل اختطف اخاك.
تفاجأ موسى:
جلال؟
أجاب روكان:
كلا بل اخاك الآخِر.
هنا تمدد موسى على الارض وهو يقول:
اعذرني فأنا لم اعد استوعب شيئا مما تقول.
عاود روكان الحديث لكن بهدوءٍ اكبر هذه المرة:
لقد اجبرني ياسين على طلاق زوجتي بعد ان هدد بقتلك ان لم افعل.
وبما انها كانت على قدر كبير من الجمال فقد قام ياسين الغدار ببيعها في سوق الجواري والذي اشتراها هو سلطان الذي اعجب بها فتزوجها فولدت له تؤام هما جلال وبلال.
قام ياسين بعد ذلك بتنفيذ عملية اختطاف بلال والهرب به الى هنا غير ان الرضيع لم يتحمل فمات في الطريق فقام بدفنه في الغابة.
لكن ياسين لم يشعر بالخيبة اطلاقا فهدفه هو ان يحرم سلطان من الاولاد.
رواية سر الكوخ الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
قال روكان: "يا موسى، بعد أن كبرت، لاحظ ياسين الشبه الكبير بينك وبين جلال. فقرر أن يستغل ذلك لإيهام سلطان بأن ولده المخطوف لا يزال على قيد الحياة. بعد أن يراك سلطان، سيقوم ياسين بالسيطرة على سلطان وإجباره على تنفيذ أوامره، لاسيما وأنك الوحيد المتبقي كما سيعتقد سلطان. وربما قام ياسين بقتلك أمامه إرضاءً لغروره المريض."
تساءل موسى: "لكن ياسين أخبرني بأنه كان يزودك بدمائه كي تستمر بالحياة. ألم تكن عجوزاً عندما التقى بك ياسين كما ادعى؟"
رد روكان: "كلا، كنت شاباً في الثلاثينات. أخبرتك أن أغلب ما تفوه به ذلك الشيطان ما هو إلا محض افتراءٍ وعكس للوقائع. بعد أن قام باحتجازي بعدة أيام، انتهى سحر التعويذة وعاد الكوخ مرئياً للعيان نهاراً. فقام ياسين كالعادة بتهديدي بقتلكما أنت وأمك إن لم أفصح له بسر التعويذة. فأخبرته بأنها تتطلب قطرات من دمي لتستمر، لذا فقد أخذ يسحب مني قارورة من دمائي كل بضعة شهور طوال العشرين سنة الماضية. وذلك هو السبب الذي جعلني أهرم بسرعة كما ترى."
ثم كشف روكان عن جسده فبانت العديد من الجروح التي عفا عليها الزمن، ثم أضاف: "لم يتوقف الأمر بياسين عند هذا الحد. كل العقاقير والخلطات الغريبة التي استعملها بتنفيذ مؤامراته كان يجبرني على صنعها له. وطبعاً، إن لم تؤت التأثير المطلوب، فإن الموت كان يترصدك يا بني."
ثم مرر روكان يده على شعر موسى وهو يقول: "لقد فعلت كل ذلك كي أحميك يا موسى، لأنك ولدي وأنا أحبك."
قال الفتى: "وأمي ما مصيرها؟"
بدا الحزن واضحاً على وجه روكان فأطرق رأسه وقال: "أثناء عملية الاختطاف التي نفذها ياسين بنفسه، شاهدته أمك، فقام بقتلها كي لا تفضح، ثم هرب."
صاح موسى: "لكن كيف عرفت كل هذا وأنت محبوسٌ هنا؟ هل أخبرك ياسين بذلك؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف صدقته مع أنك أخبرتني بأن معظم كلامه هراء وتفاهات؟"
قال روكان: "ما هذا يا موسى؟ أنسيت أني كنت ساحراً؟ ومعرفة الكاذب من الصادق هي إحدى مهاراتي." ثم أخفض صوته إلى درجة الهمس وهو يقول له: "ومن مكاني في هذه الحجرة، كنت أسمع كل ما كان يدور بينكم من حوارات بفضل مواهبي في السمع كذلك. لكنكم لم تكونوا تسمعونني عندما كنت أصرخ، بل لم تشعروا بوجودي حتى، لأن هذه الحجرة معزولة ومخفية بشكل جيد."
قال موسى: "ولماذا أصدقك أنت وأكذب ياسين؟ ما الذي يثبت كلامك؟"
رد روكان: "معك حق، لا يوجد سبب يجعلك تصدقني. لكن الشيء الوحيد الذي يجب أن تصدقه هو أن ياسين ما زال يبقيك حياً كي يقضي عليك فيما بعد أمام عيني سلطان بذاته. فإذا ما أردت النجاة، فعلينا أن نتعاون فيما بيننا للخلاص من سطوة ياسين وهيمنته."
"لقد قام بتخديرك وإلقائك هنا معي وذهب مع الأميرة كي يعيدها إلى الملك، وهو سيستغل إصابته للملك بالعجز والشلل كي يصبح هو الحاكم."
بدت علامات الحيرة على وجه موسى وهو يقول: "ما زلت لا أفهم لماذا أخبرني ياسين بكل تلك الأكاذيب ثم يحبسني معك وهو يعرف أنك ستخبرني بالحقيقة؟"
أجاب روكان: "لقد فعل ذلك بسبب الأميرة."
التفت موسى بتعجب إلى روكان وصاح مستغرباً: "كناريا؟ وما دخلها؟"
رد روكان: "كيف لا وهي ستكون الشاهد على أنك ابن سلطان؟ كما أخبركما ياسين. ربما سلطان لن يصدق مزاعم ياسين، ولكنه بالتأكيد سيصدق الأميرة."
آنذاك صرخ موسى: "يجب أن أخرج من هنا. يجب..."
حاول الفتى أن يحفر السقف بأظفاره محاولاً شق طريقه للخروج، لكن مساعيه تكللت بالفشل.
ناده روكان قائلاً: "هناك في الجدار على يسارك نفق سري يفضي إلى خارج الكوخ."
هب موسى إلى الجدار يتفحصه ثم صاح: "أين هو النفق؟ أنا لا أراه."
قال روكان: "عليك أن تحفر مقدار ذراع حتى تتبين لك فوهة النفق. لو لم أكن مكبلاً بالسلاسل، لخرجت من هنا منذ زمن بعيد."
رواية سر الكوخ الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
سارع موسى بالحفر بكل ما أوتي من قوة حتى استطاع أخيراً أن يبلغ فوهة النفق، ثم يسلكه صعوداً حتى وصل إلى موقع مغطى بالأحراش يقع في ظهر الكوخ.
ثم قام بتكسير زجاج إحدى النوافذ وانسل من خلالها إلى داخل الكوخ.
وبعد ذلك، قام بفتح بوابة الحجرة السفلية وأحضر معه فأساً حطم به قيود روكان العجوز، وأصطحبه معه إلى الأعلى.
كان روكان بالكاد يستطيع الوقوف. فالتفت إلى موسى وقال:
"لابد أن أخبرك الآن بالسر الخطير الذي من أجله هاجمني ياسين في البداية ثم حبسني هنا. فما أن عرف بأني كنت الساحر روكان، حتى فعل ياسين فعلته تلك لاعتقاده بأني أمتلك قارورة من مياه ينبوع الشباب. تلك المياه التي تعيد شاربها إلى زهرة شبابه. وقد استبد به العمر وتمادى، فقد انتشرت إشاعة لدى الجميع في ذلك الوقت مفادها أن آخر جرعة موجودة من ينبوع الشباب هي بحيازة ساحر يدعى روكان، أي أنا."
قال موسى:
"وهل فعلاً تمتلك تلك الجرعة أم أنها مجرد إشاعة كما قلت؟"
رد روكان:
"لقد هددني ياسين بقتلك كالعادة إن لم أفصح له بمكان الجرعة، حتى أنه أمسكك من ساقيك وأنت طفل بعمر السنتين، ثم رفعك عالياً وقرب خنجره من نحرك. لكنني أقسمت له بأن ما سمعه كان محض إشاعة وبأنني لا أملك هذه الجرعة. فلما رأى جزعي وصراخي ودموعي، حتى اقتنع هو أخيراً بأنني أقول الحقيقة، ولم يسألني بعد ذلك عن الموضوع أبداً."
"ولكن الحقيقة هي أن الجرعة موجودة بالفعل، وأنا أُخبئها هنا في خزانة سرية داخل هذا الجدار."
أشار روكان إلى أحد جدران الكوخ ثم أضاف:
"أحضرها لي يا بني واسقني إياها، لعلي أعود شاباً كما كنت. ستجدها داخل قارورة حمراء لا يمكنك أن تخطئها."
أخذ موسى يبعد الأغراض والأثاث جانباً عن الجدار، ثم شرع بإزالة ألواح الخشب حتى بانت له بالفعل خزانة سرية خلف الحائط. ففتحها وجعل يمرر أصابعه بين القوارير حتى استخرج منها القارورة الحمراء المنشودة.
وهنا، وفي تلك اللحظة بالذات، اندفع ياسين من أحد المخابئ داخل الكوخ وهو يشهر سيفه نحو موسى.
ففوجئ الفتى به، حتى أنه كاد أن يسقط القارورة ويدلق ما بها من سائل، لولا أن تداركه ياسين في اللحظة الأخيرة.
فاختطف الزجاجة من يده، ثم وضع السيف على عنق موسى والتفت إلى روكان وقال بكل زهو وغرور:
"أخيراً حصلت عليها."
"لقد أوهمتكم بأني خرجت مع الأميرة من الكوخ، ولكنني في الحقيقة قد قمت بربط كناريا خارجاً، ثم انسللت عائداً إلى هنا، واضعاً أذني على بوابة القبو الخشبية مصغياً إلى كل كلمة تقولونها. وأنا أعلم بأن هناك مخرجاً سرياً في القبو، ولكن لا أعرف أين. ثم اختبأت هنا منتظراً أن تطلع ولدك على مكان جرعة الشباب، حتى صدقت توقعاتي وحالفني الحظ أخيراً بالحصول عليها."
نظر ياسين إلى القارورة ملياً ثم قال:
"أهذه هي الجرعة التي كنت يا روكان مستعداً لتضحي بولدك هذا من أجل أن لا تعطيني إياها؟ ولكن لا بأس، فبعد أن أشربها وأعود شاباً وأتزوج بالأميرة وأصبح الملك، سأقوم بنحر هذا الفتى أمامكما أنت وسلطان عقاباً لكما على خداعكما لي."