تحميل رواية «سر الغربان» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بعد أن جمع غزل الصوف الذي صنعته أمه وعزم على الذهاب إلى المدينة لبيعه، فلقد أجدبت الأرض وقلت المراعي. ركب جمله بعد أن حمل من المؤونة ما يكفي للرحلة. في الطريق شاهد رجلاً ملقى في الصحراء. أسرع إليه وسقاه وبلل وجهه. ففتح عينيه وقال: "لولا مرورك لإبتلعتني الصحراء." رد عليه: "الحمد لله على سلامتك. إركب جملي حتى تتحسن وأسير أنا بجوارك." أثناء الطريق سأله عن ما حل به. أجاب الرجل: "لقد هاجمني قطاع الطريق وسلبوني ما أملك. لم يقتلوني وتركوا أمري للشمس لكي تقوم بهذه المهمة." قال علي: "هذا مؤسف. كان بإمكان...
رواية سر الغربان الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن جمع غزل الصوف الذي صنعته أمه وعزم على الذهاب إلى المدينة لبيعه، فلقد أجدبت الأرض وقلت المراعي. ركب جمله بعد أن حمل من المؤونة ما يكفي للرحلة.
في الطريق شاهد رجلاً ملقى في الصحراء. أسرع إليه وسقاه وبلل وجهه. ففتح عينيه وقال: "لولا مرورك لإبتلعتني الصحراء."
رد عليه: "الحمد لله على سلامتك. إركب جملي حتى تتحسن وأسير أنا بجوارك."
أثناء الطريق سأله عن ما حل به. أجاب الرجل: "لقد هاجمني قطاع الطريق وسلبوني ما أملك. لم يقتلوني وتركوا أمري للشمس لكي تقوم بهذه المهمة."
قال علي: "هذا مؤسف. كان بإمكانهم ترك بعض الماء لك على الأقل."
في هذه الأثناء وصلوا إلى بئر مهجورة ولم يكن بها حبل ولا دلو.
قال الرجل لعلي: "لم أسترجع بعد عافيتي وهذه البئر قديمة. يجب إعمال الحيلة لملئ الماء منها."
قال علي: "لا بأس، سأملأ أنا القربة." ربط الحبل في الجمل ونزل حتى لامست ساقاه صخرة في قاع البئر. فملأ القربة ثم لف حولها الحبل وطلب منه رفعها.
بعد ذلك قال له: "إرسل الحبل مرة أخرى لكي أصعد."
لكن الرجل سخر منه وأجابه: "سأتركك هنا."
فقال علي: "الجمل والسلاح والمال لك، لكن أخرجني من البئر رجاءً. تذكر إحساني لك عندما وجدتك بين الرمال."
قال: "تريد أن أنقذك لكي تقتلني؟"
أجاب علي: "لك أمان الله، ما أقتلك."
قال: "لا، هكذا أفضل." ومشى وبقي علي في القاع وهو حائر عما يجب فعله.
فلما حل الظلام وانتصف الليل، إذا باثنين من الغربان يحطان على طرف البئر وأخذا يتحدثان مع بعضهما بصوت مسموع.
فقال الأول: "هل تعرف بنت الشيخ حرب؟"
أجاب الثاني: "أوه نعم، تلك البنت الجميلة التي رفضت كل الرجال لغرورها وثراء أبيها."
قال الأول: "عملت لها سحراً فأصبحت من خدم الجن، وفك هذا السحر بسيط."
سأله الثاني: "كيف ذلك؟"
أجابه الأول: "يقرأون الفاتحة سبع مرات على ماء ويرشون البنت فتشفي."
قال الغراب الثاني: "أنت لم تصنع شيئاً يستحق الذكر يا صديقي. سأحكي لك ما فعلت بالإنس. هل تعرف بستان بني عامر المشهور بالنخيل والماء؟"
أجاب الأول: "نعم أعرفه جيداً، لكن ما قصته؟"
قال الثاني: "لقد أكل أحد رجالهم تمراً عند مغيب الشمس ورمى النوى فأصابت ابن ملك الجان، لهذا عملت لبستانهم سحراً فجفت مياه الآبار وهي الآن خاوية على عروشها، لا يسكنها أحد."
سأله الأول: "كيف ذلك؟"
رد الثاني: "سددت العين التي تقع تحت الجبل فجفت جميع السواقي التي تسقي الأرض، وفك السحر بسيط جداً."
فقال الأول: "كيف؟"
أجاب الثاني: "يكتبون خواتيم سورة البقرة على ورقة صغيرة مطوية ويلقونها في العين فينفك السحر ويعود الماء للتدفق."
وكان علي في أسفل البئر يسمع كلام الجن الذين اتخذوا هيئة غربان.
طلع الصباح فطارت الغربان. وبعد يومين مرت قافلة. وعندما اقتربوا سمعوا صياحاً وسط البئر ففزعوا، ولكنهم تشجعوا ونظروا داخله فوجدوا أعرابياً قد علق فيه.
وقال لهم: "املأ قربكم مقابل أخذي معكم."
أجابوه بالموافقة. قالوا: "إلى أين أنت ذاهب؟"
قال: "إلى مضارب قبيلة الشيخ حرب."
أجابوه: "هي في طريقنا." ثم أخرجوه وهدئوا من روعه. وبعد أن سمعوا قصته، لاموه على الثقة بإنسان غريب.
كانت قبيلة الشيخ حرب من أكبر وأمنع قبائل المنطقة وكان القوم ينعمون بالثراء وأنعامهم لا تعد ولا تحصى كثرة.
سأل علي عن خيمة سيدهم وعندما وصل وجده واقفاً وقد شحب لونه. سلم عليه. قال له: "إنه يعرف سبب حزنه ومستعد لفعل كل ما بوسعه لعلاج ابنته."
أجاب الشيخ حرب: "لقد جربنا كل شيء، الأدوية والعرافين والمشعوذين، لكن منذ سنة وابنتي تعاني من مرض غريب. لقد أصبح شكلها سيئاً واضطررنا لشد وثاقها لكي لا تؤذي أحداً."
سأله علي: "ماذا ستكون مكافأتي إن جعلت بنتك تشفى؟"
قال: "لك ما تريد."
فقال: "تزوجني إياها وتعطيني خيمة لي ولأمي وأكون واحداً منكم."
رد: "أبشر، لكن هل فعلاً يمكن شفاؤها، فلقد عجز الجميع عن ذلك؟"
قال علي: "كل شيء بأمر الله. هاتوا لي إناء من الفخار فيه بعض الماء ولا تقتربوا مهما حدث، ذلك من فعل أقوى سحرة الجن."
دخل خيمتها ونظر إليها فارتاع من حالتها. كانت عيناها جامدتين كالأموات لا تتحرك جفونهما وطال شعرها وأظافرها. ولما شاهدته مدت يدها إليه كأنها تطلب المساعدة.
رواية سر الغربان الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
دخل علي خيمة بنت شيخ حرب ونظر إليها فارتع من حالتها. كانت عيناها جامدتين كالأموات، لا تتحرك جفونهما. طال شعرها وأظافرها. ولما شاهدته مدت يدها إليه كأنها تطلب المساعدة. فبدأ بقراءة سورة الفاتحة على الماء.
ولما سمعت القرآن هاجت وكشرت عن أنيابها. لم يخف منها وواصل القراءة. فقطعت الحبل الذي يشدها إلى عمود الخيمة ووثبت عليه كالوحش الكاسر. لكنه رشها بالماء قبل أن تصل إليه. فصرخت صرخة عظيمة سمعتها كل القبيلة وسقطت على الأرض مغشيا عليها.
وعندما سمع الشيخ حرب الضجة داخل الخيمة، دخل هو وامرأته مرتعدين من الخوف. وسألوه في حيرة: "هل هي على ما يرام؟ إنها لا تتحرك."
رد علي: "لا تقلقا، فالسحر يحتاج لبعض الوقت ليزول من جسمها. في انتظار ذلك، يجب أن تعدوا لها حماما وتصلحوا من شأنها وتحرقوا التعاويذ والأشياء الغريبة التي علقتها في خيمتها."
"سأمر غدا لأراها، أما الآن فسأرتاح قليلا فالأيام الماضية كانت صعبة."
قال الشيخ حرب: "لقد أمرت بإعداد خيمة لك بجانبي."
سار علي مع الشيخ وعندما اقتربا منها قال له: "أنظر هناك. كانت خيمة واسعة وقد فرشت بالبسط والنمارق وجعلت عليها الوسائد."
دهش علي وتساءل: "هل حقا هذه خيمتي؟ إنها تليق بشرفاء القوم."
قال الشيخ: "من الآن أنت من أشرافنا."
جلسوا وأحضرت الجواري أطباق الطعام وفيها من أصناف الطيور واللحوم ما يليق بالملوك والفواكه من عنب ورمان. فأكلا وانبسطا، ثم غسلا أيديهما وحمدا الله كثيرا.
قال الشيخ حرب: "لو عادت ابنتي كما كانت، سأعد وليمة عظيمة وسندق الدفوف والمزاهر وستغني الفتيات."
رد علي: "أعدك أنها ستكون أفضل حالا."
بقي علي وحده يفكر في العجائب التي حصلت معه. وتذكر أمه العجوز فسالت دموعه وقال: "بينما أنا أشبع، لا شك أنها جائعة. فلم يتبق عندها إلا صاع من الشعير وجراب صغير من التمر." وأضاف: "لا بد أن أخبر الشيخ ليرسل أحدا لإحضارها."
"أما أنا، فلدي الكثير لأفعله غدا." غلبه النوم فراح في سبات عميق. رأى في حلمه أنه يمشي متعبا في صحراء قاحلة تتبعه الغربان من بعيد كأنها تنتظر موته لتنقر عينيه.
قام مذعورا. أسرع إلى قلة الماء فقد كان يحس بعطش شديد وحر في جسمه كأن ما رآه في الحلم حقيقة. كانت الشمس قد توسطت كبد السماء.
قال علي في نفسه: "لقد كان الفراش ناعما وهذا لا يشجع كثيرا على النهوض باكرا. وإذا تواصل الأمر كذلك سأتعود على حياة الدعة والترف."
كان لا يزال مع خواطره عندما جاءته جارية وأخبرته أن نائلة قد استيقظت وأن الشيخ يدعوه ليراها. للمرة الأولى يسمع اسمها وهو جميل وتساءل: "هل هي جميلة مثلما يقول الناس؟"
عندما اقترب من خيمتها وجد جمعا كبيرا والناس تهلل وتكبر والصبايا يرقصن بفرحة كبيرة. شق علي طريقه بصعوبة وعندما وصل أمام المدخل استأذن ثم دخل.
كانت نائلة جالسة على كرسي والجواري يمشطن شعرها الذهبي المسترسل على كتفيها. وعندما رفعت نظرها إليه تحير من جمالها وبقي مشدوها لا تغادرها عيناه.
أحست البنت بالخجل ورمت نقابها على وجهها. ضحك الشيخ وضحكت الجواري. في هذه اللحظة دمعت عيني الأم وقالت: "من زمن طويل لم نضحك ولم نبتهج."
وأضافت: "من اليوم أنت ابني الذي لم أرزق به ونائلة ستكون امرأتك. أنت من يستحقها، لا أحد غيرك."
خرج الشيخ من الخيمة وهو يحمد الله. فلحقه علي وقال له: "أريد أن أسألك عن بستان بني عامر، هل تعرفه؟"
أجاب: "كل البادية تعرفه، خصوصا بعد ما حل به من خراب. لكن لماذا تسأل؟ فالناس عادة يتجنبون الحديث عنه لكي لا تصيبهم اللعنة."
تردد علي ثم قال: "سأذهب إليه وأرى ما يمكن فعله لأعيد له حسنه."
ظهر على الشيخ الانزعاج وقال: "لا أنصحك بالذهاب، فكل من دخل هناك لم يبق منه سوى عظام بالية. ذات مرة اقتربت من البستان ولقد رأيتها بنفسي معلقة بين الأشجار."
أجاب علي: "لقد نجحت في فك السحر عن ابنتك، وسأقهر الجن وآخذ البستان وأعطيه مهرا لنائلة."
ارتعد الشيخ حرب وقال: "أرجوك، لقد عانت ابنتي بما فيه الكفاية من الجن. لا نريد منك مهرا، وسأعطيك مائة من الإبل ومثلها من الغنم لترعاها وتنفق على امرأتك. بفضلك تحسنت حالها، ذلك يبقى دينا في ذمتي."
قال علي: "لن آخذ منك شيئا، وماذا يقول عني أهل القبيلة؟ لا تخف يا شيخ، لن يحصل إلا خيرا. لقد عقدت العزم على استرجاع البستان من الجن وإبعادهم عن منطقتنا، فلقد أكثروا الفساد وقهروا العباد."
رواية سر الغربان الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
قرر علي الذهاب إلى البستان بني عامر فطلب من شيخ حرب جملا ومعه ما يلزم.
قال الشيخ: "البستان على مسافة يومين، إن لم تكن واثقا من نفسك لا تذهب".
قال علي: "سيكون الله معي، أعد ما طلبته منك ولا تنس أن تضع سلاحا".
في الغد نهض علي مبكرا فوجد أحد العبيد في انتظاره مع الجمل.
قال له العبد: "لقد طلب مني سيدي مرافقتك، فأنا أعرف الصحراء جيدا وأحسن الرمي بالنبال".
قال علي: "لا مانع لدي، وأطلب منك فقط طاعة أوامري".
أومأ العبد بالقبول.
في الطريق لم يكن هناك ماء، فقد دفن الجن كل الآبار.
سأل العبد: "ماذا حصل ليعاقب الجن أهالي هذه البرية؟"
أجاب العبد: "لقد نشب قتال بين قبيلة من الجن المسلمين وقبيلة من كفار الجن الذين حلوا هنا، وانتصر الكفار بفضل السحر. وانحاز الإنس للجن المسلم، ولما هزموا لم يترك سحرة الجن أي مناسبة للتنكيل بهم، سواء أن كان لسبب أو دونه".
ظهر الاهتمام على وجه علي وسأله: "وما هو سبب قدوم هؤلاء؟ فمنذ أيام سليمان كان لكل قبيلة من الجن أرضها".
قال العبد: "يقال أن هناك كنوزا كثيرة في هذه البرية مدفونة في الرمال، دون شك جائوا وراء الذهب".
قال علي: "هل حكاية الكنوز صحيحة أم من خيال القصاص؟"
رد العبد: "قبل أن يأتي الجن إلى هنا، عثر البدو على كنز عندما كانوا يحفرون بئرا. والآن من المحال أن نحفر، ويقال أن من يحاول أن يفعل ذلك تفتك به العقارب السامة".
كان علي يتعجب لسماع هذه الحكايات. وفكر أن هؤلاء القوم من الجن يسكنون الحفر العميقة والمغاور، لهذا السبب كان سحرتهم يجتمعون في الآبار المهجورة.
سأل علي: "هل هناك مغاور وأنفاق في هذه البرية؟"
نظر إليه العبد بدهشة وقال: "كيف عرفت؟ هناك تلة صخرية مرتفعة مليئة بالأنفاق العميقة التي تنزل إلى باطن الأرض، وماءها أحسن المياه، لكن الآن لا يذهب إليها أحد".
أحس علي بالرضى عن استنتاجه وقال: "لماذا؟"
قال العبد: "لقد سكنتها الأرواح الشريرة".
في اليوم الثاني وصلا إلى بستان بني عامر.
قال العبد: "سأبقى هنا مع البعير، هذا المكان يشعرني بالرهبة".
أجاب علي: "لا عليك، انتظرني ساعة، إن لم آت إليك خذ البعير وإرحل بسرعة".
أخذ علي سيفه وتعوذ، ثم اقترب من حافة البستان.
كانت الأرض جافة مشققة والأشجار ميتة، لا أثر هنا للحياة، حتى العصافير. واصل التقدم لكنه وقف وقد أصابه الخوف، شاهد هياكل عظمية مازالت بملابسها وهي تتأرجح بين الأشجار، وسمع أصواتا كأنها نواح نساء.
لكنه تجلد ومشى خطوات أخرى، وإذا به يشاهد فتيات جميلات يدعونه للجلوس معهن، وأحس بشيء يجذبه إليهن.
عندما اقترب منهن أخذ سيفه وقال: "بسم الله". وضرب أولهن، فإذا بجمجمة نخرة تسقط أمامه وتحولت الفتاة إلى عظام بالية. وكلما ضرب واحدة أصبحت عظاما.
قال في نفسه: "لقد سحر الجن عيوني، ولا أعرف إن سأرى حقيقة أم وهما".
عندما وصل إلى العين سمع شخصا يناديه باسمه. لقد تذكر هذا الصوت، لم يسمعه منذ سنوات.
وقال: "أبي هل هذا أنت؟ هل عدت أخيرا؟"
لقد كان أبوه وعمه يعملان في حراسة القوافل من قطاع الطريق، وفي أحد الأيام رحلا ولم يسمع أحد بخبر عنهما. لكن علي تذكر السحر، أحس برغبة في ضم والده، قد يكون حقيقة. سأله: "هل تتذكر أختي الصغيرة؟"
أجابه: "نعم أتذكرها".
وهنا أخذ سيفه وقال له: "لست أبي، فليس لي أخوات". وضرب رقبته، فسقط عظاما مثل الجواري.
فكر علي في أمر هذا السحر الغريب. ثم قال فجأة: "الأمر واضح، يأخذ الأموات مظهر الذي تهواه نفسك من أهل أو حبيب، لكن بمجرد لمسهم يتبخر لحمك وجلدك وتصبح مثلهم عظاما نخرة".
نظر حوله، كان هناك العشرات من عظام العرب والروم، عرفهم من ملابسهم وهيئتهم.
"لا بد أن ينتهي كل هذا السوء".
عندما أخذ الورقة المكتوب عليها خواتيم سورة البقرة، أقبل غراب وأخذها منه وطار.
صرخ علي: "فبدونها لا يستطيع عمل شيئ".
لكنه سمع صوت سهم ينطلق وراءه ويصيب الغراب الذي سقط.
التفت علي بدهشة وراءه، فإذا به يشاهد العبد.
أسرع إليه وربت على كتفيه وقال له: "لماذا لم تسمع كلامي؟"
أجاب: "مهمتي هي أن تعود حيا. نائلة خطيبتك هي من أرسلتني ووعدت أن تعتقني إن أحسنت عملي".
رواية سر الغربان الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بحث علي عن الغراب الذي كان العبد كروان قد أصابه وأخذ منه الورقة. طواها ثم رماها في العين الجافة وأغمض عينيه. كان يريد أن يسمع هدير الماء لكنه لم يحدث شيء. فتح عينيه وقال: هل أخطأت في شيء؟
كان كروان العبد واقفًا بجانبه. قال له: ربما لم تضعها في المكان الصحيح. العين لها معنى، مصدر الماء، وأيضًا الشيء الذي نبصر به. ألم تلاحظ وجود نقش لأفعى بعيون كبيرة؟
لست ساحرًا، لكن أعتقد أنها طلسم سحري.
قال علي: إنها في مرتفع صخري.
نزل كروان إلى الحوض الذي تحت الصخور، أخذ الورقة وثبتها على سهم ثم سدد في اتجاه العين اليمنى للأفعى وأطلقه. فدخلت الورقة في الحفرة.
وبعد دقائق سمعا صوت اندفاع الماء بقوة. امتلأت السواقي بالماء وبدأت ترجع نظارة الأرض وخضرتها. امتلأت عراجين النخل بالتمر والأشجار بالرمان والتفاح.
سأل علي العبد كروان: هل ديار بني عامر بعيدة من هنا؟ أجاب: لا، مسافة نصف ساعة لا غير.
قال له: علينا بالذهاب الآن قبل أن يشتد الحر.
عندما وصلا، لاحظ علي كثرة الفقر والبؤس في القبيلة. مر بهم رجل فسأله عن ملكهم.
أشار من بعيد إلى خيمة بالقرب منها شجيرات جافة. وقال له: ستجده هناك. كان هناك صبي يلعب أمام الخيمة. ناداه وقال له: أخبر أباك أن غرباء يريدون رؤيته.
بعد لحظات خرج شيخ يبدو عليه الإعياء وقال: تفضلوا. جلس علي وكروان على زربية قديمة مهترئة. أحضر الصبي آنية فيها حليب الإبل فشربا. ناولوا الشيخ فشرب وحمد الله.
وقال: لقد أوصيت العبيد بذبح شاة سمينة لغذائكما وإعداد أقراص خبز الشعير. في انتظار ذلك، بإمكانكما الاستراحة. لا شك أنكم سافرتم كثيرًا في الصحراء، وكما لاحظتم، لا يوجد ماء.
قال علي: لم نسافر كثيرًا. لقد كنا في بستانكم الذي أخربه الجن. تغير وجه الشيخ من الدهشة وقال: ماذا ذهبتم تفعلون هناك؟ لا يوجد إلا الخراب والموت لمن يسوقه القدر إلى البستان.
قال علي: سأخبرك فيما بعد، لكن أولًا أريد أن تروي لي ماذا حصل لقبيلتك، فالبؤس والحزن لا يمكن أن تخطئهما العين.
قال الشيخ محي الدين: إنها حكاية طويلة يا بني. قبل سنة، كانت قبيلتنا من أكثر العرب مالًا وجاهًا. وكانت قوافلنا تجوب الأرض طولًا وعرضًا لبيع التمر والعسل والخمر والزبيب. كل هذا كان من خيرات البستان الذي كان في يوم ما عامرًا، تفوح منه رائحة الرياحين وتمرح فيه الطيور.
ولقد كانت هناك قبيلة كبيرة من الجن المسلم تسكن القفر الذي بجوارنا. وكانت أرضها واسعة وفيها الكثير من آبار الماء. وعلاقتهم بالإنس هي علاقة ود. مرات عديدة ظهروا في شكل نوق بيضاء للتائهين في الصحراء.
ودلوهم على الطريق. وكان من عادتنا أن نضع حليًا من الصدف في الصحاري لنشكر الجن على معروفهم معنا.
وكانوا يقبلون هدايانا وقد يتركون مكانها بعض القطع الذهبية.
كنا سعداء، لكن في أحد الأيام تغير كل شيء. سمعنا من بعيد قرع طبول وثار الغبار. وشاهدنا مخلوقات بشعة المنظر تركب حيوانات تشبه الضباع تهاجم قرى الجن المسلم. وهي أكوام حجارة ممتدة على مساحة كبيرة، لكن لا نرى سكانها.
في ذلك اليوم، ظهر الجن وقراهم بشكلها الحقيقي. كان الجن المسلم كثير الشبه بنا، لكنهم أكثر طولًا وقوة، وعيونهم واسعة رمادية اللون، ويجعلون شعورهم الطويلة ضفيرة واحدة.
لما رأينا ما وقع، أخذنا سيوفنا وصحنا الله أكبر. ودخلنا المعركة مع جيراننا من الجن. وتسامعت بقية قبائل الإنس فجاءت في خيولها وجمالها. ورددنا بعون الله الهجمة القوية للمعتدين من الجن الكافر.
وجاء سحرتهم ورموا في الهواء حفنة رماد فظهرت سحب كثيفة فوق رؤوسنا. وفجأة خرجت منها أسراب كبيرة من طيور غريبة الشكل، كانت أقرب للأفاعي المجنحة منها للطيور.
وتصدر صوتًا مزعجًا أثناء طيرانها. لم تفلح الحيلة في دفعها، ومن انقضت عليه نهشت لحمه حتى كثرت فينا الجراحات. وكر علينا فرسان الجن الكافر فتفرقنا في كل مكان. وأصبحت كل هذه المفازات والفلوات تحت أيديهم.
لقد خلقوا لنا أتفه الأسباب لتخريب بستاننا، وغايتهم الحقيقية أن يضعف شأننا وتذهب قوتنا بعد ما شاهدوا بأسنا في الحرب والعقاب. نال كل البدو الذين يسكنون حول هذه البرية.
فطمسوا الآبار وقطعوا النخيل ونشروا الأمراض في الإبل. وافتكوا كثيرًا من أبناء الإنس وجعلوهم خدما. الآن أصبحوا يحسبون لهم ألف حساب.
تذكر علي خطيبته نائلة، هي أيضًا من اللواتي دفعن الثمن. الأمر أصبح واضحًا جدًا الآن.
رواية سر الغربان الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد سماع علي حكاية الشيخ محيي الدين وحكاية البستان قال:
حسناً، لقد سمعت حكايتك وهي مدهشة جداً، وحكايتي لن تقل عنها دهشة.
قال الشيخ:
أثرت والله فضولي، هيا أخبرني.
أجاب علي:
لن أطيل عليك كثيراً، لقد ذهبت إلى البستان واسترجعته من الجن.
اتسعت عينا الشيخ وقال:
هذا شيء لا يصدق، لا أحد بإمكانه القيام بذلك.
أجاب كروان:
هذا صحيح يا سيدي، لقد كنت هناك ورأيت ذلك بنفسي.
مد له جراباً من التمر وسأله:
لا شك أنك تعرف تمر بستانك.
تناول الشيخ محي الدين الجراب بيد مرتعشة وفتحه، أخذ حفنة من التمر ونظر إليها ثم تذوق أحدها وقال:
هذا طعم تمرنا، أعرفه من حلاوته وجمال لونه، لكن كيف فعلتم ذلك؟
قال علي:
لقد حاربتهم بسلاحهم: السحر.
تساءل الشيخ:
هل عندك علم بالسحر؟
أجاب علي:
لا يزال هناك الكثير لأتعلمه، سيكون البستان ملكي على أن أدفع لكم كل سنة نصف غلته تصلحون به أمركم وتسترجعون تجارتكم.
قال الشيخ:
ألا تخشى الجن؟
أجاب علي:
لقد انتصرت عليهم مرتين وأنا لا أخشاهم بإذن الله، وسأعطي نصيباً لكل القبائل في هذه البرية، يجب أن نسترد قوانا للمعركة القادمة، سنطرد هؤلاء الكفرة ونسترجع حريتنا.
وقف الشيخ وقال:
أنا معك وسأراسل حلفاءنا وكافة عشائرنا.
لكن قبل ذلك، سأستدعي وجهاء القبيلة لتنفيذ اتفاقنا حول البستان.
أرسل الشيخ في طلب القوم ولما حضروا قص عليهم ما حدث وهم يهزون رؤوسهم ويتعجبون.
ثم قالوا:
الرأي عندنا هو ما اتفقت عليه مع الغريب، ونحن نشهد أن البستان لك ولأولادك من بعدك.
وكتبوا له كتاباً بذلك وستكون أسواق البلاد الغربية لتجارتك وتكون البلاد الشرقية لتجارتنا.
شكر علي الشيخ وأوصاه بأن لا تكون القوافل كبيرة بحيث تجلب الانتباه وتنطلق من عدة اتجاهات لكي يعتقد الجن أنها تعود لقبائل مختلفة.
ما إن أتم علي مهمته حتى رجع إلى ديار قبيلة الشيخ حرب، عندما وصل اغتسل وتعطر ثم ذهب إلى خيمة الشيخ، وعندما رآه فرح فرحاً شديداً وهنأه على سلامته.
مد علي كتاب ملكيته للبستان وقال:
هذا مهر نائلة كما وعدتك، ولقد أصبح بنو عامر من حلفائنا.
بعد أيام سأذهب مع قافلتي للتجارة، سأشتري لنائلة ما أجهزه بها لعرسها من حرير الصين وطرائف الهند وزجاج بخارى وسمرقند.
حمل علي الجمال بالتمر وصنوف الفواكه وسارت القافلة في طريق متعرج ليس فيه ماء لكنه يختصر ربع المسافة، فالفتى قتله العشق ولا يريد أن تطول الرحلة.
وعندما توغلوا في تلك المفازة شاهد علي من بعيد شيئاً يلمع في الأفق، ولما اقترب منه وجد خرائب مدينة عظيمة عليها قباب ذهبية فتعجب.
وقال في نفسه:
قضيت عمري في الصحاري ولم أكن أعلم بوجود أحد هنا.
وفجأة خرج له مجموعة من الرجال العمالقة فخاف وحاول الهرب لكنهم قالوا له:
لا تخف، فلا يغرنك ما ترى من حجمنا، فنحن قلما نصادف أناساً يمرون بنا.
احتار علي وقال:
أسرار هذه الصحراء أكبر مما توقعت، فالمظاهر قد تخدعنا أحياناً.
أجاب أحد العمالقة:
سنحملك إلى شيخنا وسيحكي لك قصتنا.
أخذ الفتى معه أربعة أكياس من التمر والرمان والبرتقال، ولما دخل على الشيخ سلم عليه وقال له:
هذه هدية لك.
نظر الشيخ داخل الأكياس وأجاب:
منذ دهر لم نذق هذا وكل معيشتنا الإبل.
سأله علي:
أليس لكم واحات ونخيل؟
تنهد الشيخ وقال:
اعلم أننا من بقية قوم وهذه المدينة، وكانت فيما مضى من أجمل مدن الأرض، لكن الله عاقب أهلها على عصيانهم، فهبت ريح اقتلعت أشجارهم ونخيلهم ولم تعد الأرض تنبت شيئاً ما عدا الأشواك.
ونحن نجونا لأننا كنا من المؤمنين، ولقد تناقصت أعدادنا إلى أن أصبحنا نعد على أصابع اليد، وقدرنا أن نبقى على أرضنا حتى نفنى.
أحس علي بالحزن وقال للشيخ:
سأهدي لك كل ما تحمل القافلة من تمر ودقيق وزيت، وسأهبكم عدداً من الجواري ليكون لكم نسل.
بكى الشيخ وقال:
الله لا يضيع عباده المؤمنين.
ثم قام وأخرج كتاباً من صندوقه وقال له:
هذا الكتاب فيه علم حجر الإكسير الذي يحول النحاس إلى ذهب، وهو لك وستصبح من أكثر الناس مالاً.
قال علي:
لكني أراكم فقراء لا تملكون شيئاً.
أجاب الشيخ:
كثرة الذهب أفقدت قومنا بصيرتهم، فصنعوا منه آلهة وعبدوها، وجعلوا منه أعمدة المدينة وقبابها، وبسببه كان هلاكهم، ومن اقترب من ذلك الذهب أصابته اللعنة في الدنيا والآخرة.
رواية سر الغربان الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
واصل علي الرحلة وعندما وصل إلى البلاد قال في نفسه: لقد أعطيت بضاعتي للشيخ والآن سأرى هل يصدق هذا الكتاب في تحويل النحاس إلى ذهب أم أن ذلك من خرافات المشعوذين.
وضع سبيكة من النحاس على النار حتى إحمرت وغمسها في خليط من الزئبق والكبريت الأحمر ثم أخرجها ونظر إليها لكنها بقيت كما هي ولم تتغير.
فقال: سأبيع الإبل وأشتري بثمنها هدايا لنائلة، فهذا الكتاب لا ينفع أو ربما أنا لا أصلح للسحر.
خرج للتجول في الأسواق وعندما رجع إلى الخان وقف مدهوشا، فلقد خرج من السبيكة بريق يخطف الأبصار.
ولما تأملها وجدها ذهبا خالصا. بدأ يحس بالغرور يزحف على عقله لكنه تمالك نفسه وقال: لقد عرفت لماذا تجبر أولئك القوم، سآخذ فقط حاجتي من الذهب وأحرق الكتاب وإلا سيكون مصيري سيئا.
كانت السبيكة الذهبية ثقيلة وباعها علي في أسواق بمائة ألف درهم، وهو أضعاف ما كان سيربحه من بيع بضاعته. واشترى لنائلة أفخر العطور وأدوات الزينة.
وعندما كان واقفا يساوم التجار مر به رجل يركب جملا، فإذا هو جمله وإذا الرجل هو نفسه الذي تركه في البئر. فصاح في وجهه: أيها الخبيث سرقت جملي وهربت، لكن هل تحسنت أحوالك؟ أما أنا فأصبحت من الأثرياء وذلك بفضل لؤمك، فلو لم تتركني في البئر لما كنت في هذه النعمة. خطبت نائلة بنت الشيخ حرب، أجمل بنات العرب وبستان بني عامر صار ملكي.
حاول الرجل تبرير فعلته لكن علي أجابه: لا تتعب نفسك، لقد تنازلت لك عن الجمل وكل ما عليه ولا تريني وجهك بعد الآن. انصرف الرجل متعثرا وقال في نفسه: سأذهب إلى ذلك البئر وأعرف سره، فأنت لست أفضل مني.
عندما وصل أدلى حبلا ونزل داخله. عند منتصف الليل حط الغرابان وقال الأول للثاني: لقد عرف أحدهم كيف يفك السحر عن إبنة ذلك الشيخ وعن البستان، ونجهل من يكون وكيف أمكنه ذلك.
صاح الرجل: أنا أعرفه وأدلكم عليه على شرط أن يكون لي أيضا بستان وإمرأة جميلة.
تعجب الغرابان وسألاه: من أنت وماذا تفعل في هذا المكان المقفر؟
قص عليهم حكايته، فنظرا إلى بعضيهما وقالا له: تعال معنا إلى الملك وهو يعرف كيف يكافئك.
عندما وصلا إلى التلة التي يسكنها الجن رموه في سجن مظلم وقالا له: ستخبرنا بكل شيئ وإلا سنتركك هناك حتى تموت جوعا. تبا لك من خائن وطماع.
في الغد مثل الرجل أمام ملك الجن وقال له: إذا إحتلت على رفيقك وأتيت به إلى هنا فسنعطيك صندوقا بالذهب.
فأجابه: ومن يضمن لي أنك لن تقتلني بعد أن أقضي حاجتك؟
قال الملك: أنت لئيم وتبيع عشيرتك لأجل الدرهم والدينار، لهذا يمكننا أن نتفاهم. ستنقل لنا أخبار القوم ونحن ندفع لك، فلا ينقصنا المال فما رأيك؟
فرك الرجل يديه وقال: مادام الأمر هكذا فأنا موافق، لكن أريد أن أسئل: إذا أحضرته إلى هنا فماذا ستفعلون بخطيبته وأمواله؟
أجاب ملك الجن: هذا لا يعنيك، أنت فقط تنفذ ما أقول لك عليه، هل فهمت؟ والآن هيا انصرف قبل أن أغير رأيي.
بقي الرجل طوال الطريق يفكر كيف سيأتي بذلك الفتى إلى هنا وهو يعلم أنه يكرهه ولم يغفر له خيانته. ثم قال: سأخطف الشيخ حرب أبو نائلة وأخفيه في إحدى المغاور.
ولما يسمع علي سيأتي للبحث عنه ونقبض عليه.
في الصباح تنكر في زي تاجر دواب وذهب إلى مضارب القبيلة ومعه فحل من الإبل ليس له مثيل في الحسن.
لما أخبر الشيخ عنه خرج ليراه، فوضع كيسا على رأسه وركب على الجمل وجره وراءه حتى وصل المغارة والشيخ في حالة يرثى لها من التعب والعطش.
رجع إلى القبيلة فوجدها مائجة ورجالها يستعدون للخروج للبحث عن ملكهم، لكن جائهم علي وأخبرهم أن من خطفه رجل واحد وسيذهب بنفسه للبحث عنه، فهو يعلم إلى أين تتجه خطى الجمل. وقال: إذا لم أعد خلال يومين تعالوا للبحث عني في التلة.
رد القوم: أن الجن تجتمع هناك وذلك المكان يمتلئ بالأنفاق والمغاور.
قال علي: لهذا السبب أفضل الذهاب وحدي لكي لا ألفِت الإنتباه، وأنا من أكثر الناس دراية بهم وأعرف كيف أواجههم.
كان الرجل مختفيا وراء أحد الخيام ويرى ما يحدث. ثم همس: أخيرا وقعت في الفخ يا علي، وبعد موتك سآخذ كل ما تملكه بما في ذلك البنت نائلة، الآن سيفارقك الحظ بعد أن إبتسم لك طويلا.
رواية سر الغربان الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
مشي علي في الفيافي الواسعة وتذكر ما حكاه العبد كروان عن التلة وعيونها الصافية التي تنبع من الأرض وكيف جاء الجن وسكنوها. لقد كانت فرصة ليستكشف المكان، فقد كان يعرف أن المعركة الأخيرة ستكون هنا، ولا بد أن يعرف مخارج ومداخل التلة.
لكن في هذا الوقت سمع صوت غرابين وراءه يتبعانه، فقال: "لقد علموا بأمري ويجب أن أسرع قبل أن يعلموا الباقين."
لما دخل إلى المغارة التي تقف عندها الخطوات، وجد الشيخ مكومًا على نفسه وهو يئن من شدة العطش. وفجأة خرج ملك الجن في رجاله وقال له: "لقد كنا في انتظارك."
وحين التفت ليرجع، رأى عشرات الغربان السوداء تسد عليه الطريق، ثم خرج الرجل وقال: "هذه المرة لن تنجو يا رفيقي القديم."
صاح علي: "أنت مرة أخرى، ألم يكفيك ما فعلته بي في البئر؟ وبالرغم من ذلك سامحتك وتركت لك الجمل بما عليه."
أجاب: "لا تلمني، فأنا أمشي إلى حيث تقودني الرياح، ويبدو أنها تقودني دائمًا إليك."
قال ملك الجن: "اضربوا هذا الفتى حتى ينسلخ جلده، وفي الصباح أحضروه لي."
لكن علي أجابه: "عندي شيء يهمك، فأنا تاجر أبيع وأشتري، وإذا اتفقنا آخذ الشيخ حرب وأذهب وأعطيك ما ترغب فيه نفسك."
ظهر الاهتمام على ملك الجن.
وسأله: "ما هو هذا الشيء؟ ولا تحاول خداعي."
أجاب علي: "سر حجر الأكسير الذي يحول النحاس إلى ذهب، ما رأيك؟ هل نجلس الآن ونتحدث أم لا؟"
قال ملك الجن: "أتركونا وحدنا." ثم التفت إلى علي وسأله: "أحقا ما تقول؟ إذا كان كلامك صحيحًا، سأطلقك أنت والشيخ، ولن أحاسبك عن الفتاة والضيعة اللذين سرقتهما منا، هما حلال عليك. والآن أخبرني عن ذلك الحجر وأين وجدته؟"
أخرج علي كتاب ذالك القوم من جرابه وقال: "السر موجود هنا، أحضر لي الزئبق والكبريت الأحمر وآنية وحطب، وسأصنع لك الحجر."
لما جيء له بما طلب، قام بخلط تلك المواد حسب المقادير التي في الكتاب وسخنها، ثم أخذ صحنًا من نحاس كان أمامه وغمسه في الخليط، ثم طلب من الملك أن تنتظر ساعة حتى تبرد.
قال علي: "لم يتمكن أحد من صنع الحجر لأنهم لا يعرفون الأوزان، ولو نقصت أو زادت غرامًا واحدًا لما حصلنا على الذهب." بعد ساعة، أصبح الصحن يلمع لمعانًا عجيبًا، ولم يعد هناك شك لدى الملك أن علي قال الحقيقة.
ثم طلب من الجن أن يأتوه بكل الأواني من النحاس، وفي آخر اليوم أصبح لديه كوم من الذهب. زاد جشع الملك وتوجه للمعبد وحول الأصنام إلى ذهب.
لما رأى أعيان الجن كثرة الذهب، طالبوا بنصيبهم، ولاموا الملك على الاحتفاظ بكل ذلك لنفسه. لكن الملك بدأ يحس بالعظمة وتملكه الغرور، وقال لهم: "لقد كسبت ذلك المال بتدبيري، فافعلوا مثلي، ومن طلب مني شيئًا قطعت يده."
ذات يوم قال له علي: "لقد عملت لك ما وعدتك به، والآن أطلق سراحي أنا والشيخ، فنحن هنا منذ ثلاثة أيام."
نظر إليه الملك وأجاب: "سأطلق فقط الشيخ حرب، أما أنت فأنا لا أزال بحاجة إليك، أريدك أن تستخرج الألماس والأحجار الكريمة من الجبال باستعمال السحر، وأريد أن أرصع تلك الأصنام الذهبية بالجواهر لأشكر آلهتنا على عطفها."
قال علي في نفسه: "هذا الكتاب كان سببًا في خراب تلك القبيلة وقومها، وسيقضي على مملكة الجن أيضًا. سأنفذ له ما يريد." وقبل أن يطلقوا الشيخ، أخبره علي عن تنازع الجن على الذهب وأنهم على وشك الاقتتال.
وطلب منه أن يجمع القبائل ويأتي بعد عشرة أيام في الليل ويشعل النار في مداخل المغارة، وهم سيتحولون لغربان للخروج من الحفر الصغيرة. ولذلك، احملوا معكم كل الصقور التي عند الصيادين، ومن يفلت من سهامكم، أطلقوها عليه. لا يجب أن يبقى منهم أحد.
سأله الشيخ: "وأنت يا علي، هل فكرت في نفسك؟"
أجابه: "سأفعل كل ذلك من أجل نائلة لكي تعيش في أمان. أخبرها أني أحبها يا عمي. شيء آخر، إياك أن تخبر أحدًا بالذهب الموجود بالمغارة."
قال الشيخ: "سأفعل ذلك، وسأدعو الله لأن تنجو، فنحن لا نريد فقدانك. انتبه لنفسك يا علي، افعل ذلك من أجل زوجتك نائلة، هل سمعت يا ابني؟"
انصرف الشيخ، أما علي فتوغل في المغارة وقرأ التعاويذ السحرية التي في الكتاب، وفجأة حدث شيء عجيب.
رواية سر الغربان الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
دخل علي إلى المغارة وقرأ التعاويذ السحرية التي في الكتاب.
وفجأة بدأت الكثير من الأماكن بالتوهج.
اتجه إلى الجن فوجدهم مجتمعين وهم يأكلون.
فصاح بأعلى صوته: الممر الذي على يمينكم يقود إلى حائط مليء بالياقوت والزمرد. أسرعوا قبل أن يعلم غيركم.
وأخرج من جيبه حفنة جواهر رماها بينهم.
فعمّت الفوضى وبدأوا يتسابقون إلى وسط الجبل بفؤوسهم ومطارقهم.
وعلا الصراخ.
سمع الملك فجاء في رجاله وقال: ابتعدوا، فكل ما هنا لي وحدي.
لكن لم يسمعه أحد وبدأ الاقتتال بينهم.
وبعد ساعات امتد النزاع إلى كامل المغارة والكل يريد أن يفوز بحصة من الكنز ويهرب.
أما علي فكان في ركن ينظر إلى ما يحصل وقال في نفسه: ما من أمة تصيبها آفة الطمع إلا هلكت. قريباً تخرجون من هنا وتتركون كل شيء ورائكم.
وسأدفن المال لكي لا يجده أحد.
في انتظار ذلك، سأحرق كتاب السحر اللعين.
أشعل ناراً ثم رماها فيها وأخذ ينظر إلى اللهب يتصاعد من صفحاته.
جاء حكيم الجن إلى الملك وقال: لقد عمت الفتنة ولا سبيل إلى إيقافها إلا بقسمة ما لديك من ذهب وياقوت بين قومك وقتل الرجل الذي أعطاه لنا. فلم يفعل ذلك إلا ليقضي علينا ويبدو أنه نجح في خطته الخبيثة. وأنصح مولاي أن يبدأ من الآن فما زال هناك أمل أن ننقذ مملكتنا من الدمار الذي يقترب منا.
نظر إليه الملك بإنزعاج وقال: لو سمعت كلامك لنازعوني حتى في الثوب الذي أرتديه. لكن معك حق في قتل ذلك اللعين، لكن بعدما آخذ منه كتاب السحر الذي معه.
ثم أمر رجاله بالبحث عنه وإحضاره وأوصاهم أن يستعملوا معه الحيلة.
كان علي في مغارة الياقوت التي أراد الملك الاستحواذ عليها بالقوة.
لكن نجح الجن في هزيمته وشرعوا في اقتلاع كل ما في الصخر من أحجار كريمة.
ولما بدأت تنقص قال: سآخذ ما يكفي من الماء والطعام وأختفي حتى يجيء الشيخ حرب.
فلا شك أن ملكهم يبحث عني الآن ليقتلني.
ولكي أشغل الجن عني سأضرم النار في بيوتهم وعتادهم.
ثم مشى في الأروقة وهو يحاذر أن يراه أحد.
كانت أكثر البيوت فارغة والقوم مع نسائهم وأطفالهم ينقبون الصخور أو يتحاربون مع الملك.
جمع علي ما قدر عليه من التمر والغلال ووضع في عنقه قربة ماء.
ثم ألقى مشعلاً وصاح: أسرعوا إلى النار.
بدأ الجن يركضون ناحية بيوتهم وهم يسبون.
أما هو فسار في هدوء دون أن يهتم به أحد واختار حفرة منزوية فيها شق صغير يدخل منه الهواء وجلس فيها.
وكان يسمع الصرخات فابتسم.
وقال: لم يبق إلا أن أنتظر قدوم القبائل.
أعرف أني لن أخرج من هنا حيًا فالشقوق في السقف مرتفعة ولا سبيل إلى الوصول إليها.
أمضى عدة أيام وهو على هذه الحالة يأكل من الجراب ويشرب من القربة حتى نفذ ما فيهما وأصبح يحس بالجوع والعطش.
وقال في نفسه: لقد تأخروا كثيراً في المجيء ويظهر أني لن أشهد الانتصار.
ثم تذكر نائلة وبكى.
فلم يمر على زواجه منها سوى بضعة أيام.
وبينما كان غارقاً في أفكاره سمع جلبة خارج المغارة وأصوات أقدام كثيرة.
ثم بدأ يشم رائحة الحطب المحترق وانتشر الدخان بكثافة.
سمع علي الجن يقولون: حين كنا نتنازع فيما بيننا سد أولئك البدو المنافذ وأشعلوا الأغصان والقش والآن علينا أن نتحول إلى غربان لكي نخرج من الشقوق.
وشاهد علي أضواء المشاعل مئات الغربان الكبيرة والصغيرة تطير باتجاه السقف.
وبعضها اشتعلت فيه النار وسقط.
أما من خرج منها فكان الشيخ حرب ورجاله في انتظارهم بالسهام والصقور.
ولم ينج سوى قلة من الجن.
امتلأت المغارة بالدخان وبدأ علي يسعل وضاقت أنفاسه.
وفجأة رأى غراباً ضخماً على رأسه تاج يتجه إلى الحفرة التي كان فيها ويطير باتجاه الشق الذي في السقف.
فقال علي إنه الملك.
ثم تعلق في رجليه وخرج معه.
رواية سر الغربان الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
امتلت المغارة بالدخان وبدأ علي يسعل وضاقت أنفاسه.
وفجأة رأى غرابًا ضخمًا على رأسه تاج يتجه إلى الحفرة التي كان فيها ويطير باتجاه الشق الذي في السقف.
فقال علي: "إنه الملك".
ثم تعلق في رجليه وخرج معه.
لما رآه الشيخ صاح: "اتبعوه! فلن يقدر الغراب أن يطير بعيدًا."
ولكنه كان قويًا وراح ناحية الصحراء.
التفت ملك الجن لعلي وقال له: "سنرى كم من الوقت سيبقى معلقًا. سأدور إلى أن تتعب وتسقط في الرمال وتهلك من الحر والعطش."
أجاب علي: "ليست فكرة جيدة. اسمع، ناحية مشرق الشمس هناك مدينة كاملة من الذهب ستكون لك وحدك. أليس هذا جيدًا؟"
ضحك ملك الجن وقال: "أتعتتقد أنك ستخدعني من جديد؟ لقد سبق أن اتبعتك والنتيجة ضاعت مملكتي."
أجاب علي: "طمعك هو الذي قضى عليها. لو أعطيت قومك نصيبًا لأطاعوك، لكنك أحمق."
سكت الملك فلقد كان الفتى على حق. وهذا أيضًا ما نصحه به الحكيم لكنه لم يستمع لأحد.
وقال في نفسه: "سأطير ناحية المشرق فليس لدي ما أخسره. وفي جميع الحالات، فذلك اللعين تحت رحمتي ولا يمكنه الإفلات."
بعد قليل شاهد الملك بريقًا عجيبًا في الأفق. وكلما اقترب ازداد قوة ولمعانًا.
فقال علي: "تلك هي المدينة الذهبية التي حكيت لك عنها."
حط الغراب على الأرض ورجع إلى شكله الأصلي وبدأ يجري في كل مكان ويصيح: "أخيرًا تحقق حلمي! مدينة من الذهب لي وحدي."
أما علي فوجد شيخًا عاد وسلم عليه وسأله: "كيف حالك؟"
أجاب: "نأكل جيدًا ولنا زوجات جميلات. لا تنس أن تمر علينا من حين لآخر وتحمل لنا من تمر بستانك."
رد علي: "سيكون لك ذلك وأكثر. لكن المشكلة هي كيف سأرجع دون جمل وماء؟"
ابتسم الشيخ وهتف: "تعال معي سأريك شيئًا."
ومن بعيد شاهد علي ثلاثة جمال ترعى.
ثم قال له: "إنهم من قافلتك، ولقد دخلوا في الكهف ووجدوا أنفسهم هنا. وهذه قربة ماء وشيء من الطعام. والآن خذ إبلك وارحل إلى امرأتك فلا شك أنها قلقة لغيابك."
أجاب علي: "من المؤكد أننا سنلتقي قريبًا ونواصل حديثنا. والآن سأذهب فقد أطلت الغياب عليها."
أما ملك الجن بعد أن طاف في المدينة كامل النهار قال في نفسه: "ماذا سأفعل بكل هذا الذهب؟ ليس لي طعام ولا خدم. نفسي فقط في كسرة خبز وصحن من الزيت. لقد قضى الطمع على هذه المدينة كما قضى على مملكتي. كم أشعر بالندم على ما فعلته."
بقي هناك حتى انتهى طعامه حتى توفي بالجوع.
لما رجع علي وجد نائلة وأمه في انتظاره.
لأن قبل السفر هو لي طلب من الشيخ الحرب لكي يأتي بأمه معهم.
فعانقهما وشكر الله لعودته سالمًا معافى.
فبدأت الأفراح والسعادة تبدأ في اجتماع العائلة.
ثم ذهب علي إلى خيمة الشيخ الذي فرح برؤيته وسأله: "كيف نجوت من ملك الجن؟"
أجابه: "تلك حكاية طويلة. لكن قل لي، هل دفنت الذهب؟"
رد: "نعم، لقد سددنا مداخلها بالصخور وعلقت الغربان الميتة عليها، وبذلك لن يقترب منها أحد. لقد أبدنا الجن دون أن نخسر رجلاً واحدًا. من كان يتصور ذلك؟"
أجاب الفتى: "الحمد لله على كل حال، فالعقل في بعض الأحيان خير من الإقدام. وإن فعلت الخير سوف يعود لك."
من بعيد كان شخص ينظر إليه بحقد وتمتم: "كل مرة أنصب لك فخًا تنجو منه، لكن الحظ لن يلازمك إلى الأبد."
لقد كان الرجل الذي تركه في البئر وسرق جمله، ثم أخذ فأسا ورجع إلى مغارة الجن.
وفي الطريق قال: "كلما أتبعك أربح. هذه المرة كل كنوز الجن هي لي، وسيكون لي الوقت لأنتقم منك يا علي، وأصير ملك البادية. وكل ما لديك سآخذه، ضيعتك وامرأتك نائلة."
بدأ يمشي، دخل إلى المغارة وخرجها في اتجاه الصحراء حتى وجد نفسه في تلك المدينة الذهبية التي قد كان قومها قد ماتوا بسبب الطمع.
فتبعهم ملك الجن، وها أتى الدور على صاحب الطمع الكبير.
هاذه المرة لم ينجو.
فقد وقع له مثل ما وقع لملك الجن.
ها المال والذهب، لاكن لا يوجد أي طعام أو شراب.
حتى لقي حتفه هناك، فكان جزاء الطماع والغدر والحقد.
أما علي وزوجته نائلة وأمه والشيخ الحرب وزوجته، كانوا من أسعد الناس في حياتهم برجوع الهدوء والفرحة إلى المملكة.
ودالك كله راجع إلى علي صاحب القلب الطيب.
لهذا قيل له أنه كان محظوظًا في الحياة.
النهاية