تحميل رواية «سند الكبير» PDF
بقلم سعيد شيماء
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بكفر عتمان الكبير. كله زي ما أمرت يا كبير. قالها أحد الرجال ذوي القامة الفارعة، والبشرة السمراء، بجسد ضخم وصدر عريض. تطلع إليه سيده ليخفض رأسه سريعا. بنظرات ثاقبة وأنفاس هادئة، قام السيد من على مقعد الملوك الذي يرثه أبا عن جد. مشهد يقشعر له الأبدان فقط من طلته الخاطفة للأنفاس. كبير ابن كبير، إسم على مسمى ، بطول يقترب من المتران وضخامة جسد تسقط أمامه القلوب رعبا. بشرة خمرية تميل إلى اللون الأسود اللذيذ، عيون بها سواد الليل برموش تظلل عليها بحماية، مزين إياها بكحل صحن على يد جدته خصيصاً لسند العائ...
رواية سند الكبير الفصل الأول 1 - بقلم سعيد شيماء
بكفر عتمان الكبير.
كله زي ما أمرت يا كبير.
قالها أحد الرجال ذوي القامة الفارعة، والبشرة السمراء، بجسد ضخم وصدر عريض.
تطلع إليه سيده ليخفض رأسه سريعا.
بنظرات ثاقبة وأنفاس هادئة، قام السيد من على مقعد الملوك الذي يرثه أبا عن جد.
مشهد يقشعر له الأبدان فقط من طلته الخاطفة للأنفاس.
كبير ابن كبير، إسم على مسمى سند الكبير، بطول يقترب من المتران وضخامة جسد تسقط أمامه القلوب رعبا.
بشرة خمرية تميل إلى اللون الأسود اللذيذ، عيون بها سواد الليل برموش تظلل عليها بحماية، مزين إياها بكحل صحن على يد جدته خصيصاً لسند العائلة والكفر بالكامل.
اقترب من رجله الأمين، فاخر، واضعا يده على كتفه قائلا بنبرة صوته الخشن بزيادة عن الطبيعي وابتسامة:
قولي عملت إيه بالتفصيل يا فاخر.
أومأ إليه الآخر متعجبا من ابتسامة سيده التي لا تظهر إلا وقت الكوارث، ثم أردف باحترام:
كل المستشفيات والأماكن في إسكندرية رفضوا شغلها.
نزلت تدور في المحلات حتى العطارة، بس اترفضت.
ودلوقتي أدامها ساعة بالكتير و توصل الكفر مع سناء.
عملت زي ما جنابك أمرت، ظهرت لها وعرضت عليها الشغل في الكفر حكيمة لبيت الكبير، وهي ما صدقت.
زادت ابتسامته اتساعا، بدأ شعور كبير بالراحة يغمره لاقتراب المراد.
عاد ليسأل من جديد بذكائه:
في حاجة عايز تقولها وخايف، قول أنا سامع.
ابتلع الآخر لعابه قائلا:
مش هتيجي لوحدها يا كبير، معاها الراجل اللي كاتب كتابه عليها من شهر.
لم يتعجب أو يظهر عليه أي رد فعل عنيف كما تخيل فاخر، بل ابتسامته الشيطانية جعلته يتأكد أن زوجها المسكين نهايته قريبة جداً.
أبتعد سند خطوة للخلف، سامحا للآخر بالخروج من المكان.
أخرج تنهيدة قوية.
ها هي تعود إلى نفس المكان الذي فرت منه بليلة ممطرة، وستعود بنفس الليلة بعد عام كما أمرها.
حبة الفراولة خاصته.
لعبته الأكثر من ممتعة، يفصل بين اللقاء ساعات قليلة.
جلس على مقعده وعينيه على نور الصباح النابع من الشرفة، مردفا بهدوء:
والله زمان يا وعد.
على الصعيد الآخر بالإسكندرية.
في تمام الساعة العاشرة صباحا.
أغلقت باب منزلها خلفها بعدما ألقت عليه نظرة أخيرة.
حملت حقيبتها وهي على يقين من اقترابها إلى الهاوية.
تتطلع لباب المنزل، لا تريد الذهاب إلى مكان يجمعها به.
كل ما حدث ويحدث وسيحدث من تدبيره.
أخرجت أنفاسها بقلة حيلة، أغلقت كل الأبواب بوجهها ولم يبقى أمامها إلا بابه.
سند الكبير، حلم حياة تحول بليلة واحدة إلى كابوس مرعب.
انتبهت إلى تلك اليد التي تحمل عنها الحقيبة، لتنظر إليه بابتسامة مردفة:
مكنش في داعي يا محمد تيجي معايا وتسيب شغلك وحياتك.
ضربها الآخر على مقدمة عنقها، بابتسامة مرحة تليق ببشرته البيضاء وعيونه الخضراء، كأنه أحد ممثلي أوروبا.
وسيم، محب، ودود، بكل شيء مميز يأخذ من اسمه الكثير.
قائلا:
مجنونة أنتي، عايزاني أسيبك إنتي مراتي يا بت.
يلا ادامي أنا متحمس أوي للرحلة دي.
مطت شفتيها للأمام بتهكم مردفة:
متحمس لإيه بلا نيلة.
تعرف يا محمد، من موقعي هذا بقولك أيامنا اللي جاية كلها هتكون بالشكولاته من كم السواد اللي هنكون فيه.
يلا شيل الشنطة وتعالى ورايا لسناء تحت.
بخطوات بطيئة، تقدم ساق وتعود عشرة للخلف، بدأت تقترب من السيارة الفخمة التي تنتظرها أسفل منزلها.
هذه الرحلة لن تكون سوى الجحيم على الأرض.
ابتسمت تلك السيدة الأربعينية لسناء بشفقة كبيرة، حاولت اخفائها قدر المستطاع.
هذه الصغيرة تخطو بنفسها إلى كفر الكبير، ويا عالم ماذا سيحدث هناك.
أشارت إلى جوارها قائلة:
تعالي يا وعد اقعدي جانبي هنا، وأستاذ محمد يبقى يقعد جنب السواق.
نفسي أشوف اللي خطف قلبك يا بنتي.
ضحكت وعد بمرح مردفة:
بيجيب الشنط أصلها كتير شوية.
المهم دلوقتي يا ست سناء، إن الكبير مش في الكفر مسافر زي ما قولتي، كام شهر أدبر فيهم أموري وأمشي.
ارتبكت ملامح الأخرى، إلا أنها أردفت بهدوء:
طبعاً يا وعد، فين بقى جوزك، عايزين نمشي.
أشارت وعد إلى محمد القادم على بعد مسافة قليلة منهما قائلة:
أهو هو ده محمد يا ست سناء.
ها هي سناء تأخذ أكبر صدمة بحياتها بعدما وقعت عيناها على محمد.
أغلقت عينيها عدة مرات تحاول استيعاب وفهم ما تراه من هذا محمد.
عودة مرة أخرى إلى الكفر.
الساعة الثانية إلا ربع ظهرا.
بمنزل الكبير، دلفت امرأة تخطت السبعين عاما، إلا أنها مازالت تتحلى بالجمال والصحة.
السيدة حكمت، جدة سند وسيدة الكفر.
ضربت بعصاها الأرض لينتفض من بالمكان.
وقف الجميع انتباه، لتقول هي بقوتها المعتادة:
باقي ربع ساعة على وصول السيد سند الكبير.
مش عايزة غلطة واحدة، تمنها رقبة حد فيكم.
يلا همي منك ليها، خلينا نشوف ورانا إيه.
الساعة الثانية ظهرا بالدقيقة، كان يجلس على طاولة الطعام بالمقعد الكبير، وبالمقابل له جدته.
يأكلان وحدهما كما اعتادا، وباقي العائلة يفضلون الغذاء بوقت متأخر.
نظر إلى جدته بهدوء قبل أن يبدأ طعامه بصمت.
يقرأها مثلما اعتاد على قراءة الجميع، تراقبه وتعلم بخطته وربما تريد إيقافها.
ساد الصمت لدقائق، حتى قطعته السيدة حكمت مردفة:
رايد إيه من بنت إسكندرية تاني يا سند الكفر كله عشان تحوم حواليها وتغصبها ترجع.
ترك قطعة فخذ الدجاجة من يده، قبل أن ينظفها بالمنديل الموضوع بجواره، قائلا ببرود:
كيفي كدة يا حاجة، وعد لازم تبقى تحت عيني وأمري كمان، والا المراقب بتاعك مقالش ليكي أنا رجعتها غصب زي ما بتقولي ليه.
تركت الأخرى طعامها.
وعد فتاة بريئة، بينها وبينه فرق مثل الفرق بين السماء والأرض، الماء والنار.
تغيرت ملامحها باعتراض قائلة:
مين قالك إني براقبك، أنا هنا الكبيرة زي ما أنت الكبير يا ولد الغالي.
ابعد عنها وطلعها من دماغك، أنا مش هسمح إنها تتحط وسط حريمك اللي كل ما واحدة تغلط تطلق ويبقى عقابها تعيش باقي عمرها في زنزانة تحت الأرض.
كفاية ظلم بقى.
تغيرت معالم وجهه بشكل مخيف، لدرجة برزت بها عروق عنقه.
إلا أنه عاد إلى طبيعته باللحظة الثانية.
وضع المنديل على الطاولة، قبل أن يقوم من مكانه مقبلا رأس جدته بهدوء، قائلا بنبرة صادقة:
مش سند الكبير اللي يبقى ظالم يا حاجة، بالعكس أنا بجيب حق المظلوم.
ولو في واحدة من الحريم دي مظلومة، مكنش هيبقى مكانها تحت الأرض زي ما قولتي.
عن إذنك.
تمسكت حكمت بيده تمنعه من الذهاب.
عاد بعينه إليها ليجدها تبتسم إليه بحنان وثقة مردفة:
أنا عارفك يا غالي يا ولد الغالي، بس وعد لا.
دي فيها روح كل اللي بنحبهم، اوعدني تبقى سند ليها زي ما أنت كدة مع الكل.
وضع كفه على رأس جدته قائلا:
القرار ده في إيدها هي يا حاجة حكمت.
ترك جدته ذاهبا إلى قطعة من قلبه جعلتها الأيام جسد بلا روح.
دق على بابها مرتين قبل أن يدلف للغرفة.
نهضت من على فراشها ليظهر جمالها الخاطف للأنفاس.
بشرتها الخمرية، التي يزينها أنف صغيرة وشفتين ممتلئة بشكل ملفت، وما يزيد جمالها جمال عينيها الزيتونية الساحرة.
هناك مقولة شهيرة نعرفها جيدا أن القمر لا يكتمل أبداً، وهذا هو حالها.
اقتربت من شقيقها تضمه إليها بحماس طفلة صغيرة تبحث عن الحنان والأمان، ولا تجدهم إلا معه.
بدالها العناق برحابة صدر قائلا:
كنتي فين الصبح، كدة أمشي من غير ما أشوفك يا همت.
إنتي عارفة إن يومي من غيرك ولا حاجة صح.
أومأت إليه بابتسامة مشرقة تضيء حياته، هامسة له بعتاب:
همت زعلانة من سند.
اتسعت عيناه بذهول مردفا:
لالا همت زعلانة من سند ليه، عمل إيه الوحش ده.
ابتعدت عنه قليلا مشيرة إلى دميتها الصغيرة والدموع تكاد تسقط منها، قائلة بنبرة متقطعة:
همت الصغيرة عينيها طلعت النهاردة يا سند.
حاولت أعالجها معرفتش.
قعدت أعيط واستنى فيك عشان أنت تعالج عينيها، بس برضو أنت مجتش.
أزال دموعها ثم قبل رأسها عدة مرات متتالية، آخذا منها الدمية هامسا:
حقك عليا، كان عندي شغل.
هاتي همت الصغيرة أعالج عينيها، على ما همت الكبيرة تأكل وتنـام شوية.
عصرا.
على الباب الرئيسي لمنزل الكبير، كانت تقف السيارة التي تحمل وعد مع محمد والسيدة سناء، التي تنظر إليهم طوال الطريق بلا كلمة واحدة، فقط مذهولة.
خائفة من القادم، وها هم على بعد خطوة واحدة من سند الكبير.
حملت حقيبتها، إلا أن يد محمد سبقتها بحملها قائلا:
عيب في حقي لما أبقى شحط كدة ومراتي تشيل شنطتها.
قوليلي أدخل الشنط دي فين يا ست سناء.
انتبهت سناء على نفسها أخيرا واستجمعت قوتها مردفة:
أنت هتقعد في بيت الضيوف اللي في الجنينة، أما وعد هتدخل البيت الكبير، ولما تعملوا فرح تبقى معاك.
أومأ إليها بترحاب، قبل أن يأخذ حقيبته، تاركا حقيبة وعد مع الحارس، متجها إلى شقته الصغيرة.
عند وعد.
بعد عشرة دقائق، دلفت وعد إلى غرفة الضيوف الموضوعة بالدور الأرضي.
أغلقت الباب خلفها تحاول أخذ أنفاسها، خائفة إلى درجة الرعب.
تشعر به قريبا منها بطريقة غريبة.
ألقت الحقيبة على الفراش، مستخرجة منها ملابس بيتية ثقيلة، وهي تقول بضياع:
إيه يا وعد، أهدي.
سند مش هنا، مسافر.
يمكن حاسة بيه لأنك في بيته، بس هو في الحقيقة مش هنا.
خدي نفس عميق وكوني قوية.
دلفت للمرحاض، رغم برودة الجو، قررت الاستحمام بماء بارد حتى تعود إلى قوتها ورشدها من جديد.
بعد دقائق، وضعت روب الحمام على جسدها الذي يكاد يطلب النجدة من الثلج.
ثم خرجت.
وقفت أمام المرآة تزيل المنشفة عن خصلاتها البنية المموجة، مجففة إياها قائلة:
وبعدين بقى في اليوم ده، معقول أكون خايفة منه لدرجة إني بتخيل أنه واقف ورايا.
سقط المشط من كفها مع شعورها بأنفاس ساخنة تلفح عنقها، ورنين صوته الخشن يأكل أذنيها بابتسامة أقل ما يقال عنها قاتلة:
مش تخيل يا وعد، ده حقيقة.
إنتي مش بس جوا بيتي، أنتي كمان جوا أوضة نومي ولابسة روب الحمام بتاعي.
رواية سند الكبير الفصل الثاني 2 - بقلم سعيد شيماء
أصابها الهلع.. تشعر بلمسته، يعانق جسده الصلب جسدها الطري، أنفاسه تتجول على خصلاتها ترعبها وتزيد رغبتها في البكاء. يا ليتها كانت حبة من الملح لتذوب بتلك اللحظة بلا عودة مرة أخرى.
ارتجفت شفتيها ليغمز إليها قبل أن يضع أصابعه على شفتيها يمنعها من الحركة هامسا بفحيح:
_ كنتي فاكرة إنك ممكن تهربي العمر كله عن سند الكبير يا وعد.
لطالما عشقت اسمها من بين شفتيه، ولكن الآن يطوف بداخلها نفور كبير منه. حركت وجهها ليبعد كفه عنها قائلة من بين أنفاسها المتهدجة:
_ ابعد ايدك دي عني، مش من حقك تقرب مني يا كبير أنا ست متجوزة.
لو كانت ظلت على الوضع الصامت لكان أفضل بكثير لها، لما ذكرته بكارثة فعلتها بعد كارثتها الأولى بالهروب منه. بالفعل تركها وذهب إلى خزانة ملابسه يخرج منها طقم مريح للنوم ثم ألقى به على الفراش.
رفعت حاجبها بذهول من هذه الوقاحة صارخة:
_ أنت بتعمل ايه، اطلع برة.
نظر إليها بسخرية مجيبا:
_ الأوضة دي بتاعتي أنا، أروح فين.
تخافه هذه حقيقة لا يوجد جدال بها، إلا أن غضبها تخطى هذا الخوف لتقترب منه بغضب:
_ ولما هي أوضتك أنا بعمل فيها إيه؟!.. أخرج برة بدل ما أصرخ ومحمد ييجي.
قهقه بمرح قائلا:
_ محمد يعرف، عموماً مش محمد بس اللي هيعرف، ده البيت الكبير كله والخدام اللي أكيد هيقولوا إنك دخلتي هنا بمزاجك تحت عنيهم. والفضيحة هتبقى صعبة خصوصاً بروب الحمام بتاعي اللي ملفوف على جسمك.
انتبهت للتو فقط أنها شبه عارية أمام عينيه التي تأكلها وتلتهم تفاصيلها. شهقت بقوة وهي تضع كفها على صدرها تحاول الفرار إلى المرحاض إلا أنه كان الأسبق على الباب:
_ على فين من امتى حد يمشي وسند الكبير واقف.
على يقين من جنون فعلتها، أخفضت وجهها لعدة لحظات قبل أن تردف بضعف:
_ أنت جبتني هنا ليه؟!.. عايز تقتلني صح.
رفع يده ليزيل باقي منشفة الرأس المتعلقة بخصلاتها البنية يتأمل ملامحها عن قرب كأنه لأول مرة يراها، منبهر بوجهها الأبيض المستدير وملامح وجهها البسيطة، كأنها إحدى أميرات العصر القديم. ضرب مقدمة أنفها بأحد أصابعه قائلا:
_ الموت هيكون رحمة كبيرة ليكي وليا، وأنا لا عايز أرحمك ولا حتى أرحم نفسي.
مثل الفأر دلفت إلى المصيدة بقدميها، ولا تشعر أنها بأول خطوات النهاية. لا تعلم من أين أتت لها تلك القوة التي تجعلها صامدة. أردفت بأنفاس متلاحقة:
_ من أول مرة شوفتك فيها قولت عليك مريض ولازم تتعالج عند دكتور نفسي، بس دلوقتي بقولك إن حالتك محتاجة إقامة الباقي من عمرك في مستشفى الأمراض العقلية.
أومأ إليها مؤكدا بهدوئه المعتاد:
_ وقتها هتكوني في الأوضة اللي جنبي، مش أنا وعدتك إنك هتفضلي جنبي على طول قبل كدة.
نظرت إليه بغل قائلة:
_ الموت عندي أهون بكتير من إني أبقى جانبك يا كبير.
عاد ليقرص أنفها مرة أخرى هامسا:
_ دخلتي كفر عتمان بمزاجك يا دكتورة، وهربتي منه برضو بمزاجك يا دكتورة، بس دلوقتي النفس اللي بين صدرك خروجه بإذن مني أنا.
_ أنت قاتل وأنا وأنت عمرنا ما كان طريقنا واحد أبداً.
ابتعد عن باب المرحاض قائلا بقوة:
_ مين قالك إني بس اللي قاتل، والغفير مات على إيد مين يا دكتورة، مش على إيدك؟!
يكذب، هي على يقين من كذبه. ليلة ضربها للغفير يوم هروبها كانت تعرف بأي مكان تضربه، فقط أرادت أن يفقد الوعي ليس أكثر. حركت رأسها عدة مرات تنفي ما يقوله، إلا أنه ثبت وجهها بضغط كفه على عنقها مردفا:
_ عايزك تخافي يا دكتورة وعد، عشان اللي جاي نار لازم تنطفي بحرق حد، خافي.
تركها ثم اتجه إلى باب الغرفة ملقيا عليها نظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة قائلا:
_ بعد ساعة هييجي المأذون يطلقك من حبيب القلب، وفي نفس اللحظة هنتجوز. البكر مالهاش عدة يا دكتورة. ممنوع تخرجي من الأوضة إلا بأمر من سند الكبير، لو عايزة التاني يخرج من هنا فيه نفس.
على الصعيد الآخر بالشقة القائم بها محمد. انتهى من ترتيب ملابسه وأخذ بعدها حمام دافئ يريح به أعصابه. منذ أول خطوة له بتلك الشقة ورأسه تكاد تنفجر، صداع حاد لا يعرف له سبب. بدل ملابسه ثم قرر بها التجول بالحديقة بهذا الجو الهادئ لعل الهواء النقي يريح أعصابه. المكان رائع والسماء صافية. جلس بجوار أحد الزهور متأملا ما حوله. تعجب من جلوس أحد بجواره. نظر بطرف عينه ليرى فتاة، يا سبحان من خلقها بتلك الصورة. عينيه تعلقت بها وكأنه لأول مرة يرى فتاة جميلة. اتسعت عيناه بذهول من تعلق يدها بذراعه بطفولية وعينيها غارقة بالدموع. ابتلع ريقه متوترا من حركة كفها الصغير على ذراعه هامسة بنبرة لعبت على أوتار روحه:
_ عروستي راحت مني وأنا مش عارفة هي فين، عايزاها وبدور عليها من كتير أوي.
همت الصغيرة راحت مني. حاول الابتعاد عنها، يبدو أنها فاقدة للأهلية من طريقتها بالحديث. دار بالمكان حوله يبحث عن أحد يأخذها منه إلا أنه لم يجد. زاد بكاؤها وألقت بجسدها بين أحضانه. رحب بهذا الاندماج الجسدي، يشعر بحاجته هو الآخر لأخذها بين حنايا صدره. حرك يده على ظهرها هامسا:
_ اهدي يا آنسة وقوليلي أنتِ بنت مين هنا أو أقدر أساعدك بإيه.
زاد تعلقها به أكثر رغم محاولته في الابتعاد عنها مردفة من بين شهقاتها:
_ عايزة عروستي همت الصغننة.
وضع يديه على يديها يفك تلك العقدة التي تزين عنقه بأصابعها قائلا بنبرة متهدجة:
_ طيب أهدى وبطلي عياط يا صغيرة أنتي، إيه رأيك تمسحي دموعك الحلوة زيك دي عشان تبقي بنت شاطرة وتقومي معايا ندور على همت الصغيرة.
ابتعدت عنه تنظر إليه ببراءة شديدة. ظلت صامتة مترددة لعدة ثوان تفكر بحديثه ثم ابتسمت باتساع متحمسة قبل أن ترفع يديها تزيل بهما بقايا دموعها قائلة:
_ عندك حق، ماشي يلا بقى قوم معايا ندور على همت الصغيرة قبل ما حد من الوحشين ياخدها مني.
قام معها بقلة حيلة. انبهاره بها تحول إلى حالة كبيرة من الشفقة. يسأل لماذا فتاة مثل الوردة الجوري تبقى هكذا. تعلقت بيده مرة أخرى ويا ليتها لم تفعل. انتفض من تلك الرجفة التي أصابت جسدها وجسده.
ساعة ونصف يبحث معها على تلك الدمية بلا فائدة. بدأت تفقد الأمل وعادت للبكاء قائلة:
_ عروستي ضاعت، الأشرار أخدوا العروسة مني.
بالفعل هو عاجز على التعامل معها. حرك يده على رأسها مردفا بهدوء:
_ اهدي، ممكن أجبلك واحدة جديدة خالص.
حركت رأسها نافية بقوة وبدأت تدلف بحالة من الانهيار الكلي صارخة:
_ لا لا لا، أنا مش عايزة غيرها، أنا عايزة همت الصغيرة بس.
علا صراخها. أتى الحرس الذي وجد نفسه في دقيقة واحدة محصور بينهم واسود العالم من حوله، وآخر ما وصل إلى أذنيه صوتها فقط.
هل قتلت روح؟ سبب هروبها أنها رأته يقتل، هل أصبحت مثله؟ جلست على الفراش وجميع أنحاء جسدها منهارة. أزرق من الثلج المحيط به. أغلقت عينيها تلعن تلك اللحظة التي جعلها الحظ تسقط بين يديه.
فلاش باك.
بأحد الأماكن البسيطة على النيل نظرت وعد إلى صديقتها صافية بعدم استيعاب قائلة:
_ يعني إيه يا صافية كلامك ده، عايزاني أروح أشتغل في كفر عند واحد رافض شغل الستات، ده كلام.
حدقت بها صافية لعدة لحظات لا تعرف كيف تقنعها وهي نفسها غير مقتنعة، ولكن ما باليد حيلة. أخذت نفس عميق قبل أن تجيبها بهدوء:
_ وأنا أعمل فيكي إيه يعني، روحتي ضربتي الدكتور خالد زميلنا واترفدتي من المستشفى، ومفيش مستشفى راضية بيكي دلوقتي، كله منك ومن لسانك وأيدك. وعد أنتي مش بس هتروحي كفر عتمان الكبير، أنتي كمان تنسي خالص موضوع إنك ست ده.
حركت رأسها بفهم مفتوح تريد منها الفهم بشكل أكبر لتكمل الأخرى حديثها بتوتر:
_ هتروحي على إنك راجل زي فيلم للرجال فقط، كل حاجة هتكون جاهزة، تعملي نفسك راجل وتشتغلي دكتورة للرجالة اللي شغالة معاه زي الطوارق كدة لحد ما.
قاطعتها وعد بسخرية:
_ لحد ما إيه؟!.. يعرف وأروح أنا في داهية مش كدة. أنا مستحيل أقبل بالجنان ده.
بعد مرور أسبوع واحد كانت تنظر إلى هيئتها في المرايا، اليوم أول يوم لها تحت مسمى الطبيب شاكر. ابتسمت على حالها بسخرية. بالفعل مظهرها كوميدي وربما مكشوف أمام الأحمق. شارب كبير، خصلات رجولية مستعارة واضحة مثل الشمس، وفوق كل هذا وذاك حواجب مثل فرشة الأسنان بالإضافة إلى ذقن تصل إلى مقدمة صدرها.
خرجت من الغرفة لتجد صديقتها تكاد تنفجر من الضحك قائلة بصعوبة من بين ضحكاتها:
_ بجد يا وعد شكلك مسخرة، أنا مش قادرة آخد نفسي من شكلك، بس كدة زي الفل يا بت، مش باين أي حاجة من ملامحك. باقي بس صوتك، حاولي يبقى خشن بلاش سهوكة بدل ما تشرفي على الأسفلت.
رفعت حاجبها ساخرة قبل أن تحمل حقيبتها مردفة وهي تتجه إلى باب المنزل:
_ دمك زي الزفت مش خفيف خالص على فكرة، يلا قدامي خليني ألحق القطر وأغور في ستين داهية من وشك.
أربع ساعات مروا عليها مثل الأعوام. قلبها يحثها على العودة إلى بيتها تنعم هناك بالأمان والدفء، وعقلها يأمرها بتكملة هذا الطريق الذي بدأته؛ لتأتي بالمال فحتى بيتها الدافئ لا تستطيع العيش به دون مال. نظرت إلى المكان حولها بتوتر من أول خطوة لها بهذا الكفر. سؤال واحد يدور برأسها: أين نساء هذا المكان؟!. اقتربت من أحد الرجال قائلة بنبرة حاولت أن تجعلها رجولية بقدر المستطاع:
_ فين بيت سند الكبير لو سمحت.
انتفض الرجل من مكانه قائلا:
_ بيت سي سند عايزه ليه يا أخ.
_ أنا الدكتور الجديد ومحتاج العنوان مش أكتر، اهدى حضرتك متوتر ليه.
سار الرجل أمامها مردفا برعب:
_ أنت الحكيم الجديد، الله يكون في عونك. يلا أوصلك على أول شارع البيت الكبير وكمل أنت، ممنوع حد من أهل الكفر يدخل شارع البيت الكبير.
بعد هذا الحديث تمنت لو بقدرتها العودة وكأن شيئًا لم يحدث. تركها الرجل على أول هذا الشارع الطويل لتبدأ رحلتها لهذا المنزل. شعرت ببعض الأمان مع سماعها إلى أذان العشاء تؤكد لنفسها أن الله معها. أردفت بداخلها بذهول من هذا المنظر الخاطف للأنظار:
_ يا الله على الجمال، معقول ده بيت عادي جوا قرية في الريف.
سمعت صوت كلاب خلفها لتدور بجسدها صارخة بفزع قبل أن تلقي بنفسها بأحضان هذا الغريب صارخة:
_ يا مامي كلاب.
رواية سند الكبير الفصل الثالث 3 - بقلم سعيد شيماء
تعلقت بعنق هذا الغريب كطوق النجاة لها من تلك الكلاب المفترسة.
طال الصمت واختفى صوت الكلاب رويدًا رويدًا.
بدأت تأخذ أنفاسها المسلوبة وعم على قلبها الاطمئنان.
حلت ذراعيها بعيدًا عن عنقه لتجده يقف جامدًا والكلاب خلفه على بعد مسافة بسيطة.
ابتلعت لعابها بعدما علمت أن سرها انكشف من قبل أن تبدأ بالعمل.
معالم وجهها غير ظاهرة إلا أن من يراها عن قرب يعلم كم هي بريئة، طفلة صغيرة ضائعة.
ابتعدت ليحاول هو إخراج صوته من هذا العناق الطري الذي لا يدل على رجولة من كان بين ذراعيه.
أشار إلى أحد رجاله بأخذ الكلاب قبل أن يتحدث بوقاره:
_ مين أنت ودخلت البيت الكبير إزاي؟
اهدئي يا وعد أنتِ الآن بداخل براثن الصقر.
حمحمت قبل أن تخرج صوتها بنبرة خشنة:
_ أنا الدكتور وحيد، الدكتور الجديد للبيت الكبير وعايز أقابل السيد سند.
ضرب بعصاه الأرض متجهًا إلى القاعة الكبيرة جالسًا على مقعده.
صارت خلفه، ومع دخولها علمت أنها أمام سند الكبير.
أردفت برأسها بحسرة:
_ معقول هموت من أول دقيقة ليا في المكان، روحتِ في داهية يا وعد.
وضع هو ساقًا على الأخرى هاتفا:
_ آه أنتِ الحكيمة. شغلك هيبدأ من بكرة. هتروحي مع الغفير شقتك. إياكِ تخرجي منها إلا بطلب مني أو تفتحي ليها شباك، سامعة.
أومأت برأسها عدة مرات. كل ما ترسم إليه الآن هو الفرار من هذا الرجل.
ذهبت إلى الشقة خلف الحارس وأغلقت الباب خلفها سريعًا قبل أن تزيل تلك الأشياء التي تأكل بوجهها قائلة:
_ أنا رميت نفسي وسط النار وكان عندي فرصة اختيار. يا رب أنت عالم بحالي، عدي الأيام المرعبة دي على خير.
رفعت هاتفها بعد سماعها إلى الرنين الخاص بصديقتها لتجيب عليها بغل:
_ الله يخربيتك يا صافية الكلب، أنا تعملي فيا كدة. ده فيلم رعب مش كفر. الراجل لوحده شكله قتال قتلة. أنا تقريبًا عملتها على نفسي ورايحة أستحمى. يلا غوري في داهية.
على الجانب الآخر، قهقهت صافية بمرح قائلة:
_ متخافيش، ده راجل عادل. خليكي بس في شغلك ونفذي الأوامر وكله هيعدي بسرعة.
أغلقت الهاتف بوجهها دون أن ترد عليها. حالها ينطبق عليه المثل الشهير: "اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار".
أزالت كل ما عليها ثم ركضت إلى المرحاض تحتمي به.
شهر كامل مر عليها بداخل تلك الشقة، لا تفعل شيئًا، فقط تنتظر أمرًا منه بالخروج.
ملت من هذه الحالة، تأخذ مرتبًا أكثر من أحلامها، ولكن بلا عمل.
انتهت من ارتداء ملابسها الرجالية ووضعت الأشياء على وجهها ثم قررت الخروج من هذا السجن.
فتحت الباب وأخذت تتجول بالحديقة. المكان هنا أكثر من رائع.
شهقت فجأة برعب عندما سمعت الغفير خلفها يقول بقوة:
_ إزاي تعصي أوامر سيدنا يا حكيم، قدامي. السيد سند أمر تكون عنده.
سارت معه إلى نفس القاعة لتجده يجلس. أمرها بالوقوف أمامه ثم أشار إلى الغفير بالخروج.
أخذ نفسًا من سيجاره قبل أن يردف بهدوء ما يسبق العاصفة:
_ خرجتِ ليه من شقتك، هو أنا طلبتك.
خائفة، هذا حقيقي، إلا أنها بنفس الوقت متمردة.
نال العناد من عقلها لترفع رأسها بقوة قائلة:
_ أنا جاي هنا عشان أشتغل دكتورة مش مسجونة. بأخد فلوس على إيه وأنا لا بشتغل ولا بتحرك من الشقة حتى.
ضرب المقعد بكفه قبل أن يقول بغضب:
_ أنتِ هنا تحت أمري وبس. المرتب ده عشان وقت ما أعوزك تكوني موجودة. ادخلي شقتك يا حكيمة واعتبرِ إن دي آخر غلطة ليكي.
من هو ليتعامل بتلك الطريقة مع البشر؟
يأمر ويتكبر كأنه مخلوق على الكوكب بمفرده.
زاد غيظها منه لتقول:
_ مش من حقك تقول إني تحت أمرك. أنا هنا أشتغل بمزاجي. الناس مش عبيد عندك عشان أفضل بين أربع حيطان لحد ما جنابك تأمر. أنا بقدم استقالتي، مش هكمل في الظلم ده.
حمقاء لدرجة أنها كانت تتحدث معه بنبرة صوتها الحقيقية.
مع أول مواجهة بينهما كشفت أمرها.
ظل يسمعها بهدوء يريد أن يحفظ نبرة صوتها إليه.
انتهت من حديثها، ليترك هو ما بيده ثم قام من مكانه.
أصابها الهلع من تلك الخطوات المدروسة التي تقترب منها.
للحظة علمت خطأها لتتسع عيناها بذهول وتجمعت الدموع بمقلتيها.
لا تريد الموت الآن وبهذا المكان الذي لا يعرفها به أحد.
ارتجفت شفتيها شاهقة بعدما جذبها لتبقى داخل أحضانه.
رفع أصابعه ممررًا إياهم على بشرتها الناعمة هامسًا بنبرة ساخنة:
_ من أول مرة حضنتك فيها وقت الكلاب وجسمك الطري اللي زي المهلبية وقع تحت إيدي، قلت مستحيل ده يبقى جسم راجل. حتى ريحتك كلها بتقول أنا ست زي القمر كمان.
أخذ نفسًا عميقًا من عطرها الفطري قبل أن تأخذ يده الطريق إلى إزالة تلك الأشياء الغريبة الموضوعة على وجهها، لتظهر أمامه ملامح القمر ليلة أربعة عشر.
شقت الابتسامة وجهه قبل أن يلقي ما على وجهها بالأرض قائلًا:
_ اممم، مش قلت قمر. وصفي ليكي ظلمك. قوليلي بقى الحلو بيعمل إيه هنا وفين الدكتور وحيد.
سقطت دموعها بخوف مردفة بتقطع:
_ مفيش حد اسمه الدكتور وحيد. أنا الدكتورة وعد عبد الله وجيت هنا بلبس راجل لأنهم قالوا مفيش ستات بتشتغل في الكفر ده. أنا كنت محتاجة للشغل صدقني.
ابتعد عنها ليرى ارتجافها بوضوح. ثم رفع حاجبه بتفكير قائلاً:
_ وأنا أصدقك إزاي يا دكتورة بعد ما دخلتي هنا بكذبة وكبيرة كمان.
عضت على شفتيها وهي تزيل دموعها بظهر كفها قائلة:
_ أنا مش كدابة، دي الحقيقة. لو كنت بتشغل ستات ما كنت أنا عملت كدة. أي واحدة محتاجة شغل هتعمل كدة. بس خلاص، أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أخرج من هنا.
رفع أحد أصابعه وحركها محل دموعها ليأخذ أكبر قدر منها عليه ثم نظر إليهم بداخل كفه مردفًا:
_ أنتي فعلاً كذبتي. وبعدين مفيش ستات بتشتغل في كفر عتمان الكبير عشان إحنا رجالة. مفيش ست تجوع ولا تحتاج لفلوس طول ما في راجل. واللي جوزها ميت أو مالهاش راجل كل طلباتها عندي ومن مالي. يعني لو كنتي طلبتي فلوس بدل الكدب كنت أدّيتك.
ردت عليه بغضب شديد لا تقبل تلك الإهانة أبداً:
_ أنا مش شحاتة عشان أطلب منك فلوس. أنا دكتورة وعايزة شغل. اللي أنت بتقوله ده لما أبقى قليلة الحيلة أو معنديش مهنة أكسب منها بدل ما أشحت وأمد إيدي ليك أو لغيرك.
أعجبته تلك اللعبة وربما تكون زوجة جديدة له.
سند الكبير لأول مرة يريد الإطالة في الحديث مع إحداهن.
حديثها لا يروق إليه أبداً، لا يحبذ العناد وخصوصًا معه.
أردف بجدية:
_ تبقي غبية يا دكتورة لو شايفة إن ستات الكفر قليلات الحيلة أو في واحدة منهم بتمد إيدها وتشحت. أنا الكبير وده حقهم عليا. روحي شقتك لحد ما أعرف هعمل فيكي إيه.
همست برعب:
_ تقتلني صح؟ أنا مش عايزة أموت دلوقتي لو سمحت.
وضع يده خلف خصلاتها قائلاً وعيناه تحفظ تفاصيلها اللذيذة:
_ لأ، اللي زيك خسارة في الموت. بس البيت الكبير من زمان محتاج حرمة تنوره. هتجوزك يا بت.
في الثانية بعد منتصف الليل، حملت حقيبتها وارتدت ملابسها الرجالية ثم فتحت باب الشقة وبدأت عيناها في التجول بالمكان حولها بريبة.
لن تظل بهذا الكفر ساعة واحدة، هذا المجنون سيأتي غدًا بالمأذون.
وجدته وباقي عائلته مثله.
الرحمة انعدمت من قلوبهم.
خائفة من السير بهذا الوقت إلا أنه لم يعد أمامها حل آخر.
أخذت تمشي بقدم ثقيلة، خطوة إلى الأمام ومائة إلى الخلف حتى اقتربت من البوابة.
توقفت فجأة مع سماعها إلى صريخ أحدهم يطلب النجدة من الحديقة الخلفية.
لا تعلم لماذا تركت حقيبتها بالأرض وبدأت تمشي خلف الصوت حتى وصلت إلى بوابة وسلالم تحت الأرض تقريبًا.
كلما اقتربت كلما زادت الصرخات الواضح منها أنها لرجل.
تجمدت مكانها مع رؤيتها لسند يصوب مسدسه على رأس رجل كبير أسفل قدميه قائلاً:
_ كام مرة قولتلك تمن الخيانة لازم يكون الموت، كام مرة قولتلك أنت تحت عيني وحاسب من وقت حسابي، غبي يا شوقي غبي. قول الشهادة يمكن تنفعك يوم القيامة.
صرختها باسمه جعلت كل شيء يتوقف.
رفع رأسه لها ربما بصدمة وربما بتوعد.
حركت رأسها نافية لما يحدث قائلة بتهدج:
_ أنت مجرم عايز تقتل إنسان، أنت.. أنت لازم تدخل السجن، اللي زيك لازم يتعدم في ميدان عام. مين ادى ليك الحق تقتل روح مهما عملت. أنا مش هسكت، هبلغ عنك وهاشهد بده.
حديثها متفرق غير مفهوم وحالتها أكثر سوءًا من الحديث.
اقتربت من الملقى على الأرض تساعده لكي يقف هاتفة:
_ قوم معايا يا عمو، أنا مش هخرج من هنا إلا بحضرتك بس حاول تقوم.
يتابع بلا ردة فعل، ينتظر نهاية ما بدأته هي.
أصابها الذهول مع بعد الرجل عنها صارخًا:
_ ابعدي عني، أنا غلطت ومستني عقاب الكبير وراضي حتى لو بالموت على إيده.
رفعت بصرها له لتجده يرفع حاجبه لها بابتسامة وكأنه يقول: أرأيتي؟
نزل إلى مستواها ساحبًا كفها إليه قبل أن يأخذها للخارج قائلاً:
_ اعمل اللازم أنت يا فاخر وبعدها هات المأذون، عايزه الليلة مش بكرة.
رواية سند الكبير الفصل الرابع 4 - بقلم سعيد شيماء
رواية سند الكبير الفصل الخامس 5 - بقلم سعيد شيماء
في غرفة وعد…
انتبهت على صوت الباب لتقوم من تلك الدوامة التي غرقت بها بالماضي. قامت من مكانها بثقل تزيل أي أثر لدموعها ثم فتحت الباب. ابتسمت إلى تلك المرأة التي لم ترى منها شر أبداً رغم شدتها وقوة شخصيتها. بحنان أم فتحت لها ذراعيها لتلقي بنفسها داخل أحضانها تود أن تشعر بالقليل من الأمان بين أسوار هذا البيت المخيف.
حركت السيدة حكمت كفها على خصلاتها قائلة:
_ ليكي وحشة يا وعد، بقى كدة تنسي جدتك حكمت سنتين كاملين…
أغلقت وعد عينيها ثم أخذت نفس عميق قبل أن تقول بحزن طفيف:
_ حقك عليا يا تيتة بس صدقيني كدة أحسن ليا وليكم إحنا مش شبه بعض…
أخذتها السيدة حكمت من كفها ودلفت بها للغرفة مغلقة الباب خلفهما. ثم جلست بجوارها على الفراش لتنام الأخرى على صدرها. ابتسمت العجوز قائلة بعتاب:
_ قلوبنا كلنا اتعلقت بيكي حتى قلب سند، ليه يا بنتي البعد، ليه فتحتي باب جهنم على نفسك؟؟ سند مش بيكره في حياته قد الكذب والغدر…
قالت بقهر:
_ الوجع مش ليكم بس كان ليا أنا كمان، وجودي من البداية في الكفر ده كان غلط كبير. الكبير كان عايزني أبقى جارية له يعمل فيها كل حاجة وكمان تبقى أرنبة كل يوم عيل، أنا مستحيل أعيش الحياة دي مع واحد مفيش جوايا له أي مشاعر…
بمكر قرصت السيدة حكمت وجهها ثم قالت بعيون خبيرة:
_ من امتى فينا بنكدب يا وعد، بقى عيونك اللي كانت بتطلع قلوب عمرها ما حبت سند عليا أنا الكلام ده؟!… يا بنتي ليه مصممة تتعبي قلبك وقلبه وقلوبنا كلنا معاكي…
هربت بعينيها منها هامسة بتوتر:
_ كان وقتها انبهار كبير من شخصيته.. وقتها كنت هبلة وأول مرة أشوف شخص كدة بس أنا خلاص كبرت وفهمت، تيتة أنا عايزة أمشي أنا وجوزي من هنا من غير غدر سند أو مشاكل منه، الكلام فات أوانه أنا دلوقتي ست متجوزة لو فعلاً ليا مكانة عند حضرتك.. ساعديني أمشي من هنا…
أومأت العجوز بصمت. معها حق عن أي حب تتحدث والأخرى تزوجت وانتهى الأمر.
الصرخات الآتية من الأسفل جعلتها تنتفض لتفتح الخادمة الباب بلا سابق إنذار صارخة:
_ الحقي يا ست الناس…
وقفت السيدة حكمت مستندة على عصاها قائلة بقوة:
_ في إيه يا بت اخلصي…
ابتلعت الخادمة ريقها قائلة برعب:
_ الست همت نزلت الجنينة من غير ما نحس بيها والغفر جابوها من شوية بتبكي وتصرخ، والغفير بيقول إن جوز الست وعد كان معاها وهو السبب في اللي حصل ليها وسيدي سند أمر بحبسه في المخزن…
سقط قلبها أرضاً، سند يلعب معها بزوجها الذي ليس له دخل بأي شيء يحدث. نظرت إلى السيدة حكمت التي كل ما يهمها الآن حفيدتها فقط، قائلة بغضب:
_ مش قولتلك يا تيتة حفيدك ناوي على غدر، أنا مش هسمح له يقرب من محمد ده على جثتي…
تركتها السيدة حكمت ونزلت إلى محل وجود همت لتنزل هي الأخرى لتطمئن على همت وترى هذا اللعين. اقتربت من همت قائلة بلهفة:
_ همت يا حبيبتي مالك…
ابتعدت همت عنها برعب لتتعجب هي من الموقف إلا أن جدتها قالت بهدوء وهي تضم حفيدتها:
_ معلش يا وعد همت تعبانة ومش فاكراكي عشان كدة خافت منك، اهدي بقى يا قلب جدتك…
تركت وعد المكان متجهة إلى غرفة المكتب، لن تترك زوجها بين يدي سند الكبير.
***
بغرفة المكتب…
فتحت الباب بلا سابق إنذار، ليظل على حاله يتابع الأوراق أمامه بهدوء. اقتربت منه بغضب أعمى ثم ضربت على المكتب بقوة صارخة:
_ مالك ومال جوزي يا كبير عايز منه إيه؟!…
إلى هنا و انتهى هدوءه المزيف. ألقى القلم من بين أصابعه على الأوراق وأزال نظارته الطبية ثم قام من مقعده وعينيه عليها يتابع رد فعلها. نزل بصره إلى صدرها الذي يعلو ويهبط ليعود لوجهها الذي يطلق منه نيران نارية. بأقل من ثانية كانت محصورة أمامه والفاصل بينهما خطوتين قائلاً بنبرته الحادة:
_ عيدي كلامك تاني يا دكتورة عشان كنت مركز في شغلي مش في الطريقة الهمجية اللي دخلتي بيها….
لا تنكر توترها وخوفها من نظراته إلا أنها حدقت به بتحدي قائلة:
_ لأ سمعت كويس يا كبير بس مش عايز ترد، الكلام مش جاي على هواك، وآخر حاجة تهمني إن الكلام ييجي على هواك أنا عايزة جوزي وبس يا سند…
شهقت بألم من ضغط كفه على فكها وكفه الآخر يقيد شفتيها. لمعة عينيه مرعبة كأنها ألقت عليه قطعة من النيران أصابته بمنتصف وجهه، يحترق من نظراتها وحديثها الذي يأكله بلا رحمة. حرك وجهه يمينا ويسارا ثم همس بفحيح:
_ كلمة سند الكبير على رقبته، وأنا بقولك لو عايزة لسانك يبقى بين ايديك انطقي كلمة جوزي دي تاني، أدفنك وآخد العزا قبل ما غيري ينام جانبي على سرير واحد….
كلمة سند الكبير سيف على رقبته لو خرجت منه سيفعلها لو روحه بها. حاولت التحرر من بين يديه إلا أنه ضغط عليها أكثر لتصرخ بقوة:
_ ابعد ايدك عني أنت بتوجعني…
ابتسم إليها بملامح مخيفة قائلاً:
_ ما أنا عايز أوجعك يا روحي، اتوجعي وخافي يا وعد عشان تقدري تعيشي…
رفعت عينيها لتقابل عينيه. كلمات لم يقدر اللسان على قول كلمة منها قالتهم العين. إلى أين سيصل معها لا يعرف ولا يود أن يعرف. تعلق بها لتأخذ عينيه جولة رائعة على وجهها الجميل. سحرها البسيط يجذبه ويجعل بداخله رغبة مميتة بتذوق تلك الفاكهة المحرمة. حبست أنفاسها وشعرت بالتعري أمام عينيه التي تأخذ منها ما يريد صاحبها. بللت شفتيها الجافة بطرف لسانها قبل أن تقول بتوتر:
_ مش عيب على الكبير أما يبقى نفسه في حاجة مش بتاعته؟!
ابتسم لها بخبث وهو مازال كما هو مردفاً بنبرة لعوبة:
_ لأ مش عيب خصوصاً لما تبقى الحاجة دي مكتوب عليها مباح للجميع، بس مش الكبير اللي يدوق حاجة خارجة من بوق غيره…
أصابها الغضب، قدر بكل جدارة على كسر قطعة من روحها. ترقرق الدموع بداخل مقلتيها بكبرياء أنثى مقهورة إلا أنها ردت عليه بجمود:
_ صدق اللي قال البجاحة ليها ناسها، الحاجة اللي خارجة من بوق غيرك دي نفسها هي اللي بتجري وراها، لآخر مرة بقولك سيب جوزي بدل ما أبلغ عنك.. البلد دي فيها حكومة يا كبير…
ابتعد عنها وعاد للجلوس على مقعد مكتبه يباشر عمله. الكلمة تردها ألف كلمة مع أنه لا يريد منها إلا الصمت. هو مغلول من اسم هذا اللعين الذي تحمله من المفترض أن تحمل اسمه هو. منذ متى يريد امرأة ولا يقدر على الحصول عليها؟!
جن جنونها من بروده لتأخذ الأوراق من أمامه بحركة جنونية وتلقي بها على الأرض صارخة:
_ بطل البرود ده بقولك جوزي فين يا سند، محمد ملوش علاقة بأي حاجة حصلت في البيت ده من سنين، لما أكلمك تبص وترد عليا فاهم…
رفع حاجبه بتساؤل كأنه يقول لها “حقا”. سند ظهره على المقعد واضعا ساقا على الآخر قبل أن يشير لها على باب الغرفة قائلاً بصرامة:
_ قولتلك خافي على لسانك بس شكله عامل ليكي مشاكل وعايزة أقطعه، أخرجي برة حالا بدل ما أنولك المراد وتعیشي الباقي من عمرك خرسة…
_ و لا يهمني أعلى ما في خيلك أركبه، مش هسكت على…… اااااه…
قالتها وهي تشعر بعدم لمس ساقيها للأرض. حملها على ظهره صاعداً بها إلى غرفته وسط صريخها الذي لم يعطي لها أو له أي اهتمام. وصل للغرفة ليدخل بها ويغلق بابها بقدمه. ألقى بها على الفراش لتصرخ بألم قبل أن تقول:
_ إيه الهمجية والجنان ده، أنت فاكر بالطريقة دي مش هاخد حقي…
سحب الحزام من على خصره ضارباً به الفراش بجوارها مردفاً بتحذير:
_ مش لما أعمل ليكي حاجة ابقي خدي حقك، مش هقفل عليكي الباب بالمفتاح، بس عايزك تخرجي من باب الأوضة دي ووقتها اياكي تلومي حد إلا عنادك وغبائك، فاهمة…
مازال يرى لمعة التحدي ليعطي لكفها الموضوع على الفراش ضربة خفيفة ثم قال بصرامة أشد:
_ فاهمة عايز أسمع ردك…
لأول مرة تشعر بالعجز وقلة الحيلة أمامه هو. لأول مرة تعلم أنها بلا سند أو يد تمسح دموعها وتربت على ظهرها. ابتلعت ريقها بقهر وحسرة هامسة بنبرة متقطعة:
_ فاهمة مش هخرج، بس خرج محمد بلاش تسبب له أي أذى بسببي هو ملوش أي ذنب، بلاش تزيد على ظلمك لكل الناس ظلم…
شعر بنشوة لذيذة مع نطقها لإسم غريمه بلا كلمة زوجي. أزالت الملكية وهذا يرضي ما بداخله. ارتدى حزامه مجيباً ببرود قبل أن يخرج من الغرفة:
_ اسمعي الكلام ولما أبقى مزاجي رايق ممكن أخرجه، مش بس من الحبس تحت لأ ممكن كمان من البيت كله على رجله سليم وده انجاز عظيم….
***
بعد عدة ساعات…
بمخزن بالبيت…
يعلم أن نهايته على يد وعد بيوم من الأيام. من ليلة أمس وهو ملقى بتلك الغرفة التي لا يرى بها حتى بصيص نور من الشرفة. ماذا فعل لكل هذا لا يعرف. تنهد بعمق مع إغلاق باب المكان وراء أحدهم. أمامه احتمالين الخروج أو القتل وبكلا الأحوال ستكون نهاية هذا السجن. جلس من دلف على أحد المقاعد فقال بسخرية:
_ منور يا أستاذ محمد..
أجابه الآخر بمرح متوتر:
_ منور إيه يا باشا أنا مش شايف حاجة هو هنا مفيش نور على الأقل نتعرف على بعض…
أردف سند بضيق:
_ لأ في بس أنا مليش مزاج له، خلينا نتكلم مع بعض شوية في هدوء، قولي بقى مالك ومال الهانم الصغيرة قربت منها أصلا ليه؟!
بالبداية لم يعرف من هي، إلا أن طيفها الرائع مر أمام عينيه ليبتسم بشكل تلقائي مثل الأحمق قائلاً:
_ هي جت وطلبت مني ندور على عروستها همت الصغيرة قعدت أدور معاها ولما فقدت الأمل قولتلها هجبلك واحدة جديدة فضلت تصرخ لحد ما لقيت رجالتك جايين بيا هنا من غير أسباب…
تعجب سند من حديثه هل شقيقته ذهبت إليه بنفسها رغم أنها تخاف من الجميع. وفوق كل هذا وذاك نبرة صوته التي ربما سمعها من قبل ويعلم هوية صاحبها. قام من مكانه مردفاً وهو يقترب من زر الإضاءة:
_ هنا في قواعد يا أستاذ وأولها إنه ممنوع خروجك من الشقة إلا بأمر مني عشان كدة أنت هنا، تقدر تقول قرصة ودن…
_ هو إحنا في مدرسة مش هنطلع إلا بإذن المدير؟!
قهقه سند بطريقة لا تمت للمرح بصلة ثم قال بعدما أضاء المكان:
_ لأ مش في مدرسة، أنت في دار الكبير في كفر عتمان الكبير، خليك هنا يومين تلاتة لحد ما تعرف تعيش هنا إزاي طالما مطول معانا يا جوز الدكتورة…
أخذ محمد ثواني مغلقاً عينيه ليعتاد على الضوء بالمكان ثم فتحها قائلاً بغضب:
_ سند بيه أنا مش شغال عندك ولا حتى مراتي، دي فترة مؤقتة وهنمشي بس طالما دي طريقة الحياة هنا نبقى نمشي من دلوقتي… و شكراً جداً لحد دلوقتي على كرم الضيافة يا كبير…
_ فاكر نفسك ممكن تخرج من هنا تبقى بتحلم.. قالها سند وهو يدور بوجهه إليه لأول مرة يرى غريمه وجهاً لوجه عن قرب. ماذا بهذا الأحمق حتى تهرب منه وتأخذه هو؟! الغباء كله منه لأنه صدقها بالماضي عندما رفضت عقد قرانه عليها بحجة أنها تريد عقد القران ليلة الزفاف. أول ما عينه وقعت على زوجها أصابه الجمود غير مصدق لما يراه. أردف بتردد وبلا وعي:
_ أنت… حمد…
رواية سند الكبير الفصل السادس 6 - بقلم سعيد شيماء
تملكته الصدمة لعدة لحظات مع رؤيته لخطيب شقيقته الهارب بليلة الزفاف، زوج وعد.
ترك المخزن مشيراً للغفير بغلق الباب، صاعداً إليها والدماء تغلي برأسه.
فتح باب غرفتها لتقوم من فراشها برعب، تحاول ستر جسدها التي تظهر بعضه ملابسها البيتية المكونة من فستان نوم يصل إلى بعد ركبتها وبدون أكمام.
رفعت الغطاء عليها قائلة بذهول:
_ إيه قلة الأدب دي، إزاي تدخل كدة هي وكالة من غير بواب.
عقله بعيداً كل البعد عن تفكيرها الأحمق. هو لا يرى جسدها من الأساس أو يركز به. واقف عند نقطة واحدة، أهي هربت بليلة زفاف شقيقته مع زوجها؟
هل هي حقيرة لتلك الدرجة دون أن يأخذ حذره منها؟
أغلق الباب بساقه وعيناه تضرب عينيها مثل الرصاص. جذبها من مقدمة ملابسها لتقف أمامه ثم قال:
_ جوزك ده اتعرفتي عليه إمتى وإزاي، انطقي.
لم تفهم نبرة صوته ولا حتى نظرة الاتهام الواضحة بعينيه. ابتلعت لعابها بخوف قائلة:
_ ووو… وأنت مالك بج.
قاطعها بكفه الذي ضرب به فمها بخفة. لا يوجد أي وقت للعناد والمناقشة. قلبه يحترق وكل ما يريده الآن الارتياح. تحسن صورتها أمامه بأي كلمة وهو سيصدقها.
لمعت عيناه بالشر قائلاً من بين أسنانه:
_ بلاش لف ودوران كتير، الزفت اللي تحت ده أول مرة شوفتيه كانت إمتى وفين، وإياكي تكذبي سامعة إياكي.
عضت على شفتيها بوجع خفيف. يستحيل أن تقول الحقيقة. تعبيرات وجهها درسها بشكل دقيق. متوترة، خائفة، تحاول الهروب. تفكر بكذبة تخرج بها من الموقف رغم تحذيره لها بعدم الكذب.
صمت مريب ينتظرها وهي لا تجد إجابة إلا أن صريخه بها أفاقها:
_ ووووعد.
نطقه لاسمها بتلك النبرة والنظرة بها تحذير واضح. أزالت يده من على فمها ثم أردفت بنبرة متهدجة وأنفاس متسارعة:
_ دي حاجة خاصة، أنت دخلك فيها إيه؟ عايز تلعب وتضيع وقت في قصة حياتي واتعرفت على جوزي إزاي عشان بس يفضل محبوس عندك. قولتلك قبل كدة خليني أمشي أنا وهو من هنا من غير غدر.
من منهما الذي يريد اللعب؟ هو أم هي التي تلعب ببراعة؟
ابتعد عنها مبتسماً نصف ابتسامة حكمت على نفسها بالإعدام وخسرت جزء كبير من قلبه.
أغلق باب الغرفة بالمفتاح من الداخل ثم اتجه إلى المرحاض ليقف مع حديثها الغاضب:
_ أنت بتعمل إيه ورايح فين بالظبط.
أجابها بسخرية:
_ سلامة النظر، عندك ضعف فيه وإلا إيه؟ زي ما أنت شايفة داخل حمام أوضتي عشان أستحمى قبل ما أنام.
صرخت به بجنون يفقدها دائماً صوابها ويأخذها إلى طريق مغلق:
_ لا دي شكلها هبت منك على الآخر، عايز تنام في أوضة نوم واحدة مع ست متجوزة راجل تاني.
وضع المنشفة على عنقه من الخلف قائلاً ببراءة لا تليق أبداً به أو بما يرتبه لها:
_ اثبتي إنك متجوزة من راجل تاني وهاتي قسيمة جوازك وبطاقة جوزك، وقتها بس هتبقي مرات راجل تاني. غير كدة أنتي ملك سند الكبير يا وعد.
قسيمة زواج؟ بطاقة زوجها؟
توقف عقلها عن التفكير للحظات أو ربما لدقائق أو ساعات. بكلمات بسيطة أدخلها بدوامة ليس لها نهاية. لم تشعر بنفسها إلا وهو يضرب خدها بهدوء مردفاً:
_ إيه، روحت فين يلا زي الشاطرة تاخدي مخدة والغطا اللي مكفنة نفسك بيه ده وعلى الأرض أو الكنبة اختاري.
***
قامت من حضن جدتها النائمة بجوارها، تريد الذهاب إلى ذلك الغريب الذي كان يبحث معها عن عروستها. سعدت كثيراً باللعب معه. أخذت تتحرك على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها من بالمنزل.
دارت حول نفسها بخوف. يا ليتها تعود إلى غرفتها وتلعب معه بالصباح. جزت على أسنانها بطفولية وغيظ، فهو غير موجود ببيته. أين هو وكيف تصل إليه الآن؟
رأت الغفير يقترب منها بتوتر قائلاً:
_ ست الناس، تؤمري بحاجة؟
أومأت إليه بحزن قائلة:
_ فين اللي كان هنا الصبح؟ أنا عايزة أشوفه.
بلهفة أشار لها الغفير عن مكان وجوده مردفاً:
_ اتفضلي يا ست الناس، هو جوا هنا. تعالي معايا.
ذهبت خلفه بحماس لرؤيتها إليه من جديد. دلفت لتجده جالساً على الأرض مغلق العينين. عقدت حاجبيها بتعجب مردفة وهي تقترب من محل جلوسه لتجلس بجواره:
_ أنت نمت من قبل ما ندور على العروسة، قوم بقى عشان أقولك أنا لقيتها فين.
فتح عينيه مبتسماً. تلك الفتاة لغز عجيب، إلا أنه مستمتع بالعودة إلى سنوات من الطفولة معها. طفل صغير يبحث عن لعبته وهذه أكبر مشاكله. يا الله لا يوجد أجمل من ذلك.
اعتدل بجلسته حتى يكون مقابلاً لها ثم قال بحماس:
_ لقيتي العروسة يا أستاذة همت.
حدقت به بغيظ قائلة:
_ إيه أستاذة دي؟ بتتريق عليا عشان أنا مش بحب المذاكرة.
حرك رأسه بسرعة نافياً، لا يريد إغضابها. فقط يود قضاء أكبر وقت ممكن معها. أجابها:
_ لأ مش بتريق عليكي. قوليلي الأول لقيتي العروسة فين وبعدين ابقي قوليلي مش عايزة تذاكري ليه، ماشي.
أومأت إليه وبدأت في الحديث معه بعفوية. تتعامل كأنها تعرفه من سنوات رغم خوفها من الجميع حتى أقرب الأقربين. تخشى التعامل مع أي شخص بالمنزل بخلاف سندها وجدتها وهذا الغفير الذي كان يتحدث معها، فهو بداخل منزلهم من سنوات.
ضحكت بمرح متحدثة:
_ العروسة مكنتش ضايعة، أنا بس نسيت إن أبيه سند أخدها يعالج عينيها، وجابها دلوقتي من عند الدكتور.
رد عليها باهتمام شديد:
_ طيب والمذاكرة اللي عليكي بقى يا شاطرة مش بتذاكري ليه؟
مدت شفتيها إلى الأمام بحزن:
_ الكلام صعب عليا، أنا مش بحب الحاجات دي، بس أبيه سند مصمم وكمان الميسات كلهم وحشين ومش بيحبوا همت أبداً أبداً.
من ذلك الأحمق الذي لا يحبها وهي قابلة للأكل بمظهرها وبساطتها تلك؟ نهر نفسه بشدة، أهو ينظر إلى فتاة مريضة ببراءة طفلة لا تعي أي شيء عن أفكاره القذرة.
انتبه إلى حركة كفها أمام وجهه بغضب:
_ روحت فين مش بترد ليه، بتنام وأنت قاعد وإلا إيه؟
ابتسم إليها ثم قال بلا وعي:
_ إيه رأيك لو أذاكر ليكي أنا بدل المدرسين.
_ بجد؟ طبعاً موافقة.
***
في الثانية بعد منتصف الليل.
جسدها يطلب النجدة من شدة الألم الذي يأكلها. الأرض كسرت عظمها. اعتدلت بجلستها، شهقت من الاعتدال فجأة. أخذت تلعنه من بين أسنانها وتلعن اليوم الأسود الذي رأته به. وضعت كفها على رقبتها وظهرها هامسة بغل:
_ الله ياخدك يا بعيد، مش عارفة أتحرك. أقوم إزاي أنا بس.
قامت مثل شخص قائم من حادث سير. تنظر للفراش الذي ينام عليه الآخر بسلام. لم تشعر بنفسها إلا وهي تأخذ الوسادة من على الأرض وتلقي بها على وجهه بغضب قائلة:
_ معدوم الرجولة بقى نايم مرتاح كأنها أوضتك وسيبني كدة على الأرض، ومعدوم الدين كمان مخمود معايا في نفس الأوضة يا واطي.
_ خلصتي قلة أدب وإلا لسة؟
اتسعت عيناه من استيقاظه وسماعه لها مع أن صوتها منخفض. أخذ الوسادة من على وجهه ثم ألقاها بكل سهولة على هدفه المحدد لتستقر على وجهها.
صرخت بوجع قوي قائلة:
_ إيه يا جدع أنت فاكر نفسك بتهزر مع غفير من بتوعك، وشي وجعني.
أجابها بسخرية وهو مازال متسطح:
_ مهو أنا مش عايزها، بس توجعك عايزها تكسر رقبتك. بس أوعي تخافي هجبسك عند الدكتور فتحي في الزريبة تحت.
لماذا لم تنقض عليه وتنزل بكفها الرقيق على وجهه لتريح قلبها؟
بالحقيقة لا تعلم. لا هي تعلم، خائفة من جبروت هذا الرجل. رفعت رأسها بشموخ مردفة التشهد قبل أن تجيبه:
_ وأنت بقى يا سند بيه فاكر إن أي دكتور ينفع معاك ينفع معايا؟
هبت بعدها عاصفة لتغلق عينيها بقوة منتظرة الضربة من أي مكان بلا سابق إنذار. طال انتظارها ولم تشعر بشيء. فقط تسمع تكسير أشياء من حولها. فتحت عين ترى بها ما يحدث والأخرى مغلقة بأمان، لتجده كسر الطاولة الموضوعة بجانب الفراش. عادت إلى إغلاق الاثنتين مرة أخرى.
حاول بقدر المستطاع السيطرة على رد فعله، رغم أنه مستمتع بها إلا أنها تخطت جميع الحدود. ضرب الطاولة ضربة واحدة ليريح أعصابه المشدودة قليلاً. بالنهاية لم يتحمل، يريد التهام تلك الفتاة ليتخلص منها.
قام من على الفراش بخطوات سريعة قبل أن يجذب الغطاء الموضوع بأحضانها إليه لتأتي مع الغطاء بشكل لا إرادي. ابتسم رغماً عنه مع مظهرها الطفولي الرائع قائلاً بهدوء:
_ اتعلمي لما تكوني مش قد الكلمة إياكي تخليها تخرج من بين شفايفك، لأنها هتكون خلاص اتحسبت عليكي ولازم تتحملي رد الفعل.
افتحي عينيك.
هزت رأسها برفض ليهمس لها بخبث ذكوري واضح من اللهجة والتلاعب بالكلمات:
_ شكلك كدة بيقول حاجات مش كويسة، أنتي صاحية في نص الليل وعملتي كل ده ليه يا وعد؟ مش أنا قولتلك قبل كدة يا روحي ماليش في الحرام.
نجح بمهارة بإثارة غضبها. فتحت عينيها قائلة بنبرة غاضبة:
_ أنت تقصد إيه؟ احترم نفسك، أنا صحيت من وجع ضهري وجسمي مش أكتر، ولما لقيتك نايم مرتاح قولت أديك حاجة على دماغك عشان أقلق منامك زيي. أوعى دماغك تروح لتفكيرك القذر زيك ده.
ضم شفتيها على بعضهما بكفه قائلاً بغيظ:
_ أنتي عارفة لو تبقي خرسة يا بت هتعيشي حياتك بسلام رهيب. يلا غوري اتخمدي مش عايز أسمع عليكي نفس تاني. عدي ليلتك اللي شبه الكفن اللي لافة نفسك بيه ده.
_ ولو قولت مش هتنام معايا في أوضة واحدة لو مش خايف مني أو من الراجل الغلبان اللي مستقوي عليه وحابسه تحت ده. ومحلل لنفسك تنام مع مراته في أوضة واحدة؟ خاف من ربنا، وإلا مش خايف منه تبقى مصيبة.
أصابته بمكان قاتل بكل براعة. ضغط على كفه بقوة عجز عن إصدار أي ردة فعل. أخذ ينظر إليها لبضع ثوانٍ لترد إليه النظرة بأخرى متحدية. تغيرت معالم وجهه بشكل كامل وارتفعت دقات قلبه بعنف. ابتعد عنها سريعاً متجهاً لباب الغرفة قبل أن يردف بقوة:
_ خدي بالك المهزلة دي مش هتفضل كتير، أنا صابر بمزاجي يا دكتورة، والغلبان اللي تحت ده لسه حسابك عليه مجاش، ولو طلع اللي في بالي صح هخرج بروحك. اتخمدي.
***
بعد مرور ساعة أخرى.
ارتدت ملابس الخروج خاصتها تاركة كل ما يخصها هنا، حتى ملابسها لا تريدها. فقط ستأخذ محمد وتعود إلى الإسكندرية من جديد.
نزلت إلى الحديقة لتجد الغفير يجلس بمكانه مثل العادة. أخفت نفسها خلف الجدران منتظرة معجزة من السماء تجعله يقوم من هنا. مرت ساعة أخرى وبدأ أذان الفجر ينتشر بالكوخ. أخذت نفساً مرتاحاً مع قيام الغفير للصلاة.
ذهبت سريعاً لتلك الغرفة التي رأت سند يعذب بها أحد الرجال من قبل لتجد بابها شبه مفتوح. تعجبت بالبداية إلا أنه لا يوجد أي وقت للتفكير. دلفت لتجد محمد نائماً براحة شديدة. عضت على شفتيها بغضب وهي تضربه بصدره هامسة من بين أسنانها:
_ قوم يا موكوس، ليك قلب تنام وأنت مخطوف كأنك نايم في بيت أبوك.
استيقظ الآخر بفزع من حركتها تلك ووجدها أمامه ليقول بعدم فهم:
_ وعد، أنتي بتعملي إيه هنا؟ لو الكبير شافك هيطلع بروحي وروحك.
ضربته من جديد قائلة:
_ الله يكسفك يا شيخ، فين رجولتك وأنت خايف منه كدة؟ بقى ده كلامك ليا زمان أنا سندك وضهرك ومحدش هيقدر يقرب منك.
_ هو ده وقت حساب يا وعد، أنا متنيل على عيني مربوط هعملك إيه ده أنا مش قادر أدافع عن نفسي. أنتي قولتي إنه مفتري بس مقولتيش إنه لما بيجوع بيأكل فخد بني آدم.
أغلقت عينيها لعدة ثوانٍ فهذا الرجل لا يوجد به أي فائدة. ثم فتحتها مرة أخرى مردفة بنفاد صبر:
_ طيب يلا يا سبعي نهرب قبل ما الغفير وسيد سند ما ييجوا من صلاة الفجر، خليني أنقذك وأنقذ نفسي.
أجابها بضيق:
_ نمشي ليه بس يا وعد؟ أنا لقيت شغل كويس هنا، هدي همت دروس.
صرخت فجأة بغل:
_ محمد، أنا مش بهزر، سند ممكن يقتلك، قوم بقى.
_ جوزك بنفسه مش عايز يمشي يا دكتورة. القعدة هنا جات على مزاجه.
رواية سند الكبير الفصل السابع 7 - بقلم سعيد شيماء
تجمدت ساقها بالأرض ارتعبت من رنين صوته الذي يتردد بداخل أذنيها.
رمقت محمد بنظرة حارقة، أهو فقد عقله أم ماذا ليريد البقاء هنا؟!
بكل خطوة تحاول بها الابتعاد عن هذا الحب الأحمق تعود إلى نقطة الصفر من جديد.
شعرت بأنفاسه التي يأخذها براحة شديدة.
كل هذه الأشياء مؤشرات صريحة أنها أصبحت مكشوفة أمامه.
ابتلعت لعابها قبل أن تتجاهله قائلة:
_ يعني إيه مش عايز تمشي يا محمد؟
ابتلع محمد الآخر لعابه برعب غير قادر على نطق كلمة واحدة، فهو تحت تهديد السلاح.
رسم على وجهه ابتسامة متوترة مردفاً:
_ نمشي ليه يا وعد؟ سند بيه جاب ليا شغل معاكي وهنعيش هنا بعد الجواز. إحنا لينا مين في إسكندرية عشان نرجع ليها؟
وضعت كفها على رأسها بجنون تكاد تنفجر.
ما يحدث الآن فوق طاقتها.
ها هو سند يفرض سيطرته على أي شخص يخطو باب حياته.
عضت على شفتيها ثم قالت بعدم فهم:
_ أنت مستوعب بتقول إيه؟ سند بيه ده حابسك هنا من امبارح والله أعلم عايز يعمل فيا وفيك إيه، إزاي فجأة بقيت عايز تعيش هنا؟
رد عليها بهدوء:
_ أنا مش محبوس. هو بيحب أخته جداً وكان فاكر إني سببت ليها أي أذى، وأي راجل في مكانه هيدافع عن أهل بيته.
قاطعته بصريخ يشوبه الرجاء:
_ وأنت مش بتدافع عن أهل بيتك زيه ليه؟ بقولك أنا خايفة وعايزة أمشي.
هذه المرة أجابها الواقف خلفها يسمع فقط دون قول كلمة.
أخرج يده من جيب البنطلون متقدماً منها بخطوات ثابتة جاذباً إياها من الأرض:
_ مش لما تبقي من أهل بيته الأول. تقدري تقوليلي فين قسيمة جوازك منه؟ بلاش دي، فين بطاقة البيه وبيشتغل إيه وفين؟
عجز لسانها عن الإجابة. هو ليس زوجها ولا تعلم له اسماً من الأصل.
صمت محمد هو الآخر ينتظر منها أي إجابة يتمنى لو يرتاح ويعلم من هو.
وعد صديقة عمره أو ليكن صادقاً الشخص الوحيد الذي يعرفه قبل فقدانه للذاكرة.
نظر لسند وكأنه يقول: حديثك حقيقي، هي تعلم من أنا.
رأسه عادت به للساعات الماضية التي تحدث بها مع سند.
***
قال بهدوء:
_ ازيك يا حمد.
رفع محمد رأسه إليه بقوة يشعر وكأن هذا الاسم مألوف عليه.
أشياء مختلطة بدأت تتحرك بداخله. هل هذا الاسم بفعل اسمه؟
من هذا محمد؟
حاول القيام من مكانه بلهفة مردفاً:
_ حمد مين؟ أنت تعرف حد بالاسم ده؟
من الواضح أنه نفسه لا يعلم من هو.
والإجابة الوحيدة بيد وعد التي كان عندها منذ قليلاً ورفضت قول أي كلمة.
تقدم من الآخر وفك قيود جسده قائلاً:
_ هو أنت مش عارف أنت مين؟
هو طفل صغير ضائع بلا هوية.
حرك رأسه نفياً قبل أن يقول بقلة حيلة:
_ أنا محمد جار وعد. عملت حادثة فقدت فيها الذاكرة. معنديش أهل. فوقت في المستشفى لقيت معايا وعد. قالتلي اسمي ومن وقتها إحنا مش بنفارق بعض.
وصل إلى ما يريده. خطيب شقيقته فاقداً للذاكرة ومنقذه هي وعد الهاربة.
بدأ يربط الخيوط واحدة تلو الأخرى.
قبل أن تخرج منه تنهيدة قوية. وعد ملكية خاصة إليه من البداية للنهاية.
أشار للآخر قائلاً بقوة:
_ أنا هقولك أنت مين بس بشرط تنفذ المطلوب منك من غير غلطة واحدة. وقتها كلنا هنعرف أنت مين.
***
خائفة من الفقدان. اعتادت على وجوده بحياتها ليكون لها خير السند والصديق.
دون إرادة أغرقت دموعها وجهها ليشعر بقبضة كبيرة بقلبه.
هذا الضعف البادي عليها يصل إليه شعوره بالعجز.
تبحث عن الأمان بكل مكان بعيداً عنه.
نظرت إليه بقلة حيلة لا تعلم ماذا سيفعل بها.
عدم يعرف أنها أمامه بمفردها دون حماية.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه قبل أن تقول لمحمد بصدق:
_ أنت بالنسبة ليا أمان فضلت أدور عليه سنين طويلة بعد موت بابا وماما. ممكن بعد اللي هقوله دلوقتي ده أنزل من نظرك وتشوف إني إنسانة أنانية. بس صدقني أنا وأنت طوق النجاة لبعض.
لم تقدر على تكملة الحديث. انهارت أكثر وأصبح بكاؤها بصوت.
رق قلب محمد لها ليجذبها إليه قائلاً بقوة ويده تزيل دموعها:
_ وعد أنا مهما عرفت ده مش هيغير وجهة نظري عنك أو حبي ليكي في حاجة. هفضل سندك وأخوكي اللي بتستخبي فيه من الدنيا كلها. بس أنا محتاج أفهم الحقيقة على الأقل أعرف أنا مين.
أومأت إليه عدة مرات ثم أردفت بتقطع:
_ أنا مش هقدر أفيدك في حاجة. أنا معرفش أنت مين. كذبت عليك في المستشفى لما قولتلك إنك صديق عمري وأهلك ماتوا مع أهلي في حادثة. ده مش حقيقي. لما هربت من الكفر شفتك على أول الطريق العمومي واقع والموتور بتاعك فوقك. نزلت من التاكسي وساعدني السواق عشان نروح المستشفى. السواق هرب مكنش عايز يتحمل أي مسؤولية وأنا فضلت جنبك لحد ما فوقت. حسيت إن ربنا بعتك ليا عشان تبقى سندي. إحنا الاتنين كنا محتاجين لبعض. كذبت أنا عارفة بس كانت نيتي خير.
لم تتحمل هذه المواجهة لوقت أطول وتهرب من سماع أي كلمة تؤلمها أكثر لتستسلم لعقلها الباطن وتسقط فاقدة الوعي.
استقبلها بذراعيه القوية بقلب لأول مرة يشعر كيف يكون الخوف.
حملها وعيناه تتفقد وجهها الشاحب وأنفاسها غير المتزنة.
همس باسمها لعل صوته يطمئن روحها:
_ وعد.
***
خرج الطبيب من غرفتها معلقاً لها محلول وحقنة منومة تساعدها على الارتياح.
تعجب جميع من بالبيت الكبير على بقاء سيدهم بجوارها اليوم كله.
يجلس على المقعد المقابل للفراش يتأمل ملامحها الصافية بنقاء.
أول شيء لفت انتباهه لها جمالها الذي تخطي الحدود. رائعة مميزة بكل تفاصيلها.
غابت الشمس وأخذ القمر دوره مكانها وهو كما هو تائه بها.
لم يشعر بمرور الوقت. انغلق العالم عليهم وهذا يكفي.
مثله مثل أي رجل يفقد صوابه أمام امرأة قادرة على سحب أنفاسه من بين حنايا صدره.
يده تجبره لتلمس وجهها ينعم قليلاً بهذا النعيم الطري تحت أصابعه.
ناعمة، سلسة، ساحرة رغم بساطتها.
اقترب منها قليلاً مخرجاً نفسه بقوة من بين شفتيه لترفرف خصلاتها البندقية.
تشبه هي القهوة بكل شيء. لونها، رائحتها، حتى طعمها لذيذ مصاحب لمرارة أكثر إثارة ولذة.
وصل إليها رائحة أنفاسه الرجولية الدافئة مع انتهاء مفعول المنوم.
أجبرتها رائحته على الاستيقاظ لتفتح عينيها بكسل رويداً رويداً.
وجدته أمامها بملامحه الوسيمة التي تخطفها دوماً إليه.
ردت عليه ابتسامته الحلوة بأخرى أكثر حلاوة.
ثانية وعادت إليها ذكريات كل شيء لتنتفض من مكانها.
خسرت حتى محمد.
حدقت به بكراهية شديدة قبل أن تأخذ الدموع مجراها معها.
بلهفة وضع كفه عليها هامساً:
_ اهدي يا وعد مفيش أي سبب للدموع دي. أنا جنبك.
انفجرت به صارخة:
_ مين طلب منك إنك تبقى جنبي؟ أنت قفلت كل الأبواب في وشي عشان أرجع هنا تحت أمرك. ضيعت مني كل حاجة. تقدر تقولي استفدت إيه لما محمد بعد عني؟
أنا أقولك أنت ارتحت منه. عايزني من غير حماية عشان تفرض سيطرتك وجبروتك عليا. أنا مش مراته، ده صديقي وأخويا. ولما عرف بقصتي معاك قالي لو أنت عرفت إني متجوزة هتبعد. بس أنت زدت ظلم وانعدام ضمير. افهم بقى أنا مشيت عشان مش عايزة أفضل معاك. قلتلك أنا مش شبهك ولا ينفع يجمعني بيك طريق. ابعد عني بقى حرام عليك.
كلماتها كانت قاسية أصابت مكانها الصحيح.
شخصيته ليس بها الجانب الحنون المراعي حتى لو روحه بها.
ابتعد عنها سانداً ظهره على المقعد ثم أردف بهدوء:
_ ولما جيتي لحد عندي وقولتي بحبك. وقتها مكنتيش تعرفي إن طريقنا مش واحد وإننا زي المياه والنار؟
حركت رأسها بكل الاتجاهات بطريقة هيسترية مرددة:
_ كنت عارفة إننا مستحيل نشوف بعض تاني بعد ما أنا أمشي. قلبي قالي أقولك مشاعري وقتها عشان يبقى بينا ذكرى حلوة. لكن أنت صممت تجبني هنا.
هل الغضب معدي لينتقل لهيبه المشتعل؟
قام من مكانه ضارباً المقعد الذي كان يجلس عليه ليبقى أربع قطع قبل أن يصرخ بها بجنون:
_ بقولك إيه يا بت أنتي جنان؟ أنا مش ناقص جنان. بلا طريقي بلا طريقك. أنتي بتعشقي التراب اللي أنا بمشي عليه. وأنتي دخلتي مزاجي وعايزك. وأظن مفيش أحسن من الحلال لكل دة. بطلي جنان وفوقي.
ردت عليه بريبة:
_ يعني إيه دخلت مزاجك؟ أنت مش بتحبني.
ابتسم عليها بسخرية.
هي رغم سنها صغيرة لا تفهم معظم الأشياء.
حرك رأسه نافياً قبل أن يستعيد هدوءه مردفاً بجدية:
_ بصي يا وعد أنتي لسة صغيرة ومش فاهمة حاجة. مشاعرك عفوية وبسيطة. أنا راجل قولتلك متجوز قبل كده كام مرة. عشت أي مشاعر ممكن تخطر على بالك وفهمت يعني إيه حب ويعني إيه مزاج. الراجل والست بينهم علاقة جسدية بيستمتع بيها الاتنين تحت إطار الجواز والمودة والرحمة. وعشان الإنسان مش عايز يعلق كل حاجة على العلاقة دي اخترع كلمة بحبك اللي برضه بتوصل في النهاية لنفس العلاقة. أتمنى تكوني فهمتي وطلعتي الأفكار الغريبة دي من دماغك. بلاش نفضل نلعب لأنك بتحبيني زي ما بتقولي وأنا بصراحة بدأت أمل من أفكارك وعقلك الصغير ده. عايزك يبقى عايزك ليه نفضل نلف. أنتي دلوقتي تعبانة ارتاحي لأني خلاص وقت الهزار انتهى.
تصبحين على خير يا وعد. شوية وبت من اللي تحت هتجيب ليكي الأكل والدوا.
***
بصباح يوم جديد استيقظت وعد.
ألقت نظرة عابرة على المكان من حولها ثم أزالت شرشف الفراش من على جسدها لتظهر بيجامتها البنفسجية القصيرة.
تكاسلت يميناً ويساراً ثم قامت من مكانها متجهة للمرحاض.
على الصعيد الآخر.
بالأرض الخاصة بسند الكبير كان يقف يباشر العمال وبجواره رجله الأمين فاخر.
أشار بيده لأحد العمال قائلاً:
_ ماله ده يا فاخر؟ كأنه شغال غصب عنه. وأول مرة أشوفه هنا.
أجابه فاخر بتوتر:
_ ده أبو الولد جعفر بيشتغل في الأرض هنا مكان ابنه لحد ما ابنه يخف من الزفت اللي بقى بيشربه.
صمت فاخر فجأة مع أخذه لتلك اللكمة القوية التي أسقطته أرضاً.
لم يقدر على رفع عينه بسيده الذي تحدث بغضب:
_ مين طلب منك تشغل الراجل اللي اد جدك ده مكان ابنه؟ مين اداك الحق تاخد قرار عني؟
_ يا باشا أنا.
قاطعه بلكمة أقوى من قبلها مردفاً بأمر:
_ غور من قدامي لو عايز تفضل عايش الباقي من عمرك.
اقترب من العجوز الذي يحاول رفع الصناديق من الأرض ليأخذهم منه مردفاً:
_ اقعد ارتاح وبعدها روح بيتك. مرتب ابنك وتمن علاجه لحد ما يرجع زي الأول عليا أنا وحسابك على الكذبة دي أنت وهو بعدين لما تقف على رجليك.
تحرك.
لفت انتباهه صوت هاتفه ليرفعه لأذنه ويسمع الطرف الآخر عدة ثواني قبل أن يقول وهو يجز على أسنانه:
_ إياك تسيبها تخرج وأنا جاي.
بالبيت الكبير.
وقفت أمام الغفير بغضب صارخة:
_ أنت عايز تمنعني من الخروج؟ مين أمرك بكده؟
_ أنا اللي أمرته بكده يا وعد. روح أنت يا عوض.
بخطوات ثابتة أخذ يقترب منها لتشعر بتوتر غريب وتعود للخلف بشكل تلقائي.
رفعت أحد أصابعها تشير إليه بتحذير بعدم الاقتراب.
رفع حاجبه بنصف ابتسامة وتقدم منها أكثر حتى أصبح بينهما خطوة واحدة.
عنيدة وهو يحب هذا العناد إلا أنه ببعض الأوقات لا يحبذ هذا خصوصاً أمام أحد.
صمته هذا بث الرعب بقلبها لتحاول الفرار ليكون كفه هو الأسرع بحبس يدها بين يديه.
يشعر بالثلج النابع منها لا يعلم إذا كان هذا خوف أم نفور.
همس إليها بجملة بسيطة:
_ أعمل فيكي إيه؟
رغم بساطة ما قاله إلا أنها اعتبرت هذا تهديد صريح.
يحاول بشتى الطرق فرض سيطرته عليها ومحو شخصيتها.
استفزازها لأقصى درجة لتحاول إزالة يده بعيداً عنها قائلة بحنق:
_ ابعد ايدك دي عني. مانع خروجي ليه؟ خايف أهرب منك والا حاجة؟
ببرود ضغط على كفها أكثر ثم قال:
_ تهربي من سند الكبير؟ طب إزاي؟ لأ مش خايف تهربي بس عايز أعرف الحلوة رايحة فين في الكفر بلبس العوالم ده من غير إذن.
جزت على أسنانها تخفي ألمها مجيبة عليه بسخرية:
_ آخد إذنك ليه؟ أنا بس شغالة هنا يا سند بيه وخارجة أتفسح عشان هبدأ شغل من الصبح بالمجان لكل الكفر وأبقى آخد المرتب منك يا أبو الواجب يا إبن الأصول.
قرر أخذ هدنة حتى لو لأيام معدودة يرتب بها أفكاره.
تنفس بهدوء ثم أومأ إليها قائلاً:
_ ماشي يا وعد. طلباتك أوامر. اشتغلي مجاني ومرتبك عليا أنا. أهم حاجة عندي راحتك.
حركت وجهها بنفس السخرية قائلة وهي تبتعد عنه بعدما حرر يدها:
_ أنا لا باخد منك الإذن ولا بأطلب منك. ده قراري وبس برضاك أو غصب عنك هعمله.
رواية سند الكبير الفصل الثامن 8 - بقلم سعيد شيماء
بسم الله الرحمن الرحيملا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
رواية عبق الماضيبقلمي روز آمين
الفصل الثامن و العشرون
كان يجلس بجوارها داخل ذلك المكان المُزين بشكلٍ بسيط ببعض أفرع النخيل و البالونات و الزهور،، هذا المكان المُخصص لجلوسهما المسمي " بالكوشة " و التي و برغم بساطة تزيينها إلا أنها سحرت كُل من تطلع إليها
نظر لداخل عسليتاها الساحرة بلهفة و ولع روحه المُشتاقة يتأكل بعيناه كٌل إنشٍ بوجهها الصابح و تحدث بنبرة هائمة ٠٠٠ مبروك يا حبيبتي،، مبروك يا فرحة عمري اللي إكتملت إنهاردة بيكي يا بسمة
كانت تنظر إليه خجلة من نظراته الجريئة المتفحصة لملامحها و كأنهٌ يراها لأول مرة و يٌريد حفرها داخل رأسه للإحتفاظ بهاتحدثت إليه بتساؤل لطيف ٠٠٠ مبسوط يا حسن ؟
أجابها بسعادة ٠٠٠ مبسوط دي كلمة فقيرة أوي قدام اللي أنا حاسة يا بسمة ،، أنا حاسس إني دخلت جنتي و أنا لسه علي الأرض
إشتعل قلبها عشقً و فرحً من كلماته المعبرة و تحدثت بعدم تصديق ٠٠٠ تعرف إني لحد الوقتِ مش مصدقة اللي حصل ،، حاسة إني في حلم جميل و خايفة أوي اصحي منه و ما ألقكش جنبي
أمسك كف يدها الرقيق و ضغط علية بطريقة أذابت قلبها البرئ و تحدث و هو ينظر داخل مقلتيها ٠٠٠ ده مش حلم يا حبيبتي ،، ده أجمل واقع حصل لنا ،، خلاص يا بسمة ، من إنهاردة مش هخرجك من حضني تاني ابداً
إبتسمت بسعادة و تحدثت كي تُغير مجري الحديث كي لا تُزيدها علي حالها و تنهار حصونها أمام الجميع ٠٠٠ ياااه يا حسن ، أنا مبسوطة أوي علشان حلمي هيتحقق بكرة و أخيراً هشوف إسكندرية
إبتسم لها و أردف قائلاً بنبرة حنون ٠٠٠ ربنا يقدرني و أحقق لك كل أحلامك يا حبيبتي
أما منال التي كانت تجلس بجانب والدتها مجيدة التي همست إليها بكبرياء و هي تتطلع إلي ما حولها بإشمئزاز ٠٠٠ ده أية النسب اللي إبن عم جوزك دبسكم فيه ده ؟
و أكملت بكبرياء ٠٠٠ هو ده نسب يليق بعيلة المغربي اللي مناسبه أكبر عائلات إسكندرية،، و عيلة العشري أكبر دليل علي كدة !
و أكملت مستغربه ٠٠٠ ثم إزاي عز يوافق علي المسخرة دي ؟
ثم أكملت ساخرة ٠٠٠ لا و اللي يشوف عم جوزك و هو حاجز للمعازيم طيران خاص و حاجز لهم في أكبر أوتيل في اسوان كلها علشان يباتوا فيه،، يقول إننا هنيجي نلاقي نسب و فرح محصلش و لا هيحصل
تحدثت إليها منال و هي تترقب وتنظر حولها بحذر ٠٠٠ إسكتي يا ماما من فضلك لحد يسمعنا ،، أنا مصدقت إن علاقتي بعز تتحسن و ترجع زي الأول ، و كله بسبب إعتراضي علي المستوي اللي حضرتك شيفاه بعيونك ده
إستغربت مجيدة حديثها و تساءلت ٠٠٠ ليه، هو عز مكنش مُعترض علي الجوازة دي ؟
أجابتها منال بنبرة ساخرة ٠٠٠ معترض ، ده إتخانق معايا و راح نام إسبوع بحاله في أوضة ياسين و طارق علشان إعترضت علي الجوازة و حاولت أتدخل علشان أمنعها بطريقتي
تنفست مجيدة عالياً ثم آسترسلت حديثها بإهتمام قائلة ٠٠٠ سيبك بقا من موضوع حسن و جوازته اللي مش هتفيدنا بحاجة دي و خلينا في المصيبة اللي إحنا داخلين عليها
نظرت إليها منال بهلع و تساءلت بإستفهام ٠٠٠ مصيبة أيه يا ماما اللي بتتكلمي عنها دي ؟
فأجابتها مجيده بدهاء ٠٠٠ إسمعيني كويس وركزي في اللي هقوله لك ده يا منال
نظرت لها منال بتدقيق تنتظر باقي حديثها بتمعن حين أكملت مجيدة قائلة ٠٠٠أنا عوزاكي تخلي بالك من جوزك كويس أوي اليومين دول ،، و عوزاكي تهتمي بنفسك أكتر و تدلعيه و تعلقيه بيكي علي قد ما تقدري ،، مش عاوزة عيونه تشوف ست غيرك في الدنيا دي كلها،، مفهوم كلامي يا منال ؟
تساءلت منال بإستغراب و فضول ٠٠٠ و أية مناسبة كلامك الغريب في الوقت ده بالتحديد يا ماما ؟
إبتسمت مجيدة و أكملت حديثها بطريقة أمرة ٠٠٠ إسمعي كلامي و نفذية من غير نقاش يا منال ،، و كمان عوزاكي تجيبي له طفل تاني
جحظت أعين منال و تحدثت بإستنكار و نبرة مُعترضة ٠٠٠ قصدك طفل رابع يا ماما
ثم ضيقت عيناها بإستغراب وأسترسلت حديثها بتساؤل ٠٠٠ و بعدين أية اللي حصل فجأة كده و خلاكي تغيري مبدأك و تحولي كلامك بالشكل الغريب ده ؟!
إنتِ مش طول عمرك بتقولي لي إتقلي علي جوزك و بلاش تدلقي عليه و تظهري له حُبك علشان مياخدش مقلب في نفسه و يتغر و يتقل عليكي يا منال ؟
أجابتها مجيدة بذكاء و دهاء ٠٠٠ الوضع هيبدأ يتغير يا منال و عرشك في مملكة عز المغربي أصبح في خطر
و أكملت مفسرتً لها مغزي حديثها السابق ٠٠٠ أحمد سلفك خلاص ، بقا علي وشك الموت و كل يوم الموت بيقرب منه أكتر ،، و أكيد حماكي مش هيسيب بنت أخوة اللي لسه في عز شبابها تقعد أرملة كدة و تكمل باقي حياتها لوحدها ،، ده غير ولاد إبنه اللي هيحتاج يطمن عليهم قبل ما يموت هو كمان ، و بالتأكيد هيفكر يجوزها لحد من أولاده
و أكملت بحقد ٠٠٠ و طبعاً لأنها مٌدللة العيلة و بنتهم الوحيدة هيختارو لها أحسن و أقوي واحد من ولادهم علشان يقدر يحمي الولاد و يربيهم كويس ،،
و أكملت بإحباط ٠٠٠ و زي ما أنتِ عارفة عبدالرحمن سلفك طول عمرة ضعيف الشخصية و سلبي وزمش حمل مسؤليه
و أكملت و هي تنظر داخل عيناها بتأكيد ٠٠٠ يبقا العيون كلها هتبقا علي سيادة العقيد ،، الراجل القوي حامي الحمي لأهله
إرتعبت منال و شحبت ملامح وجهها و حولت بصرها سريعً إلي عز الجالس بجانب أبية يتحدثان بملامح حزينة و هذا أصبح الطبيعي لدي جميع العائلة بعدما علموا بمرض عزيز أعينهم و غاليهم
تساءلت منال بإرتياب ٠٠٠ تفتكري يا ماما إنهم ممكن فعلاً يفكروا في كده ؟
أجابتها مجيدة بيقين و تأكيد ٠٠٠ أنا متأكدة إنهم مش هيفكروا غير كده ،، و لو مكنوش هيفكروا في ده علشان خاطر خوفهم علي بنتهم و ولاد إبنهم ، يبقا هيفكروا علشان الورث الكبير اللي هيورثوة أولاد أحمد بعد ما حماكي قرر يخالف شرع ربنا و يكتب لهم نصيب أحمد كامل علي حسب كلامك اللي بلغتهولي ، و ده طبعاً غير اللي ثريا نفسها هتورثه من الحاج صلاح
و أكملت بتذكير لإبنتها ٠٠٠ إنتِ ناسية إن أهل جوزك من أغني أغنياء إسكندرية ،،ده كفاية بس الأراضي و جناين الفواكة اللي بيملكوها
و أكملت بتساؤل ٠٠٠ تفتكري يا منال بعد كل اللي قولتهولك ده أهل جوزك هيترددوا لحظة واحدة من إنهم يجبروا عز علي جوازة من أرملة أخوة ؟
و طبعاً لأن جوزك عامل لي فيها حامي الحما هيوافق مٌرغم علشان يحافظ علي الأولاد
إرتعبت منال و ظهر الهلع فوق ملامحها و أمسكت كف يد والدتها و تحدثت إليها بإستعطاف ٠٠٠ و العمل أية يا ماما ،، أنا ممكن أموت فيها لو ده حصل و عز لمس ست غيري
ربتت مجيدة فوق كف يدها و أردفت بإبتسامة مُطمأنة إياها ٠٠٠ إهدي يا منال ، أنا مش عوزاكي تخافي طول ما أنا و بباكي جنبك ، بس أهم حاجه تسمعي كلامي و تنفذية بالحرف الواحد ،، و أهم حاجة لازم تعمليها و فوراً هي إنك تشيلي الوسيلة و تحملي ،، و ياسلام لو الحظ كان حليفك و جيبتي لهم ولد ثالث
و أكملت مبتسمة بإستهزاء ٠٠٠ ما أنتِ عارفه إن الفلاحين مفيش حاجة بتسعدهم و بتعزز مكانة الست عندهم قد خلفة الصبيان
إبتسمت لوالدتها و أماءت بموافقة و شعرت بالإطمأنان و نظرت أمامها في ثبات تنظر بكبرياء للحضور كعادتها
___________________
كانت تقف أمام المشعل داخل المطبخ تبكي بمرارة علي حال زوجها و ما أوي إليه و هي تصنع لحبيبها الطعام الخاص به و بها أيضاً ، فمنذٌ أن إشتد علية المرض و أمتنع من تناول معظم الأكلات إلا من البسيط منها ، و هي تشاركه وجباتة كي لا يشعر بالحرمان و الملل و السخط
و من حيثُ الجانب النفسي كان هذا عقابها التي أختارتة لنفسها علي تقصيرها الغير مقصود الذي سيٌكلفهم هي و معشوقها و غواليهم الثلاثة ثمنً باهظً ،، ألا و هو فقدان حياة معشوقها و متيمُ عيناها ،، ستخسرهٌ للأبد هي و غواليها اللذين سيصبحون بدون سند ،،بدون حماية ،،بدون حنان ،،بدون أب و هم في بداية عمر الزهور
جففت دموعها بكفيها و نظرت للأعلي تطلب من الله سبحانه و تعالي أن يمدها بالصبر كي تتحمل ما هي عليه
رصت أواني طعامهما فوق الصَنية المخصصة بعناية و أهتمام ثم أخذت نفسً عميقً و زفرته بهدوء في محاوله منها بتهدئة حالها ،، ثم حملت الصَنية بين يديها و تحركت بها إلي خارج المطبخ ،
وجدته يجلس بجانب يسرا و رائف و يحمل بين ساعدية صغيرته نرمين التي بالكاد أكملت شهرها السابع ، كان يٌزيدها من قبلاته التي يتيقن أنها ستٌحرم منها و للأبد في القريب العاجل
وضعت الطعام فوق الطاولة الموضوعه بالصالة و تحركت إلية قائلة بنبرة حنون و هي تحمل عنهُ صغيرتها و تُعطيها إلي يٌسرا التي حملتها بحنان ٠٠٠ يلا يا حبيبي علشان ناكل و تاخد علاجك
ثم نظرت إلي يٌسرا و تحدثت مٌحذرتً إياها بهدوء ٠٠٠ خلي بالك من أختك يا حبيبتي و أوعي توقع منك !
تحدثت الصغيرة إلي والدتها بإبتسامة حنون ٠٠٠ ما تخافيش يا ماما ، أنا هدخلها جوة حضني أوي و أمسكها كويس علشان مش تقع مني
و أكمل رائف بنبرة طفوليه لطفل بالكاد أكمل عامه الثالث والنصف ٠٠٠ مش تقلقي يا ماما ،، أنا كمان هخلي بالي منها علشان الوَحش ميجيش و يخطفها
إبتسم له أبيه و ملس علي رأسة و قبلها بحنان كمودع ،، و تحرك بجانب حبيبته ليتناولان طعامهما و ذلك بعدما أعدت ثريا الطعام لطفليها يسرا و رائف و أطعمتهما بعيداً عن مرمي والدهما
يتبع عرض أقل