أصابها الهلع.. تشعر بلمسته، يعانق جسده الصلب جسدها الطري، أنفاسه تتجول على خصلاتها ترعبها وتزيد رغبتها في البكاء. يا ليتها كانت حبة من الملح لتذوب بتلك اللحظة بلا عودة مرة أخرى.
ارتجفت شفتيها ليغمز إليها قبل أن يضع أصابعه على شفتيها يمنعها من الحركة هامسا بفحيح:
_ كنتي فاكرة إنك ممكن تهربي العمر كله عن سند الكبير يا وعد.
لطالما عشقت اسمها من بين شفتيه، ولكن الآن يطوف بداخلها نفور كبير منه. حركت وجهها ليبعد كفه عنها قائلة من بين أنفاسها المتهدجة:
_ ابعد ايدك دي عني، مش من حقك تقرب مني يا كبير أنا ست متجوزة.
لو كانت ظلت على الوضع الصامت لكان أفضل بكثير لها، لما ذكرته بكارثة فعلتها بعد كارثتها الأولى بالهروب منه. بالفعل تركها وذهب إلى خزانة ملابسه يخرج منها طقم مريح للنوم ثم ألقى به على الفراش.
رفعت حاجبها بذهول من هذه الوقاحة صارخة:
_ أنت بتعمل ايه، اطلع برة.
نظر إليها بسخرية مجيبا:
_ الأوضة دي بتاعتي أنا، أروح فين.
تخافه هذه حقيقة لا يوجد جدال بها، إلا أن غضبها تخطى هذا الخوف لتقترب منه بغضب:
_ ولما هي أوضتك أنا بعمل فيها إيه؟!.. أخرج برة بدل ما أصرخ ومحمد ييجي.
قهقه بمرح قائلا:
_ محمد يعرف، عموماً مش محمد بس اللي هيعرف، ده البيت الكبير كله والخدام اللي أكيد هيقولوا إنك دخلتي هنا بمزاجك تحت عنيهم. والفضيحة هتبقى صعبة خصوصاً بروب الحمام بتاعي اللي ملفوف على جسمك.
انتبهت للتو فقط أنها شبه عارية أمام عينيه التي تأكلها وتلتهم تفاصيلها. شهقت بقوة وهي تضع كفها على صدرها تحاول الفرار إلى المرحاض إلا أنه كان الأسبق على الباب:
_ على فين من امتى حد يمشي وسند الكبير واقف.
على يقين من جنون فعلتها، أخفضت وجهها لعدة لحظات قبل أن تردف بضعف:
_ أنت جبتني هنا ليه؟!.. عايز تقتلني صح.
رفع يده ليزيل باقي منشفة الرأس المتعلقة بخصلاتها البنية يتأمل ملامحها عن قرب كأنه لأول مرة يراها، منبهر بوجهها الأبيض المستدير وملامح وجهها البسيطة، كأنها إحدى أميرات العصر القديم. ضرب مقدمة أنفها بأحد أصابعه قائلا:
_ الموت هيكون رحمة كبيرة ليكي وليا، وأنا لا عايز أرحمك ولا حتى أرحم نفسي.
مثل الفأر دلفت إلى المصيدة بقدميها، ولا تشعر أنها بأول خطوات النهاية. لا تعلم من أين أتت لها تلك القوة التي تجعلها صامدة. أردفت بأنفاس متلاحقة:
_ من أول مرة شوفتك فيها قولت عليك مريض ولازم تتعالج عند دكتور نفسي، بس دلوقتي بقولك إن حالتك محتاجة إقامة الباقي من عمرك في مستشفى الأمراض العقلية.
أومأ إليها مؤكدا بهدوئه المعتاد:
_ وقتها هتكوني في الأوضة اللي جنبي، مش أنا وعدتك إنك هتفضلي جنبي على طول قبل كدة.
نظرت إليه بغل قائلة:
_ الموت عندي أهون بكتير من إني أبقى جانبك يا كبير.
عاد ليقرص أنفها مرة أخرى هامسا:
_ دخلتي كفر عتمان بمزاجك يا دكتورة، وهربتي منه برضو بمزاجك يا دكتورة، بس دلوقتي النفس اللي بين صدرك خروجه بإذن مني أنا.
_ أنت قاتل وأنا وأنت عمرنا ما كان طريقنا واحد أبداً.
ابتعد عن باب المرحاض قائلا بقوة:
_ مين قالك إني بس اللي قاتل، والغفير مات على إيد مين يا دكتورة، مش على إيدك؟!
يكذب، هي على يقين من كذبه. ليلة ضربها للغفير يوم هروبها كانت تعرف بأي مكان تضربه، فقط أرادت أن يفقد الوعي ليس أكثر. حركت رأسها عدة مرات تنفي ما يقوله، إلا أنه ثبت وجهها بضغط كفه على عنقها مردفا:
_ عايزك تخافي يا دكتورة وعد، عشان اللي جاي نار لازم تنطفي بحرق حد، خافي.
تركها ثم اتجه إلى باب الغرفة ملقيا عليها نظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة قائلا:
_ بعد ساعة هييجي المأذون يطلقك من حبيب القلب، وفي نفس اللحظة هنتجوز. البكر مالهاش عدة يا دكتورة. ممنوع تخرجي من الأوضة إلا بأمر من سند الكبير، لو عايزة التاني يخرج من هنا فيه نفس.
على الصعيد الآخر بالشقة القائم بها محمد. انتهى من ترتيب ملابسه وأخذ بعدها حمام دافئ يريح به أعصابه. منذ أول خطوة له بتلك الشقة ورأسه تكاد تنفجر، صداع حاد لا يعرف له سبب. بدل ملابسه ثم قرر بها التجول بالحديقة بهذا الجو الهادئ لعل الهواء النقي يريح أعصابه. المكان رائع والسماء صافية. جلس بجوار أحد الزهور متأملا ما حوله. تعجب من جلوس أحد بجواره. نظر بطرف عينه ليرى فتاة، يا سبحان من خلقها بتلك الصورة. عينيه تعلقت بها وكأنه لأول مرة يرى فتاة جميلة. اتسعت عيناه بذهول من تعلق يدها بذراعه بطفولية وعينيها غارقة بالدموع. ابتلع ريقه متوترا من حركة كفها الصغير على ذراعه هامسة بنبرة لعبت على أوتار روحه:
_ عروستي راحت مني وأنا مش عارفة هي فين، عايزاها وبدور عليها من كتير أوي.
همت الصغيرة راحت مني. حاول الابتعاد عنها، يبدو أنها فاقدة للأهلية من طريقتها بالحديث. دار بالمكان حوله يبحث عن أحد يأخذها منه إلا أنه لم يجد. زاد بكاؤها وألقت بجسدها بين أحضانه. رحب بهذا الاندماج الجسدي، يشعر بحاجته هو الآخر لأخذها بين حنايا صدره. حرك يده على ظهرها هامسا:
_ اهدي يا آنسة وقوليلي أنتِ بنت مين هنا أو أقدر أساعدك بإيه.
زاد تعلقها به أكثر رغم محاولته في الابتعاد عنها مردفة من بين شهقاتها:
_ عايزة عروستي همت الصغننة.
وضع يديه على يديها يفك تلك العقدة التي تزين عنقه بأصابعها قائلا بنبرة متهدجة:
_ طيب أهدى وبطلي عياط يا صغيرة أنتي، إيه رأيك تمسحي دموعك الحلوة زيك دي عشان تبقي بنت شاطرة وتقومي معايا ندور على همت الصغيرة.
ابتعدت عنه تنظر إليه ببراءة شديدة. ظلت صامتة مترددة لعدة ثوان تفكر بحديثه ثم ابتسمت باتساع متحمسة قبل أن ترفع يديها تزيل بهما بقايا دموعها قائلة:
_ عندك حق، ماشي يلا بقى قوم معايا ندور على همت الصغيرة قبل ما حد من الوحشين ياخدها مني.
قام معها بقلة حيلة. انبهاره بها تحول إلى حالة كبيرة من الشفقة. يسأل لماذا فتاة مثل الوردة الجوري تبقى هكذا. تعلقت بيده مرة أخرى ويا ليتها لم تفعل. انتفض من تلك الرجفة التي أصابت جسدها وجسده.
ساعة ونصف يبحث معها على تلك الدمية بلا فائدة. بدأت تفقد الأمل وعادت للبكاء قائلة:
_ عروستي ضاعت، الأشرار أخدوا العروسة مني.
بالفعل هو عاجز على التعامل معها. حرك يده على رأسها مردفا بهدوء:
_ اهدي، ممكن أجبلك واحدة جديدة خالص.
حركت رأسها نافية بقوة وبدأت تدلف بحالة من الانهيار الكلي صارخة:
_ لا لا لا، أنا مش عايزة غيرها، أنا عايزة همت الصغيرة بس.
علا صراخها. أتى الحرس الذي وجد نفسه في دقيقة واحدة محصور بينهم واسود العالم من حوله، وآخر ما وصل إلى أذنيه صوتها فقط.
هل قتلت روح؟ سبب هروبها أنها رأته يقتل، هل أصبحت مثله؟ جلست على الفراش وجميع أنحاء جسدها منهارة. أزرق من الثلج المحيط به. أغلقت عينيها تلعن تلك اللحظة التي جعلها الحظ تسقط بين يديه.
فلاش باك.
بأحد الأماكن البسيطة على النيل نظرت وعد إلى صديقتها صافية بعدم استيعاب قائلة:
_ يعني إيه يا صافية كلامك ده، عايزاني أروح أشتغل في كفر عند واحد رافض شغل الستات، ده كلام.
حدقت بها صافية لعدة لحظات لا تعرف كيف تقنعها وهي نفسها غير مقتنعة، ولكن ما باليد حيلة. أخذت نفس عميق قبل أن تجيبها بهدوء:
_ وأنا أعمل فيكي إيه يعني، روحتي ضربتي الدكتور خالد زميلنا واترفدتي من المستشفى، ومفيش مستشفى راضية بيكي دلوقتي، كله منك ومن لسانك وأيدك. وعد أنتي مش بس هتروحي كفر عتمان الكبير، أنتي كمان تنسي خالص موضوع إنك ست ده.
حركت رأسها بفهم مفتوح تريد منها الفهم بشكل أكبر لتكمل الأخرى حديثها بتوتر:
_ هتروحي على إنك راجل زي فيلم للرجال فقط، كل حاجة هتكون جاهزة، تعملي نفسك راجل وتشتغلي دكتورة للرجالة اللي شغالة معاه زي الطوارق كدة لحد ما.
قاطعتها وعد بسخرية:
_ لحد ما إيه؟!.. يعرف وأروح أنا في داهية مش كدة. أنا مستحيل أقبل بالجنان ده.
بعد مرور أسبوع واحد كانت تنظر إلى هيئتها في المرايا، اليوم أول يوم لها تحت مسمى الطبيب شاكر. ابتسمت على حالها بسخرية. بالفعل مظهرها كوميدي وربما مكشوف أمام الأحمق. شارب كبير، خصلات رجولية مستعارة واضحة مثل الشمس، وفوق كل هذا وذاك حواجب مثل فرشة الأسنان بالإضافة إلى ذقن تصل إلى مقدمة صدرها.
خرجت من الغرفة لتجد صديقتها تكاد تنفجر من الضحك قائلة بصعوبة من بين ضحكاتها:
_ بجد يا وعد شكلك مسخرة، أنا مش قادرة آخد نفسي من شكلك، بس كدة زي الفل يا بت، مش باين أي حاجة من ملامحك. باقي بس صوتك، حاولي يبقى خشن بلاش سهوكة بدل ما تشرفي على الأسفلت.
رفعت حاجبها ساخرة قبل أن تحمل حقيبتها مردفة وهي تتجه إلى باب المنزل:
_ دمك زي الزفت مش خفيف خالص على فكرة، يلا قدامي خليني ألحق القطر وأغور في ستين داهية من وشك.
أربع ساعات مروا عليها مثل الأعوام. قلبها يحثها على العودة إلى بيتها تنعم هناك بالأمان والدفء، وعقلها يأمرها بتكملة هذا الطريق الذي بدأته؛ لتأتي بالمال فحتى بيتها الدافئ لا تستطيع العيش به دون مال. نظرت إلى المكان حولها بتوتر من أول خطوة لها بهذا الكفر. سؤال واحد يدور برأسها: أين نساء هذا المكان؟!. اقتربت من أحد الرجال قائلة بنبرة حاولت أن تجعلها رجولية بقدر المستطاع:
_ فين بيت سند الكبير لو سمحت.
انتفض الرجل من مكانه قائلا:
_ بيت سي سند عايزه ليه يا أخ.
_ أنا الدكتور الجديد ومحتاج العنوان مش أكتر، اهدى حضرتك متوتر ليه.
سار الرجل أمامها مردفا برعب:
_ أنت الحكيم الجديد، الله يكون في عونك. يلا أوصلك على أول شارع البيت الكبير وكمل أنت، ممنوع حد من أهل الكفر يدخل شارع البيت الكبير.
بعد هذا الحديث تمنت لو بقدرتها العودة وكأن شيئًا لم يحدث. تركها الرجل على أول هذا الشارع الطويل لتبدأ رحلتها لهذا المنزل. شعرت ببعض الأمان مع سماعها إلى أذان العشاء تؤكد لنفسها أن الله معها. أردفت بداخلها بذهول من هذا المنظر الخاطف للأنظار:
_ يا الله على الجمال، معقول ده بيت عادي جوا قرية في الريف.
سمعت صوت كلاب خلفها لتدور بجسدها صارخة بفزع قبل أن تلقي بنفسها بأحضان هذا الغريب صارخة:
_ يا مامي كلاب.