تملكته الصدمة لعدة لحظات مع رؤيته لخطيب شقيقته الهارب بليلة الزفاف، زوج وعد.
ترك المخزن مشيراً للغفير بغلق الباب، صاعداً إليها والدماء تغلي برأسه.
فتح باب غرفتها لتقوم من فراشها برعب، تحاول ستر جسدها التي تظهر بعضه ملابسها البيتية المكونة من فستان نوم يصل إلى بعد ركبتها وبدون أكمام.
رفعت الغطاء عليها قائلة بذهول:
_ إيه قلة الأدب دي، إزاي تدخل كدة هي وكالة من غير بواب.
عقله بعيداً كل البعد عن تفكيرها الأحمق. هو لا يرى جسدها من الأساس أو يركز به. واقف عند نقطة واحدة، أهي هربت بليلة زفاف شقيقته مع زوجها؟
هل هي حقيرة لتلك الدرجة دون أن يأخذ حذره منها؟
أغلق الباب بساقه وعيناه تضرب عينيها مثل الرصاص. جذبها من مقدمة ملابسها لتقف أمامه ثم قال:
_ جوزك ده اتعرفتي عليه إمتى وإزاي، انطقي.
لم تفهم نبرة صوته ولا حتى نظرة الاتهام الواضحة بعينيه. ابتلعت لعابها بخوف قائلة:
_ ووو… وأنت مالك بج.
قاطعها بكفه الذي ضرب به فمها بخفة. لا يوجد أي وقت للعناد والمناقشة. قلبه يحترق وكل ما يريده الآن الارتياح. تحسن صورتها أمامه بأي كلمة وهو سيصدقها.
لمعت عيناه بالشر قائلاً من بين أسنانه:
_ بلاش لف ودوران كتير، الزفت اللي تحت ده أول مرة شوفتيه كانت إمتى وفين، وإياكي تكذبي سامعة إياكي.
عضت على شفتيها بوجع خفيف. يستحيل أن تقول الحقيقة. تعبيرات وجهها درسها بشكل دقيق. متوترة، خائفة، تحاول الهروب. تفكر بكذبة تخرج بها من الموقف رغم تحذيره لها بعدم الكذب.
صمت مريب ينتظرها وهي لا تجد إجابة إلا أن صريخه بها أفاقها:
_ ووووعد.
نطقه لاسمها بتلك النبرة والنظرة بها تحذير واضح. أزالت يده من على فمها ثم أردفت بنبرة متهدجة وأنفاس متسارعة:
_ دي حاجة خاصة، أنت دخلك فيها إيه؟ عايز تلعب وتضيع وقت في قصة حياتي واتعرفت على جوزي إزاي عشان بس يفضل محبوس عندك. قولتلك قبل كدة خليني أمشي أنا وهو من هنا من غير غدر.
من منهما الذي يريد اللعب؟ هو أم هي التي تلعب ببراعة؟
ابتعد عنها مبتسماً نصف ابتسامة حكمت على نفسها بالإعدام وخسرت جزء كبير من قلبه.
أغلق باب الغرفة بالمفتاح من الداخل ثم اتجه إلى المرحاض ليقف مع حديثها الغاضب:
_ أنت بتعمل إيه ورايح فين بالظبط.
أجابها بسخرية:
_ سلامة النظر، عندك ضعف فيه وإلا إيه؟ زي ما أنت شايفة داخل حمام أوضتي عشان أستحمى قبل ما أنام.
صرخت به بجنون يفقدها دائماً صوابها ويأخذها إلى طريق مغلق:
_ لا دي شكلها هبت منك على الآخر، عايز تنام في أوضة نوم واحدة مع ست متجوزة راجل تاني.
وضع المنشفة على عنقه من الخلف قائلاً ببراءة لا تليق أبداً به أو بما يرتبه لها:
_ اثبتي إنك متجوزة من راجل تاني وهاتي قسيمة جوازك وبطاقة جوزك، وقتها بس هتبقي مرات راجل تاني. غير كدة أنتي ملك سند الكبير يا وعد.
قسيمة زواج؟ بطاقة زوجها؟
توقف عقلها عن التفكير للحظات أو ربما لدقائق أو ساعات. بكلمات بسيطة أدخلها بدوامة ليس لها نهاية. لم تشعر بنفسها إلا وهو يضرب خدها بهدوء مردفاً:
_ إيه، روحت فين يلا زي الشاطرة تاخدي مخدة والغطا اللي مكفنة نفسك بيه ده وعلى الأرض أو الكنبة اختاري.
***
قامت من حضن جدتها النائمة بجوارها، تريد الذهاب إلى ذلك الغريب الذي كان يبحث معها عن عروستها. سعدت كثيراً باللعب معه. أخذت تتحرك على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها من بالمنزل.
دارت حول نفسها بخوف. يا ليتها تعود إلى غرفتها وتلعب معه بالصباح. جزت على أسنانها بطفولية وغيظ، فهو غير موجود ببيته. أين هو وكيف تصل إليه الآن؟
رأت الغفير يقترب منها بتوتر قائلاً:
_ ست الناس، تؤمري بحاجة؟
أومأت إليه بحزن قائلة:
_ فين اللي كان هنا الصبح؟ أنا عايزة أشوفه.
بلهفة أشار لها الغفير عن مكان وجوده مردفاً:
_ اتفضلي يا ست الناس، هو جوا هنا. تعالي معايا.
ذهبت خلفه بحماس لرؤيتها إليه من جديد. دلفت لتجده جالساً على الأرض مغلق العينين. عقدت حاجبيها بتعجب مردفة وهي تقترب من محل جلوسه لتجلس بجواره:
_ أنت نمت من قبل ما ندور على العروسة، قوم بقى عشان أقولك أنا لقيتها فين.
فتح عينيه مبتسماً. تلك الفتاة لغز عجيب، إلا أنه مستمتع بالعودة إلى سنوات من الطفولة معها. طفل صغير يبحث عن لعبته وهذه أكبر مشاكله. يا الله لا يوجد أجمل من ذلك.
اعتدل بجلسته حتى يكون مقابلاً لها ثم قال بحماس:
_ لقيتي العروسة يا أستاذة همت.
حدقت به بغيظ قائلة:
_ إيه أستاذة دي؟ بتتريق عليا عشان أنا مش بحب المذاكرة.
حرك رأسه بسرعة نافياً، لا يريد إغضابها. فقط يود قضاء أكبر وقت ممكن معها. أجابها:
_ لأ مش بتريق عليكي. قوليلي الأول لقيتي العروسة فين وبعدين ابقي قوليلي مش عايزة تذاكري ليه، ماشي.
أومأت إليه وبدأت في الحديث معه بعفوية. تتعامل كأنها تعرفه من سنوات رغم خوفها من الجميع حتى أقرب الأقربين. تخشى التعامل مع أي شخص بالمنزل بخلاف سندها وجدتها وهذا الغفير الذي كان يتحدث معها، فهو بداخل منزلهم من سنوات.
ضحكت بمرح متحدثة:
_ العروسة مكنتش ضايعة، أنا بس نسيت إن أبيه سند أخدها يعالج عينيها، وجابها دلوقتي من عند الدكتور.
رد عليها باهتمام شديد:
_ طيب والمذاكرة اللي عليكي بقى يا شاطرة مش بتذاكري ليه؟
مدت شفتيها إلى الأمام بحزن:
_ الكلام صعب عليا، أنا مش بحب الحاجات دي، بس أبيه سند مصمم وكمان الميسات كلهم وحشين ومش بيحبوا همت أبداً أبداً.
من ذلك الأحمق الذي لا يحبها وهي قابلة للأكل بمظهرها وبساطتها تلك؟ نهر نفسه بشدة، أهو ينظر إلى فتاة مريضة ببراءة طفلة لا تعي أي شيء عن أفكاره القذرة.
انتبه إلى حركة كفها أمام وجهه بغضب:
_ روحت فين مش بترد ليه، بتنام وأنت قاعد وإلا إيه؟
ابتسم إليها ثم قال بلا وعي:
_ إيه رأيك لو أذاكر ليكي أنا بدل المدرسين.
_ بجد؟ طبعاً موافقة.
***
في الثانية بعد منتصف الليل.
جسدها يطلب النجدة من شدة الألم الذي يأكلها. الأرض كسرت عظمها. اعتدلت بجلستها، شهقت من الاعتدال فجأة. أخذت تلعنه من بين أسنانها وتلعن اليوم الأسود الذي رأته به. وضعت كفها على رقبتها وظهرها هامسة بغل:
_ الله ياخدك يا بعيد، مش عارفة أتحرك. أقوم إزاي أنا بس.
قامت مثل شخص قائم من حادث سير. تنظر للفراش الذي ينام عليه الآخر بسلام. لم تشعر بنفسها إلا وهي تأخذ الوسادة من على الأرض وتلقي بها على وجهه بغضب قائلة:
_ معدوم الرجولة بقى نايم مرتاح كأنها أوضتك وسيبني كدة على الأرض، ومعدوم الدين كمان مخمود معايا في نفس الأوضة يا واطي.
_ خلصتي قلة أدب وإلا لسة؟
اتسعت عيناه من استيقاظه وسماعه لها مع أن صوتها منخفض. أخذ الوسادة من على وجهه ثم ألقاها بكل سهولة على هدفه المحدد لتستقر على وجهها.
صرخت بوجع قوي قائلة:
_ إيه يا جدع أنت فاكر نفسك بتهزر مع غفير من بتوعك، وشي وجعني.
أجابها بسخرية وهو مازال متسطح:
_ مهو أنا مش عايزها، بس توجعك عايزها تكسر رقبتك. بس أوعي تخافي هجبسك عند الدكتور فتحي في الزريبة تحت.
لماذا لم تنقض عليه وتنزل بكفها الرقيق على وجهه لتريح قلبها؟
بالحقيقة لا تعلم. لا هي تعلم، خائفة من جبروت هذا الرجل. رفعت رأسها بشموخ مردفة التشهد قبل أن تجيبه:
_ وأنت بقى يا سند بيه فاكر إن أي دكتور ينفع معاك ينفع معايا؟
هبت بعدها عاصفة لتغلق عينيها بقوة منتظرة الضربة من أي مكان بلا سابق إنذار. طال انتظارها ولم تشعر بشيء. فقط تسمع تكسير أشياء من حولها. فتحت عين ترى بها ما يحدث والأخرى مغلقة بأمان، لتجده كسر الطاولة الموضوعة بجانب الفراش. عادت إلى إغلاق الاثنتين مرة أخرى.
حاول بقدر المستطاع السيطرة على رد فعله، رغم أنه مستمتع بها إلا أنها تخطت جميع الحدود. ضرب الطاولة ضربة واحدة ليريح أعصابه المشدودة قليلاً. بالنهاية لم يتحمل، يريد التهام تلك الفتاة ليتخلص منها.
قام من على الفراش بخطوات سريعة قبل أن يجذب الغطاء الموضوع بأحضانها إليه لتأتي مع الغطاء بشكل لا إرادي. ابتسم رغماً عنه مع مظهرها الطفولي الرائع قائلاً بهدوء:
_ اتعلمي لما تكوني مش قد الكلمة إياكي تخليها تخرج من بين شفايفك، لأنها هتكون خلاص اتحسبت عليكي ولازم تتحملي رد الفعل.
افتحي عينيك.
هزت رأسها برفض ليهمس لها بخبث ذكوري واضح من اللهجة والتلاعب بالكلمات:
_ شكلك كدة بيقول حاجات مش كويسة، أنتي صاحية في نص الليل وعملتي كل ده ليه يا وعد؟ مش أنا قولتلك قبل كدة يا روحي ماليش في الحرام.
نجح بمهارة بإثارة غضبها. فتحت عينيها قائلة بنبرة غاضبة:
_ أنت تقصد إيه؟ احترم نفسك، أنا صحيت من وجع ضهري وجسمي مش أكتر، ولما لقيتك نايم مرتاح قولت أديك حاجة على دماغك عشان أقلق منامك زيي. أوعى دماغك تروح لتفكيرك القذر زيك ده.
ضم شفتيها على بعضهما بكفه قائلاً بغيظ:
_ أنتي عارفة لو تبقي خرسة يا بت هتعيشي حياتك بسلام رهيب. يلا غوري اتخمدي مش عايز أسمع عليكي نفس تاني. عدي ليلتك اللي شبه الكفن اللي لافة نفسك بيه ده.
_ ولو قولت مش هتنام معايا في أوضة واحدة لو مش خايف مني أو من الراجل الغلبان اللي مستقوي عليه وحابسه تحت ده. ومحلل لنفسك تنام مع مراته في أوضة واحدة؟ خاف من ربنا، وإلا مش خايف منه تبقى مصيبة.
أصابته بمكان قاتل بكل براعة. ضغط على كفه بقوة عجز عن إصدار أي ردة فعل. أخذ ينظر إليها لبضع ثوانٍ لترد إليه النظرة بأخرى متحدية. تغيرت معالم وجهه بشكل كامل وارتفعت دقات قلبه بعنف. ابتعد عنها سريعاً متجهاً لباب الغرفة قبل أن يردف بقوة:
_ خدي بالك المهزلة دي مش هتفضل كتير، أنا صابر بمزاجي يا دكتورة، والغلبان اللي تحت ده لسه حسابك عليه مجاش، ولو طلع اللي في بالي صح هخرج بروحك. اتخمدي.
***
بعد مرور ساعة أخرى.
ارتدت ملابس الخروج خاصتها تاركة كل ما يخصها هنا، حتى ملابسها لا تريدها. فقط ستأخذ محمد وتعود إلى الإسكندرية من جديد.
نزلت إلى الحديقة لتجد الغفير يجلس بمكانه مثل العادة. أخفت نفسها خلف الجدران منتظرة معجزة من السماء تجعله يقوم من هنا. مرت ساعة أخرى وبدأ أذان الفجر ينتشر بالكوخ. أخذت نفساً مرتاحاً مع قيام الغفير للصلاة.
ذهبت سريعاً لتلك الغرفة التي رأت سند يعذب بها أحد الرجال من قبل لتجد بابها شبه مفتوح. تعجبت بالبداية إلا أنه لا يوجد أي وقت للتفكير. دلفت لتجد محمد نائماً براحة شديدة. عضت على شفتيها بغضب وهي تضربه بصدره هامسة من بين أسنانها:
_ قوم يا موكوس، ليك قلب تنام وأنت مخطوف كأنك نايم في بيت أبوك.
استيقظ الآخر بفزع من حركتها تلك ووجدها أمامه ليقول بعدم فهم:
_ وعد، أنتي بتعملي إيه هنا؟ لو الكبير شافك هيطلع بروحي وروحك.
ضربته من جديد قائلة:
_ الله يكسفك يا شيخ، فين رجولتك وأنت خايف منه كدة؟ بقى ده كلامك ليا زمان أنا سندك وضهرك ومحدش هيقدر يقرب منك.
_ هو ده وقت حساب يا وعد، أنا متنيل على عيني مربوط هعملك إيه ده أنا مش قادر أدافع عن نفسي. أنتي قولتي إنه مفتري بس مقولتيش إنه لما بيجوع بيأكل فخد بني آدم.
أغلقت عينيها لعدة ثوانٍ فهذا الرجل لا يوجد به أي فائدة. ثم فتحتها مرة أخرى مردفة بنفاد صبر:
_ طيب يلا يا سبعي نهرب قبل ما الغفير وسيد سند ما ييجوا من صلاة الفجر، خليني أنقذك وأنقذ نفسي.
أجابها بضيق:
_ نمشي ليه بس يا وعد؟ أنا لقيت شغل كويس هنا، هدي همت دروس.
صرخت فجأة بغل:
_ محمد، أنا مش بهزر، سند ممكن يقتلك، قوم بقى.
_ جوزك بنفسه مش عايز يمشي يا دكتورة. القعدة هنا جات على مزاجه.