تحميل رواية «سمينة ولكن» PDF
بقلم اماني خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تبعث الشمس أشعتها الصفراء تتسلل من ثغرات نافذة غرفتها الواسعة، لتداعب وجهها إلا أنها سقطت على فراش بارد خالٍ. تخرج من مرحاضها والماء يتساقط من جسدها الرخو، علها تشعر ببرودة المكيف، لكنها محاولة أخرى بائت بالفشل. ارتدت ملابسها الكبيرة ودنت من حائط يفترش أسفله بالزجاج المهشم، كقلبها المدمي. جثت بصعوبة والتقطت إحدى الصور التي تجمعها مع زوجها. هطلت دموعها حسرة، ليس على من سحق كرامتها تحت قدميه، بل على نفسها لتقديم عمرها قربانًا قربَه. "مش عارفة ألومك ولا ألوم نفسي. ألومك إزاي وأنت اتعودت أطبطب وأشيل...
رواية سمينة ولكن الفصل الأول 1 - بقلم اماني خالد
تبعث الشمس أشعتها الصفراء تتسلل من ثغرات نافذة غرفتها الواسعة، لتداعب وجهها إلا أنها سقطت على فراش بارد خالٍ.
تخرج من مرحاضها والماء يتساقط من جسدها الرخو، علها تشعر ببرودة المكيف، لكنها محاولة أخرى بائت بالفشل.
ارتدت ملابسها الكبيرة ودنت من حائط يفترش أسفله بالزجاج المهشم، كقلبها المدمي. جثت بصعوبة والتقطت إحدى الصور التي تجمعها مع زوجها.
هطلت دموعها حسرة، ليس على من سحق كرامتها تحت قدميه، بل على نفسها لتقديم عمرها قربانًا قربَه.
"مش عارفة ألومك ولا ألوم نفسي. ألومك إزاي وأنت اتعودت أطبطب وأشيل مكانك وأستخصر في نفسي عشان أكبرك وأكبر فلوسك؟ وفي الآخر طلعت أنا المهملة."
أنهت كلمتها الأخيرة بصوت يعلوه المذلة والخذلان، ثم التقطت صورة أخرى يبرز فيها امتِشاق جسدها، يا لها من صورة قديمة من قبل الزواج ومشقة الإنجاب.
صرخت وكأنها تحدثه:
"مين فينا اللي يزعل ويشوف حياته؟ أنا ولا أنت؟ مين اللي سهر وتعب وفي الآخر طلع وحش؟ أنا ولا أنت؟ مين اللي عمره راح يا هيثم؟ مين؟"
دخلت فتاتها الصغيرة هالعة مما رأت أمس من انهيار وصراخ أمها. لم تعهد أمها إلا صامدة.
حدثتها الصغيرة بحروف تخشى الخروج:
"ماما، هو بابا قالك إيه خلاكي تكسري الأوضة كده يا ماما؟"
نيران تأكل بقلبها، كيف لها أن تشرح ما حدث لفتاة بالكاد أكملت الخامسة؟ حاولت تهدئة نفسها وتهذيب نبرة صوتها الغاضبة.
"مفيش يا حبيبتي. بابا مدايق شوية وهيجي بكرة ونتصالح ونفسح مريومة الحلوة كتير أوي."
كانت تدرك كذبها، فزوجها لن تخطو قدمه منزلها مجددًا.
خرجت الفتاة بسذاجة طفولتها تلهو مبتسمة، وتركت أمها في دوامة ذكريات تعصف بعقلها.
تسوق فتاة الثامنة عشر سيارتها الجديدة في طريق تزهو عن الزحام، لتري سيارة تقف في منتصف الطريق، فاستشفت أن سائقها يحتاج للمعاونة. ترجلت من سيارتها ووصلت للسيارة الأخرى متحدثة بهدوء:
"أنا شايفة إن العربية عطلانة، لو تحبي أنا ممكن أساعدك."
نظرت لها سيدة أربعينية بإعجاب وهتفت:
"يا حبيبتي، أنا فعلا كنت سايقة والعربية اتعطلت بيا. ربنا بعتك ليا. ممكن بس توصليني لأقرب مكان آخد تاكسي؟"
"لا يا طنط، متقوليش كده. تحبي تروحي فين وأنا هوّديكِ؟ تعالي معايا ولما توصلي ابعتي حد يصلح العربية."
أطاعتها المرأة الأربعينية، وأثناء الطريق هتفت:
"بس شكلك صغيرة لسه يا... مقولتيليش اسمك إيه؟"
أجابتها بتهذيب:
"اسمي ميرال يا طنط. أيوه أنا فعلا مش كبيرة، عندي 17 سنة. أنا بيتي قريب، بس بصراحة دي عربية بابا وخوفت أمشي من طريق فيه كامين لأني موصلتش للسن القانوني للسواقة."
"بس ماشاء الله بتسوقي كويس جدًا."
تبسمت ميرال:
"أيوه خالو علمني أسوق من سنتين وبقيت شاطرة جدًا."
فاقت ميرال من ذكرياتها، ثم قالت في حزن:
"كنتِ السبب في جوازتي منه يا طنط. اعتمدتِ أصريتي أتجوزه، وأنتِ عارفة إن ابنك غدار. بس مش هظلمك، وأنتِ هتعرفي منين إنها هتُخان وابنك يعايرني كده؟ لا ويقرر يتجوز عليا في نفس العمارة."
شرّدت مجددًا بشكوى أمس:
"مش ملاحظ ياهيثم إنك حابسني في البيت؟ وكل ما أطلب منك نخرج ترفض."
اعتلاه الضيف وقال في جزع:
"مش ملاحظة ياميرال إنك تخنتي أوي وشكلك بقى يكسف؟"
دقيقة صمت لاستيعاب ما تفوه به. أيخجل منها حقًا؟
"يعني أنت مش مشغول ياهيثم وبتتكسف مني؟ مكسوف من مراتك؟ مكسوف إني تخينة؟"
"آه مكسوف، مش مكسوف بس أنا مستعر من منظرك ده. أمشي وأقول إيه لأصحابي ومعارفي؟ أقولهم بصوا مراتي بقت قد الدرفيل إزاي؟ أنا هستحملك، إنما هما يعرفوا إني مستحمل ليه؟ أنا راجل ليا منظري قدام الناس."
زجرت كلماته قلبها الرقيق، فقالت مدمعة العينين:
"ياااا للدرجة دي شكلي مدايقك وعامل لك إحراج وسط الناس؟ نسيت كل الحب اللي بينا عشان وزني زاد شوية؟"
رمقها بنظرات استحقار ممزوجة بسخرية:
"لا، أنتِ اللي نسيتي نفسك. أنا لما اتجوزتك اتجوزت ميرال البنوتة الجميلة بملامحها الصغيرة الرقيقة. متجوزتش درفيل. بصي على نفسك كده في المراية. بزمتك هدومك تخش في دراعك حتى. أنتِ إيه، هتفوقي إمتى؟ أنا قرفان منك ومن شكلك ده. مبقتش قادر أستحمل. مش عارف أنسجم معاكي. مش عارف أحس إني مبسوط. مش مرتاح. بشوفك بفتكر الطبيخ والأكل والحلل. زيك زي أي ست عجوزة. حاولت أشوفك وحدة ست بجد، مش عارف."
ثم أشار بيديه ذات العروق البارزة لبطنها المترهل وذراعيها الممتلئين، واستأنف:
"حاولت أدور فيكِ على معالم أنوثة، ملقتش. كلك قرف. قرف قرف قرف. وأي دا؟ هااا! أيه ده؟ فين لونك الأبيض بتاع زمان؟ كلك علامات بيضا وحمرا ومنظر مقرف."
كان ينتظر صمتها وخضوعها المعتاد، ولكنها فاقت تصوراته الخائبة.
نطقت بصريخ قلب مدمي:
"هو كل ده منين؟ مش من عيالك؟ تعرف أنت إيه عن الحمل والولادة والرضاعة والتعب والوجع؟ تعرف إيه عن عيالك غير أسمائهم؟ تعرف ابنك كام مرة يجي بشكوى من مدرسته بسبب سلوكه العدواني بسببك؟ تعرف إيه عن ولادك؟ ياراجل ياشيك يانيق يابو عضلات، أنت تعرف إيه عن أم كل يوم تصحي تلبس وتحمي وتودي مدارس وترجع تروق وتطبخ وتمسح وتعمل أكل وتاكل وتشرب وتذاكر لولادها وتنيمهم وتروق مكانهم؟ تعرف إيه انت؟ فين فين من حياة عيالك؟ فين في حياتي أنا؟ إيه؟ عاوزني آخد بالي من نفسي عشانك؟ عشان تعطف عليا بالكام دقيقة اللي بتقضيهم معايا وتبعد تاني؟ أنت مين سمحلك تدي نفسك مكانة كبيرة كده؟ أنت ولا حاجة. أنا هنا كل حاجة. أنا الأم والأب. أنا الصاحب والصديق. أنا من غيري ولادك يضيعوا. عايشة عشان ولادي. أنت عايش لمين؟ قولي."
وكأنها أشعلت فتيل غضبه، فما كان منه سوى تمزيق ثيابها كاملًا:
"بصي منظرك كده. ده منظر أقرب منه جتك القرف فيكِ وفي شكلك. مش كفاية متحمل منظرك كمان بتقلي أدبك عليا؟ أنا لولا ولادي كنت طلقتك وخلصت منك، بس عشان ولادي بسسس. أنا هسيبك، لكن هتجوز ياميرال ومش هجبها هنا عشان أنا راجل حقاني وعلشان ولادي. هتجوز في الشقة اللي تحت والمخروبة دي معتش أعتبرها تاني."
ذهب وتركها تناجي ربها أن يرحم قلبها وقلة حيلتها.
"علشان كده كنت بتوضب الشقة وبتجهزها كأنها شقة عروسة."
ضحكت بمرارة وقالت:
"وكأن ليه؟ مهي فعلاً عروسة. بس لا، أنا مش هقبل بالوضع ده كتير وهاخد حقي تالت ومتلت من عينك يا هيثم."
سمعت هاتفها يهتز بقوة فأجابت:
"ألو."
"أيوه ياميرال، مبترديش ليه؟ بقالي ساعة بتصل."
"أيوه يا ليلة، أنا معاكِ."
"مالك ياميرو ياحبيبتي؟ صوتك معيط أوي."
"هيثم هيتجوز عليا بعد عشر سنين إهمال وذل. هيتجوز عليا في شقة طنط اعتماد. أثر بيجهزها بقاله شهر."
"أهدي طيب وأنا جيالك دلوقتي."
أغلقت ليلي الهاتف واعتلتها دهشة مصحوبة بالهلع.
"مالك يا ليلي مبلمة كده ليه؟"
قالها عامر بإستغراب.
"هيثم هيتجوز على ميرال ياعامر بعد كل الاستحمال ده؟ بيتجوز عليها."
أبتسم عامر وأردف بعدما أشعل سيجارته البنية الرفيعة:
"طب والله شاطر، يابخته."
طالعته بنظرة حسرة:
"بقي كده ياعامر؟ مبسوط في صحبتي؟ أنت أكتر واحد عارف إن ميرال طيبة ومش هيلاقي زيها."
"عارف ياليلي، لكن اللي مش عاوزين تفهموه إن الست بتفقد كل أنوثتها وجمالها. أم بتتخن مبتبقاش حلوة في نظرنا، يعني نبص بره يا نتجوز."
وكأن كلماته شقت قلبها مئة قطعة:
"وأنت بقي يا عامر بتبص برا ولا متجوز من ورايا؟"
عبست ملامحه قليلًا:
"ليلي حبيبتي، متقوليش كده. أنتِ الأولى والأخيرة يا عمري." ثم أكمل في انتصار: "ببص برا طبعًا وهفضل أبص. طول مانتِ كده، عاوزة تحافظي عليا؟ خسي. لأن بصراحة أنا جبت أخرى."
هرول للخارج قبل نشوب شيء بينهما.
"دلوقتي بس ياميرال اتأكدت من كلامك وعرفت إن كنتِ صح لما قولتي إنها خلصت كده."
انتهت ليلي من ارتداء ملابسها بعد عناء طال لساعة. وقفت تنظر لنفسها نظرات سخط، محدثة نفسها:
"قرف. كل يوم كرش وبروز."
ثم أخذت تزفر في ضيق وأكملت:
"أزعل منه ليه وأنا أصلاً شايفة نفسي وحشة."
حملت حقيبتها اليدوية وذهبت لصديقتها وشريكة المحنة. وقفت تدق باب منزلها بعدما لمحت زوج صديقتها بأحضان أخرى بلا مراعاة لقربه من منزل زوجته الأولى. فتحت ميرال باب بيتها وارتمت بأحضانها تبكي.
"اهدي ياميرال علشان الولاد. اهدي. أنتِ مستحملة كل ده عشانهم."
ردت عليها بصوت يشق القلوب:
"هيتجوز ياليلي! هيصرف فلوسه اللي استخصرت أصرفها على نفسي هيصرفها عليها. هيسيب عياله وينساهم. جرحني أوي ياليلي. جرحني بنظراته قبل كلامه. ياريتني ما أهملت في نفسي. ياريتني كنت فضلت ميرال الحلوة. حسسني إني عندي ميت سنة وأنا أصغر منه بعشر سنين."
"اهدي ياميرال وتعالي ندخل جوه نتكلم عشان الولاد ونفسيتهم متتعبش."
اعتدلت ميرال من أحضان صديقتها ودخلتا الغرفة. اندهشت ليلي من مشهد الغرفة وكأن الساعة قامت بها، لكنها فضلت الصمت.
جلست ليلي وأشعلت سيجارة بنية رفيعة وأشعلتها، فأشتمت ميرال رائحة التوت وسألتها في فضول:
"المرة دي توت؟ غيرتي النعناع يعني؟"
ابتسمت ليلي وقالت:
"قررت أتغير ياميرال وهغيرك معايا."
حدثتها وهي تشير بيديها والسيجارة بين أصبعيها ترسم منحنيات أنثى.
عبثت ملامح ميرال وكأنها تذكرت:
"ماشي، بس بعد ما أطلق."
فتحت ليلي فاها:
"تطلقي؟ والعيال يا ميرال؟ عاوزة تشردي عيالك؟"
ضحكت ميرال ضحكات ساخرة، ثم أخذت السيجارة من صديقتها وأخذت تنفث دخانها بحرارة:
"عيالي صح؟ هما عيالي. هو إمتى كانوا عياله ياليلي؟ هو شال إيده من تربيتهم. يبقى أطلق وأربيهم عدل وأشوف نفسي."
"طب بس بس براحة على نفسك كده، صدرك يتعب. مبتشربيش كده."
نظرت لها ميرال وقالت:
"قومي بينا نرقص شوية."
طالعتها ليلي بنظرات مندهشة:
"متتنحيش كده، قومي خلينا نفك وسيبك من الكلام اللي قالهولك عامر."
ازداد اندهاش ليلي:
"وأنتِ عرفتي منين كلام عامر ياميرال؟"
ضحكت بخفوت:
"مهو أصلك من الدهشة نسيتي تقفلي وسمعت كل حاجة."
خجلت ليلي وقالت مبررة:
"ميرال حقك عليا، أنتِ عارفة عامر ميقصدش والله."
أوقفتها ميرال:
"ولا يقصد ياليلي. عنده حق. المهم أنتِ متزعليش نفسك، إحنا هنتغير."
فتحت ميرال أغنية شعبية وأخذت ترقص وكأن الرقص منقذها من دوامتها المهلكة.
انتهى اليوم وعادت ليلي لبيتها، وجدته خاليًا، يبدو أن زوجها أعلن الحرب.
فتحت ميرال باب شقتها صباحًا. سمعت صوت تعرفه جيدًا، إنه صوت زوجها. رأته يصطحب فتاة يافعة تلتف يده حول خصرها. سابقًا كانت تخجل وتحزن، أما الآن فلا.
نادته بصوتها المترنم:
"يانعم."
أجابها بسخرية:
"طالق."
دعنا نجزم أن الدهشة غزت كيانه ممزوجة بخوف مجهول الهوية، ولكن هيهات، فغزو كبريائه كان أكبر. أجابها دون اكتراث:
"أنتِ طالق ياميرال، ومتقطعيش الجوبات."
أدارت ظهرها، تاركة كسرتها تتهشم خارج قلبها:
"من النهاردة أوعدك هدفعك تمن كل يوم قهرتني فيه ياهيثم."
ثم ذهبت لأطفالها قائلة:
"يالا يا حبيبي عشان مسافرين نتفسح وهنرجع قريب."
رواية سمينة ولكن الفصل الثاني 2 - بقلم اماني خالد
أيام عجاف، تدعو الله أن تمر مرور الكرام.
مر شهران على طلاقها وكأن الله رابط على قلبها، فلم تدمع عيناها يومًا على هجرها له، بل جعلته دافعًا للقصاص، قصاص من العالم. كثيرًا ما سمعت عن سمينات والتنمر عليهن، لكن اليوم قُدر لها أن تكون إحداهن، بل الأكثر قهرًا، ملكة على عرش التنمر والكسرة. أحمق من زعم أن المرآة هي انعكاس صورة المرء، وإنما مرآته هي عين نصفه الآخر. من يحب يرى الندبة خيط لؤلؤ في وجه شريكه، ذاك هو عشق الروح، ما يزيد الملامح للحب إلا إشراقًا. وعشق الملامح والأجساد يجف كزهرة ريحان تأخذك بعطرها، وما أن تزبل تدعسها الأحذية.
مندثرة في سريرها تطالع السقف وكأنه شاشة عرض يُعرض عليه فيلم مثير. ياله من مثير للشفقة حالها، قالت محدثة نفسها:
- لحد أمتي هفضل زي مانا؟ اهو اتجوز ومبسوط وأنا زي مانا. أنا مباكلش ليه؟ معملش دايت؟ أخس ليه؟ متغيرش وأخد حقي؟
ثم زفرت بقوة وأزاحت غطاءها واستأفت:
- من النهاردة لازم أبدأ.
أخذت تفتش داخل حسابها الإلكتروني حتى عثرت على مجموعة رياضية تسمي "فيتنس كيبرز" يديرها رجل ثلاثيني يطغى عليه هيبة ووقار، يزينه عضلات بارزة وطول فارع. ضغطت على زر الاشتراك، سريعًا ما قُبل طلبها. تصفحت المجموعة حتى وجدت منشورًا حديث النشر يعلن فيه هذا الرجل بدء فرقة مبتدئة لخسارة الوزن. شعرت أنه توفيق من الله وإشارته، راسلته بجدية تطلب منه الاشتراك. فأجابها بتهذيب:
- تمام حضرتك، هتدفعي مبلغ بسيط جدًا وتشتركي وأنا هتابعك بنفسي، وممكن لو تحبي تيجي الجيم وأدربك كمان.
لعبت الشكوك بعقلها البكر فقالت له في هدوء:
- بس أنا مش حابة أتدرب في جيم فيه رجالة.
تفهم قلقها وشعر بداخلها بحسن خلقها:
- متقلقيش حضرتك، دا جيم للسيدات بس. ولو تحبي أنا ممكن أخلي كابتن أمل هي اللي تدربك كمان لو محرجة.
قفزت من الفرحة والسرور:
- أه طبعًا يكون أحسن، أجي من...
أُجيبت بهدوئه المعتاد وأُخبرت بموعدهم في اليوم التالي في السابعة صباحًا.
***
غفت ليلي على أريكتها الزرقاء فقد طال انتظار زوجها. كل يوم يأتي في الصباح تشتم بملابسه عطر نسائي، ينفطر قلبها كل يوم وتبكي في صمت، كيف لها بتوبيخه وتشعر بالتقصير تجاهه، بدلًا من ذلك توبخ نفسها مئات المرات.
فتح باب شقتهما متعمدًا إحداث ضجة. هدوء يعم البيت غير معتاد عليه هذا.
أقترب منها بكبرياء يزجرها عدة مرات ولم تأتيه استجابة. تسلل الخوف إلى قلبه بل غزاه كاملًا. ازدادت زجراته ومازالت خادعة للهدوء.
هلع من إغماءها المفاجئ فحملها لأقرب مشفى. صرخ وكأنه طفل يفقد أمه. حملها الأطباء لغرفة الفحص، لم يخطر بباله سوى مهاتفة ميرال صديقتها.
تجلس ميرال بجانب أطفالها توجههم وتعاونهم على أداء واجباتهم الدراسية حتى رن هاتفها الجوال.
- اكتب حلو يا علي، أنا كدا هلغي وعدي.
لحقها بتوسلات الطفولة:
- خلاص والله هكتب حلو يا ماما، انتِ وعدتيني تجيبلي بلايستيشن ونخرج كل أسبوع وأنا مبقتش أضايق حد، بذاكر زي ما انتِ عاوزة.
ابتسمت داخلها: ها هي مطلقة وحيدة تنجح بتصحيح عاهات زواجها الفاشل. فاقت من انتصارها على صوت ابنتها متأففة:
- يووووه ياماما مش قادرة أركز من فونك عمال يرن جنبي.
نظرت لها ميرال نظرات فخر:
- خلاص يا سِت هانم خلاص، هرد أهو. كنت بكلم أخوكي.
اعتلتها الدهشة حينما ظهر اسم المتصل فردت في عُجالة:
- ازيك يا عامر؟
خلع قلبها صوته الباكي وهو يقول:
- ميرال الحقيني، ليلي في المستشفى معرفش مالها، مبتتنفسش ولا بترد.
سقط الهاتف تحت أقدامها تهشم. ركضت كالمسحورة في الطرقات. أدركت أنها حتى لم تسأله عن اسم المشفى. جال في عقلها أقرب مشفى لبيت صديقتها.
وصلت ميرال للمستشفى تلهث تبحث بعينها عن عامر ليشير لها بضعف من بعيد. نظرت له بغضب وقالت:
- عملت فيها إيه ياعامر؟ صحبتي لو جرالها حاجة مش هسيبك ياعامر.
طالعها بنظرات كسرة وحسرة:
- جيت من برا لقيتها مبتردش، والله ما عملتلها حاجة.
صرخت بوجهه:
- جاي العصر زي عادتك كل يوم، تسهر تستناك وفي الآخر ترجع العصر تقعد ساعتين وتمشي. منك لله يا عامر، منك لله.
خرجت الممرضة تخبرهما بأن المريضة حالتها تسوء أكثر. فسألها عامر عم بها فأجابته الممرضة:
- المدام عندها أزمة قلبية.
توترت الأجواء أكثر وتعالى صوت البكاء من كليهما حتى حل المساء وغفى عامر من طول الانتظار. خرجت الممرضة تخبرها باستيقاظ صديقتها. سرعان ما دخلت ميرال تطمئن على صديقتها. جلسات يتحدثان حتى أخبرتها ليلي بأن تغادر لترعى أولادها. انصاعت لها ميرال وذهبت.
في الصباح ارتدت ميرال ملابسها بعدما ذهب أطفالها لمدرستهم.
وقفت أمام الجيم خائفة مرتبكة حتى استجمعت قواها ودخلت. شرعت في السؤال عن ذالك الوسيم الثلاثيني حتى وجدته أمامها. كان أوسم من صوره بكثير، لكنها لم تكتراث. عرفته بنفسها برسمية حتى لا تفسح له بتعدي مكانته:
- أهلاً وسهلاً يا آنسة ميرال، نورتيني.
عبثت ملامح ميرال وتبسم قلبها بخجل وقالت:
- مدام، حضرتك أول واحد تقولي آنسة.
ابتسم ابتسامة على استحياء:
- حضرتك صغيرة باين عليكِ. الناس بتبص للجسم إنما هنا لأ، ومعايا هتوصلِ لحلمك بإذن الله.
هزت ثقته قلبها، لا تدري لم شعرت وكأنه طوق نجاتها من محيط هموم لا ينتهي. ابتسمت له وقالت:
- أكيد إن شاء الله، هنبدأ امتى؟
ارتفع صوته الغليظ ينادي على فتاة تدعى أمل:
- دي كابتن أمل يا كوتش، هتدربك هي.
هزت رأسها دليلًا على ترحيبها. فقالت لها أمل:
- أهلاً أهلاً يا كابتن ميرال، كابتن أحمد قالي عليكِ. تعالي بقى نسخن علشان قدامنا كتير أوي.
يكادتا تذهبان لولا صوت أحمد:
- كابتن أمل متضغطيش عليها، سبيها تاخد على الجو الأول.
ذهبت ميرال مع أمل لتؤدي تدريبها الشاق وبعد ساعة ونصف:
- عاش يا كوتش، شاطرة جدًا. تعالي بريك خمس دقايق.
خجلة تعلم بمتابعته لها طيلة الوقت، وجدته يقترب منهم قائلًا:
- شايفك نشيطة يا كابتن ميرال، بس دا مش حلو دلوقتي لأنك هتروحي جسمك مكسر، متضغطيش في الأول كدا.
ثم طلب منها أن ترتفع على الميزان ليقيس وزنها. خجلت من كتلتها الكبيرة. شعر بخجلها فحاول تخفيفه:
- كابتن ميرال بصي على شمالك كدا.
نظرت ميرال لتجد فتاة ممشوقة القوام تتدرب فقال:
- دي كابتن فيروز، كانت 150 كيلو ودا شكلها بعد ست شهور التزام. متقلقيش يا كوتش، هتعدي.
ابتسمت ميرال لشعورها بذوقه معها فقالت في نفسها:
- واحد ولا أعرفه ولا يعرفني وخايف على مشاعري وعاوز يقف جمبي، مش زي هيثم. منك لله يا هيثم.
فاقت من حديث نفسها على صوت أحمد الرجولي:
- تمام، حسبتلك الكالوريز بتاعتك أهو علشان متحسيش بالحرمان أو الجوع. أنا معاكي أي وقت متقلقيش، ولو ضعفتي هنكمل بردو.
ذهبت أمل لتحضر شيئ بعد أن استأذنت منهما:
- دلوقتي بقى يا كوتش عاوزين ناخد مقاسات الجسم لأن هتخسي دهون ويقوي عضل. الميزان مش فيصل أبدًا إنك خسيتي تام كدا.
أحضر أحمد شريطًا مرقمًا وأخذ يقترب من ميرال. ازدادت دقات قلبها، ودت لو تمسكه بيدها تمنعه من القرع خشية سماع الوسيم به، لكن هيهات فقد تسللت أصوات أنفاسها المضطربة لمسامعه. أخذ يلف الشريط على كتفيها وعيناه معلقة بعينيها البنية بأهدابها الحارسة. خطف تورد وجنتيها تركيزه، رائحة أنفاسها جعلته كبشري على القمر يموت خنقًا، وأنفاسها كأكسجين أعاد الحياة لرئتيه مجددًا.
ابتعدت ميرال محمحة:
- أنا ممكن أكمل لوحدي.
طالعها بعينان ناعسة وطال صمته لدقائق، فقررت إعادة كلماتها. تدارك نفسه وابتسم لخجلها واختفى متحججًا بحجة واهية.
أنهت تدريبها وعادت للبيت وبدأت تشعر بثقل بجسدها شديد. مدت جسدها على السرير حتى أتاها اتصال يخبروها فيه بوفاة صديقتها الوحيدة.
رواية سمينة ولكن الفصل الثالث 3 - بقلم اماني خالد
احتدت نصالك يا شريك الروح، لو أخبرتني لقلعت قلبي وعقرته بيدي، خشية تدنيس يداك بدمي.
مر شهر على فراق صديقتها، ذبلت مقلتاها، وتناثرت أهدابها، وجفت نضارتها. أكان ينقصها قهر على قهر؟ وما الحال في فقدان توأم روحها وعود ظهرها؟
تتوآلى الليالي الباردة وكأن الوحدة والسقيع يلتحمان في روح واحدة أقسمت على النيل منها. كان ملاذها كل يوم اتصالات أحمد وعامر، ورغم تجاهلها لهما، إلا أنها كانت قشة تتشبث بها من بحار وحدتها. تجلس على فراشها مطأطأة رأسها للأسفل، تفكر كيف السبيل لوحدتها.
رن هاتفها للمرة العاشرة، يتصدر شاشة الهاتف اسم عامر. وضعت يديها على قلبها، تهذب دقاته وأجابت.
"الو."
صدح صوته المفترش بالهفة قائلًا: "إزيّك يا ميرال، مكنتيش بتردّي ليه؟"
جال بعقلها كثير من الأسئلة، منذ متى وهو يهتم بها؟ كيف له بتخيل تجاوزها فقد صديقتها بسببه؟
"عاوز إيه يا عامر؟"
أجابها بصوت يأكله الندم: "ليلى وحشتني أوي يا ميرال."
صرخت به هاتفة: "ومين كان السبب؟ مين اللي موتها؟ مين اللي قهرها؟ مين يا عامر؟ مبسوط دلوقتي؟ أهي ماتت، ماتت وسابتلك الدنيا كلها. اسهر براحتك، خونها براحتك."
هدأت وتيرة صوتها وأكملت: "لأنها خلاص مبقتش موجودة، خلاص يا عامر، خلاص."
أنهت حديثها وتلقت صوت بكائه الحار. فرق قلبها المتهرئ.
"كفاية يا عامر، البكا مبيرجعش حد. لو ندمان، ادعيلها وتصدق بنية الرحمة عليها. اعمل كل اللي يفرحها."
لمعت عيناه وقال: "هو ده اللي بعمله يا ميرال، وملقتش حاجة أفرح بيها ليلى قد إني أقف جنبك وأساعدك. أرجوكي مترفضيش. سبيني أكفّر عن ذنبي، أرجوكي."
طال صمتها دقائق تحت وابل توسلاته.
"موافقة يا عامر، موافقة. لأني بعد ليلى بقيت وحيدة أوي. أوعى تفكر إني سامحتك، أنا بس بتمسك بأي حاجة من ريحة ليلى. كمان إحنا زي بعض من غير ليلى، لوحدنا أوي. لكن هتفضل أخويا يا عامر."
ابتسم عامر براحة.
"أنتِ أختي يا ميرال، أنا بس بحاول أكفّر عن ذنبي."
أُغلقت المهاتفة، وزفرت ميرال بحيرة، لا تدري صواب أم خطأ ما فعلته.
خرجت للمرة الأولى من غرفتها، فتلاقت تهافت أطفالها وكأنهما ينتظران تلك اللحظة. أدمعت عينا ميرال، كم اشتاقت لهم جميعًا. وجدت من يربت على كتفها، ومن تكون غير خالتها؟ فالحنان من مقلتيها يفيض.
"حمد الله على سلامتك يا بنتي، كدا تحبسي نفسك طول الفترة دي؟ دا حتى الحمام مكنتيش بتدخلي غير بعد ما ننام."
تحدثت ميرال وكأن لسانها شُج.
"الحمد لله على كل حال يا خالو."
حاولت خالتها تعطير مزاجها.
"شوف البت قاعدة جوا وسيبالي العيال. آكل وأشرب وأذاكر. أنا عارفة إنك طمعانة فيا من الأول يا بنت مريم، أكمني مديرة قد الدنيا."
ابتسمت ميرال مجاملة لخالتها، تعلم بمحاولتها للتخلص من الحزن، غير مدركة عن كونها فتحت جرحًا قديمًا. "بنت مريم" لم تقل شيئًا غير نسبها لأمها المتوفية. كم اشتاقت هي لوالدتها. أحيانًا تكون الأم أُضحية من أجل أطفالها. كذلك كانت أمها. عقرت بيد أبوها ذاك المتعجرف. لطالما شبهته بزوجها. الآن أدركت أنها ما أحبته يومًا، بل شعرت بحبه بعد فقد أبيها.
تجلس اعتماد على أريكتهم البيضاء في بهو منزلهم الواسع ذي الأثاث الكلاسيكي، وكأنه قصر فاروق.
قالت اعتماد في تروٍّ: "بصراحة يا أستاذ قاسم، ميرال بنتك زينة البنات. لقيتني في الطريق، وقفت جنبي ووصلتني. ولما عدينا على بيتكم، أصرت أدخل وأكلم هيثم ابني يشوف العربية."
طالعها قاسم بنظرات ثابتة وأردف: "أهو يا ست اعتماد، مش هيبقي من كله."
عبثت ملامح اعتماد متسائلة: "مالها، كفالله الشر؟ دي ست البنات."
ارتسمت السخرية على ملامحه القاسية وقال: "قطع البنات وقطعت سيرتهم."
استشاطت اعتماد من تفكير ذاك الرجل، كيف له بإهانة ابنته هكذا؟ أثناء الحديث، حضر هيثم ليتفقد أمه.
"أيوه، تعالي يا هيثم. آخرت ليه يا ابني؟ تقلنا على الناس."
أبتسم قاسم.
"جرى إيه يا ست اعتماد؟ هو إحنا زعلناكي؟ لو مش شالتك الأرض، نشيلك فوق دماغنا."
ردت اعتماد سريعا: "لا يا أستاذ قاسم، بس فرصة سعيدة جدًا. ممكن تنده ميرال عشان أسلم عليها."
بعدما نادى قاسم على ابنته بصوته القاسي الذي يرعب أواصلها. حضرت مطأطأة الرأس.
"نعم يا بابا."
"تعالي يا حبيبتي، أسلم عليكِ قبل ما أمشي."
قالتها اعتماد بعجالة. ضمتها ميرال بشدة، تشتم بها رائحة فقيدتها. منذ فقدت أمها إثر أزمة قلبية، لم يحنُ أحد عليها سوى خالتها، وكان محظورًا عليها المجيء.
نظر هيثم ليجد فتاة يافعة ممشوقة القوام بملامح مثيرة، عينان كحبتي لؤلؤ تلتمعان بالخجل، وأنف مستقيم ينتفخ أسفله قليلاً، وثغر ذو شفاه منتفخة حمراء كحمرة وجنتيها. جحظت عيناه من الإعجاب بتلك الجميلة ذات العيون البنية والبشرة البيضاء الصافية. أخذه جمالها، فهمس بأذن أمه.
حل الليل، وأتى والدها يوميها بخبر زواجها من ذاك الشاب العريض ذي الجمال المتواضع.
نهرت الفكرة من رأسها ورفضت عرض والدها، وتلقت صفعة أدمت ثغرها.
صباح اليوم التالي، تأخر والدها عن الحضور، فذهبت توقظه، فوجدته بلا روح.
قضت ثلاثة أشهر تبكي على فقدان والديها، تمنت لو عاد للحياة وانصاعت لأوامره.
عزمت أمرها ووافقت على زيجتها من هيثم إرضاءً لروح والدها.
عادت للواقع تبكي بحسرة، ليتها لم تفعل. ليت الماضي يعود وتصلح ما نتج عنه طفلان يتيمان بحياة أبوهما.
نادتها خالتها.
"بت يا ميرال، بقالي ساعة بكلمك. روحتِ فين؟"
ابتسمت واكتفت بها.
صدح صوت هاتفها مجددًا باسم جديد.
"الو."
استنشق الهواء فور سماع نبرتها.
"إزيّك يا كوتش."
تظاهرت بالتفاجؤ من مهاتفته.
"كابتن أحمد، حضرتك جبت رقمي منين؟"
تحمحم وقال في خجل: "بياناتك كلها في الجيم يا مدام."
تعالت دقات قلبها حينما تذكرت آخر موقف جمعهما.
استكمل أحمد حديثه والشوق يعصف بقلبه. "البقاء لله. عرفت من الأكونت بتاعك إن صديقتك توفت، وأكيد ده سبب غيابك."
اشتعل وقود عيناه وردت: "أيوة، ربنا يرحمها."
ساد الصمت دقيقة أو بضع دقائق، حتى بتره قائلًا: "الدنيا مبتقفش على حد يا مدام ميرال. متفتكريش إني مش حاسس، لا حاسس والله. أنا فقدت ابني ومراتي اللي مفرحتش معاهم غير سنتين بس. تخيلي إني بعد الحادثة بشهرين كملت حياتي."
ثم طغت على نبرته سخرية.
"الناس فكراني نسيت، أو أصلًا مفرقش معايا، رغم إني كل يوم بليل بتخيل لو كانوا موجودين، كانت حياتنا هتبقى إزاي. ساجد كان هيبقي عنده تلت سنين ويقول لي: وحشتني يا بابا. وسمر كانت هتستناني كل يوم زي عادتها، تفتح لي الباب مبتسمة وتاخدني في حضنها. ونأكل مع بعض ونضحك. سريري كان هيبقي دافي عشان هما جنبي... كل يوم بتخيل وأعيط زي الطفل اليتيم اللي مش لاقي حد يطبطب عليه ولا يدفيّه."
تنهد بصوت يبعث الأمل.
"عيشي لنفسك، ولأهلك، ولصاحبتك بردو. ادعيلها دايما عشان تنفعيها."
هربت عبرات من عينيها.
"عندك حق."
سألها في رجاء: "ممكن أطلب طلب منك ومتكسفنيش؟"
"طبعًا، اتفضل."
تكلم بصوت يفطر القلوب.
"ممكن تدعي لسمر وساجد معاكِ، وادعي لي ربنا يجمعني بيهم قريب."
أغلق الهاتف فور سماعها رجاءه.
شعرت بانهيار يعصف بها، فحديثه لم يكن كأي حديث. يالله، كم ثابر وتحمل، ومازال على ذاك. كان حالها أحوج لسماع مثل هذا الثبات. كفكفت دموعها ووقفت أمام المرآة تتطلع لنفسها.
في صبيحة اليوم التالي، ارتدت ثياب مريحة واتجهت قاصدة "الجيم". دخلت تبحث بعينها عنه، ولكن لم تجده.
"أهلا أهلا كابتن ميرال، البقية في حياتك. كابتن أحمد قالي."
قالتها أمل تحاول مواساتها. ابتسمت ميرال قليلاً، ثم سألت عن أحمد.
أجابتها أمل في تساؤل: "كابتن أحمد أول مرة ميجيش. استني أتصل عليه."
رفعت أمل الهاتف المحمول لتتصل بأحمد تسأله عن سبب غيابه المفاجئ، إلا أنه أجابها بعدم حضوره اليوم، متعللًا باحتياجه لأخذ راحة.
التقطت ميرال الهاتف من أمل بحركة سريعة، وأخذت تحدثه.
"الكابتن باعث الأمل جاله اكتئاب. مش ممكن! وأنا اللي جيت عشان تطلعني وتتعلم من يا كوتش."
غزت الفرحة قلبه.
"مدام ميرال، أنتِ جيتِ بجد؟"
ميرال محمحة: "أيوه جيت يا كابتن، ومستنياك. متتأخرش عليا."
أغلقت الهاتف، وبعد فترة وجيزة حضر، وبدأوا تدريب اليوم تحت نظرات أحمد الأملة. انتهت ميرال من التدريب وشرعت في الذهاب، فاستوقفها رنين هاتفها.
"إزيّك يا عامر."
عامر والود يفترش نبرته.
"الحمد لله يا ميرال. أنا كنت نازل، لو حابة ممكن نتقابل في أي كافيه."
انتابها الشعور باحتياجها للتزه، متذكرة صديقتها.
"أنا كمان في الشارع، هقابلك في كافيه ****."
بعد دقائق، كانت تجلس بصحبة زوج صديقتها.
"ها، تحبي تشربي إيه؟"
ابتسمت بهدوء.
"شاي أخضر بليمون."
رُفع حاجبه تلقائيًا وقال مستنكراً: "هو أنتِ بتعملي دايت ولا إيه؟"
أجابته بثقة تميل إلى الغرور: "أكيد مش هسيب نفسي أكتر من كدا، لأن الست لما بتتخن بتفقد أنوثتها وجمالها."
وكأنه ضرب الجلاد بسوطه الخاص. نظر لها مفسرًا موقفه، إلا أنها أوقفته.
"متتكلمش يا عامر، أنا سمعت واقتنعت بكلامك. أنا فعلًا لازم أخس، مش عشان حد، عشان نفسي أنا وبس."
أراد انحراف مجرى الحديث، فسألها في حيرة: "هترجعي لهيثم تاني؟"
استنشقت الهواء، بل سحبته كله وزفرته من فمها.
"هيثم ده أكبر غلطة غلطتها. كنت فاكرة إني لما أبويا مات وهو عاوزني أتزوجه، يبقى لازم أتزوجه عشان ما يغضبش عليا..... تخيل كل موقف كان بيفكرني بأبويا فيه، كنت بكرهه زيادة. لو كنت متطلقتش، كان زماني زي أمي، ميتة من وجع قلبي عشان راجل مستاهلش."
جرحته كلماتها كما لو أنها تتحدث عنه. أمسك يدها برفق.
"عمري ما كنت أعرف إن هيحصل كل ده بسببي. كنت بحبها أوي يا ميرال. نفسي ترجع واعتذر لها أوي. سامحيني عشان هي تسامحني، أرجوكِ."
سحبت يدها وتحدثت: "أرجوك أنت تلزم حدودك شوية."
كاد يبرر أفعاله لولا صوت رجولي يقول: "فخور بيكي جدًا إنك معكتيش وبتشربي شاي أخضر. هتبقى إنجاز حياتي كلها."
ضغطت الدماء في عروق عامر، وتأكلته الغيرة، ونظر لميرال وسألها: "مين الأستاذ ده يا ميرال؟"
رفع أحمد يده في كبرياء: "كابتن أحمد، مدرب ميرال. وهبقى حاجات أكتر بعد كده."
ثم ابتسم له ابتسامة غاضبة مختلطة بالتشفي.
رواية سمينة ولكن الفصل الرابع 4 - بقلم اماني خالد
أُحبك فوق الحُب هوس، على عشق، وكأن القدر اصطفاك ليوليك على قلبي سلطان.
هوى قلبي سلطتك، وقضى الأمر.
يمتلئ قلبي رحمة للعباد، ويُطلي قلبي بزمزم مقلتيك.
كيف السبيل وقلبي صار مسجدًا، محرمًا إلا لخفيك.
ما أدركت الحياة حتى لثم حبك بقلبي البكر، لو أنه خياري لدثرتك بين طيات قلبي وانتهيت.
جلّ مكانك في سماء روحي، فكبلتها بلبي لتكون قرب نبضي.
إن مال للفناء، دققت باب روحك كناقوس رنت أجراسه في علية الكنيسة.
تناثرت الأدمع من مقلتيه البنيتين.
مُسلطًا نظره لهاتفه الجوال، يتطلع لملامحها المصورة.
يصرخ قلبه عشقًا، "يا الله لو أنك لا تصنع المعجزات إلا للأنبياء. لزعمت أن قلبي معجزة الأكوان جمعاء. ليتها تعلم بعشقي لها، ليت القلوب تتناشد. وكيف أبوح بأثم حبها وهي زوجة أخي؟"
"علها مشيئة القدر، أم آن للفراق أن ينرعنّي؟ أم آن للالتقاء الدنو؟"
أخفض هاتفه، وأحدث زفرة قوية ينفث بها لهيب قلبه المحروق بدركات العذاب.
"أمتي ارتاح؟ بقي لحد امتي؟ حتى بعد ما اتطلقت منه هتفضل بعيدة؟ منك لله ياهيثم يابن خالتي، أنت السبب. طفتها ودمرتها. ميرال مكانتش تستاهل كدا، ميرال كانت تستاهلني أناااا. أنا اللي حبيت قلبها وطيبتها وروحها، وأنت حبيت جسمها وشكلها. أم أنت خنت؟ كرهتها."
"وكأن ربنا كل ما يزرع جواك كرهيتها، يزيد حبها في قلبي. خلتني أتجوّز صاحبتها علشان أبقي جمبها. خلتني أمثّل إني بكرهها علشان محدش يلاحظ حبي ليها."
"إلا ليلي، كنت بشوف في عينيها إنها عارفة كويس أنا شايل إيه."
ازدادت عبراته في الهطول، وخارت قوته وهو يحاول مرارًا وتكرارًا إبعادها عن قلبه وعقله، ولكن القدر يشاء الخير دومًا.
تتسرب ابتسامة عابرة ملامح وجهها الممتلئ، وترتفع أصابعها المتكدسة تتلمس خصلاتها الحريرية، وهي تتذكر ما حدث صبيحة اليوم.
استشاط عامر غيظًا من حديث ذاك الأحمد. كيف له بتلك الثقة؟ هل وعدته بشيء أم ماذا؟ من أين أتى بحديثه؟ هو لم يتركها منذ وفاة زوجته، كان جوارها يساندها على نكبة الفقد. هل ما زال قلبها يحتمل الحب؟ وإن كان، فلم لا يحوي حبه هو، ليس غيره؟
ليرد في هدوء مستعار:
"وميرال بقي هتبقالك إيه يا كابتن أحمد؟"
اردفت ميرال والحرج يأكل عيونها:
"الحقيقة يا عامر، كابتن أحمد صديق عزيز."
تهلل وجهه وسطعت أنواره عند سماعه اسمه بين شفتيها، بل وجهرها بتقربه منها. فقال، وتكاد عيونه تأكلها حبًا:
"هكون مبسوط أوي يا ميرال لو بقينا أكتر من مجرد صحاب عاديين."
اخفضت وجهها وسألته:
"تقصد إيه يا كابتن؟"
أطال التحديق بها ثم قال:
"أقصد نكون صحاب أوي كمان."
لف نظره للقابع أمامها، يتطاير منه أدخنة غيرة ملحوظة. ونظر له نظرة انتصار مع قليل من التشفي.
كاد يفقد عقله. بارع في الصمت، وما له حيلة غيره. شعر بالدوار يعصف بقلبه. حية الخذلان اعتصرت قلبه.
استأذن الرحيل متوجهًا لبيته.
فقال أحمد في حيرة:
"مين دا يا كابتن ميرال؟"
أجابته بماهية عامر.
أفاقت من شرودها على إتيان رسالة على موقعها الإلكتروني. قرأتها بتمعن، وكل كلمة حفرت في قلبها. شعرت بكلمات تدغدغ أنوثتها المقهورة.
قررت مهاتفته.
"الو."
قالتها ميرال ببسمتها المعتادة.
أجابها بهدوء مصطنع:
"إزيّك يا مدام ميرال."
ضمت حاجبيها بتساؤل:
"ومن امتى مدام دي يا عامر؟"
شُدّت إحدى وجنتيه، فارغًا ثغره.
"أهو بحفظ مقامي بدل ما أستاذ أحمد يغير ولا حاجة."
أزداد انعقاد حاجبيها أكثر.
"أحمد مين دا اللي يغير يا عامر؟ وهيغير ليه؟ أنا مجرد صديقة، أو بالاحرى بنت محتاجة مساعدة وهو بيمدلي إيده مش أكتر. وبعدين حتى لو هيغير منك أنت، دنت أخويا يا عامر. أنت ناسي إنك ابن خالة طليقي وجوز صحبتي الوحيدة؟"
تنهد عامر قائلًا:
"ميرال، أنا مش وحش أوي كدا صدقيني. أنا يمكن غلطت كتير، لكن عندي أسبابي. ليلي كانت ونعمة الزوجة والأخت والسند، لكن في ثغرة في حياتنا كانت دايما بتبعدني عنها. كنت بشوف في عينيها إنها فاهمني، لكن بردو كنت بشوف الحب والخوف والقلق. تعرفي أنا حمااار علشان لما بحب بضعف وبسكت. يمكن لو مكنتش سكتت، مكانش حصل فيا وفيها كدا. أنا لازم أقفل دلوقتي. وبالنسبة للرسالة، فدي إحدى أشعاري اللي محدش بيشوفها، وكان نفسي أبعتهالك من زمان."
لم ينتظر جوابها على حديثه الحامل في طياته الحزن والندم. شعرت وكأن ما يحدث ليس إلا خيال كاتب يسطره على أوراقه البيضاء ليمتعنا به. ولكن الأمر لم يعد ممتعًا حينما يتعلق بالحياة الواقعية.
أخذها الفكر طيلة الليل، حتى اغتُصبت السماء بأشعة الشمس تتخلل السحب. نهضت لتوقظ أطفالها، يرتديان ملابسهما ويستقلان الحافلة التي تقلّهما إلى مدرستهما. وبعدها تذهب "للجيم".
"كابتن ميرال، عاش جدا، دقيقة ونص بلانك."
قالتها أمل في تحفيز بالغ.
اعتدلت ميرال لترتمي بجسدها على الأرضية الصلبة لاهثة.
"يلهوي ياااني، يقطع البلانك وسنينه. دا مش بلانك دا عذاااب."
ابتسمت أمل ثم صَفّقت بيديها وقالت بجدية:
"بلانك جانبي يابطلة، يلااا."
قفزت ميرال ليستقيم جسدها، ساندة على كفها الذي ينخفض عن كتفها مباشرة، يرتفع جسدها كاملاً عدا خفيها تستند بهما على الأرض. استمر الوضع لدقيقة، ثم عادت لترتمي على الأرض مفلتحة اليدين، تسب نفسها بصوت خفيض تسلل لمسامع أمل.
"كابتن ميرال، خمسين سكوات حااالا."
شهقت ميرال وقالت:
"طب خليهم عشرين بس."
نظرت لها أمل بجدية وقالت:
"سكوات چمب يلاااااا."
أزداد تذمر ميرال، فهذا أعضل من ذاك.
بدأت ميرال في تباعد قدميها وانخفضت بخصرها لأسفل بشكل عمودي دون تقدم ركبتيها على أصابع قدميها، ثم تقف وتقفز لتعود الكرة حتى وصلت للخمسين عدة.
قالت أمل في عجالة:
"يلا كارديو."
بدأتا في أداء العديد من التمارين الرياضية المرهقة الفعالة، حتى استوقفهما صوت أحمد الصارم.
"كابتن أمل، أنتِ عارفة إن النهاردة عندنا ضيوف مش كدا؟"
أجابته دون فهم:
"أيوه."
أحدت نظراته أكثر وقال:
"ولما هو أيوه في ضيوف رجالة، إزاي تتمرنوا كدا بلبسكم والطريقة دي؟ وحضرتك يا مدام ميرال مش واخدة بالك إن البلوزة اترفعت خالص في التمارين ولا إيه؟"
نظرت له آسفة، صدر منها دون قصد.
"مفيش تمارين النهاردة. اتفضلوا، وياريت يا ميرال تاخدي بالك من هدومك كويس."
ذهب وتركها تنازع دقات قلبها. إنه يغار، ليس فقط بل يراها مثيرة، ليس كزوجها السابق يشعرها بالنقص وافتقاد الأنوثة كاملًا.
في بلد الجمال والرقي، تقبع من ظُن موتها. اليوم هو آخر يوم في الشهر الرابع من المعاناة والإرهاق، إلا أنه يستحق كل الحق للمكابدة. اليوم تقف أمام مرآتها، ولولا أن الملامح متقاربة لجزمت أنها بُدلت.
"هرجع يا عامر، هرجع وأردلك القلم اتنين وتلاتة، وأكمل حياتي وأنت بتشوف نظرات الناس ليا بقت إزاي بعد ما اتغيرت."
التفتت وأحضرت ثوبًا ضيقًا وارتدته برضا عن جسدها المتناسق.
رواية سمينة ولكن الفصل الخامس 5 - بقلم اماني خالد
ثبتت وتيرة الأيام. كل يوم تبدأ بإعداد طفليها ليذهبان للمدرسة، ثم تذهب للجيم. لم يخل الوقت من نظراته واهتمامه الواضح.
وعلى النقيض، ينفطر قلب عاشق دُثر بين ظلمات الهجر. منذ غادرته زوجته، امتُزجت مشاعره بين الراحة والفقد. نعم، راحة شعر بها منذ غابت. ثقل قد أزاله القدر من صدره. لم يهجرها لكرهه لها، بل كلما نظر لها رأى في مقلتيه اسوداد الخذلان. وكأن نظراتها سكين تمزق رجولته. أي رجولة هذه وزوجته محطمة؟ كم كره نفسه ولعنها مرارًا وتكرارًا. فنحاذ لدور الجاني حتى لا يُلاحظ ضعفه.
مرت ثلاث أشهر تغير بها حال الجميع. أصبحت أنحف من ذي قبل. أعيد نحت فكيها من جديد كما خصرها وأردافها، حتى أصابع يدها. ولكن بقي القليل من بروز زائدة سيأخذها الوقت ويرحل. أما عنه، فقد كان يختلق أسبابًا ليتقرب منها. لم يبح بسر. ظاهره حب وباطنه ألم. رفيقة الدرب أعدت المكائد وسنت أسنانها. عادت تثأر لكرامتها من العالم بعد مجهود ومشقة طالت لأربعة أشهر من الحرمان وممارسة الرياضة.
- ميرال انزلي كمان خمس دقايق. أنا تحت البيت.
طالت النظر لرسالته قليلًا، ثم ارتدت ثيابها الجديدة المكونة من بنطال أبيض شانيه يعلوه رداء قطني زيتوني ذو أكمام طويلة. ذهبت لطفليها للاطمئنان عليهما، وإعلام خالتها بتسكعها قليلًا. هبطت للاسفل لتجد عربة مكشوفة تزينها ورود متعددة الألوان، وردية وبنفسجية وبيضاء. جحظت عيناها الواسعتان بشدة وانعقد لسانها عن التعبير.
قطع دهشتها قائلًا:
- يلا يا ست حلويات. لسه الانبهار وقته مجاش.
ابتسمت بحنو، فتلك أول مرة تراه يمزح بلا قيود. جلست بجانبه ثم أغلقت باب السيارة البيضاء المزينة بالورد. كانت تشعر بفرحة مختلطة بالاستنكار. منذ متى والشوارع خالية؟ بل وعربات الورود منتشرة وشعارها بالورد حرف "M". نظر لها بجانب عينه ثم اقترب من مقطورة كبيرة يلاصقها، حتى سقط الورد فوق رؤسهما. لم تمهل عقلها التفكير، بل طغت فرحتها ووقفت تلتمس الورد وهو يتساقط فوق رأسها بحنان.
- اقعدي يا بنتي، هتقعي. العربية ماشية.
قالها وعيناه مصلطة على فرحتها الطاغية وقلبه ينبض بشدة. نظرت له ضاحكة:
- لولا إني عمري ما قولت لحد إني نفسي في اللي بيحصل دلوقتي ده، كنت قولت إن حد قالك.
ابتسم قلبه قبل شفتيه وقال:
- لسه يومنا طووويل، متستعجليش.
جلست جواره تطالعه بنظرات ممتزجة بالود:
- بجد؟ طب يلا بسرعة بقى.
أدار وجهه لها ثم لمس بأصابعه خصلات شعرها وهمس:
- من يوم ما شوفتك وأنا نفسي أعمل كدا.
خفضت نظرها أسفل وصمتت، ثم قالت:
- هو الورد هيفضل يقع علينا كدا؟
ابتسم قليلًا ولم يعطها إجابة تريح فضولها. أوقف السيارة أمام قصر قديم، ثم فتح لها باب العربة وتناول يدها بحنو. دخلا القصر ووقف كراشد لكل معلم سياحي يروي قصته. مضت ثلاث ساعات وهو يقص عليها، حتى أدارت رأسها لتري بين الأثاث العريق صورة فحمية لها يزينها برواز أسود من الخارج. وقفت تنظر وتلمع بعينها أدمع ليست فرحة ولا حزن، وإنما أدمع ذات مشاعر مختلطة، حسرة على ماضي وسرقة عمرها مع صراخ عقلها.
أقترب منها يكفكف دمعها الحزين وأصبعيه يسكنان وجهها:
- متفكريش كتير ياميرال. خليكِ مبسوطة وبس.
أنهى حديثه بطبع قبلة فوق جبينها. لحظة تخفي فيها أكسجين الحياة، موجة هوجاء من المشاعر اجتاحتهما. تمنى لو أنها زوجته وأكمل ما بدأه لتوه. تمنى أن تصبح القبلة وابل قبل لا ينتهي. سرعان ما ابتعد عنها برفق، ثم أمسك كفها الصغير وخرجا من القصر حاملًا صورتها الفحمية.
- هنروح فين تاني؟
نظر لها والحب يقطر من عيناه قائلاً:
- هنروح مكان وعدت نفسي أوديهولك من يوم ماشوفتك.
تحركت السيارة في طريق مستقيم، وبعد ساعة وصلا لغايتهما. ترجلت من السيارة بعد فتحه لبابها قاصدًا تدليلها.
- إيه المكان ده؟ أنا مش مصدقة إنك جبتني هنا بجد.
قالتها بصوت منبهر أثر ما تراه.
- باجي هنا وأفكر فيكِ كل يوم. وآدي إيه أنا كنت سلبي وسبتك تضيعي من إيدي. بس مش هسيبك تاني ياميرال، مش هسيبك. أنا بحبك، بحبك أووي.
يتسطح الطفل ذو العشر أعوام على فراشه ناظرًا لأعلى وعيناه تغرورقان بمرارة الوحدة، بل القهر والاعتداء، ويتذكر ما حدث منذ شهرين.
استيقظت ميرال متأخرة عن موعدها المعتاد، فقامت متأففة:
- ياااه، نمت كل دا. الولاد راح عليهم المدرسة. هروح الجيم إزاي بس ياربي.
اعتدلت لتوقظ طفليها، وجدتهما مستيقظين، فسألت في استنكار:
- ولما انتوا صاحيين مصحتونيش ليه ياهانم إنتِ وهو؟
نظرت طفلتها أسفل وصمتت. أمعنت ميرال النظر حتى وجدت بقع مياه تغرق بنطالها.
- عملتي بيبي؟ هو إحنا مش كبرنا على كدا؟
قالتها بصوت عالٍ جعل الطفلة تبكي بصمت. نظرت تجاه فتاها معاتبة:
- البيه واقف بيعمل إيه؟ اتفضل ادخل غير على ما أغير لأختك.
وبعد الانتهاء، دقت ميرال على جارتها المدعوة "هبة":
- هبة معلش ينفع تخلي الولاد عندك؟ هروح مشوار ومش هأخر.
رحبت بها هبة وبأطفالها بحرارة. وبعد ذهاب ميرال، قررت هبة الذهاب لقضاء الحوائج من الخارج، تاركة الأطفال في رعاية ابنها المراهق الذي يبلغ من العمر 16 عامًا. نظر الفتى لهما وكأنه حصل على وجبة دسمة.
- بقولك إيه ياعلي؟ تعالي نلعب في الأوضة. إحنا رجالة زي بعض، وسيب نريمان تلعب هنا.
نظر له علي بقلق مجهول قائلاً:
- بس أنا ماما قالتلي ماخشش أوضة حد.
نظر له ببسمة خبيثة:
- لا، في جوا بلايستيشن عشان نلعب براحتنا.
لم يمهله لحظة للتفكير، بل سحبه خلفه وأغلق باب غرفته. اقترب منه شيئًا فشيئًا، ثم فتح له هاتفه الجوال يريه شريط مسجل "فيديو" لرجلين يفعلان الفواحش سوياً. هرع الطفل مما يراه، فأمسكه "تامر" هامسًا في أذنه:
- إيه؟ إنت لسه عيل ولا إيه؟ الحاجات دي بتاعة الكبار. لو إنت عيل صغير متتفرجش.
خارت قوى الصبي وهو يحاول ترتيب مشاعره. أيوافق على ما يحدث ويكبر، أم يبقى صبي أمه؟ صمت الفتى متكابدًا على نفسه حتى لا يبقى الصغير ويصبح رجلًا، فذلك ثمن الرجولة. اقترب منه تامر يتحسس جسده البريء هامسًا:
- تعالي نعمل زيهم.
شرع في ملامسة أعضائه وتجريده من ثيابه.
رواية سمينة ولكن الفصل السادس 6 - بقلم اماني خالد
إعوجاج الحياة بات جاهزًا، ليت الميزان لم يُطفف.
- بحبك ومش عاوز أضيعك تاني يا ميرال.
نظرت له وضحكت ضحكة بكاء صاخبة.
- بتحبني، ولا بتشفق عليا وعاوز تعمل معايا اللي معرفتش تعمله مع ليلى مراتك اللي قهرتها وماتت بحصرتها بسببك؟
اغرورقت عيناه بعبرات نادمة.
- مكنتش عاوز يحصل كدا، مكنتش عاوز أكسرها ولا أهينها. أنا حبيتها أوووي، بس محبتهاش كزوجة صدقيني. حاولت حاولت ومعرفتش، كل حبي ليها كان حب أخت مش أكتر. بقت أقربلي من نفسي، كل ما أقرب منها تحبني أكتر. كنت بشوف الحسرة في عنيها، لأول مرة أحس إني مش راجل. قررت أحسسها بالنقص، مكنتش بضيع فرصة عشان تكرهني وعمرها ما كرهتني ولا سوّت صورتي قدام حد. كل ما أبعد تقرب.
سحب الهواء وزفره بشدة واستأنف.
- ليلى اتجوزتني وهي عارفة إني بحبك. وعدتني إننا هنبقى صحاب وننسى كل حاجة. كنت بسأل نفسي كل يوم، إيه اللي يجبرها تضحي بحياتها عشان واحد حب واحدة ابن خالته الأناني. وعرفت بعد سنتين جواز إنها حبتني من يوم ماشفتني في فرحك.
تخلل حديثه بسمة ساخرة.
- تخيلي واحد بيحب واحدة ابن خالته اتجوزها وصحبتها حبته وهو أخدها كوبري عشان يفضل قريب وبس.
صرخت به هاتفة.
- صحبتي مشاعرها كوبري لستك، فاكرها إيه بلاستيك؟
صرخ بإعتراض بالغ.
- صحبتك يوم الفرح قربت مني واتفقنا نكون أصحاب وأخوات. ويوم في يوم عرضت عليا تساعدني ونتجوز. وافقت عشان أفضل جنبك وعلشان فيه حاجة جوايا منجذبة ليها بس مش كزوجة صدقيني. عمري ما شفتها مراتي، بس كانت صحبتي أختي. زمان كنت بعيط في حضنها وأشتكيلها بس مبقاش ينفع. لما قالتلي إنها بتحبني مبقاش ينفع أكون أناني أوي كدا. كان لازم أسيبها قبل ما تدمر، وبغبائي دمرتها فعلاً.
نظرت له بدموعها الهاطلة.
- ليلى كانت عارفة إنك بتحبني واتجوزتك؟؟
- أيوه كانت عارفة، والله ما كذبت عليها. أنا مش وحش يا ميرال.
نظر حوله ليجد الشمس تتقهقر للوراء.
- ميرال أنا جبتك هنا في المكان دا مخصوص، لأن أنا وليلى كنا بنيجي هنا دايما.
دققت عيناه بكل ما حوله وكأنه يراه للمرة الأولى.
ليجد صفحة النيل في أبهى صور لها عاكسة أشعة الشمس الخافتة.
أفاقته ميرال من تأمله.
- عاوزة أمشي يا عامر، مشينا من هنا.
انصاع لرغبتها في الهروب.
يكاد الفكر يأكل عقلها، كيف تخبره بسرها؟ أيسامحها ويلتمس لها سببًا لكذبتها؟ هل سيراعي اعوجاج الحقائق وأنها لم تدرك إلا لخطئه وخطيئته؟ ربما لو عت للحقيقة كاملة لما كذبت وقطعت قلبه أشلاء مبعثرة.
أفاقت من دوامتها على صراخ خالتها تصك صدرها هاتفة.
- علي يا علي مالك يا ابني؟ رد عليا، بتعمل إيه؟ كفايا شخبطة على الحيطان.
قلبت نظرها لتري فتاها يسرع بحركاته ويخدش الحائط بقلمه الحاد.
أسرعت إليه تصرخ به بحدة.
- أنت يامتخلف بتعمل إيه؟ الحيطة باظت.
صفعته على وجهه عدة صفعات وكأنه دني للهلاك بيده.
عنفتها خالتها قائلة.
- دا بدل ما تشوفي ابنك ماله بتضربيه؟ أنتِ جرالك إيه؟ منتِ كنتِ كويسة.
صرخت بها.
- إيه مش من حقي أبص لنفسي زيكم؟ أنا طول عمري بهتم، خدت إيه غير الذل وشكلي اللي اتغير؟ خدت إيه غير المعايرة؟
نظرت لها خالتها ساخطة.
- خدتي إيه؟ والله عيب عليكِ يا شيخة، خدتي إنك بقيتي أم. الظاهر إن أختي الله يرحمها نسيت قبل ما تموت تفهمك دور الست إيه. ياهانم هو أنتِ إيه؟ معندكيش وسط؟ يا تربي وتهملي في نفسك، ياتهملي في عيالك؟ أنا ساكتة ومش عاوز اضغط عليكِ، بس لهنا وبس. شوفي نتيجة أفعالك عملت إيه.
قالت كلماتها وهي تشير إلى علي الواضع يداه على أذنيه خافضًا رأسه لأسفل.
نظرت ميرال لطفلها، الآن فقط انتبهت لما يحدث لطفلها. كقطعة حريرية علقت بوابل مسامير تمزقها كان قلبها.
- من بكرة هوديه لأخصائي نفسي، أنا إزاي سبت ابني كدا.
- من غير كلام كتير، أنا همشي وأسيبلك البيت واهتمي بعيالك لوحدك.
تركتها تنهر نفسها، تحاربها نفسها من جانب زحف فكرها لأحمد وكأنه منقذها. فوجدت منه رسالة.
- سبتك كام يوم ومسألتش، بتيجي الجيم وتمشي على طول. حاسس إنك بتهربي، أنا محتاج أشوفك.
تهلل قلبها وشعرت بحاجتها في البوح.
هاتفاته واتفقا على اللقاء صبيحة اليوم التالي.
- ها بقي قولتيلي نتقابل؟ حاسك عاوزة تتكلمي.
تبسمت بألم وقالت.
- أنا محتاجة أحكيلك يا أحمد.
رفع يده يحتضن كفيها بحنان.
- أنا جنبك ومش هسيبك وهسمعك مهما كان كلامك. أنا...
- أحمد أنا... أبويا كان راجل شديد، كان ظالم. ظلم نفسه وظلم أمي وظلمني معاهم. لما كنت صغيرة كان بيعامل أمي كأنها خدامة، فضل يقهر فيها ويقولها إنها شبه الموميا رفيعة مش زي الستات. كان دايما يحسسها إنها وحشة وكانت بتسكت، حتى لما كان يهينها عشان أنا بنت كانت بتسكت. لحد ما في يوم نامت مصحيتش، ماتت من كتر السكوت والكتمان. ماتت وسابنتي معاه. تعرف لما ماتت فضل شهر حابس نفسه، لا أكل ولا شرب ولا كلام. رغم إني كنت صغيرة بس شفت الندم في عينه.
ضحكت بتهكم.
وبعد الشهر خرج أسوأ من الأول. في يوم اتعرفت على ست وساعدتها في الطريق ودخلتها بيتنا. جه ابنها ياخدها شافني. وفي يوميها بليل بابا قالي: "هيثم اتقدملك وهجوزهولك". حتى مسابنيش أقول رأي. اتعصبت ورفضت. صحيت لقيته مات...
وأنا بغبائي قولت: "لأ لازم أنفذ كلامه عشان يموت مرتاح". فعلاً اتجوزنا، أول سنة كان كويس، كان بياخدني معاه يفرج الناس على مراته الحلوة الجميلة. وبعدها خلفت علي. بقي يزعق ويتخانق ويتعصب، ساعات كان بيقولي في الخناق: "أنتِ فاكرة نفسك ليكِ قيمة؟ أنتِ أبوكٍ باعك قبل ما يموت". كان بيتعمد يكسر قلبي لحد ما عدت السنين ومبقاش حتى يرجع البيت. من تسع شهور بالظبط زعقلي وأهاني أوي، قالي إني مش ست ولا أنفع أبقى زوجة واتجوز عليا. طلبت الطلاق ومشيت عند خالتي قعدت عندها. بعدها ليلى صحبتي حصلها مشاكل مع جوزها عامر وماتت مقهورة. وأنا... أنا... أنااا قررت أنتقم من عامر وأمثل عليه إني نسيت موت ليلى واخليه يحس إني بقيت قريبة منه واحتويه. وبعدها أسيبه وأكسر قلبه زي ما كسر قلب ليلى.
فقدت السيطرة على عينيها وباتت تشهق شهقات متتالية.
- امبارح بس اكتشفت إن ليلى هي اللي غلطانة، وإنه كان صريح معاها.
- إنه بيحبك يا ميرال.
عقدت حاجبيها متسائلة.
- وعرفت منين؟
ابتسم بخفة وهو يطفئ سيجارته.
- أصل الراجل اللي يحب بيحس بنظرات الناس للي بيحبها.
ابتسمت بتهكم.
- ويتري مين فيكوا ينطبق عليه الكلام دا؟
انكمشت ملامحه.
- مش هتفرق كتير، احنا الاتنين حسينا عشان كدا كل واحد مش طايق التاني. المهم كملي.
أكملت ميرال استرسالها.
- عرفت إنها عارفة بحبه ليا من زمان ووافقت تتجوزه وهي عارفة. أنا ندمانة يا أحمد، ندمانة عشان أنا جرحت عامر جرحين.
الأول إني ضحكت عليه وفهمته إني منجذبة ليه.
والتاني...
- التاني إني عايشة، وكل دا من تخطيطي.
رواية سمينة ولكن الفصل السابع 7 - بقلم اماني خالد
ابيضت مفاصلها، تدرك هوية ذلك الصوت.
التفتت لتقطع شكها.
نظرات حادة رمقتها بها.
- سيربرايز مش كدا يا ميروا.
ابتلعت لعابها الغزير وتتقهقر خطواتها للخلف.
- ليلي انتِ جيتِ دلوقت لية؟ احنا متفقناش علي كدا. وبعدين بقالك شهرين مبترديش عليا لية؟
صكت أذنيها بضحكاتها الصاخبة.
- البركة في ميدو، بصراحة كان بيبلغني كل حاجة أول بأول.
جحظت عيناها، يعصف عقلها بموجة هائجة من الفِكَر.
- ميدوو.... ميدو مين؟ انا معرفش حد بالاسم دا.
رفعت ليلي إصبعها مشيرة لأحمد قائلة:
- ميدو دا كابتن أحمد، مهو أنا نسيت أقولك إننا صحاب. مش بقوله أحمد زيكوا كدا؟ تؤ تؤ.. مش كدا ياميدو .... الله ماترد ياميدو مالك ساكت ليه كدا؟ الظاهر انه مكسوف.
- انتِ.. انتِ بتقولي اية؟ احمد احمد رد عليا الكلام دا صح.. أحمد أنتوا فعلا بتلعبوا عليا. احمد! انا انا وثقت فيك. قولي أنها كذابة... وانتِ ياليلي عملتِ كدا لية؟ أنا ميرال صحبتك لية كدا؟
كانت الدموع تدرك طريقها لتقفز مع مقلتيها تغرق وجهها.
نظرت لها باسمة.
- ميرال متبقيش أوڤر. كان المفروض تفهمي أنك بيتلعب عليكِ. وبعدين صحاب مين؟ إحنا عمرنا ماكنا صحاب. طول عمرك انتِ الضحية الجميلة الحلوة اللي الرجالة بتجري وراكِ وانااا.. انا ضلك اللي بيداس عليه من رجلين معجبينك.
ثم أكملت في حقد بين:
- حتى بعد ماتخنتِ جوزي فضل يحبك. فضل يشوفك فيا. فضل يتجنبني علشانك.. انا اكتر واحدة فرحانة بطلاقك بس تعرفي بردو مفشتش غلي وكملت عليكِ وخليتك تدمري عامر زي مادمرني ودمرتك مرتين. مرة لما خليتك تدمريه وتعيشي بذنبه ومرة كمان لما وهمتك ودمرتك بحب أحمد.
ثم رنت ضحكاتها الخبيثة:
- خدي الكبيرة بقي. أنا اللي كنت بحطلك أدوية تتخنك في الاكل وفي العصير. اااه مهو مش أنا أكون التخينة المبعجرة أم كرش وأنتِ الرفيعة. أنتِ اللي زيك خسارة فيه حد يحبه ياأنانية ياسودا. هتفضلي طول عمرك جشعة عاوزة كل حاجة. استغليتِ سفري وخسيتِ علشان ترجعي ميرال اللي الرجالة بتريل عليها. لكن اهووو انا كمان خسيت وبقيت أرفع وأحلى منك.
شُج قلبها وأصمتتها الفجعة في أحبتها.
- سااكتة لية ياميرال؟ اكيد معندكيش رد. عرفتِ بقي اد أية انتِ اقل وحدة في الدنيا.
جرت أذيال خيبتها وذهبت دون التفوه بكلمة ترد كرامتها.
نظرت ميرال لأحمد.
- أية؟ أكلت سد الحنك قدامها؟
- سيبني في حاالي بقي يا شيخة.
أحيانًا تختبئ الروح في الأصابع الباردة وتفر من الجسد حيثما تدرك تدنسها بقمامة القلوب.
- ميرال بقالي يومين ببعتلك ومبترديش. إحنا ممكن نرجع أصحاب تاني بس متسبنيش كدا ارجوكِ.
كانت تلك رسالته لها عبر حسابه الإلكتروني بعد وابل من الرسائل المُتجاهلة.
أخفض رأسه بين قدميه وتساقطت الدموع من عينه عائدًا بذاكرته للخلف.
- خالتو هي ماما راحت فين؟ هي مش بترد عليا ليه؟
نظرت له بدموعها الهاطلة وقلب منفطر.
- ماما راحت عند ربنا ياحبيبي.
- يعني خلاص خلاص مش هشوفها تاني؟ خلاص سابتني لوحدي؟ يعني مش هقول ماما زي اصحابي؟
- لا يا حبيبي. أنا امك وخالتك وكل حاجة. اوعي تقول كدا تاني.
- بجد؟ هقولك ياماما وهتحبني زي هيثم.
- طبعا ياحبيبي. أنت أبني زي هيثم بالظبط.
ابتسم على ذكرياته وكيف كان يتيمًا وربته خالته. ولكن ما عكر صفو حياته هو ابن خالته وابيه. لم يعرف يومًا لم يكرهانه هكذا.
وقفت تدق باب شقتها دقات خافتة، حتى فتحت ابنتها الصغيرة.
- ماما اتأخرتي ليه؟ دا تامر جوا مع علي بيلعبوا وقافلين الباب عليهم مش عاوزين يلعبوني.
ربما لو كانت في وعيها لعيت لما يحدث، ولكن عقلها منشغل فيما يحدث لها. لذالك لم تعطِ بالاً لحديث ابنتها واعتقدت أنها ترهات وثرثرة.
ركضت الفتاة تدق باب غرفة أخيها وتنادي بصوت عالٍ.
- افتح يا علي ماما جت وهتضربك علشان انتوا مش راضيين تلعبوني معاكوا.
هلع تامر ونفر من خلف الصبي وأدخل ملابسه وهندم هيئته وقال بحدة.
- امك جت. لو فتحت بوقك هقولها انك عرضت عليا اعمل كدا في اختك وهعمل كدا فعلا. انت ساامع؟
كل ذالك أكبر أنه يدركه صبي ذو العشرة أعوام. كان يبكي ويبكي ويبكي وينهر نفسه. هل مايحدث صحيحً؟ إذا لمَ لم يراه امه تتزوج بامرأة او ابوه يتزوج برجل؟ هو حتي لا يشعر معه بسوي بالقذارة. يتذكر جيدا ان امه منذ تسعة اشهر قصت له عن نبي الله لوط وقومه الفجرة. لقد قالت انهم تركوا النساء للنساء والرجال للرجال فأثاروا غضب الرحمن وسخطه وجعلهم اية في العذاب. حاول أعلاه أن يوقظ عقله. هرع الطفل أكثر وفكر كيف يتخلص من أفك كهذا. وعقد عزمه لفعل الخلاص.
مددت جسدها تنظر لخيبتها. صديقتها الخائنة ومن زعمت حبه خائن أكبر. والذي بغضته وكنت له القسوة وحاكت له المكيدة كان الأصدق في حبه. يالله كم الحياة قاسية.
رفعت هاتفها المهتز لتري أتصال من رقم مجهول.
- الو.
لملمت شتات نفسها لتجيب.
- الو.
- مدام ميرال.
- ايوة مين حضرتك؟
- أنا ماجي يمكن متعرفنيش بس أنا اعرفك كويس اوي. المهم أنا بصراحة مش فاضية ومش هضيع عمري علشان الكائن المقرف دا. هيثم عمل حادثة والدكاترة قالوا انه خلاص مش هيعرف يمشي تاني لان عنده كسر في العمود الفقري. دا غير شكله اللي يرعب لان العربية ولعت وهو فيها. أنا علشان ربنا بس اتصلت اقولك لو هتيجي لو مش هتيجي براحتك. أنا ماشية علشان منظره بشع. المستشفي ******* اللي في مصر الجديدة.
وضعت ميرال يدها فوق رأسها تحارب السقوط وعزمت على مهاتفة عامر فهو ابن خالته.
- الو ميرال وحشتيني اوووي. كنت عارف اني مش ههون عليكِ.
- عامر مش وقته. هيثم عمل حادثة وحصله تشوه وكسر في العمود الفقري. أنا هرحله لو حابب تيجي في مستشفي ******
اغلقت الهاتف سريعا ودخلت مرحاضها تنعش بشرتها الجافة كقلبها بالماء عل الحياة تنبض بهما.
ذهبت ميرال لغرفة هيثم في المشفي.
- ياااا ميرال انتِ بجد.
- اه ياهيثم انا ميرال.
- سامحيني سامحيني ارجوكى. أنا كنت غلطان.
قطع حديثه دخول عامر.
- سلامتك يابن خالتي.
- الحمدلله انكوا مع بعض. عامر حقك عليا انا كنت وحش اوي طول عمري بس أرجوك سامحني.
ثم توجه بنظره لميرال.
- ميرال عامر بيحبك. انا صحيح عمري ماحبيتك لكن لو كان ليا عمر كنت هحبك اوي بس خلاص الوقت عدي. اناا.. اناا اتجوزتك علشان كنت عارف ان عاامر بيحبك. كنت عارف انك نقطة ضعفه. وليلي ساعدتني كتير. ابعدي عنها يا ميرال. ليلي عمرها محبتك. ليلي... ليلي مريضة نفسية كانت بتروح لدكتور نفسي علشان تتعالج.. بس هي مكملتش. ولما شافت عامر اتجننت بيه. سامحوني عشان اموت مرتاح. سامحوني ارجوكوا...........
تعالت صفارات الأجهزة الطبية. ركض الطبيب وفريقه المسعف ولكن الروح قد غادرت.
وقفت ميرال تصرخ بشدة حتى سقطت أرضًا. حملها عامر ليطمئن عليها وعقله يبكي ويصرخ.
- يوم ما تعرف غلطتك ياهيثم تموت. كان نفسي اوي تبقي جمبي ومتسبنيش لوحدي. كان نفسي نبقي اخوات بجد.
أفاقت ميرال ببعدما أعطاها الطبيب مهدئ.
- مات هيثثم مااات. وليلي خاينة واحمد زيهم. وياتري انت اااي كمان؟
جلس جوارها ولف يده حول خصرها وهمس بأذنها.
- أنا غير اي حد. أنا حبيتك وبحبك وهحبك في اي وقت باي طريقة. انتِ حبيبتي.
اغرورقت عيناها.
- عاوزة اروح روحني يا عامر.
وصلت لبيتها وجدت حشد يحاوط منزلها. دب الخوف قلبها وتتعالي الصرخات حولها. لتجد فتاها يتسطح على أذرع أحد الجيران ويسيل دمه يغرق الأرض. ووجه ينم عن فقد الحياة.
رواية سمينة ولكن الفصل الثامن 8 - بقلم اماني خالد
وقفت تصرخ: أحقا ما يحدث؟ هل فقدت صغيرها؟ ماذا يحدث؟ أي لعنة حلت عليها؟ أو أنها امتداد لعنة من أمها؟ ياله من حظ عثر. قلبها يصرخ.
وقفت أمام غرفة العمليات الجراحية مشردة الفكر، تقلب عيناها بالمكان.
"هو حصل إيه؟ إيه اللي عمل فيه كدا؟ حد يرد عليا!"
تحدثت جارتها قمحية البشرة:
"الولد انتحر."
ردت جارة أخرى:
"يختي، ما دام فيكِ صحة تخرجي هنا وهنا مع دا ودا، شوفي ابنك وبنتك، طالما مش قد الخلفية بتخلفوا ليه؟ منحوا لله!"
لم تستطع ميرال النطق، فإنهم على حق، هي المذنبة.
بعد بضع ساعات، خرج الطبيب وفريقه من غرفة العمليات. هرولت إليه ميرال وعامر يسألان عن حالة الطفل.
"الولد دا لازم يتعرض على دكتور نفسي، احمدوا ربنا أنها عدت المرة دي."
ثم أشار لميرال قائلاً:
"أنتِ السبب. الولد لو لقي حنان مكنش وصل لكدا. الموضوع مش خطر، متقلقوش، بس مين عالم هيحصل إيه بعد كدا."
تركهم وغادر.
"ميرال، ابنك ماله؟ ملحظتيش عليه أي حاجة مش طبيعية؟"
"كان بيشخبط على الحيطان والورق بعنف بقاله فترة." ثم نكست رأسها لأسفل.
"أنا بقالي أسابيع معرفش عنهم حاجة غير أكلهم وشربهم بس."
سخط ارتسم على تقاسيم وجهه.
"جرالك إيه؟ ولادك دول ولا لأ؟ أنتِ مالك كدا متغيرة وكلامك متغير، حتى تصرفاتك مش أنتِ ميرال اللي عرفتها أبداً."
"عامر، هحكيلك كل حاجة لأني مش قادرة أتحمل أكتر من كدا، بس بعد ما علي يفوق، أوعدك هقولك كل حاجة."
مر الوقت سريعاً، وفتحت عينا الصغير بضعف. هرولت إليه أمه:
"علي، رد عليا، فوق يا حبيبي، حقك عليا يا بني، سامحني."
نظر لها الصغير، ثم أدار وجهه، وتساقطت عبراته من مقلتيه.
تدخل عامر مازحاً:
"علي البطل هيقوم، كنت حتة راجل كبير وعايزين نجوزك، ها؟ أنقيلك عروسة على ذوقي."
انفجر بلون عينه، يظرف الدموع حسرة على رجولته الفانية. لقد آدمي جرحه، ليته لم يتكلم ويذكره.
آتى الطبيب يتفحص الصبي ووجده ينهار، فأعطاه حقنة مهدئة.
نظر الطبيب لهم بسخط ثم قال:
"أنا ساكت، لكن الظاهر أن الموضوع كبير. أنا هبعتله دكتور إسماعيل، دكتور نفسي يشوف ماله، وكفاية ضغط على الولد."
مرت ساعتان والصبي هادئ تماماً.
"تعالي برا، عاوزك."
تحدث عامر وهو يسرع للخارج. لحقت به ميرال.
"دلوقتي... وحااالا تقوليلي فيه إيه."
تنهدت ميرال وقصت له كل ما حدث، مروراً بحديث ليلي وكذبها وتعاهدها مع أحمد ليوقع بها.
برزت عروق رقبته.
"أنا مصدوم فيكوا انتو الاتنين... تعرفي لولا ابنك اللي جوا دا، أنا كنت مشيت، لكن أنا مش واطي، وآخرك معايا لحد ما يخف، غير كدا أنتِ برا حياتي."
جلست تبكي وتسب نفسها، أين عقلها وهي تدمر رجل كل خطيئته أنه أحبها من أعماق قلبه.
جلس الطبيب يتفحص حركات الصبي ويتحدث معه بسلاسة:
"تعرف أني زمان كانوا بيعتدوا عليا."
جحظت عينا الصبي وانكمش، صار يبلع لعابه السائل بغزارة.
تيقنت شكوك الطبيب قائلاً:
"بس اتعالجت وتعافيت من الأذى اللي حصلي، وخدت حقي."
تقلبت عينا الصبي في الغرفة خشية فهم ما يحدث له.
"انت بتقولي الكلام دا ليه؟ أنا أنا محدش عملي حاجة، أنا راجل أيوه راجل ومش بعمل حاجة تخليني أدخل النار."
أبتسم الطبيب:
"مين قال إن كل حد اتعرض لاعتداء هيخش النار؟ طالما هو مجبور ومش بمزاجه، يبقى مش هيخش النار. لكن هيخش النار فعلاً لو سكت ومتكلمش وقال على اللي عمل فيه كدا علشان يتحاسب."
"بجد بجد هيتعاقب؟"
أبتسم الطبيب وقال بجنوب:
"لو قولتلي، أوعدك مش هسيبه إلا لما يتعاقب."
تنهد الصبي وقرر البوح بما يحمله صدره، وقص له كل ما حدث بلهجته البريئة:
"تامر بن جارتنا، ماما لما بتبقي مشغولة بتسيبنا عندهم. هو... هو قالي إني كبرت ولازم أبقى أبقى راجل. وراني فيديوهات فيها حاجات مش كويسة. أنا قولت لأ دا حرام، بس هو قالي لو رفضت يبقى أنا عيل مش كبير زيه. بعدها جاب فيديو فيه اتنين رجالة بيعملوا... بيعملوا حاجات وحشة أوي وقالي نعمل زيهم. أنا معرفتش أرفض لأنه هددني وأنا خوفت عشان ماما مش هتسمعني. ماما بقت كل حاجة تزعق وتضرب. أنا خوفت تضربني وتصدقه. مرة ماما جت وهو عندنا قالي لو اتكلمت ه... هيعمل كدا في أختي. أنا خوفت عليها، خوفت تحس زي كدا. كان نفسي ماما تكون هادية زي زمان، مكنتش هتردد أقولها، لكن هي من ساعة ما راحت الجيم وهي بتخرج كتير، وأحيانا أكل من برا وتسبنا نذاكر لوحدنا. كل دا مكنش بيحصل زمان. أنا جبت موس وقطعت بيه إيدي عشان أموت. أنا هعيش لمين؟ ماما خلاص مبقتش مهم عندها، وأختي لما تكبر محدش هيحبها ولا يتجوزها بسببي، وبابا سابنا ومشي. أنا عارف كل حاجة، أنا مش صغير، أنا عارف إن بابا اتجوز وساب ماما عشان تخينة، بس هي خسّت وبقت حلوة دلوقتي، بس تعرف ماما التخينة أحن مليون مرة من ماما الرفيعة الحلوة. أنا خايف أجبلهم لعنة بسببي، هما ميتستاهلوش كدا، هما حلوين، أنا الوحش اللي ربنا مبيحبنيش."
حاول الطبيب الحفاظ على ثباته الانفعالي، لأن ذلك هو أسمى عمل يقدمه، ولكن دمعة هربت من سجن عينيه حينما استأنف الصبي كلماته:
"توعدني أن تامر هيتعاقب؟ قول أنه هيتعاقب وأخد حقي منه. أنا بكرهه أوي. هو... هو اللي خلاني مش راجل، هو اللي اللي خلاني منفعلش أبقى زيكوا. أنا خايف أعيش عشان مبقاش كدا طول عمري."
وقف الطبيب بجدية:
"أوعدك هعاقبه وهعالجه عشان ميبقالوش ضحايا غيرك. أنت تمام يابطل، دا حدث عارض وبس، أنت كويس ورجل أوي كمان، أنت شجاع، تعرف لو كل الولاد شبهك كدا كنت هفرح جداً. هسيبك دلوقتي وأشوف هعمل إيه مع تامر."
خرج الطبيب قاصداً ميرال.
"تعرفي، أنا كنت ناوي مأسيبكيش في حالك، لأن كل اللي الولد فيه دا بسببك، لكن شكلك ضحية، وابنك وبنتك ضحاياكِ."
نكست ميرال رأسها.
"ابني عنده إيه يا دكتور؟"
"ابنك... لا ولا حاجة. ابن جارتكوا كان بيعتدي عليه جنسياً، بس حاجة بسيطة."
صرخت ميرال وصخكت صدرها:
"ابني أنا حصله كداااا؟ ابن جارتنا مين؟ أنا كنت بسيبه عند... تااامر، تامر اللي عمل في ابني كدا؟"
"أيوة تامر. أنا هتصرف مع الولد، متتكلميش عشان ميهربوش. الولد.. ياريت تهتمي بابنك شوية لأنه متدمر، والدور على بنتك كمان."
رحل الطبيب، ولمحت ميرال طيف صديقتها الخائنة تبتسم من بعيد وهي تقترب، حتى عبثت ملامحها.
"ألف سلامة على علول يا ميرال، مش تخلي بالك من ولادك بردو."
آتى عامر والغضب يمتلكه:
"أهلا أهلا، ليلي عادت من الحياة الأخرى ولا إيه؟"
نظرت له ليلي بخبث:
"كنت بردلك اللي عملته فيا."
أبتسم بسخرية:
"اللي عملته فيكِ دا الهستيريا أكلت دماغك."
ارتبكت ليلي:
"هستيريا إيه؟ مش كفاية جاية أشوف ابن صاحبتي الخائنة كمان بتهزقني."
"ليلي، صحيح هو أنا قولتلك أن فرحي أنا وميرال الشهر الجاي؟ بما إنك جيتي، أحب أقولك أنك مش من المعازيم، ودا مش عشان الفليم الهندي دا، لا لا، عشان أنتِ لسة مراتي وعلى ذمتي، وأنا بصراحة مش هكون فضيلة وأخاف على سمعتي بردو، مهو اللي زيك ملوش أمان."
رواية سمينة ولكن الفصل التاسع 9 - بقلم اماني خالد
وقفنا آخر حاجة عند صدمة ميرال في ليلي وأحمد وموت جوز ميرال وحقيقة جواز ليلي وعامر.
يمرون عبر الأضلع لا الطرق.
لا تجمعنا المواقف بل القلوب تبحث عمن يسحقها.
تلك القلوب الحمقاء تجوف جوفها لأجل رحالة غذائهم ثمار الألباب.
سُعقت ليلي مما سمعته. هل بعد كل هذا ويتزوجان؟ بعد كل ما حاكته من مكائد يجتمعان؟
فقالت:
_ بجد والله؟ طيب كويس إنك هتتجوزها، مهو بردو عيب بعد كل التلزيق ده ومترضاش بيك.
تلك الخبيثة أصابته في جرحه. لو لم يكن يدرك نواياها لتراجع عن قراره. فقرر ملاعبتها على طريقتها الخاصة.
_ الحب يا لي لي، الحب! خلاني أنسى كل حاجة، حتى القرف اللي شوفته معاكِ نسيته. أنا هعوز إيه تاني وحبيبتي معايا.
وكأنها لعبة ينهزم فيها من يطعن بالسكن ويتألم، ويظفر من يتحمل الطعنة ويبتسم.
_ طلقني يا عامر، أنا عايزة أطلق.
ابتسم ثم ارتفع ذراعه يضمها بشدة، ثم قبل وجنتيها بحنان لم تعهده.
_ لي لي، إحنا متجوزناش أصلًا عشان نطلق. بس ممكن نتجوز النهاردة ونحتفل بالتغيير الجديد.
لم تدر هل حن قلبه أم هي أكذوبة الانتقام. أيا يكن ما يحدث، قلبها يصرخ غيرة على حبيب لم تدرِ بحبه طوال سنوات. أرادت لو تصرخ وتنتزعها من حضنه، تريده لها لا أن تتقاسمه مع أخرى.
ارتبكت وقرعت طبول قلبها. لا تأبه هل كذب أم حقيقة، طالما نالت حبه وقربه.
لاحت ابتسامته المغناطيسية وأخرجها من ضمته الحنون.
_ باي يا ميرو، هاجي تاني أطمن على علي.
رنت كلماته كناقوس لاستعادة وعيها. هو ما زال يركض خلف حبه، بل ويتزوجها. إذا، لم يريد الاقتراب؟
_ عامر، لم أنت هتتجوزها رجعتلي ليه؟
_ يمكن عشان حسيت إنك مظلومة. لي لي، إنتِ ملكيش ذنب في كل ده. إنتِ مغلولة على أمرك، أنا عارف يروحي، عشان كده أنا قررت أتجوزها عشان كل الناس تعرف هي قد إيه شريرة وخطافة رجالة.
أكاذيب... أكاذيب! لو قيلت لرضيع لسخر من هذا الهراء. أما هي، فحديثه كالفردوس لها.
***
جثت على الأرض تبكي. هل يتنازل عن حبه بتلك السهولة؟ هل نسي وعده لها؟ الآن يتركها ويرحل حتى قبل أن يرجع حق صبيها. غريبة هي الحياة، تنتزع منك أقرب القلوب وتبدلها بقلوب كارهة أعتم من الأجداث. بالأمس كانت ليلي الصديقة المخلصة، واليوم صارت غريمة شمطاء. لم تكتفِ بصدمة واحدة، بل صدمتها برجل كانت تظنه احتواء.
فاقت من نحيبها على يد تنتشلها من الأرض.
_ عارف أنت شايفاني إزاي، بس لازم تسمعيني. اسمعيني مرة واحدة، ولو مقنعتكيش مش هتشوفي وشي تاني، وعد.
نظرت له بسخط ثم قالت:
_ أسمع إيه؟ اسمع إنك استغلتني واستغليت ثقتي فيك عشان تخلي صاحبة عمري تنتقم مني؟ بتعملوا فيا كده ليه؟ لييه؟ عملت فيكم إيه؟ أنا عريتلك جروحي وقولتلك عن معاملة أبويا وأمي اللي راحت وجوزي اللي خانى، وأنت كنت عارف اللي عملته صحبتي، حتى أنت جيت عليا ليه يا أحمد؟ لييه؟
فرت دمعة تبعها وابل دموع وشهقات طفولية.
_ أنا مريض نفسي، سنين المرض بيتملك مني. لما قررت أروح للدكتور وأتعالج، قابلت ليلي هناك. هي اللي جتلي واتعرفت عليا، قربت مني في وقت كنت بتمنى مراتي ترجع فيه. حكتلي إنك...
بلع لسانه وشلت حنجرته حتى أكملت له ميرال ما كان يود البوح به.
_ قالت إني مش كويسة وخطفت جوزها وبعلقها بيا، صح؟ قالت إني كنت بحب آخد كل حاجة لنفسي.
وسُع بؤبؤ عينه في زهول. كيف عرفت كل هذا؟
_ متستغربش يا أحمد. أنا خلاص فهمت كل حاجة.
_ ليلي مريضة هستيريا يا ميرال، أنا لسه عارف كده. ليلي، كنت بتضحك عليا. أنا مضطر أحكيلك كل حاجة.
**فلاش باك**
_ أنا زهقانة بجد يا أحمد. أنا كل مرة باجي هنا بفضل مستنية فوق التلت ساعات.
_ أنا بيتي قريب من هنا أصلًا، بس باجي بدري عشانك.
_ بجد؟ طيب تعالي نقعد هناك لحد ما الوقت يجي.
حمحم في حرج.
_ ليلي، أنا عايش لوحدي وأنتِ ست لوحدك. هتيجي إزاي؟
ضحكت متلحفة في ثوب العفة.
_ أحمد، أنت أخويا. إزاي تقول كده؟
_ طيب تعالي ياستي، البيت خمس دقايق من هنا.
ذهبا للبيت سويًا، إحداهما يحيك خدعة والآخر يلعن نفسه على موافقته.
_ ادخلي يا ليلو.
دخلت وإبتسامتها بعرض وجهها تتطلع للبيت بخبث.
_ فين المطبخ عشان أعمل حاجة نشربها؟
_ على إيدك الشمال بعد الليفنج.
كان يحدثها وهو يشير إلى المكان البعيد نسبيًا. وبعد خمس دقائق عادت ليلي حاملة كأسين من القهوة.
_ مش لاقية صنية بصراحة.
ابتسم أحمد على طلقتها المتنكرة وتناول القهوة في عُجالة. مرت ثلاث دقائق وبدأت الرؤية تتشوش.
_ ليلي، أنا مش شايف. دايخ أوي.
ابتسمت ليلي واتسعت ابتسامتها حينما فقد وعيه كاملًا وبدأت يداه تعبث بتنورتها.
_ هو ده اللي المفروض يحصل.
وبعد ساعة من انتهاء مفعول المخدر، استيقظ أحمد على نحيب ليلي المتكورة أسفل النافذة تغطي جسدها السمين. هرع مما رآه واتجه لها وتقاسيم وجهه تكاد تبكي كحال قلبه.
_ حصل إيه؟ أنا عملت كده إزاي؟
_ كنت بحاول أفهمك إنه مينفعش واني ست متجوزة. أنت اللي صممت. ليه عملت فيا كده يا أحمد؟ ليه؟ أنا اعتبرتك أخويا.
جلس على ركبتيه وتساقطت عبرات عيناه ثم قال:
_ حقك عليا أنا، والله ماكنتش في وعي. أنا آسف، هعملك أي حاجة تطلبيها، والله أي حاجة يا ليلي.
صرخت به بشدة قائلة:
_ تعملي إيه؟ مش كفايا جوزي وصحبتي كمان. أنت منكم لله، منكم لله.
وجهت في باله فكرة كي يتخلص من ذنبه.
_ أنا ممكن أنتقملك منهم، بس تسامحيني.
رفعت عيناها المغرورقتين بالأدمع ثم ابتسمت وهزت رأسها هزات متلاحقة. قام من مجلسه يخرج خارج الغرفة حتى وقعت عيناه على الفراش الملطخ بالدماء. أراد سؤالها ولكن تراجع حتى لا يزيد الطين بلة.
باك.
تنهال الدموع من عيناها بغزارة. أتصل قذارتها لهذا الحد؟
_ صدقيني، أنا فعلاً كنت بنتقملها عشان أعوضها. كنت فاكرك فعلاً ظالمها، لكن هي اللي طلعت كدابة. صدقيني، أنا حبيتك بجد يا ميرال. حبيتك وأنت تخينة قبل ما تكوني رفيعة.
خرج الطبيب ووجه حديثه لها.
_ للأسف ابنك تم الاعتداء الكامل عليه. طبعًا الكشف تم والولد متخدر عشان ميؤثرش على نفسيته، لكن لازم متابعة مع طبيب نفسي عشان ميطلعش يكرر نفس اللي حصل في أطفال تانية.
كادت تتعثر حتى أمسكتها يده وحدثها بشدة.
_ المدام مكانتش فاضية لابنها وسايباه للجيران يعملوا فيه كل ده. ضيعتي مستقبل الولد.
_ أنت مالك بتحاسبني وكأنك أبوه؟ ليه؟ دا ابني أنا.
_ ابنك؟ ولما هو ابنك سيبتيه ليه وجريتي ورا صحبتك؟ والبيه ده ليه يا ميرال؟
تدخل الطبيب النفسي الذي كان يمر بالصدفة.
_ كفايا بقي، كفايا. انتوا في مستشفى. أنا متعاطف معاكوا بس ومش عايز آخد أي إجراء قانوني، لكن كده انتوا بتعقدوا الموضوع.
ثم وجه حديثه لها.
_ لازم أباشر حالتك يا مدام. أنتِ نص العلاج، وكمان الأستاذ.
ثم استأنف حديثه.
_ أنا روحت للولد اللي اعتدى عليه وكلمته بصورة خاصة وبطريقة ما اعترف بكل حاجة بعد رفض شديد.
تنهد الطبيب ذو الثلاثين عام وقال:
_ زي ما توقعت، الطفل ده حد كان بيعتدي عليه ولازم يتعالج. وقبل أي اعتراض، انتوا مش هتكسبوا حاجة من سجنه، لكن هتكسبوا كتير لما يتعالج ومحدش يتأذى زي ماكو تاني.
رحل الطبيب دون انتظار رد منهم.
***
_ وائل يا وائل، أنت يا ولد مش بنادي عليك؟
_ بابا مبقاش يجي ليه يا ماما؟
سقطت الملعقة الخشبية التي كانت تستخدمها في تقليب الطعام الموضوع على فوهة النار في المطبخ متوسط الحجم.
_ ا... أبوك؟ أبوك إيه بس؟ أنا عايزك تعتبره مات. الراجل ده مبيحبكش.
انهار الفتى وصرخ.
_ مبيحبنيش؟ ولا خايفة عليا منه؟ ها؟
توسعت عيناها وتأخرت حروفها.
_ وهخاف عليك منه ليه؟ هو أبوك هياكلك؟
_ لا. هيتحرش بيا بس متقلقيش. هو عملها وخلاص. وأقولك كمان، أنا عملت في علي زي ما عمل جوزك فيا.
صرخت وجلست تصك صدرها حتى احمر وتخافتت أنفاسها.
رواية سمينة ولكن الفصل العاشر 10 - بقلم اماني خالد
هلع الصبي من تخافت نبضات أمه وصار يصرخ حتى تلتم الناس ويساعدوه. وهذا ما حدث بالفعل ونُقلت أمه للمستشفى بالعاجل.
خرج الطبيب متوسط الطول، وسيم الملامح، وهو يقول بأسف:
"عندها انهيار عصبي."
بكى الصبي وصار جرحه جرحين، الأول حسرة على نفسه، والثاني على ما فعله بأمه. اقتربت منه جارته التي بعمر أمه تضمه بحنان، وكأن حنانها اخترق روحه يحارب آلامه.
"متعيطش يا حبيبي، اهدي. ماما هتبقي كويسة والله. قول يارب، ده ربنا عمره ما كسّف حد أبداً."
كان يود الدعاء، ولكن خجله من الله منعه، أو ربما شيطانه صوّر له هذا. كانت أصابع القدر تحركهم، حتى إن تلك هي نفسها المستشفى التي يوجد بها الطبيب النفسي وميرال.
مر الطبيب فوجد علي في أحضان السيدة الثلاثينية، فناداه واقترب منه:
"تعالي يا تامر معايا."
ذهب علي معه في مكتبه. كثير من الأوهام جالت بخاطره عند سماع غلقة الباب. أيفعل ما فعله والده من خمس سنوات؟ ذلك ما حدث عقب صدور نفس الصوت الآن. شعر به الطبيب، فلم يقربه أو يبتسم له، بل جلس بعيدًا يقول:
"متفكرش كتير، أنا جايبك هنا علشان أتكلم معاك مش أكتر. انت زي أخويا الصغير."
كان بمقدوره أن يقول "ابني"، ولكن إن قالها سوف يخاف الطفل بعد أن لوّث أبوه أُسرة الأبوة في ذهن ابنه. استأنف الطبيب ذو الأربعين كلامه:
"متخافش ياتامر، أنا عارف إنك خايف من كل الناس، بس متخافش، أنا مش هاذيك. باباك أكيد مكانش في وعيه."
صرخ المراهق بقوة قائلاً:
"مكانش في وعيه؟ تمن مرات مكانش في وعيه لما كان بيبعت أمي مخصوص تجيب حاجات ويعمل كدا. انتوا السبب، مش حاسين بيا ليه؟ أنا بموت، أنا بقيت أبويا اللي بكرهه، بقيت بعمل في واحد بريء اللي اتعمل فيا. أنا بكره نفسي وبكره أبويا، بكرهكوا كلكوا زي ما ربنا بيكرهني. انتو عاوزين مني إيه؟ عاوزين مني؟ عاوزين تدمروني صح؟ هتسجن خلاص، هتسجن علشان علي؟ طب مانا كمان حصل فيا زيه، اشمعنى هو أمه وقرايبه معاه وأنا محدش جمبي؟ اشمعنى؟"
تنهد الطبيب ثم اقترب منه يضمه بحنان أبوي، وعلم أن جرحه لن يندمل بسهولة:
"ممكن تثق فيا يا تامر؟ صدقني أنا هاكون صاحبك وهقف جنبك وهحميك."
نظر له بعينين تغورقان بالأدمع:
"بجد يا دكتور؟ هتقف جمبي؟"
"اسمي بابا إسماعيل يا علي، خليك واثق فيا يا حبيبي. إحنا هنبقى إخوات وصحاب وكل حاجة، وهفضل معاك لحد ما تكبر وتتجوز كمان."
ضحك علي ضحكًا كالبكاء:
"أتجوز؟ هو اللي زَيّ بيتجوز يا..."
"طبعًا بيتجوز وهيتعالج وتبقى أحسن واحد في الدنيا يا تامر. وبعدين قولها، قول يا علي، بابا."
انفجرت عيون الصبي تنبثق منها الدموع خلف جدار كالدماء. كفكف إسماعيل عيون الصبي بحنو وهو يقول:
"يابني، أنا صحيح مشوفتكش غير مرتين، لكن قلبي اتفتحلك وقررت أساعدك. ولو تحب، أنا ممكن أرفع قضية على أبوك ويتحاسب على أفعاله."
شعر الصبي بصعة تصيب رأسه، هو لا يريد افتضاح أمره.
"لا لا، كدا كل الناس هتعرف، لاء. أنا مش عاوز أشوفه تاني. ماما زمان طردته واتطلقت منه وهددته لو رجع هتفضحه، بس كنت صغير ومش فاهم، لحد لما جيه وهي مش موجودة وحصل زي ما حكيتلك."
رجع إسماعيل رأسه للخلف متذكرًا ما حدث يوم قص عليه الفتى حكايته. أشار إسماعيل مناديًا:
"تعالي يا كابتن، متعرفش تامر القاضي ساكن فين؟"
"أهلاً حضرتك، أنا علي."
ابتسم إسماعيل ثم قال:
"كنت عاوز أتكلم معاك شوية."
شعر الفتى بالقلق:
"تعرف إن الأحداث دي صعبة جداً."
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال:
"وأنا مالي بالكلام ده."
"يعني يمكن تدخلها؟"
"هدخلها ليه يعني؟"
"علشان اللي عملته يا تامر. بس أنا ممكن أنقذك لو حكيتلي."
"أنا مش فاهم انت بتتكلم على إيه."
"بلاش تلف وتدور يا تامر، علشان علي وأمه مش هيسكتوا."
يبدو أنه لا مفر الآن، عليه الاعتراف.
"أنا فعلاً عملت كدا مع علي، بس أنا مكنتش أقصد، غصب عني والله."
بكى الصبي واستأنف:
"بابا... بابا هو السبب. من ست سنين بابا وماما اتخانقوا جامد وهددته إنها هتفضحه لو ممشيش وسابنا لوحدنا. هو خاف وطلقها ومشي. كنت بشوفها بتعيط في الأوضة لوحدها. بعدها بسنة ماما كانت بتشتري حاجات بس اتأخرت. الباب خبط، فتحت لقيته بابا. كان وحشني أوي، حضنته، لقيته بيحضني أكتر وبيقولي إن ماما حرمته مني وإني وحشته. وقالي تعالي الأوضة، قفل الباب وقالي تعالي في حضن أبوك يا تامر. بس دا مكانش حضن أبداً."
غرق الصبي في البكاء ثم أكمل:
"مكنتش عاوز أذي حد، بس غصب عني. كنت بكره نفسي وأنا بعمل كدا، بس غصب عني. احبسوني، موتوني، بس بلاش أمي تعرف، بلاش."
عاد إسماعيل من تذكره، اقترب من الصبي وضمه بحنان، ثم خرج من مكتبه ووجهته أم تامر، تلك المسكينة المنكوبة. وقف خلف الباب يدق دقات خافتة كدقات قلبه.
"السلام عليكم."
أومأت برأسها كرد التحية بعد أن حاولت الرد ولكن حنجرتها أبت ذلك. اقترب إسماعيل منها ثم قال:
"ليه بتعملي في نفسك كدا؟"
نظرت له بسخرية، وأخيرًا صفحت عنها أحبالها الصوتية:
"بتتكلم عن إيه ولا إيه يا دكتور؟"
بحة صوتها اخترقت قلبه العذري، وارتسمت صورتها تعزف الألحان على قلبه.
"بتكلم عن جوزك وعن ابنك وعن عمرك اللي ضاع... صحيح، نسيت أعرفك بنفسي، أنا دكتور إسماعيل، الدكتور النفسي لابنك وعلي بن جارتكوا ميرال."
هلعت من كونه طبيب علي، وكأن رسول عذاب سيكتب نهاية طفلها.
"ابني فين لو سمحت؟"
"متقلقيش يا مدام، أنا ها حافظ على ابنك ومش هخلي حد يلمسه."
"والله ابني ملوش ذنب، ابني ضحية أبوه المريض، هو وعيلته."
استوقف إسماعيل حديثها مستفهماً:
"عيلته مالها؟ ممكن توضيح."
تنهدت ذات الثلاثين ثم اغرورقت عيناها بدموع الذكريات:
"طلقي دا اتجوزته زمان صالونات بعد ما أهلي رموني علشان هو من مصر وأنا من الصعيد. قالولي مصر وحياة مصر وفلوس مصر. وافقت وقولت ربنا هيتوب عليا من الذل اللي عايشة فيه، بس دخلت العيلة لقيتها غريبة أوي ومريبة."
"مريبة إزاي يعني؟"
"هو وأبوه وإخواته الولاد قريبين من بعض أوي لدرجة تخليك تشك فيهم."
استرجعت ذكرياتها وهي تقص له ما حدث:
"أهلاً يا هالة، اتفضلي ياحبيبتي."
كانت تلك كلمات مني، الأخت الصغرى لزوجها الذي يتوسط إخوته في الترتيب. كلمات عقبتها أحضان متلهفة وقبلات متفرقة تغمر وجهها الخمري اللامع. لاحت ابتسامة عريضة تبعتها ضحكات من زوجها الذي قارب على الكهولة:
"ما خلاص بقى يامني، البنت لسة جديدة ومش واحدة على الجو."
تعالت شهقات هالة ثم قالت:
"كانوا كلهم كدا، كلهم بيعملوا حاجات مريبة. حتى أبوهم كان ترحابه بابنه غريب أوي."
"أهلاً أهلاًاا بالكبير."
"وحشتك صح؟ محدش بيعوض غيابي."
ضحك الشيخ ضحكة أنوثية لا تليق برجل مسن قارب على السبعين، ثم قال ما زادها بلة:
"طبعاً ياحبيبي، إنت مفيش زيك. تعالي مع أبوك، إنت وحشني أوووي."
ثم أخذه ودخل غرفة قريبة من مجلسهم، وكأنهما قاصدان إسماعها أصوات تعرفها عن ظهر قلب. وكيف لا تعرفها وهي نفس الأصوات التي لطالما سمعتها حينما كانت تذهب مع أختها لملاقاة عادل، ذلك الشاب العشريني الذي عرفته بسخاء يده، فكان يطلب أختها ثلاث مرات بالأسبوع ويعطيها عن كل مرة خمسمئة جنيه، ولم يكتف بهذا فقط، بل كان يعطيها ثياب أخته القديمة الجديدة بالنسبة لها.
تساقطت قطرات العرق من جبينها. هل ما تشعر به حقيقة؟ هل تلك الأصوات هي نفسها أصوات... لا لا، كيف لي أن أفكر هكذا؟ كيف؟ قطع تفكيري يد مني، التي لا أعرف كيف وصلت لمناطق لا يجب التماسها. بل هي تقترب مني وأنفاسها عالية ساخنة كمن أصابه السُكر ويشتهي فض شهوته.
"مكنتش أعرف إن أخويا ذوقه جميل كدا."
ثم اعتصرت يدي وسحبتني خلفها إلى غرفة تعبئ برائحة غريبة، وكأنها معبد الشهوات. ولكن الغريب حقًا أن لا بصمة لرجل هنا أو حتى بقايا أثر، وإنما هي غرفة للنساء فقط، تزين حوائطها صور عارية لنساء و... ونساء. هل ما زال الوضع يتخفى أم أن الحقيقة أوضح من قرص الشمس؟
وجدتها تقترب وتضع يدها تتحسس ظهري، بل إن يدها طالت أكثر من هذا، ثم جاءت بما لا أعلم أنه تم اختراعه من قبل، ثم دنت مني ولاحت ابتسامة خبيثة على وجهها المسود رغم نصاعة بشرتها، ولكن ذلك انعكاس القلب. إن اعتم أسود الوجه، وإن كان عامرًا بالنور أصبح القمر يأخذ منه الضي. صرت أصرخ وأصرخ وخرجت من البيت هالعة مما أراه. وكان صراخي يعكر صفو ما يفعله زوجي وأبوه، فخرجا من الغرفة منزوعي الملابس، فتأكدت شكوكي.
مر على الحدث هذا شهر، ثم وجدت بابي يطرق، وكان هو صاحب الخسة والدنيئة. وأمام سخط أبي الذي كاد يطير فرحًا بمغادرتي بيتهم، رضخت له وعاهدت نفسي أن أجد مخرجًا. كنت أتحجج حتى لا يشاركني ما كان يفعله مع أبوه وإخوانه. كان كلما يقترب أشعر كالميت الذي بلغ الحلقوم، ولكن القدر يضع الصعاب في الطرق حتى يكبدنا ويرى إلى أي مدى صبرنا.
علمت بحملي، وبعد خمسة أشهر وضعت تامر، الذي كان ضحية أبوه. لقد رأيت بعيني زوجي نظرات تشتهي ابنه ابن الخامسة، لذا هددته أن أفضح أمره هو وعائلته. لقد قويت شوكة ظهري بعدما تزوجت أختي برجل ذي نفوذ في القاهرة. والآن، أنا لم أستطع حماية ابني من بطش أبوه وطالته دنس العائلة المختلة.
رق قلبه لحديثها، يبدو أن حبًا قد يولد عما قريب ليزرع أزهاره في صحراء قلبها.
***
جلست ميرال في غرفة الطبيب إسماعيل تقضم أظافرها وتحرك قدميها يمينًا ويسارًا، حتى فتح الباب وطل إسماعيل بمعطفه الأبيض، كحال الشعيرات المتناثرة على رأسه المكسو بالشعر الأسود القاتم.
"مدام ميرال، أنا..."
قاطعته ميرال رافعة يدها وهي تقول:
"أنا اللي محتاجة أتكلم، أنا اللي عاوزة أحكي وأسأل. أنا بيحصلي كدا ليه؟"
ابتسم إسماعيل ثم شبك أصابعه العشر معًا، ثم اقترب من مكتبه ناظرًا لها يحثها على البوح.
"ليلي، الاسم ده كنت فاكره سبب سعادتي، كانت أختي وصاحبتي وبنتي. فجأة بقت عدوة. أنا قلبي مش قادر يستوعب، هي عاوزة مني إيه؟ أنا عملت إيه لكل ده؟"
أخرج إسماعيل نوتته ثم بدأ يدون أحرفًا مجهولة.
"من الأول."
"كنا صحاب، هي أكبر مني بخمس سنين. كانت تقرب مني وتخليني أكره أبويا. كانت دايماً تقولي إنه بيكرهني، وإن مفيش أب بيعمل كدا. حتى إنها قالتلي في مرة إني ممكن مبقاش بنته. لحد ما مات، قالتلي انفذي رغبته علشان أنا مش ناقصة لعنة. خلتني أتجوّز أبو علي 'هيثم'، وبعدها بكام شهر اتجوزت ابن خالته 'عامر'. عمر ما عدى لقاء بينا إلا وكانت بتطلعني وحشة. كنت بقول متقصدش، لكن الحقيقي غير كدا. لحد ما وزني بدأ يزيد بطريقة ملحوظة أوي. لقيتها جابتلي علاج وقالتلي هتخسي عليه، وإنها خايفة عليا، لكن العلاج زاد وزني أكتر من 15 كيلو في مدة قصيرة. هيثم اتعصب وادايق أوي وبدأ يبعد عني، لحد ما في يوم اتخانقنا وطلقني. قالتلي إنها لازم تخس وأنا كمان، حتى علمتني أشرب سجاير. حكتلي على جوزها وإنه بيخونها، وإن حياتهم غريبة وكلها بعد وهجر. خلتني أكدب وأمثل إنها تعبت وماتت بقهرة القلب على بعده، ولأني أنا اللي كنت بغسلها وكل الإجراءات دي، هو كان سهل يصدق. سافرت وقالتلي هبعد وأخبارها اتقطعت، بعد ما وصتني اشترك في جيم أون لاين مع كابتن كويس اسمه أحمد، وكمان أخلي جوزها يحبني. وفعلاً عملت كل دا، لكن اللي مكنتش عاملة حسابه..."
استوقفها إسماعيل قائلاً:
"طلعت كذابة والكابتن كمان كذاب، صح؟"
"مش هنبهر إنك عارف، بس كمان طلع جوزها مظلوم وأنا ضحكت عليه. بس والله حبيته بجد."
"الحب يا ميرال، الحب بيغفر ويسامح. وطالما في حب، يبقى هترجعوا."
"بس يادكتور، ده رجعلها."
"مش يمكن بيخطط لحاجة؟"
***
قام يجرها من خيوط شعرها.
"يا حيوانة يا كذابة."
ثم توالت الصفعات على وجهها حتى غرق بدماءه. ثم قال في صراخ:
"إنتِ طالق بالتلاتة! وهتجوز ميرال وهسيبك يا ****. أنا عارف كل حاجة وكدبت نفسي علشان مظلمكيش، لكن مش هسكت تاني."
خرج وتركها غارقة بدموع المرض. وفي الساعة السابعة مساءً، طُرق باب ميرال، فهرولت لتفتح.
"هنتجوز دلوقتي من غير نقاش."
ارتدت ثيابها وصففت شعرها وذهبت معه للمأذون وعقد قرانهما، ثم التقطا الصور ونشرها عامر على كل ما يجمعه بليلي حتى يصلها الخبر. وما أن علمت ليلي حتى باتت تصرخ وتلطم وجهها، ثم أتاها أحمد:
"أنا جاي أقولك كلمتين وبس. إنتِ وحدة مريضة وخاينة، وأنا اللي كشفت سرك بعد ما عرفت إني كنت ضحيتك زيهم. بس أنا ساعدتهم علشان يتخلصوا من شرك يا حية، ومش هسيبك تأذي حد تاني. أوعي تفكري تقربي مني، هتندمي."
خرج متقززًا منها ومن نفسه، وتركها في اضطرابها. خلعت ملابسها وارتدت ثيابًا فاضحة، ثم جالت تتجول في الشوارع تبحث عن نظرات إعجاب واهتمام، ولكن لسوء حظها لم تحظ بالإعجاب، بل رمقتها العيون بالتجاهل والسخط. حتى عثرت على عيون تأكل جسدها، صارت تدنو منه حتى أخذها لبيته. ومع حلول الصباح والشمس تبعث أشعتها الحارقة وكأنها رسول جهنم، تستيقظ ليلي من فراش الكهل والابتسامة حليفتها، حتى غدرت بها حينما رأته يرمقها بلامبالاة. وحينما حاولت التحدث معه نهرها ونعتها بألفاظ تصف أخلاقها الساقطة، ثم بصق عليها واستدار.
رحلت وهي ترى الحياة مسودة، حتى وصلت لبيت ميرال ودقت الباب الذي خلفه تقبع ميرال النائمة في غرفة وزوجها في غرفة أخرى. ولكن حيثما ترك الباب، هلع الاثنان أمام الباب وقد تأكدت شكوكهما أنها ليلي.
"أنا جاية أبارك لجوزي وصحبتي."
عنفها عامر بشدة وصرخ بها حتى صارت تصرخ وكأنها يعذبانها، ثم التقطت السكين وغمرته بأحشائها. اقتربت منها ميرال تسحب السكين، لكن صوت عامر منها أنه يعلم مخططها الأخير، فهي تود إلصاق التهمة عليهم حتى وإن كان الثمن حياتها. فتلك هي "الهسترية النرجسية".
ماتت ليلي ولم يعاقب أحد سواها. حتى أحمد قد أكمل علاجه النفسي وتعافى، ولم يسمع عنه أخبار. لقد طال الطريق ولكنه أوشك على الانتهاء، فقد تعافى علي من الأذى النفسي والجسدي.
أما عن تامر، فقد احتواه إسماعيل خير احتواء. ما زالت الذكريات تطارده، لكنه سيتعافى يومًا ما. وكيف لا يتعافى وقد تزوج الطبيب بأمه وجعلها ملكة متوجة على حياته. لم يبق سوى عامر وميرال، اللذان قد أخذا من الزمن ما يكفي حتى يصلح أمرهما، والصغيرة التي كانت توشك على الهلاك.
فمن يتق الله يجعل له مخرجًا، ومن كل هم فرجًا.