وقفنا آخر حاجة عند صدمة ميرال في ليلي وأحمد وموت جوز ميرال وحقيقة جواز ليلي وعامر.
يمرون عبر الأضلع لا الطرق.
لا تجمعنا المواقف بل القلوب تبحث عمن يسحقها.
تلك القلوب الحمقاء تجوف جوفها لأجل رحالة غذائهم ثمار الألباب.
سُعقت ليلي مما سمعته. هل بعد كل هذا ويتزوجان؟ بعد كل ما حاكته من مكائد يجتمعان؟
فقالت:
_ بجد والله؟ طيب كويس إنك هتتجوزها، مهو بردو عيب بعد كل التلزيق ده ومترضاش بيك.
تلك الخبيثة أصابته في جرحه. لو لم يكن يدرك نواياها لتراجع عن قراره. فقرر ملاعبتها على طريقتها الخاصة.
_ الحب يا لي لي، الحب! خلاني أنسى كل حاجة، حتى القرف اللي شوفته معاكِ نسيته. أنا هعوز إيه تاني وحبيبتي معايا.
وكأنها لعبة ينهزم فيها من يطعن بالسكن ويتألم، ويظفر من يتحمل الطعنة ويبتسم.
_ طلقني يا عامر، أنا عايزة أطلق.
ابتسم ثم ارتفع ذراعه يضمها بشدة، ثم قبل وجنتيها بحنان لم تعهده.
_ لي لي، إحنا متجوزناش أصلًا عشان نطلق. بس ممكن نتجوز النهاردة ونحتفل بالتغيير الجديد.
لم تدر هل حن قلبه أم هي أكذوبة الانتقام. أيا يكن ما يحدث، قلبها يصرخ غيرة على حبيب لم تدرِ بحبه طوال سنوات. أرادت لو تصرخ وتنتزعها من حضنه، تريده لها لا أن تتقاسمه مع أخرى.
ارتبكت وقرعت طبول قلبها. لا تأبه هل كذب أم حقيقة، طالما نالت حبه وقربه.
لاحت ابتسامته المغناطيسية وأخرجها من ضمته الحنون.
_ باي يا ميرو، هاجي تاني أطمن على علي.
رنت كلماته كناقوس لاستعادة وعيها. هو ما زال يركض خلف حبه، بل ويتزوجها. إذا، لم يريد الاقتراب؟
_ عامر، لم أنت هتتجوزها رجعتلي ليه؟
_ يمكن عشان حسيت إنك مظلومة. لي لي، إنتِ ملكيش ذنب في كل ده. إنتِ مغلولة على أمرك، أنا عارف يروحي، عشان كده أنا قررت أتجوزها عشان كل الناس تعرف هي قد إيه شريرة وخطافة رجالة.
أكاذيب... أكاذيب! لو قيلت لرضيع لسخر من هذا الهراء. أما هي، فحديثه كالفردوس لها.
***
جثت على الأرض تبكي. هل يتنازل عن حبه بتلك السهولة؟ هل نسي وعده لها؟ الآن يتركها ويرحل حتى قبل أن يرجع حق صبيها. غريبة هي الحياة، تنتزع منك أقرب القلوب وتبدلها بقلوب كارهة أعتم من الأجداث. بالأمس كانت ليلي الصديقة المخلصة، واليوم صارت غريمة شمطاء. لم تكتفِ بصدمة واحدة، بل صدمتها برجل كانت تظنه احتواء.
فاقت من نحيبها على يد تنتشلها من الأرض.
_ عارف أنت شايفاني إزاي، بس لازم تسمعيني. اسمعيني مرة واحدة، ولو مقنعتكيش مش هتشوفي وشي تاني، وعد.
نظرت له بسخط ثم قالت:
_ أسمع إيه؟ اسمع إنك استغلتني واستغليت ثقتي فيك عشان تخلي صاحبة عمري تنتقم مني؟ بتعملوا فيا كده ليه؟ لييه؟ عملت فيكم إيه؟ أنا عريتلك جروحي وقولتلك عن معاملة أبويا وأمي اللي راحت وجوزي اللي خانى، وأنت كنت عارف اللي عملته صحبتي، حتى أنت جيت عليا ليه يا أحمد؟ لييه؟
فرت دمعة تبعها وابل دموع وشهقات طفولية.
_ أنا مريض نفسي، سنين المرض بيتملك مني. لما قررت أروح للدكتور وأتعالج، قابلت ليلي هناك. هي اللي جتلي واتعرفت عليا، قربت مني في وقت كنت بتمنى مراتي ترجع فيه. حكتلي إنك...
بلع لسانه وشلت حنجرته حتى أكملت له ميرال ما كان يود البوح به.
_ قالت إني مش كويسة وخطفت جوزها وبعلقها بيا، صح؟ قالت إني كنت بحب آخد كل حاجة لنفسي.
وسُع بؤبؤ عينه في زهول. كيف عرفت كل هذا؟
_ متستغربش يا أحمد. أنا خلاص فهمت كل حاجة.
_ ليلي مريضة هستيريا يا ميرال، أنا لسه عارف كده. ليلي، كنت بتضحك عليا. أنا مضطر أحكيلك كل حاجة.
**فلاش باك**
_ أنا زهقانة بجد يا أحمد. أنا كل مرة باجي هنا بفضل مستنية فوق التلت ساعات.
_ أنا بيتي قريب من هنا أصلًا، بس باجي بدري عشانك.
_ بجد؟ طيب تعالي نقعد هناك لحد ما الوقت يجي.
حمحم في حرج.
_ ليلي، أنا عايش لوحدي وأنتِ ست لوحدك. هتيجي إزاي؟
ضحكت متلحفة في ثوب العفة.
_ أحمد، أنت أخويا. إزاي تقول كده؟
_ طيب تعالي ياستي، البيت خمس دقايق من هنا.
ذهبا للبيت سويًا، إحداهما يحيك خدعة والآخر يلعن نفسه على موافقته.
_ ادخلي يا ليلو.
دخلت وإبتسامتها بعرض وجهها تتطلع للبيت بخبث.
_ فين المطبخ عشان أعمل حاجة نشربها؟
_ على إيدك الشمال بعد الليفنج.
كان يحدثها وهو يشير إلى المكان البعيد نسبيًا. وبعد خمس دقائق عادت ليلي حاملة كأسين من القهوة.
_ مش لاقية صنية بصراحة.
ابتسم أحمد على طلقتها المتنكرة وتناول القهوة في عُجالة. مرت ثلاث دقائق وبدأت الرؤية تتشوش.
_ ليلي، أنا مش شايف. دايخ أوي.
ابتسمت ليلي واتسعت ابتسامتها حينما فقد وعيه كاملًا وبدأت يداه تعبث بتنورتها.
_ هو ده اللي المفروض يحصل.
وبعد ساعة من انتهاء مفعول المخدر، استيقظ أحمد على نحيب ليلي المتكورة أسفل النافذة تغطي جسدها السمين. هرع مما رآه واتجه لها وتقاسيم وجهه تكاد تبكي كحال قلبه.
_ حصل إيه؟ أنا عملت كده إزاي؟
_ كنت بحاول أفهمك إنه مينفعش واني ست متجوزة. أنت اللي صممت. ليه عملت فيا كده يا أحمد؟ ليه؟ أنا اعتبرتك أخويا.
جلس على ركبتيه وتساقطت عبرات عيناه ثم قال:
_ حقك عليا أنا، والله ماكنتش في وعي. أنا آسف، هعملك أي حاجة تطلبيها، والله أي حاجة يا ليلي.
صرخت به بشدة قائلة:
_ تعملي إيه؟ مش كفايا جوزي وصحبتي كمان. أنت منكم لله، منكم لله.
وجهت في باله فكرة كي يتخلص من ذنبه.
_ أنا ممكن أنتقملك منهم، بس تسامحيني.
رفعت عيناها المغرورقتين بالأدمع ثم ابتسمت وهزت رأسها هزات متلاحقة. قام من مجلسه يخرج خارج الغرفة حتى وقعت عيناه على الفراش الملطخ بالدماء. أراد سؤالها ولكن تراجع حتى لا يزيد الطين بلة.
باك.
تنهال الدموع من عيناها بغزارة. أتصل قذارتها لهذا الحد؟
_ صدقيني، أنا فعلاً كنت بنتقملها عشان أعوضها. كنت فاكرك فعلاً ظالمها، لكن هي اللي طلعت كدابة. صدقيني، أنا حبيتك بجد يا ميرال. حبيتك وأنت تخينة قبل ما تكوني رفيعة.
خرج الطبيب ووجه حديثه لها.
_ للأسف ابنك تم الاعتداء الكامل عليه. طبعًا الكشف تم والولد متخدر عشان ميؤثرش على نفسيته، لكن لازم متابعة مع طبيب نفسي عشان ميطلعش يكرر نفس اللي حصل في أطفال تانية.
كادت تتعثر حتى أمسكتها يده وحدثها بشدة.
_ المدام مكانتش فاضية لابنها وسايباه للجيران يعملوا فيه كل ده. ضيعتي مستقبل الولد.
_ أنت مالك بتحاسبني وكأنك أبوه؟ ليه؟ دا ابني أنا.
_ ابنك؟ ولما هو ابنك سيبتيه ليه وجريتي ورا صحبتك؟ والبيه ده ليه يا ميرال؟
تدخل الطبيب النفسي الذي كان يمر بالصدفة.
_ كفايا بقي، كفايا. انتوا في مستشفى. أنا متعاطف معاكوا بس ومش عايز آخد أي إجراء قانوني، لكن كده انتوا بتعقدوا الموضوع.
ثم وجه حديثه لها.
_ لازم أباشر حالتك يا مدام. أنتِ نص العلاج، وكمان الأستاذ.
ثم استأنف حديثه.
_ أنا روحت للولد اللي اعتدى عليه وكلمته بصورة خاصة وبطريقة ما اعترف بكل حاجة بعد رفض شديد.
تنهد الطبيب ذو الثلاثين عام وقال:
_ زي ما توقعت، الطفل ده حد كان بيعتدي عليه ولازم يتعالج. وقبل أي اعتراض، انتوا مش هتكسبوا حاجة من سجنه، لكن هتكسبوا كتير لما يتعالج ومحدش يتأذى زي ماكو تاني.
رحل الطبيب دون انتظار رد منهم.
***
_ وائل يا وائل، أنت يا ولد مش بنادي عليك؟
_ بابا مبقاش يجي ليه يا ماما؟
سقطت الملعقة الخشبية التي كانت تستخدمها في تقليب الطعام الموضوع على فوهة النار في المطبخ متوسط الحجم.
_ ا... أبوك؟ أبوك إيه بس؟ أنا عايزك تعتبره مات. الراجل ده مبيحبكش.
انهار الفتى وصرخ.
_ مبيحبنيش؟ ولا خايفة عليا منه؟ ها؟
توسعت عيناها وتأخرت حروفها.
_ وهخاف عليك منه ليه؟ هو أبوك هياكلك؟
_ لا. هيتحرش بيا بس متقلقيش. هو عملها وخلاص. وأقولك كمان، أنا عملت في علي زي ما عمل جوزك فيا.
صرخت وجلست تصك صدرها حتى احمر وتخافتت أنفاسها.