تحميل رواية «سليمة» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى قرية ميت كنعان ، قرية من قرى الريف المصرى الأصيل. وفى بيت من بيوته اللى لسه ماوصلتلهاش إيد التغيير والتحديث، كان بيت بسيط مبنى بالطوب النى. وسط بيوت كتيرة مبنية بالمسلح من كل ناحية، بشكل خلاه زى القزم اللى بين مجموعة من العمالقة. كانت قاعدة الست تفيدة متربعة فوق مصطبة فى صحن دارهم، وهى بتكلم مراة ابنها وبتنده عليها بزعيق وبتقول: "انتى ياللى اسمك سِليمة، انتى فين يا اللى ينخفى أتراك من على وش الدنيا." سِليمة وهى بتهرول من على سطح البيت: "انا أهوه يا أمه." تفيدة بنرفزة: "بقالك ساعة يا اللى تنطع...
رواية سليمة الفصل الأول 1 - بقلم ميمي عوالي
فى قرية ميت كنعان ، قرية من قرى الريف المصرى الأصيل.
وفى بيت من بيوته اللى لسه ماوصلتلهاش إيد التغيير والتحديث، كان بيت بسيط مبنى بالطوب النى.
وسط بيوت كتيرة مبنية بالمسلح من كل ناحية، بشكل خلاه زى القزم اللى بين مجموعة من العمالقة.
كانت قاعدة الست تفيدة متربعة فوق مصطبة فى صحن دارهم، وهى بتكلم مراة ابنها وبتنده عليها بزعيق وبتقول:
"انتى ياللى اسمك سِليمة، انتى فين يا اللى ينخفى أتراك من على وش الدنيا."
سِليمة وهى بتهرول من على سطح البيت: "انا أهوه يا أمه."
تفيدة بنرفزة: "بقالك ساعة يا اللى تنطعنى بتعملى إيه عندك؟"
سِليمة: "كنت بنشر الغسيل وبأكل الطير يا أمه."
تفيدة: "سنة بتنشرى الهدمتين، أومال لو كان عندك عيل ولا اتنين وبتنشرى هدومهم راخرين كنتى باييتى عندك على كده."
سِليمة بخفوت: "معلش يا أمه.. حقك عليا."
تفيدة: "اخلصى شوفى الأكل اللى على الوابور ولا ناوية تأكليهولنا محروق زى قلبك."
سِليمة: "حاضر يا أمه هشوفه أهوهو."
راحت سِليمة ناحية الوابور، بصت على الأكل وكملته وطفت عليه ورجعت لحماتها.
قالت لها: "الأكل خلص يا أمه، أجيب لك تاكلى دلوقتى ولا تستنى السيد على ما يعاود من الغيط."
تفيدة بتهكم: "يعنى لاهيبقى له ضنى يستناه ولا أمه كمان تستناه، هينكتب عليه يبقى وحدانى ومقطوع يا قلب أمه كده من كل ناحية."
سِليمة وعيونها مليانة دموع: "يا أمه ما أنا قلت لك نروح للحكيم وانتِ اللى ما رضيتيش."
تفيدة بغضب: "حكيم إيه اللى عاوزة تروحى له يا بنت المركوب، هو انتى لو كان فيكى رجا كنتى هتحتاجى لحوكمة، ولا تقصدى إن السيد هو اللى ما بيخلفش، لا يا أختى، أخواته كلهم عيالهم فى رجليهم بيرمحوا، الدور والباقى عليكى انتى يا اللى اتبلينا بيكى، منه لله شيخ الجامع، بلانا بيكى."
سِليمة بعياط: "ليه بس كده يا أمه، هو أنا عملت حاجة للكلام اللى بتسمى بيه بدنى ده يومياتى."
تفيدة بتهكم: "ويا ريته محوق فيكى، الا انتى عاملة زى القراضة اللى لبدت فينا ومش عاوزة تطلع ولا تفارقنا أبداً."
سِليمة راحت قعدت جنب تفيدة على المصطبة وبوست كتفها وقالت وهى لسه بتعيط: "أسيبكم وأروح فين بس يا أمه، هو أنا ليا غيركم فى الدنيا دي، وبعدين أسيب جوزى إزاي."
تفيدة بغيظ: "تغورى مطرح ما تغورى، أنا عاوزة أشوف عياله قبل ما أموت."
سِليمة: "خلاص يا أمه لو السيد له كيف يتجوز عليا أنا موافقة، ومش هفتح بقى بكلمة واحدة."
تفيدة: "وهو قادر عليكي لما يجيب واحدة كمان، لا.. البيت ده ما يساعش ضرتين أبداً."
سِليمة بخوف: "يعنى إيه يا أمه."
تفيدة بحزم: "يعنى شيخ الجامع زى ما بلانا بيكى ياخدك تانى وهو حر فيكى، مالناش صالح."
سِليمة وهى بتعيط على آخرها: "انتى عاوزة السيد يطلقنى يا أمه."
تفيدة: "أيوة، ما بدهاش بقى، انتى بقالك على ذمته فوق التلات سنين دلوقتى، بكفايانا فقر بقى لحد كده."
كان السيد وصل من الغيط ومعاه الحمار بتاعه اللى على ضهره شايل حمل برسيم علشان أكل الجاموسة بتاعتهم.
وأول ما دخل وشاف عياط سِليمة نفخ وقال:
"ييييه.. أعوذ بالله، هو أنا ما أشوفش خلقتك غير وإنتى معيطة، صحيح وش نكد، فزى قومى خدى الحمار على الزريبة وحطى أكل وميّة للجاموسة."
سِليمة قامت من سكات تنفذ اللى السيد قال عليه.
وبعدها جابت له ميّة علشان يتشطف ويغير هدومه قبل ما تحط الغدا.
بعد ما غير هدومه وقعد جنب أمه على المصطبة قال لأمه:
"مالها البومة دى بتعيط ليه تانى."
تفيدة بقرف: "عشان بقول لها إننا هنرجعها لشيخ الجامع من تانى."
السيد بتريقة: "هو فستان يا أمه هترجعيه."
تفيدة بزهق: "ما إحنا لو كنا نعرف لها أهل كنا رجعناهالهم."
السيد بصوت واطى: "ما إنتى عارفة يا أمه إنها يتيمة ومالهاش حد."
تفيدة: "وإشمعنا إحنا يعنى اللى نتبلى بيها، وهى أرض بور ما منهاش رجا."
السيد بفضول: "إنتى عاوزانى أطلقها يا أمه."
تفيدة: "أيوة طبعاً، أومال أنا بهاتى من الصبح فى إيه أنا."
السيد: "طب والغلبانة دى هتروح فين بس يا أمه."
تفيدة بزهق: "هو اللى هنقوله هنعيده، شيخ الجامع.. زى ما كان شايل حملها من زمان يرجع يشيله من تانى، إحنا مالناش صالح."
السيد بخفوت: "يا أمه البت غلبانة ومنكسرة وما بنسمعش منها غير حاضر ونعمت."
تفيدة بنرفزة: "خلفتلك فار حتى."
السيد وهو موطى راسه: "يا أمه ده رزق من المولى."
تفيدة بحزم: "والمولى قال اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك."
السيد بتردد: "طب ما نحاول نوديها لحكيم يمكن…."
تفيدة قاطعته بشدة وقالت: "ونروح نصرف فلوس أد كده على كشف وعلاج ما إحنا عارفين هيجيب فايدة ولا لأ، الفلوس اللى تتصرف على العلاج أجوزك بيه."
السيد: "منين بس يا أمه، ما إنتى شايفة الحالة عاملة إزاي."
تفيدة: "مالكش انت صالح، إنت تاخدها آخر النهار للشيخ مدبولى وترمى عليها اليمين وتتنك راجع، وسيبنى أنا أتصرف."
وبعدها قالت بعلو صوتها: "انتى ياللى تندعقى، فين الأكل."
سِليمة خرجت تجرى من المندرة بتاعتها، وراحت تحط الأكل لجوزها وحماتها.
وسابتهم ياكلوا ورجعت من تانى على المندرة بتاعتها تلم هدومها اللى قالت لها عليها حماتها.
لأنها حكمت عليها ما ترجعش غير بالهدوم اللى اتجوزت بيها وماتاخدش أي حاجة من اللى جتلها بعد الجواز ولا حتى حاجة من جهازها اللى اتجهزت بيه وهى عروسة.
السيد كان من جواه متضايق عشان سِليمة، طول التلات سنين ما شافش منها أي حاجة وحشة، كانت طيبة ولسانها حلو، وصبورة، وعمرها ما شاكلت أمه رغم طبع أمه الشديد جداً.
لكن كانت على طول مطاوعاها فى كل أوامره.
لكن فى نفس الوقت كان نفسه فى عيال زى ما أمه دايماً بتقول له، ومن كتر كلامها اقتنع فعلاً إن سِليمة مابتخلفش ومش هتخلف أبداً.
أخدها بعد ما اتغدا وراح بيها لشيخ الجامع، الشيخ مدبولى.
كان راجل فوق الستين، وكان عايش مع مراته الحاجة نبوية فى بيت صغير جنب الجامع، وما كانش عندهم ولاد.
وكانوا بيعتبروا سِليمة بنتهم، هما اللى مربينها من وهى عندها خمس سنين.
سِليمة أبوها وأمها مش من البلد.
أبوها كان بيلف على البلاد بمخلة على كتفه بيبقى فيها طرح ومناديل وفوط وملايات.
وكان بيبيع بالقسط للناس وبييجى مرة كل أسبوع يلم الفلوس بتاعته.
وفى آخر سنة من عمره كان بيلف على البلاد ومعاه سِليمة بنته عشان أمها ماتت وما كان لهومش حد يسيبها معاه، خصوصاً إنه داير سواح فى بلاد الله.
لحد ما فى مرة وهو فى بلد الشيخ مدبولى، دخل الجامع يصلى العصر جماعة.
وبعد الصلاة ما خلصت، الناس اتفاجئوا إن أبو سِليمة مات وهو بيصلى.
وكانت سِليمة قاعدة عند باب الجامع جنب المخلة بتاعة أبوها.
الناس قاموا بالواجب ودفنوا أبوها، والشيخ مدبولى اتكفل بسِليمة لحد ما جوزها للسيد.
السيد كمان ظروفه كانت على قده، وما زالت، وما كانش قادر يتجوز.
فالشيخ مدبولى اقترح عليه يجوزه سِليمة، واللى السيد طار بيها من الفرحة.
وخصوصاً إن سِليمة ملامحها مليحة، ولسانها حلو، وكمان الشيخ مدبولى علمها تقرا وتكتب ودخلها المدرسة وعلمها وحفظها أكتر من نص المصحف كمان.
وماحدش يقدر ينكر أبداً إن قدمها عليهم كان قدم السعد.
بعد كام شهر بس، قدر يجيب جاموسة، وشوية بشوية سِليمة ابتدت تربى طيور.
وبقت تروح السوق تبيع جبنة وزبدة وبيض.
لكن كانت دايماً تفيدة بتسممها بكلامها ومش بتديها أبداً أي تقدير للي بتعمله معاهم.
السيد وصل بسِليمة لبيت الشيخ مدبولى.
وقبل ما يخبط على الباب التفت لسِليمة اللى ما بطلتش عياط من ساعة ما حماتها قالت لها تلم هدومها.
فقال لها: "حقك عليا يا سِليمة، ربنا اللى يعلم إنى حاولت مع أمى بس مارضيتش أبداً."
سِليمة بعياط: "وهنت عليك يا سيد، طب كنت اتجوز عليا وسيبنى على ذمتك، لكن تطلقنى يا سيد."
السيد بتنهيدة: "ادعى ربنا إنها تهدى شوية من ناحيتك، يمكن ترضى إنى أردك."
والتفت خبط على باب الشيخ.
واللى أول ما مراته فتحت وشافتهم قالت بحب وترحاب:
"سِليمة… كده برضة يا بنتى تقاطعينى المدة دى كلها، أمك مابتوحشكيش يا بت."
سِليمة اترمت فى حضن نبوية وهى بتعيط أوى، فنبوية اتخضت وبصت للسيد بفضول وقالت له:
"مراتك مالها يا سيد.. فيه إيه."
السيد: "هو الشيخ مدبولى فين أومال يا خالة نبوية."
نبوية وهى بتشاور له يدخل: "جوة، ادخل على ما أنده لك عليه."
وأخدت سِليمة تحت باطها ولفت دخلت معاها وهى بتنده على جوزها وبتقول: "يا شيخ مدبولى، تعالى جوز بنتك هنا وعاوزك."
خرج مدبولى وعلى وشه ابتسامة وقال بترحاب: "يا أهلا بالحبايب."
وقطع كلامه أول ما شاف سِليمة منهارة من العياط وقال:
"مراتك مالها يا سيد، فيه حاجة حصلت ولا إيه يا ابنى، إنتوا متخانقين سوا ولا إيه."
السيد وهو مطاطى راسه قال بخفوت: "سامحنى يا شيخنا، بس أنا وأمى نفسنا فى حتة عيل، وعشان كده أنا جيبتلك سِليمة، بيتك أولى بيها."
وبعدين بص على سِليمة وقال: "إنتى طالق يا سِليمة."
والتفت ومشى بسرعة جداً كأن فيه حد بيجرى وراه.
ومدبولى ونبوية فى حالة ذهول من اللى حصل.
وأول ما نبوية ابتدت تستوعب اللي حصل قالت: "اخص عليك يا سيد، بقى كده يا ابنى برضة."
مدبولى وهو بيضرب كف على كف: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
سِليمة كل ده مش مبطلة عياط.
فمدبولى قال لها: "بطلى عياط يا بنتى واصبرى واحتسبى، كله خير من عند المولى."
سِليمة: "والله يا ابه قايدالهم صوابعى العشرة شمع، بس أمى تفيدة الله يسامحها بقى."
نبوية: "هو انتى روحتى للحكيم يا سِليمة."
سِليمة هزت راسها بالنفي وقالت من بين عياطها: "لا يا أمه، أمى تفيدة مارضيتش."
نبوية: "لا إله إلا الله، خير يا بنتى على رأى أبوكي."
سِليمة بعياط هستيري: "السيد ما كانش عاوز يطلقنى، بس أمى تفيدة اللي صممت إنه يطلقنى."
نبوية: "هم الخسرانين يا بنتى، قومى قومى اغسلى وشك، وروحى ارتاحيلك شوية على ما أجيب لك لقمة تاكليها، تلاقيّك ما دوقتيش الزاد طول اليوم."
سِليمة بصت لهم بحزن وقالت: "أنا مش جعانة يا أمه، أنا قلبى واجعنى عشان هرجع من تانى حمل عليكم من بعد ما انزاحت بحملى من على أكتافكم."
مدبولى بابتسامة: "لو تعرفى أد إيه ربنا كان مزود فى رزقي طول ما إنتى كنتى وسطينا ما كنتيش قلتى الكلمتين الخايبين دول، روحى يا بنتى اعملى زى ما أمك قالت لك روحي."
نبوية بصت على البؤجة اللي فى إيد سِليمة وقالت لها: "وإنتى ما جبتيش حاجتك ليه وإنتى ماشية من عندهم."
سِليمة بعياط: "أمى تفيدة حكمت عليا ما أخرجش غير بالهدمتين دول."
نبوية: "وحاجتك اللي اتجوزتى بيها."
سِليمة: "ما أعرفش يا أمه، زى ما قالت لي عملت."
مدبولى: "سيبيها تروح ترتاح بقى يا نبوية، وأنا ليا كلام تانى بعدين معاهم."
سِليمة: "قول له يتجوز يا ابه بس يسيبنى معاهم أخدمهم، مش هقول."
مدبولى بحزم: "يمين الله ما يحصل أبداً، اللي باعك بالرخيص، ما نشتريهوش أبداً، ما تحمليش هم إنتى وسيبها على الله."
سِليمة: "ونعم بالله، فوضت له حالي كله."
مدبولى: "أيوه كده، أنا هروح أتوضا عشان المغرب قرب."
سِليمة دخلت على الأوضة اللي كانت طول عمرها عايشة جواها واللي كانت فاكرة إنها فارقتها للأبد.
دخلت على فرشتها ورقدت وهى بتشكى حالها لربنا وبتدعيله إنه يفك كربها.
كانت بتقوم تصلي وترقد تاني لحد ما سمعت آذان الفجر.
قامت اتوضت وصلت وخرجت من الأوضة لقت نبوية قاعدة على الكنبة بتسبح بعد ما ختمت صلاتها.
قربت منها سِليمة وقالت لها: "يسعد صباحك يا أمه."
نبوية بحنان: "يسعد صباحك يا قلب أمك، عاملة إيه دلوقتى."
سِليمة: "هعمل إيه يا أمه، هو أنا في إيدي إيه يتعمل وما عملتوش."
نبوية: "أنا بسألك عن حالك يا بنتى، نمتى كويس، ولا قضيتيها بكى ونواح."
سِليمة: "والله يا أمه ما أعرف أنا نمت إزاي بعد ما صليت العشاء، رغم إني كنت مفكرة إن النوم هيجافيني بالشهور."
نبوية: "ربك عالم بحالك يا بنتى، وأبوكي كمان ما رضيش يقلقك امبارح بعد ما رجع من صلاة العشاء، وقال يبقى يقول لك لما تصحي."
سِليمة بفضول: "يقول لي إيه يا أمه، هو حصل حاجة."
نبوية: "أيوه طبعاً، ده حصل وحصل كمان، لا هو انتى فاكرة إن أبوكي كان هيسيب حقك كده من غير ما يجيبهولك."
سِليمة باستغراب: "إنهي حق ده اللي تقصديه يا أمه."
نبوية: "حاجتك يا بنتى اللي اتجوزتى بيها."
سِليمة: "ما هي أمي تفيدة قالت لي إن جهازي البلد كلها مشاركة فيه عشان خاطرها هي وإن ماليش حق فيه."
نبوية: "لا حول ولا قوة إلا بالله، الواحد مش عاوز يشيل ذنوب على الصبح، بس أبوكي ليلة امبارح لم كبارات البلد وراحوا للسيد وأمه، وحكموا عليهم إن كل قشاية تخصك تجيلك ومؤخرك ونفقتك بما يرضي الله، كل حقك يا بنتى هيجيلك لحد عندك."
سِليمة بحزن: "وأستفيد إيه يا أمه بشوية كراكيب بعد ما بيتي اتخرب."
نبوية وهى بتطبطب على رجلها: "بلاش عبط، أوعاكي في يوم تفرطي في حقك لجل حد ما يستاهلش، وعاوزاكي تشدي ضهرك كده وتفوقي لروحك أوام أوام، ماتخليش البكا يضيع صحتك."
سِليمة قامت وقفت وقالت: "حاضر يا أمه، أنا هروح أحضر الفطار على ما أبويا ييجي من برة."
وفعلاً، الشيخ مدبولى ما هديش باله قبل ما يرجع لسِليمة كل حقوقها.
وقال لها: "احتفظي باللي عاوزة تحتفظي بيه وبيعي الباقي وخلّي قرشك معاكي، وأنا هاخدك البوسطة أفتح لك دفتر حطي فيه القرشين اللي معاكي يبقوا ليكي للزمن."
وعدت الأيام لحد ما مر على طلاق السيد وسِليمة حوالي سنة.
وكانت سِليمة ما بتبخلش بصحتها أبداً على أي حد محتاج مساعدتها في أي حاجة.
وكانت ساعات تخبز بالفلوس، لكن كان الشيخ مدبولى يصمم إنها ما تدخلش قرش واحد على بيته، وإن كل مليم بتكسبه.. يا إما تصرفه على روحها، يا إما تحوشه في الدفتر اللي فتحهوله.
لحد ما في يوم كانت بتخبز عند ناس وبعد ما خلصت وجت تمشي.
ولسه خارجة من البيت لقت بنت صغيرة بتجرى وهى خايفة وكان فى بنت أكبر منها بتجرى وراها وعاوزة تضربها.
البنت الصغيرة مسكت هدوم سِليمة تتحامى فيها.
سِليمة وقفت قدام البنت التانية وقالت لها بالراحة:
"ليه كدا بس يا عزة، هو انتي على طول كده عمالة تضربي في العيال عمال على بطال بالشكل ده."
عزة بغيظ: "سيبيني أضربها يا خالة سِليمة، هي جاية تعمل علينا ألفة هنا في بلدنا ولا إيه."
سِليمة بضحك: "لا وطبعاً إنتي ماحدش يقدر ييجي ناحيتك، بس هي مين دي."
قالتها وهى بتحاول تشد البنت الصغيرة من ورا ضهرها بالراحة.
والبنت عمالة تصرخ وتقول: "أنا عاوزة بابا، يا بابا، يا بابا."
سِليمة باستغراب: "بنت مين دي يا بت يا عزة."
عزة بزهق: "أنا عارفالها بقى، أهى بنت عم عبد الهادي، الراجل اللي فتح الدكان اللي على أول البلد."
سِليمة بحنية قالت للبنت: "إنتي اسمك إيه حلوة."
البنت وهى عينها من عزة اللي كانت بتبصلها بوعيد: "أنا اسمي فاطمة."
سِليمة: "وبنت مين يا فاطمة."
فاطمة وهى بتشاور على عزة بخوف: "بنت بابا اللي قالت عليه البنت دي."
سِليمة باستغراب: "طب وإنتي إيه اللي جابك لحد هنا، ده زمان أبوكي قالب الدنيا عليكي."
فاطمة وهى بتشاور على بيت مبنى بالطوب الأحمر: "ما هو بابا اشترى البيت اللي هناك ده وبقى بتاعنا، وأنا كنت قاعدة ألعب مع أخويا فهمي، لحد ما هي جت حبست أخويا في البيت وقعدت تجري ورايا عاوزة تضربني."
سِليمة ضحكت جامد وقالت لعزة: "أنا نفسي أعرف إنتي إيه الجبروت اللي إنتي فيه ده، مالك وإيهم يا مفترية إنتي حرام عليكي."
عزة بعنفوان: "دى دار خالي أحمد، إزاي تقول إنه دارهم."
سِليمة شدت فاطمة في إيدها بقلة حيلة وقالت لها بالراحة: "تعالى نفتح لأخوكي يا فاطمة عشان ما يخاف."
عزة بزعيق: "يا خالة سِليمة دي دار خالي."
سِليمة بحزم: "وخالك باعها يا عزة، وروحي اجرى.. روحي لأمك أحسن هقول لها على كل بلاويكي."
عزة بمحايلة: "خلاص والنبي يا خالة سِليمة، أوعي تقولي لها أحسن بتحبسني في الدار."
سِليمة: "تستاهلي، عشان تبطلي بلطجة على العيال."
وأول ما سِليمة قربت من باب البيت سمعت صوت طفل صغير عمال بيعيط ومش عارف يفتح الباب.
سِليمة بامتعاض: "آه منك يا عزة يا مؤذية، ربنا يهديكي."
وقالت بصوت عالي: "يا فهمي، ما تعيطش يا حبيبي، أنا هفتح لك بس ابعد عن الباب لا تتخبط."
فهمي من جوة: "أنا عاوز بابا واختي فاطمة."
فاطمة بصوت عالي: "أنا هنا يا فهمي وطنط هتفتح لنا الباب بس استنى."
سِليمة فتحت الباب بشويش، لقت طفل صغير أصغر من فاطمة وكان خايف وعمال بيعيط على أخره.
وأول ما شافهم جرى على فاطمة اللي رغم صغر سنها إلا إنها فتحت دراعاتها وأخدته في حضنها وقعدت تطبطب عليه.
سِليمة بصت بعتاب لعزة وقالت لها: "عاجبك كده.. الواد يا قلب أمه كان يموت روحه من العياط."
عزة بندم لما شافت حالة فهمي: "خلاص معلش، بس أوعى تقولي لأمي يا خالة سِليمة عشان خاطري."
سِليمة قالت لها: "طب يا للا روحي على داركم وعلى الله أشوفك النهاردة في حتة."
ورجعت بصت لفاطمة وفهمي وقالت لهم: "إنما إنتوا لوحدكم هنا يا عيال، أومال فين أمكم."
فاطمة وهى لسه بتطبطب على فهمي: "مامتنا ماتت وهى بتولد فهمي."
سِليمة بحزن: "يا نضري، طب وإنتوا قاعدين لحالكم كده ما معاكومش حد."
فاطمة: "بابا قال لنا نستناه وهو هيروح يبص على شوية حاجات ويجيب لنا أكل وييجي."
سِليمة: "لا هو إنتوا جعانين."
فاطمة: "لما بابا ييجي هيجيب لنا معاه أكل."
فهمي خرج من حضن أخته وقال: "أنا جعان يا فاطمة."
سِليمة بحزن مدت إيدها في القفة اللي كانت شايلها على راسها وخرجت منها عيش من اللي الناس ادوهولها بعد ما خلصت خبيز.
وناولته لفهمي اللي كان خايف ياخده، فقالت له:
"خد من خالتك سِليمة، ده أنا لسه خبزاه بإيديا، حتى دوق كده وقول لي رأيك عشان لو عجبك أجيب لك منه تاني."
فاطمة: "أصل بابا ممكن يزعلنا."
سِليمة: "لا يا ستي إن شاء الله مش هيزعل، وخذي إنتي كمان يالا حتة كده ودوقي وقولي لي."
فاطمة وفهمي مدوا إيدهم أخدوا منها العيش وابتدوا ياكلوه بنهم، وكان واضح إنهم جعانين أوي.
سِليمة وهى واضح عليها الشفقة: "يا ولداه يا أولاد، العيال يا نضري هتموت من الجوع."
"إنتى مين."
التفتت سِليمة بفزع على الصوت العالي لقت قدامها راجل ما تعرفوش، وأول مرة تشوفه.
كان شكله مرهق جداً، ووشه مرسوم عليه القلق، فسِليمة فهمت إنه أبو الولاد الصغيرين فقالت له بابتسامة عشان تطمنه:
"أنا جارتكم هنا حدا بيت الشيخ مدبولى إمام الجامع، ما تقلقش ولادك بخير."
الراجل قرب منهم بتوجس وهو بينقل عينه بين ولاده بيقول: "أهلا بيكي، بس هو حصل حاجة، الولاد عملوا حاجة."
فاطمة وهى بتunless اللي في بقها: "دي طنط سِليمة يا بابا، هي خلت عزة تمشي وتسيبني بعد ما حبست فهمي وكانت عاوزة تضربني، وقعدت تقول إن البيت ده يبقى بتاع خالها، وكانت عاوزة تمشينا من هنا."
عبد الهادي ضحك بالراحة وقال: "الله يعينك على عزة يا أبو عزة، ما تأخذنيش يا ست حليمة."
فاطمة بتصحيح: "اسمها سِليمة يا بابا."
عبد الهادي باستغراب: "لا مؤاخذة يا ست سِليمة."
سِليمة بابتسامة: "ولا يهمك، ربنا يخليهوملك، فوتكم بعافية."
فهمي بسرعة وهو بيبلع اللي في بقه: "ما فيش معاكي عيش تاني، طعمه حلو أوي."
عبد الهادي بحزم: "عيب يا فهمي."
سِليمة مدت إيدها خرجت رغيفين كمان ومدت إيدها لفهمي وقالت له بابتسامة: "بالف هنا على قلبك، ليك عليا كل أما أخبز أعمل حسابك."
عبد الهادي: "كتر خيرك بس ما يصحش."
سِليمة وهى بتتلفت وتسيبهم شاورت للولاد بحب وقالت لهم: "ده كله من خير ربنا، هشوفكم تاني يا عيال إن شاء الله."
بعد ما مشيت، عبد الهادي أخد ولاده ودخلوا البيت وقفل الباب وقال: "احكولي بقى إيه اللي حصل."
فاطمة: "بعد ما انت مشيت قعدت أنا وفهمي نتفرج على البيت ونلعب سوا لحد ما بصينا لقينا البنت اللي اسمها عزة دي جاية تجري بتزعق لنا وبتقول لنا انتوا بتعملوا إيه في بيت خالي، ولما قلت لها إن ده بيتنا، قفلت الباب على فهمي حبسته، وقعدت تجري ورايا وهي عاوزة تضربني لولا طنط سِليمة هي اللي حاشتها عني، وفتحت لفهمي، وقالت لعزة إنها هتقول لمامتها لو عملت حاجة وحشة تاني، ولما عرفت إن فهمي جعان اديتنا العيش اللي أكلناه ده."
فهمي لبراءة: "العيش بتاعها حلو أوي يا بابا."
عبد الهادي بابتسامة: "طب ما تدوقوني معاكم."
فهمي قطع حتة عيش واداها لأبوه اللي حطها في بقه بعد ما سمى وبعدين قال بابتسامة: "فعلاً والله.. صدقت يا فهمي طعمه حلو أوي."
فاطمة: "طب جبت لنا أكل."
عبد الهادي بابتسامة: "جبت لكم أكل وما لقيتش عيش، واديني أهو ربنا بعتلنا العيش من عنده، الحمدلله."
رواية سليمة الفصل الثاني 2 - بقلم ميمي عوالي
بعد يومين.. سليمة كان عندها خبيز برضو في بيت قريب من بيت عبد الهادي، وأخذت معاها دقيق عشان تخبز لنفسها شوية عيش بعد ما تخلص الخبيز بتاع الناس.
وبعد ما خلصت خبيز وأخذت حسابها، حطت العيش بتاعها في قفتها وشالتها على راسها وراحت على البيت. بس وهي في طريقها، وقفت قدام دار عبد الهادي وندهت وقالت:
"يا فهمي.. يا فهمي.. يا فاطمة."
أتفاجئت بعبد الهادي خارج لها باستغراب من جوه، وكان في إيده بصلة وسكينة. سليمة أنكسفت وبصت في الأرض وقالت:
"العوافي عليك."
عبد الهادي:
"الله يعافيكي.. اتفضلي."
سليمة نزلت القفة من على راسها وطلعت منها كام رغيف عيش، ومدت إيدها بيهم لعبد الهادي وهي بتقول بكسوف:
"أنا كنت جايبة عيش للعيال، لسه مخبوز بالف هنا."
عبد الهادي مد إيده ياخد العيش. السكينة اللي في إيده كانت هتعور سليمة، فقال لها بتوتر:
"لأ مؤاخذة، كتر خيرك، بس تعبتي حالك."
سليمة وهي بتنفض إيدها مطرح العيش:
"مطرح ما يسري يسري، فوتتك بعافية وصبح لي على العيال."
عبد الهادي بامتنان:
"يسعد صباحك، وتسلم إيدك."
عبد الهادي دخل حط العيش على ترابيزة صغيرة في ركن الصالة، وراح على المطبخ كمل الأكل اللي كان بيعمله. وبعد شوية سمع صوت فهمي من وراه بيقول له وهو بيدعك في عينيه:
"صباح الخير يا بابا."
عبد الهادي التفت لابنه بابتسامة وقال له:
"صباح الخير يا فهمي، صح النوم، روح صحي أختك يالا. أنا عملت لكم شكشوكة من اللي بتحبوها."
فهمي:
"هي دي ريحة الشكشوكة، ولا ريحة العيش."
عبد الهادي لقى فهمي عينه على العيش اللي جابته سليمة، فقال له:
"دي طنط حليمة ولا مش عارف طنط فهيمة جابتهولك من شوية انت وفاطمة."
فهمي راح ناحية العيش مسك رغيف وقعد ياكل منه، فأبوه قال له:
"روح اغسل وشك الأول وصحي أختك يالا."
فهمي قعد على الكنبة وهو بيمضغ العيش:
"أنا غسلت وشي، وفاطمة مش بترضى تقوم غير لما انت اللي بتصحيها."
عبد الهادي بضحك:
"طب سيب العيش على ما نبتدي ناكل عشان ماتشبع."
فهمي:
"أصل طعمه حلو أوي يا بابا."
عبد الهادي راح صحى فاطمة، وقعدوا ياكلوا. وفاطمة أول ما شافت العيش قالت بفرحة:
"الله، ده زي العيش بتاع طنط سليمة."
عبد الهادي:
"أيوه، سليمة. أنا عمال أفتكر في الاسم الغريب ده من الصبح، بس العيش ده مش زي العيش بتاع طنط سليمة، ده هو عيش طنط سليمة، جابتهولكم وانتوا لسه نايمين."
فاطمة بزعل:
"يا خسارة، كان نفسي أشوفها."
عبد الهادي:
"معلش، مسيرك تشوفيها تاني إن شاء الله."
ومرت الأيام، واتكرر نفس الموقف، وكانت سليمة كل ما تخبز، كان لازم تعدي على الولاد وتديهم من نصيبها اللي بتخبزه عشانهم، ده غير خيرات ربنا التانية. مرة عيش ومرة فطير، وساعات كانت تشوّي لهم ذرة أو سوداني.
وكانت كل مرة تنده على الولاد، ومعظم الأيام كان عبد الهادي هو اللي بيقابلها وبياخد منها الحاجة وهو بيشكرها. لحد ما جه يوم وهي بتودي العيش، عبد الهادي خرج لها بترحاب وقال بابتسامة مرحة:
"أهلا يا خالة سليمة، يا ترى عاملة إيه النهاردة."
سليمة وهي بتخرج فطير مشلتت من القفة بتاعتها:
"عاملة فطير وجايبالكم كمان قشطة بالف هنا."
عبد الهادي:
"يا ستي تسلم إيدك، بس أنا كنت عاوزك في كلمتين."
سليمة بفضول:
"خير يا أستاذ، في حاجة ولا إيه."
عبد الهادي:
"الحقيقة انتي خيرك زاد وفاض، والعيال أدمنوا الخبيز بتاعك، وعشان كده عاوزك تخبزيلي مرة كل أسبوع، إيه رأيك."
سليمة بفرحة:
"ده أنا عيوني ليكم، انت بس قوللي عاوز في حدود كام رغيف، عشان أعرف أجيب دقيق قد إيه، وأنا هعملهملك من عيني."
عبد الهادي:
"يا ستي تسلم عينيكي، بس أنا هبعتلك البيت الدقيق وانتِ اعمليلنا بقى شوية عيش على فطيرتين حلوين كده، وقرب ما ييجوا يخلصوا هقول لك عشان تعمليلنا تاني.. ها إيه رأيك."
سليمة:
"على عيني حاضر، عاوزهم امتى."
عبد الهادي:
"هبعتلك الدقيق النهاردة، واعمليهم بكرة ووقت ما تخلصيهم هاتيه."
سليمة:
"حاضر.. وفوتتك بعافية."
عبد الهادي:
"استنى."
سليمة التفتت له تاني بفضول، فقال لها:
"كنت عاوز منك خدمة تانية."
سليمة:
"خير."
عبد الهادي:
"خير، أنا بس كنت عاوز أسألك.. انتي بتعرفي تطبخي."
سليمة بابتسامة:
"عاوزاني أعمل لك أكل."
عبد الهادي:
"لو مش هتقل عليكي، ممكن أبعتلك كمان خضار ولحمة تدسيهم لنا في الفرن بعد ما تخلصي خبيز."
سليمة:
"طبعًا ممكن، بس معلش ممكن كمان تبعتيلي صينية من عندك وحلة عشان أعمل لكم كمان شوية رز جنب الأكل."
عبد الهادي بفرحة:
"آه طبعًا، حاضر هبعتلك كل الكلام ده النهاردة."
سليمة بابتسامة:
"يارب عمايل إيدي تعجبكم."
بعد سليمة ما راحت البيت، لقت أيوب خبط عليها، وده كان بيشتغل مع عبد الهادي في الدكان، وجابلها شوال دقيق وشكارة رز وسكر وزيت وصفيحة سمنة وخضار ولحمة، وسألها إن كانت محتاجة حاجة تانية.
سليمة وهي عمالة تبص على الحاجة بذهول:
"لأ شكراً، بس إيه كل ده."
وقتها كانت نبوية بتصلي الضهر، وبعد ما خلصت صلاة وشافت الحاجات دي قالت لسليمة باستغراب:
"إيه يا بنتي كل ده."
فسليمة حكتلها على اللي حصل، فنبوية قالت:
"يقوم يبعتلك شوال دقيق بحاله!"
سليمة:
"ماهو تلاقيه ما يعرفش يا أمه، أنا هبقى أفهّمه، على الأقل محدش يضحك عليه."
نبوية بتردد:
"كنت عاوزة أقول لك على حاجة كده يا سليمة."
سليمة:
"حاجة إيه يا أمي."
نبوية:
"بس مش عاوزاكي تزعلي ولا تضايقي روحك."
سليمة أتنهدت وقالت:
"لو قصدك على جواز السيد.. ما تقلقيش، أنا عارفة من بدري."
نبوية باستغراب:
"مين قال لك."
سليمة بابتسامة:
"لأ هو الفرح بيستخبى يا أمه، أهو عرفت والسلام."
نبوية:
"أوعى تكوني زعلانة يا بنتي، ده نصيب."
سليمة:
"مش زعلانة يا أمه، خلاص اللي حصل حصل، بس انتي بقى اللي عرفتي منين."
نبوية بضيق:
"تفيـدة جت الصبح تعزمنا وانتِ كنتي بره."
سليمة بضحك:
"والله فيها الخير."
نبوية:
"دي ست أعوذ بالله منها، والله يا بنتي كتر خيرك إنك عاشرتيها تلات سنين بحالهم."
سليمة باستغراب:
"ليه يا أمه، هي عملت لك حاجة، قالت لك إيه خلاكي تتضايقي كده."
نبوية بضيق:
"قال عاوزاكي تروحي تساعدي في الخبيز وعمايل الكحك، قال طالما كده كده اللي هيساعدنا بالفلوس تبقى سليمة أولى من الغريب."
سليمة ابتسمت بحزن وقالت:
"معلش، ما تضايقيش روحك."
نبوية:
"بس أنا والله يا بنتي ماسكتتلهاش."
سليمة:
"قولتي لها إيه."
نبوية:
"أهو اديتلها اللي فيه النصيب وقلت لها إنك لا يمكن تعتبي ياما عتبة دارهم تاني أبداً."
سليمة هزت راسها بالموافقة وبعدين قالت:
"عارفة السيد هيتجوز مين."
نبوية بفضول:
"هو انتي تعرفي مين."
سليمة بصت لها بابتسامة وقالت:
"ثريا بنت الجابري."
فجأة نبوية قعدت تزغرط وسليمة مستغرباها جداً. وأول ما خلصت زغاريد قالت بفرحة:
"أهي ثريا دي اللي هتجيب لك حقك كله، فعلاً ربنا يمهل ولا يهمل."
سليمة قامت وراحت تروق الحاجة اللي بعتهالها عبد الهادي وقالت:
"يا ستي ربنا يهني سعيد بسعيدة، المهم إن ربنا يكفيني شره."
نبوية في سرها:
"ربنا يا بنتي يعوضك خير على قلبك الطاهر ده ويأيدلك من عنده راجل ابن حلال يبقى لك سند وعون."
عبد الهادي كان في الدكان بتاعه، واللي كان زي السوبر ماركت كده، بس صغير وكان بيبيع فيه كل حاجة. الشيخ مدبولي عدى عليه وقال له:
"السلام عليكم، ازيك يا ابني."
عبد الهادي قام وقف وقال:
"وعليكم السلام يا شيخنا، اتفضل استريح."
مدبولي قعد ومد له إيده بورقة وقال له:
"حضر لي الحاجات دي يا ابني الله يبارك لك."
عبد الهادي وهو داخل يحضر له الطلبات:
"من عينيا يا شيخنا."
وبعد ما حضر له كل حاجة، نده لأيوب اللي بيشتغل معاه واداله الحاجة وقال له:
"طيران على بيت الشيخ مدبولي، وديلهم الحاجات دي وتعالى على طول."
الشيخ مدبولي وهو بيقوم من مكانه:
"وعلى إيه يا ابني تمشّي الراجل، الحاجة مش تقيلة أوي يعني، هاخدها في إيدي وأنا مروح."
عبد الهادي وهو بيرجع مدبولي بإيده عشان يقعد من تاني:
"اقعد بس يا شيخنا، أنا كنت عاوزك في كلمتين كده."
مدبولي:
"اتفضل يا ابني قول اللي انت عاوزه."
عبد الهادي:
"انت عارف إن مراتي ميتة."
مدبولي:
"الله يرحمها ويعوضك خير."
عبد الهادي بتنهيدة:
"يارب، المهم إنك عارف إن ولادي لسه صغيرين، وأنا بالنسبة لهم أبوهم وأمهم."
مدبولي:
"الله يعينك يا ابني ويخليك ليهم ويخليهم لك."
عبد الهادي:
"يارب يا شيخ مدبولي يارب، الحكاية إن فاطمة سنها وصل للمدرسة من السنة اللي فاتت، بس عشان ظروف كده ماقدرتش أقدم لها السنة اللي فاتت، بس نويت إني أقدم لها السنة دي إن شاء الله."
مدبولي:
"على خير يا ابني، وإيه المشكلة."
عبد الهادي:
"المشكلة إن رغم صغر سنها إلا إني كنت ببقى مطمن عليها وعلى أخوها وهم مع بعض، لكن أما هي تروح المدرسة مينفعش فهمي يفضل لوحده، ولو جبته معايا الدكان كل يوم هيبقى تعب عليه وهيترمّط."
مدبولي:
"فعلاً يا ابني، عندك حق."
عبد الهادي:
"وعشان كده كنت عاوز أطلب من بنتك إنها تفضل معاه كل يوم على ما فاطمة ترجع من المدرسة، ولو أمكن يعني تعمل لنا لقمة ناكلها، وأنا تحت أمرها في المبلغ اللي هتطلبه."
مدبولي:
"عاوزها تشتغل عندك يعني."
عبد الهادي:
"أبدا أبداً والله، أنا ما أقصدش كده نهائي، أنا كمان كنت هقترح إنها لو حابة تفضل في بيتك وأوديلها فهمي كل يوم ما عنديش مانع أبداً، أنا بس لاحظت إن الولاد عندي حبوها واتعلقوا بيها، وهي كمان بتعاملهم بحب كده.. يمكن ماشافوهوش من حد تاني غيرها."
مدبولي سكت شوية وبعدين قال له:
"بص يا ابني، قبل ما أرد عليك لازم تعرف ظروف سليمة الأول عشان تفهم سبب ردي."
عبد الهادي:
"وأنا سامعك يا شيخنا."
مدبولي حكى لعبد الهادي كل حاجة عن سليمة من ساعة موت أبوها لغاية النهاردة، وبعدين قال له:
"إحنا يا بني بلد أرياف زي ما انت داري، رغم إنك مش من بلدنا ولا تعرف عن عوايدنا حاجة، لكن كلام الناس كتير، ووجود واحدة عازبة في بيت واحد عازب مهما كان طاهر إلا إن أصحابه مش هيسلموا أبداً من سنة الناس."
عبد الهادي بحزن:
"عندك حق يا شيخنا، وعشان كده أنا بقول لك لو انت وهي ماعندكمش مانع أنا هجيب لها فهمي كل يوم قبل ما أجي على الدكان، ولما أخته ترجع من المدرسة تبقى تروح تاخده من عندكم."
مدبولي:
"ومن غير ما أسألها يا ابني، ما يتهيأليش أبداً إنها ترفض، دي بتحب عيالك أوي واتعلقت بيهم."
عبد الهادي:
"بس برضه هستناك ترد عليا لما تسألها، طب أنا بعد إذنك بعتتلها دقيق وشوية حاجات عشان تخبزلنا عيش وتعمل لنا أكل، وبلغها إني هبعت لها أيوب ياخد منها الحاجة برضه، ماتتعبش حالها وتروح لحد البيت."
مدبولي قام وقال له:
"ماشي يا ابني، وإن شاء الله هرد عليك في موضوع فهمي لما أشوفك وقت صلاة العشا." وحاسبه على الطلبات اللي أخدها والتفت عشان يمشي، لكن بعد ما مشى كام خطوة رجع عبد الهادي نده عليه وقال له بتردد:
"يا شيخنا."
مدبولي رجع التفت له تاني بفضول، فعبد الهادي قال له:
"كنت عاوزك في موضوع تاني لو مش هعطلك."
مدبولي:
"اتكلم يا ابني عاوز تقول إيه."
عبد الهادي وهو بيلفت حواليه:
"الكلام اللي عاوز أقولهولك.. ما ينفعش يتقال كده، ومش عاوز حد يسمعنا واحنا بنتكلم."
مدبولي:
"طب واللي يريحك."
عبد الهادي:
"ممكن أما نتقابل في صلاة العشا تيجي عندي البيت نقعد ونتكلم براحتنا."
مدبولي رغم استغرابه:
"ماشي يا ابني، إن شاء الله، أمشي بقى ولا عاوز حاجة تانية."
عبد الهادي بابتسامة:
"لأ خلاص، بالسلامة انت."
في بيت الشيخ مدبولي بعد ما رجع من بره، قعد اتغدى مع نبوية وسليمة، وحكى لسليمة على اللي طلبه عبد الهادي. فنبوية قالت:
"طب والله حاجة حلوة، وأهو أحسن من مراحك كل يوم في بيت شكل عشان الخبيز، اديكي هتبقي في بيتك لا مراح ولا شحططة."
سليمة كمان رحبت بالفكرة، فمدبولي قال لهم:
"خلاص أنا هبلغ عبد الهادي بموافقتك وأشوف الكلام ده هيبتدي من امتى."
نبوية بصت لمدبولي وقالت له:
"أم السيد كانت هنا الصبح."
مدبولي باستغراب:
"هي برضه جت، ما فيش فايدة في دماغها، الله يهديه."
نبوية:
"معناته إيه الكلام ده، لأ هو انت شفته."
مدبولي:
"أيوه، وقلت لها إن اللي عاوزاه مش هيحصل."
نبوية:
"وأنا كمان قلت لها نفس الكلام."
مدبولي:
"والحقيقة السيد كمان ما وافقهاش أبداً على كلامها وشدوا مع بعض قدامي، فسيبتهم يتصافوا سوا ومشيت."
سليمة بفضول:
"كانت عاوزاك عشان الخبيز برضه."
مدبولي:
"خبيز إيه، لأ مش الخبيز."
نبوية:
"اومال كانت عاوزة إيه."
مدبولي بزعل:
"قال عاوزة سليمة تروح لهم كل يوم شوية الصبحية تشوف لها شغل الدار بالفلوس."
نبوية شهقت جامد وهي بتضرب على صدرها وقالت:
"إلهي ربنا ينتقم منك يا تفيـدة يا بنت الجازية، بقى بنتي أنا تشتغل خدامة عندهم على آخر الزمن، ده لو هتموت من الجوع، والله ما يحصل أبداً."
مدبولي:
"الكلام ده من ساعة ما اتطلقت من السيد وبيتجدد كل ما تشوفني، وآخرها النهاردة، واللي عرفته إن من ساعة ما سليمة سابت دارهم وهم ما عرفوش يتعاملوا مع الجاموسة، وكان اللي يدخل يحلبها لازم ترفصه، والسيد كان فين وفين على ما يعرف يحلبها، لكن فجأة لقوها تعبت وكانت هتموت منهم في مرة، وفي الآخر السيد باعها."
نبوية بتنهيدة:
"ده بس حق صغير من حقوق بنتي ولسه ياما ربنا هيوريها."
التفتوا لقوا سليمة دموعها مغرقة وشها. فنبوية قامت خدتها في حضنها وقالت لها:
"الله في سماه، ربنا ماهيسيب حقك أبداً، انتي بس صبرك بالله."
سليمة بحزن:
"ونعم بالله."
مدبولي:
"اومال خبيز إيه اللي بتقولي عليه."
نبوية حكت له على اللي حصل، فمدبولي قال:
"هي عرفت مقام بنتك من يوم ما سابت دارهم، كانت فاكرة إن المركب ماشية ماشية، ما كانتش تعرف إن بنتك اللي ماسكة دفتها، يالا الحمد لله، كل واحد بياخد نصيبه."
"أنا هقوم أتوضى وأروح الجامع عشان صلاة المغرب، ويمكن أتأخر شوية."
مدبولي بعد صلاة العشا راح مع عبد الهادي على بيته، وأول ما دخل لقى فاطمة وفهمي قاعدين بياكلوا فطير من اللي سليمة خبزتهولهم الصبح. سلم عليهم بحنية، وراح قعد مع عبد الهادي اللي عمل لهم شاي وابتدى يتكلم معاه فقال له:
"أنا عاوز أقول لك على سر كبير يا شيخنا."
مدبولي:
"وسرك في بير يا ابني، أنا سامعك."
عبد الهادي:
"انت عارف طبعاً إني مش من نواحيكم."
مدبولي:
"أيوه يا ابني طبعاً عارف."
عبد الهادي:
"أنا أصلاً من الفيوم وكنت بشتغل موظف في شركة، وحبيت مراتي واللي كانت من عيلة غنية، وأنا ظروفي ما كانتش وحشة، بس كانت قليلة بالنسبة لهم، فرفضوني، وعافرت لحد ما جالي عقد عمل، وسافرت وهي سافرت معايا بعد ما عقدت عليها من ورا أهلها."
مدبولي بزعل:
"عقدت عليها من غير ولي."
عبد الهادي:
"لأ طبعاً بولّي، لأن أخوها صاحبي الروح بالروح، وهو الوحيد اللي كان موافق على جوازنا، فكان هو وليها، وهو اللي ساعدنا إننا نتجوز وساعد أخته إنها تسافر معايا كمان."
مدبولي بارتياح:
"طب الحمد لله إن جوازك منها ما فيهوش شبهة، طب وبعدين."
عبد الهادي:
"سافرنا سوا وكنا الحمد لله بكل خير، لحد ما جه وقت ولادة فهمي، كانت تعبانة أوي وحست إنها مش هتقوم منها، فوصيتني إن لو حصل لها حاجة، ولادها يتربوا في مصر. وزي ما قلبها كان حاسس، ماتت وهي بتولد، فبعد ما ابتديت أستوعب اللي حصل وابتديت أفوق، قررت إني أنفذ لها وصيتها، فكلمت أخوها رحيم وعرفته باللي حصل وباللي ناوي أعمله."
مدبولي:
"رحيم ده اللي جه من قبل منك اشترى البيت والدكان والأرض مش كده."
عبد الهادي:
"أيوه هو، وقال لي إنه هيحاول يمهد لرجوعي من تاني لبلدنا، على ما أنا أخلص حاجتي هناك."
"لكن بعدها بكام يوم لقيته كلمني وحذرني إني أرجع على الفيوم وإني هناك لو شافوني ممكن يأذوني، وقال لي إنه هيدور لي على بلد تانية بعيدة أعيش فيها في أمان مع ولاد أخته."
مدبولي:
"انت عاوز تفهمني إن حياتك وحياة ولادك في خطر."
عبد الهادي:
"دي أول حاجة عاوز أعرفها."
مدبولي:
"وإيه تاني حاجة."
عبد الهادي مد إيده بورقة لمدبولي وقال له:
"عاوزك تخلي الورقة دي أمانة عندكم."
مدبولي:
"وفيها إيه يا ابني الورقة دي."
عبد الهادي:
"فيها عنوان خالهم ورقم تليفونه، لو حصل لي حاجة في أي وقت كلمه، مش عاوز ولادي يتظلموا زي سليمة. أنا عارف إنك ربيتها وحميتها، لكن في الآخر جه اللي طمع فيها لأنها اتربت بعيد عن أهلها الحقيقيين."
مدبولي:
"طب ما هو أهل أمهم يا ابني ممكن يأذوهم."
عبد الهادي:
"اللي عرفته من رحيم، إن جدهم زعل على موت بنته ونفسه يشوفهم، لكن إخوات رحيم هما اللي رافضين ومفكرين إني لو رجعت لهم بولادي هطالبهم بورثها."
مدبولي:
"ورث إيه وأبوها لسه عايش."
عبد الهادي:
"ورثها من أمها الله يرحمها مش قليل."
مدبولي وهو بيضرب كف على كف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هي الناس بقت تستحل مال اليتيم بالساهل كده ليه، ده ياويله من ربنا ساعة الحساب."
عبد الهادي:
"ربنا يهدي العاصي، أنا ما يهمنيش غير سلامة ولادي وبس."
مدبولي:
"ربنا يسلمهم لك يا ابني من كل شر ويسلمك ليهم، وما تقلقش يا ابني حاضر، سرك في بير."
ومرت الأيام وعبد الهادي كان بيوصل فهمي كل يوم لغاية سليمة، وكانت تفضل مراعياه لحد ما فاطمة ترجع من المدرسة تقعد معاهم شوية وبعدين يروح أيوب ياخدهم وياخد الأكل أو الخبيز اللي سليمة جهزتهولهم.
وعبد الهادي كان فرحان جداً بسليمة لما عرف إنها بتحفظ فهمي قرآن، وطلب منها إنها تحفظ فاطمة كمان في الإجازات بتاعتها.
في بيت السيد، كانت الساعة قبل صلاة العصر بشوية، وتفيـدة قاعدة على المصطبة في صحن الدار، وثريا كانت بتنشر الغسيل على السطوح، فتفيـدة قعدت تنده عليها بصوت عالي وبتقول:
"انتي ياللي تنشكي في معاميعك، كل ده بتنشري الهدمتين."
وفضلت تزعق وتصرخ وثريا سامعاها ومابتردش عليها، لغاية ما خلصت اللي في إيدها ونزلت، وأول ما تفيـدة لمحتها نازلة من على السلم قالت لها بزعيق:
"هو أنا يا مزغودة مش عمالة أنده عليكي من الصبح، ما بترديش ليه، ولا انطرشتي في ودانك."
ثريا:
"وهو انتي بتبطلي ملل طول النهار والليل، ما انتي عارفة إني بنشر، بتندهي عليا ليه، ما تصبري لما أنزل وتبقي تقول لي اللي انتي عاوزة تقوليه، ولا انتي بس غاوية تسمعي حسك للخلايق كل ساعة والتانية."
تفيـدة بغيظ:
"أما إنك ماعندكيش دم، الأكل اللي على الوابور هيتحرق وانتي عمالة تتقصعي وتتمطعي يا أم لسان عاوز الحش، ما تشيلي روحك كده وبصي على الأكل."
ثريا بصت لها باستهانة واتنهدت وراحت ناحية الوابور تشوف الأكل وهي بتقول بصوت مسموع:
"اللي يشوفك وانتي قاعدة مربعة على المصطبة وعمالة تصرخي وتولولي وانتي قاعدة مكانك يفكر إن البعيدة مشلولة، ما قمتيش انتي ليه واتشللتي وبصيتي على الأكل، ناقصة إيد ولا رجل."
تفيـدة بغيظ:
"انتي عاوزاني أخدم عليكي يا بنت الجابري."
ثريا:
"أنا ما قلتش تخدمي عليا، لكن على الأقل اعملي بلقمتك بدل ما انتي قاعدة مربعة النا في مطرحك كده طول الليل والنهار لما هتجيبي لنا الفقر."
تفيـدة بنرفزة:
"بقى أنا يا بنت المركوب اللي هجيب لكم الفقر، بقى أنا يتقال لي الكلام ده."
ثريا لمحت السيد جنب عينها وهو داخل البيت فقالت:
"وفيها إيه يعني يا أمه لما كلنا نتعب عشان خاطر السيد، ده بيصحى من الفجرية يا حبة عيني ويتعب طول اليوم رايح جاي على الغيط وشقيان يا نضري، وده جوزي وابنك يا أمه، يعني ضناكي، بقى يهون عليكي برضه."
تفيـدة وهي مش فاهمة اللي بتقوله ثريا فقالت بغضب:
"بت انتي.. اتعدلي كده واتكلمي كلام يتفهم زي الناس، يا أما يمين تلاتة لو قمت لك ما لكيش عندي غير البلغة."
وقتها بس السيد دخل بالحمار وقال:
"السلام عليكم، في إيه يا أمه."
تفيـدة بغيظ:
"في قلة حيا وقلة تربية هيبقى في إيه يعني غير كده."
السيد نفخ واستغفر ربنا، فثريا عملت إنها بتعيط وراحت أخدت منه الحمار دخلته على الزريبة وقالت له:
"أنا دفيتلك ميه عشان تتسبح، وحطيتهالك جوة، روح اتسبح وتعالى، أكون حطيت الأكل، زمانك جعان يا نضري."
تفيـدة بغيظ قالت بتريقة:
"روح يا أخويا، اوعاك تفلت ديلها لا تتكعبل يا نضري."
بعد ما دخل السيد ورا ثريا قال لها بهمس:
"هو في إيه."
ثريا وهي بتتصنع الزعل:
"هيبقى إيه يعني يا سيد، أهو موال كل يوم، بس معلش، أنا هستحمل عشان خاطرك."
عبد الهادي في سره:
"وبعدهالك يا أمه، ناوية تخربي بيتي من تاني ولا إيه."
رواية سليمة الفصل الثالث 3 - بقلم ميمي عوالي
مرت الأيام على وتيرة واحدة، وما كان في جديد إلا الخناقات اليومية اللي بين ثريا وتفيدة. وكل واحدة فيهم عاوزة تفرض سيطرتها على الدار من غير منازع، وطبعًا السيد ما بينهم، وهو كابش النار بايديه الاتنين ومش قادر ينصر واحدة فيهم على التانية.
كانت أكتر حاجة بتضايق ثريا من تفيدة، إنها أما كان حد يجيلها من إخوات السيد وولاده، كانت تقعد ترمي بالكلام على ثريا إنها اتأخرت في الحمل، رغم إنه مر عليها ست شهور بس. ولما كانوا أحفادها يلعبوا في حاجة أو يوقعوا حاجة، كانت تقول لهم: "فداكم، ده كله من شقى عمكم". ولما ثريا كانت تتكلم لأنها هي اللي كانت بتنضف مطرحهم، كانت تفيدة تشتمها وتهينها قدام اللي موجودين. وكانت ثريا تسكت وماتردش عليها قدامهم، رغم إنها بعد كده كانت بتخلصه منها بس وهم لوحدهم.
لحد ما في يوم، كانت ثريا قاعدة في الأوضة بتاعتها بعد ما عبد الهادي راح الغيط، وكانت بتروق الدولاب بتاعها. ولقيت بين الهدوم بتاعة عبد الهادي علبة صفيح فيها حجة الأرض وحجة البيت، واللي كانوا باسم تفيدة. ولقيت كمان منديل صغير مربوط، ولما فتحت العقدة بتاعة المنديل، لقت في المنديل ختم. ومابقتش عارفة ختم إيه ده ولزمته إيه، لأن السيد بيعرف يقرأ ويكتب. فجابت ورقة وجربت الختم عليها عشان تشوف ده ختم إيه، لقته ختم تفيدة، ويبقى الختم بتاعها اللي بتستخدمه في كل حاجة.
وما كان من ثريا غير إنها حطته في صدرها، ولبست عبايتها وخرجت. قالت لتفيدة إنها رايحة تشتري حاجات للدار. وراحت بسرعة على بيت أبوها. ثريا كان أخوها بيشتغل عرضحالجي، وطلبت منه إنه يعمل لها عقد ببيع الدار بتاع تفيدة باسمها. ولما أخوها اعترض، قالت له إن ده بس ضمان ليها إن تفيدة ماتعملش فيها زي ما سبق وعملت في سليمة، اللي كل البلد عرفت اللي حصل لها من تفيدة. وكمان عشان إخوات السيد ما يطمعوش في الدار بعد ما تفيدة تموت.
وفعلاً أخوها طاوعها وعمل لها عقد ابتدائي ببيع الدار بالأرض اللي عليها من تفيدة لثريا. وبعد ما ختمها الختم على العقد، سابت لاخوها العقد والختم وطلبت منه يوثق لها العقد ده في الشهر العقاري بأقصى سرعة. وروحت بعد ما اشترت طلبات للبيت.
وتاني يوم أخوها كان فعلاً وثق لها العقد بواسطة علاقاته في الشهر العقاري. وبعدها ثريا رجعت الختم مكانه وخبّت العقد اللي أخوها عملهولها بعيد تمامًا عن إيدين أي حد.
وفي يوم وعبد الهادي قاعد في الدكان، لقى اللي جاي عليه وهو بيقول بمرح: "السلام على من اتبع الهدى".
عبد الهادي قام بفرحة وترحاب وقال: "أهلاً يا رحيم، وحشتني يا جدع". وأخدوا بعض بالحضن جامد لدرجة إن عبد الهادي عيونه دمعت.
فرحيم قال له بمشاغبة وهو بيقلد اللهجة الصعيدية: "أباه عليك، لا هو انت كل ما هتشوفني هتبكي كيف الحريم ولا إيه عاد؟"
عبد الهادي بابتسامة: "وحشتني يا رحيم، عامل إيه؟ تعالى اقعد."
رحيم قعد وقال له: "والله يا هادي مشاغلي كتير، وانت عارف أبويا بقت صحته على قده، ومشيلني كل حاجة على أكتافي."
عبد الهادي: "وانت قدها وقدود يا صاحبي، الله يكون في العون."
رحيم: "وانت كيف أحوالك؟ والعيال أخبارهم إيه؟"
عبد الهادي بابتسامة: "كلنا بخير، نشكر الله، فاطمة أهي مبسوطة في المدرسة، وفهمي بوديه كل يوم عند بنت شيخ الجامع بتاع البلد، بتراعيه لحد أخته ما ترجع من المدرسة."
رحيم: "وهي معاها عيال زيه؟"
عبد الهادي بضحك: "ربنا ما رزقهاش، بس فهمي وفاطمة حبوها أوي من يوم ما خلصتهم من عزة."
رحيم هو كمان ضحك وقال: "والله وحشتني البت دي وشقاوتها."
عبد الهادي: "ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها، أهي المدرسة شغلتها شوية."
رحيم: "الحقيقة عبد الله أبوها هو اللي ساعدني وجاب لي الأرض والدكان، وكمان أقنع أخو مراته يبيع لي البيت."
عبد الهادي ضحك أوي وقال: "أهو البيت ده بقى يا سيدي سبب المعرفة"، وحكاله على خناقة عزة مع ولاده بسبب البيت لما سليمة حاشتهم عن بعض.
رحيم ضحك وقال: "رغم إن عبد الله عمره ما كان كده، أهو طول عمرنا وإحنا زملاء أنا وهو، وطول عمره كان في حاله ومش بتاع مشاكل، مش عارف البت دي طالعة كده لمين."
عبد الهادي: "طب قوم يالا لما نروح."
رحيم: "وهتسيب الدكان لحاله كده؟"
عبد الهادي: "لا، أيوب هيفضل ويبقى يقفل براحته. وانت كمان سيب عربيتك هنا عشان مش هنعرف نتحرك بيها براحتنا جوة البلد." وبعدين التفت لأيوب وقال له: "أنا مروح أنا يا أيوب، وانت خلي بالك من الدكان."
أيوب: "في عيني يا سي عبد الهادي، مع السلامة."
ومشوا مع بعض.
فرحيم قال: "وأخبار الأرض إيه يا هادي؟"
عبد الهادي: "تمام الحمد لله، زرعتها كلها شتلات موالح، انت عارف أنا ماليش في الزراعة، واتفقت مع المهندس بتاع الجمعية الزراعية إنه يراعيه."
رحيم: "طب تمام، الله يعينك ويصلح لك الأحوال."
رحيم بيبص لقى عبد الهادي سابه وجرى فجأة وهم بيتكلموا. ولما سرّع مشيته وراح وراه يشوف فيه إيه، لقى عبد الهادي بيجري ورا واحدة شايلة فهمي في حضنها وبتجري بيه، وعمال يقول لها بلهفة: "فيه إيه يا ست سليمة، فهمي ماله؟"
سليمة وهي بتجري: "سخن من الصبح يا سي عبد الهادي، ولازم حكيم يشوفه."
عبد الهادي جه يمد إيده يشيله عنها، قالت له وهي بتمنعه ولسه بتجري بيه: "سيبه في حضني، أنا حاطة فوطة مبلولة على كتفي عشان يسند عليها دماغه."
عبد الهادي: "طب انتي رايحة فين بيه؟ الموقف الناحية التانية."
سليمة وهي لسه بتجري: "سيبني بس أنا هتصرف."
رحيم كان حصل عبد الهادي وسمع لكل الحوار ده وقال لعبد الهادي: "طب أجيب العربية يا هادي؟"
كانوا وصلوا قدام بيت صغير، فسليمة قالت وهي بتنهج: "خلاص وصلنا." وبعدين خبطت على الباب وهي بتنده بصوت عالي وبتقول: "يا عم سالم، عم سالم!"
فتح الباب راجل عنده فوق الستين، وأول ما شافها قال: "خير يا سليمة، مالك يا بنتي؟"
سليمة: "عايزة الدكتور مصطفى يا عم سالم، غيتني الله يبارك لك، أحسن الواد سخن مولع ومش عارفة أعمل له إيه."
جه من وراهم شاب وكان واضح إنه راجع من برة. ولما لقاهم قال: "السلام عليكم."
كلهم التفتوا وردوا السلام، وسليمة قالت بلهفة: "الحقني يا دكتور مصطفى الله لا يسيئك، الواد سخن أوي ومش عارفة أديله إيه."
مصطفى شاور لهم على البيت من جوه عشان يدخلوا، وحط فهمي على كنبة وفتح شنطته وابتدى يكشف عليه وسط قلق اللي حواليه، وخصوصًا سليمة اللي كانت دموعها مغرقة وشها.
وبعد ما مصطفى خلص كشف، بص لهم وقال بضحك: "لزومه إيه الهيصة اللي انتوا عاملينها دي كلها، وبتعيطي ليه يا سليمة؟"
سليمة وهي بتمسح دموعها: "طمنني الله لا يسيئكم."
مصطفى بابتسامة: "اطمني، هو بس فيه ضرس عنده عامل له التهاب في اللثة بتاعته، وهو اللي مسخنه كده، ماتقلقيش، مفيش حاجة."
سليمة وعياطها مؤثر على صوتها: "من الصبح ومش راضي ياكل ولا يتكلم ولا حتى راضي يلعب زي عوايده، ولما لقيته سخن قلبي اترعب من الخضة عليه."
أبو مصطفى ضحك وطبطب على كتفها وقال: "عقبال ما ربنا يراضيكي يا بنتي، معلش ما انتي لسه ما جربتيش كل ده، بكرة إن شاء الله لما ربنا يرزقك هتشوفي من ده كتير."
سليمة بابتسامة وهي بتعدل هدوم فهمي وبتشيله من تاني: "طب قولي أديله إيه ولا أعمل له إيه؟"
مصطفى كتب لها علاج في ورقة وقال لها تجيبه وتديه منه وتفضل تعمل له كمادات.
سليمة بامتنان: "معلش يا دكتور، تعبتك، بس الحمد لله إني عثرت فيك."
عبد الهادي شكر مصطفى وحاول يديله فلوس، بس مصطفى رفض وقال له إن سليمة خيرها سابق عليه.
فشكروه كلهم ومشوا.
فـ عبد الهادي قال لسليمة اللي كانت حاضنة فهمي بخوف وقلق: "هاتيه عنك انتي بقى يا ست سليمة، كتر خيرك، تعبناكي معانا بزيادة والله، أنا مش عارف أودي جمايلك دي كلها فين."
سليمة وهي مكملة مشي من غير ما تقف: "روح انت لحالك يا أستاذ عبد الهادي، وأنا هخلي فهمي معايا لحد ما يبقى زي الفل وبعدين أبقى خده."
عبد الهادي باعتراض: "لا إزاي بقى، ده حتى خاله جاي مخصوص من السفر عشان يشوفه ويقعد معاه."
هنا سليمة وقفت وبصت لرحيم وبعدين رجعت بعنيها لعبد الهادي من تاني وقالت له بمحايلة: "بالله عليك.. سيبه معايا لحد ما أطمن عليه ويصحصح كده وياكل لقمة، ووقت ما أطمن عليه هجيبهولكم لحد باب الدار."
عبد الهادي مابقاش عارف يقول لها إيه، وبص لرحيم يشوف رأيه. لقى رحيم مركز مع تفاصيل وشها بابتسامة هادية. فـ رجع بص لها وقال لها: "أنا مشفق عليكي."
سليمة قالت بسعادة: "لا ما يهمكش، انت بس سيبه معايا، وإن شاء الله هيبقى زي الفل."
عبد الهادي: "طب سيبيني أوصلهولك لحد البيت."
سليمة وهي بتحضن فهمي بزيادة: "ما منهاش لازمة بقى نقعد نبدله بناتنا، لا الواد يتملخ مننا وهو تعبان كده."
عبد الهادي باستسلام: "طب هات الورقة اللي الدكتور كتب فيها العلاج، وأنا هروح أجيب الدوا وأجيبهولك."
سليمة ناولته الورقة والتفتت ومشيت بعد ما قالت: "ماشي، وأهو تاخد الأكل بتاعك كمان والعيش."
عبد الهادي باستغراب: "و لحقتي تخبزي وتطبخي إزاي وفهمي عامل فيكي كل ده؟"
سليمة سابته ومشيت من غير كلام.
فـ رحيم قال: "لا… أفهم بقى."
عبد الهادي خد رحيم وراح يجيب الدوا. وهم في الطريق حكى له على القصة من أولها.
رحيم باستغراب: "بقى دي اتجوزت واتطلقت؟"
عبد الهادي: "آه.. تخيل."
رحيم: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، صغيرة أوي على الكلام ده."
عبد الهادي: "اللي عرفته من الشيخ مدبولي، إن عمرها حوالي اتنين وعشرين سنة."
رحيم بإعجاب: "وبتقول كمان إنها بتحفظ فهمي قرآن."
عبد الهادي: "من ساعة ما بدأ يروح لها.. حفظ حزب وقرب يكمل الجزء أهو."
رحيم: "ما شاء الله تبارك الله، بس تعرف.. عيالك ليهم حق يحبوها."
عبد الهادي: "الحق بتاع ربنا، أنا ماشفتش منها غير كل خير، بس دايماً العيال بيشكروا فيها، ولما بيبقوا معاها، مابيبقوش عاوزين يفارقوها أبداً."
عبد الهادي ورحيم اشتروا الدوا وودوه لسليمة في بيت الشيخ مدبولي. وهناك سليمة ادت لعبد الهادي العيش والفطير والأكل اللي كانت عاملاه عشانه هو والولاد. ولما طلب منها تاخد من الأكل عشان فهمي، مدبولي قال له بزعل: "بقى كده برضه، لا هو بيت مدبولي هيضن باللقمة على العيل العيان ده برضه؟"
عبد الهادي بحرج: "أبدا يا شيخنا، أنا ما قصدتش والله، بس أنا ما بيحلاليش الذات إلا أما أعرف إنه نزل منه في جوف عيالي قبل مني."
سليمة علت صوتها من جوه وقالت: "إحنا طابخين لينا نفس الأكل، ماتشغلش بالك، وما تقلقش على فاطمة، أول ما هتيجي من المدرسة هبعتهالك طوالي."
عبد الهادي خد الحاجة بقلة حيلة ومشي مع رحيم راحوا على بيته. وطول الطريق رحيم يقرب الحاجة اللي شايلها من وشه ويقول: "ريحة الفطير تجنن يا هادي، والأكل كمان."
عبد الهادي: "الصراحة سليمة نفسها في الأكل لا يعلى عليه."
وأول ما وصلوا البيت، رحيم مد إيده قطع حتة فطير واكلها وهو مغمض عينه وبيستطعمها بالراحة. وبعدين قال: "الله… إيه الطعامه دي." قال وهو أنا اللي كنت شايل همك انت والعيال وعمال أقول زمان جالكم تلبك معوي من العك اللي بتعكهولهم كل شوية."
عبد الهادي بضحك: "انت بتقعد مع البت فاطمة من ورايا ولا إيه؟"
رحيم: "اشمعنى؟"
عبد الهادي: "أصلها من أول ما دافت أكل سليمة، وهي زعلانة وبتعايرني وكل شوية تقولي أنا نفسي أعرف انت الأكل اللي كنت بتعملهولنا ده كنت جايبه منين ومين قال لك عليه."
رحيم بضحك: "أهو ربنا بعتلهم النجدة من عنده."
عبد الهادي: "طب يالا اغسل وشك على ما أجيب لك حاجة من عندي عشان تغير هدومك، تكون فاطمة رجعت من المدرسة ونتغدى كلنا."
رحيم: "طب هي فاطمة ليه بترجع على بيت سليمة مابترجعش على هنا على طول؟"
عبد الهادي وهو بيشيل العيش وبيحضر الأكل: "الأول كان عشان تجيب فهمي ومايمشيش في البلد لوحده، لكن بعد كده بقت تحب تقعد مع سليمة شوية تحكيلها على المدرسة وساعات بتساعدها في الواجب بتاعه."
رحيم بابتسامة: "هي متعلمة؟"
عبد الهادي: "الشيخ مدبولي قالي إن معاها دبلوم، بس ما أعرفش دبلوم إيه."
رحيم بابتسامة: "سبحان الله، الدنيا دي غريبة أوي، واحدة زي سليمة دي حلوة وتعليمها معقول وحافظة قرآن وشكل أخلاقها عالية ومحترمة، وكانت راضية بحالها ويتعمل فيها اللي جوزها وحماتها عملوه، وواحدة تانية زي سهير، ما كانش ليها أي ميزة غير إنها بنت عمي وفي الآخر هي اللي طلبت الطلاق، وكمان رمت العيال ولا حتى بييجي على بالها تسأل عنهم."
عبد الهادي طبطب على كتف رحيم وقال له: "الحمد لله يا رحيم، ماتنساش برضه إن لولا اللي حصل، ما كانتش علاقتك اتصلحت بابوك لحد النهاردة."
رحيم بتنهيدة: "ده لأنه حس بالذنب يا هادي."
"على فكرة، أبويا عاوز يشوف العيال."
عبد الهادي بخضة: "يشوفهم إزاي يا رحيم؟ ما انت عارف إخواتك ممكن يعملوا إيه لو شافوهم وعرفوهم."
رحيم: "ما تخافش، أنا اتفقت مع أبويا إني هجيبه معايا لحد هنا، بس قلت آجي أقعد معاك وأعرفك من قبلها عشان تبقى عامل حسابك."
عبد الهادي بشرود: "ينور طبعًا، بيت بنته وولادها يبقى بيته."
رحيم بابتسامة: "طول عمرك تعرف الأصول يا هادي."
وبعد ما رحيم غير هدومه، وكانوا قاعدين مستنيين فاطمة، فرحيم بص لعبد الهادي وقال له: "كنت عاوز أسألك على حاجة كده يا هادي."
عبد الهادي: "خير."
رحيم: "ما بتفكرش تتجوز؟"
عبد الهادي بص لجلال بزعل وقال: "يُحرم عليا جنس الحريم من بعد نادية."
رحيم: "انسى إني أخوها، وافتكر إني صاحبك، انت برضه لسه في عز شبابك، ده انت دوب تلاتة وتلاتين سنة، زيك كتير لسه مادخلوش دنيا."
عبد الهادي: "وأنا كان كل منايا من الدنيا دي نادية، ومن بعدها خلاص يا رحيم، الله يرحمها، ربنا يقدرني وأصون أمانتها في ولادها، عشان أما أقابلها في الآخرة أكون صنت ووفيت."
فاطمة دخلت تجري من الباب واترمت في حضن رحيم وهي بتقول له: "إزيك يا خالو، وحشتني."
رحيم وهو بيضمها بحب: "البنات الحلوين اللي كبروا وراحوا المدرسة."
فاطمة: "ياترى شفتني الصبح وأنا رايحة المدرسة، بتبقى هدومي نضيفة وشعري حلو أكتر من دلوقتي."
عبد الهادي: "انتي اتأخرتي ليه النهاردة يا فاطمة؟"
فاطمة: "عديت على طنط سليمة عشان كنت عاوزة منها حاجة."
عبد الهادي: "حاجة إيه؟"
فاطمة: "في الفصل، الأبلة قالت لنا، إن بكرة كل واحد يجيب معاه حاجة حلوة مامته تعملهاله في البيت عشان فيه حفلة."
عبد الهادي: "طب وهي طنط هتعملك إيه؟"
فاطمة: "قالت لي هتعمل لي لقمة القاضي، بس قالت لي هتبعتهالي مع باباها بعد العشاء عشان آخدها معايا الصبح."
عبد الهادي بعتاب: "وليه بس يا بنتي نتعب الناس معانا بالشكل ده، ما أنا كان ممكن أديكي من الدكان حاجات حلوة تاخديها معاكي وخلاص."
فاطمة باعتراض: "لا.. أنا عاوزة طنط تعمل لي، وبعدين هي اللي قالت لي المرة اللي فاتت إني لازم أقول لها وهى هتتصرف."
عبد الهادي بفضول: "أنهي المرة اللي فاتت دي وكان فيها إيه؟"
فاطمة: "أول السنة لما كان كل أسبوع بيعملولنا حفلة، وكانوا برضه بيطلبوا مننا كده، بس أنا ما كنتش بجيب حاجة عشان ما عنديش ماما، ولما طنط عرفت قالت لي لما يطلبوا منكم حاجة حلوة تاني قولولي وأنا هعمل لك."
عبد الهادي بتنهيدة: "كتر خيرها، بس مش عاوزين نتقل عليها بالشكل ده، وكمان فهمي اللي عيان ده."
فاطمة: "لما كنت عندها، كانت مقعدة فهمي على رجليها وبتاكله."
عبد الهادي: "وهو كان فايق كده؟"
فاطمة: "كان ساند راسه على كتف طنط سليمة ومش عاوز ياكل، بس طنط قعدت تلعب معاه وخلته أكل وبعدين اديتله الدوا ونيمته تاني."
رحيم بمرح: "طب يالا يا ست فاطمة عشان جوعتيني أنا وبابا، جعانين وعاوزين ناكل ومستنيينك."
عبد الهادي ورحيم قابلوا الشيخ مدبولي في الجامع وقت صلاة العشاء، وسلموا على بعض. والشيخ مدبولي بعد الصلاة، ناول عبد الهادي شنطة بلاستيك فيها علبة وقال له: "وفرت عليا المشوار يا ابني، خد العلبة دي اديها لفاطمة."
عبد الهادي بامتنان: "والله ما عارف أودي جمايلكم دي كلها فين."
الشيخ مدبولي: "يا ابني لا جمايل ولا حاجة، ربنا يخليهم لك ويطرح لك فيهم البركة، بس سليمة وصتني أبلغك إن فهمي مقريف، وإنك مش هتقدر عليه، فبتستأذنك تسيبه معاها الليلة دي، وإنه على بكرة بالمشيئة هيبقى زي الفل بإذن الله."
عبد الهادي بقلة حيلة: "اللي تشوفه، كتر خيرها، وتسلم إيدها على كل حاجة."
مدبولي: "تسلم يا ابني."
تاني يوم الصبح بعد ما فاطمة راحت المدرسة، رحيم راح الأرض مع عبد الهادي، اتفرجوا عليها سوا، وقابلوا المهندس الزراعي واتكلموا معاه. وبعد كده رحيم راح الدكان مع عبد الهادي، لقوا أيوب فتح الدكان وبيكنسها. فـ صبحوا عليه وأخدوا كرسيين وقعدوا مع بعض قدام الباب يتكلموا.
فـ عبد الهادي قال: "طب هو انت هتجيب الحاج إمتى يا رحيم؟"
رحيم: "يعني.. أسبوع كده ولا أسبوعين إن شاء الله، إخواتي فاهمين إني نازل مصر أدور على دكتور كبير عشان الحاج، فهفهمهم إني حجزت له وهاخده وأجيلك على هنا إن شاء الله."
عبد الهادي: "طب افرض حد من إخواتك حب يروح معاه للدكتور؟"
رحيم بسخرية: "صلي على النبي في قلبك يا هادي واسكت، كل واحد فيهم ملتهي في حاله والدنيا واخداه، إلا ما حد فيهم حتى بيسأل أنا وأبويا عايشين إزاي ولا بناكل إزاي، ولا عارف أتصرف مع عيالي إزاي من غير أمهم."
عبد الهادي بزعل: "لا حول ولا قوة إلا بالله، كلهم يا رحيم؟"
رحيم: "الوحيدة اللي بتطل علينا كل ما بتعرف.. ناهد، الله يبارك لها ويفك كربها."
عبد الهادي: "ليه، هي مالها؟"
رحيم: "ما انت عارف إن جوزها يبقى أخو سهير، ومن وقت طلاقنا وهو زي ما يكون بينتقم من ناهد، ورغم إنه عارف ومتأكد إن الطلاق كان برغبة أخته، وإن ما حدش أبداً داس لها على طرف، إلا إن ناهد كل ما تيجي تطل على أبوها ولا عليا وعلى ولادي يعمل لها أزعورة ودوشة ويقرفها قرف ما بعده قرف."
عبد الهادي بتنهيدة: "مسكينة ناهد، دفعت تمن حاجة مالهاش ذنب فيها."
رحيم: "أيوه، بس يعلم ربنا إني حاولت أمنع الجوازة دي بكل قوتي، بس هي استسلمت وخافت على أبويا وأمي، وبرضه سامي ما كانش ساكت بعد هروب نادية منه، ويا ريت صان ناهد إلا إنه مزهقها آخر زهق، رغم إنه المفروض يحمد ربنا إنها واقفة جاره وما اتخلتش عنه بسبب الخلفة، لكن هو بالعكس تماماً، نظام حسنة وأنا سيدك."
عبد الهادي بتعاطف: "إن شاء الله ربنا يعوضها كل خير من عنده."
رحيم: "أهي ناهد الوحيدة في إخواتي اللي تعرف إني جايلك، وهي اللي موصياني أصور لها الولاد عشان تشوفهم، كان نفسها تيجي معايا، بس ما باليد حيلة."
عبد الهادي بقلق: "وصيتها ماتجيبش سيرة."
رحيم: "ما تقلقش، دي هي اللي بتوصيني."
عبد الهادي: "ربنا يستر."
رحيم شاور في اتجاه معين وقال لعبد الهادي: "مش فهمي ابنك اللي جاي ده مع الست سليمة؟"
عبد الهادي بص مكان ما رحيم شاور، لقى سليمة ماشية بتتكلم وبتضحك مع فهمي اللي ماسك في إيده حتة فطير بياكل فيها، وجايين عليهم. وأول ما قربوا منهم، فهمي جرى بالراحة ناحية عبد الهادي اللي أخده في حضنه وباسه واتطمن إنه بقى كويس. وبعدين اداه لرحيم اللي حضنه بحب وتهليل كتير عشان يفرح فهمي.
عبد الهادي بص لسليمة بامتنان وقال لها: "أنا والله ما عارف أشكرك إزاي على كل التعب اللي انتي تعبتيه معانا ده."
سليمة بابتسامة: "كله يهون فدا سلامة فهمي، ربنا يحميه ويخليه."
رحيم وهو لأول مرة يوجه كلامه لسليمة: "الحقيقة أنا اللي بشكرك، نادية الله يرحمها لو موجودة ما كانتش هتعمل أبداً أكتر من اللي انتي عملتيه، ربنا يجازيكِ كل خير."
سليمة بصت لرحيم وفهمت إن نادية دي تبقى أم فاطمة وفهمي، فـ بصت في الأرض وقالت بكسوف: "الله يبارك لك يارب." وبعدين بصت لفهمي وقالت: "يالا بينا بقى يا فهمي."
عبد الهادي باستغراب: "يالا على فين، انتي هتاخديه تاني معاكي؟"
سليمة: "أنا قلت أطمنك عليه ونرجع تاني نستنى فاطمة على ما تيجي بالسلامة."
رحيم: "أنا بستأذنك تسيبيهولي النهاردة، أشبع منه قبل ما أسافر، أنا ماسافرتش بدري مخصوص عشان أطمن عليه."
سليمة بلخبطة: "يعني هسيبه هنا، مش هيرجع معايا؟"
عبد الهادي: "اعتبري نفسك إفراج النهاردة، تريحي نفسك شوية بعد التعب اللي تعبتيه معانا امبارح، ومن الصبح إن شاء الله هيبقى عندك من تاني."
سليمة وهي بتبص لفهمي اللي على دراع رحيم: "طب أصله ممكن يجوع، ولسه بدري على معاد فاطمة."
عبد الهادي: "ما تقلقيش، لو جاع هعرف أتصرف، وبعدين لما يبقى يخلص الفطير اللي في إيده الأول."
سليمة بصوت واطي: "الله أكبر، مطرح ما يسري يمرى يارب."
رحيم ضحك جامد أوي وهو بيحضن فهمي. فسليمة اتكسفت وقالت: "طب فوتتكم بعافية، ومشيت."
عبد الهادي ورحيم: "الله يعافيكي."
وبعد ما مشيت، رحيم فضل يضحك جامد وبعدين بص لهادي وقال له: "أنا في حياتي ماشفتش طيبة بالشكل ده."
عبد الهادي: "ولا أنا، ربنا يديها على قد نيتها ويعوضها خير عن كل اللي شافته."
رحيم بشرود: "تفتكر لو واحد زيي اتقدم لسليمة، ممكن توافق عليه؟"
عبد الهادي بابتسامة: "وانت مين دي اللي ممكن ترفضك يا رحيم، ده انت سيد الرجالة، بس إيه، عجبتك بسرعة كده؟"
رحيم بابتسامة: "ما أكذبش عليك، أول ما شفتها امبارح خطفت قلبي معاها، فيها حاجة كده شدتني، ولما كمان حكتلي على ظروفها، حسيت إن قلبي وجعني عشانها أوي."
عبد الهادي بمرح: "تعالى يا أخويا وأنا أخطبهالك من دلوقتي."
رحيم: "لا… لما الحاج ييجي، لما أسافر إن شاء الله هفاتحه في الموضوع ولو وافق هاخليه يخطبهالي."
عبد الهادي: "وهو ممكن يرفض بعد اللي حصل النوبة اللي فاتت؟"
رحيم: "الله أعلم، ربنا يقدم اللي فيه الخير، بس تفتكر لو حصل، ممكن تحب ولادي زي ما بتحب ولادك كده، وهم هيتقبلوها بسهولة؟"
عبد الهادي: "ولادك لسه صغيرين برضه يا رحيم، وهي حنينة بطبعها، وأنا متأكد إن لو ربنا جعل لكم نصيب مع بعض، إنها هتحبهم وهم كمان هيحبوها."
رواية سليمة الفصل الرابع 4 - بقلم ميمي عوالي
فى محافظة الفيوم فى بيت كبير و واسع
شكله عادى من بره
بيت زى كل البيوت
لكن من جواه عامل زى السراية
له سلم داخلى انيق بيطلع على اوض النوم
لكن من تحت
كان له بهو واسع مفروش بصالونات مدهبة ضخمة و فخمة فى نفس الوقت و اوض كتيرة
و ورا السلم كان فى مطبخ ضخم
ده كان بيت الحاج عبد العزيز الغمراوى
ابو رحيم
عبد العزيز عنده من الولاد ستة
تلات ولاد و تلات بنات
البنات كانوانبيلة
و دى اتجوزت و خلفت من زمان و عايشة فى بنى سويف مع جوزها
و اللى يبقى ابن عمتها
و انشغلت بالدنيا و بحياتها و كل فين و فين على ما بتروح تزورهم او تسال عنهم
و نادية اللى اتجوزت عبد الهادى و هربت معاه و ماتت و هى بتولد ابنها الصغير
و ناهد اللى اتجوزت ابن عمها سامى بعد ما رفضته اختها و هربت منه
و اتجوزته ناهد خوف على صحة ابوها و امها
و الولاد كانوا ربيع
و ده اتخرج من كلية التجارة
و بيشتغل فى بنك كبير
و دخله كبير جدا و متجوز و مخلف و قاعد فى شقة بعيد عن بيت ابوه
لكن دايما حاطط عينه على خير ابوه
و رحيم
خريج زراعة و من زمان و ابوه بيعتمد عليه فى مشاغلة و كمان بيراعى الارض بتاعتهم و بيباشرها بنفسه
و رامى
و ده اصغر ولاد عبد العزيز يعنى اخر العنقود و الدلع كله
و ابوه ما بيقدرش يرفض له طلب
هو كمان متخرج من كلية التجارة
بس خلى ابوه يعمل له مكتب محاسبة ليه هو و اصحابه و اتجوز واحدة زميلته و برضة عاشوا فى شقة على مستوى عالى
رحيم لما رجع من عند عبد الهادى
دخل البيت لقى ابوه قاعد فى البهو بتاع البيت لوحده و هو بيقرا الجرنال
رحيم : السلام عليكم
ازيك يا حاج
و سلم عليه و باس راسه
عبد العزيز بلهفة : و عليكم السلام يا رحيم يا بنى
حمدالله على السلامة
طمننى
ايه الاخبار
رحيم و هو بيتلفت حواليه : فى حد هنا و اللا الدار امان
عبد العزيز بسخرية : و لا حد و لا سبت يا ابنى
ما انت عارف اللى فيها
ها طمننى
و ايه اللى اخرك كده
انا مارضيتش اتصل بيك
خفت لا تكون سايق و اشغلك عن الطريق
رحيم : ابدا و الله يا حاج
بس فهمى كان بعافية شوية
و ماحبيتش اجى قبل ما اتطمن عليه
عبد العزيز : ماله يا بنى كفى الله الشر
رحيم : خير ما تقلقش
بس كان سخن بسبب ضرس بيطلع له جديد و ماكانش حد فاهم سبب السخونية لحد ما الدكتور اللى شافه قال لنا على السبب
عبد العزيز : يعنى ابوه ماوداهوش للحكيم الا اما انت روحت
رحيم فهم قصد ابوه و انه بيتهم عبد الهادى بالاهمال فقال : فهمى تعب فجأة و انا هناك
و اول ما تعب ابوه جرى على الدكتور على طول
عبد العزيز هز راسه و اتنهد و قال : عاوز اشوفهم يا ابنى
عاوز اخودهم فى حضنى
رحيم : ما تقلقش يا حاج
ان شاء الله اسبوع و اللا اتنين و اخدك و نروحلهم و تقعد معاهم زى ما انت عاوز
عبد العزيز بحزن : يعنى هيفضلوا طول عمرهم بعيد عن اهلهم بالشكل ده يا ابنى
ز
ى ما يكون التاريخ مصمم انه يعيد نفسه و يبقى فيه رقية تانية
رحيم : مع الفرق يا حاج
على الاقل احنا عارفين مكان ولاد اختى و جوزها
و عارفين كل حاجة
انما عمتى رقية ماحدش يعرف عنها حاجة لحد النهاردة
عبد العزيز : ايوة يا ابنى
ز
ى ما يكونوا ابرة فى كوم قش
لا هى و لا عبد الحليم جوزها
الله يسامحهم
رحيم بحزن : بس انت يا حاج رغم السنين دى كلها محافظ لاختك على حقها
انما اخواتى مش عاوزين حتى يسمعوا لكلام الحق
عبد العزيز : ربنا يهديهم يا ابنى و يحنن قلوبهم على ولادها
دول مهما ان كان يتامى و اتحرموا منها بدرى اوى
و ظلم انهم يتحرموا من حنان جدهم و خيلانهم و خالاتهم كمان
رحيم : بقولك يا حاج
هو مريم و نورا فين
عبد العزيز : فوق مع مسعدة بتحميهم
رحيم بتردد : كنت عاوز اشورك فى حكاية كده
بس بالله عليك بالراحة عليا لو الحكاية ماجاتش على هواك
عبد العزيز بفضول : خير يا ابنى حكاية ايه دى
رحيم : انا الاول هحكيلك على اللى حصل
و ابتدى رحيم يحكى على اللى شافه من سِليمة مع ولاد اخته و هو بيتابع ملامح ابوه اللى اترسم عليها الجمود الشديد
و بعد ما رحيم خلص حكى على اللى شافه و قبل ما يكمل كلامه عبد العزيز قال : تقصد ان عبد الهادى عاوز يتجوز الست دى
رحيم بلهفة : لا يا حاج
هادى حرم جنس الحريم على روحه من بعد نادية
ده انا حتى حاولت انى اميل دماغه للحكاية دى بس هو اللى رفض و قاللى انه خلاص اخد اللى عاوزه من الدنيا اما اتجوز اختى
عبد العزيز اتنهد بحزن و قال : اومال انت كنت عاوز تشورنى فى ايه
رحيم : انا بصراحة يا حاج ليا رغبة انى اتجوز الست دى
عبد العزيز : و ولادك يا رحيم
رحيم : ولادى صغيرين و محتاجين ام يا حاج
و امهم مش عاوزاهم
و انا شايف ان سِليمة ممكن تعوضهم عن امهم
عبد العزيز : طب مش يمكن تكون الست دى عينها من جوز اختك و عشان كده بتراعى ولاده
رحيم بشرود : لا يا حاج
انا شفتها و اتكلمت معاها
و شفت لهفتها على فهمى و مراعيتها ليه و لفاطمة
دى واحدة كده تحسها قلبها طاهر و نضيفة
لا ليها فى طمع و لا ليها فى ملاوعة زى ناس تانية
عبد العزيز زى ما يكون اتوجع من كلام ابنه
لانه هو اللى غصبه على جوازه من سهير بنت اخوه
دونا عن اخواته
و هو حبا فى ابوه وافق
و كان فاكر انه هيعيش فى هدوء
لكن اكتشف بعد كده ان بنت عمه مافيش فى دماغها غير نفسها و بس و كانت عاوزة تعيش عيشة مش بتاعتهم
هم اه مبسوطين و مستريحين ماديا جدا
لكن عبد العزيز و مراته كانوا مربيين ولادهم على الاصول
لكن سهير كانت عاوزة تمارس الحرية بمفهومها الخاص
يوميا نوادى و فسح و خروج مع اصحابها
مش عاوزة تشيل مسئولية
و لما زادت الخلافات بينها و بين رحيم بسبب الموضوع ده و اهمالها لولادها
صممت على الطلاق
و سابت بناتها التوأم و اللى كان عمرهم وقتها خمس سنين و مشيت من غير حتى ما تطلب تشوفهم مرة واحدة من ساعة ما اتطلقت
رغم انه مر على طلاقهم سنة و نص
رحيم لما لاحظ ان ابوه سرح منه قال له : انا قلت اخد رايك و لو وافقت تبقى تخطبهالى لما نروح نشوف ولاد نادية ان شاء الله
عبد العزيز : ان شاء الله يا ابنى
ربنا يقدم لك اللى فيه الخير
رحيم بفرحة : يعنى موافق يا حاج
عبد العزيز : موافق يا ابنى
يمكن الغريبة تطلع احن عليهم من امهم
رحيم ببهجة : انا متأكد انها هتبقى حنينة عليهم و على الكل ان شاء الله
عبد العزيز بحب : طول عمرك قلبك صافى يا رحيم يا ابنى
و عمرك ما غلطت فى حكمك على الناس
و بعدين كمل بحزن .. ياريتنى وافقتك من زمان فى موضوع اختك
كانت على الاقل ماتت وسطنا و ولادها اتربوا فى حضننا
استغفر الله العظيم
رحيم : استهدى بالله يا حاج
كل اللى ربنا يرزقنا بيه خير
عبد العزيز باقتناع : ايوة يا ابنى
قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا
رحيم : طب انا هطلع اخد دش و اطل على البنات
رحيم طلع فوق و راح على اوضة بناته
لقاهم قاعدين فى السرير بيتفرجوا على التليفزيون
و مسعدة بتروق الاوضة بتاعتهم
رحيم بابتسامة مرحة : السلام عليكم
البنات اول ماشافوه قاموا بسرعة راحوا عليه و حضنوه
و مريم قالت له بعتاب : انت كنت فين
كده ما نشوفكش من امبارح
رحيم : حقكم عليا
بس كان عندى حاجات مهمة لازم اخلصه
نورا : طب جيبتلنا معاك حاجة حلوة
رحيم : ااه
جبتلكم فزدق و سودانى تحت عند جدو
بكرة بقى ان شاء الله نبقى ناكلهم سوا
مسعدة بعد ما روقت الاوضة : احضر لك عشا يا سى رحيم
رحيم : لا يا مسعدة كتر خيرك
لو بس ممكن تعمليلى كوباية شاى
مسعدة : من عنيا حاضر
رحيم بص للبنات و قال اهم : اتعشيتم
هزوا راسهم بالموافقة و نورا قالت : و كنا خلاص هننام عشان المدرسة
رحيم : خلصتوا الواجب بتاعكم كلهم
مريم بزعل : يا بابا فى حاجات مش بعرف اعملها لوحدى و الميس بتقعد تقوللى خلى مامتك تساعدك
رحيم بتنهيدة : معلش يا حبيبتى
لما ترجعى بكرة من المدرسة انا هقعد معاكى اساعدك فى كل حاجة
نورا : و انا كمان
رحيم بضحك : و انتى كمان
ياللا ناموا بقى و انا هطفى التليفزيون ده
تصبحوا على خير
نورا باعتراض : لا سيب التليفزيون على ما ننام و بعدين ابقى اطفيه
رحيم بقلة حيلة : ماشى يا ستى
ي
اللا تصبحوا على خير
عدت الايام و عبد العزيز ملهوف على انه يشوف احفاده
و رحيم ملهوف على سِليمة
و عبد الهادى قلقان من مقابلة عبد العزيز و خايف انه يكون لسه ناقم عليه انه اتجوز بنته غصب عنه
لكن الكل كان فى الانتظار
و عند سِليمة كانت بتقضى يوم ورا يوم و هى بتراعى فهمى و فاطمة وبتعمل لهم اكلهم
لحد ما فى يوم عبد الهادى و هو بيوديلها فهمى الصبح قال لها : معلش يا ست سِليمة هتعبك
سِليمة : تعبك راحة يا استاذ عبد الهادى
عبد الهادى : انا جايلى ضيوف مهمين اوى بكرة قبل صلاة الجمعة
و كنت عاوزك تخبزيلى عيش طازة و فطير
و كنت عاوزك تجيبيلى دكر بط محترم كده و تعمليلى اكل حلو كده من ايدك
سِليمة : بس كده
على عينى
عاوزنى اعملك اكل ايه
عبد الهادى : اللى تجودى بيه
عمايل ايدك كلها مافيش منها
سِليمة : و الناس دى كتير يعنى
عبد الهادى بشرود : ابدا
هم نفرين
بس مهمين عندى اوى
خال الولاد و جدهم
سِليمة على طول افتكرت رحيم فابتسمت و قالت : من عينى يا استاذ
ما تقلقش كل اللى انت عاوزة
عبد الهادى طلع من جيبه فلوس و مد ايده بيهم و قال لها : انا هسيبلك الليلة كلها تظبطيها
سِليمة : هشرفك ما تقلقش
كله هيبقى تمام
تانى يوم
عبد الهادى خلى ايوب هو اللى يفتح الدكان و ياخد باله منه
و فضل هو فى البيت
و من ساعة ما صحى وقت صلاة الفجر
اهتم بنضافة البيت
و صحى الولاد و حماهم و اهتم انه يلبسهم لبس حلو
و قال لهم ان جدهم هييجى النهاردة من السفر عشان يزورهم
و انهم لازم يقابلوه كويس و يحبوه زى خالهم رحيم بالظبط لانه هو كمان بيحبهم اوى
و شوية و لقى سِليمة بعتت له العيش و الفطير مع حد من الجيران و لقاها بعتاله كمان من خيرات الله
قشطة و جبنة و عسل و بلغته ان الغدا هيجهز على طول
عبد الهادى انبسط من انها فكرت تهتم بالحاجات دى
و ابتدى يشيلها و يروقها
و شوية و سمع كلاكس عربية قدام البيت
و عرف انها عربية رحيم
فخرج من الباب لقى رحيم بيساعد عبد العزيز انه ينزله من العربية
فعبد الهادى قرب من عبد العزيز و مد ايده عشان يسلم عليه و هو بيقول له : اهلا بريحة الحبايب
نورت بيت بنتك و بيت احفادك يا حاج عبد العزيز
عبد العزيز سلم على عبد الهادى وقال له من غير ما يبص له : اهلا بيك يا ابنى
و البيت منور باصحابه
عبد الهادى سلم على رحيم و دخلوا البيت
و اول ما عبد العزيز خطى اول خطوة جوة البيت لقى فاطمة و فهمى قاعدين جنب بعض و اول ما لمحوا رحيم جريوا عليه حضنوه من رجليه و هم بيهللوا باسمه
رحيم ضحك و شالهم مع بعض و باسهم بمرح
و كان عبد الهادى سند عبد العزيز عشان يقعد
و اول ما رحيم نزل فاطمة و فهمى على الارض
عبد الهادى قال : سلموا على جدو يا ولاد
الولاد قربوا من جدهم بتردد لحد ما وقفوا قدامه
عبد العزيز كانت عينه مغرقاها الدموع
فمد ايده خدهم فى حضنه و هو بيبكى و بيقول : ااه يا ريحة الحبايب يا اولاد الغالية
رحيم و هو بيطبطب على كتف ابوه : و بعدها لك يا حاج
بالراحة على نفسك
وعلى الولاد عشان مايكشوش
عبد العزيز بعدهم عن حضنه و قعد يتأمل فى ملامحهم و بعدين قال بابتسامة : اكنى شايف امكم و هى فى عمركم
رحيم : فعلا
كلهم امهم الله يرحمها
عبد الهادى : الله يرحمها و يحسن اليها
عبد العزيز بص للولاد و قال لهم : انتو عارفين انا مين
فاطمة : انت جدو
بابا قال لنا
عبد العزيز بفضول : و قال لكم ايه كمان
فهمى : قال لنا ان انت حلو زى خالو و لازم نحبك زيه تمام عشان انت كمان بتحبنا
عبد العزيز ابتسم بفرحة و قال لهم : طبعا بحبكم اوى كمان
و كمان جايبلكم معايا حاجات حلوة كتير اوى
رحيم وقف و قال : ده انا سيبت الحاجة كلها فى العربية
هروح اجيبها
فهمى : اجى معاك يا خالو
فاطمة : و انا كمان
رحيم : تعالو ياللا
و خرج بيهم و فضل عبد الهادى مع عبد العزيز
فعبد الهادى راح قعد جنب عبد العزيز و قال له بحزن : لو طلبت منك تاخدنى فى حضنك اشم فيك ريحة الغالية توافق و اللا تردنى خايب الرج
عبد العزيز بص له لقى عيونه مليانة بالدموع شاف وجعه على موت بنته
ففتح دراعاته لعبد الهادى اللى قعد على ركبه قدامه و اترمى فى حضنه و عيط بصوت عالى و هو عمال يشمشم فى هدوم عبد العزيز
عبد العزيز قلبه رق لعبد الهادى فطبطب على كتفه و قال بوجع : الله يرحمها
راحت و خدت قلوبنا معاها
عبد الهادى : ابوس ايدك اوعى تكون لسه زعلان منها
و الله ما عدى عليها يوم واحد من غير ما تشتاق لك انت و الحاجة
بس اللى كان مهون عليها ان الحاجة الله يرحمها كانت بتتصل بيها و بتراضيها
عبد العزيز : ايوة
ماقدرتش تزعل منها و لا تشيل من ناحيتها
ما صدقت عرفت ان جوازها كان على ايد اخوها
و رمت كل حاجة ورا ضهرها
ياريتنى كنت كلمتها انا راخر و ما كانتش رجعت لربها و هى فاكرة انى لسه زعلان منها
عبد الهادى و هو بيمسح وشه من اثر الدموع : يعنى سامحتها بصحيح
عبد العزيز : انا يا ابنى اللى مزعلنى انها اندفنت بعيد عننا
لكن يعلم ربنا ان من يوم موتها و انا بدعيلها يوماتى
و خصوصا من ساعة ما زارتنى فى المنام و وصيتنى عليكم
عبد الهادى : و وصيتنى انى ارجع بولادها يتربوا فى بلدنا
و كنت فعلا ناوى ارجع على الفيوم
بس رحيم منعنى
عبد العزيز : انا اللى قلت لرحيم يبعدكم دلوقتى عن البلد
لحد ما ربنا يهدى النفوس يا ابنى
رحيم دخل من تانى مع الولاد و هم شايلين شنط كتيرة
مليانة لعب و حلويات و فاكهة و شيكولاتة
و الولاد كانوا فرحانين بيهم جدا
شوية و سمعوا قرآن الجمعة ابتدى يشتغل
فعبد العزيز قال : الجامع قريب و اللا بعيد
رحيم : لا مش بعيد
عبد الهادى : نجهز و نروح نصلى
و على ما نرجع يكون الغدا وصل
و فعلا
راحوا صلوا الجمعة مع بعض
و هناك قابلوا الشيخ مدبولى
و سلموا عليه
و عزم عليهم يروحوا عنده يتغدوا
فرحيم شكره و طلب منه انهم يروحوا يشربوا معاه الشاى بعد صلاة العصر
فمدبولى رحب بيهم جدا
و بعد الصلاة
ايوب راح جاب الاكل من عند سِليمة زى ما كان متفق معاه
و لما ابتدى عبد الهادى يحضر الاكل
لقى سِليمة عملالهم محشى و رز معمر و عملالهم خضار مع البط و كمان عملت لهم سلطة و بعتت لهم كمان رز بلبن
عبد الهادى بقى مبسوط جدا
بس رحيم اللى كان مبسوط اكتر و بقى عمال يقول لابوه : انا عاوزك تدوق كل الاكل ده و تقول لى رأيك
عبد الهادى : يا اخى الله يسامحك
انا و العيال اللى هنتحرم من الحاجات الحلوة دى
رحيم بمرح : ربنا ما بجعلناش جار و له عينين
عبد العزيز كان قاعد وسط فاطمة و فهمى بياكل و يأكلهم و هو مبسوط
و بعد الاكل قال : و الله عفارم عليها
و يسلموا ايديها
الاكل زى الشهد
و بعدين كمل بضحك و قال .. اتضح ان مسعدة كانت بتجرب فين
رحيم بزهو : عشان تعرف بس ان ابنك لما بيقع بيقع واقف
عبد الهادى : لا و لسه الحلو
دى عملالكم كمان رز بلبن
عبد العزيز : لا
انا مش قادر بقى
خليه لما نرجع من عند العروسة
عبد الهادى : انا مجهزلكم كام ازازة شربات
على شوية حاجات لزوم الزيارة عشان ناخدهم معانا
رحيم ميل على كتف عبد الهادى باسه و قال : تسلملى يا غالى
و انا كمان جايب معايا هدية حلوة
عبد الهادى : جايب ايه اشجينى
رحيم هرش راسه بكسوف و قال : شفت عقد دهب حلو اوى عجبنى فجبتهولها
عبد الهادى بمرح : هو ده الكلام
مبارك يا عمنا
عبد العزيز : انا عاوز اشرب شاى يا اولاد بعد الاكلة المتينة دى
عبد الهادى : حالا يا حاج
بعد صلاة العصر
راحوا كلهم على البيت الشيخ مدبولى و اخدوا معاهم فاطمة و فهمى و اللى سِليمة فرحت بيهم جدا
مدبولى رحب بيهم و دخلهم اوضة فيها كنب بلدى و قعدوا مع بعض بعد ما طلب من سِليمة تعمل لهم شاى
عبد العزيز : زى ما عرفت يا شيخ مدبولى
انى ابقى حما عبد الهادى و جد ولاده
و رحيم ابنى كان متجوز و عنده بنتين توأم هيكملوا سبع سنين بعد كام شهر
و الحقيقة احنا جايين طالبين ايد بنتك لابنى رحيم
مدبولى بفرحة : ده احنا يزيدنا شرف يا حاج
بس انتو اغراب عن البلد و عشان كده لازم تعرفوا حكاية سِليمة بالتفصيل
و بعد كده الكلمة كلمتكم
و ابتدى يحكيلهم حكاية سِليمة من البداية خالص
عبد العزيز كان بيسمعه و هو شارد
رحيم قال له على ظروف جوازها و طلاقها
لكن ما قاللوش على ظروفها كلها
و اول ما الشيخ مدبولى خلص كلامه
باب الاوضة خبط و دخلت سِليمة حطت صينية الشاى و لما جت تخرج عبد العزيز ندهها و قال لها : تعالى يا سِليمة يا بنتى اقعدى جارى
سِليمة بصت للشيخ مدبولى فشاور لها براسه انها تسمع الكلام
فراحت فعدت جنب عبد العزيز بعد ما سابت مسافة بينهم و قالت له : اؤمرنى يا ابة الحاج
عبد العزيز كان بيبص لها اوى و بيدقق فى ملامحها و بعدين قال : انتى اسمك ايه يا بنتى
سِليمة باستغراب : اسمى سِليمة
عبد العزيز : ايوة ما انا عارف
لكن انا اقصد اسمك بالكامل ايه
سِليمة بصت فى الارض و قالت بحزن : سِليمة عبد الحليم الريس
لكن انا طول عمرى ما اعرفليش اب غير ابويا الشيخ مدبولى
عبد العزيز حط كف ايده على بوقه و بص للشيخ مدبولى و قال له : و انتو عرفتوا اسم ابوها منين يا شيخنا
مدبولى باستغراب : بطاقته كانت فى هدومه لما مات الله يرحمه
عبد العزيز : و يا ترى البطاقة دى لسه عندكم
مدبولى : ايوة
عبد العزيز : ممكن اشوفها
مدبولى قام و خرج من الاوضة و رجع بالبطاقة اداها لعبد العزيز اللى عينه طول الوقت ما نزلتش من على سِليمة
و لما اخد البطاقة بص عليها بصدمة و بعدين قال : طب و ما حاولتوش تسالوا على امها
سِليمة : انا امى ماتت من قبل ابويا يمكن بسنة
عبد العزيز بصلها بلهفة و قال لها : انت توعى على امى
سِليمة : لا
بس فاكرة ابويا اللى يرحمه
و يوم ما مات كان بيحكيلى على امى عشان افضل فاكراها
عبد العزيز بلهفة : امك كان اسمها ايه با سِليمة
سِليمة و هى مش فاهمة حاجة : كان اسمها رقية
عبد العزيز قام وقف مرة واحدة و شد سليمة لحضنة و قال بصوت عالى : رحمتك يارب
تجمع شملى بعيال بنتى و بنت اختى فى يوم واحد
اه يا بنت الغالية
سِليمة شدت نفسها من حضنه و قالت : بالراحة يا ابة الحاج
ما يصحش كده
فهمنى طيب ايه الحكاية
عبد العزيز مسك ايدها قعدها جنبه و هو بينهج من الانفعال و قال : الحكاية انك بنت اختى الله يرحمها
و اللى ما كنتش اعرف انها ماتت من اصله غير النهاردة
عبد الهادى بص لرحيم باستغراب
ل
قى رحيم بيبص لسِليمة بفرحة شديدة جدا
و سِليمة بتبص للشيخ مدبولى بتستنجد بيه
فالشيخ مدبولى فال : طب بعد اذنك يا حاج
ممكن بس تفهمنا بالراحة ايه الحكاية بالظبط
و واحدة واحدة عشان نفهم
عبد العزيز بتنهيدة : من حوالى تلاتين سنة
كان عندى اخت عروسة زى البدر
كانت اصغر منى بييجى عشر سنين
و كانت اصغر اخواتى
و عشان كده كانت متدلعة دلع السنين
و ما كانش بيعدى اسبوع من غير ما كان يدق على بابنا عريس و اكتر
لكن هى ما كانتش بتوافق على اى عريس
لحد ما فى يوم دق على بابنا عبد الحليم و خطبها
و بعدين بص لسِليمة باسف و قال : ما تزعليش منى يا بنتى
بس عبد الحليم كان بالنسبة لجدك نكرة
كان بياع سريح
بيسرح بمخلته يبيع جهاز البنات
فجدك رفضه زى غيره بس من غير ما ياخد رايها
و ما كناش نعرف انها متعلقة بيه و بتحبه و بيحبها
جدك اتجنن لما عرف
و هددها انه يجوزها لاول واحد يتقدم لها
تانى يوم صحينا من النوم مالقينهاش
و لما دورنا على عبد الحليم راخر مالقيناهوش
و ما كانلوش قرايب نسالهم عنه
قلبنا الدنيا عليهم
بس كانوا فص ملح و داب
سِليمة بدموع : و عرفتوا طريقى ازاى بعد العمر ده كله يا خال
عبد العزيز بدموع : عرفته لما سمعت حكايتك من الشيخ مدبولى دلوقتى يا قلب خالك
سليمة باستغراب : يعنى انت لما جيت دلوقتى
ما كنتش تعرف انى بنت اختك
عبد العزيز و هو متأثر من اللى حصل : انا النهاردة
كنت جاى اخطب بنت الشيخ مدبولى لابنى رحيم
لكن دلوقتى
انا جاى اخطب بنت اختى لابنى
قلتى ايه يا بنت اختى
سِليمة باستغراب : تخطبنى انى
لابنك
عبد العزيز : ايوة يا بنتى
رحيم من يوم ما شافك المرة اللى فاتت
طلب منى انى اخطبك ليه
سِليمة : يعنى انت كنت جاى تخطبنى من غير ما تعرف انى بنت اختك
عبد العزيز : ايوة يا سِليمة
سِليمة بحزن : و ياترى كمان تعرف ان جوزى طلقنى عشان مابخلفش
رحيم بحزم : اللى كان جوزك يا سِليمة و خلاص النصيب بينكم اتقطع
و ايوة انا جاى اتقدم لك و انا عارف عنك كل الكلام ده
قلتى ايه
رواية سليمة الفصل الخامس 5 - بقلم ميمي عوالي
فجأة علت زغاريد كتير ورا بعضها، وكانت زغاريد نبوية. دخلت شدت سليمة وأخدتها في حضنها وهي بتعيط وبتقول:
"كنت عارفة يا بنتي إن ربنا شايل لك نصرة كبيرة أوي. أنا وأبوكي كنا قلقانين عليكي من بعد ما نسيب الدنيا دي، لكن ربنا حب يطمن قلوبنا عليكي وإحنا لسه على وش الدنيا، وأهو ربنا بعت لك أهلك اللي من دمك عشان يبقوا عزك وسندك في الدنيا من بعد ربنا."
سليمة بصت لنبوية بدموع وقالت لها:
"تقصدي إيه يا أمي؟"
نبوية:
"قصدي إنك توافقي يا قلب أمك، وعيشي في عز خالك وجوزك."
سليمة التفتت بصت على رحيم، لقيته بيبص لها نظرة خلتها اتكسفت وبصت في الأرض.
عبد العزيز قال لمدبولي:
"رغم إني خالها، لكن أنا عارف إن إنت اللي ربيتها طول السنين دي كلها، وبرضه بطلبها منك ومستني موافقتك يا شيخ مدبولي."
مدبولي وهو بيمسح عيونه ومتأثر من اللي حصل:
"زي ما عملت في النوبة الأولانية هعمل في التانية يا حاج."
رحيم بفضول:
"وعملت إيه يا شيخ مدبولي قبل كده؟"
مدبولي:
"أديتها حرية الاختيار يا ابني، وبديها دلوقتي برضه حرية الاختيار، وهي اللي تقول آه أو لأ."
رحيم بص لأبوه زي ما يكون بيترجاه يتكلم. فعبد العزيز شد سليمة تاني قعدها جنبه وقال:
"صدقيني يا بنتي، أنا فضلت أيام وشهور وسنين أدور على أمك، وحتى بعد ما اليأس ملى قلبي إني خلاص ممكن أعثر فيها من تاني، لكن رجعت أدور عليها من تاني بعد موت جدك، لما اتفقت أنا وخالك على وخالتك نعمات إننا نشيل لها ورثها وما نفرطش فيه أبداً."
سليمة:
"ورث؟"
عبد العزيز ببهجة:
"طبعاً ورث، وورث مش قليل كمان، ده أمك ليها أرض وليها كمان نصيب في بيت أبويا اللي لما اتهد واتوزع، خليت نصيب أمك معايا في بيتي، واسمها موجود في حجة البيت لحد النهاردة بعدد الأسهم بتاعتها، وعمري ما فرطت في حقها، وريع الأرض بتاعتها شايلها لك عندي بأمانة الله وكل حاجة متسجلة في الدفاتر."
وبعدين كمل بحزن:
"كنت عشمان إن الوجوه ترجع تتقابل من تاني، رغم إني كنت عاتب عليها اللي عملته، والغضب كان مالي قلبي من يمتها، بس سنة ورا سنة كان شوقي ليها بيغلب غضبي منها، ويعلم ربنا إن محدش في أخواتها أبداً كان ناوي على أي أذية ليها في يوم من الأيام.
لما جيت عشان أطلبك لرحيم، كنت جاي أطلب إيد سليمة، بنت إمام الجامع، اللي راعت ولاد بنتي بحب وحنية، واللي بتحفظهم كتاب ربنا.
لكن دلوقتي أنا عاوز بنت أختي، عاوزها ترجع لحالها ولمالها وتتمتع بخير أمها وأهلها، لكن طبعاً فرحتي هتبقى فرحتين، لو وافقتي تتجوزي رحيم، وما تقلقيش من ناحية الخلف، دي حاجة بتاعة ربنا، ثم إن رحيم معاه بنتين زي العسل."
سليمة بدهشة:
"هو متجوز؟"
عبد العزيز:
"كان متجوز وما حصلش وفاق بينه وبين مراته، وما كملوش سوا، وطلقها، يعني إنتوا الاتنين متطلقين وظروفكم زي بعض. ها، قلتي إيه؟"
سليمة بصت لمدبولي لقيته بيبتسم لها. بصت لنبوية لقتها فرحانة جداً. بتلف بعينها عينها جت على رحيم اللي قال لها بابتسامة:
"أنا جاي من بلدنا لحد هنا وأنا في نيتي إن ربنا ييسر لنا الحال ونقرأ الفاتحة النهاردة."
سليمة بصت لعبد العزيز وقالت بخجل وبخفوت:
"اللي تشوفوه."
نبوية قعدت تزغرد وفاطمة وفهمي قعدوا يقلدوها وسط ضحك الرجالة ومباركتهم لبعض.
عبد العزيز:
"اهدوا بقى كده شوية وخلونا نقرا الفاتحة."
فقعدوا كلهم من تاني وابتدوا يقروا الفاتحة مع بعض. وأول ما خلصوا رحيم مد إيده في جيبه طلع كيس قطيفة ناولها لأبوه وهو عينه على سليمة. فعبد العزيز فتح الكيس وطلع العقد ومد إيده لبسه لسليمة وقال لها:
"دي هدية الفاتحة، لكن إن شاء الله الأسبوع الجاي شبكتك هتبقى عندك."
رحيم بص لمدبولي وقال له:
"بعد إذنك يا شيخنا، إحنا الجمعة الجاية بالمشيئة هنلبس الشبكة ونكتب الكتاب، وهاخدها معايا على بلدنا."
نبوية باعتراض:
"الله في سماه ما يحصل أبداً."
الكل بص لنبوية باستغراب فقالت:
"أنا بنتي هتخرج من هنا عروسة وهيُتعمل لها فرح البلد كلها تتحاكى بيه، وسليمة حبايبها في البلد كتير، ولازم الكل يفرح لها."
عبد العزيز بفرحة:
"ما جيتيش في جمل يا حاجة، أنا كده كده كنت ناوي أعمل لها فرح عندنا، لكن اللي تؤمري بيه يكون، أكبر فرح يتعمل هنا وأحلى فرح يتعمل هنا."
سليمة باعتراض:
"وإيه لازمته كل ده؟"
مدبولي:
"أمك عندها حق يا بنتي، افرحي يا سليمة، طالما ربنا بعت لك الفرح لحد عندك، افرحي على قد ما تقدري يا بنتي."
في بيت عبد الهادي بعد صلاة العشا، كان عبد العزيز قاعد وواخد فاطمة وفهمي في حضنه وبيقول لرحيم:
"هنع
مل إيه يا رحيم؟"
رحيم:
"لو عاوزنا نرجع الفيوم النهاردة يالا بينا."
عبد الهادي:
"يالا إيه يا عم انت، إحنا لسه ما قعدناش مع بعض، والعيال لسه ما شبعوش من جدهم، باتوا معانا النهاردة، على الأقل نرتب للفرح يا عريس."
رحيم بمرح:
"أيوه كده، عاوز كل ما تكلمني تقول لي يا عريس، عشان أعيش اللحظة."
عبد العزيز:
"طب والبنات يا ابني هنسيبهم لوحدهم كده؟"
رحيم:
"ما تقلقش يا حاج، أنا لسه مكلم مسعدة، واتطمنت عليهم."
فاطمة:
"هو انتو هتاخدوا طنط سليمة معاكم وانتوا ماشيين؟"
رحيم بابتسامة:
"آه يا بطوط، بس الأسبوع اللي جاي إن شاء الله، مش المرة دي."
فاطمة بزعل:
"ومش هنشوفها تاني."
عبد العزيز بص لهم بزعل واتنهد وقال:
"ربنا يعدل الأحوال وتيجوا كلكم تعيشوا معايا هناك."
فاطمة:
"هناك فين يا جدو؟"
عبد العزيز:
"في بيت أمكم يا بنتي."
عبد الهادي:
"النفوس بس تهدى يا حاج، وإن شاء الله ربنا يعدلها، ده البيت اللي رحيم اشتراهولنا هناك قريب منكم أوي."
عبد العزيز:
"أيوه يا ابني عارف."
عبد الهادي:
"أنا إن شاء الله كل ما ينكسر معايا قرش هبعت لك يا رحيم توضب لي فيه حاجة."
رحيم:
"البيت متوضب على النضافة والفرش يا رحيم، ووقت ما النفوس تهدى، ما تشيلش هم، كله هيبقى تمام."
عبد الهادي:
"خلونا نتكلم في المهم، قول لي على اللي إنت عاوزه، وأنا هنفذهولك بالميللي."
رحيم:
"قدها وقدود يا هادي، وأنا إن شاء الله هبقى عندك من يوم الأربع أنا والحاج."
عبد العزيز:
"وإخواتك يا رحيم؟"
رحيم:
"دي مهمتك إنت بقى يا حاج لما نرجع بكرة إن شاء الله."
عبد العزيز:
"ماشي يا ابني، إن شاء الله."
في صلاة الفجر اتقابل الشيخ مدبولي مع عبد العزيز ورحيم وعبد الهادي. وفي عادة الأرياف إن الناس بتصحى من قبل الفجر، ومعظم الرجالة بتصلي الفجر في الجامع.
بعد الصلاة مدبولي وقف وقال بصوت عالي:
"يا أهل البلد، أنا عاوز أعزمكم كلكم يوم الخميس اللي جاي على فرح سليمة، على الباشمهندس رحيم ابن خالها."
الناس كلها استغربت، من إمتى سليمة ليها خال. فمدبولي قال لهم بصوت عالي:
"ما تستغربوش، أهل سليمة أخيراً عثروا فيها، وده..."
وشاور على عبد العزيز وقال:
"الحاج عبد العزيز خال سليمة واللي يبقى برضه حما الأستاذ عبد الهادي وجد ولاده. وبعدين شاور على رحيم وقال: وده بقى المهندس رحيم عريس سليمة وابن خالها."
الناس كلها باركت لمدبولي وعبد العزيز، وبقوا مبسوطين لسليمة ومستعجبين في نفس الوقت.
وعلى الساعة عشرة الصبح، كان عبد العزيز ورحيم بالعربية قدام دار الشيخ مدبولي. ونزل رحيم من العربية خبط على الباب، فسليمة فتحت واستغربت لما لقت رحيم في وشها واتكسفت لما شافته بيبصلها بابتسامة، فقالت بخجل:
"أهلاً يا سي رحيم."
رحيم بمرح:
"أحلى رحيم سمعتها في حياتي."
سليمة بلخبطة:
"حقك عليا مش هقدر أعزم عليك تتفضل جوه، أبويا مدبولي مش هنا."
رحيم:
"أنا وخالك كنا جايين نسلم عليكي قبل ما نمشي، بس الحاج قاعد بره في العربية، مش قادر ينزل، هتيجي إنتي تسلمي عليه."
سليمة بصت ورا رحيم لقت عبد العزيز قاعد في العربية وبيصلها بابتسامة حنينة، فخرجت وراحت عنده وقالت له بابتسامة:
"يسعد صباحك يا خال."
عبد العزيز:
"يسعد صباحك يا بنتي، أنا قلت أشوفك قبل ما نمشي وأسألك لو عاوزاني أجيب لك معايا حاجة معينة وأنا جاي."
سليمة:
"تسلم يا خال، عاوزة سلامتك."
عبد العزيز:
"طب تعالي سلمي عليا."
ومد إيده لسليمة، وأول ما مدت إيدها ليه لقيته حط في إيدها مبلغ كبير أوي. فسليمة اتخضت من كتر الفلوس اللي في إيدها، عمرها ما مسكت مبلغ زي ده، فقالت له:
"فلوس إيه دي يا خال؟"
عبد العزيز:
"الفلوس دي خليها معاكي، وأي حاجة تحبي تجيبيها، هاتيها طوالي، أوعي تخلي نفسك في حاجة، وأنا هشتري لك كافة شيء تحتاجيه وهحطهولك في بيتك هنا."
سليمة بلخبطة:
"طب طالما إنت هتجيب لي كافة شيء، يبقى لازمتها إيه بقى الفلوس دي؟"
عبد العزيز:
"خليهم معاكي وخلاص، وبلغي أبوكي إن عبد الهادي هو اللي هيحضر للفرح، والدبايح وكافة شيء."
سليمة:
"دبايح؟"
عبد العزيز:
"أيوه طبعاً دبايح، لا إنتي شوية، ده إنتي كبيرة أوي ومقامك كبير يا حبيبتي، ولو عاوزتي أي حاجة، إنتي بس ابعثي لعبد الهادي وهو هيتصرف، وأه، خدي الورقة دي فيها أرقام تليفوناتي أنا ورحيم، لو أي وقت قبل ما نجيلك احتاجتي حاجة كلمينا على طول."
سليمة بامتنان:
"تسلم يا خال، ربنا ما يحرمنيش منك أبداً."
رحيم من وراها:
"وليكي عليا وإحنا جايين هجيب لك أحلى فستان فرح وكل اللي تحتاجيه كمان."
سليمة بصت في الأرض بكسوف وقالت:
"تعيش وتجيب."
عبد العزيز:
"يالا يا رحيم، عشان نلحق يومنا يا ابني، خدي بالك من روحك يا سليمة وسلمي لنا على أبوكي والحاجة."
سليمة شاورت لهم بفرحة وقالت:
"مع السلامة، طريق السلامة يارب."
قبل صلاة الضهر كانت كل البلد عرفت بالحكاية. وفي دار تفيدة وكانت قاعدة زي عوايدها على المصطبة، وكانت ثريا بتأكل الطيور فوق السطوح وعرف
ت القصة كلها من واحدة جارتهم. ثريا نزلت من فوق السطوح وهي بتبتسم بخبث وقالت بصوت عالي وفيه نبرة تهكم:
"والله يا أمي يمكن تكون دي الحسنة الوحيدة اللي عملتيها في البت الغلبانة دي."
تفيدة بشر:
"تقصدي إيه يا مزغودة؟"
ثريا بسخرية وكيد:
"أقصد لما صممتي إنك تخلي السيد يطلق سليمة.. كسبتي فيها ثواب، على الأقل لما جالها عدلها كانت خالية، ربنا يسعدها، أهو ربنا فتحها عليها من وسع، غلبانة سليمة، بس أهو ربنا نجاها وغناها كمان، دي البلد كلها بتحكي وتتحاكى على العربية اللي أهلها كانوا راكبينها، ولا خالها.. بيقولوا راجل هيبة كده وباين عليه العز، وكمان ابنه اللي هيتجوزها بيقولوا مهندس وشكلهم كده أغنيا أوي، لا وكمان بيقولوا إن ليها ورث كبير أوي الوفات الوفات، والله فرحتلها إن ربنا نجاها."
تفيدة بقهرة:
"أهي حظوظ، باديا دي فرطت فيها، كان زماننا متنعمين معاها بالخير ده كله، ووقعنا في أربيزك يا بوز الأخص، وبرضه طلعتي بور، إلا ما شفتك حتى حبلتي في فرض."
ثريا بكيد:
"إن كان عليا أنا حبلت من جوزي الأولاني، أي نعم سقطت بعد كده، بس الأصل إني حبلت، إنما بقى الدور والباقي على ابنك اللي اتجوز مرتين وما قدرش يحبل مراتاته."
تفيدة بغل:
"إنتي تقصدي إيه يا بنت المركوب إنتي، تقصدي إن ابني هو اللي معيوب؟"
ثريا بزعيق:
"هي مين دي اللي بنت المركوب يا ولية إنتي، ده أنا بنت الجابري، ولا نسيتي روحك، أوعي تاني مرة تشتميني بأبويا، وإلا إنتي عارفة إني لو قلت له ممكن يعمل فيكي إيه، أنا بس مش عاوزة أوجع دماغ السيد كل ساعة والتانية بزفارتك دي."
تفيدة بنرفزة:
"بقى أنا زفرة يا قليلة الحيا؟"
ثريا بامتعاض:
"والله كل واحد عارف روحه."
وسابتها ودخلت المندرة بتاعتها وخرجت بعد شوية وهي لابسة عبايتها وطرحتها. فـ تفيدة قالت لها بزعيق:
"على فين العزم إن شاء الله وجوزك زمانه جاي وعاوز يتغدى؟"
ثريا بكيد:
"هروح أبارك لسليمة، أصلها هتوهمني لما تسافر مع جوزها الباشمهندس."
تفيدة:
"وإيه اللي يوديك بيت ضرتك من غير إذن جوزك؟"
ثريا بكيد:
"سليمة عمرها ما كانت ضرتي يا حماتي، مش بقول لك إن حسنتك الوحيدة إنك طلقتيها من السيد، سبحان الله زي ما يكون النحس اتفك عنها لما بعدت عنك."
تفيدة بغيظ:
"وبرضه مافيش خروج من الدار من غير إذن جوزك."
ثريا بصت لها بكيد وسابتها وخرجت، ومشيت في الطريق اللي عارفة إن جوزها بيرجع منه وهو راجع من الغيط، وفضلت ماشية لحد ما قابلته وهو بيستعد إنه يروح من الغيط. وأول ما شافها قال لها بقلق:
"ثريا.. خير، في حاجة وإلا إيه؟"
ثريا قعدت على الأرض وقالت له بضحك:
"أصلك وحشتني، قلت أجي أطل عليك وأشوفك لو محتاج مساعدة."
السيد ضحك باستغراب وقال لها:
"وده من إمتى ده؟"
ثريا اتنهدت وقالت:
"والله يا سيد لو ينفع أجيلك أقعد معاك هنا كل يوم ونروح سوا كنت عملتها، بس أهو بقى."
السيد بص لها باستغراب وقعد قصادها وقال لها بفضول:
"في إيه يا بت، إيه اللي حصل؟"
ثريا:
"مافيش جديد يا سيد، بس أمك الصراحة عاوزة تفضل طول اليوم في خناق، وأنا ما بقيتش ملاحقة على خناقها كل ساعة والتانية، وكل شوية تعايرني إني لسه ما حبلتش، طب ما أنا حبلت قبل كده يا سيد وهي عارفة، أعمل إيه يعني؟"
السيد بوجوم:
"يعني إيه الكلام ده يا ثريا؟"
ثريا بعياط:
"يعني أمك ناوية تخرب عليا زي ما خربت على سليمة يا سيد، إيه المشكلة يعني لو رحنا للحكيم وهو يقول لنا نعمل إيه، لكن أمك أول ما سمعتني بقول الكلام ده نزلت شتيمة فيا وفي أبويا وأنا ما أحبش حد يشتم أبويا يا سيد، وعشان كده حطيت العباية والطرحة عليا وخرجت من قدامها عشان ما تطولش في اللي بتعمله، ولقيتني جاية أطل عليك وأقعد معاك شوية بعيد عن النقار."
وبعدين بصت للسيد بمسكنة وقالت له:
"أنا نفسي أعيش معاك من غير مشاكل يا سيد."
السيد بتنهيدة:
"طب والعمل يعني يا ثريا، دي أمي، هرميها في الشارع؟"
ثريا:
"لا طبعاً وأنا ما يرضينيش، بس المفروض تفهمها إنها تبطل تتدخل بناتنا يا سيد وبعدين كل ما تعرف حاجة تضايقها تيجي تفش غلها فيا، طب وأنا مالي؟"
السيد باستغراب:
"حاجة إيه دي اللي ضايقتها؟"
ثريا:
"وأنا بأكل الطير فوق السطوح، أم إبراهيم هي راخرة كانت على سطوحها، وحكت لي على جوازة سليمة، وإن أهلها عثروا فيها، فـ أنا فرحت عشان سليمة، سليمة طول عمرها غلبانة ومنكسرة."
السيد باستغراب:
"فرحتيها بجد يا ثريا؟"
ثريا بصدق:
"أي والله يا سيد فرحتلها، ربنا عوضها خير عن كل اللي حصل معاها."
السيد وهو بيبص بعيد:
"وعن جوازها مني؟"
ثريا:
"لا يا سيد، عن اللي أمك كانت بتعمله فيها، وعن الذل اللي كانت شايفة منه، البلد كلها عارفة أمك كانت بتعمل إيه في سليمة يا سيد، دي كانت يوماتي سامة بدنها وقهراها وهي يا كبدي لا كانت بتهش ولا بتنش وعاوزة تعيش والسلام."
"وليه وليه عرفت إني فرحانة للبت الغلبانة دي، وعلى اللي عملته فيا، وهاتك يا شتيمة."
السيد:
"معلش يا ثريا، اعملي نفسك مش سامعاها."
ثريا:
"ولو حد سمعها وبلغ أبويا يا سيد، ما إنت عارف، أبويا مش هيسكت، وأنا مش عاوزة يحصل مشاكل بينك وبينه، فماتزعلش مني يا سيد، لما شتمتيني بأبويا، أنا ما سكتش، وقلت لها لو أبويا عرف مش هيسكت لك."
السيد بزهق:
"خلاص يا ثريا، بس حاولي بعد كده أما تلاقيها هتتخانق، ابقي اخفي من قدامها."
ثريا بخبث:
"حاضر يا سيد، عيوني."
أول ما عبد العزيز ورحيم بقوا على طريق السفر، عبد العزيز كلم ولاده واحد واحد وطلب منهم يبقوا عنده في البيت آخر النهار. ولما نبيلة اتحججت بالمسافة، قال لها إنه هيبعت لها عربية تاخدها وترجعها، وفعلاً بعت لها عربية تجيبها من بيتها هي وجوزها، لأنه كلم كمان ولاد أخواته عشان هم كمان يجوا.
وفي بيت عبد العزيز، بعد ما وصلوا البيت بشوية، عبد العزيز طلب من رحيم إنه يسيبه هو اللي يتكلم مع أخواته وولاد عمه وعمته.
وابتدوا يوصلوا واحد ورا التاني، بس أول اللي وصلوا كانت ناهد مع سامي جوزها وسهير أخته واللي كانت طليقة رحيم واللي يبقوا ولاد علي أخو عبد العزيز واللي مات من زمان زي بقية أخواته، لأن ما فاضلش غير عبد العزيز هو بس اللي موجود.
سهير أول ما دخلت راحت سلمت على عمها وبعدين قعدت وهي زي ما يكون متضررة وعاوزة تعرف في إيه وتمشي بأقصى سرعة. وسامي سلم على رحيم ببرود وبعدين سلم على عمه وقعد جنب أخته من سكات. أما ناهد فسلمت على رحيم بالحضن، كان واحشها جداً وراحت اترمت في حضن أبوها، وسألت على ولاد رحيم، فرحيم قال لها إنهم فوق، فطلعت بسرعة عشان تشوفهم وتسلم عليهم. ورحيم طلع وراها، فناهد شدته في أوضة أبوها وقالت له:
"قول لي بسرعة شفت ولاد نادية، حلوين، صورتهم لي زي ما قلت لك."
رحيم طلع تليفونه ووراها صور فاطمة وفهمي، فنادية عيونها دمعت أول ما شافتهم، وقالت:
"نسخة من أمهم الله يرحمها."
رحيم:
"ومنك يا ناهد، ما تنسيش إنك تشبهي نادية أوي."
ناهد بتنهيدة:
"الله يرحمها، وربنا يهديك يا رامي إنت وربيع."
رحيم بابتسامة:
"امسحي وشك وسلمي على البنات وانزلي بسرعة عشان تعرفي أبوك لمكم ليه الليلة دي."
ناهد:
"طب ما تقولي لي إيه؟"
رحيم بابتسامة:
"لا، اسمعيها من الحاج أحسن."
وسابه ونزل لقى رامي أخوه ومراته سلوان، سلم على رامي وسلم على سلوان اللي كانت بنت رقيقة جداً وطيبة ومالهاش في المشاكل. ولما لقت سهير موجودة سلمت عليها وراحت بعد كده قعدت جنب حماها وهي بتتكلم معاه بود وحب. وشوية وجت نبيلة وجوزها سليم واللي يبقى ابن عمتها زينات. نبيلة كانت جد زيادة عن اللزوم، ودائماً محددة هدفها وبتسعى وراه، ولما اتجوزت سليم، قررت إنها تقف جنبه لحد ما تكبره وكان أكبر اهتمامها ببيتها وولادها.
وفي الآخر خالص وصل ربيع وليلى مراته، واللي كانوا طماعين زي بعض بالظبط، وبينطبق عليهم مقولة.. الطيور على أشكالها تقع. لما وصلوا سلموا على الكل وقعدوا مع بعض، وكانت ناهد نزلت من عند البنات اللي أمهم ما فكرتش أصلاً تسأل عليهم.
عبد العزيز فضل يدور بعينه بينهم شوية وهو ساكت وبعدين قال لهم بصوت هادي:
"إنتو طبعاً كلكم بتسألوا روحكم، ياترى إيه سبب اللمة دي، بغض النظر إنكم وحشتوني وكان نفسي تجيبوا ولادكم معاكم، لكن ملحوقة، يوم الجمعة اللي جاية، هترجعوا تتجمعوا كلكم من تاني هنا، بس هيبقى كمان معاكم ولادكم."
ربيع:
"خير يا بابا، في مناسبة وإلا إيه؟"
عبد العزيز:
"الحقيقة يا ربيع هما مناسبتين مش مناسبة واحدة، المناسبة الأولانية، إني أخيراً بعد السنين دي كلها قدرت أعرف اللي حصل مع عمتكم رقية."
ربيع:
"تاني يا بابا، ما خلاص بقى شيل الحكاية دي من دماغك."
عبد العزيز بسخرية:
"بقى أنا بقول إني أخيراً عرفت اللي حصل معاهم، تقوم إنت تقول لي انسى؟"
ناهد بلهفة:
"عرفت مكانها يا بابا؟"
عبد العزيز بأسى:
"للأسف يا ناهد يا بنتي، عمتك وجوزها اتوفوا من سنين طويلة، الله يرحمهم."
ربيع بتسرع:
"طب وناوي تعمل إيه في ورثها؟"
عبد العزيز:
"ورثها من نصيب سليمة بنته."
نبيلة:
"هي عمتي خلفت؟"
عبد العزيز:
"خلفت سليمة بس."
ربيع:
"طب وإنت تضمن منين إنها فعلاً بنت عمتي رقية، مش يمكن نصابة؟"
رحيم بغضب:
"ربيع.. حاسب على كلامك."
عبد العزيز بحزم:
"مش عاوز صوت، وبعدين التفت لربيع وقال له: الكلام ده لما تكون هي اللي جت خبطت على بابنا يا أستاذ ربيع، ساعتها ممكن نشك فيها، لكن ده إحنا عرفنا بالصدفة البحتة، والبنت ما كانتش تعرف أي حاجة عن..."
رامي:
"اومال عرفت إزاي يا بابا؟"
عبد العزيز بهدوء:
"كنا رايحين نخطبها واكتشفت اسمها ولما سألت عرفت كل حكايتها."
سامي بتريقة:
"تخطبوها.. إيه يا عمي إنت كنت ناوي تتجوز وإلا إيه؟"
عبد العزيز بابتسامة تهكم:
"لا يا سي سامي، رغم إني لو حبيت أعملها ماحدش يقدر يمنعني."
نبيلة:
"اومال كنتوا بتخطبوها لمين يا بابا؟"
عبد العزيز:
"لرحيم."
سامي وسهير قاموا وقفوا مرة واحدة بغضب، وسامي قال:
"إنت عاوز ابنك يتجوز على أختي يا عمي؟"
عبد العزيز بهدوء:
"أختك من سنة ونص فاتوا قررت إنها مش عاوزة تتكتف بجواز وعيال ومسؤوليات، وطلبت الطلاق من رحيم وصممت عليه، ورحيم نفذ لها طلبها ورغم إن هي اللي طلبت الطلاق إلا إنه أداها كل حقوقها.. حصل وإلا ما حصلش؟"
سامي بغضب:
"آه، قولوا كده بقى، تدوروا عليها في السر، وتلفوا عليها وتخطبوها لرحيم عشان تكوشوا على الميراث بتاعها في عبكم."
رحيم قام من مكانه بغضب وكان هيضرب سامي، لكن ربيع ورامي ووقفوا ومنعوه، وعبد العزيز قال بزعيق:
"إيه يا أولاد الغمراوي، ما عادلكوش كبير، عاوزين تمسكوا في بعض قدامي؟"
رحيم بنرفزة:
"ما إنت شايف يا حاج قلة أدبه."
سامي بغضب:
"قلة أدبي وإلا طمعك، وراح مشاور على ناهد وقال: بس أقول لكم على حاجة، طالما وصلت لكده، خلوا بقى بنتكم هي كمان في حضنكم، أنا اللي يبيع أختي، أخته ماتلزمنيش، بنتك طالق يا عمي."
رحيم بص بسرعة على ناهد لقاها بتبتسم براحة، وقالت بهدوء:
"كتر خيرك يا سامي، بس عموما عشرتك ما يتندمش عليها."
سامي شد سهير بغيظ وراح ناحية الباب عشان يمشوا. فـ عبد العزيز قال بصوت عالي:
"الفرح اللي هنا يوم الجمعة اللي جاية، واللي له مزاج يحضر الفرح في البيت اللي اتربت فيه العروسة، ييجي يحضر يوم الخميس."
سامي مشي هو وسهير ورزع الباب وراه جامد.
رحيم بص لناهد وأخدها في حضنه وقال لها:
"حقك عليا يا ناهد."
ناهد بابتسامة مكسورة:
"ما إنت عارف اللي فيها يا رحيم، الحمد لله على قدره، مبروك يا رحيم، ربنا يتمم لك بكل خير."
باقي إخوات رحيم كمان باركوا له وبعدين رامي بص لأبوه وقال له:
"هو ده كل اللي كنت عاوزنا فيه يا بابا وإلا خلاص كده؟"
عبد العزيز بحزم:
"اعملوا حسابكم، إن ولاد نادية لازم يتربوا في حضني."
رواية سليمة الفصل السادس 6 - بقلم ميمي عوالي
عبد العزيز بحزم: اعملوا حسابكم، إن ولاد نادية لازم يتربوا في حضني.
ربيع بغضب: كلام إيه اللي بتقوله ده يا بابا؟ إزاي يعني بعد الفضيحة اللي اتفضحناها؟
رامي بنرفزة: ويُاترى بقى هتاخدهم في حضنك لوحدهم ولا هتاخد أبوهم كمان؟
ناهد بعياط: نادية خلاص ماتت، والله أعلم ماتت وهي عاملة إيه، وحالتها إيه، خلاص مايجوزش عليها غير الرحمة، لكن ولادها، ليه يتربوا بعيد عن أهلهم؟ خليهم معانا وأنا هربيهم.
ربيع بغلظة: هو انتي عشان ما خلفتيش لحد دلوقتي عاوزة تشبطي في أي عيل والسلام؟
عبد العزيز بغضب: ربيع، الزم حدودك واعرف أنت بتتكلم إزاي ومع مين، واعرف أنت بتقول إيه، أنت بتكلم أختك وبتتكلم عن ولاد أختك.
رامي بسخرية: ولاد أخته اللي أمهم هربت عشان تتجوز على مزاجه.
رحيم بهدوء: متهيألي كلكم عارفين إن أختكم ما اتجوزتش حد قليل.
ربيع باستخفاف: وهو عبد الهادي بقى كان حيلته إيه إن شاء الله؟
رحيم وهو على نفس هدوئه: يمكن ماكنش على نفس مستوانا، بس ماكنش معدم يا ربيع، وحبها واتجوزها وبعد بيها تمامًا عنكم وما طمعوش في حاجة من ممتلكات الحاج زي ما كنت طول عمرك بتقول، ولأجل كلكم تبقوا عارفين، عبد الهادي ماكنش ناوي يرجع مصر تاني أبدًا، لولا وصية أختكم الله يرحمها.
رامي: وهو أنت يعني يا رحيم كنت سمعت الوصية دي بودانك؟
رحيم: أختك في آخر مكالمة بيني وبينها قبل ما تموت وصتني على جوزها وعيالها، وقالتلي إنها وصته يرجع مصر لو حصل لها أي حاجة في أي وقت.. ورغم ذلك، هو برضه لما نزل، فضل بعيد عنكم، عارفين ليه؟ لأنه خايف منكم على ولاده، وماعندوش ثقة فيكم. ولاد نادية، ولادنا ولحمنا، والدنيا مش دايمة لحد فينا، ويا عالم بكرة مين اللي ممكن يبقى فوق الأرض ومين اللي تحته.
رامي بزهق: يعني إيه؟ عاوز إيه يا رحيم؟
رحيم: عاوز أقول إني موافق الحاج، إن ولاد نادية يرجعوا لحضني.
ربيع بعنف: يعني على آخر الزمن هنستقبل اللي حط راسنا في الطين في بيتنا يا رحيم؟
نبيلة: استنى بس يا ربيع، لو دي فعلًا وصية أختك، فوصية الميت واجبة مهما كان زعلنا منها، ولو دي رغبة بابا يبقى خلاص، ماحدش فينا من حقه إنه يعترض.
رامي بسخرية: آه وأنتي فارق معاكي إيه، ما أنتي عايشة في دنيتك هناك ولا فارق معاكي حاجة من اللي بيحصل هنا.
سليم جوز نبيلة قام وقف واتكلم لأول مرة من ساعة ما ابتدت القاعدة دي، وراح وقف قدام عبد العزيز وقال: معلش يا خالو، لو تسمحلي بكلمة.
عبد العزيز: اتفضل يا سليم.
سليم: أولًا بخصوص بنت خالتي رقية، حمدلله على سلامتها، ومبارك عليك يا رحيم، ربنا يسعدكم. أما بقى بالنسبة لولاد نادية الله يرحمها، فطبعًا الكلمة الأولى والأخيرة ليك لوحدك، لكن أنا معاك يا خالو، الولاد الصغيرين دول مالهمش ذنب في أي حاجة، ومن حقهم يتربوا في خيرك.
ربيع بسخرية: آه طبعًا وماله.
سليم: ومعلش يا خالو اسمحلي، أنا هاخد نبيلة ونتوكل على الله، عشان لسه مشوارنا طويل، وعندي شغل مهم بدري.
عبد العزيز: ماشي يا ابني، واعملوا حسابكم، الجمعة الجاية فرح رحيم، ولازم الولاد يجوا معاكم، أوعوا ما تجوش، وأنتي يا نبيلة.. أوعي ما تجيش.
نبيلة: هنيجي يا بابا إن شاء الله.
بعد ما نبيلة مشيت هي وسليم، ليلى مرات ربيع أخدته على جنب وقالت له بهمس: ما تخسرش عمي يا ربيع، عمي مصمم على رأيه، بلاش تبقى أنت الوحش.
ربيع باعتراض: أنتي بتخرفي بتقولي إيه أنتي كمان؟
ليلى: بقول لك بلاش تخسر عمي، ما أنتش شايف رحيم واكل بعقله حلاوة إزاي، لا وكمان هيكوش لوحده على ورث عمتك رقية، لو عاديت عمي.. ممكن رحيم ينتهز الفرصة ويكوش على كل حاجة.
ربيع بنفي: لا.. مش رحيم.
ليلى: ما تضمنش، اسمع بس الكلام، طاوعني.
ربيع نفخ بزهق وبعدين قال: ماشي، أما نشوف آخرتها.
وفي نفس الوقت كانت سلوان بتتكلم مع رامي وقالت له: يا رامي يا حبيبي، باباك أكيد نفسيته تعبانة عشان أحفاده بعيد عنه، حط نفسك مكانه عشان تحس بيه، وبعدين بصراحة بقى، ربنا كان بيحب نادية الله يرحمها إنها اتجوزت جوزها ده وما اتجوزتش سامي.
رامي بص لها بوجوم، فقالت له: ما كانش هيحبها ولا هيراعيها زي جوزها ده، ما كلنا عارفين كان بيعامل ناهد إزاي، وكمان كانت إيه النتيجة، أدي رماها على طول دراعه من غير حتى ما يفكر في مشاعرها ولا العشرة اللي بينهم ولا حتى قدر صبرها عليه.
رامي اتنهد جامد، فسلوان طبطبت على كتفه وقالت له بابتسامة: راضي باباك يا رامي، ده عمره ما رفض لك طلب، وسيبك من كلام ربيع خالص، ما تخليهوش يلعب في دماغك.
وفي نفس الوقت كانت ناهد قاعدة وسط عبد العزيز ورحيم اللي كان بيحاول يسري عنها اللي حصل، فقال لها: أكيد ربنا هيعوضك خير.
عبد العزيز وهو بيطبطب على رجلها: حقك عليا يا بنتي، أنا السبب في جوازتك دي.
ناهد: ده نصيب يا بابا.
عبد العزيز: أيوه، عندك حق، وعشان كده أكيد ربنا هيعوضك، وما تزعليش من ربيع يا بنتي، ما أنتي عارفاه طول عمره بيرمي الكلام من غير ما يفكر.
ناهد بهدوء ساخر: عادي يا بابا، لا هي أول مرة ولا هتبقى آخر مرة.
ربيع وليلى قربوا منهم تاني وربيع قال بوجوم: خلاص يا بابا، اللي تشوفه، واللي يريحك أنا موافق عليه.
ورامي كمان قرب وقال: وأنا كمان يا بابا موافق، حضرتك اعمل اللي يريحك.
عبد العزيز قال بحزم وهو بيبص لربيع: لو صدر من أي حد كلمة أو تصرف يضايق ولاد أختكم أو أبوهم، هيبقى لي تصرف يزعله.
سلوان برقة: ومين بس اللي ممكن يعمل حاجة تزعل حضرتك يا بابا؟ إحنا كلنا بنتمنى رضاك.
عبد العزيز بابتسامة واسعة: الله يعزك يا بنتي، بنت أصول من يومك.
ليلى وهي بتحاول تنال رضا حماها زي سلوان: طب أنت مش محتاج أي مساعدة يا رحيم قبل الفرح؟
رحيم: تسلمي يا ليلى، ناهد معايا وأكيد مش هتسيبني.
سلوان قربت من ناهد وبوستها في خدها وقالت لها برقة: ناهد دي ست البنات كلهم، بس برضه يا رحيم، إحنا كلنا حواليك، واعتبرني يا سيدي زي ناهد.
رحيم بابتسامة: تسلمي يا سلوان، لو احتاجت حاجة أكيد هقولك.
سلوان بمرح: بس أنا بقى ماليش دعوة، أنا عاوزة أحضر الفرحين، اللي هنا واللي عند العروسة.
عبد العزيز ضحك وقال: خلاص، يبقى تيجي معانا وإحنا رايحين من يوم الأربع إن شاء الله.
ناهد: وأنا يا بابا طبعًا هبقى معاكم، عشان كمان أشوف ولاد نادية.
ربيع باستغراب: هم ولاد نادية هيحضروا الفرح هناك؟
عبد العزيز: ولاد نادية هم السبب إننا عرفنا طريق سليمة بنت عمتك.
ربيع باستغراب: إزاي بقى؟
رحيم سبق أبوه وقال: سليمة تبقى جارة هادي، وكانت بتحفظ ولاد أختك قرآن.
سلوان بصدق: الله.. ما شاء الله يا رحيم، عقبال ما ربنا يرزقني أنا كمان بولاد إن شاء الله ويحفظهم لي أنا كمان.
رحيم بضحك: ياستي خلفي أنتي بس، ومالكيش دعوة.
سلوان بتمني: يارب.
ليلى: أنت عارف يا رحيم إن ما أقدرش أسافر عشان الولاد والمدارس، لكن إن شاء الله هنبقى معاك هنا طول اليوم إن شاء الله.
عبد العزيز: رحيم هينزل الصبح يحجز أكبر قاعة أفراح في الفيوم، أومال إيه ده فرح ولاد عيلة الغمراوي.
ليلى بصت لربيع بسخرية وقالت بابتسامة صفرا: ربنا يتمم بكل خير.
بعد ما الكل مشي، فضل عبد العزيز ورحيم، وناهد طلعت عشان تنام في أوضتها القديمة، عبد العزيز قال بتنهيدة: هنعمل إيه مع سامي يا رحيم؟
رحيم: ولا حاجة يا حاج، ما تشغلش بالك بيه.
عبد العزيز: إزاي بس يا ابني؟
رحيم: اسمع يا حاج، أنت عارف كويس إن جواز سامي من ناهد كان غلطة كبيرة أوي، وإن طلاقه ليها نعمة من عند ربنا، وعشان كده أنا مستني ورقتها بفارغ الصبر.
عبد العزيز باستغراب: أنا مش فاهم قصدك يا ابني.
رحيم: يا حاج، ناهد لسه صغيرة، وجميلة وفي عز شبابها، ومعاها شهادة جامعية، ماهي خريجة تجارة زي أخواتها، أنا عاوز أقترح على رامي ياخدها معاه المكتب تشتغل معاه.
عبد العزيز: مش هتستريح مع رامي.
رحيم: خلاص، تشتغل معايا، أنا في حاجات كتير جدًا ممكن ناهد تعملها معايا، وناهد طول عمرها مخها نضيف وذكية، وأهي تعرف حاجة جديدة وتعتمد على نفسها، لحد ما ربنا يبعتلها ابن الحلال.
عبد العزيز بتنهيدة: يا ريت يا ابني، يا ريت أطمن عليها قبل ما أموت.
رحيم: ربنا يديك الصحة وطولة العمر، وبعدين ما تقلقش، طول ما فيا نفس، أخواتي البنات في عنيا.
تاني يوم رحيم نزل هو وناهد حجزوا القاعة، واشتروا فستانين فرح لسليمة واحد عشان الفرح اللي في البلد وواحد عشان اللي في الفيوم، ورحيم حدد المقاس بالوصف، وبمساعدة ناهد اشتراها كل احتياجاتها تقريبًا، واشتراها لبس كتير أوي بمشتملاته، وناهد اختارت له عباية شيك جدًا وقالت له دي تديهالها تحضر بيها الحنة، وقالت له إنه لازم يسافر لها بالفستان والعباية عشان تقيسهم ويتأكد إنهم مظبوطين عليها قبل الفرح، واتحايلت عليه إنه ياخدها معاه عشان تشوف ولاد نادية وكمان تشوف العروسة.
وفعلًا تاني يوم على طول رحيم وناهد راحوا لبلد سليمة، وأول ما العربية وصلت عند دكان عبد الهادي، عبد الهادي قال بترحيب: يا أهلاً بعريسنا يا ألف أهلاً، حمدلله على السلامة.
رحيم نزل من العربية وراح حضن عبد الهادي وقال له: إزيك يا هادي، عامل إيه؟
عبد الهادي بضحك: يا أخي ياريتك كنت جيتلي من زمان عشان كنت جوزتك من بدري.
رحيم بمرح: النصيب يا هادي يا أخويا، وبعدين التفت للعربية وشاور لناهد تنزل وهو بيقول: تعالي يا ناهد ماتنكسفيش، ده هادي جوز أختك.
عبد الهادي بص على ناهد اللي نزلت من العربية والابتسامة على وشها، ولاحظ الشبه الكبير اللي بينها وبين نادية، فقال بلخبطة: أهلاً يا ناهد، نورتيني.
رحيم: طبعًا أنت أول مرة تشوف ناهد.
عبد الهادي: الحقيقة فعلًا، وكمان ماكنتش أعرف إنها تشبه نادية أوي كده.
ناهد بابتسامة: بس أنا بقى أعرفك يا أستاذ هادي، كنت بشوفك كتير مع رحيم.
عبد الهادي: طب تعالوا اقعدوا.
ناهد بلهفة: لا أنا عاوزة أشوف الولاد.
عبد الهادي: فاطمة لسه ما رجعتش من المدرسة، وفهمي عند مرات خاله.
قال آخر جملة وهو بيغمز لرحيم بمرح، فرحيم شد ناهد على العربية وقال لها بضحك: حيث كده، يلا بينا بقى لما نشوف مرات خاله.
عبد الهادي: هنتغدا سوا، ده أنا عندي أكل عجيب.
رحيم وهو بيتحرك من العربية خرج راسه من الشباك وقال بمرح: إذا حضر الماء بطل التيمم يا أخ هادي.
طول الطريق لبيت الشيخ مدبولي كانت ناهد عمالة تضرب كلاكسات وتزغرد ورحيم عمال يضحك على اللي بتعمله، بس كان فرحان ومبسوط جدًا، وأول العربية ما وقفت قدام البيت، رحيم نزل وخبط على الباب، وناهد راحت وقفت قدامه.
سليمة فتحت الباب ولما شافت ناهد، بصت لها باستغراب وقالت لها: اؤمري.
رحيم جه من ورا ناهد وقال بابتسامة: السلام عليكم، إزيك يا سليمة.
سليمة اتكسفت لما اتفاجئت برحيم فقالت بخجل: وعليكم السلام، إن شاء الله تسلم يا سي رحيم.
رحيم حط إيده على كتف ناهد وقال: دي ناهد أختي يا سليمة، يعني بنت خالك برضه.
سليمة بترحاب: أهلًا وسهلًا نوريني.. اتفضلي، وسلمت على ناهد وحضنتها بحب، وبعدين التفتت وراها وندهت وقالت: يا ابة، ده سي رحيم وأخته.
جه مدبولي من جوه رحب بيهم وعزم عليهم يدخلوا جوه.
ناهد دخلت مع سليمة، ورحيم رجع على العربية عشان يطلع منها الحاجات اللي جابها لسليمة ودخل وراهم.
سليمة شاورت لناهد على أوضة تدخلها، ولما دخلت لقت فهمي قاعد بيشرب كوباية لبن، فناهد راحت قعدت على الأرض قدامه وقالت له بحب: أنت فهمي مش كده؟
فهمي: أيوه.
ناهد: أنت عارف أنا مين؟
فهمي هز راسه بالنفي، فناهد قالت له: أنا أبقى خالتو ناهد، أخت مامتك.
فهمي بص لها بعدم فهم وسكت، لكن لما شاف رحيم داخل، قال بتهليل وهو مكانه: خالو رحيم.
رحيم أخد منه الكوباية حطها على ترابيزة صغيرة وشال فهمي بمرح وهو بيلاعبه وبيضحك معاه، وبعدين نزله تاني وبعدين شاور له على ناهد وقال له: أهو أنت دلوقتي عرفت خالتك وشوفتها قبل فاطمة، مش أنا أبقى خالو، وكمان فيه جدو عبد العزيز.
فهمي هز راسه بالموافقة، فرحيم قال: ودي كمان خالتو ناهد تبقى أختي وأخت مامتك نادية، فهمت.
فهمي هز راسه بالموافقة، فناهد قالت: طب ممكن بقى حضن كبير لخالتو ناهد، زي الحضن بتاع خالو رحيم كده.
فهمي مد إيده لناهد اللي حضنته بكل قوتها وهي بتشمشم فيه بحب، ودموعها مالية عيونها، لحد ما سليمة طبطبت على كتفها وقالت لها بالراحة: اقعدي وخديه في حضنك عشان ما يخش منك.
ناهد قعدت على الكنبة وهي واخده فهمي في حضنها ومسحت دموعها بسرعة وقالت له بابتسامة مهزوزة: ها، قولي بقى كنت بتعمل إيه قبل ما نيجي؟
فهمي: طنط سليمة جابتلي لبن بالعسل أشربه، عشان أعرف أحفظ القرآن كويس.
ناهد: وكنت بتحفظ سورة إيه بقى؟
فهمي: سورة عم.
ناهد بفرحة: شطور خالص يا فهمي، عارف… لما تيجي عند جدو، هنخلي طنط سليمة تحفظنا سوا، بس عشان أنت شاطر كده، بص.. أنا جبت لك إيه معايا.
وطلعت من شنطتها شيكولاتة كبيرة فتحتها وابتدت تأكله منها وهو طبعًا كان مبسوط جدًا.
ناهد بصت لسليمة وقالت لها بمرح: معلش بقى يا بنت عمتي، أصل دي أول مرة أقابل فيها الأستاذ فهمي.
سليمة بابتسامة: لا ولا يهمك، خدي راحتك، بس أنتي تشبهيله أوي.
رحيم: ما هي فيها شبه كبير من أختها الله يرحمه.
مدبولي دخل عليهم وقال لهم: يلا يا ولاد عشان ناكل سوا، لقمة كده على ما أوسم.
رحيم بود: لسه بدري يا شيخنا، ما تقلقش هناخد واجبنا، بس كنت عاوز سليمة تشوف الحاجات دي الأول وتطمنني على المقاسات بتاعتها.
سليمة بفضول: حاجات إيه دي؟
ناهد قامت من مكانها وقعدت فهمي على الكنبة من تاني، وأخدت الحاجة من رحيم وقالت: ممكن تاخديني معاكي في أوضتك وأنا هفهمك كل حاجة.
ناهد دخلت مع سليمة وفرجتها على الحاجات اللي رحيم جابها لها وخلتها تقيسها، وانبسطت أوي إن الحاجات جت على مقاسها وحلوة عليها، وقعدت تحكيلها على باقي الحاجات اللي جابوها لها في الفيوم.
في بيت تفيدة، كانت قاعدة زي عادتها لما كان رحيم معدي بالعربية وناهد عمالة تضرب كلاكسات، فقالت باستغراب: هو فيه إيه في البلد، وإيه صوت العربيات ده؟
ثريا كانت قاعدة عند باب الدار وشافت العربية بتاعة رحيم فقالت بكيد: دي عربية الباشمهندس عريس سليمة، أما حتة عربية إنما إيه، تقوليش عربية بشوات، والله صبرتي ونولتي يا سليمة وربنا نصفك ونصرك.
تفيدة بغيظ: ومنصرها على مين بقى إن شاء الله؟
ثريا بتهكم: على اللي عايروها إن مالهاش أهل، هيكون على مين يعني؟
تفيدة: وهو أنتي بقى هتتنك قاعدة كده على عتبة الدار لا شغلة ولا مشغلة، وما وراكيش إلا الفرجة على اللي رايح واللي جاي، ما تقومي تفزي تشوفيلك أي مصلحة تعمليها.
ثريا: ماليش كيف يا حماتي، النهاردة بالذات ماليش كيف أعمل أي حاجة.
تفيدة: قومي قشري كام بطاطساية وحمريهم جوزك زمانه جاي.
ثريا: لا يا حماتي، مش هحمر بطاطس، النهاردة هناكل مش زي عيشتنا اللي معيشاهالنا.
تفيدة: يعني مش ناوية تقومي وتتلمي؟
ثريا ببرود: لا يا حماتي، مش هقوم، وإن كان على الأكل، خير ربنا مالي الدار.
تفيدة بخناق: أنهي خير ده اللي بتتكلمي عليه، قومي انجري حضري أكل لجوزك بقول لك، أنتي هتفضلي هااملة كده لحد امتى؟
ثريا بصتلها وقامت وراحت ناحية المندرة بتاعتها ودخلت وقفلت الباب عليها.
تفيدة بغيظ: آه يا بنت المركوب، وراحت قايمة من مكانها بغيظ وراحت فاتحة الباب على ثريا بغل وهي بتزعق لها وبتقول: يعني هو أنتي أبوكي بلاني بيكي وmarbakish للدرجة دي، يا عديمة الترباية يا قليلة الحيا!
ثريا ببرود: ما قليلة الحيا غير اللي تدخل على الناس من غير استئذان.
تفيدة: لا هو أنتي عاوزاني استأذن وأنا داخلة عليكي؟ لاااا، ده أنتي عيارك فلت على الآخر يا بنت الجابري، وشاكلك بتحربي على طلاقك لتاني مرة.
ثريا لمحت السيد من الشباك وهو جاي من بعيد على حماره، فقالت بخفوت: مش جديد عليكي خراب البيوت يا تفيدة، طول عمرك خرابة بيوت.
تفيدة بغل: طب أنا بقى هوريكي خرابة البيوت دي هتعمل فيكي إيه، وراحت جايباها من شعرها وهاتك يا ضرب.
وثريا كل اللي طالع عليها إنها تصوت وتقول: عيب كده يا أمة، ما يصحش يا أمة، وتفيدة ترد وتقول بغيظ: أنا هوريكي العيب واللي مش عيب دلوقتي يا قليلة الترباية.
السيد أول ما قرب من البيت سمع صريخ ثريا، وهي عمالة تتحايل على أمه، وسمع أمه وهي عمالة تشتم في ثريا، ساب الحمار ودخل يجري عليهم في المندرة بتاعته، لقى تفيدة منيمة ثريا في الأرض وهاتك يا ضرب بالشبشب.
السيد شد أمه شالها وخرجها برة المندرة وهو ثاير ومتنرفز وقعد يقول: وبعدهالك بقى يا أمة، ناوية على إيه تاني؟ خربتي بيتي مرة و ناوية تخربيه التانية ولا إيه؟
تفيدة بصدمة: أنت بتقول إيه يا ولة؟ مين دي اللي خربت بيتك؟
السيد بغضب: هيبقى مين يعني غيرك، مين اللي سود عيشة سليمة ومرر أيامها لحد ما خليتيني طلقتها ورميتها وكمان كنتي عاوزة تاكلي حقها لولا الشيخ مدبولي وكبرات البلد، وقلتي عشان الخلفة، وأنا طاوعتك، واتجوزت تاني، عاوزة إيه بقى مني تاني؟ ناوية على الخراب تاني ليه؟ حرام عليكي بقى، هو أنتي ما بتتعبش من اللي بتعمليه كل يوم والتاني ده؟
تفيدة بغضب: طب ورحمة أبوك ما أنت بايت فيها لا أنت ولا هي، إيه قولك بقى، وابقى خليها تدفيك وتنفعك يا سيد.
السيد بذهول: أنتي بتطرديني من دار أبويا يا أمة؟
تفيدة بغل: دي داري إني مش دار أبوك.
السيد: أنا وأخواتي اللي كتبنا كل حاجة باسمك عشان تفضلي متعززة ومتكرمة طول عمرك، يبقى جزائي الطرد؟
تفيدة والغل ماليها: يا تطلق بنت المركوب دي، يا تطلع بره الدار أنت وهي.
ثريا من على باب المندرة بكيد بس بتمثل المسكنة قدام السيد: أنتي بتطرديني أنا وجوزي من داري يا أمة؟
تفيدة بسخرية: دارك.. ليه، كنتي كسبتبيها في البخت اياكي؟
ثريا راحت وقفت جنب عبد الهادي وحضنت دراعه وقالت: لا يا أمة، ما كسبتهاش في البخت، بس عرفت من زمان إنك ناويالي على كده، لما لقيتيني بحب السيد وبتمنى له الرضا يرضى، وأنتي كرهاني، زي ما يكون مش عاوزة حد يحب ابنك غيرك وعشان كده عملت حسابي.
تفيدة: وعملتي حسابك إزاي بقى؟
ثريا بتشفى: خليت الدار باسمي يا أمة، عشان ماحدش يقدر يطرد جوزي منها أبدًا.
تفيدة بشر: وده حصل إزاي بقى فهميني؟
ثريا من ورا ضهر السيد: خدت الختم بتاعك من دولاب السيد وختمت بيه على عقد البيع، وسجلته كمان في الشهر العقاري.
السيد التفت لها وبص لها بتأنيب وقال: وأنتي إزاي تعملي كده يا ثريا، ومن ورايا كمان؟
السيد فجأة لقى كفوف تفيدة نازلة على ضهره بغل وهي بتقول: أيوه أيوه، اعملوهم عليا أنتو الاتنين، بقى بتتفق عليا مع مراتك من ورايا يا ابن بطني، هي حصلت إنك تكوش على الدار وعاوز تطردني منها؟
ثريا: مين دلوقتي اللي طرد التاني يا أمة، بقى إحنا برضه اللي طردناكي، ولا أنتي اللي بتطري السيد من داره؟
تفيدة بغيظ: داره ولا دارك يا معدلة، الخايب النايب، يوم مايفكر يلعب بديله يخلى الدار باسمك.
ثريا: يا أمة السيد بريء وما كانش يعرف حاجة، أنا ماقلتلوش، وما كانش يعرف غير دلوقتي.
تفيدة: الدار ترجعلي يا سيد يا أما هخلي أخواتك يقطعوك بسنانهم نساير نساير، أنت فاهم ولا لأ؟
السيد بقى واقف بين أمه ومراته وهو زي التايه وعمال يبص لكل واحدة فيهم شوية، ومش عارف يعمل إيه، وفي الآخر سابهم وخرج من الدار كلها من غير ولا كلمة.
وأول ما ثريا اتأكدت إنه بعد عن الدار بصت لتفيدة وقالت: أنا عشان بنت أصول، مش هطردك من داري، بس لو سمعت صوتك، مانتيش بايتة فيها الليلة دي، أنا هسيبك بس عشان خاطر السيد.
ودخلت المندرة تاني وقفتلت عليها الباب من جوة بالترباس وهي بتقول بمكر، ولسه… صبرك عليا يا تفيدة الكلب، إن ما ربيتك، ما أبقاش أنا ثريا بنت الجابري.
عند سليمة، كان رحيم وناهد قاعدين عند الشيخ مدبولي في جو مليان حب ومرح، وبعد ما أكلوا، قعدوا يشربوا الشاي، واتفقوا إنهم هيرجعوا تاني يوم الأربع اللي هي ليلة الحنة بتاعة سليمة، ورحيم قال إنه هيجيب طباخ وهيدبح وهيعزم أهل البلد كلهم، وقال لهم إنه هياكل الرجالة عند بيت عبد الهادي وهيسيب الستات عند بيت الشيخ مدبولي، بس برضه هيبعت لهم الأكل لحد عندهم، وقال لهم إنهم في الكام يوم اللي جايين دول مايعملوش حاجة غير إنهم ينبسطوا وبس.
وسليمة على قد خجلها، على قد ما كانت مبسوطة جدًا وفرحانة من وجودهم عندهم ومن كلام رحيم اللي قاله، لما حسسها إنها حاجة غالية أوي عندهم كلهم.
وشوية ورحيم استأذن وأخد فهمي وناهد وفاطمة اللي كانت رجعت من المدرسة وفضلت قاعدة معاهم بعد ما اتعرفت على خالتها ناهد وفرحت بيها جدًا، رحيم أخذهم وراح على بيت عبد الهادي عشان يسلموا عليه قبل ما يسافروا.
ولما راحوا لعبد الهادي كان قاعد مستنيهم ومحضر لهم برضه واجب الضيافة، لكن رحيم اعتذر له وقال له إنهم أكلوا كتير عند الشيخ مدبولي، وعبد الهادي بقى مستغرب من تعلق ولاده السريع جدًا بناهد وإنهم ماسكين فيها وبيتحايلوا عليها إنها ما تمشيش، بس استغرب أكتر لما لقى ناهد بتوجه له الكلام وبتقول له: هو أنا لو طلبت منك تسيب فهمي ييجي معايا، لحد ما نرجع كلنا يوم الأربع إن شاء الله كلنا سوا توافق؟
فاطمة بزعل: وإشمعنى فهمي، أنا كمان عاوزة أروح معاكي لجدو.
ناهد بحنان وهي بتضم فاطمة: لولا المدرسة بتاعتك، كنت قلت آخدك أنتي كمان، بس مش عاوزاكي تغيبي عن المدرسة الأسبوع ده وأنتي هتغيبي تاني الأسبوع الجاي لما تيجي معانا الفرح اللي هناك.
عبد الهادي بص لرحيم باستغراب، فرحيم قال: أبويا قعد مع أخواتي، وقال لهم إنه مش هيقدر يبعد عن ولاد نادية أكتر من كده.
عبد الهادي بتوجس: وهما وافقوا كده بسهولة؟
رحيم بتنهيدة: أكيد مش بسهولة يا صاحبي، لكن العبرة بالنتيجة.
عبد الهادي: وإيه بقى النتيجة؟
رحيم: إن كلمة الحاج هتتنفذ بالحرف الواحد.
ناهد بترجي: ها.. قلت إيه يا أبو فاطمة؟ هتسيب فهمي ييجي معايا؟
رواية سليمة الفصل السابع 7 - بقلم ميمي عوالي
رحيم: أبويا قعد مع إخواتي، وقال لهم إنه مش هيقدر يبعد عن ولاد نادية أكتر من كده.
عبد الهادي بتوجس: وهم وافقوا كده بسهولة؟
رحيم بتنهيدة: أكيد مش بسهولة يا صاحبي، بس العبرة بالنتيجة.
عبد الهادي: وإيه بقى النتيجة؟
رحيم: إن كلمة الحاج هتتنفذ بالحرف الواحد.
ناهد بترجي: ها... قلت إيه يا أبو فاطمة؟ هتسيب فهمي ييجي معايا؟
عبد الهادي بتردد: أنا يعز عليا يا مدام ناهد إني أرفض لك طلب، وخصوصًا إن دي أول مرة نتقابل فيها.
ناهد: طب وليه ترفض؟ والله هاخد بالي منه، ومش هسيبه لحظة واحدة، ما تقلقش عليه.
عبد الهادي: الحكاية مش كده.
رحيم: قول على طول اللي بتفكر فيه، وأنا هفهمك.
عبد الهادي بقلة حيلة: بصراحة خايف. أولاً أنا عمري ما حد من عيالي بات بعيد عن حضني، وكمان أنا ما أضمنش رد فعل إخواتكم هيبقى إيه أول ما يشوفوه، وخصوصًا وإني مش هبقى جنبه ولا قريب منه عشان أحميه من أي غدر ممكن يصيبه.
ناهد وهي بتضم فهمي لحضنها: ده كان يبقى موتي أهون من اللي أنت بتقوله ده.
عبد الهادي: بعد الشر عنك، بس ياريت تعذريني.
رحيم: وهو أنا مش كفاية ولا إيه؟
عبد الهادي: وهو أنت هتسيب تجهيز فرحك وهتقعد تحرس ابني يا رحيم؟
رحيم: بس جده موجود، وبعدين هيبقى مع مريم ونورا. وعموماً كمان عشان تتطمن، أنا إخواتي ما بيجوش البيت أصلاً إلا لما الحاج بيستدعيهم، وما حدش فاضيلنا. ما أنا حكيلك ومرسيك على كل حاجة من زمان. سيبه معانا ماتقلقش، ولولا مدرسة فاطمة كنت أخدتها معانا هي كمان.
ناهد: وهو النهاردة وبكرة، وهتلاقينا كلنا هنا يوم الأربعاء إن شاء الله بربطة المعلم.
عبد الهادي بقلة حيلة: ابني أمانة في رقبتك يا رحيم.
رحيم: وأفديه بروحي يا هادي ماتقلقش.
ناهد بصت لفاطمة اللي كانت زعلانة وقالت لها: وأنا بقى وأنا جاية يوم الأربعاء إن شاء الله هجيب لك فستان تحضري بيه الفرح، أنما إيه؟ ولا فستان سندريلا.
فاطمة بفرحة: بجد يا خالتو؟
ناهد وهي بتحضن فاطمة بحب: بجد يا عيون خالتو.
في دار تفيدة، كانت ثريا لسه حابسة روحها في المندرة بتاعتها، بعد ما ندهت على عيل صغير من شباك المندرة بتاعتها، وبعتته ينده لأبوها وأخوها. بس بعد شوية سمعت صوت حد بيتكلم مع تفيدة بصوت عالي، وبعد شوية، لقت إبراهيم أخو السيد بيخبط عليها وبيقول لها بنرفزة: افتحي الزفت ده واطلعيلي هنا.
ثريا وهي بتدعي القوة: مش خارجة إلا أما جوزي ييجي من برة يا إبراهيم.
إبراهيم بغضب: جوزك... وانتِ فاكرة إن فيه حد هينجدك من تحت إيدي انتي ولا جوزك؟
ثريا: والله انت وأخوك حرين مع بعض، أنتم في الأول والآخر إخوات، لكن تيجي لحد عندي وتقف. انت ماليكش صالح بيا يا إبراهيم، وما تقدرش تيجي يمتى.
إبراهيم بنرفزة: ده أنا هخنقك بإيديا الاتنين دول، بس اتلايم عليكي يا بنت الجابري.
طب ابقى مدها عليها كده وأنا كنت علقتك في عمود النور اللي على أول البلد يا إبراهيم.
التفت إبراهيم، لقى الجابري أبو ثريا ومعاه مسعود ابنه اللي عمل العقود لثريا. الجابري كان معروف إنه طول عمره شقي وبتاع مشاكل، وعمره ما دخل في خناقة مع حد إلا وطلع منها هو الكسبان، ولازم اللي قدامه يطلع بكسر في جسمه. وعشان كده معظم أهل البلد بيحاولوا ما يحتكوش بيه. ولما إبراهيم وتفيدة شافوا الجابري وهو داخل عليهم، قلقوا. لكن تفيدة قالت للجابري وكأنها بتستغيث بيه: الحقني يا جابري، جيت في وقتك، ده أنا كنت لسه هبعتلك.
الجابري قعد وهو فارِد صدره ودق بعصايته اللي ما كانتش بتفارق إيده أبداً في الأرض، وقال بغرور: ما أنا قلت أوفر عليكي، وجيتلك من حالي. خير يا تفيدة؟
إبراهيم كان متغاظ إنه بيتكلم كده مع أمه، بس مابينلوش، وسكت. فتفيدة قالت بمسكنة: عاوزاك تغيثني يا جابري، بنتك عاوزة تطردني من بيتي.
هنا ثريا فتحت باب المندرة وقفت بعنجهية وهي باصة لإبراهيم وقالت لأبوها: نورت بيت بنتك يا أبّه.
الجابري بص لبنته بابتسامة وقال لها: إزيك يا ثريا؟ عاملة إيه؟
ثريا بكيد لتفيدة: متنعمة في خيرك يا أبّه.
الجابري لثريا: إيه اللي حصل؟ احكي لي.
تفيدة بمسكنة: ما أنا حكيتلك وقلتلك أهو، ثريا عاوزة ترميني برة الدار.
الجابري بص لتفيدة وقال لها بحدة: أنا بسأل بنتي يا تفيدة، ما تتدخليش.
تفيدة خافت وكشت في نفسها، وبصت لثريا بغل مكبوت. وثريا بصت لها بشماتة ورجعت بصت لأبوها وقالت له: طبعًا يا أبّه أنت كان على يدك كل اللي حصل لسليمة من حماتي، ولما طلعتها من هنا بهدمتين مقرحين من كتر شغل الدار، ولولا ولاد الحلال اللي وقفوا لها ما كانت خدت قرش صاغ من حقها.
الجابري: وهي دي حاجة تتنسي برضه؟
ثريا وهي رافعة حاجبها بتحدي: وطبعًا يا أبّه أنت عارف إني في جوازتي الأولانية حملت بس ما حصلش نصيب إن حملي يكمل.
الجابري: أيوه، ربنا يعوض عليكي.
ثريا: يعني إني مش معيوبة ولا عاقر زي ما حماتي كل شوية تلقح عليا بكلامها كل ساعة والتانية؟
الجابري بص لتفيدة بتوعد وقال: وإيه تاني يا ثريا؟
ثريا: من ساعة ما ابتدت تتلفع بلسانها وتنغص عليا كل ساعة والتانية، وأنا عرفت إنها ناوية تعمل معايا زي ما عملت مع الغلبانة التانية. بس نسيت إني بنت الجابري، وإني ماحدش أبداً يقدر يجور عليا. فكل اللي حصل إني أخدت احتياطي. وأهو اللي عملت حسابه حصل النهاردة.
الجابري بفضول: وإيه اللي حصل النهاردة؟
ثريا قامت وقفت وحطت إيديها الاتنين في وسطها وقالت: طردتني أنا والسيد من الدار، فعرفتها إنها ماينفعش تطردني من ملكي.. أبقى أنا غلطانة يا أبّه؟
الجابري: لا مش غلطانة.
ثريا بشماتة: قول لها أحسن مش عاجبها.
الجابري بص لتفيدة اللي قاعدة مذهولة من الكلام اللي ثريا بتقوله وهتموت من الغيظ إنها مش عارفة ترد عليها وقال لها: وإيه اللي مش عاجبك في كلام بنتي بقى يا تفيدة؟ يعني مش كتر خيرها إنها أوياكي في دارها، كمان عاوزة تطرديها هي وجوزها من ملكها؟
تفيدة هنا ما استحملتش وراحت مصوتة وقايلة: يا لااااهوي! الحقونا يا ناس! الحقونا يا عالم! الحقونا يا خلق يا هوووه!
الجابري قام وقف وقال لها بحدة: انكتمي يا ولية انتي، وعلى الله أسمع حسك.
تفيدة وهي بتندب حظها: بقى بتنصر بنتك عليا يا جابري وهي سارقة داري؟
الجابري قرب منها بعنف ومسكها من هدومها وقال لها: أنا بنتي ما بتسرقش يا تفيدة، انتي اللي غدارة وهي كل اللي عملته إنها أمنت روحها وجوزها منك.
إبراهيم قرب من الجابري ومسك إيده يبعدها عن تفيدة وهو بيقول له: بقى هي دي المرجلة؟ انت بتمسك في أمي يا عم جابري.
الجابري بسخرية: أمك؟ دي أم أربع وأربعين.
إبراهيم باعتراض: ما يصحش يا عم جابري.
في الوقت ده دخل السيد وشاف اللمة اللي الناس ملموماها قدام الدار، بس خايفين يتدخلوا أحسن الجابري يعمل حاجة في حد فيهم. فسابهم ودخل على الدار وأول ما شاف مسعود قاعد بهدوء والجابري بيتكلم بحدة مع إبراهيم، بص لثريا وقال لها بهدوء: رجعي الدار لأمي يا ثريا.
الجابري بحدة: ترجعها لأمك وأمك تطردكم في الخلا يا سيد؟
السيد: وانت ما يرضكش يا عم جابري إن أمي تترمى في الخلا بعد العمر ده كله؟ ثم الدار دي بتاعتي أنا وإخواتي، وكتبناها لأمي عشان ما تتهانش في آخر أيامها، وما ينفعش اللي ثريا عملته ده من ورايا.
إبراهيم بص لأمه باستغراب وقال لها: يعني السيد ملوش دعوة بالحكاية أهو يا أمة؟ أومال بتقولي ليه إنه متفق مع مراته؟
تفيدة: متفق ولا مش متفق، الدار ترجعلي ويغور هو وهي من هنا، مش عاوزة أشوف خلقتهم هنا في الدار.
الجابري: طب اسمعي بقى يا تفيدة، الدار دي، دار بنتي ثريا، وهي سامحالك تفضلي هنا لو هتقعدي بأدبك. غير كده، أرض الله واسعة، الحتة اللي تعجبك اقعدي فيها.
تفيدة بغل وهي بتكلم السيد: عاجبك عمايل مراتك يا سبع؟ عاجبك لما خدت الدار اللي حيلتنا وهتبيتنا كلاتنا في الخلا؟ بقى أنت راجل انت؟ اخصي عليك وعلى عينتك من دون الرجالة. إتفووو.
السيد بص لأمه بزعل وبعدين بص لثريا بخيبة أمل وقال: أنا فايت لكم البلد كلها وماشي، وانتوا اصطفوا مع بعض. ودخل على المندرة بتاعته وقعد يلم في حاجته. فثريا دخلت وراه وقالت له بمحايلة: هتروح فين بس يا سيد؟ ده أنا عملت كل ده عشانك، عشان كنت عاملة حساب اليوم اللي هتطردنا فيه، وأهو كل حاجة حصلت قدامك، ما أنت شفت بعنيك وسمعت بودانك كل حاجة.
السيد بزعل: ما توصلش أبداً للي عملتيه يا ثريا، انتي خيبتي أملي فيكي.
ثريا: طب أنا عندي حل يريح أمك ويريحنا إحنا كمان، بس تفضل معايا وما تروحش في حتة.
السيد التفت لها بفضول وقال لها: حل إيه ده بقى بعد اللي هيحل كل حاجة ده؟
ثريا: إن كل حاجة ترجع زي الأول.
السيد بفضول: يعني هترجعي الدار لأمي؟
ثريا: لا، الأرض والدار ترجع باسمكم كلكم من تاني، على الأقل.. تبقى عارفة إن مش من حقها إنها تطردنا برة الدار تاني مرة. وعشان كمان ما تزوش إخواتك يطلعوك من الأرض اللي أنت مضيع عمرك كله وصحتك فيها وعليها.
السيد قعد على السرير وبص لثريا بزعل وقال لها: وإزاي هنآمن لبعضينا من تاني بعد اللي حصل ده يا ثريا؟
ثريا قربت من السيد وقالت له بحب: انت عارف إني بحبك وما أقدرش أستغنى عنك يا سيد، ومن ساعة ما عملت اللي عملته..
كنت عارفة إن كل ده هيحصل، بس من الأول وأنا نفسي إن كل حاجة ترجع لأصحابها. عشان أمك تبطل عمايلها دي شوية يا سيد. أمك كانت بتطردنا النهاردة من الدار، وبكرة تطردك من الأرض. إنما لما تبقى قاعد في ملكك وبتشتغل في أرضك، يبقى ماحدش له عندك حاجة. سوا أنا اللي على ذمتك ولا غيري يا سيد. المهم أبقى حاسة إني عملت معاك حاجة حلوة تفتكرني بيها العمر كله.
و بعدين كملت بدموع و قالت: ما أنت شفتها كانت عاملة فيا إيه النهاردة على دخلك من برة. ولولاك يمكن كانت فطستني ولا خنقتني.
و بعدين بصت له بمسكنة و قالت له: ما تسيبنيش يا سيد. بالله عليك ما تسيبني.
السيد اتنهد و قام و طلع برة. بص لأمه و قال لها: ثريا هترجع الدار.
تفيدة فرحت و قالت: أيوه طبعًا. ما هي كان لازم ترجعها لي. أومال إيه.
السيد: مش هترجعها لك يا أمي. الدار والأرض هيرجعوا باسمي أنا وإخواتي من تاني. وأنتي معانا طبعًا. بس كل واحد بنصيبه. قلتي إيه؟
تفيدة بغضب: إيه الكلام الفارغ ده؟ إزاي يعني؟ الدار والأرض دول ملكي أنا. يعني إيه يتقسموا عليكم؟ هي لعبة عيال ولا إيه.
السيد بحزم: خلاص. زي ما تحبي. يبقى الدار هتفضل باسم ثريا. وأنتي تقعدي معانا وتآنسي وتشرفي.
تفيدة بغضب: أنت هتضفني في بيتي يا ابن المركوب أنت والحرامية مراتك.
الجابري قام اتنفض من تاني و قال لها بزعيق: لمي لسانك الزفر ده يا ولية أنت أحسن لك. بدل ما أقطعهولك نساير وأكله للكلاب.
السيد بمحايلة: معلش يا عم الجابري. سيبني أنا وأمي نتحدث سوا.
الجابري قعد و بص لتفيدة بتهديد و قال بحزم: اتحدثوا زي ما أنتو عاوزين. بس بالأدب.
السيد بص لتفيدة و قال لها: ها يا أمي. قلتي إيه؟ نقسم الدار والبيت زي ما كان وتبقى القسمة بيني وبين إخواتي. ولا تفضل الدار كلها باسم ثريا والأرض باسمك.
تفيدة: الدار بس اللي تتقسم. لكن الأرض لأ.
السيد بتصميم: يا كله يتقسم. يا مافيش قسمة يا أمي.. قلتي إيه.
إبراهيم بص لأمه و قال لها: اسمعي كلام السيد يا أمي. وأهو هيبقى حقنا ورجع لنا.
تفيدة بغيظ وهي بتضرب بكفوفها على رجلها: ماشي يا سبع الرجالة أنت وهو. رجعوا القسمة زي الأول. أما نشوف آخرتها هتبقى إيه.
في الفيوم… في بيت عبد العزيز. أول ما دخل رحيم من الباب ومعاه ناهد اللي ماسكة فهمي في إيدها وعمالة تلاعبه وتضحك معاه. وفهمي كان متأخد من المكان وخصوصًا إنه لوحده من غير أبوه وأخته. بصوا لقوا عبد العزيز قام وقف وفتح دراعاته الاتنين لفهمي بتهليل وفرحة وهو بيقول: أهلاً بيك يا حبيب جدك. نورت بيت جدك والفيوم كلها.
فهمي جرى على حضن عبد العزيز بفرحة و قال له: ازيك يا جدو.
عبد العزيز قعد وأخده على رجله و قال له: أنا كويس يا قلب جدو. وهبقى كويس أكتر وأنت هنا في حضني. وبعدين بص لرحيم وقال له باستغراب: الله. أومال ماجبتوش فاطمة كمان معاكم ليه؟
ناهد بسعادة: هنجيبها معانا وإحنا راجعين بالعروسة يوم الخميس إن شاء الله.
عبد العزيز: طب ما كانت جت مع فهمي.
رحيم: ده هادي ساب لنا فهمي بالعافية.
عبد العزيز: وليه بقى؟ هو ناسي إنهم من حقنا زيه بالظبط ولا إيه.
ناهد بهدوء: له حق يقلق عليهم يا بابا. ده لو عارف إن حضرتك هتحمي فهمي بقلبك وروحك. ما كانش اتطمن عليه معانا أبدًا.
رحيم بص لناهد بابتسامة وانبسط إنها بتحنن قلب عبد العزيز على عبد الهادي.
عبد العزيز: طب هو أنا يعني هعرف أحمي فهمي ومش هعرف أحمي فاطمة.
ناهد: لا مش كده. أنا اللي قلت أسيب فاطمة المرة دي عشان ما أغيبهاش من المدرسة كتير وكفاية عليها غياب الأسبوع اللي جاي.
عبد العزيز بفرحة: هي هتفضل معانا الأسبوع اللي جاي كله هنا.
رحيم بسعادة على سعادة أبوه: أيوه يا حاج إن شاء الله. وكمان أول ما هفوق من حكاية الجواز دي. هبتدي أضبّط لهادي في البيت بتاعه. عشان أحفزه إنه ييجي هنا على طول.
عبد العزيز وهو بيحضن فهمي بمرح: أنا النهاردة عازمكم كلكم على العشا على كنتاكي. احتفالاً بالأستاذ فهمي اللي نورنا وهينام في حضن جدو الليلة دي.
ناهد باعتراض وهي باصة لفهمي بحب: لا. مافيناش من كده. فهمي مش هيفارق حضني. أنا خلاص حجزت الأول.
عبد العزيز بص لبنته بحزن و قال لها بتنهيدة: سامي بعتلك ورقتك النهاردة يا ناهد.
ناهد بصت لأبوها بابتسامة حزن و قالت له: الحمد لله. بالله عليك تطلع لي صدقة يا بابا.
عبد العزيز باستغراب: من غير ما تقولي يا بنتي. ربي العالم على طول بطلع باسمك واسم إخواتك كلهم. حتى نادية الله يرحمها.
ناهد: أنا عارفة يا بابا. بس عاوزاك تطلع صدقة باسمي وعلى نية نذري بتاعي.
عبد العزيز بفضول: وكنتي نذرة إيه يا بنتي.
ناهد: إن ربنا يفك كربي مع سامي. وأنا شايفة إن الطلاق ده كان ساعة استجابة من ربنا. وبعدين بصت لأبوها بحزن وقالت له… ماحدش فيكم يعرف سامي كان بيعمل معايا إيه ولا بيعاملني إزاي. أنا عشت معاه سبع سنين من أسوأ سنين حياتي كلها.
عبد العزيز بغضب: كان بيعمل فيكي إيه؟ كان بيضربك؟ مد إيده عليكي؟
ناهد بحزن: يا بابا أحيانًا الكلام بيأذي أكتر من الضرب بمراحل.
وبعدين ضحكت وقالت: وسيبوكم بقى من الكلام ده. إحنا عاوزين نحتفل بفهمي. انده للبنات بسرعة يا رحيم عشان يتعرفوا على ابن عمتهم.
يوم الأربع عند سليمة. البيت كان خلية نحل. وماكانش مكفي الناس اللي جواه. بيت مدبولي ما كانش كبير. لكن كل ستات وبنات البلد كانوا بيجاملوا سليمة. كان فيهم كتير أوي فرحان لها من قلبه وبيتمنى لها الخير والسعادة. وبطبيعة الحال كان في اللي مستكتر عليها الخير اللي ربنا بعتهولها من أوسع أبوابه. لكن كانت السمة السائدة هي الفرحة. وماكانتش بتعدي دقيقة من غير الزغاريد ما ترن في الجو.
بعد أذان الضهر وصلت عربية رحيم وعربية سلوان قدام بيت عبد الهادي اللي استقبلهم بترحاب شديد جدًا.
رحيم كان في عربيته مع عبد العزيز وسلوان كانت معاها ناهد. وواحدة ست ومريم ونورا وكمان فهمي اللي كان طول الطريق قاعد في حضن ناهد. وأول ما نزل من العربية جرى على أبوه بسعادة وفرحة. عبد الهادي لقى فهمي لابس هدوم جديدة وحالق شعره وحاطط برفان وشكله جميل جدًا. فعبد الهادي قال له بمرح: إيه الحلاوة دي كلها.
فهمي بفخر وهو بيلف حوالين روحه بسعادة: خالتو ناهد هي عملت لي كل ده.
عبد الهادي بص لناهد بامتنان وقال لها: كتر خيرك. أنا متشكر أوي على كل اللي عملتيه مع فهمي.
ناهد بابتسامة رقيقة: أنا ما لحقتش أعمل حاجة. كان نفسي تبقى الفترة أطول من كده.
رحيم بحمحمة وهو بيشاور على سلوان: دي بقى تبقى سلوان مرات رامي أخويا يا هادي.
عبد الهادي: أهلاً يا مدام سلوان.. نورتينا ونورتي البلد كلها.
سلوان بود: ده نورك. والبلد منورة بأهلها.
رحيم بص لناهد وقال لها: طب يالا بينا ولا إيه.
عبد الهادي باستغراب: على فين.
رحيم شاور على الست اللي في عربية سلوان وقال: هنروح لسليمة نوصل لها الناس والحاجة وهنرجع تاني.
عبد الهادي: تمام. والجزارين ابتدوا من بدري ورا البيت. والطباخ بينصب الحاجة بتاعته أهو هو والمساعدين بتوعه.
رحيم بص مطرح ما عبد الهادي شاور له لقى حاجة زي خيمة كبيرة. وفيها ناس كتير شغالة بتعمل أكل. فقال لعبد الهادي وهو بيطبطب على كتفه بحب: تعيش يا هادي.
عبد الهادي: طب يالا اتوكل على الله وأنا في انتظاركم.
رحيم بص لعبد العزيز وقال له: ها يا حاج هتيجي معانا ولا هتفضل هنا.
عبد العزيز: هاجي أسلم على سليمة وأرجع معاك.
وركبوا كلهم العربيات من تاني. وعبد الهادي لقى فهمي جرى على ناهد ركب من تاني على رجلها وهي حضنته بفرحة. وراحوا على بيت سليمة.
طول الطريق كانت سلوان وناهد عمالين يضربوا كلاكسات ويهيصوا وناهد بتزغرط هي والست اللي معاهم. لحد ما وصلوا لبيت سليمة.
رحيم وقف من برة وقال بصوت عالي: السلام عليكم. يا شيخ مدبولي.
جت نبوية من جوة على صوته وأول ما شافت عبد العزيز ورحيم. قعدت تزغرط ورحبت بيهم ودخلتهم هم وكل اللي معاهم. فعبد العزيز سأل على سليمة لقاها جاية عليهم وهي لابسة عباية من اللي رحيم جابهم لها واترمت في حضنه.
عبد العزيز: أهلاً بعروستنا الحلوة. ألف مبروك يا بنتي.
سليمة بحب: تسلم يا خال. الله يبارك فيك.
ناهد سلمت على سليمة وعرفتها على سلوان اللي سلمت عليها بحرارة. وبعدين ناهد قالت لسليمة بشقاوة: مش هتسلمي على رحيم يا سليمة ولا إيه.
سليمة هزت راسها لرحيم بخجل وقالت له: ازيك يا سي رحيم. وأخدت بالها من فهمي ومعاه بنتين شكلهم قريب أوي من بعض. ففتحت دراعاتها لفهمي وقالت له بفرحة: فهمي.. وحشتني يا فهمي. وبعد ما سلمت عليه بصت لنورا ومريم وقالت بابتسامة: ومين القمرتين دول.
رحيم بابتسامة وهو بيشاور على كل بنت باسمها: دول بناتي يا سليمة. دي نورا ودي مريم.
سليمة بحب: يا حبايبي. ربنا يخليهم لك يا سي رحيم. وعقبال ما تفرح بيهم.
عبد العزيز: قول لي يا سليمة. مش محتاجة أي حاجة يا بنتي.
سليمة: تسلم لي يا خال. خيرك مغرقني.
عبد العزيز وقف وقال: طب إحنا هنسيبك بقى تفرحي وتزقططي مع الستات والبنات ونشوفك بكرة على خير. وشاور على سلوان وناهد وكمل كلامه وقال…
و هنسيب معاكى اخواتك البنات.
و بعدين بص لناهد و قال:
اي حاجة تحتاجوها كلمينى على طول يا ناهد.
ناهد: حاضر يا بابا.
رحيم كان هياخد معاه الولاد الصغيرين، بس سليمة قالت له:
سيبهم و ما تقلقش عليهم، هينبسطوا اوى معانا.
رحيم انبسط انها طلبت منه كده، و قال لها:
ماشى، خلوهم معاكم.
ناهد: و خلى فهمى كمان، و اول ما فاطمة ترجع من المدرسة ابعتهالنا على هنا على طول.
البلد كلها كانت هايصة بسبب ان عبد العزيز قرر انه يعزم الكل على الاكل.
و بعد صلاة العشاء، كان معظم رجالة البلد عند دار عبد الهادى و الستات عند دار مدبولى.
و الطباخين عمالين يطلعوا اكل للرجالة و يبعتوا اكل للستات.
و عند سليمة، الست اللى كانت مع ناهد و سلوان كانت كوافيرة.
ناهد و سلوان اتفقوا معاها انها تفضل مع سليمة لحد ما يرجعوا الفيوم، و انها برضة هتبقى معاها قبل الفرح التانى اللى هيبقى هناك.
يوم الخميس عند تفيدة، كان مسعود اخو ثريا، اخد الحجة بتاعة الدار و الارض.
و عمل عقود جديدة باسم السيد و اخواته.
و برضة قدر بمعارفة فى الشهر العقارى انه يسجل كل حاجة بسرعة.
و تفيدة صممت انها تتقسم فى المعايش عن السيد و ثريا.
يعنى تاكل و تشرب و تعمل كل حاجة بعيد عن السيد و مراته.
و ما بتتكلمش معاهم، و لا بيتكلموا معاها رغم انهم عايشين مع بعض تحت سقف بيت واحد.
يا دوب السيد لما بيشوفها بيرمى السلام، بس هى ما بتردش عليه.
و فى يوم فرح سليمة، ثريا لبست عباية ملونة و حطت طرحتها على راسها.
و قالت للسيد انها هتروح تبارك لسليمة.
و خرجت من الدار و هى بتبص لتفيدة بكيد و راحت تحضر الفرح اللى ما اتعملش زيه ابدا فى البلد قبل كده.
عبد الهادى كان معلق كهارب من مدخل البلد لحد بيت مدبولى.
و رحيم كان جايب فرقة مزمار عشان تزفه مع سليمة من بيت مدبولى لحد بيت عبد الهادى اللى العربيات كانت راكنة عنده.
و اول ما كتبوا الكتاب بعد العصر، ابتدا المزمار يشتغل و الرجالة ترقص و تهيص.
لحد ما الزفة ابتدت قبل المغرب بحوالى ساعتين.
خرجت سليمة بفستانها و مكياجها الرقيق جدا.
و اللى اول ما رحيم شافها قام باس راسها و مسك ايدها.
و ابتدت الزفة اللى كل البلد كانت بتتفرج عليها و هم بيهيصوا و بيغنوا.
لحد ما وصلوا للعربيات.
و ركبت سليمة فى الكرسى اللى جنب رحيم بعد ما سلمت على مدبولى و نبوية اللى وصوا عليها رحيم و ودعوها بدموعهم.
و ركبت معاهم سلوان و ولاد رحيم.
و ركب عبد العزيز فى عربية سلوان و ساقها هو.
و ركب معاه عبد الهادى و ولاده و ناهد و الكوافيرة.
و مشيوا على الفيوم عشان يستعدوا للفرح الكبير تانى يوم.
رواية سليمة الفصل الثامن 8 - بقلم ميمي عوالي
في سيارة رحيم، كان رحيم مشغل الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وكان هناك صمت شديد بين الجميع. سليمة كانت مكسوفة جدًا وفي نفس الوقت خائفة جدًا لدرجة الرعب، حاسة أنها اقتلعت من جذورها التي ما كانت موجودة من الأساس. لكن كان عندها رهبة شديدة من أنها رايحة تعيش مع ناس غرباء عنها رغم أنهم أهلها الحقيقيين.
كانت تختلس النظر لرحيم وهو يسوق وعلى وجهه ابتسامة هادية. كانت ترتاح وتتطمن لما بتشوف ابتسامته دي. لكن أول ما تلتفت ناحية الطريق من تاني وتلاقي روحها بتبعد عن البلد اللي عاشت طول عمرها جواها، كان بيبقى القلق حليفها.
رحيم كان مبسوط وحاسس أنه حقق حلم من أحلامه اللي عمره ما اتخطى شهر واحد. لما قعد يحسبها مع نفسه، لقى أنه لما شاف سليمة أول مرة كان يا دوب من ثلاث أسابيع. وقتها ما كانش يتخيل أبدًا أنها ممكن تبقى مراته في الوقت القصير ده. يمكن حب حنيتها على فهمي، واتعاطف معاها لما عرف حكايتها من عبد الهادي، لكن ما قدرش ينكر أن قلبه دق لها أول ما شافها. دق لبساطتها، لعيونها اللي حس أنهم مليانين رضا وغرقانين في الحب، حب لكل حاجة حواليها. يمكن ما كانتش بالجمال الصارخ اللي يخلي الراجل يقع في غرامها من أول نظرة، لكن ما قدرش يوصف وشها وملامحها إلا بأنها كانت صبوحة الوجه، وكان الوصف ده في حد ذاته بيزرع ابتسامة واسعة على وشه مليانة بالرضا.
أما سلوان، واللي كانت قاعدة ورا جنب نورا ومريم اللي ناموا من كتر التعب، فكانت قاعدة محرجة وحاسة أنها عزول بين العرسان. افتكرت لما ناهد اتحايلت عليها إنها هي اللي تركب مع رحيم وتاخد بالها من نورا ومريم، عشان تفضل هي مع ولاد نادية. وأقنعتها إن ما ينفعش في اليوم ده بالذات تبعد ولاد رحيم عنه. فقررت تغمض عينيها وتتظاهر بالنوم، يمكن ده يخليهم ياخدوا راحتهم أكتر. ولما غمضت عينها سرحت في رامي جوزها.
هي ورامي اتعرفوا على بعض من أيام الجامعة وحبوا بعض جدا. ولما خطبها واتعرفت على أهله حبتهم كلهم إلا سهير اللي كانت وقتها متجوزة رحيم واللي كانت دايما تتعامل بعنجهية على عكس طبع سلوان اللي كانت بتحب البساطة في كل شيء. رغم إنها هي كمان بنت عيلة غنية جدًا، وكانت ولا زالت ما بتحبش تتعامل من قريب مع ليلى مراة ربيع، اللي دايما بتحس إنها هي وجوزها عندهم الفلوس والمظاهر أهم من البني آدمين نفسهم. وبرغم إن رامي دايما بيتأثر برأي ربيع في حاجات كتير، بما إن رامي كان الطفل المدلل دايما وكان دايما ربيع هو الابن الكبير اللي كان دايما بيعتبر مثل أعلى لرامي، إلا أن رامي كان برضه بيحب أبوه وإخواته. عاوز ينجح ويوصل، ودائما حاطط في اعتباره إن أبوه دايما في ضهره. لكن اهتمامه بأخواته زاد بسبب سلوان، هي اللي قربته من باقي أخواته. سلوان كانت بنت وحيدة أبوها وأمها، وكانت دايما بتتمنى يبقى ليها أخوات. وعشان كده فرحت إن رامي له أخوات كتير. لكن انصدمت بالواقع أما عرفت وفهمت إن مش شرط يكونوا الأخوات دايما في ضهر بعض. فقررت إنها تبقى دايما في ضهر رامي وتساعده إنه يقرب من أخواته، لعل وعسى كله يبقى تمام.
أما في العربية التانية، فكان عبد العزيز بعد ما ساق شوية حس إنه مش قادر يتابع الطريق. فعبد الهادي ابتدى يسوق مكانه. وكانوا طول الطريق بيتكلموا في مواضيع عامة، وأحيانا ناهد وفاطمة يدخلوا معاهم في الكلام وأحيانا لا. وفهمي زي عادته في الفترة الأخيرة، كان نايم في حضن ناهد وعلى رجليها. وأما عبد الهادي طلب منها تقعده جنبها، فهمي كلبش فيها بإيديه ورفض إنه يسيبها، كأنه حس أن ربنا عوضه عن أمه بناهد.
وفضلوا لحد ما وصلوا الفيوم. عبد الهادي نزل الكوافيرة عند أول البلد. وبعد كده وصلوا هم كمان. وكلهم نزلوا من العربيات. وسليمة اتفاجئت برحيم بيفتحلها الباب بتاعها وبيساعدها على النزول. ومسك إيدها عشان يدلّها على الطريق. وطلب من سلوان إنها تاخد بالها من نورا ومريم وتدخلهم البيت.
وعبد العزيز عزم على عبد الهادي إنه يدخل معاهم. لكن رفض وشكر عبد العزيز وقال له: "معلش يا حاج اعذرني. كفاية الولاد، وأنا هتصرف اليومين دول." وساب فاطمة وفهمي مع ناهد وراح يشوف أوتيل يبات فيه.
رحيم وصل سليمة لحد ما قعدها على كرسي في الهول بتاع البيت، وقال لها بصوت مسموع: "نورتي بيتك يا عروسة."
سليمة وهي بتلعب بإيديها في فستانها: "البيت منور بأصحابه."
ولما الكل وصل لجوة البيت، عبد العزيز قال بتهليل لسليمة: "نورتي بيتك وبيت خالك يا سليمة. ألف مبروك يا بنتي."
سليمة بخجل: "الله يبارك لي فيك يا خال."
عبد العزيز: "يالا يا رحيم، خد سليمة على أوضتها، زمانها تعبت من طول المشوار. أنا عاوزها بكرة بدر منور في الفرح."
رحيم مسك إيد سليمة بالراحة وقال لها: "يالا بينا." وأخدها وطلع على فوق. وناهد قعدت تزغرد وهي طالعة وراهم على السلم. وسلوان قعدت تغني لهم بمرح لحد ما وصلوهم أوضتهم. وبعد كده سلوان وناهد أخدوا الولاد الصغيرين، ودوهم أوضهم ونيموهم في سرايرهم. لكن طبعًا فهمي وفاطمة باتوا في حضن ناهد عشان ما يخافوش لوحدهم.
وسلوان دخلت أوضة رامي القديمة. كلمت رامي طمنته إنهم وصلوا بالسلامة. وبعد كده استسلمت للنوم.
أما عند رحيم، أول ما دخل الأوضة، نور النور وشاور لسليمة بإيده إنها تدخل وقال لها: "اتفضلي.. دي أوضتنا."
سليمة دخلت بوجل وهي بتتلفت حواليها بتتفرج على المكان بقلق. رحيم قفل الباب وجه من وراها مسكها من كتفها لفها ليه عشان يبقى وشها قصاده. وشدها ناحية السرير وقعدها عليه وقعد جنبها. ومسك إيدها بين إيديه وقال لها: "أنا عارف إنك قلقانة، ويمكن كمان خايفة. وعارف إنك حاسة إنك زي اللي اتاخدتي من الدار للنار، وإنك ما لحقتيش تعرفي عني حاجة. بس أنا عاوز أتفق معاكي اتفاق."
سليمة رفعت عينها وبصت له بانتباه. فقال لها: "إحنا الليلة دي.. نصلي ونتعشى. وبعد ما نتعشى هقعد أحكيلك كل حاجة عني على قد الوقت ما هيسعفني. وبعدين ننام عشان نصحى بكرة إن شاء الله ونستعد للفرح.. إيه رأيك؟"
سليمة: "وإيه لزمته فرح تاني؟ مش كفاية الفرح اللي اتعمل في البلد؟"
رحيم: "لا، الفرح اللي اتعمل الليلة دي كان عشان أهل البلد كلهم هناك يعرفوا إنك لقيتي أهلك، وإنك خلاص بقيتي بتاعتي. لكن الفرح هنا.. كل الناس لازم تعرف إني اتجوزت، وإننا لقينا بنت عمتي رقية الله يرحمها. الموضوع ده هيفرق كتير مع خالك."
سليمة هزت راسها بتفهم.
فرحيم قال لها: "طب أنا هسيبك تغيري هدومك براحتك. الدولاب مليان لبس ليكي أشكال وألوان. يارب ذوقي أنا وناهد يعجبك. وأنا هنزل أجيب لنا عشا من تحت وأجي."
سليمة وقفت بسرعة وقالت: "يا خبر! بقى إنت اللي هتنزل تجيب الأكل؟ لا طبعًا، استريح أنت وأنا هنزل أجيب لك اللي إنت عاوزه."
رحيم بابتسامة: "معلش، سيبيني أنا النهاردة أتصرف. وأنتي غيري وتوضي على ما أجي.. اتفقنا؟"
سليمة باستسلام: "حاضر."
رحيم نزل وسابها براحتها شوية. ولما راح المطبخ لقى مسعدة محضراله صينية عشا ومغطياها. فقعد دخن سيجارة الأول. وبعدين أخد الصينية ورجع طلع من تاني عند سليمة. لقاها غيرت هدومها ولبست إسدال صلاة ومستنياه. فدخل هو كمان غير وتوضى وصلوا ودعوا. وبعدين خدها قعدها قدامه وقال لها: "يلا ناكل بقى."
وأثناء ما هم بياكلوا رحيم قال لها: "أنا على فكرة عندي اتنين وتلاتين سنة، ومعايا بكالوريوس زراعة. وإنتي اتعلمتي لحد فين؟"
سليمة بخفوت: "معايا دبلوم تجارة."
رحيم: "برافو عليكي."
سليمة باستغراب: "بجد؟"
رحيم: "إيه اللي بجد؟"
سليمة: "يعني مش حاسس إن في فرق في التعليم ما بينا؟"
رحيم بابتسامة: "لا.. مش حاسس. وعمومًا أنا طول عمري عندي رأي لوحدي في حكاية التعليم ده."
سليمة بفضول: "رأيك إيه ده؟"
رحيم: "إن الشهادات مش أكتر من حظ، والشهادات مش أكتر من ورقة. يمكن تمن الحبر اللي عليها أغلى منها."
سليمة: "مش فاهمة."
رحيم: "أفهمك. يعني مثلا، ممكن تلاقي حد معاه ابتدائية ولا اعدادية وما كملش تعليم بعد كده، وتلاقي دماغه دي ألماظ. بس يمكن الظروف أو يمكن أي حاجة منعته إنه يكمل تعليمه. وممكن تلاقي واحد تاني بفلوس أبوه أو بالواسطة وصل إنه يبقى معاه بكالوريوس أو ليسانس وهو ما بيعرفش يكتب اسمه. وممكن تلاقي واحد متفوق جدًا، وجه في الثانوية العامة حصل غلط في التصحيح أو أي حاجة غيرت مسار مستقبله تمامًا. آه في ناس كتير بتاخد حقها وتمشي في طريقها اللي راسماه لروحها، لكن الغالبية العظمى، بيبقوا زي اللي راكبين مركب وريس المركب كل شوية يمد إيده يرمي واحد فيهم في ناحية، وهو ونصيبه بقى.. فاهمة قصدي؟"
سليمة هزت راسها بأنها فاهمة.
فرحيم كمل وقال لها: "طبعًا انتي عارفة إني كنت متجوز وطلقت.. كانت بنت عمي، يعني برضه بنت خالك زيي كده."
سليمة بصت له باستغراب وبعض الخوف.
لكن رحيم كمل كلامه وقال: "اتجوزتها من حوالي تمن سنين. الحاج رشحهالي بعد موت عمي على الله يرحمه. وأنا ما اعترضتش. لكن خلافاتنا ابتدت من أول سنة جواز وما وقفتش حتى بعد ما ولدت البنات، بالعكس خلافاتنا زادت، لحد ما هي اللي طلبت الطلاق وصممت عليه. والصراحة أنا كمان ما اعترضتش. وطلقتها من سنة ونص تقريبًا. ومن يومها وبناتي لحد النهاردة ما شافوهاش ولا مرة."
سليمة بتوجس: "بس مش حرام تمنعهم من أمهم؟"
رحيم ضحك أوي وقال لها: "يمكن ما تصدقينيش لو قلت لك إنها ما طلبتش تشوفهم ولا مرة من يوم ما سابت الأوضة دي."
سليمة فجأة اتلفتت حواليها.
فرحيم قال لها: "ما تقلقيش، أنا غيرت الأوضة كلها من يومين بس."
سليمة بكسوف: "أنا ما أقصدش حاجة."
رحيم بابتسامة: "أنا بس حبيت أعرفك. وكمان عاوزك تعرفي إني أنا اللي بـراعي الأرض بتاعتك وبتاعة خالك."
سليمة باستغراب: "الأرض بتاعتي؟"
رحيم: "أقصد بتاعة عمتي رقية الله يرحمها، مامتك. يعني هتبقى بتاعتك، رغم إني لسة ما أعرفش الحاج هيقرر إيه بخصوصها."
سليمة: "أكيد هيقرر شرع ربنا، يعني لازمًا هتتقسم بالشرع."
رحيم: "ربنا ييسر الأحوال. المهم.. أنا اللي براعي الأرض وكمان عامل مزرعة فراخ صغيرة كده تخصني أنا، عملتها من نصيب ورثي من أمي الله يرحمها."
سليمة: "ما شاء الله، ربنا يبارك لك فيها."
رحيم بحب: "ويبارك لي فيكي."
سليمة اتكسفت ووطت عينها في الأرض.
رحيم: "إنتي طبعًا شفتي ناهد. ناهد لسه متطلقة من كام يوم بس و كانت متجوزة سامي ابن عمي واللي يبقى أخو طليقتي سهير."
سليمة بزعل: "لا حول ولا قوة إلا بالله."
رحيم: "أنا هحكيلك على أخواتي كلهم.. اسمعي يا ستي."
وفضل رحيم يحكيلها على أخواته وظروف كل واحد فيهم، لحد ما خلص كلام. وبعدين قال: "أنا يمكن عرفت كل حاجة عنك، لكن فيه سؤال شاغلني ومش عارف إنتي هتعرفي تجاوبيني عليه ولا لأ."
سليمة: "سؤال إيه ده؟"
رحيم: "رغم إن اسمك جديد وغريب، لكن بصراحة يشد كمان. ما تعرفيش إيه سبب الاسم ده؟"
سليمة بابتسامة: "أنا كل اللي أعرفه إن أبويا مدبولي مرة قال لي.. إن أبويا الله يرحمه في مرة قال له.. إن أمي لما كانت بتولدني كانت صحتها تعبانة أوي، وكانت أمي طول حملها كان نفسها تجيب ولد وتسمي سليم. فلما اتولدت أبويا عشان ما يزعلهاش سماني سليمة."
رحيم: "واضح إنه كان بيحب عمتي أوي."
سليمة: "أبويا مدبولي قال لي، إنه كان دايما بيسرح عندنا في البلد قبل ما أمي تموت، وانقطع عنهم فترة، وبعد كده ابتدى يسرح تاني وأنا معاه. بس زي ما يكون بقى واحد تاني. كان بيقول لي إنه كان دايما عيونه مدمعة. ولما كان أبويا مدبولي يقول له إنه لازم يصبر، كان يرد عليه ويقول له إنه صبره عيي وإنه مشتاق يروح لها. لحد يوم ما مات، قعدني بالخرج بتاعه قدام باب الجامع وقت صلاة العصر ومسكنى محفظته القماش في إيديا، وقال لي خدي بالك منها، وما خرجش من الجامع غير على قبره."
رحيم: "والمحفظة دي كان فيها إيه؟"
سليمة بتنهيدة: "بطاقته وشهادة ميلادي وشهادة وفاة أمي الله يرحمها وشوية فلوس، ونوتة صغيرة فيها حسابات الشغل بتاعه."
رحيم: "إنتي فاكرة اللي حصل وقتها؟"
سليمة: "كنت صغيرة أوي، لكن فاكرة أمي نبوية لما خدتني في حضنها وقالت لأبويا مدبولي: خليها معانا ورزقها ورزقنا على الله. ومن يومها بقوا أهلي اللي ما أعرفليش أهل غيرهم. ولما تميت ست سنين قدموني في المدرسة، رغم إن ناس ياما كانوا معارضين أبويا مدبولي في علامي، لكن هو صمم يعلمني، وهو اللي كان بيحفظني القرآن."
رحيم: "ما شاء الله عليكي يا سليمة، ربنا يكرمك. ما تتصوريش أنا سعيد بيكي قد إيه."
سليمة ابتسمت بخجل وقالت: "أول ما أخدت الدبلوم، اتقدملي السيد. يمكن أمه اختارتني وقتها وهي شايفة إني يتيمة وماليش حد ومش هيبقى لي طلبات زي بقية البنات. ومع ذلك وافقت، وقلت أخف الحمل عن أبويا وأمي شوية. واتفاجئت وقتها بأهل البلد كلهم بيجهزوني زي أي بنت اتجوزت، وفرحت وعشت ورضيت بحالي، لكن حالي هو اللي ما رضيش بيه."
رحيم: "صدقيني، ده نصيبنا من عند ربنا."
سليمة: "أيوه، كله خير، وأنا الحمد لله دايما راضية بقضاه."
فرحيم قال لها: "تعالى بقى ننام لنا شوية عشان اليوم بكرة إن شاء الله هيبقى طويل أوي، وإحنا النهاردة تعبنا برضه أوي."
ولما رحيم شاف سليمة متلخبطة، قال لها: "يالا نامي على طول وأنا هصحيكي لصلاة الفجر إن شاء الله."
تاني يوم الصبح، البيت كان عامل زي خلية النحل. نبيلة جت من بني سويف ومعاها جوزها سليم وولادها، واللي كانوا ولد وبنت. الولد اسمه أدهم وكان عمره عشر سنين، والبنت كان اسمها يارا وكان عمرها سبع سنين، وكانوا في مدرسة خاصة. وكمان كان وصل ربيع وليلى ومعاهم ولادهم معتز اللي كان عنده اتناشر سنة ويمنى كان عندها عشر سنين، وكانوا في مدرسة لغات على مستوى عالي جدًا.
وكمان وصل رامي. اتجمعوا كلهم مع عبد العزيز وسلوان اللي استقبلوهم بالترحاب. وشوية ونزل رحيم وهو ماسك سليمة في إيده وابتدوا يعرفوها على الكل.
نبيلة سلمت على سليمة وقالت لها: "حمد الله على السلامة ومبروك."
وسليم قال لها بود: "الحمد لله إن ربنا لم شملنا. وعلى فكرة أنا كمان من العيلة، وأبقى ابن خالتك."
رامي بارك لرحيم وبارك لسليمة وقعد جنب سلوان وهي بتحكيله على الفرح اللي كان في البلد وإد إيه هي مبسوطة إنها حضرت حاجة زي كده.
ربيع كمان وليلى سلموا على سليمة وباركوا لرحيم. وفجأة عينهم جت على فاطمة وفهمي واللي كانوا نازلين من فوق في إيد ناهد وهم شبه مخضوضين من اللمة الكبيرة اللي تقريبًا ما يعرفوش حد فيهم غير جدهم وخالهم وسليمة.
ناهد بتهليل: "إزيكم جميعًا، حمد الله على السلامة يا نبيلة إنتي وسليم."
نبيلة قربت من فاطمة وفهمي وقعدت تنقل عينها بينهم وقالت: "دول ولاد نادية مش كده؟"
ناهد: "أيوه، فاطمة وفهمي."
نبيلة: "سمت فاطمة على اسم ماما."
ناهد: "وفهمي على اسم جدك الله يرحمه."
نبيلة ابتسمت لفاطمة وفهمي وقالت لهم: "أنا خالتو نبيلة، مين هيسلم عليا الأول؟"
فهمي اتكمش في حضن ناهد، وفاطمة بصت لناهد بتساؤل.
فناهد طبطبت عليهم وهي بتزقهم على حضن نبيلة وبتقول لهم: "دي تبقى أخت مامتكم زيي بالظبط، وبتحبكم أوي برضه، سلموا عليها يلا."
نبيلة سلمت عليهم وباستهم ورجعوا لحضن ناهد من تاني.
فناهد راحت بيهم ناحية رامي وسلوان. سلوان صبحت عليهم وباستهم ورامي قعد يبصلهم شوية وهو ساكت وبعدين قال بنبرة حزن: "شبه أمهم أوي."
ناهد قالت بمرح وهي بتبص لفاطمة وفهمي: "وده يبقى خالو رامي، زي خالو رحيم كده، أخو مامتكم برضه، وهيجيلكم حاجات حلوة كتير أوي زي طنط سلوان كده."
رامي مد إيده مسك فاطمة باس إيدها وباسها من راسها وعمل نفس الحكاية مع فهمي.
وناهد خدتهم عشان توديهم ناحية ربيع. فالولاد شافوا سليمة جريوا عليها اترموا في حضنها. وده في حد ذاته خلى رحيم كان هيطير من السعادة. سليمة سلمت عليهم بحب وبعدين رحيم سلم عليهم ورحب بيهم بحب ومرح. وكمان جدهم خدتهم في حضنه. وسابهم من تاني لناهد اللي خدتهم في الآخر خالص ناحية ربيع ووقفت قدامه هو وليلى وقالت: "ولاد أختك يا ربيع."
ربيع كان قاعد من بدري بيدقق في ملامح فاطمة وفهمي وهو عمال يهز رجله بعصبية. ما كانش متصور إن أبوه هيجيبهم عنده بسرعة كده. ولما ناهد جابتهم قدامه ليلى حطت إيدها على رجل ربيع عشان تنبهه إن الكل بيبص عليه ومستني يشوف رد فعله. وسبقت هي جوزها وشدت الولاد باستهم بابتسامة وقالت لهم: "أنا بقى طنط ليلى، مراة خالو ربيع."
ربيع مد إيده طبطب على خد فاطمة وفهمي وبس.
فناهد بصت له بزعل ويأس وخدت الولاد في حضنها من تاني وراحت قعدت بيهم جنب عبد العزيز اللي كان بيتابع تعبيرات وش كل واحد فيهم وهو بيقابل ولاد نادية. ووصل لإن رامي ممكن يتقبل ولاد أخته، وإن سلوان مش هتسيبه لشيطانه. لكن برضه اتأكد إن لسه المشوار طويل أوي مع ربيع ومراته. لف بعينه لرحيم لقى رحيم كمان بيبص له وعرف إن رحيم وصل له نفس الإحساس اللي هو وصل له.
تنهد وقال: "بعد ما نرجع من صلاة الجمعة إن شاء الله كل واحد يشوف هيرتب حاله لليلة دي إزاي، وحضرولنا الغدا بدري عشان ما نتعطلش. واعملوا حسابكم إن عبد الهادي جوز اختكم هيتغدى معانا النهاردة."
ربيع باعتراض: "إزاي يعني يا بابا الكلام ده؟"
عبد العزيز بحزم وهو بيبص له: "مش هنعيده من تاني يا ربيع، خلاص ده بقى واقع لازم الكل يعترف بيه. ومهما إن كان اللي في ضمير كل واحد، إلا إنه هيفضل أبو أحفادي، وهيفضل هو السبب اللي ربنا أيدهولي إني أعترف ببنت عمتكم. ورجع بص لسليمة وقال.. وإنتي يا سليمة؟"
سليمة بصت له وقالت: "أؤمرني يا خال."
عبد العزيز مد لها إيده وقال لها: "تعالى هنا اقعدي جاري."
سليمة راحت قعدت جنبه. فعبد العزيز حضنها وباس راسها وقال لها بحب يغلفه الحزم: "لازم تعرفي إن كل واحد من اللي قاعدين هنا له نايب في البيت ده، لكن انتي ليكي تلات منابات. انتي هنا ليكي نايب جوزك ونايب خالك ونايب أمك الله يرحمها. يعني قاعدة في ملكك قبل ما يبقى ملك جوزك وخالك. الكلام ده مش كلام مجاملة يا بنتي، الكلام ده كلام الحق والشرع. إحنا طول السنين اللي فاتت كنت عشمان إني أعترف بأمك حية ترزق، ما كنتش أعرف أبدًا إنها ماتت، وإن ليها فرع ربنا هيكرمني إني أعترف بيه. وعشان كده ميراثها من جدك زي ما هو باسمها، لكن بمشيئة المولى، أنا هكلم المحامي ينقل لك كل حاجة باسمك."
سليمة ورحيم في نفس الوقت: "لأ."
عبد العزيز بصلهم باستغراب.
فرحيم حمحم بصوته وقال: "معلش يا حاج، أصل أنا وسليمة اتكلمنا في الحكاية دي، واتفقنا إن حق عمتي الله يرحمها يتقسم بشرع ربنا، يعني يتقسم بينك وبين سليم وولاد عمي على الله يرحمه. ويا ريت بعد إذنك يا حاج تقتنع برأينا، عشان ما يحصلش مشاكل."
عبد العزيز: "وإيه المشاكل اللي ممكن تحصل يعني؟"
سليم: "أنا مش عاوز حاجة يا رحيم."
رحيم: "معلش يا سليم، أنا عارف إنك مش باصص لحاجة، بس غيرك باصص واحنا كلنا عارفين ده. خلينا ننفذ شرع ربنا ونريح ونستريح."
سليمة: "معلش يا خال، أنا مش عاوزة حد يكرهني من غير ما يعرفني. أنا أصلًا عمري ما اتخيلت إن يبقى لي ورث ولا إني أعترف بيكم من أصله، فخلينا بشرع الله أحسن."
عبد العزيز بتنهيدة: "سيبونا من الحكاية دي دلوقتي. عمومًا أنا عاوزك تفهمي إنك في ملكك ودي أهم حاجة تهمني."
طول ما كان عبد العزيز بيتكلم، كان ربيع وليلى عمالين يبصوا لبعض وهم ممتعضين جدًا ومش عاجبهم الكلام، لكن طبعًا ما حدش اتجرأ إنه ينطق بكلمة واحدة.
الكوافيرة جت لسليمة البيت وحضرتها للفرح. وسليمة اتفاجئت إن رحيم جايب لها الفستان التاني فخم جدًا، زي اللي كانت بتتفرج عليهم في التليفزيون. انبهرت لجماله وفرحت بيه جدًا. وطول ما كانت بتجهز سلوان وناهد ما سابوهاش. وكانت نبيلة بتنضم لهم في بعض الأوقات، وبعض الأوقات كانت بتروح تتابع جوزها وولاده.
نورا ومريم كانوا فرحانين بالهيصة اللي حواليهم، رغم إنهم كانوا متخوفين إن هيبقى لهم مرات أب. لكن لما كانوا بيجتمعوا مع سليمة، ما كانوش بيشوفوا منها غير المعاملة الطيبة.
في الفرح، كان فيه معازيم كتير جدًا. عبد العزيز كان عازم كل اللي يعرفهم هو ورحيم، وكانت قاعة فخمة كبيرة. أول ما سليمة عينها وقعت عليها وهي داخلة في الزفة اتاخدت، وخافت. وبرغم إن عبد العزيز ورحيم طول الوقت كانوا بيحاولوا يطمنوها، لكن هي كانت حاسة إنها غريبة ووحيدة في وسطهم، ما تعرفش حد. آه كلهم أهلها، لكن تعرفهم مجرد أسماء وبس. ما عاشتش وسطهم، ما تعرفش مين حبها ومين لأ. كانت خايفة ومتخوفة. لحد ما عينها وقعت على الشيخ مدبولي ونبوية، اللي لقت رحيم بيقول لها إن عبد العزيز بعت جابهم بعربية مخصوص، وإنهم هينزلوا ضيوف عندهم لتاني يوم.
نبوية وهي بتسلم على سليمة: "ألف مبروك يا ضنايا، صبرتي ونلتي يا سليمة، ربنا يا بنتي يسعدك ويهنيكي ويخلف عليكي بالخلف الصالح."
سليمة رمت روحها في حضن نبوية وعيطت وقالت: "أما شفتك إنتي وأبويا ردت فيا روحي يا أمة، ربنا ما يحرمني منكم أبدًا."
مدبولي بضحك: "ده إنتي لسه سايبة حضنها امبارح لحقتي توحشك يا سليمة."
سليمة باست إيد مدبولي وهي بتقول له بحب: "ده انتوا كنتوا بتوحشوني وإنتوا نايمين يا أبيه."
مدبولي: "ربنا يسعدك يا بنتي ويطمن قلوبنا عليكي."
إخوات رحيم كانوا فرحانين له. وعبد الهادي ما سابهوش طول الفرح، وكان في قمة سعادته عشان صاحبه. رغم إن من جواه كان حاسس بالغربة زي سليمة، وكان عارف إن ما حدش من ربيع ولا رامي متقبل وجوده، وإن نبيلة بتتعامل معاه بعملية زيادة عن اللازم.
وعلى جنب كان ربيع واقف هو وليلى بيتفرجوا على الفرح وهم راسمين ابتسامة مزيفة على وشوشهم. وليلى بتقول: "أنا مش فاهمة لازمتها إيه كل المصاريف دي؟ مش كان كفاية الفرح اللي اتصرف عليه الوفات هناك في الفلاحين، ولا هي بعزقة فلوس وخلاص؟"
ربيع: "وأي بعزقة، ده الفرح ده لوحده متكلف متين ألف جنيه."
ليلى بخضة: "يا نهار مش فايت، إنت بتتكلم جد؟"
ربيع بتريقة: "مدير الفندق عميل عندنا في البنك، لسه مقابلني من شوية وهو اللي قالي."
ليلى بحنق: "ومش المفروض الفلوس دي فلوسك إنت وإخواتك؟ وبعدين يعني هو أول مرة يتجوز، ما هو اتجوز واحتفل قبل كده. يا خوفى من رحيم ده لا يكوش على كل حاجة بعد كده."
ربيع: "ليلى، أنا قولتلك ستين مرة إن رحيم مش كده."
ليلى بامتعاض: "والله أتمنى. وكمان عاوزين نشوف حكاية سي عبد الهادي اللي أبوك مشربهولنا بالغصب ده."
ربيع بزهق: "أنا عاوز الفرح ده يخلص بقى أنا زهقت."
الفرح خلص، وكله رجع على بيت عبد العزيز ومعاهم الشيخ مدبولي ونبوية. وعبد الهادي صمم يفضل في الأوتيل اللي حجز فيه. واتفق مع عبد العزيز إنه هيستغل الكام يوم اللي قاعدهم في الفيوم إنه هيحاول ينضف ويفرش البيت اللي اشتراه له رحيم، عشان يبقى جاهز في أي وقت إنه ينزل فيه.
وعند رحيم وسليمة، ابتدوا مع بعض حياة جديدة، مليانة أمل بالنسبة لرحيم. أما بالنسبة لسليمة فكانت مليانة غيوم وعقبات.
رواية سليمة الفصل التاسع 9 - بقلم ميمي عوالي
بعد مرور شهرين على جواز سليمة ورحيم، كانت ثريا في دار أبوها وقت العصرية، وكانت قاعدة مع أبوها ومسعود أخوها ومراته ماجدة.
ماجدة: بس انتي جريئة أوي يا ثريا، إزاي ما خوفتيش من إنك تعملي عاملة زي دي، لأ وكمان أخوكي طاوعك، ده أنتو جبروت انتي وأخوكي.
ثريا بعدم اهتمام: وهو أنا كنت عملت إيه؟ ضمنت حق جوزي بعيد عن الحرباية أمه، هو أنا كنت أخدت حاجة لروحي؟
مسعود وهو بيربع رجليه على الكنبة: بس أنا لحد دلوقتي مفهمتش برضه كان لازمته إيه من الأول، ما كده كده كل واحد خد منابه، لا حتة نقصت ولا حتة زادت.
ثريا بتهكم: أصلكم ما تعرفوش تفيدة كانت ناوية على إيه.
ماجدة: كانت ناوية على إيه يعني؟
ثريا بسخرية: قال بسلامتها كانت عاوزة تفرّق الأرض على إبراهيم وإسلام.
الجابري وهو بيضيق بين حاجبيه: جبتي الكلام الأهبل ده منين، وهي تفيدة كانت تستجرى تعمل كده؟
ثريا: سمعتهم بوداني يا ابه.
الجابري بفضول: سمعتي مين يا بت، ما تتكلمي على طول.
ثريا: في يوم كنا قبل أذان الضهر، ولقيت إسلام جاي لأمه وقعدوا يتكلموا ويتودودوا سوا، وبعدين تفيدة بصت لي وقالت لي.
فلاش باك:
كانت ثريا واقفة قدام الوابور بتعمل الشاي لإسلام وهي عينها منهم وهم بيتوشوشوا، ولاحظت إن تفيدة عينها منها، وبعد ما حطت الشاي قدامهم تفيدة بصتلها وقالت.
تفيدة بأمر: اطلعى اكلى الطير.
ثريا بلوع: الطير أكل من بدري يا أمه.
تفيدة بزعيق: اسمعي الكلام يا مزغودة انتي واطلعي وكلي الطير بقول لك.
ثريا بتمثيل: حاضر يا أمه، على عيني، وعملت نفسها طالعة على السطح.
وطلعت لحد فوق، وقالت بصوت عالي عشان تعرفها إنها فعلاً طلعت: الدنيا حر أوي النهاردة.
وراحت قالعة الشبشب بتاعها ونزلت اتسحبت لحد ما وقفت، وبصت عليهم من الطاقة اللي في ضهرهم وهم قاعدين، ولقيتهم بيقولوا:
إسلام: بس كده السيد مش هيسكت يا أمه وهيقول لنا صداع، وكمان إبراهيم مش راضي عن الموال ده.
تفيدة: يرضى ولا ما يرضاش، إني اللي أقول عليه يتنفذ، الأرض تتقسم بناتك انت وإبراهيم، أما يبقى ربنا يرزقه بقى بحتة عيل ابقوا أشركوه فيها معاكم، لكن أرضي تروح لبنت الجابري لأ.
إسلام: طب والدار؟
تفيدة: لأ، سيب الدار دلوقتي، أما نشوف الحدوتة دي هترسي على إيه.
إسلام: وإنتي إيه اللي مكدرك كده وخلى الحكاية دي جت على بالك؟
تفيدة: بنت المركوب اللي فوق دي نبهتني إن عدم الخلفة ممكن يبقى من أخوكي، ما هي سبق لها وحبلت، إنما أخوكي لأ.
إسلام: طب والسيد دري بالموال ده؟
تفيدة: لأ، بس أنا عاوزة أطمن على الأرض، ولو الحكاية دي فضلت على كده يبقى الدار كمان هتحصلها.
إسلام: طب هتقولي إيه للسيد عشان تاخدي منه الورق بتاع الأرض والختم بتاعك؟
تفيدة: اهو ده بقى اللي عاوزاك تفكر معايا نقول إيه واحنا بنطلبهم منه.
إبراهيم: خلاص، سيبيني كده يومين أفكر في حاجة وأقول لك.
تفيدة: أيوه شغل دماغك كده، البت بنت الجابري دي أصلها مش سهلة أبداً ولسانها متبري منها، ولو فكرت أطلقها من أخوكي.. ممكن تدخلنا في مواويل مالهاش أول من آخر.
ثريا: بس.
ونزلت من على السطوح، وعملت إنها بتروق في المندرة وهدوم السيد لحد ما عثرت في الورق والختم.
مسعود: وما قلتيليش ليه يومها على الكلام ده، وليه ما خليتنيش أنقل لك الأرض كمان؟
ثريا: لأني من الأول كنت ناوية ألعبها عشان توافق تقسم الأرض والدار.
الجابري وهو بيهز راسه بفهم: أثاريها كانت موافقة على تقسيم الدار والأرض.
ثريا: أيوه.
ماجدة: طب ما أنتي كنتي ممكن بدل ما تكتبي الدار بس لروحك كنتي كتبتي الأرض كمان.
ثريا: ساعتها السيد كان عمره ما هيصفالي ولا يأمنلي بعدها، مهما أحكيله ولا أقول له على اللي سمعتهم.
مسعود: يعني هو دلوقتي صفالك وصدقك؟
ثريا: السيد طيب والله يا مسعود، هو بس أمه منها لله، وأنا حكيت له على كل اللي حصل، وهو أخد مني الكلمتين وراح سأل إسلام وإسلام مقدرش ينكر، وأنا حلفت له على المصحف إني عملت كده من الأول عشان أحمي له حقه من تخطيط أمه.
ماجدة: ربنا يهديهولك يا أختي.
الجابري: طب وأنـتو عايشين إزاي دلوقتي؟
ثريا: والله يا ابه أنا مستريحة آخر راحة، أينعم برضه بعمل كل شغل الدار زي ما كنت بالظبط، بس على الأقل ارتحت من أوامر تفيدة وتبكيته فيا في الراحة والجايه.
الجابري: طب وموضوع الخلفة، إيه مش فارق معاكي؟
ثريا بابتسامة: ما هو أنا جايه لكم النهاردة عشان كده.
الجابري: كده اللي هو إيه يعني، إيه، هتروحوا للحكيم؟
ثريا: هنروح طبعاً أومال إيه، ما أنا جايه عشان آخد ماجدة تروح معايا، بس عشان يكتب لي على مقويات للحمل.
ماجدة بتهليل: لأ هو انتي حبلى؟
ثريا بفرحة: أيوه، حبلى في شهرين أهوه.
الجابري: مبروك يا ثريا، بس حاسبي على حالك بقى، وخذي بالك من روحك.
ثريا: ماشي، يلا يا ماجدة عشان ما نتأخرش على السيد، مستنينا حدا الموقف.
في بيت عبد الهادي.. كانت فاطمة رجعت من المدرسة بعد ما خلصت آخر امتحان من امتحانات نص السنة، وكانت قاعدة بتلعب مع فهمي، وشوية وعبد الهادي رجع من الدكان وأول ما دخل ضحك وقال لفاطمة:
"آه طبعاً العبي براحتك، ما أنتي خلصتي امتحانات."
فاطمة بسعادة: "وكمان هسافر لجدو وخالتو ناهد."
عبد الهادي وهو بيتصنع الدهشة: "ومين اللي قال بقى الكلام ده؟"
فاطمة بتوجس: "إيه يا بابا، إنت نسيت، إنت اللي قلت لي إن أول ما أخلص امتحانات هتوديني أنا وفهمي نقضي الإجازة عند جدو وخالتو ناهد."
عبد الهادي بعبث: "أنا قلت كده؟"
فهمي بتأكيد: "أيوه قلت، وإحنا كمان حضرنا هدومنا من بدري."
عبد الهادي: "وأهون عليكم تسيبوني كل ده لوحدي؟"
فاطمة بامتعاض: "يا بابا مش إنت خلصت البيت بتاعنا هناك، خلاص، تعالى معانا واقعد فيه."
عبد الهادي: "وهقعد فيه لوحدي أعمل إيه بقى يا ست فاطمة؟"
فاطمة بزعل: "يعني مش هتودينا لجدو؟"
عبد الهادي بابتسامة: "لأ.. هوديكم، بكرة الصبح إن شاء الله خالكم رحيم هييجي عشان ياخدكم."
فاطمة: "طب وأنت.. مش هتيجي معانا؟"
عبد الهادي: "لسه يا فاطمة مش عارف ظروفي، بس يمكن أبقى أجي آخدكم أنا."
في منزل عبد العزيز.. كانوا متجمعين بالليل على العشا، فعبد العزيز قال لرحيم:
"هتروح تجيب ولاد أختك الصبح إن شاء الله زي ما قلت."
رحيم: "آه يا حاج بإذن الله."
سليمة بفرحة: "إنت نازل ميت كنعان بكرة؟"
رحيم بهدوء: "آه، هجيب فاطمة وفهمي يقضوا معانا الإجازة هنا."
سليمة بتردد وهي بتنقل عينها ما بين رحيم وبين عبد العزيز: "هو أنا ممكن يعني أجي معاك؟"
رحيم بابتسامة: "إيه، ميت كنعان وحشتك ولا إيه؟"
سليمة بخجل: "أبويا وأمي وحشوني أوي."
رحيم وهو بيراقب تعبيرات وشها: "ماشي، تعالي معايا، بس مش هنبات هناك، هنروح ونرد على طول."
سليمة بفرحة: "ماشي، أديني أشوفهم وأتطمن عليهم."
ناهد وهي بتلعب بالمعلقة في طبقها: "هو ما ينفعش نحول لفاطمة في مدرسة هنا؟"
رحيم: "ما أعتقدش إن أبوها يوافق."
عبد العزيز: "وهو يعني إيه اللي مقعده هناك، ما خلاص بقى، يرجع الفيوم ويستقر هنا والعيال تتربى وسطنا."
ناهد: "رحيم، الحكاية مش سهلة كده يا حاج، وبعدين ده حضر الأرض عشان يزرعها فاكهة، وصرف عليها ياما، ولسه قدامها كتير على ما ترمي أول محصول."
عبد العزيز: "ابقى أنت بس لمح له بالحكاية دي، وسيبني أنا بعد كده أتكلم معاه لما ييجي."
رحيم وهو بيكلم نورا ومريم: "وإنتوا طبعاً هتهيصوا مع ولاد عمتكم أما يجوا."
مريم: "هم هيقعدوا الإجازة كلها عندنا."
عبد العزيز: "أيوه يا ستي هيقعدوا الإجازة كلها هنا."
مريم: "بس إحنا مش هنبقى طول الإجازة معاهم."
رحيم ضحك أوي وقال: "ليه بقى إن شاء الله، ناويين تقضوا الإجازة في الكاريبي ولا في هاواي؟"
مريم بتردد: "هنقضيها مع ماما وخالو سامي."
رحيم الضحكة ماتت على وشه، وبعدين قال باستغراب: "وإيه اللي فكركم بماما وخالكم دلوقتي؟"
مريم وهي بتبص لعبد العزيز زي ما تكون بتستنجد بيه: "من ساعة الامتحانات ما بدأت وماما وخالو هما اللي بيوصلونا، بعد الامتحان بيقعدوا معانا شوية وبعدين يجيبونا على البيت، وماما قالت لنا إننا هنقضي معاها الإجازة، وخالو سامي هيفسحنا."
رحيم بص لأبوه بجمود، وقام وساب الأكل وراح دخل على أوضة المكتب بتاع عبد العزيز.
سليمة بصت لعبد العزيز لقيته باصص لتحت في وجوم، ولقيت ناهد كمان واضح عليها إن الكلام اللي اتقال ضايقها، فقامت وراحت ورا رحيم، وخبطت على الباب ودخلت، لقت رحيم واقف في الشباك بيتفرج على المطر من ورا الإزاز وكان باين عليه إنه متعصب أوي.
سليمة دخلت وقفلت الباب وراها، وراحت وقفت جنبه وقالت: "ادعي ربنا يجيب الخير، الدنيا بتمطر وأبواب السما مفتوحة، وسيبها على الله يا رحيم."
رحيم بتنهيدة: "لما واحدة ترمي عيالها بقالها داخلة على سنتين أهو، وفجأة تفتكرهم دلوقتي، تبقى أكيد مش عشان وحشوها مثلاً."
سليمة: "إنت إيه اللي مخوفك؟"
رحيم شد سليمة خدها تحت جناحه وهم برضه بيتفرجوا على المطر وقال لها: "أنا سبتك تتعاملي مع البنات براحتك، وسبتك إنتي اللي تختاري القناة اللي تحدديها عشان تقربوا من بعض، وما استغربتش أبداً لما لقيتهم قربوا منك وحبوكي وهم شايفين حنيتك عليهم ومراعاتك ليهم، وبقيت فرحان إن ظني فيكي ما خابش وإنك هتبقي لهم نعم الأم، لكن ظهور سهير وسامي دلوقتي مافيش وراه غير غرض واحد ملوش تاني."
سليمة: "إنهم يكرهوا البنات فيا مش كده؟"
رحيم باستغراب: "طب ما أنتي فاهمة كل حاجة أهو."
سليمة: "بس أنا مش قلقانة زيك كده، أنا أقلق لو أنا ما بحبهمش كفاية، لكن يعلم ربنا إني بحبهم من جوة قلبي، ودول عيال صغيرين، ودائماً العيال بيعرفوا اللي بيحبوهم وبييقربوا منهم من غير ما حد يقول لهم."
رحيم: "بس هيسمموا أفكارهم من ناحيتنا."
سليمة: "بس ما ينفعش تمنعيهم عنها، ويمكن يكون ده اللي هما عاوزينه أصلاً، إنك ما ترضاش تخليهم يروحوا معاهم، فيوزوا العيال بكلام مش مظبوط."
رحيم: "طب والعمل، دول ممكن يخلوا البنات يكرهوكي أو يكرهوني ويحشوا دماغهم بأي كلام مش حقيقي."
سليمة: "وعشان كده لازم نقرب منهم أكتر عشان نغسل لهم دماغهم أول بأول."
رحيم: "إزاي بقى وهم عاوزين يقضوا الإجازة كلها معاهم؟"
سليمة: "حاول تقنعهم بأي طريقة إنهم يقضوا الوقت اللي هما عاوزينه مع مامتهم بس يباتوا هنا معاك، أو إن الإجازة تتقسم ما بينكم مثلاً يومين هنا ويومين هناك بغرض إنك أنت كمان عاوز تفسحهم برضه في الإجازة بتاعتهم."
رحيم بتنهيدة: "مش عارف يا سليمة، الحكاية دي قبضتني أوي."
سليمة: "سيبها على ربنا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه."
رحيم: "ونعم بالله."
أما عند عبد العزيز بره، بعد ما سليمة دخلت لرحيم، بص للبنات وقال:
"يعني إنتوا ماكنتوش بتيجوا في الباص بتاع المدرسة وقت الامتحانات؟"
نورا: "لأ يا جدو، كنا بنيجي بعربية خالو سامي."
عبد العزيز وهو بيهز راسه بتفهم: "طب وماما بقى قالت لكم هتقضوا الإجازة فين؟"
مريم: "ما قالتش يا جدو، هي قالت لنا إننا هنقضي الإجازة سوا وإن خالو سامي هياخدنا يفسحنا."
ناهد المعلقة وقعت من إيدها وبصت لأبوها بقلق، وقامت طلعت على فوق، فعبد العزيز بص للبنات وقال لهم: "لو خلصتم أكل، اطلعوا يلا اغسلوا أسنانكم واستنوني أصلّي على ما تيجي تسمع لكم القرآن اللي حفظتوه."
البنات قاموا باسوا جدهم، وطلعوا على أوضتهم، وعبد العزيز قام راح على أوضة المكتب، وخبط ولما سمع صوت رحيم بيقول ادخل، دخل وهو بيحمحم بصوته وقال وهو بيقعد على كرسي من الكراسي:
"إيه يا رحيم، سبت الأكل وقمت ليه يا ابني؟"
رحيم أخد سليمة وراح قعد جنب أبوه وقال: "ما أنت سمعت بودانك يا حاج، إيه اللي يخلي سهير وأخوها يعملوا كده بعد المدة ده كلها، دي لما كانت هنا آخر مرة، ما فكرتش حتى تطلع تطل عليهم ولا حتى تسأل عنهم، يبقى إيه اللي جد؟"
عبد العزيز بص لسليمة وقال لها: "معلش يا سليمة.. البنات سبقوكي على فوق ومستنيينك تسمعيلهم القرآن قبل ما يناموا."
سليمة وقفت وقالت بطاعة: "حاضر يا خال، أنا هطلع لهم على طول."
خرجت من عندهم وطلعت للبنات اللي لقتهم قاعدين في السرير بيتكلموا في حاجة مقلقاهم ومقلقهم ده واضح على معالم وشهم، فسليمة ابتسمت وراحت قعدت قدامهم وقالت لهم بابتسامة هادية:
"ها يا حلوين، مين اللي هتسمع الأول؟"
نورا بصت لمريم بقلق ورجعت بصت من تاني لسليمة وقالت لها: "شوفي إنتي يا سولى عاوزة تسمعي لمين الأول، المهم تسمعيلنا بسرعة عشان عاوزين نقول لك على حاجة سر."
سليمة: "طب إيه رأيكم… أبتدي إنتي الأول يا نورا، ولو غلطتي مريم ترفع إيدها بالراحة عشان تصحح لك، ونشوف هتعرفي ولا لأ."
البنات بحماس: "ماشي."
وابتدت كل واحدة تسمع واختها ساعات تصحح لها وساعات ما تعرفش، فسليمة هي اللي تصحح لها، ولما خلصوا سليمة قالت لهم: "هو إنتوا كده تعتبروا حفظتم، بس مش هنحفظ حاجة جديدة إلا لما نحفظ الجزء ده مظبوط بالتشكيل بتاعه عشان ده كلام ربنا ما ينفعش إننا ننطقه غلط طالما نعرف نصححه.. اتفقنا."
البنات هزوا راسهم بالموافقة، وبعدين سليمة قامت بسرعة قفلت الباب ورجعتلهم بسرعة وقعدت قدامهم على السرير وربعت رجليها وقالت لهم بمرح:
"ها.. قولولي بقى إيه السر."
مريم بهمس وهي بتقرب وشها لسليمة: "بصراحة يا سولى، في حاجة ماما قالتها هي وخالو، بس إحنا خفنا نقولها قدام بابا وجدو أحسن يزعلوا."
سليمة بهدوء: "وإيه اللي خوفكم، هما قالوا إيه؟"
نورا بزعل: "قالوا إنهم هيهدوا البيت على اللي فيه."
سليمة بعدم فهم: "وإيه اللي خلاهم يقولوا كده؟"
مريم: "ما نعرفش، وبصراحة أنا خايفة أروح معاهم في أي حتة، وعاوزة أفضل هنا معاكم."
سليمة بفضول: "هي ماما ما وحشتكمش؟"
مريم بعدم اهتمام: "أنا كنت نسيت شكلها أصلاً، لولا خالو سامي ما كنت افتكرتها."
سليمة بتنهيدة: "يعني لو جت تاخدكم الصبح زي ما قالت لكم، هتقولوا لها إنكم مش عاوزين تروحوا معاها؟"
نورا وهي بتنفخ بزهق: "بصي يا سولى علشان أنا حاولت أفهم مريم ستين مرة وهي برضه مش عاوزة تفهم، وأنا مارضيتش أتكلم قدام بابا وجدو."
سليمة بصبر: "طب فهميني أنا يمكن أفهم."
نورا: "ماما مش هتيجي تاخدنا.. ماما هتيجي تقعد هنا."
مريم وهي بتخبط على راسها: "صح صح.. أنا نسيت."
سليمة: "هي قالت لكم إيه بالظبط؟"
نورا بامتعاض: "هي ما قالت لناش حاجة، إحنا سمعناها بتقول لخالو سامي.. أنا هروح أقعد على قلبهم لحد ما أهد البيت على اللي فيه."
سليمة بتفكير: "طب مش يمكن كانت بتتكلم على حاجة تانية؟"
نورا بنفي: "لأ.. لأن خالو قال لها.. ده لو رحيم والعروسة سابوكي تعملي اللي إنتي عاوزاه، ورحيم ده يبقى بابا وإنتي العروسة، يبقى أكيد بتقصد البيت بتاعنا ده، وأنا خايفة تعرف تهده بجد وحد فينا يتعور."
سليمة ضحكت على عقلية نورا وقالت لها: "ما تخافيش، أنا هاخد بالي ومش هخليها تعمل كده."
نورا بلهفة: "أوعي تقولي لبابا يا سولى."
سليمة: "ما تخافوش من حاجة، يلا بقى ناموا عشان إنتوا صاحيين من بدري أوي."
مريم: "سولى، هو انتي ممكن تعمليلي فطير زي اللي عملتيه قبل كده؟"
سليمة وطت عليها باستها من خدها وقالت لها: "طبعاً ممكن، من عيني حاضر."
عند رحيم وعبد العزيز.. بعد ما سليمة سابتهم وطلعت للبنات، عبد العزيز قال لرحيم:
"إيه اللي في دماغك؟"
رحيم بتنهيدة: "والله ما أنا عارف يا حاج، بس الحنية المفاجئة دي قلقتني بزيادة."
عبد العزيز: "أيوه، أنا كمان مش عاجبني."
رحيم: "طب والحل، سليمة كلامها مظبوط، لو منعتها عنهم ممكن تستغل النقطة دي وتكره البنات فيا."
عبد العزيز بإعجاب: "والله وطلعت دماغك عالية يا سليمة."
رحيم بابتسامة: "عمري ما كنت أتخيل إني ألاقي بني آدمة تفهمني زي ما سليمة بتفهمني، بجد يا بابا سليمة دي هدية من عند ربنا."
عبد العزيز برضا: "كل ما أبص الصبح بوشها، بحمد ربنا إنه لم شملنا عليه."
رحيم: "الحمد لله، والبنات كمان حبوها واتعلقوا بيها، وناهد، زي ما تكون تعرفها ومصاحباها من سنين."
وبعد شوية سليمة دخلت عليهم وقفتلت الباب وراها وقعدت جنب رحيم وقالت لهم وهي بتنقل عيونها بينهم:
"عاوزة أقول لكم على سر، بس توعدوني إن العيال ما يعرفوش إني قلت لكم حاجة، عشان ما يخبوش عليا حاجة بعد كده."
عبد العزيز بضحك: "مش قلنا اسمهم البنات مش العيال."
سليمة بخجل: "معلش يا خال، واحدة واحدة عليا، إحنا كنا فين وبقينا فين."
رحيم بابتسامة صافية: "سيبيها براحتها يا حاج، وهي شوية بشوية هتتعلم كل حاجة لوحدها، وبعدين بص لسليمة وقال: ها.. إيه بقى السر اللي هتفتني لنا عليه."
سليمة بزعل: "بقى أنا فتانة يا رحيم، ده أنا بس عاوزة أنبهكم وأعرفكم اللي هيحصل عشان تعملوا حسابكم."
عبد العزيز بانتباه: "وإيه اللي هيحصل ده وعاوزة تنبهينا ليه يا سليمة؟"
سليمة: "ما هو ده السر اللي البنات قالوهولي ونبهوا عليا إن ما حدش يعرف، خايفين عليكم لا تزعلوا منهم."
رحيم: "قالوا لك إيه بالظبط؟"
سليمة حكتلهم كل اللي البنات قالوهولها وفي الآخر قالت لهم: "بالله عليكم أوعوا تجيبوا سيرة إني قلتلكم حاجة."
رحيم طبطب على كف إيدها وقال لها: "ما تقلقيش يا سليمة، مش هيعرفوا حاجة، بس يعني هي هتيجي تقعد هنا بـإنهي عين ولا بـإنهي حجة؟"
عبد العزيز بزعل: "ياريتها كانت جاية بنية صافية، كنا شلناها من على الأرض شيل."
رحيم: "طب والعمل يا حاج، هنعمل إيه، هنقفل الباب في وشها؟"
عبد العزيز بشرود: "هتبقى عيبة كبيرة في حقـي يا ابني."
رحيم: "بس برضه ما يصحش تقعد معانا في البيت بعد ما اتطلقت."
سليمة: "طول ما خالي حاسس في الدنيا، والبيت مفتوح بحسه، ماحدش يستجرى يقول كلمة واحدة."
رحيم باستغراب: "إنتي مش هتضايقي لو جت قعدت وسطنا؟"
عبد العزيز: "سليمة معاها حق يا رحيم، مراتك عاقلة ودماغها كبيرة."
سليمة قامت وقفت وهي محرجة وقالت لهم: "بعد إذنك يا خال، أنا هطلع أنام، تؤمرني بحاجة؟"
عبد العزيز: "لأ يا بنتي روحي إنتي، تصبحي على خير."
سليمة التفتت لرحيم وقالت له: "عاوز مني حاجة يا رحيم قبل ما أطلع؟"
رحيم: "آه يا سليمة، ياريت تعمليلي كوباية ينسون وخديه معاكي وأنا هطلع أشربها فوق قبل ما أنام."
سليمة وهي خارجة من الأوضة: "على عيني حاضر."
وبعد ما خرجت عبد العزيز قام وقف وقال: "أنا كمان هطلع أنام والصباح رباح، وإنت ما تفكرش كتير، سيبها على الله."
رحيم: "حاضر يا حاج، تصبح على خير، تحب أوصلك لأوضتك؟"
عبد العزيز: "لأ يا ابني، روح إنت لمراتك، وصالحها، أحسن شكلها كده زعلت من كلامك."
عبد العزيز طلع على أوضته، ورحيم راح على المطبخ لقى سليمة بتحضر الينسون، فسند بكتفه على باب المطبخ وقال:
"هي سهام نامت؟"
سليمة بانتباه: "شكلها كده، أنا نزلت من عند العيال لقيتها لمّت السفرة وما شفتهاش بعده."
بعد ما صبت الينسون، شاورت لرحيم على برة وقالت: "يلا أنا خلصت، ولا هتشربه هنا؟"
رحيم مد إيده أخد منها الكوباية وقال لها: "هاتيها أنا هطلعها، يلا اطلعوا."
وبعد ما وصلوا أوضتهم رحيم قعد يبص لسليمة وهو بيدور في ملامحها على أي تعبير يدل على إنها زعلانة زي ما أبوه قال له، بس بالعكس مالقاش غير ابتسامة على وشها، فقال لها بهزار:
"الحاج قال لي صالحك عشان زعلتك، بس أنا مش شايف إنك زعلانة ولا حاجة، أعمل إيه بقى دلوقتي؟"
سليمة باستغراب: "تعمل إيه في إيه، وبعدين مين قال إنك زعلتني؟"
رحيم وهو بيمثل الجدية: "أنا كلمة الحاج سيف على رقبتي، وطالما قال إني زعلتك أبقى زعلتك، وطالما أمرني أصالحك يبقى لازم و لابد إني أصالحك."
سليمة بابتسامة رضا: "أنا من يوم ما دخلت البيت ده، وأنا ماشفتش فيه غير كل طيب، أقوم أتبطر على النعمة وأقول إني زعلانة بالكذب، ده حتى ربنا يعاقبني."
رحيم ضمها لحضنه وقال لها بحب: "إنتي إزاي كده؟"
سليمة بفضول: "كده اللي هو إزاي؟"
رحيم: "كده اللي هو دايماً راضية ودايماً مبسوطة، من يوم ما عرفتك ما شفتكيش مرة اشتكيتِ ولا قليتي."
سليمة بضحك: "وأنا بقى هنا أشتكي من إيه يا سي رحيم، ده أنا كل ما أجي أعمل حاجة ألاقي ستين إيد معايا وسابقاني كمان، وأنا لا يمكن أتبطر على نعمة ربنا، ده البطر آخره عجر."
رحيم ضحك جامد وقال لها: "آخره إيه؟"
سليمة: "عجر.. إيه، ما تعرفش العجر؟"
رحيم: "لأ ما أعرفوش، يعني إيه بقى العجر ده؟"
سليمة: "يعني كل حاجة وحشة ومش كاملة وحتى مالهاش لا طعم ولا لون، هما علموهالنا كده وإحنا صغيرين، وكانت دايماً أمي نبوية تقولهالي عشان أفضل دايماً حامدة ربنا على حالي."
رحيم: "كنتي بتحبيهم؟"
سليمة بابتسامة حنين: "ما عرفتليش أهل غيرهم، حافظوا عليا وأكرموني، صمموا يدخلوني المدارس ويعلموني على قد مقدرتهم."
رحيم: "أنا كمان حبيتهم أوي لنفس الأسباب دي، غيرهم كتير كان ممكن يستغلوكي أو يستعبدوكي مثلاً، لكن واضح إن عمتي وجوز عمتي الله يرحمهم كانوا طيبين أوي، وعشان كده عملوا لهم قعدة لك فيكي."
سليمة: "طب إنت كده هتسافر إزاي بكرة وسط الليلة دي؟"
رحيم اتعدل بخضة وهو بيقول: "يا خبر أبيض، ده اللي حصل خلاني نسيت خالص حكاية السفر دي."
سليمة: "طب والعمل، وأنا كمان كده مينفعش برضه أسافر معاك؟"
رحيم: "المشكلة إني ماينفعش أسيب البيت أبداً بكرة."
سليمة: "طب مينفعش تبعتلهم العربية وتكلم أبو فاطمة وتفهمه، ومتهيألي هو مش هيماااانع."
رحيم بعدم اقتناع: "مش هيأمن على الولاد يجوا لوحدهم مع حد غريب."
سليمة: "طب مينفعش تقنعه ييجي معاهم بكرة، حتى لو السواق يبقى يرجعه تاني لو عاوز."
رحيم بص في الساعة لقى الساعة عشرة ونص فقام جاب الموبايل بتاعه واتصل على عبد الهادي وهو بيقول: "على الله يوافق على الكلام ده، أنا أصلاً ما عنديش حل تاني."
عبد الهادي رد وقال: "السلام عليكم، إزيك يا عريس."
رحيم بضحك: "إنت هتفضل تقولي يا عريس لحد إمتى؟"
عبد الهادي بضحك: "طول ما إنت بتضحك كده هتفضل عريس."
رحيم: "يا أخي ربنا ما يجعل لنا جار وله عينين."
عبد الهادي بضحك: "أوعى تفهمني صح، المهم، هتيجي على إمتى إن شاء الله؟"
رحيم: "ما أنا مكلمك عشان كده، أنا واقع في مشكلة وكنت محتاجلك فيها."
عبد الهادي بقلق: "خير يا رحيم في إيه؟"
رحيم حكاله باختصار اللي حصل وبعدين قال له: "وعشان كده يا هادي مش هينفع أبداً أسيب البيت بكرة بالذات أنا ما أضمنش هما إيه اللي في دماغهم."
عبد الهادي: "ولا يهمك، إن شاء الله خير، ووقت ما الدنيا تروق كلمني وأنا هجيب لكم الولاد لحد البيت."
رحيم: "ما هو ده اللي هيحصل، بس بكرة مش بعد كده."
عبد الهادي: "مش فاهم."
رحيم: "هبعتلك العربية بكرة مع سواق، ويجيبك إنت والولاد، لأني محتاجلك جنبي على ما الحكاية دي تخلص، وياريت تعمل حسابك إنك تقضي الإجازة هنا مع الولاد."
عبد الهادي: "إزاي يعني يا رحيم ما إنت عارف إن ورايا هنا حاجات ومشاعل كتير."
رحيم: "معلش يا هادي، عاوزك معايا الأيام دي، ما تخلاش بيا."
عبد الهادي بتنهيدة: "حاضر يا رحيم، تلاقيني عندك بكرة."
رحيم بارتياح: "ربنا ما يحرمنيش منك، طول عمرك أخويا يا هادي، أنا عشان كلمتك فجأة وإنت ما كنتش عامل حسابك، السواق هيبقى عندك بعد الضهر إن شاء الله، تكون قدرت تظبط أمورك."
عبد الهادي: "ماشي يا سيدي، وأنا في انتظاره إن شاء الله."
رواية سليمة الفصل العاشر 10 - بقلم ميمي عوالي
تانى يوم، سليمة صحيت زى عادتها اللى ما قدرتش تغيرها من الفجرية، و نزلت على المطبخ بعد ما صلت الفجر مع رحيم. كانت مسعدة لسه ما صحيتش. ابتدت تعجن فطير و عيش، و بعد ما خلصت عجين و تقطيع، كانت الساعة سبعة.
لما سمعت صوت خالها، فخرجت من المطبخ بابتسامة و قالت:
"يسعد صباحك يا خال."
عبد العزيز:
"تصبحى بكل خير يا بنتى، انا بس ما جانيش نوم تانى بعد ما صليت الفجر."
سليمة:
"اعمل لك كوباية شاى بحليب على ما الفطار يجهز."
عبد العزيز و هو بيتابع مظهرها بعنيه:
"هو انتى كنتى بتعجنى؟"
سليمة بابتسامة:
"ايوة، البنات طلبوا منى امبارح اعمل لهم فطير، فقلت اعمل عيش بالمرة، و عشان كمان فاطمة و فهمى لما ييجوا يبقوا مبسوطين."
عبد العزيز:
"تسلم ايدك يا بنتى، تعبتى حالك."
سليمة:
"تسلم يا خال، ها.. اعمل لك الشاى بقى."
عبد العزيز بضحك:
"لا، هستنى الفطير بقى."
سليمة و هى راجعة على المطبخ:
"على عينى، انا خلاص هبتدى اخبز اهوه."
عبد العزيز:
"و صحى مسعدة تساعدك، و اهو تتعلم منك على الاقل و ماتبقيش تتعبى حالك بعد كده."
سليمة و هى داخلة المطبخ:
"حاضر يا خال."
عبد العزيز بخفوت:
"ربنا يسترك يا بنتى و يسترها عليكى من اللى جاى."
شوية بشوية الساعة تمانية كانت ريحة العيش و الفطير المشلتت مالية البيت، و كانت ناهد نازلة من فوق هى و رحيم و البنات و كانوا بيتكلموا و بيضحكوا.
ناهد بمرح و هى بتاخد شهيق جامد:
"ريحة الخبيز بتاع سليمة يخليك تجوع حتى لو كنت واكل ديك رومى لوحدك."
رحيم ضحك و قال:
"و هو انا وقعت فيها من شوية."
مريم و هى بتجرى على تحت:
"كلوا انتو العيش و انا هاكل الفطير، سولى عملاهولى."
ناهد بضحك:
"و انتى هتاكليه يعنى كله لوحدك."
مريم:
"ااه، عشان بحبه اوى."
فى الوقت ده خرجت سليمة من المطبخ و هى شايلة صينية كبيرة عليها عيش وفطير و رايحة تحطهم على السفرة. و اما شافتهم كلهم صحيوا قالت بابتسامة:
"صباح الخير عليكوا، ياللا الفطار جاهز."
رحيم بامتنان:
"ليه تعبتى نفسك يا سليمة، ما احنا بنشترى الكلام ده كله جاهز من برة."
سليمة بمرح:
"يعنى مريم تقول لى عاوزة فطير من عمايل ايدى، اقوم اشترى من برة، لا طبعا لازم اعمل لها اللى نفسها فيه."
مريم:
"شفتوا بقى انها عاملالى الفطير مخصوص، هاتيه بقى كله يا سولى عشان عاوزة اكل."
سليمة:
"تعالى ياللا انا مليت لك الطبق بتاعك اهو و حطيت لك كمان العسل اللى بتحبيه."
رحيم:
"طب اطلعى غيرى هدومك ياللا، و احنا هنستناكى عشان نفطر سوا."
سليمة:
"مش هتتاخر على شغلك."
رحيم:
"لا.. مش خارج، ياللا انتى بس اطلعى و ابقى هاتى معاكى طرحة و اللا شال عشانك انتى و ناهد عشان لو حد غريب جه."
سليمة بتفهم:
"حاضر، و مش هتأخر عليكم."
بعد ما سليمة طلعت، عبد العزيز قال:
"هتعمل ايه مع ولاد اختك."
رحيم:
"خلاص يا حاج ماتقلقش، هبعتلهم سعيد السواق يجيبهم، و هادى هييجى معاهم."
عبد العزيز بابتسامة رضا:
"تمام، ييجوا بالسلامة."
ناهد باستغراب و هى بتبص لرحيم:
"يعنى انت مش مسافر."
رحيم:
"لا يا ناهد، هما اللى هيبجوا ان شاء الله."
عبد العزيز بخفوت لناهد:
"عاوزك تتابعى لبس سليمة و مظهرها الفترة اللى جاية يا ناهد."
ناهد باستغراب:
"اشمعنى يعنى يا بابا، و بعدين، ما انا و رحيم اللى مختارين لها لبسها كله."
عبد العزيز و هو على نفس خفوته:
"هتفهمى لوحدك كل حاجة، و على اد ما تقدرى امنعيها من دخول المطبخ او انها تعمل حاجة بنفسها، و انا هخلى مسعدة تبعت تجيب اختها تساعدها اليومين دول."
ناهد رغم انها مش فاهمة حاجة:
"ماشى يا بابا حاضر، اللى تشوفه."
سليمة نزلت من تانى بعد ما خدت دش و غيرت هدومها، و قعدوا كلهم يفطروا. و فى وسط ما هم قاعدين سمعوا جرس الباب، فعبد العزيز و رحيم بصوا لبعض و رجعوا بصوا على الباب اللى كانت مسعدة وصلت لعنده و فتحته. و كان سامى واقف فى الباب و فى ايده شنطة سفر جاررها وراه.
فرحيم بص على سليمة بسرعة لقاها مدت ايدها على كتفها و رفعت الشال على راسها تدارى شعرها. و لقى ناهد كمان عملت زيها و هى باصة بصدمة على سامى و سهير. و اما رجع بعينه لقى سهير داخلة ورا سامى بمنتهى العنجهية و الصلف.
فضلوا كلهم قاعدين مكانهم و هم بيبصوا عليهم، و ما حدش فيهم اتحرك. فسامى قال بصوت واضح:
"صباح الخير يا عمى، انا عارف اننا لسه بدرى، بس برضة عارف انك بتحب الصحيان بدرى، فقلنا نيجى نلحقكم على الفطار، و اللا خلاص خلصتوا اكل."
عبد العزيز بهدوء:
"و حتى لو خلصنا، اهلا بيكوا اتفضلوا."
سامى ساب الشنطة من ايده، و مسك ايد سهير شدها معاه و راح وقف عند عبد العزيز و وطى على راسه باسها، و قال بسماجة و هو بيبص على سليمة:
"ازيك يا عمى."
و سهير كمان عملت زى سامى، و بعد كده راحوا قعدوا جنب عبد العزيز.
عبد العزيز شاور لهم على الاكل و قال لهم:
"بسم الله، مدوا ايدكم."
و بعدين قال بصوت جهورى:
"هاتى اطباق يا مسعدة."
سامى بص لناهد و قال لها بسقالة:
"ازيك يا ناهد."
ناهد ببرود:
"الحمدلله يا ابن عمى."
سامى ابتسم بسخرية و قال:
"لا حلوة، و بعدين بص لرحيم و قال له و هو بيفصص ملامح سليمة: و انت يا رحيم اخبارك ايه يا عريس."
رحيم و هو بيحاول يسيطر على اعصابه:
"انا كويس خالص، عقبالك."
سامى:
"قريب اوى، بس المرة دى هتبقى نقاوة عينى."
سهير و هى بتبص لسليمة بكيد:
"معلش بقى يا عمى، انا قلت اجى اقعد معاك كام يوم، عشان اقضى الاجازة مع البنات، بدل ما كل واحد فى ناحية كده."
رحيم بسخرية:
"ااه، البنات اللى حتى ماسلمتيش عليه."
سهير بمياعة:
"رحيم.. من فضلك انا بكلم عمى."
رحيم بصلها بقرف و اتجاهلها و رجع يكمل اكله. فسامى اخد حتة فطير و اكلها و قال:
"حلو الفطير ده، جايبينه منين."
مريم:
"دى سولى عملتهولى النهاردة."
سهير بصت بكيد لسليمة و قالت:
"طبعا.. الفلاحين دايما بيبقوا شاطرين فى العجن و الخبز."
سامى بص لسليمة و قال لها:
"طبعا انتى ما تعرفينيش، انا ابقى سامى ابن خالك يا سليمة، و شاور على سهير و كمل كلامه و قال.. و دى تبقى سهير اختى، بنت خالك برضة، و تبقى ام مريم و نورا."
رحيم و عبد العزيز و ناهد، كانوا قاعدين بيتفرجوا اكنهم بيتفرجوا على مسرحية، بس رحيم كان قاعد على نار، لكن ما صدرش منه اى رد فعل. كان عاوز يفهم هم بيفكروا فى ايه بالظبط. بس لما حس انه ممكن يتعصب على سامى، فحب يضايقه فقال:
"كويس انكم جيتوا، اهو بالمرة لو انستونا لاخر اليوم هتتعرفوا كمان على ولاد نادية و هادى جوزها."
سامى بوجوم:
"هو انتو عترتم فيهم."
رحيم بابتسامة واسعة لما حس انه فعلا قدر يضايق سامى:
"يوووه، من زمان، دول حتى حضروا فرحى انا و سليمة."
سامى بغيظ:
"و كمان سمحتوا للراجل ده ان يدخل بينكم."
عبد العزيز بحزم:
"الراجل ده يبقى ابو احفادى، و اللى صانهم و صان امهم لاخر يوم فى عمرها، و اللى انا متاكد منه ان لو حد تانى كان فى مكانه ماكانش هيعمل كده ابدا و لا كان هيتحمل مراته فى تعبها و لا كان هيشيلها زى ما عبد الهادى عمل."
سامى فهم انه يقصده هو بالكلام ده فحب يغير الموضوع فقال للبنات:
"ها يا بنات، تحبوا تتفسحوا فين النهاردة، ها تحبوا تروحوا تقضوا اليوم على البحيرة."
سليمة:
"لا طبعا بحيرة ايه فى الجو ده، ده الدنيا مابطلتش مطر من امبارح."
سهير:
"و ايه يعنى شوية مطرة، يخرجوا ينبسطوا مع خالهم."
ناهد بسخرية و هى بتشترك فى الحوار لاول مرة:
"طب و انتى يا سهير."
سهير:
"انا ايه."
ناهد:
"مش هتروحى معاهم."
سهير بعدم اهتمام:
"انا ماليش فى الكلام ده، كفاية عليهم سامى."
عبد العزيز:
"و سامى بقى هيسيب شغله و يفضى لفسح البنات."
سامى:
"ما تقلقش يا عمى، انا هعرف اظبط امورى كويس."
عبد العزيز:
"عموما انا رأيى من رأى سليمة، الدنيا ما وقفتش مطر من بالليل، ماينفعش يروحوا ناحية البحيرة فى الجو ده."
سامى و هو بيبص لسليمة بمكر:
"خلاص يا عمى، انا ما اقدرش انزل لك كلمة، يبقى هنقضى اليوم كله معاكم هنا، يا ترى بقى هتغدونا ايه، البنات ما بطلوش كلام عن الاكل الحلو اللى بتعمله سليمة."
رحيم بحزم:
"ياللا يا ناهد انتى و سليمة، اطلعوا شوفوا كنتم عاوزين توضبوا ايه لولاد نادية، و حضروا الاوضة اللى جنبها لهادى."
سامى بسخرية:
"لا هو كمان هيقعد هنا."
سهير بكبر و هى بتوجه كلامها لناهد و سليمة:
"و ياريت تحضرولى انا كمان اوضتى اللى هقعد فيها."
رحيم بص لسليمة و شاور لها بعنيه انها تطلع، فطلعت على فوق و سحبت ناهد معاها فى ايدها. و بعد ما طلعوا رحيم نده على مسعدة بصوت عالى و اول ما جات له قال لها:
"ياريت تاخدى شنطة مدام سهير و تدخليها اوضة الضيوف اللى تحت."
سهير بتهكم:
"بقى هتقعدوا جوز نادية فوق فى اوض النوم و تقعدونى انا تحت فى اوضة الضيوف."
رحيم:
"هادى مش غريب، هادى هيقعد فى ملك حماه، و جد ولاده."
سهير:
"تقصد تقول ان انا اللى غريبة يا سى رحيم."
عبد العزيز بحزم:
"سهير.. انتى جيتى بيت عمك و طلبتى تقعدى فيه كام يوم من غير ما حد يدعيكى، و انا مش هردك، لكن فى نفس الوقت حذارى تعملى اى مشاكل مع حد او لحد."
سهير:
"و انا من امتى بعمل مشاكل لحد يا عمى."
عبد العزيز بسخرية:
"معلش، اصل جناحاتك ساعات بتخبط فى الحيطان من غير ما تاخدى بالك."
رحيم كتم ضحكته و بص لسامى و قال له:
"و انت بقى يا ابن عمى، هتنورنا هنا برضة."
سامى:
"ما انت عارف انى ما بعرفش اقعد لوحدى، فهقعد معاكم طول اليوم و اروح على النوم، لغاية ما سهير تشبع من الولاد و نبقى نرجع بيتنا سوا."
و اللا هضايقكم يا عمى.
عبد العزيز بوجوم:
"تضايقنا ازاى، ده البيت هينور يا ابن اخويا."
رحيم و هو رايح ناحية فوق:
"بعد اذنك يا بابا، هعمل كام تليفون كده و ارجع لك."
عبد العزيز:
"براحتك يا ابنى، ما تقلقش."
مريم و نورا راحوا قعدوا جنب جدهم و نورا قالت له:
"هم ولاد عمتو هييجوا امتى يا جدو."
عبد العزيز:
"لسه قدامهم شوية، روحوا انتو العبوا براحتكم على بال ما يوصلوا."
رحيم طلع فوق لقى ناهد و سليمة قاعدين فى اوضة ناهد، و ناهد كانت متضايقة جدا و سليمة بتحاول تهديها. و رحيم لما شافها كده قال لها:
"و بعدهالك يا ناهد."
ناهد بغيظ:
"و بعدهالى انا برضة، يعنى انا ذنبى ايه يتكتم حريتى و يتحرق دمى بالشكل ده، ده انا ما صدقت خلصت من السواد ده كله."
رحيم طبطب عليها و قال لها:
"معلش حقك عليا، كلها كام يوم و يمشوا."
ناهد و هى مبرقة عنيها:
"يمشوا.. انت تقصد ان هو كمان ناوى يكبس على نفسنا زى اخته، لا.. كده كتير.. انا مش هستحمل حرقة الدم دى."
رحيم:
"ما هو كمان ما ينفعش ابوكى يقول لهم يمشوا."
ناهد بغضب:
"اقول لهم انا."
رحيم:
"انتى بالذات مش عاوزك تحتكى بيه."
ناهد باستغراب:
"و ليه بقى انا بالذات."
رحيم بتنهيدة:
"مش عاوز سامى يعاندك فيقوم يردك، و طبعا ما حدش هيقدر يمنعه لانك لسه فى شهور العدة."
ناهد برعب:
"تقصد انه ممكن يردنى لمجرد انه يضايقنى."
رحيم:
"الله اعلم هم فى دماغهم ايه بالظبط، بس لازم نعمل حسابنا، و عموما ما فاضلش على عدتك غير عشر ايام، خلينا نعديهم على خير."
ناهد:
"بس انا مش هقدر اتواجد معاهم فى مكان واحد."
رحيم باسف:
"يبقى هتضطرى انك تفضلى فوق على الاقل لحد ما العشر ايام اللى باقيين دول يعدوا، و بعد كده ان شاء الله هتتحل من عنده."
ناهد:
"طب ما انا ممكن اروح عند رامى لحد ما يمشوا."
سليمة:
"و اهون عليكى تسيبينى لوحدى، و بعدين انتى ناسية ان فاطمة و فهمى جايين النهاردة."
ناهد بامتعاض:
"و ده ادعى انه يخلينى اتواجد تحت عشان خاطرهم."
رحيم:
"يبقى لازم تمسكى اعصابك على الاخر، و بعدين التفت لسليمة و قال لها: و انتى يا سليمة، طول ما هما هنا مش عاوزك تدخلى المطبخ نهائى."
سليمة باستغراب:
"طب و مين اللى هيعمل الاكل يا رحيم."
رحيم بامتعاض:
"هنضطر نرجع من تانى لاكل مسعدة، على ما ينزاحوا من هنا نهائى."
سليمة بتردد:
"طب وافرض العيال طلبوا منى حاجة."
رحيم بزهق:
"مش عارف بقى، ابقى قوليلى وقتها و نبقى نشوف هنتصرف ازاى."
ناهد بمكر:
"بقول لك ايه يا رحيم."
رحيم:
"قولى يا حبيبتى."
ناهد بابتسامة:
"ايه رأيك اكلم سلوان و رامى ييجوا يقعدوا معانا الكام يوم دول على ما ينصرفوا من هنا."
رحيم بضحكة:
"انتى يا بت انتى مش سهلة على فكرة، قال و انا اللى دايما ادافع عنك و اقول انك طيبة و غلبانة."
ناهد بابتسامة:
"مش فى مثل بيقول كتر القسوة بيعلم الجفا."
رحيم بضحك:
"بس ده مش جفا يا حبيبتى، دى مرازية."
سليمة و هى وسطهم مش فاهمة حاجة:
"ممكن تفهمونى بس ايه الحكاية، و اعرف انتو بتتكلموا على ايه."
رحيم ضم سليمة تحت جناحه و قال و هو بيضحك:
"الحكاية ان ناهد قررت بعد العمر ده كله انها ما تسيبش حقها."
سليمة:
"و ايه علاقة سلوان و رامى اخوكم بالحكاية دى."
رحيم:
"اصل يا ستى.. رامى و سامى عاملين زى الديوك، و رامى ما بيسكتلوش ابدا على اى كلمة كده و اللا كده. اما بقى سلوان، فسهير بتغير منها جدا من يوم مادخلت العيلة بتاعتنا."
سليمة:
"ايوة بس انتو ناسيين ان ابو فاطمة هيبقى موجود كمان، و ده ممكن يخلي رامى برضة يعمل معاه مشاكل."
ناهد:
"لا.. ما تقلقيش انتى من ناحية رامى، انا هتكلم معاه و هفهمه كل حاجة."
رحيم:
"لا يا ناهد، ريحى انتى نفسك، انا اللى هكلمه، اتاكدوا انتم بس ان اوضته متوضبة."
رحيم بص فى ساعته لقى ان الوقت قرب من اذان الضهر، فقاال:
"انا هنزل لبابا بقى، احسن انا سايبه كل ده لوحده معاهم."
سليمة:
"انزل معاك و اللا افضل هنا مع ناهد."
رحيم:
"خليكى براحتك خالص، و اتصرفى زى ما تحبى، بس اهم حاجة بلاش المطبخ."
سليمة:
"ماشى، خلاص خدنى معاك اعرف مسعدة على الاقل هتعمل ايه."
رحيم مسك كف ايدها و قال لها:
"ماشى، ياللا بينا."
من وقت رحيم ما طلع على فوق، و الهدوء كان السمة السايدة. عبد العزيز كان قاعد بيسبح على سبحته اللى مابتفارقش ايده ابدا، و نورا و مريم كانوا ماسكين موبايلاتهم بيلعبوا عليها فى هدوء شديد، و سهير هى كمان ماسكة موبايلها و بتتشات مع حد. اما سامى، فكان قاعد جنب سهير و عينه من السلم من وقت رحيم ما طلع و سابهم. و ميل على سهير و قال لها:
"ايه.. من ساعة ما وصلنا و هما كلهم اختفوا، هيفضلوا فوق على طول يعنى و اللا ايه."
سهير بتهكم:
"مسيرهم يظهروا، اكيد يعنى مش هيفضلوا فوق على طول."
شوية و لقوا رحيم و سليمة نازلين مع بعض و هما شابكين ايدهم فى ايدين بعض.
سامى بغيظ:
"الا عمرى ماشفتك معاه بالمنظر ده طول ما كنتوا متجوزين."
سهير بعدم اهتمام:
"و لا يفرق معايا."
سامى بغل:
"انا بقى يفرق معايا، صحصحيلى كده شوية."
سهير بامتعاض:
"ادينى طاوعتك و عملت كل اللى انت قلت عليه، اما نشوف اخرتها."
اول ما رحيم وصل لهم من تانى باس ايد سليمة و قال:
"خلصى بسرعة اللى قلتى عليه، و خلى مسعدة تعمل لى فنجان قهوة."
سليمة هزت راسها بابتسامة و سابته و دخلت المطبخ. و رحيم قال لعبد العزيز:
"انا هعمل كام تليفون كده يا حاج و هرجعلك على طول."
سامى بغلاسة:
"ما انت قلت هتعمل التليفونات فوق يا رحيم، و اللا تليفوناتك كتير اوى لدرجة انك تسيبنا كل ده."
رحيم:
"معلش بقى يا ابن عمى، عندى تليفونات كتير مهمة."
سليمة عرفت مسعدة على الاكل اللى المفروض تعمله و قالت لها انها هتطلع تقعد فوق عشان لو احتاجت منها حاجة، و رجعت تانى قعدت مع ناهد.
و رحيم اتصل بهادى و تابعه فى الطريق و اتفق معاه انه هيفضل معاهم فى البيت لحد ما سامى و سهير يمشوا. و بعد كده كلم رامى حكى له كل اللى حصل و طلب منه انه ييجى يقعد معاهم هو و سلوان. و طلب منه يتعامل كويس مع عبد الهادى و ولاد نادية. و رامى وعده انه هيعمل اللى يقدر عليه.
وقت آذان المغرب، كانت مسعدة بتحضر السفرة بمساعدة اختها، و كانت سليمة و ناهد لسه موجودين فوق، لحد ما سمعوا صوت عربية و عرفوا ان عبد الهادى و ولاده وصلوا، فنزلوا بسرعة عشان يستقبلوهم.
اول ما فاطمة و فهمى دخلوا جريوا على حضن ناهد و سليمة. و بعد كده راحوا على خالهم و جدهم. و عبد الهادى دخل وراهم و هو محرج. لكن اول ما رحيم شافه هلل بمرح و هو بيستقبله.
عبد الهادى سلم براسه على سليمة و ناهد و سهير كمان لما لمحها بتبص له بتركيز و على وشها ابتسامة. و راح سلم على عبد العزيز و باس كتفه، فعبد العزيز سلم عليه بترحاب شديد و قال له:
"اتأخرتوا كده ليه يا ابنى."
عبد الهادى:
"ما تآخذنيش يا حاج، بس انت عارف الطريق."
عبد العزيز و هو حاضن الولاد و واخدهم تحت جناحاته:
"حمدالله على السلامة، نورتوا بيتكم."
عبد الهادى:
"البيت منور بيك يا حاج، ربنا يديك الصحة."
رحيم شاور لعبد الهادى على سامى و سهير و قال:
"سامى ابن عمى و اخته سهير."
سامى:
"و ام نورا و مريم و لاد رحيم."
عبد الهادى:
"اهلا و سهلا."
ناهد و هى فرحانة بالولاد:
"ما تسيبلى الولاد اشبع منهم شوية يا بابا، ده انا يا دوب سلمت عليهم."
فهمى جرى على ناهد و حضنها و قال لها:
"وحشتينى اوى يا خالتى."
سليمة:
"اخص عليك يا فهمى و انا ما وحشتكش زى خالتى."
فاطمة راحت لحضن سليمة و قالت:
"انتو الاتنين وحشتونا اوى يا طنط سليمة، و كنا عمالين نحسب الايام عشان نجيلكم و نييجى لجدو."
رحيم بضحك:
"ااه طبعا، و انا خلاص اتركنت على الرف، مش كده برضة."
الولاد جريوا عليه باسوه، و بعدين راحوا قعدوا جنب نورا و مريم و فضلوا يتكلموا سوا.
عبد العزيز بص لناهد و قال لها:
"يالا يا ستى خدى ولادك اغسليلهم ايدهم و وشهم عشان نتغدا، احنا موتنا من الجوع، و انت يا رحيم، وصل عبد الهادى لاوضته عشان يغسل وشه براحته، بس بسرعة عشان انا جعت اوى."
بعد ربع ساعة كان الكل اتجمع على السفرة عشان يتغدوا، و الكل بيرحب بعبد الهادى و الولاد. و كان فى فطير مشلتت على السفرة، و العيش اللى سليمة عملته الصبح، فعبد الهادى قال لرحيم بمرح:
"طب ابعتلنا حتة."
وبعدين بص لسليمة و قال لها:
"و الله من يوم ما فوتتينا و احنا اتمرمطنا من غيرك."
سليمة بود:
"خلاص.. تعالوا اقعدوا هنا على طول."
ناهد:
"لازم تفكر فى الموضوع ده فعلا يا ابو فاطمة، انا مش هقدر ابعد عن فاطمة و فهمى من تانى."
عبد الهادى:
"ما انتو عارفين ما ينفعش احول فى وسط السنة الدراسية كدا."
"اصبروا على الاقل فاطمة تخلص امتحانات اخر السنة و بعد كده ربنا يعدلها."
ناهد بلهفة:
"يعنى هتحول لها اخر السنة."
عبد الهادى:
"لازم اعمل كده، فهمى كمان هيدخل المدرسة السنة الجاية، فقلت اقدملهم مع بعض هنا، و اكون فكرت هعمل ايه فى الارض هنا."
سهير:
"و هو انت عندك ارض فى مصر."
عبد الهادى من غير ما يبصلها:
"ايوة، عندى ارض جناين بس مش فى الفيوم."
سهير:
"وااو، برافو عليك انك فكرت تشغل فلوسك على طول و ماركنتهاش."
عبد الهادى بايجاز:
"شكرا."
سامى بلهجة جافة:
"و يا ترى بقى لو رجعت الفيوم هتشتغل فى ايه."
عبد الهادى:
"هشترى محلات و هعمل سلسلة سوبر ماركت."
سهير باستياء:
"فكرة بلدى اوى."
رحيم بجفاء:
"و ماله البلدى، ما هو اصلنا كلنا."
سهير باعتراض:
"احنا عمرنا ما كنا بلدى، طول عمرنا ولاد اصول و متربيين على الغالى."
رحيم:
"و الاصول دى عمر ما كان ليها علاقة بغالى و رخيص، سيبى الاصول للى يفهمها يا ام البنات."
سهير بحدة و هى بترمي الشوكة فى طبقها:
"تقصد ايه بكلامك ده يا رحيم."
عبد العزيز بحزم:
"انا ما بحبش الصوت العالى ابدا على الاكل، و ياريت كل واحد يلزم حدوده و هو بيتكلم."
سهير باعتراض:
"ماشفتش يا عمى بيقول ايه."
عبد العزيز بتحذير:
"قلت مش عاوز صوت عالى يا سهير."
سهير قامت من مكانها و رمت الفوطة على السفرة بحدة و التفتت و راحت قعدت فى البهو زى ما كانت قبل الاكل، فسامى قام بالراحة راح لها و اول ما قعد جنبها قال لها بلهجة جافة واضحة عليها الغضب:
"هو انتى مش ناوية تستخدمى مخك ده شوية."
سهير بغيظ:
"انت السبب فى كل ده."
سامى بسخرية:
"و انتى بقى كنتى ناوية تعيشى ازاى بعد ما خلصتى كل فلوسك على الهبل اللى كنتى بتهبليه، و لو انا شيلتك الفترة اللى فاتت مش هينفع اشيلك بقية عمرى."
سهير بغيظ:
"انت بتعايرنى عشان قاعدة عندك، خلاص، اتفضل بيع الارض بتاعة بابا و ادينى نصيبى و انا هريحك منى خالص."
سامى بحزم:
"بطلى هبل و فوقى لروحك شوية، ده انتى لو قاعدة على تل فلوس كنتى برضة هتخلصيه فى شهر و اللا اتنين بالكتير، اعقلى كده و ماينى شوية خلينا نشوف هترسى على ايه."
سهير بامتعاض:
"اللى فى بالك ده مش هيحصل يا سامى.. انت بتحلم."
سامى:
"طب و ما احلم و ماله، هى الاحلام عيب و اللا حرام، ظبطى انتى امورك بس زى ما فهمتك، و انتى هتكسبى."
سهير اتنهدت و قامت مع سامى و رجعوا من تانى على السفرة. و اول ما سهير رجعت مكانها بصت لرحيم و قالت بهدوء:
"ما تزعلش منى يا رحيم.. حقك عليا."
وبعدين بصت لهادى و قالت له بابتسامة:
"معلش يا هادى ما تآخذنيش، انا ما كنتش اقصد حاجة، اوعى تاخد على خاطرك منى."
رحيم و عبد الهادى بصوا لبعض و رجع رحيم بص لسهير و قال لها:
"كملى اكلك يا ام البنات."
فجأة سمعوا جرس الباب و لما مسعدة فتحت، دخل رامى و سلوان و هما شبه حاضنين بعض. و اول ما دخلوا سلوان قالت بمرح و هى بتجرى على عبد العزيز:
"انا جيت اقعد معاكم يا بابا."
و باست عبد العزيز من راسه، فعبد العزيز قال لها بحب:
"ده انتى هتنورينى يا حبيبة بابا."
سلوان بصت للكل و قالت:
"لا سلام على الطعام، بس ازيكم كلكم."
كلهم ردوا عليهم السلام. و جه رامى باس كتف عبد العزيز و رمى السلام على الجميع. و لما ردوا عليه السلام بص لعبد الهادى و قال:
"نورت الفيوم يا هادى."
عبد الهادى بود:
"ده نورك يا رامى، تشكر."
رامى بص لسامى و سهير و قال لهم بابتسامة سخرية:
"منورين يا اولاد عمى."
سامى بغيظ:
"اهلا."
سهير:
"ازيك يا رامى."
رامى و هو بيقعد جنب ناهد و بيشد سلوان عشان تقعد جنبه:
"انا كويس يا سهير."
سلوان جه مكانها جنب سليمة، فميلت عليها باستها من خدها بمرح. فناهد قالت لها:
"هاخد منابي انا من البوس و الاحضان دى بعد الاكل."
راح رامى مميل على ناهد باسها من خدها و قال لها:
"خدي دي منى و انا هبقى احاسبها عليها بعدين."
كلهم ضحكوا على تصرف رامى، و كملوا اكلهم. و اتجمعوا بعد الاكل كلهم يشربوا شاى و قهوة. لكن سليمة و ناهد و سلوان سابوهم و طلعوا فوق بكل الولاد.
و الرجالة فضلوا يتكلموا كلام كتير جدا. و بعد وقت طويل، سليمة كانت نازلة تطلب حاجة من مسعدة. فعبد العزيز سألها عن الولاد، فقبل ما سليمة ترد، سهير قالت:
"بيلعبوا فى اوضة المكتب."
فسليمة قالت بابتسامة:
"الولاد كلهم ناموا من ساعة يا خال."
سهير:
"ناموا امتى.. دول كانوا لسه هنا."
عبد العزيز قام وقف و قال:
"ما تآخذنيش يا هادى يا ابنى، انا كمان هطلع انام."
رامى كمان وقف و قال:
"احنا كلنا كده نقوم ننام يالا، و انت يا سامى، روح انت كمان عشان تنام، عشان تعرف تظبط حساباتك."