تحميل رواية «سل الغرام» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لم تنقطع "سمر" عن البكاء لحظة، بعد أن قام أخيها عن طاولة العشاء وانسحب غاضبًا إلى غرفته. أبت هي الأخرى أن تضع لقمة واحدة بفمها، وهربت إلى غرفتها أيضًا. كانت "ملك" تجلس إلى جوارها على السرير الوثير الجديد الذي اشترته منذ عودتها إلى المنزل. لم تكن تعرف سبب حزن أختها أو ماهية الخلاف الذي دب بينها وبين "فادي" قبل قليل. لكنها استمرت في محاولاتها البريئة للتخفيف عنها، ولم تنفك تحتضنها من حين لآخر وتمسح لها دموعها بأناملها الصغيرة. ظلتا على هذا الوضع، حتى دق باب الغرفة فجأة. ارتعدت "سمر" مكفكفة دموعها...
رواية سل الغرام الفصل الأول 1 - بقلم مريم غريب
لم تنقطع "سمر" عن البكاء لحظة، بعد أن قام أخيها عن طاولة العشاء وانسحب غاضبًا إلى غرفته. أبت هي الأخرى أن تضع لقمة واحدة بفمها، وهربت إلى غرفتها أيضًا.
كانت "ملك" تجلس إلى جوارها على السرير الوثير الجديد الذي اشترته منذ عودتها إلى المنزل. لم تكن تعرف سبب حزن أختها أو ماهية الخلاف الذي دب بينها وبين "فادي" قبل قليل.
لكنها استمرت في محاولاتها البريئة للتخفيف عنها، ولم تنفك تحتضنها من حين لآخر وتمسح لها دموعها بأناملها الصغيرة. ظلتا على هذا الوضع، حتى دق باب الغرفة فجأة.
ارتعدت "سمر" مكفكفة دموعها في كميها بسرعة، وصاحت وهي تحاول إزالة آثار بكائها كلها:
"ادخل!"
لحظة أخرى وظهر "فادي" من وراء الباب.
"صاحية يا سمر؟" قالها "فادي" بلهجة محايدة.
لم تجسر "سمر" على التطلع إليه وهي بهذه الحالة المزرية. خشيت لو تنهار من جديد أمامه فتسوأ نفسيته أكثر بسببها، فقالت بصوت شبه طبيعي وهي تتظاهر بالاهتمام بشقيقتها:
"آه يا حبيبي. كنت هاسرح لملك عشان تنام. إنت إيه جوعت أحضرلك عشا تاني؟"
صمت "فادي" ولم يرد عليها. فتح الباب عن آخره ونظر نحو "ملك" وهو يقول آمرًا بلطف:
"ملك لو سمحتي اطلعي اتفرجي على الكارتون بتاعك برا شوية. عايز أتكلم مع أختك."
حملقت "ملك" فيه ملء عينيها، ثم نظرت إلى "سمر" التي ابتسمت لها ببساطة ثم أومأت لها بمعنى أن تذعن لطلب أخيها.
فعلت "ملك" ما قاله "فادي" وسرعان ما ركضت إلى الخارج بحماسة كي تشاهد أفلام الرسوم المتحركة الجديدة التي اشتراها لها أختها.
يغلق "فادي" الباب من وراءها، ثم يمشي ناحية "سمر" بثبات. كانت لا تزال مشيحة عنه بوجهها، فجلس على طرف الفراش إلى جوارها وانتظر لثوانٍ، ثم قال مباغتًا:
"إنتي كنتي بتعيطي يا سمر؟"
هزت "سمر" رأسها نفيًا وغالبت توترها قائلة بصوت مختلج:
"لأ أبدًا. أعيط ليه بس؟ ربنا ما يجيب عياط ولا زعل يا حبيبي."
وشعرت بيده باللحظة التالية تمسك بذقنها، حبست أنفاسها عندما رفع وجهها ليقبض على نظراتها الدامعة بنظراته الثاقبة.
"عمرك ما عرفتي تكدبي عليا. ولا هاتعرفي يا سمر." قالها "فادي" بنصف ابتسامة.
تسيل الدموع من عينيها في هذه اللحظة لا إراديًا، فيفقد "فادي" تماسكه ويجتذبها إلى صدره بيده السليمة ويضمها بقوة، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر بشدة، وكأنها تفرغ كل الحزن اللا نهائي بداخلها ولا تفلح بالتخلص منه. أبدًا مهما حاولت.
"أنا السبب في كل ده!" تمتم "فادي" بصوت ملؤه الغضب والنقمة على نفسه.
"أنا السبب في كل إللي حصل من البداية. من يوم ما لومتك وإنتي مالكيش ذنب على ظروفنا وخليتك تروحي برجليكي للنار. ولما ربنا سترها عليكي وبدأت حياتك تبقى طبيعية، طلعت أنا في وشك تاني وبوظتهالك للمرة التانية بحجة عجزي. أنا مش عايش إلا عشان أخرب حياتك يا سمر. أنا بقيت متأكد أكتر من الأول إن حياتي مالهاش أي لازمة ولا وجودي له قيمة في حياتك أو حياة ملك."
غمغمت "سمر" منتحبة دون أن تفلت من بين أحضانه:
"ماتقولش كده. أنا فداك. فداكوا إنتوا الاتنين. أنا عملت كل حاجة عشانكوا. أنا ليا مين في الدنيا غيركوا بس؟!!"
"ابنك! ابنك وجوزك يا سمر. أنا آسف إني سرقتك منهم كل المدة دي. آسف إني كنت أناني واستغليت الفرصة عشان أعاقب جوزك بيكي ونسيت إن ابنك هو إللي هايتظلم في النص. آسف يا سمر. سامحيني على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. جايز إللي جرالي ده عقاب من ربنا عشان أنا إللي جنيت عليكي وعلينا كلنا!" قالها "فادي" بجمود.
"لأ يا فادي!" هتفت "سمر" من بين أسنانها معترضة.
ارتدت للخلف ممسكة بكفه بكلتا يداها وهي تستطرد:
"إوعى تفكر في كده. إللي حصلك ده مقدر ومكتوب. مالوش علاقة بإللي حصل. وبعدين أنا إللي غلطت. أنا إللي اتصرفت بغباء وضيعت نفسي أول مرة. إنت مالكش دعوة بحاجة!"
وتابعت بلهجة خاضعة:
"ولو على ابني فهو مش لوحده يعني. معاه أيوه وجدته. عايش وسط أهله أحسن عيشة. هاعوزله إيه أكتر من كده؟ أنا مقدرش أتخلى عن حد فيكوا. لا عنه ولا عنك. عشان كده بحاول أكون معاه باستمرار من غير ما أقصر في حقك يا حبيبي. أنا أشيلك في عنيا وفي قلبي عمري كله."
ابتسم "فادي" لها، ثم قال وهو يحيط جانب وجهها بكفه:
"أنا طبعًا مهما أقول مش هاعرف أوفيكي فضلك. متشكر أوي يا سمر. أنا تعبتك معايا كتير وعذبتك."
كادت تفتح فمها لتحتج على كلامه من جديد، فوضع إصبعه فوق شفاهها قائلًا بصرامة:
"إنتي لازم تسيبيني وترجعي لجوزك وابنك وتكملي حياتك إللي وقفت بسببي. وقبل ما تردي على كلامي وتعترضي على أي حاجة قولتها. أنا موافق على حوار الجواز ده."
حملقت فيه مشدوهة، فأردف مؤكدًا إنما بلهجة لا تخلو من التهكم المرير:
"شوفي كده مين دي إللي ممكن تقبل بظروف واحد زيي. لو لاقتيها مش هاخبطها زي ما قولتي. هاتجوزها فورًا!"
جلس كلًا من "عثمان" و"صالح" إلى مقعدين متجاورين، بينما يجلس مقابلهما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية، و"مراد" الذي ما زال صامتًا حتى الآن ولم ينطق بحرف.
هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء، حتى أن بعض تململ أصاب "صالح" وشعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه. إلا أن صوت المدعو "أدهم" سرعان ما برز قالبًا موازين الجلسة إلى صالحه فقط.
"منورين مكاني المتواضع يا سادة!" قالها "أدهم" بصوته القوي مزيدًا الترحيب بضيوفه.
رد "عثمان" التحية بنفسه ونيابة عن ابن عمه الغضوب:
"بنورك يا دكتور أدهم. متشكرين أوي على حسن استقبالك لينا وخاصةً إننا أغراب عنك."
"عيب تقول كده يا أستاذ عثمان. مراد ده يبقى ابن عمي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة." قالها "أدهم" معاتبًا بحليمية. وضحك مكملًا:
"وحضرتك تبقى صاحبه وصديق عمره زي ما حكالي. يعني تقريبًا بقيت مننا وعلينا زي ما بيقولوا."
"صحح كلامك يا أدهم من فضلك!" صاح "مراد" بحدة فجأة.
تركزت الأنظار عليه، ليتابع بنفس الأسلوب:
"الصداقة دي كانت في الماضي وخلاص خلصت. أنا صحابي رجالة. مش زبالة وأنجاس زيه!"
يتمالك "عثمان" أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة، بينما يلتفت "أدهم" نحو "مراد" موبخًا:
"مراد! إحنا قولنا إيه؟ القاعدة دي اتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده ونجرح في الناس كده من غير ما نفهم كل حاجة كويس."
"انت فاكر إن ده بيتجرح؟ ده أبرد من لوح التلج. ده يجيبلك شلل وانت قاعد صلى على النبي يا أدهم انت ماتعرفوش أدي." قال "مراد" بسخرية.
"عليه الصلاة والسلام. يا سيدي طبيعي ماعرفوش وانت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك. بس لازم نتكلم ونتناقش بالمعروف. دي مش طريقة يا مراد اهدى عشان تفهم." قال "أدهم" بهدوء.
يقطب "مراد" جبينه بشدة مغمغمًا:
"أنا مش طايقه. مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته. ومش عارف يا أدهم انت صممت على القاعدة دي ليه؟ ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة وقرف وماستبعدش أبدًا إنه يكون غوى بنت عمه وإنهم استغفلوني هما الاتنين."
في هذه اللحظة لم يستطع "صالح" كبح نفسه أكثر، فقفز واقفًا لينقض على "مراد" بلمح البصر، فيكيل له الضرب واللكمات العنيفة.
يهب على الفور كلًا من "عثمان" و"أدهم" للحؤول بينهما، ورغم أن ذلك كان صعبًا في بادئ الأمر خاصةً وأن "مراد" استطاع أن يتغلب على "صالح" في لحظة وكاد ينال منه، ألا أن "عثمان" حال دون ذلك وأمسك بتلابيب ابن عمه واجتذبه بعنف صارخًا:
"تعالى هنـــا! انت اتجننت؟ اثبت. ارجع مكانك واوعى تتحرك سامعنـــي؟ يا إما تنزل تستناني تحت!"
يتراجع "صالح" مذعنًا لأمر "عثمان". لكن ما زال غضبه يتفاقم، فيدس يده يجيب سترته ويخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائمًا وبدون مقدمات يفتحها ويفرغ منها بقوة داخل جوفه.
بنفس اللحظة "أدهم" يترك "مراد" بعد أن ضمن سيطرته على نفسه، يلتفت فيرى "صالح" يتجرع هذا الشيء، فتجحظ عيناه وهو يصيح بلهجة مهددة:
"انت بتشرب إيه يا بيـه؟؟؟"
أبعد "صالح" القارورة عن فمه، لينقل نظراته بينها وبين ذاك الذي أطلق سؤاله الساذج بالنسبة إليه، ثم يرد بمنتهى البساطة:
"تيكيلا!"
"خمـــرة!!!" هدر "أدهم" بغضب شديد.
"بـــراااااا. اِطلعوا بـــراااااااا كلكوا!!!"
حاول "عثمان" أن يهدئ "أدهم" عبثًا لم يستطع التفاهم معه، إذ كان مصممًا على طردهم وبدا أن لا نقاش سيجدي معه. ورغم شدة اضطراب "عثمان" إلا أنه أصر ألا يخرج من هنا إلا بالحل النهائي، فهداه عقله إلى تصرف يرضي مضيفهم.
فالتفت نحو ابن عمه بوجهه المحتقن غضبًا، يدفع به إلى خارج الغرفة بطريقته الهمجية ليخفف من غضب "أدهم" عليهم. وهكذا طرد "صالح" وأمره بالبقاء في الأسفل ريثما يهبط إليه، ثم عاد إلى المجلس الصغير وقال وهو يعدل هندامه الذي تشعث كليًا إثر هذه الفوضى:
"إللي انت عايزه يا دكتور أدهم. ماتزعلش نفسك. صالح مشي خالص. ممكن بقى نتكلم في المفيد؟ أنا سامع!"
أغمض "أدهم" عيناه مطلقًا زفيرًا مشحونًا وقال بجفاف شديد:
"أستغفر الله. بص يا أستاذ عثمان. إنتوا بصراحة ماتشجعوش على أي نقاش. لسا ردود أفعالكوا هوجاء وطايشين وده ماينفعش. إذا كنت إنت ولا ابن عمي إنتوا الاتنين غلطانين!"
"أنا مش جاي أسأل مين الغلطان يا دكتور. أنا جيت عشان حضرتك كلمتني وقلتلي جايز الموضوع يتحل. أنا عايز أعرف بقى هايتحل إزاي؟؟؟" قال "عثمان" بصلابة.
صمت "أدهم" قليلًا يستجمع عقلانيته كاملةً، ثم أشار نحو "مراد" قائلًا:
"البيه ده لسا بيحب بنت عم حضرتك وعايزها وندمان على إللي عمله. سيبك من كلامه ده. أنا متأكد من إللي بقوله هو بس كان رافض يصارحني عشان رجولته ناقحة عليه أوي!"
عقد "عثمان" حاجبيه ممعنًا النظر بكلماته، تطلع إلى صديقه فوجده يجلس نفس الجلسة المتوترة ومنكمشًا على نفسه بطريقة مضطربة.
بعد تأمله لبرهة بدأ يقتنع بأقوال "أدهم" نوعًا ما، لكنه عاد يقول له بجدية:
"الكلام ده جميل. ومن ناحيتي أقسملك بالله إن مافيش حاجة حصلت بيني وبين بنت عمي وإنها طول عمرها زي أختي. وطبعًا رجوعها لمراد شيء هايبسطنا وياريحنا كلنا. بس إزاي يا دكتور؟!"
"ده إللي كنت عاوزك فيه. مراد زي ما قولتلك رافض يصارحني. هو قالي إنه طلقها أكتر من مرة. بس بيلف ويدور عليا مش عايز يقولي كام مرة بالظبط." قال "أدهم" بجدية مماثلة.
"3 مرات يا دكتور!" أجابه "عثمان" بصرامة.
عبس "أدهم" قائلًا بلهجة متشددة:
"متأكد؟!"
أومأ "عثمان": متأكد.
وهنا ساد صمت مريب، فتململ "مراد" قلقًا ورغمًا عنه تطلع نحو "أدهم" منتظرًا رده. فلم يجعله ينتظر طويلًا.
"كده يبقى الموضوع منتهي!"
"يعني إيه منتهي يا أدهم؟!!" قال "مراد" بتوتر.
نظر "أدهم" له وقال بصوته القوي:
"يعني خلاص متحرمة عليك يا مراد. لازم محلل. والمحلل عندنا في الدين لو بغرض الرجوع للزوج الأولاني محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»."
"طيب ما هو زواج المحلل مش محرم يا دكتور!" قالها "عثمان" مستفهمًا.
إلتفت "أدهم" إليه، ليكمل موضحًا:
"في ناس كتير بتعمل كده. أعتقد إنه شيء مكروه في الدين لكن مش محرم!"
رفع "أدهم" حاجبيه مدهوشًا من تفكيره وجداله حتى بعد أن آتاه بالبينة.
أراد أن يبرهن له أكثر على صحة كلامه، لكنه أمسك بآخر لحظة وعوض ذلك قال بغلظة:
"حتى لو ده ينفع. أعتقد مافيش راجل يقبلها على نفسه!"
"يقبل إيه بالظبط؟ الجواز؟ ومين الزوج ولا المحلل؟!!" قال "عثمان" بتساؤل.
"الإتنين. وبعدين ده مش مجرد جواز على ورق. شروط المحلل عشان ترجع للزوج الأول ماتطلقش "حتى يذوق عُسيلتها وتذوق عُسيلته". ده حديث عن النبي بردو." قال "أدهم" بحدة.
"يعني إيه الكلام ده يا أدهم؟؟!!!" قال "مراد" بقلق أكبر.
نظر "أدهم" إليه من جديد وفسر له بمنتهى الصراحة:
"يعني المحلل ده لازم يدخل عليها يا رايق عشان ترجعلك!"
جحظت عيني "مراد" بصدمة وما لبث أن نقل ناظريه نحو "عثمان" وكأنه أخيرًا يناشده الحل والمساعدة.
إلا أن "عثمان" لم يكن هنا أبدًا، كان يفكر بعمق. بمسألة حساسة جدًا للغاية.
رواية سل الغرام الفصل الثاني 2 - بقلم مريم غريب
تستيقظ "هالة" من نومها باكرًا. تتمطى بفراشها مستقبلة برحابة أشعة الشمس الدافئة المنبثقة عبر شرفتها المواربة.
كانت الابتسامة ملء وجهها.
ولأول مرة منذ فترة طويلة جدًا تشعر بكل هذه الراحة والتفاؤل. إذ أخيرًا بدت أحلامها المستحيلة تلوح لها من قريب، ولعلها تتحقق أسرع مما تتمنى. بل أنها ستتحقق بالتأكيد، ما من خيار آخر.
تقوم "هالة" بتكاسل من مضجعها، لكنها سرعان ما تستبدله بالنشاط وهي تخلع روب قميصها الخفيف وتھرع إلى الحمام الملحق بغرفتها. تأخذ حمامًا ساخنًا لتنعش ذهنها وتصفيه جيدًا من ضغوطات الفترة الماضية. ثم تخرج ملتفة بمنشفة كبيرة.
فتحت خزانتها وأخذت تبحث بعينيها تارة وبيديها تارة بين كدسات ملابسها. ابتعدت تمامًا عن الألوان القاتمة ذات الطابع الرسمي الذي كان يفضله طليقها. كانت تعرف جيدًا ما الذي يتعين أن تختاره.
اتسعت ابتسامتها وهي تمد يدها لتأخذ ذلك الفستان الزهري المزركش ذي الأكمام الطويلة والقماش الثقيل المصقول. ارتدته من فورها، ثم اتجهت نحو المرآة.
صففت شعرها الطويل وتركته ينسدل خلف ظهرها بحرية دون أن تقيده بشيء، ووضعت بعضًا من مساحيق التجميل الخفيفة، لكنها أكثرت من طلاء الشفاه الأحمر القاني. لطالما عرفت بأن "عثمان" يعشق هذا اللون خاصةً على النساء.
ابتسمت بخجل متحمس وهي تتساءل في نفسها: ترى ماذا ستكون ردة فعله عندما يراها هكذا؟ إنها لدعوة صريحة، ولابد أن يفهمها هذه المرة، يتوجب عليه ذلك بعد كل الذي فعلته لأجله!!!
"صحيتي يا هالة!"
انتفضت "هالة" بخفة حين سمعت صوت أبيها وقد أتى فجأة من خلفها. التفتت إليه لتجده يمشي ناحيتها بتؤدة لتكتشف أنها لم تكن منتبهة لأي شيء أثناء شرودها بخططها المستقبلية والمتعلقة كلها بابن عمها وحبيب عمرها، "عثمان البحيري".
"بابي!" هتفت "هالة" بابتسامة مشرقة.
"تعالى يا حبيبي. أنا صحيت من شوية وكنت جاية أصحيك عشان ننزل نفطر كلنا، بس شكلك صاحي من بدري."
يقف "رفعت" أمامها وهو يعلق بغرابة:
"أحوالك عجيبة أوي الفترة دي، وبتصحي بدري كمان!"
قهقهت "هالة" برقة قائلة:
"إيه يا بابي، وأنا من إمتى كنت كسولة؟ أنا طول عمري نشيطة أوي."
يرمقها "رفعت" بنظرة فاحصة، ثم يقول بنبرة ذات مغزى:
"أحمر على الصبح يا هالة!"
يا ترى عشان مين الشياكة دي كلها؟!
ترتبك "هالة" لدى سماع ملاحظة أبيها الموحية، لكنها ردت بثبات قدر استطاعتها:
"إيه عشان مين دي يا بابي؟ مش عشان حد طبعًا. هو عيب لما أبقى حلوة في أي وقت يعني؟!"
مط "رفعت" شفاهه للأسفل وهو يقول:
"لأ مش عيب ولا حاجة، بس مش شايفة إن تصرفاتك مش ماشية خالص مع الظروف اللي بتمري بيها."
عبست "هالة" وهي تقول بضيق شديد:
"أيوه إيه هي بقى ظروفي؟ يا بابي إحنا اتكلمنا في الموضوع ده كتير، وإنت بنفسك قولتلي إللي حصل حصل. ليه عايزني أحطه في دماغي وكل شيء انتهى خلاص؟ أنا من حقي آ Move On بحياتي بقى، مش هفضل واقفة مكاني يعني."
"Move On!" تمتم "رفعت" وهو يومئ برأسه ويحرك عينيه يمينًا وشمالًا كأنما يتأمل عبارتها.
نظر لها من جديد وقال وقد اتسم محياه بقسوة فجائية:
"عايزة تتخطي أكبر مصيبة في حياتك بالسهولة دي يا هانم؟؟؟"
"مصيبة إيه دي؟!!!"
"طلاقك!" صاح "رفعت" بغضب.
"طلاقك في السن ده أكبر مصيبة. إنتي مش حاسة بإللي بقيتي فيه؟ ونظرة الناس ليكي هتبقى إزاي!!!"
تنهدت "هالة" مغمضة عينيها بقوة، ثم فتحتهما ثانيةً ونظرت إلى أبيها قائلة بشيء من الهدوء:
"بابي.. حضرتك عارف كويس إن الوضع ده مش هايطول. عثمان اتصل امبارح وقال إن مراد عايز يرجعني. وطبعًا ده مستحيل إلا لو لجأنا لحل واحد بس."
فهم "رفعت" ما ترمي إليه ابنته على الفور، ليقول بحدة:
"ده إللي إنتي حاطاه في دماغك بقى؟ عايزة عثمان يكون المحلل وتمثلي إنك موافقة ترجعي لجوزك صح؟"
تمسك "هالة" بيديه وتتوسله بوهن:
"بابي أرجوك إوعى ترفض. لو عثمان جه وطلب يتجوزني حتى لو محلل إوعي تقوله لأ، دي هاتكون فرصتي الوحيدة معاه!"
يسحب "رفعت" يديه من قبضتيها بقوة هاتفًا بسخرية:
"إنتي فاكرة حتى لو اتجوزك هايقدر يعاملك كزوجة؟ عثمان عمره ما يعمل كده. هو فيه العِبر لكن كرامة أهله وصديق عمره عنده في المقام الأول. والأهم من كل ده سيادتك إنه فعلًا متجوز. إنتي إزاي خطر على بالك أنه ممكن يطلبك للجواز وفي واحدة تانية على ذمته؟!"
"هايطلبني يا بابي.. صدقني عثمان هايطلبني للجواز عشان يرجعني لمراد. لكن أنا مش هاسمحله يسبني لما ده يحصل. أنا هاعرف إزاي أخليه يتمسك بيا ويحبني زي ما بحبه. أنا بس محتاجة فرصة أقرب منه.. فرصة واحدة بس بلييزززز ساعدني!"
عقد "رفعت" حاجبيه وهو ينظر إليها مشفقًا وغير راضيًا في آن. كانت أمامه كالمسكينة لا تستحق أن يفطر فؤادها بأيّ وسيلة خاصةً بعد الذي قالته.
لكنه وجد نفسه يفصح لها بصرامة:
"هالة.. عثمان كلمني شوية. قالي هانحل مشكلتك إزاي.. وماكنش في كلامه أي نية لجوازه منك!"
تلاشت لمعة الأمل من عيني "هالة" وانطفئت شعلة الحماس التي اجتاحتها منذ حلول رابطة زواجها.
نظرت إلى أبيها بوجوم مريب، ليكمل هو قاضيًا على بقايا الأمل بداخلها دفعة واحدة:
"بالعكس.. هو اقترح حد تاني خالص. بس لسا بندرس القرار كويس. ولو لاقيناه مناسب هايتنفذ.. فاهماني؟"
لا..
لم تفهم "هالة" أي شيء. كان ذهنها مشوشًا لأبعد الحدود، إذ شعرت كما لو أن بناءًا استغرق تشييده سنوات، ثم أتى أحدهم ونسفه بلحظة.
هكذا هوت أحلامها واستحالت سرابًا، لكنها لا تزال ترفض فكرة التخلي عن حبيبها، "عثمان" لها، مهما كلف الأمر هو لها.
يصل النهار لمنتصفه، وكما تجري العادة أحيانًا تغيب الشمس خلف سحب ديسمبر الرمادية، بل تهطل أمطار خفيفة فوق المدينة الساحرة الفريدة، عروس البحر الأبيض المتوسط "الإسكندرية".
لكن ذلك لم يمنعه من المرور على بائع الزهور القريب من بيتها، حتى يشتري لها ولأول مرة منذ غادرت حياته بمحض إرادتها باقة من "الليلك". نوعها المفضل، والتي ترمز بلونها الأبيض إلى البراءة، والأرجواني إلى العواطف والفخر والثقة.
حتمًا أن كل هذه صفاتها. لا يخالجه شك بأن زوجته تجمع بداخلها كل تلك الخصال المثيرة للإعجاب، لكنها تخفي، لطالما فعلت ذلك وتستمر في فعله. لكنه اليوم عازمًا على إنهاء وصلة عصيانها، سيجعلها تخضع له ولن يجد أي صعوبة في السعي خلف ذلك، فمتى خيبت أمله!
يصل "عثمان" إلى الحارة التي تقطن بها زوجته، يركن سيارته أسفل بنايتها، ثم يترجل مجتذبًا باقة الزهور في يده. كان قد استقطب جميع الأنظار إليه فور دخوله إلى المنطقة الشعبية بسيارته الفخمة الفارهة.
لكنه من بين كل الذين يرمقونه بنظرات الفضول والإنبهار لم يهتم لإلقاء نظرة إلا على شخص واحد فقط!
لاحت على فمه ابتسامة مغترة لا تخلو من الهزأ وهو يرشق ذاك ال"خميس" نجل الجزار الذي كان معجبًا بزوجته ويطمح في الارتباط بها بنظرة مستخفة، ثم أدار رأسه ثانيةً واتجه إلى داخل البناية تتبعه نظرات حقد من أعين "خميس" المشتعلة.
صعد "عثمان" إلى شقة زوجته. جاء ليدق الجرس، لكنه وقف متسمرًا أمام بابها، فجأة أصبح مترددًا هكذا، ولا يعرف السبب. فقط ظل على وضعيته، وسرعان ما سرقته ذكرى الليلة الماضية.
Flash Back ... فلاش باك
بعد أن انفض المجلس الصغير، وذهب "مراد" بسبيله خائبًا خالي الوفاض، استوقف "عثمان" الدكتور "أدهم عمران" وأخذه بعيدًا عن "صالح" الجالس بالسيارة منتظر عودة ابن عمه.
لم يتردد وهو يفصح له عن المشكلة الجسيمة التي ارتكبها بحق أسرته وزوجته تحديدًا، أحس ناحيته ألفة وطمأنينة جعلته يسهب في شرح وتوضيح كافة التعقيدات منذ البداية. وبدوره استمع "أدهم" إليه باهتمام شديد.
ليقول بجدية فور انتهاء الأخير من الحديث:
"طيب قولي الأول يا أستاذ عثمان.. إنت بتحب مراتك بجد؟"
أجابه "عثمان" دون تفكير:
"بحبها طبعًا يا دكتور. لو ماكنتش حبيتها ماكنتش اتجوزتها مهما حصل وخصوصًا بعد إللي مرينا بيه سوا."
أدهم مبتسمًا: "طيب لما هو كده. ليه تظلمها معاك وتعذبها؟ على فكرة إنت حياتك كلها متهربة وبإيدك إنت. إنت لسا ماهدتش لطريقك للأسف."
زفر "عثمان" بضيق قائلًا:
"يا دكتور أرجوك أنا مش جاي آخد محاضرة أخلاق وقيم.. أنا بسأل سؤال وعايز جوابه. دلوقتي كده لما أحب أرجعها أعمل إيه؟ المشاكل إللي بينا خلاص هاتخلص في أقرب وقت. بس لسا في المشكلة دي إللي حكيت لحضرتك عنها.. المطلوب إيه دلوقتي؟!"
يهز "أدهم" رأسه رامقًا إياه بنظرة مدهوشة والابتسامة لا تزال عالقة بثغره الدقيق، لكنه قال في الأخير بلطفه المعهود:
"طيب أستاذ عثمان.. هاجاوبك. مبدئيًا مافيش شك إن إللي عملته خطأ كبير.. إنك تحلف على مراتك بيمين صعب وأبدي زي ده. كانت بتتقال زمان (إنتِ عليّ كظهر أمي وأختي) يعني تشبيه الرجل لزوجته أو لجزء منها بإحدى النساء المحرمات عليه تحريمًا مؤبدًا. بس لما القرآن نزل ربنا حرم اليمين ده أصلًا وجعل له كفارة (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)."
"كفارة بس؟ يعني مش زي الطلاق والمحلل والكلام ده كله إللي حصل مع مراد؟!"
نفي "أدهم" كلامه مؤكدًا بقوله:
"كفارة يا أستاذ عثمان الموضوع بعيد عن الطلاق. إنت حلفت عليها بس ماقولتش مثلًا تبقي طالق. أو إنتي طالق. مجرد يمين لو حبيت ترجعها هاتكفر عنه."
"طيب أكفر عنه إزاي؟" تساءل "عثمان" بحيرة.
أدهم بابتسامة: "واضح إنك ندمان إنت التاني ومشتاق لزوجتك.. هاقولك. هاقولك يا أستاذ عثمان وأكسب فيك ثواب!"
Back
يفيق "عثمان" من الذكرى حين انفتح باب الشقة فجأة.
سمع شهقة متفاجئة، أعقبها صراخ طفولي انفجرت به شقيقة زوجته الجميلة اللطيفة، "ملك".
"عثماااااان!" صاحت "ملك" بفرحة عارمة فور أن رأت زوج أختها.
قفزت عليه وتعلق بخصره بكلتا ذراعيها وهي تهتف بحب:
"وحشتني أوي أوي أوووووووي يا عثمان!"
يبتسم "عثمان" بمودة وهي ينحني ليحمل الصغيرة على ذراعه قائلًا:
"الآنسة لوكا بنفسها مستقبلاني. إنتي إللي وحشتيني أكتر يا بيبي.. وطبعًا قبلة أبوية على خدها."
"بس قوليلي ساهانم كنتي فاتحة الباب كده ورايحة فين؟ بتخرجي من غير إذني ولا إيه؟"
كان يتظاهر بالزجر والحزم، لترد الصغيرة ببراءة:
"لأ والله مش بخرج غير مع سمر. أنا كنت نازلة عند ماما زينب بس عشان سمر عاوزة منها حاجة."
أومأ "عثمان" بتفهم وهو يخطو خطوة داخل الشقة قائلًا بصوت خفيض:
"إممم. أوك يا لوكا.. يعني سمر دلوقتي في أوضتها لوحدها صح؟"
"أيوه لوحدها. وفادي مش هنا كمان."
"عارف يا حبيبتي إنه مش هنا!" قالها "عثمان" وقد التوى ثغره بابتسامة خبيثة.
حشر باقة الزهور بسن ذراعه وساعده ومد يده إلى جيبه الخلفي مجتذبًا مغلف الحلوى الذي تفضله "ملك"، ليشرق وجهها بالفعل ما أن لوح به أمام عينيها الجميلتين.
"أنا طبعًا مستحيل أنسى لوكا بتحب إيه وماجبلهاش منه معايا!" تمتم "عثمان" مقبلًا خدها مرة أخرى.
قبضت "ملك" على مغلف الشوكولاه صائحة بابتهاج:
"هيييييه الشوكلاتة إلاي بحبها!"
"أيوة يا قلبي هي.. بس أنا بقى عايزك تاخديها وتنزل عند ماما زينب زي ما أختك قالتلك. بس ماتطلعيش علطول. خليكي قاعدة تحت لحد ما أندهلك عشان أنا عايز أتكلم مع أختك في موضوع مهم.. أوك؟"
أومأت "ملك" موافقة:
"أوووك."
"قلبي.. Give Me A Five بقى!"
ابتسمت الصغيرة فظهرت غمازاتها وهي تبسط كفها ولتضربه بكفه المفتوح كناية عن الوفاق، قبلها "عثمان" على جبهتها للمرة الأخيرة، ثم أنزلها ورآها تركض إلى خارج الشقة. انتظر حتى اطمئن بأنها هبطت عند السيدة "زينب" وأن الأخيرة استقبلتها، ثم ولج من جديد وأغلق الباب من خلفه، حتى أنه أوصده بالمفتاح وتركه بالقفل حتى لا يستطع أحد فتحه.
عدل هندامه سريعًا، حمحم منظفًا حنجرته، ثم اتجه مباشرة بخطواته الواثقة نحو غرفة زوجته!