تحميل رواية «سأخرجك من الظلام» PDF
بقلم نورسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا تعبت بجد يا فندم بقولك الدوا ده قبل الأكل والتاني بعد الأكل. "يعني ده قبل وده بعد؟" كانت تتحدث سيدة كبيرة في العمر، لتأخذ نفسًا عميقًا. "بصي حضرتك أنا أصلاً مش صيدلانية، روحي للدكتور اللي هناك ده هو هيفهمك." أنهت كلامها وهي تشير لشاب يقف بعيدًا. ابتعدت عن السيدة العجوز لتتجه لغرفة مريضتها التي أتت منذ ما يقارب ٦ أشهر. لم يظهر لها قريب سوى فقط حارسها الشخصي، فهي سيدة أعمال عاشت عمرها في إيطاليا وقد حجزت جناحًا خاصًا بها لتجلس به. دَلفت غرفتها وهي تبتسم. "صباح الخير يا تيتا رحاب." فهي تحبها وت...
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الأول 1 - بقلم نورسين
أنا تعبت بجد يا فندم بقولك الدوا ده قبل الأكل والتاني بعد الأكل.
"يعني ده قبل وده بعد؟"
كانت تتحدث سيدة كبيرة في العمر، لتأخذ نفسًا عميقًا.
"بصي حضرتك أنا أصلاً مش صيدلانية، روحي للدكتور اللي هناك ده هو هيفهمك."
أنهت كلامها وهي تشير لشاب يقف بعيدًا.
ابتعدت عن السيدة العجوز لتتجه لغرفة مريضتها التي أتت منذ ما يقارب ٦ أشهر. لم يظهر لها قريب سوى فقط حارسها الشخصي، فهي سيدة أعمال عاشت عمرها في إيطاليا وقد حجزت جناحًا خاصًا بها لتجلس به.
دَلفت غرفتها وهي تبتسم.
"صباح الخير يا تيتا رحاب."
فهي تحبها وتعتبرها جدتها منذ مكثها في المشفى.
بادلتها الأخرى ابتسامتها التي أظهرت تجاعيد عينيها.
"تعالي يا حبيبتي اقعدي جمبي."
اقتربت منها لتلقي نظرة على المصل المعلق في يدها لتقدم بتعديله، ثم همت بالجلوس بجوارها لتتحدث بمرح.
"إيه أخبارك يا تيتو؟"
لتقهقه الأخرى عليها.
"تيتو كويسة، انتِ عاملة إيه يا ليان؟"
اقتربت منها لتمسك بكف يدها.
"أنا كويسة الحمد لله."
"شكلي خلاص هطلع من المستشفى."
"ممكن على بكرة، بس هتبقي محتاجة رعاية في البيت."
لتبدل رحاب الوضع وتقوم هي بإمساك يدها.
"وأنا عايزاكي انتِ معايا، أنا خلاص اتعودت عليكي."
"بس أنا مش هعرف أسيب المستشفى."
شدت الأخرى على يدها.
"أنا مش عايزاكي طول اليوم، تعالي بس شوفيني."
حينما استشعرت الصغرى قلق رحاب وأنها فقط تريد الاهتمام والرعاية، أومأت لها بابتسامتها المشرقة.
"حاضر يا تيتو."
قاطعهم صوت طرق على الباب ومن بعده دخل حارسها الشخصي الذي يرعب الجميع بهيئته، فهو طوال الوقت يرتدي الملابس السوداء ونظارات شمسية. لما تسمعه يتحدث، من قبل يكتفي بالنظر لها، نظرات ترعبها.
استقامت من مكانها دون النظر له.
"عن إذنك هشوف بقية الحالات وهعدي عليكي آخر اليوم."
ابتعدت عنها لتهم بالخروج، لكن نظراته المتفحصة كانت تتبعها إلى أن أغلقت الباب خلفها.
ليقاطعه صوت رحاب.
"كفاية يا ادم، كلتها بعينيك."
وجه نظره لها ببرود كالعادة.
"وأنا هبصلها ليه؟ انتِ واثقة فيها؟"
ابتسمت بجانبية له.
"آه، واثقة فيها زيك كده."
نظر لها بجانبية لتكمل.
"أوعى تكون فاكرني عبيطة، أكيد انت دورت وراها وعرفت عنها كل حاجة عشان كده سايبها معايا."
استقام هو من مضجعه وهو يعدل سترته.
"ده شغلي يا رحاب هانم، عن إذنك."
أنهى كلامه وهو يرتدي نظارته الشمسية ويتوجه للخارج.
سار في الممرات إلى أن لمحها، كانت تجلس في وضع القرفصاء أمام فتى صغير.
"يا زين يا حبيبي تعالا يلا عشان تكشف."
نظر لها الطفل بعبوس.
"لأ، أنا مش عايز حد تاني يكشف عليا، أنا عايزك انتِ."
"يا دودو أنا مش دكتورة أطفال."
ليغضب الصغير أكثر وهو يضرب بقدمه الأرض.
"أنا مش طفل، وعلى فكرة بقا انتِ دكتورة مش شاطرة."
نظرت له بتفاجؤ وهي تشير لنفسها.
"أنا.. أنا دكتورة مش شاطرة كده يا دودة؟"
نظر للجهة الأخرى دليل عن غضبه.
انهالت تخرج من جيبها لوح من الشوكولاتة لتتحدث وهي تتدعي الحزن.
"ماشي براحتك، أنا همشي بس يخسارة كنت جايبالك شوكولاتة."
التفت لها الصغير سريعًا.
"هاتيها."
أبعدت اللوح من بين يديه وهي تتحدث بضيق.
"لأ مش هديك، مش أنا دكتورة مش شاطرة."
اقترب منها وهو يحاوط رقبتها ليقبلها على وجنتها.
"لأ انتِ أسطر دكتورة هنا أصلاً."
لتقهقه بينما تقوم بحمله.
"مع إني مش فاهمة نص كلامك، بس خد الشوكولاتة أهي."
كان يتابعها من بعيد وقد ابتسم رغماً عنه على طريقتها.
ما أن أدرك نفسه ارتدى وجهه الجمود مجدداً ليتحدث مع نفسه.
"إيه، هنخيبوا ولا إيه يا ادم."
خرج من المشفى وركب سيارته ليوجه كلامه لصديقه ويده اليمنى أيان.
ليتحدث وهو يغلق باب السيارة.
"عايزك تزود الحراسة، رحاب هانم هتطلع بكرة."
أومأ له أيان ليتحدث بعد تفكير.
"طب هي مش هتحتاج حد يخلي باله منها؟"
أجابه وهو ينظر أمامه.
"أكيد هتجيب الدكتورة بتاعتها."
***
في المساء.
"ماما أنا هطلع أقعد مع رقيه شوية."
أجابتها والدتها بحدتها المعتادة.
"متتأخريش، أما نشوف آخرتها إيه."
لم تجبها لتتجه للأعلى حيث تمكث صديقتها المقربة.
طرقت على الباب عدة طرقات إلى أن فتح لها الباب من قبل يوسف شقيق رقيه الصغير صاحب ١٦ عامًا.
لتسأله بمرح.
"رقيه جوه يا شاطر؟"
لينظر لها بضيق وهو يغلق الباب في وجهها.
"لأ."
وضعت يدها على الباب سريعًا تحاول دفعه.
"استنى بس يا چو مالك قماص ليه كده، أنا بهزر."
ابتعد عن الباب مما أدى لدخولها بشكل مفاجئ وسقوطها على الأرض.
"وأنا مبحبش الهزار اللي دمه تقيل."
"حبيبي تسلم."
نهضت من على الأرض وهي تعدل هندامها.
"هي رقيه جوه؟"
نظر لها بغيظ.
"معرفش، أنا نازل مش عارف انتِ كل يوم عندنا حاجة تقرب."
لتجيبه وكأنها لم تستمع له.
"وأنا بحبك أكتر يا چو."
نظر لها بتقزز وهو يغلق الباب بقوة.
اتجهت لغرفة صديقتها.
"انتِ لسه نايمة كل ده؟"
اقتربت منها وهي تحاول إيقاظها لتقوم بهزها.
"يا روكا اصحي بقاا."
لتجيبها بنعاس.
"إيههه؟ عايزة إيههه؟"
"اصحي يلا عشان نقعد مع بعض."
نهضت بجزئها العلوي لتستند بظهرها على طرف الفراش.
"بس أنا عايزة أنام، تعبانة من الشغل."
لتتحدث كأنها لم تستمع لها.
"اغسلي وشك وأنا هروح أعملنا نسكافيه وفشار."
تركت صديقتها تستفيق واتجهت للمطبخ لتعد لهم بعض المسليات.
بعد قليل من الوقت.
جلسوا في الشرفة.
تنهدت وهي تميل برأسها تسنده على كتف صديقتها رقيه.
"تفتكري هو مبسوط دلوقتي؟"
نظرت لها رقيه قليلاً وهي تحاول إيجاد إجابة مناسبة.
"مظنش، محدش يبعد عنك ويبقى كويس."
أبعدت رأسها عن كتفها.
"بجد يا رقيه ولا بتقولي كده وخلاص؟"
وضعت كوب النسكافيه على الطاولة لتنظر لها.
"بجد يا ليلو، إحنا صحاب من امتى؟ يمكن من ١٠ سنين أو أكتر، صح؟"
أومأت لها الأخرى برأسها.
"عمرك عملتي حاجة تزعلني؟"
نظرت لها الأخرى وهي تحاول التذكر هتفت بخفوت.
"مش فاكرة."
اقتربت منها وهي تمسك يدها لتحدثها.
"عشان لاء يا لينا، انتِ بتخافي تتكلمي مع حد براحتك، مع إن دي طبعك عشان متزعلوش. انتِ على قد ما إنك شخصية قوية وتقدرى تعتمدي على نفسك، على قد ما مفيش أطيب منك. شوفتي كتير واستحملتي كتير وفي الآخر بتصحي الصبح تضحكي وتهزري عادي على الرغم اللي حصل فيكي."
أغرورقت عيناها بالدموع وهي تستمع لكلمات صديقتها لتحتضنها وهي تبكي بقهر. تبكي وهي تتذكر كل شيء. كانت تحاول أن تتماسك، لكن ماذا بعد؟ فا لكل شخص مقدار من التحمل.
***
اليوم التالي في المستشفى.
كانت تسير في ممرات المستشفى تنظر للأرض بشرود وهي تدندن بصوت منخفض.
"و بسألك بتحبني ولا الهوا عمره... آههه."
أنهت كلماتها بصوت مرتفع نسبياً بعد أن اصطدمت رأسها في شيء صلب. رفعت عينها لتنصدم، وجدت ذلك الحارس المرعب كما تسميه.
رجعت بعض خطوات لتتحدث.
"أنا أسفة جداً لحضرتك، ما أخدتش بالي."
كان ينظر لها وهو في حالة صمت. لتنبس في سرها أو كما تعتقد ذلك، فصوتها كان مرتفع.
"شكله مش بيفهم عربي، أكيد بيفهم إنجليزي، ده لعبتي."
نظرت له بابتسامة وهي تتحدث.
"Sorry sir, I didn't notice you."
لم تتلقى منه سوى الصمت. فقط لتنبس مع نفسها.
"إزاي مفهمونيش؟ ده من إيطاليا البلد، ولا إيه؟"
لتشهق وهي تضع يدها على فمها وتتحدث.
"يعني إيه ده شكله أطرش."
حاول أن يكبح ابتسامته من تصرفاتها التي تظهرها بطريقة طفولية.
لتبدأ في الإشارة له وهي تفعل حركة مثل الصينيين تدل على الأسف.
كان ينظر لها وهو يحاول أن يكبح نفسه عن الضحك.
لتكمل إشارة له وهي تتحدث ببطء.
"أنا مكنش قصدي أخبطك."
توقفت عن الحركة لتنظر له وهي تتحدث.
"يعني بقا شَب زي الورد كده طول وعرض ومش بيسمع، ربنا يشفيه."
أنهت كلماتها ثم ابتسمت وهي تلوح بيدها له لتهم بالرحيل.
توجهت لغرفة رحاب.
"صباح الفل والياسمين على أحلى تيتو."
ابتسمت لها بحب.
"صباح العسل يا ليلو."
لتقترب منها وهي تنزع المصل من يدها.
"كده انتِ تمام، تقدر تروحي بس محتاجة رعاية."
لتمسك يدها التي كانت تنزع بها المصل.
"وأنا لسه عايزة الرعاية منك انتِ."
نظرت لها مطولاً لا تعرف ماذا تفعل، فا هي طبيبة ولديها حالات كثيرة ولا تريد التقصير في حقهم.
لتمسك هي على يد رحاب.
"هاجي معاكي بس بكرة أطمن عليكي، ماشي؟"
ابتسمت لها ابتسامة أظهرت تجاعيد عينيها.
"ربنا يباركلك يا بنتي."
همت في الخروج من الغرفة لتجده يقف على الحائط يستند عليه بملابسه السوداء المعتادة.
اكتفت بالتلويح له وهي تبتسم. اكتفى هو بتصويب نظراته عليها.
لتهمهم في سرها.
"ربنا يشفيك."
***
كانت تجلس في منزلها على سريرها وهي تقلب في هاتفها ليقاطعها صوت طرقات على باب غرفتها لتأذن بالدخول ومن غيره والدها العزيز.
همت بالوقوف وهي تتوجه له لتقوم باحتضانه وتقبيل رأسه لتتحدث بصوت طفولي رقيق.
"عامل ايه يا بابا؟ وحشتني أوي."
ليبادلها هو أيضاً يقربها له أكثر.
"وانتِ وحشتيني أكتر يا حبيبة بابا."
وكالعادة سمعت صوت والدتها التي تتحدث بتذمر.
"آه، دلعك ده هو المبوظها."
التفت لها عمران والد ليان.
"مبوظها ليه؟ ما بنتي دكتورة قد الدنيا."
ليكمل وهو يضمها أكثر له.
"ومش بس كده، دي دارسة في إنجلترا كمان."
نظرت لها سميرة والدتها بحدة.
"و يعني مريم مش بنتك؟ ما هما كمان بيدرسوا برا."
أجابها ببعض الغيظ.
"ليه؟ وهو اللي بيدرس في القاهرة ده كده؟ بيدرس بره؟ متشغليش بالك، هما الاتنين عيالي وأنا مش بفرق ما بين حد."
أنهى كلامه مغادراً الغرفة ليتركهم، فا لقد سئم من أسلوب والدتها. فهي تحبها وتخاف عليها لكنها تريد أن تتحكم في حياتها ولأنها دائماً تعترض فتتلقى القسوة، عكس شقيقتها مريم فا هي تستمع لكلام والدتها دائماً.
***
بعد يومين.
"الو يا تيتا، أنا دخلت الشارع أهو، مفيش غير فيلا بس القدامي."
نطقت كلماتها وهي تنظر لتلك الفيلا أو القصر بإنبهار لتجيبها رحاب.
"أيوا يا بنتي، هي دي. ادخلي، أنا عطيت للحرس إذن دخولك."
أغلقت معها وهي تسير بخطواتها لذلك القصر الذي يدل على مدى ثراء أفراده. ما أن اقترب من البوابة حتى فتح لها الحراس الباب. دلفت للداخل وهي تتلفت حول نفسها تنظر لكل الأثاث والانتيكات. ليقاطعها صوت رحاب.
"هتفضلي فاتحة بوقك كده كتير؟"
التفتت لها لتقترب منها في نية معانقتها.
"وحشتيني يا تيتا، الفيلا تحفة ماشاء الله، بقا كنتي سايبة كل ده وقاعدة في المستشفى."
أنهت كلماتها مع ابتعادها عنها.
وضعت رحاب يدها على خصلات ليا.
"هعمل إيه بالقصر وأنا قاعدة طول اليوم لوحدي."
ما أن استشعرت نبرة الحزن منها اقترب منها تمسك ذراعها.
"تقعدي لوحدك وأنا موجودة برضو، حضريلي أوضة هنا عشان مش هسيبك."
ابتسمت لها وهي تسحبها من يدها.
"انتِ تنوري في أي وقت يا حبيبتي، تعالي أفرجك على الفيلا."
مر وقت بين الضحك والمرح بينها وبين رحاب، وأيضاً قامت بفحصها ليتأخر الليل.
"أنا همشي بقا يا تيتو."
"ليه بس يا حبيبتي؟ وبعدين الوقت اتأخر أوي إنك تمشي لوحدك."
نهضت وهي ترتدي حقيبتها.
"معلش، انتِ عارفة إن عندي شفت بليل واستأذنت ساعتين عشان أقعد معاكي."
اقتربت منها وهي تقبل رأسها.
"هجيلك تاني، هجيب ماما كمان، انتِ عارفة بتحبك إزاي."
مسحت رحاب على يد الأخرى.
"إنتوا تنوروا، استنى أخلي حد من الحرس يوصلك."
ابتعدت مسرعة عنها.
"لأ ملوش لزوم، أنا هاخد تاكسي من قدام الفيلا، يلا عن إذنك."
أنهت كلامها مع رحيلها.
خرجت من الفيلا لتسأل الحارس.
"لو سمحت أركب تاكسي منين؟"
أشار لها اتجاه شارع بوابة أخرى للفيلا.
"من هناك هتلاقي تاكسي، بس ممكن تقفي شوية."
شكرته مع مشيها اتجاه البوابة الأخرى. كان شارع مظلم نوعاً ما. وقفت ما يقارب الخمس دقائق لم يمر أي سيارة أجرة. استمعت لصوت يشبه صوت الهمس لتقترب قليلاً لتلمح رجلين يرتديان زي الحراسة يقفان في زقاق ويتحدثان.
"عايزين دكتور شاطر يخلص لنا الموضوع ده."
ليجيبه الآخر.
"ويكون موثوق، دي تجارة أعضاء يعني لازم حد ثقة، يا إما نعمل العملية ونخلص عليه."
شهقت بصوت مرتفع نسبياً من الحديث الذي سمعته. التفت لها الرجلان.
لكن قبل أن يلاحظانها، وجدت يد تقبض على فمها من الخلف وتسحبها. حاولت الفرار لكنها لم تستطع. ابتعد عنهم قليلاً ليقف أمامها وهو مازال يده على فمها لتتفاجئ به.
"انتَ؟!"
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الثاني 2 - بقلم نورسين
"انتَ"
نبست بها بصدمه لتتحدث سريعًا:
"دول ..دول تجار أعضاء عايزين دكت.."
صمتت ما إن أدركت أنها لا يسمعها.
لتمسكه بيدها بحركة سريعة تحاول سحبه خلفها لمكان الرجال مرة أخرى.
وقف هو مع سحبها ليدها بقوة.
ليرتد جسمها بقوة اصطدمت بصدره.
لتشير له وهي تتحدث:
"لازم نبلغ عنهم، دول قتالين قتلة وبيبيعوا أعضاء."
كان يريد التحدث معها وتهدئتها، لكن أعجبه الوضع وكيف تحاول أن تشرح له بفعل حركات عشوائية لا علاقة لها بما تقوله.
أدركت قُربها منه ونظراته لها المتفحصة.
لتبتعد عنه وهي تنظر له تحاول الوصول لطريقة للبلاغ عن هذين الرجلين.
وضعت يدها على أذنها مثل حركته:
"أنا هبلغ الشرطة عنهم. إنت تعرفهم؟"
نظر لها قليلاً ليحرك رأسه في حركة تدل على الرفض.
ابتسمت له وهي تتحدث:
"أخيراً فهمتني. طب مفيش كاميرات هنا؟"
نظر لها لا يعرف ماذا يفعل.
لا يريد الاستمرار في الكذب عليها، لكنه يعجبه الوضع.
وجدته مازال ينظر لها.
"وإنت بتبصلي كده بتفكرني بطرزان لما كان بيبص لچين."
أنهت حديثها مع نفسها وهي تضحك.
أخرجت مفكرة صغيرة كتبت بها بعض الكلمات له لتعطيها له:
"إنت تعرف توصلهم عشان نبلغ عنهم؟ باين من لبسهم إنهم حراس للفيلا وكده خطر على تيتا رحاب."
كان يقرأ كلماتها وهو يفكر في طريقة ليحل بها سوء التفاهم ذلك.
لكنه لم يبدُ ذلك.
ليكتب هو أيضاً ويعطيها لها:
"متقلقيش، أنا هتصرف. هخلي حد يوصلك."
أومأت له.
فهي خائفة من السير بمفردها.
---
عادت لمنزلها وهي مازالت تفكر عما يجب أن تفعله.
اتجهت لغرفتها لتجد باب الشرفة مفتوح.
ذهب لتغلقه، لكنها تفاجأت بوجود شقيقتها.
تحدثت بلهفة وهي تحتضنها:
"وحشتيني أوي. إنتِ جيتي إمتى؟"
بادلتها الأخرى العناق:
"جيت من ساعتين كده."
بعدها عن حضنها:
"مالك خسيتي ليه كده يا بت يا ليلو؟"
ضحكت الأخرى على طريقة شقيقتها في الحديث:
"خسيت من الشقا والوقفة طول اليوم."
أمسكت مريم يدها وهي تتجه بليان لداخل الغرفة:
"ما إحنا ياما قولنالك بلاش، طب دي مش للبنات."
أبعدت ليان يدها عنها:
"مريم بلاش الكلام ده، دي كانت كلية أحلامي والحمد لله دخلتها."
"دخلتيها في مقابل إنك خسرتي علاقتك مع ماما؟"
أجابتها بعنف:
"أنا مخسرتش حاجة، هي أصلاً طول عمرها بعيدة عني. عايزة تمشيني زي ما هي عايزة، ولما معرفتش معايا بقت بتمشيكي إنتِ."
تحدثت مريم بضيق من طريقة شقيقتها:
"أنا محدش بيمشيني، أنا بعمل الصح."
لم تجبها ليان واتجهت للمرحاض.
فهي قد اكتفت من ذلك الحديث الذي لن ينصرها أحد فيه.
---
"وإنت ناوي تعمل إيه يا أدم؟"
نبس تلك الكلمات أيان صديقه:
"مش عارف، بس إحنا لازم نتصرف في دكتور وبسرعة قبل ما هما يجيبوا حد من طرفهم."
صمت أيان قليلاً يفكر لإيجاد حل:
"طب ما تشوف الدكتورة بتاعت رحاب هانم."
نهض الآخر بإنفعال شديد:
"إنتَ اتجننت؟ مستحيل أدخلها في الوساخة دي، وبعدين إحنا عايزين راجل."
"إنت متعصب ليه كده؟ راجل ولا ست، إحنا نعرض عليها قرشين تاخدهم وتخلصلنا الحوار ده."
ضرب أدم بيده على الطاولة التي أمامه:
"أنا قولت كلمة ومش هرجع فيها. انسى الدكتورة دي من دماغك خالص."
نطق كلماته وهو يهم بالمغادرة.
---
كانت تسير في ممرات المشفى وهي تراجع ملفات أحد من المرضى.
ليقاطعها صوت رنين هاتفها:
"ألو، إيه يا ماما؟"
أجابتها بجفاء:
"تعالي البيت بدري النهارده."
"ليه؟"
"عزت ابن عمك اتقدم لك."
" تاني يا ماما أنا مش عايزاه."
أجابتها والدتها بصوت مرتفع وبحدة:
"المرة دي أنا بقا موافقة. الولد مفهوش غلطة ومعاه فلوس وكفاية لحد كده، هو مش هيصبر عليكي كتير."
تحدثت ليان بنبرة مرهقة:
"مش هينفع أروح بدري، عندي حالات كتير. مع السلامة يا ماما."
توجه أدم للمشفى لسبب يجهله، لكنه يريد أن يراها.
فاقد اعتاد أن يراها يومياً.
وعزم أن يخبرها أنه ليس أصم بعد تردد كبير بداخله.
فا هو يخشى أن تتجنب أن تراها والتحدث معه.
فاطوال الستة أشهر التي مكثت بهم رحاب في المشفى لم تتحدث معه أو تعره اهتمام.
ولا يريد بعد كسب اهتمامها أن يخسره.
توجه للسطح بعد أن أخبرته إحدى الممرضات عن مكانها.
كانت تجلس على مقعد خشبي وتنظُر للسماء.
جلس بجوارها بهدوء.
لحظته هي لتنظر له بدهشة:
"إنتَ بتعمل إيه هنا؟ تيتا رحاب حصلها حاجة؟"
كان سيجيبها، لكنه شعر أن الوضع سيصبح غريب.
ليكْتَفِ بتحريك رأسه بالرفض.
ابتسمت له وهي تمد يدها للعبة الطعام التي أمامها:
"خد كل معايا ده، أنا اللي عاملة السندوتش، خلي بالك."
كانت تتحدث بمرح، لكنه لاحظ الحزن في عينيها.
ظل مصوب نظراته عليها:
"أنا مش عارفة إنتَ ليه بتبصلي على طول كده."
اقتربت من وجهه مع احترام المسافة بينهم:
"إيدا، هو إنتَ عينك رصاصي؟ أول مرة أركز فيها. وكمان إنت على طول لابس النضارة."
كانت تتحدث وهي تبتسم.
لم تدرِ بالفوضى التي أحدثها في قلب الآخر.
ابتعدت عنه وهي تعدل جلستها.
لهم في محاولة للتحدث لتعديل سوء الفهم ذلك.
لتقاطعه هو:
"عارف أحلى حاجة فيك إنك مش بترد عليا، مش بتجادلني كده في الكلام. كان نفسي ماما تبقى كده. يعني دلوقتي أنا مش عايزة أتجوزه. لو قولتلك كده مش هتسألني مين ده وليه؟ هحكي وأنا مستريحة."
كان يريد أن يسألها من ذلك الذي يريد الزواج بكِ، لكنه لم يرد مقاطعتها.
كانت تتحدث وهي توشك على البكاء:
"يعني دلوقتي أنا مش بحبه، مش بطيقه أصلاً. ورفضته أكتر من مرة، بيتقدم تاني ليه؟ وماما موافقة، طب وأنا رأيي فين؟"
أنهت كلماتها وهي تستنشق ماء أنفها في محاولة لمنع بكائها.
لم يدرِ بماذا عليه أن يفعل.
هل يطبطب على ظهرها أم يواسيها ببعض الكلمات، لكنه يخشى رد فعلها.
التفتت هي له وهي تمسح عينيها وتتحدث بابتسامة تكاد أن يفقد صوابه من تركيبة شخصيتها:
"طبعاً إنت مش فاهم حاجة، شايفني بعيط وخلاص."
نظرت لملابسه وللنظارة السوداء التي بيده:
"شكلك باد بوي. إيه بس جميل، ملامحك جذابة ورجولية. إنت تقرب لأحمد عز ولا إيه؟"
كانت تتحدث بعفوية.
فهي تعرف أنه لا يفهمها، وأيضاً تحاول أن تشغل عقلها بأي شيء غير الزواج من عز.
بينما هو كان يحاول أن يكبح ضحكاته على كلامها وحركتها، ويحاول تخيل ماذا ستفعل إذا عرفت أنه يسمعها.
---
"إحنا صبرنا عليك كتير يا أدم، فين الدكتور؟ كل ده؟"
أردف تلك الكلمات رجل في الستينات من العمر وهو من أكبر تجار في كل ما هو محرم.
أجابه أدم ببرود وهو يضع قدم فوق الأخرى:
"أعمل إيه يا حج، إنتَ عارف السوق قلق الفترة دي."
"لو إنت مش عارف تجيب حد إحنا هنجيب، وإنت عارف أنا إيدي طايلة."
تحدث بنبرة تظهر أنه يوجد مغزى من حديثه:
"يومين بالكتير وهجيب لك حد."
"إنتَ دور وأنا هدُور وهنشوف مين اللي هيجيب الأول."
نهض بعد حديثه وهو يستند على عكازه ليهُم بالمغادرة.
نظر أيان سريعاً لآدم:
"العمل إيه يا أدم؟ لازم نجيب له حد من طرفنا بسرعة."
نظر أدم أمامه بشرود:
"هجيب، لازم أجيب وبسرعة."
---
بعد يومين.
وقد أجلت ليان لقاءها بعزت ذلك بعد حديث طويل وترجي لوالدتها.
وافقت أن تؤجل اللقاء لآخر الشهر.
تجلس في مكتبها تنوي المغادرة لزيارة رحاب.
فاقد مر ما يقارب الخمسة أيام دون أن تراها.
دخلت صديقتها في العمل زينب وهي تتحدث بسرعة:
"في حالة طارئة، لازم تطلعي مع الإسعاف بسرعة للحالة."
سألتها بعدم فهم:
"حالة إيه؟ وأطلع لها ليه؟"
"رجل أعمال كبير شكله وحالته خطر وعايزين دكتور طوارئ بسرعة يرحله."
تحدثت بتعجب:
"طب ما تروحي إنتِ وبعدين ما يجي هو."
"إنتِ عارفة إني مش بعرف أسيب ماما لوحدها كل الوقت ده. وهو راجل تقيل يعني، فا عايزين دكتور يرحله."
لتقترب وهي تمسك يدها:
"بالله عليكي يا ليان تروحي إنتِ مكاني."
هزت رأسها بالموافقة:
"بس هتخدي بكرة الشفت بتاعي."
ابتسمت زينب بشدة وهي تضمها:
"موافقة، شكراً أوي بجد يا حبيبتي."
تركت ليان متعلقاتها، أخذت فقط حقيبتها لتذهب لسيارة الإسعاف.
ولم ترى نظرة الخبث في عين زميلتها.
---
كان يقود سيارته ليقاطعه اتصال أيان صديقه:
"أدم الحق بسرعة، دول لقوا دكتور وفي الطريق."
تحدث بإنفعال:
"يعني إيه؟ لقوا دكتور؟ أنا مش منبه عليك تراقبهم ومتخليهمش يوصلوا لحد."
حاول الآخر التحدث:
"ما أنا..."
قاطعه بحدة:
"لا إنت ولا زفت. ابعتلي العنوان بسرعة."
---
في الجهة الأخرى.
كانت تركب سيارة الإسعاف لتجدهم يذهبون لمكان غريب.
الشوارع خالية والطريق يبدو بعيد.
لتسأل المسعف الذي كان بجوارها:
"هما واخدنا على فين؟ الطريق شكله بعيد أوي."
نظر لها ببرود دون أن يجيب.
بدأ القلق يتسلل لقلبها.
ف هيئته تدل أنه رجل عصابات وليس مسعف.
وصلوا لمكان يشبه المزرعة.
تحدث بصوته الغليظ:
"أنزلي يا دكتورة."
نظرت له بتردد وللمكان أيضاً.
لتنزل بتردد شديد وتسأله:
"هو فين المريض؟"
أشار لها للقصر الذي أمامهم:
"هناك، تعالي ورايا."
سارت خلفه بتردد كبير إلى أن دخل للفيلا ومنها إلى غرفة بها.
لتتفاجأ برجلين نائمين على سريرين مخصصين للعمليات.
ومعهم طبيب يبدو أنه طبيب التخدير.
لتسأل بصوت متردد:
"إيه اللي بيحصل هنا؟ وفين الراجل التعبان وحالته طارئة؟"
أجابها ذلك الذي يدعي أنه مسعف:
"إنتِ هتستعبطي؟ ما إحنا متفقين على كل حاجة."
"متفقين على إيه؟ أنا أول مرة أشوفك أصلاً."
أكملت بإنفعال وصوت مرتفع:
"أنا هبلغ عنكم لو مقولتش إيه اللي بيحصل هنا."
اقترب منها ذلك الحارس بسرعة:
"هو إنتِ مش زينب عبدالله؟"
هزت رأسها بسرعة:
"لا، أنا ليان السيد زميلتها."
نظر الحارس للرجال الآخرين الذين حوله.
ليتحدث الطبيب:
"لازم نبدأ العملية دلوقتي."
ليقوم الحارس بإخراج سلاحه من جيبه ويوجهه على رأسها:
"قدامك حلين، يا أما تعملي العملية يا تتشدي."
نظرت له بعينين متسعتين وصدمة ألجمت لسانها.
لا تعرف ماذا تفعل.
تدخل صوت غريب على مسامعها:
"نزل سلاحك ده من عليها."
نظرت لمصدر الصوت.
لتتسع عينيها أكثر من وجوده.
وأيضاً من أنه يتحدث وليس أصم.
تتبع رأيكم؟
توقعاتكم للجاى
#سأخرجك_من_الظلام
"٢"
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الثالث 3 - بقلم نورسين
كانت تنظر له بصدمة وهي تتابع خطواته ناحيتها. وقف أمام الحارس ليضع يده على سلاحه وينزله.
تحدث ذلك الحارس بإنفعال:
"انتَ بتعمل ايه يا ادم؟ لازم العملية تتعمل."
تحدث ادم وهو يحاول أن يُدرك الوضع:
"مش دي الدكتورة يا عثمان اللي كنا عايزينها؟ مينفعش تعمل هي العملية."
ألقى عثمان نظرة عليها، فا هي تقف خلف ادم.
"مش مهم هي ولا لأ، المهم تعمل العملية."
ليتابع وهو يتحدث بخبث:
"وملكش دعوة انتَ بالموضوع ده عشان الحج ميزعلش منك لو اتدخلت."
اقترب ادم منه وهو ينظر له ببرود:
"لأ، متقلقش. الحج مش هيزعل مني. أنا بس أعتقد هيزعل منك وهيزعل أوي لما يعرف إنك جايبله دكتور غلط."
كان ينظر له بتحدٍ، ليضع عثمان السلاح بجيبه.
"وأنا هصلح غلطتي بأني هخليها هي تعمل العملية."
تحدثت ليان ببعض التعلثم:
"و...وأنا مش هعمل عمليات."
نظر لها عثمان وهو يقترب منها، ليمنعه ادم بوضع يده على كتفه.
"ارجع مكانك يا نجم وابعت حد يجيب الدكتورة التانية بسرعة."
أجابه عثمان وهو ينظر لها:
"بس لازم نخلص عليها، لا تبلغ عننا."
تدخل دكتور التخدير:
"العملية لازم تتعمل دلوقتي، عقبال ما الدكتورة زينب تيجي هيكون عدى وقت."
تحدث ادم وهم يمسك بيد ليان:
"أنا هتصرف معاها. وبالنسبة للحنوطي اللي وراك ده، خليه يتصرف. دي مش مشكلتي."
حاول أن يظهر أنه يسحبها بقسوة أمامهم لأنها كانت تقاومه. ذهب بها لمكان بعيد نسبيًا.
كانت الدموع تنسدل من عينيها في صمت.
أوقفها أمامه وهو يتحدث:
"عايزك تهدّي وتسمعيني بسرعة قبل ما حد يجي."
هزت رأسها بنفي وهي تبكي:
"مش هسمع حاجة. انت بتتكلم مش أطرش؟ طب إزاي؟"
لترفع وجهها وهي مازالت تزرف الدموع:
"انتوا مجرمين؟ انتوا تجار أعضاء صح؟ انتَ كنت تبعهم؟ إزاي كنت مغفلة كده؟ لأ وكمان كنت بطلب المساعدة منك."
حاول الاقتراب منها، لتبتعد هي عنه. عدت خطوات للخلف.
"متقربش مني انتَ سامع؟ أنا هبلغ عنكم وانت أول واحد يا غشاش."
لم يكن يدرى ماذا عليه أن يفعل. وضع يده الاثنين في خصره مما أدى لإرجاع سترته وظهور سلاحه.
نظرت له بصدمة:
"انت كمان معاك سلاح؟ انتم عايزين مني إيه؟"
أنهت كلامها وهي تقوم بالركض في الاتجاه المعاكس له. زادت سرعتها ما إن التفتت ووجدته خلفها يحاول لحقها.
لينبس:
"اقفي عندك، المكان هناك خطر."
ليخرج سلاحه ويقوم بإطلاق طلقة في الهواء ليخيفها حتى تتوقف.
أفزعتها أكثر. لم ترَ ذلك المنحدر الذي أمامها، ليتحرج جسدها للأسفل. وجدته يحاول النزول خلفها.
"انتِ كويسة؟ قولتلك متجريش."
نبس بقلق وهو يحاول الاقتراب منها.
حاولت النهوض بعد التواء قدمها. عندما وجدته قد اقترب كثيراً منها، ضغطت على قدمها مع تحمالها للألم. لم تحلق أن تركض لأنه كان قد أمسك يدها.
"ابعد عني، عايز مني إيه؟"
نبست كلماتها وهي تقوم بتقريب يده من فمها لتعضها بقوة.
جعله يتأوه ويعود للخلف، لكنه لحق بها مجدداً يحتضن خصرها من الخلف وهو يحملها، لتستمر في المقاومة والبكاء.
"سبني بالله عليك، عايز إيه مني؟ أنا مش هقول لحد عليكم، أنا أصلاً معرفكش."
"قلبتي شبه الكتكوت ليه كده؟ مش كنتِ لسه هتبلغي عني أول واحد."
شد على خصرها يحاول مقاومة حركاتها الكثيرة. أخذها لغرفة خالية تشبه القبو. قام بإلقائها على المقعد الخشبي الذي أمامه.
كانت ستنهض، لكنه أخرج سلاحه على الفور وصوبه باتجاهها.
"أظن كفاية شقاوة بقى واقعدي مكانك. خليني أشوف حل."
تحدثت ببكاء:
"حل لإيه؟ الراجل سابني أمشي، انتَ ماسكني ليه؟"
أجابها بإنفعال وهو يتحرك أمامها:
"سابك عشان يموتك بعدين لأنه خايف الحج يعرف، ده لو معرفش أصلًا."
تحدثت بعدم فهم:
"حج مين ويعرف إيه؟"
لتكمل بترجي:
"أرجوك مشيني وابعد البتاع ده عن وشي."
أنهت حديثها وهي تشير لسلاحه الموجه باتجاه وجهها.
نبس بصوت غليظ ومرتفع حتى يبث الخوف لها:
"أنا هشيله، لكن لو اتحركتي هخلصه في دماغك."
هزت رأسها بسرعة له كا دليل على الموافقة.
ظل يتحرك أمامها وهو يحاول أن يجد طريقة يخرجها بها ويبعد عنها الأذى. قاطع تفكيره صوت هاتفه الذي فتحه بسرعة. ما إن التقطت عينه اسم المتصل:
"إيه يا ايان؟"
أجابه ايان بصوت خافت خشية من أن يسمعه أحد:
"الحج عرف ووصل يا ادم وعايز يخلص على الدكتورة، لازم تتصرف بسرعة."
تحدث بسرعة وانفعال:
"أعمل إيه يا ايان؟ مش عارف أتصرف كده، كل حاجة هتبوظ."
"انتَ عارف تعمل إيه يا ادم، معندكش حل غير كده لو انت خايف عليها بجد."
أغلق الخط بسرعة في وجه ادم عندما استمع لصوت الرجال يقتربون منه.
نظر ادم لها مطولاً، لا يعلم ماذا يفعل. لم يكن يريد أن يدخلها معه في تلك القذارة. فهو طول الستة أشهر السابقة اكتفى فقط بمراقبتها من بعيد خشية أن يلطخها بقذاراته. ابتسم بإستهزاء، فا يبدو أن للقدر رأى آخر.
"لو عايزة تطلعي من هنا سليمة، قدامك حل واحد، ولو رفضتي يبقى بتنهي حياتك."
تحدثت بلهفة:
"موافقة على أي حاجة المهم أمشي من هنا."
"الحل إنك تتجوزيني."
كادت أن تصرخ في وجهه، لكنه نظر لها نظرة أسكتتها.
"صوتك ميعلاش. ده الحل الوحيد إنك تبقي تبعي وتحت عيني. على الأقل قدام الحج. لو مش عايزة براحتك، بس أنا مش هقدر ادافع عنك أكتر من كده."
هتفت بحدة:
"أنا بكرهك، انت طلعتلي منين؟"
كان سيجيبها، لكنه استمع لأصوات في الخارج، علم منها بوصول الحج. سحبها من يدها سريعًا وهو يهمس في أذنها:
"مش عايز طولت لسان قدامه. عايزة تعيطي تصوتي براحتك، إنما قلة أدب لأ."
سحبها من ذراعها للخارج حتى وجد الحج ورجاله في انتظاره، لينبس وهو ينظر لادم وليان:
"انت لسه مخلصتش عليها يا ادم؟"
سحبها ادم خلفه وهو يجيب ببرود:
"الدكتورة دي تلزمني يا حج."
نظر له بغموض:
"تزمك إزاي يعني؟ لأ تكون تعرفها يا ادم؟"
تحدث بقوة وهو يتمنى أن لا يحتد الوضع أكثر:
"أه أعرفها وهتبقى مراتي واللي هيقربلها أو يأذيها يبقى كأنه قربلي أنا، وانت عارف زعلي يا حج."
ضرب بعكازه الأرض وهو يتحدث بصوته الغليظ:
"هتعادي عمك عشان واحدة ست يا ادم؟"
اتسعت عينيها، عمه!
لتتحدث بهمس:
"كمان عمه؟ دول عصابة."
شهقت وهي تضع يدها على فمها.
ابتسم بجانبه وهو يميل برأسه ناحيتها:
"انتِ لسه واخد بالك إننا عصابة؟ كنتِ محتاجة تشغلي حبة البسلة اللي في دماغك أكتر من كده."
أنهى حديثه وهو ينظر لعمه:
"أنا مش بعادي حد يا حج، أنا قولت كلامي وهقولك تاني، لو اتدخلت أو حد اتدخل يبقى تنساني خالص."
سحبها من رسغها بعنف وسرعة واتجه للسيارة.
"اركبى."
حاولت سحب يدها منه:
"مش هركب. انتَ واخدني على فين؟"
فتح لها باب السيارة ودفعها ببعض الحدة:
"على المأذون."
نهرت به بغضب:
"مأذون إيه؟ انت اتجننت؟ أنا مش هروح معاك في حتة. بابا أصلاً استحالة يوافق."
تركها تتحدث كما هي، وقام بغلق باب السيارة بوجهها وهي مازالت تضرب الزجاج. أغلق السيارة وأخرج هاتفه يرسل رسالة صوته لصديقه:
"ايان عايزك تروح بيت ليان تشوف إيه الجو هناك وأبوها. اعرفلي قصته."
أنهى رسالته ووضع هاتفه في جيبه، ليتنهد بعمق وهو مازال يراها تحاول فتح الباب وتضرب الزجاج.
"شكلك مشكلة وهتعبيني معاكي."
توجهه ايان لحى ليان، لم يكن حى شعبي بل كان راقٍ. تعجب من سكنهم فيه، فا لحد علمه أن والدها كان مجرد عامل أمن في شركة بسيطة.
نزل من سيارته وهو ينظر للمبنى الذي تسكن به، ليجدها عمارة فخمة بها مصعد، مدخلها مزخرف.
سأل حارس المبنى:
"لو سمحت، كنت عايز أسألك عن عم السيد الساكن في الدور الخامس."
أجابه بواب العمارة بلهجة صعيدية:
"أيوا يا باشا، ده نقل من يدوب خمس سنين كده."
أومأ له ايان.
"طب هو في البيت؟"
"أيوا يا باشا، هو أصلًا مبينزلش كتير."
شكره ايان وهو يتساءل عن كيف استطاع رجل بسيط مثله أن يشتري منزل مثل ذلك.
اتصل بأحد رجاله:
"أنا عايز معلومات عن ليان السيد، هي وأبوها. مش حاجات من على الوش، أنا عايز المستخبي."
أغلق الهاتف وهو يتوجه لخارج المبنى، لكن اصطدم به جسد شاب يبدو أنه في الإعدادية، ليتمسك به بسرعة وهو يحتمي بظهره:
"خبيني بسرعة قبل ما تيجي."
كاد أن يتحدث، لكن تدخل صوت أنثوي:
"بتهرب مني يا يوسف؟ فاكرني مش هجيبك؟ بقى بتكسر مناخير زميلك."
كانت تحاول أن تمسكه من خلف ذلك الرجل الغريب. تمسك يوسف بسترة ايان أكثر. أصبح يحركه معه.
"فاكرني مش هقدر عليك؟ أنا هقول لبابا وهو هيتصرف."
كانت تتحدث وهو تحاول أن تمسكه.
لينفض ايان يد يوسف بإنفعال وعصبية:
"ابعد بقى بقالك ساعة ماسكني."
وجه بقيت حديثه لرقية:
"وانتِ يا آنسة ماينفعش تعلي صوتك كده، أكيد عندكم بيت تتكلموا فيه."
نظرت له وهي قد لاحظت أنه يتحدث بصوت مرتفع وقد صاح بشقيقها الصغير.
"معلش مين حضرتك وبتزعق لأخويا ليه؟ ياريت كل واحد يخليه في حاله."
أمسكت يد شقيقها تسحبه خلفها.
نظر لظهرها:
"يا حول الله يارب، شكل الصنف كله اتجنن."
"طب وديني عن تيتا رحاب، أنا مش عايزة اتجوزك."
كان يسمع لشكوتها طول الطريق وهو في حالة صمت.
وصل لشقيقته بعد أن استدعى المأذون وقد عزم أمره أنها ستصبح زوجته حتى إذا كان رغماً عنها، وبعد ذلك سوف يصلح كل شيء. فا سلماتها من بطش عمه هي الأهم.
نزل من السيارة ليتوجه لفتح الباب لها:
"انزلي."
ربعت يديها أمام صدرها وهي تتحدث بضيق:
"مش هنزل، أنا قولت اللي عندي."
تنهد بضيق، فا هو لا يريد إيذائها. أمسكها من رسغها يسحبها. لاحظ أنها تحاول تقريب يده من فمها في محاولة لعضها من أخرى. أبعد يده وهو يرفع سبابته أمامها بتهديد:
"أو تعضي تاني وتعملي حركاتك المجنونة دي، سامعة؟"
أومأت له ببطء، فا هي قد خافت من نظراته. سحبها خلفه بقليل من الحدة. دخل بشقته، كانت تشبه القصر من الداخل وبها دور علوي. ظلت تنظر حولها إلى أن وجدت مأذون يجلس ومعه رجل، لكنها نظرت له بصدمة، فا هو خالها الذي تقطن شقيقتها لديه.
"خالو، انت بتعمل إيه هنا؟"
حاول خالها أن يتحاشى النظر لها:
"مبروك يا بنتي."
ابتسمت بسخرية ونظرت لنفسها، كانت ملابسها ملطخة بالوحل وشعرها مبعثر ومازالت تشعر بألم في قدمها.
"الله يبارك فيك يا خالو."
وجهت نظرها لادم:
"ويا ترى أقنعته إزاي بقى؟"
نظر لها ببرود وهو يتوجه للجلوس بجانب المأذون ويشير لها بالجلوس:
"مفيش حاجة تصعب عليا."
جلست بجوار المأذون وخالها، يبدو أنه لا يوجد فرار من ذلك الوضع.
كان المأذون يطّلع لها بنظرات ثاقبة، ولكنه يخشى السؤال. لتتحدث بسخرية من وضعها:
"إيه يا شيخنا، هتطلعلي بطاقة ولا إيه؟"
كاد أن يفتح فمه، لكنها سبقته:
"أوعى تقول لي موافقة ولا لأ، أظن باين على شكلي."
تدخل ادم:
"خلصنا يلا واكتب الكتاب."
أومأ له وشرع في مراسم كتب الكتاب إلى أن أنهاها.
كانت هي تستمع لكل شيء وهي في حالة شرود. كيف ستواجه والدها وعائلتها؟ جمع المأذون أشياءه. ونهض خالها:
"مش هوصيك بقى يا ادم باشا."
كانت تنظر باستحقار لذلك المدعو بخالها:
"متقلقش، أنا ظبطت كل حاجة."
ليكمل وهو يشير على الباب:
"ابقا خد الباب معاك يا أبو نسب."
شعر خالها بالإحراج من طريقة ادم، ليذهب هو والمأذون من المنزل. ما إن أغلق الباب.
التفت ادم لها وهو يتحدث بمشاغبة:
"مش يلا بقى يا عروسة قومي خدي شور كده وحضري لنا العشا."
كان فقط هدفه هو أن يشاكسها، فا هو لم يقترب منها أو يجلها تحضر شيئاً بعد ما عنته طوال اليوم.
ذهب هي للأعلى للاستحمام من دون كلام، وهو توجه لغرفة أخرى، استمع لصوت هاتفه ليجيب على صديقه:
"لقيت حاجة؟"
تحدث ايان ببعض التردد:
"ادم، أنا عرفت حاجة مهمة أوي، مش سليم في واحدة كانت نصب عليه."
كان يتحدث عن سليم صديقهم الثالث الذي نشأ معهم.
"آه، إيه علاقة الكلام ده بليان؟"
سأله والرهبة كانت ظاهرة في نبرته، فا هو كان يخشى الإجابة.
"انت عارف إنه قالي تفصيلها عشان كان خايف منك، وأنا اللي كنت بدور عليها."
تحدث بإنفعال:
"انجز يا ايان."
"البنت دي تبقى ليان."
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الرابع 4 - بقلم نورسين
أغلق الخط مع أيان وهو يتحرك في الغرفة مثل الثور الهائج.
"إزاي لا، أكيد مش هي، أنا براقبها من ست شهور، معملتش أي حاجة، حتى مقبلتش حد غير صحبتها."
ضرب بقبضته الحائط بقوة.
"أنا إزاي غبي كده بقا؟ بندور عليها وأنا طلعت حاطتها تحت عيني."
يشعر بالألم، فا لأول مرة يحب فتاة لتلك الدرجة، كان يخشى أن يقترب منها ويسحبها في ظلامه، لكن يبدو أنها أيضاً كانت ملطخة بالظلمة.
اتجه لغرفتها بهمجية، فتح الباب باندفاع.
انتفضت هي من مكانها.
"هسألك سؤال وتجاوبي عليه بصراحة."
نظرت له باندهاش، فا حالته كانت غريبة.
"تعرفي واحد اسمه سليم الدمنهوري؟"
نظرت له وهي تفكر إذا كانت تعرفه أم لا.
"لأ، معتقدتش إني أعرف حد اسمه كده."
شد على قبضته.
"متأكدة إنك متعرفيهوش؟"
هزت رأسها بالنفي.
نظر لها ليلاحظ أنها كانت ترتدي بنطاله وقميصه.
نظر لها بغضب أكبر.
"إنتي لابسة هدومي ليه؟"
اغتاظت من طريقته.
"عشان مكنش في غيرهم، أكيد مش هموت وألبس هدومك."
حاول تمالك أعصابه، تحدث وهي يوليها ظهره.
"جهزي نفسك عشان هنروح الصبح بيت العيلة، مش مستاهلة إني أعديهم عشانك."
***
في الصباح.
أخذها وتوجه بها لمنزل عائلته.
تحدث عمه وهو يجلس على كرسيه بغرور.
"إيه يا آدم رجعت تاني ليه؟"
نظر له ببرود.
"أنا ممشيتش يا حج عشان أرجع، امبارح كان كتب كتابي، فا حبينا نقعد لوحدنا، أصلي عريس جديد بقا."
أنهى حديثه يغمز بوقاحة.
"والله عال يا آدم، بقا تتجوز من غير معرفتنا."
كان ذلك حديث عمته سهير.
لتتدخل ابنتها هدير وهي ترمق ليان بتقزز.
"كده يا دام متعزمناش برضو."
أمسك آدم يد ليان وهو يتحدث.
"معلش يا عمتي، أصلنا كنا مستعجلين شوية."
أنهى حديثه وهو يسحبها خلفه.
صعد بها إلى غرفته.
دلفت للغرفة وهي تنظر حولها، كانت غرفة واسعة كأنها شقة مصغرة، بها كل شيء حتى مطبخ صغير.
وصل لآدم رسالة، فتحها وجد صورة لليان وهي تعطي ظهرها للكاميرا وتجلس أمام سليم صديقهم في الفندق.
رفع عينه عن الهاتف لينظر لها، وجد نفس طول ولون شعرها.
كبر الصورة أكثر ليلاحظ لباسها، تلك السترة قد رآها من قبل.
وضع هاتفه بعصبية في جيبه.
"افتحي الدولاب هتلاقي هدوم ليكي، ويا ريت متلمسيش حاجتي، إنتي فاهمة؟"
لم تحبذ طريقة حديثه، لتقترب منه.
"أنا مش عايزة حاجتك ولا عايزك إنت شخصياً، أنا عايزة أمشي من هنا."
ازداد غضبه منها، فا هو يراها وقحة.
ظل يقترب هو منها إلى أن اصطدم ظهرها بالحائط لينبس أمام وجهها.
"وأنا مش هموت عليكي، جوازي منك ليه مصلحة، هخلصها ونفضها سيرة."
كانت ستتحدث ليحذرها.
"وبعد كده خلي بالك على طريقة كلامك معايا، فاهمة؟"
كانت تنظر له بتحدي.
نظر في عينيها العسلية تلك التي أوقعته منذ أول لقاء.
ابتعد عنها بعصبية أكبر.
كاد أن يغادر لتتحدث بسرعة.
"أنا عايزة أروح أشوف أهلي وأفهمهم اللي حصل."
لم يتكلف عناء الإجابة عليها.
ذهب وهو يغلق الباب بقوة هزت أرجاء الغرفة.
جلست مكانها وهي تبكي وتشهق، لا تعرف ماذا ستخرب عائلتها، من سيقف بجوارها منهم.
"يارب قوني، يارب صبرني."
كانت تردد ذلك الدعاء وهي تأخذ ملابس جديدة وتتوجه للحمام.
***
"وصلت للصورة اللي بعتها لي منين يا أيان؟"
"من إدارة الفندق."
تحدث بعصبية.
"وموصلتش ليها من زمان ليه؟ جايه دلوقتي وتوصلها؟ موضوع عدى عليه أكتر منه سنة وشوية، جاي دلوقتي تدور فيه؟"
حاول أيان أن يهدأ آدم.
"أنا كنت بدروه، وإنت أكتر واحد عارف كده، وبعدين إنت عارف سليم المتخلف ده مقلش غير بعديها بكذا شهر عشان كان خايف منك."
كان يملأ رأس آدم بالكثير من الأفكار.
"وبسبب غباء ده خسرنا صفقة كانت مهمة لينا إحنا التلاتة، دي نصبة عليه في نص مليون، فاهم يعني إيه؟"
أكمل بسخرية.
"لأ وأنا اللي كنت عايز أحميها من عمي وعايز أبعدها عن قرفنا."
سأله أيان وهو يضع يده على ظهر صديقه يحاول مواساته لأنه يعلم بحبه لها حتى إذا أخفى ذلك.
"طب إنت سألتها؟"
تنهد آدم وهو يجيبه.
"آه سألتها وقالتلي معرفش حد بالاسم ده."
"طب واجهها ووريها الصورة."
استقام آدم وهو يأخذ مفتاح سيارته.
"لما أتأكد ميه في الميه إنها هي، هواجهها عشان ميبقاش عندها مهرب من اللي هعمله فيها."
أكمل حديثه.
"وأنا عايزك تعرف أكتر، إزاي راحت تدرس في إنجلترا، شوف صحبتها دي كمان اللي معاها في العمارة، أكيد عارفة كل حاجة."
أوقفه أيان قبل أن يغادر قائلاً.
"سليم كان قايل إنها طلعت معاه أوضة الفندق، خلي بالك منها، عشان مش عارفين عملت كده مع حد تاني ولا لأ."
نظر له آدم بصدمة، فا هو لم يصدق كيف انخدع بها لتلك الدرجة.
***
عاد آدم للفيلا.
دخل جناحه ليستقبله الظلام.
أضاء الأنوار، وراء جسدها متكور على السرير.
اقترب منها وهو يراقب تفاصيلها، شعرها البني المنسدل على ظهرها، وجهها الممتلئ قليلاً، وشامتها التي بجانب فمها.
تحدث بسخرية.
"اللي يشوف وشك يقول إيه ملاك مبتغلطش."
أمسك زجاجته الموضوعة على الطاولة وأنزلها بقوة مما صدع صوت مرتفع.
استيقظت بفزع.
"قومي اجهزي يلا عشان نتعشى."
فركت عينيها وهو تنظر له بكره.
"مش عايزة أكل."
بدأ بنزع قميصه وهو يتحدث.
"وأنا مبطلبش رأيك، لما أطلع من الحمام ألاقيكي خلصتي."
توجه للحمام وتركها مع غيظها منه.
توجهت لخزانة الملابس، أخرجت ممنها فستان صيفي باللون الأبيض وبه بعض النقوش الزرقاء.
رفعت شعرها لأعلى بطريقة عشوائية، فا ليس لها طاقة لتمشيطه.
خرج من الحمام وهو يرتدي بنطال أسود وقميص بنفس اللون كالمعتاد.
لو ينظر لها.
"انزلي إنتي، وأنا هسرح شعري وهنزل."
لم تجبه.
استقامت للنزول لأسفل.
نزلت السلالم.
لم تكن تعلم أين تذهب.
وجدت صوت رجولي من خلفها.
"إنتي بقا مرات آدم؟"
التفتت له وجدت شاب يشبه آدم قليلاً مع اختلاف لون شعره، فا هو أشقر عكس آدم.
مد يده لها بابتسامة بشوشة.
"أنا هيثم ابن عمت آدم."
بادلته المصافحة بابتسامة.
"وأنا ليان."
لم ترد أن تعرف نفسها بأنها زوجة، فا هي لم تتقبل الحقيقة بعد.
تحدث بمرح.
"عاشت الأسماء يا ليان، أنا عايزك تعتبريني أخوكي، أي حاجة تحت أمرك."
أكمل حديثه وهو يشير لرقبته.
"دي سدادة."
ضحكت بصوت خافت على طريقته في الحديث.
"ما تضحكوني معاكم."
كان صوت آدم المرتفع نسبيًا.
"ولا حاجة يا آدم، أنا بس كنت بتعرف على ليان، وشكلنا كده هنبقى صحاب."
كانت تبتسم في وجه هيثم.
أمسك آدم يدها بقوة.
"عن إذنك، عايز مراتي في كلمتين."
سحبها خلفه بقوة وهو يفكر في كلام أيان صديقه عنها ويرى صورتها وهي تضحك مع ابن عمته.
"كنتي واقفة معاه ليه؟"
أغلق باب الغرفة عليهم بقوة.
"أنا موقفتش معاه، هو اللي وقفني."
كانت تتردد كلمات أيان في أذنه وصورتها مع سليم.
"عايزة توقعيه هو كمان؟ عايزة منه إيه؟"
اقترب منها بهمجية.
رجعت هي للخلف من طريقته.
"إنت إزاي تتكلم كده معايا؟ هو أنا أصلاً أعرفه؟"
صاحت به بصوت مرتفع وقلبها ينبض بعنف خوفًا منه.
"أنا بكرهك، إنت بوظت لي حياتي، تقدر تقولي هقول إيه لأهلي؟ إن... أنا كنت فاكراك شخص كويس، كنت فاكرة إننا بقينا صحاب."
أنهت حديثها وهي تضربه على صدره بقوة.
مظهرها ذلك جعل قلبه يلين لها، وذلك أغضبه كثيراً من نفسه.
أمسكها من فكها بقوة.
"متعمليش فيها بس البريئة، فاكرة كده لما تعملي كده هتصعبي عليا."
أكمل بسخرية.
"وأنا كمان كنت فاكر شخص نضيف مختلف عن القرف اللي حواليا."
مع كل كلمة كان يضغط على فكها أكثر.
تأوهت بألم وهي تمسك يده تحاول تحرير فكها منه.
قاطعهم صوت صراخ أحدهم باسمها في بهو الفيلا.
"ليان إنتي فين؟ إطلعي أنا عارف إنك هنا."
ابتعد عنها وهو يتوجه للشرفة.
لحقته هي بسرعة، لأنها تعرف ذلك الصوت، فا ذلك صوت والدها.
وجدته يصيح بعصبية ويحاول دخول القصر وبجواره عزت ابن عمها.
صاحت بسرعة وبدموع في عينيها.
"بابا أنا هنا."
ركضت بسرعة لأسفل.
لم يرد منعها من لقاء والدها.
ركضت لوالدها بسرعة تريد أن ترتمي في حضنه، لكنه فاجئها بصفعها بقوة على وجنتها و....
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الخامس 5 - بقلم نورسين
سقطت على الأرض من شدة الصفعة. وضعت يدها على وجنتها وهي تنظر لعمران ولدها بصدمة. حاولت النهوض لكنه فاجأها بصفعة أخرى.
"بقا بتتجوزي من ورايا يا بنت الكلب؟ خلاص مالكيش كبير."
بدأت بالبكاء، فتلك أول مرة يتعدى عليها والدها بالضرب. حاولت النهوض مرة أخرى وهي تتحدث بتقطع.
"يا با...با اسمع...ني والله غصب عني."
كاد أن يصفعها الثالثة، لكن يدًا منعته. نظر لذلك الذي يمسك يده وجده شابًا طويلًا.
"إيدك يا أستاذ عمران. متتمدش تاني على مراتي."
نظر له بغيظ وعصبية أكثر.
"بتتحامى مني فيه يا ليان؟ يخسارة تربيتي فيكي."
استقامت بسرعة وهي تبعد آدم عن والدها.
"ابعد عنه. متدخلش بينا."
وجهت كلمها بحده لآدم، ثم أكملت بنبرة مترجية.
"يا بابا عشان خاطري اسمعني. أنا مليش غيرك."
حاولت إمساك يده، لينفضها منها بقسوة.
"عشان كده كنتِ رافضة عزت ابن عمك صح؟ وسبتيه عشان قلتي إنه خانك."
لينظر لها باشمئزاز.
"الظاهر إنك إنتِ اللي خونتي. اخص عليكي."
نظرت لعزت بشر وهي تتحدث بانهيار.
"يا بابا متصدقهوش. أنا سبته عشان خانني والله العظيم. أنا مخنتش حد. آدم ده مكنتش أعرف غير من كام يوم."
أنهت حديثها وهي تشير جهة آدم. تدخل عزت وهو ينظر لها بانتصار.
"يلا بينا يا عمي. هي عملت اللي في دماغها واتجوزت."
اقتربت بسرعة من والدها وهي تنفي بانهيار.
"أبدا يا بابا. والله ما كنت عايزة أتزوجه. هو أجبرني."
تدخل عزت بسخرية.
"عشان كده خليتي خالك هو وكيلك في الجوازة."
نظر لها والدها بصدمة. نفت برأسها وقد ازداد بكاؤها.
"مش أنا اللي جبت..."
قاطعها والدها بحدة.
"مسمعش صوتك. انتِ من النهارده لا بنتي ولا أعرفك."
شهقت بصوت مرتفع أثر بكائها.
"لا لا لا يا بابا. متقولش كده. أنا ليان بنتك حبيبتك."
نظر لها عزت نظرة شماتة وهو يمسك والدها من كتفه.
"يلا بينا يا عمي. ملناش مكان هنا. هي خلاص اختارت."
نظر لها والدها نظرة حزن ممزوجة بالغضب وهو يرحل بصحبة عزت.
صرخت هي بصوت مرتفع وهي تتحدث.
"يا بابا اسمعني عشان خاطري. أنا استحالة أعمل كده."
جلست على الأرض وهي ما زالت تتحدث وشهقاتها ترتفع أكثر وأكثر.
رق قلبه على مظهرها ذلك وانهيارها. لم يكن يريد أن يعرف والدها بتلك الطريقة. اقترب منها يحاول أن يوقفها، لكنها لم تستجب له. كانت كأنها جسد بلا روح. أوقفها على قدامها، لكنها لم تكن تستطيع الوقوف. نظر لوجهها، كانت حالته مزرية. الدماء متجمعة بجانب شفتيها، علامات أصابع على وجهها. حاول تمالك غضبه، أمسك يدها برفق حتى تذهب معه، لكنها لم تتحرك. عيناها كانت مصوبة على البوابة التي غادر منها والدها. نظر لها عدت ثوانٍ ليقوم بحملها. لم تعطِ أي رد فعل.
عاد بها للفيلا ليرى عمته وابنتها جالستين بالأسفل وعمه أيضًا.
"عال والله يا آدم جايب لنا الفضايح لحد باب بيتنا."
كان ذلك عمه الذي تحدث بصوته الغليظ وهو يستند على عكازه. نظر له ببرود وأكمل طريقه وهو ما زال يحملها. لتدخل عمته بخديها المستفزة كالمعتاد.
"مستني إيه يا حج من واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها وجايبها معيشها معانا."
نظر لعمته نظرة أسكتتها.
"يا ريت محدش يدخل. دي حاجة بين مراتي وأهلها."
أنهى حديثه وهو ما زال يرمق عمته ببرود. لم تبدِ هي أي رد فعل. فدخل بها إلى جناحهم. وضعها برفق على السرير.
كانت تنظر أمامها بشرود لا تنطق أي حرف. نطق اسمها بنبرة حنونة.
"ليان. إنتِ كويسة."
لم تنظر له. ظلت شاردة في نقطة وهمية أمامها. وضع يده على كتفها يحاول لفت انتباهها.
"أجيب لك هدوم عشان تغيري."
نظرت له عدة ثوانٍ لتبتسم بسخرية وهي تبعد يده عنها.
"عملت كده ليه؟ استفدت إيه."
لم يفهم مقصدها.
"عملت إيه؟ مش فاهم."
استقامت بعصبية من مضجعها.
"متعملش فيها البريء. استفدت إيه لما عرفت بابا بالطريقة دي؟ مهنش عليك حتى تسبني أروح أنا أفهمه."
وقف أمامها بعدما كان يجلس بجوارها.
"إنتِ أكيد مش قصدك إن أنا اللي قلت لبابوكي."
"أمال هيكون مين؟ محدش ليه مصلحة غيرك."
أكملت وهي تنظر له بكره.
"محدش عايز يكسرني غيرك."
أكملت وهي تمسح دموعها.
"بس أنا مش هسمحلك تكسرني. إنت سامع."
اقتربت منه وهي تضرب بإصبعها على صدره مكان قلبه.
"مش هسمحلك توجعني. إنت سامع. مش عارفة إنت عايز مني إيه أو إيه مصلحتك مني، بس مش هسمحلك تأذيني. إنت سامع. أنا كنت هادية لحد آخر وقت، لكن أنا خلاص جبت آخري. كله بيجي عليا وأنا بستحمل، لكن خلاص مش هسمح لحد يأذيني تاني."
أنهت حديثها بانهيار وشهقات تمزق قلب من يسمعها. تابع انهيارها بصمت لا يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل.
"إنت عارف برودك ده بيعصبني أكتررر."
صاحت بصوت مرتفع وهي تمسك مزهرية بجوارها تضربها بالحائط.
"مش هسمحلك تأذيني. إنت سامع."
كانت تحاول إمساك المزهرية الأخرى، لكنه أمسكها بسرعة مثبتًا إياها بالحائط.
صاح بها حتى تستفيق من نوبتها تلك.
"اهدى. خلاص اهدى."
لم تستمع له، فا كانت في حالة هستيرية وهو تردد كلماتها.
"مش هسمحلكم تأذوني تاني."
أمسك وجهها بكفيه.
"ليان بصيلي. اهدى. خلاص كل حاجة عدت. اهدى."
حالتها تلك جعلته خائفًا، فا قد انهارت نهائيًا بطريقة قد مزقت قلبه. بدأ انتظام صوت أنفاسها. اعتقد أنها أصبحت بخير، لكنها كانت تغلق عينيها. هزها برفق، تحول لقوة عندما لم يتلقى ردًا منها.
"ليان. ليان. فوقي."
لم تعطيه أي رد فعل، فا قد استسلمت للغيامة السوداء التي أصابتها. حملها بسرعة وهو يضعها على الفراش. أخرج هاتفه وهو يتصل بصديقه.
"إيان. جيب دكتور بسرعة."
سأله الآخر بنبرة خائفة.
"ليه؟ في إيه؟ إنت كويس يا آدم."
"أنا كويس. بس ليان مش عارف مالها."
أغلق الخط معه وهو ما زال جالسًا بجوارها لا يعرف ماذا يفعل معها.
بعد ذهاب الطبيبة واطمئنان آدم عليها، جلس بإرهاق في الحديقة هو وإيان. وضع رأسه بين كفيه وتحدث بإرهاق.
"أنا مبقتش عارف أتصرف إزاي يا إيان. كنت عايزها بس تبقى قريبة مني، تبصلي من غير ما تخاف. دلوقتي بقت بتكرهني."
اقترب منه إيان وهو يضع يده على كتف آدم.
"لو بتحبها بجد يا آدم، انسى كل حاجة. مش مهم هي اللي أخدت الفلوس ولا لأ."
هز رأسه بنفي.
"مش عارف يا إيان. مش قادر. لو هي، فا بسببها إحنا لسه شغالين مع عمي. بعد ما حاربنا عشان نبعد عنه، رجعنا تاني لنقطة الصفر."
تنهد إيان وهو يحاول إيجاد طريقة لمساعدته.
"إنت حاسس إيه يا آدم."
نظر له وهو يفكر.
"مش هيا. حاسس إن مش هيا أو مش عايزة تبقى هيا."
أرجع إيان ظهره للخلف يسنده.
"يبقى خلاص اتعامل إن مش هيا لحد ما نعرف الحقيقة."
"هفكر. بس عايزك تعرف لي كل حاجة عن عزت ابن عمها وعن علاقتها بيه."
عاد عمران والد ليان إلى منزله والارهاق يسيطر عليه. اقتربت منه سميرة زوجته.
"عملت إيه؟ طلعت اتجوزت بجد."
جلس بإرهاق وهو يضع يده على رأسه.
"آه. بتك طلعت متجوزة من ورانا. لا وكمان جايبة خالها اللي هو آخرك يبقى وكيلها."
شهقت بصدمة.
"إنت بتقول إيه؟ استحالة محمود أخويا يعمل كده."
صاح بها بعصبية.
"بقا بدفعي عن أخوكي ومش بدفعي عن بنتك."
نظر ليده التي صفعها بها.
"أنا مديت إيدي عليها. عمري ما عملتها. وقولتلها انتِ من النهارده لا بنتي ولا أعرفك."
تحدث بندم عن فعلته، لكنها كانت رد فعل. اقتربت منه سميرة وهي تربت على كتفه.
"أنا مش عارفة هي إزاي تعمل كده وليه أصلًا."
لتكمل بلوم.
"أنا قولتلك من الأول بلاش سفرها إنجلترا لوحدها."
استقام بعصبية فقد سئم من طريقتها وإلقاء اللوم عليه دائمًا.
"كلمي مريم بتك خليها تيجي. ملهاش قعدة تاني مع خالها. ده كان زمانه مخبي علينا لولا إن عزت عرف وقالي."
حاولت أن تهدئه من عصبيته.
"خلاص ماشي. اللي إنت عاوزه هعمله."
أكملت بتساؤل.
"بس هو عزت عرف إزاي."
صاح بها بعصبية أكبر.
"وأنا هعرف منين؟ هو ده الشاغل بالك."
نظر لها بغيظ ثم هم بالرحيل من أمامها، فا هي ستفقده صوابه.
في الصباح.
استيقظت وهي تشعر بألم يفتك برأسها. لرفعت يدها لتضعها على رأسها، لكنها شعرت بألم بها. نظرت لتجد بها حقنة المصل. نهضت ببطء بجزئها العلوي تستند على ظهر الفراش. أغمضت عينيها تحاول تذكر ما حدث لها. نظرت بسرعة لوجهها في المرآة التي بجوارها، لكنها وجدت وجنتها محمرة. ابتسمت بسخرية من نفسها.
"وأنا اللي افتكرت إني كنت بحلم."
سمعت صوت باب المرحاض يفتح. ظهر منه آدم وهو يرتدي بنطال بيتي أسود وقميص بحمالات رفيعة أسود أيضًا.
اقترب منها وهو يجلس على طرف السرير.
"إنتِ كويسة دلوقتي."
نظرت للجهة الأخرى.
"كنت كويسة لحد ما شوفتك."
ابتسم بجانبه على حديثها، فا هو يشهد لأول مرة جانبها المتمرد ذلك.
نظرت له وهي تتحدث.
"أنا عايزة تليفوني. شكله وقع لما كنت بجري منك."
أومأ لها وهو ينهض للجلوس على الأريكة.
"ماشي. هخليهم يجيبوا واحد جديد."
تحدثت بحدة.
"لأ. أنا عايزة تليفوني."
أشعل التلفاز وهو يتحدث ببرود.
"ربنا يسهل. ادعي نلاقيه."
نظرت له بانزعاج من بروده لتسأله بتعجب.
"إنت مش نازل."
ابتسم لها بمراوغة.
"إيه؟ عايزاني أفضل قاعد معاكي."
اقترب منها وهو يجلس على طرف السرير.
"مش قادرة تقعدي من غير ما تشوفي وشي."
تحدثت بسخرية على حديثه وهي تحاول النهوض.
"آه. أصل وشك من حلاوته بيفتح نفسي على الدنيا."
كانت ستزيل الحقنة من يدها، ليمسكها سريعًا محاولًا في منعها.
"لأ. متخلعهاش. فيه محلول كمان."
"ليه؟ هو أنا عندي إيه."
"جالك انهيار عصبي ومستحملتيش عشان جسمك ضعيف. إنتِ مش بتاكلي."
استقامت وهي تجيبه.
"لأ. بقالي يومين ما أكلتش. شكل جوزي بخيل."
دخلت المرحاض، لكن لم تمر ثوانٍ وخرجت مجددًا.
وهي تتحدث بعصبية: "مين غيرلي هدومي؟"
أراح ظهره على السرير وهو ينظر لعصبيتها باستمتاع: "عشان متقوليش بس إن جوزك بخيل، اديني مدلّعاك على الآخر أهو."
غمز لها بوقاحة.
نهاية حديثه، نظرت له بصدمة ممزوجة بالخجل: "قليل الأدب."
تحركت وهي تدبدب على الأرض بعصبية، أغلقت باب المرحاض بقوة.
همس وهو يبتسم: "هتجننيني معاها، شوية يبقى مفيش أغلب منها، وشوية الواحد مش عارف يتكلم معاها."
توقف عن الابتسام ما أن استوعب نفسه، تحدث يؤنب نفسه: "إيه يا آدم، هنخيب ولا إيه؟"
***
"لو سمحت، ميس رقيه هنا؟" سأل أيان حارس المدرسة التي تعمل بها رقيه.
"آه، في فصل اللي هناك." أشار له.
نهاية حديثه عن مكان فصلها.
كانت تتحدث هي مع أحد الطلبة بعصبية: "فارس، أنا مش قولتلك متتكلمش مع جومانا كده."
تحدث الطفل بطريقة تشبه المتشردين: "لأ، هتكلم معاها كده، مش كفاية سايبها قاعدة مع الواد يوسف أخوكي."
نظرت له بصدمة من طريقة حديثه.
عندما بدأ بقية الطلبة بالضحك والسخرية، أمسكته من ملابسه وهي ترفعه منها: "انت عارف أنا هعمل فيك إيه، إزاي بتتكلم معايا بقا؟ أبوك بيدفعلك حاجة وعشرين ألف عشان تطلع متربي وتطلع بلطجي؟"
تحدث فارس بمشاغبة وهو يخرج لسانه لها: "ولا تقدر تعملي حاجة أصلًا."
عندما وجدت جميع الأعين مصوبة نحوها، أدركت أنها يجب أن تضع اعتبارًا لنفسها. تحدثت بابتسامة: "ماشي، وأنا بقا هوريك هعمل إيه، هشرح عليك درس تشريح عملي."
رفعته لأعلى أكثر وهي تضعه في مسمار معلق أعلى لوحة الشرح: "ها يا فارس، المكان عندك حلو، طمني."
مثل البكاء وهو يرجوها: "نزّليني يا ميس رقيه، بالله عليكي، مش هعمل كده تاني."
فتح باب فصلها بهميجة من قبل أيان، بعدما استمع لصوت بكاء. نظر لها بصدمة وهو يقترب من فارس، ينزله لأسفل: "انتِ إزاي تعملي فيه كده؟ مين اداكي الحق؟"
صاح بها بصوت مرتفع أمام التلاميذ. شعرت بالحرج. ليكمل بغضب: "فين المدير؟ أنا عايز المدير يجي يشوف المهزلة دي."
تحدثت بحده ممزوجة بالخجل من الموقف: "لو سمحت يا أستاذ، وطّي صوتك، وبعدين انت مين وإزاي تدخل كده؟"
سمع صوته يأتي من خلف أيان. أغمضت عينيها بعصبية: "إيه يا أستاذ ومين حضرتك؟"
كان ذلك صوت المدير. اقترب وهو ينظر لرقيه وفارس الذي يمسكه أيان.
أخرج من محفظته بطاقة عمله ليعطيها للمدير: "أنا أيان الصياد، كنت جاي عشان أقدم لقريبي، بس الظاهر إن المدرسة هنا مش محل ثقة."
نظر لرقيه التي تقف بصمت، وأكمل: "دخلت لقيت المدرسة دي معلقة الولد في المسمار."
نظر المدير لها بدهشة وهو يصيح ليثبت سلطته: "انتِ إزاي تعملي حاجة زي كده؟ حضرتك مر..."
قاطعته بحده، وقد أدركت أنه يستعرض أمام ذلك الرجل (أيان) والطلبة: "لو سمحت يا حضرة المدير، صوتك ميعلاش عليا، وقبل ما تتكلم، أنا سايباله الشغل، بس أنا أكيد مش هفتريه عليه، ده أسلوبي مع فارس ومامته عارفة كمان."
أنهت حديثها وهي تجمع مقتنياتها. نظرت لأيان بعصبية ودفعته بحقيبتها لتمر من جانبه.
***
توجها سويًا للأسفلت.
تحدث بالقرب من أذنها: "شيلتي برضو الكانولا من إيدك؟"
نظرت ليدها على مكان الحقنة: "كانت بتوجعني، وبعدين انت مش هتأكلني ولا إيه؟"
أمسك كف يدها وهو يتوجه لغرفة الطعام: "هأكلك يختي، تعالي."
دخلا لغرفة الطعام لتتوجه عليهما الأنظار. ترك يدها وتوجه لمقعده. نظرت له وتمتمت في سرها: "مبيعملش حاجة عدلة، لا لآخرها."
جلست بجواره. نظرت للطعام بشراهة. أمسكت الشوكة لتضع أول لقمة في فمها، لكن قاطعتها هالة، ابنة عمتها، بنبرة خبيثة: "يعني شكلك تعبان خالص، حقك، أنا لو كان حصل معايا اللي حصل امبارح وبابا ضربني كده، مكنتش هستحمل."
وضعت الشوكة أمامها وهي تبتسم لها ببرود: "معلش يا هالة، بس دي أمور عائلية، مبحبش أتكلم فيها مع حد غريب."
"هدير، اسمي هدير." نطقتها وهي تجز على أسنانها من أسلوبها المستفز.
"أنا مش قولت امبارح محدش يدخل في مواضيع مراتي وأهلها." همس آدم بصوت مرتفع، فهو لم يحبذ الرد أولاً، ترك لها الساحة.
نظرت له بسخرية وهي تنبس بالقرب منه: "ياريت كنت قلت لنفسك الكلام ده قبل ما تتدخل."
نظر لها بسرعة، فهل ما زالت تعتقد أنه الذي أخبر عائلتها؟ طبعًا أنها قالت تلك الكلمات بالأمس بسبب غضبها.
***
"إيه يا أيان، عرفت حاجة؟"
"كان فيه حجز فعلاً باسمها في الفندق." سأله بسرعة.
"اتأكدت إنها هي اللي كانت مع سليم؟" أجابه بأسف.
"لأ، لسه، سليم مش بيرد عليا، شكله لسه زعلان."
صاح به بعصبية: "زعلان؟ هو الزعلان ليه؟ إحنا نصبنا عليه وخسرنا نص مليون."
حاول أن يهدأ من نفسه: "حاول تتأكد هي ولا لأ بأي طريقة يا أيان."
تحدث أيان بوجهه للصواب: "طب ما توريها الصورة وتوجهها وكده كده هنعرف الحقيقة، سواء منها أو لأ."
أغلق مع صديقه وهو يفكر في كلامه: هل يواجهها حقًا؟ دخل جناحهم بعد صراع كبير مع نفسه.
كانت تجلس على الأريكة وهي في حالة صمت. أخرج هاتفها من جيبه ليضعه أمامه.
نظرت للهاتف أولاً، ثم أمسكته بسرعة وهي تقف، تحدثت بفرحة: "ده تليفوني، جبته إزاي؟"
أجابها بغروره المعتاد: "مش قولتلك مفيش حاجة تصعب عليا."
فتحته بلهفة وهي تتصل برقم شقيقتها. نظر لفرحتها ولهفتها، لم يفعل شيئاً، لكن فرحتها أشعرته أنه فعل شيئاً مستحيلاً.
لم تتلقى إجابة على اتصالها. حاولت مرتين، لو تسمع أي إجابة. كانت تريد أن تتصل على والدتها، لكنها ترددت.
جلست على الأريكة وهي تحاول كبت دموعها.
جلس بجوارها يحاول التخفيف عنها: "تلاقيها مش سامعة أو بتعمل حاجة."
كانت تنظر أمامها، خائفة أن يكون والدهم منع شقيقتها من الإجابة عليه.
نظر لها آدم وهو يخرج صورة من سترته بتردد: "ليان، هوريكي حاجة وتقوليلي انتِ ولا لأ."
نظرت له باستغراب، لكنها أومأت برأسها لها.
أعطاها الصورة لتنظر لها باندهاش: "انت جبت الصورة دي منين وإزاي؟"
"مش مهم جبتها منين، المهم دي انتِ ولا لأ." سألها وهو خائف من أن يسمع إجابته.
نظرت للصورة، ثم رفعت عينيها له وهي تعطيها له: "آه، دي أنا."
رواية سأخرجك من الظلام الفصل السادس 6 - بقلم نورسين
"أيوه ده أنا."
سألها بصدمة وسرعة.
"إزاي ده؟ أنتِ... أنا مش سألتك تعرفي سليم الدمنهوري قلتِ لأ."
"مكنتش فاكرة اسمه."
نهض من مكانه بسرعة وتحدث بعصبية.
"يعني إيه مكنتيش فاكرة اسمه؟ واحد نصب عليكِ مش فاكرة؟"
أكمل بسخرية.
"ليه هما كتير أوي كده؟"
صاحت بعصبية من طريقة حديثه.
"نصب على مين يا مجنون أنتَ؟"
جز على أسنانه بعصبية.
"ليان اتكلمي عدل معايا."
قاطع حديثهم رنة هاتف ليان، والتي ما إن التقطت اسم المتصل أجابت بسرعة.
"ألو؟ إيه يا مريم مش بتردي ليه؟"
استمعت لصوت بكاء شقيقتها.
"مالك بس بتعيطي ليه؟ فيه حاجة حصلت لبابا أو ماما؟"
تحدثت مريم بشهقات.
"با... بابا مش عايزني أكمل دراسة عند خاله وعايزني أرجع تاني ومش عايزني أكلمك، بيقولي انسى إن عندك أخت."
كلمات شقيقتها قلبت قلبها، هل تخلى والدها عنها حقاً؟ حاولت تمالك نفسها.
"طب بس اهددي يا حبيبتي، تلاقي بابا بس زعلان مني وشوية وهيهدى. أنتِ هترجعي امتى؟"
تحدثت مريم بلوم.
"عملتي كده ليه يا ليان؟ اتجوزتي من ورانا ليه؟"
"هفهمك كل حاجة، بس قوليلي هترجعي امتى؟"
نظرت مريم حولها لتجيب.
"أنا خلاص في الطريق، داخلة على بوابة إسكندرية."
تحدثت ليان بسرعة.
"متروحيش البيت، أنا هاجيلك. شوفي أي كافيه عشان نتكلم فيه."
كان ينظر لها بغيظ، فهي قاطعت حديثه معها والآن تنوي الخروج دون رأيه.
أنهت حديثها مع شقيقتها وهي تتنهد، تحاول إمساك دموعها.
"أنا هلبس عشان أروح أقابل مريم."
أجابها بسخرية.
"لأ والله، كتر خيرك إنك بتقوليلي."
أكمل بحده.
"أنا هعديها عشان حالتك بس مش أكتر، غير كده كنت حبستك لما ترجعي، لينا كلام تاني مع بعض."
لم تعره اهتمام. اتجهت للخزانة تخرج ملابسها لترتديها.
"خلي السواق يوصلك."
غادر بعصبية وهو يتوعد لها عندما تعود.
***
بعد مرور ساعة.
جلست ليان في المقهى تنتظر قدوم شقيقتها.
ما إن لمحت طيفها من بعيد حتى اقتربت منها تعانقها بشدة والدموع تملأ عينيها.
حدثتها مريم بجمود.
"ممكن أفهم إنتِ إزاي اتجوزتي من ورانا؟"
نظرت لها بصدمة من طريقتها الجافة معها.
سحبتها من يدها حتى تجلس أمامها.
"أنا هحكي كل حاجة من الأول، بس طمنيني على بابا عامل إيه دلوقتي؟"
"معرفش، مكلمنيش. ماما بس كلمتني وقالتلي ارجعي إسكندرية."
تنهدت ليان وبدأت تحكي لشقيقتها كل شيء مرت به من أول لقاء مع آدم حتى انتهى بها الوضع زوجته.
نظرت لها بصدمة.
"إنتِ مريتي بكل ده يا ليان؟ ولوحدك؟"
اقتربت منها وهي تضمها.
أخذت نفس عميق تحبس به دموعها.
"أنا تعبت أوي يا مريم، أنا عايشة مع ناس معرفهاش وبقيت مرة واحدة متجوزة واحد مجرم هو وعيلته."
مسحت دموعها وهي تتذكر حديثها مع آدم.
"مريم، عايزة أسألك عن حاجة. فاكرة سليم الدمنهوري؟"
ما إن نطقت اسمه حتى شحب وجه شقيقتها.
"س... سليم مين؟"
تحدثت وهي تحاول أن تذكرها.
"سليم أخو صاحبتك اللي قبلناه لما كنا في إيطاليا."
مثلت التفكير لتنطق بتوتر.
"آه... سليم افتكرته، بس إيه اللي فكرك بيه؟"
"آدم جابلي صورة ليا معاه لما كنا قاعدين في الفندق مستنينك وسألني لو كنت أعرفه ولا لأ."
سألتها بصوت مهتز.
"وإنتِ قلتي له إيه؟"
"في الأول مكنتش فاكرة، بس لما وراني صورته افتكرته. بس هو قال لي حاجة غريبة."
سألتها بفضول.
"حاجة إيه؟"
"قالي إنها نصبت على سليم."
صاحت بها مريم بصوت مرتفع.
"غبية! وقولتيله كمان إنك تعرفيه أو إننا نعرفه؟"
نظرت لها ليان باستغراب من طريقتها وانفعالها.
"اهدّي كده واتكلمي عدل. وفيها إيه لما أقول له إني عارفة؟ هو يعني إحنا نصبنا عليه بجد؟"
نظرت لصمت شقيقتها بصدمة.
"مريم، إنتِ عملتي حاجة من ورايا؟"
نفت بانفعال وهي تحاول نفي التهمة عنها.
تحدثت بنبرة مائلة للبكاء.
"أنا مش عايزة أسمع سيرته تاني."
نظرت لها ليان وهي تحاول أن تفهمها.
"ليه؟ إيه اللي حصل؟ فهيميني."
أجابتها بشفاه مهتزة.
"س... سليم حاول يعتدي عليا."
أنهت حديثها وهي تقترب من حضن ليان، لكنها أبعدتها وهي تسألها بحدة.
"إمتى وإزاي؟ متقوليش حاجة زي دي."
بكت وتعالت شهقاتها.
"في اليوم اللي رجعت فيه مصر وإنتِ رجعتي إنجلترا. رحت قبلته الصبح عشان أسلم عليه. هو حاول يقربلي بس أنا ضربته بالفازة."
كانت تستمع لها وهي لا تصدق.
سألتها بجمود.
"إنتِ روحتيله فين؟"
أجابتها بتقطع.
"الف... الفندق. هو قال لي عشان نبقى براحتنا..."
قاطعتها بصفعة على وجهها جعلت كل من في المكان ينظر لهم.
"إنتِ إزاي تعملي حاجة زي كده؟ لأ وزعلانة إنه حاول يقربلك."
أنهت حديثها وهي تمشي بعصبية من ذلك المقهى.
فاقت مريم من صدمتها بسرعة لتلحق بليان وهي تترجاها.
"اسمعيني يا ليان، أنا عارفة إني غلطانة بس أنا وثقت فيه. ارجوكِ متقوليش لآدم. سليم زمانه عايز ينتقم مني."
التفتت لها بعصبية.
"إنتِ إزاي تعملي؟ لو مكنتيش عرفتي تدافعي عن نفسك، جاوبي؟"
نظرت مريم لأسفل وهي تتحدث بأسف.
"آسفة والله، مكنتش أعرف إنه هيعمل كده."
كانت ستصيح بها مرة أخرى، لكن مظهر بكائها وشهقاتها جعل قلبها يرق لها.
اقترب منها وهي تعانقها.
تنهدت وهي تملس على شعرها.
"بس خلاص اهدّي، مفيش حاجة. أنا هتصرف."
أبعدتها عن حضنها وهي تقبل وجنتها مكان الصفعة.
"متزعليش مني، أنا عملت كده من خوفي عليكِ. إنتِ عارفة أنا بحبك إزاي."
أومأت لها مريم بابتسامة.
"مش زعلانة منك، أنا عارفة إنك خايفة عليها."
ابتعدت عن حضنها.
"أنا لازم أروح عشان بابا."
"ماشي، هبقى أكلمك أعرف منك الأخبار."
ما إن ابتعدت ليان عنها مغادرة،
حتى أمسكت هاتفها وأجرت مكالمة.
"أنا عملت كل حاجة قولتي عليها بجد؟ مش مصدقة إني كدبت عليها."
"جدعة كده، إنتِ في الأمان."
ليكمل بسخرية.
"لأ، امسكي قلبك الحنين ده شوية. لو معملتيش كده كل حاجة هتضيع من إيدينا."
***
كانت تجلس في إحدى المقاهي وأمامها حاسوبها تبحث به في أمل إيجاد وظيفة جديدة.
قاطع بحثها وضع النادل كعكة أمامها.
"أنا مأطلبتش كيك."
أشار لها النادل للطاولة التي أمامها.
"هو طلبها حضرتك."
نظرت لمكان إشارته لتجده ذلك الرجل الذي اتهمها بالإساءة للطلاب.
نهض من طاولته وهو يقترب منها.
"ممكن أقعد؟"
نظرت له ولثقته لتنطق.
"لأ مش ممكن، ويا ريت تاخد الكيك بتاعك."
نظر لها بصدمة، هل رفضت جلوسه معها الآن؟
جلس أمامها وهو يعدل من ملابسه.
"إممم... شكلك حضرتك مبتقوميش، ياريت تتفضل تقوم."
"أنا جيت لحد عندك يا آنسة رقيه عشان أعتذر لحضرتك عن سوء الفهم اللي حصل."
"لحد عندي؟ فين؟ هو الكافيه ده بتاعي ولا إيه؟ وبعدين سوء فهم إيه؟ مش كنت أنا المدرسة المجنونة اللي بعذب الطلبة بتوعي؟"
اعتدل في جلسته وهو يحاول تصحيح موقفه.
"بعد ما مشيتي فارس فضل يعيط وحكالي إنه قد إيه بيحبك. ومامته لما عرفت إنه مش بيبطل عياط، جت المدرسة وفهمتني علاقتك بيه وقد إيه هو شقي ومحدش غيرك بيقدر عليه."
أسندت مرفقها على الطاولة وهي تسأله.
"ها؟ وبعدين؟"
"أنا جاي أعتذرلك وكلمت أستاذ محمود وهو كمان حابب يعتذر عشان ترجعي الشغل."
بدأت في تجميع أشياءها وهي تتحدث.
"موافقة، بس بشرط المدير يعتذرلي قدام الطلبة."
أومأ لها.
"أنا هكلم أستاذ محمود عشان يعتذر."
سألته بفضول.
"وإنتَ؟"
نظر بتعجب ظهر على ملامحه.
"وإنتَ إيه؟"
"مش هتعتذر؟"
أشار على الكعكة الموجود على الطاولة.
"طب ما أنا اعتذرت أهو وجيت لحد عندك."
لوت شفتها بحركة تدل على عدم إعجابها بكلامه.
"ليه؟ هو إنت شايف إن حتة الكيكة دي هترجعلي حقي؟ إنت زعقتلي قصاد الطلبة كلهم وخليت شكلي وحش."
سألها مرة أخرى.
"طب ما أنا اعتذرت."
ارتدت حقيبتها.
"وأنا مش هقبل اعتذارك غير لما ترجعيلي مكاني تاني قدام الطلبة، دي أقل حاجة تعملها حتى عشان ضميرك."
أجابها بسرعة وسخرية، فمن تلك التي تجبره على الاعتذار أمام الجميع؟
"وأنا معنديش ضمير."
ابتسمت له ابتسامة بسيطة مستفزة.
"يبقى ياريت مشوفش وشك تاني."
أنهت كلماتها وغادرت دون أن تعطيه فرصة للإجابة.
نظر لطيفها وهي تغادر بغيظ.
"دي شكلها مجنونة خالص. أنا الحق عليا مرضتش أقطع عيشها منك لله يا آدم دبستني معاها."
***
عادت للمنزل وهي منهكة، لا تعرف ماذا عليها فعله أو بماذا تخبر آدم.
دخلت جناحهم لكنها تفاجأت به يجلس على الأريكة ينتظرها.
"إنت معندكش لا شغل ولا مشغلة ولا إيه؟"
لم يعر حديثها أهمية ليسألها.
"تعرفيه منين؟"
"هو مين؟"
اقترب منها وهو يهددها بنظراته.
"متستهبلش يا ليان، تعرفي سليم منين؟"
رجعت خطوة للخلف بسبب اقترابه الهمجي منها.
"ولا حاجة، هو أخو صحبتي وأنا قابلته صدفة في الفندق."
نظر لها بصمت يتحقق من مدى صدقها لينطق بسخرية.
"كدابة، ده إنتِ حتى مش قادرة تبصي في عيني."
أرادت حتم موقفها وتعرف نواياه.
"هو إنت تعرف سليم منين وعايز تعرف ليه؟ أنا أعرفه منين؟"
اقترب منها عدت خطوات لتتراجع للخلف.
أكمل بنبرة هادئة تدل على انفعاله القادم.
"أنا هنا اللي بسأل، تعرفي سليم منين؟"
حاولت الابتعاد لكنها وجدت الحائط خلفها.
أبعدت وجهها قليلاً عنه.
"أنا قولتلك، هو أخو صحبتي وأنا قابلته صدفة لما كنت مسافرة. جاوبني زي ما جاوبتك، تعرفه منين؟"
حاول تمالك أعصابه، فهي تصر على الكذب.
"سليم يبقى صاحبي وأخويا، وأي حد يمسه بأذى أنا أمحيه من على وش الدنيا."
ابتلعت ريقها بسبب تهديده ذلك.
اتضح لها كلام شقيقتها أن سليم لن يتركها وشأنها.
حاولت استجماع شجاعتها.
"وأنا قولتلك اللي عندي، أنا مقبلتوش غير مرة ومعرفش حاجة عنه."
اقترب منها أكثر وهو ينظر لعيناها لتصبح محاصرة بين ذراعيه.
نظر لعيناها يحاول اكتشاف حقيقة كذبها.
همس بجانب أذنها.
"أحب أقولك إن سليم معندوش أخوات بنات."
نظر لها مرة أخرى وهو يشاهد اتساع عينيها دليل على صدمتها.
ابتسم بسخرية على صدمتها.
"مالك بس اتفاجئتي ليه كده؟"
تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة.
"آدم... أنا..."
"هش ولا كلمة. أنا هديكي آخر فرصة، بس لو اتأكد إنها إنتِ، يبقى متلوميش غير نفسك."
أنهى حديثه وهو يغلق الباب بقوة.
اهتز جسمها من شدة صوت الباب ومن توتر الموقف.
جلست على الأرض وهي تضم ساقيها لها.
سندت ذقنها على ركبتيها واحتضنت ساقيها، تلك الحركة تفعلها كلما شعرت بالوحدة أو الضعف.
حدثت نفسها.
"أعمل إيه بس؟ خايفة أتكلم يأذي مريم، دي لسه صغيرة."
زحفت للأمام لتصل للطاولة لتأخذ هاتفها.
فتحت جهات الاتصال، ضغطت على اسم شقيقتها لكنها لم تتلقى أي رد.
حاولت مرتين لم تجيبها.
أغلقته وهي تريح ظهرها على الحائط وأرسلت لها رسالة.
"مريم، لما تعرفي ردي، اتصلي بيا ضروري."
***
ألقى الكوب الذي كان يرتشف منه على الحائط بقوة.
"إنتوا كلكم أغبياء! بقولك قرب منها تروح تعمل فيها شكوى يا إيان!"
صاح به بحده، فكلما تذكر إنكارها لمعرفتها لسليم يجن جنونها.
استقام إيان ليجلس بكمان آخر بعيداً عن الزجاج.
"اهدّي بس يا آدم، أنا هعتذرلها وأصلح سوء الفهم."
أكمل وهو يتابع حالة صديقه.
"بس إنتَ متعصب ليه كده؟ فيه حاجة حصلت مع ليان؟"
مسح على وجهه وهو يجلس بإرهاق.
"طلعت هي اللي في الصورة وبتعرف سليم كمان."
سأله إيان بفضول.
"إنت عرفت منين؟"
أجابه بسخرية.
"هي اللي قالت، وقالتلي كمان إنه أخو صاحبتها."
تحدث إيان بتعجب.
"طب وفيها إيه إنها تعرف أخته؟"
صاح به بعصبية.
"إنت هتجنني يا إيان، هو سليم عنده أخوات بنات أصلاً؟"
نظر له إيان يدرك غباءه.
"أيوة صح، معلش يا آدم، مأخدتش بالي."
نهض آدم وهو ينوي العودة لها.
"رد سليم يجيلى بكرة بالكتير يا إيان، عشان لو مردتش أنا هرحّله مخصوص، وانت عارف لو رحتله إيه اللي هيحصل."
***
جلست ما يقارب النصف ساعة تنتظر اتصال شقيقتها.
أجابت بلهفة ما إن استمعت لصوت هاتفها.
"إيه يا مريم؟ اتأخرتي ليه كده؟"
"معلش يا ليان، أصل كنت قاعدة مع بابا."
حدثتها بنبرة مهتزة.
"طب وهو عامل إيه؟"
أجابتها بنبرة كان يظهر بها القلق.
"كويس، الحمد لله."
لتكمل في محاولة التهرب منها.
"عملتي إيه مع آدم في موضوع سليم؟"
تنهدت وهي ترجع رأسها للخلف.
"سليم مطلعش عنده أخوات بنات يا مريم."
صمت شقيقتها وقد علمت مدى صدمتها.
"كدبتي عليا ليه يا مريم؟"
صمتت عدت دقائق أخرى لتبدأ بالبكاء، فذلك سلاحها الوحيد الذي يكسب رضا ليان.
"عشان... خفت أقولك. أنا بجد خايفة سليم يوصلي."
صمتت وقد أدركت علاقة مريم بسليم.
"تعرفيه منين يا مريم؟"
أجابت بصوت خافت من البكاء.
"من على النت. بالله عليكي يا ليان متقوليش حاجة لآدم، سليم لو عرف مش هيرحمني ولا هيرحمك."
ابتسمت بألم.
"متقلقيش، أنا خلاص اتحطيت في الموضوع، مش هدخل فيه. لازم حد هو اللي يتصدر."
كانت مريم ستجيب لكن سحبت منها والدتها الهاتف بسرعة.
"إنتِ بتتصلي ليه؟ عايزة مننا إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملتيه فينا؟"
"ماما، عشان خاطري اسمعيني..."
قاطعته بحدة.
"اسمعك ليه؟ عشان تقوليلي اتجوزتي من ورانا ليه؟ لأ وكمان مدخلة خالك معاكي! إنتِ عايزة مننا إيه؟ أنا من الأول قولت بلاش سفر بره، اديكي جبتيلنا العار. أبوكي تعبان من امبارح ومش بيكلم حد. روحي يا شيخة، إنتِ لا بنتي ولا أعرفك."
أطلقت كلماتها التي مثل السهام وراء بعضها دون السماح لها بالرد.
بدأت بالبكاء لتتحدث مرة أخرى على أمل أن يسمعها أحد.
"يا مام..."
استمعت لصوت صافرة، نعم، فقد أغلقت بوجهها.
تصاعد صوت بكائها وهي تحاول الاتصال ثانياً.
"عفواً، ذلك الرقم غير موجود بالخدمة."
نظرت للهاتف بصدمة، فقد حظرتها من المكالمات.
ازداد بكائها أكثر وتعالت شهقاتها، فقد تعرضت للخزلان من والدتها للمرة التي لا تعرف عددها.
نامت على الأرضية وهي تتكور على نفسها تحاول بث الأمان لجسدها.
"ليه محدش بيسمعني؟ ليه محدش خايف عليا؟"
ابتسمت بسخرية.
"لأ، وكان بتقولي حطيتي خالك؟ متعرفش إنه اتفق مع آدم."
***
كان عائداً لجناحه لكنه تلقى اتصال.
"نعم يا رحاب هانم؟"
تلقى صوتها الغاضب.
"إنت إزاي تتجوز ليان من غير ما تقولي؟"
نبس بسخرية.
"ليه؟ كنتِ عايزاني أطلبها منك ولا إيه؟"
تحدثت بحزم.
"اتكلم عدل يا آدم. وبعدين إنت فاكر عشان كبرت شوية مش هعرف أوقفك وأعلمك الأدب زي زمان؟ كلها كام يوم وهرجع مصر وهخدها منك، مش هسمحلك تزعلها، إنت سامع؟"
مثل الصدمة.
"إيدا يا رحاب هانم! إنتِ سافرتي؟"
اغتاظت أكثر من طريقته لتكمل بصوت مرتفع.
"إنت هتعمل نفسك عبيط يا آدم؟ ومرحتش ليه آخر اجتماع؟ مش قولتلك عايزين نستلم البضاعة."
تحدث بإرهاق وهو يصعد السلم.
"مش كفاية صفقات بقا يا رحاب هانم، اعملي حاجة لآخرتك."
صاح بها بعصبية من حديثه.
"اتلم يا آدم واتكلم عدل معايا، لما أرجع هوريك."
أبعد الهاتف عن أذنه، فاليس له طاقة بالاستماع لحديثها.
"معلش يا رحاب هانم، لازم أقفل عشان مراتي عايزاني."
أغلق الهاتف في وجهها دون سماع ردها.
"الستات دول وجع دماغ. إلا ليان، أه بس لو أعرف الحقيقة."
فتح باب الجناح ليقابله الظلام.
أشعل الضوء لكن لم يجدها على الفراش.
نظر حوله يتبع أي أثر لها.
لم يجدها.
توجه بسرعة للمرحاض، لم يجدها أيضاً.
نظر حوله بسرعة، فقد خاف أن تكون ذهبت.
توجه للمطبخ الملحق بالجناح، لكنه رآها نائمة على الأرضية بجانب الفراش متكورة على نفسها.
اقترب منها بسرعة.
"ليا! إنتِ كويسة؟"
هزها بشدة، فهو خائف أن يكون أصابها شيء.
هزها مرة أخرى بقوة.
بدأت بفتح عينيها، تحاول إدراك ماذا يجرى.
نظر لوجهها الشاحب وعيونها المنتفخة أثر البكاء.
أمسكها من كتفها ليساعدها على الجلوس.
سألها بلهفة.
"إنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟"
نظرت حولها تحاول تذكر متى نامت على الأرض.
"آه، أنا كويسة."
وضعت يدها على رأسها بسبب الألم الذي فتك بها.
أمسك هو وجهها.
"كنتِ بتعيطي ليه؟ حد من البيت ضايقك؟"
كانت ستجيبه لكنها تذكرت حديث والدتها لتبعد يده عنها بحدة.
"وإنت يهمك أوي أنا كويسة ولا لأ؟"
نظر لها بصدمة يحاول فهم سبب تحولها هكذا.
نهضت من على الأرض تتحدث بحدة.
"إنت استفدت إيه؟ بوظتلي حياتي، خليت الكل يكرهني ويبعد عني. الكل شايفني وحشة وده بسببك إنتَ."
دفعته بحدة في صدره نهاية حديثها وهي تبكي بانهيار، فا حديث والدتها قد ألمها.
هل لهذه الدرجة التخلي عنها سهل بالنسبة لهم؟
"أنا عملتلك إيه؟ فهمني؟ أنا معرفكش أصلاً عشان آجي جنبك، مقبلتكش غير كام مرة، إنت..."
علت شهقاتها نهاية حديثه ليحاول ضمها إليه.
دفعته بحدة لكنه لم يبدي رد فعل، ظل يحاول أن يحتضنها.
استسلمت له، فقد كانت تريد الاحتواء.
ضرب كتفه بخفة.
"ابعد عني، إنت السبب في كل ده."
لا تعلم كم ألمه قلبه برؤية انهيارها ذلك.
مسح على طول شعرها وهو يحاول تهدئتها.
"هش، اهدّي خلاص."
جلس الفراش وهي مازالت في حضنه تبكي وتنطق بكلمات غير مفهومة بالنسبة له.
قبل فروة رأسها وهي تسند ظهرها على السرير.
خرجت من حضنه وهي تحاول الابتعاد، لكنه تمسك بها أكثر.
"اب...عد ع...ني يا أد...م."
مع كل كلمة كانت تخرج منها شهقة.
لم يعطي لكلامها أهمية، قبل رأسها مرة أخرى ثم أرجع شعرها للخلف.
نظر لوجهها المحمر أثر البكاء.
لم يستطع تمالك نفسه، طبع قبلة سريعة على وجنتها.
تفاجئت من حركته تلك.
زحفت للخلف.
"ابعد يا آدم، إنت شكلك اتجننت خالص."
سحبها من ساقها يقربها له.
"إنت بتعمل إيه؟"
نطقت بصدمة وخوف من حركته تلك.
عدل جلستها وجعلها تستند برأسها على صدره.
حاولت رفع رأسها ليزيد من حصاره لها.
"اهدّي بقا، متعبتيش من كتر العياط، خلينا ننام إحنا الاتنين تعبانين."
حاولت النهوض مرة أخرى لكن لم تستطع.
تحدث وهو يضع الغطاء عليهم.
"نامي يا ليان، كفاية فرك."
نطقت وهي تحاول أن تعدل نومتها.
"طب مش هتغير هدومك؟"
حاولت إزاحة يده من عند خصرها لكنه لم يحركها.
"ابعد شوية يا آدم، مش عارفة أتنفس."
فتح عينيه عندما شعر بحركتها ليجدها تحاول تقريب يده من فمها في محاولة عضها.
رفع يدها بسرعة يقربها لفمه.
"هتعضي؟ هعض أنا كمان."
سحبت أسنانها من يده بسرعة.
"خلاص مش هعض، سيب إيدي."
نطق بنبرة حاول أن يجعلها جدية.
"خلاص، اتهدّي ونامي بقا."
أغلق عينيه في نهاية حديثه وهي يبتسم بداخله على حركاتها تلك.
نظرت له بضع ثوانٍ لتغلق عينيها بإستسلام.
***
استيقظت عند الساعة ٤ فجراً.
وجدت نفسها نائمة بمفردها.
نظرت حولها لم تجده في الغرفة.
نطقت اسمه بصوت مرتفع قليلاً.
"آدم، إنتَ هنا؟"
لم تتلقى أي رد.
نهضت من على الفراش وهي تتوجه للمرحاض.
لكنها استمعت لصوت يشبه صراخ شخص يأتي من الحديقة.
دلفت للشرفة نظرت لأسفل وجدت خيال شخص.
حاولت الرؤية لكنها لم تستطع.
استمعت مرة أخرى لذلك الصوت مما زاد فضولها.
ارتدت روب منزل زهري اللون ثقيل نوعاً ما، فقد بدأ الجو أن يصبح بارداً.
مشيت بخطوات مهتزة بسبب زيادة صوت الصراخ.
اتبعت الصوت وجدت نفسها عند القبو.
اتضح أن ذلك الصوت صوت نباح كلب.
اقترب أكثر من الباب فتحته بحرص شديد وببطء.
وجدت آدم يوليها ظهره، ويوجد شخص مستلقى على الأرض والدماء تسيل منه.
ازداد صوت نباح الكلب على ذلك الشخص.
تحدث ذلك الشخص بصوت متألم.
"أنا معرفش حاجة والله يا باشا."
ذمجر آدم بعصبية.
"متلفش وتدور معايا وهات من الآخر."
نظرت بإنتباه لوجه ذلك الرجل فقد كان غير ظاهر من شدة الضرب.
شهقت بصدمة عندما أخرج آدم سلاحه يوجهه لرأس ذلك الشخص.
التفت آدم بسرعة لصوت الذي سمعه.
تفاجئ بوجود ليان.
اقترب منها.
"ليان؟!"
رواية سأخرجك من الظلام الفصل السابع 7 - بقلم نورسين
"انتِ بتعملي ايه هنا؟"
نظرت ليده وملابسه الملطخة بالدماء ذلك الرجل.
ارتدت عدة خطوات للخلف.
"متقربيش مني!" تحدثت بنبرة تدل على انهيارها القريب.
لكنها ارتجفت عندما وجدت ذلك الكلب يقترب منها بسرعة.
كان أسود اللون وضخم.
اقترب منها وهو ينبح.
راجعت عدة خطوات للخلف من صدمتها وهي ترى ذلك الكلب يقترب منها.
صاح آدم بصوت مرتفع: "رعد، اقف مكانك."
ما إن استمع لنبرة آدم، وقف مكانه.
بعدما كان قريبًا منها، جثت هي على ركبتيها بأرجل مهتزة ودموعها تنساب على وجنتيها.
اقترب منها آدم بخطوات بطيئة حتى لا يخيفها أكثر.
اتخذ وضع القرفصاء أمامها.
كانت نظرها هي لقدم ذلك الرجل الممدد خلف آدم، فهي لا ترى وجهه بسبب الباب الذي يحجبه.
بعدما تراجعت هي ولحقها آدم، اقترب منها أكثر وهو يحدثها بنبرة حنونة: "ليان، بصيلي. أنا سيبك منه. ده رعد، الكلب بتاعي. مش هيقربلك."
رفعت أنظارها من على ذلك الرجل ببطء، وهي تنظر لآدم.
"مين ده؟"
حاول أن يسد بجسده رؤيتها لذلك الرجل وهو ما زال يتخذ وضع القرفصاء أمامها.
سألته مرة أخرى بنبرة أعلى مهتزة قليلًا: "مين ده يا آدم؟ أنتَ قت*لته، صح؟"
زحفت بجسدها للخلف عندما وجدته يتقرب.
"ابعد عني يا آدم، متقربش مني. أنتَ إيه يا أخويا؟ مجنون؟ عملت فيه ليه كده؟"
كانت تحاول أن تقف، أعصابها كانت تالفة من ذلك المشهد.
"أنا هروح أعالجه. لازم أنقذه."
أمسك يدها يمنعها.
للأسف، سحبتها بسرعة وهي تنظر ليده بتقزز من منظر الدماء.
"ابعد إيدك عني ومتت*قربش مني."
كادت أن تكمل خطواتها للقبو مرة أخرى، لكنه وقف أمامها.
"مفيش دخول. ارجعي أوضتنا، يلا."
ابتسمت له بسرعة على كلماته تلك.
"أوضتنا! أنا مش هرجع يا آدم وهمشي من هنا. بس أعالج الراجل الغلبان اللي جوه ده قبل ما يجراله حاجة."
اتجهت لجهة اليمين تحاول الابتعاد عنه، لكنه سبقها ووقف أمامها مجددًا.
"ملكيش دعوة. أنتِ يموت، يولع. ميخصكيش. ارجعي الأوضة."
صاحت به بنبرة مرتفعة: "أنتَ إيه يا أخويا؟ معندكش قلب؟ عايز تموت الراجل؟"
أكملت وهي تحاول أن تجد في عينيه أي نفي لكلماتها.
"هو أنتَ كنت هتموته بجد لو مكنتش جيت؟"
لم يظهر على ملامحه أي شيء يدل على نفيه.
تحدثت وكأنها تفكر مع نفسها: "يعني طلعت تاجر أعضاء. وقولت ممكن يكون عمه. مش ده شكله كويس. إنما توصل بيك للقتل. أنتَ شغال إيه؟ أنتم عصابة ولا مافيا ولا إيه على دماغكم؟"
مرة أخرى، لم يظهر على ملامحه النفي.
ليقترب من أذنها: "أيوا، إحنا عصابة. عايز تسمينا مافيا، تسمينا مجرمين. براحتك."
أكمل بسخرية وهو ينظر لها: "ده أنا قولت عليكِ أذكى من كده يا دكتورة. يعني أنا جاي من إيطاليا. وعرفتي إني تاجر أعضاء. لسه متفاجئة بقا إننا مافيا؟"
نظرت لعينيه بتتمعن وهي تحاول إيجاد ذرة ندم عما قاله.
"طب سيبني أعالجه. أنا مش هقدر أشوفه كده ومساعدهوش."
أكمل بحده، فقد سئم. يريد أن ينتهي منها ليذهب لذلك الملقى على الأرض.
"مش هكرر كلامي تاني يا ليان. اطلعِ الأوضة."
اقترب منها أكثر، فقد أدرك أنها عنيدة لا تأتي إلا بالتهديد.
"لو مطلعتيش براحتك، هخليكي قاعدة مع رعد طول الليل في الجنينة."
نظرت لذلك الكلب الذي وقف عندما سمع اسمه من مالكه.
حاولت استجماع شجاعتها وهي تتحدث: "أنتَ فاكر إنك هتخوفني بالكلب ده؟ أنا عارفة إنك مش هتقدر تعمل كده."
ابتسم بسخرية لها.
"ومين قال لك إنني مش هقدر أعمل كده؟ مش قولتي إنني مجنون وبعمل أي حاجة؟"
أنهى حديثه وهو يصفر لكلبه الذي بدأ بالنباح عندما استمع لنداء سيده.
انكمشت على نفسها، فقد خافت منه. نظرت له وهي تشعر أن نباح ذلك الكلب جعلها في توتر، فمظهره لا يشبه الكلاب العديدة.
"اممم، أفهم من كده إنك مش هتطلعي؟"
كاد أن ينطق اسم كلبه مرة أخرى، لكنها نبست بسرعة وبنبرة مرتعشة: "خلاص، خلاص. هطلع."
اقتربت منه قبل أن تغادر.
"بس وحياة أغلى حاجة عندك، متقتلهوش يا آدم."
أنهت حديثها وهي تغادر وتشعر بسكاكين تقطع ضميرها، فكيف لها أن تترك روحًا للموت وهي من تنقذهم.
***
في الصباح، استيقظت رقيه على صوت شقيقها.
"اصحي بقا يا زفتة، تليفون البيت عمال يرن."
فتحت عينيها بخمول وهي تمد يدها للهاتف تحاول إسكاته.
تحدث يوسف بنفاذ صبر: "بقولك تليفون البيت. المدير بتاعك ده بيتصل. وأنتِ أصلًا تليفونك بيتصلح."
نهضت بسرعة لخارج الغرفة وهي تضع الهاتف على أذنها.
ليستقبلها صوته العليظ: "صباح الخير يا ميس رقيه. بتصل بيكي من الصبح على تليفونك مقفول."
حاولت أن تفوق حتى تستطيع الإجابة عليه.
"آه، أصل تليفوني بايظ بقاله أسبوع."
همهم لها وهو يكمل حديثه: "أستأذنك تيجي كمان ساعة المدرسة."
سألته بسرعة: "ليه حضرتك؟"
"محتاج أتكلم معاكي شوية وأعتذرك."
صمتت ثوانٍ تفكر في جواب، فلم تجد أي وظيفة أخرى.
"ماشي يا فندم. هاجي كمان ساعة."
***
كانت تجلس مريم في مقهى مع ابن عمها عزت.
"بسبب اللي أنت عملته ده، بابا تعب مننا."
نبست كلماتها بغيظ منه.
تحدث برفض لحديثها ذلك: "مش أحسن ما أسيبه على عماه؟ بنته راحت اتجوزت من وراه. مقولوش."
أردفت بضيق منه: "بس أنا حكيت معاك عشان أنتَ صاحبي، مش عشان تقول لبابا. ده أنا أول ما عرفت من خاله كلمتك."
"كان لازم أقوله. أنا برضه ابن أخو الكبير."
نظرت له بسخرية: "متعملش الحبتين دول عليا يا عزت. أنا عارفة إنك قلت لبابا عشان كنت متغاظ من ليان مش أكتر. بلاش أنت كمان تبقى عليها. كفاية خاله اللي باعها عشان ابنه."
ابتسم عليها وهو يقرص وجنتها.
"عيبك إنك فاهماني يا مريومة."
أبعدت يده عنها بضيق ليكمل حديثه.
"آه صحيح، مصطفى ابن خالك عامل إيه؟ ده زمانه مصدوم من ساعة ما عرف إن أبوه أخد فلوس مقابل إنه يجوز ليان فتات أحلامه."
أرجعت رأسها على المقعد لتستريح.
"متفكرنيش يا عزت. ده مسكنا يومين تكسير وتهبيط في الحاجة ولوم على خاله."
أكملت وهي تعتدل في جلستها بعدما تذكرت: "آه صح، تصدق ده خالو بيقولي إنه مش لاقيه من امبارح. اتعارك معاه ومشى."
وضع سيجارته في فمه وهم بإشعالها ليستنشق نفس منها ويخرجه.
"تلاقيه عامل أي مصيبة. أبو نص عقل ده."
***
طرقات الباب. عدة طرقات. سمعت صوت المدير يأذن لها بالدخول.
"صباح الخير يا أستاذ محمود."
"صباح النور. اتفضلي."
أنهى حديثه وهو يشير لها بالجلوس.
جلست في المقعد الذي أمامه.
ليهم هو بالحديث: "الحقيقة يا ميس رقيه، أنا كنت عايز أعتذر لحضرتك عن سوء التفاهم اللي حصل."
قاطعته هي بحدة: "سوء تفاهم! حضرتك جيت زعقتلي قصاد الطلبة، وكأني زميلتهم. ومهتمتش تعرف الحقيقة. مشيت ورا كلام واحد أنتَ أصلًا متعرفهوش."
كاد أن يتحدث لتقاطعه مرة أخرى.
"أنا شغالة مع حضرتك بقالي كام سنة؟"
نبس بعد أن فكر ثوانٍ معدودة: "٣ سنين تقريبًا."
أكملت وهي تمثل البكاء: "يعني ٣ سنين وهانت على حضرتك العشرة. كل ده. أنا مش هيرضيني غير لما حضرتك تعتذرلي قصاد الطلبة أنتَ والأستاذ التاني اللي طعني في مهنتي واتهمني بالباطل."
سحب منديل ورقي أبيض اللون وأعطاه لها.
"خلاص يا بنتي، متعيطيش. أنا هعتذرلك وهخلي أستاذ إيان كمان يعتذر. استني بس في مكتب المدرسين."
أخذت منه المنديل وهي تمسح دموعها الوهمية.
استقامت من مضجعها وهي تنوي الذهاب، لكنها وقفت تمثل نبرة الحزن: "على فكرة يا أستاذ محمود، أنا شغالة مع حضرتك بقالي سنة ونص."
خرجت من مكتبه وهي تعدل حجابها.
ألقت بالمنديل في القمامة.
"راجل مستفز. ده حتى مش عارف أنا شغالة معاه بقالي قد إيه. كل ده عشان أديله الكارت بتاعه. مفيش غير عود القصب ده كمان اللي هيعكنن عليا."
"تؤ تؤ. ليه الغلط يا ميس رقيه."
التفتت للخلف لتجد إيان يستند على الحائط بجوار المكتب.
نظر له من أعلى لأسفل: "خير، جاى ليه؟ مش قولت مش هتعتذر؟"
اقترب منها عدة خطوات وهو يتجاهل حديثها.
"تمثيل هايل. ده أنا قشعرت. إحساسك عالي أوي يا آنسة رقيه."
ابتسمت له بود.
"مرسي جدًا على ذوقك يا أستاذ. تعبان."
لتكمل بسخرية: "لو عندك أي دور، أوعى تكلمني."
أُغتاظ منها، فقد تنمرت على اسمه وقلل منه.
اقترب منها بعصبية: "لو لا بس إنك بنت، لكنت وريتك هعمل فيكي إيه."
ارتدت عدة خطوات للخلف.
"شكلك مش جاي تعتذر وجاي تستعبط."
التفتت بالمغادرة، لكنه أمسك يدها.
سحبتها منه بسرعة: "أنتَ مجنون ولا إيه؟ أوعى تحاول تلمسني تاني، لحسن والله أخلّي إيديا تسقف على وشك."
جز على أسنانه بعصبية منها.
"بت انتِ اتعدلي كده واتكلمي عدل معايا، عشان أنا على أخري منك ومستحملك بالعافية."
"محدش قالك استحملني أصلًا. يا ريت تبعد عني."
كانت ستغادر مرة أخرى، لكنه أوقفها بسرعة يقف أمامها، فهو لا يريد أن يسوء الوضع أكثر.
"استنى بس يا آنسة رقيه، مالك بس قفوشة ليه كده؟ على فكرة أنا كنت جاي أعتذر."
صمت ذراعيها أمامها وهي تنظر له.
"والله أمل. مش باين على وشك. ليه؟ وبعدين مش كان عندك ضمير؟"
رفع يده على قلبه وهو يفعل حركات درامية: "ده السبب. مستحملش. أصل أنا أصعب حاجة عليا دموع المرأة."
ابتسمت رغماً عنها على حركاته تلك.
"ضحكت يعني قلبها مال؟"
أخفت ابتسامتها وأكملت بحدة: "لا ما ملتِش يا خفيف. عشان تعتذرلي، يبقى قصاد الطلبة كلهم وتجيبلي بوكيه ورد كمان."
شهق لها بطريقة شعبية: "بوكيه ورد ليه؟ جاي أتقدملك يا أختي."
نظرت له بازدراء: "ليه كده بس؟ أمال فين رجل الأعمال اللي مفيش منه اتنين؟"
أكملت وهي تغادر: "أنا قولت اللي عندي."
غادرت وتركته يشتعل غضبًا منها.
***
لم تنم طوال الليل. كانت جالسة متقوقعة على نفسها على الأريكة، لا تستطيع التوقف عن التفكير.
ضميرها يؤنبها طوال الليل. كيف لم تساعد ذلك الرجل المسكين من ذلك الوحش الذي يدعى آدم.
دخل آدم الجناح وهو يفتح أزرار قميصه التي عليها بعض قطرات من دماء ذلك الرجل.
نظرت له بتقزز: "قت*لته خلاص؟ استريحت؟"
لم يعرها اهتمام وأكمل فتح أزرارها.
اقتربت منه: "أنا بكلمك، رد عليا. ق*تلته؟"
لم يعرها اهتمام وأكمل فتح أزرارها.
اقتربت منه: "أنا بكلمك، رد عليا. ق*تلته؟"
نظر لها بلا مبالاة وهو يتخطاها، لكنها أوقفته مرة أخرى بعصبية.
"رد عليا. عملت فيه إيه؟"
تحدث بعصبية ونبرة مرتفعة: "غبيه! هتقضي غبية وشايفاني أنا الوحش على طول، مش كده؟"
اقترب منها أكثر: "آه يا ليان، قت*لته. مش ده اللي أنتِ عايزة تسمعيه؟ حتى لو قولتلك لأ، مش هتصدقي."
فتح آخر زر في قميصه وهو يقوم بنزعه: "بما إنك مش سايباني أدخل الحمام، فا هغير هنا."
ابتعدت عنه بسرعة عندما وجدت ذنبه ينزع قميصه وتوجهت مرة أخرى للأريكة تجلس عليها.
نظر لها بإرهاق، فهي لا تريد فهمه. كلما اقترب منها يحدث شيء يبعدها أكثر عنه.
***
كانت تجلس عمته سهير في الصالون وهي تحتسي قهوتها وتجلس بجوارها ابنتها هدير.
"وبعدين يا ماما؟ هنسيب البت دي كتير كده قاعدة ومأنتخة في بيتنا؟"
أخذت رشفة من قهوتها.
"متقلقيش. كل شيء بأوانه. هنخلص منها هي وآدم كمان."
تحدثت بسرعة: "لا يا ماما. آدم لأ. هو لو اتجوزني مش هيبقا في مشكلة في الورث."
رمقتها والدتها بضيق: "آدم مش هيتجوزك. كان عملها زمان. مانتي طول عمرك قصاده."
قامت بقضم أظافرها وهي تتحدث بضيق: "لا، متقلقيش. هيتجوزني وقريب أوي كمان."
ابتسمت والدتها بسخرية على حديثها، فهي تعرف أن هدير لا تحب آدم. هي فقط تريد استرجاع كرامتها بسبب رفضه لها.
***
كان يجلس في سيارته يفكر في مخطط بعدما تلقى اتصال من حرسه وأخبره بآخر التطورات.
تحدث عزت مع نفسه: "امم، أستعمل أنهي كارت الأول؟ ما أنا لازم أحرق قلبها زي ما حرقت قلبي عليها زمان."
قاطع حديثه رنة هاتفه الذي أضاء باسم مريم ابنة عمه.
"إيه يا مريومة؟"
تلقى صورتها. القلق: "عزت، مصطفى مروحش لحد دلوقتي البيت وخاله كلمني وقلقان أوي عليه."
اعتدل في جلسته وهو يريح ظهره على مقعده.
"معقولة يا مريم؟ لسه مروحش؟ أنا هخلي رجالتى تدور عليه. متقلقيش أنتِ بس."
تحدثت بامتنان: "بجد شكراً أوي يا عزت. مش عارفة أقولك إيه."
"بتشكريني على إيه يا هبلة؟ هو أنا عندي كام مريومة يعني؟"
ابتسمت له على الجهة الأخرى، فهو دائمًا يساعدها ويخرجها من أي مشكلة.
***
كان يجلس عمران والد ليان على السرير وهو يحني رأسه لأسفل.
جلست بجواره حنان زوجته.
"وبعدين معاك يا عمران؟ هتفضل في حالتك دي كتير؟"
تحدث بحزن وهو ما زال بنفس وضعيته: "مش قادر أصدق إن ليان تعمل فيا كده. قصرت معاها في إيه عشان تعمل كده؟"
"ده آخرة دلالك فيها. قولتلك بطل دلال. أديها اتجوزت من ورانا."
نظر لها بغيظ، فهي تقول نفس الكلمات كل يوم منذ أن تزوجت لينا.
لتكمل وهي تضع يدها على كتفه: "شكل ده جزاء اللي عملته زمان يا عمران."
نظر لها بعينين متسعتين: "وإيه اللي أنا عملته زمان عملته لوحدي؟"
استقامت من جانبه وهي تتحدث باندفاع: "آه، عملته لوحدك. أنا مالي دخل معاك. أنتَ اللي جهزت كل حاجة وخطفت الولد وحرمته من أهله كمان."
نهض من مضجعه بغضب مماثل لها: "ومين فضل يزن عليا عشان أعمل كده؟ مش أنتِ؟ أيوه، اعمل كده. إحنا محتاجين فلوس عشان نتجوز يا عمران. مفيش حاجة. ربنا هيسامحنا."
أكمل حديثه وهو يقلد طريقتها في الحديث: "بقا أنا السبب! الحق عليا عملت كده عشان نبقى مع بعض."
اتجه للخارج ينوي المغادرة: "استفدتي إيه لما فتحتي السيرة دي دلوقتي؟ أديني سبتهالك وماشي."
***
الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
ما زالت تجلس كما هي حتى بعدما غادر آدم. تشعر بتأنيب ضمير شديد. كيف لها أن تتركه دون مساعدة؟ وفي عقلها سؤال واحد:
"هو بجد آدم قت*له وهو وحش أوي كده؟"
ابتسمت بسخرية على نفسها: "وأنا اللي قولت ده شكله كويس، والدنيا اللي جت عليه."
قاطع حديثها مع نفسها وصول رسالة من رقم غريب.
أمسكت الهاتف تقرأ الرسالة: "أنا عزت بكلمك من رقم غريب عشان طبعًا السنيورة عملتلي بلوك. قابليني عند البوابة التانية للڤيلا لو عايزة تعرفي حقيقة آدم كاملة وتعرفي عمل إيه مع أبوكي."
لم تعره اهتمام، لكن عندما التقطت عينيها كلماته عن والدها، نهضت من مضجعها وهي تقرأ الرسالة مرة أخرى.
أرسلت له: "مش هنزلك. قول اللي انت عايزه هنا."
لم تصله الرسالة. نبست بغيظ: "عملي بلوك. هو كمان. ماشاء الله. العيلة كلها مش طيقاني."
وقفت تفكر سريعًا لتحتم أمرها بالنزول له.
تسللت للبوابة الخلفية الخاصة بالڤيلا، فلم ترد أن تقابل أحد من عائلته.
وجدته يستند على سيارته وينظر لها: "أتمنى مكنتش عطلت العروسة بتاعتنا."
وقفت أمامه بغيظ: "اخلص يا عزت، مش ناقصة تقل دمك هي."
"مقبولة منك يا بنت عمي."
أخرج هاتفه من جيبه.
"تعرفي إن مصطفى ابن خالك مش لاقينه من امبارح."
نظرت له بصدمة: "يعني إيه مش لاقينه؟ وإزاي تسيبوه ينزل لوحده؟ أنتم مش عارفين حالته؟"
نظر لها وهو يفكر بطريقة لتفجير قنبلته.
"مشى عشان كان عايز يرحلك بعد ما عرف إنك اتجوزتي. تعرفي إنه جالك إسكندرية؟"
اتسعت عينيها من حديثه: "جه إسكندرية إزاي ومع مين؟"
أجابها وهو يقلب في هاتفه يبحث عن شيء: "جه عشانك. عشان يشوفك. وخالك مش لاقيه من امبارح."
رأها صورة ملتقطة من إحدى الكاميرات القريبة من الڤيلا. رأته وهو يرتدي قميص أبيض منقط بنقط سوداء.
"أنتِ عارفة الصورة دي وصلتلي من مكان قريب من هنا، يعني جنب الڤيلا."
كانت تستمع له بصمت وتفكر في حديثه.
اقترب منها وهو يحاول جعل نبرته كأنه يخشى عليها.
"ليان، أنا خايف يكون آدم عمل حاجة لمصطفى. وخايف عليكي أنتِ كمان."
أكمل حديثه وهو يرى أنها تستجيب له.
"أنا دورت ورا آدم ولقيت تاريخه مش مشرف. كله جرائم من قتل لمخدرات لأعضاء لكل حاجة. أوعي تقربي منه يا ليان. وأنا هحاول أمشيكي من هنا."
كانت تنظر له بروح خالية من الحياة وهي تحاول أن تتذكر ماذا كان يرتدي ذلك الرجل الذي ق*تلته آدم.
شهقت بصوت مرتفع وهي تضع يدها على فمها وتحدثت بنبرة مرتعشة: "ده كان لابس نفس القميص ده... ده كان مصطفى."
اقترب منها عزت يحاول فهم حديثها.
"هو مين ده يا ليان؟ فهميني."
حاول إمساك يدها لكنها ابتعدت عنه مسرعة للقبو. لم يستطع اللحاق بها بسبب حراس القصر.
أكملت هي طريقها للقبو. لم تستطع الاقتراب، فقد وجدت ذلك الكلب الملقب برعد نائمًا أمام الباب. رجعت عدة خطوات سريع. فآدم ليس هنا بمعنى أنه لن ينقذها أحد من أنياب ذلك الوحش.
دلفت للڤيلا بسرعة.
قابلت أمامها هدير التي تفوهت بسخرية: "بتجري كده ليه يا عروسة؟"
لم تجبها بل أكملت طريقها لجناحهم تريد أن تتصل به.
أمسكت هاتفها بسرعة لكنها تذكرت أنها لا تملك رقمه.
ألقت هاتفها على الأريكة بعصبية، لكنها لم تهدأ.
أمسكت المزهرية التي بجانبها لتلقيها على الحائط بجانب السرير بقوة. تحطمت لأشلاء.
صاح بصوت مرتفع: "يعني إيه! أنا سبت مصطفى للم*وت."
أرجعت بعض خصلاتها للخلف بقوة كادت أن تقطعها من الجذور وهي تضرب بقدمها الحائط.
تفاجأت بفتح الباب بطريقة همجية ودخول آدم. توجه لها وهو يزمجر بعصبية: "كنتي فين؟"
نظرت له تحاول أن تستوعب حديثه: "رحتي قبلتي ابن عمك اللي كان خطيبك من ورايا وبتتسحبي زي الحرامية."
كان يتحدث وهو يتحرك بعصبية.
"ليه؟ وحشك رايحة تقبليه من ورايا؟ أنتِ خلاص بقيتي واحدة متجوزة لازم تفهمي كده."
التفت لها بعصبية: "بعد كده مفيش خروج من غير إذني. لا مفيش خروج أصلًا من البيت."
ضغط بسباباته على رأسها بقوة: "ده النفس بعد كده هيبقى بأذني. سامعة؟ الظاهر إني دلعتك أوي ونسيت إنك حتة نصابة."
صاح بها في نهاية حديثه.
عادت عدة خطوات للخلف بسبب عصبيته التي فزعتها وحالته الغريبة تلك.
استرجعت شجاعتها لتصيح به بقوة: "أنتَ مجنون مش طبيعي! بتحاسبني على إيه؟ هو أنا اخترت أتزوجك؟ أنتَ بوظتلي كل حاجة."
رفعت سبابتها أمام وجهه: "أوعى تنكر اللي كنت بتضربه امبارح. ده كان مصطفى ابن خالي، صح؟ أنا عرفت كل حاجة."
كان يريد أن يشرح لها لكن غضبه قد أعماه.
"ده كلام عزت بقا ولا كلامك؟ ... آآه يا ليان. ده كان مصطفى."
نظرت له بصدمة، فقد كان لديها أمل صغير أن يكون عزت كاذبًا وآدم لم يفعل ذلك.
صاحت به بعصبية ودموعها متجمعة في عينيها: "أنتَ ليه بتعمل كده؟ دمرتلي عيلتي. خليت بابا يقاطعني وماما مش بترد عليا. ومريم خايفة تكلمني. ده... ده حتى مصطفى ق*تلته."
كانت تنطق آخر كلماتها بتقطع، فهي تشعر بثقل كبير بسبب تلك الكلمات.
نظر لها بغيظ أكثر. دائمًا يراه هو السيء. صدقت عزت ذلك ولم تتكلف حتى بسؤاله.
"عشان أنا وحش. مش ده اللي عايزه تسمعيه؟ أيوا، أنا وحش. ومتجبش ذنب علاقتك الوحشة بأهلك فيها. هي كانت بايظة من قبل ما أدخل حياتك."
نظرت له بصدمة، فكلماته تلك قد آلمتها كثيرًا.
دون أن يشعر، ضغط على نقطة ضعفه.
لكنها قررت أن تؤلمه كما ألمها: "أنتَ عندك نقص يا آدم عشان شايف إن أهلي حواليا وبيحبوني على عكسك. بص حواليك."
أشارت بيدها حوله: "مفيش حد حواليك عشان محدش بيحبك ولا بيطيقك. فين أبوك وأمك؟ محدش معاك."
كان يستمع لحديثها وهو يشعر بأنها تمسك سكينًا وتطعن به قلبه، فقد قالت ما يتهرب منه طوال حياته.
صاح بها: "اسكتي خلاص. متتكلميش."
رفضه لحديثها أشعرها أنها أخذت قسمًا صغيرًا من حقها. ولكنها أكملت، فقد أخذ منها مصطفى صديقها العزيز.
"لا مش هسكت يا آدم. الحقيقة بتوجع، صح؟ ويترا بقا إيه السبب اللي خلاهم يسيبوك في العالم ده لوحدك؟ لو كانوا موجودين كان زمانهم مش متشرفين بيك زي ما أنا مش..."
قاطع حديثها هجومه على عنقها بقبضته بسرعة. أسقطها على السرير ليسقط فوقها وهو ينبس بغضب ويشد على عنقها.
"قولتلك اسكتي. متجيش سيرتهم. أنا بقا هخليكي تكرهيني خالص."
كان يقبض على عنقها بشدة، فقد دخل في نوبة غضب. تحول وجهها للون الأحمر من شدة الاختناق. حاولت دفعه لكنه كان مثل المغيب.
التقطت عينيها قطعة زجاج كبيرة بجانب الوسادة. تناثرت على السرير من المزهرية. أمسكتها دون تفكير لتطعنه بها في جانبه الأيمن.
اتسعت حدقتاه بصدمة. كانت تلك الطعنة مثل الصفعة على وجهه. نزع يده عنها وأرخى جسده بجانبها.
شهقت بصوت مرتفع وهي تحاول التقاط أنفاسها. أرخى جسده. ظهرت على وجهه علامات الألم. نظرت ليدها بصدمة وهي تحاول أخذ نفسها.
تحدثت بدموع وصدمة: "أنا... أنا مكنش قصدي أعمل كده."
التفتت له ووجدته يغلق عينيه. صاحت به: "آدم."
شايفين تصرف ليان صح؟ هل آدم فعلاً ق*تل مصطفى؟ ومين اللي أبو ليان خطفه؟
رواية سأخرجك من الظلام الفصل الثامن 8 - بقلم نورسين
ازدادت دموعها أكثر من قبل وتعالت شهقاتها.
"آدم افتح عينك."
اقتربت منه لترى الجرح، لكن يديها كانت ترتعش بشدة.
"أنا لازم أطلب لك الإسعاف بسرعة."
كادت أن تقف، لكنه أمسك يدها وفتح عينه ببطء.
"متتصليش بحد، عالجيه أنتِ."
نظرت للجرح وهي تهز رأسها بالنفى.
"مش هقدر، أنا أعصابي باظت وكمان لازم بنج و..."
بتر حديثها بصوت مرتفع عندما وجدها تتحدث بطريقة هستيرية.
"ليان اهدى، الحمام فيه شنطة إسعافات فيها كل حاجة هتحتاجيها."
لم تستمع له، كانت تنظر فقط لجرحه.
"انتِ عملتِ لي إيه؟ خلتيني من واحدة بتنقذ أرواح الناس، لواحدة كانت هتُقتل روح."
أنهت حديثها ببكاء أكثر.
نظر لها وهو يجول في عقله: هل أنا بهذا السوء؟ يبدو أنني سحبتها لظلامي الذي كنت أخشى عليها منه.
شد على يدها وهو يئن بألم.
"دي مش غلطتك، أنا اللي وصلتك لكده."
نظرت لجرحه ومن ثم لملامح الألم المرتسمة على وجهه.
جففت دموعها بسرعة وهي تتوجه للمرحاض.
غابت عدة دقائق بعدما غسل يدها من الدماء وربطتها بعشوائية، فقد أصابت يدها عندما أمسكت قطعة الزجاج.
أحضرت علبة الإسعافات وتوجهت له.
أمسكت كتفه تهزه برفق.
"آدم فتح عينك."
فتح عينه وهو ينظر لها.
وضعت العلبة على الأرض واقتربت منه.
"اعدل نومتك عشان أعرف أعالج لك الجرح."
مدت يدها له، فأمسكها يستند عليها.
عدلت جلسته ليصبح مستلقيًا بكامل جسده.
فتحت العلبة وارتدت قفازاتها وأحضرت مقصًا.
أمسكت طرف مقيصه لتبدأ بقصه، كانت تتحاشى النظر لعينيه، فهي تشعر بذنب كبير تجاهه.
نزعت له قميصه لتتفاجأ بآثار الجروح الموجودة على صدره.
نظرت لجسده بصدمة وبأعين متسعة.
كان يوجد أثر حرق على صدره الأيسر، يبدو أنه منذ صغره، وجروح أخرى على بطنه.
نظر هو لصدمتها وابتسم بسخرية.
"مالك مصدومة ليه، شكل الجروح وحش قوي كده؟"
نفت له بسرعة.
"لا مش عشان كده، من إيه كل ده؟"
أرجع رأسه للخلف وهو يجيبها.
"معتقدتش إن ده وقته إني أحكيلك قصة حياتي."
أدركت بسرعة أنها يجب عليها معالجة جرحه.
نظرت في علبة الإسعافات تبحث عن مخدر.
"هو مفيش مخدر هنا؟"
"لأ."
نظرت له بسرعة.
"بس لازم مخدر، كده هتتوجع قوي."
نظر لعينيها بعمق وهو ينبس.
"أي ألم مش هيبقى زي الألم اللي حاسس بيه هنا."
أشار لجهة قلبه.
نهاية حديثه، رأت هي كمية الألم التي في عينيه.
شعرت بغصة عالقة في حلقها.
أبعدت نظرها عنه تتهرب من ذلك الشعور الذي داهمها تجاهه.
تشعر أنها تريد أن تحتضنه بشدة وتعتذر له آلاف المرات عن كلماتها.
نظرت مرة أخرى في العلبة لتخرج أنبوبة صغيرة وهي تقرأ ما عليها.
"ده بنج موضعي، هحط لك منه."
لم تنتظر إجابته، بدأت بوضع المخدر حول جرحه.
نظرت لقطعة الزجاج العالقة في جانب معدته.
"حاسس بألم أو بتنميل؟"
سألته وهي مازالت تتفحص معدته.
"حاسس بألم آه، بس تنميل لأ."
أخذت نفسًا عميقًا، فمعنى ذلك أنه ليس بذلك العمق.
"بص، دلوقتي هتتوجع شوية عشان هشيل الإزاز، بس زمان البنج عمل مفعول."
أغلق عينيه كاستعداد للشعور بالألم.
نزعت قطعة الزجاج برفق، ووضعت قطعة قماش تضغط بها على الجرح، ثم ألقت نظرة على عمق الجرح.
"الحمد لله مش عميق."
بدأت بخياطة الجرح برفق وقلبها يألمها كلما رأت معالم الألم على وجهه.
انتهت تقطيب الجرح ووضعت الشاش الطبي عليه بعدما مسحت معدته من آثار الدماء.
"في أدوية لازم تاخدها عشان الجرح ميلتهبش."
نظر لها بصمت.
"شوف حد من الحرس يجبها لك."
حاول الاعتدال في جلسته.
اقتربت منه بسرعة.
"على مهلك، متتحركش كتير كده."
أعدلت جلسته لتنظر له بحرج عندما أدركت أنها تضع يديها على صدره العاري.
سحبتها بسرعة.
"هجيب لك حاجة تلبسها."
ذهبت مسرعة لغرفة الملابس تخرج له ملابسه.
نظر هو لطيفها لينبس بينه وبين نفسه.
"شكلك مش هتفضل في الضلمة يا آدم، وهتسحب الكل ليك."
ابتسم بسخرية.
"شكل مكتوب عليّ أفضل وحيد."
عادت له وهي تعطيه منامة سوداء اللون كبقية ملابسه.
مدت يدها له.
"اتفضل، البس دول."
أراد الاستفادة من قربها، فيبدو أنها ستظل بعيدة عنه دائمًا.
"مش قادر أتحرك، ممكن تساعديني ألبس؟"
نظرت له ببعض الخجل.
"هساعدك تلبس التيشيرت، لكن البنطلون لأ."
أشارت لبنطاله، نهاية حديثها.
ابتسم لها بتعب وهو يعدل جلسته.
نظر لها ينتظر أن تلبسه القميص، لكنها كانت تنظر للآثار الحرق التي على صدره.
كانت تريد أن تسأله، تراجعت في آخر لحظة عن السؤال.
أدخلت القميص من رأسه، فرفع هو ذراعه لها.
"أنا آسفة."
نطقت بصوت خافت.
رفع عينيه لها وهو يرى تهربها من النظر له.
"على إيه؟"
نطق كلماته بهدوء، يرى الدموع المتجمعة في عينيها.
"آسفة على كلامي ليك وعلى..."
أشارت لنهاية حديثها، على جرحه.
أدخل ذراعه الآخر لتنزل له القميص.
"أيًا كان، ما كانش ينفع أجيب سيرة أهلك. أنا معرفش أنتَ مريت بإيه."
أردفت كلماتها بنبرة خافتة يظهر فيها مدى ندمها.
نظر لعينيها التي سحرته منذ أول لقاء ببريقها ذلك.
رأى فيها الندم.
نزل بنظره ناحية عنقها، وجد آثار حمراء عليه من قبضته التي كادت أن تخنقها.
قرب يده باهتزازة بسيطة لعنقها ووضع يده عليه يتحسس آثار قبضته.
كانت سترجع للخلف، لكنه أوقفها بيده الأخرى يثبتها من خصرها.
أغمض عينيه بألم من مظهر عنقها.
تحدث بنبرة مكتومة.
"أنا اللي آسف، كان لازم أتحكم في غضبي. ما كانش قصدي إني أأذيكي لا بالكلام ولا بالفعل."
تحدث وهو ما زال يتحسس عنقها.
شعرت بالخجل من وضعهم ذلك.
رفعت يدها لتنزل يده عن عنقها، فقد سببت القشعريرة لجسدها.
"انت اه مجنون، بس أنا اللي زودتها."
نظر ليدها التي تنزل يده.
أمسكها بسرعة.
"ده من إيه، مني؟"
تحدث بلهفة عندما وجدها ملفوفة بطريقة عشوائية وعليها بعض الدماء.
نفت بسرعة وهي تسحبها منه.
"لأ مش منك، ده لما مسكت الإزازة."
ظل يحتضن يدها بين يديه ويده الأخرى حول خصره.
لكنه فاجأها بأنه أسند رأسه عند معدتها وقربها منه أكثر.
آن بألم بسيط عند حركته.
تركت، تجمد جسدها مكانه من اقترابه ذلك.
تحدثت بنبرة منخفضة.
"آدم."
همهم لها وهو ما زال على وضعه.
"سبيني كده شوية، ممكن؟"
لم تجبه.
تركته هكذا، كانت تستمع فقط لصوت أنفاسه.
تنهدت بصوت منخفض لتسأله.
"هو مصطفى فين؟"
أرجع رأسه للخلف ونظر لها.
"انتِ شايفة أنا عملت إيه؟ مصدقة إني ق*تلته؟"
كان ينظر لها بأمل.
لحظة هي في عينيه.
صمتت بضع ثوانٍ.
رأت فيهم انطفاء بريق الأمل ذلك.
"رغم إني شفت كل حاجة تثبت إنك وحش وإنك ممكن ت*قتل عادي، بس مش عارفة ليه عندي إحساس إنك معملتش كده مع مصطفى."
رغم أن إجابتها تلك لم ترضيه كليًا، لكنه خلدت بداخلها أمل لقصتهم معًا.
"وإحساسك صح، أنا فعلًا سيبته."
نظرت له بصدمة وتحدثت بلهفة.
"بجد يا آدم؟ طب هو فين؟"
شعر بالغيرة من لهفتها تلك على ذلك المدعو مصطفى.
أجابها بضيق.
"هبقى أقولك بكرة."
عبثت بملامحها.
"بطل غلاسة بقى وقول."
قرب يدها المصابة وطبع قبلة حنونة عليها.
"لما تقوليلي الأول قابلتي عزت ليه؟"
كانت تنظر له بتفاجئ بعض الشيء.
لماذا يفعل معها تلك الحركات التي تجعلها تشعر بشعور غريب، لكنه مريح؟
يتعامل معها بحنان غريب رغم أنها قامت بإيذائه.
ابتعدت عنه لتحضر هاتفها.
أخرجت رسالة عزت لها.
"دي الرسالة بعتها لي. تصدق، ده كان قايل لي إنه هيقول حاجة عن بابا، بس نيت لما اتكلم عن مصطفى."
أبعدت الهاتف عن وجهه وهي تضيق عينيها.
"انتَ عملت حاجة لبابا يا آدم؟"
نفخ بصوت من تصرفاتها.
سحب الهاتف من يدها.
"اسكتي بقى، بتحبي تعملي مفتحة عليا أنا بس."
قرأ رسالة عزت لها.
"وقالك إيه لما شافك؟"
"قالي إن مصطفى ضايع وإنه جه إسكندرية علشاني ووراني صورته وهو قريب من الڤيلا، كان لابس نفس القميص اللي شوفت بيه في المخزن امبارح."
همهم لها وهو يقف يعدل قميصه.
"وصدقتيه طبعًا من غير ما تسأليني؟"
"حطي نفسك مكاني يا آدم، وبعدين أنت كمان مسمعتنيش، جيت زعقت على طول."
تنهد بثقل وهو يأخذ بنطاله ويتوجه للمرحاض.
"أنا تعبان قوي يا ليان، كفاية كده النهارده."
تحدثت بسرعة قبل دخوله.
"طب ابعت حد يجب لك الدوا."
"زمان كله نايم، بكرة هبقى أجيبه."
أخذت نفسًا عميقًا من أحداث اليوم الكثيرة تلك.
أزالت ملاء السرير الملطخة بالدماء ووضعت واحدة جديدة، وجمعت الزجاج المتناثر.
اتجهت لغرفة الملابس وغيرت ملابسها لمنامة وردية عليها بعض الرسومات، وذلك ما تعجبت منه، فاجميع الملابس هكذا، كأنها لطفلة وليست لفتاة بالغة.
خرجت للخارج، وجدته يجلس على السرير يحاول النوم.
وضعت ملء الكوب الفارغ بالماء ثم مدته له مع شريط من الدواء.
"خد الدوا ده، مسكن بس ضعيف شوية، لقيته في العلبة."
أخذه من يدها دون كلام.
"انتَ عارف إنك هتسخن عشان مختش مضاد للالتهاب."
وضع الكوب بجواره ورفع قدمه على السرير ليريح جسده.
"ماشي."
نبست بصوت منخفض.
"بارد."
اتجهت للأريكة ليتحدث هو.
"رايحة فين؟"
"هنام."
أجابته باستغراب من سؤاله.
كان يريد أن يطلب منها النوم بجواره مثل ليلة أمس، لكنه فضل الصمت.
***
في الصباح.
كانت مريم تجلس مع عزت في صالة منزلهم، فا قد زارهم حتى يطمئن على عمه.
"لقيت مصطفى يا عزت؟"
أخذ رشفة من كوب الشاي قبل أن يجيبها.
"لسه بدور عليه."
"أنا خايفة عليه قوي يا عزت، أنتَ عارف مصطفى دماغه على قدها."
وضع الكوب أمامه واعتدل في جلسته.
"متقلقيش، أنا هلاقيه قريب."
نظر للحزن الظاهر على وجهها، قرصها من وجنتها.
"متكشريش كده، قولت لك هلاقيه."
أخرج لها بطاقة جامعية ووضعها أمامها.
"هتروحي كليتك أمتى بقى؟"
أمسكت البطاقة بسرعة لتجد أنه تم نقلها لجامعة الإسكندرية.
ابتسمت بسعادة.
"عملت كده إزاي وبالسرعة دي؟"
غمز لها.
"عيب عليكي، هو أنا أي حد ولا إيه؟"
ابتسمت له أكثر وهي ترسل له قبلة في الهواء.
"ده انت سُكر."
ابتسم لها وهو يربت على كتفها.
نبست بعد تذكرها.
"صح، سليم بعت لي يا عزت."
نظر لها باهتمام.
"وقالك إيه؟"
"إنه راجع خلاص."
***
استيقظت من نومها وارتدت لبسها.
خرجت وهي تثبت حجابها على رأسها.
"هي مريم مردتش عليك يا يوسف؟"
وجهت حديثها لشقيقها الأصغر الذي يتناول إفطاره.
"لأ، مردتش، تليفونها مقفول شكله."
نظرت له بحيرة.
"وبعدين مش عارفة أوصل لـ ليان، وخبط محدش فتح."
تحدث يوسف وهو يمضغ قطعة من التوست.
"متلاقيش عليها ليان دي شبه القر*دة، هتلاقيها في أي حتة."
نظرت له بغيظ.
"اتكلم بأدب يا يوسف، دي هي اللي مربياك."
ابتسم بسخرية لها.
"عشان كده طالع مش متربي."
نفخت بضيق منه.
"انتَ فعلًا مش متربي، أنا مستنية بابا وماما يرجعوا من السفر وهقول لهم على كل عمايلك السودا."
اتجهت لباب المنزل لكنها عادت مرة أخرى.
محذرة له.
"عارف يا يوسف، لو متربستش الباب قبل ما تنزل مش هدخلك البيت."
أنهت كلماتها وهمت بالمغادرة وهي مازالت غاضبة.
***
فتح عينه بإرهاق شديد وهو يشعر بألم في جميع أنحاء جسده.
وضع يده على رأسه بعدما شعر بشيء عليها، وجدها قطعة قماش.
نظر حوله يبحث عنها، فاقد علم أنه أصاب بالحمة.
وجدها نائمة بجواره تسند ظهرها على السرير وقدمها على الأرض.
كان يظهر الإرهاق على وجهها، يبدو أنها لم تنم جيدًا.
ابتسم داخليًا، فا قد سهرت من أجله، بقيت بجواره طوال الليل مثلما تفعل الأم لابنها.
حاول أن يعدل نومته دون أن يزعجها ليرى ملامحها عن قرب.
أزاح بعض الخصلات عن وجهها.
"آخرتنا إيه يا ليان، كل ما نقرب خطوة نبعد عشرة."
تحسس بأصابعه آثار قبضته على عنقها وهمس.
"حقك عليا، يا ريت إيدي كانت اتشلت قبل ما أقرب منك."
حاول أن يعدل نومتها، فا بالتأكيد قد تشنجت رقبتها.
عندما حاول رفع قدمها، فتحت عينها بسرعة، فا قد كانت تمثل النوم عندما استيقظ.
فتحت عينها بخمول تُمثله.
"فيه إيه يا آدم؟"
اعتدلت في جلستها بسرعة تبتعد عنه عندما وجدت أن وجهه قريب من وجهها.
سألته وهي تتحاشى النظر له.
"انت كويس؟ حاسس بإيه؟"
وضعت يدها على جبينه تتحسس حرارته.
أغمض عينيه يشعر بيدها الموضوعة على جبهته، فا هي تلعب على الوتر الحساس له، وهو فقدان الحنان.
"الحمد لله، حرارتك نزلت. كلم حد يجب لك الأدوية عشان لازم تاخدها."
كادت أن تستقيم من مكانه، لكنه أمسك يدها بسرعة.
"رايحة فين؟"
نظرت بتعجب من طريقته.
"هدخل الحمام."
ترك يدها عندما لاحظ تعجبها منه.
"ماشي، متتأخريش عشان عايز أدخل."
توجهت للحمام بصمت.
دلفت بسرعة وهي تضع يدها على قلبها الذي كان يقرع كالطبول بسبب قربه وكلماته تلك.
"هو ليه بيتعامل معايا كده؟ أنا مش فاهمة حاجة. شوية يبقى حنين وشوية عايز يموتني."
يجلس في الخارج ينتظرها وهو يتذكر ما حدث أمس.
فلاش باك.
كان يجلس في مكتب أيان في شركتهم الصغيرة الجديدة.
"عرفت لك بقى حكاية عزت ده."
نظر له باهتمام حتى يكمل حديثه.
"كأنه مخطوبين من ييجي ٤ سنين، كانت لسه في الجامعة وسابوا بعض بعدها بسنة ونص كده عشان خانها."
صمت يفكر، وفي فكره سؤال واحدٍ فقط، نبسه بسرعة.
"يعني كانه بيحبوا بعض؟ كانت بتحبه؟"
رفعه أيان كتفاه لأعلى ثم لأسفل كعلامة على عدم المعرفة.
"معرفش، بس ممكن يكون صالونات أو عشان قريبها يعني."
سمعه صوت موسيقى صادرة من هاتف آدم تدل على اتصال أحد.
"إيه يا عابد؟"
تحدث الحارس من الجهة الأخرى، وهو كان يتابع تحركات ليان منذ خروجها إلى أن التقت بعزت ذلك.
"المدام كانت خارجة من القصر بتتسلل، مشيت وراها لحد ما قابلت واحدة كده، بس تقريبًا ده نفس الشخص اللي كان موجود لما أبو المدام جه القصر."
أغلق في وجهه والشرار يتطاير من عينيه.
لم يكن في رأسه سوى أنها اشتاقت له أو تحاول الهروب منه باللجوء إليه.
***
توجهت لعملها، فا قد وعدها المدير أن يعتذر لها اليوم أمام الطلبة.
"صباح الخير يا ميس رقيه، الفصل في حالة فوضى من ساعة ما مشيتي."
نظرت له وهي تشعر بالضيق منه لأنه كان يتحدث دائمًا عن أسلوبها مع الطلبة ولم يكن يعجبه عملها.
أجابته بضيق.
"متقلقش، أنا هخش دلوقتي أعلقهم، أصلي ميس شريرة."
نفى بسرعة.
"لأ طبعًا، ده انتِ على راسنا من فوق. اتفضلي عشان اعتذارك قصاد الطلبة."
أشار لها اتجاه الفصل.
دخلت هي لتجد الفصل في حالك هرج وضوضاء.
صاحت بصوت مرتفع وهي تضرب الطاولة.
"كله يقعد مكانه."
صمت الجميع عندما استمعوا لصراخها.
كاد أن يقترب منها بعض الطلبة، لكنها صاحت بهم.
"كله يقعد مكانه، أستاذ محمود عايز يقول حاجة."
تنحنح محمود وهو يتحدث.
"أنا حابب أعتذر لميس رقيه قُصادكم وأصلح سوء الفهم اللي حصل. ميس رقيه من أكفأ المدرسين هنا وأحسنهم..."
قطع حديثه فتح الباب من قبل أيان.
نظرت له بدهشة، فكان يحمل باقة ورد مثلما طلبت منه.
أقترب منها وهو يضع الباقة بين يديها.
ابتسم لها ثم وجه نظاره للطلبة.
"أنا جاي أعتذر لميس رقيه على صوتي العالي واتهامها بدون دليل من غير ما أفهم."
التفت لها ليكمل.
"أتمنى إنك تقبلي اعتذاري يا ميس رقيه."
ابتسمت له بود وهي تحاول فهم تصرفه ذلك.
"وأنا بقبل اعتذار حضرتك وشكرًا على الورد."
رفعت الورد أمامه في نهاية حديثها.
سمعه صوت تصفيق من قبل الطلبة.
وجدت فارس يقترب منها وهو يخرج وردة حمراء.
"أنا آسف يا ميس، متزعليش مني، أوعدك مش هعمل شقاوة تاني."
انحنت له وهي تقبل وجنته.
"وأنا مش زعلانة منك."
أخذت منه الوردة.
"شكرًا على الوردة الجميلة دي."
أكملت وهي تحاول أن تزعج أيان الواقف بجوارها.
"تعرف، دي أحلى من البوكيه."
نظر لها أيان بصدمة.
"نعم يختي، أنتِ عارفة البوكيه ده بكام؟ بتقرنيه بورده صناعي."
حاول سحب الوردة منها، لكنها سحبته منه وهي تنظر لها.
"مش كنت بتتريق على بوكيه الورد ومش عايز تجيب؟"
أشار لها ناحية قلبه وهو يبتسم.
"مش قولتلك أصعب ما على قلبي دموع المرأة."
ابتسمت له بسخرية.
"الثبات على المبدأ عندك في ليفل الوحش."
أقتربت منها.
"أنا أعمل أي حاجة عشانك يا جميل."
نظرت له بتفحص.
"هات من الآخر، عايز إيه مني عشان الحتتين دول مش جاين معايا."
"أحبك وأنتِ فاهماني كده. هجيلك بعد الشغل نشرب قهوة مع بعض وأقولك المفيد."
أومأت له بالموافقة، فا هي تريد أن تفهم غايته منها.
***
كان يجلس مثل كل يوم في الصالون أمام التلفاز شارد الذهن.
أقتربت منه مريم، ابنته.
"وبعدين يا بابا، هتفضل كده كتير؟"
فاق من شروده على يد مريم الموضوعة على كتفه.
"مش عارف يا مريم، كل ما أفكر إنها عملت كده قلبي يوجعني."
تريد أن تخبره بالحقيقة، لكنها خائفة من رد فعله عندما يعرف أنها التقطت بشقيقتها.
"بابا، أنت لازم تعرف إن ليان مظلومة، هي أصلًا تعرف جوزها ده منين؟ دي مكنتش بتروح في حتة غير المستشفى أو تطلع لرقيه فوق."
صمت عمران عدة دقائق يفكر بحديث ابنته.
لتكمل مريم حديثها.
"وبعدين أنت عارف إن ليان علاقتها مش كويسة بخالتها إزاي، هتخليه وكيلها؟"
صمت عدت ثوانٍ أخرى وهو يفكر.
تحدث بغموض بالنسبة لها.
"الظاهر يا بنتي أمك عندها حق، ده ذنبي أنا زمان."
لم تفهم حديثه.
كادت أن تسأله، لكنه استقام.
"أنا هروح أصلح غلطتي، يمكن ضميري يستريح شوية."
نظرت له بتعجب عن أي غلطة يتحدث.
***
كان يجلس على الأريكة عاري الصدر ينتظر قدومها حتى تغير له الضمادات.
تحدثت بعصبية.
"أنا مش فاهمة، أنت إزاي تاخد شور من غير ما تقول لي."
نظر لها وهو يتحدث بمرح به بعض الخبث.
"ليه؟ كنتِ عايزة تساعديني ولا إيه؟"
"لأ مش كده..."
صمتت عندما فهمت معنى حديثه.
"بلاش قلة أدب يا آدم، عيب كده."
قربت علبة الإسعافات منه.
جلست أمامه ووضعت المنشفة التي كانت بيدها الأخرى على رأسه.
"نشف شعرك عشان متبردش، أنتَ مش ناقص."
حركاتها تلك واهتمامها البسيط ذلك يجعل قلبه يرفرف.
أقتربت منه وهي تعقم جرحه.
كان ينظر لها في صمت.
قاطعته هي بعد صراع داخلها، فا قد قررت أن تعطيه فرصة.
"هو أنتَ وصلت لمصطفى إزاي؟"
مد يده يلف خصلة من شعرها حول إصبعه.
"أنا معرفتوش، هو اللي كان عمال يلف حوالين الڤيلا فالحرس شافه وجابه لي. مكنش راضي يتكلم، كنت فاكره تبع حد جاسوس يعني. في الآخر قالي إنه تبعك."
نظر لبندقيتها المصوبة نحوه وأكمل.
"قالي إنه ابن خالك، لما دورت وراه عرفت إنه صادق، وعرفت كمان إنه عنده مشكلة في عقله."
"هو فين وعرف منين أصلًا مكاني؟"
أرجع غرتها خلف أذنها ليكمل.
"قالي إنه سمع أبوه وهو بيتكلم مع مامتك وكان فاتح الإسبير، فا هرب وجه على هُنا."
نظرت له تنتظر أن يكمل حديثه.
"كمل، هو فين؟"
"ووديته مستشفى من أكبر المستشفيات عشان يشخصوا حالته ويتعالج."
نظرت له بامتنان.
"رغم إنك دشملته بس شكرًا إنك فكرت فيه. هو أنا ممكن أشوفه؟"
نظر لابتسامتها التي تظهر غمزاتها تلك بحب.
"أكيد، الوقت اللي تحبيه."
قاطع لحظتهم تلك وصول رسالة لأدم، فتحها ليجدها من أيان مضمونها.
"سليم راجع يا أدم، ورد على رسايلي اللي نصبوا عليك ليان."
***
يقف أمام مبنى شاهق الارتفاع.
دخله وهو يتوجه للإستقبال.
"لو سمحتي، مكتب المدير فين؟"
أجابته الموظفة.
"في الدور الأخير."
اتجه للمصعد وهي ينوي التكفير عن ذنب الماضي الذي يتضح أنه سيلاحقه للأبد.
وصل للدور الأخير لينبس للسكرتير.
"لو سمحتي، عايز أقابل الحاج."
نظرت له لتسأله.
"عندك معاد؟"
نفى لها.
"لأ، بس قول له السيد برا وهو هيدخلني."
رواية سأخرجك من الظلام الفصل التاسع 9 - بقلم نورسين
مرت بضعة دقائق كان ينتظر بها السكرتريه حتى تأذن له بالدخول.
تحدثت بعدما أخذت أذن دخوله:
“أتفضل حضرتك.”
إشارة له في نهاية حديثها، جه الباب.
التقط أنفاسه وهو يحسم أمره بالدخول. وضع يده على مقبض الباب بأيدٍ مهتزة، فادخوله الآن سيجعله يفتح بوابة الماضي التي لا يعرف كيف سيغلقها مجددًا.
فتح الباب وهم بالدخول. وجه نظراته لذلك القابع أمامه. كان يجلس بهيبته المعتادة التي تزداد مع تقدمه في العمر. استند بجسده على عكازه وهو يرمقه بسخرية:
“خير، جي ليه؟ عايز فلوس تاني يا…”
أكمل بخبث وهو يرى توتر الآخر:
“تحب أقولك يا عُمران ولا السيد؟”
جمع والد ليان شتات نفسه وهو يقترب من مكتبه. جلس على الكرسي الذي أمامه:
“عُمران، قولي عُمران عشان أنا ناوي أرجع كل حاجة زي ما كانت.”
ابتسم له عثمان (الحج) بسخرية:
“وأيه بقا اللي فوق ضميرك؟ أنت نسيت لما جيت تطلب مني أغير لك اسمك عشان خايف تتقفش؟”
تحدث بإنفعال، فهو يكره نفسه كلما تذكر فعلته في الماضي:
“كنت لسه صغير وعايز أبدأ حياتي، عيني زغللت بالفلوس.”
“ولما جيت طلبت مني الفلوس من ست سنين، كنت برضه بتبدأ حياتك؟”
ارتبك من حديثه، فهو طلب منه أموال بحجة أن قبطان المركب الذي هرب الطفل يريد الأموال.
“لا، مكنتش ببدأ حياتي، كنت بأمن بناتي.”
استقام الآخر من مضجعه وهو يستند على عكازه، يدور في المكتب:
“وب تأمن حياتهم بأنك تشتري شقة جديدة وتسفر بنتك انجلترا تدرس برا؟”
تحدث بنبرة مبطنة تخبئ خلفها معنى آخر.
نظر له عُمران بسرعة يريد فهم مقصده:
“أيوا، زي ما فهمت كده. أنا عارف كل حاجة عنك، فياريت تركن ضميرك الفاق بعد ٢٤ سنة ده.”
انحنى ناحية أذن عُمران لينطق بكلمات جعلت عين الآخر تتسع من الصدمة.
استقام بهمجية:
“بناتي ملهمش دعوة بالكلام ده.”
جلس على كرسيه مرة أخرى وهو ينطق بعدم اكتراث لإنفعال عُمران:
“شكلك هتدفع ذنب زمان.”
نهره بحدة:
“وأنا مش هدفع الذنب ده لوحدي.”
ضرب بعكازه الأرض بقوة:
“بلاش اللعب معايا، ياعُمران. أنتَ عارف اللعب معايا وحش. أفتح بقوقك كده بكلمة وهو هيخلص عليك قبلي.”
نظر له بضيق ليردف وهو يهم بالمغادرة:
“الموضوع مش هيخلص هنا. مش هرحم أي حد يقرب من بناتي.”
***
ظل ينظر لها بصمت بعدما تلقى تلك الرسالة. انتهت من تضميد جرحه. أمسكت قميص قطني نصف كم وقربته منه. رأته ما زال ينظر لها بصمت.
“هو في حاجة يا أدم؟ مالك سكت مرة واحدة؟”
ظل ينظر لها بصمت لينطق فجأة:
“تعالى ننزل.”
نظرت له بتعجب:
“ننزل فين؟ أنت أصلاً تعبان.”
نفى كلامها:
“أنا كويس، ملكيش دعوة، تعالى ننزل مع بعض.”
سألته باستغراب من اندفاعه ذلك:
“أدم، هو في إيه؟”
نظر لها بصمت وهو يدور في رأسه أن تلك فرصته الأخيرة بالقرب منها بعدما يلتقي بسليم ويعرف الحقيقة كاملة.
“مفيش حاجة. مش أنتِ عايزة تشوفي مصطفى؟”
لا يصدق ما قد وصل له حتى يقنعها بالخروج معه. سيجعلها تلتقي برجل آخر.
ابتسمت بفرح:
“بجد يا أدم هتوديني؟”
اختفت ابتسامتها عندما تذكرت جرحه:
“بس أنت جرحك لسه مخفش، مينفعش ترهق نفسك.”
تبًا، فهي تجعله يشعر بالغيرة من ابتسامتها تلك التي سببها لقائها برجل آخر.
“لأ، متقلقيش، أنا كويس. ألبسي أنتِ بس.”
نظرت له بتردد:
“روحى البسي يلا بقا، أنا كويس.”
وقفت تفكر أمامه عندما وجدت الإصرار في عينيه. ذهبت لغرفة التبديل.
رجعت له مرة أخرى:
“طب أدخل خد لبسك عشان هقفل عليا.”
تحدثت ببعض التردد لينطق:
“طلعلي أنتِ حاجة ألبسها.”
نظرت له بتفاجؤ من طلبه الغريب ذلك. تذكرت حديثه لها في الصباح لتهمهم له بالموافقة.
نظر لظهرها بعد اتجاهها لغرفة الملابس.
ابتسم بسخرية على حاله، فهو يحاول تحقيق معها كل مكان يحلم به قبل أن تبتعد عنه ويعود للظلام بمفرده مجددًا.
بعد بضعة دقائق خرجت له وهي تحمل بعض الملابس.
تحدثت بتذمر وهي تضم شفاتها:
“أنا بجد مش عارفة أيه ده، لبسك كله أسود، ده كله واحد مش عارفة أفرق بينهم.”
كان ينظر لها بصمت يتأملها.
رفعت له قميص باللون الرمادي الغامق مائل للأسود. مدته له:
“البس ده، الحاجة الوحيدة الملونة شوية.”
أكملت وهي تعطيه بنطال:
“وخد البنطلون ده.”
نظرت للبنطال الذي يرتديه:
“ولا ملهوش لازمة، الاتنين سود.”
أشارت لبنطال منامتها الذي يرتديه وألقت البنطال الآخر بعيدًا دون أن تأخذ رأيه.
ابتسم بسخرية على حركتها تلك:
“عايزاني أخرج ببنطال البيجامة يا ليان؟”
أمسكت سترة صوفية خفيفة سودا تمدها له:
“أنا مش شايفة في فرق، كلهم شبه بعض.”
التقط منها السترة:
“أنا غلطان إني قولتلك طلعلي هدوم، روحي ألبسي.”
نظرت له بضيق:
“ده بدل ما تشكرني.”
اتجهت لغرفة الملابس لترتدي تنورة منقوشة بدرجات اللون البني وعليها سترة خفيفة بلون الكراميل الفاتح. وضعت بعض من مستحضرات التجميل وارتدت حذاءها لتخرج له.
“هو إنتَ اللي جايب الحاجات دي ليا؟”
أشارت له على غرفة الملابس تقصد بها ما يوجد بداخلها.
“أنا بلغتهم على الحاجات وهما جابوها.”
نبس وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره.
أرجعت شعرها للخلف:
“بس دول نفس ذوقي في اللبس.”
التفت لها عند نهاية حديثها ليجدها ترتدي طقم متناسق الألوان يظهر جسدها الممشوق وتضع بعض مستحضرات التجميل التي تبرز ملامحها.
عن تحت أنفاسه على اختيارها تلك الملابس، فا كيف لها أن تكون فاتنة هكذا في أبسط الأشياء.
نظرت له بتعجب من صمته ونظراته:
“في إيه، شكلي وحش؟”
لم يجيبها ليتجه للطاولة يأخذ من عليها مفتاح سيارته لينطق:
“يلا بينا.”
جمعت أشياءها لتذهب خلفه وهي لا تفهم ما أصابه.
***
أنهت دوامها وجمعت أشياءها لتغادر. ما أن خرجت للخارج وجدته يستند على سيارته ينتظرها.
“أيه يا ميس رقيه، التأخير ده؟”
نبس بنبرة مرحة لكن لم يكن لديها طاقة لحديثه:
“عايز أيه يا أستاذ أيان؟”
فتح لها باب السيارة وهو يشير لها بالدخول:
“أركبي بس نروح أي حتة نتكلم فيها.”
كانت تريد الرفض لكنها حسمت أمرها بالركوب معه. أغلق الباب بعدها وذهب للجهة الأخرى يركب بجوارها.
“ودينا حتة قريبة عشان مش قادرة.”
استندت على زجاج السيارة في نهاية حديثها.
***
كان يسير في الشوارع وكلمات عثمان الحج تلك تتردد في باله. لا يعرف ماذا يفعل ليصلح غلطته. يخشى الحديث وفي نفس الوقت يأنه ضميره. هتف بصوت مرتفع نوعًا ما:
“هو عزت محدش غيره هيساعدني.”
***
نزلا لأسفل هما الاثنان. تحدثت عندما وجدت مفاتيح السيارة بيده:
“مينفعش تسوق على فكرة، كده هتبقى بترهق نفسك أوي.”
نظر لها وللملامح وجهها التي يظهر عليها الضيق ثم وجه نظره لحارسه الشخصي.
ألقى له المفاتيح:
“سوق أنت.”
نظرت له بصدمة، فهل استمع لحديثها ولم يعاند؟
فتح الباب الخلفي، اعتقدت أنه فتحه لها. تقدمت عدة خطوات لكنه فاجأها بركوبه وإغلاق الباب. نظرت له بصدمة وهي تستدير للركوب من الجهة الأخرى تتمتم ببعض الكلمات:
“معندوش ذوق، مش بيفهم في الاتيكيت.”
مر ما يقارب ١٠ دقائق كان يعم الصمت. ما زالت تشعر بالضيق منه لكنها كسرت الصمت بينهم:
“هي المستشفى بعيدة؟”
مد قدمه للأمام قليلًا يحاول إراحة جسده:
“شويه.”
همهمت له وهي ترى بعض الألم يرتسم على وجهه.
بعد مرور ثلاثون دقيقة آخرين أوقف السائق السيارة أمام مشفى ضخم.
نزل كلا منهما من السيارة. كانت تنظر بانبهار لذلك المبنى:
“أيه المستشفى دي، عاملة زي القصر.”
أشار هو للحارس حتى ينتظرهم وتوجه للداخل. ذهبت هي خلفه. ما أن وطئت قدمه للداخل حتى أصبح الجميع يلقي عليه التحية باحترام. ظلت تنظر بانبهار لتصميمها الداخلي إلى أن وقف آدم أمام غرفة أشارت له:
“هو هنا.”
أومأ لها برأسه وهو يفتح لها باب الغرفة. دخلت مسرعة تنظر لمصطفى الذي يعطيها ظهره. وقفت خلفه وهي تنطق بصوت رقيق:
“مصطفى.”
التفت لها لينطق بفرحة وعدم تصديق:
“ليان.”
نظرت بصدمة لوجهه المملوء بالكدمات ثم وجهت نظرات ضيق ناحية آدم الواقف بجوارها.
استقام من مكانه يقترب منها بسعادة:
“ليان، أنتِ جيتي. افتكرتك مشيتي وسبتيني.”
كاد أن يعانقها لكن آدم وقف أمام يمنعه عن الاقتراب. نظر له مصطفى ببعض الخوف وهو يعود عدة خطوات. عندما وجدت خوف مصطفى، وضعت يدها على ذراع آدم تبعده:
“وسّع يا آدم شوية، أنت مخوّفه.”
نبس بضيق:
“ده عايز يحضنك.”
تحدثت دون اكتراث وهي تبعد عن آدم:
“طب وفيها أيه.”
أمسك يدها بسرعة وأردف بحدة:
“نعم يختي، يعني أيه.”
تحدث مصطفى بخوف:
“مين الراجل الوحش ده يا ليان؟ ده ضربني جامد أوي.”
حاولت نزع يده:
“وسّع إيدك بقا يا آدم.”
شد قبضته على يدها:
“مش معنى أن دماغه تعبانه تقربي منه وتحضنيه.”
نبس مصطفى بضيق:
“بس أنا دماغي مش تعبانه.”
نظرت ليان بحدة لآدم:
“متقولش كده قدامه. وبعدين أيه المشكلة؟ مصطفى أخويا.”
“أخوكي إزاي يعني؟”
“أخويا في الرضاعة. وسّع بقا يا آدم.”
أرخى قبضته على يدها لينطق:
“حتى لو ده، ميدلكيش الحق إنك تحضنيه.”
“يا آدم، أنت مش شايف وضعه؟ وبعدين ده أخويا.”
تحدثت بهمس حتى لا يسمع مصطفى. سحبت يدها منه بسرعة وهي تتوجه ناحية مصطفى. مسكته من يده تجلسه على السرير وهي ترى الخوف في عينيه.
نبست بحنان وهي تمرر يدها على شعره:
“متخافش، أنا خلاص موجودة ومعاك.”
حدثها بضيق طفولي لا يليق بهيئته الضخمة:
“أنا زعلان منك، اتجوزتي وسبتيني.”
نظر للجهة الأخرى، نهاية حديثه دليل على غضبه.
وضعت يدها على ذقنه تلف وجه لها مجددًا:
“مسبتكش، ما أنا معاك أهو.”
أكملت بضيق، فهي تحاول قلب الطاولة الآن:
“وبعدين أنا اللي زعلانة منك، إزاي تهرب من البيت.”
نظر هو لعبوثها بحزن:
“لا، متزعليش. أنا بس كنت عايز أجلك، بس عمو الوحش ده أخدني وضربني.”
أشار في نهاية حديثه على آدم الذي يجلس أمامه.
رمقه بضيق، فهو يمسك نفسه حتى لا ينقض عليه.
وضعت يدها بحنان على آثار جروح وجهه:
“معلش يا حبيبتي، هو كان فاكرك شرير.”
نظر لها بسخرية، فهي تدلل رجل آخر أمامه.
أقترب مصطفى منها يحتضنها بطفولة. بادلته هي الحضن بحب أخوي.
حاول تمالك أعصابه لكنه لم يستطع. سحبها بقوة من حضنه وهو يحاول أن يكتم غضبه:
“هو ماله عمو يا ليان؟ متعصب.”
نظرت لآدم بضيق ووضعت يدها على شعر مصطفى تمسح عليه:
“لا مش متعصب، هو بس همجي شوية.”
سمع عدة طرقات على الباب صاحبت بعدها دخول الممرضة التي ابتسمت بود:
“يلا يا مصطفى، وقت الدوا.”
ابتسم لها وهي يجلس على السرير. لاحظت ليان راحته معها في التعامل.
اقتربت منه وهي تقبل رأسه:
“هسيبك تاخد أدويتك وهجيلك تاني.”
أمسك يدها بسرعة:
“ماشي، بس متتأخريش عليا.”
أومأت له وهي تنظر للممرضة التي تنظر لها تريد معرفة من تكون. قرأت اسمها على بطاقتها المعلقة على ملابسها:
“خلي بالك عليه يا سلمى.”
سحبها من يدها في نهاية حديثها:
“هيطلع مش تعبان في الآخر وبيستعبط عليكوا.”
نظرت له بضيق:
“آدم، متقلش كده عن مصطفى.”
رمقها بنظرة حادة أسكتتها:
“يلا بينا.”
سحبت ذراعها منه:
“روح أنت، هسأل الدكتور بتاعه عن حالته.”
أشار لها اتجاه مكتب الطبيب وهو يتمتم بضيق:
“مش عارفة أنا طلعلى منين مصطفى ده كمان.”
دَلفت لمكتب الطبيب وذهب هو للسيارة ينتظرها. جاءت بعد خمسة عشر دقيقة.
جلست بجواره لتمد له كيساً. سألها باستفهام:
“أيه ده؟”
“دي أدوية عشانك.”
نظر لها نظرة عميقة لم تفهمها لتقاطع هي ذلك التواصل البصري:
“أنا قولت للدكتور يحطهم على مصاريف مصطفى عشان معيش فلوس زي ما أنت عارف.”
أخذ منه الأدوية لتمد له زجاجة من المياه:
“خد ميه عشان تشرب.”
نظر لها وقلبه يرفرف من حركاتها تلك. ذلك الاهتمام البسيط يجعله يحلق في السماء.
***
“يعني أيه ليان اتجوزت؟”
نبست بصدمة وهي تضرب المائدة التي أمامهم:
“أهدى بس كده، هتفضحينا.”
تحدث بضيق:
“أنا فهمتك كل حاجة، ناقص بقا أقولك أنا حكيتلك ليه.”
ما زالت في صدمتها:
“صاحبك ده واطي، إزاي يعمل كده فيها.”
أردف بحدة دفاعًا عن صديقه:
“قولتلك إنه كان مضطر يعمل كده.”
نهضت من مكانها بطريقة همجية أفزعته:
“هي فين، لازم أرحلها.”
نظر حوله وهو يتابع نظرات الناس لهم:
“اتهدى بقا وأقعدي، اسمعيني للآخر.”
جلست مكانها تنتظر منه أن يتحدث:
“هسألك سؤال وتجاوبيني بصدق، ليان كانت تعرف حد اسمه سليم الدمنهوري؟”
صمت عدة لحظات تتذكر الاسم لكنها نفت له:
“لا، معتقدش.”
“متأكده؟”
أكملت بإصرار:
“آه، متأكده. كل اللي ليان تعرفهم يتعدوا على الصوابع.”
سألها سؤالًا آخر:
“طب لاحظتي آخر فترة إن ليان بقى معاها فلوس أو حاجة؟”
نفت برأسها:
“عادي زي ماهي. وبعدين ليان مرتبها مش صغير.”
أسند مرفقه على الطاولة:
“طب أهلها، ملاحظتيش حاجة عليهم؟”
نظرت له وهي تفكر:
“مش عارفة، بس الغريبة إنهم نقلوا في عمارتنا من كام سنة.”
نطقت بعد أن استوعبت أسئلته:
“أنتَ بتسألني ليه الأسئلة دي؟ أنا مش فاهمة.”
“بحاول أعرف عنها أي معلومة… طب ليان كانت مرتبطة بحد آخر سنة؟”
عدلت حجابها بيدها لتجيبه:
“أنا مش عارفة أنت بتسأل ليه الأسئلة دي، بس هجاوبك. ليان مدخلتش غير في علاقة واحدة لما اتخطبت للفقري عزت.”
نظر لها يحاول أن يعرف إذا كانت تكذب أم تقول الحقيقة:
“أنا بسألك عشان مصلحة صحبتك. أتمنى أنك تكوني بتقولي الحقيقة.”
تحدثت تحاول إدراك مقصده:
“هو في إيه تاني حصل لليان؟”
قاطعته قبل أن يتحدث:
“أنا عايزة أروح أشوفها.”
أخذ هاتفه من على الطاولة وهو يستقيم:
“هشوف آدم وهبقى أكلمك أوديكِ ليها.”
نبست بسرعة توقفه عن الرحيل:
“بس أنت معاكش رقمي.”
أخرجت ورقة وقلم من حقيبتها وكتبت رقمها. مدت يدها له بالورقة وهي تبتسم له ابتسامة بسيطة:
“ده رقمي، ابقى اتصل بيا.”
أخذ منها الورقة وهو يهم بالخروج.
أمسكت رأسها بإرهاق:
“دخلتي نفسك في أيه بس يا ليان.”
نظرت لساعتها لتنهض من مكانها:
“هروح أستلم التليفون.”
***
تجلس في السيارة بجوار ابن عمها:
“أنا مش عارفة اللي بعمله ده صح ولا غلط يا عزت.”
التفت لها ينتظر أن تكمل حديثها:
“أنا كده بدخل ليان في مشاكل.”
نظر لها بسخرية:
“أمال تعملي أيه؟ تسيبى نفسك أنتِ للخطر؟ متقلقيش، ليان بتعرف تتصرف.”
تحدثت بضيق:
“بس كده هي اللي هتبقى في خطر.”
“مريم، متعمليش نفسك إنك خايفة عليها، ومتنسيش برضه ليان عملت فيكي إيه.”
نبست بعصبية:
“متتكلمش معايا كده، أيًا كان ليان أختي.”
أردف بخبث وهو يحاول إشعال النار بينهم:
“وأنتِ مكنتيش أختها لما سافرت وخلت عمي يسيبك تدرسي، وهنا لما دخلت طب ومردتش تدخلك زيها وسابتك كده.”
عندما رأى استجابتها أكمل حديثه:
“كل حاجة هي عايزاها بتعملها، أما أنتِ لأ. كل حاجة بتجيلك.”
نظر لها وهو يرى اقتناعها التام بكلامه:
“جه الوقت اللي تدفع فيه تمن غلطها في حقكِ.”
تنهدت بضيق وهي تفرك جبهتها:
“مش عارفة يا عزت، أنا خايفة عليها من اللي اسمه آدم ده.”
تجاهل حديثها ليسألها:
“هو سليم قالك هييجي أمتى؟”
“على الفجر كده.”
بدأ بتحريك السيارة وهو يبتسم بجانبيه:
“طب كويس. المهم أنتِ تكملي اللعب معاه.”
***
جلسوا في مطعم يطل على البحر. كانت تستمتع بالمنظر بصمت.
قاطعه هو بعد تفكير:
“هو مصطفى ده مولود كده ولا اتجنن على كبر؟”
جعّدت حاجبيها ونظرت له بضيق:
“متقلش عليه مجنون، مصطفى عنده تأخر.”
أجابها باستخفاف من انفعالها ذلك:
“مصطفى ده مولود بالتأخر ولا كان متقدم عادي؟”
ضمت يديها ناحية صدرها:
“على فكرة أنت مستفز.”
نبست بعد بضع ثوانٍ:
“جاله صدمة عملتله كده بسبب موت مريم توأمه في حادثة. كنا إحنا التلاتة مع بعض في كل حاجة لحد ما ماتت.”
نظر لها باهتمام حتى تكمل:
“من ساعتها مفيش حاجة رجعت زي الأول. خاله بقى يكرهني عشان شايف إني السبب في حالة مصطفى، لأني كنت بكلمه عنها وبحتفظ بحاجاتها. وماما عشان تواسيه سمعت مريم أختي على اسمها.”
رأى بعض الدموع المتجمعة في عينيها. لم يعرف كيف يواسيها. مد لها منديل:
“خالك ده عايز ياخد علقة محترمة.”
أخذت منه المنديل لكنها ما أن استمعت لحديثه حتى انفجرت في الضحك:
“أنت كده بتواسيني ولا بتندمني إني حكيتلك؟”
ابتسم على ضحكاتها تلك، فا هذه أول مرة تضحك له.
***
“وبعدين معاك يا عُمران؟ هتفضل كده كتير.”
أردفت حنان كلماتها وهي تجلس بجوار زوجها لتكمل:
“أنت روحت فين الصبح؟ من ساعتها وأنت كده.”
نبس وهو ينظر أمامه:
“كنت بحاول أصلح غلطتي، بس الظاهر إني هفضل عايش في الذنب ده.”
نظرت له تحاول أن تفهم:
“قصدك أيه؟”
“قصدي إن أي حاجة هتحصل لـ ليان هيبقا ذنبها في رقبتك إنتِ، عشان تعرفي إزاي تفرقي بين عيالك.”
أنهى حديثه وتركها مع دوامة أفكارها.
***
عادوا للقصر بعدما تناولوا الطعام مع بعضهم. وجدوا كلا من عمته وعمه وابن عمته يجلسون في الصالون. لم تنطق بشيء، اكتفت فقط بالنظر لهم.
تحدث عمه:
“عايزك في الشغل اللي أنت مهمله بقالك مدة يا آدم.”
نظر لليان في نهاية حديثه.
لم يعيره آدم اهتمامًا بل وضع يده على ظهر ليان يحثها على مواصلة التحرك:
“بكرة نبقى نشوف الموضوع ده يا حج.”
صعدا كلا منهما للأعلى باتجاه جناحهم.
دَلفت للمرحاض تأخذ حمامها وتوجه هو لتغيير ملابسه.
خرجت بعد بضع دقائق وجدته يجلس في الشرفة. اقترب منه قليلًا:
“أنا عايزة أشكرك على النهاردة واللي عملته مع مصطفى.”
أومأ لها بصمت، فا الآن باله مشغول بوصول سليم.
***
بعد مرور ساعتين كان كلًا منها نائم. هو على سريره وهي على الأريكة. لكنها استيقظت وهي تشعر بالجوع الشديد. توجهت للمطبخ الملحق بالغرفة. لم تجد به شيئًا:
“هما إزاي سايبين المطبخ ده كده؟”
نزلت لأسفل بكسل شديد. حضرت شطيرة لنفسها بسرعة. ولكن عند صعودها سمعت أصوات تأتي من الصالون. توجهت بحرص شديد لتجد هدير جالسة مع والدتها ويتحدثان بهمس:
“شوفتي يا ماما، ده كان مخرجها. عملتله إيه المفعوصة دي.”
أجابتها سهير برزانة:
“ولا حاجة. أنتِ العبيطة، مفاتيح آدم كلها معاكي.”
نظرت لها دون فهم لتتنهد سهير:
“آدم مش عايز غير شوية حنية. بس إنتِ عارفة إنه مشافش أهله. عايز حنية على حب على دلع، وأنتِ وشطارتك.”
نبست الأخرى بضيق:
“بس ده شكله بيحبها.”
ابتسمت بخبث:
“مصيره يكرهها، بس إنتِ ولعبك. أنا أهم حاجة عندي في ده كله الورث.”
كانت تستمع لهم والندم يأكلها. كيف لها أن تتحدث هكذا عن والديه وهي لم تراهم حتى.
شعرت بالشفقة عليه وترجمت تصرفاته معها بأنه فاقد للاحتواء والاهتمام.
صعدت لغرفتهم المظلمة.
جلست على الأريكة وهي تفكر به وتفكر بإعطائه فرصة حقيقية.
نامت مكانها من كثرة التفكير.
استيقظت في الصباح بنشاط وقد قررت إعطائه فرصة بالتقرب منه.
نظرت حولها لكنها لم تجده:
“راح فين ده على الصبح كده؟”
دخلت الحمام وخرجت بعد ١٠ دقائق وجدته يجلس على السرير. تقدمت منه بابتسامة:
“رحت فين بدري كده؟”
نظر لها نظرة مليئة بالغضب. تعجبت منها:
“مالك يا آدم؟”
رواية سأخرجك من الظلام الفصل العاشر 10 - بقلم نورسين
كان ينظر لها بصمت ممزوج بالغضب.
"مالك يا آدم؟ فيه إيه؟" سألت مجددًا.
نهضت من على الفراش ليقف أمامها. رفعت وجهها لأعلى بسبب فرق الطول بينهم.
"كل ما أحاول أنسى حاجة تحصل ترجعني لنقطة الصفر."
جعدت ما بين حاجبيها. "تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة."
أبتعد عنها وهو يدور في الغرفة.
"ليه مصممة تنكري رغم إن كل حاجة ضدك؟"
نبست بحدة من اتهامه لها الذي لا تفهمه. "أنكر إيه؟ اتكلم من غير ألغاز!"
وقف أمامها مجددًا. "نكرتي معرفتك بسليم الدمنهوري، ليه؟"
صاحت به بحدة وهي ترجع خصلة من شعرها للخلف. "عشان أنا فعلاً معرفوش، أنا قلتلك الحقيقة."
نفخ بضيق، فهي تصر على الكذب. "أنا قبلت سليم وقال لي كل حاجة."
نظرت له بصدمة، هل حكى لها عن شقيقتها؟
"قالك إيه؟"
أبتسم بسخرية. "مالك اتخضيتِ كده ليه؟"
نفت له برأسها سريعًا. "قالك إيه؟"
"طبعًا أنتِ هتموتي من القلق، عايزة تعرفي قال إيه؟"
أقترب منها عدت خطوات، رجعتهم هي للخلف.
"أنتِ عارفة أنا عانيت قد إيه في السنة ونص دي بسبب الفلوس اللي أخدتيها؟ خلتيني أشتغل تاني تحت رجل عمي وأقبل بأي طلب عشان معنديش غيره."
نظرت له بخوف، فهي تخشى أن تعود نوبة غضبه تلك له.
"آدم اسمعني، أنا والله ما نصبت على حد، ده بيكدب."
تمسكت بعدم إخباره عن شقيقتها، فهي لا تعرف ما يقدر على فعله بعد آخر مرة أراد أن يقتلها.
"وهو هيكدب ليه؟ إيه مصلحته؟"
صاح بها بصوت مرتفع وهو يقلب الطاولة. سئم، يريد فقط العيش بسلام ومعها دون عوائق.
أرتد جسدها للخلف بخوف منه أن يؤذيها مجددًا. "معرفش إيه مصلحته، والله معرف."
نظرات الخوف بعينيها منه قد أشعلته أكثر.
"أنا تعبت منك، برضه مصممة تنكري. أنا جبت آخري. من النهاردة هتشوفي وش تاني مني. أنا اديتك فرص كتير."
أنهى حديثه وهو يغلق الباب بحدة. قد أرجفت بدنها.
بكت بصوت مرتفع وهي تتمتم. "ليه محدش عايز يصدقني؟ محدش عايز يسمعني حتى."
***
بعد نقاشه الحاد معها، كان يجلس في مكانه المعتاد، غرفته التي يحجزها في أكبر الفنادق يريح باله فيها، يسترجع ذاكرته.
قبل بضعة ساعات.
***
قبل بضعة ساعات.
الساعة الخامسة فجرًا. أستيقظ على صوت هاتفه. قام بإسكاته فورًا وهو ينظر لتلك النائمة، لا يريد إزعاجها.
"أيه يا أيان؟" أجاب بصوت هامس على صديقه.
"سليم وصل وراح الفيلا بتاعته." أستمع لصوت صديقه من على الجانب الآخر.
"أنا جايله حالًا." أجابه وهو يستقيم من مكانه.
مشى بخط خفيفه حتى لا يزعجها. كان ينظر لها ولم ينتبه للطاولة التي أمامه، أصطدم بها لتسقط الأشياء التي عليها مما أصدر ضجة عالية.
أغلق عينه ينتظر استيقاظها، لكنها فاجئته بتقلبها على الجهة الأخرى دون أن تظهر أي علامات انزعاج على وجهها.
أبتسم بسخرية عليها. "وأنا اللي كنت خايف تصحى من رنة التليفون ده. لو عملت زفة مش هتصحى."
بدل ملابسه وتوجه لمنزل سليم، صديقهما.
أن دلف إلى منزل صديقه حتى وجده يجلس هو وأيان.
نظر له سليم نظرة معاتبة، فهو لا يتحدث معه منذ أن أخبرهم أنه أضاع أموالهم.
جلس أمامهم وما زالوا صامتين. نظراتهم هي التي تتحدث.
وضع قدم فوق الأخرى لينبس. "أخيرًا شرفت يا سليم بيه."
كان وجهه جامد، لكن نبرته مبطنة بالسخرية.
نظر له سليم نظراته التي تدل على الحزن. "عرفت إنك اتجوزت."
لم يجبه على حديثه ليخرج هاتفه على صورة لليان.
"أنا مش جاي أتكلم معاك، أنا جاي أسألك على حاجة وهمشي."
وجه الهاتف أمام وجه الآخر، نهاية حديثه.
"تعرف البنت دي؟"
نظر له سليم بتعجب. "هي مين البنت دي بالنسبة لكم؟ ليه أنت وأيان بتسألوني عنها؟"
كاد أن يتحدث أيان ويخبره من تكون، لكن قاطعه آدم.
"مش مهم تعرف هي مين، المهم تجاوب عليا."
أخذ سليم الهاتف من آدم. "أيوا أعرفها، هي دي اللي كانت معايا في الفندق."
أغلق آدم عينه بشدة يحاول تمالك أعصابه.
"يعني هي دي نصبت عليك؟"
نظر له سليم وهو يبتلع ريقه. "أيوا هي."
شد آدم على قبضته ليسأله مرة أخرى بنبرة يحاول جعلها ثابتة.
"وطلعت معاك الأوضة؟"
شعر سليم بالرهبة من نظرات آدم المصوبة نحوه.
"هي تهمك ولا إيه يا آدم؟" حاول فهم سبب اهتمام صديقه بها لذلك الحد، لكن سؤاله ذلك قد أشعل فتيلة النيران.
دخل القابع أمامه. "انجزي يا سليم، طلعت معاك ولا لأ؟"
نبرته المحتدة تلك لم تزد الآخر سوى توتر.
نبس بعد بضع ثوانٍ. "مش فاكر، كنت سكران."
كاذب. نعم هو كذلك. لم يريد قول ما رتب له.
وقف آدم أمامه، فا إجابته تلك لم تعجبه بتاتًا. معنى أنه لا يتذكر لا يعني الإنكار.
"لا افتكر، هيا ولا لأ."
أبعد نظراته عن آدم لينبس بعدها. "مش فاكر أوي، بس لأ، مطلعتش معايا."
هدأت النيران المشتعلة داخل الآخر بعدما سمع كلمات سليم، لكنها لم تنطفئ، فا ما زالت هي السارقة في عينه.
"عايزك تحكي لي بقا عرفتها إزاي من الأول كده."
جلس مرة أخرى أمام سليم وهو ينتظره أن يتحدث.
نظر سليم لأيان بأعين مهتزة، يريده أن يتحدث حتى يلطف ذلك الجو المشحون، لكنه لم يعطه مراده، حيث أبعد نظراته عنه.
"عرفتها من على النت، قعدنا سنة نتكلم أنا وهي لحد ما قالت لي أنها جاية إيطاليا. اتقابلنا أكتر من مرة لحد آخر يوم، كنا سهرانين في الفندق وأنا سكرت، وبعدين معرفش إيه اللي حصل. صحيت لقيت نفسي محول لها المبلغ."
نهض من مضجعه بهمجية وهو يمسكه من ياقته.
"هتفضل طول عمرك غبي ومش بتفهم. بسببك رجعنا تاني لنقطة الصفر تحت رحمة عثمان."
ترك ياقته بهمجية ليرتد جسده بقوة على المقعد.
ألتفت له مجددًا. "إيه اللي أكد لك إن مفيش حاجة حصلت بينكم؟"
لم يستطع المماطلة أكثر أمام نظرات آدم.
"لما صحيت كنت بلبسي زي ما أنا، وكنت نايم على الكنبة أصلاً."
هدده آدم بقسوة. "عارف لو عرفت إنك بتكدب، أول ما حوّر عليا محدش هيرحمك من تحت إيدي."
أنهى حديثه وهو يمشي بعصبية مفرطة.
***
الحاضر.
***
وقفت أمام مبنى المدرسة تنتظر أن يأخذها لمنزل ليان.
ركن بسيارته أمامها لينزل النافذة.
"يلا اركبي."
سألته بضيق. "اتأخرت ليه؟"
فتحت باب السيارة لتركب جواره.
"معلش عقبال ما عرفت أقول لأدم."
همهمت له ليبدأ بالقيادة في صمت لم يكسره أيًا منهم.
بعد مرور ما يقارب الساعة والنصف.
أمام القصر نزلت رقيه من السيارة وهي تنظر للقصر بإنبهار.
"ده تحفة فنية."
أبتسم بجانبيه على تعبيراتها ليمشي أمامها.
تابعته هي بخطوات سريعة لتتماشى معه وهي مازالت تنظر حولها.
وقف أمام الخادمة ليحدثها بصيغة الأمر.
"طلعيها جناح الدكتورة."
أومئت له الخادمة بأدب.
"هستناكي برا لحد ما تخلصي عشان أروحك."
أبتسمت له بامتنان وهي تلاحق خطوات الخادمة.
وقفت أمام الغرفة، بابها مزخرف. أشارة لها بمعنى أن تلك هي الغرفة.
طرقت عدت طرقات على الباب، لم تستمع أذن الدخول لتحسم أمرها وتفتح الباب.
دخلت بخطوات متمهلة وهي تنظر حولها منبهة بالأثاث.
نطقت بصوت خافت. "ليان أنتِ هنا."
أستمعت لصوت شهقات يأتي من الشرفة. توجهت هناك لتجدها تجلس على كرسي تضم جسدها لها وهي تبكي بصوت خافت.
وضعت يدها على كتفها. "ليان."
التفتت لها الأخرى وهي متفاجئة من وجودها. أقتربت منها بسرعة وهي مازالت غير مصدقة لوجودها.
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟ جيتي إزاي؟"
ضمتها بشدة في نهاية حديثها لتبادلها الأخرى العناق والبكاء.
***
كان يحادثها بالهاتف.
"أنا عايز أعرف إيه علاقة آدم بليان."
أجابته ببعض التوتر. "مفيش علاقة بينهم."
تحدث بإصرار. "امال آدم شاغل باله بيها ليه كده يا مريم؟"
أجابته مريم وهي تحاول إقناعه. "أكيد هيبقا شاغل باله، يعني واحدة نصبت عليه، عايز يعمل معاها إيه؟"
"ده كان هيتجنن لما قلت إنها كانت معايا في الأوضة."
سألها بترقب.
"بس اللي مش فاهمه، أنتِ ليه خليتينا نلبسها الحوار دي؟ اختك."
نبست بحقد الذي ملأ رأسها.
"ليان هتعرف تطلع منها، وبعدين أنا باخد حقي منها."
عندما أستشعر الضيق في نبرتها حاول التخفيف عنها.
"أنا معرفش اللي بينكم، بس أنتم أخوات، يعني حلوها مع بعض."
ليكمل. "أنتِ وحشتيني أوي يا حبيبتي. مش هنتقابل؟"
نظرت بجوارها لعزت الذي يجلس معها منذ بداية الحديث. أشار لها بالرفض.
"معلش يا حبيبي مش هعرف عشان بابا، أنت عارف هو شديد إزاي. خلينا بكرة."
حاولت إرضاءه إلى أن أغلق معها الخط.
تنهدت وهي تنظر لعزت.
"أنا خايفة يعرف حاجة يا عزت."
"متقلقيش، حتى لو عرف مش هيتكلم. المهم إننا أخدنا الفلوس."
أومئت بحزن. "بس أنا خايفة على ليان."
"متقلقيش عليها، إنتِ عارفة ليان بتعرف تخلي الكل في صفها، حتى لما سابتني."
أردفت بضيق من شقيقتها. "أنا مش عارفة إزاي قالت لكله إنك خنتها عشان عايزة تسيبك."
***
كانت تريح رأسها على قدم صديقتها بعدما قصت عليها جميع الأحداث التي حدثت معها.
"أنا مش عارفة يا ليان، أنتِ كده صح ولا غلط؟"
جففت دموعها وهو تنبس. "أيوا أنا صح، لازم أحمي مريم، أنا مش عارفة آخر آدم إيه."
"بس أنا مش فاهمة ليه كله مش مصدقني ومحدش عايز يسمعني. لا ماما ولا بابا، ولا حتى آدم. حتى مريم بعد ما عرفت الحقيقة مكلمتنيش."
ربتت على ظهرها. "متزعليش، هما برضو متفاجئين."
نبست رقيه بتفكير. "بس اللي أنا مستغربة، سليم ده ليه قال إنك نصبتي عليه؟"
صمتت عدت ثوانٍ ثم اردفت. "بجد مش عارفة إيه غيته."
أنتفضت رقيه من مضجعها بسرعة وهي تنظر لساعتها، فا قد مر ما يقارب الساعتان منذ جلوسها مع ليان.
"إحيه! أيان مستنيني تحت، أنا نسيته."
سألتها ليان بعدما اعتدلت في جلستها.
"مين أيان ده؟"
أقتربت تقبل جبهة ليان. "قولتلك أيان صاحب آدم."
أحتضنتها وهي تربت على ظهرها.
"أنا همشي بقا عشان اتأخرت، خلي بالك على نفسك. هبقى أكلمك أنا، خلاص صلحت التليفون."
أبتسمت لها ليان وهي تبادلها الحضن.
"ماشي يا حبيبتي، ابقي طمنيني على اللي في البيت."
***
خرجت من القصر لتجده ما زال ينتظرها بالسيارة.
أقتربت منه وهي تفتح الباب وتجلس بجواره.
"اسفة على التأخير."
أومئ لها بصمت لتسأله حاسمة للأمر.
"هو آدم بيحب ليان؟"
نظر لها يحاول فهم غايتها.
"جاوبني بصراحة."
نظر لإصرارها ذلك.
"آه بيبحها."
أخبرها بالحقيقة، فا لا ضرر بها.
أبتسمت بفرحة لتكمل بمرح.
"يبقى بينا على أي كافيه نفكر هنعمل إيه."
***
ما زال كما هو يجلس في غرفة الفندق، ذلك يفكر في ما دار بينه وبين ليان ويفكر في ماضيه، فا قد أخذته الذكريات عندما توفت والدته وهو بعمر الأربع سنوات وتخلى والده عنه وأرساله لإيطاليا بدون شيء يثبت هويته، حتى ظل بالشارع لعدة أيام دون مأوى، إلى أن التقت به رحاب وتولت تربيته هو وأيان الذي أخذه من الميتم، ربتهم على القتال وإنهاء لها المهمات والصفقات حتى أصبح بالعشرين، وبعدها التقى بعمه عثمان الذي أخذه للعمل معه بعدما أخبره كم كان يبحث عنه، وتعرف على سليم مساعد عمه.
فاقه من شروده رنة هاتفه ليفتح الخط دون كلام، أستمع لصوت مساعده التي يثق به بشدة.
"أسف على الإزعاج يا باشا، بس فيه حاجة لازم تعرفها."
أجابه بنبرة هادئة. "قول."
تحدث ببعض التوتر. "مش كنت طالب من حوالي سبع شهور أعرف معلومات عن ولدك؟"
صمت يستمع له ليكمل الآخر. "والد حضرتك متخلاش عنك، أنت اتخطفت من واحد اسمه عمران، كان شغال عندكم."
أعتدل في جلسته وهو يسأله بنبرة محتده. "أنت متأكد من كلامك؟ طب هو فين عمران ده؟"
"أيوا يا باشا متأكد، عشان كده مكنش فيه إثبات شخصية ليك. أنا لسه بدور على عمران."
أكمل ببعض التردد. "وفي حاجة كمان. أنا استغربت إزاي الحاج عثمان ما يعرفش إنك اتخطفت. ودورت لحد ما عرفت إن هو يعن..."
تحدث بنفاذ صبر. "انجزي."
"مطلعش عنده أخوات غير ست سهير."
أغلق معه وهو يشعر أنه عاش في كذبة كبيرة، كيف لم يتخلى ولا ده عنه، وكيف لعثمان أن لا يكون عمه الحقيقي.
***
بعد منتصف الليل.
عاد آدم بخطوات ثقيلة، فا قد كان يوم صعب بالنسبة له، مليء بالصدمات.
وجدها تجلس على الأريكة تنظر له بصمت.
سألت بنبرة مرهقة. "منمتيش ليه؟"
"مجاليش نوم." أجابته وهي تبعد أنظارها عنه، فا هي كاذبة، لم تنم لأنها كانت تنتظره.
تحدثت بنبرة مترددة. "آدم أنا عايزة أتكلم معاك فـ..."
قاطعها هو بإقترابه منها بسرعة ثم احتضانها.
أتسعت حدقتيها بصدمة من فعلته تلك لتنبس. "آدم."
أستنشق نفس عميق ليخرجه وهو يردف. "سبيني كده شوية."
شد هو من احتضانها. لم تبادله الاحتضان، لا تعرف ماذا تفعل، لكن عندما استمعت لتنهيداته وهو دافن وجه بعنقها، ربتت على ظهره، وكأن حركتها تلك قد أعطته الإذن.
وقف وهو يحملها مرة واحدة. نظرت له بصدمة وهي تتحرك بعشوائية.
"آدم بتعمل إيه؟" نبستها بخوف بعدما وجدته يتجه بها للفراش.
وضعها بحرص وهو يتمدد بجوارها.
"أهدي، أنا عايز بس أنام في حضنك."
أكتست الحمرة وجهها من كلماته تلك. نظر لها بحب متناسياً شجارهم صباحاً وحديث سليم.
أقترب منها ويقبل وجنتها بعمق. تشنجت حركتها بسبب قبلته تلك.
أبتعد عنها وهو يقربها منه أكثر، فا حضنها ذلك يخفف عنه أعباء اليوم وكل تلك الحقائق التي عرفها.
"خلينا ننام كده النهارده، محتاج حضنك."
كانت ستبتعد عنه، لكن عندما استمعت لنهاية حديثه سكنت مكانها تنظر فقط لوجهه من قرب، وبحركة لا إرادية قربت يدها من شعره تتلمس خصلاته الناعمة التي جذبتها من أول مرة رأته.
أبتسم وهو مغمض عينه.
"أنت كده بتتحرش بيا، أنا نايم بأدبي، خلي بالك."
سحبت يدها بخجل بعدما استوعبت ما قامت به.
أمسك يدها مجددًا وهو يلتفت لها ليصبح وجهه أمام وجهها، ووضع يدها على شعره مرة أخرى.
"خليكي حاطة أيدك." أكمل وهو يشد على حضنها.
"خلينا كده النهارده بس، ننسى أي حاجة."
بعد تردد بينها وبين نفسها، حركت يدها بين خصلاته بطريقة حنونة جعلته يسترخي ويهبط في نوم عميق، لا يجده سوى بحضنها.
***
في الصباح الباكر، توجه سليم للقصر، فا قد طلب منه هيثم والحج المجيء بعد غيابه عنهم أكثر من سنة.
دخل القصر وهو يحتضن هيثم بحب أخوي، فـ علاقته به جيدة عكس علاقته بآدم.
"إيه الغيبة دي كلها يا سولي؟"
بادله الأخر الاحتضان وهو يبتسم له.
"أنت كمان ليك وحشة يا جدع."
أبتعد هيثم عنه وهو يتحدث.
"شفت؟ مش آدم اتجوز؟"
نبس سليم ببعض الحزن. "آه عرفت من أيان."
أكمل هيثم بمرح. "جت اللي وقعته على بوظه. ليان، تقول عليها هادية، بس شكلها مطلعة عينه."
سأله بإستغراب. "ليان مين؟"
"ليان مرات آدم."
نظر له بصدمة لينبس. "ليان تبقى هي مرات آدم؟"
يتبع...