تحميل رواية «صاحبة السعادة» PDF
بقلم رضوي جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
دخل إلى الحارة في ذاك الوقت المتأخر من الليل. كانت هذه عادته أن يتسلل إلى حجرته بعد أن يكون الجميع قد هجع للنوم، حتى لا يكون مضطراً لمقابلة صاحب البيت المتهالك الذي يسكن فيه، مطالباً بأجرة الغرفة المتأخرة في سدادها للشهر الثالث على التوالي. وصل إلى البيت ودفع بوابته الحديدية الصدئة، فأصدرت صريراً مزعجاً ينم عن غضبتها لإيقاظها من رقادها في هذه الساعة. صعد الدرجات الأربعين التي تفصله عن سطح البيت، حيث غرفته الوحيدة به. أخرج مفتاحها من جيب جلبابه وعالج به القفل بصعوبة في هذا الظلام المنتشر حوله. دف...
رواية صاحبة السعادة الفصل الأول 1 - بقلم رضوي جاويش
دخل إلى الحارة في ذاك الوقت المتأخر من الليل. كانت هذه عادته أن يتسلل إلى حجرته بعد أن يكون الجميع قد هجع للنوم، حتى لا يكون مضطراً لمقابلة صاحب البيت المتهالك الذي يسكن فيه، مطالباً بأجرة الغرفة المتأخرة في سدادها للشهر الثالث على التوالي.
وصل إلى البيت ودفع بوابته الحديدية الصدئة، فأصدرت صريراً مزعجاً ينم عن غضبتها لإيقاظها من رقادها في هذه الساعة. صعد الدرجات الأربعين التي تفصله عن سطح البيت، حيث غرفته الوحيدة به. أخرج مفتاحها من جيب جلبابه وعالج به القفل بصعوبة في هذا الظلام المنتشر حوله.
دفع الباب بحذر وولج للحجرة، واضعاً ربابته على الطاولة العرجاء، وجلس بحرص متأوهاً في إرهاق على ذاك الفراش الذي يدفع النوم بعيداً عن الأعين دفعاً قسرياً، بهذه المرتبة المتأكلة والوسائد التي خلت تقريباً من القطن، وألواحه التي فُقد بعضها، فأصبح المسافة بين كل لوح وأخيه كافية لينزلق جسده بينهما.
تمدد متطلعاً للسقف المشقوق بالأعلى وهمس لنفسه وهو يلتف لينام على جانبه الأيمن:
"مش مهم.. كله هايبقى تمام بإذن الله."
وأغمض عينيه يحاول أن يوازن جسده على الفراش الخرب، حتى راح في سبات عميق لا يدرك كيف سيأتي الغد وهو لا يملك بجيبه ثمن إفطاره، ولا يعلم كم سيصبر عليه صاحب البيت من أجل أجرته المتأخرة. لكنه نام يحلم رغم ذلك بالغد الوردي.
•••••••••••••••
صرخت نعمات في صدمة وهي تضرب بباطن كفها على صدرها في لوعة:
"اتجوز عليا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. أشوف فيك يوم يا سعيد يابو السعد. يجي ويحط عليك."
هتفت سعادة وهي تربت على كتفها تحاول تهدئتها:
"معلش يا خالتي.. عادة أبويا ولا هيشتريها يعني؟ ما هو اتجوزك على خالتي سنية ومن قبلهم كانت أمي الله يرحمها."
صرخت بها نعمات في غيظ:
"قطيعة تقطعك انتِ وأبوكِ في ساعة واحدة. ولما هو بسلامته اتجوز سايبك ليا أعمل بيكِ إيه؟ حاجة من ريحته؟ مستكفية يا أختي كفاية عليا دول."
وأشارت لإخوة سعادة المبعثرة أجسادهم نيام.
هتفت سعادة في اضطراب:
"قصدك إيه يا خالتي؟"
جذبت نعمات كف سعادة ودفعت بها باتجاه باب الشقة، التي لا يصح أن يطلق عليها لقب شقة من الأساس. فهي عبارة عن حجرة بدور أرضي، كانت في الأصل غرفة مخزن، مكونة من اتساع كبير تم تقسيمه بأغطية الفراش الممزقة لحجرات يتجمع بها أخوتها الخمس كما تراهم اللحظة، حتى أنه لا متسع لحركة قدم توضع ما بين التصاق أجسادهم.
فتحت نعمات الباب ودفعت بسعادة خارج الشقة هاتفة:
"روحي يا أختي لأبوكِ ومراته الجديدة. خليها تنفعه وتنفّعك."
وأغلقت الباب في وجهها بعنف.
أجفل سعادة التي وقفت على أعتابه متشبثة بأسياخ الطاقة الحديدية، وطرقت في تضرع:
"افتحيلي والنبي يا خالتي. افتحيلي ومن النجمة همشي. طب أبَات الليلة دي بس وبعدين أعرف أبويا فين وأروح له."
فتحت نعمات الباب بالفعل، لكن ليس لأن قلبها رق لابنة زوجها، ولكن لتدفع ببعض ماء من دلو قذر أمام باب الشقة حتى تمنعها من النوم حتى على الأعتاب. مما دفع سعادة لتشهق في صدمة تحاول تجنب الماء حتى لا تبتل ملابسها، مندفعة باتجاه الدرج تعتليه للخارج، وهتفت في قلة حيلة وزوجة أبيها تهم بغلق الباب:
"طب هاتي هدومي من جوه."
هتفت نعمات في غل:
"هدوم إيه يا أم هدوم؟ هي الهلاهيل دي بتسميها هدوم؟ روحي ياللاه اتكلي على الله. روووحي."
صرخت نعمات بكلمتها الأخيرة في غضب وهي تغلق الباب بوجه سعادة في عنف كاد أن يخلعه، لتتركها وحيدة في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، لا سقف يظلها ولا تملك مليماً واحداً تضمن به قوت يومها على الأقل.
كانت تنوي النوم أمام عتبة البيت حتى الصباح، لكن ما باليد حيلة وقد أصبح المكان كله مبتلاً بماء قذر، مما دفعها لتكمل صعود الدرجات التي تفصلها عن باب البيت، متطلعة للعالم المجهول خارجه، لا تعلم ما عليها فعله.
*****************
"ما هذه الصرخات والهتافات المدوية؟ أما من سبيل للنوم براحة في هذه الحارة المنكوبة بسكانها؟"
تعالت الصرخات من جديد، ليستشعر أن الأرض تميد به مترنحة، وتنبه لتحذير واحد وصل لمسامعه جعله ينتفض من سباته، ملتقطاً ربابته واندفع يقفز الدرج في سرعة، ليتزاحم جسده مع باقي سكان العقار الذي يبدو أنه ينهار في تلك اللحظة على رؤوس قاطنيه.
لحظات وكان يلتقط أنفاسه في تتابع من أثر الصدمة، بعدما أيقن أنه نجى بأعجوبة من الموت تحت أنقاض ذاك البيت الذي يبصره بالكاد من بين غبار ركامه المتطاير المنتشر هنا وهناك، حاجب الرؤية عن الجميع.
جلس بأحد الأركان البعيدة عن ذاك الصخب والعويل، وقد استيقظت الحارة كلها على صوت انهيار المنزل ليتحول بها الليل لنهار. ما عاد له بقاء بهذه الحارة، ولم يعد لديه ما يربطه بها. هو يعلم حظه التعس، وماذا بعد الحزن اسماً حتى يعلم أن الحزن سيرافقه دوماً طوال حياته. ألا يقولون أن لكل امرئ نصيب من اسمه، فماذا ينتظر واسمه هو.. حِزن.
كان أمامه العديد من البيوت ليسكن بها، لكنه لم يختر إلا هذا البيت. وما العجب وقد أيقن تماماً أن لا اختيار جيد واحد قام به في حياته.
نهض مبتعداً وسار حتى كلت قدماه، ولا يزال النهار بعيداً وهو تقريباً لم يغمض له جفن. وجد نفسه أمام خرابة بنهاية إحدى الحارات. دخلها وجلس على أحد الأحجار الموجود بها، مستنداً برأسه على الجدار الملاصق، محتضناً ربابته متشبثاً بها، وراح في نوم عميق.
•••••••••••••••••••
كان البرد ينخر عظامها وهي لا ترتدي إلا تلك العباءة التي لا تقيها قرصاته. كانت ترتجف موضعها، لكنها قررت العبث بما حولها لعلها تجد غطاء ما ممزق أو بعض القطع الكرتونية التي يمكن جمعها لتصنع لنفسها حائط صد أمام تيارات الهواء البارد الذي يكاد يحولها إلى تمثال متجمد.
تحركت هنا وهناك، وما أن عثرت أخيراً على بغيتها ووجدت ذلك الصندوق الكرتوني، حتى سمعت صرخات رجولية مصدومة تهتف في ذعر:
"عفريتة.. عفريتة الخرابة."
تطلعت لموضع الصوت محاولة استيضاح مصدره في ذاك الظلام الدامس، إلا من لمبة خافتة الضوء بأحد أعمدة الإنارة التي تقف كأشباح ما عادت تخيف أحداً، لتجده لشاب يقف مرعوباً ملتصقاً بالحائط خلفه.
اقتربت منه تحاول إظهار حقيقتها، إلا أنه صرخ من جديد:
"عفريتة.. لا تؤذيني ولا أؤذيكِ. انصرفي.. انصرفي."
لكنها لم تنصرف، بل كانت تقترب منه أكثر بغية تهدئته وتأكيد هويتها البشرية، لكنه لم يحتمل الصدمة وسقط غائباً عن الوعي.
•••••••••••••••••••
انتفض مبتعداً ما أن لامس وجهه رزاز المياه الذي اندفعت تحضره من أقرب صنبور عمومي، وهم بأن يصرخ من جديد وهو يرى ذاك الشبح لامرأة متشحة بالسواد تطل عليه في رقدته، إلا أنها هتفت في محاولة لطمأنته:
"أنا مش عفريتة، متخافش. أنا إنسية."
هتف في شك:
"احلفي بالله إنكِ بني آدم زيي زيك."
هتفت مؤكدة:
"والله العظيم أنا بني أدمة زيك بالظبط."
هتف متعجباً:
"طب إيه اللي جابك الخرابة في وقت زي ده؟"
هتفت مجيبة:
"هو نفس السبب اللي جابك."
اعتدل قليلاً وهو لا يزال يتوجس منها، لتستطرد متسائلة:
"انت صعيدي؟"
أكد في اعتزاز:
"أيوه. ليه؟"
ابتسمت هاتفة في سخرية:
"أمال اتخضيت ليه ووقعت من طولك؟"
هتف في غيظ:
"إني مترعبتش. إني بس اتخدت على خوانة."
هتفت تشاكسه:
"اتخدت على خوانة؟ هو العفاريت في بلادكم بيدوك خبر قبل ما تظهر ولا إيه؟"
هتف في غضب:
"لااااه بجولك إيه؟ إني محدش يتريق عليّ. ده إنّي راجل وسيد الرجالة كمان."
همت بالنهوض هاتفة:
"تشرفنا يا سيد الرجالة."
هتف متعجباً:
"على فين يا اسمك إيه انتِ؟"
هتفت مجيبة بلامبالاة:
"اسمي سعادة. سعادة سعيد أبو السعد."
قهقه وقد واتته الفرصة للأخذ بثأره على طبق من فضة:
"حصل لنا منتهى الانشراح."
تجاهلت سخريته متوجهة إلى حيث وجدت صندوقها الكرتوني لتحمله حيث ذاك الطرف الخفي من الخرابة، لتحصل على قسط من النوم في تلك الليلة العجيبة التي يبدو أنها بلا نهاية.
وهتفت تستحثه ليعود لموضعه مبتعداً عنها:
"انت يا صعيدي. ارجع مكانك بقى وسبني في حالي. خلي الليلة دي تعدي على خير. كفاية البرد اللي متوصي بيا ده. هموت متجمدة."
وهمست تحدث نفسها حتى ظن أنها جُنت:
"ليه كده بس يا عم سعيد؟ ده وقت جواز! طب كنت استنى الصيف واتجوز براحتك. اهو ما كانش الواحد اترمى في البرد ده."
سمع همهماتها فاستحثته نُخوته ليقترب من موضعها، يخلع عنه كوفيته الصوفية التي كان يتلحف بها، ومد كفه بها إليها هاتفا:
"خدي يا ست بهجة."
هتفت متطلعة من خلف جدارها الكرتوني:
"اسمي سعادة. وبعدين آخد إيه؟ مش.."
أخرست كفه الممتدة بكوفيته لسانها متطلعة إليها في رغبة لجذبها على الفور، لكنها همست متسائلة رغم إدراكها مقصده:
"إيه ده؟"
هتف مؤكداً:
"الكوفية عشان تدفيكي. البرد الليلة دي شديد جوي."
همست وهي تمد يدها بالفعل تتناولها متسائلة:
"وانت؟"
أكد مشيراً لصدره:
"متجلجيش. إنّي متعود على النوم في الطل."
بدأت في فرد الكوفية الصوفية العريضة متلحفة بها في سعادة غامرة، وقد شعرت أن الدفء قد بدأ يغزو جسدها قليلاً، فهتفت ممتنة:
"أنا متشكرة قوي يا.."
ثم هتفت متسائلة:
"صحيح.. مقلتش هو انت اسمك إيه؟"
تردد قليلاً قبل أن يهتف أخيراً:
"حِزن."
تطلعت إليه في شك، لكنها ما أن أيقنت أنه اسمه الحقيقي فعلاً، حتى انفجرت ضاحكة وهتفت من بين قهقهاتها:
"بتهزر صح؟"
أكد في غيظ:
"لاااه. ده اسمي يا ست سعادة. حِزن عايش الضنك. واوعاكِ تضحكي وإلا هرجع في كلامي وآخد كوفيتي وأغور."
لم يكن الأمر محتملاً. حاولت أن تضغط على نفسها لتمنع تلك القهقهات التي تتزاحم بحنجرتها لتخرج صادحة. جاهدت جهاد الأبطال لوأدها، لكنها لم تستطع، لتخرج مجلجلة في تلك الساعة من الليل.
وفي ظل محاولاتها لتحد من صخب تلك القهقهات، تعجبت عندما وجدته يشاركها ضحكاتها في أريحية ولم يغضب كما كان يدعي، بل إنه هتف من بين ضحكاته:
"ليكي حق تضحكي والله. هو ده اسم يرضي ربنا؟ أجول إيه بس؟ الله يسامحك ياما."
ابتسمت ولم تعقب، ليهتف وهو يشير لموضعه السابق:
"إني راجع مكاني. لو احتجتي حاجة نادمي عليّ. جولي يا حِزن الحزن هتلاقيني قصادك."
ضحكت لمزاجه هاتفة:
"زي جزر بتاعت إسماعيل ياسين؟"
همست بدورها خلفه:
"وانت من أهل الخير."
اتجه إلى موضعه الأول وأنزل طاقيته الصوفية حتى مستوى أذنيه، وضم جسده بذراعيه جلباً لبعض الدفء، محاولاً الخلود للنوم من جديد قبل أن تستيقظ الحارة.
رواية صاحبة السعادة الفصل الثاني 2 - بقلم رضوي جاويش
هتف ذاك المجذوب المهلهل الثياب والذي يحمل عدد من المسابح المتباينة الطول حول جيده ويحرك مبخرة تفوح منها رائحة المسك في تواتر هاتفا بصوت جهوري:
- يا كرييييم .. يا رازق الهاجع والناجع والنايم على صرصور ودنه ..
انتفض حزن موضعه بعد ذاك الهتاف متطلعا حوله في تيه. وأخيرا مسح وجهه بباطن كفه يحاول طرد بقايا من نعاس عالقة بأهدابه. ألقى نظرة سريعة على موضع رقادها ومن ثم نهض يعدل من هندامه مندفعا خارج الحارة بعد ان خبأ ربابته في حرص شديد بين أكوام المهلات داخل الخرابة.
تمطأت هي موضعها وجالت بناظريها حولها لبرهة حتى ادركت اين هي بالضبط. تنبهت لكوفية حزن الصوفية التي لاتزل تدثرها فشعرت بالامتنان لذاك الرجل الذي جاء لها نجدة من السماء في تلك الليلة التي ظنت ان الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهها بكل قسوة.
أشرأبت بعنقها تتطلع لموضع نومه لكنها لم تجده هناك. اتراه رحل!؟ ربما. قررت النهوض والبحث عن عمل ما يضمن لها قوت يومها على اقل تقدير حتى تتوصل لعنوان ابوها وساعتها ستعرف ما عليها فعله.
مر النهار بطوله وهي تنتقل من موضع لموضع بحثا عن عمل مؤقت يضمن ان يكفل لها صاحبه وجبة تسد رمقها او يدفع اليها بضع قروش تؤمن لها الحصول على واحدة تعينها للصمود لليوم الثاني. لكن ما بين رفض اوحتى استغلال لعملها دون اجر مرت ساعات اليوم بلا طائل ولم يدخل جوفها لقمة في ذاك البرد القارص الذي زاد عليه قرصة الجوع والعوز.
قادتها قدماها لبيت زوجة ابيها فدخلت وطرقت على بابه ففتحت نعمات الطاقة الموجودة به وهتفت في سخرية:
- أهلًا .. نعمين!؟
هتفت سعادة في إعياء:
- معرفتيش أي حاجة عن ابويا يا خالتي!؟
هتفت في غل:
- هعرف منين!؟ هو ابوكِ لما بيغطس الغطسة دي حد بيعرف له طريق جرة!؟
همست سعادة وهي تتشبث بأسياخ الطاقة الحديدية الصدئة:
- طب هعمل ايه دلوقتي!؟ هبات ف الشارع تاني!؟
هتفت نعمات في لامبالاة:
- مليش فيه .. اتكلي على الله ..
همت نعمات بغلق الطاقة فوضعت سعادة كفها تمنعها هاتفة في توسل يدمي القلب:
- طب احدفيلي أي هدمة تقيلة يا خالتي من جوه .. هموت م البرد وقلة الزاد ..
أغلقت نعمات الطاقة عنوة فاعتقدت سعادة انها لن تستجيب لطلبها وصعدت الدرجة الأولي في السلم متوجهة لخارج البيت. لكن باب الشقة شُرع قليلا ووجدت عباءة صوفية مهلهلة أُلقيت بوجهها حينما استدارت تستطلع الامر. احتضنت العباءة التي داب نسيجها تقريبا كأنها كنز ثمين وجرت قدميها جرا في اتجاه الخرابة.
وصلتها ودخلت الي حيث جدارها الكرتوني الواهي تستتر خلفه تضم العباءة الصوفية على جسدها لتقيها تيارات الهواء التي تنخر جسدها وكذا كوفيته التي أمنت لها بعض الدفء. لكن ما الذي يقيها قرصات الجوع التي تفتك بأمعائها!؟
هتف ذاك الصوت الذي أدركته من بين غيمات اعيائها فرفعت رأسها تتطلع اليه وهي تحاول التركيز على ما يقول. جلس بالقرب منها ووضع صحن من طعام مغطى برغيف خبز قبالتها وهتف في أريحية وهو يجلس القرفصاء ذراعاه مفرودتان وكوعاه مسندان على ركبتيه:
- الچودة بالموچود يا ست سعادة ..
دمعت عيناها ولم تعقب وهو يستطرد في ادب:
- معلش .. حاچة مش من مجامك بس والله ليكِ فضل كَبير فيها بعد ربنا ..
تطلعت اليه من بين سحابات الدمع المنذر بالهطول على خديها وهو يقص حكايته من بداية اليوم متطلعا الي المجال حوله لا اليها كعادته غاضا الطرف عن محياها:
- اني صحيت وجلت اچري على رزجي وكلنا على باب الله .. كل مرة ارچع يد ورا ويد چدام .. لكن المرة دي خرچت مع التملية وانفار اليومية والعچيب ان ريس العمال اختارني اني بالذات من دونهم كلهم رغما انه كل نوبة بجعد اتنطط چدامه زي الجرد ع السجرة ولا بيعبرني ..
ابتسمت ولم تعقب ليلقي بنظرة سريعة عليها فوجدها لم تمس الطعام بعد فمد كفه للرغيف مسلمها إيه هاتفا:
- لاه كلي .. هو انتِ هتجعدي تسمعي للحكاوي ومتكليش ..
وهم بالنهوض مستطردا:
- ولاه اجوم يمكن مستحية تاكلي جدامي ..!؟
هتفت تستوقفه:
- لا .. خليك يا سي حِزن .. انا هاكل اهو .. بس كمل ايه اللي حصل!؟
عاد لجلسته من جديد وقد بدأت في وضع اول لقيمة بفمها شاعرة بامتنان شديد لذاك الرجل الذي لولاه لماتت جوعا وبردا وهتف مستطردا حكايته:
- ابدا يا ستي .. جعدت النهار بطوله اطلع ف شكاير أسمنت ورمل .. واشيل ف مونة وطوب .. لحد ما خلص النهار وخدت اليومية ورچعت چري على هنا .. اجول يا ترى مشيت ولاه لساتها موچودة!؟
همست في وجع:
- هروح فين!؟
أدار ناظريه اليها مستشعرا وجيعتها وهمس مؤكدا:
- انتِ هتجوليلي .. دِه انا شارب الوحش كله شرب .. كفاية عليا اسمي اللي بسببه باخد تريجة للصبح .. حِزن عايش الضنك .. يضحكوا واجولهم والله دي حالتي ماهو اسمي ..
هتفت تسأله في فضول:
- بس انت قلت اني ليا يد في الشغلانة!؟ ازاي!؟
هتف مبتسما:
- اصلك زي ما جلت لكِ.. كل مرة ببجى جدام ريس العمال دِه ومبيعچبوش خلجتي لله ف لله .. المرة دي اختارني اني بالخصوص من بين العمال كلهم .. جلت ف نفسي دِه رزجك وربنا بعتهولك عن طريجي ..انتِ وش السعد .. معلوم .. سعادة سعيد ابوالسعد .. أسماء تشرح الجلب مش حِزن وهم وبلا ازرج ..
قهقهت وهي تمد يدها اليه ببعض الرغيف:
- انت بتقول انك جيت على هنا على طول يعني مكلتش انت كمان..!؟
تمنع هاتفا:
- كلي انتِ بس وأشبعي ..
هتفت معترضة:
- والله ما اكل الا لو مديت ايدك..حتى عشان يبقى عيش وملح ..
مد كفه متناولا قطعة الخبز التي مدت بها كفها فتلامست أصابعهما. ارتجف كلاهما وسحب هو يده في سرعة بعد ان اصبح الخبز في كفه. تجاهل تلك الرعشة اللذيذة التي سرت بجسده وقطع كسرة من الخبز واخذ يتناولا الطعام في صمت.
انتهى الخبز وفرغ الصحن من غموسه عن بكرة ابيه لينهض هو مصفقا ينثر بقايا الطعام عن كفيه وجلبابه وهتف في مرح:
- هرچع بجى لفرشتي ولو احتچتي حاجة عرفتي هتجولي ايه!؟
قهقهت تومئ برأسها إيجابا فغض الطرف عنها وهو يؤكد مازحا:
- احنا چيران ف خرابة واحدة .. والچار للچار وانتِ اول چار ..
هتفت تستوقفه:
- سي حِزن ..
توقف ملتفتا اليها بكامل جسده هاتفا:
- اامري ..
استطردت في امتنان:
- ربنا يسترك ..
هز رأسه متفهما واندفع مبتعدا لموضعه واخرج ربابته من مخبائها ونهض متوجها للقهوة التي كانت قائمة بالقرب ليجلس على احد مقاعدها عابثا بأوتار ربابته ليهتف به احد الجالسين:
- ما تسمعنا حاجة يا صعيدي ..
تقدم اليه صبي القهوة هامسا له:
- المعلم صاحب القهوة بيقولك سمع الزباين اللي يعجبهم والحساب يجمع اخر الليل ..
انبسطت أسارير حِزن هاتفا:
- معاهم للصبح ..
وهمس في فرحة غامرة:
- بركاتك يا ست سعادة..
واخذ يعزف على ربابته في سلطنة عالية جذبت اليه القاصي والداني.
عاد منتشيا في سعادة يدندن الطريق بطوله منذ خروجه من القهوة التي عاش روادها مع ربابته ومواويله ساعات مبهجة حتى ان معلم القهوة طلب منه القدوم يوميا لإمتاع الزبائن وأجزل له العطاء. وضع كفه على سيالة جلبابه يتحسس القروش التي منحه إياها في فرحة. لم تكن سعادته من اجل حفنة من مال بل كانت سعادته الحقيقة انه سيستطيع ان يُؤْمِن لها قوت يومها لبضعة ايّام قادمة.
دخل الى ذاك الزقاق الضيق المفضي للحارة التي تنتهي بالخرابة التي ما ان بلغها حتى توقفت قدماه في صدمة وبدأ يقترب في حذّر. كانت همهمات تخرج مكتومة تود لو تصرخ لكن شيء ما يجثم عليها مطبقا أنفاسها. كان رجل قذر يمسك بسعادة يحاول وأد صرخاتها بحلقها وهي تقاومه في بسالة.
تقدم حِزن في حرص وما ان اصبح خلفه مباشرة حتى غرس مقدمة الربابة بظهره في قوة امرا إياه في لهجة تهديدية:
- سيبها والا هفرغ بچتتك الطبنچة ..
اضطرب الرجل وبدأ في سحب كفيه من على فم وجسد سعادة لتنتفض هي مبتعدة تلتقط أنفاسها في صعوبة من اثر صراعها مع ذاك الحقير. هتف حِزن امرا الرجل:
- مشي جدامي من غير نفس .. ومتفكرش ف أي حركة غدر والا هتلاجي السلاح طوّل وانت الچاني على روحك ..
أطاعه الرجل الذي كان يترنح سكرا حتى ما ان وصلا لبداية الزقاق الا ودفع به حِزن امرا إياه:
- جوم غور من هنا وإياك تعتب الحارة دي تاني والا فيها موتك يا نچس ..
انتفض الرجل هاربا يتعرقل في خطواته الغير متزنة ليعود حِزن سريعا اليها. اقترب متحنحايسأل في قلق:
- انتِ زينة يا ست سعادة!؟
كان بكائها الدامي هو ما حصل عليه كإجابة على سؤاله. جلس بالقرب محترما وجعها وما ان استشعر انها أفرغت كل ما بجعبتها حتى همس متسائلا من جديد:
- بجيتي زينة دلوجت!؟
همست بصوت متحشرج:
- لو مكنتش انت جيت كان ايه ممكن يحصل!؟
هتف مؤكدا:
- بس اني چيت وربنا بعتني ليكِ ف الوجت المناسب .. ومش هخلي اللي حصل دِه يتكرر تاني ..
رفعت رأسها تحاول استوضاح مقصده لكنها لم تبصر قسمات وجهه بهذا الظلام فهتف متسائلة:
- ازاي!؟
هتف في عزم:
- هاخد لك اوضة تسترك من شر الطريج ..
هتفت متعجبة:
- منين!؟ وليه تتحمل ده كله!؟
هتف مجيبا:
- مش بجولك ربنا بعت رزجك عن طريجي .. ورزج واسع كمان .. اول ما نصبح هندور على اوضة كويسة وسعرها مهارد ..
هتفت تتسأل:
- وانت!؟
ابتسم مجيبا:
- اني مش مشكلة .. اتلجح ف أي حتة .. مش هاتفرج ..
همست في حرج:
- وطب عليك من ده بكام وانت راجل ارزقي وعلى باب الله!؟
هتف في حرج:
- هو اه اني راچل على باب الله بس منيش عويل يا ست سعادة ..
هتفت تعاتبه:
- بعد الشر .. مين يقدر يقول عليك كده!؟ ده انت سيد الرجالة .. كفاية وقفتك معايا.. وكل اللي عملته عشان خاطري ..ربنا ما يوقعك ف ضيقة ..
همس محرجا وهو ينهض عائدا لموضع رقاده:
- تتمسي بالخير ..
تطلعت اليه يبتعد وما ان اطمأنت انه اتخذ موضعه المعتاد حتى هدأت وتغلغل الأمان لنفسها وتسرب النعاس لأجفانها وقد وعت انها نسيت ان تعيد اليه كوفيته فتدثرت بها شاعرة انها تتسربل في شعور من حماية وامن ما عهدتهما يوما.
توقف حِزن امام صاحب البيت الكائنة به الغرفة المراد تأجيرها هاتفا في هوادة:
- يا حاچ كِده كَتير.. دي اوضة فوج السُطح مش عمارة!؟ هاود ف السعر شوية ..
هتف صاحب البيت في نزق:
- بقولك ايه!؟ انا أصلا مش هأجرها باقل من كده!؟ ده اللي عندي ..
تدخلت سعادة في الفصال الدائر وقد اقتربت من موضع وقوفها حيث امرها حِزن حتى يتم اتفاقه مع الرجل وهتفت تحاول استدرار عطفه:
- يعني يرضيك يا معلم ابات ف الشارع!؟ ده انت صاحب ولايا برضو و..
قاطعها صاحب البيت هاتفا في انشراح موجها حديثه لحِزن:
- مش تقول انك متجوز!؟
تطلع اليه حِزن في صدمة ثم ألقى اليها نظرة جانبية ليجد وجهها قد تخضب خجلا ليستطرد الرجل في راحة:
- يا راجل ده انا قاعد اعلي عليك ف السعر عشان مش بسكن عزاب عندي .. بس طالما متجوز .. الاوضة تحت امرك بالسعر اللي يريحك ..ها قولت ايه!؟
هتف حِزن في فرحة:
- هجول ايه غير لا اله الا الله .. على بركة الله يا حاچ ..
هتف الرجل:
- على بركة الله .. روحوا جيبوا عزالكم وقسيمة الجواز .. والاوضة تحت امركم..
هتف حِزن مضطربا:
- جسيمة چواز ايه يا حاچ..!؟ ما اني لسه جايل لك ان البيت اللي كنّا فيه وجع وضاع كل ما لينا .. يعني لا عزال ولا جسيمة ..
هتف الرجل منهيا حواره:
- من غير قسيمة جواز مفيش اوض ليكم عندي .. روحوا اتصرفوا وتعالوا .. وده اخر كلام .. سلام عليكم ..
وقف كلاهما لا يعلم ما عليه فعله يتحاشى النظر الى رفيقه حتى هتفت سعادة:
- انا هرجع لمرات ابويا يمكن يكون رجع ونفضها سيرة ..
لم يعقب بحرف لكنه سار جوارها حتى وصلت لشقة نعمات وطرقت الباب لتفتح نعمات الشراعة كما هي عادتها هاتفة في كدر:
- يوووه مش هانخلص بقى .. قلنا ابوكِ هيغيب ويقول عدولي.. مش كل يوم هتنطي تسألي عليه ..
وأغلقت الشراعة في غضب لتتحرك سعادة في خطوات متثاقلة حيث ينتظرها حِزن اعلى الدرج وقد سمع كل ما هتفت به زوج ابيها. خرجت من باب البيت وهو بعقبها يسير جوارها ولم ينبس بحرف حتى رأي دمعاتها تسيل على وجنتيها في قهر فاندفع هاتفا:
- ست سعادة .. تتچوزيني!؟
رواية صاحبة السعادة الفصل الثالث 3 - بقلم رضوي جاويش
هتفت في وجع:
للدرجة دي!؟ هتتجوزني شفقة!؟
هتف حِزن في سرعة:
لااااه.. ليه بتجولي كِده بس!؟ دِه اني اللي طالب منك تجبلي.. عارف اني مش أملة.. بس چوازك مني هيصلح حالي.. اني ف يومين من ساعة ما جابلتك والخير نازل عليا واللي كنت بكسبه ف أسبوعين بالضالين ربنا بعته ف يومين.. الچواز شكل بس عشان تبجي ف امان وليكِ باب مجفول عليكِ وضامنة جوت يومك.. اديكِ شايفة محدش من أصحاب البيوت هيرضى يسكني لحالي عشان بطولي وف نفس الوجت لو هاتسكني لحالك هتبجي مطمع.. يعلم ربنا اني عرضت عليكِ الچواز واني عارف اني مش مجامك بس عشان اصونك لحد ما ابوك بس يظهر.. وبعدها اعملي اللي يريحك..
تطلعت اليه في صمت وأخيرا هتفت في ثبات عجيب وقد ادركت ان لا حل لها الا القبول:
انا موافقة..
ابتسم مهللا في سعادة:
الله اكبر.. طب ياللاه بينا ع المأذون عشان نلحجوا صاحب البيت جبل ما يأچر الاوضة لغيرنا..
تحركا بضع خطوات قبل ان يهتف متسائلا:
مجلتليش انتِ عِندك كام سنة!؟
ابتسمت هامسة:
لسه تامة التمنتاشر من كام شهر..
ابتسم هاتفا:
طب تمام.. اني اكبر منِك بياجي سبع سنين..
توقف عند باب المسجد وأمرها في لطف:
دجيجة استني هنا اشوف سيدنا الشيخ..
دخل حِزن باحثا عن امام المسجد حتى وجده قد فرغ لتوه من صلاته جلس جواره هامسا في ادب:
حرما يا سيدنا الشيخ..
نظر اليه الرجل في مودة:
جمعا يا ابني باْذن الله..
همس حِزن:
بجولك يا عم الشيخ.. بره موجودة معايا واحدة بت حلال واني عايز اتچوزها وهي موافجة بس ملهاش ولي.. مش عارفين نعتروا ف ابوها واني خايف يكون غيبته هتطول وهي ملهاش حد ومينفعش تتساب لحالها.. تبجى مطمع.. ينفع تبجى وليها وتروح نعجد عليها!؟ ولاه لازما ابوها!؟
ابتسم الشيخ وربت على كتفه في اكبار هاتفا:
انت باين عليك ابن حلال.. وطالما غاب الولي بحيث تعذر الوصول لمكانه يبجى تختار رجل من المسلمين يكون وليها.. قوم ياللاه معايا نجوزكم..
نهض الشيخ ومعه حِزن وخرجا من المسجد وما ان طالع سعادة حتى هتف يسألها في حنو مشيرا لحِزن:
الراجل الطيب ده عايز يتجوزك يا بنتي.. انتِ موافقة!؟
هزت سعادة رأسها إيجابا وهمست في حياء:
اه يا عم الشيخ.. موافقة..
هتف الشيخ يسألها:
ابوكِ صح غايب!؟
هزت رأسها بالإيجاب من جديد:
ايوه.. اتجوز وغاب مع مراته الجديدة ومحدش عارف له طريق ولا نعرف هيظهر امتى.. ومراته القديمة طردتني من بيتها ف الشارع.. وانا مليش حد..
تطلع الشيخ اليها ولمس الخزلان في حروفها فهتف يستأذنها:
تقبلي يا بنتي أكون مطرح ابوكِ وأكون وليك..
هتف في إجلال:
طبعا يا عم الشيخ.. ده انا أتشرف..
ابتسم الشيخ هاتفا:
طب ياللاه معايا ع المأذون.. هو بعد حارتين من هنا..
سارا ورائه وكل منهما نظراته لا ترتفع عن الأرض يستشعر سعادة عجيبة تسربله لا يعلم لها سببا ولا يجد لها مبررا.. فكلاهما يعلم تماما انه زواج مؤقت وشكلي.. لكن على الرغم من ذلك كانت الفرحة التي ترتسم على قسمات وجهيهما لا يمكن إغفالها او تجاهلها..
جذب المأذون ذاك المنديل الأبيض من فوق كفيّ حِزن والشيخ صالح هاتفا في حبور:
مبارك ان شاء الله.. بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير..
هتف الشيخ صالح:
امين.. وتطلع الى سعادة التي كانت تجلس في حياء بالغ بأحد الأركان هاتفا:
مبارك يا عروسة.. ربنا يجعله الزوج النافع وسندك وأبو اولادك يا بنتي..
تلعثمت لهذا الدعاء الذي مس شغاف قلبها وما ان همت بالرد الا وانتفضت لاأراديا عندما هتف حِزن في حماسة:
اميييين..
ليتفجر كل من المأذون والشيخ صالح ضاحكين.. وتبتسم هي في خجل بدون ان تعقب بحرف..
نهض الجميع مغادرين وما ان هم الشيخ صالح بتركهما حتى هتف به حِزن:
معلش يا سيدنا الشيخ.. اني عارف اني بتجل عليك.. بس اصلك صاحب البيت مش هايرضى يأچر لنا الاوضة الا بجسبمة الچواز ودي لسه عليها شوية.. يعني لو هتعبك تاچي تجوله انها مرتي عشان يدينا الاوضة لحد ما اچيب الجسيمة..
ربت الشيخ صالح على كتف حِزن هاتفا في مرح:
حاضر يا سيدي.. وليك عندي يا عريس فطار الصباحية..
نكس حِزن رأسه حياءً وهتف في سعادة:
ربنا يبارك لنا فعمرك يا سيدنا الشيخ..
واتجهوا جميعا لصاحب البيت الذي قبل بإعطائهما الغرفة الموجودة بسطح داره.. توجها اليها يسيران جنبا الى جنب ليهتف حِزن في سعادة:
مبروك يا عروسة..
تطلعت اليه هامسة متجاهلة الرد على مباركته:
احنا على اتفاقنا.. صح!؟
اكد هاتفا:
معلوم.. اني مغيرش كلمتي ابدااا..
هزت رأسها في اطمئنان وقد وصلا للبيت صعدا الدرجات التي قادتهما للسطح ومنه للحجرة التي اخرج مفتاحها من جيب جلبابه الوحيد وعالج به القفل حتى انفرج الباب.. مد كفه باحثا عن ذر الإضاءة ضاغطا عليه حتى انارت الغرفة ليدخل اليها مبتعدا عن الباب ليسمح لها بالدخول كذلك.. توقف كل منهما يتطلع لمحتويات الغرفة في استطلاع لمعرفة ما ينقصها.. كان هناك حصيرة متهالكة يتمدد عليها مرتبة قطنية متوسطة الحال ومغطاة بغطاء صوفي بسيط وبأحد الجوانب هناك زير فخاري تحته يقبع طبق من الصاج وبالجانب الاخر يوجد طاولة خشبية تترنح قليلا عند الاستخدام موضوع عليها (وابور) وبعض الاطباق الصاج وهناك بعض المسامير المغروسة بالحائط لتعليق الملابس عليها.. اما الحمام فكان بخارج الحجرة وما بين الحمام والحجرة يوجد حوض ماء صغير الحجم بصنبور نحاسي مطفأ اللون يتدلى من فوهته قطعة صغيرة من خرطوم مطاطي..
هتف حِزن متحرجا:
معلش مش مجامك.. بس أهي حاچة تجضي الغرض لحد ما ربنا يسهل..
ابتسمت سعادة ممتنة:
تسلم يا سي حِزن.. دي تكفي وزيادة.. وبعدين ايه حكاية مش قد المقام اللي انت ماسكها دي!؟ هو انت فاكر اني بنت السلطان!؟ انا بت يتيمة عاشت مع كل ست من مرتات ابوها اكتر ما عاشت مع أمها اللي متفتكرش حتى شكلها وطبعا انت عارف وشفت بنفسك واحدة فيهم عاملتني ازاي!؟
هتف مؤكدا:
برضك دِه مش مجامك.. وربنا يرزجني واني اچيب لك الاحسن.. واني متأكد انه هيرزج.. يا وش السعد..
ابتسمت منكسة رأسها في حياء..
طال الصمت بينهما ليهتف هو مشيوا لاحد الأركان:
بصي اني هچيب حبل من حبال الغسيل اللي بره وهشده بعرض الاوضة واحط عليه ملاية من الملايات وانجل لك فيه المرتبة ودي تبجى اوضتك الخصوصي..
هتفت تسأله:
وانت!؟
تطلع اليها مؤكدا:
اني هاخد الحصيرة دي واجعد ف الركن التاني دِه.. واهو سجف مدارينا بدل ما كنّا نايمين فالطل بين فيران الخرابة وجرفها..
همست مؤكدة:
صدقت..
شمر ذراعيّ جلبابه هاتفا في همة:
استعنا ع الشجا بالله..
حذت حذوه وطفقا ينظفان الحجرة ويعدلا منها كما اتفقا..
ملأت دلو من الصفيح بالماء بغية مسح الغرفة للتخلص من الحشرات التي قد تزحف عليهما نياماوما ان همت بحمله حتى شاهدها فاندفع نحوها هاتفا في عتب:
لاااه.. ليه تشيلي تجيل واني موچود!؟
حمل الدلو ووضعه خارج الغرفة متسائلا:
هااا.. عايزاني اساعد ف ايه!؟
هتفت في خجل:
يعني ولو كان ممكن تشيل المرتبة تخرجها بره عشان اعرف امسح الاوضة..
هتف في حماس:
يا سلام.. دي حاچة بسيطة..
واندفع يجمع اطراف المرتبة التي يتكوم القطن في بعض أجزائها ويخاصم الأخرى مندفعا بها خارج الغرفة ملقيا بها على سُوَر السطح.. ساعدته في جمع الحصير وإخراج الطاولة والزير وبدأت في سكب المياه وانحنت توزعها باستخدام قطعة من الخيش بكل الأركان مما دفعه ليحيد بناظريه عنها متطلعا لخارج الغرفة حتى استقامت معتدلة تمسح بعض من قطرات العرق التي تجمعت على جبينها..
عاودت الكرة تحاول تجفيف الأرض المبتلة الملساء فإذا بقدمها تنزلق لتسقط ارضا مما دفعه ليعيد النظر الى الغرفة بعد سماع هذا الصوت..
شهق مندفعا لها هامسا وهو ينحني قبالتها محاولا الا يصل الماء الى اطراف جلبابه الذي لا يملك غيره بعد ان ضاع كل ما يملك تحت ركام البيت المنهار الذي كان يسكنه سابقا:
انتِ بخير يا ست سعادة!؟
تأوهت في وجع هامسة:
الحمد لله بس واضح ان الواقعة جامدة..
هتف في حذّر وهو يمد كفه لها:
طب هاتي يدك وجومي كفاياكِ كِده اني هكمل عنك..
مدت كفها بالفعل وما ان هم بجذبها لتنهض حتى انزلقت قدمها من جديد ليسقطا معا هذه المرة.. كان سقوطهما مدويا وخاصة ان حِزن قد اسقط الدلو في طريقه مفترشا الأرض مما جعل المياه تغرقهما معا..
لحظات من الصمت لم يقطعها أيهما وأخيرا هتف حِزن وهو يتطلع اليها ممددة جواره وقد علت قسمات وجهها الصدمة:
چيبتك يا عبدالمعين تعيني..
همست هي تكمل المثل:
لقيتك يا عبدالمعين تتعان..
تطلعا مرة أخرى لبعضهما ثم انفجرا ضاحكين لينهض حِزن في حرص شَديد مادا يده لتعطي له كفها في أريحية لينام بحضن كفه.. جذبها لتنهض مندفعة تحاول التعلق بشئ ما حتى تتحاشى الانزلاق من جديد فلم تجد الا صدر جلبابه فتشبثت به في امان..
تطلع هو اليها وهي اليه قريبة بهذا الشكل الحميمي الذي غاب معه واقعه ظنا انه يحلم حلما ورديا لا يريد ان يستفيق منه..
رفعت ناظريها اليه فتنبهت لنظراته وكفيها المعلقتين بصدره كأنما تستجديه البقاء قربها مما اثار ارتباكها وحاولت ان تتحرك مبتعدة لكنه كان احرص منها فلم يترك كفها مبتعدا حتى اطمأن انها بأمان من السقوط..
خرجت من الغرفة لينحني هو مكملا ما بدأته وما هي الا بضع دقائق حتى هتف وهو يخرج من الغرفة متطلعا اليها وهي تجلس على تلك المسطبة الموضوعة بشكل ملاصق للغرفة تجعلك كاشفا للسطح الواسع كله وهمس في مودة:
الاوضة بجت تمام.. أي خدمة تانية يا وش السعد!؟
تطلعت اليه مبتسمة وهمست شاكرة:
لااا.. تسلم ايدك.. شوية تنشف الارض وندخل المرتبة والحصيرة وننام بقى..
هتف بأريحية:
هنام بهدومنا دي!؟
تطلعت اليه متعجبة:
قصدك ايه!؟
هتف مبتسما عندما لاحظ تغير ملامحها:
جصدي انها مبلولة.. والدنيا برد.. تعيي بالهدوم المبلولة دي..
همست:
طب هنعمل ايه!؟ هو احنا حيلتنا غيرها..
هتف مشيرا للغرفة:
زمان الاوضة نشفت هفرش شوية چرايد ع الأرض واحط لك المرتبة واني علجت الحبل وفاضل الملاية وخشي غيري هدومك وألبسي العباية اللي چبتيها من مرت ابوكِ.. وأغسلي لبسك دِه وانشريه..
هتفت:
طب وانت!؟
ابتسم في وداعة:
اني متعود على كِده متجلجيش.. ياما نمت ف الطل فعز البرد والدنيا بتشتي.. متشيليش هم..
واندفع ينفذ ما اتفقا عليه..
تمتم في سعادة شاكرا وهو يحمل الصينية عن الفتى ويدخل بها مغلقا الباب في حذّر حتى لا يوقظ سعادة التي كان يعتقد انها لاتزل غافية.. تنحنحت وجمعت شعرها تحت غطاء رأسها وأزاحت الستار بينهما هامسة في هدوء وبابتسامة خجلى:
صباح الخير..
همس متطلعا لوجهها الصبوح:
يا صباح السعادة.. اكيد چعانة.. مش بجولك الرزج واسع من ساعة ما وعيت لك.. اهااا فطار چايلنا لحد عندينا.. همي..
همي..
نهضت متوجهة لموضع جلوسه وجلست قبالته بينهما صينية الطعام وما ان همت بمد كفها لأحد الأرغفة حتى كان هو الأسبق يمد كفه اليها بلقيمة صغيرة بها بعض الغموس رافعا إياها لفمها متطلعا اليها في حنو ولم يهمس بحرف لكن عيناه كان تخبرها الكثير.. ترددت في قبول كفه الممدودة لكنها وجدت نفسها بلا إرادة منها تقترب في وجل تلتقم كسرة الخبر من بين أصابعه ليبتسم في حبور ابتسامة واسعة كأنما حاز الدنيا وما فيها..
بدأ حِزن في إلتهام الطعام بشهية شديدة وهي تتطلع الى ذاك الرجل الغريب عنها الذي يعاملها باحسن ما كانت بين جدران بيت ابيها.. وتاهت في تفرس قسمات وجهه الأسمر الخشن الا من عينيه التي تحمل بريقا صادقا من مودة وحنو لا يمكن إغفالهما.. ارتفعت نظراته اليها يحثها على تناول الطعام فإذا به يمسك بها متلبسة في تفرسه مما جعلها تنحى بناظريها عنه في خجل بينما ابتسم هو في سرور غامر أورثه شعورا طاغيا لم يتملكه من قبل..
نهض نافضا كفيه وهتف:
اني نازل مش عايزة حاچة!؟
هزت رأسها نافية وهمست:
عايزة سلامتك..
انتفخت أوداجه في فخر وانحنى يضع كل ما بجيبه تقريبا على الصينية امامها وكذا مفتاح الغرفة وهمس في مرح:
دِه كل اللي ف چيبي.. خليه معاكِ.. من هنا ورايح انتِ ست البيت.. اجصد ست الاوضة..
قهقهت ونهضت خلفه تودعه للباب الذي فتحه وغادر في انتشاء مترنما بموال قديم عن العشق والعاشقين تناهى لمسامعها وهو يهبط الدرج وصوت قهقهاتها يصاحبه في مسيره..
رواية صاحبة السعادة الفصل الرابع 4 - بقلم رضوي جاويش
تطلعت إلى القروش القليلة التي كانت ملقاة على الصينية النحاسية وانحنت لتجمعها واخذت تعدها في فرحة. فهي المرة الأولى التي تحتضن كفها هذا العدد من القروش وتشعر أنه ملكها.
قفزت إلى ذهنها فكرة فقررت على الفور تنفيذها. فخرجت من الحجرة تتأكد أن عباءتها قد جفت، فانتزعتها من على الحبل ودخلت تبدلها وخرجت مغلقة الباب خلفها.
غابت بعض الوقت تبحث عن ضالتها المنشودة حتى وجدتها أخيراً. فقررت العودة أدراجها قبل أن يعود حِزن للغرفة فلا يجدها.
دخلت الحارة وما أن وصلت لمنتصفها تقريباً حتى ظهر أمامها ذاك الرجل الذي يشبه جبلاً انشقت عنه الأرض ببنيته الضخمة وشعره الأشعث وشاربه الكث الذي تغيب تحته شفته العلوية وحاجبيه الكثيفين، ونظراته الغير مريحة بالمرة والتي كانت تتفرسها في وقاحة منقطعة النظير.
حاولت تجاهله والمرور بجواره كأنها لم تره، إلا أنه اعترض طريقها من جديد هاتفا بصوت جهوري لبعض من تابعيه ومن على شاكلته من رواد المقهى الذي كان يديره:
"مين الوارد الجديد دي؟ مشفتش قبل كده الجمال ده في الحتة؟"
هتف أحد تابعيه:
"دي مرات واد صعيدي اسمه حِزن."
قهقه الرجل بقوة أجفلها ساخراً:
"يا حِزن الحِزن، بقى دي تبقى مرات الحِزن؟ أمال مرات الفرفشة والانبساط تبقى إيه؟"
قهقه تابعيه مجاملة. لترتجف سعادة لا تدري ما عليها فعله. وكل ما جال بخاطرها هو الجري هرباً من أمام ذاك الضخم حتى تصل لعتبة البيت الذي تقطنه، لكنها عدلت عن الفكرة فقد يتبعها ورجاله.
وقفت في اضطراب تحاول المرور مبتعدة عن طريقه، لكنه لم يتح لها فرصة لذلك. تضرعت داخلياً أن ينقذها أحدهم، لكن أبداً لم يتحرك أحد لنجدتها. فقررت الدفاع عن نفسها أمام بطش ذاك البلطجي وليكن ما يكون. وهتفت في سخط:
"أوعى من طريقي خليني أروح أشوف حالي."
هتف البلطجي في مجون:
"طب مينفعش أبقى أنا حالك يا جميل."
دفعت به مبعدة إياه عنها عندما مال نحوها في جرأة وهتفت من جديد بلهجة أشد سخطاً:
"بقولك ابعد عن طريقي أحسن لك."
هتف بلهجة سمجة:
"هتعملي إيه يا قمر قولي؟"
همت بدفعه من جديد والانحناء لتناول حذائها كسلاح في مواجهته، إلا أن صوته كان النجدة التي انتظرتها من الله وهو يهتف في غضب:
"هي مش هاتعمل حاجة، بس جوزها اللي هايعمل."
وصل لموضعها في لحظة ليجعل من جسده حائطاً فاصلاً بينها وبين ذاك البلطجي، مستطرداً في حمية إمراً إياها:
"اطلعي على فوق واقْفِلي عليكِ الباب ومتنزليش مهما حصل، سمعاني؟"
أومأت في طاعة واندفعت تدخل باب البيت وأغلقت خلفها. مدعية صعودها لغرفتهما، لكن قلبها لم يطاوعها فظلت تختلس النظرات إلى موضع وقوفه بجسده الذي على الرغم من قوته، إلا أنه لا يعادل نصف جسد ذاك الرجل الذي يشبه المقطورة.
دفع عزوز البلطجي بحِزن في قوة هاتفا في غضب:
"بقى أنت بتتحداني؟ طب أنا هوريك مقامك."
وجذب زجاجة من زجاجات المياه الغازية من على إحدى طاولات القهوة وضربها بقوة بالجدار القريب منه محتفظاً بنصفها المكسور بيده. واندفع كالثور الهائج في اتجاه حِزن الذي لحسن الحظ أبصر إحدى العصي بيد شخص قريب منه، فانتزعها في سرعة. وفي اللحظة المناسبة أشاح بها لتطيح بالزجاجة. وبحركة ماهرة نزل بها على عزوز لتشج رأسه، لينفجر الدم من موضع الإصابة فيترنح في عدم اتزان وخر على ركبتيه متطلعاً إلى حِزن في غل واضح.
قذف حزن بالعصا من يده وهم بالابتعاد لداخل البيت الذي يقطنه، إلا أن ذاك الضخم نهض فجأة منقضاً عليه في ثورة يحمل مطواة قابضاً عليها بكفه وملوحاً بها في رعونة.
حاول حِزن تفادي ضربات المطواة التي كان يلوح بها ذاك الأحمق في عشوائية، لكنها أصابته في كتفه ممزقة جزءاً من جلبابه ومصيبة الكتف بجرح نافذ جعل حِزن يترنح واضعاً كفه بكاملها مبسوطة على موضع النزف الذي بدأ يتسرب مغرقاً أصابعه.
سقط ذاك البلطجي كذلك بين يدي أتباعه، والذين حملوه لتطييب جراحه. بينما سقط حِزن مضرجا في دمائه بين يديّ سعادة التي صرخت مدفوعة إليه من خلف باب البيت. لتتلقفه بأحضانها صارخة باسمه.
***
جال بناظريه في تيه يحاول أن يتذكر أين يكون. حتى وقع ناظريه عليها وهي تنكفئ بجبينها على ذراعيها المتشابكين فوق ركبتيها المضمومة لصدرها بالقرب من المرتبة التي من المفترض أنها موضع نومها.
حاول النهوض لكنه توجع رغماً عنه. فانتفضت متطلعة إليه هاتفة في لهفة:
"سي حِزن، أنت كويس؟"
استند متحاملاً على ذراعه الأخرى بعيداً عن موضع الإصابة بالقرب من كتفه الأيسر. وما أن اعتدل قليلاً حتى هتفت سعادة:
"حمد الله ع السلامة، خضتني عليك."
وما أن همت بالنهوض لتحضر له بعض الطعام ليستعيد ما فقده من قوة بعد نزيف جرحه، حتى جذبها من كفها لتسقط على صدره تشهق في صدمة.
تطلع إليها في غضب:
"إيه اللي نزلك الحارة من غير أذني؟ أنا مش جايلك جبل ما أنزل عايزة حاجة قلتي لا آه؟"
تطلعت لعينيه بنظرات دامعة مما أورثه شعوراً بالذنب لمعاملتها بمثل هذه الخشونة التي لم تعتدها منه. لكنه ظل متحجر الملامح وهي تهمس بصوت متحشرج تأثراً:
"معدتش تتكرر، أنا مكنش قصدي أنزل من غير إذنك، ولا كان في بالي أنزل من أساسه، بس..."
تطلع إليها متسائلاً وقد لانت قسماته بعض الشيء:
"بس إيه؟ إيه المهم جوي ده اللي يخليكي تنزلي وتسمعي كلمتين بايخين من اللي يسوى واللي ما يسواشي؟"
همست من جديد وهي لا تقوى على رفع نظراتها لتقابل ناظريه:
"أصل لقيتك سايب لي فلوس فقلت يعني..."
قاطعها هاتفا:
"اشتريتي حاجات لنفسك يعني؟ طب وماله، بس كنتي قلتي."
نكست رأسها ولم تعقب. ليهمس مطيباً خاطرها وهو يمد كفه ليرفع ذقنها ليتطلع لناظريها الدامعتين:
"خلاص سماح المرة دي."
نهضت من وضعها تحضر له الطعام ليتناول ما بقي من طعام الإفطار ويحاول النهوض لينام على حصيرته. إلا أنها أبت أن ينهض تاركة له المرتبة لهذه الليلة ليتمدد عليها ويذهب للنوم سريعاً من شدة الإرهاق.
***
حاول أن يتمدد بطول المرتبة وأن يتقلب عليها بأريحية، إلا أنه شعر بوجع موضع جرحه تحت كتفه الأيسر والأعلى من موضع القلب بعدة سنتيمترات. جعلت النجاة من طعنة عزوز البلطجي منة وفضل من الله.
تحرك في حرص، لكن قدمه ضربت شيئاً ما. فتطلع إليه يحاول أن يستوضحه عبر بصيص الضوء النافذ من خصاص النافذة الوحيدة بالغرفة والأقرب إلى مكانه اللحظة.
استجمع قوته ومد كفه متناولاً تلك اللفافة متذكراً أنه قد أعطاها لها عندما أمرها بالصعود للغرفة قبل بدء المعركة مع عزوز. ضم اللفافة البنية اللون لصدره وشعر بالذنب لأنه قسى عليها البارحة.
حاول أن يتمدد من جديد في انتظارها حتى تستيقظ، إلا أنه سمعها تهمس من خلف الستار القائم بينهما:
"أنت صحيت يا سي حِزن؟"
همس بدوره مضطرباً لسماع نبرات صوتها الشجي:
"آه، صحيت من دقيقتين."
همست:
"طب هقوم أعمل لك لقمة تاكلها."
هتف يستدعيها:
"لأ تعالي عايزك في الأول."
نهضت من موضعها على الحصير الممدود بالقرب من الساتر الذي أزاحته قليلاً، فرأته يحتضن تلك اللفافة. فنكست رأسها. ليهتف هو بنبرة تحمل بعضاً من اعتذار وندم وهو يمد كفه باللفافة:
"مدي يدك خدي دي ليكِ."
همست متعجبة:
"بس دي تخصك يا سي حِزن؟"
هتف متعجباً:
"تخصني كيف؟ مش هي دي اللفة اللي عطتهالك ساعة العركة؟"
هزت رأسها نفياً. أشارت حيث كان هناك لفافة أخرى بنفس اللون تقبع على الطاولة.
زم حِزن ما بين حاجبيه مندهشاً ونفض اللفافة الورقية بذراعه السليمة، ليمتد نسيج جميل من لون رمادي. فرده أمام ناظريه ليكتشف أنه جلباب جديد لأجله.
رفع رأسه متطلعاً إليها في محبة وهتف ممتناً:
"دي عشاني؟"
هزت رأسها مؤكدة دون أن تفوه بحرف. ليستطرد متسائلاً:
"دي اللي نزلتي لجل ما تشتريها بالفلوس اللي سبتهالك؟"
هزت رأسها إيجاباً من جديد وهمست في تلعثم:
"أصل أنت محلتكش إلا الجلابية اللي أنت لابسها وكان لازم يبقى معاك حتى واحدة تانية. قلت أجيبها اهو تقلع القديمة تتغسل وتلبس الجديدة وتبدل فيهم."
ازداد تمعنه في محياها الخجل وما عاد قادرًا على النطق بحرف. لقد فكرت به وفضلت أن تشتري له ما ينقصه على ادخار المال من أجل الطعام.
همس بصوت متحشرج:
"طب ما تشوفي اللفة التانية فيها إيه؟"
تحركت باتجاهها وفكتها في وجل متطلعة لذاك الثوب في انبهار وهتفت في فرحة:
"ده ليا يا سي حِزن؟"
هتف مازحاً:
"أومال ليا؟ أنا لسه مجربتش ألبس جلابيات فيها ورد ودانتيل."
تطلعت إليه وعلى وجهها سعادة لا يمكن وصفها، فقد تذكرها كما تذكرته. أحضر لها ثوباً جديداً رغم أنه كان يمكنها الاكتفاء بما لديها نظراً لضيق الحال. لكنه لم يبخل وهو أكثر الناس حاجة. لم تستطع أن تعبر عما بداخلها وهو لم ينتظر كلمة شكر واحدة، بل هتف يستحثها:
"روحي جربي وفُرجيني، يا رب أكون عرفت أجيب المقاس الصح."
مدت كفها في حرج وسحبت الستار القائم بينهما، ليهتف في مشاكسة:
"هو لازم يعني؟"
قهقه عندما نظرت إليه عاتبة وهتف مؤكداً:
"كنت بضحك معاكِ، تحبي أقوم أبني لك حيط مسلح عشان ترتاحي؟"
أكملت جذب الستار بينهما هاتفة في لهجة مازحة بدورها:
"بعد ما تقوم بالسلامة إن شاء الله."
مرت بضع دقائق قبل أن تهتف في خجل:
"أنا خلصت."
أزاح هو الستار متطلعاً إليها في انبهار وهمست وهي تقف في حياء:
"هااا، حلو."
هتف وهو يملي عينيه من جمال قسماتها المليحة هاتفا:
"حلو بس، ده ياخد العقل، ده أحلى عشان أنتِ اللي لبساه."
همست في اضطراب:
"ربنا يجبر بخاطرك يا سي حِزن."
واندفعت تحاول الهرب من حصار نظراته مستطردة:
"أما أروح أحضر لك لقمة ترم عضمك بيها."
أشعلت (وابور الجاز) بعد بعض الجهد لتضيء عينه معتمدة على قليل من الكيروسين الذي كان بخزانه. دقائق وكان الحساء مصبوباً بأحد الصحون الثلاثة الموجودة على الطاولة، وتقدمت تضعه أمامه مع بعض الخبز الناشف المسمي (قرقوش).
تطلع حِزن للحساء الذي كان به بعض اللحم وإلى الخبز كذلك، ومن ثم رفع ناظريه متطلعاً إليها في حنق هاتفا:
"أنتِ نزلتي الحارة لوحدك تاني؟ وجبتي منين فلوس الأكل ده؟"
هتفت في عجالة في محاولة لتجنب غضبته:
"لا منزلتش والله، ولا جبت الأكل، ده الشيخ صالح الله يستره لما عرف اللي جرى جاب الحاجات دي بنفسه ودخل طل عليك. ولما رفضت أخدهم قالي أنتِ وافقتي أكون مطرح أبوكِ في كتابة عقد جوازك، يعني متقوليش لا لما أدخل عليكي أنتِ باللي يلزمك وجوزك راقد تعبان. لكن والله ما عتبت بره الباب ده من ساعة ما شالوك على هنا وأنا جنبك ومتحركتش."
هدأت نيران غضبه ومد كفه للملعقة يتناول الحساء ملتهماً قطعة اللحم. لتمد هي كفها تكسر الخبز اليابس بالحساء حتى يتناوله متشرباً بالمرق.
همس دون أن يرفع ناظريه إليها وهو لا يزال يتناول طعامه:
"كلتي؟"
همست بدورها:
"لا، بس كل أنت الأول وبعدين أنا."
قاطعها رافعاً شريحة من اللحم بكفه أمام فمها وابتسم يهز رأسه أمراً لتتناولها. فتحت فمها وألتقمتها وعينيها معلقة بنظراته الحانية التي أسرتها كلياً. ظل يتناول بعض الحساء ويرفع لها كفه ببعض اللحم حتى انتهيا، ولا تزال النظرات على تعلقها المحموم بنظيراتها.
همس مشيراً لجيب جلبابه الكائن على الجانب المصاب من جسده والذي كان بعيد المنال عن يده السليمة:
"حطي يدك في جيبي وطلعي اللي فيه."
تقابلت نظراتهما من جديد ليخرسها ذاك البريق العجيب بعمق عينيه. اتحدت الأرواح للحظة وتآلفت بعد التعارف. وقد أيقن كلاهما أن قلبه أصبح ملكاً لصاحبه. وأن الوصل محتم ونهاية رحلة التيه والبعاد قد حانت.
همس باسمها في صوت مهتز النبرات يشي بكل ما يعتمل بدواخله من مشاعر:
"سعادة..."
انتفضت عندما همس باسمها وكأنما كانت تنتمي لعالم آخر. وتطلعت حولها في اضطراب تحاول أن لا تتعلق نظراته بعينيه من جديد فتقع بأسَر آخر لن يكون لها القدرة على الفكاك منه. وأخيراً نهضت مبتعدة تحتمي بحصيرتها. ليسود الصمت للحظات وينهض هو في تثاقل مستنداً على جدران الغرفة حتى الباب الذي فتحه وخرج لبراح السطح الذي أصبح أكثر اتساعاً من براح روحه يحاول استنشاق الهواء البارد لعله يطفئ بعض من نار الجوى المستعرة بين جنباته.
رواية صاحبة السعادة الفصل الخامس 5 - بقلم رضوي جاويش
بعد آخر تقارب بينهما أصبح الدنو منها مهلكًا، وأصبح التعامل معه حذرًا. كلاهما كان يتعامل مع الآخر من وراء ستار يحجب عن الآخر مشاعره الحقيقية. هي تستشعر أن من الواجب والمفروض أن تنتظر أباها حتى يعود لتكون لها حياة خاصة بعلمه ومباركته. وهو ينأى عنها لأنه أعطاها وعدًا بأن يظل الزواج شكليًا لحمايتها وصونها حتى عودة أبيها، وهو لن يسمح لمشاعره بأن تجعله يخسر رجولته بكسر وعده لها مهما حدث، ومهما كان القرب منها مضنيًا والبعد أكثر وجعًا من انتزاع الروح.
طرق على الباب المتهالك عدة مرات حتى ظهرت نعمات من خلف الطاقة التي كانت تضع مكان بعض أسياخها المفقودة قطعة كرتونية. تطلعت إليه للحظة ثم هتفت في نبرة حانقة:
- نعم!؟
هم بالحديث إلا أنها هتفت من جديد هذه المرة بإدراك لكيّنته:
- مش أنت اللي جيت قبل كده مع البت سعادة!؟
غض الطرف متحدثًا:
- آه يا ست نعمات.. أنا.. هو..
قاطعته متسائلة في فضول:
- أمال هي فين!؟ مجتش معاك ليه!؟
ابتسم ساخرًا، فقد تعجب من سؤالها وهي التي طردت سعادة بآخر مرة كانت معه هنا تسأل عن أبيها، وهتف في عجالة:
- هتيجي معايا المرة الجاية، بس هو الحاج سعيد رجع!؟
أطلقت نعمات ضحكة ماجنة مجلجلة جعلته يجفل في حرج وهتفت متشدقة بكلماتها في سخرية:
- سعيد بقى حاج!؟ وده من إمتى!؟ ع العموم هو لا جه ولا ورانا وشه من ساعة جوازة الشوم.. بس أنت بتسأل عليه ليه!؟
مد حِزن كفه بورقة مطوية تسلمتها هي من خلال الطاقة المشرعة هاتفا:
- ده عنوان سعادة.. لما يرجع بالسلامة، قوليلها إنها ساكنة في البيت ده.
هتفت نعمات متطلعة للورقة في حيرة وأخيرًا هتفت في لامبالاة:
- طيب يا خويا.. بس هو يظهر ويبان وهبلغُه.
هتف حِزن بالتحية في عجالة ورحل مبتعدًا، تاركًا إياها تتفرس بالورقة في تمعن، ثم أغلقت الطاقة ودفعت بالورقة بأحد أدراج الطاولة المتهالكة والوحيدة بالشقة.
***
سار باتجاه البيت لا يعلم إن كان ما قام به صحيحًا أم لا، فهو كل غرضه أن يستأذن من أبيها في الزواج بها. قلبه يستشعر أن هذا هو سبب تمنعها الوحيد، وهو يريد أن يلتزم بوعده معها ويفعل ما يريحها.
مر بالخرابة التي جمعتهما يومًا فابتسم عندما تذكر كيف خرجت له من بين الركام والفوضى كجنية أرعبته يومها، ولم يكن يعلم أنها سرقت قلبه في غيبوبته التي سقط بها عندما طالعه محياها المرعب المسربل بالسواد لحظتها.
تحسس حافظة نقوده وابتسم، فما كان يتوقع أن يحصل يومًا على مبلغ كهذا الذي يحمله بداخلها. كان يعلم أن وجودها بحياته سبب كل السرور ومصدر كل السعادة التي يتمنى اكتمالها عندما يضمها بين ذراعيه زوجة طائعة.
وصل لباب حجرته وطرقها بأدب لتفتح هي الباب وقد ارتدت ردائها الجديد، هديته إليها. تطلع إليها وقد خطفت ناظريه، تتبعها أينما حلت بأركان الغرفة التي كان يعمل بها في جهد لتحضر له وجبة الغذاء.
جلس على حصيرته لتحمل له الأطباق لتضعها أمامه، إلا أنه شعر بالاختناق داخل الغرفة، فنهض مسرعًا آمرًا إياها:
- هاتي الأكل بره.. الأوضة خانجة وريحتها كلها طبيخ.
حملت خلفه الأطباق طائعة وهمست وهي تضعها أمامه أرضًا:
- حاضر.. أنا هفتح الشباك مع الباب وأهويها قبل ما تدخلي تنامي.
هتف في حنق:
- ومين قال إن هنام جوه!؟ أنا هسحب الحصيرة وأنام هنا في الطل.
هتفت تعارضه:
- لكن الدنيا هتبقى برد عليك.
هتف وهو يمد كفه يتناول طعامه مجيبًا دون أن يرفع عينيه إليها:
- لااااه.. أنا هرتاح كده.. اجفلي عليكِ بابك وسيبيني براحتي.
رفع ناظريه أخيرًا ليجد عيونها تحمل دمعًا محبوسًا بمآقيها وهمست في حيرة:
- هو أنا زعلتك في حاجة يا سي حِزن!؟
هتف مؤكدًا:
- لااااه.. ليه بتجولي كده!؟
همست منكسة الرأس:
- أصل بقالك كام يوم وانت مش زي عوايدك.
هتف معللاً:
- يمكن تعب الشغل.. أصل ربنا فاتحها عليا الحمد لله.. والبركة فيكِ.
هتفت متضرعة:
- ربنا يوسع رزقك.. ويكفيك شر طريقك.
هتف في راحة وقد زال كل هم بصدره إلا الرغبة في وصالها والتي تنغص عليه عيشه:
- اللهم آمين.
أنهى طعامه لتضع بين كفيه كوبًا من الشاي الساخن، ارتشف منه رشفة في استمتاع. واستأذنت متثائبة:
- أنا رايحة أنام يا سي حِزن.. عايز حاجة!؟
هم بأن ينطقها:
- أيوه.. عايزكِ..
لكنه أحجم وهز رأسه نفيًا وهو يعلم علم اليقين أنها تحاول أن تحتجب بالغرفة والوقت لا يزال مبكرًا جدًا على النوم الذي ادعت الرغبة فيه. لكنه استشعر أن ذاك أفضل للجميع.
أمسك بالكوب وسار بخطوات وئيدة يتطلع من فوق سطح البيت على الحارة، وخاصة ذاك المقهى الذي يديره عزوز، الذي كان يجلس بإحدى الطاولات بركن بعيد يتابع كل ما يحدث بمقهى.
لقد اعتبره أهل الحارة واحدًا من الأبطال لشجاره مع عزوز وهزيمته بضربة العصا التي يضع حول موضع إصابتها عصابة حتى الآن. ويعتبرون أن جرحه الذي اندمل والحمد لله إصابة حرب جاءت غدرًا من يد عزوز الخسيس.
لقد كان الجميع من أبناء الحارة يستقبله استقبال الفاتحين ما أن يمر عليهم إلا عزوز ورجاله الذين يستشعر من نظراتهم اضمارًا للشر. فهو على يقين أن عزوز لن يترك ما حدث بينهما يمر مرور الكرام دون أن يرد له الصاع صاعين ليستعيد مكانته وهيبته المفقودة بالحارة.
أنهى كوبه وسار نحو الحصيرة التي انتزعها من الداخل مسرعًا ووضعها جانبًا وتمدد عليها يحاول أن يمسك بخيوط النعاس الذي يجافيه. لكنه انتفض ما أن تناهى لمسامعه صرخة مكتومة قادمة من داخل الغرفة جعلته يطرق بابها بلهفة. وعندما ساد الصمت ولم يتلق ردًا دفع بالباب ودخل متوجهًا رأسًا إلى المرتبة التي كانت تجلس عليها متكومة تضم ركبتيها لصدرها وتبكي في ذعر واضح. جلس على طرف المرتبة هاتفا بقلق عليها:
- إيه في!؟ إيه اللي حصل!؟
ساد الصمت إلا من صوت نحيبها، وأخيرًا همست آسفة:
- معلش.. أنا خضيتك.. بس أصله كان حلم صعب.
نهض بسرعة وتناول القلة الفخارية وعاد بها ليجلس من جديد، مقدمها إليها هامسًا بتفهم:
- ولا يهمك.. خدي اشربي.. ده يمكن عشان أكلتي ونمتي طوالي.
ارتشفت بضع رشفات من الماء ليعيد القلة الفخارية لموضعها هاتفا بنبرة مطمئنة وهو يهم بالخروج من الغرفة حيث حصيره الممدود على السطح بعيدًا عن الغرفة:
- سمي الله ونامي واني جارك ع السطح لو عاوزة أي حاجة.. ناديني.
همست تناديه قبل أن تخط قدمه أعتاب الغرفة:
- حِزن..
كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه مجردًا. توقف متسمرًا ونظر تجاهها ليجدها تفرك كفيها اضطرابًا وهمست:
- ينفع يعني.. تنام هنا في الأوضة.. مش بحس بالأمان وانت بعيد.
هتف مازحًا يحاول السيطرة على تلك الرجفة التي أصابت قلبه لمطلبها بذاك الصوت الناعس:
- ده انتِ هتبقي في الأمان أكتر وأني بره.
وهم بالخروج لتناديه من جديد:
- حِزن..
هتف واضعًا كفيه على هامته:
- يا حِزنك يا حزن..
وتطلع إليها هامسًا:
- يا بت الناس نامي وسيبيني ف حالي الله يكرمك.
نهضت من موضعها متجهة إلى الخارج مرورًا به مما أشعل نيران صدره التي لم تهدأ جزوتها من أساسه. وهتفت وهي تقف بوسط السطح:
- أنا مش جايلي نوم.
هتف هو معاندًا:
- أما أني بقى هنام.
وتمدد على حصيرته هاتفا في حنق:
- تصبحي على خير.
تركته يفعل ما يحلو له وجلست بأحد أركان السطح تتطلع إلى الذاهب والأيب. وأخيرًا شعرت بالملل فقررت التوجه لغرفتها لعلها تجد النعاس الذي ولى هاربًا من بين جفونها جراء ذاك الكابوس الذي رأت فيه أباها كفه مدرجة بالدماء التي كان يرغب في أن يلطخ بها ثوبها الجديد الذي جلبه لها حِزن وهي تفر مبتعدة حتى لا تطالها يده.
كانت تلك الصورة هي المسيطرة على تفكيرها في تلك اللحظة، فلم تبصر تلك القطع الممزقة من الحصير التي اشتبكت بقدمها لتتعثر رغما عنها لتطلق الصرخة الثانية لهذه الليلة وهي تسقط لينتفض هو موضعه مذعورًا متلقيًا إياها بين ذراعيه.
ساد الصمت وظل الوضع على ما هو عليه للحظات حتى رفعت نظراتها متطلعة إليه بنظرات تحمل كم من الأسف لا بأس به وكم من المحبة لا يستهان به كذلك. مد كفيه مطوقًا خصرها حتى لا تنهض هاربة وهمس بصوت آخ:
- أني رايدك يا سعادة.. وهموت من شوقي.. قوليها.. أني ريداك يا حِزن وفكي الوعد اللي مطوق رقبتي.. قوليها يا سعادة.
همست متعلثمة غير قادرة على الإفصاح عما بداخلها فالحروف لا تطاوعها جراء ذاك الصخب الدائر بداخلها:
- أنا.. أيوه.. أنا كمان ريداك.
اعتصرها شوقًا بين ذراعيه ونهض من موضعه جاذبًا إياها في اتجاه الغرفة إلا أنه توقف لحظة وتركها على أعتابها هاتفا بلهفة:
- بصي.. شوية وراجع.
هتفت متعجبة:
- على فين!؟
أكد وهو يندفع هابطًا الدرج:
- هتعرفي لما أرجع.
تطلعت إليه في دهشة. واتسعت ابتسامتها وهي تدخل الغرفة تضم جسدها بذراعيها في سعادة فقد كانت منذ لحظات بين ذراعيه وبعض قليل يعود ليدثرها بحنان قلبه ويغمرها بحبه وتصبح أحضانه موطنها الدافئ للأبد.
***
جال سعيد بنظراته مستوضحًا ذاك العنوان الذي يطالعه بالورقة التي يحمل. شاهده عزوز من على البعد وهو يقف حائرًا فتقدم نحوه متسائلاً:
- أي خدمة يا حضرت!؟
هتف سعيد:
- أنا بدور على عنوان بنتي.. قالوا لي ساكنة هنا في البيت ده.
تطلع عزوز للورقة مؤكدًا:
- آه مظبوط.. بتك اسمها إيه!؟
هتف سعيد:
- اسمها سعادة.
انتفض عزوز صارخًا:
- مرات الواد الصعيدي اللي اسمه حِزن!؟
هتف سعيد في حنق:
- مراته!؟ ده حصل إزاي وامتى!؟
هتف عزوز في فرحة غامرة:
- هو كمان متجوزها من غير علمك!؟ أنا قلت من ساعة ما شوفته إنه ولد مش تمام.
اندفع سعيد لداخل البيت تاركًا عزوز وصعد الدرجات مسرعًا حتى وصل للسطح وهتف باسمها في غضب:
- بت يا سعادة.
انتفضت سعادة من داخل الحجرة مندفعة للخارج عندما تناهى لمسامعها صوت أبيها. تطلعت إليه بشوق واندفعت تطوقه بذراعيها إلا أنه دفع بها بعيدًا بعنف كاد أن يسقطها أرضًا لولا محاولتها التوازن لتقف متعجبة من رد فعله العجيب وهو يهتف:
- اتجوزتي!؟ اتجوزتي ومن غير شورتي ومن واحد جربوع مش لاقي لقمته!؟
همت سعادة بالنطق لتوضيح الصورة له إلا أنه لم يمهلها هاتفا في غضب هادر وهو يمسك برسغها جاذبًا إياها خلفه كالذبيحة:
- ياللاه بينا.. ده مش مكانك.. مكانك أعلى من هنا بكتير.. هطلقك م الشحات ده وأجوزك سيد سيده.
انتزعت سعادة رسغها من كف أبيها هاتفة بهدوء:
- لكن أنا مش عايزة أسيب جوزي ومش هطلق عشان أتجوز الأحسن منه لأن مفيش أحسن منه.
قهقه أبوها ساخرًا:
- إيه اللي عاجبك في القرف اللي أنت عايشاه ده.. منيمك على حصير.. فيه اللي ينيمك على حرير ويتمنى لك الرضا ترضي.
هتفت بإصرار:
- وأنا مش هرضى إلا بيه.
هتف سعيد:
- يا بنتي فوقي.. حتى متفكريش في نفسك.. فكري في أخواتك الغلابة وأبوك اللي مش عارف يأكلهم.. بموافقتك الجواز من العريس اللي أنا جايبهولك هتعيشي وتعيشينا معاكِ في عز محدش شافه.
هتفت سعادة:
- مابيعش جوزي ولا بكنوز الدنيا ومش هبقى بيعة وشروة عشان خاطرك أو خاطر إخواتي اللي أنت أصلًا راميهم ومش سائل فيهم.
هتف سعيد في حنق:
- هو ده آخر كلام عندكِ.
أكدت سعادة بحزم:
- ومعنديش غيره.
هتف سعيد في غل وهو يهم بالمغادرة:
- تمام.. يبقى أنتِ اللي اختارني.
جلست على أقرب مقعد لها في صدمة من أفعال أبيها وهي التي كانت تنتظره رغبة في إتمام زواجها من حِزن فإذا به يأتي بعد كل هذا الانتظار من أجل تزويجها من شخص آخر كصفقة رابحة تدر عليه دخلاً يسعده ويسعد أخوتها وتكون هي الخاسر الوحيد فيها.
بكت وارتفع نحيبها حتى أنها لم تدرك مجيء حِزن والسعادة تحمله على جناحيها ليقف متطلعًا في تعجب لتلك التي تركها في قمة الفرح ليعود ليجدها بقمة الحزن.
اقترب حِزن منها واضعًا تلك اللفافة التي أحضرها جانبًا وأنحنى بمستواها يرفع ذقنها لتواجه نظراته هامسًا:
- ليه البكا وانت السعادة كلها!؟ إذا كنتِ غيرتي رايك.. خلاص ولا يهمك.
واستطرد مازحًا رغم أن داخله يتمزق:
- رغم إني هموت مقهور لحد ما أبوكِ يرجع.. لكن..
هتفت سعادة بوجع:
- أبويا رجع يا حِزن..
واستطردت في قهر:
- وعايزك تطلقني عشان يجوزني واحد غني على هواه.
هم حزن بالرد عليها إلا أن أبوها الذي كان يقف في تلك اللحظة على أعتاب السطح وسمع حوارهما الأخير هتف بغضب وخلفه عزوز وبعض رجاله:
- وهيطلقك.. برضاه أو غصب عنه.
انتفض حِزن يزود عنها يقف في ثبات أمامها ما أن رأى عزوز ورجاله يقتربون منه ببطء وتشفي وعلى وجوههم ابتسامة صفراء فقد حان اللحظة التي انتظرها عزوز لينال ثأره ولكن بطريقة وضيعة كأصله.
وقعت من يديه تلك اللفافة التي كان يحملها وهو يقف كجبل شامخ يشهر كفين عاريتين إلا من قوة حق يزود بها عن سعادة التي احتمت خلف ظهره هربًا من أقرب الناس إليها.
رواية صاحبة السعادة الفصل السادس 6 - بقلم رضوي جاويش
اجتمع عزوز ورجاله على حِزن الذي كان يقيده خوفه على سعادة. هتف بها لتدخل لغرفتهما وتغلق بابها لا تفتحه مهما حدث.
وما ان همت بإطاعة امره الا وجذبها ابوها اليه مطوقا إياها حتى لا تستطيع الهرب من قبضته. رأى حِزن ما حدث لها فاستشاط غضبا وحاول على قدر استطاعته منازلة عزوز الا ان الكثرة غلبت الشجاعة.
هتف ابوها وحِزن مكبل بواسطة رجلين من رجال عزوز:
طلقها.. ارمي اليمين عليها دلوقتي ويا دار ما دخلك شر.
هتف حِزن ونظراته لا تفارق عينيها التي تعلقت به تخبره الا يفعل. فهتف في عزم:
والله لو حصل ايه وجطعتوني حتت ما هيحصل.. دي مرتي واني رايدها ومبجاش راچل لو سبتها.. على چثتي.
هتف عزوز في تشفي هاتفا بسخرية:
يبقى انت اللي طلبتها يا خفيف.. ياللاه بالشفا.
واخرج مطواته من جيبه موجها نصلها في اتجاه رقبة حِزن الذي لم يهتز للحظة. ما اثار حنق عزوز وهو ينظر في عينيه التي لا تعرف الخوف فشعر بقدر من الاهتزاز داخليا. حاول ان يداريه مقهقها وهو يهتف:
لااا.. الواد جامد صحيح.
هز سعيد ابنته في ثورة امرا إياها:
لو خايفة عليه صحيح قوليله يطلقك.. والا بدل ما تبقى مطلقة هانخليكي ارملة.
نظرت سعادة في وجع الى حِزن كأنما تخبره بغير ان تنطق حرفا واحدا ان ما ستفوه به اللحظة لا يعبر عن رغبتها وإنما من اجله. همت بالحديث الا ان حِزن صرخ في قوة اخرستها:
أوعي تنطجيها.. دِه اني ما صدجت انك ريداني.. أوعاكِ يا سعادة.. هموت لو نطجتي باللي رايدينه.. هموت جبل ما حتى يفكروا يجتلوني.. الجتل عليّ اهون.
هتف سعيد في صوت هادر:
لا انت بجد ناوي على موتك النهاردة.. علموه الادب يا رجالة عشان ينطقها غصب عنه.
تكاتلوا عليه حتى أشبعوه ضربا وما عاد يستطيع المقاومة ولم يبقى له الا صوتها الذي يأتيه من خلف غيبوبته صارخا بأسمه. لكنه كان بعالم اخر يتطلع اليها عاجزا غير قادر على الإتيان بأي رد فعل لمنع ابيها من اصطحابها إجبارا لخارج السطح وهو ملقى ارضا عيناه عليها حتى غابت. ومن خلفها رحل رجال عزوز واحدا تلو الاخر تاركين إياه ملقى كجثة هامدة بلا روح بعد ان انتزعوها من احضانه عنوة.
غامت الدنيا امام ناظريه وسقطت عيناه على تلك اللفافة التي تقاذفتها الأقدام لحظة العراك. وقد كانت تضم بين طياتها رداء عرس اقسم يوم عقد قرانهما ان تكون يوم عرسهما الحقيقي عروسا ترتدي ثوب زفاف ككل العرائس. وانه سيحضره ما ان تقول قبلت بقلبها لا بلسانها.
اغلق عينيه وراح في غيبوبة عميقة وما عاد يتذكر إلاها.
دفع سعيد بجسد سعادة في قسوة داخل بيت نعمات هاتفا في حنق:
هتقعدي هنا لحد ما تموتي.. يا يطلقك يا عمرك ما هتشوفي الشارع.. وع العموم عزوز قالي انهم ادوله علقة موت.. يعني هيجلنا خبره قريب وبرضو هجوزك اللي على مزاجي.
اندفعت نعمات صارخة في غضب في وجه سعيد متجاهلة سعادة الملقاة ارضا تحت أقدامهما:
اهلًا يا عريس.. شرفت يا سبع البرمبة.. بس جايب لي السنيورة على هنا ليه!؟
وأشارت لسعادة في قرف مستطردة:
دي تلزمك وتلزم عقربتك الجديدة.. انا كفاية عليا السنين اللي فاتت ربتها مع عيالي.. الدور جه عليها يا حبيبي.
امسك سعيد يعضدها جاذبا إياها محاولا إقناعها:
بقولك ايه متبقيش غبية وتخلي الغيرة تعميكِ.. البت دي قايل عليها قريب مراتي الجديدة.
صرخت نعمات في حنق:
بس متقلش مراتك.. خطافة الرجالة دي بقت مراتك.
هتف سعيد يهادنها:
يا ستي العقربة دي جاي من ناحيتها رزق هايبقى ليكِ ولعيالك نصيب منه تكرهي!؟.. قريبها طالب سعادة للجواز وده بقى هينغنغا معاه ونتنقل حتة تانية.. خليها مرمية عندك لحد ما يجلنا خبر اللي ما يتسمى جوزها ده.
ضربت نعمات على صدرها هاتفة في صدمة:
هي اتجوزت!؟
اكد سعيد في حنق:
ايوه يا ستي الواد الصعيدي اللي جالك وادالك العنوان.. ومش راضي يطلق.. ادناله علقة موت يا رب تحوق ويغور فيها ونجوزها بقى للي عليه العين.
هتفت نعمات متسائلة:
طب وانا هعمل بيها ايه وهي متربطة كده!؟
اكد سعيد:
هتخليها مرمية ف الركن ده لحد ما نعرف اذا كان جوزها غار ساعتها هنعرف نتصرف.. أوعي تفكيها او تتحرك من مكانها.
واتجه في عجالة لخارج الشقة لتتشبث بذراعه هاتفة في غل:
وانت رايح على فين جري كده!؟ هو احنا ملناش نصيب فيك ولا ايه!؟
تطلع اليها يغازلها نفاقا:
طبعا يا نعمتي ده انتِ الخير والبركة.. بس اخلص م الموضوع ده ودماغي تروق ونعيش ف العز.. ساعتها مش هسيبك ابدا.
هتفت نعمات وقد استطاع استمالتها:
اهو كلام بن عم حديت.
هتف سعيد متعجلا:
عيب.. اصبري بس.. اللي يصبر ينول.
وخرج قافزا درجات السلم المفضية لخارج البيت مستطردا:
وخلي بالك م البت.. سلام.
تنهدت نعمات في قلة حيلة مغلقة الباب خلفه وتطلعت الى سعادة الملقاة بذاك الركن البعيد اسفل النافذة الوحيدة الموجودة بالمكان. لتتجاهلها منصرفة لشؤون أولادها كانها غير موجودة من الأساس.
أغمضت سعادة عينيها وجبينها ملتصقا بالأرض الباردة وكفيها مقيدين خلف ظهرها واستدعت صورته وهو يلوذ عنها ويصرخ بها الا تنطق حرفا من شأنه ان يفرقهما. لتنساب العبرات على خديها حسرة ووجعا. فقد اتسعت صورته الأخيرة التي طالعتها وهي مساقة خلف ابيها لتشمل مخيلتها. كان ممددا مصلوبا ارضا عيناه معلقة النظرات بها وشفتاه تهمس بأحرف تظنها حروف اسمها ووجهه غارق بدمائه. اتراه ينجو!؟ تساءلت في تمني ووجيب قلبها يهتف متضرعا لتنساب المزيد من الدموع على خديها وهي تهمس باسمه في وجع حقيقي أدمى قلبها العاشق.
حِزن.
وأغمضت عينيها في انكسار حقيقي.
خرج سعيد من بيت نعمات ليتلقفه عزوز ومن حوله رجاله ليهتف في نزق:
ادينا خلصانك منه.. فين حلاوتنا!؟
جز سعيد على اسنانه غيظا لكنه لم يستطع ان ينطق حرفا واخرج بعض النقود من جيبه وسلمها لعزوز في حنق هاتفا:
انتوا سبتوه مرمي ع السطح قدام أوضته.. عايز واحد بقى يجيب لي الخبر الأكيد انه راح فيها وساعتها الحلاوة هاتبقى اكبر.. ماشي يا معلم عزوز!؟
اكد عزوز:
هو سواد الليل واخليلك راجل من الرجالة يطلع يشقر عليه والبقاء لله مقدما.. وزيادة احتياط لانه واد بسبع أرواح هحط راجل يقعد لك طول الليل قصاد البيت عشان لو حصل وطلع عايش وحب يزوغ نخلص بقى ونجيب م الاخر بس ساعتها الحساب هيتقل.
هتف سعيد في استحسان للفكرة:
عفارم عليك يا معلم.. هو ده الكلام.. شد حيلك انت واللي هاتطلبه كله هتاخده وزيادة.
أومأ عزوز في إيجاب ورحل خلفه رجاله ليلق سعيد نظرة أخيرة على الشقة حيث تقبع سعادة وزفر في حنق فقد أفسدت هذه الحمقاء كل خططه من اجل الثراء والنعيم الذي كان يمن النفس به.
صاحت الديكة في حماسة لمطلع الفجر الذي جاءه اذان صلاته من مآذنة المسجد القريب لتجعله يفتح عينيه في تثاقل يدفع نفسه محاولا استوضاح الرؤية المشوشة. حاول مرار الاستناد على كفيه حتى يستطيع النهوض لكنه فشل تماما فما عاد لديه القدرة على الوقوف على قدميه.
شحذ كل طاقته واستجمع قواه حتى استطاع بعد جهد جبار النهوض بجذعه عن الأرض والزحف على ركبتيه حتى وصل لاقرب سور للسطح فاستند عليه مجاهدا ليقف منتصبا. تنفس الصعداء وهو يترنح موضعه فتشبث بالسور في قوة حتى لا يتمدد ارضا من جديد.
وقع ناظريه على احد رجال عزوز المرابط بالأسفل امام باب البيت. فتطلع حوله يحاول ابعاد ذاك التشوش عن ناظريه وإجلاء ذاك الضباب المخيم على الرؤية امامه وكذا قدرته الصائبة على التفكير. ايقن ان عليه الرحيل وفورا من هنا. فوجود ذلك الرجل بمدخل البيت يعني انهم لم ينتهوا منه بعد.
سار خطوات غير ثابتة وهو يستند على السور مع كل خطوة حتى وصل لتلك اللفافة التي تحوي رداء عرسها فانحنى في وجع ملتقطها ضاما إياها لصدره حتى وصل للحد الفاصل بين سور سطح بيته وسطح البيت المجاور. قذف باللفافة أولا ومن بعدها دفع بنفسه دفعا حتى يصل للجانب الاخر.
اخذ يتحسس طريقه حتى وصل لباب السطح ومنه لخارج البيت الذي كان بابه يطل على زقاق ضيق متفرع من الحارة. كان الكل نياما الا اهل الفجر وخاصته والذين كانوا في طريق عودتهم من المسجد بعد أداء الصلاة ليفاجأ الشيخ صالح بحِزن يقف مترنحا على باب داره.
شهق الشيخ صالح في صدمة ما ان شاهد منظر حِزن ووجهه الدامي:
ايه يا بني اللي عمل فيك كده!؟
ترنح حِزن مستندا على الشيخ هامسا في إعياء:
هموت يا سيدنا الشيخ.. ألحجني.
وسقط بين ذراعي الشيخ صالح الذي تلقفه في إشفاق وجذبه لداخل داره لعله يستطيع إنقاذه.
جلست نعمات بجوار سعادة المقيدة ارضا ودفعت امامها بصحن من طعام لا يكفي لقطة وهتفت في حنق:
كلي ياختي لما نشوف اخرتها معاكِ ومع ابوكِ.
همست سعادة متسائلة:
هاكل ازاي وايدي متربطة كده!؟ فكيني طيب.
هتفت نعمات معترضة:
افكك ده ايه!؟ ابوكِ لو جه وشافك مش متربطة زي ما سابك هيموتني.
هتفت سعادة تحاول استخدام الحيلة في إقناعها:
وايه اللي هيعرف ابويا بس!؟ فكيني عشان أقوم اساعدك ف اخواتي اللي مجننينك دوول واشيل لك الشقة واغسل لك الهدوم زي زمان.. ولما تسمعي بمجية ابويا ع الباب ابقى ربطيني بسرعة ولا مين شاف ولا مين دري.
تطلعت اليها نعمات وكان كلام سعادة قد لاقي استحسانها وجاء على هواها لتهتف مؤكدة:
على رأيك يعني مين هيقوله!؟ وانا محتاجة ارتاح من قرف العيال دي والغسيل اهو كوم عايز اللي يغسله همتك بقى.
ومدت نعمات يدها تفك وثاق سعادة التي تأوهت وهي تجمع ذراعيها امام جسدها بعد ليلة كاملة مقيدة خلفها. اخذت تحاول تدليكها لتعيد تدفق الدماء الى شرايينها لتهتف بها نعمات:
ياللاه كلي وبعدين قومي شوفي شغلك.
أمرتها نعمات:
لا هتاكلي لحسن توقعيلي من طولك.. هروح بيكِ فين ساعتها.
مدت سعادة كفها للطعام امامها وما ان وضعت اول لقمة بفمها حتى انسابت الدموع من عينيها وقد تذكرته فكادت ان تغص بلقيمتها.
هتفت نعمات متطلعة اليها في تعجب:
بتبكي ليه يا بت!؟ ايه اللي حصل يعني!؟ ابوكِ وعايز مصلحتك.. مش احسن م الواد المقشف اللي اتلميتي عليه وضحك على عقلك واتجوزك!؟
هتفت سعادة في وجع:
لا مش احسن يا خالتي.. المقشف اللي مش عاجبكم ده هو الوحيد اللي كان قلبه على سعادة وخايف عليها.. هو الوحيد اللي حماها وصان عرضها.. وهو برضو اللي كان عنده استعداد يموت ومايفارقهاش.. والله اعلم هو لسه عايش ولاه رجالة عزوز البلطجي قتلوه.
هتفت نعمات متعاطفة:
الشهادة لله الواد مؤدب وعينه مبتترفعش من ع الأرض.
نظرت اليها سعادة في تعجب:
وانتِ تعرفيه منين!؟
اكدت نعمات:
ايوه عرفاه.. يوم ما جه معاكِ مرة.. والتانية جه واداني عنوانك عشان لما ابوكِ يرجع يجي يزورك.. ومقلش ساعتها إنكم اتجوزتوا.
شهقت سعادة باكية في وجيعة:
يعني جه لحد هنا وهو اللي دل ابويا من غير ما يقصد على العنوان..!؟ كان فاكر ان لما ابويا يظهر هيقدر يطلبني منه عشان يريحني.. عشان كان عايزني بجد.. عشان..
وشهقت باكية من جديد ولم تستطع إكمال كلماتها فهتف نعمات في لامبالاة:
ما خلاص بقى يا سعادة فضيها سيرة واسمعي كلام ابوكِ.. هو عايز مصلحتك ومصلحتنا.
لم تلق سعادة بالا لكلمات نعمات ونصيحتها الجوفاء وتذكرت فقط كيف كانت تخبره انها لن تقبل بزواجها منه بهذه الطريقة الا اذا ظهر ابوها وطلبها منه بشكل يحفظ كرامتها. ليتها رضيت ونعمت بقربه. كانت تعتقد ان ابيها سيحفظ له جميله بصون ابنته والحفاظ عليها في غيبته وسيبارك زواجهما. لكن ما حدث كان العكس تماما. وهاهي تتجرع كؤوس الندم تتمنى لو تحظى منه بنظرة. لكن هيهات. فأين هو منها الان!؟ وأين هو من الدنيا في الأساس!؟
رواية صاحبة السعادة الفصل السابع 7 - بقلم رضوي جاويش
هتف سعيد في صدمة لعزوز:
- بتقول إيه !؟.. هرب !؟.. إزاي !؟.. وأنا اللي كنت جاي وسايب مصالحي عشان آخد البشارة..
أكد عزوز في لامبالاة:
- آهو اللي حصل.. بعت راجل من رجالتى يتأكد إنه لسه متلقح ع السطح لقاه هرب..
هتف سعيد في حنق:
- طب وبعدين !؟..
واستطرد في غضب:
- يا ريتني ما سمعت كلامك وكنت خلصت عليه ف ساعتها.. كنّا خلصنا م الهم ده..
هتف عزوز في غضب مماثل:
- بقولك إيه يا راجل إنتِ !؟.. إنتِ داخل تتأمر وتتشرط على إيه!؟.. أنا كان كل غرضي أأدبه عشان ميطاولش عليا تاني ويعرف مقامه.. وموضوع إننا نخلص عليه ده كان خدمة هنكسب من وراها سبوبة حلوة.. مجتش وطلع ليه عمر خلاص.. قضيت واتكل على الله بدل ما أتهور وأجيب رقبتك تحت رجلي..
تنحنح سعيد واندفع مبتعدًا وقد أدرك أن لا قبل له بمناطحة عزوز ورجاله، فأثر السلامة متجهًا لبيت نعمات ليرى ما جرى.
***
لا يعلم كم مر من أيام وهو على هذه الحالة، لكن كل ما يدركه اللحظة هو أنه ببيت الشيخ صالح، الذي كان آخر من تذكر وجهه قبل سقوطه في تلك الدوامة التي لم يستفق منها إلا لتوه.
أبصر الشيخ صالح يدخل عليه الحجرة مستطلعًا حاله، وما إن رآه ينظر إليه حتى هتف في فرحة غامرة:
- حمد الله بالسلامة.. ما شاء الله.. بقينا عال الحمد لله.. قلقتنا عليك يا راجل..
ابتسم حِزن في وهن هامسًا:
- البركة فيك يا شيخ.. لولاك لكان زماني رحت..
هتف الشيخ صالح في تواضع العلماء:
- الفضل لصاحب الفضل يا بني.. ده إنت ربنا نجاك ببركته ورحمته..
ونهض الشيخ في اتجاه الباب ليهتف حِزن يتمهله:
- على فين يا شيخنا!؟..
أكد الشيخ:
- أجيب لك لقمة تتقوت بها، ده إنت أديلك تلات أيام مدقتش الزاد من يوم ما وقعت على عتبة بابي..
وخرج الشيخ ليهمس هو لنفسه:
- تلات أيام!؟.. يا ترى عاملة إيه يا سعادة!؟..
ودمعت عيناه في شوق هامسًا:
- اتوحشتك..
وتذكر هتافها باسمه وهو تجر خلف أبيها وهي مضرج بدمائه، غير قادر على إغاثتها، فأغمض عينيه في حزن كُتب عليه تجرعه حتى الثمالة.
***
طرق على بابها لتصرخ نعمات وقد أدركت أنه زوجها من طرقاته التي تميزها على الباب. وجذبت سعادة لتقيدها في سرعة في نفس موضعها بذاك الركن الذي تركها فيه منذ بضعة أيام.
فتحت الباب ليندفع سعيد في غضب مكبوت مما حدث عند عزوز، فوجد أخيرًا منفذًا له صارخًا:
- طعنتني ساعة ع الباب عشان تفتحي!؟.. فيه إيه..!؟..
هتفت نعمات مضطربة:
- مفيش ياخويا هيكون فيه إيه!؟..
هتف أحد الأولاد وأشيا:
- ماما فكت سعادة يا بابا..
ضربته أمه دافعة به بعيدًا حتى لا يفصح عن المزيد. ليندفع سعيد ليتأكد أن سعادة بموضعها وخلفه نعمات هاتفة:
- أوعى تصدق الواد الفتان ده!؟.. أنا فكتها بس عشان تروح الحمام وترجع تاني تتربط زي ما كانت.. وإنت شفتها اهو..
همس سعيد وهو يجذب نعمات مبتعدًا:
- خلي بالك منها دي ممكن تغفلك وتهرب في أي وقت.. الواد جوزها هرب.. وأكيد هيجيلها على هنا.. أوعي يا نعمات تديها فرصة تخرج من باب البيت وإلا كل تعبنا وكمان العز اللي مستنينه هيروح.. ادعي بس نعثر ع الواد ده وإلا كل اللي بنعمله هيروح..
هتفت نعمات في تأكيد:
- متخافش يا سعيد.. كله هايبقى تمام.. وربنا هيعثر فيه ونخلص بقى..
اندفع سعيد راحلاً، لتستوقفه نعمات:
- على فين وسايبني كده!؟..
هتف سعيد في حنق متطلعًا إليها بقرف وهو يعلم ما الذي ستطلبه:
- هو إنتِ مبتشبعيش إنتِ وعيالك!؟..
هتفت في غيظ:
- وهم عيالي لوحدي.. إيدك..
مدت كفها إليه وقد أدخل كفه بجيب بنطاله وأخرج منه بعض النقود، واضعًا إياها بين كفي يدها. لتضمهما مستشعرة النقود في سعادة، لتدعه يذهب لحال سبيله مطلقًا سراحه.
***
هتف حِزن في عزم بعد أن قص كل ما حدث للشيخ صالح:
- إني مش ممكن هاسيبها لهم يعملوا فيها اللي على هواهم.. أبوها على عيني وراسي.. بس دي بقت مرتي يا سيدنا الشيخ واني أولى الناس بحمايتها.. واني رايدها ولا يمكن أطلقها ولو فيها موتي..
ابتسم الشيخ صالح في مودة رابتاً على كتف حِزن في إكبار وهتف موافقًا:
- كلامك مظبوط يا بني.. إنت أولى بيها طالما حلالك وهي ريداك محدش له إنه يفرقكم.. ده ربنا خلى طلاق المكره لا يقع.. يعني حتى ولو كنت طلقتها بلسانك قدام أبوها لما أجبروك ومكنتش دي نيتك يبقى محصلش وهي لسه مراتك برضه.. بس إنت عارف هي فين دلوقتي وهتروح لها تطمن عليها إزاي!؟..
هتف حِزن بعد تفكير:
- إني معرفش أبوها ممكن يكون خبّاها عني فين!؟.. بس إني حاسس إنه سابها عند مراته القديمة لحد ما يعثر فيا عشان أطلقها وأرتاح وأعمل فيها اللي يعجبه.. بس إني مش هنولهاله..
هتف الشيخ صالح متسائلاً:
- هتعمل إيه!؟..
أكد حِزن في إصرار:
- هعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان..
ونهض متغلباً على آلام جسده وجراحه عازمًا على تنفيذ ما جال بخاطره وليكن ما يكون.
***
وقف متوارياً عن الأعين بالقرب من بيت نعمات، يراقب الذاهب والآيب ليتأكد أن سعادة بالداخل. كان دليله الوحيد هو رؤيته لأبيها خارجًا من عند نعمات، التي يعلم أنه لن يعود إليها وأولادها إلا لأمر جلل. وقد صدق حدسه عندما أبصر اللحظة سعيد خارجًا من باب بيت نعمات وعلى وجهه إمارات الغضب والقرف. فأختبأ حتى غاب سعيد راحلاً.
تسلل في خفة في اتجاه خلفية البيت حيث النافذة وطرق عليها في رقة هامسًا:
- سعادة!؟.. سعادة..!؟.. إنتِ عندك!؟..
تطلعت حولها في تيه وهي غير مصدقة أن ذاك صوته الذي ينادي باسمها. تصنعت اللامبالاة وهي تكنس الأرض بالقرب من النافذة وهمست في وجل:
- أيوه يا حِزن.. أبويا حابسني هنا لحد ما يعرف طريقك..
همس في فرحة متسائلاً:
- إنتِ بخير!؟..
همست مؤكدة:
- الحمد لله.. المهم إنت كويس بعد اللي عملوه فيك البعدة.. منهم لله..
انتفضت سعادة في ذعر عندما هتفت بها نعمات في تعجب:
- بتكلمي مين يا بت!؟.. هو إنتِ عقلك خف ولا إيه!؟..
هتفت سعادة متلجلجة وكذا حِزن الذي اضطرب خارجًا خوفًا من انكشاف أمرهما:
- لا يا خالتي.. أتكلم إيه بس!؟.. ده أنا بغني.. آهو بسلي حالي وأنا شغالة..
هتفت نعمات مقتنعة بحجتها الواهنة:
- طيب ياختي.. غني وماله بس خلصي اللي ف إيدك لسه غسيل هدوم أخواتك على حاله عايز ينضف..
هتفت سعادة:
- من عنايا.. حالا اهو..
وادعت الكنس من جديد في حماسة حتى غابت نعمات منشغلة بفض بعض المشاحنات بين أطفالها. لتعود سعادة تقترب من النافذة هامسة:
- حِزن..
همس بدوره:
- إني موجود.. ومش هسيبك أبدا..
ابتسمت وقد استشعرت قلبها يرفرف عشقًا بين جنباتها، ليستطرد مؤكدًا:
- إحنا لازم نهرب من هنا.. اسمعي.. لما مرات أبوكِ وأخواتك يناموا.. استني مني خبطة على الشباك ده على نص الليل كده.. جهزي حالك.. تمام!؟.
همست موافقة:
- تمام.. متتأخرش عليا..
همس بدوره وهو يهم بالابتعاد عن النافذة قبل أن يع له أحد:
- حاضر..
واندفع في اتجاه بيت الشيخ صالح من جديد ينتظر منتصف الليل بفارغ الصبر.
***
أنهت كل ما أمرتها به زوجة أبيها من أعمال، حتى إذا ما انتهى العشاء غسلت أطباقه وبدأ الجميع في الخلود للنوم. تمددت هي موضعها المعتاد لتهمس بهما نعمات وهي تحتضن طفلها الأصغر لصدرها لعله يغفو:
- ألا قوليلي يا بت يا سعادة!؟.. هو إيه اللي خلاكِ تتجوزي الواد الصعيدي ده!؟..
همست سعادة متطلعة لسقف الغرفة المشقق والذي تخلى عن لونه فأصبح باهتًا يثير الانقباض:
- مكنش فيه حل تاني بعد ما طردتيني ونمت ف الخرابة كذا يوم هموت فيهم من الجوع والبرد، وآخرتها أتهجم عليا واحد سكران.. الصعيدي ده هو اللي حسسني بالأمان وهو لا يعرفني ولا يعرف حكايتي.. ورغم إن ظروفه كانت زي ظروفي مبخلش عليا بهدوم تدفيني ولا لقمة أقاسمه فيها ودافع عن شرفي وكان ممكن يروح فيها.. فلما عرض عليا الجواز عشان ألاقي سقف يحميني قبلت طبعًا.. وطول الفترة اللي عشتها معاه عمره ما فكر يقل أدبه عليا ولا يجبرني على حاجة مش عايزاه وفضل كلمته معايا..
شهقت نعمات حتى أن رضيعها الذي كان قد بدأ يغفو بالفعل استيقظ مذعورًا وهتفت في تعجب:
- إنتِ عايزة تقولي إن جوازك بيه كان على ورق بس!؟..
هزت سعادة تهز رأسها في تأكيد:
- آه يا خالتي.. عشت معاه ومكنش ليه غرض إلا حمايتي.. بزمتك ده راجل يتساب!؟..
هتفت نعمات مؤكدة:
- الصراحة لا.. هو فيه رجالة كده أصلًا!؟.. ياختي ما أديكِ شايفة أبوكِ ميملاش عينيه إلا التراب..
واستطردت بعد لحظة صمت:
- ده أبوكِ هيموت من الفرحة لما يعرف بالكلام ده.. عشان خاطر العريس اللي جايبهولك..
وهتفت تحاول إقناعها:
- ما تسمعي كلام أبوكِ يا بت وخلينا كلنا نقب على وش الدنيا ونشوف العز بقى!؟.. بلا حب بلا كلام فاضي مبيأكلش عيش..
هتفت سعادة ساخرة:
- نقب على وش الدنيا وعز!؟.. هو أبويا قالك كده وده اللي ضحك على عقلك بيه!؟..
هتفت نعمات في حدة:
- قصدك إيه!؟..
قهقهت سعادة مؤكدة:
- قصدي إن عمرك إنتِ ولا ولادك هطولي من أبويا لا عز ولا يحزنون لا بجوازي ولا بأي جواز تاني..
هتفت نعمات في غضب:
- إزاي يا بت!؟.. ده قالي إن العريس ده غني قوي وهنعيش معاه السعد والهنا كله..
هتفت سعادة شارحة:
- ده لو حصل يبقى السعد هيروح لمراته الجديدة عشان ده قريبها.. هو قالي كده يوم ما جه ياخدني.. إنتِ وعيالك راحت عليهم ولا هتشوفوا مليم من فلوس العريس اللي بيقولك هينغنغك بيها.. وبعدين إنتِ ضامنة بعد ما العريس ده يتجوزني شوية وممكن يزهق ويطلقني عشان يدور على غيري!؟.. ساعتها بقى كل حاجة هترجع على قديمه واللي قدر أبويا يسرسبه من وراه مش هيكون لكم فيه نصيب ولا حتى مليم أبيض..
تطلعت لها نعمات وقد أيقنت أن كل كلمة تفوهت بها سعادة هي صحيحة ولا تقبل الجدل أو حتى التشكيك فيها، فهي تعلم سعيد جيدا وتدرك أنه قادر تمامًا على التخلي عنها وأولاده.
همست نعمات بصوت متحشرج:
- يعني هيرميني أنا والعيال!؟.. طب هروح فين بيهم!؟.. دوول كوم لحم متعلق ف رقبتي.. وأنا اللي قلت هات يا خلفة عشان أربطه أوتارني مربطش إلا حالي..
تطلعت إليها سعادة في شفقة، لكنها سرعان ما هتفت في حماسة:
- طب واللي يقولك تعملي إيه!؟..
هتفت نعمات في حماسة مماثلة:
- أديله اللي يطلبه بس أعرف أتصرف إزاي..
هتفت سعادة مؤكدة:
- طب نتفق..
تطلعت إليها نعمات هامسة في تعجب:
- على إيه!؟..
هتفت سعادة:
- على إنك تفكيني وتسبيني أمشي مع جوزي وأنا هديكِ عنوان مراته الجديدة اللي سمعته بيقوله لرجالة عزوز..
برقت عينا نعمات في فرحة هاتفة:
- والنبي صحيح!؟.. إنتِ عارفة العنوان!؟..
أكدت سعادة في ثقة:
- هكتبهولك على ورقة قبل ما أمشي..
واستطردت في مهادنة:
- ده لو وافقتي تسبيني أمشي مع جوزي لما يجي ياخدني كمان شوية..
هتفت نعمات في حماسة:
- طبعًا تمشي معاه وتروحي للي يصونك.. وأديني العنوان أطبق على أنفاسه هو والسنورة الجديدة..
هتفت سعادة في فرحة:
- اتفقنا.. تعالي فكيني بقى عشان أظبط نفسي وأجمع حاجتي..
نهضت نعمات من موضعها تنحني تفك قيد سعادة متسائلة في قلق:
- طب ولو سألني هربتي إزاي وهو رابطك!؟..
أجابت سعادة في سرعة وهي تنهض من موضعها في اتجاه صندوق يحمل حاجياتها لتخرج منها ما قد تحتاجه وهي تتجه لذاك المجهول معه:
- قوليله حد من العيال فكها وأنا نايمة وسهتنا وهربت..
ما إن جمعت سعادة بعض الأغراض في (بؤجة) صنعتها من غطاء فراش مهلهل حتى سمعت دقًا على النافذة كما كان متفق. فاندفعت تشد على رباط سرة ملابسها وهي تهمس لحِزن من خلف خصاص النافذة:
- أنا خارجة حالا..
همت بالاندفاع من باب الشقة إلا أن نعمات استوقفتها مطالبة بعنوان زوجة أبيها الجديدة. فتطلعت سعادة حولها في اضطراب وأخيرًا وجدت قلمًا مكسورًا وورقة ملطخة بالزيت كانت لطعام العشاء. كتبت عليها عنوانًا وهميًا في عجالة ودفعت به لنعمات التي تطلعت إليه في اهتمام وقد تناست سعادة ورحيلها.
خرجت سعادة من باب البيت ليتلقفها حِزن عنها حملها هاتفا في تعجب:
- هو إيه اللي حصل!؟.. مرت أبوكِ كيف تساعدك ع الهرب!؟.. مش خايفة من أبوكِ..!?..
هتفت سعادة وهي تبتعد عن ذاك البيت الذي لم تذق به إلا طعم الذل والقهر:
- هقولك كل حاجة بس مقلتليش الأول.. هو إحنا رايحين على فين!؟..
مد كفه محتضنًا كفها في عشق وهمس وهو يسير معها جنبًا لجنب:
- رايحين لأمي!؟..
هتفت في تعجب:
- أمك!؟.. فين!؟..
ابتسم ولم يجب، بل جذبها لتلحق به في فرحة وقد اجتمعا أخيرًا.
رواية صاحبة السعادة الفصل الثامن 8 - بقلم رضوي جاويش
جلست جواره تحتضن حقيبتها على تلك المقاعد الخشبية لقطار الصعيد الذي غادر في تمام الواحدة بعد منتصف الليل.
كان الطقس باردًا، وخاصة في مثل تلك الساعة، ومع وجود النوافذ الخشبية المتهالكة والغير قابلة للإغلاق، كان الأمر أشبه بالوقوف في وجه ريح عاصفة.
انكمشت على نفسها مشددة احتضان كفيها للحقيبة تستمد منها دفئًا، وقد استشعر ارتجافاتها قربه، فهمس في اهتمام:
- شكلك بردانة!
حاول أن يتعامل قدر الإمكان مع تلك النافذة الخشبية التي تجاورهما ليخفف من ذاك الهواء البارد الذي يندفع منها، لكن بلا طائل.
ربتت على كتفه تستوقفه ليكف عن المحاولة.
وما إن سكن جوارها حتى أسندت رأسها على كتفه وراحت في نوم عميق.
فابتسم في فرحة ولم يحرك ساكنًا، فاغفائها أفضل حتى لا تستشعر مشقة الطريق وطول المسافة.
***
تململت على كتفه، وأخيرًا انفرجت عيناها على جانب وجهه المنحوت كما تمثال من عقيق أسمر، وكذا شاربه المهذب فوق شفتاه اللمية.
تنبه لاستيقاظها، فاخفض الطرف إليها لتبتسم في محبة وترفع رأسها عن كتفه الذي ما شعر بثقل رأسها قط.
تطلع إليه أحد المسافرين وأشار لربابته هاتفا:
- ما تدج لنا شوية يا واد عمي، السكة لساتها طويلة.
ابتسم حِزن متطلعًا إليها، وقد أومأت برأسها في استحسان للفكرة، فاحتضن ربابته وبدأ في العزف والغناء منشدا:
يا وابور الساعة ١٢ يا مجبل ع الصعيد
عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين
سلم لي ع الست بهية اللي حبت ياسين
ليهتف بعض المسافرين معه مع التصفيق:
عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين
ليشدو هو مستمتعًا:
يا وابور الساعة ١٢ يا مجبل ع الصعيد
خبريني يا بهية ع اللي جتل ياسين
ليهتف الجمع:
عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهجين
ليرد في حماسة مع إيقاع ربابته:
جتلوه السود عيوني من فوج ضهر الهجين
ليردوا:
عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين
استمر الشدو والغناء، والمسافرون ما بين مردد أو مصفق لتلك الأنشودة الصعيدية التي تغنت بدومات تصف حكاية بهية وياسين بكل تفاصيلها.
***
وصلوا لتلك المحطة المتواضعة، التي ما إن توقف عندها القطار للحظات حتى أخذ بكفها جاذبًا إياها خلفه ليترجلا منه.
تطلعت حولها لا تدرك أين هي بالضبط، فما كان حولها إلا رصيف المحطة المتهالك واتساع من الأخضر على مد البصر.
تركها تستطلع المكان للحظات، وأخيرًا همس في محبة:
- معلش، السفر طويل وبلادنا بعيدة.
همست تستفسر:
- لسه فاضل كتير؟
أكد هاتفا:
- لااه، نچعنا جريب من هنا.
هبطا للطريق الترابي وسارا بعض الوقت جنبًا إلى جنب، واضعًا ربابته التي كان الفضل في استرجاعها من حجرتهما لصبي الشيخ صالح، لسرة ملابسها حاملاً إياها.
مضى بعض الوقت وما من أمل في الوصول إلى مبتغاهما، حتى هل رجل يقود عربة كارو يجرها حمار وخلف الرجل بعض من أحمال البرسيم.
أشار إليه حِزن طالبا في أريحية:
- السلام عليكم، خدنا معاك ف طريجك يا واد عمي.
هتف الرجل في ترحاب:
- اتفضلوا، على فين العزم؟
هتف حِزن وهو يتجه بسعادة للعربة:
- نچع مچاور.
هتف الرجل:
- دِه ف طريجي.
ظلت نظرات الرجل صوب الطريق، تاركًا حِزن يتعامل مع سعادة التي لم تستطع اعتلاء سطح العربة، ليمد كفيه محتضنًا خصرها دافعًا بها لتصعد جالسة على طرف العربة، ويقفز هو جالسًا جوارها.
وما إن انتهى حتى ربت على كتف الرجل محفزًا:
- ياللاه توكل على الله.
أصدر الرجل صوتًا بفمه ليستجيب حماره ملبيًا النداء في تلقائية.
كانت العربة تسير الهوينى على ذاك الطريق الغير معبد، تاركة محطة السكة الحديد خلفها مكملة طريقها، وعلى جانبيها تظهر الحقول الخضراء الممتدة حتى ذاك الجبل الشاهق هناك.
وعلى الجانب الآخر تمتد ترعة بطول الطريق تتلوى لتتسع تارة وتضيق تارة أخرى.
أخذ حِزن الحنين لتلك الأرض التي كان يعتقد عندما غادرها يومًا أنه لن يشتاق لها أبدا، لكن ها هو يعب من ريحها العبق برائحة الثرى الندي، وينتشي لمرأى السنابل الخضراء تتراقص في إغراء مع هبات النسيم التي تميل للدفء في هذا الوقت من النهار وبهذا الفصل من العام.
هتف الرجل مخرجًا حِزن من غياهب الخواطر والذكريات:
- وصلنا يا واد عمي.
تطلع حِزن لذاك الجسر الممتد للطرف الآخر من الأرض فوق الترعة والذي يفضي لمدخل النجع، وبدأ قلبه في الخفقان بقوة، حتى أنه ظل موضعه لم يتزحزح وهو يتطلع إلى حيث يجب عليه الذهاب.
تنبه أنه أطال البقاء دون أي رد فعل، وقد استشعرت سعادة اضطرابه، فوضعت كفها فوق كفه المتشبثة بحافة العربة الخشبية تستحثه على النزول، ليفعل مساعدًا إياها كذلك على النزول حاملاً متاعهما ليبدأ رحلة المسير تجاه الجسر وسعادة جواره في طريقهما لداره.
***
توقف حِزن على أعتاب الدار المبنية بالطوب اللبن، وتوقفت سعادة بدورها خلفه تحترم صمته واستشعاره الرهبة لأمر لا تعلمه.
جال بناظريه في أنحاء الدار يتذكر كل ما كان، لدرجة أنه يكاد يستمع إلى صوته صارخًا وهو يتلقى الصفعات من أمه التي لم تكن تكف عن الصراخ بدورها لتلقنه أصول الرجولة ومبادئها.
دفع بالباب الخشبي الذي أصدر صريرًا معترضًا وهو يدفعه للداخل.
وانتفض كلاهما عندما هتف صوت من الداخل يحمل بعض الخشونة الممتزجة بحشرجة الشيخوخة:
- مين اللي بره؟
لم يستطع حِزن أن يجيبها، فقد أحس أن لسانه أصبح بمنتصف حلقه، فظل على حاله ساكنًا لم يبرح موضعه، لتظهر امرأة تتشح بالسواد من خلف أحد الأبواب تسير في تؤدة.
وما إن توقفت على أعتاب الحجرة حتى أبصرت حِزن يقف في تيه متطلعًا إلى موضع ظهورها.
طال تطلعها إليه لفترة وجيزة، وأخيرًا تحركت لتجلس أمام ركوة من نار كانت على وشك الانطفاء، فأعادت أزكاء جزوتها هاتفة في صلابة:
- إيه اللي رچعك؟
واستطردت وهي لا تزال أمام ركوتها توليها ظهرها:
- لو راچع ولساتك راكب دماغك، يبجى عاود من مُطرح ما چيت.
همس حِزن بنبرة صوت متحشرجة:
- إني راچع أتحامى فيكِ يا مندهة.
استدارت متطلعة إليه بنظرة متفحصة أثقلها الزمان خبرة، وما إن همت بالنطق حتى وقعت عيناها على سعادة المختبئة خلفه تتحامي فيه بدورها، لتهتف في حدة:
- مين دي اللي معاك؟
جذب حِزن سعادة من خلفه هاتفا:
- دي مرتي.
هتفت مندهة في حنق:
- چالك نفس تحب وتتمعشج وتتجوز كمان وأبوك دمه لسه مبردش؟
اندفع حِزن إليها جاذبًا كفها مقبلًا ظاهرها هاتفا في وجع:
- ياما بجينا الحديت دِه من زمان، أحب على يدك ما نرچعوا ليه تاني، أبويا مات من زمان، وعارف إن تاره في رجبتي، بس مش هجدر أخده، إني مرحتش من هنا إلا عشان الجصة الجديمة دي، بلاها ياما أحب على رچلك.
تجاهلت كل ما قال وأشارت لسعادة هاتفة:
- والحلوة دي رضيت بيك على إيه؟
هتف حِزن أمرًا:
- جربي يا سعادة.
قهقهت مندهة حتى بانت نواجزها المفقود أحدها وهتفت في سخرية:
- سعادة! اسمها سعادة؟ طب كيف يكون الحِزن ويا الفرح! دِه بيدخل م الباب، التاني بيخرچ م الشباك.
هتف حِزن في يقين:
- ربنا چمعنا ياما من غير ميعاد، واللي ربنا چمعه محدش يجدر يفرجه أبدا.
ربتت مندهة على كتف ولدها هامسة:
- واتچوزتوا ميتا؟
هتف حِزن شارحًا:
- إحنا لساتنا عرسان چداد طازة، يا دوب كتبنا الكتاب وچينا على هنا طوالي.
ونظر إلى سعادة نظرة تحمل بين طياتها رغبته في عدم الإفصاح عما حدث في القاهرة من أهلها وكل ما كان، فأثرت الصمت.
نهضت مندهة في انتفاضة قوية لا تليق بعمرها وهي تجذب سعادة إليها مؤكدة في صرامة:
- عروستك تلزمني يا سيد الرچالة، ولما تبجى تاخد تار أبوك يبجى ليك عندي حريم.
وجذبت سعادة خلفها في اتجاه غرفتها التي خرجت منها عند قدومهما، مستطردة:
- ولحد ما دِه يحصل، مرتك هتنام بجاعتي، ع الله ألمح خيالك معدي جرب الباب دِه.
ودخلت بصحبة سعادة وأغلقت الباب الخشبي لحجرتها في عنف، تاركة حِزن وحيدًا بقلب الدار يتطلع حوله في قلة حيلة.
وأخيرًا هتف في غضب مكبوت وهو يندفع لخارج الدار:
- إني إيه اللي رچعني، يا ريتني ما رچعت، يا ريتني موت على يد عزوز ارحم لي مية مرة من وچع الجلب اللي هبجى فيه دِه.
صفق باب الدار خلفه في غضب وهو يتجه إلى مكانه المفضل عندما تضيق به الدنيا وتنغلق أمامه أبواب الفرج.
***
جلس على ذراع الساقية التي كانت تلف، شاعرًا أن الأرض تدور به كما هذه الساقية تحمله من موضع لموضع وتلقي به من مكان لآخر، وهو لا حول له ولا قوة، ليس بيده إلا الإذعان لكل ما يحدث دون أن يكون له يد فيه ولا له القدرة على تغييره لما يرضيه.
أخذ يشدو في وجيعة:
سبع سواجي كانت بتنعي
على اللي نابها من المظالم
فضلت حياتها تدور وتدعي
الله أكبر عليك يا ظالم
بينما كان يدور في دوامة أفكاره وخواطره مستأنسًا بغنائه، كانت هناك أعين تتلصص غير مصدقة أنه هو.
أخذ صاحبها يطيل النظر في غفلة من حِزن حتى تأكد أنه هو بالفعل.
فاندفع مهرولاً بين غيطان القصب حيث وجهة معلومة، بيت الحاج لطفي المراشدي.
دخل الرجل صارخًا في مجلس الرجال الذي يترأسه الحاج لطفي:
- ألحج يا حاچ لطفي، ألحج.
قاطعه بسطاوي صارخًا:
- هتعلموا إيه ف رچعة واد عايش الضنك.
وقف الحاج لطفي في صدمة لم يستطع أن يداريها، وتطلع لمن حوله، ثم عاد لينظر إلى بسطاوي متسائلًا:
- چبت الكلام الخايب دِه منين يا واد؟
أكد بسطاوي:
- شوفته بعيني وهو جاعد عند الساجية الجبلية اللي چار دارهم.
هتف الحاج لطفي في رجال المراشدة:
- حد يعرف حاچة عن المصيبة دي؟ ما أصلها كانت ناجصة واد مندهة كمان.
هز الجميع رأسه نافيًا، ليؤكد بسطاوي في ثقة:
- والله هو يا عم الحاچ، هو إني هتوه عنِه، واللي مش مصدجني يروح يشوفه بنفسه حدى الساجية زي ما جلت لكم.
دخل أحد الرجال ما إن أنهى بسطاوي كلامه هاتفا في عدم تصديق:
- مدريتوش، الواد ابن عايش الضنك رچع من مصر.
هتف بسطاوي متفاخرًا:
- مش جلت لكم.
أهاا.
هتف رجل آخر من بين الجمع المحتشد للعائلة موجهًا كلامه لكبيرها الحاج لطفي:
- إيه العمل دلوجت يا حاچ؟ موال لا كان ع البال ولا ع الخاطر، دِه إحنا جلنا سافر وريحنا وريح روحه ومصر هتاخده وينسى النچع وناسه.
هتف الحاج لطفي:
- صدجت، بس اهو رچع وكنه لا نسي ولا هاينسى طول ما مندهة وراه عمره ما هينسى أبدا.
هتف آخر:
- طب العمل إيه دلوجت؟
هتف الحاج لطفي في حزم:
- ملهاش إلا حل واحد، وأمرنا لله.
هتف أحدهم:
- حل إيه يا حاچ؟
لم يجبه الحاج لطفي، بل تطلع إليهم في صمت وهو يتذكر الماضي البعيد.