رواية وصية واجبة التنفيذ — الفصل 14 — بقلم فدوى خالد
نظر مروان بصدمة و هو لا يعلم ماذا حدث، بينما جاء الجميع بعده و هم ينظرون بصدمة.
كان المكان أشبه بمستودع من الفوضى التى عمت المكان، و الجميع مقيد الإيدي و الأرجل، و تلك الغمامة حول أعينهم باتت ظاهرة.
نظر مروان بغضب لما حدث فى غيابهم، و كور يداه.
بينما ريم ركضت لتفك عنهم تلك الحبال المكبلين بها، تبعتها ملك و يوسف و ليلى.
نظر الجميع لهم و هم لا يصدقون ما حدث.
بينما صفية ظهر عليها ملامح الخوف و لم تستطع كبت دموعها.
اقتربت منها ريم فابتعدت هى عنها بخوف على غير عادتها هاتفة:
- أبعدي عني، متقربيش، محدش يقرب مني، أبعدوا عني، ماتوا، قتلهم، قتلهم.
وضعت يداها على أذنها و هى تردد تلك الكلمات.
بينما سارة كانت صامتة لأبعد حدود، لم تبدي أي ردة فعل، و كذلك سعاد و خديجة.
و سامر الذى أخذ ركن و حاوط نفسه و هو يآس.
لم يبقى سوى عمر الذى كان الشرار يخرج من عيناه و هو لا يعرف ماذا يفعل؟
نهض بهدوء و توجه إلى غرفته.
حاولت ليلى التحدث مع أحدهم و لكن الفشل كان حليفها، و كذلك ملك و ريم، التى كانت تحاول من جديد.
نظر مروان لهم بغموض، و رمقهم بنظرة غريبة.
صعد إلى غرفة عمر و لكنه قد كسر كل شيء حوله بغضب.
اقترب منه ليهدئه، و لكنه لكمه بقوة.
نظر لفمه وجد الدماء تهبط منه.
تقدم منه و لكمه هو الآخر، فوقع على الأرض.
أمسكه من ملابسه بغضب و هتف بصوت عالي:
- أنتَ كنت فين و دة بيحصل؟ احنا سايبينك هنا لية؟ مش فاهم.
نفض يداه و هو ينقض عليه و يخرج ذلك الغضب هاتفًا هو الآخر بغضب:
- مكنش ليا ذنب فى كل دة، أنتو عايشين ازاى؟ العربية ولعت، أنتَ مش حقيقي أنتً وهم، أبعد عني.
ضربه مروان بعنف و هو يحاول أن يقظه من تلك الحالة، يبدو أنه فى واقع آخر و لا يود أن يخرج منه.
هزه و هو يحاول إفقاقته، صاح به بغضب أكبر:
- فوق يا عمر، فوق أنا موجود، و محصلناش حاجة، و محدش منا حصله حاجة، فوق و فهمني أية إلِ حصل، و كله لية على الحالة دي، فهمني.
للحظة نظر له و هو لا يصدق أذاك حقيقة أم سراب؟
نظر له بأمل و لحين فاق من تلك الصدمة أمسك يده بفرحة قائلا:
- أ..أنتَ ...ع ..عايش، أنتَ مموتش.
تبدلت ملامحه للإستغراب الشديد و هو لا يدري ماذا به؟
علامات من الإستفهام احتلت عقله، فاق من شروده و هو يتحدث:
- فى أية؟ أية إلِ حصل؟ و أنتَ كان شكلك غريب كدة لية؟ و كلهم تحت حالتهم حالة، مش شايف شكلهم.
أسود وجهه لوهلة، و رمقه بنظرة خوف على غير عادته.
نظر له بحزن خيم على وجهه، و من ثم جلس على السرير و هو يتنهد بتعب هاتفًا:
- هقولك على إلِ حصل.
صرخت و هى تطالعه بخوف قائلا:
- عاا .... الحقني.
التفت بخوف فوجد صرصار على الأرض.
طالعها بملل قائلا:
- ما هى ليلى مش هتصاحب غير إلِ زيها، الهبل وراثة و هى بتوارثه عبر الأجيال.
وضعت يداها فى خصرها و هى ترمقه بغضب:
- نعم! مين دي إلِ هبلة؟
ضحك بسخرية و هو يجيب:
- أنتِ، يلا اركبي.
ركب السيارة و لكنها ظلت واقفة.
هبط و هو يتقدم منها بإستغراب قائلا:
- يلا أركبي، أنتِ عايزاهم يجوا هنا ولا أية؟
تبدلت ملامحها للحزن و جلست على الأرض و هى تبكي.
نظر لها بصدمة فهو لم يقم بإفتعال أي شيئًا لها.
هبط لمستواها قائلا بهدوء:
- أنا عملتلك حاجة؟
حركت رأسها برفض فأكمل هو:
- طيب بتعيطي لية؟
ضحكت بسخرية وسط تلك الدموع قائلة:
- على حظي، و شكرًا لحضرتك جدًا على إنك أنقذتني، يمكن تسيبني بقا دلوقتي و تروح عشان أكيد وراك حاجات أهم.
أردف بهدوء مخلوط بالمزاح:
- بصي أنا أنقذتك اه من باباكِ و إلِ كان عايز يعمله، بس دة كان عشان خاطر ليلى، و بالنسبة ليكِ، لازم تيجي معايا البيت؛ عشان أولا: ليلى هتقتلني لو مجتيش معايا، و ثانيا بقا و دة الأهم: بردوة هتقتلني أنتِ عارفة ليلى.
ضحكت و هى تزيل دموعها قائلة:
- ماشى، بس هقعد شوية معاهم و بعد كدة أمشي تمام.
ابتسم لها قائلا:
- تمام، يلا أركبي العربية.
ركبت بجواره و استندت برأسها على الشباك.
لا تعلم ماذا تخفي لها تلك الحياة من جديد.
أغمضت عيناها و هى تتذكر والدتها و تتذكر ما حدث لها فى الصغر.
تركض و تلعب و تمرح كالأطفال، ممتنة كثيرًا لأمها، و لكن فجأة نظرت لوالدتها وجدتها ملقاة على الأرض.
تقدمت منها و هى تبكي، و لكن تلك الصدمة كانت شديدة جدًا عليها.
نقلت إلى المشفى فى ذاك الوقت، و العيون تملأ عيناها تلك الطفلة الصغيرة.
نظرت لوالدها الذى طالعها بقرف و أبتعد عنه.
نادت عليه عدة مرات و فى أخر مرة، دفعها على الأرض، و أردف بصوت عالي ملئ بالغضب:
- متلحقيش بيا، و متقوليش تاني أني باباكِ فاهمة، و أمك ماتت و أنا هوريكِ الويل، داهية فيكِ و أنتِ شكلها.
رمقته بنظرة من الصدمة، لا تعلم ماذا تفعل؟!
ركضت فى الممر و لكنها تعثرت.
رأت تلك اليد أمامها، مدت يدها و هى تمسح دموعها.
ابتسمت لها ذاك الطفل برفقة والدته.
مدت والدته المنديل لها و هى تمسح دموعها بخفة قائلا بنبرة مرحة:
- فى قمر يزعل، لية كدة يا حبيبتي.
نظرت لها ببراءة و تحدثت ببكاء:
- بابا قالي أن ماما ماتت، و ماما هنا، هو يعني أية ماتت.
تغيرت تعابير المرآة للحزن مرة واحدة، و أردفت بحزن:
- يعني راحت عند ربنا يا حبيبتي، راحت عند ربنا زي ما كلنا فى يوم هنروح.
ردت عليها ببراءة:
- ينفع أروح عند ربنا دلوقتي.
ابتسمت بهدوء قائلة:
- لا يا حبيبتي، كل واحد بيروح عند ربنا فى وقت محدد، متزعليش بقا.
أعطاها ذاك الطفل الحلوى، فنظرت له ببسمة قائلة:
- دي ليا شكرًا.
ابتسم ذاك قائلا و هو يعطي لها سوار عليه حرف أسمه:
- خدي دة بقا و خليه معاكِ، و أنا كمان معايا واحدة زيها.
ابتسمت و هى تنظر له، و لكن لا تعلم أن ما ينتظرها ليس سوى عالم ملئ بالظلمات الكثيرة.
أفاقت على صوته و هو يسألها بهدوء:
- هو أنتِ تعرفي ليلى ازاى؟
ردت بهدوء:
- اتعرفنا على بعض فى أول سنة، و كنت بجيب ليها المحاضرات عشان ساعات مكنتش بتعرف تنزل القاهرة.
أردف بتفهم:
- تمام.
كان الصمت هو اللحظة الفاصلة بينهم، ظلوا طوال الطريق صامتين.
تنهد عمر و هو يتحدث:
- كنت فوق فى الأوضة بأخد شور و لما خلصت و نازل سمعت صوت حد بيصوت تحت، قولت أكيد سارة بتتخانق مع سامر أو مع أي حد، و أنا نازل حد حقني بحاجة من غير ما أحس، بعد شوية...
هبط ليري من يصرخ بصوت و عالي، و سرعان ما هبط حتى شعر بشخص يمسكه بإحكام و يحقنه بمادة مخدرة.
استيقظ و هو يشعر بألم فى رأسه و من ثم أنه مكبل الأيدي.
نظر حوله وجد الجميع مكبلين بتلك الطريقة، حاول فك نفسه و لكن دون جدوي.
ظهر أمامه مدحت و هو يبتسم بخبث.
صاح به بغضب شديد:
- و الله يا مدحت الكلب لأوريك، على إلِ .......
قاطعه و هو يتحدث بنبرة مستفزة:
- تؤ تؤ، كدة غلط يا حبيبي، هى سعاد معلمتكش تتعامل ازاى و لا أية؟
نظر لسعاد التى ظهر على ملامحها الخوف الشديد، فاقترب منه قائلا بهدوء مريب:
- متتعاملش غلط مع إلِ مش قدك، و الثمن هيكون كبير، ممكن سعاد و ممكن صفية و خديجة بردوة، و ....
أكمل بخبث و هو يتقدم من سارة و يتلامس وجهها:
- و لا حبيبة القلب سارة.
عيناه كانت تنفجران من الغضب و هو يحاول أن يفك تلك الحبال و لكن بدون فائدة.
صاح به بغضب:
- أقسم بالله لو ما سيبتهاش لأكون .......
قاطعه بإستفزاز:
- تعمل أية؟ تعمل أية فهمني، أنتَ مش هتعرف تعمل حاجة، بص كدة على الشاشة إلِ قدامك.
نظر الجميع على تلك الشاشة المظلمة، التى ظهر فيها صور الجميع و كل شخص فى سيارته.
أردف مدحت بخبث:
- الحبايب قدامكم، حتى شوفوا كدة، و ممكن بقا بإشارة واحدة أقتلهم، و بصراحة أقدر أعمل كدة.
صرخت صفية ببكاء:
- ما تقتلهمش، هما مالهمش ذنب، محدش قرب منك، لية عاوز تأذيني و تأذيهم؟ عايزة تنتقم من حد أنتقم مني أنا، أنا موجودة أهوة قدامك.
ضحك بسخرية قائلا:
- أنتقم منك؟ بعد أية، بعد كل إلِ عملتيه فى حياتي، أنا هقتلهم ليكِ و هريحك، مش كنتِ السبب فى إنك دمرتيني و أتجوزتيه، دوقي بقا.
أردف ببكاء و هى تنظر له بشر:
- دوقته، دوقته متخافش، دوقته لما عرفت أنك أنتَ إلِ قتلته، و السبب فى إلِ حصل لريم، دوقته لما بقا يجلها حالة نفسية و منعزلة عن الناس، دوقته لما أنتَ جيت يوم وفاته و قولتلي بدم بارد أنك إلِ قتلته و عايز تتجوزني، بس عارف مش هتجوزك و لا هبقى يوم واحد على ذمتك، أنا بحبه هو، بالرغم أنه مات بس بردوة بحبه، و مش هحب غيره، و مش ندمانة خالص على أي حاجة عملتها فى حياتي غير أني عرفت واحد ندل و جبان زيك.
أمسك شعرها بإحكام و عيناه تحولت للون الأحمر القاتم قائلا:
- أنتِ ليا، فاهمة؟ ليا مهما أتغيرت كل حاجة، هتلف الدنيا و ترجعي ليا تاني، و عارفة أنا أقدر أقتلهم لو موفقتيش.
تحدثت ببكاء:
- لا مش هتجوزك، و لا هخليك تفكر يوم إني ليك، و بقولهالك تاني، أنا بحبه هو و مش هحبك مهما حصل.
أبتعد عنها قائلا بشر:
- يبقى خلاص، أنتِ حكمتي و أنا هنفذ.
أمسك جهاز التحكم، و نظر لتلك الشاشة التى باتت ظاهرة أمامهم قائلا:
- آخر نظرة عشان تودعوا ولأدكم.
ضغط على الزر و ظهر إنفجار السيارة و موت الجميع.
صرخت سارة بقوة، و صفية ظلت صامتة لا تبدي أي رد.
أم عن سعاد فقد كانت منهارة لأبعد حدود و هى لا تعلم ماذا حدث للسانها.
فجأة أختفى كل هذا و لا يعلموا ما حدث.
نظر له عمر قائلا:
- مش عارفين أية إلِ حصل بعد كدة، و أية إلِ جابنا هنا.
كور يداه و هو يهبط إلى الأسفل، وجد والدته فى حالة لا يرثى لها.
اقترب منه و هو يمسك وجهها بيديه قائلا:
- و الله أنا موجود، بصيلي بس، بصيلي أنا مروان، و يوسف هناك، متخافيش مفيش حاجة حصلت، و عمر موجود كلنا حواليكِ.
فاقت قليلا و هى تنظر له قائلا بهستيريا و كلام غير متزن بالمرة:
- مروان، مروان محصلش حاجة صح، أنتَ كويس، أنا متأكدة.
أردف بهدوء و هو يحاول تهدئتها:
- بس، أنا كويس أهوة و مش حصلي حاجة، كانت خدعة منه متقلقيش، أنا كويس.
بكت و هى تنظر له و تتلمس وجهه ببكاء بينما صفية كانت تضع يداها على أذنها، و هى لا تلفظ كلمة سوى بأنه قتلهم، خائفة لأبعد الحدود مما حدث.
تتقدم منها ريم و لكن بدون أي نتيجة.
حاولت شد يدها، و لكن هى كانت تضمها بإحكام لأذنيها، و تردد كلماتها المعتادة.
أمسكت ريم يدها تلك المرة و هى تحاول أن تطمئنها و لكن تلك المرة أغمى عليها.
نظرت لها ريم بصدمة و من ثم حاولت إفاقتها و هى تصرخ بإسمها.
فى ذاك الوقت استدعوا ذاك الطبيب و قام بفحصها.
خرج إلى الخارج قائلا بجدية:
- المدام جالها إنهيار عصبي، أتمنى تريحوا أعصابها، و تبعدوها عن كل حاجة تضايقها.
كانت تقف ريم و هى تحتضن ليلى، و سارة التى تبكي و معالم وجهها جامدة لحدٍ كبير.
اقترب مروان منها قائلا بهدوء:
- أهدي مفيش حاجة، و هتبقى كويسة إن شاء الله.
اندفعت نحو أحضانه و هى تعلم الآن أنه مسكنها، ردت ببكاء:
- أنا خايفة، خايفة أوي يا مروان.
مسح دموعها بحنان قائلا:
- متخافيش يا حبيبتي أنا معاكِ، و دايمًا هتلاقينا واقف جنبك، متخافيش.
فى ذاك الوقت كان أحمد قد دخل إلى المنزل و معه هند التى كانت تشعر بالحرج، و سرعان ما رأت ليلى و حالتها المزرية، حتى اقتربت منها و هى تشعر أنها تود البكاء.
أردفت هند بخوف:
- مالك يا ليلى؟ أية إلِ حصل يا حبيبتي.
بينما نظر له أحمد بإستغراب من حالتها تلك، صعد إلى الأعلى و علم ما حدث، توجه إلى ملك و هو ممسك يدها بغضب قائلة:
- عاجبك كدة، طلع كانت لعبة عشان يعمل فيهم كدة، و فى كل مرة تقولي عمار كويس، هو مش كويس ولا عمره هيكون كدة، ياريت يكون عندك دراية، كل دول ذنبهم برقبتك و من إلِ أنتِ عملتيه.
نظر له و هى تبكي قائلة:
- أنا ... أنا ........
و من ثم ركضت على غرفتها، شاهد الجميع ذاك الموقف، فشدد هو على شعره و هو يتقدم بإتجاه غرفتها.
طرق الباب و دخل إلى غرفتها، وجدها تحتضن نفسها، و شعور الحزن بات فى قلبها.
اتجه لها و ابتسم بهدوء و هو يمسك يدها.
سحبت يداها فتحدث هو:
- على فكرة كلنا خايفين عليكِ، كلنا كلنا بلا إستثناء، و مش عايزين يحصلك حاجة، عايزينك كويسة، و تبقى دايما كدة، عمار مش كويس زي ما بتقولي، و مويس ان يوسف احترمك و احترمني لما متكلمش على إلِ أنتِ عملتيه، أنتِ كنتِ بتدمري العيلة، و بإلِ حصل الصبح دة خالتو صفية كان هيحصلها حاجة، على العموم هسببك تراجعي أفكارك و أبقى أجي تاني.
مر شهر دون أحداث جديدة تذكر سوى علاج صفية و بدأت حالتها تستقر، و أفاقة سارة من صدمتها بمساعدة عمر، و هند التي بجوار ليلى كل تلك الفترة.
كان الجميع يجلسوا على طاولة الإفطار، و ذاك أول تجمع لهم منذ شهر.
طرقات على الباب صدرت، تبعها دخول شخص.
نظر له الجميع بذهول، و أردف مروان بإستغراب:
- أنتَ مين؟