تحميل رواية «ورد الجبل» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
“ورد”..تلك الفتاة الريفية البسيطة التي تزوجت و هي ابنة الرابعة عشر من ابن عمها “جبل” الذي كان يكبرها بثلاثة أعوام فقط، و الذي شعر برفضها له خاصةً بعدما قامت بالهجوم عليه بوحشية ليلة زفافهم حتى وصل بها الأمر إلى قضم ذراعه باسنانها. فعلتها هذه كانت بمثابة إهانة له و دفعته للابتعاد عنها و ترك البلد بأكملها لسنوات طويلة اجتهد خلالهم بالعمل في أكثر من حرفة بجانب دراسته بكلية الطب. ظلت “ورد” مستيقطة طول الليل حتى أشرقت الشمس بنورها، و ارتدت فستان رقيق من اللون الأسود و حجاب وردي و غادرت المنزل دون علم...
رواية ورد الجبل الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
“ورد”..تلك الفتاة الريفية البسيطة التي تزوجت و هي ابنة الرابعة عشر من ابن عمها “جبل” الذي كان يكبرها بثلاثة أعوام فقط، و الذي شعر برفضها له خاصةً بعدما قامت بالهجوم عليه بوحشية ليلة زفافهم حتى وصل بها الأمر إلى قضم ذراعه باسنانها.
فعلتها هذه كانت بمثابة إهانة له و دفعته للابتعاد عنها و ترك البلد بأكملها لسنوات طويلة اجتهد خلالهم بالعمل في أكثر من حرفة بجانب دراسته بكلية الطب.
ظلت “ورد” مستيقطة طول الليل حتى أشرقت الشمس بنورها، و ارتدت فستان رقيق من اللون الأسود و حجاب وردي و غادرت المنزل دون علم أي أحد.
حسمت قرارها بالذهاب لزوجها العنيد الذي يأبى مسامحتها.
لأول مرة بحياتها تخرج بمفردها، و الأدهي أنها سوف تسافر من بلدتها البعيدة جداً إلى مصر و هي حتى لا تعلم عنوان إقامته!
لم تكلف نفسها بالتفكير مرتين، أصبحت غير قادرة على تحمل شوقها له.
ستذهب إليه و تعترف بما يجول في خاطرها، ستخبره أنه سيد قلبها و رجلها الوحيد منذ نعومة أظافرها.
رواية ورد الجبل الفصل الثاني 2 - بقلم نسمة مالك
"أركب لمصر منين يا عم الحج؟"
قالتها "ورد" لرجل عجوز يقف بعربة طعام وهي تعطي له ثمن الطعام الذي ابتاعته منه.
أجابها الرجل ببشاشة قائلاً:
"اركبي يا بنتي عربية من هنا توديكي الموقف، وفي الموقف هتلاقي عربيات كتير بتحمل مصر."
انصرفت من أمامه بعدما شكرته، ووقفت تنتظر مجيء سيارة بشجاعة وفرحة غامرة رغم الكارثة التي فعلتها.
مر أكثر من ساعتين حتى وصلت أخيرًا للموقف واستقلت أول سيارة ذاهبة إلى مصر.
جلست بجوار النافذة مستندة برأسها عليها، تنظر للطريق بشرود تتذكر آخر مرة رأت فيه زوجها قبل أن يتركها ويعود لعمله ودراسته.
***
كان غضب "جبل" وصل لزروته بعد حديث زوجته الجارح أمام الجميع.
جعلته أقسم لو أمسكها بيده في تلك اللحظة سيمزقها إربًا.
"عاملة أتأسف لك وأقولك حقك عليا.. متزعلش مني وأنت قلبك جامد ولا همك أسفي، وأني جيت على نفسي وبراضي فيك عشان أحافظ على جوازنا ومصمم تطلقني، وكمان تقول للمأذون قدام الكل إنك بتحب واحدة تانية ومتفق معاها تتجوزها عليا!!"
رواية ورد الجبل الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
"عاملة اتأسف لك و أقولك حقك عليا.. متزعلش مني و أنت قلبك جامد و لا همك أسفي و أني جيت على نفسي و براضي فيك عشان أحافظ على جوازنا و مصمم تطلقني و كمااان تقول للمأذون قدام الكل إنك بتحب واحدة تانية و متفق معاها تتجوزها عليا!!"
حركت فمها للجانبين بحركة ساخرة مكملة بجمله كانت بمثابة سكب الزيت على نيران غضبه و غيظه منها.
"مش لما تتجوزني أنا الأول!"
كانت "وفاء" و بناتها و شقيقات "ورد" جميعهم ممسكين بـ "جبل" يحاولون منعه عنها بشق الأنفس، بينما هو يجاهد بصعوبة بالغة ليسيطر على غضبه حتى لا يطول أحدًا منهم.
"انتي فعلاً ناقصة رباية و أنا بقي هربيكي من أول و جديد."
قالها و هو يدفع الجميع عنه أسقاطهم أرضًا إلا والدته "وفاء" تجنبها عند قصد.
فقالت بنبرة راجية:
"متاخدش على كلامها يا ابني.. دي مش فاهمة معني اللي بتقوله و لا تقصده."
صعدت "ورد" على إحدي المقاعد وقفت عليه واضعة يديها في خصرها و صاحت بغضب طفولي قائلة:
"لا أنا فاهمة وقاصدة كل كلمة يا مرات عمي و كمان أنا متربية أحسن تربية يا سي جبل."
ترقرقت عينيها بالعبرات و تابعت بصراخ قائلة:
"بس عايزاك تحط نفسك مكاني و تقولي هتحس بأيه لو أنا قولت للمأذون أني عايزه أطلق عشان بحب راجل تاني غير جوزي و متفقة معاه على الجواز؟!"
لهنا و طفح الكيل، فقد كل ذرة تعقل كان يتحلى بها.
و بلمح البصر كان تخطي الجميع قاطعًا المسافة بينه و بينها و هو يصيح بصوته الأجش:
"كل اللى فات كوم و اللي قولتيه دلوقتي ده نيلة سودة تانية و حطتيها فوق دماغك."
هذه المرة لم يعطي لها فرصة الهروب منه.
خطفها بذراعيه كخطاف رفعها على كتفه رأسًا على عقب، و اندفع بها مبتعد عن الجميع وخطي بها لداخل شقته حتى لا يدافع عنها أحدًا منهم.
رواية ورد الجبل الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
جويريه بحزن: صعبنه عليا جوي فاطمه رقيه أول فرحتها، برضوا دي هتجنن عليها جوي. وهي نايمه بتقول اسم رقيه.
زيدان: رقيه، كنت غاليه على كل، أول حفيده في دوار كبير البلد. يوم ما اتولدت أبويا قال اسمها هيكون على اسم ستي. الكل فرح وكان الكل بيحبها. وبعدها محمد وبعد كدا منصور و مكه، وكانت أكترهم اللي بنحبها. رقيه كنت طيبه أوي وهاديه أوي، كنت ملاك كدا وصحكتها كنت حلوه.
وكملت بعياط: كنت بحبها أوي، كنت بنتي اللي مش من لحمي ودمي. كنت طيبه أوي وتيجي تصحيني وتقولي: "جومي يا خالي، شغلك عاد هتتأخر على شغل". ولازم عشان اصحي ترمي عليا الميه وتطلعي تجري، وأنا أجري وراها ونفضل نضحك.
جويريه بحزن: وحضنته. في الجنه وناعمه إن شاء الله، ويرحمها ويصبر قلب هشام وفاطمه وكريم على ابنها.
آه صح، عايزة أروح أطمن عليها، إيدك معايا يا زيدان. مش قادرة أمشي، رجلي وجعتني أوي.
زيدان: يلا، وأشوف هشام ويحيي هنمشي إمتى بدل قعدة المستشفى دي عشان ناخد العزاء.
جويريه: وحطت إيديها على رأس مريم: يا حبيبتي يا مريم، انتي وفاطمه في يوم واحد عيالكم. يارب صبر قلبهم يارب، وأديهم صبر أيوب يارب، وأرزقها يارب.
منال بخبث: إنتي بتعملي إيه يا جويريه؟ موت ابنها عشان مش بتخلفي؟ عملتلك إيه طيب دي؟
جويريه: إنتي قصدك إيه يا منال؟ إنتي عايزة إيه مني؟ كفايه بقى يا شيخة، إنتي إيه، شيطانة؟ خلي عندك دم. إنتي أم وهتكوني مكان مريم أو فاطمه. إحنا في ظروف، البيت كله فيها تعبان. موت رقيه وموت ابن يحيي، في إيه. ارحمي.
منال: قصدك إيه يا جويريه؟ إني أنا اللي عملت كدا؟ لا يا جويريه.
وكملت وهي بتقرب منها: أنا أموت اه، وأضرب بدم بارد، ومحدش يعرف.
جويريه: يا منال، واه، إنتي لو قلتي لأي حد محدش هيصدقك. تمام يا شطورة. وضحكت: سلام يا قطة، وطلعت.
جويريه: يارب ارحمنا من شرها يارب، ابعد عنا كل شر يارب، خرجنا منها يارب على خير يارب، وصبر قلب مريم وفاطمه.
مريم بتعب شديد: آآآه، عايزة ابني، أنا عايزة ابني.
جويريه: ابني مات.
جويريه: اهدي يا مريم، خير والله. يا حبيبتي، اعرفي أن ربنا بيحبك إنتي ويحيي. خير يا مريم، اصبري. إن الله مع صابرين، يا حبيبتي.
مريم: ونعم بالله، يارب الحمد لله على كل شيء.
زيدان: يحيي إيه مش هنمشي؟ يلا يا هشام، والدوار حدنا في كل حاجة بدل مستشفى وعشان ناخد العزاء.
يحيي: حاضر، ادخل بس لمريم أشوفها فاقة ولا لأ. وإنت شوف فاطمه، وإنت يا زيدان خلي مراتك ترتاح شوية.
زيدان: حاضر، هروح ليها، وبمرة تقعد شوية عشان تعبت أوي النهارده، وهي من الصبح واقفه على رجليها.
هشام: وراح عند دكتور وقاله هترتاح أكتر في البيت. وخدها وشالها. ويحيي كمان شال مريم واخدها ومشوا على العربية. والكل وصل الدوار، وكان نص البلد في العزاء.
منصور: اقف يا زيدان شوية عشان تعبت قوي يا ابني ومبقتش قادرة.
هشام: لا يا بوي، أنا اللي هاخد العزاء بتاع بنتي. اطلع يا زيدان ريح شوية جسمك، وأنا هفضل أقول للحريم محدش يصوت.
منصور: طيب يا هشام. وإنت يا يحيي، هنطلع ولا هتفضل؟
يحيي: هفضل. اطلع يا زيدان وشوف مراتك شكلها تعبانة أوي.
جويريه: وكنت سامعة صوت الشيخ، وجسمه كله وجعها، وحطت إيديها على ودنها عشان مش تسمع.
زيدان: إنتي كويسة يا جويريه؟ مالك في حاجة؟
جويريه: بصراخ: خلي يسكتتتتتت! مش عايزة أسمع. جولة، يبطل يقرأ، خلي يسكتتتت!
زيدان: مين ده يا جويريه؟ إنتي كويسة يابنت الناس؟
جويريه: بصراخ: اللي بيقرأ قرآن، خلي يسكتتتت! يازيدان، مش قادرة، جسمي وجعني، آآآه.
زيدان: في إيه يا جويريه؟ ماله الشيخ؟ بيقرأ عشان العزاء. إنتي كويسة؟ وقرب منها، وهي زقته بعيد عنها.
جويريه: بعددد عنييي! ابعدووو عنيييييي! خلي يسكت! قولتلك خلي يسكتتتتتت!
هشام: في إيه يا زيدان؟ مراتك صوتها عالي ليه يا خوي؟
جويريه: ابوس إيديكم، خلي يسكتتتتت! مش قادرة، جسمي كله وجعني.
هشام: وبص على جويريه وقال لزيدان يشلها يدخلها الدوار، الأوضة بتاعته اللي تحت. وهو جاي على طول. وفعلاً زيدان عمل كدا.
هشام: ادخل يا شيخ اتفضل.
الشيخ: أحم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جويريه: بصراخ: طلعة برااااااا! خلي يطلععع! بعدد عنييي!
زيدان: أهدي ي جويريه، أهدي يابنت ناس.
الشيخ: وقاله يمسكها، وبدأ يقرأ قرآن عليها، وجويريه أغمي عليها. وبص على زيدان: مراتك لسه متجوزين ولا من زمان؟
زيدان: من شهرين أو تلاته.
الشيخ: كان معمولها سحر ب الفراق بينك وبينها الفترة دي، تخلي سورة البقرة مفتوحة في بيتكم.
زيدان: حاضر ي شيخ.
منال: يمراري، لو عرف استرها يارب. عمرك طويل ي جويريه، بس هخلي الدوار كله يخرب، ومش هخليكي تتهني حتى ب زيدان. كان مفروض يكون ليا مش ليكي. كان مفروض أنا مراته، واخرتها اتجوزت اخوه بعد حب ده كله؟ اتجوز اخوه! بس قالت اهي اكون قدامه واشوفه. يمكن يحبني. بس لامريم وسمعتها وهي طالعة، وكنت مصدومة. وهي ماشيه، وقعت حاجة، ومنال لاحظت وووووووووووووووووووووو
رواية ورد الجبل الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
"جبل"
عاد في الصباح الباكر لمنزله برفقة "ورد" زوجته التي غلبها النعاس و غرقت على كتفه في نومٍ عميق أشبه بالغيبوبة، بعدما أطمئن قلبها أنها في حماية زوجها.
لم تشعر حتى بتوقف التاكسي بهم أمام البناية، ولا بـ "جبل" الذي حملها على ذراعيه كأنها لم تزن شيئًا وصعد بها على الدرج خمسة طوابق.
لحسن حظه لم يقابله أحد من الجيران، فهو في حالة يرثى لها ولا يحتمل سماع كلمة من أحد، ولا يملك طاقة لتفسير وضعه هذا لمخلوق.
كانت "ورد" رأسها تتوسط صدره، أذنها على موضع قلبه، تنعم بالنوم على إيقاع نبضاته، وتهمهم باسمه تارة، وتنتفض بفزع وتنكمش على نفسها داخل ضلوعه تارة أخرى.
وصل أخيرًا لغرفته المتواجدة بأخر البناية، ورفع قدمه على الحائط سندها بها، وأخرج المفتاح من جيب سرواله، وفتح الباب، ومن ثم عدل وضعها ودلف بها للداخل غالقًا الباب خلفه.
اقترب من الفراش الوحيد الموجود بالغرفة، ووضعها عليه بكل ما يملك من رفق.
شعرت ببرودة تلفح جسدها فور ابتعاده عنها، فرمشت بأهدابها وهمست بصوتٍ ضعيف بين النوم واليقظة.
"جبل.. خليك جنبي"
فك حجابها وأزاحه عنها، ومن ثم فك عقدة شعرها لينسدل ويحيط وجهها كهالة سوداء يتوسطها وجهها الأبيض الحليبي بطالة كالقمر في ليلة تمامه.
رغم تعبها وإجهادها الظاهر على ملامحها، لم يستطيع مقاومة سحرها.
شدة لهفته وخوفه من فقدانها أجبروه يرفع راية الاستسلام ويمحي عناده وغضبه منها مؤقتًا.
خلع حذاءه ومعطفه وقميصه، وبقي بكنزة حمالات سوداء اللون.
مال على الفراش الصغير بجوارها وعدل وضعها فأصبحت كلها داخل بين ضلوعه كما لو كانت ضلع ثانٍ له.
تعلقت هي فيه كالغريق الذي وجد منقذه.
قال "جبل" بهدوء مريب أثار الخوف في نفس "ورد" التي تصطنع النوم.
"نامي وارتاحي أنا جنبك يا ورد"
صمت لبرهةً قبل أن يتابع وهو يجز على أسنانه بوعيد مكملاً.
"هقعد جنبك لحد ما تصحي وبعدها هاكلك حتة علقة مخدهاش حمار في موقف!؟"
رواية ورد الجبل الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
"جبل" .. كانت تعابير الغضب من ورد تحتل ملامحه، لكن خوفه عليها كان أشد وهو يتأمل ثيابها الممزقة وهيئتها المزرية أثناء نومها.
وبعقله يدور ألف سيناريو لما واجهته في طريقها إليه، فقد صبره ولم يستطع الانتظار حتى تستيقظ من نومها.
جذب مقعدًا وضعه بجوار السرير الذي تنام عليه، وجلس عليه وبدأ يوقظها بنبرة هادئة لكنها لا تخفي غضبه المشحون:
"ورد اصحي لي شوية كده.. عايز أتكلم معاكي وبعدين ابقى كملي نومك."
ظلت مصطنعة النوم خوفًا من مواجهته، فنبرة صوته الحادة تدل على غضبة منها.
كادت أن تصرخ بفزع لكنها كتمت أنفاسها حين صاح جبل فجأة بصوتٍ مخيف:
"فتحي عيونك وبصيلي يا حلوة أنا عارف إنك صاحية وسمعاني."
فتحت عين واحدة تسترق النظر له وقالت برعب ظاهر بصوتها المرتجف:
"لا أنا نايمة ومش سمعاك."
قالتها وأغلقت عينيها بقوة وسحبت الغطاء عليها تخفي به وجهها وتختبئ من عينيه التي تحاصرها.
انبلجت شبه ابتسامة على شفتي جبل قمعها سريعًا قبل أن ينهض ويسحب الغطاء من عليها.
لتشهق ورد شهقة أشبه الصراخ وتحاول الفرار منه، لكنه قبض على تلابيبها رفعها بأكملها علقها بالهواء.
رواية ورد الجبل الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
تقف بتوتر، خافضة رأسها بخجل، تتجنب النظر له. كان هو متعمد رسم الجمود على ملامحه، رغم خفقات قلبه الحائرة التي تنبض بفرحة وقلق في نفس الوقت.
مد يده نحوها، جذبها من معصم يدها برفق، وتحدث بجدية قائلاً:
"تعالي أوريكي بيشتغل إزاي."
وقفت بجواره تتابع ما يفعله بدون تركيز نهائيًا. وجوده معاها بهذا القرب يفقدها عقلها. أقرت أنها وقعت في حبه من نعومة أظافرها.
ليقوم هو بتشغيل المياه أمامها أكثر من مرة:
"كده عرفتي هتشغلي السخن و الساقع منين؟"
أومات له برأسها دون النطق بحرف. ليتابع وهو يسير للخارج:
"خلصي براحتك وأنا مستنياكي برة."
أنهى جملته وسحب باب الحمام خلفه، أغلقه عليها. ومن ثم بدأ يجهز طعام الإفطار ويضعه على طاولة صغيرة مستديرة بجانب الغرفة.
بينما ورد انتهت من حمامها، جمعت خصلات شعرها داخل منشفة قطنية، وأخذت نفس عميق قبل أن تفتح الباب وتخرج بخطى مترنحة قليلاً. كان جبل يقف موليها ظهره منشغل في تحضير طبق من السلطة الخضراء.
فهمست إسمه بضعف قائلة:
"جبل.. أيه اللي جابك ورايا يا ورد؟"
رواية ورد الجبل الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
منذ اللحظة التي استمع فيها الجميع في مستشفى جامعة القاهرة للطب البشري لصوت الدكتور عبد الرحمن الجبل في ميكروفون إستقبال الطوارئ، انقلبت المستشفى رأساً على عقب.
"الرجاء تجهيز غرفة العمليات بالسرعة القصوى لاستقبال دكتور عبد الرحمن الجبل."
هرول أصدقاء جبل من الأطباء والممرضين، وحتى العاملين، على رأسهم الدكتور أيوب الذي هبط من سيارة الإسعاف التي كانت تحمل جبل.
جاء الجميع يركضون عليه بأعين منذهلة دامعة، يحاولون تقديم المساعدة لصديقهم الخلوق، ليتم إنقاذه.
كانت ورد في حالة يرثى لها من شدة صدمتها. لا تبكي، لا تصرخ، صامتة، صمت مخيف لا يبشر بالخير أبداً. تطلع حولها كالمغيبة، عقلها غير قادر على استيعاب ما حدث لزوجها الممد على سرير المشفى بلا حراك، غارق في دمائه.
جدها الجالس أسفل قدم زوجها، تراه لأول مرة في حياتها. يبكي بكاء يقطع نياط القلوب على حفيده عزيز قلبه.
وقفت تراقب محاولات إنعاش قلب زوجها بملامح مبهوتة.
"لااااااا عبد الرحمااااان لااااااا!"
انتفضت بفزع حين رأت فتاة ترتدي ثياب الأطباء جاءت تركض نحو زوجها وهي تصرخ بعويل، صرخات متتالية مرددة بانهيار.
كثرت الهمهمات من الواقفين حول ورد، لتقول إحدى العاملين بشفقة: "يا حول الله يارب، دكتورة سارة خطيبته، هتجنن عليه."
"خطيبته!"
نطقت بها ورد التي جحظت عيناها، كادت أن تخرج من محجرها حين رأت تلك المدعوة سارة ترمي على صدر زوجها مرددة بصراخ: "قوم يا حبيبي.. متسبنيش يا عبد الرحمن.. أنا مقدرش أعيش من غيرك يا حبي!"
قطعت حديثها، وشهقت شهقة حادة حين هبطت على أعلى ظهرها صفعة قوية. يد قبضت على حفنة سخية من شعرها جذبتها بمنتهى العنف بعيداً عن جبل.
ورد صاحت في وجهها بغضب عارم قائلة: "جوزي يبقى حبيبك وكمان متقدرش تعيشي من غيره!"
تحولت ملامحها المذعورة من شدة خوفها على زوجها لأخرى متوحشة حين تملكتها الغيرة عليه، وتابعت بلهجة جادة دبت الرعب بأوصال سارة: "طيب أنا بقى هخلص عليكي، وهو لو فضل فيه الروح هخليه يحصلك."
أنهت حديثها وهجمت عليها كالقطة الشرسة، تنهشها بأظافرها وتلكمها بكلتا يديها، وحتى قدميها، مرددة بصراخ مقهور: "أنتي يابت مش عارفة إن جبل يبقى جوزي ودايرة تقولي للمستشفى أنه خطيبك يا خطافة الرجالة يا عديمة الترباية!"
ما تفوهت به وما فعلته كان صدمة للجميع، جعلتهم تسمروا مكانهم ويرمقون سارة بنظرات ساخطة. بعدما نجحت ورد في تشويه سمعتها بنجاح، بعضاً من الحاقدين على علاقة ورد بزميلتهم تركوا ورد عن قصد. تنفسوا عن غضبها، ومنعوا أصدقائهم لمساعدة سارة. اللحظات قبل أن يهرولوا عليهم ويبعدوها عنها بشق الأنفس.
"أطمن على عبد الرحمن ويقوم بالسلامة، وهدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي أوي."
قالتها سارة بنبرة متوعدة قبل أن تسير من أمام بخطى غاضبة. ورد تدلف داخل غرفة العمليات خلف جبل.
وقفت ورد تلتقط أنفاسها، مختبئة خلف إحدى الجدران بعيداً عن أعين جدها الواقف أمام غرفة العمليات. تعلم أنه إذا أمسك بها الآن لن يتركها حية. علامات الذعر على وجهها منه، ولكن ارتجاف قلبها على زوجها أكبر.
تدعو له وتتوسل للمولي عز وجل أن لا يضرها فيه.
مر الوقت ببطء مميت حتى فتح باب غرفة العمليات أخيراً. فانسحبت الدماء من عروق ورد وانقطعت أنفاسها حين خرج الدكتور أيوب واقترب من جدها الذي لم تقو قدميه على حمله، فسقط أرضاً من هول الموقف، مردفاً بنبرة راجية: "قولي إن حفيدي عايش يا دكتور."
"أطمئن ياعم الحج.. الحمد لله حفيدك كويس.. عنده حبة جروح هما أه كتير بسبب إزاز العربية اللي وقع عليه، بس كلها سطحيه والحمد لله مفيش كسور. شرخ بسيط في دراعه.. متقلقش عليه، جبل اسم على مسمى."
قالها أيوب وهو ينحني عليه ويساعده على النهوض وأجلسه على أقرب مقعد.
شهقت ورد شهقة قوية تسترد بها أنفاسها، وتركت دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة، مرددة: "الحمدلله يارب."
مسحت دموعها بظهر يدها، وسارت بخطى مرتجفة. اقتربت من أيوب مبتعدة عن جدها بحذر، وتحدثت بصوت متحشرج بالبكاء: "عايزة أشوف جوزي يا دكتور."
"أنتي لسه هنا يا وش الفقر يا جوازة الشوم!"
نطق بها جدها وهو ينهض من مقعده، وكاد أن يقبض على عنقها إلا أن أيوب منعه عنها وهو يقول بتعقل: "أهدى يا حاج من فضلك.. هي ملهاش ذنب، ده قدر ربنا والحمد لله قدر ولطف، ومن حقها تطمن على جوزها."
صاح الجد بغضب وهو يحاول الوصول لها بشتى الطرق: "سيبني يا دكتور دي هي السبب في كل المصايب اللي بتحصل لنا.. وجبل كان عايز يطلقها وأنا اللي وقفت له ومنعته وخليتها على ذمته لحد ما كانت هتجيب آجله."
صمت لوهلة يلتقط أنفاسه وقد وصل غضبه لزروته، مكملاً: "لكن ملحوقة والغلط مردود، وأول ما جبل يفوق أنا اللي هقوله يرمي عليكي يمين الطلاق، وهرجعك احبسك في البلد، ولو عملتي أي غلط تاني هدفنك جار أبوكي بيدي وأخلص منك ومن قرفك ومشاكلك."
كل هذا كان أمام أعين سارة التي خرجت للتو من غرفة العمليات، ووقفت تستمع لما يحدث بابتسامة ونظرات شامتة في ورد الواقفة بثبات عكس ما بداخلها.
"عايز أشوف جبل.. وديني لحفيدي.. وديني لجبل أشوفه أحب على يدك يا دكتور."
قالها الجد بصعوبة، وقد بدأ التعب يظهر على ملامحه وتلاشت أنفاسه، وسقط فجأة دون سابق إنذار بين يدي أيوب.
"جددددي!!"
صرخت بها ورد وهي تركض عليه وجلست على ركبتيها بجانبه أرضاً، تتابع أيوب بنظرات زائغة وهو يقوم بفحصه.
حمله أيوب وتوجه به لغرفة الكشف هو وبعض زملاءه، من بينهم سارة. فهرولت خلفهم ووقفت بجوار السرير تتابع محاولاتهم لإفاقته.
انقبض قلبها بفزع حين وصل لسمعها صوت أيوب يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
همست ورد بخوف قائلة: "ماله جدي يا دكتور."
أجابها أيوب بحزن: "أنتي أكيد مؤمنة بقضاء الله.. البقاء لله وحده.. جدك توفاه الله."
"سبحان الله وبحمده."
بدر.. ابتعل ريقه بصعوبة بالغة وهو يتنقل ببصره بين مالك وبين المستشفى الذي توقف أمامها، وتحدث بقلب يأكله الخوف والقلق: "أنت جايبني المستشفى ليه يا حضرة الظابط!"
"أختي جرالها حاجة."
رد عليه مالك قائلاً بأسف: "أنا قولت قدام والدك إني هستجوبك على كام سؤال لأن عندي علم بحالته الصحية.. مكنش هيستحمل يعرف إن بنته الوحيدة محجوزة في الرعاية وحالتها خطيرة."
ارتجف جسد بدر بشكل ملحوظ وفقد القدرة على كبح عبراته وهو يقول: "أختي حالتها خطيرة إزاي يعني! أيه اللي جرالها بالظبط."
ربت مالك على كتفه برفق مغمغماً بنبرة يملؤها الفخر: "أختك عملت عمل بطولي وسلمتنا الإرهابي الدولي وليد العربي."
"الإرهابي ده يبقى جوزها وأكيد هو السبب في اللي جرالها مش كده."
قالها بدر بحسرة على حال شقيقته. ليحرك مالك رأسه بالنفي مغمغماً: "هي كانت حامل وحاولت توهمه إنها بتسقط عشان تجبره يلحقها ويوديها المستشفى اللي قبضنا عليه فيها، بس حالتها ساءت مع الضغط النفسي والقلق والخوف الزيادة اللي مرت بيه."
قال بدر بعصبية مفرطة: "إزاي تعمل كده في نفسها، ده مش أول جنين تخسره يعني عشان تسلم جوزها ليكم تخاطر بحياتها!!"
أردف مالك قائلاً: "من يوم ما اتجوزت البني آدم جوزها ده وحياتها كانت ومازالت في خطر، ومش حياتها هي بس.. صمت لبرهة مكملاً: "وحياتك وحياة والدك ومراتك كمان.. عشان كده أمرنا ليكم بحراسة مشددة، وعايزينك تتعاون معانا يا بدر."
حديثه جعل الخوف يتملك من قلب بدر، ليس خائفاً على نفسه بل على والده وشقيقته وزوجته حبيبة قلبه أن يصيبهم مكروه. غادر السيارة وهرول برفقة مالك لداخل المستشفى وهو يقول: "أشوف أختي وأطمن عليها الأول وأتأكد إنها هي ووالدي ومراتي في أمان، وبعدها هنفذ كل اللي تطلبوه حتى لو هفديهم بروحي أنا موافق."
"سبحان الله العظيم."
وليد.. يقف أمامه الوزير غفران المصري بنفسه، ولم تهتز شعرة واحدة من رأسه، بل أنه يجلس بأريحية واضعاً قدم فوق أخرى ويتحدث بثقة تثير الغضب: "أنا خارج من هنا وأنت عارف ده كويس.. بس مش عايزك تقلق دلوقتي يا سيادة الوزير، مش هخرج غير لما أطمن على مراتي وأشوفها يعيني الأول."
ابتسم غفران ابتسامة ساخرة وهو يقول: "بقى عايز تقنعني إنك لسه باقي على الست اللي سلمتك لينا!"
"لا مش باقي عليها."
هكذا أجابه بمنتهى السهولة وصمت للحظة قبل أن يقول: "أنا عايز أطمن إن محدش هيخلص عليها غيري."
"بتكذب يا وليد."
قالها غفران وهو يشعل سيجارة وأخذ منها نفس دخانه ببطء، مكملاً: "شروق مراتك نقطة ضعفك الوحيدة، وبسببها أنت هنا، وقريب هتلبس البدلة الحمرا، إلا لو تعاونت معانا وساعدتنا نقبض على بقيت الحاشية بتاعتك.. ساعتها احتمال حكم الإعدام يتخفف من عليك، وبدل ما تتعدم."
قطع وليد حديثه بضحكاته المتتالية، مردداً من بينها: "أتقتل!!"
توقف عن الضحك وتحدث بلامبالاة: "أنا كده كده ميت، ومش فارق معايا كلامك ده كله، أنا عايز أشوف مراتي ودلوقتي، ومش هكرر طلبي ده تاني يا سيادة الوزير."
برزت عروق غفران بخطورة تدل على شدة غضبه من لهجة التهديد الذي يتحدث بها وليد، ليزيد الأخير من غضبه أكثر حين حرك رأسه له بالإيجاب، مكملاً بصوت جوهري: "وأه بأهددك وبأهددكم كلكم، ولازم تخافوا لأنكم أكيد عارفين مين هو وليد العربي، ويقدر يعمل أيه."
نظر له غفران نظرة مطولة بعدما أدرك جيداً مع من يتعامل، الجالس أمامه الآن يشبه بشئ واحد فقط، وهو عشقه لزوجته، رجل عاشق على أتم استعداد حرق الأخضر واليابس من أجل معشوقته.
أمسك غفران جهاز اللاسلكي الذي أمامه وتحدث به قائلاً: "أيه الأخبار يا حضرة الظابط."
جاءه رد مالك يقول بعملية: "كله تمام سيادتك.. إحنا في المستشفى عند شروق الزيني و..."
توقف عن الحديث حين صاح وليد بحدة يصحح كنية زوجته: "شروق العربي."
تجاهل مالك ما قاله وتابع حديثه قائلاً: "والدكتور قال حالتها متسمحش أننا ننقلها خطوة واحدة لأن ده في خطر على حياتها وحياة الجنين."
غزت الفرحة ملامح وليد، لكنه أخفاها ببراعة وتساءل ببرود: "هو الجنين منزلش."
"صاح فجأة بغضب عارم وهو يخبط بكلتا يديه المقيدة على الطاولة أمامه: "أنا عااااايز أشوف مراتي دلوقتي حالا."
قال مالك بنفاذ صبر: "افهم يا بني آدم أنت.. الدكتور قال مراتك كانت حامل في تؤام، وفي واحد منهم نبضه وقف والتاني نبضه ضعيف، والأم حالتها مش مستقرة نهائي ومحتاجة نقل دم. لو كل ده مش فارق معاك وعايزها تموت قول وأنا أجبهالك."
"لا متجبهاش.. تعالى خدني وديني ليها يا مالك."
أردف بها وليد بنبرة شبه متوسلة رغم جمود ملامحه.
صمت لوهلة قبل أن يقول: "ومش ههرب منك.. هرجع معاك تاني."
قال غفران بلهجة لا تقبل الجدال وهو ينهض من مكانه ويسير لخارج غرفة التحقيقات: "مالك بلغ الدكتور المشرف على حالتها أول ما تتحسن يبلغنا عشان نجيبها لجوزها لأنه مش هيخرج من هنا."
"صل على محمد."
مر أسبوع كامل كان أصعب وأطول الليالي على الجميع. أخبر أيوب جبل بوفاة جده بعدما تحسنت حالته قليلاً. وفور تمكنه من النهوض على قدميه، استلم الجثمان من ثلاجة المستشفى، وقام بالسفر به ودفنه برفقة والده وعمه في مسقط رأسه. وعاد إلى مصر ثانية برفقة والدته وأشقاءه البنات، وزوجة عمه والدة ورد وشقيقاتها. كان مطمئناً عليهم في حياة جده. أدرك حكمة الله في نجاته من الحادث رغم صعوبته، فلم يصبح لأهل بيته أحداً سواه بعد الله. هو رجل لهم الوحيد، فقرر عدم تركهم بمفردهم بعد الآن.
ساعده الدكتور أيوب في العثور على شقة واسعة بنفس منزلهم، لكن بالطابق الثالث. فالغرفة التي كان يقيم بها على سطح المنزل لن تسعهم. قام بفرشها على أكمل وجه بعدما ورث مبلغاً معقولاً بعد وفاة جده. قام بتقسيمه بين الورثة بعدل الله.
طيلة هذا الأسبوع لم ينطق بحرف واحد لورد، حتى أنه لم ينظر لها حتى لو نظرة عابرة. يتحدث مع الكل إلا هي، ومنع الجميع من لومها وتحميلها ذنب ما حدث له أو وفاة جدهم. وهي ظلت بجواره لم تتركه لحظة واحدة أثناء تواجده في المستشفى، تحلت بالصبر ولجمت غضبها لأول مرة على غير عادتها من هول صدمتها حين رأته أمام عينيها وهو ممسك بيد المدعوة سارة ويتغزل بها.
واليوم هو أول يوم لهم بشقتهم الجديدة.
"بسم الله ما شاء الله!!"
نطق بها وفاء والدة جبل وصباح والدة ورد بنفس واحد فور دخولهم من باب الشقة.
تطلعوا حولهم بانبهار من جمال ورقي المكان حولهم. لتقول صباح بعتاب: "كلفت نفسك أوي يا ابني وخلصت كل فلوسك على فرش الشقة.. كنت وفرت اللي صرفته وجبت عفشك أنت وورد اللي في البلد ده، حتى لسه جديد بدل التكلفة دي كلها."
سار جبل نحو أقرب مقعد وهم بالجلوس عليه، فأقتربت منه ورد ومدت يدها له تريد مساعدته، إلا أنه رفض مساعدتها وأمسك بيد تلك السارة التي دلفت للتو عبر باب الشقة كسهم منطلق نحو زوجها، جعلت الدهشة تعتلي ملامح الجميع.
تجاهل جبل نظراتهم المستفسرة عن تلك الواقفة بجواره وتحدث بهدوء قائلاً: "العفش اللي في البلد ده حاجة ورد وحقها يا مرات عمي.. مينفعش ناخده منها."
"مين البنت دي يا جبل!"
سألته وفاء وهي ترمقه بنظرة غاضبة.
أجابها جبل وهو ينظر لسارة بابتسامة أحرقت قلب ورد الواقفة تتابع ما يحدث بصمت مريب: "دي سارة زميلتي في الكلية اللي حكيت لك عنها يا أمي."
مدت سارة يدها لوفاء بالسلام وهي تقول برقة: "أتشرفت بمعرفتك حضرتك يا طنط."
بادلتها وفاء السلام بملامح ظاهر عليها الغضب. أشار عبد الرحمن لها على زوجة عمه وهو يقول: "ودي مرات عمي وبعتبرها أمي التانية يا سارة."
مدت يدها لها بالسلام: "أهلا وسهلا يا طنط، نورتوا مصر."
"مصر منورة بأهلها يابنتي."
قالتها صباح بنبرة حزينة وهي تتنقل بنظرها بينها وبين ابنتها. لتسرع وفاء نحو ورد وتجذبها من يدها، أوقفتها أمام سارة وتحدثت بنبرة ذات مخزي قائلة: "ودي تبقى ورد مرات جبل."
"كانت مراتي يا أمي."
صاح بها جبل بنبرة لا تخفي غضبه المشحون أبداً.
شهقت كلا من وفاء وصباح شهقات خافتة وساد الصمت للحظات قبل أن تقطعه صباح مردفة بتساؤل: "يعني أيه كانت دي يا جبل!"
أخيراً نظر جبل لورد الواقفة بثبات وملامح خالية من المشاعر، ونطق بجملة جعلت والدته تلطم خديها حين قال: "ورد مش هتكون غير بنت عمي وبس."
صمت لدقيقة كاملة ينظر لعيناها الظاهر بهما قوة وعناد ضاعفت غضبه منها، ومن ثم تابع بتنهيدة تدل على ارتياحه: "أنتي طالق يا ورد!!!"
بكت والدته وهي تقولي: "لهوووي.. طلقت مراتك يا جبل!! ليه كده بس يا ابني!!"
"طيب أنا هعمل مكالمة وارجع لك تاني يا جبل."
قالتها سارة قبل أن تنسحب لخارج الشقة، بينما كانت صباح تستعد لتنقض على ورد الواقفة لم تبدي أي رد فعل سوى الهدوء والصمت، ليوقفها صوت جبل الغاضب يقول: "مافيش داعي للضرب يا مرات عمي.. كفاية بهدلة وقلة قيمة لحد كده، و خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد.. ولاد عم وزي الأخوات وبس.. وصدقوني ده كده هيكون أفضل لينا كلنا.. مش كده يا ورد."
كان يتحدث دون أن يبتعد بعينيه عن عينيها، ذهلته حين ابتسمت ابتسامة تخفي بها وجعها واقتربت منه بخطوات بطيئة كأنها تجر قدميها جرا، وقفت أمامه مباشرة وأخذت نفس عميق قبل أن تتحدث بتعقل شديد وتستغني عن اندفاعها لأول مرة بحياتها: "أنا لما جيت وراك من البلد كنت جاية هربانة من العذاب والمرمطة اللي بشوفهم على إيد جدي وأمي.. كنت جاية أرضيك وفي نفس الوقت أتحامى فيك منهم.. كانوا بيعملوني على إني عدوتهم مش بنتهم. ولما أنت رجعت بعد كل السنين اللي غبتها عني وشوفتك حسيت للحظة إن ربنا عوضني بيك بعد موت أبويا، وعشان كده كنت بحاول أحافظ عليك عشان مخسركش.. فكرت إني لما أجي وراك مصر هتفرح بيا ونفتح صفحة جديدة ونبدأ حياتنا مع بعض.. لكن أنت فضلت تجلد فيا وتعد عليا غلطي اللي أنا معترفة بيه أصلاً، بس كنت في حالة مش مستحملة تأنيب ولا لوم وعتاب."
توقفت عن الحديث حين شعرت برغبة قوية في البكاء. لجمت دموعها وتابعت دون أن تمحي الابتسامة عن وجهها: "كنت عايزك تطمني.. تقولي متخافيش يا ورد.. لكن أنت طلعت زيهم وضړبتني، وأنا اللي غبية فكرتك هتاخدني في تحت جناحك وتحميني."
وقفت والدتها تبكي بنحيب بعدما شعرت بمدى خطأها في حق ابنتها. بينما نظرت له ورد نظرة جعلت الندم يشق طريقه نحو قلبه، نظرة تخبره بها أن الجميع خذلها وهو أولهم، وتابعت بتنهيدة: "بس تعرف أنا فعلاً ارتحت لما طلقتني يا جبل.. أنا كنت غلطانة وأنت كان عندك حق.. ومن اللحظة دي أنت مش هتكون بالنسبالي غير ابن عمي وبس."
نظرت لوالدتها الباكية بذهول مرددة: "أيه يا ماما أنتي وقفه ټعيطي! أنا أطلقت مش هتجبيني من شعري تحت رجلك وتخلصي عليا زي ما كنتي بتقولي لي!!"
"تعالى يا ورد.. تعالى يا ضنايا."
قالتها صباح وهي تقترب منها فاتحة ذراعها لها تنوي احتوائها بين يديها، لتبتعد ورد عنها على الفور وتتراجع للخلف وهي تحرك رأسها بالنفي مرددة بتعجب: "أيه ده معقول صعبت عليكي! غريبة أوي بجد، مع أن المثل بيقول ميصعبش عليك إلا الغالي."
دارت بعينيها تتنقل بينهم فرد فرد مكملة بغصة مريرة: "وأنا عمري ما حسيت إني غالية عند حد غير أبويا الله يرحمه."
هبطت دمعة حارقة من عينيها، مسحتها بعنف وأغمضت عينيها مكملة بتمني شديد: "ويجمعني بيه في أقرب وقت."
"بعد الشر عليكي."
تمتم بها جبل بسره، رغم أنه مصطنع الجمود على ملامحه، إلا أن ما تفوهت به كان كالإعصار أحدث ضجيج وصخب بقلبه. فتح فمه وكاد أن ينطق اسم ورد، ولكن صمت ثانية حين جاءت تلك السارة مرة أخرى، وقفت بجواره: "لازم تغير على الجرح دلوقتي وتاخد العلاج يا عبد الرحمن."
همست بها سارة وهي تمسك كف يده أمام الجميع بجراءة، تحثه على النهوض معها. على الرغم من أنها ليست أول مرة تفعلها، كانت تتعمد تمسك يده أمام ورد. طول فترة مكثه في المستشفى حينها كان يرى نظرات ورد تشتعل بنيران الغيرة الحارقة، أما الآن تطلع في عينيها ليتفاجأ بنظرتها الخاوية الخالية من المشاعر خاصة تجاهه هو. اصطك على أسنانه، كاد أن يهشمها عندما انسحبت ورد من المكان وتركتهما ودخلت إحدى الغرف وأغلقت الباب خلفها. بالتأكيد تركت دموعها تغرق وجهها. تمنى في تلك اللحظة لو يذهب خلفها ويحتويها بين يديه، ولكن كيف وهي أصبحت لا تحل له بعدما ألقى عليها يمين طلاق قبل أن يتم زواجه منها. فإذا أراد أن يردها لن ينفع إلا بموافقتها وبعقد جديد، وهو على يقين أن تلك العنيدة لن تقبل العودة له.
رواية ورد الجبل الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
عينيها ليتفاجأ بنظرتها الخاوية، الخالية من المشاعر، خاصة تجاهه هو.
أصطك على أسنانه، كاد أن يهشمها، عندما انسحبت ورد من المكان وتركتهما. دخلت إحدى الغرف وأغلقت الباب خلفها. بالتأكيد تركت دموعها تغرق وجهها.
تمنى في تلك اللحظة لو يذهب خلفها ويحتويها بين يديه. ولكن كيف؟ وهي أصبحت لا تحل له بعدما ألقي عليها يمين طلاق قبل أن يتم زواجه منها. فإذا أراد أن يردها، لن ينفع إلا بموافقتها وبعقد جديد. وهو على يقين أن تلك العنيدة لن تقبل العودة له.