تحميل رواية «ونس العمر» PDF
بقلم اسماء علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
صباح الخير يا ونس! صباح النور يا يونس! كنت نازلة على السلم بهدوء، ف قابلت يونس وهو بيخرج من البيت. ابتسمت بهدوء ليه بس هو بادر وألقى التحية. "على فين كده؟" رفعت كتفي بلامبالاة وأنا بعدل شنطتي على كتفي وقلت: "هو في غيره... الشغل." رفعت نظري ليه لما موصلنيش أي رد فعل منه. لقيته بيبصلي بنظرات غريبة مقدرتش أعرف إيه معناها. حركت رأسي بسرعة، وقلت: "وخالتو عاملة إيه؟" "بخير الحمدلله." هزيت رأسي بلطف، وقلت: "طب أستأذن أنا بقى." "استني، هوصلك في طريقي." "شكراً، ملوش داعي مش عايزة أتعبك معايا." "تعبك راحة...
رواية ونس العمر الفصل الأول 1 - بقلم اسماء علي
صباح الخير يا ونس!
صباح النور يا يونس!
كنت نازلة على السلم بهدوء، ف قابلت يونس وهو بيخرج من البيت.
ابتسمت بهدوء ليه بس هو بادر وألقى التحية.
"على فين كده؟"
رفعت كتفي بلامبالاة وأنا بعدل شنطتي على كتفي وقلت:
"هو في غيره... الشغل."
رفعت نظري ليه لما موصلنيش أي رد فعل منه.
لقيته بيبصلي بنظرات غريبة مقدرتش أعرف إيه معناها.
حركت رأسي بسرعة، وقلت:
"وخالتو عاملة إيه؟"
"بخير الحمدلله."
هزيت رأسي بلطف، وقلت:
"طب أستأذن أنا بقى."
"استني، هوصلك في طريقي."
"شكراً، ملوش داعي مش عايزة أتعبك معايا."
"تعبك راحة يا ونس."
وقرب مني، ونزل قدامي على السلم، وقال:
"يلا!"
نزلت وراه بهدوء متناسق مع هدوئه المبالغ فيه من وجهة نظري.
يونس ابن خالتي، كان عايش في لندن مع باباه. من بدايته دراسته في الثانوي وهو هناك. اتعلم واتخرج وهو في لندن واتشغل برضه وهو في لندن. حتى من كتر ما هو اتأقلم واعتاد الحياة والجو هناك مكنش بينزل مع باباه كل سنة، وقليل جداً لما كان ينزل مصر.
يونس دكتور جراحة، وشاطر جداً في مجاله لإنه بيحبه وبيتقي ربنا في عمله.
يونس من الرجالة اللي بحسها خارجة من عالم موازي، عالم هادي، عالم ملوش دعوة بحياة حد عامةً. خارج من بنتريست، المكان الوحيد اللي بيعكس روح يونس.
شاب حياته منظمة جداً.
مهتم بهيئته، وشكله، وإطلالته.
صعب جداً تأخدي منه كلام، لإنه قليل الكلام.
هادي، بس هدوءه بيميل أكتر للامبالاته.
ناضج ومعاكي على طول الخط.
من الناس اللي بتسيب المجال للشخص اللي قدامه إنه يتكلم براحته بدون أي قيود، وهو يسمع بدون أي ملل.
بس فيه جانب منه سيء وهي عصبيته، ف على قدر الإمكان اللي يعرفوه بيبعدوا عنه وقت عصبيته.
يونس صاحب ملامح بسيطة هادية بس جميلة. مش جمال أوفر لا جمال عادي. بس هو بيهتم بنفسه فالطبيعي يكون شكله حلو.
نزل من لندن بقاله أسبوعين، ودي لأسباب أنا معرفهاش حقيقي. بس الحلو إن خالتو كانت مبسوطة أوي برجوعه وإنه هيستقر أخيراً.
"ممكن على جنب بقى."
قولتها بهدوء وأنا ماسكة شنطتي.
حرك نظره على المكان، وقال:
"إنتي بتشتغلي هنا؟"
هزيت رأسي بتأييد، وقلت:
"أيوة."
وفتحت الباب ونزلت، وقلت بابتسامة:
"شكراً يا يونس."
هز رأسه هزة بسيطة مع ابتسامة صغيرة.
قفلت الباب واتحركت اتجاه جهة عملي.
وأنا في طريقي قابلت دكتور أمجد.
"صباح الخير يا ونس!"
"صباح النور يا دكتور."
"بس إيه يا ونس جاية بدري كعادتك ليه؟"
ضحكت على جملته. الدكتور بيتكلم بسخرية لأني بتأخر كل يوم عن الميعاد الأساسي ولازم يتخصم من مرتبى.
"قلت كفاية تقطيع في المرتب يا دكتور."
ضحك بخفة، قال:
"يا خوفي من حماس البدايات ده."
"أنا مش مخوف قلبي غيره."
ضحكت أنا والدكتور ودخلنا المستشفى.
***
"هي إزاي توقف معاه وتضحك بالشكل ده؟"
قلتها بغضب وأنا بلمح ونس والإنسان اللي كان واقف بيضحك معاها.
كنت لسه هنزل من العربية، إلا إن هما دخلوا المستشفى.
اتنفست بغضب وشغلت العربية واتحركت.
"أنا هعرف إزاي مخليهش تقف الوقفة دي مع جنس آدم تاني."
مش غيرة.
أنا بعتبر ونس أختي أو ده اللي بحاول أقنع نفسي بيه.
أنا طول مدة سفري وأنا كنت بحاول أتجنبها، مش عارف إيه السبب. بس حسيت بمشاعر نحيتها في الثانوي وقبل كده عامةً لإننا كنا مع بعض على طول.
فحاولت أتجنب المشاعر دي، وأركز في حياتي عشان معملش حاجة طايشة. وده مش لإني مش عايز ونس أو هي مش من النوع اللي هيناسبني. إطلاقاً.
ونس عزيزة جداً على قلبي.
نظراً لشخصيتها الهادية والمرحة.
وطبيعتها الجميلة والطفولية بعض الشيء.
وفكرها السليم ونضجها بالحياة.
بالعكس ونس من الناس المميزة والقليلة اليومين دول.
بس هو كده، عند في مشاعري وخلاص.
أو خايف من فكرة إنها مش بتبادلني نفس الشعور.
"يونس، أبو الصحاب!"
"أيهم، حبيب الملايين!"
اتبدلنا الأحضان بشوق.
قعدت قصاده على الكرسي، وقلت:
"واللهِ وحشني يا صاحبي."
"ما إنت اللي ندل، عجبتك أوي يا أخويا العيشة بره."
ضحكت بخفة، وقلت:
"ما إنت عارف اللي فيها يا صاحبي."
شبك إيده في بعضها، وحطها على الترابيزة وهي بيشد جسمه لقدام، وقال بهدوء:
"وهي طاحت بصحيح."
سندت ضهري على الكرسي، وقلت بسخرية:
"طاحت يا خويا طاحت."
"وإنت زعلان ليه يا خويا؟ هي كانت مستشفية أبوك."
ضحكت بصوت عالي، وقلت:
"يا عم كان فيها أكل عيشي."
"إنت اللي خايب لو كنت فضلت في مصر وعرفت مصلحتك كنت زمانك بتغمس العيش بالفول والطعمية بدل ما كنت بتاكله حاف."
بصتله لبره بعدم تصديق، ودخلت في موجة ضحك ملهاش آخر.
***
"الجميل ماشي لوحده ليه؟"
كنت راجعة من الشغل بليل، وبصعوبة على ما لقيت باص أرجع فيه.
نزلت منه وأخدتها جري لحد ما وصلت أول الشارع، لإن المنطقة دي بتكون ضلمة وأنا قلبي بيتخيل حاجات هتوقف قلبي معاها.
بصيت لمصدر الصوت باستغراب، لقيت شابين واقفين على بعد مش بطال مني.
أنا حقيقي في اللحظة دي قلبي بدأ يدق بسرعة، وأنفاسي أصبحت مش منتظمة.
بلعت ريقي بصعوبة، ورجعت خطوة لورا، ولفيت ضهري بسرعة ومشيت من غير أي رد.
"إلحق، دي بتتقل علينا."
سمعت الجملة دي، بدأت أحس برعب حقيقي وفضلت ماشية وخايفة أبص ورايا أشوفهم لسه بيلاحقوني ولا بعاد عني ولا قريبين. بس بسبب رعبي مقدرتش ألف.
كنت بدأت أوصل البيت، وبدأت أدخل في آخر الشارع وكان في ناس موجودين هناك وده اللي طمني نسبيًا. بس لما خطفت نظري لطريق ورايا، لقيت الشابين لسه ماشيين ورايا وبيحاولوا يجاروا خطواتي.
وأنا برجع أبص لقدامي خطبت في حد من غير ما آخد بالي.
وقع تلفوني مني نزلت بسرعة وأخدته وأنا بخطف نظرة للولدين.
اتعدلت بسرعة لما لقيتهم بدأوا يقربوا مني، بصيت قدام ولسه همشي.
"ونس!"
رفعت نظري لصاحب الصوت، وقلت:
"إيهاب!"
"مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟"
بصيت ورايا، وحركت عيني باستغراب شديد لما ملقتش الشابين، ورجعت بصيت لإيهاب، وقلت:
"إنت عارف إن أول الشارع ضلمة وأنا واخداه جري لحد هنا مش كتر الخوف."
ضحك إيهاب بصوت عالي، وحط إيده على كتفي، وقال:
"يا بنتي إنتي هتفضلي بتخافي من خيالك كده."
"قولتلكم هاتولي عربية عشان مطبش واقعة منكم بسبب الشارع اللي يرد الروح للخالقها ده."
ضحك بصوت عالي، وقال وهو بيزقني عشان أدخل البيت:
"عربية؟! الله يرحم أبوكِ كان بيشرب الشوربة بالخرطوم."
ضحكت بصوت عالي وأنا طالعة على السلم، وقلت:
"كان بيشربها إزاي بالخرطوم؟"
"ده على أساس إن هو كان بيشربها أصلاً؟"
"أيوة صح أبويا مش بيحب الشوربة أصلاً."
قلتها وأنا بحرك إيدي على جبهتي، كأني بستوعب.
بص إيهاب لفوق وهو بيقول:
"يا ربي على الغباء!"
"بتقول إيه؟"
"ما بقولش!"
"بس إنت كنت بتقول يا ربي على الغباء."
قلتها بمرح وأنا بضيق عيني ليه.
ضحك إيهاب، وقال:
"يا شيخة الله يكون في عونه اللي هياخدك."
"ده يا بخته اللي أنا من بخته، دا تلاقي أمه دعياله في ليلة قدره."
وقف قدام باب شقتهم، وبصيلي، وقال:
"أقصد دعت عليه."
"Wherever..." ملحقتش أكمل جملتي، بسبب الصوت اللي هز العمارة كلها:
"يـــــــــــونس!"
رواية ونس العمر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماء علي
يـــــــــونس!
_ في إيه؟
قلتها بخضه، وأنا ببص لإيهاب.
الصوت اللي صدر من الشقة فجأة كان صوت صراخ، مش زعيق أو إنها بتنادي على يونس.
قربت من إيهاب وهو بيفتح الباب بسرعة.
دخل إيهاب ودخلت بعديه، وأنا بحرك نظري على الصالون.
بس مكنش فيه حد.
الصالون فاضي، وخالي مش أي صوت.
حركت نظري على إيهاب اللي بصلي باستغراب.
كنت لسه هتكلم.
بس دخل سِنان فجأة، وهو بيقول بأنفاس متسارعة:
_ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
رفعت كتفي بجهل، وقلت:
_ مش عارفه.
_ ماله أبوك يا يونس؟
اتقدمت بسرعة ناحية الصوت، وجري ورايا إيهاب وسِنان.
وصلت للأوضة اللي خرج منها الصوت.
فتحت عيني بخضه وأنا بلمح عمو علي أبو يونس واقع على الأرض، ويونس ومامته بيحاولوا يفوقوه.
نزلت بسرعة جانب يونس، وقلت:
_ في إيه؟ عمو ماله؟
_ مش عارفه يا ونس، مرة واحدة لقيته وقع من طوله.
حركت نظري على يونس اللي بيقيس لعمو النبض.
_ قوم يا يونس، ننقله المستشفى.
وقمت من مكاني بخفة وأنا بحط إيدي على دراع سنان ونظري على إيهاب، وقلت:
_ يلا يا سنان، يلا يا إيهاب ساعدوا يونس في شيل عمو.
في الوقت ده سمعنا صوت عربية إسعاف تحت العمارة.
فعرفت إن يونس رن عليهم.
شال يونس وإيهاب وسنان عمو علي ونزلّوه لِ عربية الإسعاف.
ركبت عمتو عفاف والدة يونس مع باباه.
ورُكبت أنا مع يونس وركب سنان مع إيهاب واتحركنا على طول ورا عربية الإسعاف.
خطفت نظرة لِ يونس، اللي كان مثبت عينه على الطريق وكان هادي بشكل يقلق.
حاولت أفتح طرف خيط للكلام، بس حسيت إن ده مش وقته ولا أنا حمل عصبيته اللي أكيد هتطلع علينا.
نزلنا من العربيات كلنا في نفس الدقيقة.
اتقدمت أنا مش خالتو وسندتها عشان كانت منهارة.
ودخل يونس وإيهاب وسنان جري ورا الممرضين.
دخلنا من باب المستشفى، كان سنان بيخلص الورق بدل إيهاب ويونس.
طلعت أنا وخالتو قدام أوضة العناية بعد ما عرفت من سنان إنهم هيدخلوه العناية نظرًا لتدهور حالته.
وصلت وكان يونس واقف قدام الأوضة، وأيهاب قاعد وساند كوعه على رجله.
اتقدمت وقعدت خالتو على أقرب كرسي.
خطفت نظرة ليهم بتوتر، ورجعت لِ سنان تاني.
_ ها يا سِنان عملت إيه؟
بصيلي وهو بيسلم الورق لأحد الممرضات، وقال:
_ خلصت تجهيز الورق، بس الوضع مش مبشر خالص.
بصتله بقلق من اللي جاي، وقلت:
_ في حد قالك حاجة؟
حط إيده على كتفي، وقال بهدوء:
_ الممرضة اللي كانت مع عمك قالت إن وضعه مش مستقر.
اتنهدت بضيق، ومشيت مع سِنان بهدوء.
الأجواء متوترة والأعصاب مشدودة.
والصمت هو المتحدث الوحيد في الممر.
والنظرات المترقبة من الجميع.
يونس اللي رايح جاي في الممر بتوتر بسبب تأخر الدكتور.
و إيهاب اللي قاعد يهز رجله بتوتر وقلق كبير.
وخالتو اللي قاعدة بتدعي ودموعها على خدها.
جنبها ماما اللي جت بسرعة بعد ما عرفت.
وبابا اللي قاعد جنب إيهاب بقلق.
وأنا وسنان قاعدين جنب بعض.
الوقت كان اتأخر، والدكتور كمان طول أوي.
وأنا حرفيًا هموت وأنام.
سندت رأسي على كتف سنان ومسكت دراعه وأنا بتاوب.
___
ونس!
سمعت حد بيهمس باسمي وفكرت إني بحلم، فكملت نوم.
معداش ثواني وسمعت صوت صوا.
فتحت عيني بفزع وأنا بتعدل في قعدتي.
ملحقتش أستوعب حاجة، ولقيت سنان بيقوم من جانبي بسرعة.
بصيت ناحية أوضة العمليات، كان الكل متجمع.
وخالتو وماما بيعيطوا.
قمت بفزع وقربت من التجمع.
لقيت يونس ماسك الدكتور بغضب.
وإيهاب وبابا بيحاولوا يبعدوا يونس عن الدكتور.
_ دكتور أمجد!
دخلت في نص الخناقة، وقلت:
_ في إيه؟ ده مش مكان خناق، ميصحش كده يا يونس.
بصيلي يونس بغضب، وفك قبضته من على الدكتور.
حركت نظري على الدكتور، وقلت:
_ أخبار عمي إيه يا دكتور؟
بصيلي بهدوء، وقال وهو بيعدل نظارته:
_ عمك تعيشي إنتِ يا ونس.
قال جملته ومشي بأسف.
أنا كنت زي اللي صابني ماس كهربائي، فاتحة عيني بصدمة ونظري مثبت على نفس النقطة اللي كان واقف فيها الدكتور.
مرت رعشة في جسمي لما سمعت صوت الصريخ، وفقدت الإحساس في رجلي وكأنها شُلت.
كنت واقفة وحاسة إن العالم بيلف بيا، ومحستش بحاجه غير لما سنان حط إيده على كتفي.
حركت نظري لِ بعدم تصديق، وقلت:
_ الكلام ده صح يا سِنان؟
دموعي نزلت تلقائية لما لقيت سِنان بيبصلي بحزن طاغي.
مسح دموعي بألم وحضني برفق وهو بيقول:
_ لله ما أخد، ولله ما أعطى يا ونس.
انسدلت دموعي على خدي وصوت شهقاتي بدأ يعلي، بس حاولت أكتم صوتي.
لازم أبين ثابتة عشان خالتي وإيهاب وبابا و..
ويونس أكتر واحد محتاجنا دلوقتي.
يونس كان قريب أوي من باباه، يمكن أقرب من إيهاب.
يونس كان عايش مع باباه بره وكل وقته كان معاه، وعمي علي كان بيحب يونس جداً وكان ليه مكانة خاصة على قلبه.
الفترة دي هتبقى صعبة أوي على يونس.
لما بصيلي بغضب، إلتمست نظرة الألم اللي كانت ظاهرة من عيناه، بس اتجاهلتها.
وبعد ساعات دُفن عمي علي وبدأ العزاء في البيت.
مكنش فيه أصوات في البيت.
خالتو عارفة ربنا كويس ومنعت أي حاجة حرام.
القرآن هو الحاجة الوحيدة اللي تقدري تسمعيها دلوقتي وإنت داخل شقة عمي.
البيت مليان نساء لابسين أسود، وصوت الهمسات اللي ما بين الضيوف خفيف.
دخلت الشقة، وأنا بفرق عيني بتعب، حاسة بصداع فظيع هيفرتك دماغي، والرؤية قدامي بقت مشوشة.
اتقدمت ببطء، وقعدت جنب خالتي اللي حطت إيدها على رجلي وقالت بصوت مبحوح من كتر العياط:
_ اطلعي نامي شوية يا ونس، هتقعي من طولك يا بنتي.
_ حاضر يا خالتي، هطلع أنام بعد ما الناس تمشي.
عدت ساعة وراها التانية ومرت التالتة والبيت بقى فاضي.
قُمت بهدوء من جنب خالتي بعد ما اتأكدت إنها نامت.
قفلت الباب بهدوء، لقيت إيهاب داخل الشقة ومن بعديه يونس.
قربت من إيهاب اللي كان جاي ناحيتي، وقلت بمرح:
_ أسندك ولا هتعرف توصل للأوضة.
ضحك بخفة مؤلمة، ومسكني من خدي بلطف، وقال:
_ يا ستي أسندي نفسك الأول، وإنتِ شبه الأموات كده.
بصيتله بطرف عيني، وقلت:
_ مش هرد عليك عشان مش شايفة قدام، وعشان أنا العاقلة.
هز رأسه بابتسامة، واتحرك ناحية أوضة بتعب.
قربت من يونس اللي كان واقف شارد الذهن، حطيت إيدي على دراعه بلطف، وقلت:
_ إنت كويس يا يونس؟
حرك عينه عليا بآلية، ورمش ببطء شديد ووزع نظراته على البيت ورجع بص ليا تاني بنظراته الغريبة بس موجعة أوي.
_ شايفة إني كويس؟
نبرته خلتني أدمع تلقائية.
مسحت دموعي بسرعة وقلت:
_ هتبقى كويس، بإذن الله هتبقى كويس.
_ بس أنا قلبي واجعني أوي يا ونس.
رفعت نظري له بألم، وقلت:
_ ابتلاء وهيعدي.
وحطيت إيدي على دراعه وأنا بحركها بلطف، وقلت:
_ إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، فخلي جوابك على الابتلاء ده هو الصبر وقوة إيمانك يا يونس.
_ إنت عارف إن كل نفس ذائقة الموت وإن محدش دائم فيها إلا وجه سبحانه، وعلاجك مش عند البشر بل عند رب البشر، اشكيله وجعك يا يونس هو اللي قادر يبدل الأحوال ويصبرك على ما بلاك.
ابتسم يونس بحب، وقال:
_ ممكن تسمحيلي؟
ضيقت عيني باستغراب، وقلت:
_ بِ إيه؟
_ بِ كده.
مستوعبتش الكلام غير ويونس بيشدني لحضنه.
فتحت عيني بصدمة من حركته.
وفضلت ثابتة مكاني بدون حركة.
_ أنا محتاجك أوي يا ونس، خليكي جانبي.
حاولت أبعد وأنا بقول:
_ إبعد يا يونس.
سابني، وقال:
_ آسف، بس حاسس إني ارتحت.
بلعت ريقي بتوتر، واتحركت ناحية الباب، وقلت:
_ تصبح على خير يا يونس.
_ وإنتِ من أهلي يا ونس.
اتجاهلت جملته وطلعت شقتنا بالعافية.
خبطت على الباب برفق وأتمنى يكون حد سمع للخبطة.
فتح سِنان.
ابتسمت له بخفة وتعب.
بادلني الابتسامة، ومسكني من كتفي، وقال:
_ تعالي يا ونسي!
دخلت وأنا ساندة جسمي كله عليه، وقلت:
_ وديني للسرير يا سينو.
_ تعالي يا عيون سينو.
دخلنا أوضتي، نمت على السرير وغطاني سِنان كويس ونام جنبي بهدوء.
لفيت وشي له، وقلت:
_ مش رايحة الشغل بكرة، كفاية وجع مرارة.
ضحك سنان وخدني في حضنه، وقال:
_ فداكِ يا ونسي، نامي إنتِ وارتاحي.
غمضت عيني بتعب كبير ونمت.
___
عدى أسبوع على وفاة عمي والأجواء بقت أهدأ.
وأنا واخدة إجازة بقالي أسبوع وعاملة حجة وفاة عمي، لحد ما دكتور أمجد قالي امبارح مش عايز أشوف وشك تاني في المستشفى.
ضحكت.
آه والله ضحكت، أصل هما ميقدروش يتخلوا عني في المستشفى.
نزلت مع سنان عند خالتو بعد ما طلبتنا لأمر مهم.
_ إيه اللي جايبك عندنا؟
قالها إيهاب بضيق مصطنع وهو واقف على الباب.
_ مش عشان جمال عيونك يعني يا إيهاب.
_ قصف جبهة رزع.
قالها سِنان وهو بيضحك.
_ اتنين إخوات أبرد من بعض.
_ إيه ده إحنا حرقينك أوي كده.
ضحك سنان على جملتي وبصلي إيهاب بقرف، وقال:
_ إنتِ يا معضمة!
كنت لسه هسكه من شعرة إلا إن خالتي قالت:
_ افتح يا إيهاب والباب ودخل العيال، وسيب ونس في حالها.
فتح إيهاب الباب، دخلت وأنا ببصله بطرف عيني.
ضحك عليا وهو بيهز رأسه بيأس.
دخلت سلمت على خالتي اللي كنت لسه شيفاها الصبح.
_ خير يا خالتي! طلبتينا.
قالها سنان بهدوء.
_ في موضوع عايزة أقولكم عليه.
_ موضوع إيه يا ماما؟
قالها يونس بهدوء واللي كان شكله أفضل من آخر مرة.
_ وصية أبوك!
_ وإحنا إيه علاقتنا يا خالتي؟
_ إنتِ أهم واحدة في الوصية يا ونس!
ضيقت عيني باستغراب.
سبقني يونس وقال:
_ هي إيه الوصية يا ماما؟
مسكت كوباية الماية من على الترابيزة، ومسك إيهاب برضو الكوباية اللي جنبها.
وشربنا.
_ إن إيهاب يتجوز ونس!
_ إيــــــــــــة؟؟
رواية ونس العمر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماء علي
إن إيهاب يتجوز ونس!
إيه؟!
قلتها أنا وإيهاب في صوت واحد بعد ما رشينا الماية في وش بعض.
مسحت وشي بصدمة، وقلت:
إيهاب مين يا خالتو اللي أتجوزه؟
مسح إيهاب وشه، وقال بصدمة مماثلة لخاصتي:
ونس مين اللي أتجوزها يا ماما؟
ضحكت خالتو على ملامحنا.
ضيقت عيني ليها باستغراب وحركت نظري على سنان اللي رفع كتفه بجهل وهو بيبتسم.
بصيت ليونس ولهدوء ملامحه وبرودة نظراته وشبح ابتسامة سخرية.
دي وصية باباك يا إيهاب!
أيوة يا خالتو بس انتِ عارفة إن إيهاب وونس إخوات.
قالها سنان بهدوء.
أيدت سنان وقلت:
حتى لو عمو علي كان يجهل المعلومة دي، بس انتِ عارفة.
حتى لو مكناش إخوات، ونس مين دي اللي أتجوزها.
مالها ونس يا عين أمك؟
قالها سنان بسرسجية.
ورجع بص لخالتو، وقال:
لمؤاخذة يا خالتي.
ضحكت خالتي، وقالت:
لا براحتك يا حبيبي.
كارثة، أختك كارثة متنقلة يا سنان.
ويسلام بقى لو أنا وهي في بيت واحد، وربنا البيت يولع.
أنا بأيد إيهاب في كلامه ودي لأول مرة.
قلتها باقتناع من كلام إيهاب.
أنا وإيهاب عاملين زي ناقر ونقير أو توم وجيري.
مستحيل نسيب فروة بعض وده من وإحنا صغيرين.
ودايما لما أعمل مشكلة أروح له هو عشان يحلها، لإن دماغه بريمو في الحوارات دي.
إحنا إخوات في الرضاعة من أمي.
ودايما مع بعض.
أنا بتعامل مع إيهاب أكتر ما بتعامل مع سنان أخويا أو مع أي حد عامةً.
بحبه آه، بس كحب سنان حب أخوي وهو كذلك.
أنا ممكن أتوافق مع أي حد بس لحد إيهاب وعقلي بيقف.
لازم أتخانق معاه وأعمل عكس الحاجة اللي عايزها حتى لو أنا كمان عايزاها.
إيهاب شاب ناضج جداً بس بيركن عقله وهو بيتعامل معايا ومحترم أخلاقيا وكل حاجة بس معايا لسانه متر ونص.
إيهاب جميل شكلاً وعنده عضلات.
شاب العيلة كلهم عندهم فورمة اللهم لا حسد.
بس ليه بابا كاتب وصية زي دي؟
قالها يونس بهدوء وهي بيبصلي بنظرات مخيفة.
بلعت ريقي وحركت نظري من عليه.
مش عارفة!
المفروض انت أكتر واحد تكون عارف.
قالتها خالتو وهي بتبص ليونس بغموض.
وزعت نظري عليهم بترقب.
رد يونس بنبرته الهادية، وقال:
بابا عمره ما لمحلي بالوصية دي.
يمكن شك في حاجة، وحب يتأكد.
بصيت لخالتو بجهل من الألغاز اللي قاعدين يقولوها لبعض.
هيشك إزاي وأنا كنت بعيد؟
قالها يونس بعصبية طفيفة.
انت شايف إن المسافات هي اللي هتمنعك يا يونس.
لا، مقدرتش تمنعني، بس أنا كنت واعي للي بعمله.
انتوا بتقولوا إيه يا جماعة؟! أنا مش فاهمة حاجة؟!
قلتها بعدم فهم وأنا بحرك نظري ما بينهم.
بصيلي يونس وكان لسه هيتكلم إلا إن خالتو قالت:
متستعجليش يا ونس بكرة تعرفي.
ضيقت عيني بعدم فهم، وقلت:
أعرف إيه؟؟
متخديش في بالك يا ونس ماما قصدها بكرة كلنا نعرف إيه اللي خلى بابا يكتب الوصية دي.
بصيتله لبرهة بعدم تصديق.
غمض عينه بهدوء وكأنه بيقول "اطمني."
اتجهلت حديث يونس مع مامته وكبرت دماغي شاب ومامته وبيتكلموا أنا مالي.
قمت من على الكرسي بهدوء، وقلت:
طب أستأذن أنا عشان رايحة الشغل.
مسك إيهاب إيدي وشدني وقام من مكانه، وهو بيقول:
خديني معاكِ!
قعدت على الكرسي تاني من شدة إيهاب.
بصيلي باستغراب، وقال:
إيه اللي قعدك تاني؟
قمت مرة واحدة وقلت:
أصل انت غريب، سايب الدنيا كلها وجاي تمسك فيا شايفني حملك يا تلح.
ضحك إيهاب بصوت عالي، وخالتو وسنان وابتسم يونس بخفة.
أنا دلوقتي اتأكدت ليه مينفعش تكونوا في بيت واحد مع بعض.
قالتها خالتي وهي بتضحك عليا وعلى إيهاب.
بصيت لإيهاب بطرف عيني وأنا بحرك رأسي.
وقعت عيني في عين يونس.
نظراته ليا غريبة من ساعة ما نزلت وهو بيبصلي بطريقة مخيفة، ومش مبشرة إطلاقا.
عدلت طرف حجابي بتوتر، ورجعت خطوة لورا، وقلت:
أنا همشي بقى.
وطلعت جري من الشقة.
لإمتي يا يونس؟
لإمتي إيه يا ماما؟
قلتها بقلة حيلة وأنا عارف نهاية الحوار ده هتكون إيه.
هعمل نفسي مش عارفة إنك عارف وهقولك.
حركت رأسي بضيق وتنهدت بصوت عالي، وقلت:
خلاص بقى يا ماما، بلاش تقطم فيا كل ما ألمح وشي، أنا زهقت.
يونس، الحقيقة مسيرها هتبان والوقت اللي قاعد تماطل فيه ده هو اللي هيخليك تخسرها.
بصتلها بقوة، وقلت:
مستحيل أخسرها، حتى لو هي اللي عايزة.
حطت إيدها على رجلي بهدوء، وقالت:
يبقى لازم الحقيقة تبان قبل فوات الأوان.
حاضر يا ماما، حاضر.
واتنهدت وقلت بتعب:
أنا بس مستني الوقت المناسب، اللي هتكون قادرة تسمعني فيه.
هتسمعك، وهتتقبل الحقيقة وأنا معاك وهساعدك.
حطيت إيدي على إيدها، وقلت بابتسامة:
ربنا يديمك ليا يا ست الكل، وميحرمنيش من وجودك أبداً.
ولا يحرمني منك ولا من إيهاب يا حبيبي.
بصيت قدامي بشرار، وقلت:
إيهاب!
ما تركزي يا حلوة وإنتِ ماشية!
ونس.
مسكت التلفون من على الأرض وقمت وأنا بقول:
مليكة!
مفاجأة مش كده؟!
حطيت التلفون في جيب الإسكرابوقلت بلامبالاة:
بالعكس والله! أنا حتى كنت بدعي ربنا إن الغيبة دي ميكونش وراها مصيبة.
يخربيت الشهرة!
ضحكت على جملتها، وقلت:
هتجيب أجلنا والله.
طب تعالي نقعد في الكافتيريا.
سحبت إيدي اللي مليكة شبكتها في دراعها، وقلت:
طريقك السلامة يا حبيبتي أنا لو دكتور أمجد لمحني قاعدة الأسبوع ده من غير شغل، هيطردني من غير مرتب.
ضحكت مليكة بصوت عالي، وقالت:
حتى الدكتور أمجد طلعتيه عن شعوره.
والله ما جيت جانبه، هما اللي مستقصديني إكمني غلابة ومابعرفش آخد حقي.
قلتها وأنا بعمل نفسي علبانة.
ضحكت مليكة وحطت إيدها على كتفي وهي بتقول:
يا ضنايا يا بنتي، ظالمينك الناس دول.
أوي أو.. استني بس هو في كاميرات هنا.
قطعت جملتي وأنا بلف نظري على زوايا الممر.
يا ختااي، زمان الدكتور أمجد بيحضر السلاح اللي هيقتلني بيه.
دكتور أمجد يا بنتي، ده حتى دكتور أمجد طيب و...
ما بلاش انتِ، عشان الحيطان لها ودان، وأيهم جوزك مش بيقصر.
قلبت مليكة شفايفها بطريقة مضحكة، وقالت:
يخربيت القيادات العليا اللي فضحاني قدام أيهم.
ضحكت بصوت عالي، وقلت:
منهم لله يا شيخة، موقفين حالي ومش راضيين يكدروني.
على أساس إنهم بيكدروني.
وماله يا غوالي نكدروكم!
بصيت أنا ومليكة لبعض بعيون مفتوحة.
بلعت ريقي بتوتر وضحكت لمليكة بحسرة.
لفيت بضهري، وقلت بابتسامة:
دكتور أمجد!
أيوة دكتور أمجد يا ونس.
منور يا دكتور!
قلتها مليكة بابتسامة مرتعشة.
بص أمجد لينا بغل، وقال:
ده نورك يا مليكة هانم.
رجعت كام خطوة لورا، وقلت بهمس:
بتعرفي تجري يا مليكة.
بصيتلي بطرف عينها، هزت رأسها بـ "آه".
مع تلاتة إجري.
هزت رأسها وهي بتبص للدكتور بنظرات مضحكة.
واحد اتنين تلاته.
ومع تلاتة جرينا أنا ومليكة من قدام الدكتور.
كنت ماشي في المستشفى، وحسيت بحركة ورايا.
لفيت ضهري عشان أتأكد من شعوري.
بس لقيت الممر فاضي، وأنا باتعدل عشان أكمل طريقي خبطت في حد.
معلش، مقصدتش.
ونس!
رفعت عينها ليا، وقالت بصدمة:
يونس! بتعمل إيه هنا؟
كنت عايزك في موضوع!
موضوع إيه؟
مش هينفع نتكلم هنا، تعالي نخرج.
بس..
ما بسش، تعالي!
مسكتها من إيدها وخرجنا برة المستشفى.
استني بس يا يونس.
وقفت لمرادها، وقلت:
إيه؟
إيه الموضوع المهم؟
قلت لك مش هينفع أقوله هنا.
سابت إيدي وقالت:
وإيه اللي قل نفعانه.
ونس!
يونس.
قلتها وهي بتبص في عيني بتحدي.
اتنهدت بقلة حيلة وقلت:
أنا عايزك تسمعيني للآخر، وبلاش تندفعي.. تمام؟
ضيقت عينها باستغراب، وقالت:
تمام.
أنا... علفكرة أنا متجوز يا ونس.
نعم؟؟؟؟؟
رواية ونس العمر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماء علي
أنا.. علفكرة أنا متجوز يا ونس.
نعم؟! متجوز؟!
قلتها بعدم فهم للجملة اللي قالها، وضيقت عيني وهزيت رأسي بسخرية كبيرة، وقلت:
يعني إيه متجوز؟
ابتسم بهدوء، وقال:
يعني كاتب كتابي.
ضحكت بسخرية وعدم تصديق.
حاولت أخرج الكلام بس الصدمة ألجمت لساني.
الكلمات هربت من على لساني وعقلي وقف عند جملته ومقدرش يتجاوزها.
رفعت نظري له، وجاهدت عشان أتكلم بس مقدرتش.
خرجت مني كلمات بتلقائية وبدون وعي مني، وقلت:
إنت بتهزر يا يونس؟!
إنت بتهزر!
إنت لو بتهزر، فالهزار ده سخيف واللهِ.
ومسبتلهوش فرصة يتكلم، وهزيت رأسي بعدم تصديق، وقلت:
طب إمتي؟
وإزاي أنا معرفش؟
أقصد.. أنا مليش علاقة أيوة بس..
بس إنت إزاي مقولتليش؟
أقصد يعني إنت إزاي مقولتلناش؟
وحصل إمتي الكلام ده؟
أنا كنت بتكلم ومش مصدقة ولا عارفة أستوعب إيه اللي أنا بقوله.
حسيت بغصة كبيرة أوي في قلبي ويونس بيقولي "إنه متجوز".
متجوز إزاي وأنا..
ضحكت بسخرية على سذاجتي وإن يونس ممكن يكون بيحبني زي ما أنا بحبه.
آه بحبه، بحبه من وأنا في ابتدائي وهكدب لو قلت بطلت أحبه لما سافر، بالعكس وكأن بُعد المسافات أقوى الحب اللي جوايا.
أنا واقفة ببص لـ يونس بألم ودموعي مكتومة في عيوني وتأبى إنها تنزل.
ألف مبروك يا يونس!
وبصيت في عينه، وقلت بألم:
بس مين؟
إنتِ!
رد بسيط مع ابتسامة هادية وملامح هادية ونبرة صوت هادية.
نزلت رأسي لتحت وأنا بمسح دموعي، وعقلي مكنش استوعب كلمته.
فتحت عيني على وسعها ورفعت عيني له، وقلت بصدمة:
إنت قلت إيه؟
مد إيده ومسح دموعي برقة، وقال وهو عينه في عيني:
إنتِ مراتي يا ونس!
وقفت أبص له بصدمة وعيني عليه وجسمي ثبت زي الصنم.
ونس!
قالها يونس وهو بيزقني.
ها؟
مالك؟
زقيته بعيد عني، وقلت بغضب:
مالي؟
إنت من ساعة ما جيت وإنت بتقول كلام مش موزون.
مرة أنا متجوز يا ونس ومرة إنتِ مراتي يا ونس.
وقربت منه فجأة، ومسكته من هدومه، وقلت:
مرات مين؟
هاا...
مراتك إزاي؟!
مراتك إزاي وأنا متجوزتكاش.
مسك إيدي بهدوء، وقال:
إهدي بس يا ونس وأنا هفهمك.
هتفهمي إيه؟
مفيش حاجة من الهبل اللي إنت قلته ده صح.
مستحيل، مستحيل.
لا مش مستحيل يا ونس، إنتِ مراتي ومن سنين كمان.
هزيت رأسي بهستيرية، وقلت:
إنت أكيد بتكدب عليا، أنا متجوزتكاش، أنا معرفش إنت بتقول إيه؟!
أنا مش مراتك، أنا.. أنا.. أنا.
في ثانية لقيت نفسي في حضنه وهو بيمسح على حجابي، وبيقول:
إهدي يا ونسي، إهدي يا حبيبي وأنا هفهمك.
وسكت شوية، وقال:
إنتِ تعرفي، بس مش فاكرة.
أنا كنت ساكنة في حضنه وعيني بتمر على اللاشيء.
كنت زي التايهة مش فاهمة حاجة ولا عارفة حاجة.
سمعت يونس بيقول:
أنا كتب كتابي عليكي بعد ما تميتِ 18 بإسبوع.
المرة الوحيدة اللي نزلت فيها مصر من غير بابا، كنت نازل عشان كده.
حركت رأسي حركات خفيفة بتعبر عن مدى الصدمة اللي أنا فيها.
أنا لساني مش قادر ينطق، الكلمات جوايا مش راضية تخرج.
حاسة إني الدنيا حواليا ضلمة وأنا مش قادرة أتحرك عشان ألاقي النور.
مش عشان بحبه إني أتقبل الموضوع بالبساطة دي، أنا اتصدمت.
والصدمة كانت كبيرة أوي، أنا مش بالساهل هتقبل.
وهمشي حياتي عادي. مش بالساهل.
عارف إنك أكيد غضبانه وتايهة، وفي جواكِ بركاني لو تطولي هتفجريه في وشي.
وأنا مستعد لأي موجة غضب منك، المهم عندي متسكتيش.
ابتسمت بخفة، وأنا بجاهد عيني عشان متقفلش، بس مقدرتش وحسيت الدنيا بتلف من حواليا وعيني الرؤية قدامها بقت مشوشة تماماً.
غمضت عيني بإستسلام وأنا في حضن يونس.
كنت حاسة بالدفء بس الشعور بالغضب اللي جوايا كان مانعني من إني أبصر أي حاجة تانية حواليا.
استسلمت للدوار اللي بيشدني وكانت آخر حاجة استشعرها هو صوت يونس الهادي، وهو بيناديني:
ونس!
ونس!
قلتها بهدوء وأنا بحرك إيدي على حجابها.
شدتها لحضني أكتر وأنا مش عايز أخرجها تاني.
بس حسيت بتقل دماغها على كتفي وإن جسمها بدأ وكأنه سايب نفسه.
بعدتها عني وأنا ماسكها بحرص.
كانت فاقدة الوعي.
ضربت على وجنتها بخفة، وقلت بخوف:
ونس!
ونس!
شلتها بين إيدي بسرعة لما لقيت مفيش استجابة واتجهت ناحية العربية وحطيتها بإهتمام على الكرسي.
قربت منها وأنا بطمن على نبضها وتنفسها.
زفرت براحة لما لقيت الوضع تمام.
قفلت الباب واتجهت ركبت جانبها وشغلت العربية وانطلقت لوجه جديدة تماماً على ونس.
ونس!
قلتها وأنا بقرب منها البرفان.
حركت رأسها بإندفاع كبير وهي بتفتح عينها ببطء.
حطيت زجاجة البرفان على الترابيزة ورجعت بصيت لـ ونس بهدوء.
وزعت ونس نظراتها على المكان وهي نايمة وكأنها لسه بتستوعب هي فين، لحد ما قابلت عيني.
بصيتلي بغرابة، وقامت مرة واحدة، وقالت:
إحنا فين؟
وإيه اللي جابني هنا؟
ممكن تهدي وأنا هجاوبك على كل حاجة.
حطت رأسها بين كفوفها، وقالت بصوت قدرت من خلاله ألتمس مدى الصراع اللي هي فيه:
أنا فعلاً مش فاهمة حاجة وحاسة إن الدنيا بتلف بيا.
قمت قعدت جنبها على الكنبة، وقلت:
إيه اللي حابة تعرفيه؟
بصيتلي بإندفاع، وقالت:
أنا إزاي مراتك؟
ابتسمت بلطف، وقربتها مني بحب.
حاولت تبعد. شدتها ليا أكتر وقلت:
ونس إنتِ مراتي، متحوليش تبعدي، إحنا مش بنعمل حاجة غلط.
اتنهدت بقلة حيلة وفضلت ساكنة جنبي وكأنها اقتنعت أو ارتاحت.
كنت ناوي أتجوزك قبل ما أسافر لندن، بس باباكِ رفض رافض تام بسبب إنك كنتِ لسه صغيرة أوي.
وافقت على رأيه وأنا بجبر نفسي أوافق، لكن أنا كنت عايز أتجوزك.
رفعت ونس عينها ليا بإستغراب.
ابتسمت لها، ومسكت خدها بلطف، وكملت:
أكيد مستغربة ليه؟
هزت رأسها بتأييد لكلامي.
عشان أنا كنت بحبك.
هتقوليلي ما كان ممكن تستني لحد ما تكبري ونتجوز.
هرد عليكِ وأقولك إن بابا مكنش عايزني أتجوزك.
هتقليلي عرفت منين أو إزاي.
هقولك إنه قالهالي في وشي وأنا فكرته بيهزر، لكن لما سافرت لقيته بيمنعني طول الوقت إني أنزل مصر ولما فتحت معاه الموضوع طنشني وقالي لسه بدري على الكلام الفاضي ده.
بصيت لـ ونس، وقلت:
هو لو كان موافق كان هيريحني، وكان قال كلمة تطمني، بس هو مقالش حاجة ودايما كان بيخليني بعيد عن حاجة إنتِ فيها، ويوم تخرجك كنت مجهز شنطتي وحاجز الطيارة وكنت خلاص همشي بس هو منعني بغرض الشغل وأنه مينفعش يتأجل.
أومال إنت نزلت إزاي من لندن في اليوم ده؟
تقصدني يوم كتب كتابنا؟
هزت رأسها وهي بتحاول تقنع نفسها إنها مكتوب كتابها.
ابتسمت بخفة عليها، وقلت:
استغليت إنه كان عنده مؤتمر خارج البلد، وكلمت عمي وقولتله على اللي هيحصل، هو الصراحة مكنش موافق بس أنا أقنعته وخليته يقنعك.
ونزلت في اليوم ده لإني كنت حاجز طيارتي من قبلها بيوم، كتبت كتابي عليكِ من غير علم بابا.
إزاي وأنا مش فاكرة حاجة من دي؟
شديتها ليا أكتر، وقلت بهدوء:
ده بسبب إنك فاقدة الذاكرة.
ضيقت ملامحها بإستغراب كبير، وقالت:
نعم؟
إيه المسلسل الهندي ده؟!
ضحكت بخفة، وقلت:
هو فعلاً مسلسل هندي ومترتب صح.
بصيتلي بجهل من كلامي.
اتنهدت بهدوء، وقلت:
أنا بعد كتبت كتابي عليكِ، وإنتِ كنتِ موافقة ومقبلة على الموضوع، وأنا حقيقي كنت مستغرب من موافقتك بالسرعة دي.
إنتِ مكنتش بطيقيني، أو يمكن إنتِ اللي كنتِ بتحاولي تظهري كده.
بصيتلي بطرف عينها بشك من كلامي.
ضحكت عليها، وقلت:
يعني كلامي صح؟
صح إيه؟
مش أنا فاقدة الذاكرة.
ضحكت على ملامحها المتشنجة، وقلت:
هو عشان أنا قلت إنك فقدتي الذاكرة، يبقي فقدتي ذكريات حياتك كلها.
دي هي السنة اللي إحنا اتجوزنا فيها بس.
بصيتلي بقرف، وقالت بطريقة مضحكة:
شكلها كانت جوازة فقر.
ضحكت بصوت عالي، وأنا برجع بضهري لورا.
حركت رأسها ناحيتي، وقالت:
طب أنا فقدت الذاكرة إزاي؟
اتعدلت في مكاني من جديد، ومسكت إيدها اللي كانت مشبكاها في إيدها التانية، وحطتها بين إيدي، وقلت:
أنا بعد ما خلصت اللي كنت نازل عشانه، رجعت تاني يوم بسبب الشغل وبابا كمان.
وبعد حوالي شهرين جالي اتصال من ماما بتقولي إنك عملتي حادث سيارة، وقالتلي إنك فقدتي جزء بسيط جداً من ذاكرتك، واللي هي كانت السنة اللي كتبت كتابي فيها عليكِ والوقت اللي قدرت أقرب منك فيه واللي علاقتنا كانت أحسن من أي وقت مر.
قولتلك إنها كانت جوازة غبرة.
واللهِ أفضل ما فيها إنك بقيتي مراتي واسمك بقى على اسمي.
بصيتلي بإبتسامة وهي بتعدل طرحتها بهدوء.
قربت منها، وقلت:
بس تعرفي إيه أحسن حاجة حصلت في اليوم قبل ما أمشي؟
إيه؟
إني أخدتك في حضني لأول مرة.
ياااه كان شعور جميل أوي مقدرتش أوصفه.
حركت عينها من عليا بتوتر.
ضحكت بخفة، وقلت:
كنتِ وحشاني أوي أوي علفكرة.
وإنت كمان والله يا يونس.
قالتها بتلقائية وهي بتبصلي.
ضحكت عليها لإنها مش واعية هي قالت إيه، بس ده اللي كان في قلبها.
وأنا كنت مبسوط أوي إنها كانت بتبادلني نفس الشعور.
بصت قدامها لبرهة، وفتحت عينها بصدمة وقامت من على الكنبة، وقالت بسرعة:
أنا كنت أقصد.. الل هو يعني، مكنتش واحشني ولا حاجة.
ابتسمت بخفة، وقلت:
أيوة أنا عارف.
علفكرة إنت بارد.
قمت من مكاني، وقلت:
أنا بارد.
بلعت ريقها، وبصيتلي بتوتر، وقالت:
أيوة، وأنا مش خايفة.
هو أنا قلتلك إنك خايفة!
إنت بتقرب مني ليه؟
مراتي!
رجعت ونس لورا ببطء وبتبص في عيني.
هلم عليك أمة لا إله إلا الله والله يا يونس.
ضحكت جامد وأنا بقرب منها، وقلت:
محدش له عندي حاجة يا عيون يا يونس، بس جربي ممكن ده سبب يخلينا نتعرف على جيراننا الجُداد.
وقفت مرة واحدة، وقالت:
جيراننا الجُداد!
وقفت قصاد، ومسكتها من خدها، وقلت بهدوء:
أيوة، ما عبال عندك دي شقتنا اللي هنستقر فيها بإذن الله.
لا طبعاً، انا مش موافقة.
رواية ونس العمر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماء علي
ما عبال عندك، دي شقتنا اللي هنستقر فيها بإذن الله.
لا طبعاً، أنا مش موافقة.