رواية ومجبل علي الصعيد — الفصل 38 — بقلم رانيا الخولي
عادت حلم إلى الصعيد تحت رقابة مشددة منذ مغادرتها إلى الجامعة وحتى عودتها باتفاق بينها وبين مهران. فقد تنازلت بالفعل عن المزرعة والأرض التي تركهم والدها لها مقابل إقناع جدها بضرورة عودتها للدراسة تحت الرقابة اللصيقة.
دلت المنزل لتجد جدها جالسًا في مقعده كعادته. تقدمت منه لتقبل يده وقالت بهدوء:
_ ازيك يا جدي.
أومأ لها بفتور:
_ زين، خلصتي امتحانك؟
ازدردت لعابها بصعوبة لعلمها ما يسأل لأجله، وتحدثت بارتباك:
_ أيوه يا جدي.
هز رأسه ليقول بحبور:
_ يعني مبقاش عندك حجة تانية تهربي بيها، إني عايز أعجل بزواجك.
انقبض قلبها خوفًا من ذلك المصير الذي لا مهرب منه، وقالت بثبات:
_ بس يا جدي، إني اتفقت مع مهران إن الفرح بعد ظهور النتيجة وهو وافق، على الأقل أرتـاح شوية من حرقة الأعصاب بتاعت الامتحانات.
ضرب سالم بعصاه الأرض وتحدث بقوة:
_ وأيه اللي يخليني أستنى الوقت ده كله؟
ازداد خوفها أكثر وقالت بثبات زائف:
_ هو إحنا هنروح فين، إني معاكم ومفيش حاجة تخليك تقلق.
رفع نظره إليها ليقول بمغزى:
_ على أساس إنك تقدري تفكري تعملي حاجة كده ولا كده؟
هزت رأسها بنفي وقالت بخوف:
_ لا طبعًا يا جدي، إني مستحيل أعمل حاجة تغضبك، بس معلش أجل الفرح الفترة دي.
التزم الصمت قليلًا ثم تحدث بجدية:
_ طيب روحي دلوقت ويبقى أشوف الموضوع ده مع مهران.
انسحبت بهدوء وصعدت للأعلى، وكانت والدتها في انتظارها لتأخذها وتدلف بها الغرفة. أغلقت الباب بإحكام حتى لا يستمع إليهم أحد، وقالت بقلق:
_ عملتي إيه يا حلم؟
جلست حلم على الفراش وأجابتها بهدوء:
_ ولا حاجة، خلاص نهيت الموضوع زي ما قولتي، رضيت بنصيبي.
جلست والدتها بجوارها وقالت بحزن على حال ابنتها:
_ معلش يا بنتي، نصيبك من الدنيا كده، ويا عالم يمكن ربنا يهدي مهران ويكون زوج صالح ليكي.
ابتسمت بتهكم وهي تقول:
_ زوج صالح؟ إن كان أبويا زوج صالح ليكي ولا عمي اللي خلى مراته تموت نفسها من القسوة اللي شفتها منه، يبقى هو كمان يتغير. طول ما جدي عايش على وش الدنيا مفيش حاجة هتتغير.
أيدت ريحانة رأي ابنتها:
_ عندك حق في كل كلمة، حتى لما ولاده الاتنين ماتوا في الحادثة قولنا هيتغير، بس بالعكس بقى أقسى من الأول. يمكن انتي اترحمتي شوية بعلامك، إنما أنا ومرت عمك مكناش بنشوف الشمس. بس نصيبنا كده، نحمد ربنا على كل حال.
أومأت حلم في صمت وداخلها يبكي بقهر.
انتهت ليلى من عملها وأخذت حقيبتها كي ترى هاتفها الذي اعتادت أن تضعه على وضع الصامت أثناء معاينة المرضى، لتجد عشرات المكالمات من أمجد وحازم. شعرت بالقلق وهمت بالاتصال بهم، لكن الهاتف أغلق بسبب نفاذ البطارية. زمّت فمها بضيق:
_ هو ده وقته.
أعادته للحقيبة ثم أخذتها وخرجت من المشفى عائدة للمنزل بقلق بالغ. فور وصولها وجدت معتز وحازم جالسين في الحديقة، والقلق والتوتر باديًا عليهم. وفور رؤيتها أسرعوا إليها ليقول حازم:
_ انتي كنتي خابرة إن أمجد جاي النهاردة؟
ازداد قلقها وسألتهم بريبة:
_ لأ مكنتش أعرف إلا من ساعة كده، ليه؟
قال معتز بغيظ:
_ أن البيه عك في الكلام قدام أبوكي وشك في الموضوع، وطول القعدة وهو مراقبنا، وعشان كده هربنا منه.
انقبض قلبها خوفًا وهي تقول بريبة:
_ وبعدين إيه اللي حصل؟
_ ولا حاجة، قال الكلمتين بتوعه وخلع وسابنا إحنا لأبوكي.
ارتعب قلبها أكثر لعلمها بحالة والدها عندما يغضب، فقالت بانسحاب:
_ إني راجعة المستشفى تاني.
أوقفها صوت جمال الذي ينادي عليهم وهو يقول بلهجة حادة:
_ مستنيين الأكل يجي لحد عندكوا ولا بتهربوا من حاجة؟
نظر كل واحدٍ منهم للآخر بارتباك، فقالت ليلى بارتياب:
_ لا جايين.
سار الجميع تحت نظرات جمال الذي أخذ يراقبهم بوجوم حتى مروا من أمامه ودلفوا للداخل. جلسوا جميعًا على المائدة وأعينهم لا تنزاح من أطباقهم خوفًا من أبيهم الذي مازال ينظر إليهم بحدة.
وقد لاحظت وسيلة نظراته القاتمة لهم فسألته:
_ مالك يا جمال بتبص للولاد كده ليه؟
نظر إليها وهو يحاول السيطرة على غضبه:
_ هتعرفي بس بعد ما يتغدوا.
ازداد قلقها وسألته:
_ عملوا إيه، طمني.
نظر إلى ليلى التي ظهر الخوف على وجهها جليًا:
_ مش كنت قايلك إن في حد في حياة بنتك.
قطّبت جبينها بقلق:
_ واتحدثت معاها وقالت مفيش.
أكد لها بغيظ:
_ لأ فيه، وخابرة يبقى مين؟
سألته بشك:
_ اوعى تقول إنه…
أومأ لها:
_ أيوه هو، كان واضح من حديثه، ومن وقتها وهما خايفين مني زي ما انتي شايفة.
نظرت إليهم لتجدهم يتناولون طعامهم في وجوم على غير عادتهم، فقالت بتردد:
_ مش عايزين نظلمهم، اتحدث معاهم الأول.
كز معتز وحازم وهو يقول بصوت خافت:
_ مادام اتوددوا كده يبقى أكيد بيحكي.
رد حازم بضيق:
_ كله من اللي اسمه أمجد ده، دبسنا وخلع، بس وديني لأرداله.
تذكر معتز أمر جاسر فقال مسرعًا:
_ أحنا نسينا جاسر، إيه رأيك نلبسه الليلة.
لمعت الفكرة بعقله وأيده قائلاً:
_ أول مرة تقول حاجة صح، إحنا فعلًا لما عرفنا خبرناه وهو اللي سكت، هنقول لأبوك إننا لما عرفنا كلمنا جاسر ومنعرفش حاجة بعدها.
أومأ بتأييد:
_ خلاص اتحلت.
تذكر معتز أمر ليلى وسأله:
_ وليلى؟
تحدث بغيظ:
_ تشيل هي الليلة، هو كده ولا كده مبيقدرش يتحدث معاها ولا يزعلها، هيقولها كلمتين وخلاص، إنما إحنا ما بيصدق يمسك علينا غلطة. هو جاسر قال هيرجع إمتى؟
_ هيرجع بالليل لأنه جاي بالعربية.
ابتسم بخبث وقد وجد حلًا أخيرًا للخروج من تلك المصيبة التي حطت فوق رأسهم، وقال:
_ حلو أوي كده، هنشيله الليلة ونفلت إحنا، أنا هتدارى في جليلة وانت شوفلك مكان تاني لحد ما يرجع.
قال معتز باقتراح:
_ لأ روح انت عند جدك عاصم وبالمرة تشوف زينة، وأنا هتدارى في جدتي.
أما عن ليلى فكانت تتناول طعامها وتترقب كل نظرة من والدها إليها، وعندما تتقابل نظراتهم تخفضها بخوف، خاصةً عندما تحدث بأمر وهو ينهض من مقعده:
_ بعد ما تخلصوا أكل تعالوا على المكتب.
سبقهم إلى المكتب تحت نظرات عمران المتسائلة، وخاصةً عندما وجد ثلاثتهم ينهضون باستسلام متجهين إلى غرفة المكتب. نظر إلى وسيلة كي يعرف منها ما يحدث، لكنها هزت كتفيها بقلة حيلة.
في الداخل، وقف جمال ينقل بصره بينهما، فشعرت ليلى بأن قلبها على وشك التوقف من شدة الرعب، وخاصةً عندما تحدث بصرامة:
_ رايد أعرف بالظبط إيه اللي كان بيحصل من ورا ضهري.
أغمضت ليلى عينيها بخوف وقررت الاعتراف بما حدث مع إخفاء بعض الحقائق، فقالت بخوف:
_ أ..أنا.. معملتش حاجة، كل الحكاية إنه كان مريض في المستشفى اللي كنت فيها، وطبعًا بما إن مرضه نفس تخصصي، فكنت بتابع الحالة مع دكتور عصام.
نظرت إلى حازم ومعتز بتوعد إن لم يؤكدا حديثها، وتابعت:
_ كنت معرفاهم كل حاجة وإني بعالجه، وكانوا بيزوروه في المستشفى باستمرار، وأول ما سافر عشان يعمل العملية رجعت على طول زي ما طلبت مني.
أكد معتز ببلاهة:
_ آه حصل.
وكذلك حازم:
_ آه حقيقي، وحتى جاسر أخوي راح شافه قبل ما يسافر، كان في الوقت ده ما بين الحياة والموت.
اتسعت عين ليلى بذهول من إقحامهما لجاسر في الأمر حتى يتمكنا من النجاة بنفسيهما منه.
فقال جمال بلهجة آمرة لمعتز وحازم:
_ اطلعوا انتوا برة دلوقت.
أومأ الاثنان وأسرعا بالخروج، مما جعل قلب ليلى يرتعد بخوف، وخاصةً عندما تحدث جمال بصرامة:
_ لو كنت أعرف إنك هتخوني ثقتي فيكي مكنتش وافقت أصل إنك تسافري وتبعدي عن النجع.
حاولت الدفاع عن نفسها لكنه منعها:
_ خابرة اللي رايدة تقوليه، بس الحالة اللي كنتي فيها بعد ما رجعتي تأكد إن الموضوع أكتر من مريض ودكتورة، ممكن يكون الموضوع متخاطاش الحدود اللي علمتهالك. بس المشاعر اللي كانت بينكم دي لوحدها خيانة لثقتنا. إني مش هعاقبك، لإن لو حد يستاهل العقاب يبقى أنا مش انتي. اتفضلي دلوقت على أوضتك ومتخرجيش منها.
خرجت ليلى من الغرفة فور دخول وسيلة التي أسرع إليها حازم ومعتز كي تدلف وتهدئ الأمور بينهما. لتجد جمال ينظر إلى ليلى باحتدام. تقدمت منه بعد خروج ابنتها وقالت بثبات:
_ قولتلها إيه، خلتها تطلع معيطة كده.
نظر إليها كي ينالها نصيبًا من غضبه وقال بخشونة:
_ عايزاني أقولها إيه؟ واقفة قدامي وبتكدب عليا وبتستغفلني، حتى بعد عرفت الحقيقة. تطلع إليها بعتاب حارق وتابع: بس العيب عليكي انتي عشان انشغلتي عنهم. بقى كل واحد فيهم ليه مصيبة ومداريها عنينا، وانتي ولا انتي هنا.
لم تغضب منه لعلمها بحالته وبغيرته على ابنته الوحيدة، فقالت بهدوء:
_ يا جمال ولادك كبروا وكل واحد فيهم بقى ليه أسراره الخاصة، مش عايز تطفل منينا. انت عودتهم إننا نشاركهم مشاكلهم بس وهما صغيرين، إنما دلوقتي خلاص كبروا. وجاسر لما خبى علينا اللي حصل ده مكنش غلط منه، بالعكس انت نفسك شهدت له بشهامته ورجولته إنه ستر على بنت عمه ومفضحهاش. ليلى كمان كبرت وحبت وده شيء مش بإيديها، زي أنا ما شوفتك وحبيتك، هي كمان شافت وحبت.
قاطعها جمال باستنكار:
_ بس مقدرتش أتحدث وياكي إلا لما كتبنا الكتاب.
_ زمانا غير زمانهم يا جمال، وولادك متربيين زين وعارفين حدودهم. وبعدين الراجل أول ما قدر يقف على رجليه دخل البيت من بابه وجاي يطلبها منك وبصراحة هو ميتعيبش، وياريت توافق ومتكسرش بخاطرها.
استطاعت بأسلوبها أن تهدئ من غضبه ولو قليلاً، لكنه لن يتنازل بتلك السهولة:
_ مش بالبساطة دي، لازم تتعاقب لول وبعدين أحدد إن كنت هوافق ولا لأ.
أرضت كبرياءه بكلماتها المعسولة وهي تأيده:
_ حقك طبعًا، هي غلطت لما خبت علينا ولازم تتعاقب، بس إحنا بنقول هي بنت واحدة ومش عايزين نكسر بخاطرها، وانت عارف هي متعلقة بيك قد إيه، عشان خاطري بلاش تقسى عليها.
قضت الماكرة على ما تبقى بداخله من غضب وتابعت:
_ طول عمرك وانت بتعاقبها بالخصام، لإنه عارف إن بعدك عنها أكبر عقاب، وكانت بتيجي وتعتذرلك. ارجع للعقاب ده، لإنك مينفعش تستخدم غيره دلوقتي.
جلس على المقعد وهو يقول بامتعاض:
_ اتصدمت فيها وفي الكبير التاني اللي كان خابر ودارى عليا.
جلست بجواره وتحدثت بعقلانية:
_ أولاً انت خابر جاسر زين وخابر إنه دمه حامي، مستحيل هيشوفها بتعمل حاجة غلط ويقف ساكت. أبسط ما فيها هيخليها تسيب المستشفى وترجع النجع، إنما ده متكلمش لإنه لقى الموضوع بسيط ومتعداش الحدود. وبعدين بنتك متقدرش تتعدى الأصول عشان تتصدم فيها، هي كانت بتقوم بدورها كطبيبة. يعني لو مكنتش دكتورة؛ لا كانت هتشوفه ولا تتكلم معاه حتى. استهدى بالله كده واني هروح أعملك كوباية شاي تروق بيها.
خرجت من الغرفة لتجد حازم ومعتز يسترقوا السمع أمام الغرفة، فتحدثت من بين أسنانها:
_ بتعملوا إيه؟
حمْحَمَ حازم بإحراج:
_ لا أبدًا، إحنا بس كنا بنشوفك عملتي إيه.
جذبت حازم من أذنيه وهي تنهره بحدة:
_ أكيد انت اللي لبست الليلة لـ جاسر، هو أخوك ناقص يوقعه لأبوك.
أكد معتز:
_ حصل وهو اللي قال أشيل الليلة لجاسر وأطلع أنا منها.
هزت رأسها بيأس منهما وتركتها لجمال الذي خرج من مكتبه ليجدهما أمامه، فقال متوعدًا:
_ الحديث معاكم مخلصش وهيكون فيه بينا كلام تاني.
أومأ الاثنين بصمت ليتركهم جمال ويصعد لغرفته. فيقول حازم بعدم استيعاب:
_ هموت وأعرف هي بتقدر تسيطر عليه إزاي كده.
صحح له معتز:
_ هي مش مسيطرة زي ما بتقول، بس بصراحة أمك عاقلة بزيادة وبتعرف إزاي تتعامل معاه، وحديثها دائمًا بيكون بالعقل. أتمنى إني ألاقي حد زيها.
أخذ طول الطريق يفكر في حل للمشاكل التي تتفاقم بينهما. ظن لوهلة إن ما حدث سيجعلها ترضخ له ويأخذها حنينها إليه، لكنه رأى عكس ذلك.
فلاش باك
عندما وضعت يدها على مقبض الباب كي تخرج، حينها انتهى ثباته الذي تظاهر به وأسرع إليها يمسك يدها يمنعها من المغادرة وهو يقول برجاء:
_ سارة ارجوكي مـ تمشيش.
اهتزت نظراتها إثر تلك المشاعر التي اجتاحتها من همسه، لكنها عاندت:
_ انت مش خلاص زهقت وعايز تطلقني؟
أبعد يدها عن مقبض الباب ليضعها على قلبه الذي ينبض بعنف وكأنه يطالبها بالرفق به وقال بوله:
_ ده اللي بيقولوا عليه المستحيل بحد ذاته.
قربها إليه أكثر وأردف بعشق وهو ينظر إلى عينيها التي امتلأت بالمشاعر الجياشة:
_ أنا بتعذب في كل لحظة وانتي بعيدة عني.
تاهت عينيها في بحور عينيه التي جذبتها وتغرقها في دوامة العشق وهمسه الذي جعل مقاومتها تتلاشى ببطء.
لهمست هي أيضًا بنظرات عاتبة:
_ مش قادرة أسامح في إهانتك ليا.
ازدرد لعابه بوله وقد تنقلت عينيه إلى ملامحها التي اشتاقها كثيرًا وكم سهد ليالي كثيرة قابعًا أمامها يملي عينيه منها، وقال بعشق:
_ ارجعيلي وسيبيني أعوضك عن كل كلمة جرحتك بـيه.
تاهت نظراته على شفتيها التي اشتاق شهدها وحلم بها كثيرًا منذ بعدها عنه.
كانت نسمات انفاسه تلفح وجهها النديْ مما جعلها تغمض عينيها مرحبةً بتلك المشاعر التي يغدقها عليها بسخاء.
كان وجهه قريبًا من وجهها مما جعلها تنظر داخل عينيه الرمادية التي تشكو إليها قسوة الشوق.
أخذها الحنين لأن تلقي بنفسها في أحضانه ولم تتردد ثانية واحدة عن فعلها، فهي في أشد الحاجة لالتماس الأمان بين يديه. ولم يبخل عليها بذلك، بل أحاطها بذراعيه بحب وشوق ليالي طويلة، هي معشوقته التي روت روحه القاحلة بحبها ولن يرضى بغيرها مهما حدث.
أما هي فقد أغمضت عينيها تستمتع بتلك اللحظة التي جعلت قلبها ينبض بوله. تعلم كم مر عليها من الوقت وهي بين ذراعيه عندما رفع وجهها من فوق صدره الذي كانت دقات قلبه تهدر بقوة، يبعدها عنه قليلًا كي ينظر إلى ملامحها التي أصبح مجنونها، وقال بحشرجة:
_ بحبك.
بإرادة ضعيفة منها حاولت دفعه برفق بعيدًا عنها، لكنها تذكرت تلك المرة التي دفعته بها وتألم من جرحه، فخيل إليها إن فعلتها ستؤلمه كما فعلتها من قبل. وشعر هو بترددها، فأمسك يدها وثبتها فوق صدره وقال بوله وهو يبعد عنها وجهه للحظة واحدة:
_ محتاجلك.
كانت ثباتها بعد تلك الكلمة لترحب بقبلاته التي كانت أكثر ضراوة عن زي قبل، وذراعيه التي احتوتها بتملك عاشق.
باكتنهد بتعب وعينيه تنظر للطريق، لكن عقله وتفكيره معها وحدها. كان يتخيلها عائدة معه جالسة بجواره والابتسامة تشق ثغرها بسعادة، لكن أبت العيش في دائرة عشقه واختارت الحزن لكليهما.
عاد إلى المنزل وحيدًا كعادته، يذهب منتويًا إحضارها معه مهما كلفه الأمر، ولكن يعود فارغ اليدين وبقلب يئن ألمًا من بعدها.
انتبه على صوت يناديه:
_ جاسر…